اللمعات العربية
— 126 —

المقام الأول

جواب عن سؤالين
بِاسْمِهِ سُبْحَانَهُ
﴿ وَاِنْ مِنْ شَيءٍ اِلّا يُسَبِحُ بِحَمْدِهِ ﴾
السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته.
أخي العزيز الصادق الوفي السيد رأفت!
إن ما سألتموه من سؤال حول "الثور والحوت" قد ورد جوابه في بعض الرسائل. وقد بُيّنت في "الغصن الثالث من الكلمة الرابعة والعشرين" اثنتا عشرة قاعدة مهمة ضمن اثني عشر أصلًا حول هذا النوع من الأسئلة، تلك القواعد تمثل أُسسًا مهمةً لدفع الشبهات والأوهام الواردة على الأحاديث الشريفة، فكل قاعدة منها محكٌّ جيد لبيان التأويلات المختلفة حول الأحاديث النبوية.
أخي! إنني لا أنشغل إلّا بالسوانح القلبية، فهناك حالات طارئة في الوقت الحاضر تحول -مع الأسف- دون اشتغالي بالمسائل العلمية؛ لذلك لا أستطيع الإجابة عن سؤالكم بجواب شافٍ، وإنْ وَفّق اللّٰه وفتح علينا سوانح قلبية أضطر إلى الانشغال بها. وربما يُجاب عن
— 127 —
أسئلةٍ لتوافقها مع السوانح، فلا تتضايقوا، إذ لا أستطيع الإجابة عن كلٍّ من أسئلتكم إجابة وافية. فلأجِب هذه المرة عن سؤالكم.
تذكرون يا أخي في سؤالكم: أنَّ علماء الدين يقولون: الأرضُ تقوم على الحوت والثور، علمًا أن الجغرافية تراها كوكبًا معلقًا يدور في السماء كأي كوكب آخر، فلا ثور ولا حوت.
الجواب: هناك رواية صحيحة تُسند إلى ابن عباس رضي اللّٰه عنهما، تقول: سُئل الرسول (ص): على أي شيء تقوم الأرض؟. أجاب: على الثور والحوت. وفي رواية أخرى، قال مرة: على الثور ومرة: على الحوت. [٭]: أخرجه الحاكم ( ٤ / ٦٣٦، رقم ٨٧٥٦) الحديث صحيح ولم يخرجاه. وتعقبه المنذرى فى الترغيب والترهيب ( ٤ / ٢٥٨) فقال : في متنه نكارة واللّٰه أعلم. وانظر: أبو الشيخ، العظمة ٣/١٠٣٢، ٤/١٣٨٣، ١٤٠٠، ١٤٠٣. ابن رجب، التخويف من النار ص ١٠١؛ الهيثمي، مجمع الزوائد ٨/ ١٣١؛ ابن الجوزي، المنتظم ١/ ١٧٢. ولكن عددًا من المحدّثين طبقوا هذه الرواية على حكايات خرافية وقديمة وردت عن الإسرائيليات، ولاسيما من علماء بني إسرائيل الذين أسلموا، فهؤلاء غيَّروا معنى الحديث وحوّلوه إلى معنًى عجيب غريب جدًّا، حيث طبقوا الحديث على ما شاهدوه من حكايات حول الثور والحوت في الكتب السابقة.
ونحن هنا نشير باختصار شديد إلى "ثلاثة أسس" و"ثلاثة وجوه" لدى الإجابة عن سؤالكم:
الأساس الأول: لقد حمل قسمٌ من علماء بني إسرائيل بعد إسلامهم معلوماتِهم السابقة معهم إلى الإسلام، فأصبحت مُلكَ الإسلام أي ضمن المعارف الإسلامية . علمًا أن معلوماتِهم السابقة تحوي أخطاءً. فتلك الأخطاءُ بلا شك تعود إليهم لا إلى الإسلام.
الأساس الثاني: إن التشبيهات والتمثيلات كلما انتقلت من الخواص إلى العوام، أي كلما سَرت من يد العلم إلى يد الجهل عُدّت حقائقَ ملموسة بمرور الزمن، أي كأنها حقائقُ واقعة وليست تشبيهات.
فمثلا: حينما كنت صبيًا خُسف القمر، فسألت والدتي: ما هذا الذي حدث للقمر؟. قالت: ابتلعته الحيةُ!. قلت: ولكنه يتبين! قالت: إن الحيَّات في السماء شفافة كالزجاج تشفّ عما في بطنها. كنت أتذكر هذه الحادثة كثيرًا وأسائل نفسي: كيف تدور خرافةٌ بعيدة عن الحقيقة إلى هذه الدرجة على لسان والدتي الحصيفة الجادة في كلامها؟.
— 128 —
ولكن حينما طالعت علم الفلك رأيت أن الذين يقولون كما تقول والدتي، قد تلقّوا التشبيه كحقيقة واقعية؛ لأن الفلكيين شبهوا القوسَين الناشئين من تداخل دائرة الشمس، وهي منطقة البروج ومدارُ درجاتها، مع دائرة القمر وهي ميلُ القمر ومدار منازله، شبهوهما تشبيهًا لطيفًا بحيّتين ضخمتين، وسموهما تنينَين، وأطلقوا على إحدى نقطتي تقاطع تلك الدائرتين "الرأس" والأخرى "الذنب". فحينما يبلغ القمرُ الرأس والشمس الذنب تحصل حيلولة الأرض -كما يصطلح عليها الفلكيون- أي تقع الأرضُ بينهما تمامًا، وعندها يُخسف القمر. أي كأن القمر يدخل في فم التنين، حسب التشبيه السابق.
وهكذا عندما سرى هذا التشبيهُ العلمي الراقي بمرور الزمن إلى كلام العوام غدا التشبيه تنينًا عظيمًا مجسمًا يبتلع القمرَ!.
وكذلك المَلَكان العظيمان المسمّيان بالثور والحوت، قد أُطلق عليهما هذان الاسمان في تشبيه لطيف سامٍ، وفي إشارة ذات مغزى. ولكن لما انتقل التشبيهُ اللطيف، من لسان النبوة البليغ السامي إلى لسان العوام، بمرور الزمن، انقلب التشبيهُ إلى حقيقة واقعة، فاتخذ المَلكان صورةَ ثورٍ ضخم وحوتٍ هائل.
الأساس الثالث: كما أن للقرآن الكريم متشابهاتٍ، يرشد المسائل الدقيقة العميقة للعوام بالتشبيه والتمثيل، كذلك للحديث الشريف متشابهاتٌ يعبّر عن الحقائق الواسعة بتشبيهاتٍ مأنوسة لدى العوام. مثال ذلك ما ذكرناه في رسائل أخرى:
أنه عندما سُمع دويّ في مجلس الرسول (ص) قال: "هذا حجر يتدحرج منذ سبعين سنة في جهنم فالآن حين وصل إلى قعرها". [٭]: انظر: مسلم، الجنة ١٢؛ أحمد بن حنبل، المسند، ٣/٣١٥، ٣٤١، ٣٤٦. وبعد مضي دقائق جاء أحدهم وقال: "إن المنافق الفلاني المعلوم الذي يبلغ سبعين سنة من العمر قد مات". فأعلن عن الحقيقة الواقعة بالتشبيه البليغ الذي ذكره الرسول (ص).
أما عن سؤالك يا أخي فسنذكر له ثلاثة وجوه:
الوجه الأول: أنَّ اللّٰه سبحانه قد عين أربعًا من الملائكة العظام في العرش والسماوات للإشراف على سلطنة ربوبيته. اسم واحد منهم "النسر" واسم آخر "الثور". [٭]: انظر: البيهقي، الأسماء والصفات ص ٤٠٣ ؛ السيوطي، الدر المنثور ١/٣٢٩، ٦/٢٦١ .
— 129 —
أما الأرض التي هي شقيقةٌ صغيرة للسماوات ورفيقةٌ أمينة للسيارات فقد عُين لها مَلكان مشرفان يحملانها، يطلق على أحدهما: "الثور" وعلى الآخر "الحوت". والحكمة في تسميتهما بهذين الاسمين هي أن الأرض قسمان: البر والبحر، أي اليابسة والماء. فالذي يُعَمِّر البحرَ أو الماء هو الحوت أو السمك، أما الذي يُعَمِّر البرَّ والتراب فهو الثور، حيث إن مدار حياة الإنسان على الزراعة المحمولة على كاهل الثور.
فالمَلكان الموكلان بالأرض إذن هما قائدان لها ومشرفان عليها، لذا لهما تعلقٌ وارتباط ومناسبة -من جهة- مع طائفة الحوت ونوع الثور. ولربما -والعلم عند اللّٰه- يتمثلان في عالم الملكوت وفي عالم المثال على صورة الحوت والثور.
(٭): نعم: إن الكرة الأرضية إنما هي كسفينة تمخر عباب بحر الفضاء فالذي يجري هذه السفينة الضخمة التي لا شعور لها بانتظام دقيق ويسوقها لحكمة معينة بالأمر الإلهي، أي إن قائد تلك السفينة وربانها إنما هو الملَك الذي يطلق عليه اسم "الحوت". وهي أيضًا -أي الأرض- كمزرعة للآخرة كما هو ثابت في الحديث الشريف، فالذي يشرف على تلك المزرعة، من الملائكة - بالإذن الإلهي هو الملك الذي يطلق عليه اسم "الثور". ولا يخفى ما لهذا الإطلاق الجميل من انسجام لطيف. (المؤلف).
فإشارةً إلى هذه المناسبة والعلاقة، وإيماءً إلى ذينك النوعين من مخلوقات الأرض، قال الذي أُوتي جوامعَ الكلم (ص): "الأرض على الثور والحوت" فأفاد بجملة واحدة وجيزة بليغة عن حقيقة عظيمة عميقة قد لا يُعَبّر عنها في صحيفة كاملة.
الوجه الثاني: لو قيل: بمَ تقوم هذه الدولة؟ فالجواب: على السيف والقلم: أي تستند إلى قوة سيف الجيش وشجاعته وإقدامه، وعلى دراية قلم الموظفين وعدالتهم.
وحيث إن الأرض مسكنُ الأحياء، وسيدُ الأحياء الإنسان، والقِسم الأعظم من الناس يقطنون السواحل ومعيشتهم على السمك، والباقون تدور معيشتهم على الزراعة التي هي على عاتق الثور ومحور تجارتهم على السمك. فمثلما يمكن القول: إن الدولة تقوم على السيف والقلم، يمكن كذلك القول: إنَّ الأرض تقوم على الثور والحوت؛ لأنه متى ما أحجم الثورُ عن العمل ولم يلقِ السمك ملايين البيوض دفعة واحدة، فلا عيشَ للإنسان وتنهار الحياة، ويدمر الخالقُ الحكيم سبحانه الأرضَ.
وهكذا أجاب الرسول الكريم (ص) عن السؤال بحكمة سامية وببلاغة معجزة وبكلمتين اثنتين مبينًا حقيقةً واسعة تتعلق بمدى ارتباط حياة الإنسان بالحيوان فقال (ص): "الأرض على الثور والحوت".
— 130 —
الوجه الثالث: إنَّ الشمس في نظر علماء الفلك القديم تدور والأرض ثابتة. وعبّروا عن كل ثلاثين درجة من درجات الشمس بی"البرج" فلو مُدت خطوط افتراضية بين نجوم تلك البروج لحصل ما يشبه صورة الأسد أحيانًا، أو صورة الميزان، أو صورة الثور، أو صورة الحوت، لذا بينوا تلك البروج بتلك الأسماء.
أما علمُ الفلك الحاضر فيرى أنَّ الشمس لا تدور حول الأرض، بل الأرضُ تدور حولها. أي يعطل العمل في تلك البروج، فلابد أنَّ لتلك البروج العاطلة عن العمل والدوائر الهائلة دوائر بمقياس أصغر في مدار الأرض السنوي، أي أصبحت البروجُ السماوية تتمثل في مدار الأرض السنوي، وعندئذ تدخل الأرضُ كل شهر في ظل أحد البروج وتكون ضمن انعكاسه، فكأن مدار الأرض السنوي مرآة تتمثل فيها صورة البروج السماوية.
وهكذا بناء على هذا الوجه -من المسألة- فقد قال الرسول الأعظم (ص) كما ذكرنا سابقًا "على الثور" مرة و"على الحوت" مرة أخرى.
نعم إنه حَريٌّ بلسان ذلك النبي الكريم المعجز أنْ يقول مرة: "على الثور" مشيرًا به إلى حقيقة عميقة لا تُدرك إلّا بعد قرون عديدة. حيث إن الأرض في تلك الفترة -أي فترة السؤال- كانت في الصورة المثالية لبرج الثور، بينما عندما سُئل (ص) السؤالَ نفسه بعد شهر قال: "على الحوت" لأن الأرض كانت في ظِل برج الحوت.
وهكذا أشار (ص) بقوله: "على الثور والحوت" إلى هذه الحقيقة العظيمة التي ستظهر في المستقبل وتتوضح.. وأشار به إلى حركة الأرض وسياحتها.. ورمزَ به إلى أن البروج السماوية الحقيقية والعاملة هي التي في مدار الأرض السنوي، والأرضُ هي القائمة بالوظيفة والسياحة في تلك البروج، بينما التي بالنسبة للشمس عاطلة دون أجرام سيارة فيها. واللّٰه أعلم بالصواب.
وأما ما جاء من حكايات خارجة عن طور العقل في بعض الكتب الإسلامية حول الثور والحوت. فإما أنها من الإسرائيليات، أو هي تشبيهات وتمثيلات، أو أنها تأويلاتُ بعض الرواة، حسبها الذين لا يتحرَّون الدقة أنها من الحديث نفسه وأسندوها إلى كلام الرسول (ص).
﴿ ربنا لا تؤاخذنا إنْ نَسِينا أو أخطأنا ﴾
﴿ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا اِلّا ما عَلَّمْتَنا اِنَّكَ اَنْتَ الْعَليمُ الْحَكيم ﴾
— 131 —
السؤال الثاني: يخص أهل العباء.
أخي!
سنذكر حكمةً واحدة فقط من الحِكم الكثيرة التي ينطوي عليها سؤالكم حول "أهل العباء" الذي ظل بلا جواب، وهي: أنَّ أسرارًا وحكمًا كثيرة في إلقاء الرسول (ص) عباءه (ملاءته) المباركة التي كان يلبسها على علي وفاطمة والحسن والحسين رضي اللّٰه عنهم أجمعين، ثم دعاؤه لهم [٭]: انظر: مسلم، فضائل الصحابة ٦١؛ الترمذي، تفسير سورة الأحزاب ٧، المناقب ٣١؛ أحمد بن حنبل، المسند ١/٣٣٠، ٤/١٠٧. في هذا الوضع وبهذه الآية الكريمة:
﴿ ...ليُذهِبَ عَنكُم الرجسَ أهلَ البيتِ ويُطَهِّركُم تطهيرًا ﴾
(الأحزاب:٣٣). ولكننا لا نخوض في أسراره، ولا نذكر إلّا حكمةً من حِكمه التي تتعلق بمهمة الرسالة وهي:
أنَّ الرسول الكريم (ص) قد رأى بنظر النبوة الأنيس بالغيب، النافذ إلى المستقبل، أنه بعد نحو ثلاثين أو أربعين سنة ستقع فتنٌ عظيمة في صفوف الصحابة والتابعين، وستُراق الدماء الزكية. فشاهد أن أبرز مَنْ فيها هم الأشخاصُ الثلاثة الذين ستَرَهم تحت عباءته. فلأجل الإعلان عن تبرئة علي في نظر الأمة.. وتسلية الحسين وعزائه.. وتهنئة الحسن وإظهار شرفه ومكانته وعظيم نفعه للأمة برفعه فتنة كبيرة بالصلح.. وطهارة نسل فاطمة وشرافتهم وأهليتهم بلقب أهل البيت، ذلك العنوان الشريف الرفيع.. لأجل كل ذلك ستر (ص) أولئك الأربعة مع نفسه تحت ذلك العباء واهبًا لهم ذلك العنوان المشرف: آل العباء الخمسة. [٭]: انظر: مسلم، فضائل الصحابة ٦١؛ ابن ابي شيبة، المصنف ٦/٣٧٠
نعم، إنَّ سيدنا عليًا رضي اللّٰه عنه كان خليفة للمسلمين بحقٍ، ولكن لأن الدماء الزكية التي أُريقت جليلةٌ فإن براءته منها وتبرئتَه في نظر الأمة لها أهميتُها من حيث وظيفة الرسالة. لذا يُبَرئ الرسول الكريم (ص) ساحتَه بتلك الصورة. فيدعو إلى السكوت بحقه كلَّ من ينتقده ويُخطئه ويضلله من الخوارج والموالين للأمويين المتجاوزين عليه.
نعم، إن الخوارج وأتباع الأمويين المغالين بتفريطهم في حق سيدنا علي رضي اللّٰه عنه وتضليلهم له وإفراطِ الشيعة وغلوِّهم وبدعهم وتبرّيهم من الشيخين مع وقوع الفاجعة
— 132 —
الأليمة على الحسين رضي اللّٰه عنه، قد أضرّ أهلَ الإسلام أيّما ضرر.
فالرسول الكريم (ص) ينجي بهذا الدعاء والعباء عليًا والحسين من المسؤولية والتُهم، وينقذ أمتَه من سوء الظن في حقهما كما يهنئ - من حيث مهمة الرسالة - الحسنَ الذي أحسن إلى الأمة بالصُلح الذي قام به، ويعلن أن النسل المبارك الذي يتسلسل من فاطمة سينالون شرفًا رفيعًا، وأن فاطمة ستكون كريمةً من حيث ذريتها كما قالت أم مريم في قوله تعالى:
﴿ واني اعيذها بكَ وذُريتها من الشيطان الرجيم ﴾
(آل عمران:٣٦)
اللّٰهم صلّ على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين الأبرار وعلى أصحابه المجاهدين المكرمين الأخيار. آمين.