اللمعات العربية
— 16 —

النكتة الخامسة

وهي ثلاث مسائل
المسألة الأولى: إنَّ المصيبة التي تعدّ مصيبةً حقًا والتي هي مُضرةٌ فعلًا، هي التي تصيب الدين. فلابد من الالتجاء إلى اللّٰه سبحانه والانطراح بين يديه والتضرع إليه دون انقطاع. أما المصائبُ التي لا تمس الدين فهي في حقيقة الأمر ليست بمصائبَ، لأن قسمًا منها:
تنبيهٌ رحماني يبعثه اللّٰه سبحانه إلى عبده ليوقظَه من غفلته، بمثل تنبيه الراعي لشياهه عندما تتجاوز مرعاها، فيرميها بحجر، والشياه بدورها تشعر أن راعيها ينبهها بذلك الحجر ويحذّرها من أمر خطير مضر، فتعود إلى مرعاها برضى واطمئنان. وهكذا النوائبُ الظاهرة فإن الكثير منها تنبيه إلهي، وإيقاظ رحماني للإنسان.
أما القسم الآخر من المصائب فهو كفارةٌ للذنوب. [٭]: انظر: البخاري، المرضى ١؛ مسلم، البر ٥٠-٥٢؛ الترمذي، تفسير سورة النساء ٢٤؛ أحمد بن حنبل، المسند ٢/٣٠٣، ٣٣٥، ٤٠٢.
وقسم آخر أيضًا من المصائب هو منحةٌ إلهية لتطمين القلب وإفراغ السكينة فيه، وذلك بدفع الغفلة التي تصيب الإنسانَ، وإشعاره بعجزه وفقره الكامنين في جبلته.
أما المصيبة التي تنتاب الإنسان عند المرض -فكما ذكرنا آنفا- فهي ليست بمصيبة حقيقية، بل هي لطفٌ رباني لأنه تطهيرٌ للإنسان من الذنوب وغسلٌ له من أدران الخطايا، كما ورد في الحديث الصحيح: (مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أَذًى، إِلَّا حَاتَّ اللّٰه عَنْهُ خَطَايَاهُ، كَمَا تَحَاتُّ وَرَقُ الشَّجَرِ). [٭]: البخاري، المرضى ٢، ١٤، تفسير سورة ابراهيم ١؛ مسلم، صفة المنافقين ٦٤؛ الدارمي، الوضوء ٤٥.
وهكذا فإن سيدنا أيوب عليه السلام لم يدعُ في مناجاته لأجل نفسه وتطمينًا لراحته، وإنما طلب كشفَ الضر من ربه عندما أصبح المرضُ مانعًا لذكر اللّٰه لسانًا، وحائلًا للتفكر في ملكوت اللّٰه قلبًا. فطلب الشفاء لأجل القيام بوظائف العبودية خالصةً كاملة. فيجب علينا نحن أيضًا أن نقصد -بتلك المناجاة- أول ما نقصد: شفاءَ جروحنا المعنوية وشروخنا الروحية
— 17 —
القادمة من ارتكاب الآثام واقتراف الذنوب، ولنا الالتجاء إلى اللّٰه القدير عندما تحُول الأمراضُ المادية دون قيامنا بالعبادة كاملة، فنتضرع إليه عندئذ بكل ذل وخضوع ونستغيثه دون أن يبدر منا أيُّ اعتراض أو شكوى، إذ مادمنا راضين كل الرضا بربوبيته الشاملة فعلينا الرضا والتسليم المطلق بما يمنحه سبحانه لنا بربوبيته.. أما الشكوى التي تومئ إلى الاعتراض على قضائه وقدَره، وإظهارِ التأفف والتحسر، فهي أشبه ما يكون بنقدٍ للقدر الإلهي العادل واتهامٍ لرحمته الواسعة.. فمن ينقد القدر كمن يناطح الجبل ومَن يتهم الرحمةَ يُحرم منها. إذ كما أن استعمال اليد المكسورة للثأر يزيدها كسرًا، فإن مقابلة المبتلى مصيبته بالشكوى والتضجر والاعتراض والقلق تضاعف البلاء.
المسألة الثانية: كلما استعظمتَ المصائب المادية عظُمَت، وكلما استصغرتَها صغُرت. فمثلًا: كلما اهتم الإنسان بما يتراءى له من وهْم ليلًا يضخم ذلك في نظره، بينما إذا أهمله يتلاشى. وكلما تعرض الإنسان لوكر الزنابير ازداد هجومُها وإذا أهملها تفرقت.
فالمصائب المادية كذلك، كلما تعاظمها الإنسان واهتم بها وقلق عليها تسربت من نافذة الجسد إلى القلب واستقرت فيه، وعندها تتنامى مصيبةٌ معنوية في القلب وتكون ركيزةً للمادية منها فتستمر الأخيرة وتطول. ولكن متى ما أزال الإنسانُ القلقَ والوهم من جذوره بالرضا بقضاء اللّٰه، وبالتوكل على رحمته، تضمحل المصيبةُ المادية تدريجيًا وتذهب، كالشجرة التي تموت وتجف أوراقُها بانقطاع جذورها.
ولقد عبّرتُ عن هذه الحقيقة يومًا بما يأتي: [٭]: جاءت ترجمة هذه الفقرة بشيء من التصرف. وأصلها في "المكتوب السادس".
ومن الشكوى بلاءٌ.
دعها يا مسكين وتوكلْ.
نجواكَ للوهابِ فسَلِّم.
فإذا الكلُّ عطاء.
— 18 —
وإذا الكلُّ صفاء.
فبغير اللّٰه، دنياك متاهاتٌ وخوف!
أفيشكو مَن على كاهله يحمل كلَّ الراسيات
حبةَ رملٍ ضئيلة؟
إنما الشكوى بلاءٌ في بلاء.
وآثامٌ في آثام وعناء!
أنت إنْ تَبْسُم في وجه البلاء.
عادت الأرزاءُ تذوي وتذوب.
تحت شمس الحق حبّاتِ بَرَد!
فإذا دنياك بَسمة،
بسمةٌ من ثیغرها ينسابُ ينبوعُ اليقين.
بسمةٌ نشوى بإشراق اليقين.
بسمةٌ حيرى بأسرار اليقين.
نعم..! إن الإنسان مثلما يخفف حدَّة خصمه باستقباله بالبِشر والابتسامة، فتتضاءل سَورة العداوة وتنطفئ نارُ الخصومة، بل قد تنقلب صداقةً ومصالحةً، كذلك الأمر في استقبال البلاء بالتوكل على القدير يُذهِبُ أثره.
المسألة الثالثة: أن لكل زمان حُكمَه، وقد غيّر البلاءُ شكلَه في زمن الغفلة هذا، فلا يكون البلاءُ بلاءً عند البعض دومًا، بل إحسانًا إلهيًا ولطفًا منه سبحانه. وأرى المبتلين بالضر في هذا الوقت محظوظين سعداء بشرط ألّا يمس دينَهم، فلا يولد المرض والبلاء عندي ما يجعلهما مضرَّين في نظري حتى أُعاديهما، ولا يورثانني الإشفاق والتألم على صاحبهما، ذلك ما أتاني شاب مريض إلّا وأراه أكثر ارتباطًا من أمثاله بالدين، وأكثر تعلقًا منهم بالآخرة.. فأفهم من هذا أن المرض بحق هؤلاء ليس بلاء، بل هو نعمةٌ من نعمه سبحانه التي لا تعد ولا تحصى، حيث إن ذلك
— 19 —
المرض يمد صاحبَه بمنافع غزيرة من حيث حياته الأُخروية ويكون له ضربًا من العبادة، مع أنه يمس حياته الدنيا الفانية الزائلة بشيء من المشقة.
نعم، قد لا يستطيع هذا الشاب أن يحافظ على ما كان عليه في مرضه من الالتزام بالأوامر الإلهية فيما إذا وجد العافية، بل قد ينجرف إلى السفاهة بطيش الشباب ونزواته وبالسفاهة المستشرية في هذا الزمان.
خاتمة
إن اللّٰه سبحانه قد أدرج في الإنسان عجزًا لا حدّ له، وفقرًا لا نهاية له، إظهارًا لقدرته المطلقة وإبرازًا لرحمته الواسعة. وقد خلقه على صورة معينة بحيث يتألم بما لا يحصى من الجهات، كما أنه يتلذذ بما لا يعد من الجهات، إظهارًا للنقوش الكثيرة لأسمائه الحسنى. فأبدعه سبحانه على صورة ماكنة عجيبة تحوي مئات الآلات والدواليب، لكل منها آلامها ولذائذها ومهمتها وثوابها وجزاؤها، فكأن الأسماء الإلهية المتجلية في العالم الذي هو إنسان كبير تتجلى أكثرُها أيضًا في هذا الإنسان الذي هو عالم أصغر، وكما أن ما فيه من أمور نافعة -كالصحة والعافية واللذائذ وغيرها- تدفعه إلى الشكر وتسوق تلك الماكنة إلى القيام بوظائفها من عدة جهات، حتى يغدو الإنسانُ كأنه ماكنة شكر. كذلك الأمر في المصائب والأمراض والآلام وسائر المؤثرات المهيجة والمحركة، تسوق الدواليبَ الأخرى لتلك الماكنة إلى العمل والحركة وتثيرها من مكمنها فتفجّر كنوزَ العجز والضعف والفقر المندرجة في الماهية الإنسانية. فلا تمنح المصائبُ الإنسانَ الالتجاء إلى البارئ بلسان واحد، بل تجعله يلتجئ إليه ويستغيثه بلسان كل عضو من أعضائه. وكأن الإنسان بتلك المؤثرات والعلل والعقبات والعوارض يغدو قلمًا يتضمن آلاف الأقلام، فيكتب مقدّرات حياته في صحيفة حياته أو في اللوح المثالي، وينسج لوحةً رائعة للأسماء الإلهية الحسنى، ويصبح بمثابة قصيدة عصماء ولوحة إعلان.. فيؤدي وظيفة فطرته.