اللمعات العربية
— 122 —

الإشارة الثالثة عشرة

تتضمن ثلاث نقاط:
النقطة الأولى: إنَّ أعظم كيدٍ للشيطان هو خداعُه لضيّقي الصدر، وقاصري الفكر من الناس، من جهة عظمةِ الحقائق الإيمانية بقوله: كيف يمكن تصديق ما يقال: أن واحدًا أحدًا هو الذي يدبّر ضمن ربوبيته شؤونَ جميع الذرات والنجوم والسيارات وسائرِ الموجودات ويدير أمورها بأحوالها كافة؟ فكيف تُصدَّق وتَقرُّ في القلب هذه المسألة العجيبة العظيمة؟ وكيف يقنع بها الفكرُ؟.. مثيرًا بذلك حسًّا إنكاريًا من نقطة عجز الإنسان وضعفه.
الجواب: "اللّٰه أكبر" هو الجواب الحقيقي المُلجِم لهذه الدسيسة الشيطانية وهو المُسكت لها.
نعم، إن كثرةَ تكرار "اللّٰه أكبر" وإعادتها في جميع الشعائر الإسلامية، مُزيلةٌ لهذا الكيد الشيطاني، لأن الإنسان بقوتِه العاجزة وقدرته الضعيفة وفكره المحدود يرى تلك الحقائق الإيمانية غير المحدودة ويصدّقُها بنور "اللّٰه أكبر" ويحمل تلك الحقائق بقوة "اللّٰه أكبر" وتستقر عنده ضمن دائرة "اللّٰه أكبر" فيخاطب قلبَه المبتلى بالوسوسة قائلًا: إن تدبير شؤون هذه الكائنات وإدارتها بهذا النظام الرائع الذي يراه كلُّ ذي بصر لا تُفسّر إلّا بطريقتين:
الأولى: وهي الممكنة، ولكنها معجزةٌ خارقة. لأن أثرًا كهذا الأثر المُعجز لاشك أنه ناتج من عملٍ خارقٍ وبطريقةٍ معجزة أيضًا. وهذه الطريقة هي أن الموجودات قاطبة لم تُخلق إلّا بربوبية الأحد الصمد وبإرادته وقدرته، وهي شاهدةٌ على وجوده سبحانه بعدد ذراتها.
الثانية: وهي طريق الكفر والشرك، الممتنعة والصعبة من جميع النواحي، وغير المعقولة إلى درجة الاستحالة؛ لأنه يلزم أن يكون لكل موجود في الكون، بل في كل ذرّة فيه، ألوهيةٌ مطلقة وعلمٌ محيط واسعٌ، وقدرةٌ شاملة غير متناهية كي تظهر إلى الوجود نقوشُ الصنعة البديعة المتكاملة بهذا النظام والإتقان الرائعَين المشاهدين، وبهذا التقدير والتميّز الدقيقين.. وتلك هي ما بيّنا امتناعَها واستحالتَها وأثبتناها بدلائل قاطعة كما في "المكتوب العشرين" و"الكلمة الثانية والعشرين" وفي رسائل أخرى كثيرة.
— 123 —
والخلاصة: لو لم تكن ربوبيةٌ ذاتُ عظمة وكبرياء لائقةٌ لتدبير الشؤون لَوجبَ حينئذٍ سلوكُ طريق ممتنع وغير معقول من جميع الجهات. فحتى الشيطانُ نفسه لن يكلّف أحدًا الدخول في هذا المحال الممتنع بترك تلك العظمة والكبرياء اللائقة المستحقة الضرورية.
النقطة الثانية: إنَّ دسيسة مهمة للشيطان هي: دفعُ الإنسان إلى عدم الاعتراف بتقصيره. كي يسدّ عليه طريق الاستغفار والاستعاذة، مثيرًا فيه أنانية النفس لتدافع كالمحامي عن ذاتها، وتنزّهها عن كل نقص.
نعم، إنَّ نفسًا تصغي إلى الشيطان لا ترغب في أنْ تنظر إلى تقصيرها وعيوبها، حتى إذا رأتها فإنها تؤوّلها بتأويلات عديدة. فتنظر إلى ذاتها وأعمالها بعين الرضا، كما قال الشاعر: وَعَیيْنُ الرِّضَا عَنْ كُلِّ عَيْبٍ كَلِيلَةٌ... [٭]: البيت منسوب للشاعر أبي الطيب المتنبي.
فلا ترى عيبًا، لذا لا تعترف بتقصيرها، ومن ثم فلا تستغفر اللّٰه ولا تستعيذ به فتكون أُضحوكة للشيطان. وكيف يوثق بهذه النفس الأمّارة بالسوء ويعتمد عليها، وقد ذكرها القرآن الكريم بلسان نبيّ عظيم، يوسف عليه السلام:
﴿ وَمَا أُبَرّىءُ نَفسي إنَ النفسَ لأمارةٌ بالسوءِ إلّا ما رحِمَ رَبّي ﴾
(يوسف:٥٣) فمَن يَتّهم نفسَه يرَ عيوبَها وتقصيرها، ومَن اعترفَ بتقصير نفسه يستغفر ربَّه، ومَن يستغفر ربَّهُ يستَعِذ به من الشيطان الرجيم وعندها ينجو من شروره.. وإنه لتقصير أكبر ألّا يرى الإنسانُ تقصيره، وإنه لنقصٌ أعظم كذلك ألّا يعترف بنقصه. ومن يرى عيبَه وتقصيره فقد انتفى عنه العيب، حتى إذا ما اعترف يصبح مستحقًا للعفو.
النقطة الثالثة: إنَّ ما يُفسد الحياة الاجتماعية للإنسان هي الدسيسة الشيطانية الآتية:
إنه يحجب بسيئةٍ واحدة للمؤمن جميعَ حسناته. فالذين يُلقون السمعَ إلى هذا الكيد الشيطاني من غير المُنصفين يُعادون المؤمن. بينما اللّٰه سبحانه وتعالى عندما يزن أعمالَ المكلّفين بميزانه الأكبر وبعدالته المطلقة يوم الحشر فإنه يحكم من حيث رجَحان الحسنات أو السيئات. وقد يمحو بحسنة واحدة ويُذهب ذنوبًا كثيرة. حيث إن ارتكاب السيئات والآثام سهلٌ ويسير ووسائلها كثيرة. فينبغي إذن التعامل في هذه الدنيا والقياس بمثل ميزان العدل الإلهي، فإن كانت حسناتُ شخصٍ أكثر من سيئاته كميةً أو نوعيةً فإنه يستحق المحبة
— 124 —
والاحترام. بل ينبغي أن ينظر إلى كثير من سيئاته بعين العفو والمغفرة والتجاوز لحسنةٍ واحدة ذات نوعية خاصة.
غير أن الإنسان ينسى، بتلقينٍ من الشيطان، وبما يَكمُنُ من الظلم في جبلّته، مئاتٍ من حسنات أخيه المؤمن لأجل سيئةٍ واحدة بدرت منه فيبدأ بمعاداته، ويدخل في الآثام. فكما أن وضع جناح بعوضة أمام العين مباشرةً يحجب رؤيةَ جبل شاهق، فالحقدُ كذلك يجعل السيئة -التي هي بحجم جناح بعوضة- تحجب رؤيةَ حسناتٍ كالجبل الشامخ، فينسى الإنسانُ حينذاك ذكر الحسنات ويبدأ بعداء أخيه المؤمن، ويصبح عضوًا فاسدًا وآلةَ تدمير في حياة المؤمنين الاجتماعية.
وهناك دسيسة أخرى مشابهة لهذه ومماثلة لها في إفساد سلامة تفكير المؤمن والإخلال باستقامتها وبصحة النظرة إلى الحقائق الإيمانية وهي أنه يحاول إبطال حُكم مئات الدلائل الثبوتية -حول حقيقة إيمانية- بشبهة تدل على نفيها. علمًا أن القاعدة هي: أن دليلًا واحدًا ثبوتيًا يرجّح على كثير من أمارات تدل على النفي، وأن حكمًا لشاهدٍ ثبوتي واحد لدعوى، يؤخذ به ويُرجّح على مائة من المنكرين النافين.
ولنوضح هذه الحقيقة في ضوء هذا المثال:
بناية عظيمة لها مئات من الأبواب المقفلة، يمكن الدخول فيها بفتح باب واحد منها، وعندها تفتح بقية الأبواب، ولا يمنع بقاء قسم من الأبواب مقفلة من الدخول في البناية. فالحقائق الإيمانية هي كتلك البناية العظيمة، وكلُّ دليل ثبوتي هو مفتاح يفتح بابًا معينًا، فلا يمكن إنكار تلك الحقيقة الإيمانية أو العُدول عنها بمجرد بقاء بابٍ واحد مسدود من بين تلك المئات من الأبواب المفتوحة. ولكن الشيطان يقنع جماعة من الناس بقوله لهم: لا يمكن الدخول إلى هذه البناية مشيرًا إلى أحد تلك الأبواب المسدودة، بسباب كالجهل أو الغفلة ليُسقِط من الاعتبار جميع الأدلة الثبوتية، فيغريهم بقوله: إنَّ هذا القصر لا يمكن الدخول فيه أبدًا، فأنت تحسبه قصرًا وهو ليس بقصر، وليس فيه شيء!.
فيا أيها الإنسان المسكين!. المبتلى بدسائس الشيطان وكيده!. إن كنتَ ترجو سلامة حياتك الدينية وحياتك الشخصية وحياتك الاجتماعية وتطلب صحةَ الفكر واستقامةَ الرؤية
— 125 —
وسلامةَ القلب، فَزِنْ أعمالك وخواطرك بموازين القرآن المحكمة والسُنّة المحمدية الشريفة، واجعل رائدك القرآن الكريم ومرشدك السُنّة النبوية الشريفة. وتَضَرّع إلى اللّٰه العلي القدير بقولك: "أعوذ باللّٰه من الشيطان الرجيم".
فتلك ثلاث عشرة إشارة، وهي ثلاثة عشر مفتاحًا لتفتح بها القلعة المتينة والحصن الحصين لآخر سورة من القرآن المعجز البيان في المصحف الشريف. وهي كنز الاستعاذة باللّٰه من الشيطان الرجيم وشرحٌ مفصل لها.. فافتحها بهذه المفاتيح.. وادخل فيها تجد السلامة والاطمئنان والأمان .
أعُوذُ باللّٰه منَ الشَّيطانِ الرَّجيم
﴿ بسم اللّٰه الرحمن الرحيم ﴾
﴿ قل اعوذ برب الناس ٭ ملك الناس ٭ اِله الناس ٭ من شر الوسواس الخناس٭ الذي يوسوس في صدور الناس ٭ من الجِنةِ والناس ﴾
(سورة الناس)
﴿ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا اِلّا ما عَلَّمْتَنا اِنَّكَ اَنْتَ الْعَليمُ الْحَكيم ﴾
﴿ وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين ٭ واعوذ بك رب ان يحضرون ﴾