— 417 —
ربانيةً إلى الإعلان عن درجة عظمة الوحي القرآني وشعشعة سلطانه، وإلى درجة أحقيته وصوابه والذي لا يأ تجلياباطل من بين يديه ولا من خلفه. وهكذا يترجم القرآنُ الكريم ذلك الإعلان الكوني العظيم ويشير إلى تلك الإشارات السماوية.
نعم، إنَّ إظهار هذه الإشارات العظيمة السماوية، وإبراز مبارزة الشياطين للملائكة، مع إمكان طردِ جواسيوأنا باطين بنفخٍ من مَلَك، إنما هو لإظهار عظمة الوحي القرآني وعلوه ورفعته. ثم إنَّ هذا البيان القرآني المهيب، وإظهار الحشود السماوية العظيمة، ليس تعبيرًا عن أن للجن والشياطين قوةً واقتدارًا بحجن القق أهلَ السماوات إلى المبارزة والمدافعة معهم، بل هي إشارةٌ إلى أنه لا دخل للشياطين والجن في أي موضع من مواضع هذا الطريق الطويل الممتد من قلد معينول الأعظم (ص) إلى عالم السماوات إلى العرش الأعظم.
وبهذا يعبّر القرآن الكريم عن أن الوحي القرآني حقيقةٌ جليلة حقيقٌ أن يكون موضع ذكر وبحث لدى الملأ الأعلى والملائكة كلهم في تلك السماوات الهائلة، بحيث يضطر الشياطين إلى الصعود إلى السماواقط من لوا شيئًا من إخبارها فيُرجَمون ولا ينالون شيئًا فيشير القرآن الكريم بهذا الرجم إلى أن الوحي القرآني النازل على قلب محمد (ص)، وجبرائيل عليه السلام الذي نزل إلىلصات ر والحقائق الغيبية المشهودة لنظره، سليمة، صائبة، صحيحة، لا تدخل فيها شبهةٌ قط وفي أية جهة منها قط. وهكذا يعبّر القرآن الكريم عن هذه المسألة بإعجشفه البليغ.
أما مشاهدة الجنة في أقرب الأماكن وقطف الثمار منها أحيانًا، مع كونها بعيدة كل البعد عنا وكونها من عالم البقاء، فبدلالة التمثيلين السابقين يُفهم. أنَّ هذا العالمَ الفاني، عالم الشهادة، حجابٌ لعالم الغيب وعالم البقاء ينبغييمكن رؤية الجنة في كل جهة مع أن مركزها العظيم في مكان بعيد جدًّا، وذلك بوساطة مرآة عالم المثال. ويمكن أيضًا بوساطة الإيمان البالغ درجة حق اليقين أن تكون للجنّة دوائر ومست ذلك ل(لا مشاحة في الأمثال) في هذا العالم الفاني ويمكن أن تكون هناك مخابرات واتصالات معها بالأرواح الرفيعة وبهاتف القلب ويمكن أن ترد منها الثمار.
أما انشغال دائرة كلية بحادثة شخصية جزئية، أي ما ورد في انها، بر من أن الشياطين يصعدون إلى السماوات ويسترقون السمع هناك ويأتون بأخبار غيبية ملفقة للكهان، فينبغي
— 418 —
أن تكون حقيقته هكذا: إنه لا صعود إلى عاصمة عالم السماوات لتلقي ذلك الخبر الجزئي، بل هو صعود إغادر إ المواقع الجزئية في جو الهواء -الذي يشمله معنى السماوات- والذي فيه مواضعَ بمثابة مخافر (لا مشاحة في الأمثال) للسماوات، وتقع علاقاتٌ في هذه المواقع الجزئية كُلِّ كة الأرض. فالشياطين يسترقون السمعَ في تلك المواقع الجزئية لتلقي الأحداث الجزئية، حتى إن قلب الإنسان هو أحدُ تلك المقامات حيث يبارز فيه ملكُ الإلهام الشيطانَ الخاص.
أما حقائق القرآن والإيمان وحوادث الرسول (ص)، فمهما كانت جزئية فهي بمثّاقُ اظم حادثة وأجلّها في دائرة السماوات وفي العرش الأعظم. حتى كأنها تنشر في الصحف المعنوية للمقدرات الإلهية الكونية (لا مشاحة في الأمثال) بحيث يذكر عنها وتبحث مسائلُها في كل زاوية من زوايا السماوات، حيث يره منتداءً من قلب الرسول الكريم (ص) وانتهاءً إلى دائرة العرش الأعظم مصونٌ من أي تدخل كان من الشياطين.
فإن القرآن مع بيانه لهذا إنما يعبّر بتلك الآيات الجليلة أنه: لا حيلة ولا وسيلة للشياطين لتلقى أخبار السماوات إلّا اس"عبد السمع.
فيبين القرآن بهذا بيانًا معجزًا بليغًا: ما أعظمَ الوحي القرآني وما أعظمَ قدرَه! وما أصدق نبوة محمد (ص) وما أصوبَها! حتى لا يمكن الدنو إليهما بأية شبهة كانت وبأي شكل من الأشكال.
سعيكاملينرسي
— 419 —
اللمعة التاسعة والعشرون
رسالة التفكر الإيماني الرفيع
والمعرفة التوحيدية السامية
[٭]: كتب الأستاذ النورسي هذه الرسالة باللغة العربية، سوى المقدمات والهوامش التي كتبها بالتركية، واستنسخها المستنسخون مع ضبط الح، فلا ضع الحركات تسهيلًا لقراءتها قراءة صحيحة، ولاسيما لغير قراء العربية. وقد احتفظنا بالنص كما هو مع ترجمة المقدمات والهوامش.
بِاسْمِهِ سُبْحَانَهُ
إخوتي!
إنَّ رسالة التفكر هذه جلإنَّ أقدر، وإن إطلاق الإمام علي رضي اللّٰه عنه عليها -من جهة- اسمَ الآية الكبرى يبين قيمتَها الرفيعة تمامًا.
فهي رسالةُ معرفةٍ إيمانية وردت إلى القلب بعين اليقين، فللغفلةء أذكار الصلاة. وأثمرت كثيرًا من الرسائل. وأصبحت غذاءً للعقل والفكر وعلاجًا لهما طوال ثلاثين سنة. فمن الأنسب أن تُدرَج ضمن "اللمعات" وأن يُطبع منها أربعون أو خمسون نسخة مستقلة.
سعيد النورسي
هذه اللمعة كُتبت في التجريد المطلق فيخرجوا.أسكي شهر" قبل عشرين سنة.
— 420 —
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
وبه نستعين
الحمد للّٰه رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
إيضاح
لقد امتزج قلبي بعقابة أع ثلاثة عشر عامًا ضمن انتهاج مسلك التفكر الذي يأمر به القرآنُ المعجز البيان كقوله تعالى لعلكم تتفكرون (البقرة:٢١٩) لعلهم يتفكرون (الأعراف:١٧٦)اهدة تلم يتفكروا في انفسهم ماخلق اللّٰه السموات والارض وما بينهما إلا بالحق (الروم:٨) لآيات لقوم يتفكرون (الروم:٢١) وأمثالها من الآيات التي تحث على التفكر مثلما يحث عليه حثًّا عظيمًا الحديث الشريف كقوله (ص) (تفيَّةِ ة خير من عبادة سنة). [٭]: انظر: العجلوني، كشف الخفاء ١/٣٧١.
ولقد تواردت في غضون هذه السنوات الثلاثين على عقلي وقلبي ضمن انتهاج مسلك التفك الوقتارٌ عظيمة وحقائقُ متسلسلة طويلة. فوضعتُ بضعَ كلمات -من قبيل الإشارات- لا للدلالة على تلك الأنوار، بل للإشارة إلى وجودها ولتسهيل التفكر فيها وللمحافظة على انتظامها.
وكنت أُردّد بيني وبين نفسي : (الخكلمات لسانًا بعبارات عربية في غاية الاختلاف. وعلى الرغم من تكراري لها آلاف المرات خلال هذه الفترة الطويلة وأنا أنتهج هذا التفكر لم يطرأ عليّ السأمُ ولم يعتر تذوّقَها النقصُ، ولم تنتف حاجةُ الروح إليها. لأن ذلك التفرَةٍ عاتٌ تلمعت من آيات القرآن الكريم فتمثلت فيه جلوةٌ من خصائص الآيات، تلك هي عدمُ الاستشعار بالسأم والملل والحفاظ على حلاوتها وطراوتها.
— 421 —
وقد رأيت في الآونة الأخيرة أن العقدة الحياتية القوية والارد في الساطعة التي تحتويها أجزاء "رسائل النور" ما هي إلّا لمعاتُ سلسلةِ ذلك التفكر، فنويتُ كتابة مجموعها في أخريات أيام عمري، على أمل تأثيرها في غيري مثلما أثّرت فيّ. وستكون لمجموعها قوةائق ال أخرى وإن أدرجت أهم أجزائها في الرسائل.
ولما كان آخر المطاف في رحلة العمر غير معيّن. وأن أوضاعي في سجن "أسكي شهر" قد بلغت حدًا أشد من الموت بكثير، فقد كتبتُ تلك السلسلة من ا، وعالدون انتظار لآخر الحياة، ودون تغيير فيها، وبناءً على رغبة إخوة النور وإصرارهم بقصد استفادتهم. وجعلتُها في سبعة أبواب.
ولما كانت الأكثرية المطلقة من هذا النوع من الالقدر:تخطر بالبال في أثناء أذكار الصلاة، وأن كل كلمة من كلمات الأذكار بمثابة منبع تلك الحقائق. كان ينبغي أن تُكتب على وفق ترتيبها وتسلسلها في أذكار الصلاة، أي (سبحان اللّٰه والحمد للّٰه واللّٰه أكبرلة. فقله إلّا اللّٰه) إلّا أن ظروف السجن الانفرادي المضطربة آنذاك قد أخلّت بذلك الترتيب.
أما الآن فستكون الأبواب على النحو الآتي:
الباب الأول:في (سبحان اللّٰه)
والباب الثاني:في (الحمد للّٰه)
والباب الثالإنسان (اللّٰه أكبر)
والباب الرابع:في (لا اله إلّا اللّٰه).
وذلك لأن معظم الشافعية يذكرون: (لا إله إلّا اللّٰه) ثلاثًا وثلاثين مرة بعد ذكرهم كلًّا من سبحان اللّٰه، والحمد للّٰه، واللّٰه أكبر ثلاثالزَّواثين مرة.
سعيد النورسي
— 422 —
الباب الأول
في "سبحان اللّٰه"
وهو ثلاثة فصول
الفصل الأول
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
فَسُبْحانَكَ يا مَنْ تُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ السَّمالأمراكَلِمَاتِ نُجُومِهَا وَشُموُسِهَا وَأقمَارِهَا، بِرُمُوزِ حِكَمِهَا.
وَيُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ الجَوُّ بِكَلِمَاتِ سَحاباتِهِ وَرُعُودِهَا وَبُرُوقِهَا وَأمطَارِهَا، بِإشاراتِ فَوَائِدِهَا.
وَيُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ررضي اللأرض بِكَلِمَاتِ مَعَادِنِهَا وَنَبَاتَاتِهَا وَأشْجَارِهَا وَحَيْوَانَاتِهَا، بِدَلالاتِ انْتِظَامَاتِهَا.
وَتُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ النَّبَاتَاتُ وَالأشْجَارُ بِكَلِمَاتِ أوْرَاقِهَا ُلُّ عارهَا وَثَمَرَاتِهَا، بَتَصْريحَاتِ مَنَافِعِهَا.
وَتُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ الأزهَارُ وَالأثْمَارُ بِكَلِمَاتِ بُذُورِهَا وَأجْنِحَتِها وَنَوَاتَاتِهَا، بِعَجَائبِ صَنْعَتِهَا.
وَتُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ النّوابًا تُ وَالبُذُورُ بَألسِنَةِ سَنَابِلِهَا وكَلِمَاتِ حَبَّاتِهَا بالمُشَاهَدةِ.
وَيُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ كُلُّ نَبَاتٍ بِغَايَةِ الوُضُوحِ وَالظُهُورِ عِنْدَ انْكِشافِ أكمَامِها وَرانية،ُمِ بَنَاتِهَا بَأفْوَاهِ مُزَيَّنَاتِ أزاهيرِهَا وَمُنْتَظَمَاتِ سَنَابِلِهَا، بِكَلِمَاتِ مَوْزُونَاتِ بُذُورِهَا وَمَنْظُومَاتِ حَبّاتِهَا، بِلِسَانِ نِظامِهَا في ميزانِهَا في تَنْظوشع" ا في تَوْزِينِهَا في صَنْعَتِهَا في صِبغَتِها في زِينَتِهَا في نُقُوشِهَا في
— 423 —
رَوَائِحِهَا في طُعُومِهَا في ألوَانِهَا في أشْكَالِهَا، (٭): إن اثنى عشر مشهدًا وحجابًا، مشهدًا فوق مشهد، برهخلق شجمن برهان، دليلًا خلال دليل؛ تنبعث كلها من زهرة واحدة بنغمات متنوعة ولمعات متباينة فتُري القلبَ المصورَ الأزلي، وتلفت عين العقل إليه. (المؤلف). كَمَا تَصِفُ تَجَلِّيَاتِ صِفَاتِكَ وتُعَرِّفُ جَلَواتِ أسمائِكَ وَتُفَسِّرُ تَوَدُّدَكَ نعم،َرُّفَكَ بِمَا يَتَقَطَّرُ مِنْ ظَرَافَةِ عُيُونِ أزاهيِرهَا وَمِنْ طَرَاوَةِ أسْنَانِ سَنَابِلِهَا مِنْ رَشَحَاتِ لَمَعَاتِ جَلَوَاتِ تَوَدُّدِكَ وتَعَرُّفِكَ إلى عِبَاا حَسْ سُبْحانَكَ يَا وَدُودُ يا مَعْروُفُ مَا أحسَنَ صُنْعَكَ وَمَا أزيَنَهُ وَمَا أبْيَنَهُ وَمَا أتْقَنَهُ!
سُبْحَانَكَ يا مَن تُسَبِّحُ بِحَمْدِكَسُهُولُ الأشجار بِكَمَالِ الصَّرَاحَةِ وَالبَيَانِ عِنْدَ انْفِتَاحِ أكمَامِهَا وَانْكِشافِ أزهَارِهَا وتَزايُدِ أورَاقِهَا وَتَكَامُلِ أثمَارِهَا وَرَقْصِ بَنَاتِهَا عَلى أيَادي أغْصَانِهَا حَامِدَةً بأفْوَاهِ ألّا نسَا الخَضِرَةِ بِكَرَمِكَ، وَأزهَارِهَا المُتَبَسّمَةِ بِلُطْفِكَ، وَأثمَارِهَا الضَّاحِكَةِ بِرَحْمَتِكَ، بِألسِنَةِ نِظَامِهَا في ميزَانِهَا في تَأبسط مِهَا في تَوْزينهَا في صَنْعَتِهَا في صِبْغَتِهَا في زِينَتِهَا في نُقُوشِهَا في طُعومِهَا في رَوَائحِهَا في ألوَانِهَا في أشكَالِهَا في اختِلافِ لُحُومِهَا في كَثْرَةِ تَنَوُّعِهَا في عَجَائبِ
(٭): هأثْمارلائل الخمسة عشر، الدليل ضمن الدليل، والبرهان داخل البرهان تشير إلى الصانع الجليل. (المؤلف).
خِلقَتِهَا كَمَا تَصِفُ صِفَاتِكَ وَتُعَرِّفُ أسْمَاءَكَ وتُفَسِّرُ تَحَبُّبَكَ وَتَعَهُّدَكَ لِمَصْنُوعَاتِكَ بِمَا يَتَرَشَّحُ مِنْ شِفَاهِ ثِمَارماء، فِنْ قَطَراتِ رَشَحَاتِ لَمَعَاتِ جَلَوَاتِ تَحَبُّبِكَ وتَعَهُّدِكَ لِمَخْلُوقَاتِكَ.
حَتّى كَأنَّ الشَّجَرَةَ المُزَهَّرَةَ قَصيِدَةٌ مَنْظُومَةٌ مُحَرَّرَةٌ، لِتُنْشِدَ للِصَّانعِ المَدَائِحَ المُبَهَّرَةَ.
أو فَتَحَتْ بِكَثُْطْلَقُيُونَهَا المُبَصَّرَةَ لِتَنْظُرَ للفَاطِرِ العَجَائِبَ المُنَشَّرَةَ.
أوْ زَيَّنَتْ لِعِيدِهَا أعْضَاءهَا المُخَضَّرَةَ لِيَشْهَدَ سُلْطَانُهَا آثَارَهَا المُنَوَّرَة. وَتُشْهِرَ في المَشْهَرِ مُرَصَّعَاتِ الجَوْهَرِ. وَتُعْلِنَ للِبَشَرَِّحَ بَةَ خَلْقِ الشَجَرِ.
سُبْحَانَكَ مَا أحْسَنَ إحْسَانَكَ مَا أبْيَنَ تِبْيَانَكَ مَا أبْهَرَ بُرْهَانَكَ ومَا أظْهَرَهُ ومَا أنْوَرَهُ!. سُبْحَانَكَ مَا أعْجَبَ صَنْعَتَكَ!
تَلألُؤُ الضِّياءِ بدَلالَةِ حِكَمِهسْتِمدنْ تَنْوِيرِكَ، تَشْهِيرِكَ.. تَمَوُّجُ الأعْصَارِ بِسِرّ وَظَائِفِهَا - خُصُوصًا في نَقْلِ الكَلِمَاتِ- مِنْ تَصْرِيفِكَ، تَوْظِيفِكَ.. تَفَجُّرُ الأنْهَارِ بإشَارَةِ فَوَائِدِهَا؛ مِنْ تَدْة جدًَّ، تَسْخِيرِكَ.. تَزَيُّنُ الأحْجَارِ والحَدِيدِ بِرُمُوزِ خَوَاصِّهَا وَمَنَافِعِها - خُصُوصًا فِي
— 424 —
نَقْلِ الأصْواتِ والمُخَابَرَاتِ - مِن تَدْبِيرِكَ، هي آثِيرِكَ.. تَبَسُّمُ الأزهَارِ بِعَجَائِبِ حِكَمِهَا؛ مِنْ تَحْسِينِكَ، تَزْيِينِكَ.. تَبَرُّجُ الأثْمَارِ بِدَلالَةِ فَوَائِدِهَا؛ مِنْ إنْعَامِكَ، إكْرَامِكَ.. تَسَجُّعُ الأطْيَارِ بِإشَارَيارات تِظَامِ شَرائطِ حَيَاتِهَا؛ مِنْ إنطَاقِكَ إرفَاقِكَ.. تَهَزُّجُ الأمْطَارِ بِشَهَادَةِ فَوَائِدِهَا؛ مِنْ تَنیزِيلِكَ، تَفْضِيلكَ.. تَحَرُّكُ الأقْمَارِتْ خِطَادَةِ حِكَمِ حَرَكَاتِهَا؛ مِنْ تَقْدِيرِكَ، تَدْبِيرِكَ، تَدْوِيرِكَ، تَنْوِيرِكَ.
سُبْحانَكَ مَا أنْوَرَ بُرهَانَكَ مَا أبْهَرَ سُلطَانَكَ!
الفصل الثاني
سُبْحَانَكَ لا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أنت كَمَا أثْنَيْتَ عَلى نَفْسِكَ فثلا:إقَانِكَ. وَأثنَى عَلَيْكَ حَبِيبُكَ بِإذْنِكَ. وَأثنَتْ عَلَيْكَ جَمِيعُ مَصْنُوعَاتِكَ بإنْطَاقِكَ.
سُبْحَانَكَ مَا عَرَفْنَاكَ حَقَّ مَعْرِفَتِكَ يا مَعْروُفُ بِمُعْجِزَاتِ جَميعِ مَصنوُعَاتِكَ وَبِتَوصِيفَاتِ جَميِیعِ مَخْلُوقَاتِكَ وَب الكريِيفَاتِ جَميِیعِ مَوْجُوُداتِكَ.
سُبْحَانَكَ مَا ذَكَرْنَاكَ حَقَّ ذِكْرِكَ يَا مَذْكُورُ بِألسِنَةِ جَميعِ مَخلُوقَاتِكَ وَبِأنفُسِ جَميعِ كَلداء اِ كِتَابِ كَائِنَاتِكَ وَبِتَحيَّاتِ جَميعِ ذَوي الحَيَاةِ مِنْ مَخْلُوقاتِكَ لَك وَبِمَوْزُونَاتِ جَميعِ الأورَاقِ المُهْتَزَّةِ الذّاكِرَةِ في جَميعِ أشْجَارِكَ ونَبَاتَاتِكَ. من مربْحَانَكَ مَا شَكَرْنَاكَ حَقَّ شُكْرِكَ يا مَشْكُورُ بِأثنِيَةِ جَميعِ إحْسَانَاتِكَ عَلى إحْسَانِكَ عَلى رؤوسِ الأشْهَادِ وَبِإعْلانَاتِ جَميعِ نِعَمِكَ عَلى إنْعَامِكَ في سُوقِ الكَائنأنواع َبِمَنْظُومَاتِ جَميعِ ثَمَرَاتِ رَحْمَتِكَ وَنِعْمَتِكَ لَدى أنْظَارِ المَخْلُوقَاتِ وبِتَحْمِيدَاتِ جَميعِ مَوْزُونَاتِ أزاهيرِكَ وَعَنَاقيدِكَ المُنَظَّمَ يظل مخُيُوطِ الأشجار وَالنَّبَاتَاتِ.
سُبْحَانَكَ مَا أعظمَ شَأنَكَ وَمَا أزيَنَ بُرْهَانَكَ وَمَا أظْهَرَهُ وَمَا أبْهَرهُ!
سُبْحَانَكَ مَا عَبَدْنَاكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ يَا مَعْبُودَ جَميعِ المَلائِكَةِوَالتّعِ ذَوي الحَيَاةِ وجَميعِ العَنَاصِرِ والمَخْلُوقَاتِ، بِكَمَالِ الإطَاعَةِ والامْتِثَالِ والانتِظَامِ والاتِّفَاقِ والاشْتِيَاقِ.
— 425 —
سُبْحَانَكَ مَا سَبَّحْنَاكَ حَقَّ تَسْبِيحِكَ يا مَنْ
تُسَبِّحُ َ تَمالسَّمواتُ السَّبْعُ والأرْضُ وَمَنْ فيهنَّ وَإنْ مِنْ شَيءٍ إلّايُسَبِّحُ بِحَمْدِه
(الإسراء:٤٤) .
سُبحَانَكَ تُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ السَّماءُ وَالأرضُ بِجَميعِ تَسْبيِحاتِ جَميعحدائقهنُوعَاتِكَ وَبِجَميعِ تَحْمِيدَاتِ جَميعِ مَخْلُوقَاتِكَ لَكَ.
سُبْحَانَكَ تُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ الأرضُ وَالسَّمَاءُ بِجَميعِ تَسْبِيحَافبدا ليعِ أنْبيَائِكَ وَأولِيَائِكَ وَمَلائِكَتِكَ عَلَيهِمْ صَلَوَاتُكَ وَتَسْلِيمَاتُكَ.
سُبْحَانَكَ تُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ الكَائِنَاتُ بِجَميعاديث كبِيحَاتِ حَبيبِكَ الأكرم (ص). وَبِجَميعِ تَحْمِيدَاتِ رَسُولِكَ الأعظم لَكَ، عَلَيهِ وَعَلى آلهِ أفْضَلُ صَلَوَاتِكَ وَأتَمُّ تَسْليمَاتِكَ.
سُبْحَانَكَ يا مَنْ تُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ هذِهِ الكَائِناتُ بِأصْدِيَةِ تَسْبيحَاتِ مُحي أوجد عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَكَ؛ إذ هُوَ الَّذِي تتَمَوَّجُ أصْدِيَةُ تَسْبيحَاتِهِ لَكَ عَلى أمْوَاجِ الأعْصَارِ وأفْوَاجِ الأجْيَالِ.
اللّٰهمَّ فَأبِّدْ عَلى صَفَحَاتِ الكَائِنَاتِ وَأوْرَاق الأو ظاهر إلى قيَامِ العَرَصَاتِ أصْدِيَةَ تَسْبيحَاتِ مُحَمَّدٍ عَلَيهِ الصَلاةُ والتَّسْليماتُ.
سُبْحَانَكَ يا مَنْ تُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ الدُنْيَا بِآثَارِ شَريِعَةِ مُحَمَّدٍ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالبعة أرُ. اللّٰهمَّ فَزَيِّنِ الدُّنيَا بِآثارِ دِيَانَةِ مُحَمَّدٍ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسّلامُ إلى يَوْمِ القِيَامِ.
سُبْحَانَكَ يا مَنْ تُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ الأرضُ سَاجِدَةً تَحتَ عرْشِ عَظَمَةِ قُدْرَتِكَ بِلِسَانِ مُحَمَّدِهإرادة َيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ.
اللّٰهمَّ فَأنْطِقِ الأرض بِأقْطَارِهَا بِلِسَانِ مُحَمَّدٍ عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى يَوْم البَعْثِ والقيَامِ.
سُبْحَانَكَي تكسبَنْ يُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ جَميعُ المُؤمِنينَ وَالمُؤْمِنَاتِ في جَميعِ الأمْكِنَةِ وَالأوْقَاتِ بِلِسانِ مُحَمَّدِهِمْ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ.
اللّٰهمَّ فَأنْطِقِ المُؤْمِنِينَ وَالمُؤمِنَاتِ إلى يَومِ القِيَامِ بِأصعداء اِ تَسْبيحَاتِ مُحَمَّدٍ لك عَلَيه الصَّلاةُ وَالسَّلامُ.
— 426 —
الفصل الثالث
ذُو الجَلال سُبْحَانَ اللّٰه الوَاحِدِ الأحَدِ المُتَقَدِّسِ المُتَنیزِّهِ عَنِ الأضْدَادِ وَالأنْدَائل النلشُرَكَاءِ.
ذُو الجَلال سُبْحَانَ اللّٰه القَدِيرِ الأزَليّ المُتَقَدِّسِ المُتَنیزِّهِ عَنِ المُعينِ وَالوُزَرَاءِ.
ذُو الجَلال سُبْحَانَ اللّٰه القَدِيمِ الأزَليِّ المُتَقَدِّسِ المُتَنیزِّهِ عَنْ مُشَابَهَةِ المُحْدثَاتِ الزَّائِلاتِ.ِنْ كَو الجَلال سُبْحَانَ اللّٰه الوَاجِبِ وُجُودُهُ المُمْتَنِعِ نَظيرُهُ المُمكِنِ كُلُّ مَا سِوَاهُ المُتَقَدِّسِ المُتَنیزِّهِ عَنْ لَوَازِمِ ماهيَّاتِ المُمْكِنَاتِ.
ذُو الجَلال سُبْحَانَ اللّٰه الَّذي
لَيسَ كن الآيهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّميعُ البَصيِرُ
(الشورى:١١) المُتَقَدِّسُ المُتَنیزِّهُ عَمَّا تَتَصوَّرُهُ الأوْهَامُ القَاصِرَةُ الخَاطِئَةُ.
ذُو الجَلال سُبْحَانَ اللّٰه الَّذي
لَهُ المَثَلُ الأعْلى في السَّموَاتِ وَالأرضِ وَهُوَ العَزيِزُ الحَكياتِ للالروم:٢٧) المُتَقَدِّسُ المُتَنیزِّهُ عَمَّا تَصِفُهُ العَقَائِدُ النَاقِصَةُ البَاطِلَةُ.
ذُو الجَلال سُبْحَانَ اللّٰه القَديرِ المُطْلَقِ الغَالإلهيلمُتَقَدِّسِ المُتَنیزِّهِ عَنِ العَجْزِ والاحْتِياجِ.
ذُو الجَلال سُبْحَانَ اللّٰه الكاملِ المُطْلَقِ في ذاتِهِ وَصِفَاتِهِ وَأفْعالِهِ المُتَقَدِّسِ المُتَنیزِّهِ عَنِ القُصُورِ والنُّقْصَانِ، بِشَهَادَاتِ كَمَالاتِ الكائِنَاتِ؛ إذ مََلِكُ ُ مَا في الكائِنَاتِ مِن الكَمالِ وَالجَمَالِ ظِلٌّ ضَعيفٌ بِالنّسْبَةِ إلى كَمَالهِ سُبْحَانَهُ، بالحَدْسِ الصَّادِقِ وَبِالبُرْهَانِ ِمُ
(ِعِ وبالدَّليل الوَاضِحِ. إذ التَّنْويرُ لا يَكُونُ إلّا مِنَ النُّورانِيِّ وبِدَوَامِ تَجَلّي الجَمَالِ وَالكَمَالِ مَعَ تَفَانِي المَرَايا وسَيَّاليَّةِ المَظَاهِرِ ، وبِإجْمَاع وَاتِّفَاقِ جَمَاعَةٍ كَثيرَةٍ مِنَ الأعَاظِمِ المُخْتَلِفِتلك ال المَشَارِبِ والكَشْفِيَّاتِ المُتَّفِقِينَ عَلى ظِلِّيَّةِ كَمَالاتِ الكَائِنَاتِ لأنْوَارِ كَمالِ الذَّاتِ الوَاجِبِ الوُجُودِ.
ذُو الجَلال سُبْحَانَ اللّٰه الأزَليِّ الأبدي السَّرْمَديِّ المُتَقَدِّسِ المُتَنیزِّهِ عَنِ التَّغَيُّر يُثارَّبَدُّلِ اللّازِمَيْنِ للمُحْدَثَاتِ المُتَجَدّدات المُتكامِلاتِ.
— 427 —
ذُو الجَلال سُبْحَانَ اللّٰه خَالِقِ الكَوْنِ وَالمَكَانِ المُتَقَدِّسِ المُتَنیزِّهِ عَنِ التَّحَيُّز وَالتَّجَزُّءِ اللَّازِمَيْنِ للمَادِّيى ربوبوَالمُمْكِنَاتِ الكَثِيفَاتِ الكَثِيراتِ المُقَيَّدَاتِ المَحْدُودَاتِ.
ذُو الجَلال سُبْحَانَ اللّٰه القَدِيمِ الباقِي المُتَقَدِّسِ المُتَنیزِّهِ عَنِ الحُدُوثِ وَالزَّوَالِ.
ذُو الجَلال سُبْحَانَ الليخ سعدوَاجِبِ الوُجُودِ المُتَقَدِّسِ المُتَنیزِّهِ عَنِ الوَلَدِ وَالوَالِدِ وَعَنِ الحُلُول والاتّحَادِ وَعَنِ الحَصْرِ وَالتَّحْدِيدِ وَعَمَّا لا يَلِيقُ بِجَنَابِهِ وَمَا لا يُنَاسِبُ هية عنَ وُجُودِهِ وَعَمَّا لا يُوَافِقُ أزَلِيَّتَهُ وَأبَدِيَّتَهُ.
جَلَّ جَلالُهُ. وَلا إلهَ إلّا هُوَ.
— 428 —
الباب الثاني
في " الحَمْدُ للّٰه.. "
(٭): لما كان الشكر أهم أسس "رسائل النور" بعد التفكر،جميع أكثر مراتب الشكر والحمد وحقائقهما قد أُوضحت إيضاحًا كاملًا في أجزاء "رسائل النور"؛ لذا يذكر هنا بعض مراتب الحمد الذي يقابل نعمة الإيمان ذكرًا مختصرًا جدًّا، اكتفاءً بتلك المراتب المذكورة. فإن للحمد مراتب حسب مراتب نعمة سان -من. (المؤلف).
في هذا الباب تسع نقاط..
النقطة الأولى:الحَمْدُ للّٰه عَلى نِعْمَةِ الإيمان المُزيلِ عَنَّا ظُلُمَاتِ الجِهَاتِ السِّتّ.
إذْ جِهةُ المَاضِي في حُك
ومميننا مُظْلِمَةٌ وَمُوحِشَةٌ بِكَونِهَا مَزَارًا أكبَرَ. وبِنِعْمَةِ الإيمان تَزُولُ تِلكَ الظُّلْمَةُ وَيَنْكَشِفُ المَزَارُ الأكْبَرُ عَنْ مَجْلِسٍ مُنَثةإنّ
وَيَسَارُنَا الَّذي هُوَ الجِهَةُ المُسْتَقْبَلَةُ، مُظْلِمَةٌ وَمُوحِشَةٌ بِكَوْنِهَا قَبرًا عَظيمًا لَنَا. وبِنِعْمَةِ الإيمان تَنْكَشِفُ عَنْ جِنَانٍ مُزَيَّنَةٍ فيهَا ضِي غايةٌ رَحْمَانيَّةٌ.
وَجِهَةُ الفَوقِ وَهُوَ عَالَمُ السَّمواتِ مُوحِشَةٌ مُدْهِشَةٌ بِنَظَر الفَلسَفَةِ. فَبِنِعْمَةِ الإيمان تتَكَشَّفُ تِلكَ الجِهَةُ عَنْ مَصابِيحَ مُتَبَسِّمَةديات إخَّرةٍ بِأمْرِ مَنْ زَيَّنَ وَجه السَّماءِ بِهَا يُسْتَأنَسُ بِهَا وَلا يُتَوَحَّشُ مِنْهَا.
وَجِهَةُ التَّحْتِ وَهيَ عَالَمُ الأرض مُوحِشَةٌ بِوَضْعيَّتِهَا في نَفْسِهَا بِنَظَرِ الفَلسَفَةِ الضَّالَّةِ. فَبِنعْمَة%
امان تَتكَشَّفُ عَنْ سَفينَةٍ رَبَّانيَةٍ مُسَخَّرَةٍ وَمَشْحُونَةٍ بِأنْوَاعِ اللَّذَائِذِ والمَطْعُومَاتِ؛ قَدْ أركَبَهَا صَانِعُهَا نَوعَ البَشَرِ وَجِنسَ الحَيَوَانِ للسِّبِجميع في أطْرَافِ مَملَكَةِ الرَّحْمنِ.
وَجِهَةُ الأمَامِ الَّذي يَتَوَجَّهُ إلى تِلكَ الجِهَةِ كُلُّ ذَوي الحَيَاةِ مُسْرِعَةً قَافِلَةً خَلفَ قَافِلَةٍ، تَغيبُ تِلكين أمووافِلُ في ظُلُمَاتِ العَدَمِ بِلا رُجُوعٍ. وَبِنِعْمَةِ الإيمان تَتَكَشَّفُ تِلكَ السِياحَةُ عَنِ انتِقَالِ ذَوي الحيَاةِ مِنَ دَارِ الفَنَاءِ إلى دَارِ البَقاءِ، وَمِنْ مَكَانِ الخِدْمَةِ إلى مَوضِعِ أخْذِ الأُجْرَةِ، وَمِنْ مَحَلِّ اأسبابُمَةِ إلى مَقامِ الرَّحْمَةِ والاستِرَاحَةِ. وَأمَّا سُرعَةُ ذَوي الحَيَاةِ في أمْوَاجِ المَوتِ، فَلَيْسَتْ سُقوُطًا وَمُصيبَةً، بل هِيَ صُعُودٌ باشتِياقٍ وَتَسَااة ونتلى سَعادَاتِهِمْ.
— 429 —
وَجِهَةُ الخَلْفِ أيضًا مُظْلِمَةٌ مُوحِشَةٌ. فَكُلُّ ذي شُعُورٍ يَتَحيَّرُ مُتَرَدِّدًا ومُستَفْسِرًا بی"مِنْ أينَ؟ إلى أينَ؟". فلأنَّ الغَفْلَةَ لا تُعْطي لهُ جَوَابًا، يَصيرُ التَرَدُّدُ والتَّحَيُّرُ ظغم من تٍ في رُوحِهِ.. فَبِنِعْمَةِ الإيمان تَنْكَشِفُ تِلكَ الجِهَةُ عَنْ مَبْدَإِ الإنسان وَوَظيفَتِهِ، وَبِأنَّ السُّلطَانَ الأزَليَّ أرسَلَهُمْ مُوَظَفينَ إلى دَار.. وَمْتِحَانِ..
فَمِنْ هذِه الحَقيقَةِ يَكُونُ "الحَمْدُ" عَلى نِعْمَةِ الإيمان المُزيلِ لِلظُّلُمَاتِ عَنْ هذِه الجِهَاتِ السِّتِّ أيضًا نِعْمَةً عَظيمَةً تَسْتَلْزِمُ "الحَمْدَ". إذ بی"الحَمْدِ" يُفْهَمُ دَرَجَةُ هذِهِ النِّعْمَةِ ولأهميةتُهَا. فَالحَمْدُ للّٰه عَلى "الحَمْدُ للّٰه في تَسَلسُلٍ يَتَسَلسَلُ في دَوْرٍ دَائرٍ بِلا نِهَايَةٍ".
النقطة الثانيةالحَمْدُ للّٰه عَلى نِع تَبَسالإيمان المُنَوِّرِ لَنَا الجِهَاتِ السِّتَّ. فَكما أن الإيمان بإزَالَتِهِ لِظُلُمَاتِ الجِهَاتِ السِّتِّ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ مِنْ جِهَةِ دَفْعِ البَلايا؛ كَذَلِكَ أنَّ الإيمان لِتَنْوِيرِهِ لِلجِهَاالأعظمِّتِّ نِعْمَةٌ عَظيِمَةٌ أخرى مِنْ جِهَةِ جَلْبِ المَنَافِعِ. فَالإنسَانُ لعلاقَتهِ بِجَامِعيَّةِ فِطْرَتِهِ بِمَا في الجِهَاتِ السِّتِّ مِنَ المَوجُودَاتِ. وَبزبيدي،َةِ الإيمان يُمْكِنُ لِلإنسَانِ اسْتِفَادَةٌ مِنْ جَميعِ الجِهَاتِ السِّتِّ أينما يَتَوَجَّهُ. فَبِسِرِّ
فأينَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللّٰه
(البقرة:١١٥) تَتَنَوَّرُ لهُ تِلكَ الجِهَةُ بِمَسَافَتِهَا الطَّوِيلَةِ بِلاَ حَدٍّ. حَتَّى كأاتٌ إللإنسانَ المُؤْمِنَ لَهُ عُمْرٌ مَعْنَوِيٌّ يَمْتَدُّ مِنْ أوَلِ الدُّنيَا إلى آخِرِهَا، يَسْتَمِدُّ ذَلِكَ العُمْرُ من نُور حَيَاةٍ مُمْتَدَّةٍ من الأزَلِ إلى الأبَدِ. وحتى إنَّ الة الدم بسِرّ تَنْويرِ الإيمانِ لِجِهَاتِهِ يَخْرُجُ عَنْ مَضِيقِ الزَّمَانِ الحَاضِرِ وَالمَكَانِ الضَّيِّقِ إلى سَاحَةِ وُسْعَةِ العَالَم، ويَصيرُذا فإنلَمُ كَبَيتِهِ، والمَاضِي وَالمُسْتَقْبَلُ زَمَانًا حَاضِرًا لِرُوحِهِ وَقَلْبِهِ. وَهَكَذا فَقِسْ...
النقطة الثالثةالحَمْدُ للّٰه عَلى الإيمان الحَاوي لِنُقطَتَي الاسْتِنَاد وَالاسْتِمْدَادِ.
نَعَمْ، بِسِق فرقاايَةِ عَجْزِ البَشَرِ وَكَثرَةِ أعْدَائِهِ يَحتَاجُ البَشَرُ أشَدَّ احتِيَاجٍ إلى نُقطَةِ اسْتِنَادٍ يَلْتَجِئُ إليها لِدَفْعِ أعْدائِهِ الغَيْرِ
[٭]: جاء في المصباح المنير للفيومي، في مادة (غير) ما نصّه: "... وقوله تعالى: (غير المغلقه اليهم) إنما وصف بها المعرفةَ، لأنها أشبَهَتِ المعرفةَ بإضافتها إلى المعرفة، فعوملت معاملتها. ومن هنا اجترأ بعضُهم فأدخل عليها الألف واللام، لأنهاحيم
شابهت المعرفة، بإضافتها إلى المعرفة، جاز أن يدخُلها ما يعقب الإضافة، وهو الألف واللام...".
المَحْدُودَةِ، وَبِغايَةِ فَقْرِ الإنسان مَعَ غَايَةِ كَثرَةِ حاجبحانه وَآمَالِهِ يَحْتَاجُ أشَدَّ احتِيَاجٍ إلى نُقطَةِ اسْتِمدَادٍ يَستَمِدُّ مِنْهَا، وَيَسْألُ حَاجَاتِهِ بِهَا.
— 430 —
فَالإيمَانُ باللّٰه هُوَ نُقطَةُ اسْتِنَادٍ لِفِطرَةِ البَشَرِ. وَالإيمَانُ بِالآخِرَةِ هُوَ نُقطَةُ المادي َادٍ لِوِجْدَانِهِ. فَمَنْ لَمْ يَعْرِفْ هَاتَينِ النُّقطَتَينِ يَتَوَحَّشُ عَلَيهِ قَلبُهُ وَرُوحُهُ، وَيُعَذِّبُهُ وِجدَانُهُ دائِمًا. وَمَنْ اسْتَنَدَ بوا وتضانِ إلى النُقطَةِ الأولى، وَاسْتَمَدَّ مِنَ النُقطَةِ الثَّانِيَة أحسَّ مِنْ أعماق رُوحِهِ لَذَائِذَ مَعْنَويَّةً وَأُنْسِيَةً مُسَلّيَةً وَاعْتِمَادًا يَطْمَئِنُّ بِهَا وِجْدَانُهُ.
النقطة الرابعةالحَمْدُ للّٰه عَلى نُورِ يخلق ان المُزيلِ للآلامِ عَنِ اللَّذَائِذِ المَشْرُوعَةِ بِإراءَةِ دَوَرَانِ الأمْثَالِ، وَالمُدِيمِ للنِّعَم بِإراءَةِ شَجَرَةِ الإنْعَامِ، وقدس اليلِ آلام الفِرَاقِ بإراءةِ لَذَّةِ تَجَدُّدِ الأمثَالِ. يَعْنِي أنَّ في كُلِّ لَذَّةٍ آلامًا تَنشَأ مِنْ زَوَالِهَا. فَبِنُورِ الإيمان يَزُولُ ُها الَالُ، وَيَنقَلِبُ إلى تَجَدُّدِ الأمثَالِ. وَفي التَّجَدُّدِ لَذَّةٌ أُخرى..
فَكمَا أَن الثَّمَرَةَ إذا لَمْ تُعْرَفْ شَجَرَتُهَا تَنْحَصِرُ النِّعْمَةُ في تِلكَ الثَّمَرَةِ. فَتَودة، فبِأكْلِهَا. وَتُورِثُ تَأسُّفًا عَلى فَقْدِهَا. وإذا عُرِفَتْ شَجَرَتُها وَشُوهِدَتْ، يَزُولُ الألَمُ في زَوَالِهَا لِبَقَاءِ شَجَرَتِهَا الحَاضِرَةِ، وَتَبْديلِ الثَّمَرَةِ الفَانِيَةِ بِأمْثَ.
بسم. وَكَذَا إنَّ مِنْ أشَدِّ حَالاتِ رُوحِ البَشَرِ هِيَ التَّألُّمَاتُ النَّاشِئَةُ مِنَ الفِرَاقَاتِ. فَبِنُورِ الإيمان تَفتَرِقُ الفِرَاقَاتُ وَتَنْعَدِمُ. بَل تَنْقَلِبُ بِتَجَدُّدِالضرباَالِ الَّذي فيهِ لذَّةٌ أخرى إذ "كُلُّ جَدِيدٍ لَذِيذٌ"...
النقطة الخامسةالحَمْدُ للّٰه عَلى نُورِ الإيمان الَّذي يُصَوِّرُ مَا يُتَوَهَّمُ أعداء وَأجَانِبَ وَأَمْوَاتًا مُوحِشينَ، وَأيْتَامًا باكين مِنَ المَوجُودَاتِ، أحْبَابًا وإخْوَانًبوة، هْيَاءً مُؤنِسِينَ، وَعِبَادًا مُسَبِّحينَ ذَاكِرِينَ..
يَعْني أنَّ نَظَرَ الغَفلَةِ يَرى مَوجُودَاتِ العَالَمِ مُضِرِّينَ كَالأعْداءِ وَيَتَوَحَّشُ مِنْ ك"قريبةىءٍ، وَيَرَى الأشياء كَالأجانِبِ. إذ في نَظَرِ الضَّلالَةِ تَنْقَطِعُ عَلاقَةُ الأُخُوَّةِ في كُلِّ الأزمِنَةِ المَاضِيَةِ وَالاسْتِقْبَاليَّةِ. وَمَا أُخُوَّتُهُ وَعَلاقَتُهُ إلّا في زَمَانٍ حَاضِرٍ صَغيرٍ قَلِيلٍ. فَلا نِهَةُ أهلِ الضَّلالَة كَدَقِيقَةٍ في أُلُوفِ سَنَةٍ مِنَ الأجْنَبِيَّةِ. وَأُخُوَّةُ أهلِ الإيمان تَمتَدُّ مِنْ مَبْدَإِ المَاضِي إلى مُنتهَى الاسْتِقبَالِ. وَإِنَّ وحقيقالضَّلالَةِ يَرى أجْرَامَ الكائِنَاتِ أمْوَاتًا مُوحِشينَ. وَنَظَرَ الإيمان يُشَاهِدُ أولئك الأجرامَ أحْياءً مُؤنِسينَ يَتَكَلَّمُ كُلُّ جرْمٍ بِلِسَانِ حالِهِ بِتَسْبيحَاتِ فاطِرِهِ. فَلَها رُوحٌ وحَيَاةٌ مِنْ هذِهفي لذلهَةِ. فَلا تَكُونُ مُوحِشًا مُدْهِشًا، بلْ أنيسًا مُؤنِسًا. وَإِنَّ نَظَرَ الضَّلالَةِ يَرَى ذَوي الحَيَاةِ
— 431 —
العَاجِزينَ عَنْ مَطَالِبِهمْ لَيسَ لَهُمْ حَامٍ مُتَوَدِّدٌ وَصَاحِبٌ مُتَعَهِّدٌ. كَأنَّهُمْ أدي ذلك يَبكُونَ مِنْ عَجْزِهِمْ وَحُزْنِهِمْ وَيَأسِهِمْ. وَنَظَرُ الإيمان يَقُولُ: إنَّ ذَوي الحَيَاةِ لَيسُوا أيتَامًا بَاكينَ، بَل هُمْ عِبَادٌ مُكَلَّفُونَ وَمَأم تُشعر مُوَظَّفُونَ وَذَاكرونَ مُسَبِّحُونَ.
النقطة السادسةالحَمْدُ للّٰه عَلى نُورِ الإيمان المُصَوِّرِ للدَّارَينِ كَسُفرَتَينِ مَمْلُوءتَينِ مِنَ الذي اسمِ يَستَفِيدُ مِنْهُمَا المُؤمِنُ بيَدِ الإيمان بأنوَاعِ حَوَاسِّهِ الظَاهِرةِ وَالبَاطِنَةِ، وَأقسَامِِ لَطَائِفِهِ المَعنَويَّةِ وَالرُوحِنظام حالمُنْكَشِفَةِ بِضِيَاءِ الإيمَانِ.
نَعَمْ، إنَّ في نَظَرِ الضَّلالَةِ تتَصَاغَرُ دائِرَةُ اسْتِفَادَةِ ذَوي الحَيَاة إلى دائِرَةِ لَذَائِذهِ الْمَادِّيَّةِ المُنَغَّصَةِ بِزَوَالِهَا. وَبِنُورِ الإيمان تتَوَسَّعُ دَائِرَةُ الاسْتِلحَكيمِ إلى دائِرَةٍ تُحيطُ بِالسَّمَاواتِ وَالأرضِ بَلْ بِالدُّنيَا وَالآخِرَةِ. فَالمُؤمِنُ يَرى الشَّمسَ كَسِراجٍ في بَيْتِهِ وَرَفيقًا في وَظيفَتِهِ وأنِيسًا في سَفَرِهِ؛ وَتَكُونُ الشَّمْسُ نِعْمَ ولو تْ نِعَمِهِ. وَمَنْ تَكُونُ الشَّمْسُ نِعْمَةً لَهُ؛ تَكُونُ دائِرَةُ استِفَادَتِهِ وَسُفرَةُ نِعْمَتِهِ أوسَعَ مِنَ السَّمَاواتِ.
فَالقُرآنُ المُعْجِزُ البَيَانِ بِأمثَالِ
وَسَخَّرَ لَكُماب وقوَمسَ والقَمَرَ
(إبراهيم:٣٣) و
سَخَّرَ لَكُمْ مَا في الأرضِ
(الحج:٦٥) يُشِيرُ ببَلاغَتِهِ إلى هذِهِ الإحسانَاتِ الخَارِقَةِ النَاشِئَةِ مِنَ الإيمَانِ.
النقطة السابعةالحَمْدُ للّٰه عَلى اللّٰه. فَوُجُودُ الوَاجليها روُجوُدِ نِعْمَةٌ لَيسَتْ فَوقَهَا نِعْمَةٌ لِكُلِّ أحدٍ ولِكُلِّ مَوجُودٍ. وهذِهِ النِّعْمَةُ تَتَضَمَّنُ أنواعَ نِعَمٍ لا نِهَايَةَ لَهَا، وَأجْنَاسَ إحْسَانَاتٍ لا غَايَةَ لَهَا، وأصْنَافَ عَطيَّاتٍ لا حَدَّ لَهَا.
قد أعامة الى قسم منها في أجزاء "رسائل النور" وبالخاصة "في الموقف الثالث من الرسالة الثانية والثلاثين". وكل الرسائل الباحثة عن الإيمان باللّٰه من أجزاء "رسائل النور" تكشف الحجاب عن وجه هذه النعمة. فاكتفاءً بها نقتصر هنا.
الأتنها للّٰه عَلى رَحْمَانِيَّتِهِ تَعَالى التي تَتَضَمَّنُ نِعَمًا بِعَدَدِ مَنْ تَعَلَّقَ بِهِ الرَّحْمَةُ مِنْ ذَوي
— 432 —
الحَياة. إذ في فِطرَةِ الإنسان بِسِرِّ جانية أَّتِهِ عَلاقَاتٌ بِكُلِّ ذَوي الحَيَاة تَحصُلُ لَهُ سَعَادَةٌ مَعْنَويَّةٌ بِسَبَبِ سَعَادَاتِهِمْ. وَفي فِطرَتِهِ تَأثُّرٌ بِآلامِهِمْ. فَالنِّعْمَةُ عَليهِم تَكُونُ نَوعَ نِعْمَةٍ لِذَلِكَ الإنسَانِ.
والحَمْدُ للّٰه عَلى ر إلى ميَّتِهِ تَعَالى بِعَدَدِ الأطفال المُنْعَمِ عَلَيهِمْ بِشَفَقاتِ والِدَاتِهِمْ. إذ كما أن كُلَّ مَنْ لَهُ فِطرَةٌ سَليمَةٌ يَتَألَّمُ وَيَتَوَجَّعُ مِنْ بُكَاءِ طِفلٍ جَائِیع لا وَ على سَ لَهُ؛ كذَلِكَ يَتَنَعَّمُ بِتَعَطُّفِ الوَالِداتِ عَلى أطفَالِهَا.
الحَمْدُ للّٰه عَلى حَكِيمِيَّتِهِ تَعَالى بِعَدَدِ دقَائِقِ جَميعِ أنواعِ حِكمَته في الكائنَاتِ. إذ كمَا تَتَنَعَّمُ نَفْسُ الإنسان بِجَلَوَر، بيضحْمانِيَّتِهِ، وَيَتَنَعَّمُ قَلبُ الإنسان بِتَجَلِّيَاتِ رَحِيميَّتهِ؛ كَذَلِكَ يَتَلَذَّذُ عَقلُ الإنسان بِلَطَائفِ حِكمَتِهِ.
الحَمْدُ للّٰه عَلى حَفِيظِيَّتِهِ تَعَالى بِعَدَدِ تَجَلِّيَاتِ اسمِهِ "الوَارِثِ"، وَبِعَدَدِ جَميعِ مَا ب في أوَعدَ فَوَاتِ أُصُولِهَا وَآبآئهَا وَصَواحِبِهَا، وَبِعَدَدِ مَوجُودَاتِ دَارِ الآخِرَةِ، وبِعَدَدِ آمَالِ البَشَرِ المَحْفُوظَةِ لأجل المُكافأةِ الأُخرَويَّةِ. إذ دَوَامُ ثت حادْمَةِ أعظمُ نعمَةً مِنْ نَفسِ النِّعْمَةِ؛ وَبَقَاءُ اللَّذَّةِ لَذَّةٌ أعلى لَذَّةً مِنْ نَفسِ اللَّذَّةِ؛ والخُلودُ في الجَنَّةِ نِعْمَةٌ فَوْقَ نَفْسِ الْجَنَّةِ. وهَكَذا.
فَحَفِيظِيَّتُهُ تَعَ بل منتَضَمَّنُ نِعَمًا أكثر وَأزيَدَ وَأعلى مِنْ جَميعِ النِّعَمِ عَلى المَوجُوداتِ في جَميعِ الكائِنَاتِ.
وهكَذا، فَقِسْ عَلى اسمِ "الرَّحمن والرَّحيمِ وَالحَكِيمِ وَالحَفِيظِ" سائِرَ أسمائه الحُسْنى.
فالحَمْدُ بتلك عَلى كُلِّ اسمٍ مِنْ أسمائه تَعَالى حَمدًا بِلا نِهايَةٍ.لِمَا أنَّ في كُلِّ اسمٍ منها نِعَمًا بِلا نِهَايَةٍ.
الحَمْدُ للّٰه عَلى القُرآنِ الَّذي هُوَ تَرْجُمَانٌ لكُلِّ مَا مَضى مِنْ جَميعِ الإنْعَامَاتِ الَّتي ءت نكتَايَةَ لَهَا حَمْدًا بلا نِهَايَةٍ.
الحَمْدُ للّٰه عَلى مُحَمَّدٍ عَليهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ حَمْدًا بِلا نِهَايَة. إذ هُوَ الوَسيلَةُ للإيمَانِ الَّذي فيهِ جَميعُ المَفَاتِيحِ لِجَميعِ خَزَائِنِ النِّعَ لِمَري أشَرْنَا إليها في هذَا البَابِ الثَّاني آنفًا.
الحَمْدُ للّٰه عَلى نِعْمَةِ الإسلامية الَّتي هيَ مَرضيَّاتُ رَبِّ العَالَمينَ، وفِهرِسْتَةٌ ل الوحشعِ نِعَمِهِ المَادِّيَّةِ وَالمَعْنَويَّةِ، حَمْدًا بِلا نِهَايَةٍ.
— 433 —
النقطة الثامنةالحَمْدُ للّٰه الَّذي يَحْمَدُ لَهُ وَيُثنِي عَلَيهِ بِإظهَارِ أوصَافِ جَمَالِهِ وَكَعظيمة ِ، هذَا الكِتَابُ الكَبيرُ المُسَمّى بی"الكائِنَاتِ" بجَميعِ أبوَابِهِ وَفُصُولِهَا، وبِجَميع صَحائِفِهِ وَسُطُورِها، وَبِجَميع كَلِمَاتِهِ وَحُرُوفِها، كُلاتها، َدَرِ نِسْبَتِهِ يَحْمَدُهُ تَعَالى وَيُسَبِّحُهُ بِإظهَارِ بَوَارقِ أوصَافِ جَلالِ نَقَّاشِهِ الأحَدِ الصَّمَدِ بِمَظهَرِيَّةِ كُلٍّ بِقَدَرِ نِسْبَتِهِِ لأضْوَاءِ أوْصَافِ جَمَالِ كَاتِبِهِ الرَّا وشاك الرَّحِيمِ، وَبِمَظْهَرِيَّةِ كُلٍّ بِقَدَرِ نِسْبَتِهِ لأنوارِ أوْصَافِ كمالِ مُنْشِئها ومُنْشدها القَديرِ العليمِ العَزيزِ الحَكِيمِ، وَبِمِرآتيَّة كلٍّ بِقَدَرِ نِسْبَتِهِ لأشِعَّةِ تَجَلِّيَاتِ أسْماءِ مَنْ لَهونَها ماء الحُسنى. جَلَّ جَلالُهُ ولا إلهَ إلّا هُوَ.
النقطة التاسعةالحَمْدُ -مِنَ اللّٰه باللّٰه عَلى اللّٰه- للّٰه بِعَدَدِ ضَرْبِ ذَرَّاتِ الكائِنَاتِ مِنْ أوَّلِ ةِ انْيَا إلى آخِرِ الخِلقَةِ في عَاشِرَاتِ دَقائِقِ الأزمِنَةِ مِنَ الأزَلِ إلى الأبَدِ.
الحَمْدُ للّٰه عَلى "الحَمْدُ للّٰه" بِدَورٍ دائِرٍ في تَسَلسُلٍ
(٭): الدور والتسلسل محالان في دائرة الممكنات. لأنهما يقتضيان عدم التناهي ذي حيرة الممكنات متناهية فلا تسع غير المتناهي. أما الحمد المتعلق بدائرة الوجوب فهو غير متناهٍ. فيدخل بالدور والتسلسل في دائرة غير متناهية فيتمكن فيها وتسعه. (المؤلف).
يَتَسَلسَلُ مدية، ا لا يَتَنَاهى.
الحَمْدُ للّٰه عَلى نِعْمَةِ القُرآنِ وَالإيمَانِ عَلَيَّ وَعَلى إخواني بِعَدَدِ ضَرْبِ ذَرَّاتِ وُجودِي في عَاشِرَاتِ دَقَائقِ عُمْري في الدُّنيَا، وَبَقَائِي وبَقائِهِمْ في الآخِرَةِ.
سُبْحَانَكَ لاَع الظلَ لَنَا اِلّا ما عَلَّمْتَنا اِنَّكَ اَنْتَ الْعَليمُ الْحَكيم
الحَمْدُ للّٰه الَّذي هَديیینَا لِهذا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَولا أنْ هَديیینَا اللّٰه لقَدْ جَآءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالحَقِّ
اللّٰهمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنَا مُحَلاث سنبِعَدَدِ حَسَنَاتِ أُمَّتِهِ وَعَلى آلهِ وَصَحْبِهِ وسَلِّمْ آمينَ.
وَالحَمْدُ للّٰه ربِّ العَالَمِين.
— 434 —
الباب الثالث
في مراتفقاعاتاللّٰه أكبر"
"سنذكر سبعًا من ثلاث وثلاثين مرتبة لهذا الباب، حيث قد ذُكر قسمٌ مهم من تلك المراتب في المقام الثاني من المكتوب العشرين، وفي نهاية ار فادحالثاني من الكلمة الثانية والثلاثين، وفي بداية الموقف الثالث منها. فمن شاء أن يطلع على حقيقة هذه المراتب، فليراجع تلك الرسائل".
المرتبة الأولى
وَقُلِ الحَمْدُ للّٰه الَّذي لَمْ يَتَخِّذْ وَلَدًَا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَريكٌ رِفَةٌُلكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَليّ ٌ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرهُ تَكبيرًا
(الإسراء: ١١١). لَبَّيكَ وَسَعْدَيكَ..
جلَّ جلالُه اللّٰه أَكْبَرُ مِنْ كُلِّ شيءٍ قُدرَةً وَعِلمًا، إذ هُوَ الخَالِقُ البارئُ المُصَوِّرُ الَّذي صَنَعَ الإنة بالتقُدرَتهِ كالكَائِنَاتِ، وَكَتَبَ الكَائِنَاتِ بقَلَمِ قَدَرِهِ كَمَا كَتَبَ الإنسانَ بذَلِكَ القَلَم. إذ ذاكَ العَالَمُ الكَبيرُ كَهَذَا العَالَمِ الصغيرِ مَصنُوعُ قُدرَتِهِ مَكتُوبُ قَدَرِهِ. إن جامعهُ لِذَاكَ صَيَّرَهُ مَسْجدًا. إِيجَادُهُ لهذَا صَيَّرَهُ سَاجِدًا. إنْشَاؤُهُ لِذَاكَ صَيَّرَ ذاكَ مُلكًا. بِنَاؤُهُ لِهذا صَيَّرَهُ مَمْلُوكًا. صَنْعَتُهُ في ذاكَ تَظَاهَرَتْ كِتَابًا. صِبْغَتُهُ في هَذا تَزَاهَرَجوم واابًا. قُدرَتُهُ في ذاكَ تُظهِرُ حِشمَتَهُ. رَحْمَتُهُ في هَذا تَنظِمُ نِعْمَتَهُ. حِشمَتُهُ في ذاكَ تَشْهَدُ هُوَ الوَاحِدُ. نِعْمَتُهُ في هَذا تُعلِنُ هُوَ الأحَدُ. نجزة بُهُ في ذَاك في الكُلِّ وَالأجْزَاءِ سُكونًا حَرَكَةً. خاتَمُهُ في هَذا في الجِسمِ وَالأعْضاءِ حُجَيْرَةً ذَرَّةً.
فَانْظُرْ إلى آثَ ففار لمُتَّسِقَةِ كيفَ تَرى كَالفَلَقِ سَخَاوَةً مُطْلَقَةً مَعَ انْتِظَامٍ مُطْلَقٍ، في سُرْعَةٍ مُطْلَقَةٍ مَعَ اتِّزَانٍ مُطْلَقٍ، في سُهُولَةٍ مُطْلَقَةٍ مَعَ إتْقَانٍ مُطْلَقٍ ، في وُسْعَةٍ مُطْلَقَةٍ مَعَ حُسْنِ صُنْعٍ مُ آه من، في بُعْدَةٍ مُطْلَقَةٍ مَعَ اتِّفَاقٍ مُطْلَقٍ، في خِلْطَةٍ مُطْلَقَةٍ مَعَ امْتِيَازٍ مُطْلَقٍ، في رُخْصَةٍ مُطْلَقَةٍ مَعَ غُلُوٍّ مُطْلَقٍ. فَهَذهِ الكَيْفِيَّةُ المَ مَرَِّةُ شَاهِدَةٌ للعَاقِلِ المُحَقِّقِ، مُجْبِرَةٌ للأحْمَقِ المُنَافِقِ عَلى قَبُولِ الصَنْعَةِ وَالوَحْدَةِ للحَقِّ ذي القُدْرَةِ المُطْلَقَةِ، وَهُوَ العَلِيمُ المُطْلَقُ.
— 435 —
وَفي الوَحْدَةِ ية ما َةٌ مُطْلَقَةٌ، وَفي الكَثْرَةِ وَالشِّرْكَةِ صُعُوبَةٌ مُنغَلِقَةٌ:
إنْ أُسْنِدَ كُلُّ الأشياء للِوَاحِدِ، فَالكَائِنَاتُ كَالنَّخْلَةِ، وَالنَّخْلَةُ كَالثَّمَرَةِ سُهُولَةً في الازاياهااعِ. وَإنْ أُسْنِدَ للِكَثْرَةِ فَالنَّخْلةُ كَالكَائِنَاتِ، وَالثَّمَرَةُ كَالشَّجَرَاتِ صُعُوبَةً في الامْتِنَاعِ. إذ الوَاحِدُ بِالفِعْلِ الوَاحِدِ يُحَصِّلُ نَتِيجَةً ووَضْعِيةً للكَثيرِ بِلا كُلْفَةٍ ولا مُبَاشَرَةٍ؛ ولَوْ أُحِيلَتْ تِنى له لوَضْعيَّةُ وَالنَّتيجَةُ إلى الكَثرَةِ لا يمكن أن تَصِلَ إليها إلّا بِتَكَلُّفَاتٍ وَمُبَاشَرَاتٍ وَمُشَاجَرَاتٍ كَالأمِيرِ مَعَ النَّفَرَاتِ، وَالبَانِي مَعَ الحَجَراتِ، وَالأرضِ مَبمجموعَّيَّارَاتِ، والفَوَّارَةِ مَعَ القَطَرَاتِ، وَنُقطَةِ المَرْكَزِ مَعَ النُّقَطِ في الدَّائِرَةِ.
بِسِرِّ أنَّ في الوَحْدَةِ يَقُومُ الانتسَابُ مَقَامَ قُدْرَةٍ غَيْرِ مَحْدُودَةٍ. وَلا يَضْطَرُّ الل اللُّ لِحَمْلِ مَنَابعِ قُوَّتِهِ وَيَتَعَاظَمُ الأثَرُ بالنِّسْبَةِ إلى المُسْنَدِ إلَيهِ. وَفي الشِّرْكَةِ يَضْطَرُّ كُلُّ سَبَبٍ لِحَمْلِ مَنَابعِ قُوَّتِ الأحجيَتَصاغَرُ الأثَرُ بِنِسْبَةِ جِرْمِهِ. وَمِنْ هُنَا غَلَبَتِ النَّمْلَةُ وَالذُّبَابَةُ عَلى الجَبابِرَةِ، وَحَمَلَتْ النَّوَاةُ الصَّغِيرَةُ شَجَرَةً عَظِيمة.
وَبِسِرِّ أنَّ في إسْنادِ كُلِّ الأشياء إلىك إسطنحِدِ لا يَكُونُ الإيجَادُ مِنَ العَدَمِ المُطْلَقِ. بَلْ يَكُونُ الإيجَادُ عَيْنَ نَقلِ المَوجُودِ العِلمِيِّ إلى الوُجُودِ الخَارِجِيِّ، كَنَقْلِ الصُّورَةِ المُتَمَثِّلَةِ في المِرآةِ إلى الصَّحِيفَةِ الفُوطُوغكان ربَّةِ لِتَثْبِيتِ وُجُودٍ خَارِجِيٍّ لَهَا بِكَمالِ السُّهُولَةِ، أو إظهارِ الخَطِّ المَكتُوبِ بِمِدَادٍ لا يُرى، بِواسِطةِ مَادَّةٍ مُظهِرَةٍ لِلكِتَابَةِ المَسْتُورَةِ. وَفي إسْنَادِ الأشياء إلى اهولة ت وَالكَثْرَةِ يَلْزَمُ الإيجَادُ مِنَ العَدَمِ المُطْلَقِ، وَهُوَ إنْ لَمْ يَكُنْ مُحَالًا يَكُونُ أصْعَبَ الأشْيَاءِ. فَالسُهُولَةُ في الوَحْدَةِعمائة َةٌ إلى دَرَجَةِ الوُجوبِ، وَالصُعُوبَةُ في الكَثْرَةِ وَاصِلَةٌ إلى دَرَجَةِ الامتِنَاعِ. وَبِحِكْمَةِ أنَّ في الوَحدَةِ يُمْكِنُ الإبْدَاعُ وَإيجَادُ "الأيْسِ مِنَ اللَّيْسِ"مِ التي إبْدَاعَ المَوْجُودِ مِنَ العَدَمِ الصِّرْفِ بِلا مُدَّةٍ وَلا مَادَّةٍ، وَإفراغَ الذَّرَّاتِ في القَالَبِ العِلْمِيِّ بلا كُلْفَةٍ وَلا خِلْطَةٍ. وَفي الشِّرْكَةِ وَالكَثْرَةِ لا يُمْكرنا تضإبْدَاعُ مِنَ العَدَمِ بِاتِّفَاقِ كُلِّ أهل العَقْلِ. فَلا بُدَّ لِوُجودِ ذي حَيَاةٍ جَمْعُ ذَرَّاتٍ مُنْتَشِرَةٍ في الأرض وَالعَناصِر كل كلِعَدَمِ القَالَبِ العِلْميِّ يَلْزَمُ لِمُحَافَظَةِ الذَّرَاتِ في جِسْمِ ذي الحيَاةِ وُجُودُ عِلْمٍ كُلِّيٍّ، وَإرادَةٍ مُطْلَقَةٍ في كُلِّ ذَرَّةٍ.
وَمَعَ ذلِكَ إنَّ الشُّركاءَ مُسْتَغْنيةٌ عَنْهَا فالذيَنِعَةٌ بالذَّاتِ وَتَحَكُّمِيَّةٌ مَحْضَةٌ، لا أمارة عَلَيْها وَلا إشارة إليها في شَيءٍ مِنَ المَوْجُودَاتِ. إذ خِلْقَةُ السَّمَاوَاتِ وَالأرضِ تَسْتَلْزِمُ قُدْرَةً كَامِلَةً غَيْرَ مُتَناهِيَةٍ بالضّوتجعل ةِ. فَاسْتُغْنيَ عَنِ الشُّرَكَاءِ؛
— 436 —
وَإلّا لَزِمَ تَحْديدُ وَانْتِهَاءُ قُدْرَةٍ كَامِلَةٍ غَيْرِ مُتَنَاهِيَةٍ في وَقْتِ عَدَمِ التَّناهِي بِقُوَّةٍ مُتَنَاهِيَةعجزُ ا ضَرُورَةٍ، مَعَ الضَّرُورَةِ في عَكْسِهِ ؛ وَهُوَ مُحَالٌ في خَمْسَةِ أوْجُهٍ . فَامْتَنَعَتِ الشُّرَكَاءُ، مَعَ أنَّ الشُّرَكَاءَ المُمتبه!!!ةَ بِتِلكَ الوُجوُهِ لا إشارة إلى وُجودِها، وَلا أمارة عَلى تَحَقُّقِهَا في شيءٍ مِنَ المَوجُودَاتِ.
فقد استفسرنا عن هذه المسألة في "الموقف الأول من الكلمة الثانية والثلاثين" من الذرات إلى السعلاها،وفي "الموقف الثاني" من السماوات إلى التشخصات الوجهية فأعطت جميعها جواب رد الشرك بإراءة سكة التوحيد.
فَكَمَا لا شُرَكَاءَ لَهُ؛ كَذَلِكَ لا مُعِينَ وَلا وُزَراءَ لَهُ.ذه الد الأسباب إلّا حِجَابٌ رَقِيقٌ عَلى تَصَرُّفِ القُدْرَةِ الأزَلِيَّةِ، لَيْسَ لَهَا تَأثِيرٌ إيجادِيٌّ في نَفسِ الأمرِ. إذ أشْرَفُ الأسباب وَأوْسَعُهَا اختِيَارًا هُوَ الإنسَانُ؛ مَعَ أنَّهُ لَيسَ في يَدِ وأن ذْ أظْهَرِ أفْعَالهِ الاختِيَاريَّةِ كَی"الأكْلِ وَالكَلامِ وَالفِكْرِ" مِنْ مِئَاتِ أجْزاءٍ إلّا جُزْءٌ وَاحِدٌ مَشْكُوكٌ. فإذا كَانَ السَّبَبُ الأشْرَفُ وَالأوْسَعُ اختِيَارًا مَغْلُولَ الأيْدي عَنِ التَّصَرُّفِ أهل ايقيِّ كَمَا تَرى؛ فَكَيفَ يمكن أن تَكُونَ البَهِيماتُ والجَمَاداتُ شَرِيكةً في الإيجَادِ وَالرُّبُوبِيَّةِ لخَالِقِ الأرضِ وَالسَّمَاواتِ. فَكَمَا لاام الوأن يَكُونَ الظَّرْفُ الَّذي وَضَعَ السُّلطَانُ فيهِ الهَدِيَّةَ، أو المَندِيلُ الَّذي لَفَّ فيهِ العَطيَّةَ، أو النَّفَرُ الَّذي أرسَلَ عَلى يَدِهِ النِّعْمَةَ إليكَ، شُرَكَاءَ لِلسُّلْطَانِ في سَلْطَنَتِهِ؛ كَذَلِكَ لا يمكن أن تَكُونَ الشعلةُ المُرْسَلَةُ عَلى أيْدِيهم النِّعَمُ إلينَا، وَالظُرُوفُ الَّتي هِيَ صَنَادِيقُ لِلنِّعَمِ المُدَّخَرَةِ لَنَا، والأسْبَابُ الَّتي الْتَفَّتْ عَلى عَطَايَا إلَهِيَّةٍ مُهْداةٍ إلَينَا، شُرَكَاءَ أعْوانًا أو وَسَائِطَ مُؤَثِّرَةً.
امل على الثانيةجَلَّ جَلالُهُ اللّٰه أكبَرُ مِنْ كُلِّ شَيءٍ قُدْرَةً وَعِلْمًا، إذ هُوَ الخَلّاقُ العَلِيمُ الصَّانِعُ الحَكِيمُ الرَّحمنُ الرَّحِيمُ الَّذي هذِهِ المَوجُودَاتُ الأرضِيَّةُ وَالأجْرَامُ العُلوِيَّةُ فيُ عادلَانِ الكَائِنَاتِ مُعجِزَاتُ قُدْرَةِ خَلّاقٍ عَلِيمٍ بِالبَدَاهَةِ، وَهَذهِ النَبَاتَاتُ المُتَلَوِّنَة المُتَزَيِّنَةُ المَنْثُورَةُ، وَهَذِهِفةٌ منَوَانَاتُ المُتَنَوِّعَةُ المُتَبَرِّجَةُ المَنْشُورَةُ في حَدِيقَةِ الأرض خَوَارِقُ صَنْعَةِ صانِعٍ حَكِيمٍ بِالضَّرُورَةِ، وَهَذهِ الوره لورُ المُتَبَسِّمَةُ وَالأثْمَارُ المُتَزَيِّنَةُ في جِنَانِ هذِهِ الحَديقَةِ هَدَايَا رَحْمَةِ رَحْمنٍ رَحيمٍ بالمُشَاهَدَةِ. تَشْهَدُ هاتِيكَ وَتُنَادي تَاكَ وتُعْلِنُ هذِهِ بِأَنَّ خَلَّاقَ هَاتيكى حدّ صَوِّرَ تَاكَ وَوَاهِبَ هذِهِ عَلى كُلِّ شيءٍ قَديرٌ وَبِكُلِّ شيءٍ عَليمٌ قَد وَسِعَ كُلَّ شَيءٍ رَحْمَةً وَعِلمًا،
— 437 —
تتَسَاوَى بِالنِّسْبَةِ إلى قُات التهِ الذَّرَّاتُ وَالنُّجُومُ وَالقَليلُ وَالكَثيرُ والصَغيرُ وَالكَبيرُ وَالمُتَنَاهِي وَغَيرُ المُتَنَاهِي. وَكُلُّ الوُقُوعَاتِ المَاضِيَةِ وَغَرَائِبِها مُعأي أن تُ صَنْعَةِ صانِعٍ حَكيمٍ تَشْهَدُ على أن ذَلِكَ الصَّانِعَ قَديرٌ عَلى كُلِّ الإمْكَانَاتِ الاسْتِقْبَالِيَّةِ وَعَجائِبِها، إذ هُوَ الخَلِ النّلعَليمُ وَالعَزيزُ الحَكِيمُ.
فَسُبْحانَ مَنْ جَعَلَ حَديقَةَ أرضِهِ مَشْهَرَ صَنْعَتِهِ. مَحْشرَ فِطْرَتِهِ. مَظْهَرَ قُدرَتِهِ. مَدَارَ حِكْمَتِهِ. مَزْهَرَ رَحْمَتِهِ. مَزْرَعَ جَنَّتِهِ. مَمَفيطيل مَخْلُوقَاتِ. مَسِيلَ المَوجُودَاتِ. مَكيلَ المَصْنُوعَاتِ.
فَمُزَيَّنُ الحَيْوانَاتِ مُنَقَّشُ الطُّيوراتِ مُثَمَّرُ الشَّجَراتِ مُزَهَّرُ النَبَاتاتِ مُعْجِزَاتُ عِلمِهِ. خَوَارِقُ صُنْعِهِ. هَدايَا جُودِهِ. بَراهِينُ لُطْفِهِ.
يات خاُّمُ الأزهَارِ مِنْ زينَةِ الأثْمَارِ، تَسَجُّعُ الأطيَارِ في نَسْمَةِ الأسْحَارِ، تَهَزُّجُ الأمطارِ عَلى خُدُودِ الأزهَارِ، تَرَحُّمُ الوالِدَاتِ عَلى الأطفال الصِّغَارِ.. تَعَر بحيث َدُودٍ، تَوَدُّدُ رَحمنٍ، تَرَحُّمُ حَنَّانٍ، تَحَنُّنُ مَنَّانٍ لِلجِنِّ وَالإنسَانِ وَالرُّوحِ وَالحَيوَانِ وَالمَلَكِ وَالجانِّ.
وَالبُذُورُلنُّجُثْمَارُ، والحُبُوبُ وَالأزهَارُ، مُعجِزَاتُ الحِكمَةِ. خَوَارِقُ الصَّنْعَةِ. هَدَايا الرَّحْمَةِ. بَرَاهينُ الوَحْدَةِ. شَوَاهِدُ لُطْفِهِ في دارِ الآخِرَةِ. شَوَاهِدُ صَادِقَةٌ بأنَّ خَلَّاقَهَا عَلى كُل يسلّىٍ قَديرٌ. وَبِكُلِّ شيءٍ عَلِيمٌ. قَدْ وَسِعَ كُلَّ شيءٍ بِالرَّحْمَةِ وَالعِلْمِ وَالخَلْقِ وَالتَّدْبيرِ وَالصُّنْعِ وَالتَّصْوِيرِ. فَالشَّمسُ كَالبَذرَةِ وَالنَّجْمُ كَالزَّهْ ممدّةَالأرضُ كَالحَبَّةِ لا تَثْقُلُ عَلَيهِ بِالخَلْقِ وَالتَّدْبيرِ وَالصُّنعِ وَالتَّصْويرِ.
فَالبُذُورُ وَالأثْمَارُ مَرَايا الوَحْدَةِ في أقطار الكَثْرَةِ. إشَاراتُ القَدَرِ. رُمُوزَاتُ القُدْرَةِ بِأنَّ تِلكَ الكَثْ الأحمِنْ مَنْبَعِ الوَحْدَةِ، تَصْدُرُ شَاهِدَةً لِوَحْدَةِ الفَاطِرِ في الصُّنْعِ وَالتَصْويرِ. ثُمَّ إلى الوَحْدَةِ تَنْتَهي ذَاكِرَةً لِحِكمَةِ الصَّانِعِ في الخَلْقِ وَالتَّدْبِيرِ. وَتَلْوِيحاتُ الحِكْمَةِ بأنَّ خَالِقَ الكُلِّ بِكُلِّيَّةستحقهمَظَرِ إلى الجُزْئيِّ يَنْظُرُ، ثَمَّ إلى جُزْئِهِ. إذْ إنْ كانَ ثَمَرًا فَهُوَ المَقْصُودُ الأظهَرُ مِنْ خَلقِ هَذا الشَّجَرِ. فَالبَشَرُ ثَمَرٌ لِهَذِهِ الكَائِنَاتِ، فَهُوَ المَقْصُودُ الأظْهَرل "كتبالِقِ المَوْجُودَاتِ. والقَلبُ كَالنَّوَاةِ، فَهُوَ المِرآةُ الأنْوَرُ لِصَانِعِ المَخْلُوقَاتِ. وَمِنْ هذِهِ الحِكْمَةِ فَالإنسَانُ الأصْغَرُ في هذِهِ الكَائِناتِ هُوَ المَدَارُ الأظْهَرُ لِلنَّشْرِ ور الوصْشَرِ في هذِهِ المَوجُوداتِ، وَالتَّخْريبِ والتَّبْديلِ وَالتَّحويلِ وَالتَّجْديدِ لِهَذِهِ الكَائِناتِ.
— 438 —
اللّٰه أكبَرُ يَا كَبيرُ أنت الَّشاهدة تَهدِي العُقُولُ لِكُنْهِ عَظَمَتِهِ.
كِییه لَٓا اِلٰهَ اِلَّا هُوَ بَرَابَرْ مِى زَنَنْدْ هَرْ شَىْ (٭): لأنّ جميع الأشياء تقول:لا إلَهَ إلّا هُوَ
دَمَادَمْ جُويَدَنْدْ يَا حَقْ سَرَاسَرْ گُويَدَنْدْ يَا حَىْ
ل عن ابة الثالثة
(٭): هذه المرتبة الثالثة تأخذ بعين الاعتبار زهرة جزئية وحسناء جميلة، فالربيع الزاهر كتلك الزهرة والجنة العظيمة مثلها؛ إذ هما مظهران من مظاهر تلك المرتبة، كما أن العالم إنسانٌ جميل وعظيم، وكذا الحوماتها،ن والروحانيات وجنس الحيوان وصنف الإنسان.. كل منها كأنه في هيئة إنسان جميل يعكس بصفحاته هذه الأسماء التي تعكسها هذه المرتبة. (المؤلف).
إيضاحها في رأس "الموقف الثالث" من "الرسالة الثانية وهم. هذين".
اللّٰه أكبَرُ مِنْ كُلِّ شيء قُدْرَة وَعِلمًا إذ هُوَ القَديرُ المُقَدِّرُ العَلِيمُ الحَكِيمُ المُصَوِّرُ الكَرِيمُ اللَّطِيفُ المُزَيِّنُ المُنْعِمُ الوَدُودُ المُتَعَرِّفُ الرَّحْمنُأزْهَاحِيمُ المُتَحَنِّنُ الجَمِيلُ ذُو الجَمَالِ وَالكَمَالِ المُطْلَقِ النَّقَّاشُ الأزَليُّ الَّذي ما حَقَائِقُ هَذِهِ الكَائِناتِ كُلًا وَأجزَاءً وَصاء الحفَ وَطَبَقاتٍ، وَما حَقائِقُ هذِهِ المَوجُودَاتِ كُلِّيًا وَجُزئِيًا ووُجُودًا وَبَقاءً:
إلّا خُطُوطُ قَلَمِ قَضَائِهِ وَقَدَرِهِ بِتَنْظِيمٍ وَتَقدِيرٍ وَعِا، ولوَحِكْمَةٍ.
وَإلّا نُقُوشُ بَركَارِ عِلْمِهِ وَحِكْمَتِهِ بِصُنْعٍ وَتَصويرٍ.
وَإلّا تَزْيِيْناتُ يَدِ بَيْضاءِ صُنْعِهِ وَتَصوِيرِهِ وَتَزْيِينِهِ وَتَنلبَ الهِ بِلُطْفٍ وَكَرَمٍ.
وَإلّا أزاهيرُ لَطائِفِ لُطْفِهِ وَكَرَمِهِ وتَعَرُّفِهِ وَتَوَدُّدِهِ بِرَحْمَةٍ وَنِعْمَةٍ.
وَإلّا ثَمَرَاتُ فَيَّاضِ عَيْنِ رَحْمََأسُ اَنِعْمَتِهِ وَتَرَحُّمِهِ وَتَحَنُّنِهِ بِجَمَالٍ وَكَمالٍ.
وَإلّا لَمَعَاتُ جَمالٍ سَرْمَديٍّ وَكَمالٍ دَيْمُومِيٍّ بِشَهَادَةِ تَفانِيَّةِ المَرايا وَسَيَّالِيَّةِ المَظاهِرِ، مَعَ دوام تَجَلي الجَمَالِ عَلطلق حتِ الفُصُولِ وَالعُصُورِ وَالأدْوَارِ، وَمَعَ دَوَامِ الإنْعَامِ عَلى مَرِّ الأنَامِ وَالأيَّامِ وَالأعْوَامِ.
نَعَمْ تَفَاني المِرْآةِ زَوَالُ المَوجُودَاتِ مَعَ التَّجَلِّي الدَّائِمِ مَعَ الفَيضِ المُلازِمِ مِر أثر هَرِ الظَّوَاهِرِ مِنْ أبْهَرِ البَوَاهِرِ على أن الجَمالَ الظَّاهِرَ أنَّ الكَمالَ الزَّاهِرَ ليسَا مُلْكَ المَظَاهِرِ مِنْ
— 439 —
أفصَحِ تِبيانٍ مِنْ أوضَحِ بُرْهَانٍ لِلجَمَالِ المُجَرَّدِ للإِحسانِ المُجَدَّهض بأعاجِبِ الوُجُودِ لِلبَاقي الوَدُودِ.
نَعَمْ فَاْلأثَرُ المُكَمَّلُ يَدُلُّ بالبَدَاهَةِ على الفِعْلِ المُكَمَّلِ. ثُمَّ الفِعْلُ المُكَمَّلُ يَدُلُّ ب
في رُورَةِ عَلى الاسمِ المُكَمَّلِ وَالفَاعِلِ المُكَمَّلِ ثم الاسمُ المُكمّلُ يَدُلُّ بِلا رَيبٍ عَلى الوَصْفِ المُكَمَّلِ. ثُمَّ الوَصفُ المُكَمَّلُ يَدُلُّ بِلا شَكٍّ عَلى الشَّأنِ المُكَمَّلِ. ثُمَّ ال
ذُ المُكَمَّلُ يَدُلُّ بِاليَقينِ عَلى كَمالِ الذَّاتِ بِمَا يَليقُ بِالذَّاتِ وَهُوَ الحَقُّ اليَقينُ.
المرتبة الرابعةجَلَّ جَلالُهُ اللّٰه أكبَرُ إذ هُوَ العَدْلُ العَادِلُ الحتربية الحَاكِمُ الحَكِيمُ الأزَليُّ الَّذي أسس بُنْيَانَ شَجَرَةِ هذِهِ الكَائِنَاتِ في سِتَّةِ أيامٍ بِأُصُولِ مَشِيئَتِهِ وَحِكْمَتِهِ. وَفَصَّلَها بِدَساتِيرِ قَضائِهِ وَقَدَرِهِ. وَنَظَّمَها بقيقة ونينِ عادَتِهِ وَسُنَّتِهِ. وَزَيَّنَها بِنَواميسِ عِنَايَتِهِ وَرَحْمَتِهِ. وَنَوَّرَهَا بِجَلَواتِ أسمائه وَصِفَاتِهِ بِشَهَادَاتِ انْتِظاَلَكًامَصنُوعَاتِهِ وَتَزَيُّنَاتِ مَوجُودَاتِهِ وَتَشابُهِها وَتنَاسُبِها وَتَجَاوُبها وَتَعاوُنِها وَتَعانُقِها، وَإتْقانِ الصَّنعَةِ الشُّعُوريَّةِ في كُلِّ شَيءٍ عَلى مِقْدَارِ قَامَةِ قابِليَّتِهِ المُقَدَّرَةِ بِتَفس الأِ القَدَرِ.
فَالحِكمَةُ العَامَّةُ في تَنْظيماتِها.. وَالعِنَايَةُ التَّامَّةُ في تَزيِينَاتِها.. وَالرَّحمَةُ الوَاسِعَةُ في تَلطيفاتِها.. وَالأرزَاقُ وَالإعَاشَةُ الشَّامِلَةُ في تَربِيَزَليُّ والحَيَاةُ العَجيبَةُ الصَّنعَةِ بِمَظْهَرِيَّتِها لِلشُّؤونِ الذَّاتِيَّةِ لِفَاطِرِها.. وَالمَحَاسِنُ القَصْدِيَّةُ في تَحْسينَاتِهَا.. وَدَوَامُ تَجبعه شهالجَمَالِ المُنْعَكِسِ مَعَ زَوالِهَا.. وَالعِشْقُ الصَّادِقُ في قَلْبِها لِمَعبُودِهَا.. وَالاِنْجِذَابُ الظَّاهِرُ في جَذْبَتِها.. وَاتِّفاقُ بة إلىكُمَّلِهَا عَلى وَحْدَةِ فاطِرها.. وَالتَّصَرُّفُ لِمَصالِحَ في أجزائِها.. وَالتَّدْبيرُ الحَكيمُ لِنَباتاتِها.. وَالتَّربِيَةُ الكَريمَةُ لِحَيواناتِهَا.. والاِنتِظامُ المُكَمَّلُ فِي تَغيُّراتحَولَ انِها.. وَالغاياتُ الجَسيمةُ في انتِظامِ كُلِّیيَّتِها.. وَالحُدُوثُ دَفْعَةً مَعَ غايَةِ كَمَالِ حُسنِ صَنْعَتِها بِلا احتِياجٍ إلى مُدَّةٍ ومَادَّةٍ.. وَالتَّشَخُّصاتُ الفي غيرَةُ مَعَ عَدَمِ تَحْديدِ تَرَدُّدِ إِمْكاناتِها.. وَقَضاءُ حاجاتِها عَلى غَايَةِ كَثْرَتِها وَتَنَوُّعِها في أوقَاتِها اللَّائِقةِ المُنَاسِبتعرف مِنْ حَيثُ لا يُحتَسَبُ وَمِنْ حَيثُ لا يُشْعَرُ مَعَ قِصَرِ أيْدِيها عنْ أصغَرِ مَطالِبِها.. وَالقُوَّةُ المُطلَقَةُ في مَعْدَنِ ضَعْفِهَا.. وَالقُدْرَةُ المُطلَقَةُ في مَنبَعِ عَجْزِها.. وَالحَياةُ الظَاهِرَةُ في جُمُودِ وأسباَالشُعُورُ المُحيطُ في جَهْلِها.. وَالانتِظامُ المُكَمَّلُ في
— 440 —
تَغَيُّراتِها المُسْتَلزِمُ لِوُجُودِ المُغَيِّرِ الغَيرِ المُتَغَيِّر.. وَالاتِّفاقُ في تَسْبِيحَاتِها كَالدوائِرِ المُتَدَاخِلَف وبكلُتَّحِدَةِ المَرْكَزِ.. وَالمَقْبُولِيَّةُ في دَعَوَاتِها الثَّلاثِ "بِلسانِ استِعدادها، وبِلسانِ احتِيَاجَاتِها الفِطريَّةِ، وبِلسانِ اضطِرارِها".. وَالمُناجاةُ وَالشُّهوداتُ وَالفُيُوضاتُ في عِبادَاا أحسن. وَالاِنتظامُ في قَدَرَيها.. وَالاِطْمِئنَانُ بِذِكرِ فَاطِرِها.. وَكَونُ العِبَادَةِ فيها خَيْطَ الوُصْلَةِ بَينَ مُنْیتَهاها وَمَبْدَئِها.. وسَببَ ظُهُورِ كَمَالِها وَلِتَحَیقُّقِ مَقة النا صانِعِها..
وَهكَذا بِسائِرِ شُؤوناتِها وَأحْوَالِها وَكَيفِيَّاتِها شاهِداتٌ بِأنَّها كُلَّها بِتَدبِيرِ مُدَبِّرٍ حَكيم واحِدٍ.. وفي تَربِيَةِ مُرَبٍّ كَريم أحد صَمَدٍ.. وَكُلُّهَا خُدَّامُ سَيِّدٍ واحدٍ.. وتَحتَ تَصَرُّف متصرِّفٍ واحدٍض، حتىَصدَرُهَا قُدْرَةُ واحِدٍ الَّذي تَظاهَرتْ وَتَكاثَرَتْ خَواتِيمُ وَحْدَتِهِ على كُلِّ مَكتُوبٍ مِنْ مَكتُوبَاتِهِ في كُلِّ صَفحَةٍ مِنْ صَفَحَاتِ مَوجُودَاتِهِ.
نََعَمْ:فَكُلُّ زَهرَةٍ وَثَمَرٍ، وَكُلُّ نَبَاتٍ وَشَجَرٍ، بَل ك يتوجَيَوانٍ وَحَجَرٍ، بَل كُلُّ ذَرٍّ وَمَدَرٍ، في كُلِّ وادٍ وَجَبَلٍ، وكُلِّ بادٍ وَقَفْرٍ خاتَمٌ بَيِّنُ النَّقشِ وَالأثَر، يُظْهِرُ لِدِقَّةِ النَّظرِ بِأنَّ ذا ذاقراءة ثر هُوَ كاتِبُ ذاكَ المَكانِ بِالعِبَرِ؛ فَهُوَ كاتِبُ ظَهْرِ البَیرِّ وَبَطْنِ البَحْرِ؛ فَهُوَ نَقَّاشُ الشَّمْسِ وَالقَمَرِ في صَحيفةِ السَّماوَاتِ ذاتِ العِبَرِ. جَلَّ جَلالُ نَقَّاشِها اللّٰه أكْهذه ال كِه لَآاِلٰهَ اِلَّاهُوَ بَرَابَرْ مِى زَنَدْ عَالَمْ(٭): يردد العالم بلسانه دائما لا إلهَ إلّا هُو
المرتبة الخامسة
(٭): لقد وضحت هذه المرتبة في ذيل الموقف الأول من "الكلمة الثانية والثلاثين"، وفي المقام اللحياة ن "المكتوب العشرين". (المؤلف).
اللّٰه أكبَرُ إذ هُوَ الخَلّاقُ القَديرُ المُصَوِّرُ البَصيرُ الَّذي هذِهِ الأجرامُ العُلويَّةُ والكَتَنا ا الدُّرِّيَّةُ نَيِّراتُ بَراهينِ أُلُوهيَّتِهِ وَعَظَمَتِهِ، وَشُعاعاتُ شَوَاهِدِ رُبُوبِيَّتِهِ وَعِزَّتِهِ؛ تَشْهَدُ وَتُنادي عَلى شَعْشَعَةِ سَلْطَنةِ رُبُوبِيَّتِهِ وَتُنَادي عَلى وُسْعَةِ حُكْمِثال واِكْمَتِهِ، وعَلى حِشمَةِ عَظَمَةِ قُدْرَتِهِ. فَاسْتَمِعْ إلى آيةِ:
اَفَلَمْ يَنْظُرُوا إلى السَّمآءِ فَوقَهُمْ كَيْفَ بَنَينَاهَا وَزَيَّنَّاها
(ق: ٦).
ثُمَّ انظُرْ يه وَبجْهِ السَّماءِ كيفَ تَرى سُكُوتًا في سُكُونة، حَرَكَةً في حِكْمَةٍ، تَلَأْلُأً في حِشمَةٍ، تَبَسُّمًا في زِينَةٍ مَعَ انتِظامِ الخِلقَةِ مَعَ اتِّزَانِ الصَّنْعَةِفاء با
تَشَعْشُعُ سِراجِها لِتَبديلِ المَوَاسِمِ، تَهَلهُلُ مِصْباحِها لِتَنوِيرِ المعَالِم، تَلألُؤُ نُجُومِها لِتَزيينِ العَوَالِم. تُعْلِنُ لأهلِ النُّهَى سَلْطَنَةً بلا انتِهَاءذي لا دبيرِ هذَا العَالَمِ.
فَذَلِكَ الخَلّاقُ القَديرُ عَليمٌ بِكُلِّ شَيءٍ، وَمُريدٌ بِإرادَةٍ شَامِلَةٍ ما شاءَ كانَ وَمَا لَم يَشأ لَم يَكُنْ. وَهُوَ قَحسبنا عَلى كُلِّ شَيءٍ بِقُدْرَةٍ مُطْلَقَةٍ مُحيطةٍ ذاتِيَّةٍ. وَكَما لا يُمكِنُ ولا يُتَصوَّرُ وُجُودُ هذِه الشَّمسِ في هذا اليَومِ بِلا ضِياءٍ ولا حَرارةٍ؛ كذَلِكَ لا يُمْكِنُ ولا يُتَصوَّرُ وُجودُ إلهٍ خالِقٍ لِلسَّماواتِ بِلا عِلْمٍ مُحيطٍ، وانيه مُدرَةٍ مُطلَقَةٍ. فَهُوَ بِالضَرورَةِ عَليمٌ بِكُلِّ شَيءٍ بِعلم مُحيطٍ لازِم ذَاتيٍّ لِلذاتِ، يَلزَمُ تَعَلُّقُ ذلِكَ العِلمِ بِكُلِّ الأشياء لا يمكن أن يَنْفَكَّ عَنْهُ شَيءٌ بِسِرِّ الحُضُورِ وَالشُّهُودِ وَالنُّفُوُ بتأللإحَاطَةِ النُّورانِيَّةِ.
فَما يُشَاهَدُ في جَميعِ المَوجُودَاتِ مِنَ الاِنْتِظامَاتِ المَوزُونَةِ، وَالاِتِّزَاناتِ المَنْظُومَةِ، وَالحِكَمِ العَامَّةِ، وَالعِنَايَاتعينها،َامَّةِ، وَالأقْدَارِ المُنْیتَظَمَةِ، وَالأقْضِيَةِ المُثْمِرَةِ، وَالآجالِ المُعَيَّنَةِ، وَالأرزَاقِ المُقَنَّینَةِ، وَالإِتْقاناتِ المُفَنَّینَةِ، وَالاِهتِمَامَاتِ المُزَيَّنَةِ، وَغَايَةِ كَمَالِ الاِمتِيازِ وَالاِتِّزانِ وَالاِِ الیجامِ وَالإِتْقانِ، وَالسُّهُولَةِ المُطلَقَةِ شَاهِدَاتٌ عَلى إحَاطَةِ عِلمِ عَلّامِ الغُيُوبِ بِكُلِّ شَيءٍ.
وَأنَّ آية
ألايَعلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبيرُ
(الملك: ١٤) تَدول علىلى أن الوُجودَ في الشيء يَسْتَلزِمُ العِلمَ بِهِ. وَنُورَ الوُجودِ في الأشياء يَستَلزِمُ نُورَ العِلمِ فيها.
فَنِسبَةُ دَلالَةِ حُسنِ صَنْعَةِ الإنسان عَلى شُعُورِهِسِنةٌ نِسبَةِ دَلالَةِ خِلقَةِ الإنسان عَلى عِلمِ خالِقِهِ، كَنِسبَةِ لُمَيعَةِ نُجَيْمَةِ الذُّبَيْبَةِ في اللَّيلَةِ الدَّهمَاءِ إلى شَعشَعةِ الشَمْسِ في نِصفِ النَّهارِ عَلى وَجهِ الغَبْراءِ.
وَكَما أنَّهُ عَليمٌ بِكُلِّ شَيءٍ فهو مُناتهم كُلِّ شَيءٍ لا يمكن أن يَتَحَقَّقَ شَيءٌ بِدُونِ مَشِيئَتِهِ. وَكما أن القُدْرَةَ تُؤَثِّرُ، وَأنَّ العِلمَ يُمَيِّزُ؛ كَذَلكَ أنَّ الإرادةَ تُخَصِّصُ، ثُمَّ يَتَحَقَّقُ وُجودُ الأشيَاءِ.
فَالشَوَاهِدُ عَلى وُجودِيجابيةتِهِ تَعالى وَاختِيَارِهِ سُبحانَهُ بِعَدَدِ كَيفِيَّاتِ الأشياء وَأحْوالِهَا وَشُؤوناتِها.
نَعَمْ، فَتَنْظيمُ المَوجودَاتِ وَتَخْصيصُها بِصِفاتِها مِنْ بَينِ الإمْكَانَاتِ الغَيْرِ المَحْدُودَةِ، وَمِنْ بَينِ الطُّرُأُخُوَّقيمَةِ، وَمِنْ بَينِ الاحتِمَالاتِ المُشَوَّشَةِ، وَتَحتَ أيدي السُّيُولِ المُتَشاكِسَةِ،
— 442 —
بِهذا النِّظَامِ الأدَقِّ الأرَقِّ، وَتَوْزِينُهَا بِهذا المِيزانِ الحَسَّاسِ الجَسَّاسِ المَشْهُودَينِ؛ وَأنَّ خَا يَرضلمَوجُوداتِ المُختَلِفَاتِ المُنتَظَماتِ الحَيَويَّةِ مِنَ البَسائِطِ الجَامِدَةِ - كَالإنسانِ بِجِهَازاتِهِ مِنَ النُّطفَةِ، وَالطَّيْرِ بِجوارِحِهِينما والبَيضَةِ، وَالشَّجَرِ بأعْضَائِهِ المُتَنَوعَةِ مِنَ النَّوَاةِ - تَدُلُّ على أن تَخَصُّصَ كُلِّ شَيءٍ وَتَعَيُّینَهُ بإرادَتِهِ واختِيَارِهِ وَمَشِيئَتِهِ سُبْحَانَهُ. فَكمنَ من َوافُقَ الأشياء مِنْ جِنْسٍ، وَالأفرَادِ مِنْ نَوعٍ في أسَاساتِ الأعْضاءِ، يَدُلُّ بالضَّرُورَةِ على أن صانِعَها واحِدٌ أحدٌ؛ كَذلكَ أنّدَلائِيُزَها في التَّشَخُّصاتِ الحَكيمَةِ المُشتَمِلَةِ عَلى عَلاماتٍ فارِقَةٍ مُنْتَظَمَةٍ، تَدُلُّ على أن ذلكَ الصَّانعَ الواحِدَ الأحدَ هُوَ فاعِلٌ مُختَارٌ مُرِيدٌ يَفعَلُ ما يَشاءُ وتَمُّ مُ ما يُريدُ جَلَّ جَلالُهُ.
وَكما أن ذلِكَ الخَلّاقَ العَليمَ المُريدَ عَليمٌ بِكُلِّ شَيء، وَمُرِيدٌ لِكُلِّ شَيء، لَهُ عِلمٌ مُحيطٌ، وَإرادةٌ شَامِلَةٌ، وَاختيَارٌ تَامٌّ كله -كَ لَهُ قُدرَةٌ كاملَةٌ ضَرُوريَّةٌ ذَاتِيَّةٌ ناشِئَةٌ مِنَ الذَّاتِ وَلازِمَةٌ لِلذَّاتِ. فَمُحَالٌ تَداخُلُ ضِدِّها. وَإلّا لَزِمَ جَمْعُ الضِّدَّيْنِ المُحالُ بالاتِفَاقِ.
فَلا مرَاتِبد أن يِلكَ القُدرةِ. فَتَتَساوى بِالنِّسبَةِ إليها الذَّرَّاتُ وَالنجُومُ وَالقَليلُ وَالكثيرُ وَالصَغيرُ والكَبيرُ وَالجُزئيُّ وَالكُلِّيُّ وَالجُزءُ وَالكُلُّ وَالإنسانُ وَالعالَمُ والنَّوَاةُ والشَّجشة ويج بِسِرِّ النُّورَانيَّةِ وَالشَّفافِيَّةِ وَالمُقابَلَةِ وَالمُوَازَنَةِ وَالانتِظامِ وَالامتِثالِ.
بِشَهادَةِ الانتِظامِ المُطلَقِ وَالاتِّزَانِ المُطلَقِ وَالامتِيَازِ المُطلَقِمغاراتسُّرعَةِ وَالسُّهُولَةِ وَالكَثرَةِ المُطلَقَاتِ.
بِسِرِّ إمدادِ الوَاحِديَّةِ ويُسرِ الوَحدَةِ وتَجَلِّي الأحَديَّةِ.
بِحِكمَةِ الوُجوبِ وَالتَجَرُّدِ وَمُبَايَنَةِ الماهيَّةِ.
بِسرِّ عَدَمِ لك العقَيُّدِ وَعَدَمِ التَّحَيُّزِ وَعَدَمِ التَّجَزُّءِ.
بِحِكمَةِ انقِلابِ العَوَائِقِ وَالمَوَانِعِ إلى الوَسَائِلِ في التَسْهيلِ إنْ احْتيجَ إلَيهِ. وَالحَالُ أنَّهُ لا احتِيَاجَ، كأعْصابِ الإنسانِ، وَالخُطُوطِ قول: "ديَّةِ لنَقلِ السَيَّالاتِ اللَّطيفَةِ.
بِحِكمَةِ أنَّ الذَّرَّةَ وَالجُزءَ وَالجُزئيَّ وَالقَليلَ وَالصَغيرَ وَالإنسانَ وَالنَّواةَ ليسَتْ بِأقَلَّ جَزَالَةً مِنَ النَّجْمِ وَالنَّوعِ وَالكُلِّ وَالكُلِّيِّ وَالكَثيرِ وَالكَبيرِ وَالعَاكبرى، َالشَّجَرِ.
فَمَنْ خَلَقَ هؤُلاءِ لا يُسْتَبعَدُ مِنْهُ خَلقُ هذِهِ. إذ المُحاطاتُ كالأمثِلَةِ المَكتُوبَةِ المُصَغَّرَةِ،
— 443 —
أو كالنُّقَطِ المَحلُوبَةِ المُعَصَّرَةِ. فَلابُدَّ بالضَرُرض. بلأنْ يَكونَ المُحيطُ في قَبضَةِ تَصَرُّفِ خالِقِ المُحَاطِ، لِيُدْرِجَ مِثالَ المُحيطِ في المُحَاطَاتِ بِدَسَاتيرِ عِلمِهِ، وَأنْ يَعْصُرَها مِنْهُ بِمَوازينِ حِكمَتِهِ. فَالقُدرَةُ الَّتي أبرَزَتْ هَاتيكَ الجُزئيَّاتِ لها إلَعسَّرُ عَليها إبرَازُ تَاكَ الكُلِّيَّاتِ.
فَكما أن نُسخَةَ قُرآنِ الحِكمَةِ المَكتُوبَةَ عَلى الجَوهَرِ الفَردِ بِذَرَّاتِ الأثيرِ لَيسَتْ بِأقَلَّ جَزَالَةيع أنو نُسْخَةِ قُرآنِ العَظَمَةِ المَكتُوبَةِ عَلى صَحَائِفِ السَّماواتِ بِمِدادِ النُّجُومِ وَالشُّموسِ؛ كذَلِكَ لَيسَتْ خِلقَةُ نَحلَةٍ وَنَمْلَةٍ بِأقَلَّ جَزَالَةً مِنْ خِلقَةه ينالَخلَةِ والفيلِ، وَلا صَنْعَةُ وَردِ الزَّهْرَةِ بِأقَلَّ جَزَالَةً مِنْ صَنْعَةِ دُرِّيِّ نَجمِ الزُّهْرَةِ. وَهكَذا فَقِسْ.
فَكما أن غايَةَ كَمالِ السُّهُولَةِ في إيجاد الأشياء وَهَتْ أهلَ الضَّلالَةِ في التِبَاسِ التَّشكيلِ بالتَّشَكُّلِ المُستَلزِمِ لِلمُحَالاتِ الخُرَافيَّةِ الَّتي تَمُجُّها العُقُولُ، بَل تَتَنَفَّرُ عَنهامِنْهَُامُ؛ كذلِكَ أثْبَتَتْ بِالقَطعِ وَالضَرُورَةِ لأهلِ الحَقِّ وَالحَقيقَةِ تَساويَ السَّيَّاراتِ مَعَ الذَّرَّاتِ بالنِسبَةِ إلى قُدْرَةِ خالِیقِ الكائِناتِ.
جَلَّ جَلالُهُ وَعَظُمَ شأنُهُ وَلاَ إِلهَ إلَّا هُوَ.
المرتبة السادسةّم أما لو كتبت('Gه المرتبة السادسة كسائر المراتب لطالت جدًّا، لأن "الإمام المبين" و"الكتاب المبين" لا يمكن بيانهما باختصار، وحيث إننا ذكرنا نبذة منهما في "ا حيرة الثلاثين" فقد أجملنا هنا، إلّا أننا أسردنا بعض الإيضاحات أثناء الدرس. (المؤلف).
جَلَّ جَلالُهُ وَعَظُمَ شأنُهُ اللّٰه أكبَرُ مِنْ كُالأنفسيءٍ قُدْرَةً وَعلمًا، إذ هُوَ العَادِلُ الحَكيمُ القَادِرُ العَليمُ الوَاحِدُ الأحَدُ السُّلطَانُ الأزَليُّ الَّذي هذِهِ العَوَالِمُ كُلُّهَا ِ تَسَْرُّفِ قَبْضَتَىْ نِظامِهِ وَميزَانِهِ وَتَنْظيمِهِ وَتَوزِينِهِ وَعَدلِهِ وَحِكمَتِهِ وَعِلمِهِ وَقُدرَتِهِ، وَمَظهَرُ سِرِّ وَاحِدِيَّتِهِ وَأحَديَّتِهِ بِالحهذه الالشُّهُوديِّ بَل بِالمُشَاهَدَةِ. إذ لا خَارِجَ في الكَونِ مِنْ دَائِرَةِ النِّظَامِ وَالميزَانِ وَالتَّنظيمِ وَالتَّوزينِ؛ وَهُمَا بابانِ مِنَ "الإمامِ المُبينِ" و"الكِتَابِ المُبينِ". وَهُما عُنوَانانِ ا، كي ِ العَليمِ الحَكيمِ وَأمْرِهِ وَقُدْرَةِ العَزيزِ الرَّحيمِ وَإرادَتِهِ. فَذلكَ النِّظامُ مَعَ ذلكَ المِيزَانِ، في ذلكَ الكِتَابِ مَعَ ذلكَ الإمامِ بُرهَانانِ نَیيِّرانِ لِمَنْ لَهُ في رَأسِهِ إذالى تَ وفي وَجهِهِ العَينَانِ، أنْ لا شَيءَ مِنَ الأشياء في الكَونِ وَالزَّمانِ يَخْرُجُ منْ قَبضَةِ تَصَرُّفِ رَحمنٍ، وَتَنْظيمِ حَنَّانٍ، وَتَزيِينِ مَنَّانٍ، وَتَوزينِ دَيَّانٍ.
الحَاصِلُ:أنَّ لقُرآنِيَ الاِسمِ "الأوَّلِ وَالآخِرِ" في الخَلّاقِيَّةِ، النَّاظِرَينِ إلى المَبدَأِ وَالمُنتَهى
— 444 —
وَالأصلِ وَالنَسلِ وَالمَاضي وَالمُستَقبلِ وَالأمرِ وَالعِلمِ، مُشيرانِ إلى "الإزن من لمُبينِ". وَتَجَلِّيَ الاِسمِ "الظَّاهِرِ وَالباطِنِ" عَلى الأشياء في ضِمنِ الخَلّاقِيَّةِ يُشيرانِ إلى "الكِتابِ المُبينِ".
فَالكَائِناتُ كَشَجَرَةٍ عَظيمَةٍ، وَكُلُّ عالَمٍ مِنها أيضًا كَالشَّجَرةِ. فَنُمَثِّلُت المؤَةً جُزئِيَّةً لِخِلقَةِ الكائِناتِ وَأنواعِها وَعَوالِمِها. وهَذِهِ الشَّجَرَةُ الجُزئِيَّةُ لها أصلٌ وَمَبدَأٌ وَهُوَ النَّواةُ الَّتي تَنبُتُ عَليهَا، وَكَذا لها نَسلٌ يُديمُ وَظيفَتَها بَعدَ مَوتِها آنفًا النَّواةُ في ثَمَراتِها.
فَالمَبدَأُ وَالمُنتَهى مَظْهَرانِ لِتَجَلِّي الاِسمِ "الأوَّلِ وَالآخِرِ". فَكأنَّ المَبدأ وَالنَّواةَ الأصليَّةَ بِالانتِظامِ وَالحِكمَةِ، فِهرِستَةٌ وَتَعرِفَةٌ مُرَكَّبَةٌ مِنْ مَجمُوعِ دَساتيحمة ومكُّلِ الشَّجَرةِ. وَالنَّواتَاتُ في ثَمَراتِها الَّتي في نِهاياتِها مَظهَرٌ لِتَجَلِّي الاِسمِ الآخِر.
فَتِلكَ النَّواتاتُ في الثَّمَراتِ بِكمَالِ الحِكمَةِ، كأنَّها صُنَيدِيقَاتٌ صَغيرَةٌ أُودِعَتْ فيها فِهرِستَةٌ وأنّىرِفَةٌ لتَشَكُّلِ ما يُشابِهُ تِلكَ الشَجَرةَ. وَكأنَّها كُتِبَ فيها بِقَلَمِ القَدَرِ دَساتيرُ تَشكُّلِ شَجَراتٍ آتِيَةٍ.
وَظاهِرُ الشَّجَرَةِ مَظْهَرٌ لِتَجَلِّي الاِسمِ "الظَّاهِرِ". فَظَاهِرُها بِكَمالِ الاِنتِظامِ وَالتَّزيي بتلاولحِكمَةِ، كأنَّها حُلَّةٌ مُنتَظَمَةٌ مُزَيَّنَةٌ مُرَصَّعَةٌ قَد قُدَّتْ عَلى مِقدارِ قَامَتِها بِكَمالِ الحِكمَةِ وَالعِنَايَةِ.
وَبَاطِنُ تِلكَ الشَّجَرَةِ مَظهَرٌ لِتَجَلِّي الاِسمِ "البَاطِنِ". فَبكَمالِ الانتِظامِ أيَّ شَدبيرِ المُحَيِّرِ لِلعُقُولِ، وَتَوزيعِ مَوَادِّ الحَياةِ إلى الأعْضَاءِ المُختَلِفَةِ بِكَمالِ الانتِظامِ، كأنَّ باطِنَ تِلكَ الشَّجَرَةِ ماكِينَةٌ خَارِقَةٌ في غَايَةِ الاِنتَظامِ وَالاِتَّزَانِ.
فَكما أن أوَّلَها تَع، كحصا عَجيبَةٌ، وآخِرَها فِهرِستَةٌ خارِقَةٌ تُشيرانِ إلى "الإمامِ المُبينِ"؛ كَذَلكَ إنَّ ظَاهِرَها كحُلَّةٍ عَجيبَةِ الصَنْعَةِ، وَباطِنَها كَمَاكينَةٍ في غَايَةِ الاِنتِظامِ، تُشيرَانِ إلى "الكِتَابِ المُبينِ".
فَكما أنَالمَحَّاتِ الحَافِظاتِ في الإنسان تُشيرُ إلى "اللَّوحِ المَحفُوظِ" وَتَدُلُّ عَلَيهِ؛ كَذلِكَ إنَّ النَّوَاتاتِ الأصليَّةَ وَالثَّمَراتِ تُشيرَانِ في كُلِّ شَجَرةٍ إلى "الإمامِ المُبينِ". وَالظَّاهِرُ وَالبَاطِنُ يَرمُزَانِ إلى "ااثون
بِ المُبينِ". فَقِسْ عَلى هذِهِ الشَّجَرَةِ الجُزئِيَّةِ شَجَرَةَ الأرض بِمَاضِيها وَمُستَقبَلِها، وَشَجَرةَ الكَائِناتِ بِأوائِلِها وَآتِيها، وَشَجَرةَ الإنسان بِأجْدَادِها وَأنسَالِها. وَهية بإق.
— 445 —
جَلَّ جَلالُ خالِقِها وَلا إلَهَ إلّا هُوَ.
يا كَبيرُ أنت الَّذي لا تَهدِي العُقُولُ لِوَصفِ عَظَمَتِهِ وَلا تَصِلُ الأفْكَارُ إلى كُنْهِ جَبَرُوتِهِسي ما لمرتبة السابعةجَلَّ جَلالُهُ اللّٰه أكبَرُ مِنْ كُلِّ شَيءٍ قُدرَةً وَعِلمًا. إذ هُوَ
(٭): يمكن الانتقال إلى المسمى ذي الجلال والإكرام إذا ما نظر بمنظية ناب الأسماء المباركة إلى مظاهر الأفعال والآثار الإلهية وراء هذه الموجودات. (المؤلف).
الخَلّاقُ الفَتَّاحُ الفَعَّالُ العَلّامُ الوَهَّابُ الفَيَّاضُ شَمسُ الأزَلِ الَّذي هذِهِ ال نلمسناتُ بِأنواعِها وَمَوجُودَاتِها ظِلالُ أنوَارهِ، وَآثارُ أفعَالِهِ، وَألوانُ نُقوشِ أنواع تَجَلِّياتِ أسمائِهِ، وخُطُوطُ قَلَمِ قَضائِهِ وَقَدَرِهِ، وَمَرَايَا تَجَلِّياتِ صِفَاتِهِ وَجَمَالفقيروَجَلالِهِ وَكَمالِهِ..
بِإجمَاعِ الشَّاهِدِ الأزَليِّ بِجَميعِ كُتُبِهِ وَصُحُفِهِ وآياتِهِ التَكْوِينيَّةِ والقُرآنيَّةِ..
وبإجمَاالرجارض مَعَ العَالَمِ بِافتِقَاراتِها وَاحتِيَاجاتِها في ذاتِها وَذَرَّاتِها مَعَ تَظاهُرِ الغِناءِ المُطلَقِ وَالثَّروَةِ المُطلَقَةِ عَلَيها..
وبإجمَاعِ كُلِّ أهل الشُّهُودِ مِنْ ذَوي الأرواح النَّیيِّیرَةِ وَالقُلوبِ المُنَوَّرَةِ" بالإُقُولِ النُّورانيَّةِ مِنَ الأنبياء وَالأولِيَاءِ والأصفِيَاءِ بِجَميعِ تَحقيقَاتِهِمْ وَكُشُوفَاتِهِمْ وَفُيُوضاتِهِمْ وَمُنَاجَاتِهِمْ..
قَدْ اتَّفَقَ الكُلُّ مِنهُمْ، وَمِنَ الأرض وَالأجرَامِ العُلويظ الخاَالسُّفليَّةِ بِما لا يُحَدُّ مِنْ شَهادَاتِهِمُ القَطعيَّةِ وَتَصدِيقاتِهِمُ اليَقينيَّةِ بِقَبولِ شَهَادَاتِ الآيات التَّكْوينيَّةِ والقُرآنيَّةِ وَشَهَادَاتِ الصُّحُفِ وَالكُتُبِ السَّماويَّةِ الَّتي هيَ شَُوبَةًُ الوَاجِبِ الوُجُودِ على أن هذِهِ المَوجُودَاتِ آثارُ قُدرَتِهِ ومَكْتُوباتُ قَدَرِهِ وَمَرايا أسمائِه وَتَمَثُّلاتُ أنوَارِهِ.
جَلَّ جَلالُهُ وَلا إلَهَز، وياهُوَ.
— 446 —
الباب الرابع
فصلان
الفصل الأولهذا الفصل يشير إلى ثلاثٍ وستين مرتبةً من مراتب معرفة اللّٰه وتوحيده سبحانه متخذًا وِردًا مهمًا ومشهورًا لسيدنا الخضر عليه السلام كمالتي كساس له. علمًا أن كل مرتبة من المراتب الثلاث والستين عبارة عن جملتين.
فكلمة "لا اله إلّا اللّٰه" تثبت الوحدانية، كما أن الأسماء التينِ وَابی"هو" تثبت وجود واجب الوجود. فعندما تشير الجملة الأولى إلى الوحدانية، يخطر بالبال سؤال مقدَّر، كأن يقال: من هو ذلك الواحد؟ وكيف نعرفه؟ فيكون جواي مِنَ الرحمن الرحيم.. مثلًا. أي أن آثار الشفقة والرحمة التي تملأ الكون كله تعرّف ذلك الرحمن وتدل عليه. وهكذا قس الباقي.
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
اَللّٰهمَّ إنِّي أُقَدِّمُ إلَيكَ بَينَ يَدَي كُلَ وَمُْمَةٍ وَرَحمَةٍ وَحِكمَةٍ وَعِنايَةٍ، وبَينَ يَدَي كُلِّ حَيَاةٍ وَممَاتٍ وَحَيوَانٍ وَنَبَاتٍ، وَبينَ يَدَي كُلِّ زَهرَةٍ وَثَمَرةٍ وَحَبَّةٍ ودار اَةٍ، وَبَينَ يَدَي كُلِّ صَنْعَةٍ وصِبغَةٍ ونِظامٍ وَميزَانٍ، وبينَ يَدي كُلِّ تَنظيم وَتَوزِينٍ وتَمييزٍ في كُلِّ المَوجُودَاتِ وَذَرَّاتِها، شَهادَةً نواكِبُ
(٭): في هذه الشهادات حكمان: أحدهما يدل على الوحدانية، وهو قوله: (لا اله إلّا اللّٰه) والآخر، يثبت وجود ذلك الواحد، وهو الأسماء التي تبدأ بی"هو". فكلما ورد ضمير "هو" فهو جواب لسؤال مقدّر. وكأنه يقال: كيف نعرف ذلك الإله الواحد؟ فيجيبه مثلًا بذا الظهو السميع البصير" فيقول في هذا: إن هناك مَن يرى ويسمع حاجات هذه الموجودات وأدعيتها فيخلق ما تطلبه ويفعل ما تريده. وهكذا مثل هذه الآثار، تثبت الأفعال الإلهية، وتلك الأفعال تثبت أسماءً كالسميع والبصير، فإخرالك الأسماء على وجود موصوفها. فجميع هذه الجمل تسير على هذا المنوال، فتثبت بالآثار الأفعال، وبالأفعال الأسماءَ، وبالأسماء وجودَ واجب الوجود. (المؤلف).
أنْ:
— 447 —
لآ إلهَ إلّا اللّٰه هُوَ الیحىُّ الیقَیيومُ لآ إلهَ إ وَحِملّٰه هُوَ الباقِي الدَّيمُیومُ
لآ إلهَ إلّا اللّٰه وَحْدَهُ لا شَیرِيكَ لیهُ لآ إلهَ إلّا اللّٰه هُیوَ العَزيزُ الجَبَّارُ
لآ إلهَ إلّا اللّٰه هُوَ الحَكيم الیغَفَّارُ لآ إلهَ إلّا اللّٰه هُوية تشهل وَالآخِرُ
لآ إلهَ إلّا اللّٰه هُوَ الظَّاهِرُ وَالیبیَاطِینُ لآ إلهَ إلّا اللّٰه هُوَ السَّميعُ البَصیيیرُ
لآ إلهَ إلّا اللّٰه هُوَ اللَّطيیفُ الخَیبيرُ لآ إلهَ إلّا اللّٰه هُوَ الغَفُورُ الشَّیكورُ
لآ إلهَ إلّا اللّٰأنْوَا الخَلّاقُ الیقديیرُ لآ إلهَ إلّا اللّٰه هُوَ المُصَیوِّرُ البَصیيیرُ
لآ إلهَ إلّا اللّٰه هُوَ الجَوَّادُ الیكیريمُ لآ إلهَ إلّا اللّٰه هُوَ المُحیيیي العَلیيمُ
لآ إلهَ إلّا اللّٰه هُوَ المُغنیي الیكَريیمل ذلك إلهَ إلّا اللّٰه هُوَ المُدَبِّیرُ الحَیكيیمُ
لآ إلهَ إلّا اللّٰه هُوَ المُرَبِّیي الیرَّحيمُ لآ إلهَ إلّا اللّٰه هُوَ العزيیزُ الحَكيمُ
لآ إلهَ إلّا اللّٰه هُوَ الیعلِّیيُّ ال سجن "ُ لآ إلهَ إلّا اللّٰه هُوَ الیوَلییيُّ الغینیيُّ
لآ إلهَ إلّا اللّٰه هُوَ الشَّهيدُ الرَّقیيبُ لآ إلهَ إلّا اللّٰه هُوَ القَريبُ المُجيبُ
لآ إلهَ إلّا اللّٰه هُوَ الفَتاحُ العَیلیيمُ لآ إلهَ إلّا اللّٰه هُوَ الخَلّاقُ امكن أنُ
لآ إلهَ إلّا اللّٰه هُوَ الرَّزاقُ ذُو القُوَّةِ المَتينُ لآ إلهَ إلّا اللّٰه هُوَ الأحَیدُ الصَیمَیدُ
لآ إله إلّا اللّٰه هو البیاقیي الأمْجَدُ لا الهَ إلّا اللّٰه هُوَ الیوَدُودُ المَیجیِيیدُ
لآ إلهَ إلّا اللّٰه هُوَ الفَعَّالك الأرا يريیدُ لآ إلهَ إلّا اللّٰه هُوَ المیَلیِكُ الیوَارِثُ
لآ إلهَ إلّا اللّٰه هُوَ البَاقیي الیبَاعِیثُ لآ إلهَ إلّا اللّٰه هُوَ البَارىءُ المُصیوِّرُ
لآ إلهَ إلّا اللّٰه هُوَ اللَّیطیيیفُ المُیدَبِّیرُ لآ إلهماوات اللّٰه هُوَ السَّيدُ الیدَّيَّانُ
لآ إلهَ إلّا اللّٰه هُوَ الیحینَّیانُ المَینَّیانُ لآ إلهَ إلّا اللّٰه هُوَ السُّبُّوحُ الیقُیدُّوسُ
لآ إلهَ إلّا اللّٰه هُوَ العَدْلُ الیحَكمُ لآ إلهَ إلّا اللّٰه هُوَ الیفَیرْدُ الیصَّمَیدفرأيت آ إلهَ إلّا اللّٰه هُوَ الینورُ الیهادي..
— 448 —
لآ إلهَ إلّا اللّٰه هُوَ المَعرُوفُ لِكُلِّ الیعارِفیيینَ
(٭): وفحوى هذه الفقرة والتي تليها من الفقرات، الآتي:
إن كنت تريد معرفة ذلك الإله الواحد، المسأ إن ما عرفه جميع العارفين الذين أتوا في نوع البشر، بدلائلهم المختلفة وطرقهم المتباينة هو "معروف" واحد. فذلك المعروف هو الإله الواحد، فيظهر، وجود من يعرفه أهل المعرفة الذين لا يحصيهم العدّ بوجوه لا تعد ولا تحصى، وضوحًا ظاهرًا كالاء بِككذا، إن العابدين الذين لا يحصرهم العدّ في نوع البشر لعبادتهم معبودًا واحدًا وجنيهم الثمرات المعنوية إزاء تلك العبادات، وحظوتهم بالمناجاة والفيوضات، يدل على وجود ذلك المعبود بتواتر مضاعف. وهكذا فقس عليه سائر الفقرات. (المؤلف).سان هوآ إلهَ إلّا اللّٰه هُوَ المَعبُیودُ الحَیقُّ لِكُیلِّ العیابِدينَ..
لآ إلهَ إلّا اللّٰه هُوَ المَشكُورُ لِكُلِّ الیشَّیاكِرينَ
لآ إلهَ إلّا اللّذِ وَاَ المَذْكُورُ لكُلِّ الذَّاكِرينَ..
لآ إلهَ إلّا اللّٰه هُوَ المَحمُودُ لِكُلِّ الحَیامديینَ
لآ إلهَ إلّا اللّٰه هُوَ المَوجُودُ لِكُیلِّ الطَّالبیينَ..
لآ إلهَ إلّا اللّٰه هُوَ المَوصُوفُ لِكُلِّ المُيلزم لينَ
لآ إلهَ إلّا اللّٰه هُوَ المَحبُوبُ الحقُّ لكُلِّ المُحِبِّينَ..
لآ إلهَ إلّا اللّٰه هُوَ المَرغُوبُ لِكُلِّ المريیديینَ
لآ إلهَ إلّا اللّٰه هُیوَ المَقصُیودُ لكُلِّ المُنيیبیينَ ..
لآ إلهَ إلّا اللّٰه هُوَ المَقیصُیودُ لِكُلّ هي الَنانِ
لآ إلیهَ إلّا اللّٰه هُیوَ المُوجیِدُ لِكُیلِّ الأنیامِ..
لآ إلهَ إلّا اللّٰه هُوَ المَوجُودُ فیي كُیلِّ زَمانٍ
لآ إلیهَ إلّا اللّٰه هُیوَ المَعبُودُ في كُیلِّ مَكیي في ه لآ إلهَ إلّا اللّٰه هُوَ المَذكُورُ بِكُیلِّ لیِسیانٍ
لآ إلهَ إلّا اللّٰه هُوَ المَشكُورُ بِكُلِّ إحسَیانٍ..
لآ إلهَ إلّا اللّٰه هُیوَ المُنْیعِیمُ بلا امتِنانٍ
— 449 —
لآ إلهَ إلّا اللّٰه إيمیانیًا باللّٰه لآ إلهَ إلّاوجود، ه أمانًا مِنَ اللّٰه
لآ إلهَ إلّا اللّٰه أمیانَةً عِینْدَ اللّٰه لآ إلهَ إلّا اللّٰه حَقًّا حَقًّا
لآ إلهَ إلّا اللّٰه إذعَانًا وَصِدْقًا لآ إلهَ بُسْتللّٰه تَعَبُّیدًا وَرقًّا
لآ إلهَ إلّا اللّٰه المَلِكُ الحَقُّ المُبينُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللّٰه صَادِقُ الوَعدِ الأمينُ
الفصل الثانيإنَّ هذه السطور الخمسة أو الستة من التمجيد والتعظيم التي تعتبر فاتحةَ أوراد الصباح لدى معظم الأقطابشهِدُ الأخص الشيخ الكيلاني، قد أصبحت كنواةٍ لسلسلة فكرية طويلة. وأنبتت سنبلًا معنويًّا من قبيل الإشارة إلى تسع وتسعين مرتبة من مراتب المعرفة والتوحيد.
وقد ذكرت هنا تسع وسبعون مرتبة من تلك المراتبنكاتها والتسعين، وهي تتوجه في كل فقرة من تلك الإشارات، إلى الذات الإلهية المقدسة بجهتين:
الأولى:إنها تشهد على اللّٰه سبحانه بالحال الحاضرة المشهودة، فيعبّر عن ذلك المعنى بعبارة "للّٰه شهيد".
الثانية:إنهايزيد عبعبارة "على اللّٰه دليل" على إشارة السلسلة التي تظهر بتعاقب الأمثال بعضها وراء بعض.
— 450 —
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
أصْبَحنا
(٭): أصبحنا: أي دخلنا الصباح (صباحًا) ومُلك هذا الصباح شاهد للّٰه أيضًا. وفي الباب نكتتان:
النكتة الأولى: إن كُجُودًبوجوده الحاضر يشهد على وجود اللّٰه ووحدانيته كما أن تبدّله المنظم وذهابه كي يفسح المجال لمن يأتي بعده من أمثاله، وإبرازه سلسلة عظيمة تحت صورة التجدّد.. كلابد أنليل على وجوده تعالى وعلى وحدانيته.
والحاصل: يدل بفقرة "شهيد" على الحالة الراهنة. وبجملة "دليل" يدل على السلسلة المتشكلة نتيجة تركّب أمثالها المتعاقبة.
النكتة الثانية: من المعلوم حسب القاعدة الن
— 451 —
وَالأقضِيَةُ
(٭): الأقضية: كما أن الحالة الحاضرة والمقادير المخصوصة والمنتظمة للجزئيات تشهد على وجود الفاطر الحكيم، فإن زوال اغتراب الكلية وزوال الجزئيات الذي يتم بتقدير وبمقدار منتظم -والذي عبّر عنه بی"التقدير"- يدل كذلك على وجود ذلك الفاطر الحكيم. وكأن الانتظامات المقتي لِكُهد على أن مناوبة الحياة والموت وتجلي القدر والتقدير المنتظم في مناوبة الإحياء والإماتة، كلها تدل على وجوده سبحانه. فمثلًا "التربية" تعني إدارة وجود الشيالمستقشرائطه. و"التدبير" يعني تغيير ذلك. فلكل منهما دلالة مختلفة. وتستطيع أن تقيس سائر الفقرات على هذا. (المؤلف).
للّٰه شَهيدٌ. وَالتَقديرُ عَلى اللّٰه دَليلٌ
وَالتَّربيةُ للّٰه شَهيدٌ. وَالتَّدبيرُ عَلى اللّٰه دَليلٌ
وَالتَّصويرُ لللائقة هيدٌ. وَالتَّنظيمُ عَلى اللّٰه دَليلٌ
وَالتَّزيِينُ للّٰه شَهيدٌ. وَالتَّوزينُ عَلى اللّٰه دَليلٌ
وَالإِتْقانُ
(٭): الإتقان: هو الصنع باهتمام وجودة.
واللطائف: أريد بها صور المحاسن المعنوية والمثالية بزوال صورهافمثلماودة. أو المراد بها: محاسن تلك السلسلة المتعاقبة.
المحامد: المراد أنواع الحمد الحاضرة.
والمدائح: هي الأثنية الثابتة الدائمة، وكأنها أثنية منبعثة من سلسلة الأمثال المحيطة بالمحامد الماضية والمستقبلة.
الكمالات: تعنيفي الملات التي تستلزم المعبودية. أي حتى إذا ذهب العابدون بعباداتهم فإن الكمالات التي تقتضي المعبودية باقية. وهي -أي الكمالات- تسوق إلى العبادة بدلًا عن السلاسل الماضية. (ارزق ال.
للّٰه شَهيدٌ. وَالجُودُ عَلى اللّٰه دَليلٌ
وَالخَلقُ للّٰه شَهيدٌ. وَالإِيجادُ الدَّائِمُ عَلى اللّٰه دَليلٌ
وَالحكْمُ للّٰه شَهيدٌ. وَالأمرُ عَلى اللّٰه دَليلٌ
ه ألف حاسِنُ للّٰه شَهيدٌ. وَاللَّطائِفُ عَلى اللّٰه دَليلٌ
وَالمَحامِدُ للّٰه شَهيدٌ. وَالمَدائِحُ عَلى اللّٰه دَليلٌ
وَالعِبادَاتُ للّٰه شَهيدٌ. وَالكَمالاتُ عَلى اللّٰه دَليلٌ
وَالتَّحيَّاتُ
(٭): التحيات: ثل هذهجميع ذوي الحياة من حيث اظهارها آثار حياتها ضمن دائرة المراد الإلهي إظهارًا منتظمًا، ترحّب وتهنئ صنعة صانعها الجليل. بمثل ما إذا صنع شخص ماكنة خار يَعْنيعة ركّب على رأسها أجهزة لتسجيل الصوت والتصوير، وتعمل بنفسها، فتتحدث وتكتب وتخابر بصورة ذاتية، وعملت تلك الماكنة على الوجه الذي يريده صانعها وأعطت نتائجها الحسنة. فبتخلّي الناظر إلى تلك الماكنة يبارك ويهنئ ذلك الرجل قائلًا: ما شاء اللّٰه! بارك اللّٰه! ويمنحه هدايا معنوية. كذلك أجهزة تلك الماكنة بإظهارها النتائج المقصودة منها وإظهار آثارها على أكمل وجه، إنما تشكر وتقدر وتحيي صانعها بلسان كَ سدً وتقدّم التهاني والتبريك بقولها.. ما شاء اللّٰه معنًى.
وهكذا ففي رأس كل ذي حياة آلات وأجهزة كثيرة ومختلفة كأجهزة تسجيل الأصوات والتقاط الصور والبرقيات والهواتف. وهي بإظهارها ما في خلقها من مقاصد ونتائج على أكمل وجه وأتمه، إنق المُن عن تسبيحاتٍ لصانعها : وعن كمال صنعته التي تعبّر عنها بی"التحيات" باستحساناتها وتهليلاتها وتكبيراتها وهداياها المعنوية.
أما نحن فبقولنحتى يقحيات" إنما نتذكر تلك التحيات ونقدمها إلى الحضرة الإلهية تعبيرًا عن أنفسنا، واللسان بحد ذاته جهاز من تلك الأجهزة فأولى النتائج المطلوبة منه أن يكون مترجمًا لهذه التحيات. (المؤلف).
للّٰه شَهيدٌ. وَالبَركاتُ عَلى اللًّّا؟!.لٌ
— 452 —
وَالصَّلَواتُ للّٰه شَهيدٌ. وَالطَّیيِّیبَاتُ عَلى اللّٰه دليلٌ
وَالمَخلُوقَاتُ للّٰه شَهيدٌ. وَالخَوارِقُ الماضِيَةُ عَلىوَالكبه دَليلٌ
وَالمَوجُودَاتُ للّٰه شَهيدٌ. وَالمُعجِزاتُ الآتِيَةُ عَلى اللّٰه دليلٌ
وَالسَّماواتُ للّٰه شَهيدٌ. وَالعَرشُ عَلى اللّٰه دَليلٌ
وَالشُّموسُ للّٰه شَهيدٌ. وَالأقمَارُ عَلى اللّٰه دَليلٌ
وَالماء .ومُ للّٰه شَهيدٌ. وَالسَيَّاراتُ عَلى اللّٰه دليلٌ
وَالجَوُّ بِتَصرُّفاتِهِ وَأمطارِهِ للّٰه شَهيدٌ. وَالأرضُ عَلى اللّٰه دليلٌ
يعني:(وَالقُدرَةُ الظَّاهِرَةُ في الأرضِ، وَالحِكمَةُ الباهِرَةُ فيها، وَالص يَا م المُكَمَّلَةُ فيها، وَالصِّبغَةُ المُتَزَيِّنَةُ فيها، وَالنِّعمَةُ المُتَنَوِّعَةُ فيها، وَالرَّحمَةُ الوَاسِعَةُ فيها عَلى اللّٰه دليلٌ).
وَالقُرآنُ بأُلُوفِ آياتِهِ للّٰه شَهيدٌ. وَمُحَمَّدٌ بآلافِ مُعجِزَاتِهِ عَلى اللّٰه دَليلة، وبخَالبِحَارُ بِعَجائِبِها وَغَرائِبها للّٰه شَهيدٌ. وَالنبَاتاتُ بأوراقِها بأزهارِها بِأثمَارِها عَلى اللّٰه دليلٌ
يعني:(فالنَّیبَاتَاتُ المُتَزَيِّناتُ الرم عندهِّراتُ المُثمِراتُ المُسَبِّحاتُ بِأوراقِها، وَالحامِداتُ بِأزهارِها، وَالمُكَبِّراتُ بِأثْمَارِها، عَلى اللّٰه دليلٌ)
وَالأشجَارُ بِأوراقِها المُسبِّحاتِ وَأزهارِها الحامِداتِ وَةٌ تُسِها المُكَبِّراتِ للّٰه شَهيدٌ. وَالحَيواناتُ المُكبِّراتُ، والحُوينَاتُ المُسبِّحَاتُ، وَالطُويراتُ الحامِداتُ، وَالطُّيوراتُ الصَّافَّةُ المُهَلِّلاتُ عَلى اللّٰه دليلٌ.
والإنس وَالجِنُّ بِعِبَاداتِهم وَصَلَواتِهمْ في مَسجِدِ الكَائِنها، وكّٰه شَهيدٌ. وَالمَلَكُ وَالرُّوحُ في مَسجِدِ العَالَمِ بِتَسبيحاتِهِمْ وَعِباداتِهِمْ عَلى اللّٰه دليلٌ.
— 453 —
وَالصَّنْعَةُ للّٰه فَالمَدحُ للّٰه.. وَالصِّبْغَةُ للّٰه فَالثَّینَاءُ للّٰه..
وَالنِّعْمَةُ للّٰه مبثوثةُكرُ للّٰه.. وَالرَّحمَةُ للّٰه..
فَالحَمدُ للّٰه ربِّ العَالَمينَ.
الباب الخامس
في مراتب
حسبنا اللّٰه ونعم الوكيل
(٭): قبل ثلاثة عشر عامًا ألقيت نظرة على الدنيا من ه سبحاة تل (يوشع) الشاهق.. وكنت كسائر الناس مفتونًا بطبقات الموجودات المتداخلة ومحاسنها. كما كنت مشدودًا إليها بحب شديد؛ مع أنني شاهدت بعقلي انحدارها إلى الفناء والزوال بشكلأي مناوواضح جدًّا. فأحسست ألمًا وفراقًا؛ بل أحسست ظلمة آتية من فراقات لا حدّ لها. فأغاثتني فجأة آية (حسبنا اللّٰه ونعم الوكيل) بمراتبها الثلاثة والثلاثين. فبدأت أقرأها بشكل رمزيّ على نحو ما سيذكر.
إن كل جملة من الجمل السبع كانواركة التي كنت أواظب عليها بين المغرب والعشاء كان من المقرر أن تكون لمعة ضمن لمعات "المكتوب الحادي والثلاثين". وقد دخلتْ خمسُ جمل منها وبقيت هاتان ا. على ن. لذا بقي مكانُ اللمعة الرابعة واللمعة الخامسة فارغًا. وستكون إحدى الجمل حول مراتب (حسبنا اللّٰه ونعم الوكيل). أما الأخرى فحول مراتب (لا حول ولاقوّة إلّا باللّٰه العليّ العظيم). ولما كانت مراتب هاتين الجملتين المباركتين كفر إلعن الذكر والفكر أكثر من كونها علمًا، فقد ذُكرت في الباب الخامس بالعربية. (المؤلف).
وَهُوَ خَمسُ نكت..
النكتة الأولىفهذا الكلام دواء مجرَّب لمرض العجز البشري وسقم الفقر الإنساني حسبنا اللّٰه أوضاعلوكيل (آل عمران:١٧٣)
(٭): لقد رأيت في وقت ما أنوارًا ومقامات كثيرة لهذه الجملة المباركة. فأنقذتني من ورطات وظلمات رهيبة. وكنت قد وضعت إشارات على تلك في الال والمقامات: فتارة في صورة فقرة مختصرة جدًّا، وأخرى بكلمات معدودات لأجل تذكير نفسي. أما تلك الفقرة الأولى، فكنت كلما فكرت في موت ذوي الحياة بموت وفناء الدنيا الضخمة التي هي محبوبتي كما هي محبوبة للآخرين، وجدت أن ضماد آلامي وهمو ذي حيميقة هو:حَسبُنا اللّٰه وَنِعْمَ الوَكيلُ. والجمل التي في البداية تسير حسب هذا السرّ. (المؤلف).
إِذْ هُوَ الْمُوجِدُ الْمَوْجُودُ الْبَاقِي فَلا بَأْسَ بِزَوَالِ الْمَوْجُودَاتِ لِدَوَامِ الْوُجُودِ الْمَحْبُوبِ بِبَقَاءِ مُوج من الالْوَاجِبِ الْوُجُودِ .
وَهُوَ الصَّانِعُ الْفَاطِرُ الْبَاقِي فَلا حُزْنَ عَلَى زَوَالِ الْمَصْنُوعِ لِبَقَاءِ مَدَارِ الْمَحَبَّةِ فِي صَانِعِهِ.
وَهُوَ الْم؛ كَذلالْمَالِكُ الْبَاقِي فَلا تَأسُّفَ عَلَى زَوَالِ الْمُلْكِ الْمُتَجَدِّدِ فِي زَوَالٍ وَذَهَابٍ.
وَهُوَ الشَّاهِدُ الْعَالِمُ الْبَاقِي فَلا تَحَسُّرَ عَلَى غَيْبُوبَةِ الْمَحْبُوبَاتِ مِنَ الدُّنْيَا لِبَقَائِهَا فِي دَائِرَةِ عِلْمملكة هِدِهَا وَفِي نَظَرِهِ .
— 454 —
وَهُوَ الصَّاحِبُ الْفَاطِرُ الْبَاقِي فَلا كَدَرَ عَلَى زَوَالِ المُسْتَحْسَناتِ لِدَوَامِ مَنْشَأِ مَحَاسِنِهَا فِي أسْمَآءِ فَاطِرِهَا.
وَهُوَ الْوَارِثُ الْبَاعِثُ الْبَاقِي فَلا تَلَهُّفَ عَلَى فِوقي منالأحباب لِبَقَاءِ مَنْ يَرِثُهُمْ وَيَبْعَثُهُمْ.
وَهُوَ الْجَمِيلُ الْجَلِيلُ الْبَاقِي فَلا تَحَزُّنَ عَلَى زَوَالِ الْجَمِيلاتِ الَّتِي هِيَ مَرَايَا لِلأَسْمَآءِ الْجَمِيلاَتِ لِبَیقَاءِ الأسماءِ بِ الأحيِهَا بَعْدَ زَوَالِ الْمَرَايَا.
وَهُوَ الْمَعْبُودُ الْمَحْبُوبُ الْبَاقِي فَلا تَأَلُّمَ مِنْ زَوَالِ الْمَحْبُوبَاتِ الْمَجَازِيَّةِ لِبَقَاءِ الْمَحْبُوبِ الْحَقِيقي.
وَهُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ الْوَدُودُ الرَّءل تلك لْبَاقِي فَلا غَمَّ وَلا مَأْيُوسِيَّةَ وَلا أهمية مِنْ زَوَالِ الْمُنْعِمِينَ الْمُشْفِقِينَ الظَّاهِرِينَ لِبَقَاءِ مَنْ وَسِعَتْ رَحْمَتُهُ وَشَفَقَتُهُ كُلَّ شَيءٍ.
وَهُوَ الْجَمأثمنُهللَّطِيفُ الْعَطُوفُ الْبَاقِي فَلا حُرْقَةَ وَلا عَبْرَةَ بِزَوَالِ اللَّطِيفَاتِ الْمُشْفِقَاتِ لِبَقَاءِ مَنْ يَقُومُ مَقَامَ كُلِّهَا، وة، ودسقُومُ الْكُلُّ مَقَامَ تَجَلٍّ وَاحِدٍ مِنْ تَجَلِّيَاتِهِ؛ فَبَقَاؤهُ بِهَذِهِ الأوْصَافِ يَقُومُ مَقَامَ كُلِّ مَا فَنِيَ وَزَالَ مِنْ أنواع مَحْبُوبَاتِ كُلِّ أحد مِنَ الدّالتي ه.
حسبنا اللّٰه ونعم الوكيل
نَعَمْ حَسْبِي مِنْ بَقَاءِ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا بَقَاءُ مَالِكِهَا وَصَانِعِهَا وَفَاطِرِهَا.
النكتة الثانيةحَسْبِي
(٭): مثلما رأيت جلوات الأسماء الباقية للباقي ذي الج ربَّ اء فناء الدنيا وزوال الآفاق، فشعرت بسلوان تام، كذلك نظرت إلى شخصي. فإذا بمختلف طبقات الموجودات النفسية العديدة والصفات الشخصية وحقائقها التي افتتنت بهلمعنويخصي تجري بسرعة نحو الزوال والفناء، فبحثت في تلك الفانيات عن البقاء بسرّ ما غرز في فطرة الإنسان من عشق البقاء، فوجدت جلوة أسماء خالقي الباقي، ورأيت في زوال كلّ صفة من صفاتي جلوةً باقية من جلوات اسمٍ من الأسماء المتمثلة فيها. عند ذلك أدركمة.
كًا قاطعًا أن عشق البقاء الكامن في فطرة الإنسان محبة متشعبة عن المحبة الآلهية.
بيد أن الإنسان يتحرّى محبوبه بشكل خطأ؛ فبينما يلزم عليه حب المتمثِّل في المرآة والبحث عنه، يبدأ بحب المرآة أو حب كيفية التمثل فيها والتي تعد بمثابة برزخ أ لها. فيعبد "أنا" بدلًا من أن يعبد "هو". ولكن يدرك خطأه بعد زواله.
إنّ القلب وماهية الإنسان مرآة ذات شعور، تحس ما يتمثل فيها بشعور، وتحبه بعشق البقاء. (المؤلف).
مِنْ بَقَائِي أنَّ اللّٰه هُوَ إِلٰهِيَ الْبَاقِي، وَخَالِقِيَ
(٭):رق والف "الياء" التي تتكرر في الكلمات الثمانية، ضمير متكلم تبين نفسَها. (المؤلف).
الْبَاقِي، وَمُوجِديَ الْبَاقِي، وَفَاطِرِيَ الْبَاقِي، وَمَالِكِيَ الْبَاقِي، وَشَاهِدِيَ الْبَاقِي، وَمَعْبُودِيَ الْبَاقِي وبَاعِثِيَ الْبَاقِلنِّعَا بَأْسَ وَلا حُزْنَ وَلا تَأَسُّفَ وَلا تَحَسُّرَ عَلَى زَوَالِ وَجُودِي لِبَقَاءِ مُوجِدِي، وَإيجَادِهِ بِأسْمَائِهِ. وَمَا فِي
— 455 —
شَخْصِي مِ النّفَةٍ إلّا وَهِيَ مِنْ شُعَاعِ اسْمٍ مِنْ أسمائه الْبَاقِيَةِ؛ فَزَوَالُ تِلْكَ الصِّفَةِ وَفَنَاؤهَا لَيْسَ إعْدَامًا لَهَا، لأنها مَوْجُودَةٌ فِي دَائِرَةِ الْعِلْمِعاجزًاقِيَةٌ وَمَشْهُودَةٌ لِخَالِقِهَا.
وَكَذَا حَسْبِي مِنَ الْبَقَاءِ وَلَذَّتِهِ عِلْمِي وَإذْعَانِي وَشُعُورِي وَإيمَانِي بِأنَّهُ إِلٰهِيَ الْبَاقِي الْمُتَمَثِّلُ شُ منها اسْمِهِ الْبَاقِي فِي مِرْآةِ مَاهِيَّتِي؛ وَمَا حَقِيقَةُ ماهِيَّتِي إلّا ظِلٌّ لِذلِكَ الاِسْمِ. فَبِسِرِّ تَمَثُّلِهِ فِي مِرْآةِ حَقِيقَتِي صَارَتْ نَفْسُ حَقِيقَتِي مَحْبَلا قُ، لا لِذاتِهَا بَلْ بِسِرِّ مَا فِيهَا وَبَقَاءُ مَا تَمَثَّلَ فِيهَا أنواع بَقَاءٍ لَهَا.
النكتة الثالثة
(٭): كنت أفكر منذ أمد بعيد أن أشير إشارة عابرة مجملة إلى مراتب حقيقة هامةٍ؛ تمّ إيضاحها بخمسة رموز وخمس إشارات في "المكتوب الرهي خارلعشرين" الذي يكشف عن طلسم الفعّالية الدائمة التي هي من أهم معميات الكون والتي تجري بصفة دائمة في خضم الموت والحياة والفناء والزوال. أما الفناء والزوال والعدم فمسائل تعبّر عن أنواعه لأنواع مختلفة من الوجود، وتثمر كثيرًا من أنماطها، وأن الشيء الآيل إلى الزوال يترك وراءه أضرابًا كثيرة من الوجود. وأن موت ذي حياة وزواله يثمر وجودات كثيرة، يتركها وراءه ثم يذهب. نعم إن الشيء الفاني يظل باقيًا من جهات متعددة.َ إلّاة تموت بالبِلىَ والتعفّن، ولكنها تترك مكانها سنبلة جامعة لمائة حبة. وهكذا، وبناء على هذا السر فالخوف من الموت والعدم، والتأسف على الزوال ليس أمرًا في موضعه. (المؤلف).
حسبنا الخلقه ونعم الوكيل
إذ هُوَ الْوَاجِبُ الْوُجُودِ الَّذِي مَا هذِهِ الْمَوْجُودَاتُ السَّيَّالاتُ إلّا مَظَاهِرُ لِتَجَدُّدِ تَجَلِّيَاتِ إيجَادِهِ وَوُجُودِهِ؛ بِهِ وَبِالاِنْتِسَابِ إلالتي ظِمَعْرِفَتِهِ أنوار الْوُجُودِ بِلا حَدٍّ. وَبِدُونِهِ ظُلُمَاتُ الْعَدَمَاتِ وَآلامُ الْفِرَاقاتِ الْغَيْر الْمَحْدُودَاتِ.
وَمَا هذِهِ الْمَوْجُودَاتُ السَّيي يحيرُ إلّا وَهِيَ مَرَايَا وَهِيَ مُتَجَدِّدَةٌ بِتَبَدُّلِ التَّعيُّنَاتِ الاِعْتِبَارِيَّةِ فِي فَنَائِهَا وَزَوَالِهَا وَبَقَائِهَا بِسِتَّةِ وَجُوهٍ:
الأوَّلُ: حقيقتُ مَعَانِيهَا الْجَمِيلَةِ وَهُوِيَّاتِهَا الْمِثَالِيَّةِ.
وَالثَّانِى:
بَقَاءُ صُوَرِهَا فِي الألْوَاحِ الْمِثَالِيَّةِ.
والثَّالثُ:بَقَاءُ ثَمَراتِها الأخْرَويَّةِ.
وََالرّابِعُ:بَقَاءُ تَسْبِيحَاتنظيف الرَّبَّانِيَّةِ الْمُتَمَثِّلَةِ لَهَا الَّتِي هِيَ نَوْعُ وَجُودٍ لَهَا.
وَالْخَامِسُ:بَقَاؤهَا فِي الْمَشَاهِدِ الْعِلْمِيَّةِ وَالْمَنَاظِرِ السَّرْمَدِيَّةِ.
والسَّادِسُ:بَقَاءُ أرْوَاحِهَا اوتوضيحانَتْ مِنْ ذَوِي الأرواح.
(٭): كما برهن على بقائها بالقطع والضرورة ببراهين باهرة في "الكلمة التاسعة والعشرين". وإن لم تكن من ذوي الأرالمفروبقى قوانينُ حقيقتها وخلقتها ونواميسُ ماهيتها ودساتير تشكلها. فإن ذلك القانون والناموس والدستور روح : أمريّ لذلك الفرد ولنوعه. كما أن شجرة التينة تموت وتنعدم وتبقى روحها الأمري التي هي قوانين تشكلها وتدوم في ت: ٥٨) الصغيرة؛ فتلك الروح الأمري لا تموت بل تتجدد عليه الصور، بل تدوم ماهيتها للحياة. إذ ماهيتها ظل لاسم من الأسماء الحسنى الباقية، فتبقى تلك الماهية تحت شعاع الاسم الباقي، وتبقى هويته أيضا في ْوِيرِن الألواح المثالية. فلا يكون العدم إلّا عنوانًا لانتقال وجود زائل إلى أنواع من وجود دائم. (المؤلف).
وَمَا وَظِيفَتُهَا فِي كَيْفِيَّاتِهَا
— 456 —
الْمُتَخَالِفَةِ فِي مَوْتِهَا وَفَنَائِهَا وَزَوَالِهَا وَعَدَمِهَا وَظُهُوٍ مُسَوَانْطِفَائِهَا: إلّا إِظْهَارُ الْمُقْتَضِيَاتِ للأسْمَاءِ الإلَهِيَّةِ، فَمِنْ سِرِّ هذِهِ الْوَظِيفَةِ صَارَتِ الْمَوْجُودَاتُ كَسَيْلٍ فِي غَايَةِ السُّرْعَةِ تَتَمَوَّجُ مَوْتًا وَحَيَاةً وَوَا عَلا وَعَدَمًا. وَمِنْ هذِهِ الْوَظِيفَةِ تَتَظَاهَرُ الْفَعَّالِيَّةُ الدَّائِمَةُ وَالْخَلَّاقِيَّةُ الْمُسْتَمِرَّةُ. فَلا بُدَّ لِي وَلِكُلِّ أحد أنْ يَقُولَ:
م برعااللّٰه ونعم الوكيل
يَعْنِي؛ حَسْبِي مِنَ الْوُجُودِ أنِّي أثَرٌ مِنْ آثَارِ وَاجِبِ الْوُجُودِ. كَفَانِي آنٌ سَيَّالٌ مِنْ هذا الْوُجُودِ المُنوَّرِ الْمَظهَرِ مِنْ مَلايينِ سَنَجمعًا،َ الْوُجُودِ الْمُزَوَّرِ الأبْتَرِ.
نَعَمْ بِسِرِّ الاِنْتِسَابِ الإيماني تَقُومُ دَقِيقَةٌ مِنَ الْوُجُودِ؛ مَقَامَ أُلُوفِ سَنَةٍ بِلا انْتِسَابِ إيمَانِيٍ، بَلْ تِلْكَ الدَّقِيقَةُ أات الموَأوْسَعُ بِمَرَاتِبَ مِنْ تِلْكَ الآلافِ سَنَةٍ.
وَكَذا حَسْبِي مِنَ الْوُجُودِ وَقِيمَتِهِ أنِّي صَنْعَةُ مَنْ هُوَ فِي السَّمَاءِ عَظَمَتُهُ، وَفِي الأَرضِ آيَاتُهُ، وَخَلَقَ السَّمَاواتِ وَالأرْضَ فِي سِتَّةِ أيَّامٍ.
وَكَذا حسمع وا مِنَ الْوُجُودِ وَكَمالِهِ أنِّي مَصْنُوعُ مَنْ زَيَّنَ وَنَوَّرَ السَّمَاءَ بِمَصَابِيحَ، وَزَيَّنَ وَبهَّر الأَرضَ بأَزاهيرَ.
وَكَذا حَسْبِيلجبال الْفَخْرِ وَالشَّرَفِ أنِّي مَخْلُوقٌ وَمَمْلُوكٌ وَعَبْدٌ لِمَنْ هذِهِ الْكَائِنَاتُ بِجَمِيعِ كَمَالاتِهَا وَمَحَاسِنِهَا ظِلٌّ ضَعِيفٌ بِالنِّسكم جزئإلى كَمَالِهِ وَجَمَالِهِ، وَمِنْ آيَاتِ كَمَالِهِ وَإشَاراتِ جَمَالِهِ.
وَكَذا حَسْبِي مِنْ كُلِّ شيء مَنْ يَدَّخِرُ مَا لا يُعَدُّ وَلا يُحصَى مِنْ نِع رؤوسنفِي صُنَيْدِقَاتٍ لَطِيفَةٍ هِيَ بَيْنَ "الْكَافِ وَالنُّونِ" فَيَدَّخِرُ بِقُدْرَتِهِ مَلايِينَ قِنْطَارٍ فِي قَبْضَةٍ وَاحِدَةٍ فِيهَا صُنَيْدِقَاتٌ لَطِيفَلَمِ وَمَّى بُذُورًا وَنَوايَا.
وَكَذا حَسْبِي مِنْ كُلِّ ذِي جَمَالٍ وَذِي إحْسَانٍ؛ الْجَمِيلُ الرَّحِيمُ الَّذِي مَا هذِهِ الْمَصْنُوعَاتُ الْجَمِيلاتُ إلّا مَرايَا مُتَفَانِيَةٌ لِتَجَدُّدِ أنوار جَمَالِليلٌ
َرِّ الْفُصُولِ وَالْعُصُورِ وَالدُّهُورِ. وَهذِهِ النِّعَمُ الْمُتَوَاتِرَةُ وَالأثْمَارُ الْمُتَعَاقِبَةُ فِي الرَّبِيعِ وَالصَّيْفِ مَظَاهِرُ لِتَجَدُّدِ مَرَاتِبِ إنْعَامِهِ الدَّائِمِ عَلَىطيع أن الأنَامِ وَالأيَّامِ وَالأعْوَامِ.
— 457 —
وَكَذا حَسْبِي مِنَ الْحَيَاةِ وَمَاهِيَّتِهَا أنِّي خَرِيطَةٌ وَفِهْرِسْتَةٌ وَفَذْلَكَةٌ وَمِيزَانٌ وَمِقْيَاسٌ لِجَلَوَاتِ أسْمَاءِ خَالِقِ الْمَقرآنيةَالْحَيَاةِ.
وَكَذا حَسْبِي مِنَ الْحَيَاةِ وَوَظِيفَتِهَا كَوْنِي كَكَلِمَةٍ مَكْتُوبَةٍ بِقَلَمِ الْقُدْرَةِ، وَمُفْهِمَةٍ دَالَّةٍ عَلَى أسْمَاءِ الْقَدِيرِ الْم إذن إِ الْحَيِّ الْقَيُّومِ بِمَظْهَرِيَّةِ حَيَاتِي لِلشُّؤُونِ الذَّاتِيَّةِ لِفَاطِرِيَ الَّذِي لَهُ الأسماء الْحُسْنى.
وَكَذا حَسْبِي ا الإنلْحَيَاةِ وَحُقُوقِهَا إعْلانِي وَتَشْهِيرِي بَيْنَ إخواني الْمَخْلُوقَاتِ وَإعْلانِي وإظْهَارِي لِنَظَرِ شُهُودِ خَالِقِ الْكَائِنَاتِ بِتَزَيُّنِي بِجَلَواتِ أسْماءِ خَالِقِيَ الَّذِي زَيَّنَنِي بِمُرَصَّعَاتِ حُلَّةِ وُجُودِي وَخِاثين" فِطْرَتِي وَقِلادَةِ حَيَاتِي الْمُنْیتَظَمَةِ الَّتِي فِيهَا مُزَيَّنَاتُ هَدَايَا رَحْمَتِهِ.
وَكَذا حَسْبِي مِنْ حُقُوقِ حَيَاتِي فَهْمِي لِتَحِيَّاتِ ذَوِي الْحَيَاةِ لِوَاهِبِ الْحَيَيع المشُهُودِي لَهَا وَشَهَادَاتٌ عَلَيْهَا.
وَكَذا حَسْبِي مِنَ حُقُوقِ حَيَاتِى تَبَرُّجِي وَتَزَيُّنِي بِمُرَصَّعَاتِ جَوَاهِرِ إحْسَانِهِ بِشُعُورٍ إيمَانِىٍّ لِلعَرْضِ لِنَظَرِ شُهُودِ سالشمس،نِيَ الأزَلِيِّ.
وَكَذا حَسْبِي مِنَ الْحَيَاةِ وَلَذَّتِهَا عِلْمِي وَإذْعَانِي وَشُعُورِي وَإيمَانِي، بِأنِّي عَبْدُهُ وَمَصْنوعُهُ وَمَخْلُوقُهُ وَفَقِيرُهُ وَمُحْتَاجٌ إلَيْهِ؛ وَهُوَ خَالِقِي رَحِيمٌ ق الدنرِيمٌ لَطِيفٌ مُنْعِمٌ عَلَىَّ، يُرَبِّينِي كَما يَلِيقُ بِحِكْمَتِهِ وَرَحْمَتِهِ.
وَكَذا حَسْبِي مِنَ الْحَيَاةِ وَقِيمَتِهَا مِقْيَاسِيَّتِي بِأمْثَالِ عَجْزِيَ الْمُطْلَقِ وَفَقْرِيَ الْمُطْلَقِ وَضَعْفِيَ الْمُطْلَقِةِ في اتِبِ قُدْرَةِ الْقَدِيرِ الْمُطْلَقِ، وَدَرَجَاتِ رَحْمَةِ الرَّحِيمِ الْمُطْلَقِ، وَطَبَقَاتِ قُوَّةِ الْقَوِيِّ الْمُطْلَقِ.
وَكَذا حَسْبِي بِمَعْكَسِيَّتِي بِجُزْئِيَّاتِ صِفَاتِر في ر الْعِلْمِ والإرادة وَالْقُدْرَةِ الْجُزْئِيَّةِ لِفَهْمِ الصِّفَاتِ الْمُحِيطَةِ لِخَالِقِي. فَأفْهَمُ عِلْمَهُ الْمُحِيطَ بِمِيزَانِ عِلْمِي الْجُزْئِيِّ.
شفت منَكَذا حَسْبِي مِنَ الْكَمَالِ؛ عِلْمِي بِأنَّ إِلَهِي هُوَ الْكَامِلُ الْمُطْلَقُ. فَكُلُّ مَا فِي الْكَوْنِ مِنَ الْكَمَالِ مِنْ آيَاتِ كَمَالِهِ، وَإِشَارويمسح ى كَمَالِهِ.
— 458 —
وَكَذا حَسْبِي مِنَ الْكَمَالِ فِي نَفسِي، الإيمان بِاللّٰه. إذ الإيمان لِلْبَشَرِ مَنْبَعٌ لِكُلِّ كَمالاتِهِ.
وَكَذا حَسْبِي مِنْ كُلِّ شيء لأنْوَاعِ حَاجَاتِيَ لشهادْلُوبَةِ بِأنْوَاعِ ألْسِنَةِ جِهَازاتِيَ الْمُخْتَلِفَةِ، إِلَهِي وَرَبِّي وَخَالِقِي وَمُصَوِّرِيَ الَّذِي لَهُ الأسماء الْحُسْنَى الَّذٰه. بم يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِي وَيُرَبِّينِي وَيُدَبِّرُنِي وَيُكَمِّلُنِي، جَلَّ جَلالُهُ وَعَمَّ نَوَالُهُ.
النكتة الرابعةحَسْبِي لِكُلِّ مَطَالِبِي مَنْ فَتَحَ صُورَتِي وَصُورَةَ أمْثَالِي مِنْ ذَوِي الْحَيَاةِ فِي الْمَاءِ بِلَطِيفُِطُورِِهِ وَلَطِيفِ قُدْرَتِهِ وَلَطِيفِ حِكْمَتِهِ وَلَطِيفِ رُبُوبِيَّتِهِ.
وَكَذا حَسْبِي لِكُلِّ مَقَاصِدِي مَنْ أنْشَأَنِي وَشَقَّ سَمْعِي وَبَصَرِي، وَأدْرَجَ في جِسْمِي لِسَانًا وَجلى ضلا، وَأوْدَعَ فِيهَا وَفِي جِهَازاتِي؛ مَوَازِينَ حَسَّاسَّةً لا تُعَدُّ لِوَزْنِ مُدَّخَرَاتِ أنواع خَزَائِنِ رَحْمَتِهِ. وَكَذا أدْمَجَ فِي لِسَانِي وَجَنَانِى وَفِطْرَتِي آلاتٍ جَسَّاسَةً لا تُحْصَى لِفَهْمِ لى بعضكُنُوزِ أسْمَائِهِ.
وَكَذا حَسْبِي مَنْ أدْرَجَ فِي شَخْصِيَ الصَّغِيرِ الْحَقِيرِ، وَأدْمَجَ فِي وُجُودِيَ الضَّعِيفِ الْفَقِيرِ هذِهِ الأعْضَاءَ وَالآلاتِ وَهذِهِ الْجَوَعبارة وَالْجِهَازاتِ وَهذِهِ الْحَوَاسَّ وَالْحِسِّياتِ وَهذِهِ اللَّطَائِفَ وَالْمَعْنَوِياتِ؛ لإحْسَاسِ جَمِيعِ أنواع نِعَمِهِ، وَلإذاقَةِ أكثر تَجواح، تَاتِ أسمائه بِجَلِيلِ أُلُوهِيَّتِهِ وَجَمِيلِ رَحْمَتِهِ وَبِكَبِيرِ رُبُوبِيَّتِهِ وَكَرِيمِ رَأْفَتِهِ وَبِعَظِيمِ قُدْرَتِهِ وَلَطِيفِ حِكْمَتِهِ.
النكتة الخامسةلابُدَّ لِي وَلِكُلِّ أحد أنْ يَقُولَ حَالًا وَقَالًا وَدِ وَاكِّرًا وَمُفْتَخِرًا: حَسْبِي مَنْ خَلَقَنِي، وَأخْرَجَنِي مِنْ ظُلْمَةِ الْعَدَمِ، وَأنْعَمَ عَلَيَّ بِنُورِ الْوُجُودِ.
وَكَذا حَسْبِي كُلِّ َعَلَنِي حَيًّا فَأنْعَمَ عَلَيَّ نِعْمَةَ الْحَيَاةِ الَّتِي تُعْطِي لِصَاحِبِهَا كُلَّ شيء وَتُمِدُّ يَدَ صَاحِبِهَا إلى كُلِّ شَيءٍ.
وَكَذا حَسْبِي مَنْ جَعَلَنِي إنْسَانًا فَأنْعَمَ عَلَيَّ بِنِعْمَةِ الإوأمثال الَّتِي صَيَّیرَتِ الإنسان عَالَمًا صَغِيرًا أكْبَر مَعْنًى مِنَ الْعَالَمِ الْكَبِيرِ.
— 459 —
وَكَذا حَسْبِي مَنْ جَعَلَنِي مُؤْمِنًا فَأنْعَمَ عَلَيَّترين قَةَ الإيمان الَّذِي يُصَيِّیرُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ كَسُفْرَتَيْنِ مَمْلُوئَتَيْنِ مِنَ النِّعَمِ يُقَدِّمُهُمَا إلى الْمُؤْمِنِ بِيَدِ الإيمَانِ.
وَكَذا حَسْبِي مَنْ المعجنِي مِنْ أُمَّةِ حَبِيبِهِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ، فَأنْعَمَ عَلَيَّ بِمَا فِي الإيمان مِنَ الْمَحَبَّةِ وَالْمَحْبُوبِيَّةِ الإلَهِيَّةِ، الَّتِي هِيَ مِنْ وَالأى مَرَاتِبِ الْكَمَالاتِ الْبَشَرِيَّةِ.. وَبِتِلْكَ الْمَحَبَّةِ الإيمانية تَمْتَدُّ أيَادِي اسْتِفَادَةِ الْمُؤْمِنِ إلى مَا لا يَتَنَاهى مِنْ مُشْتَمَلاتِ دَائِرَةِ الإمكان وَالْوُجُوبِ.
وَكَذا حَسإذا سمَنْ فَضَّلَنِي جِنْسًا وَنَوْعًا وَدِينًا وَإيمَانًا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ مَخْلُوقاتِهِ، فَلَمْ يَجْعَلِنِي جَامِدًا وَلا حَيَوانًا وَلا ضَالًا . فَلَهُ الْحَمْدُ وَلَهُ الشُّكْرُ.
وَكَذ في البِي مَنْ جَعَلَنِي مَظْهَرًا جَامِعًا لِتَجَلِّيَاتِ أسْمَائِهِ، وَأنْعَمَ عَلَيَّ بِنِعْمَةٍ لا تَسَعُهَا الْكَائِنَاتُ بِسِرِّ حَدِيثِ (لا يَسَعُنِیي أرْضِي وَلا سَمواب كلوَيَسَعُنِي قَلْبُ عَبْدِيَ الْمُؤْمِنِ) [٭]: انظر: أحمد بن حنبل، الزهد ٨١؛ الغزالي، إحياء علوم الدين ٣/١٥؛ الديلمي، المسند ٣/١٧٤؛ الزركشي، التذكرة فيأبَدِيديث المشتهرة ١٣٥؛ السخاوي، المقاصد الحسنة ٩٩٠؛ العجلوني، كشف الخفاء ٢/٢٥٥.. قال ابن حجر الهيتمي في الفتاوى الحديثية: وذكرُ جماعةٍ له من الصوفية لا يريدونن
ه ظاهره من الاتحاد والحلول لأن كلًا منهما كفر، وصالحو الصوفية أعرف الناس باللّٰه وما يجب له وما يستحيل عليه، وإنما يريدون بذلك أن قلب المؤمن يسع الإيمان باللروح، وحبته ومعرفته. أ هی . يَعْنِي أنَّ الْمَاهِيَّةَ الإنسانية مَظْهَرٌ جَامِعٌ لِجَمِيعِ تَجَلِّيَاتِ الأسماء الْمُتَجَلِّيَةِ فِي جَمِيعِ الْكَائِنَاتِ.
للذبابا حَسْبِي مَنِ اشْتَرى مُلْكَهُ الَّذِي عِنْدِي مِنِّي لِيَحْفَظَهُ لِي، ثُمَّ يُعِيدَهُ إلَيَّ، وَأعْطانا ثَمَنَهُ الْجَنَّةَ. فَلَهُ الشُّكْرُ وَلَهُ الْحَمْدُ بِعَدَدِ ضَرْبِ ذَرَّاتِ وُجُودِي فِي ذَرَّاتِ الْكطاعة لاتِ.
حَسْیبي رَبِّیي جَیلَّ اللّٰه نُورْ مُحَمَّدْ صَلَّى اللّٰه
لا اِلَهَ إلّا اللّٰه
حَسْبِیي رَبِّیي جَیلَّ اللّٰه سِرُّ قَیلْبِي ذِكْرُ اللّٰه
ذِكْیرُ أحْمَدْ صَیلَّیى اللّٰه
لا اِلَهَ إلّازل داره
— 460 —
الباب السادس
في "لا حَولَ ولا قُوَّةَ إلّا باللّٰه العَلِيِّ العَظيمِ "
(٭): لقد أوضحنا في رسائل كثيرة؛ بأن في فطرة الإنسان عجزًا بلا حدود وفقرًا بل أقاومة، مع أن له أعداءً لا حدّ لهم ومطالب لا تنتهي. والإنسان من أجل هذا العجز والفقر محتاج فطرةً إلى الالتجاء إلى قدير رحيم. فكما أن الجملة الأولى من آية: (حسبنا اللّٰه ونعم الوكيل) ترشد إلى مرهم للعجز وملجإٍ تجاه كل أعدائه؛ وأن اودَه مالثانية (نعم الوكيل)، دواء لفقره ووسيلة إلى تحقيق جميع مطالبه؛ وكذلك جملة (لا حول ولا قوة إلّا باللّٰه العلي العظيم) دواء للعجز والفقر البشريين كجملة (ة مترشاللّٰه) تمامًا، ولكنه في صورة أخرى، فكلمة "لا حول" تفيد أن نقطة استناده تجاه أعدائه، بتبرؤه من قوته ملتجأً إلى القدرة الإلهية وتفيد كلمة (لا قوة) أن الوسيلة لقحسست بالبه وحاجاته هي التوكل مع الاعتماد على القدرة الإلهية.
ولقد أحسست بمراتب كثيرة لجملة (لا حول ولا قوة..) هذه في نفسي بتجارب كثيرة. فوضعت كلمات مختصرة إشارة إلى تلك المراتبأو عامظ تلك المراتب بوساطة تلك الإشارات. وسوف يذكر في هذا الباب من الكلمات التي ترمز إلى قسم من تلك المراتب بعينها. (المؤلف).
وهذه الكلمة الطيبة المباركة خامس صُنْعلخمس الباقيات الصالحات المشهورات التي هي: "سبحان اللّٰه. والحمد للّٰه، ولا إله إلّا اللّٰه، واللّٰه أكبر، ولا حول ولا قوة إلّا باللّٰه العليّ العظيم"لتنظيف اللّٰه الرحمن الرحيم
إلهي وَسَيِّدي وَمَالِكي! لِي فَقرٌ بِلا نِهايَةٍ، مَعَ أنَّ حاجَاتي وَمَطالِبي لا تُعَدُّ وَلا تُحصى، وَتَقصُرُ يَدي عَنْ أدنى مَطالِبي. فَلا الجوع وَلا قُوَّةَ إلّا بِكَ يا رَبِّيَ الرَّحيمِ! وَيا خالِقي الكَريم! يا حَسيبُ يا وَكيلُ يا كافي.
إلَهي! اختيَاري كَشَعرَةٍ ضَعيفَةٍ، وَآمالي لا تُحصَى. فَأعْجَزُ دائِمًَا عَمَّا لا أستَغني عَنه أبَدًا. فَلا حَولَ وَلا قُوَّةَ ات بمقِكَ يا غَنيُّ يا كَريمُ يا كَفيلُ يا وَكيلُ يا حَسيبُ يا كَافي.
إلهِي وَسَيِّدي وَمَالِكي! اقتِداري كَذَرَّةٍ ضَعيفَةٍ، مَعَ أنَّ الأش بعددَالعِلَلَ وَالأوهامَ وَالأهوالَ والآلامَ وَالأسقَامَ وَالظُّلُماتِ وَالضَّلالَ وَالأسفَارَ الطِّوالَ ما لا تُحصى. فَلا حَولَ عَنها، وَلا قُوَّةَ عَلى مُقابَلَتِها إلّا بِكَ يا قَوِيُّ يا قَديرُ يا دها من يا مُجيبُ يا حَفيظُ يا وَكيلُ.
— 461 —
إلَهي! حَياتِي كَشُعلَةٍ تَنطَفئُ كَأمثَالِي. وَآمالي لا تُحصَى. فَلا حَولَ عَنْ طَلَبِ تِلكَ الآمَالِ، وَلا قُوَّةَ عَلى تَحصِيلِها نٌ بميِكَ يا حَيُّ يا قَيُّومُ يا حَسيبُ يا كافِي يا وَكيلُ يَا وافي.
إلَهي! عُمري كَدَقيقَةٍ تَنْقَضي كَأقرانِي؛ مَعَ أنَّ مَقَاصِدي وَمَطَالِبي لا تُعَدُّ وَلا تُحصَى. فَلا حَولَ عَنها وَلا قُوَّةَ عَليها إلّا بِكَ يا أ وكلما يا أبَدِيُّ يا حَسيبُ يا كافي يا وَكيلُ يا وَافي.
إلَهي! شُعُوري كَلَمْعَةٍ تَزُولُ؛ مَعَ أنَّ ما يَلزَمُ مُحافَظَیتُهُ مِنْ أنوار مَعرِفَتِكَ، وَما يَلزَمُ التَّحَفُّظُ مَالِه مِنَ الظُّلُماتِ وَالضَّلالاتِ لا تُعَدُّ وَلا تُحصَى. فَلا حَولَ عَنْ تِلكَ الظُّلُماتِ وَالضَّلالاتِ وَلا قُوَّةَ عَلى هاتيِكَ الأنوار وَالهِداياتِ إلّا بِكَ يا عَليمُ يا خَبيرُ يا حَسيبُ يا كافيهو إلّفيظُ يا وَكيلُ.
إلَهي! لِي نَفسٌ هَلُوعٌ وَقَلبٌ جَزُوعٌ وَصَبرٌ ضَعيفٌ وَجِسمٌ نَحيفٌ وَبَدَنٌ عَليلٌ ذَليلٌ، مَعَ أنَّ المَحمُولَ عَلَيَّ مِنَ الأحمَالِ المَادِّيَةِ والمَعْنَويَّة الآخرلٌ ثَقيلٌ. فَلا حَولَ عَنْ تِلكَ الأحمَالِ وَلا قُوَّةَ عَلى حَملها إلّا بِكَ يا رَبِّي الرَّحيمُ يا خالِقي الكَريمُ يا حَسيبُ يا كَافي يا وَكِيلُ يا وَافي.
إلَهي! لِي مِنَ الزّ هذا م آنٌ يَسيلُ في سَيْلٍ وَاسِعٍ سَريع الجَرَيانِ؛ وَلِيَ مِنَ المَكانِ مِقدارُ القَبرِ مَعَ عَلاقَتي بِسائِرِ الأمكِنَةِ وَالأزمِنَةِ. فَلا حَولَ عَنِ العَلاقَةِ بِهَا، وَلا قُوَّةَ عَلى الوُصُولِ إلى ما فيها إلّا بِكل تلك َبَّ الأمْكِنَةِ وَالأكوَانِ، وَيا رَبَّ الدُّهُورِ وَالأزمَانِ يا حَسيبُ يا كَافي يا كَفيلُ يا وَافي.
إلَهي! لِي عَجْزٌ بِلا نِهايَةٍ وَضَعفٌ لسرمديَايَةٍ، مَعَ أنَّ أعدَائي وَما يُؤلِمُني وَما أخَافُ مِنهُ وَما يُهَدِّدُني مِنَ البَلايَا وَالآفاتِ ما لا تُحصَى. فَلا حَولَ عَنْ هَجَماتِها وَلا قُوَّةَ عَلى دَفعِها إلّا بِكَ الدخوويُّ يا قَديرُ يا قَريبُ يا رَقيبُ يا كَفيلُ يا وَكيلُ يا حَفيظُ يا كَافي.
إلَهي! لِي فَقْرٌ بِلا غايَةٍ وَفَاقَةٌ بِلا نِهايَةٍ؛ مَعَ أنَّ حاجاتي وَمَطالِبي وَوَظائِفي ما لا تُحصَى. فَلا حَولَ عنهم، ملا قُوَّةَ عَليها إلّا بِكَ يا غَنيُّ يا كَريمُ يا مُغني يا رَحيمُ.
إلَهي تَیبَرَّأتُ إلَيكَ مِنْ حَولي وَقُوَّتي، وَالتَجأتُ إلى حَولِكَ وَقُوَّتِكَ فَلا تَكِلني إلى حَولي وَقُوَّتي. وَارحَمْ عَجزي وَضَعفي وَفَقري وَفَاقَتالمراقَد ضاقَ صَدري، وَضاعَ عُمري، وَفَني صَبري، وَتَاهَ فِكري، وَأنتَ العَالِمُ بِسِرِّي وَجَهري، وَأنتَ المَالِكُ لِنَفعي وَضَرِّي، وَأنتَ القَادِرُ عَلى تَفريجِ كَربي وَتَيسِيالِدَةري. فَفَرِّجْ كُلَّ كَربَتي وَيَسِّرْ عَلَيَّ وَعَلى إخواني كُلَّ عَسيرٍ.
— 462 —
إلَهي! لا حَولَ عَنِ الزَّمانِ الآتي، وَعَنِ أهوالِهِ مَعَ سَوقٍ إلَيهِ؛ وَلا قُوَّةَ عَلى الماضي وَلَذَائِذِهِ مَعَ عَلاقَةٍ بِهِ إلّا بِكَ يا أزَلِيُّ يا ير، نرُّ.
إلَهي! لا حَولَ عَنِ الزَّوالِ الَّذي أخَافُ وَلا أخلَصُ مِنهُ؛ وَلا قُوَّةَ عَلى إعَادَةِ ما فَاتَ مِنْ حَياتيَ الَّتي أتَحَسَّرُها، وَلا أصِلُ إليها إلّا بِكَ يا سَرمَدِيُّ يا باقي.
إلَهي! لا حالمرض،َنْ ظُلمَةِ العَدَمِ؛ وَلا قُوَّةَ عَلى نُورِ الوُجوُدِ إلّا بِكَ يا مُوجِدُ يا مَوجُودُ يا قَديمُ.
إلَهي! لا حَولَ عَنِ المَضارِّ اللّاحِقَةِ بِالحَياةِ؛ وَلا شهادة َ عَلى المَسارِّ اللّازِمَةِ لِلحَياةِ إلّا بِكَ يا مُدَبِّرُ يا حَكيمُ.
إلَهي! لا حَولَ عَنِ الآلامِ الهَاجِمَةِ عَلى ذي الشُّعُورِ؛ وت ثابتوَّةَ عَلى اللَّذائِذِ المَطلُوبَةِ لِذي الحِسِّ إلّا بِكَ يا مُرَبِّي يا كَريمُ.
إلَهي! لا حَولَ عَنِ المَساوي العَارِضَةِ لِذَوي العُقُولِ؛ وَلا قُوَّا ضد وى المَحَاسِنِ المُزَيِّنَةِ لِذَوي الهِمَمِ إلّا بِكَ يا مُحسِنُ يا كَريمُ.
إلَهي! لا حَولَ عَنِ النِّیقَمِ لأهلِ العِصيَانِ؛ وَلا قُوَّةَ عَلى النِّعَمِ لأهلِ الطَّاعَاتِ إلّا بِكَ يا غَفوهكذا.ا مُنْعِمُ.
إلَهي! لا حَولَ عَنِ الأحزَانِ؛ وَلا قُوَّةَ عَلى الأفراح إلّا بِكَ. فَإنَّكَ أنت الَّذي أضْحَكَ وَأبْكى يا جَميلُ يا جَليلُ.
إلَهي! لا حَولَ عَنِ العِلَلِ، وَلا قُوَّةَ عَلى العَافِيَةِا تجعلبِكَ يا شافي يا مُعَافي.
إلَهي! لا حَولَ عَنِ الآلامِ؛ وَلا قُوَّةَ عَلى الآمالِ إلّا بِكَ يا مُنجي يا مُغيثُ.
إلَهي! لا حَولَ عَنِ الظُّلُماتِ؛ وَلا قُوَّةضعَت ا الأنوار إلّا بِكَ يا نُورُ يا هادي.
إلَهي لا حَولَ عَنِ الشُّرورِ مُطلَقًا؛ وَلا قُوَّةَ عَلى الخَيراتِ أصلًا إلّا بِكَ يا مَنْ بيَدِهتلك اليرُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيءٍ قديرٌ، وَبِعِبَادِهِ بَصيرٌ، وَبِحَوايِجِ مَخلُوقَاتِهِ خَبيرٌ.
— 463 —
إلَهي! لا حَولَ عَنِ المَعاصي إلّا بِعِصمَتِكَ؛ وَلا قُوَّةَ عَلى الطَّاعَةِ إلّا بِتَو. إنه يا مُوَفِّقُ يا مُعينُ.
إلَهي! لِي عَلاقَاتٌ شَديدَةٌ مَعَ نَوعيَ الإنسانيِّ وجِنْسِيَ الحَيَوَانيِّ، مَعَ أنَّ آية كُلُّ نَفسٍ ذآئِقَةُ المَوتِ (آل عمران:١٨٥) تُهَدِّدُني وَتُطفِئُ آمالي المُتَعَلِّقَةِ بِنَوعروف وونسي، وَتَنْعِي عَلَيَّ بِمَوتِهما. فَلا حَولَ عَنْ ذاكَ الحُزنِ الأليمِ النَّاشِئ مِنْ ذلكَ المَوتِ وَالنَّعيِ، وَلا قُوَّةَ عَلى تَسَلٍّ يَملأُ مَحَلَّ مازالَ عَنْ قَلبي وَروحي إلّا بِكَ. فَأنتَ الَّذي تَكفي عَنْ كُلّك الرسٍ، وَلا يَكفي عَنكَ كُلُّ شَيء.
إلَهي! لِي عَلاقاتٌ شَدِيدَةٌ مَعَ دُنيَايَ الَّتي كَبيْتِي وَمَنیزلي؛ مَعَ أنَّ آية
كُلُّ مَنْ عَلَيها فانٍدما تطَبقى وَجهُ رَبِّكَ ذُو الجَلالِ وَالاِكرامِ
(الرحمن: ٢٦-٢٧) تُعلِنُ خَرابِيَّةِ بَيتي هذَا، وَزَوَالَ مَحبُوبَاتي الَّلاتي ساكَنْتُهُمْ في ذلكَ البَيتِ المُنهَدِمِ؛ وَسميون لَ عَنْ هذِهِ المُصيبَةِ الهائِلَةِ، وَعَنْ الفِراقَاتِ مِنَ الأحباب الآفِلَةِ؛ وَلا قُوَّةَ عَلى ما يُسَلِّيني عَنها، وَيَقُومُ مَقَامَها إلّا بِكَ يا مَنْ يَقُومُ جلوَةٌ مِنْ تَجَلّلك الطرَحمَتِهِ مَقَامَ كُلِّ ما فارَقَني.
إلَهي لِي عَلاقَاتٌ
(٭): لقد أشيرت إلى مراتب (لا حول ولا قوة..) هذه وإلى حقائقها، بإشارات فقط.ُ الأسلبراهين والدلائل فلم تذكر، لأن المئات بل الآلاف من براهين الوحدانية ودلائل الربوبية المذكورة في الأبواب السابقة هي دلائل على حقائق (لا حول ولا قوة...) بصفة عامة. فلذلك لم تذكر أدلة مستقلة أخرى. (المؤلف).
بِجامِعيَّةِ ماهِيَّتي، وَمهما ت كَثرَةِ جِهازاتي الَّتي أنْعَمْتَها عَلَيَّ، وَاحتياجاتٌ شَديدَةٌ إلى الكائِناتِ وَأنوَاعِها؛ مَعَ أنَّ آية
كُلُّ شَىءٍ هالِكٌ اِلّا وَجهَهُ لَهُ الحُكْمُ وَاِلَيهِ تُرجَعُونَ
(القصص: ٨٨) تُهَدِّدُني وَتَقطا لا يلاقَاتي الكَثيرَةَ مِنَ الأشيَاءِ. وَبِانقِطاعِ كُلِّ عَلاقَةٍ يَتَولَّدُ جَرْحٌ وَألَمٌ مَعنَويٌّ في رُوحي. وَلا حَولَ عَنْ تِلكَ الجُرُوحاتِ الغَيرِ المَحدُودَةِ؛ وَلا قُوَّةَ عَلى أدويَتِها إلّا بِكَ يا مَنْ يكف. وعلىلِّ شَيءٍ، وَلا يَكفي عَنْ شَيءٍ واحِدٍ مِنْ تَوَجُّهِ رَحمَتِهِ كُلُّ الأشيَاءِ، وَيا مَنْ إذا كَانَ لشيء كَانَ لَهُ كُلُّ شيء ومَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ لا يَكُونُ لَهُ شَيءٌ مِنَ الأشيَاءِ.
إلَهي! لِي عَلاقاتٌ شَديدَةٌ وَابتِإطعامََمَفتُونِيَّةٌ مَعَ شَخصيَّتي الجِسمانيَّةِ، حَتَّى كَأنَّ جسمي عَمُودٌ في نَظَري الظَّاهِريِّ لِسَقفِ جَميعِ آمالي وَمَطَالِبي؛ وَفِيَّ عِشقٌ شَديدٌ لِنتهى اِ؛ مَعَ أنَّ جِسمي لَيسَ مِنْ حَديدٍ وَلا حَجَر لِيَدُومَ في الجُملَةِ، بل مِنْ لَحمٍ وَدَمٍ وَعَظمٍ عَلى جَناحِ التَّفَرُّقِ في كُلِّ آنٍ؛ وَمَعَ أنَّ حَياتي كَجِسمي مَحدودةُ الطَّرَفَينِ، سَتُختَمُ بِخَاتَمِ المَوتِ له فمدَريبٍ؛ مَعَ أنِّي قَد اشتَعَلَ الرَّأسُ شَيبًا مِنِّي، وَقد ضَرَبَ السَّقَمُ ظَهري وَصَدري، فَأنا في قَلَقٍ وَضَجَر وَاضطِرابٍ
— 464 —
وَوراقِهمٍ وَتَحَزُّنٍ شَديدٍ مِنْ هذِهِ الكَيفيَّةِ. فَلا حَولَ عَنْ هذِهِ الحَالَةِ الهَائِلَةِ؛ وَلا قُوَّةَ عَلى ما يُسَلِّيني عَمَّا يَحزُنُني، وَعَلى ما يُعَوِّضُني ما يَضيعُ مِنِّي، وَعَلى ما يَقُومُ مَقَامَ ما يَفُوتُ مِنِّي إلّاق.
يا رَبِّيَ الباقي، وَالباقي ببَقَائِهِ وَإبقائِهِ مَنْ تَمَسَّكَ بِاسمٍ مِنْ أسمائه الباقِيَةِ.
إلَهي! لِي وَلِكُلِّ ذي حَياةٍ خَوفٌ شَديدٌ مِنَ الذراتِ وَالزَّوالِ اللَّذَينِ لا مَفَرَّ مِنهُما؛ وَلِي مَحَبَّةٌ شَديدةٌ لِلحَياةِ وَالعُمْرِ اللَّذينِ لا دَوامَ لَهُما؛ مَعَ أنَّ تَسارُعَ المَوتِ إلى أجسامِنا بِهُجُومِ الآجالِ لا يُبقي لِي وَلا لأحَدٍ أمَلًا مِنة- لاخالِ الدُّنيَويَّةِ إلّا وَيَقطَعُها، وَلا لَذَّةً إلّا وَيَهْدِمُها. فَلا حَولَ عَنْ تِلكَ البَلِيَّةِ الهائِلَةِ وَلا قُوَّةَ عَلى ما يُسَلِّينَا عَنها إلّا بِكَ يا خَالِقَ المَوتِ وَالحَياةِ! وَيا مَنْ لَهُ مجلسهةُ السَّرمَدِيَّةُ، الَّذي مَنْ تَمَسَّكَ بِهِ وَتَوجَّهَ إليه وَيَعرِفُهُ وَيُحِبُّهُ؛ تَدُومُ حَياتُهُ وَيَكُونُ المَوتُ لَهُ تَجَدُّدَ حَياةٍ وَتَبديلَ مَكانٍ. فإذًا فَلا حُزنَ لَهُ وَلا ألَمَ عَليهِ بِسِرِّ
ألا ٰه دليولِيَاءَ اللّٰه لا خَوفٌ عَلَيهِمْ وَلا هُمْ يَحزَنُونَ
(يونس: ٦٢).
إلَهي! لِي لأجل نَوعي وَجِنسي عَلاقَاتٌ بِتَألُّماتٍ وَتَمَنِّياتٍ بِالسَّماوَاتِ وَالأرضِ وَبِأحوَالِها. فَلا قُ وجه الي بِوَجهٍ مِنَ الوُجُوهِ عَلى إسماعِ أمري لَهُما، وَتَبليغِ أمَلي لِتِلكَ الأجرامِ، وَلا حَولَ عَنْ هذا الاِبتِلاءِ وَالعَلاقَةِ إلّا بِكَ د عن عَّ السَّماوَاتِ وَالأرضِ! وَيا مَنْ سَخَّرَهُما لِعِبادِهِ الصَّالِحينَ.
إلَهي! لِي وَلِكُلِّ ذي عَقلٍ عَلاقَاتٌ مَعَ الأزمِنَةِ الماضِيَةِ وَالأوقاتِ الاستِقبَاليَّةِف جسيم أنَّنا قَدِ انْحَبَسْنَا في زَمانٍ حاضِرٍ ضَيّقٍ لا تَصلُ أيدِينا إلى أدنى زَمانٍ ماضٍ وَمُستَقبَلٍ لِجلبٍ مِنْ ذاكَ ما يُفرِّحُنا، أو لِدَفْعٍ مِنْق الوقا يُحزِنُنا. فَلا حَولَ عَنْ هذِهِ الحالَةِ، وَلا قُوَّةَ عَلى تَحويلِها إلى أحسَنِ الحالِ إلّا بِكَ يا رَبَّ الدُّهُورِ وَالأزمَانِ.
إلَهي! لِي في فِطرَتي وَلِكُلِّ أحد في فِطرَد للبا آمالٌ أبدية وَمَطالِبُ سَرمَديَّةٌ تَمْتَدُّ إلى أبَدِ الآبادِ. إذ قَد أوْدَعْتَ في فِطرَتِنَا استِعدادًا عَجيبًا جامِعًا، فيهِ احتياجٌ وَمَحَبَّةٌ لا يُشبِعُهُما الدُنيا وَما فيها، وَلصتها هى ذلِكَ الاِحتِياجُ وَتِلكَ المَحَبَّةُ إلّا بِالجَنَّةِ الباقِيَةِ؛ ولا يَطمَئِنُّ ذلِكَ الاِستِعدادُ إلّا بِدارِ السَّعادَةِ الأبَديَّةِ. يا رَبَّ الدُّنيبَرُ.
آخِرَةِ وَيا رَبَّ الجَنَّةِ وَدَارِ القَرارِ.
(٭): كان من المقرر أن تكتب عشرون مرتبة من مراتب (لا حول ولا قوة..) في البداية. وقد أخرتها على أمل كتابتها في الختام. ولما بلغنا الختام تأخّرت حاليًا.، حتى ذه الأدلة لو وضّحت لطالت كثيرًا، وان كتبت بإشارات تخصني فحسب لكانت الاستفادة منها قليلة. لذا أرجئت إلى وقت آخر. (المؤلف).
— 465 —
الباب السابعارتباطشهادة: نَشهَدُ أنْ لآ إِلَهَ إلّا اللّٰه وَأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللّٰه
المقام الأول
اللّٰهمَّ يا رَبَّ مُحَمَّدٍ المُختَارِ. ويا ربَّ الجَنّ الرزاالنَّارِ. وَيا ربَّ النَبيّينَ وَالأخْيارِ، يَا ربَّ الصِّدِّيقينَ وَالأبرَارِ. يا ربَّ الصِغَارِ وَالكِبَارِ. يا رَبَّ الحُبُوبِ وَالأثمَارِ. يا ربَّ الأنْهَارِ وَالأشجَارِ. يَا ربَّ الصَّحارَى وَالقِفارِ. يا ربَّ العَبيدِ وَالأحرارِ. ياوالحزناللَّيلِ وَالنَّهارِ.
أمسَينَا وَأصبَحنا نُشهِدُكَ وَنُشهِدُ جَميعَ صِفَاتِكَ المُتَقَدِّسَةِ.. وَنُشهِدُ جَميعَ أسمَائِكَ الحُسنى.. وَنُشهِدُ جَميعَ مَلئِكَتِكَ العُليَا.. ونُشْهِدُ جميعَ مَخْلوقَاتِكَ الشَّتَّى.. وَنُود عليجَميعَ أنبِيَائِكَ العُظمى. وَجَميعَ أولِيَائِكَ الكُبرى. وَجَميعَ أصْفِيائِكَ العُليَا.. وَنُشهِدُ جَميعَ آياتِكَ التَّكوينيَّةِ الَّتي لا تُعَدُّ وَلا تُحين المَنُشهِدُ جَميعَ مَصنُوعَاتِكَ المُزيَّناتِ المُوزونَاتِ المَنْظُومَاتِ المُتَمَاثِلاتِ.. وَنُشهِدُ جَميعَ ذَرَّاتِ الكائِناتِ العاجِزاتِ. الجَامِداتِ الجَاهِلاتِ والحَامِلَةِ بِحولِكَ وَطَولِكَ وَأمرِكَ وَإذنِكَ عَجائِتَعْروَظائِفِ المُنتَظَمَاتِ.. ونُشهِدُ جَميعَ مُرَكباتِ الذَّراتِ الغَيرِ المَحدودَاتِ المُتَنَوعاتِ المُنتَظَمَاتِ المُتقَنَاتِ المَصنُوعاتِ مِن البسائِطِ الجَامِداتِ.. وَنُشهِدُ جَميعَ تَرَكُّباتَكذا..جُوداتِ النَّاميَاتِ المُختَلِطَةِ مَوَادُّ حَيَاتِها في غَايَةِ الاختِلاطِ وَالمُتَمَيِّیزَةِ دَفعَةً في غَايةِ الامتيَازِ.. وَنُشهِدُ حَبيبَكَ الأكرمَ سُلطَانَ الأنبياء وَالأوليَاءِ أفضَلَ المَخلُوقَاتِ ذا المُعجِزَاتِ الباهِرَةلو استهِ وعَلى آلِهِ أفضلُ الصَّلَواتِ وَالتَّسليمَاتِ.. وَنُشهِدُ فُرقانَكَ الحَكيمَ ذَا الآيات البَيِّنَاتِ وَالبَیرَاهينِ النَّيّراتِ وَالد ذلك لِ الوَاضِحَاتِ وَالأنوارِ السَّاطِعاتِ: بِأنَّا كُلَّنا نَشهَدُ بِأنَّكَ أنتَ اللّٰه الوَاجِبُ الوُجودِ الوَاحِدُ الأحَدُ الْفَرْدُ الصَّمَدُ الحيُّ القَيُّومُ العَليمُ الحَكيمُ القَديرُ المُريدُ الكليف، ُ البَصيرُ الرَّحمنُ الرَّحيمُ العَدلُ الحَكَمُ المُقتَدِرُ المُتَكَلِّمُ، لَكَ الأسماء الحُسنى.. وَكَذا نَشهَدُ أنْ لا إلهَ إلّا أنت وَحدَكَ لا شَريكَ لَكَ وَأنَّكَ عَلى كُلِّ شَيءٍ قَديرّٰه شَكُلِّ شَيءٍ عَليمٌ.. وَكَذا نَشهَدُ بِكُلِّ ما مَرَّ وَمَعَ كُلِّ مَا مَرَّ بِأنَّ مُحَمَّدًا
— 466 —
عَبدُكَ وَنَبيُّكَ وَصَفِيُّكَ وَخَليلُكَ. وَجَمَالُهو يدركَ. وَمَليكُ صُنْعِكَ. وَعَينُ عِنَايَتِكَ. وَشَمسُ هِدَايَیتِكَ. وَلِسانُ مَحَبَّتِكَ. وَمِثالُ رَحمَتِكَ. وَنُورُ خَلقِكَ. وَشَرَفُ مَوجُودَاتِكَ.
(٭): إن كل كلمة في هذه الشهادة الثانية تومئ إلى برهان صادق حق من البراهين الحقة للنبوة الأحاسع واكما تشير إلى وظيفة من وظائف النبوة، وإلى مقام من المقامات المحمدية، مثلما كل فقرة في الشهادة الأولى تدل على كثير من براهين الوحدانية، فكأن كلًّا من تلك الكلمات والفقرات شاهدة لي، وتشهد معي، وأنا بنيتي أقلب شهاداتهيرة -ك هي بلسان الحال إلى لسان المقال، فنشهد معًا. (المؤلف).
وَكَشَّافُ طِلسِمِ كائِنَاتِكَ. وَدلّالُ سَلطَنَةِ رُبُوبِيَّتِكَ. وَمُعَرِّفُ كُنُوزِ أسمَائِكَ. وَمُعوفق ان أوامِرِكَ لِعِبادِكَ وَمُفَسِرُ آياتِ كِتابِ كَائِنَاتِكَ. ومَدَارُ شُهودِكَ وَإِشهَادِكَ. وَمِرآةُ مَحَبَّتِكَ لِجَمَالِكَ وَأسمائِكَ، وَمَحَبَّتِكَ لِصنعَتِكَ وَمَصنُوعَاتِكَ، وَلِمَحَاسِنِ مَخلُوقَاتِكَ. وَحالأربعَ وَرَسُولُكَ الَّذي أرسَلتَهُ رَحْمَةً لِلعالَمينَ. وَلِبَيانِ مَحَاسِنِ كَمالاتِ سَلطَنَةِ رُبُوبيَّتِكَ بِحِكمَةِ صَنعَةِ صِبغَةِ نُقُوشِ قَصرِ العَالَمينَ. وَلِتَعريفِ كُنُوزِ أسمائِكَ بِإشاراتِ حِكَمِيَّاتِ كَلمَاتِ آياتِ سما أكذ كِتَابِ العالَمينَ. وَلِبَيانِ مَرضِيَّاتِكَ يا رَبَّ السَّماواتِ وَالأرضينَ. عَلَيهِ وَعَلى آلِهِ وَأصحَابِهِ وَإِخوانِهِ ألف ألفِ صَلاةٍ وَسَلامٍ في كُلِّ آنٍ وَزَمانٍ.
اللّٰهمَّ يا حَفيظُ يا حَافِظُ يا خَيرَ الحافظينَ نَستَودِعُ حِفظَكَأرجوهاَايَتكَ وَرَحمَتَكَ هذِهِ الشَّهاداتِ الَّتي أنعَمتَها عَلينا. فَاحفَظهَا إلى يَومِ الحَشرِ وَالميزَانِ آمين. وَالحَمدُ للّٰه رَبِّ العَالَمينَ.
المقام َةِ، م
الحَمْدُ للّٰه الَّذي
(٭): إن إيضاح هذا المقام هو في آخر "المكتوب التاسع عشر" وهو رسالة المعجزات الأحمدية، وإن كل قيد وكل كلمة فيه يشير إلى دليل منوأوغل الرسالة الأحمدية كما أنه يومئ إلى البراهين الدّالة على أن القرآن الحكيم هو كلام اللّٰه.
ولقد ذكر النبي (ص) والقرآن الكريم هنا، على أن كل واحد منهما دليل سامٍ للغاية على وحدانية اللّٰه سبحانه وتعالى. (ال: "مَ.
دَلَّ عَلى وُجوبِ وُجوُدِهِ، وَدَلَّ النَّاسَ عَلى أوصَافِ جَلالِهِ وَجَمَالِهِ وكَمالِهِ، وشَهِدَ على أنَّهُ وَاحِدٌ فَردٌ صَمَدٌ: الشَّاهِدُ الصَّادِقُ المُصَدَّقُ والبُرْهااكي علَّاطِقُ المُحَقَّقُ سَيِّدُ الأنبياء وَالمُرسَلينَ. الحَاوي لِسرِّ إجمَاعِهِمْ وَتَصديقِهِمْ وَمُعجِزاتِهِمْ. وَإمامُ الأولياء وَالصِدّيقينَ. الحَاوي لِسِرِّ اتِفَاقِهِمْ وَتَحقيقِهِمْ وَكَرامَاتِهِمْ. ذُو الإِرهاصَاتِ الخَارِقَةِ وَاوأزهارزاتِ البَاهِرةِ وَالبَراهينِ القاطِعَةِ الواضِحَةِ. ذُو الأخلاق العَاليَةِ في ذاتِهِ. وَالخِصالِ
— 467 —
الغَاليَةِ في وَظيفَتِهِ. وَالسَّجَايا السَّامِيَةِ في شَريعَتِهِ. مَهبَطُ الوَحيِ ا كتبَنَاني بِإجمَاعِ المُنیزِلِ بِتَوفيقٍ لَهُ. وَالمُنیزَلِ بِإعجَازِهِ. وَالمُنیزَلِ عَلَيهِ بِقُوَّةِ إيمَانِهِ. وَالمُنیزَلِ إليهم بِكُشُوفِهِمْ وَتَحقيقَاتِهمْ. سَيَّارُ عَالَمِ الغَيبِ وَالمَلَكوتِ. مُشاهِدُ الأرواح وَمُصَاحِول الكَلائِكَةِ مُرشِدُ الجِنِّ وَالإنسِ. وَأنْوَرُ ثَمَراتِ شَجَرَةِ الخِلقَةِ. سِراجُ الحقِّ. بُرهَانُ الحَقيقَةِ. لِسانُ المحَبَّةِ. مِثالُ الرَّحمَةِ. كاشِفُ طِلسِمِ الكائِنَاتِ. حَلّالُ مُعَمَّى الخِلقَةِ. دَلّالُ سَلطَنَةِ الرُّبُوةُ إذن. مَدارُ ظُهورِ مَقَاصِدِ خالِقِ الكائِناتِ في خَلقِ المَوجُوداتِ. ووَاسِطَةُ تَظاهُرِ كَمالاتِ الكائِناتِ، المُرمِزُ بِشَخصيَّتِهِ المَعنَويَّةِ إلى أنهُ نُصبُ عَينِ فَاطِرِ الكَونِ في خَلقِ الكائِناتِ "يَعني أنَّ الصَّاالمائةَظَرَ إليه وَخَلَقَ لأجلِهِ وَلأمثالِهِ هَذا العَالَمَ" ذُو الدّينِ والشَّريعَةِ وَالإسلاميَّةِ الَّتي هي بِدَساتيرِها أنمُوذَجُ دَساتيرِ السَّعادَةِ في الدَّارَينِ. كَأنَّ ذلِكَ الدّينَ فِهرِستةٌ أُخرِجَتْ مِنْ كِتَابِ الكائِناتِ. فَكأنَّ ا، فكماَ المُنیزَلِ عَليهِ قِراءَةٌ لآياتِ الكائِناتِ. المُشيرُ دِينُهُ الحَقُّ إلى أنَّهُ نِظامُ نَاظِم الكونِ. فَنَاظِمُ هذِهِ الكائِناتِ بِهذا النِّظامِ الَ الأو الأكمَلِ هُوَ نَاظِمُ ذلكَ الدّينِ الجَامِعِ بِهذا النّظمِ الأحسَنِ الأجمَلِ، سَيِّدُنا نَحنُ مَعَاشِرَ بَني آدَمَ، وَمُهدينَا إلى الإيمان نَحنُ مَعَاشِرَ المَؤمِنينَ مُحَمَّدٌ عَليهِ وَعَلى آلِهِ أفضت الكوصَّلَواتِ وَأتَمُّ التَّسْليماتِ ما دَامَتِ الأرض وَالسَّماواتُ. فإن ذلِكَ الشَّاهِدَ يَشهَدُ عَنِ الغَيبِ في عالَمِ الشَّهادَةِ عَلى رُؤوسِ الأشهَادِ بِطَورِ المُشَاهِدِحَمْدَُعَمْ؛ يُشَاهَدُ أنَّهُ يُشاهِدُ ثُمَّ يَشهَدُ مُنادِيًا لأجيَالِ البَشَرِ خَلفَ الأعصَارِ وَالأقطارِ بِأعلى صَوتِهِ.
نَعَمْ؛ فَهذا صَدى صَوتِهِ يُسمَعُ مِنْ أعماق الماضي إلى شَواهِقِ الاستِقبَالِ ونَصَراِ قُوَّتِهِ.
نَعَمْ؛ فَقَد استَولى عَلى نِصفِ الأرضِ. وَانصَبَغَ بِصبغِهِ السَّماويّ خُمُسُ بَني آدَمَ. وَدَامَتْ سَلطَنَتُهُ المَعنَويَّةُ ألمياوياثَلَثمائة وَخَمسينَ سَنَةً في كُلِّ زَمانٍ، يَحكُمُ ظَاهِرًا وَباطِنًا عَلى ثَلثَمائة وَخَمسينَ مِليُونًا مِنْ رَعِيَّتِهَ الصَّادِقَةِ المُطيعَةِ بِانقيَادِ نُفوسِهِمْ وَقُلُوبِهِمْ وَأروَاحِهِمْ وَعُقُولِهِمْ لأوَامِرِ سَيِّدِهسلطان سُلطَانِهِمْ. وَبِغايَةِ جِدِّيَّتِهِ بِشَهاداتِ قُوَّةِ دَساتيرِهِِ المُسَمَّرَةِ عَلى صُخُورِ الدُّهُورِ وَعَلى جِبَاهِ الأقطَارِ. وَبِغَايَةِ وُثُوقِهِ بِشَهادَةِ زُهدِهِ واستِغنائِهِ عَنِ الدُّنيَا. وبغاية اطمئنانه ووُثُوقِه بشهادَالوالدرهِ وَبِغايَةِ قُوَّةِ إيمَانِهِ بِشَهادَةِ أنَّیهُ أعْبَدُ وَأتقى مِنَ الكُلِّ بِاتِّفاقِ الكُلِّ، شَهادَةً جازِمَةً مُكَرَّرَةً بی:
— 468 —
فاعلم أنه لا إله إلا اللّٰه
الَّذي دَلَّ عَلى وُجُوبِ وُجودِهِ، وَصَرالمرتِأوصَافِ جَلالِهِ وَجَمالِهِ وَكَمالِهِ، وَشَهِدَ أنَّهُ واحِدٌ أحد فَردٌ صَمَدٌ، الفُرقانُ الحَكيمُ الحَاوي لِسِرِّ إجماعِ كُلِّ كُتُبِ الأنبياء وَالأولِيَاءِ وَالمُوَحِّدِينَ المُختَلِفينَ في المَشَارِبِ والمَسَالبت أن مُتَّفِقَةِ قُلُوبُ هَؤُلاءِ وَعُقولُ أولئك بِحَقائق كُتُبِهِمْ عَلى تَصديقِ أساساتِ القُرآنِ المُنَوَّرِ جِهاتُهُ السِّتُّ. إذ عَلى ظَهرِهِ سِكَّةُ الإعجَازِ. وَفي بَطنِهِ حَقائِقُ الإيمَانِ. وَتَحتَهُ بَرَاهينُ الإذعَانِ. وَهَدَفُهُ ساميةَةُ الدَّارَينِ. وَنُقطَةُ استِنَادِهِ مَحضُ الوَحيِ الرَّبَّانيِّ بِإجمَاعِ المُنیزِلِ بِآياتِهِ. وَالمُنیزَلِ بِإعجَازِهِ. وَالمُنیزَلِ عَليهِ بِقُوَّةِ إيمَانِهِ وَأمْنيَّتِهِ. وَكَمالِ تَسليمِيَّتِهِ رفيعة َتِهِ. وَوضعِيَّتِهِ المعلُومَةِ عِندَ نیزولِهِ. مَجمَعُ الحَقائِقِ بِاليَقينِ. وَمَنبَعُ أنوار الإيمان بِالبَداهَةِ. المُوصِلُ إلى السَّعادَاتِ بِاليَقينِ. ذُو الأثمَارِ الكَامِة.
ِالمُشَاهَدَةِ. مَقبُولُ المَلَكِ والإنس وَالجَانّ بِالحَدسِ الصَّادِقِ مِنْ تَفاريقِ الأمارَاتِ. المُؤيَّدُ بِالدَلائِلِ العَقليَّةِ بِاتِّفاقِ العُقَلاءِ الُ بهؤلَ. وَالمُصَدَّقُ بالفِطرَةِ السَّليمَةِ بِشَهادَةِ اطمِئنانِ الوِجدَانِ بِهِ. المُعجِزَةُ الأبدية بالمُشَاهَدَةِ. ذُو البَصَرِ المُطلَقِ يَرى الأشيلت منهَمالِ الوُضُوحِ، يَرى الغَائِبَ البَعيدَ كَالحَاضِرِ القَريبِ. ذُو الاِنبِساطِ المُطلَقِ يُعَلِّمُ المَلأَ الأعلى مِنَ المُقَرَّبينَ بِدَرسٍ، وَيُعَلِّمُ أطفَالَ البَشَرِ بِعينِ ذَلِكَ الدَّرسِ، وَيَشمَلُ تَعليمُهُ وتَعليمَاتُهُبقدرتهاتِ ذَوي الشُعُورِ مِنْ أعلى الأعَالي إلى أبسَطِ البَسائِطِ. لِسانُ الغَيبِ في عَالَمِ الشَّهادَةِ، شَهادَةً جَازِمَةً مُكَرَّرَةً بی"لآ إلَهَ إلّا هُوَ" و
فاعلم أنه لا إله إلا اللّٰه
#469 صاحبَلمعة الثلاثون
من المكتوب الحادي والثلاثين، وثمرة من ثمار سجن "أسكي شهر". وهي عبارة عن ست نكات.
هذا الدرس القيّم ثمرةٌ من ثمار "سجن أسكي شهر" وحصيلةُ مد المطلاليوسفية، مثلما كانت "رسالة الثمرة" ثمرةً أينعَها "سجنُ دنيزلي" وكما كانت "رسالة الحجة الزهراء" درسًا بليغًا أزهر في سجن آفيون.
تضم هذه الرسالة -وهي اللمعة الثلاثون- نكاتٍ دقيقة لستةٍ من ا، إلى الحسنى.
في القسم الذي يخص اسم اللّٰه "الحي" و"القيوم" من الاسم الأعظم مسائل عميقة وواسعة جدًّا قد لا يستطيع كلُّ أحد أن يستوعبها كلَّها ويتذوقها جميعًا، إلّا أنه لا يبقى أحدٌ دون نصيب منها وفائدة يغنمها.
— 470 —
الن والإنأولى
تخص إحدى نكات اسم اللّٰه
القدوس
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
والارضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الماهِدُون
(الذاريات:٤٨)
لقد تجلت لي نكتةٌ من نكات هذه الآية الكريمة وتجلّ من تجليات اسم اللّٰه "القدوس" وهو الاّنه منعظم أو أحدُ أنوراه الستة، وأنا نزيل سجن "أسكي شهر" أواخر شهر شعبان المبارك. فبيّن لي: الوجودَ الإلهي بوضوح تام، وكشف لي: الوحدانيةَ الربانية بجلاء، كما يأتي:
لقد تراءى لي هذا الكونُ وهذه الكرةُ الأرضية كمعمل عظيم دائبِ الح الطب شبيهةٍ بفندق واسع، أو دارِ ضيافة تُملأ وتُخلى بلا انقطاع، علمًا أن مصنع ودار ضيافةٍ بهذه السعة وبهذه الكثرة الكاثرة من الغادين والرائحين، تمتلئ بالنفايات والأنقاض، ويصاب كل شيء بالتلوث، وتضيق فيها أسبابالمسجداة. فإن لم تعمل يدُ التنظيف والتنسيق فيها عملًا دائمًا أدّت تلك الأوساخ إلى اختناق الإنسان واستحالة عيشه.
بيد أننا لا نكاد نرى في معمل الكون العظيم هذا، وفي دار ضرضية ملكرة الأرضية هذه أثرًا للنفايات، كما أنه لا توجد في أية زاوية من زواياهما مادة غير نافعة، أو غير ضرورية، أو أُلقِيَتْ عبثًا، حتى إن ظهرت مادةٌ كهذه فسرعان ما تُرمى في مكائن تحويل بمجنيِّ ارها، تُحيلها إلى مادة نظيفة.
فهذا الأمرُ الدائب يدلنا على: أن الذي يراقب هذا المعمل إنما يراقبه بكل عناية وإتقان، وأن مالكه يأمر بتنظيفه وتنسيقه وتزيينه على الدوامارهِ اا يُرى فيه -رغم ضخامته- أثرٌ
— 471 —
للقاذورات والنفايات التي تكون متناسِبةً مع كبر المعمل وضخامته. فالمراعاةُ بالتطهير إذن مستمرة، والعنايود الكنظيف دائمة ومتناسبة مع ضخامة المعمل وسعته، لأنَّ الإنسان الفرد إن لم يستَحم ولم يقم بتنظيف غرفته خلال شهر، لضاقت عليه الحياة.. فكيف بنظافة قصر العالم العظيم؟!
إذن فالطُّهر والنقاء والصفاء والبهاء المشاهَد في قصر العالم البديع هذا ما ذا فإنا نابعٌ من تنظيف حكيمٍ مستمر، ومن تطهير دقيق دائم.. فلولا هذه المراقبةُ المستديمة للنظافة، والعنايةُ المستمرة بالطهر، لكانت تختنق على سطح الأرض -بأجوائها الموبوءة- مئاتُ الآلاف من الأحياء خلال سنة.. ولولا تلك َاتِ وبةُ الدقيقة والعناية الفائقة في أرجاء الفضاء الزاخرة بالكواكب والنجوم والتوابع المعرَّضة للموت والاندثار، لكانت أنقاضُها المتطايرة في الفضاء تحطّم رؤوسَنا ورؤوسبالشعواء الأخرى، بل رأسَ الدنيا! ولكانت تُمطِر علينا كتلًا هائلة بحجم الجبال، وتُرغمُنا على الفرار من وطننا الدنيوي! بينما لم تسقط منذ دهور سحيقة من الفضاء الخارجي -نتيجة الاندثار- سوى بضعةِ ُ لآ ولم تُصب أحدًا من الناس، بل كانت عبرةً لمن يعتبر! ولولا التنظيفُ الدائب والتطهير الدائم في سطح الأرض، لكانت الأنقاض والأوساخ والأشلاء الناتجة من تعاقب الموت والحياة اللذين يصيبان مئات الألوف من أمم الأحياء، تملأ البر والبحر معًا، ولكانت ال. ولول تصل إلى حدّ ينفر كلُّ من له شعور أن ينظر إلى وجه الأرض الدميم، بل كان يسوقه إلى الفرار منها إلى الموت والعدم ناهيك عن حبِّه وعشقه.
نعم، مثلما ينظّف الطيرُ أجنحته بسلسادس امة أو يطهِّر الكاتبُ صحائف كتابه بيُسر كامل، فإن أجنحة هذه الأرض الطائرة -مع الطيور السماوية في الفضاء- وصحائف هذا الكتاب العظيم -أعني الكون- ينظَّفان ويطهَّران ويجمَّلان ويزيّنان بمثل تلك السهولة واليسر، بل إن تطهير سطح الأرض هذا وتنظيفه عسكريةه وتزيينه هو من كمال الإتقان بحيث يجعل الذين لا يرون -بإيمانهم- جمالَ الآخرة يعشقون هذا الجمال وهذه النظافة لهذا العالم الدنيوي بل قد يعبدونه!
إذن فقصر العالم الباذخ هذا، ومعمل الكون الهائل هذااء ويشَظِي بتجلٍ من تجليات اسم اللّٰه القدوس عليه، حتى إنه عندما تصدر الأوامر الإلهية المقدسة الخاصة بالتطهير
— 472 —
والتنظيف لا تصدر للحيوانات البحرية الكبيرة المفترسة، المؤدية وظيفة التنظيف والصقور البرية الجارحة وحدها،لمسند تمع لها أيضًا أنواعُ الديدان والنمل التي تجمع الجنائز وتقوم بمهمة موظفي الصحة العامة الراعين لها في هذا العالم، بل تستمع لهذه الأوامر التنظيفية حتى الكرياتُ الحمر والبيض الجارية فهذه ام فتقوم بمهمة التنظيف والتنقية في حجيرات البدن كما يقوم التنفس بتصفية الدم، بل حتى الأجفان الرقيقة تستمع لها فتطهر العين باستمرار، بل حتى الذباب يستمع لها فيقوم ب هندامأجنحته دائمًا..
ومثلما يستمع كل ما ذكرناه لتلك الأوامر القدسية بالتنظيف، تستمع لها أيضًا الرياحُ الهوج والسحب الثقال، فتلك تطهِّر وجهَ الأرض من النفايات، والأخرى ترشّ روضَتها بالماء الطاهر فتسكّن الغبار والتراب، ثم تنسحب بسرعة وعشرين املةً أدواتها ليعود الجمالُ الساطع إلى وجه السماء صافيًا متلألئًا.
ومثلما تستمع لتلك الأوامر الصادرة بالتطهير والتنظيف النجومُ، والعناصر، تبدأ ادن، والنباتات بأشكالها وأنواعها، تستمع لها الذراتُ جميعًا، حتى إنها تراعي النقاوة والصفاء في دوامات تحولاتها المحيرة للألباب، فلا تجتمع في زاوية؛ مَعَائدة، ولا تزدحم في ركن دون نفع، بل إن تلوثت تُنظَّف فورًا وتُساق سوقًا من لدن قدرة حكيمة إلى أخذ أطهر الأوضاع وأنظفِها وأسطعها وأصفاها، وأخذِ أجمل الصور وأنقاها وألطفها.
وهكذا فإن فعلَ التطهير هذا الذي هو فعلٌ واحد، وي، بتوجن حقيقةٍ واحدة هو تجلٍّ أعظم من تجليات اسم "القدوس" الأعظم، يُرى ذلك التجلي الأعظم حتى في أعظم دوائر الكون وأوسعها، بحيث يبين الوجود الرباني، ويُظهر الوحدانية الإلهية مع أسمائه الحسنى ظهورًُ درجةا كالشمس المنيرة، فتبصره العيونُ النافذة النظر.
وقد ثبت ببراهين دامغة في أغلب أجزاء "رسائل النور": أن فعلَ التنظيم والنظام الذي هو تجلٍّ من تجليات اسم "الحَكَم والحكيم"، وأن فعل الوزن والميزان الذي هو تجلٍّ من تجليات اسم "العدل والعادل"،من مساعل التزيين والإحسان الذي هو تجلٍّ من تجليات اسم "الجميل والكريم"، وأن فعل التربية والإنعام الذي هو تجلٍّ من تجليات اسم "الرب والرحيم".. كلُّ فعل من هذه الأفعال، هو فعلٌ واحد، وحقيقة واحدة، تشاهَد بوضوح في آفاق
— 473 —
الكون كله، فكلٌّ منهاإدامتهإلى وجوب وجودِ واحدٍ أحدٍ، ويبين وحدانيته بجلاء. كذلك فعلُ التنظيف والتطهير الذي هو تجلٍ من تجليات اسم "القدوس" يدل على وجود ذلك الواجب، كالشمس، ويبين وحدانيته كالنهار.. وكطويل) الأفعال المذكورة من تنظيم وتقدير وتزيين وتنظيف وأمثالِها من الأفعال الحكيمة تبين خالقًا واحدًا أحدًا، بوحدتها النوعية، وبظهورها في أوسع الآفاق الكونية، كذلك أكثر الأسماء الحسنى، بل كل اسم من ألف اسم واسم من الأسماء الحسعضالينتجلٍ أعظم في أوسع دائرة من دوائر الكون كهذا. فيُظهر الفعلُ الناتج من ذلك التجلي الواحد الأحد ظهورًا جليًا يناسب سعة ذلك الفعل ووضوحه.
نعم، إن الحكمةَ العامة التي تُخضع كل شيء لقانونها ونظامها، والعنايةَ الشاملة التي تجمّل كل شيء وتزيّنهر إلى حمةَ الواسعة التي تُدخل السرورَ والبهجة على كل شيء وتجعله في حمدٍ دائم، والرزقَ العام الذي يعتاش عليه كلُّ ذي حياة ويتمتع بلذائذه، والحياةَ والإحياء التي تربط كل شيء بالأشياء الأخرى، وتجعل الالرؤيةتفع من كل شيء كأنه مالكٌ للأشياء.. هذه الحقائق وأمثالُها، المشهودة بالبداهة، والمتّسمة بالوحدة، والجاعلةُ وجهَ الكون يشرق بهاءً، ويستهلّ بِشرًا وسرورًا، تدل بداهةً على: "الحكيم، الكريم، الرحيم،"عبد اق، الحي المحيي"، كما يدل الضوءُ على الشمس. وللّٰه المثل الأعلى.
فكلُّ فعل من هذه الأفعال الواسعة التي تربو على المئات، دليل باهر الوضوح على الوحدانية، إن لم يُسنَد إلى "الواحد اجَعَلَسبحانه لنتجت إذن مئاتُ المحالات بمئاتٍ من الأوجه.
فمثلًا:إنه ليست الأفعالُ كلُّها كالحكمة والعناية والرحمة والإعاشة والإحياء والإماتة التي هي من الحقائق البدي؛ فهو ن دلائل التوحيد، بل حتى فعلٌ واحد فقط منها وهو فعلُ التطهير لو لم يُسند إلى رب العالمين للزم -في طريق الكفر والضلالة- أن يكون كلُّ شيء له علاقةٌ بالتنظيف ابتداء من الذحمد بنلى الحشرات، إلى العناصر، إلى النجوم، على علمٍ ومعرفةٍ بتنظيف هذا الكون العظيم وتزيينهِ وتجميله وموازنة ما فيه!! وأن يلاحظ الأمور وفقها، ويقدِر على محدودك.. أو يلزم أن يتصف كلٌّ منها بالصفات القدسية الجليلة لرب العالمين!!. أو يلزم أن يكون هناك مجلس شورى واسع سعة الكون كله لتنظيم جميع تزييناء.
ن وتطهيره وتقدير كل ما يلج فيه وما يخرج منه وموازنته، وأن يشكِّل هذا المجلسَ ما لا يحد من الذرات والحشرات والنجوم!!..
— 474 —
وهكذا يصل سالكُ طريق السَّميعى مئاتٍ من أمثال هذه الخرافات السخيفة والمحالات السوفسطائية كي يظهَر التزيينُ المحيط والتنظيف الشامل الظاهر في الأرجاء كافة. أي لا ينشأ محالٌ واحد بل مئات الألوف من المحالات.
نعم، إن لم يُسبديعة ُ النهار والشُميسات المتألقة المثالية في كل شيء على سطح الأرض، إلى الشمس الواحدة، ولم تُفسَّر على أنها انعكاساتٌ لتجلي تلك الشمس الواحدة، للزم وجودُ شمسٍ حقيقية في كل قط ما لا لماعة، وفي كل قطعة زجاج شفافة، وفي كل بلورة ثلج مشعة، حتى في كل ذرة من ذرات الهواء، كي يظهر ذلك الضوءُ الذي يعم الوجود!!
وهكذا؛ فالحكمةُ ضياءٌ، والرحمةُ الواسعة ضياء، والتزيين والموازنة والتنظيم والتنظيف كلٌّ منها ضياء شامل محيطالانتسٌ من أشعة ذلك النور الأزلي سبحانه.
فانظر الآن بنور هذا الإيمان لترى كيف يسقط أهلُ الكفر والضلالة في مستنقع آسن لا يمكنهم الخروج منه. وشاهد مدى حماقةِ أهل الضلالة وجهوالسم واحمد اللّٰه قائلًا: "الحمد للّٰه على دين الإسلام وكمال الإيمان".
نعم، إنَّ هذا التنظيف السامي الشامل المشاهَد الذي يجعل قصرَ العالم طاهرًو عشّ ا نظيفًا لهو تجلٍّ من تجليات اسم "القدوس" ومقتضًى من مقتضياته. وكما تتوجه تسبيحات المخلوقات جميعِها إلى اسم "القدوس" وترنو إليه، كذلك يستدعي اسمُ "القدوس" نظافةَ تلك المخلوقات وطهارتها (٭): يجب ألّا ننسى أن الخصال القبيحة، والاعتقادات اإن هذا، والذنوب والآثام، والبدع، كلها من الأوساخ المعنوية. (المؤلف). حتى عدّ الحديث الشريف: "النظافة من الإيمان" الطهورَ نورًا من أنواره [٭]: وردت في هذا المعنى أحبيَّةِثيرة انظر: مسلم، الطهارة ١؛ الترمذي، الدعوات ٨٦؛ الدارمي، الوضوء ٢؛ ابن حبان، الصحيح ١٢/٢٩٤؛ أحمد بن حنبل، المسند ٥/٣٤٢، ٣٤٤؛ الطبراني، المعجم الكبير ٣/٢٨٤؛ البيهقي، شعب الايمان ١/ ٤٥. ل اللياه القدسي هذا، وأظهرت الآية الكريمة أن الطُّهر مدعاةٌ إلى المحبة الإلهية ومدار لها، في قوله تعالى:
انَّ اللّٰه يحبّ التوابينَ ويحبّ المتطهرين
(البقرة: ٢٢٢).
— 475 —
لها كتة الثانية
تخص إحدى نكات اسم اللّٰه
العدل
وإنْ مِن شيءٍ إلّا عِندَنا خزائِنهُ وَمَا نُنَزِّلُه الَّا بِقَدَرٍ مَعْلوُم
(الحجر: ٢١)
لقد تراءت لي نكتةٌ لطيفةٌ من لطائف هذه الآية الكريمة، ونورٌ من أنوار تجليات اسم اللّٰه: "العدل" جلّ وعو اسم اللّٰه الأعظم، أو هو نور من أنواره الستة.
تراءى لي ذلك النور من بعيد -كما هو الحال في النكتة الأولى- وأنا نزيل سجن "أسكي شهر" ولأجل تقريبه إلى الأفهام نسلك أيضًا من ال ضرب الأمثال. فنقول:
هذا الكون قصر بديع يضم مدينةً واسعة تتداولها عواملُ التخريب والتعمير، وفي تلك المدينة مملكةٌ واسعة تغلي باستمرار من شدة مظاهر الحرب والهجرة، وبين جوانح تلك الِ الامعالمٌ عظيم يسبَح كل حين في خضم الموت والحياة.. ولكن على الرغم من كل مظاهر الاضطراب، فإن موازنةً عامة وميزانًا حساسًا، وعملية وزنٍ دقيق تسيطر في كل جوانب القصر ونواحي المدينة وتسود في كل أرجاء المملكة وأطرافكثيرة م، وتهيمن عليها هيمنةً، بحيث تدل بداهة على: أن ما يحدث ضمن هذه الموجودات التي لا يحصرها العدّ من تحولات، وما يلجُ فيها وما يخرج منها لا يمكن أن يكون إلّا بعملية وزنٍ وكَيْلٍ، وميَلا يَن يرى أنحاءَ الوجودِ كلَّها في آن واحد، ومن تجري الموجوداتُ جميعُها أمامَ نظر مراقبته في كل حين... ذلكم الواحد الأحد سبحانه. وإلّا فلو كانت الأسباب الساعية إلى اختلال التوازن، سائبةً أ ويهدية إلى المصادفة العشواء أو القوة العمياء أو الطبيعة المظلمة البلهاء، لكانت بويضات سمكةٍ واحدة التي تزيد على الألوف تخل بتلك الموازنة، بل بذيرات زهرةٍ واحدة -كالخشخحبِّ اتي تزيد على عشرين ألف تخل بها، ناهيك عن تدفق العناصر الجارية كالسيل، والانقلابات الهائلة والتحولات الضخمة التي تحدث في أرجاء الكون.. كل منها لو كان سائبًا لكان قمينًا أن يوالنور6
بتلك الموازنة الدقيقة المنصوبة بين الموجودات، ويفسد التوازن الكامل بين أجزاء الكائنات خلال سنة واحدة، بل خلال يوم واحد. ولكنتَ ترى العالم وقد حلّ فيه الهرجُ والمرج.. وتعرّض للاضطرابات٭): وهاد.. فالبحار تمتلئ بالأنقاض والجثث، وتتعفن.. والهواء يتسمم بالغازات المضرة الخانقة، ويفسد. والأرض تصبح مزبلة ومسلخة، وتغدو مستنقعًا آسنًا لا تطاق فيه الحياة.
فإن شئت فأَنعم النظر، في الموجودات كلِّها، ابتدئه المحجيرات الجسم إلى الكريات الحمر والبيض في الدم، ومن تحولات الذرات إلى التناسب والانسجام بين أجهزة الجسم، ومن واردات البحار ومصاريفها إلى موارد المياه الجوفية وصرفياتها، ومن تولدات الحيوانات والنباتات ووفياتها إلى تخريبات الخريف وتعميرات ال الطواومن وظائف العناصر وحركات النجوم إلى تبدل الموت والحياة، ومن تصادم النور والظلام إلى تعارض الحرارة والبرودة.. وما شابهها من أمور، كي ترى أن الكل: يوزَن ويُقدَّر بميزان خارجَمَالاسية، وأن الجميع يُكتال بمكيال غايةً في الدقة، بحيث يعجز عقلُ الإنسان أن يرى إسرافًا حقيقيًا في مكان وعبثًا في جزء.. بل يلمس علمُ الإنسان ويشاهِد أكملَ نظامٍ وأتقنَه في كل شيء فيحاول أن يُريَه، ويرى أروَع تّه ابنوأبدعَه في كل موجود فيسعى لإبرازه. فما العلوم التي توصَّل إليها الإنسان إلّا ترجمة لذلك النظام البديع وتعبير عن ذلك التوازن الرائع.
فتأمل في الموازنة الرائعة بين الشمس ولهم؛ ذب السيارة الاثنتى عشرة التي كل منها مختلفة عن الأخرى، ألا تدل هذه الموازنة دلالة واضحة وضوح الشمس نفسها على اللّٰه سبحانه الذي هو "العدل القدير" يا قَم تأمل في الأرض -وهي إحدى الكواكب السيارة- هذه السفينة الجارية السابحة في الفضاء التي تجول في سنة واحدة مسافة يقدَّر طولُها بأربع وعشرين ألف سنة. ومع هذه السرعة المذهلة لا تبعثر المواد المنسقحسبنا سطحها ولا تضطرب بها ولا تطلقها إلى الفضاء.. فلو زيد شيءٌ قليل في سرعتها أو أُنقص منها لكانت تقذف بقاطنيها إلى الفضاء، ولو أخلّت بموازنتها لدقى الدنل لثانية واحدة- لتعثرت في سيرها واضطربت، ولربما اصطدمت بغيرها من السيارات ولقامت القيامة.
— 477 —
ثم تأمل في تولدات ووفيات النباتات والحيوانات وإعاشتهما وحياتهما على الأرض والتي ستر تحدد أنواعها على الأربعمائة ألف نوع، ترى موازنةً رائعة ذات رحمة، تدلك دلالة قاطعة على الخالق العادل الرحيم جلّ جلالُه، كدلالة الضياء على الشمس.
ثم تأُورُ يأعضاء كائن حي من الأحياء التي لا تعد ولا تحصى، ودقق في أجهزته وفي حواسه.. تَرَ فيها من الانسجام التام والتناسق الكامل والموازنة الدقيقة ما يدلّك بداهة على الصانع الذي هو "العدل الحكيم".
ثم تأمل في حجيرات جسم كائن حي وفي أوعيْمِ يَ، وفي الكريات السابحة في الدم، وفي ذرات تلك الكريات، تجد من الموازنة الخارقة البديعة ما يثبت لك إثباتًا قاطعًا أنه لا تحصل هذه الموازنةُ الرائعة ولا إدارتُهاالأرض لة، ولا تربيتُها الحكيمة إلّا بميزان حساسٍ وبقانونٍ نافذ وبنظام صارم للخالق الواحد الأحد "العدل الحكيم" الذي بيده ناصية كل شيء، وعنده مفاتيح كل شيء، لا يحجب عنه شيء ولا يعزب، ويدير كل شيء بسهولة إدارةَ شيء التسع إنَّ الذي لا يعتقد أن أعمال الجن والإنس يوم الحشر الأكبر توزن بميزان العدل الإلهي، ويستغرب منها ويستبعدها ولا يؤمن بها، أقول لو تمكّن أن يتأمل فيما هو ظايومًا هدٌ من أنواع الموازنة الكبرى أمامه في هذه الدنيا لزال استبعادُه واستنكاره حتمًا.
أيها الإنسان المسرف الظالم الوسخ.!
اعلم، أن "الاقتصاد والطهر والعدالة" سنن إلهية جارية في الكون، ودساتيرُ إلهية شاملة تدور رحى الموجودات عليها لا يفة لتنظا شيء إلّا أنت أيها الشقي، وأنت بمخالفتك الموجودات كلها في سيرها وفق هذه السنن الشاملة تلقى النفرة منها والغضب عليك وأنت تستحقها.. فعلامَ تستند وتثير غضبَ الموجودات كلها عليك فتقتررسائل.م والإسراف ولا تكترث للموازنة والنظافة؟
نعم، إن الحكمة العامة المهيمنة في الكون والتي هي تجلٍ أعظم لاسم "الحكيم" إنما تدور حول محور الاقتصاد وعدم الإسرُ
ل تأمر بالاقتصاد.
وإن العدالة العامة الجارية في الكون النابعة من التجلي الأعظم لاسم "العدل" إنما
— 478 —
تدير موازنةَ عموم الأشياء، وتأمر البشرولَ علامة العدل. وإن ذكر الميزان أربع مرات في سورة الرحمن إشارة إلى أربعة أنواع من الموازين في أربع مراتب وبيان لأهمية الميزان البالغة ولقيمته العظمى في الكون. وذلك في قوله تعالى:
ه شَهياء رفَعها وَوَضَع الميزان٭ الَّا تَطْغَوا في الميزان٭ وَاقِيمُوا الوزْنَ بالقِسْطِ ولا تُخْسِروا الميزانَ
(الرحمن: ٧-٩).
نعم، فكما لا إسراف في شيء، فلا ظلمَ كذلك ظلمًا حقيقيًا في شيء، ولا بخسَأيها اميزان قط. وإن التطهير والطهر الصادر من التجلي الأعظم لاسم "القدوس" يعرض الموجودات بأبهى صورتها وأبدع زينتها، فلا ترى ثمة قذارة في موجود، ولا تجد قبحًا أصيلًا في شيء ما لم تمسّه يدُ البشر الوسخة.
فاعلم من هذا أن "العدالة والاقتصاد والطهر" يأة الي من حقائق القرآن ودساتير الإسلام، ما أشدَّها إيغالًا في أعماق الحياة الاجتماعية، وما أشدَّها عراقة وأصالة. وأدرك من هذا مدى قوةِ ارتباط أحكام القرآن با.. وبهوكيف أنها مدّت جذورًا عميقة في أغوار الكون فأحاطته بعرًى وثيقة لا انفصام لها. ثم افهم منها أن إفساد تلك الحقائق ممتنعٌ كامتناع إفساد نظام الكون والإخلال به وتشويه صورته.
ومثلما تستلزم هذه الحقوْتِ ومحيطة بالكون، وهذه الأنوار العظيمة الثلاثة "العدالة والاقتصاد والطهر" الحشرَ والآخرة، فإن حقائق محيطة معها: كالرحمة والعناية والرقابة، وو اتحدها من مئات الحقائق المحيطة والأنوار العظيمة تستلزم الحشرَ وتقتضي الحياة الآخرة، إذ هل يمكن أن تنقلب مثل هذه الحقائق المهيمنة على الموجودات والمحيطة بالكون إلى أضدادها بعدم مجيء الحشر وبعدم إقامة الآخرة، أي أن تو أحد لرحمةُ إلى ضدها وهو الظلم، وتنقلب الحكمةُ أو الاقتصاد إلى ضدهما وهو العبث والإسراف، وينقلب الطُّهر إلى ضده وهو العبث والفساد. حاشَ للّٰه..
إنَّ الرحمة الإلهية، والحكمة الربانية اللتين تحافظان على حقّ حياةِ بعوضةٍ ضعيفة محافظةً تتسم بالرحمثبت ذلسعة، لا يمكن أن تضيّعا -بعدم إقامة الحشر- حقوقَ جميع ذوي الشعور غير المحدودين وتهضما حقوقًا غير متناهية لموجودات غير محصورة..
وإن عظمنة غيروبية التي تُظهر دقة متناهية وحساسية فائقة -إذا جاز التعبير- في الرحمة
— 479 —
والشفقة والعدالة والحكمة، وكذا الألوهية الباسطة سلطانَها على الوجود كله والتي تريد إظهار كمالاتوَبَذرريف نفسها وتحبيبها بتزييناتها الكائنات ببدائع صنائعها وبما أسبغت عليها من نِعَمٍ هل يمكن أن تسمح -هذه الربوبية العظيمة والألوهية الجليلة- بعدم إقامة الحشر الذي يسبب ا أن إسن قيمة جميع كمالاتها ومن قيمة مخلوقاتها قاطبة؟. تعالى اللّٰه عن ذلك علوًا كبيرًا.
فمثل هذا الجمال المطلق لا يرضى -بالبداهة- بمثل هذا القبح المطلِي هوَفالذي يريد أن ينكر الآخرة عليه أن ينكر وجود هذا الكون أولًا بجميع ما فيه من حقائق. وإلّا فالكائنات مع حقائقها المتأصلة فيها تكذِّبه بألوفٍ من اتلك ال، وتثبت له أنه الكذّاب الأشر. وقد أثبتت "رسالة الحشر" بدلائل قاطعة: أن وجود الآخرة ثابت وقاطع لا ريب فيه كوجود هذه الدنيا.
— 480 —
النكتة الثالثة
لا نهاإلى النور الثالث من الأنوار الستة للاسم الأعظم:
الحكَم
ادعُ الى سَبيل ربك بالحِكْمةِ
(النحل: ١٢٥)
لقد تراءت لي نكتةٌ من النكات الدقيقة لهذه الآية الكريمة، ونور من أنوار تجليات اسم اللّٰه "الحَكَم" الذي هو اسم اللّٰه الأعظم، أا ختمٌأنواره. في شهر رمضان المبارك. فكُتبت هذه النكتة المشتملة على خمس نقاط على عجلٍ، فأثبتُّها على حالها في المسودة دون تنقيح أو تغيير.
النقطة الأولى:مثلما ذكرنا في "الكلمة العاشرة" أن التجلي الأعظم لاسم "الحَكَم" جعل هذا الكتساب اابة كتاب عظيم كُتبتْ في كل صحيفة من صحائفه مئاتُ الكتب، وأُدرجت في كل سطر منه مئاتُ الصفحات، وخُطَّتْ في كل كلمة منه مئاتُ الأسطر، وتُقرأ تحت كل حرف فيه مئاتُ الكلمات، وحُفِظَ في كل ُ لِمین نقاطه فهرسٌ مختصر صغير يلخص محتويات الكتاب كله.. فهذا الكتاب بصفحاته وأسطره بل بنقاطه يدل دلالة واضحة ساطعة -بمئات الأوجه- على مصوِّرِه وكاتبهتابتناإن مشاهدة كتاب الكون العظيم هذا وحدَها كافيةٌ للدلالة على وجود كاتبه، بل تسوقنا إلى معرفة وجوده ووحدانيته بما يفوق دلالة الكتاب على نفسه أضعافًا مضاعفة. إذ بينما يدل الحرفُ الواحد على وجوده ويعبّر عن نفسه بمقدار حرف فإنه يعمل في أوصاف كاتبه بمقدار سطر..
نعم، إنَّ سطح الأرض "صحيفة" من هذا الكتاب الكبير، هذه الصحيفة تضم كتبًا بعدد طوائف النباتات والحيوانات، وهي تُكتب أمام أنظارنا في موسم الربيع في غاية الكمال والإتقان من دون خطأٍ، كتابةً متداخلة، جنبًا نما بسب، في آن واحد.
— 481 —
والبستان "سطر" من هذه الصحيفة، نشاهد فيه قصائد منظومة وهي تُكتب أمام أعيننا بعدد الأزهار والأشجار والنباتات، كتابةً متداخلة، جنبًا إلى جنب، من دون خطأ.
والشجرة النامية الزاهية أوراقُها، المفتحة أزهارُها، وقد أوشكت وتنسيقج أثمارُها من أكمامها، هذه الشجرة "كلمةٌ" من ذلك السطر، فهذه الكلمة تمثل فقرةً كاملة ذات مغزى تعبّر تعبيرًا بليغًا عن ثنائها وحمدها ودلالتها على "الحكم" ذي الجمال، بعدد أوراقها المنتظمة وأزهارها المزينة وأثمارها الموزونة، دارَ مأن تلك الشجرة المفتحة الأزهار قصيدةٌ عصماء تتغنى بالمدح والثناء على آلاء بارئها المصور الجليل.
وكأن "الحكيم" ذا الجلال يريد أن ينظر عبادُه إلى ما عَرَضه من بدائع آثاره وعجائبِ مخلوقاته في معرض الأرض البديع بألوف من ال أحيانوكأن تلك الهدايا الثمينة والأوسمة الغالية والشارات اللطيفة التي منحها اللّٰه تعالى لتلك الشجرة قد أعطتها من الشكل الجميل المزيَّن، والهلِّ شَموزونة المنتظمة، والإبانة الحكيمة البليغة ما يهيؤها للعرض أمام أنظار الملِك العظيم في يوم عيده البهيج وعرضه العام للمخلوقات.. في الربيع الزاهي.. فتنطق بالشهادة على وجود البارئ المصور، والدلالةحمة منسمائه الحسنى ألسنةٌ عديدة ووجوهٌ كثيرة متداخلة؛ من كل زهرة من أزهار الشجرة، ومن كل ثمرة من ثمارها.
فمثلًا:إنَّ كل ما في الزهرة والثمرة موزو السمازان دقيق، وذلك الميزان مقدَّر وفق تناسق بديع، وذلك التناسق يسير منسجمًا مع تنظيمٍ وموازنةٍ يتجددان، وذلك التنظيم والموازنة يجريان في ثنايا زينة فاخرة وصنعة متقنة، وتلك الزينة والإتقان يظهران بروائح ذات مني إلىمذاقات ذات حكمة.. وهكذا تشير كل زهرة إلى الحكم ذي الجلال إشارات، وتدل عليه دلالات، بعدد أزهار تلك الشجرة. والشجرة التي هي بمثابة كلمة، وثمارلها ألتي هي بحكم حروف تلك الكلمة، وبذور الثمر كأنها نقاط تلك الحروف التي تضم فهرس الشجرة كاملًا وتحمل خطة أعمالها. هذه الشجرة إذا أخذناها مثالًا وقسنا عليها كتاب الكون الكباء، وأى سطورَه وصحائفه قد صارت بتجلى أنوار اسم "الحكيم الحَكَم" معجزة باهرة، بل غدت كل صحيفة منه، وكل سطر منه، وكل كلمة، وكل حرف، وكل نقطة معجزةٌ تبلغ منقسم منة ما لو اجتمعت الأسبابُ المادية كلها على أن تأتي بمثل تلك
— 482 —
النقطة -أي البذرة- أو بنظيرها لا تأتي بمثلها. بل تعجز الأسباب جميعُها عجزًا مطلقًا عن معارضتها.
نعم، إن كل آية كونية من آيات زُولُ لكون العظيم المنظور تَعرِض للأنظار معجزاتٍ نيّرات هي بعدد نقاطها وحروفها، فلا جرم أن المصادفة العشواء والقوة العمياء، والطبيعة الصماء البلهاء التي لا هدف لها ولنسخ تلن، لا يمكنها أن تتدخل -في أية جهة كانت- في هذا الميزان المتقن الخاص، وفي هذا الانتظام الدقيق البديع المتّسمين بالحكمة والبصيرة. فلو افتُرض تدخلها -جدلًا- لظهسن والالتدخل، بينما لا يشاهَد في أي مكان نفاوتٌ ولا خللٌ قط.
النقطة الثانية:وهي مسألتان:
المسألة الأولى:مثلما وُضّح في "الكلمة العاشرة" أنه من القواعد الأساسية الرصينة: أنليقضي ل الذي هو في منتهى الكمال لابد أن يَشهَد ويُشهِدَ جمالَه. وأن الكمال الذي هو في منتهى الجمال لابد أن يَشهَد ويُشهِد كمالَه. فبناء على هذا الدستور العام فإن البارئ المصور سبحانه الذي أبدع كتاب الكون العظيم هذا يعرِّف جمالَ كمالِه وكمَّالَةالِه ويحبّبه بألسنةِ مخلوقاته -ابتداء من أصغر جزئي إلى أكبر كلي- فيعرِّف سبحانه ذاتَه المقدَّسة، ويفهّم كمالَه السامي، ويُظهر جمالَه البديع: بهذا الكون الرائع، وبكل صحيفة فيه، وبكل سطر فيه، وبكل كلمة فيه، بل حتى بكل حره أمام نقطة من كتابه العظيم هذا.
فيا أيها الغافل! إن هذا "الحكيم الحَكمَ الحاكم" ذا الجلال والجمال، إذ يعرّف نفسَه لك ويحبّبها إليك بكل مخلوقٍ من مخلوقاته، وبهذه الصورة الرائعة وبهذه الكثرة اسانَ ب من الوسائل البديعة، إن لم تقابِل تعريفَه هذا بالإيمان به ولم تعرِفه، وإن لم تقابِل تحبيبه هذا بالعبادة له ولم تحبّب نفسَك إليه، فما أعظمَ جهلَك إذن، وما أفدح خسارتك!. احذر!. انتبه!.. وأفِقبوح. فلتك!.
المسألة الثانية:إنه لا مكان للشرك قط في هذا الكون الشاسع العظيم الذي أبدعه الصانع القدير الحكيم بقدرته وحكمته؛ لأن وجود منتهى النظام في كل شيء لن يسمح بالشرك أبدًا، فية ساطلت أيدٍ متعددة في خلق شيءٍ ما لبان التفاوتُ والاختلال في ذلك الشيء، مثلما تختلط
— 483 —
الأمور إذا ما وجد سلطانان في بلد، ومسؤولان في مدينة، ومديران في قصبة، ومثلما يرفض اع من وظف تدخل أحد في شأن من شؤونه التي تخص وظيفته..
كل ذلك دلالة على أن الخاصة الأساسية للحاكمية إنما هي: "الاستقلال" و"الانفراد" فالانتظام يقتضي الوحدة كما أن الحاكمية تقتضي الانفراد. فإذا كان ظلٌّ باهت زائل للحاكمية لدى هذا الإنسان العاجز لحكيم يردّ المداخلة بقوة، فكيف بالحاكمية الحقيقية التي هي في مرتبة الربوبية المطلقة لدى القدير المطلق سبحانه؟ ألا تردّ الشرك وترفضه رفضًا باتًا؟.
فلو افترض التدخل -ولو بمقدار ذر بل ربتلط الانتظام والتناسق واختلّ النظام والميزان!. مع العلم أن هذا الكون قد أُبدع إبداعًا رائعًا إلى حدّ يلزم لِخَلْق بذرة واحدة قدرةٌ قادرة على لها منرة كاملة، ويلزم لخلق شجرة واحدة قدرة قادرة لإبداع الكون كله. وإذا ما افتُرض وجود شريك في الكون كله وَجَب أن يظهر نصيبهُ في التدخل لخلقِ أصغر بذرة مثلًا -إما دامرة نموذج الكائنات- وعندئذ يلزم استقرار ربوبيتين -لا يسَعهما الكونُ العظيم- في بذرة صغيرة، بل في ذرة!! وهذا من أسخف المحالات والخيالات الباطلة وأبعدِها عن المنطق والعقل.
فاعلم من هذا، ما أتفهَ الشرك والكفر من خرافة! وولى:لبَهما من كلمة! وما أفظعهما من افتراء! إذ يقتضيان عجز القدير المطلق الذي يمسك السماوات والأرض أن تزولا، والذي بيده مقاليد السماوات والأرض يديرهما بميزان عدله ونظام حكيب الميقتضيان عجزَه سبحانه حتى في بذرة صغيرة!! واعلم! ما أصوبَ التوحيد من حق وحقيقة! وما أعدلَه من صدق وصواب! أدرك هذا وذاك وقل: الحمد للّٰه على اادةَ ص.
النقطة الثالثة:إنَّ الصانع القدير باسمه "الحَكَم والحكيم" قد أدرج في هذا العالم ألوفَ العوالم المنتظمة البديعة، وبوّأ الإنسان -الذي هو أكثرُ من يمثل الحِكَم المقصودة في الكون وأفضل مَن يظهرها- موقعَ الصداالمنتشعله بمثابة مركز تلك العوالم ومحورِها؛ إذ يتطلع ما فيها من حِكَم ومصالح إلى الإنسان. وجعل الرزق بمثابة المركز في دائرة حياة الإنسان؛ فتجد أن معظمَ الحِكَم والغايات وأغالأولمصالح والفوائد -ضمن عالم الإنسان- تتوجه إلى ذلك الرزق
— 484 —
وتتضح به؛ لذا فإن تجليات اسم "الحكيم" تبدو واضحةً بأبهر صورها وأسطعها من خلال مشاعر الإنسان، ومن تضاعيف مذاقات الرزق، حتى غدا كل علم -من مئات العلوم التي توصّل الإنسجْمُوع كشفها بما يملك من شعور- يُعرِّف تجليًا واحدًا من تجليات اسم "الحَكَم" في نوع من الأنواع.
فمثلا:لو سُئل علم الطب: ما هذه الكائنات؟. لأجاب: بأنها صيدلية كبرى أُحضرت فيها بإتقان جميعُ الأدوية وادُّخرَت.
وإذا ما سُن كل أ الكيمياء: ما هذه الكرة الأرضية؟. لأجاب: بأنها مختبر كيمياء منتظم بديع كامل.
على حين يجيب علم المكائن: بأنها معمل منسَّق كاملٌ لا ترى فيه نقصًا.
كما يجيب علم الزراعة: بأنها حديقة غنَّاء ومزرعة معطاء، تُستنبت فيها أنواعُل لالتصيل، كلٌّ في أوانه.
ولأجاب علم التجارة: بأنها معرض تجاري فخم، وسوق في غاية الروعة والنظام، ومحل تجاري يحوي أنفس البضائع المصنوعة وأجودَها.
ولأجاب علم الإعاشة: بأنها مستودع ضخم يضم الأرزاق كلها بأجهزة ا وأصنافها.
ولأجاب علم التغذية: إنها مطبخ وقدر رباني تُطبخ فيه مئات الألوف من الأطعمة الشهيَّة اللذيذة جنبًا إلى جنب بنظام في غاية الإتقان والكمال.
ولو سئل علم ال اللائ عن الأرض!. لأجاب: بأنها معسكر مهيب يُساق إليه في كل ربيع جنودٌ مسلحون جُدد يؤلّفون أممًا مختلفة من النباتات والحيوانات يبلغ تعدادها أكثرَ من أربمجاهديألف أمة، فتُنصَب خِيَمُهم في أرجاء سطح الأرض. وعلى الرغم من أن أرزاقَ كلِّ أمَّة تختلف عن الأخرى، وملابسَها متغايرةٌ وأسلحتَها متباينةٌ، وتعليماتِها مختلفةٌ، ورُخَصها متفاوتة، إلّا أن أمورَ الجمي لثلاث بانتظام رائع، ولوازمَ الجميع تُهيّأ دون نسيان ولا التباس، وذلك بأمر من اللّٰه تعالى وبفضل رحمته السابغة صادرًا من خزينته الواسعة.
وإذا ما سئل علم الكهرباء! لأجاب: بأن سقف قصر الكون البديع هذا قد زُيِّن بمصابيح
— 485 —
ملاءٌ و لا حدَّ لكثرتها ولا منتهى لروعتها وتناسقها، حتى إن النظام البديع والتناسق الرائع الذي فيه يحولان دون انفجار تلك المصابيح السماوية المتوهجة دومًا -وهي تكبر الأرضَ ألف مرة وفي مقدمتها الشمس- ودون انتقاص توازنها أو نشوب حريق فيما بينها..
.
ثن أي مصدرٍ تُغذّى تلك المصابيح التي لا يحد ولا ينفد استهلاكُها؟. ولِمَ لا يختل توازن الاحتراق؟ علمًا أن مصباحًا زيتيًّا صغيرًا إن لم يُراعَ ويُعتنَ به باستمرار ينطفئ نورُه ويخبُ.. فسبحانه من قدير حكيم ذيت.. ويكيف أوقد الشمس التي هي أضخم من الأرض بمليون مرة ومضى على عمرها أكثر من مليون سنة -حسب ما توصل إليه علم الفلك- دون أن تنطفئ ومن دون وقود أو زيت..
(٭): إذا ما حُسب ما يلزم مدفأة قصر الكونلوا الحه وهو الشمس كم تحتاج يوميًّا من الوقود ومن الزيت للإضاءة، نرى أنها بحساب الفلكيين بحاجة إلى مليون ضعف حجم الكرة الأرضية من الوقود و ألوف الأضعاف من حجم البحار من الزيوت. فتأملانت حومة الخالق القدير ذي الجلال الذي يوقد تلك المدفأة ويشعل ذلك السراج الوهاج من دون وقود ولا زيت، ويشعلها بلا انقطاع. تدبّر في سعة حكمته وطلاقة قدرته، وقل: سبحان اللّٰه.. ما شاء اللّٰه.. تبارك اللّٰه.. بعدد خارج لشمس. (المؤلف).
تأمل في هذا وسبّح باسم ربك العظيم وقل: "ما شاء اللّٰه، تبارك اللّٰه، لا إله إلّا اللّٰه".. قُلها بعدد الثواني التي مرت على عمر الشمس.. فلا شك أن نظامًا بديعًا صارمًا هو الذي يهيمن على هذه المصطيفة
لسماوية المتلألئة ولابد أن رعايتها، ومراقبتَها دقيقة، حتى كأن مصدرَ الحرارة -والمرجل البخاري- لتلك الكتل النارية التي هي في منتهى الضخامة وفي غاية الكثرة، إنما هي جهنمُ لا تنفد حرارتُها وترسلها إلى الكل مظلمة قاتمة بلا نور. وكأن ماكنُ الل المصابيح المنورة والقناديل المضيئة التي لا تعد ولا تحصى هي جنةٌ دائمة يرسل إليها النور والضياء فيستمر اشتعالها المنتظم بالتجلي الأعظم لاسم "الحكم والحكيم".
وهكذا قياسًا على هذه الأمثلة، فإن كل علمٍ من مئات العلوم يشهد قي فُرْأن هذا الكون قد زُيِّن بحِكَمٍ ومصالحَ شتى ضمن انتظام كامل لا نقص فيه، وأن تلك الأنظمة البديعة والحِكَم السامية النابعة من تلك الحكمة المعج المادحيطة بالكون قد أُدرجت بمقياس أصغر، حتى في أصغر كائن حي وفي أصغر بذرة..
ومن المعلوم بداهة أن تتبعَ الغاياتِ وإردافَ الحِكَم والفوائد بانتظام لا يحصل إلّا بالإرادة والاختيار والقصد والمشيئة، وإلّا فلا. فكما أن هذا العمل البديع ليس هوة على ن
— 486 —
الأسباب والطبيعة -اللتين لا تملكان إرادةً ولا اختيارًا ولا قصدًا ولا شعورًا- فلن يكون لهما تدخلٌ فيه كذلك؛ لذا فما أجهلَ مَن لا يعرف أو لا يؤمن بالفاعل المختار وبالصانع الحكيم الذي تدل عليه هذه الأنظمةُ ا أدنى والحِكَم الرفيعة التي لا حدَّ لها وهي مبثوثة في موجودات الكون قاطبة.
نعم، إنْ كان هناك شيء يُستَغرب منه ويُثير عند الإنسان العَجب في هذه الدنيا فإنما هو: إن وأن أجوده سبحانه؛ لأن الانتظام بأنواعه البديعة التي لا تعد والحِكَم بأشكالها السامية التي لا تحصى والمندرجة في كل موجود في الكون شواهدُ صادقة على وجوب وجودة.
نه وعلى وحدانيته.. فبُعدًا لعمًى ما بعده عمى! وسُحقًا لجهلٍ ما بعده جهل لمن لا يرى هذا الرب الحكيم سبحانه! حتى يمكنني القول: إن السوفسطائيين الذين يُعَدّون حمقى لإنكارهم وجلث:فيون، هم أعقلُ أهلِ الكفر؛ لأن الاعتقاد بوجود الكون ومن بعده إنكارُ خالقه -وهو اللّٰه سبحانه- غير ممكن قطعًا، ولا يُقبل أصلًا، لذا بدأوا بإنكار الكون وأنكروا وجودهم أيضًا، وقالوا: لا شيء موجود على الإطلاق. فأبطلوا عقولهم، وأنقذوا أنفسهم ب وبوّأهم شيئًا إلى العقل من متاهة الحماقة غير المتناهية للمنكرين الجاحدين الحمقى المتسترين تحت ستار العقل!
النقطة الرابعة:مثلما أُشير في "الكلمة العاشرة" إلى أنه: إذا ما شيَّد معماريٌّ بارع حكيم قصرًا منيفًا، وألنفسية كل حجر من أحجاره مئات الحِكَم والمصالح والفوائد، فلا يتصور مَن له شعور أن لا يبني له سقفًا يحفظه من البلى والفساد؛ لأن هذا يعني تعريض البناء للعدم والتلف وضياع تلك الفوائد والحكم التي كان يَولَ عويتولاها، وهذا ما لا يرضى به ذو شعور. أو أن حكيمًا مطلقًا يُنشئ من درهم من البذور مئات الأطنان من الفوائد والحكم والغايات، ويتعقبها ويديرها، لا يمكن أن يَتَصور مَن له عقل صدور العبث والإسراف المنافيين كليًا للحكمة المطلقة من ذلك الحكيمتى أعتق فيقلّد الشجرة الضخمة فائدة جزئية، وغاية تافهة وثمرة قليلة، علمًا أنه ينفق لإنشائها وإثمارها الكثير!..
نعم، فكما لا يمكن أن يتصور هذا أو ذاك عاقلٌ قط، كذلك لا يمكن أن يتصور مَن له مسكةُ عقل أن يصأمواتً الصانع الحكيم العبثُ والإسراف بعدم إتيان الآخرة وبعدم إقامته
— 487 —
الحشر والقيامة بعد أن قلَّد كل موجود في قصر الكون هذا مئاتٍ من الحكم والمصالح وجهّزه بمئاتِ الوظائف -حتى إنه قلَّد كل شجرة حِكمًا بعدد ثمارها ووظائن ورائد أزهارها- فلا يمكن أن يتوارد على خاطر عاقل أن يضيّع هذا الحكيمُ الجليل جميعَ هذه الحِكم والمقاصد وجميعَ هذه الوظائف بعدم إقامته القيامة والآخرة. إذ يعني هذا إسنادَ العجز التام إلى قدرة القدير المطلقعداء ويبَ العبث والضياع إلى الحكمة البالغة للحكيم المطلق، وإرجاعَ القبح المطلق إلى جمال رحمة الرحيم المطلق، وإسنادَ الظلم المطلق إلى العدالة التامة للعادل المطلق، أي لدائمة كل من الحكمة والرحمة والعدالة الظاهرة المشاهدة، إنكارَها كليًا من الوجود! وهذا من أعجب المحالات وأشدها سخفًا وأكثرها بطلانًا!.
فليأتِ أهل الضلالة، ولينظروا إي كثيرلتهم كيف أنها مظلمةٌ مليئة بالعقارب والحيات كقبورهم التي سيصيرون إليها! وليدركوا أن طريق الإيمان بالآخرة منوَّرٌ جميل كالجنة فليسلكوه وليعُها م بالإيمان.
النقطة الخامسة:وهي مسألتان:
المسألة الأولى:إنَّ تعقبَ الصانع الجليل - بمقتضى اسم "الحكيم" لألطف صورة في كل شيء وأقصر طريق، وأسهل طراز، وأنفع شكل.. يدل دلالة واضحة على أن الفطرة لا إسراف فيها قط ولا عبث، فما من شيء والفسفيه نفعُه وجدواه، وإن الإسراف مثلما ينافي اسم "الحكيم" فالاقتصاد لازمُه ومقتضاه ودستوره الأساس.
فيا أيها المسرف المبذّر! اعلم مدى مجانبتك الحقيقةَ بقعودك عن تطبيق أعظم دستور للكون المبني على الاقتصاد. وتدبّر الآية اجزء ال:
وكُلوا واشربوا ولاتُسرفوا
(الأعراف: ٣١) لتعلم مدى رسوخ الدستور الواسع الشامل الذي ترشد إليه.
المسألة الثانية:يصح أن يقال: إنَّ اسم اللّٰه "الحكم والحكيم" يقتضيان بداهة نبوة محمد ى هذا سالته، ويدلان عليها ويستلزمانها.
نعم، مادام الكتابُ البليغ بمعانيه ومراميه، يقتضي بالضرورة معلمًا بارعًا لتدريسه.. والجمالُ الفائق يقتضي مرآةً يتراءى فيها، ويُري بها جما القُوُسنه.. والصنعةُ البديعة
— 488 —
تستدعي مناديًا داعيًا إليها.. فلابد أن يوجد بين بني البشر الذي هو موضع خطاب كتاب الكون الكبير المتضمن مئات المعاني البليغة والحِكَم الدقيقة في كل حرف من حروفه، أقول: لابد أن يوجد راعن الدمل، ومعلمٌ أكبر، ليرشدَ الناس إلى ما في ذلك الكتاب الكبير من حِكم مقدّسة حقيقية.. وليعلّمَ وجود الحِكَم المبثوثة في أرجائه ويدل عليها.. وليكون مبعث ظهور المقاصد الربانية في خلق الكون، بل السبب في حصولها..ُّفُ ودَ إلى ما يريد الخالق إظهارَه من كمال صنعته البديعة، وجمال أسمائه الحسنى، فيكون كالمرآة الصافية لذلك الكمال البديع والجمال الفائق.. ولينهضَ بعبودية واسعة -باسم المخلوقات قاطبة- تجاه مظاهر الربوبية الواسعة، مثيرًا الشوقَ وناثرًا الوجدوَّرٍ.لآفاق برًا وبحرًا ملفتًا أنظار الجميع إلى الصانع الجليل بدعوة وتشهير، وتهليل وتسبيح وتقديس، ترنّ به أرجاء السماوات والأرض.. وليقرع أسماعَ جميع أرباب العقول بما يلقند إلي دروس مقدسة سامية وإرشادات حكيمة من القرآن الحكيم.. وليبيّن بأجمل صورة وأجلاها بالقرآن العظيم المقاصد الإلهية لذلك الصانع الحكم الحكيم.. وليستقبل بأكمل مقابلة وأتمّها مظالموقف حكمة البالغة والجمال والجلال المتجلية في الآفاق. فإنسانٌ هذه مهمتُه، إنسان ضروري وجودُه، بل يستلزمه هذا الكون، كضرورة الشمس ولزومها له.
فالذي يؤدي هذه المهمات، وينجز هذه الوظائف على أتم صورة ليس إلّا الرسول الأكرم (ص) كما هو مشاهَد؛ لذا فكتحاتّ لزم الشمسُ الضوءَ، ويستلزم الضوءُ النهارَ، فالحِكَم المبثوثة في آفاق الكون وجنباته تستلزم نبوةَ محمد (ص) ورسالته.
نعم، مثلما يقتضي التجلي الأعظم لاسم "الحَكم والحكيم" -في أوسع مداه- الرسالةريها. دية، فإن أغلب الأسماء الحسنى؛ "اللّٰه، الرحمن، الرحيم، الودود، المنعم، الكريم، الجميل، الرب" وأمثالَها، تستلزم الرسالة الأحمدية في أعظم تجلياتها وإحاطتها بالكون كله، استلزامًا قاطعًا لا ريب فيه.
فمثلًا:إنَّ الرحمة الواسعة التيل وضمدلي اسم "الرحمن" تظهر بوضوح بمَن هو رحمة للعالمين.. وإن التحبب الإلهي، والتعرف الرباني -اللذين هما من تجليات اسم "الودود"- يفضيان إلى نتيجتهما ويجدان المقابلة بحبيب رب العالمين.. وإن جميع أنواع الجمال: من جمال
— 489 —
الذات إلى جمال الأسم. بل همال الصنعة والإتقان، وجمال المصنوعات والمخلوقات، كل أنواع الجمال -التي هي تجلٍ من تجليات اسم الجميل- تشاهَد في تلك المرآة الأحمدية، وتُشهد بها.. بل حتى تجليات عظمة الربوبية، وهيمنة سلطنة الألوهية إنما تُعرف برسالة هذا الداعية العظيم إوجود، ان الربوبية وتتبين بها، وتُفهم عنها، وتُصدّق بها.. وهكذا فأغلب الأسماء الحسنى إنما هي برهان باهر على الرسالة الأحمدية كما مر آنفًا..
نحصل مما سبق:أنه ما دام الكون موجمن أسرالفعل ولا يمكن إنكاره، فلا يمكن أن يُنكَر كذلك ما هو بمثابة ألوانِه وزينته، وضيائه وإتقانه، وأنواع حياته، وأشكال روابطه من الحقائق المشهودة، كالحكمة، والعناية، والرحمة، والجمال، والنظام، والميزان، والزينة، وأمثلتفاسين الحقائق.. فمادام لا يمكن إنكار هذه الصفات والأفعال، فلا يمكن إنكار موصوف تلك الصفات، ولا يمكن إنكار فاعل تلك الأفعال، وشمس تلك الأضواء، أعني ذات اللّٰهسلاطينس جلّ جلالُه الواجب الوجود، الذي هو "الحكيم، الرحيم، الجميل، الحكم، العدل".. وكذا لا يمكن إنكارُ مَن هو مدارٌ لظهور تلك الصفات والأفعال، بل مَن هو مدارٌ لعرض كمالاتها، بل تحققلب:
تها، ذلكم الرسول الكريم محمد (ص)، الرائد الأكبر، والمعلم الأكمل، والداعية الأعظم، وكشاف طلسم الكائنات، والمرآة الصمدانية، وحبيب الرحمن.. فلا يمكن إنكار رسالته قطعًا، لأنها أسطع نور في هذا الكون كسطوع ضياء عالم الحشخصية نور حقيقة الكائنات.
عليه وعلى آله وصحبه الصلاة والسلام بعدد عاشرات الأيام وذرات الأنام.
سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا اِلّا ما عَلَّمْتَنا اِنَّكَ اَنْتَ الْعَليمُ الْحَكيمر! إنّ
النكتة الرابعة
تخص اسم اللّٰه
الفرد
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
قل هو اللّٰه أحد
(الإخلاص:١)
بينما أنا نزيل سجن "أسكي شهر" في شهر شوال إذ تراءت لي نكتة دقيقة عمري،نكات اللطيفة لهذه الآية الجليلة، ولاح لي قبسٌ من أنوار اسم اللّٰه الأعظم: "الفرد" -أو هو أحد أنواره الستة- الذي يتضمن اسمَي "الواحد والأحد" من الأسماء الإلهية الحسنى.
سنبين هنا باختصا أعماق التوحيد الحقيقي الذي يُظهره ذلك التجلي الأعظم. وذلك في سبع إشارات موجزة.
الإشارة الأولى:لقد وضع اسمُ اللّٰه الأعظم "الفرد" بتجليه الأعظم على اللرغباتِّه بصماتِ التوحيد المميز، وأختامَ الوحدانية الواضحة، على مجموع الكون، وعلى كل نوعٍ فيه، وعلى كل فردٍ فيه. ولما كانت "الكلمة الثانية والعشرون" و"المكتوب الثالث والثلاثون" قد تناولا بيان يخدم ضتجلي بشيء من التفصيل، نكتفي بالإشارة فقط إلى ثلاث بصماتٍ وأختام منها دالّة على التوحيد:
الختم الأول:إن التجلي الأعظم للفردية قد طبع على وجه "الكون" كلِّه طابعًا مميزًا للتوحيد، وختمًا واضحًا للوحدانية وضوحًا حوّل الكون كلّتحادُهكم "الكل" الذي لا يقبل التجزئة مطلقًا بحيث إن مَن لا يقْدِر على أن يتصرف في الكون كلِّه لا يمكن أن يكون مالكًا مُلكًا حقيقيًا لأي جزء منه. ولنوضح هلَهُ اتم المميز:
— 491 —
إنَّ موجودات الكون، بأنواعها المختلفة، تتعاون فيما بينها تعاونًا وثيقًا، ويسعى كلّ جزء منها لتكملة مهمةِ الآخر وكأنها تمثل الأعظها وأجزائها تروسَ معمل بديع ودواليبَه -الذي يشاهد فيه هذا التعاون بوضوح- فهذا التساند، وهذا التعاون بين الأجزاء، وهذه الاستجابة في إسعاف كلٍّ منها لطلب الآخر، وإمداد كلِّ جزء لل يشير آخر، بل هذا التعانق والاندماج بين الأجزاء، يجعل من أجزاء الكون كله وحدةً متحدة تستعصي على الانقسام والانفكاك. يشبه في هذا وحدةَ أجزاء جسم الإنسان الذي لا يمكن فكّ بعضها عن البعض الآخر.
نفةَ عَلهذا أن الذي يمسك زمام عنصر واحد في الوجود، إنْ لم يكن زمام جميع العناصر بيده لا يستطيع أن يسيطر على ذلك العنصر الواحد أيضًا. إذن فی"التعاون" و"التساند" و"التجاوب" و"التعانق" الواضحة على وجه الكون، إنما هي أختامٌ كبرى وبصمات سيَا حَلتوحيد.
الختم الثاني:إنَّ التجلي الباهر لاسم اللّٰه "الفرد" يجعلنا نُشاهد -على وجه الأرض ولاسيما في الربيع- ختمًا لامعًا للأحدية، وآيةً جلية للوحدانيةزان مَإن من لا يدير جميع الأحياء على وجه الأرض كلها بأفرادها وأحوالها وشؤونها كافة، والذي لا يرى ولا يخلق ولا يعلم جميعها معًا، لا يمكن أن يكون له تدخل في أي شيء من حيث الإيجاد. فلنوضح هذا الختم:
تأمل في هذه البُسُط نويتهاشة على الأرض التي لُحمتُها وسَداها مائتا ألف طائفة ونوع من أنواع الحيوانات وطوائف النباتات بأفرادها المتنوعة التي لا تعد ولا تحصى والتي تضفي الزينة وتنثر البهجة على نسيج الحياةا وإقحطح الأرض -وبخاصة في الربيع- تأمّلها جيدًا وأدِم النظر فيها، فإنها مع اختلاف أشكالها، وتباين وظائفها، واختلاف أرزاقها وتنوع أجهزتها، وامتزاجها بعضها مع البعض الآخر تشاهِد: أنَّ رزق كلرِ تَشاة يأتيه رغدًا من كل مكان ومن حيث لا يحتسب، بلا سهو ولا نسيان، بلا انشغال ولا ارتباك، بلا خطأ ولا التباس.. فيُعطى بميزان دقيق حساس كل ما يحتاجه الفرد، في وقته المناسب، من دون تكلف ولا تلرَّبّمع تمييز لكلٍ منها، وهو يموج في هذا الامتزاج الهائل وفي هذا الخضم من
— 492 —
الموجودات المتداخلة، فضلًا عما يُخْبئ باطنُ الأرض من آيات التوحيد الرائعة المتلمعة من انتظام المعادن والعناصر الجامدة.
لذا فإن هذا "التدبير والإدارة" اصيران في هذا الأمر الدائب على وجه الأرض وباطنها إنما هو آية ساطعة للأحدية، وختمٌ واضح للوحدانية، بحيث إن مَن لم يكن خالقًا لجميع تلك الموجودات من العدم، ومدبّرًاة إلهي شؤونها في آن واحد، لا يقدر على التدخل -من حيث الربوبية والإيجاد- في شيء منها، لأنه لو تدخل لأفسد تلك الإدارة المتوازنة الواسعة. إلّا ما يؤديه الإنسان من وظيفة ظاهرية -بإذن إلهي أيضًا- لحسن سيروَحِّدلقوانين الربانية.
الختم الثالث:في وجه الإنسان
إنَّ شعار التوحيد وختمَه واضح وضوحًا بينًا لكل مَن يتأمل وجهَ أي إنسان كان، وذلك: أنَّ لكل إنس" ووجدم
cNفارقة في وجهه تُميِّزه عن غيره. فالذي لا يستطيع أن يضع تلك العلامات في كل وجه، ولا يكون مطّلعًا على جميع الوجوه السابقة واللاحقة منذ آدم عليه السلام إلى يوم القيامة، لا يمكنه ص) قالّ يدَه من حيث الخلق والإيجاد ليضع تلك الفوارق المميّزة الهائلة في ذلك الوجه الصغير لإنسان واحد.
نعم، إنَّ الذي وضع في وجهِ الإنسان ذن فيكوابع المميز وتلك الآية الجلية بتلك العلامات الفارقة، لا بد أن أفراد البشر كافة هم تحت نظره وشهوده، وضمنَ دائرة علمه حتى يضع ذلك الختمَ للتوحيد في ذلك الوجه. بحيث إنه مع التشابه الظاهرَنعَةُلأعضاء الأساس -كالعيون والأنوف وغيرها من الأعضاء- لا تتشابه تشابهًا تامًا، بسبب علامات فارقة في كلٍ منها. وكما أن تشابه الأعضاء -من عيون وأنوف- في وجوه البشر كافة دليل قاطع على وحدانية خالق البشر سبحانه وتعالى، كذلك فإن العلامات الفاررد ظهووضوعة على كل وجهٍ -لصيانة حقوق كل فرد في المجتمع، ولمنع الالتباس، وللتمييز، ولحِكَم أخرى كثيرة- هي الأخرى دليلٌ واضح على الإرادة المطلقة والمشيئة الكاميظهرواك الخالق الواحد سبحانه وتعالى، وآيةٌ بديعة جلية أيضًا للأحدية، بحيث إن من لا يَقدر على خلق جميع البشر والحيوانات والنباتات بل جميع الكون لا يمكنه أن يضع تلك السمة المميزة في أحد.
— 493 —
الإشارة الثانية:إنَّ عوالم الكائنيُنظَرختلفة وأنواعها المتنوعة وعناصرها المتباينة قد اندمجت اندماجًا كليًا وتداخل بعضُها مع البعض الآخر، بحيث إنَّ مَن لم يكن مالكًا لجميع الكون لازن الم أن يتصرف بنوعٍ منه أو عنصر فيه تصرفًا حقيقيًا، لأن تجلي نورِ التوحيد لاسم اللّٰه "الفرد" قد أضاء أرجاء الكون كله، فضمّ أجزاءها كافة في وحدة متحدة، وجعل كل جزء منه يعلن تلك الوحدانية.
فمثلًا:كما أن كون الشمس مصباحًا و مباشرلهذه الكائنات يشير إلى أن الكائنات بأجمعها ملكٌ لواحد، فإن كونَ الهواء هواءً واحدًا يسعى لخدمة الأحياء كلها.. وكونَ النار نارًا واحدة توقد بها الحاجات كلها.. وكون السحاب واحدًا يسقي الأرض.. وكون الأم تدلّ حدة تأتي لإغاثة الأحياء كافة.. وانتشار أغلب الأحياء من نباتات وحيوانات انتشارًا طليقًا في أرجاء الأرض كافة مع وحدة نوعيتها، ووحدة مسكنها.. كل ذلك إشارات قاطعة وشهادات صادقة على أن تلك الموجوداتِ ومس الانت ومواضعَها إنما هي ملكٌ لمالك واحدٍ أحد.
ففي ضوء هذا وقياسًا عليه نرى: أن تداخل الأنواع المختلفة للكائنات واندماجها الشديد ببعضها قد جعل مجموعَها بمثابة كلٍ واحد لا يقبل التجزئة قطعًا من حيث الإيجاد. فالذي لا يستطيع أن يُنفّذ حكم هي تج جميع الكون لا يمكنه -من حيث الخلق والربوبية- أن يُخضِع لربوبيته أيَّ شيء فيه، حتى لو كان ذلك الشيء ذرةً أو أصغر منها.
الإشارة الثالثة:لقد تحوّل الكون كلُّه بالتجلي الأعظم لاسم اللّٰه "الفرإنه اب ما يشبه رسائل صمدانية ومكاتيب ربانية متداخلة بعضها في البعض الآخر، تزخر كلُّ رسالة منها بآيات الوحدانية وأختام التوحيد، وتحمل كل رسالة بصماتِ الأحدية بعدد كلانعدم بل إن كل كلمة فيها تُفصح عن وحدانية كاتبها؛ إذ كما يدل الختمُ أو التوقيع في الرسالة على كاتبها، فإن كل زهرة وكل ثمرة، وكل عشب، وكل حيوان، وكل شجر، إنما يمثل ختمَ الأحدية وطغراء الصمدانية وكالكواكختام لمواضعها التي تتخذ هيئة الرسائل فتبين كاتبَها. فزهرةٌ صفراء -مثلًا- في حديقةٍ ما. هذه الزهرة هي بمثابة ختمٍ يدل بوضوح على مصوِّر الحديقة، فمَنْ كان مالكًا لذلك الختم
— 494 —
-الزهرة- فهو مالكٌ لجميع أنواع تلك الزهرة ومثيلاتها الِ عَلي على الأرض كافة، ويدل أيضًا على أن تلك الحديقة كتابتُه. أي إن كل شيء يُسْنِدُ جميع الأشياء إلى خالقه ويشير إلى تجلٍ باهر عظيم لوحدانيته سبحانه.
الإشارة الرابعة:لقد أوضحت "رسائل النور" في أجزائها الكثيرة من غفن متعددة أن التجلي الأعظم لاسم اللّٰه الفرد مع أنه واضحٌ وضوح الشمس، فهو مقبول في الأعماق إلى حدّ السهولة المطلقة، وهو مستساغ عقلًا ومنطقًا إلى حدّ الوجوب والبداهة. وبعكسه الشرك المنا البيتك التجلي، فهو معقّد إلى أقصى حدود التعقيد، وغير منطقي إطلاقًا، وهو بعيد جدًّا عن المعقول إلى حدّ المحال والامتناع. سنبين هنا ثلاث نقاط من تلك الأدلة فقط، ونحيل تفاصيلها إلى الرسائل الأخرى.
النقطة الأا "التقد أثبتنا ببراهين قاطعة في ختام "الكلمة العاشرة" وفي "الكلمة التاسعة والعشرين" إثباتًا مجملًا، وفي ختام "المكتوب العشرين" مفصلًا أنه: من السهولة واليسر على قدرة "الأحد الفرد" سبحانه، خَلقُ أعظم جِرم، وخلقُ أصغرِ شيء على حدّ سواء، فهو سبحانه يخرجه فحبيعَ الشاسع بيُسرِ خلقِ زهرةٍ واحدة، ويُحدِث في كل ربيع بسهولة بالغة آلافًا من نماذج الحشر والنشور -كما هو مشاهَد- ويُراعي شجرة ضخمة باسقة بيُسر مراعاته فاكهةً صغيرة. فلو أُسنِد أيٌّ من ذلك وَالعأسباب المتعددة، لأصبح خلقُ كلِّ زهرةٍ فيه من المشكلات ما للربيع الشاسع، وفي خَلقِ كل ثمرةٍ فيه من الصعوبات ما للشجرة الباسقة.
نعم، إن كان تجهيزُ الجيش بأكمله بالمؤَن والعتاد بأمر صادر من قائد ولأمن لن مصدر واحد، سهلًا وبسيطًا كتجهيز جندي واحد، بينما يكون صعبًا بل ممتنعًا أن يكون كل جندي يتجهز من معامل متفرقة ويتلقى الأوامر من إدارات متعددة كثيرة، إذ عندئذٍ يحتاج كل جندي إلى معامل بقدر أفرادفهموا. بأكمله!!
فكما أن الأمرَ يسهل بالوحدة ويصعب بالكثرة هكذا، كذلك إذا أُسنِد الخلقُ والإيجاد إلى "الفرد الأحد" جل وعلا، فإن خلقَ أفراد غير محدودة لنوعٍ واحد يكون سهلًا كخلق فرد
— 495 —
واحد، بيتُرى م أُسنِد إلى الأسباب، فإن خلقَ كلّ فردٍ يكون مُعضلًا وصعبًا كخلق النوع الواسع الكثير.
أجل، إن الوحدانية والتفرد تجعل كلَّ شيء منتسبًا ومستندًا إلى الذات الإلهية الواحدة، ويصبح هذا الانتساب والاستناد قوةً لا حدّ لها الشيخولشيء، حتى يمكنه أن يُنجز من الأعمال الجسيمة، ويولّد من النتائج العظيمة ما يفوق قوتَه الذاتية ألوفَ المرات معتمدًا على سر ذلك الاستناد والانتساب. أما الذي لا يستند ولا ينتسب إلى صاحب تلك ال بينماعظمى ومالكِها "الفرد الأحد" فسينجز من الأعمال ما تتحمله قوتُه الذاتية المحدودة جدًّا، وتنحسر نتائجُها تبعًا لذلك.
فمثلًا:إن الذي انتسب إلى قائد عظيم واستند إليه بصفة الجندية، يصبح له هذا الانتساب والاستناد بمثابة قوةٍلسجن، لا تنفد، فلا يضطر إلى حمل ذخيرته وعتاده معه، لذا قد يُقدِم على أسر قائد جيش العدو المغلوب مع آلافٍ ممن معه، بينما السائب الذي لم ينخرط في الجندية، مضطرٌّ إلى حمل ذخيرته وعتاده معه، ومهما بلغ من الشجاعة فلا يستطيع أن يقاومتميزن القوة إلّا بضعةَ أفراد من العدو، وقد لا يثبت أمامهم إلّا لفترة قليلة.
ومن هنا نرى أن قوة الاستناد والانتساب -التي في الفردية والوحدانية- تجعل النملة الصغيرة تقدم على إهلاك فرعون عنيد، ر على البعوضة الرقيقة تجهز على نمرود طاغية، وتجعل الميكروب البسيط يدمر باغيًا أثيمًا.. كما تمدّ البذرة الصغيرة لتحمِل على ظهرها شجرة صنوبر باسقة شاهقة.. كل ذلك باسم ذلك الانتساب وبسر ذلك الاسإنَّ ا نعم، إن قائدًا عظيمًا شهمًا يستطيع أن يستنفر جميعَ جنوده ويحشّدهم لإنقاذ جندي واحد وإمداده، والجندي بدوره يستشعر كأن جيشًا جرارًا يسنده ويمدّه بقوة معنوية عالية حتى تمكّنه من أن ينهِ مِنمال جسام باسم القائد. فاللّٰه سبحانه وتعالى (وله المثل الأعلى) لأنه فرد واحد أحد - فلا حاجة في أية جهة إلى أحد غيره، وإذا افترضت الحاجة في جهة ما- فإنه يستنفر الموجودات كلها لإمداد ذلك لأن اوإسناده، فيحشر سبحانه الكون كله لأجله.
وهكذا يستند كلُّ شيء إلى قوة عظيمة هائلة تملك مقاليد الكون بأسره.. وهكذا يستمد
— 496 —
كلُّ شيء في الوجود قوتَه من تلك القوة الإلهية العظيمة المطلقةا التيذلك "الفرد الأحد" جلّ وعلا.
فلولا "الفردية".. لفقَد كل شيء هذه القوة الجبارة، ولسقط إلى العدم وتلاشت نتائجُه. فما تراه من ظهور نتائج عظيمة هائلة من أشياء بسيطة تافهة، ترشدنا بالبداهة إلى الفردية والأحةُ الإلولاها لبقيت نتائجُ كلِّ شيء وثمارُه منحصرةً في قوته ومادته الضئيلة، وتصغر عندئذٍ النتائجُ بل تزول. ألا ترى الأشياء الثمينة النفيسة كالفواكه والخضر وغيرها مبذولةِيمِهافرة أمامنا. ما ذلك إلّا بسر الوحدانية والانتساب وحشر جميع القوى، فلولا "الفردية" لما كنا نحصل بآلاف الدراهم ما نحصله اليوم من بطيخ أو رمان بدراهم معدودة. فكل ما نشاهده وإنهلة الأمور والأشياء ورخصها وتوفرها إنما هي من نتائج الوحدانية وتشهد بالفردية.
النقطة الثانية:إن الموجودات تُخلَق وتظهر إلى الوجود بوجهين:
الأول:الخلق من العدم، وهو ماي الحقر عنه بی"الإبداع والاختراع".
الثاني:إنشاؤها من عناصر موجودة، وتركيبُها ومنحُ الوجود لها من أشياء حاضرة، أي بی"التركيب والإنشاء".
فإذا نظرنا إلى الموجودات من زاوية سر الأحدية وتجلي الفردية، نرى أن خلقَها وإيجادَها يكون سهلًا وهييضي" (لى حدّ الوجوب والبداهة، بينما إن لم يُفوَّض أمرُ الخلق والإيجاد إلى الفردية والوحدانية، فستتعقد الأمور وتتشابك، وتظهر أمورٌ غير معقولة وغير منطقية إلى حدّ المحال والامتناع. وحيث إننا نرى الموجودايم، يُة تظهر إلى الوجود من دون صعوبة وتكلف، ومن غير عناء، وعلى أتم صورة وكيفية، يثبت لنا بداهة إذن تجلي الفردية، ويتبين لنا: أن كل شيء في الوجود إنما هو من إبداع "الأحد الفرد" ذي الجلال والإكرام.
نعم، إن أُسند أمرُ الخلق إلى "الفرد الواحد الأحد"ث عن اكل شيء من العدم في لمح البصر وبكل سهولة ويسر، وبقدرته المطلقة العظيمة بآثارها المشهودة. ويقدّر لكل شيء بعلمِه المحيط المطلق ما يشبه قوالب معنوية وتصاميم غيبية.. فكل شيء عنده بمقدار.
— 497 —
فكما أن الجنود اي ضوء ن في الجيش المنظم يُساقون لأخذ مواضعهم بأمر من القائد وحسب خطته الموضوعة في علمه، كذلك الذراتُ المطيعة للأوامر الربانية فإنها تساق بالقدرة الربانية -بكل سهولة ويسر- لتأخذ مواقعها وتحافظ عليها حسب تصميمٍ موجود، وصورةٍ موجي من اي مرآة العلم الإلهي الأزلي. حتى لو لزم جمعُ الذرات من الأنحاء المختلفة، فإن جميع الذرات المرتبطة بقانون العلم الإلهي المحيط، والموثوقة الصلة بدساتير القدرة الإلهية، تصبح على قم الجنود المنقادين في الجيش المنظم، فتأتي مسرعة بذلك القانون وبسَوق القدرة لأخذ مواقعها في ذلك القالب العلمي والمقدار القدري المحيطين بوجود ذلك الشيء. بل كما تظهر الصورةُ المثالية المتمثلة َرُورَرآة على الورقة الحساسة في آله التصوير وتلبس وجودًا محسوسًا خارجيًا، وكما تظهر وتشاهَد الكتابة المخفية السرية بإمرار مادة كيماوية عليها. كذلك الأمر في صورة جميع الموجودات، وماهية جميع الأشياء الموجودة في مرآة العلم الإلهي النحيب لأحد، فإن القدرة الإلهية المطلقة تُلبسها -بكل سهولة ويسر- وجودًا خارجيًا محسوسًا، فتظهر للعيان في عالم الشهادة، بعد أن كانت في عالم المعنى والغيب.
ولكن إن لم يُسند أمر الخلق إلى الفرد الأحد فعندئذٍ ، قد حخلق ذبابة واحدة مسحُ سطح الأرض وتفتيشها وغربلة عناصرها جميعًا وذراتِها المعينة لوجودٍ معيّن ثم وزنها بميزان دقيق حساس، لوضع كل ذرة في موضعها المخصص لها، حسب قوالب ة من ابعدد أجهزتها وأعضائها المتقنة، وذلك لكي يأخذ كل شيء مكانه اللائق به، فضلًا عن جلب المشاعر والأحاسيس الروحية الدقيقة واللطائف المعنوية من العوالم المعنوية والروحية بعد وزنها أيضًا بميزان دقيق حسب حاجة الذبابة!!
ألا يكون -بهذا الاعتبار- خلاء المبة واحدة صعبًا ممتنعًا كإيجاد جميع الكائنات؟! أليس فيه الصعوبات تلو الصعوبات والمحالات ضمن المحالات؟! ذلك لأنه قد اتفق جميعُ أهل الإيمان والعلم: أنه لا يخلقهرَ العدم إلّا الخالقُ الفرد سبحانه وتعالى. ولهذا لو فُوّض الأمر إلى الأسباب والطبيعة استلزم لوجود شيء واحد الجمعُ من أكثر الأشياء.
النقطة الثالثة:لقد أوردنا أمثلة كثيرة في رسائل شتى تشير إلى:ت الثرناد الخلق إلى "الفرد الواحد الأحد" يجعل خلق جميع الأشياء سهلًا كالشيء الواحد، وبعكسه إذا أُسنِد إلى الطبيعة والأسباب فخلقُ الشيء الواحد يكون صعبًا ممتنعًا كخلق جميع الأشياء.
— 498 —
نقتصر منها هنا على ثلاثة أمثلة فقط:ختلفة مثال الأول:إذا أُحيلت إدارة ألف جندي إلى ضابط واحد، وأُحيلت إدارةُ جندي واحد إلى عشرة ضباط، فإن إدارةَ هذا الجندي تكون ذات مشكلات وصعوبة الربدار عشرة أضعاف إدارة تلك الفرقة من الجنود. وذلك: لأن الأمراء العديدين سيعادي بعضُهم بعضًا، وستتعارض أوامرُهم حتمًا، فلا يجد ذلك الجندي راحةً بين منازعة أمرائه. د الأحتمامًا ذلك الضابط الذي يدير بأوامره فرقة كاملة من الجنود وكأنه يدير جنديًا واحدًا، وينفّذ خطته وما يريده من الفرقة بتدبيره كل شيء بسهولة ويسر، علمًا أنه يتعذراح واول إلى هذه النتيجة إذا تُرك الأمر إلى جنود سائبين.
المثال الثاني:إذا سُلّم أمر بناء قبة جامع أيا صوفيا إلى بنّاء ماهر، فإنه يقوم به ببقوة ولة ويسر، بينما إذا سُلّم بناؤها إلى أحجارها، لزم أن يكون كلُّ حجرٍ حاكمًا مطلقًا على سائر الأحجار، ومحكومًا لها في الوقت نفسه كي تأخذ القبةُ المعلقة الشامخة شكلَها! فبينما كان البنّاء الماهر يصرف لذائا قليلًا -لسهولة الأمر لديه- تصرف الآن مئات من البنّائين -الأحجار- أضعاف أضعاف ذلك الجهد من دون الحصول على نتيجة!!.
المثال الثالث:إنَّ الكرة الأرضية مأمورةٌ وموظفة من لدن "الفرد الواحد" سبحانه، وهي كالجندي المطيع للّٰه الواحني ويمد، فحينما تستلم الأمر الواحد، الصادر من آمرها الأحد، تهبّ منتشية بأمر مولاها وتنغمر في جذبات وظيفتها في شوق عارم، وتدور كالمريد المولوي العاشق -عند قيامه للسماع- فتكون وسيلةً لحصول المواسم بما ية، واختلاف الليل والنهار وظهور الحركات الرفيعة العظيمة، والكشف عن مناظر خلابة لقبة السماء المهيبة وتبديلها باستمرار كتبدل المشاهد السينمائية.. وتكون سببًا لحصول أمثال هذه النتائج الجليلة، حتى لكأنَّ الأرضَ هيضك، ورد لتلك المناورة العسكرية المهيبة بين نجوم الكون.
ولكن إنْ لم يُسند الأمرُ إلى "الفرد الأحد" الذي أحاط بحاكمية ألوهيته وسلطان ربوبيته الكون كله، والذي ينفذ حكمُه وأمره في كل صغي لا يميرة في الوجود، فعندئذٍ يلزم وجودُ ملايين النجوم التي تكبر الأرض بألوف المرات، ولابد من أن تسير هذه النجومُ في مدار أكبر
— 499 —
وأوسع بملايين المرات من مدار الأرض كي تظهر تلك الود علي السماوية والأرضية وتلك النتائج نفسها التي تتولد من حركتي الأرض السنوية واليومية بكل سهولة ويسر.
وهكذا فإنَّ حصول هذه النتائج الجليلرة، وجشئة من حركتي الأرض حول محورها ومدارها -حركة تشبه حركات المولوي العاشق- يظهر لنا مدى السهولة والفطرية والبساطة في "الأحدية والفردية"، ويبين لنا في الوقت نفسه كم هي مملوءةٌ طريقُ الشرك والكفر بالمحا المَوتي لا حدَّ لها وبالأمور الباطلة غير المعقولة.
وبعد.. فلاحظ الآن بمنظار هذا المثال الآتي جهلَ المتشدقين بالطبيعة وعبّاد الأسباب، لتعلم في أي دَرَك من وحل الحماقة يتمرغميمون أي بيداءِ وهمٍ يتيهون، وقِسْ عليه مدى بُعدِهم كل البعد عن ميدان المنطق والعقل السليم:
معمل عظيم.. كتاب رائع.. قصر مشيد.. ساعة دقيقة.. لا شك أن ال الحسد كلًا من هذه قد نظّمه ونسّقه بدقة وعناية، ويجيد إدارته ويرعاه، ولا شك أنه أراد في صنع كل منها إظهارَ محاسن صنعته وإبراز بدائع عمله. فإن أحال أحدُهملْمٍ و المعمل العظيم إلى دواليب المعمل نفسه، وفوّض بناءَ القصر المنيف إلى أحجار القصر نفسه، وأسند معاني الكتاب الجميلة إلى الحروف نفسها، فكأنه قد جعل كل جزء من أجزاء المعمل ذا قدرة عظيميومًا-يم نفسه وغيره! وجعل كلَّ حرف من حروف الكتاب بل الورق والقلم شيئًا خارقًا يبدع الكتاب نفسه! أي إنه يحيل روعةَ الانتظام في المعمل إلى دواليب المعمل، ويسند جمالَ المعنى في الكتاب إلى توافق الحروف من تلقاء نفسها!!
أيّ هذرٍ هذا! وأيّ وَهْْتِها س الذي يتفوّه به بعيدًا كل البُعد عن سلامة العقل؟ فالذين يحيلون أمر الخلق والإيجاد في هذا الكون البديع إلى الأسباب وإلى الطبيعة يهوون في جهل مركّب سحيق كهذا. وذلك لأن مظاهرَ الإبداع واضحة على الأسباب والطبيعة نفسها، فهي مخلوقةٌ كسائر المخلومامِ االذي خلقها -على هذه الصورة البديعة- هو الذي يخلق آثارَها ونتائجها أيضًا، ويظهرها معًا.. فالذي خلق البذرة هو الذي أنشأ عليها شجرتَها، وهو الذي يخرج أثمارَها تِهَا.ها من أكمامها.. بينما إن لم يُسنَد خلقُ الأسباب والطبيعة مع آثارهما إلى "الواحد الأحد"، يلزم لوجود أنواع الأسباب وأنماط الطبيعة المختلفة، أنواعٌ من الأسباب
— 500 —
والطبيعة المنتظمة المنسقة الملآية ا. وهكذا تستمر سلسلةُ موهومة ممتنعة لا معنى لها ولا نهاية! وهذا من أعجب عجائب الجهل وأتعسه!!
الإشارة الخامسة:لقد أثبتنا في مواضع متعددة من الرسائل وببراهين دامغة: أن الاستقلال والانفراد من أخص خصائص الحاكمية، حتى ن" الم الإنسانَ الذي هو عاجزٌ عجزًا شديدًا، ولا يملك من الحاكمية سوى ظل باهت، نراه يردّ بكل قوة أيَّ فضول كان من الآخرين، ويرفض بكل شدة أي تدخل كان منهم في شؤونه، صونًا منه لاستقلاله وانفراده في الأمر. بل ذُكِر في التاريخ أن كثيرًا من ال وقيمة قد سفكوا دماءً زكية لأبنائهم الأبرياء وإخوانهم الطيبين حينما شعروا بتدخلٍ منهم في شؤونهم.
إذن فالاستقلال والانفراد ورفضُ مداخلة الآخرين هو من أخصّ خصائص الحاكمية الحقة، لا فكاك لها عنه. بل هو لازمها وو مفتاا الدائم. فالحاكمية الإلٰهية التي هي في درجة الربوبية المطلقة تردّ بكل شدة الشرك والاشتراك مهما كان نوعه، ولا تقبل تدخلًا ما من سواها قط. ومن هنا نرى القرآن الكريم يفيض فيبالنعمالتوحيد الخالص ويردّ الشرك والمشاركة بأسلوب شديد وبتهديد مروّع..
فكما اقتضت الحاكمية الإلهية -التي هي في الربوبية المطلقة- التوحيدَ والوحدانية بقطعية تامة، وأظهرت مقتضًى شديدًا وداعيًا قويًا لها، كذلك النظامُ المتاكنَهاانسجامُ البديع المشاهَدان في الكون -ابتداءً من النجوم والنباتات والحيوانات والأرض والمعادن وانتهاء بالجزئيات والأفراد والذرات- كلٌّ منهما شاهدُ عدلٍ، وبرهان باهات المتلك الوحدانية والفردية، فلا يسمح قط لريبة أو لشبهة، إذ لو كان هناك تدخل مما سوى الواحد الأحد، لفسد هذا النظام البديع الرصين، واختل هذا التواقُ ذباحكم المشاهَد في جميع أجزاء الكون، فصدق اللّٰه العظيم الذي قال:
لو كانَ فيهما آلِهةٌ إلّا اللّٰه لَفَسَدتا
(الأنبياء: ٢٢)
نعم، لو كان هناك أي تدخل مهما كان لظهرت آثارُه باديةً، إلّا أن الدعوة الصريحة في الآيالزينةيمة:
فارجِعِ البَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ
(الملك: ٣) تريك هذا النظام البديع بكل وضوح وجلاء حتى لا ترى ثغرةً ولا لبسًا ولا نقصًا في جهة من الجهات ون بمثً من الذرات إلى المجرات.
— 501 —
إذن فالنظامُ الرصين في الكون، والانتظام الرائع في المخلوقات كافة، والموازنة الدقيقة بين الموجودات.. يظهر لنا التجليَ الأعظم لاع أغلبرد ويشهد شهادةً واضحة على الوحدانية.
ثم إن أي مخلوق مهما كان صغيرًا، إنما هو مثالٌ مصغر للكون كله ونموذجُه، وفهرسُه المختصر، بمقتضى تجلي الأحدية. فلا يكون مالكًا لذلك المخلوق الحي الصغير إلّا مَن كان بيده زمام الكون كله ولا نقيًر جميعًا. وحيث إن كل بذرة متناهية في الصغر ليست بأقلَّ إبداعًا في الخلق من شجرة ضخمة، وأن كل شجرة باسقة تضاهي في خلقها خلقَ الكائنات، وكل كائن حي صغير إنما هو بحكم عالَمٍ مصغّر وكونٍ صغير، فإن تجلي انقطة م هذا يجعل الشرك والاشتراك محالًا ممتنعًا.
ثم إن هذا الكون في ضوء هذا السر -سر الأحدية- ليس كلًا يستعصي على التجزئة وحدها، بل أيضًا هو كلّيٌّ من حيث الماهية، لا يقبل الانقسام والاشتراك والتجزئة وتدخّل الأيدي المتعددة قط. فإن كل جزء فيه بحون -عنيٍّ وفردٍ منه، وكلُّ الكون هو بحكم الكلّي، فليس فيه موضع للاشتراك في أية جهة كانت.
فهذا التجلي الأعظم لاسم الفرد يثبت حقيقة التوحيد بهذا السر للأحدية، بدرجة البداهة.
نعم، كما أنَّ اندماجَ أنواعِ الكائنات واون بأنها فيما بينها، وتوجّهَ وظيفة كلٍّ منها إلى عموم الكائنات مثلما يجعل الكونَ كلًّا واحدًا يستعصي على التجزئة قطعًا، من حيث الخلق والربوبية. كذلك الأفعال العمومية المحيطة بالكائنات وال التحرر أثارُها وفعالياتُها في الكائنات عمومًا تجعل الكونَ أيضًا كلًاّ واحدًا -من حيث تداخلها ببعضها- حتى يرفض التجزئةَ ويردّها ردًّا قويًا. ولتوضيح ذلك نسوق المثال اقتراب
حالما تُوهب الحياةُ للكائن يظهر فعلُ الإعاشة والإرزاق فيه مباشرة. وضمن أفعال الإعاشة والإحياء هذه، يشاهَد مباشرةً فعلُ تنظيمِ جسدِ ذلك الكائن وتنسيق أعضائه، وتجترغيب ما يحتاج ويلزم. وحينما تظهر أفعالُ الإعاشةِ والإحياء والتنظيم والتجهيز يفعل التصويرُ والتربية والتدبير فعلَه في الوقت نفسه.. وهكذا.
فتداخلُ أمثال هذه الأفعال المحيطة العامة بعضِها بالبعض الآخر، واَعُ عَا ببعضها،
— 502 —
وامتزاجُها كامتزاج الألوان السبعة في الطيف الشمسي، ثم إحاطةُ كل فعل من تلك الأفعال وشمولُه -مع وحدته من حيث الماهية- للموجودات كلها في وحدة واحدة، وكونُ كل فعلٍ منها فعلًا وحدانيًا.. يدل دلالة واضوظيفتك أن فاعلَه واحدٌ أحد فرد..
وكما أن استيلاءَ كل فعل -من تلك الأفعال- وهيمنتَه على الكائنات قاطبة، واتحادَه مع سائر الأفعال في تعاون وثيق، يجعل الكون كلًّا غير قابل للتجزئة.. كذلك فإ لجميعخلوق حي من حيث كونه بمثابة بذرةِ الكون وفهرسِه ونموذجِه يجعل الكون كليًا غير قابل للانقسام والتجزئة -من حيث الربوبية- بل يجعل انقسامه محالًا وخارجًا عن الإمكان، أي أن الكون بهذا هو كلٌّ لا يتجزأ، فلا يكون إذن ربُّ الجزء إلّا من من النًّا للكل. وهو كليٌّ أيضًا بحيث يكون كلُّ جزء منه بحكم فرد، فلا يكون ربًّا للفرد الواحد إلّا من كان زمام ذلك الكلي بيده.
الإشارة السادسة:كما أن انفراد اللعدلٌ محانه وتعالى بالربوبية، وتوحيدَه بالألوهية هو أساس جميع الكمالات
(٭): حتى إن التوحيد هو نفسه أوضح برهان، وأسطع دليل على الكمال والجمال الإلهي، لأنه إذد بثوا أن صانع الكون واحد أحد، فسيُعرف جميع أنواع الكمال والجمال المشاهدة في الوجود، بأنها ظلال وتجليات وعلامات لأنواع الكمال المقدس وأنماط الجمال المنزّه لذلك الصانع الواحد الأحد. بينما إذا لم يُعرف الصانعُدرك أند، فستحال تلك الكمالات وأنواع الجمال إلى الأسباب التي لا شعور لها وإلى مخلوقات عاجزة، وعندها يحار العقل البشري أمام خزائن الكمال والجمال السرمديين، لأنه فقد مفتاح تلك الكنوز الخالدة. (المؤلف).
ومنشأ المقا ومتواامية، ومنبع الحِكَم المودَعة في خلق الكون، كذلك هو الغايةُ القصوى، والبلسمُ الشافي، لتطمين رغبات كل ذي شعور وذي عقل ولاسيما الإنسان، فلولا "الفردية" لانطفأت عث في رغباته ومطالبه كلِّها وانمحت جميعُ الحِكَم المودَعة في خلق الكون، وتلاشت أكثرُ الكمالات الموجودة والثابتة وانعدمت.
فمثلا:إنَّ رغبة صة ما لبقاء بل عشقه، عميقةٌ في الإنسان.. هذه الرغبة العريقة لا يحققها ولا يسكّنها ويُطمئنُها إلّا مَن هو مالك لمقاليد الكون، الذي يفتح باب البقاء السرمدي أمام الإنسان بالآخرة، بعهيزه بُنهي هذه الدنيا الفانية ويغلق أبوابَها كسهولة غلق غرفة وفتح أخرى.
وهناك رغبات أخرى كثيرة جدًّا للإنسان أمثال هذه الرغبة، كلُّها ممتدة إلى غير نهاية معلومة ومتشعبة في ثنايا الكائنات جميعًا.. فهذه الرغبات جميتَنِعَرتبطة ارتباطًا وثيقًا
— 503 —
بحقيقة التوحيد، ومشدودة مع سر "الفردية". فلولا ذلك السرّ لبقيت هذه الرغبات عقيمةً دون نتائج، قاصرةً عن بلوغ مداها، مبتورة منكمشةزق لمخا تصرف الواحد الأحد في الكون كله لما اطمأنّت ولا حصلت تلك الرغبات، ولو حصلت حصلت مبتورة.
فالإيمان بالوحدانية، وبقدرة "الفرد الواحد الأحد" المطلقة إذن هو وحدَه الكفيل بإ الساطلطمأنينة والسكون في تلك الرغبات المتأججة لدى الإنسان. من أجل هذا السر العظيم نرى القرآن الكريم يذكر التوحيد والوحدانية بكل حرارة وشوق، ويكررها بكل حلاوة وذوق، وأن الأنبياء -عليهم السلام- والأصفياء والأولياء الصالحين يجدون بغيتهم وذوقهم السامي،لبديعةتهى سعادتهم في أفضل ما قالوه: "لا إله إلّا هو".
الإشارة السابعة:إنَّ هذا التوحيد الحقيقي، بجميع مراتبه، وبأتمّ صورته الكاملة، قده، بل وأعلنه وفهّمه وبلّغه محمد(ص)، فلابد أن رسالته ثابتةٌ وقاطعة كقطعية ثبوت التوحيد نفسه؛ لأنه: لما كان التوحيدُ هو أعظم حقيقة في عالم الاتِ رَوأن الرسول الأعظم (ص) هو الذي تولى تبليغَه وتعليمه بجميع حقائقه، فلابد أن جميع البراهين التي تثبت التوحيد، تكون بدورها براهينَ لإثبات رسالته وأدلةً على صدق نبوته وأحقّية دعوته (ص)، فرسالةٌ كهذه الرسالة العظمى التي تضم أُلوفًا من أمثال هذه الحاود عللسامية وتكشف عن حقيقة التوحيد وترشد إليه وتلقنه، لا شك أنها رسالة يقتضيها ذلك التوحيد وتلك الفردية. فمَن ذا غيرُ محمد (ص) الذي أدّى الأمانة على أفضل هي انطلّغ الرسالة على أجمل صورة؟.
سنذكر ثلاثة نماذج، مثالًا لتلك الأدلة الكثيرة والأسباب العديدة التي تشهد بعظمة الشخصية المعنوية لهذا النبي الكريم (ص) وتدل على علوّ منیزلته الرفيعة، وتبيّن أنه السراج الء عضالهذه الكائنات وشمسها الساطعة.
الدليل الأول:إنَّ ثواب جميع الحسنات التي ينالها جميعُ أفراد الأمة، وعلى مدى جميع العصور، مكتوبٌ مثلُه في صحيفة حسناته (ص)، إذ هو السبب في نيل كل ثواب تناله أمتُه إلى يوم القيامة، حيث "السبب كالفاعلما أنأمل في هذا ثم فكّر في المقام المعظم اللائق الذي يقتضيه مجموعُ الأدعية غير المحدودة من الصلوات المقبولة المرفوعة يوميًّا من الأمة كافة..
— 504 —
تدرك عندئذٍ، درجته العاليةقِ الععة وتفهم أن شخصيته المعنوية شمسُ الكائنات والسراج المنير للخلق أجمعين.
الدليل الثاني:إنَّ بذرة الشجرة الوارفة للإسلام، ومنشأها، وحياتَها، ومنبعها إنما هي حقيقة المادرانَ محمدية، بما تملك من فطرة سامية، وخلقة كاملة. فتذكّر هذا ثم فكّر في الرقي الروحي لهذا الرسول الحبيب (ص) النابع من استشعاره الكامل الأتم لجميع معاني عبادته، وأذكاره، وكلماته الشريفة ومراتبها، والتي تمثل بمجموعها روحَ الإسلامِ الإيتَه. لتعلم مدى علو مرتبة ولاية عبوديته (ص) إلى الدرجة الرفيعة، درجة الحبيبية. وافهم مبلغَ سموّها.
ولقد فتح اللّٰه عليّ يومًا في سجدةٍ في صلاةٍ، بعض المعاني والأنوار المشعة من كلمة (سبحان ربي الأعلى) بما يقرب من فهم الصاء ظلمضوان اللّٰه عليهم أجمعين من هذه الكلمة المقدسة. فتبين لي يقينًا أنها خيرٌ من عبادة شهر، فأدركتُ بها المنیزلة العظيمة والدرجة العالية التي يحظى بها الصحابة الكرام رضوان اللّٰه عليهم أجمعين.
لقلب كنَّ الأنوار التي تشعها الكلماتُ المقدسة، وفيوضاتُها في بدء الإسلام لها مزايا خاصة، وذلك لجدّتها، ولها من اللطافة والطراوة واللذة ما تتناقص بمرور الزمن وتت مخلوقت ستار الغفلة.
والآن، وفي ضوء ما سبق تأمل مكانة الرسول الكريم (ص) الذي تناول الكلام المقدس، ورَشَفَه من المنبع الأقدس، واستوعب أنواره بالوحي الإلهي بكامل جدّتِه وطراوته ولطافته. مع ما فُطر ث والان استعداد كامل.. فالأنوار والفيوضات الكامنة في تسبيحةٍ واحدة منه (ص) هي خيرٌ وأعمّ من جميع الأنوار التي تملأ أرجاء عبادة سنة كاملة عند غيره.!.
قِس على هذا المنوال، كي تعلم كم بنا بمخلُنا الحبيب (ص) من درجات الكمال التي لا حدّ لها ولا نهاية.
الدليل الثالث:إنَّ الإنسان يمثل أعظم مقصد من المقاصد الإلهية في الكون، وهو المؤهَّل لإدراك الخطاب الرباني. وقد اختاره سبحانه من بين مخلوقإنكارَاصطفى من بين الإنسان المكرّم مَن هو أكملُ وأفضل وأعظم إنسان بأعماله وآثاره الكاملة، ليكون موضعَ خطابه الجليل باسم النوع الإنساني كافة، بل باسم الكائنات جميعًا. فلا ريب أن اللّٰه سبحانه
— 505 —
الفرد الجليذرة من هيأ رسوله الحبيب (ص) لهذه المرتبة اللائقة به قد منحه من الأنوار والكمالات ما لا يحد بحدود.
وهكذا وبمثل هذه الدلائل الثلاثة ودلائل أخرى كثيرة يَثبت لدينا يقينًا: إن الشخصية المعنوية للرسول الكريم (ص)، شمس معنويمان بعة للكائنات. وسراج منير لامع لها، كما أنها الآية العظمى من قرآن الكون، والاسم الأعظم للفرقان الأعظم، ومرآة صافية للتجلي الأعظم لأنوار اسم "الفرد" عزّ وجل.
فاللهم يا أحدُ، يا فردُ، يا صمدُ، أنزِل من بركات خزينة رحمتك التي لا تنفد وما أٍ وسلامًا على تلك الذات النبوية الشريفة، بعدد ذرات الكون مضروبًا بعدد عاشرات جميع أزمنة الكون.
سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا اِلّا ما عَلَّمْتَنا اِحسرتاهاَنْتَ الْعَليمُ الْحَكيم
— 506 —
النكتة الخامسة
اسم اللّٰه الأعظم
الحي
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
فانْظُر الى اثارِ رحْمتِ اللّٰه كيفَ يُحْيي الأرْضَ بَعْدَ مَو السلوإنّ ذلك لَمُحْيي الموتى وهو على كل شيءٍ قدير
(الروم: ٥٠)
اللّٰه لا اله الّا هو الحيُّ القيُّومُ لا تأخُذُهُ سِنَةٌ ولا نوٌم...
(البقرة: ٢٥٥)
لقد تراءت في أفقوجود لنكتةٌ من النكات الدقيقة للآيتين المذكورتين، وتجلٍ من تجليات نور الاسم الأعظم "الحي" أو أحد نورَيه، أو أحد أنواره الستة، وذلك في شهر شوال عندما كنت في سجن أسكي شهر. فلم أتمكن من أن أثبّتها في حينه، ولم أستطع أن أقتنص ذ خفي، ائر السامي، ولكن بعدما تباعد ذلك القَبسُ الوضيئ اضطررت إلى الإشارة إليه بوضع رموزٍ ترمز إلى أشعةِ تلك الحقيقة الكبرى، وذلك النور الأعظم.
وسأشير إليها هنا باختصار:
الرمز الأول:ما الحياة التي هي تجلالبويض لاسم اللّٰه الحي المحيي؟ وما ماهيتها؟ وما مهمتها؟
جواب هذا السؤال نُدرجه على صورة فهرس، على النحو الآتي:
الحياة هي لهذه الكائنات:
أهم غاية..
— 507 —
وأعظمُ نتيجة..
وأسطع نور..
رقُب ب خميرة..
وأصفى خلاصة..
وأكملُ ثمرة..
وأسمى كمال..
وأزهى جمال..
وأبهى زينة..
وهي سرُّ وحدتها..
ورابطةُ اتحادها..
ومنشأ كمالاتها..
وهي أبدعُ ذاتِ روحٍ فيها، من حيث الإتقان والماهية..
وهيرشد جمُها المعجزة؛ تُصيِّر أصغرَ مخلوقٍ عالَمًا بحدّ ذاته..
وهي أروعُ معجزات القدرة الإلهية؛ بجعلها الكائن الحي بمثابة كونٍ مصغر، فكأنها -أالضلالاة- وسيلةٌ لانطواء الكائنات في ذلك الكائن الحي الصغير؛ بما تُظهر فيه ما يشبه فهرسَ الكون العظيم، كما تجعله في رباطٍ وثيق مع معظم الموجودات..
وهي صنعةٌ إلهية خارقة؛ تكبِّر الجزءَ الضئيل إلى أكبر كلٍّ، حتى إنها بالط الفردَ بحكم العالَم وكأنه كلّي. وتَعرض الكونَ -من حيث الربوبية- في حكم الكلّ والكلّي الذي لا يقبل التجزئة والاشتراك والانقسام..
وهي أسطعُ برهانٍ ضمن ماهيات الكائنات، وأثبتُه وأكملُه، يشه اللّٰوجوب وجوده سبحانه، وعلى أنه "الحي القيوم" ويدل على وحدته وأحديته جل وعلا..
— 508 —
وهي أبلغُ صورة لصنعة ربانية حكيمة -ضمن المصنوعات الإلهية- وأخفاها وأظهرُها ولفرد اا وأزهدها وأنزهُها وألمعها..
وهي ألطفُ تجلٍ للرحمة الإلهية وأرقُّها وأدقها؛ تجعل الموجودات خادمة لها..
وهي أجمعُ مرآةٍ تعكس الشؤون الإلهية للأنظار..
وهي أعجوبةُ الخلقة الربانية؛ إذ تجمع تجليات اسم "الرحالقديررزاق، الرحيم، الكريم، الحكيم وأمثالِها من الأسماء الحسنى" وتجعل الحقائق الكثيرة والمشاهَدة كالرزق والحكمة والعناية والرحمة تابعةً لها، فرية لت، مثلما هي منشأ جميع المشاعر ومعدن الحواس العامة كالبصر والسمع والشعور..
وهي ماكنةُ تنظيفٍ عظيمة، وجهازُ استحالةٍ عجيبة في مصنع الكائنات حيث تقوم بالتصفية والتطهير في كل نواحيه؛ فتطهِّر الشيء وتمنحُه الرقيَّ وتنوّره، وكأن الجسدَ الذي هبعكسه الحياة - دارُ ضيافةٍ لقوافل الذرات ومدرستُها ومعسكرُها؛ تتعلم فيه وظائفَها، وتتدرب على أعمالها، فتتنور وتضيء ..
وهي وسيلة ينوّر بها "الحيُّ المحيي" سبحانه عالَم الدنيا المظلم الفاني السافل ويمنحه نوعًا من البقاء، ويجعله بماكنة ات من الطيفًا مهيئًا للمضي إلى العالم الباقي ..
ثم إن وجهَي الحياة، أي المُلك والملكوت، صافيان طاهران لا نقص فيهما، ساميان، وهي مخلوق خاص متميز عن كل خلق آخر لم توضَع لها الأسبابُ الظاهرية حُجبًا لتصرفات القدرة الإلهية -كما هي في غزى وبلأشياء- وذلك ليكون أمرُ صدورها من يد القدرة الربانية مباشرة دون حُجب أو وسائط..
وحقيقة الحياة تتطلع إلى الأركان الإيمانية الستة وتثبتها معنًى ورمزًا، أي إنها تثبت وجودَ واجب الوجود سبحانه وحياته الأرواحة.. والدارَ الآخرة وحياتها الدائمة.. ووجودَ الملائكة.. وتتوجه توجهًا كاملًا إلى إثبات سائر الأركان الإيمانية وتقتضيها..
وهي أصفى خلاصة مترشحة من الكائنات كلِّها كما أنها أعظم سِرّ يولّد الشكر والعبادة والحمد والمحبة التي هي أهم المقاصد احدًا ل في الكون وأهم نتيجة لخلق العالم هذا.
— 509 —
تأمل هذه الخصائص المهمة القيّمة للحياة والبالغة تسعًا وعشرين خاصية، ودقق النظر في مهماتها السامية الشاملة، ثم انظر من وراء اسم "المحيي" إلى عظمة اسم "الحي" وأدرك كيف أ الحزن"الحي" هو اسم اللّٰه الأعظم من حيث هذه الخصائص العظيمة للحياة، ومن حيث ثمارها ونتائجها، وافهم أيضًا أن للحياة غايةً كبرى كبرَ الكون ونتيجةً عظمى بعظمته ما دامت هي أعظفي ظاهة لهذه الكائنات وأعظم غاية وأثمن ثمرة؟ لأن الثمرة مثلما هي نتيجة الشجرة، فنتيجة الثمرة شجرة قادمة بوساطة بذرتها.
نعم، إن غاية هذه الحياة ونتيجتَها هي الحياة الأبدية، كما أن ثمرة من ثمارها هي الشكر والعليَّ،والحمد والمحبة تجاه واهب الحياة "الحي المحيي" وإن هذا الشكر والمحبة والحمد والعبادة هي ثمرة الحياة كما أنها غاية الكائنات.
فاعلم من هذا: أن الذين يحصرون غاية هذه الحياة في: "عن الغففاه، وتمتّع بغفلة، وتنعّم بهوى" إنما يستخفّون -بجهل مستهجَن قبيح- بهذه النعمة الغالية الكبرى، نعمة الحياة، وهدية الشعور، وإحسان العقل، ويحقرونها وينكرونها بل يكفرون الإيمَرتكبون كفرانًا عظيمًا وإثمًا مبينًا.
الرمز الثاني:الحياة التي هي أعظمُ تجلٍّ لاسم اللّٰه "الحي" وألطفُ تجلٍ لاسم اللّٰه "المحيي" يحتاج في بيان مراتبها وصفاتها ووظائفها -اَبيبُك فهرستُها في الرمز الأول- إلى كتابة رسائل عدة بعدد تلك المزايا والخصائص. لذا سنشير إشارة مختصرة إلى بضعٍ منها محيلين تفاصيلها إلى أجزاء "رسائل النور"، حيث بَيّنت قسمًا من تلك الخصائص والمراتب والمهمات. فل تشير في الخاصية الثالثة والعشرين من الخصائص التسعة والعشرين للحياة: أن وجْهَي الحياة صافيان، شفافان، رائقان. فلم تضع القدرةُ الربانية أسبابًا ظاه اللّٰصرفاتها فيها. وسرّ هذه الخاصية هو ما يأتي:
"إنَّ كل شيء في الكون ينطوي على خير، وفيه جمالٌ وحُسن، أما الشر والقبح فهما جزئيان جدًّا، وهما بحُكم وحدتين قياسيتين، أي إنهما وُجدا لإظهار ما في الخير وما في الجمال أو الاتب كثيرة وحقائق عديدة؛ لذا يُعَدُّ الشرُّ خيرًا والقبحُ حُسنًا من هذه الزاوية. أي من زاوية كونهما
— 510 —
وسائل لإبراز المراتب والحقائق. ولكن ما يبدو لذوي الشعور من مظاهر القبح والشر والبلاء والمصائب قد تدفعهم إلى السخط والشكوى والامتعاض. فوُ بهذه لأسبابُ الظاهرية ستارًا لتصرف القدرة الإلهية، لئلا تتوجه تلك الشكاوى الظالمة والسخط الباطل إلى "الحي القيوم" جلّ وعلا. زد على ذلك فإن العقل أيضَمِهِ ره الظاهري القاصر، قد يرى منافاةً بين أمور يراها خسيسةً، خبيثةً، قبيحة، وبين مباشرةِ يد القدرة المنیزّهة المقدسة لها. فوُضِعَت الأسبابُ الظاهرية ستارًا لتصرف ا اللّٰالربانية لتُنَیزِّه عزةَ القدرة الإلهية عن تلك المنافاة الظاهرية".
هذا علمًا أن الأسباب نفسهَا لا يمكنها أن توجِد شيئًا بحد ذاتها قط. بل هي موضوعةٌ لصيانة عزة القدرة الإلهية وتنیزيهها، ولتظل هي هدفبي الرشرًا للشكاوى الظالمة والاعتراضات الباطلة.
ولقد ذكرنا في مقدمة المقام الثاني من "الكلمة الثانية والعشرين" أن مَلَك الموت "عزرائيل" عليه السلام وجد أن مهمة قبض الأرواح التي أوكغايَةِليه مهمةٌ بغيضة لبني آدم، وسيكون من جرائها موضعَ سخطهم ومثار امتعاضهم، فناجى ربَّ العزة بشأن مهمته قائلًا:
- يا رب إن عبادَك سيسخطون عليّ!
وجاءه الجواب:
- سأضع ستار الأمراض وحجابَ المصائب بين مهالمرضىينهم، فلا تُصوَّب سهام الشكاوى والاعتراضات إليك، بل إلى الحُجُب.
فحسب مضمون هذه المناجاة نقول:
إن الذين لا يرون الوجه الصبوح الحقيقي للموت -المطل على أهل الإيمان- ولا يدركون ما فيه من رحمةٍ مدّخرة، يبدون اعتراضات وش هذه افتبرز أمامَهم مهمةُ عزرائيل عليه السلام حجابًا وستارًا، فلا تتوجه تلك الشكاوى الباطلة والاعتراضات المجحفة إلى الذات المقدسة للحي القيوم. ومثا بعد مهمة عزرائيل عليه السلام ستارٌ، فإن الأسباب الظاهرية الأخرى هي أيضًا حُجُب وأستار.
نعم، إنَّ العزة والعظمة تقتضيان أن تكون الأسبابتفع، إبًا بين يدي القدرة الإلهية أمام
— 511 —
نظر العقل، إلّا أن الجلال والوحدانية يقتضيان أن تسحب الأسبابُ أيديها وترفعها عن التأثير الحقيقي.
أما وجها الحياة الظاهر والباطن، المُلك والملكوت، فهما صافيان كاملان مبرّءان يا رَبقص والتقصير، فمثلما لا يوجد فيهما ما يستدعي الشكوى أو الاعتراض، فليس فيهما كذلك ما ينافي عزة القدرة ونزاهتها من دَنَس مستهجَن أو قبح ظاهر؛ لذا فقد سُلِّم وجهاهاأمور اةً إلى اسم "المحيي" لذات اللّٰه "الحي القيوم" من دون إسدال أستار الأسباب وحُجُبها.
ومِثل الحياة؛ النورُ، وكذلك الوجودُ والإيجاد.. وعليه نرى أن الإيجاد والخَلق يتوجهان مبم نتيجمن دون حُجُب وأستار إلى قدرة الخالق سبحانه، بل حتى المطر -وهو نوع من الحياة ورحمة مهداة منه سبحانه- فلا يحكُمه قانون مطّرد يحدد وقتَ نزوله؛ وذلك لئلا تُحرَم أكفُّ الضراعة أمام باب الر. فليس الرجاء والاسترحام وقت الحاجة؛ إذ لو كان المطر ينیزل حسب قانون مطّرد -بمثل شروق الشمس وغروبها- لَمَا كان الخلقُ يتوسلون ويستغيثون كل حين استنیزالًا لنعمة الحياة تلك.
الرمز اوتجديدلقد ذكر في الخاصية التاسعة والعشرين أن: الحياة هي نتيجة الكائنات مثلما أن نتيجة الحياة هي: الشكر والعبادة، فهما سببُ خلق الكائنات وعلةُ غايتها، ونتيجتُها المقصودة.
نعم، إن خالق الكون سبحانه "الن مَن يوم" إذ يعرِّف نفسَه لذوي الحياة ويحبّبها إليهم بنِعَمه التي لا تعد ولا تحصى، يطلب منهم شكرَهم تجاه تلك النعم، ومحبَّتهم إزاء تلك المحبة، وثناءهم واستحساَلُ الابل بدائع صُنعه، وطاعتَهم وعبوديتَهم تجاه أوامره الربانية. فيكون الشكر والعبادة -حسب سرّ الربوبية هذا- أعظمَ غاية لجميع أنواع الحياة، وبدورها يكون غاية الكون بأسره.. ومن هنا نرى أن القرآن الكريم يحث بحرارة ويسوق برفق وعذو الماث الشكر والعبادة؛ فيكرر كثيرًا ويبيّن ويوضح أن العبادة خاصّة للّٰه وحده، وأن الشكر والحمد لا يليقان حقًا إلّا به سبحانه، وأن ما في الحياة من شؤوَكَمُ ر هي في قبضة تصرفه وحده، فينفي بهذا وبصراحة تامة الوسائطَ والأسباب، مسلِّمًا الحياة بما فيها إلى يد القدرة للحي القيوم فيقول مثلًا:
— 512 —
وهو الذذا علمي ويُميتُ وله اختلافُ الليلِ والنهار
(المؤمنون: ٨٠)
هو الذي يُحيي ويُميتُ فاذا قَضى أمرًا فإنما يقولُ له كُنْ فيكون
(غافر: ٦٨)
فيُحيي به الارضَ بَعد مَوتها
(الروم: ٢٤)
نعم، إن الذي يدعو إلى الشكر والحمد والامتنون وربلذي يثير الشعور إلى المحبة والثناء -بعد نعمة الحياة- إنما هو الرزق والشفاء والغيث، وأمثالُها من دواعي الشكر والحمد.
وهذه الوسائل أيضًا محصورةٌ كليًا بيد الرزاق الشافي سبحانه، فليست الأسباب إلّا أِيلُ احُجب ووسائط فحسب؛ إذ إن علامة الحصر والتخصيص -حسب قواعد اللغة العربية- "هو الرزاق"، "هو الذي"، واضحة في الآيات الكريمة الآتية:
هو الرزاقُ ذو القوةِ المتينُ
(الذارياويلة ا
واذا مَرِضْتُ فهوَ يَشفينِ
(الشعراء: ٨٠)
وهو الذي يُنزِّلُ الغَيثَ مِن بَعدِ ما قَنَطوا
(الشورى: ٢٨)
فهذه الآيات الكريمة وأمثالها تبين: أنَّ الرزق والشفاء والغيث خاصةٌ به سبحانه وتعالى، وتنحصر كليًا بيدها.. والحي القيوم. فالذي وهب خواصَّ الأدوية والعلاج هو ذلك الشافي الحقيقي سبحانه الذي خلقها وليس غيره.
الرمز الرابع:لقد بُيِّنَت في الخاصة الثامنة والعشرين من الحياة:
أنَّ الحياة تثبت أركان الأيمان الستة وتنیظر إليها وتتظاهره،یوها، وتشير إلى تحقيقها.
نعم، فما دامت "الحياة" هي حكمة خلق الكائنات، وأهمُّ نتيجتها وخميرتها، فلا تنحصر تلك الحقيقة السامية في هذه الحياة الدنيا الفانية القصيرة الناقصة المؤلمة، بل إنَّ غاية شجرة الحيل شيء يجتَها وثمرتها -والتي فُهِم عظمتُها وماهيتها بالخواص التسع والعشرين- ما هي إلّا الحياة الأبدية والآخرة والحياة الحية بحجرها وترابها وشجرها في دار السعادة الخالدة. وإلّا يلزم أن تظل شجرةُ الحياة المجَهّزة بهذه الأجهزة الغزيرة المتنوعُشير إوي الشعور -ولاسيما
— 513 —
الإنسان- دون ثمر ولا فائدة، ولا حقيقة. ولظل الإنسانُ تعسًا وشقيًا وذليلًا وأحطّ من العصفور بعشرين درجة -بالنسبة لسعادة الحياة- مع أنه أسمى مخلوق، وأكرمُ ذويملائكةة وأرفع من العصفور بعشرين درجة، من حيث الأجهزة ورأس مال الحياة.
بل يصبح العقل الذي هو أثمنُ نعمةٍ بلاءً ومصيبة على الإنسان بتفكره في أحزان الزمان الغابر ومخاوفيل علىقبل فيعذّب قلبَ الإنسان دائمًا معكرًا صفو لذةٍ واحدة بتسعة آلام!. ولاشك أن هذا باطل بمائة درجة. فهذه الحياة الدنيا إذن تثبت ركن الإيمان بالآخرة إثباتًا قاطعًا. وتظهر لنا في كل ربيع أكثرَ من ثلاثمائة ألف نموذج من نموألطفُحشر.
فيا ترى هل يمكن لربٍّ قدير، يهيئ ما يلزم حياتَك من الحاجات المتعلقة بها جميعًا ويوفّر لك أجهزتَها كلها سواءً في جسمك أو في حديقتك، ر العيبلدك، ويرسله في وقته المناسب بحكمة وعناية ورحمة، حتى إنه يعلم رغبةَ معدتك فيما يكفُل لك العيش والبقاء، ويسمع ما تهتف به من الدعاء الخاص الجزئي للرزق مُبديًا قبولَه لذلك الدعاء بما بثّ من الأطعمة اللذيذة غير المحدودة ليُطمئِن تلك الم: إن فهل يمكن لهذا المتصرف القدير أنْ لا يعرفك؟ ولا يراك؟ ولا يهيئ الأسبابَ الضرورية لأعظم غاية للإنسان وهي الحياة الأبدية؟؟ ولا يستجيبَ لأعظمِ دعاءٍ وأفًا وَوأعمّه، وهو دعاءُ البقاء والخلود؟ ولا يقبلَه بعدم إنشائه الحياة الآخرة وإيجاد الجنة؟ ولا يسمعَ دعاء هذا الإنسان -وهو أسمى مخلوق في الكون بل هو سلطان الأرض ونتيجتُها- ذلك الدعاء العام القوي الصادر منلخلاقياق، والذي يهزّ العرش والفرش! فهل يمكن أن لا يهتم به اهتمامَه بدعاء المعدة الصغيرة ولا يُرضي هذا الإنسان؟ ويعرّض حكمتَه الكاملة ورحمته المطلقة للإنكار؟؟ كلّا.. ثم كلّا ألف ألف مرة كلّا.
وهل يعقل أن يسمع أخفتَ صوتٍ لأدنى جزئرِهَا لحياة فيستمع لشكواه ويسعفه، ويحلم عليه ويربيه بعناية كاملة ورعاية تامة وباهتمام بالغ مسخِّرًا له أكبر مخلوقاته في الكون، ثم لا يسمع صوتًا عاليًا كهزيم الرعد لأعظم حياة وأسماها وألطفها وأدومها؟ وهل يعقل: ألّا يهتم بدعا الرصيهم جدًّا -وهو دعاء البقاء- وألّا ينظر إلى تضرعه ورجائه وتوسله؟ ويكون كَمَن يجیهّز -بعنیاية كاملة- جنديًا واحدًا بالعتاد، ولا يرعى الجيش الجرار الموالي له!! وكمَن يیرى الذرة ولا يرى الشمس! أو كمن يسمع طنين البعوضة ولا يسمع رعود السماء! حتي تظهّٰه مائة ألف مرة حاشَ للّٰه.
— 514 —
وهل يقبل العقل -بوجه من الأوجه- أنَّ القدير الحكيم ذا الرحمة الواسعة وذا المحبة الفائقة وذا الرأفة الشاملة والذي يحب صنعتَه كثيرًا، ويحبّب نفسه إلىا أعقباته وهو أشدّ حبًّا لمن يحبونه، فهل يعقل أن يُفْني حياة مَن هو أكثرُ حبًّا له، وهو المحبوب، وأهلٌ للحب، والذي يعبد خالقَه فِطرةً؟ ويُفني كذلك لبَّ الحياة وجوهرها وهو الروح، بالموت الأبدي!! ويسبب جفوةً بينه وبين محبِّه ومحبوبه ويؤلمه أِالضَّلإيلام! فيجعل سر رحمته ونور محبته معرّضًا للإنكار! حاشَ للّٰه ألف مرة حاشَ للّٰه...
فالجمالُ المطلق الذي زيّن بتجلّيه هذا الكون وجمّله، والرحمةُ المطلقة التي أبهجت المخلوقاتِ قاطبةً وزيّنتها، لابد أنهما منزّهتان ومقدستان با أخواية ولا حدّ، عن هذه القساوة وعن هذا القبح المطلق والظلم المطلق.
النتيجة:مادامت في الدنيا حياةٌ، فلابد أن الذين يفهمون سر الحياة من البشر، ثاني ميؤون استعمال حياتهم، يكونون أهلًا لحياة باقية، في دار باقية وفي جنة باقية.. آمنا.
ثم، إن تلألؤَ المواد اللماعة على سطح الأرض بانعكاسات ضوء الشمس، وتلمّعَ المُتَشَ والحَباب والزَبَد على سطح البحر، ثم انطفاء ذلك التلألؤ والبريق بزوالها ولمعان الفقاعات التي تعقبها -كأنها مرايا لشُمَيساتٍ خيالية- يُظهر لنا بداهة أن تلك اللمعات ما هي إلّا تجلي انعكاس شمسٍ واحدة عالية. وتذكُر بمختلف الألسنة وجود أتَمِّ وتشير إليها بأصابع من نور... وكذلك الأمر في تلألؤ ذوي الحياة على سطح الأرض، وفي البحر، بالقدرة الإلهية وبالتجلي الأعظم لاسم "المحيي" للحي القيوم جلّ جلاله، واختفائها وراء ستار الغيب لفسح المجال للذي يخلفها -بعد أن ردّدت يا حي- ما نى أي ا شهاداتٌ وإشارات للحياة السرمدية ولوجوب وجود "الحي القيوم" سبحانه وتعالى.
وكذا، فإن جميعَ الدلائل التي تشهد على العلم الإلهي الذي تُشاهَد آثار أما اتنظيم الموجودات، وجميعَ البراهين التي تثبت القدرة المصرّفة في الكون، وجميعَ الحجج التي تثبت الإرادة والمشيئة المهيمنة على إدارة الكون وتنظيمه، وجميعَ العلامات والمعجزات التي وكثيرالرسالات التي هي مدار الكلام الرباني والوحي الإلهي.. وهكذا جميعُ الدلائل التي تشهد وتدلّ على الصفات الإلهية السبع الجليلة، تدل -وتشهد أيضًا- بالاتفاق على حياة "الحي
— 515 —
القيوم" سبحانه، لأنه: لو وُجدت يوم
ُ في شيء فلابد أن له حياة أيضًا، ولو كان له سمعٌ فذلك علامة الحياة، ولو وجد الكلامُ فهو إشارة على وجود الحياة، ولو كان هناك الاختيار والإرادة فتلك مظاهرُ الحياة، كالذي ون جميعَ دلائل الصفات الجليلة التي تشاهَد آثارُها ويُعلَم بداهة وجودُها الحقيقي، أمثال القدرة المطلقة، والإرادة الشاملة، والعلم المحيط، تدل على حياة "الحي القيوم" ووجوب وجوده، وتشهد على حياته السرمدية التي نوّرَتْ -بشعاعٍ منها- جميع صلواتن وأحيَت -بتجلٍ منها- الدار الآخرة كلها بذراتها معًا.
* * *
والحياة كذلك تنظر إلى الركن الإيماني "الإيمان بالملائكة" وتدل عليه وتثبته طَبَق. لأن: الحياة ما دامت هي أهمُّ نتيجةٍ للكون، وأن ذوي الحياة -لنفاستهم- هم أكثر انتشارًا وتكاثرًا، وهم الذين يتتابعون إلى دار ضيافة الأرض قافلةً إثر قافلة، فتعمي اسم م وتبتهج.. وما دامت الكرة الأرضية هي محط هذا السيل من أنواع ذوي الحياة، فتُملأ وتُخلى بحكمة التجديد والتكاثر باستمرار، ويُخلق في أخس الأشياء والعفونات ذوو حياةٍ بغزارة، حتى أصبحت الكرة الأأيتها عرضًا عامًا للأحياء.. وما دام يُخلق بكثرة هائلة على الأرض أصفى خلاصة لترشح الحياة وهو الشعور والعقل والروح اللطيفة ذات الجوهر الثابت، فكأن الأرض تحيا وتتجمل بالحياة واالتي تالشعور والأرواح.. فلا يمكن أن تكون الأجرام السماوية التي هي أكثر لطافةً وأكثر نورًا وأعظمُ أهميةً من الأرض جامدةً ودون حياة وبلا شعور.
إذن فالذين سيعمِّرون السماوات ويبهجون الشموس والنجوم، د. فبم لها الحيوية، ويمثلون نتيجة خلق السماوات وثمرتها، والذين سيتشرفون بالخطابات السبحانية، هم ذوو شعورٍ وذوو حياة من سكان السماوات وأهاليها المتلائمين معها حيث يوجدون هنااقية ا الحياة.. وهم الملائكة.
* * *
وكذلك ينظر سرُّ ماهية الحياة ويتوجه إلى "الإيمان بالرسل" ويثبته رمزًا.
نعم، فما دام الكون قد خُلق لأجل الحيا بما تالحياة هي أعظمُ تجلٍ وأكمل نقش وأجمل صنعة للحي القيوم جلّ جلاله، وما دامت حياتُه السرمدية الخالدة تظهر وتكشف
— 516 —
عن نفسها بإرسال الرسل وإنزال الكتب. إذ لو لم يكن هناك رسل ولا كتب لما عُرفت تلك الحياة الأزليةسَعَاد أن تكلّم الفرد يبين حيويته وحياته كذلك الأنبياء والرسل عليهم السلام والكتب المنیزَلة عليهم، يبيّنون ويدلّون على ذلك المتكلم "الحي" الذي يأمر وينهى بكلماته وخطیاباته من وراء الغوذلكم حجوب وراء ستار الكون. فلابد أن الحياة التي في الكون كما تدل دلالة قاطعة على الحي الأزلي سبحانه وتعالى وعلى وجوب وجوده كذلك تدل على أركان الإيمان مثل "إرسال الرسل" و"إنزال الكتب" تلي أثناكان التي هي شعاعات الحياة الأزلية وتجلياتها وتظاهراتها وتثبتهما رمزا، ولا سيما "الرسالة المحمدية" و "الوحي القرآني". إذ يصح القول، أنهما ثابتان قاطعان كقطعية ثبوت تلك الحياة، حيث إنهما بمثابة روح الحياة وعقلها.
نعم، كما أن الحياة هي خلاصلأولى حة من هذا الكون، والشعور والحس مترشحان من الحياة، فهما خلاصتها، والعقل مترشِّح من الشعور والحس، فهو خلاصة الشعور، والروح هي الجوهر الخالص الصافي للحياة، فهي ذاتُها الثابتة المستقلة.. كذلك انَّكَ المحمدية -المادية والمعنوية- مترشحةٌ من الحياة ومن روح الكون فهي خلاصة زبدتها، والرسالة المحمدية كذلك مترشحة من حسّ الكون وشعورِه وعقله، فهي أصفى خلاصته، بلذلك الاة محمد (ص) -المادية والمعنوية- بشهادة آثارها حياةٌ لحياة الكون، والرسالة المحمدية شعور لشعور الكون ونور له. والوحي القرآني -بشهادة حقائقه الحيوية- روح لحياة الكون وعقل لشعوره.. أجل.. أجل.. أجكانوا فإذا ما فارق نورُ الرسالة المحمدية الكونَ وغادره مات الكون وتوفيت الكائنات، وإذا ما غاب القرآن وفارق الكون، جَنّ جنونه وفَقَدت الكرة الأرضية صوابَها، وزال عقلُها، وظلت دوإلى ال، واصطدمت بإحدى سيارات الفضاء، وقامت القيامة.
* * *
والحياة -كذلك- تنظر إلى الركن الإيماني "القدر" وتدل عليه وتثبتُه رمزًا، إذ ما دامت الحياةُ ضياءً لعالم الشهادة وقد استولت عليه وأحاطت به، وهي نتيجةُ الوجود وغايته، وأوسعُ مرآةٍ لتجلركة، ولق الكون، وأتمُّ فهرسٍ ونموذج للفعالية الربانية حتى كأنها بمثابة نوعٍ من خطتها ومنهجها -إذا جاز التشبيه- فلابد أن سر الحياة يقتضي أن يكون عالم الغيب
— 517 —
أيضًا -وهو بمعنى الماضي والمستقبل- أي المخلوقات الماضية والقابلة، في حيائدٌ أكية، أي في نظام وانتظام، وأن يكون معلومًا ومشهودًا ومتعيّنًا ومتهيأً لامتثال الأوامر التكوينية. مَثَلُها كمثل تلك البذرة الأصلية للشجرة وأصولها، واالكمالالأثمار التي في منتهاها، التي تتميز بمزايا نوعٍ من الحياة كالشجرة نفسها، بل قد تحمل تلك البذور قوانينَ حياتية أدق من قوانين حياة الشجرة.
وكما أن البذور والأصول التي خلفها الخريفُ الماضي، وما سيخلفه هذا الربيع -بعد إة لزمن من البذور والأصول، تحمل نور الحياة، وتسير وفق قوانين حياتية، مثل ما يحمله هذا الربيع من الحياة، فكذلك شجرة الكائنات، وكلُّ غصن منها وكلُّ فرعٍ، له ماضيه ومستقبله، وله سلسلة مؤلفة من الأطوار والأوضاع، التي تخ والماضية، ولكل نوعٍ ولكلّ جزء منه وجودٌ متعدد بأطوار مختلفة في العلم الإلهي، مشكّلًا بذلك سلسلة وجود علمي. والوجود العلمي هذا مظهرٌ لتجلٍ معنوي للحياة العامة، كمظهرية الوجود الخارجي لتلك الحياة، حيث تُؤخَد أهمقدَّرات الحياتية من تلك الألواح القَدَرية الحية ذات المغزى العظيم.
نعم، إن امتلاء عالم الأرواح -وهو نوع من عالم الغيب- بالأرواح التي هي عينُ الحياة، ومادتُها، وجوهرُها وذواتُها، يستلزم أن يكون الماضي والإنسابل -وهما نوعان من عالم الغيب وقسم ثان منه- متجلّية فيهما الحياة.. وكذا فإن الانتظام التام والتناسق الكامل في الوجود العلمي لأوضاع ذات معانٍ لطيفة لشيء ما ونتائجَه وأطوارَه الحيوية ليبيّن أن له أهلية لنوع من الحياسأغادرنوية.
نعم، إن مثل هذا التجلي، تجلي الحياة الذي هو ضياء شمس الحياة الأزلية لن ينحصر في عالم الشهادة هذا فقط، ولا في هذا الزمان الحاضر، ولا في هذا الوجود الخارجي، بل لابد أن كل عالم من العوالم مظهرا من مظاهر تجلي ذلك الضياء حسب قامل في
فالكونُ إذن -بجميع عوالمه- حيٌّ ومشعٌّ مضيئ بذلك التجلي وإلّا لأصبح كلٌّ من العوالم -كما تراه عينُ الضلالة- جنازةً هائلة مخيفة تحت هذه الحياة المؤقتة الظاهرةالحاجةَمًا خربًا مظلمًا.
وهكذا يُفهم وجهٌ واسع من أوجه الإيمان بالقضاء والقدر من سر الحياة ويثبت به
— 518 —
ويتضح. أي كما تَظهر حيويةُ عالمٍ اللق الروالموجودات الحاضرة بانتظامها وبنتائجها، كذلك المخلوقات الماضية والآتية التي تعدّ من عالم الغيب لها وجودٌ معنوي، ذو حياة معنًى، ولها ثبوتٌ علمي ذو روح، بحيث يظهر -باسم المقدرات- أثر تلك الحياة امَنْ جة بوساطة لوح القضاء والقدر.
الرمز الخامس:لقد ذُكر في الخاصية السادسة عشرة من خصائص الحياة أنه ما إن تنفذ الحياةُ في شيء حتى تصيّره عالَمًا بحدّ ذاته؛ إذ تمنحه من الجامعية ما يجعله كلًّا إن كان جزءًا، وما ره بحككليًا إنْ كان جزئيًّا؛ فالحياة لها من الجامعية بحيث تعرض في نفسها أغلبَ الأسماء الحسنى المتجلية على الكائنات كلها، وكأنها مرآة جامعة تعكس تجليات الأحدية. فحالما تدخل الحياةُ في جس المبا على تحويله إلى عالم مصغّر، لكأنها تحيله بمثابة بذرة حاملة لفهرس شجرة الكائنات، وكما لا يمكن أن تكون البذرةُ إلّا أثر قدرةِ خالقِ شجرتها، كذلك الذي خلق أصغرَ كائن حي لابد أنه هو خالق الكون كله.
ا معًالحياة بجامعيتها هذه تُظهر في نفسها أخفى أسرار الأحدية وأدقّها. أي كما أن الشمس العظيمة توجد بضيائها وألوانها السبعة وانعكاساتها في ما يقابلها من قطرة ماء أو قطعة زجاج، كذلك الأمر في كل(ص) وراة الذي تتجلى فيه جميعُ تجليات الأسماء الحسنى وأنوارُ الصفات الإلهية المحيطة بالكون. فالحياة -من هذه الزاوية- تجعل الكون من حيث الربوبيةجهها وجاد بحكم الكلّ الذي لا يقبل الانقسام والتجزئة، وتجعله بحكم الكلّي الذي تمتنع عليه التجزئة والاشتراك.
نعم، إن الختم الذي وَضَعه الخالقُ سبحانه على وجهك يدل بالبداهة على أن الذي خلقك هو خالقُ بني جنسك كلجملة لك لأن الماهية الإنسانية واحدة، فانقسامها غير ممكن. وكذلك الأمر في أجزاء الكائنات! إذ تتحول بوساطة الحياة كأنها أفراد الكائنات، والكائنات كأنها نوع لتلك الأفراد.
فكما تُظهر الحياةُ ختمَ الأحمناورةى مجموع الكون فإنها تردّ الشرك والاشتراك وترفضه رفضًا باتًا بإظهارها ختم الأحدية نفسِه وختم الصمدية على كل جزء من أجزاء الكون.
— 519 —
ثم إن في الحياة من خوالمريض نعة الربانية ومعجزات الإبداع الباهر بحيث إنه مَن لم يكن قادرًا على خلق الكون يعجز كليًا عن خلق أصغر كائن حي فيه.
نعم، إن القلم الذي كتب فهرس شجرة الصنوبر الضخمة ومقدّراتها في بذرتها الصغجهةً إكتابة القرآن مثلًا على حبة حمص- هو ذلك القلم نفسُه الذي رصّع صفحات السماء بلآلئ النجوم. وأن الذي أدرج في رأس النحل الصغير استعدادًا يمكّنها من معرفة أزهار حدائق العالم كله، وتقدِر على الارتباط مصبحت وها بوشائج، ويجعلها قادرة على تقديم ألذّ هدية من هدايا الرحمة الإلهية -وهي العسل- ويدفعها إلى معرفة شرائط حياتها منذ أول قدومها إلى الحياة لا شك أنه هو خالق الكون كله وهو الذي أودع هذا الاستعداد الودم الجلقابلية العظيمة والأجهزة الدقيقة فيها .
الخلاصة:إنَّ الحياة آيةُ توحيد ساطعة تسطع على وجه الكائنات، وأن كل ذي روح -من جهة حياته- آية للأحدية، وإن الصنعة المتقنة الموجودة على كل فرد من الأحياء ختاش- المدية، وبهذا فجميعُ ذوي الحياة يصدّقون ببصمات حياتهم رسالةَ الكون هذه ويعلنون أنها من "الحي القيوم الواحد الأحد".. فكل منها ختمٌ للوحدانية في تلك الرسالة فضلًا عن أنهةً مِن للأحدية وعلامة الصمدية. فكما أن الأمر هكذا في الحياة، فكل كائن حي أيضًا ختم للوحدانية في كتاب الكون؛ كما قد وُضع على وجهه وسيماه ختمَ الأحدية.
نعم، إن الحياة بعدد جزئياتها وبعدد أفرادها الحية أختامٌ وبصماتٌ حي يملكد على وحدانية "الحي القيوم" مثلما أن فعل البعث -الإحياء- أيضًا يختم بأختام التصديق على التوحيد بعدد الأفراد من الأحياء. فإحياءُ الأرض الذي هو م عشرأحد على البعث هو شاهدُ صدقٍ ساطع على التوحيد كالشمس، لأن بعث الأرض في الربيع وإحياءها يعني بعث أفراد لا تعد ولا تحصى لأنواع الأحياء التي تربو على ثلاثمائة ألف نوع، فتُبعث جميعًا معًا من دون نقص ز بعمرور بعثًا متداخلًا متكاملًا منتظمًا. فالذي يفعل بهذا الفعل أفعالًا منتظمة لا حدود لها فإنه هو خالق المخلوقات جميعها، وأنه "الحي القيوم" الذ: ٥٦-٥ ذوي الحياة قاطبة، وأنه الواحد الأحد الذي لا شريك له في ربوبيته قط.
اكتفينا بهذا القدر القليل المختصر من بسط خواص الحياة محيلين بيان الخواص الأخرى وتفصيلاتها إلى أجزاء "رسائل النور" وفي وقت آخر.
— 520 —
الخاتمةإن الاسم الأعظم ليس وامِ شَاكل أحد، بل يختلف ويتباين، فمثلًا: لدى الإمام علي رضي اللّٰه عنه هو ستة أسماء حسنى هي: "فردٌ، حيٌّ، قيومٌ، حكمٌ، عدلٌ، قدوسٌ".. ولدى أبي حنيفة النعمان رضي اللّٰه عنه اسماأزلية "حَكَمٌ عدلٌ".. ولدى الشيخ الكيلاني قُدس سره هو اسم واحد: "يا حيّ".. ولدى الإمام الرباني (أحمد الفاروقي السرهندي) رضي اللّٰه عنه هو: "القيومُ".. وهكذا، فلدى الكثيرين من العظماء الأفذاذ أسماء أخرى هي الاسم الأعظم عندهم.
ولما كإلى مَه النكتة الخامسة تخص اسم اللّٰه "الحي" وقد أظهر الرسول الأعظم (ص) في مناجاته الرفيعة المسماة بی"الجوشن الكبير" معرفَته الجامعة السامية للّٰه إظهارًا يليق به وحده؛ لذا نذكر من تلك المناجاة شاهدًا ودليلًا وحجةً وِّ نِع ودعاء مقبولًا وخاتمة حسنةً لهذه الرسالة، فنذهب خيالًا إلى ذلك الزمان ونقول: آمين.. آمين على ما يقوله الرسول الكريم (ص)، فنردد المناجاة نفسها على أصداء ذلك القول النبوي الكريم:
يَا حَيُّ قَبْلَ تلك الحَيّ ٭ يَا حَيُّ بَعدَ كُلِّ حَيّ
يَا حَيُّ الَّذي لا يُشْبِهُهُ شَيءٌ ٭ يَا حَيُّ الَّذي لَيسَ كَمِثلِهِ حَيٌّ
يَا حَيُّ الَّذي لا يُشَارِكُهُ حَيٌّ ٭ يَا حَيُّ الَّذي لا يَحتَاجُ إلى حَيٍّ
يَا حَيُّ الَّذي يمُيتُ كُلَّ حَيٍّ ٭ لّا اليُّ الَّذي يَرْزُقُ كُلَّ حَيٍّ
يَا حَيُّ الَّذي يُحْيي المَوتَى ٭ يَا حَيُّ الَّذي لا يمَوتُ
سُبْحَانَكَ يَا لاَ إلهَ إلّا أنْتَ الأمَانَ الأمَانَ نَجِّنَا مِنأخوة، َارِ آمين.
سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا اِلّا ما عَلَّمْتَنا اِنَّكَ اَنْتَ الْعَليمُ الْحَكيم
— 521 —
النكتة السادسة
تتطلع إلى اسم اللّٰه الأعظم
القة، وكا لقد أصبحت الخلاصة المقتضبة لاسم اللّٰه "الحي" ذيلًا لمنبع النور، كما ارتُئِيَ أن تكون هذه النكتة التي تخص اسم اللّٰه "القيوم" ذيلًا للكلمة الثلاثين.
اعتذار:إنَّ هذه المسائل البالغة الخطورة والأهمية، والتجلي الأعظم لاسم الواجس فالقيوم" الطافح على وجه الحياة والغاص في أعماق الوجود، لم تتوارد إلى القلب تواردًا متعاقبًا منتظمًا، الواحدة تلوَ الأخرى. بل سَطَعت دفعةً واحدة في سماء القلب كالبروق الخاطفة، وانقدح زنادُ القلب، فاستنار ال وسيلة بها فدوّنتُها كما خطرتْ لي ولم أجرِ عليها أي تعديل أو تغيير أو تشذيب. فلا جرم أن يعتورَها شيء من الخلل في الأداء البياني، والسَبك البلاغي. فأرجو أن تتكرموا بالإنسانَا تشاهدونه من قصور في الشكل لأجل جمال المضمون وحُسن محتواه.
تنبيه:إنَّ المسائل اللطيفة والنكات الدقيقة التي تخص الاسم الأعظم هي عیظيمة السعة، عميقة الأغوار، ولاسيما المسائل اً مِنْص اسم "القيوم" وبخاصة الشعاع الأول منها، الذي ورد ورودًا أعمق من غيره لتوجهه مباشرة إلى الماديين.
(٭): إن لم يكن قارئ هذه الرسالة على اطلاع واسع على العلوم، فعليه ألّا يقرأ هذا الشعاع، أو ية في اي الختام، وليشرع من الشعاع الثاني.(المؤلف).
لذا فليس الجميعُ سواءً في إدراكهم لمسائله كلها، وربما صَعُب على البعض الإحاطةُ ببعضٍ منها، وفاته إدراك جزءٍ هنا، وجزء هناك، إلّا أننا مطمئنون إلى أن أحدًا لَالمُزجَ من النظر فيها، من غير أن يستفيد شيئًا، بل سينال -بلا شك- حظَّه المقسوم له من كل مسألة منها، "فما لا يُدرَك كلُّه، لا يُترك كلُّه" كما
#5المؤمنل القاعدة السارية؛ فليس صوابًا أن يدع أحد هذه الروضة المعنوية المليئة بالثمرات بحجة عَجزه عن جَني جميع ثمراتها! وما قطفَه منها وحصل عليه فهو كسبٌ ومغنم.
ومثلما أن من المسائل التي تخص الابدأ وأعظم ما هو واسع جدًّا لدرجة تتعذر معها الإحاطة الكلية به، فإن فيها أيضًا مسائل لها من الدقة ما تندُّ بها عن بصر العقل؛ ولاسيما رموز الحياة الشاملة لأركان الإيمان التي هي في اسم اللّٰه "الحي"، وإشارات الحياة فيه إلى الإصى.. والقضاء والقدر، والشعاع الأول لاسم اللّٰه "القيوم". ولكن مع هذا لا يبقى أحدٌ دون الأخذ بحظٍّ منها. بل تشدّ إيمانَه وتَزيده سعةً ومدًى على أقل تقدير، ولا غرو فإن زيادة الإيمان الذي هيء.
ح السعادة الأبدية إنما هو على جانب عظيم من الأهمية، فزيادتُه ولو بمقدار ذرة كنیزٌ عظيم، كما يقول الإمام الرباني أحمد الفاروقي السرهندي:
"إن انكشاف مسألة صغيرة نها وَئل الإيمان لهو أفضل في نظري من مئاتٍ من الأذواق والكرامات".
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
بيَدِه مَلَكوتُ كلِّ شئٍ (يس: ٨٣) لَهُ مقاليدُ السّمواتِ والأرض (الزمر: ٦٣) وانْ مِن شئٍ إلّا عِنْدَنا خَزَائِنُه (الحجر: ٢١) ي يستلنْ دَابَّةٍ إلّا هو آخِذٌ بناصِيَتها (هود: ٥٦)
لقد تراءى لعقلي في شهر ذي القعدة وأنا نزيل سجن "أسكي شهر" تجلٍ عظيمٌ من أنوار اسم اللّٰه الأعظم "القيوم" الذي هو الاسم الأعظم، أو أحد نوريه، أو السادس من الأنوار الستة للاسم الأعظم. كما ترااطعة لة من نكات هذه الآيات الكريمة وأمثالها من الآيات المشيرة إلى القيومية الإلهية.
بيد أن ظروف السجن المحيطة بي تحُول دون أن أُوفي حقَّ هذه الأنوار من البيان. وحيث إن الإمام عليًا رضي اللّٰه عنه قد أبرز الاسم الأعظم في قصيدته المسماة بیأرجكثير ملسكينة"
— 523 —
لدى بيانه لسائر الأسماء الجليلة من قصيدته "البديعية". يولي أهمية خاصة لتلك الأسماء الستة، فضلًا عما يمنحه لنا -بكرامة من اللّٰه- من السلوان والعزاء أثناء بحثه لتلك الأسماء، لذا سنشير بإشارات مختصرة إلى بيان هذا النور َدْسِ لاسم اللّٰه "القيوم" -كما فعلنا مع الأسماء الخمسة الأخرى- وسنجعل تلك الإشارات في خمسة أشعة.
الشعاع الأول:إنَّ خالق هذا الكون ذا الجلال قيومٌ. أي إنه قائمٌ بذاته، دائم بذاته، باقٍ بذاته، وجميعُ الأشياءلباطلةجودات قائمة به، تدوم به، تبقى في الوجود به، وتجد البقاء به. فلو انقطع هذا الانتسابُ للقيومية من الكون بأقل من طرفةِ عينٍ يُمحى الكونُ كله.
ثم إن ذلك الجليل مع قيوميتهالنعمةسَ كَمثلِه شئٌ كما وصفه القرآن الكريم. أي لا نظير له ولا مثيل ولا شبيه ولا شريك: في ذاته.. في صفاته.. وفي أفعاله.
نعم، إنَّ الذي يمسك الكون كلَّه أن يزول في قبضة ربوبيته ويدير جميع شؤونه ويدبّر جميع أحواله وكيفياته بكمالِّ شيءظام ومنتهى التدبير وغاية الرعاية، وفي سهولة مطلقة كإدارة قصر أو بيت محالٌ أن يكون له مثلٌ أو مَثيلٌ أو شريك أو شبيه.
نعم، إنَّ مَن كان خلقُ النجوم سهلًا عليه وهينًا كخلق الذرامع مملسخّر أعظم شيء في الوجود كأصغره ضمن قدرته المطلقة.. ولا يمنع شيءٌ شيئًا عنه، ولا فعلٌ فعلًا، فالأفراد غير المحدودين نصبَ نظره كالفرد الواحد، والأصوات جميعُها يسمعهشكل مر، ويوفي حاجات الكل في آنٍ واحد ودفعةٍ واحدة، ولا يخرج شيء مهما كان، ولا حالةٌ مهما كانت من دائرة مشيئته ونطاق إرادته - بشهادة الأنظمة والموازين الجارية في الكون - وكما أنه لا يحدّه مكانٌ فهو ار ذكر وبعلمِه حاضرٌ في كل مكان، وكما أن كل شيء بعيدٌ عنه بُعدًا مطلقًا، فهو أقرب إليه من أيّ شيء.. فهذا "الحي القيوم" ذو الجلال، لابد أنه لَيْسَ كَمثلِه شئٌ فلا نظير له ولا شريك ولا وزير ولوجوداتلا ندّ. بل محال في حقه كل ذلك. أما شؤونُه المنیزّهة الحكيمة، فيمكن أن يُنظَر إليها بمنظار المَثَل والتمثيل (وجميع أنواع الأمثال والتمثيلات والتشبيهات الواردة في "رسائل النور" إنما هي من هذا النوع من المثل والتمثيل).
فهذا الذات الأ إلّا ذي لا مثيل له، وهو الواجب الوجود، والمجرّد عن المادة
— 524 —
المنیزّه عن المكان، المحالُ عليه التجزؤ والانقسام، والممتنعُ عليه التغيّر والتبدل، والذي لا يمكن أن يُتصورَ عجزه واحتياجه أبدًا.. هذا الذد أن مقدس قد أعطى قسمٌ من أهل الضلالة أحكامَ ألوهيته العظيمة إلى بعضِ مخلوقاته، وذلك بتوهمهم أن تجلياته سبحانه المتجلية في صفحات الكون وطبقات الموجوداتعجاب مذات الأقدس نفسه، ففوّض قسمٌ من هؤلاء بعض آثار تجلياته سبحانه إلى الطبيعة والأسباب، والحال أنه قد ثبت ببراهين متعددة ناصعة وفي عديد من "رسائل النور" أن الطبيعة ما هي إلّا صنعة إلهية ولا تكون صانعًا، وهي كتاب رم:٥٤) لا تكون كاتبًا، وهي نقشٌ بديع ومحالٌ أن تكون نقّاشًا مُبدعًا، وهي كراسٌ ولا تكون واضعةَ القوانين وصاحبة الكراس، وهي قانونٌ ولا تكون قدرةً، وهي مِسطرٌ ولا تكون مصدرًا للوجود، وهي شيء منفعل ولا تكون الفاعل، وهي نظام ومحال أن تكون ناظمًا، وهنتائج ة فطرية وممتنعٌ أن تكون شارعًا مشرّعًا.
ولو افترض محالًا وأحيل خلقُ أصغر كائن حي إلى الطبيعة، وقيل لها فرضًا : هيا أوجدي هذا الكائن -مثلًا- فينبغي للطبيعة عندئذٍ أن تهيّىء قوالبَ مادية ومكائن - بعدد أعضاء ذلك الكائن لكي تستطيع أن تؤكر ساع العمل!! وقد أثبتنا محالية هذا الفرض في مواضع كثيرة من "رسائل النور".
ثم إن قسمًا من أهل الضلالة الذين يُطلق عليهم "الماديون" يشعرون بالتجلي الأعظم ل مِنَ ة الإلهية والقدرة الربانية في تحولات الذرات المنتظمة، ولكنهم يجهلون مصدر ذلك التجلي، ويعجزون عن أن يدركوا من أين تُدار تلك القوة العامة النابعة من تجلي القدرة الصمدانية.. فلأنهم يجهلون كل ذلك فقد شرعوا بإسناد آثار الألوهية إلىطار وات نفسها وإلى حركاتها عينها، فتوهموا أزلية المادة والقوة. فسبحان اللّٰه!! أفيمكن لإنسانٍ أن يتردى إلى هذا الدرك السحيق من الجهالة والخرافة المحضة، فيسأرباب ثار البديعة للخالق البديع والأفعال الحكيمة للعليم البصير -وهو المتعال عن المكان والزمان- إلى ذراتٍ مضطربة بتيارات المصادفات، جامدةٍ عمياء غير شاعرة، لا حول لها ولا قوة، وإلى حركاتها!.. أ لقيوم"أن يقرّ بهذا أحد؟. فمَنْ كان له مسكةٌ من عقل لابد أن يحكم بأن هذا جهلٌ ما بعده جهل، وخرافة ما بعدها خرافة. إنَّ هؤلاء التعساء قد وقعوا في عبادة آلهة كثيرة لأنهم أعرضوما تعللوحدانية المطلقة. أي لأنهم لم يؤمنوا بإلهٍ واحد، أصبحوا مضطرين إلى قبول ما لا نهاية له من الآلهة!..
— 525 —
أي لأنهم لم يستوعبوا بعقولهم القاصرة أزلية الذات الأ ولا إلّاقيته -وهما صفتان لازمتان ذاتيتان له سبحانه- فقد أصبحوا -بحكم مسلكهم الضال- مضطرين إلى قبول أزلية ذرات جامدة لا حدّ لها ولا نهاية، بل إلى قبول ألوهية اوالعقر فتأمل مبلغ الحضيض الذي سقطوا فيه، وسحيقِ الدرك الأسفل من الجهل الذي تردّوا فيه!
نعم، إنَّ التجلي الظاهر "للحي القيوم" في الذرات قد حوّلها إلى ما يشبه الجيش المهيب المنظم بحول اللّٰه وقوته وأمره، فلو سُحب أمر القائد الأعظم لأقل من طرفة عينلنور" ك التي لا تحد من الذرات الجامدة والتي لا شعور لها ولا عقل، لظلت سائبة، بل محيت نهائيًا من الوجود.
ثم إن هناك من يتظاهرون ببُعد النظر، فيسوقون فكرًا أجهلَ من السابق ول:هوفي الخرافة منه حيث يتوهمون أن مادة الأثير هي المصدر وهي الفاعل، لقيامها بمهمة المرآة العاكسة لتجليات ربوبية الخالق سبحانه! علمًا أنها ألطفُ وأرقُّ وأطوع صحيفةٍ من صحائف إجراءات الصانع الجليل وأكثرُها تسخيرًا وانقيادًا، وهيلقابلة لنقل أوامره الجليلة. وهي المداد اللطيف لكتاباته، والحلّة القشيبة الشفيفة لإيجاداته، والخميرة الأساس لمصنوعاته، والأرض الخصبة لحبّاته.
فلا شك أن هذا الجهل العجيب المرعب يستلزم محالات لا حدّ لها ولا نهاية، وذلك لأن مادة الأثير هي ألطفُ من م فيما ذرات التي غرق بها الماديون في مستنقع الضلالة، وهي أكثفُ من الهيولى [٭]: الهيولى: لفظ يوناني معناه عند الفلاسفة: المادة الأولى المجردة عن الصورة من حجم وامتداد ولون وما أشبه ذلك. التي ضلّ فيها الفلاسفة القدماء وتاهوا. وهي مادة جامدة لا عيون. لها ولا اختيار ولا شعور، فإسناد الأفعال والآثار إلى هذه المادة القابلة للانقسام والتجزؤ والمجهّزة للقيام بوظيفة النقل وخاصة الانفعال، وإلى ذراتها التي هي أصغر من الذرات لاشك أنه جريمة وخطأ فاحلعشرون ذرات الأثير؛ لأن تلك الأفعال والآثار الربانية لا يمكن أن تحدث إلّا بإرادة مَن يقدِر على رؤية كل شيء في أي شيء كان ومَن يملك علمًا محيطًا بكل شوة الغ نعم، إن فعل الإيجاد المشهود في الموجودات يتّسم بكيفية معينة وأسلوب منفرد بحيث يدل دلالة واضحة على أن الموجِد هو صاحبُ قدرةٍ قادرة واختيار طليق، يرى أكثر الأشياء،
— 526 —
بل الكون كله لدى إيجاده لجملتايء كان، ولاسيما الكائن الحي ويعلم كلَّ ما يرتبط به من الأشياء، ثم يضع ذلك الشيء في موضعه الملائم له، ويضمن له البقاء في ذلك الموقع، أي إن الأسباب المادية الجاهلة لا يعناوين تكون بحال من الأحوال فاعلًا لها.
نعم، إنَّ فعلًا إيجاديًّا -مهما كان جزئيًّا- يدل دلالة عظيمة -بسر القيومية- على أنه فعلُ خالِق الكون فعلًا مباشرًا. فالفعل المتوجّه إلى إيجاد نحلة -مثلًا- يدلنا بجهتين على أنه يخص خالق الكهِ؛ فَ العالمين.
الجهة الأولى:أن مظهرية تلك النحلة مع مثيلاتها في جميع الأرض للفعل نفسه في الوقت نفسه يدلنا على أن هذا الفعل الجزئي الذي نشاهده في نحلة واحدة إنما هو طرفٌ لفعلٍ يحيط بسطح الأرض كله. أي أن من كان فاعلانه بعك الفعل العظيم الواسع ومالكًا له فهو صاحب ذلك الفعل الجزئي.
الجهة الثانية:لأجل أن يكون أحد فاعلًا لهذا الفعل الجزئي المتوجه إلى خلقِ هذه اهية، أالماثلة أمامنا، ينبغي أن يكون -الفاعل- عالمًا بشروط حياة تلك النحلة وأجهزتها وعلاقاتها مع الكائنات الأخرى وكيفية ضمان حياتها ومعيشتها، فيلزم إذن أن يكون ذا حكم نافذٍ على الكون كله ليجعل ذلك الفعل كاملًا. أي إن أصغر فعلٍ جزئي يدل من جهتين على أآمين. ّ خالقَ كل شيء.
ولكن أكثر ما يحيّر الإنسان ويجلب انتباهه هو: أن الأزلية والسرمدية التي هي من أخصّ خصائص الألوهية وألزمِ صفةٍ للذات الأقدس المالك لأقوى مرتبة في الوجود وهو الوجوب وأثبتل بأكا في الوجود وهو التجرّد من المادة وأبعد طورًا عن الزوال وهو التنیزّه عن المكان وأسلمُ صفة من صفات الوجود وأقدسُها عن التغير والعدم وهو الوحدة... أقول: إن الذكالشاش الإنسان ويثير قلقه، ويجلب انتباهه إنما هو إسناد صفة الأزلية والسرمدية إلى الأثير والذرات وما شابهها من المواد المادية التي لها أضعفُ مرتبة من مراتب الوجود، وأدقُّ درجة فيه، واسم الطواره تغيرًا وتحولًا، وأعمُّها انتشارًا في المكان، ولها الكثرة التي لا تحد.. فإسناد الأزلية إلى هذه المواد وتصورها أزليةً، وتوهّم نشوءَ قسم من الآثار الإلهية منها، ما هو إلّا مجافاةٌ وأي مجافاة للحقيقة وأمرٌ منافٍ َمَانِفاة للواقع، وبعيدٌ كل البعد عن منطق العقل وباطل واضح البطلان. وقد أثبتنا هذا في كثير من الرسائل ببراهين رصينة.
— 527 —
الشعاع الثاني:وهو مسألتان:
المسألة الأولى:قال تعالى:
لا تأخذُهُ ذلك بمولا نَومٌ
(البقرة: ٢٥٥)
ما مِنْ دابةٍ الّا هو آخذٌ بناصِيَتِها
(هود: ٥٦)
لَهُ مقاليدُ السّمواتِ والأرض
(الزمر: ٦٣) وأمثالُها من اللك الغلتي تتضمن حقيقة عظمى تشير إلى التجلي الأعظم لاسم اللّٰه "القيوم".. سنورد وجهًا واحدًا من تلك الحقيقة، وهو الآتي:
إنَّ قيام الأجرام السماوية في هذا الكون ودوامَها وبقاءها إنما هو مشدود بسر القيومية، فلو صَرف سرلاسيمايومية وتجلّيه وجهَه -ولو لأقلَّ من دقيقة- لتبعثرت تلك الأجرام التي تفوق ضخامة بعضها ضخامة الكرة الأرضية بألوف المرات ولانتثرت ملايينُ الأجرام في فضاء غير متناهٍ ولاصطدم بعضُهتَبَسّ ولَهَوت إلى سحيق العدم. لنوضح ذلك بمثال:
إننا مثلما نفهم قدرة قيومية مَن يُسيّر ألوف قصور ضخمة في السماء بدل الطائرات بمقدار ثباتِ تلك الكتل الهائلة التي في السماء ودوامِها، وبمدى انتظام دورانها وانقيادِها في جعصر النفهم أيضًا: تجليَ الاسم الأعظم: "القيوم" من منح القيوم ذي الجلال قيامًا وبقاءًا ودوامًا -بسر القيومية- لأجرامٍ سماوية لا حدّ لها في أثير الفضاء الواسع، وجريانِها في منتهى الانقياد والنظام والتقدير، وإسنادِها وسها ليا وإبقائها دون عمد ولا سند، مع أن قسمًا منها أكبرُ من الأرض ألوفَ المرات وقسمًا منها ملايين المرات، فضلًا عن تسخير كل منها وتوظيفها في مهمة خاصة، وجعلها جميعًا كالجيش لْعَةِ، منقادةً خاضعة خضوعًا تامًا للأوامر الصادرة ممن يملك أمر كن فيكون. فكما أن ذلك يمكن أن يكون مثالًا قياسيًّا للتجلي الأعظم لاسم "القيوم" كذلك ذراتُ كل موجود -التي هي كالنجوم السابحة في الفضاء- فإنها قائمةٌ أيضًا بسر القيومية، رةٌ واوامَها وبقاءها بذلك السر.
نعم، إن بقاء ذرات جسم كل كائن حي دون أن تتبعثر وتجمّعَها على هيئة معينة وتركيب معين وشكل معين حسب ما يناسب كلَّ عضو من أعضائه، علاوةً على احتفاظها بكيانها وهيئتها أمام سيل العنابْتِدَارفة دون أن تتشتت، واستمرارها على نظامها المتقن.. كل ذلك لا ينشأ -كما هو معلوم بداهة- من الذرات نفسها، بل هو من سر القيومية الإلهية التي ينقاد
#528 باب الُّ فردٍ حي انقيادَ الطابور في الجيش، ويخضع لها كلُّ نوعٍ من أنواع الأحياء خضوعَ الجيش المنظم. فمثلما يُعلن بقاءُ الأحياء والمركبات ودوامُها على سطح الأرض وسياحةُ النجوم وٍ لِتَها في الفضاء سرَّ القيومية تعلنُه هذه الذرات أيضًا بألسنة غير معدودة.
المسألة الثانية:هذا المقام يقتضي الإشارة إلى قسم من فوائد الأشياء وحِكَمها المرتبطة بسر القيومية:
إن حكمة وجود كل شيء، وغايةَ فطرته، وفائدةَ خلقه، ونتيجة حياًا تعصًا منها- إنما هي على أنواع ثلاثة.
النوع الأول:وهو المتوجه إلى نفسه وإلى الإنسان ومصالحه.
النوع الثاني:(وهو الأهم من الأول): هو أن كل شيء في الوجود بمثابة آيمن رؤيلة، ومكتوبٍ رباني، وكتاب بليغ، وقصيدة رائعة، يستطيع كلُّ ذي شعور أن يطالعَها ويتعرّف من خلالها على تجلّى أسماء الفاطر الجليل. أي إن كل شيء يعبّر عن معانيه الغزيرة لقرائه الذين لا يحصيهم العد.
أما النوع الثالث:فهو يفالتعبانع الجليل، وهو المتوجه إليه سبحانه، فلو كانت فائدةُ خلقِ الشيء في نفسه واحدةً فالتي يتطلع منها إلى الباري الجليل هي مئات من الفوائد، حيث إنه سبحانه يجعله موضعَ نظره إلى بدائع صنعه، ومحطّ مشنْ أظْجلي أسمائه الحسنى فيه. فضمن هذا النوع الثالث العظيم من حكمة الوجود يكفي العيشُ لثانية واحدة.
هذا وسيوضَّح في الشعاع الثالث سرٌّ من أسرار القيومية الذي يقتضي وجود كل شيء.
تأملتُ ذات يوم في فوائد الموجودات وحِكَمها قُوَّةية انكشاف طلسم الكائنات ولغز الخلق، فقلت في نفسي: لماذا يا تُرى، تَعرضُ هذه الأشياء نَفسَها وتُظهِرُها ثم لا تلبث أن تختفي وترحل مسرعةً؟.. انظر إلى أجسامها وشخوصها فإذا كل منها منظّم منسق قد أُلبس وجودًا على قدِّه وقدعَاعُ مةٍ واضحة وزُيّن بأجمل زينة وألطفها، وأُرسل بشخصية ذات حكمة وجسم منسق ليُعرَض أمام المشاهدين في هذا المعرض الواسع.. ولكن ما إنْ تمر بضعة أيام -أو بضع دقائق- إلّا وتراه يتلاشى ويختفي من دون أن يترك فائدة أو نفعًا.!! فقلت:
— 529 —
تُرى ممعةً عمة من وراء هذا الظهور لنا لفترة قصيرة كهذه؟..كنت في لهفة شديدة للوصول إلى معرفة السر.. فأدركني لطفُ الرب الجليل سبحانه.. فوجدت -في ذلك الوقت- حكمةً مهمة من حِكَم مجيء الموجودالدُّناسيما الأحياء- إلى مدرسة الأرض، والحكمة هي: أن كل شيء -ولاسيما الأحياء- إنما هي كلمة إلهية ورسالة ربانية وقصيدةٌ عصماء، وإعلانٌ صريح في منتهى البلاغة والحكمة. فبعد أن يصبح ذلك الشيء موضعَ مطؤال"
ميع ذوي الشعور، ويفي بجميع معانيه لهم ويستنفد أغراضَه، تتلاشى صورتُه الجسدية وتختفي مادتُه تلك التي هي: بحكم لفظ الكلمة وحروفها، تاركة معانيها في الوجود. لقد كفتني معرفة هذه الحكمة طوال سنة.. ولكن بعد مضيها انكشفت أمامي المعجزحة وعددقيقة في المصنوعات والإتقان البديع فيها ولاسيما الأحياء. فتبيّن لي: أنَّ هذا الإتقان البديع جدًّا والدقيق جدًّا في جميع المصنوعات ليس لمجرد إفادة المعنى أمام أنظار ذوي الشعور؛ إذ رغم أنلفٌ من يحد من ذوي الشعور يطالعون كلَّ موجود إلّا أن مطالعتهم -مهما كانت- فهي محدودة، فضلًا عن أنه لا يستطيع كلُّ ذي شعور أن ينفذ إلى دقائق الصنعة وإبداعها في الكائن الحي ولا يقدر على اكتناه جميع أسرارها.
فأهمُّ نتيجة َائِنَ خلق الأحياء وأعظمُ غاية لفطرتها إنما هي: عرضُ بدائع صنع القيوم الأزلي أمامَ نظره سبحانه، وإبرازُ هدايا رحمته وآلائه العميمة التي وهبها للأحياء، أمام شهوده جل وعلا.. لقد منحتني هذه ا جدًّااطمئنانًا كافيًا وقناعة تامة لزمن مديد. وأدركتُ منها: أن وجود دقائق الصنع وبدائع الخلق في كل موجود -ولاسيما الأحياء- بما يفوق الحد، إنما هو لعرضها أمام القيوم الأزلي. أي أن حكمة الخلق هي: مشاهدةُ القيوم الأزلي لبدائع خلقه بنفسه.. وهذه المبحث عنتستحق هذا البذل العميم وهذه الوفرة الهائلة في المخلوقات.
ولكن بعد مضي مدة.. رأيت أن دقائق الصنع والإتقان البديع في شخوص الموجودات وفي صورتها الظاهرة لا تدوم ولا تبقى، بل تتجدد بسرعة مذهلة، وتتبدل آنا خَلَآن، وتتحول ضمن خلق مستمر متجدد وفعالية مطلقة.. فأخذتُ أوغل في التفكير مدة من الزمن. وقلت: لابد أن حكمة هذه الخلاقية والفعالية عظيمةٌ عظمَ تلك الفعالية نفسها.. وعندها بدت الحكمتان السابقتان ناقصتين وقاصرتين عن الإينعم، إلغرض. وبدأت أتحرّى حكمةً أخرى بلهفة عارمة، وأبحث عنها باهتمام بالغ..
— 530 —
وبعد مدة -وللّٰه الحمد والمنة- تراءت لي حكمةٌ عظيمة لا حدّ لعظمتها وغاية جليلة لا منتهى لجلالها، تعارَ اي من خلال فيض نور القرآن الكريم ونبعت من سر القيومية.. فأدركت بها سرًا إلهيًا عظيمًا في الخلق، ذلك الذي يطلق عليه طلسم الكائنات و لغز المخلوقات!
سنذكر في الشعاع الثالث هنا بضعَ نقاط من هذا السر ذكالزاهيملًا حيث إنه قد فصل تفصيلًا كافيًا في "المكتوب الرابع والعشرين" من "المكتوبات".
نعم، انظروا إلى تجلي سر القيومية من هذه الزاوية وهي : أن اللّٰه أخرج الموجوداتِ من ظلمات العدم ووهب لها الوجودَ، ومنحها القيام والبقاء في هذا الفضاء الواسع،عها كا الموجودات موقعًا لائقًا لتنال تجليًا من تجليات سر القيومية كما بينته الآيةُ الكريمة:
اللّٰه الذي رفعَ السمواتِ بغير عَمَدٍ تَرَوْنها
(الرعد: ٢). فلولا هذه الركيزة العظيمة وهذا المستندَلِّيّن للموجودات، فلا بقاء لشيء بل لتدحرج كلُّ شيء في خضم فراغ لا حدّ له، ولهوى إلى العدم.
وكما تستند جميعُ الموجودات إلى القيوم الأزلي ذي الجلال في وجودها وفي قيامها وبقائها، وأن قيام كل شيء به سبحانه.. كذلك جميعُ أحوال الموجودات قاطبة وأوضاا ليحوفة وكيفياتها المتسلسلة كلها مرتبطةٌ بداياتُها ارتباطًا مباشرًا بسر القيومية، كما توضحها الآية الكريمة
واليه يُرجَع الأمرُ كُلُّه
(هود: ١٢٣) إذ لولا استنادُ كل شيء إلى تلك النقطة النوأمثالِ لنتج ما هو محال لدى أرباب العقل من ألوف الدور والتسلسل، بل بعدد الموجودات. ولنوضح ذلك بمثال:
إن الحفظ، أو النور، أو الوجود، أو الرزق أو ما شابهه من أي شيء كان، إنما يستند -من ِكِ اللى شيء آخر، وهذا يستند إلى آخر، وهذا إلى آخر وهكذا.. فلابد من نهاية له، إذ لا يعقل ألّا ينتهي بشيء. فمنتهى أمثال هذه السلاسل كلها إنما هو في سر القيومية. وبعد إدراك هذا السر سر القيومية لا يبقى معنًى لاستناد أفراد تلك السلاسل الموهومة بعضهاٍ بِلاض الآخر، بل تُرفع نهائيًا وتُزال. فيكون كل شيء متوجهًا توجهًا مباشرًا إلى سر القيومية.
— 531 —
الشعاع الثالث:
سنشير في مقدمة أو مقدمتين إلى طرفٍ من انكشاف سر انما لوة الذي تتضمنه الخلاقية الإلهية والفعالية الربانية كما تشير إليها أمثال هذه الآيات الكريمة: كُلَّ يَوم هو في شأن (الرحمن: ٢٩) فعّالٌ لِمَا يُريدُ (البروج:١٦) يَخْلُقُ ما يَشَاءُ (الروخص الصبِيَدِهِ مَلكُوت كلِّ شىءٍ (يس:٨٣) فانْظُر الى آثارِ رَحْمتِ اللّٰه كَيْفَ يُحيي الأرض بَعْدَ مَوتِهَا (الروم:٥٠).
حينما ننظر إلى الكائنات بعين التأمل، نرى: أن المخلوقات تضطرب في خضم سيل الزمان وتتعاقب قافلةً إثر قافانٍ..
سمٌ منها لا يلبث ثانية ثم يغيب، وطائفةٌ منها تأتي لدقيقة واحدة ثم تمضي إلى شأنها. ونوع منها يمر إلى عالم الشهادة مرّ الكرام ثم يلج في عالم الغيب بعد ساعة. وقسم منها يحط رحلَه في يومٍ ثم يغادر، وقسم منها يمكث سنة ثم يمضي، وقسم يمضي عصرًا ثم يرحل، وآخر يقضي عصورًا ثم يترك هذا العالم.. وهكذا فكلٌّ يأتي ثم يغادر بعد أداء مهمته الموكولة إليه. فهذه السياحة المذهلة للعقول،ون أن السيل الجاري للموجودات والسفر الدائب للمخلوقات، إنما تتم بنظام متقن وميزان دقيق وحكمة تامة، والذي يقود هذه الرحلة المستمرة ويمسك بزمامها، يقودها ببصيرة ويسيّرها بحكمة، ويسوقها بتدبير بحيث لض عنهات جميع العقول وأصبحت عقلًا واحدًا لما بلغ معرفةَ كنه هذه الرحلة ولا يصل إلى إدراك حكمتها، ناهيك عن أن يجد فيها نقصًا أو قصورًا.
وهكذا ضمن هذه الخلْمَةِ لربانية يسوق الخالقُ تلك المصنوعات اللطيفة المحبوبة إليه -ولاسيما الأحياء- إلى عالم الغيب دون أن يمهلها لتتفسح في هذا العالم. ويعفيها من مهماتها في حياتها الدنيوية د فيما يدعها تنشرح وتنبسط، فيملأ دار ضيافته هذه بالضيوف ويخلّيها منهم باستمرار دون رضاهم، جاعلًا من الكرة الأرضية ما يشبه لوحة كتابة -كالسبورة- يكتب فيها باستمرار قلم القضاء والقدر كتابويهبونجددها، ويبدلها، بتجليات مَن يُحيي ويُميت (البقرة:٢٥٨).
وهكذا، فإن سرًا من أسرار هذه الفعالية الربانية وهذه الخلّاقية الإلهية، ومقتضيًا
— 532 —
أساسًا من مقتضياتها وسببًا من الأسباب الداعية لها إنما هو حكمةٌ عظيمة ل النكلها ولانهاية، هذه الحكمة تتشعب إلى ثلاث شعب مهمة:
فالشعبة الأولى من تلك الحكمة:هي أن كلَّ نوع من أنواع الفعالية -جزئيًّا كان أم كليًّا- يورث لذةً، بل إنَّ في كل فعالية لذةً، بل الفعالية نفسها هي عيِنِعْمذة، بل الفعالية هي تظاهر الوجود الذي هو عينُ اللذة، وهو انتفاضةٌ بالتباعد عن العدم الذي هو عينُ الألم.
وحيث إنَّ صاحبَ كلِّ قابلية يانب اللهفة ولذة ما ينكشف عن قابلياته بفعالية ما، وإن تظاهر كل استعداد بفعالية إنما هو ناشئٌ من لذةٍ مثلما يولّد لذةً، وإن صاحب كل كمال أيضًا يتابعات الأ ولذةٍ تظاهرَ كمالاته بالفعالية، فإذا كان في كل فعالية لذةٌ كامنة مطلوبةٌ كهذه وكمالٌ محبوب كهذا، والفعالية نفسُها كمال، وتشاهَد في عالم الأحياء تجلياتٌ أزليلك البمةٍ واسعة ومحبة لا نهاية لها نابعة من حياة سرمدية.. فلا شك أن تلك التجليات تدل على: أن الذي يحبّب نفسَه إلى مخلوقاته، ويحبّهم ويرحمهم بإسباغ نِعَمه وألطافه عليهم على هذهفة كالة المطلقة، تقتضي حياتُه السرمدية عشقًا مطلقًا لاهوتيًّا (إذا جاز التعبير) ومحبةً مقدسة مطلقة، ولذةً -منه- منیزّهة سامية.. وأمثالها من الشؤون الإلهية المقدسة ال وَبَابقدسيته والمناسبة لوجوب وجوده. فتلك الشؤون الإلهية بمثل هذه الفعالية التي لا حدّ لها، وبمثل هذه الخلاقية التي لا نهاية لها، تجدِّد العالَم وتبدِّله وتخضّه خضًا.
الشعبة الثانية من حكمة الفعالية، وأناية المطلقة المتوجهة إلى سر القيومية:هذه الحكمة تطل على الأسماء الإلهية الحسنى.
من المعلوم أن صاحب كلِّ جمال يرغب أن يرى جمالَه ويُريَه الآخرين، ويودّ صاحبُ المهارة أن يلفت الأنظار إليه بعرض مهاراته وإعلانه عنها. فالحقيقة ا تدل ة الكامنة، والمعنى الجميل المخبوء يتطلعان إذن إلى الانطلاق واستقطاب الأنظار.
ولما كانت هذه القواعد الرصينة ساريةٌ في كل شيء، كلٍّ حسب درجته. فلابد أن كل مرتبة من مراتب كل اسم من ألف اسم واسم من الأسماء الحسنى للجميل المطلق وللونعم ا533
ذي الجلال، ينطوي على حُسنٍ حقيقي، وكمالٍ حقيقي، وجمال حقيقي، وحقيقة جميلة باهرة بشهادة الكائنات كلها، وتجليات تلك الأسماء الظاهرة عليها، وإشارات نقوشها البديعة فيها، بل إن كلَّ مرتبة من مراتب كل اسم من الأسماء الحسنى فيها من الحّع الذجمال والحقائق الجميلة ما لا يحصره حدّ.
وحيث إن هذه الموجودات وهذه الكائنات هي مرايا عاكسة لتجليات جمال هذه الأسماء المقدسة.. وهي لوحاتٌ مادية تُعرَض فيها نقوشُ تلك الأسماء الجميلة.. وهي صحائفُها التي تعبّر عن حقائقها الجميلة. فلابد أن تلك الأسماء الدائمة الخالدة ستَعرض تجلياتِها غير المحدودة، وتبرز نقوشَهار شديدمة غير المعدودة، وتُشهر صحائفَ كتُبها أمامَ نظر مسمّاها الحق وهو "القيوم" ذو الجلال، فضلًا عن عرضها أمامَ أنظار ما لا يعد من ذوي الأرواح وذوي الشعور لمطالعتها والتأَواتَاا. ولا بد أنها تجدّد الكائنات عامة وعلى الدوام بتجلياتها وتُبدِّلُها استنادًا إلى ذلك العشق الإلهي المقدس، وبناءً على سر القيومية الإلهية، وذلك لأجل إبراز لوحاتٍ لا نهاية لها من شيالَ جمد، وعرض شخوصٍ لا حدّ لها من شخص واحد، وإظهار حقائق كثيرة جدًّا من حقيقة واحدة.
الشعاع الرابع:الشعبة الثالثة من حكمة الفعالية الدائمة المحيّرفترة ولكون:
هي أن كلَّ ذي رحمة يُسرُّ بإرضاء الآخرين، وكل ذي رأفة ينشرح إذا ما أدخل السرورَ إلى قلوب الآخرين، وهكذا يبتهج ذو المحبة بإبهاج مخلوقاته الجديرة بالبهجة، كما يسعد كلُّ ذي همة عالية وصاحب غيرة وشهامة بإسعاده الآخرين، ومثلما يفرح كلّ: "لا بجعل أصحاب الحقوق ينالون حقَّهم ويشكرونه لوضع الحق في نصابه وإنزال العقاب على المقصّرين، يزهو كلُّ صنّاع ماهر ويفتخر بعرض صنعته وإشهار مهارته لدى قيام مصنوعاته بإنتاج ما كان يتوقعه على أتم وجه يتصوره.
فكلٌّ من هذه الدساتير المذكورةالأحيا، قاعدةٌ أساسية عميقة راسخة جارية في الكون كله مثلما تجري في عالم الإنسان.
— 534 —
ولقد وضّحنا في "الموقف الثاني من الكلمة الثانية والثلاثين" أمثلة ثلاثة تبين جرحَمهُذه القواعد الأساسية في تجليات الأسماء الحسنى، نرى من المناسب اختصارها هنا فنقول:
إنَّ الذي يملك رحمة فائقة وهمة عالية مع منتهى الكرم والسخاء، يسعده جدًّا أن يغدق على فقراء مدقعين ومحاويج مضطرين ويتفضل عليهم بنهم مقجوده، فيُعدّ لهم موائدَ ولائم فاخرة ومأكولات نفيسة على متن سفينة عامرة تجري بهم في بحار الأرض ليُدخل البهجةَ والسرور في قلوبهم ضمن سياحة جميلة ونزهة لطيفة.. فهذا الشخص يستمتع من مظاهر الشكر المنبعثة من أو وشعاعفقراء، وينشرح صدرُه انشراحًا عظيمًا وهو يشاهد تمتعهم بمباهج النعم والآلاء، ويفتخر بسرورهم ويزهو بفرحهم.. كل ذلك بمقتضى ما أودع اللّٰه في فطرته من سجايا سامية وصفات رفيعة.
فالنِّعن الإنسان الذي هو بمثابة أمينٍ على ودائع الخالق الكريم وموظفٍ للتوزيع ليس إلّا، إذا كان يستمتع وينشرح ويتلذذ إلى هذا القدر لدى إكرامه الآخرين في ضيافة جزئية، فكيف إذن يا ترى بی"الحي اة، كوج - وللّٰه المثل الاعلى - الذي تنطلق إليه آياتُ الحمد والشكر وتُرفع إليه أكفُّ الثناء والرضى بالدعاء والتضرع من مخلوقاتٍ لا حدّ لهم من الأحياء إلى الإنسان والملائكة والجن والأرواح، الذين حملهم في سفينة الرحمن -الأرض- وأسبغ عليهمن يخرُه ظاهرةً وباطنة بأنواع مطعوماته المنسجمة تمامًا مع ما غرز فيهم من أذواق وأرزاق، وتفضَّل عليهم بهذه السياحة الربانية في أرجاء الكون. فضلًا عن جعله كلَّ جنةٍ من جنانه في دار الخلود، دار ضيافة دائمة مُعدَّة فيها كل ما تشتهيه ا الحكُ وتلذ الأعين... فجميعُ آيات الشكر والحمد والرضى المنطلقة من جميع المخلوقات قاطبة والمنبعثة من سرورهم وفرحهم وابتهاجهم بالنعم والآلاء العميمة عليهم والمتوجهة كلاصة:ى "الحي القيوم" تولَّد من الشؤون الإلهية، المقدسة التي تقتضي هذه الفعالية الدائمة والخلاقية المستمرة، تلك الشؤون التي يَعجز التعبيرُ عنها ولم يؤذَن لنا بالإفصاح عدية. ول ربما يُشار إليها بأسماء: الرضى المقدس والافتخار المقدس و اللذة المقدسة وما شابهها من الأسماء التي نُعبّر بها -نحن البشر- عن معاني الربوبية المنیزّهة.
— 535 —
ومثال آخر:إذا قام صنّاع ماهر، بصنع حاكٍ -بلا أسطوانة- يعبّر عما يريده منه ويعت قاطب أفضل صورة يرغبها هو، كم يكون ذلك الصناع مفتخرًا، وكم يكون متلذذًا من رؤية صنعته على هذه الصورة وكم يكون مسرورًا حتى يردد في نفسه: "ما شاء اللّٰه"..
فإذا كانت صنعةٌ صغيرة صورية -من دون إيجاد حقيقي- تثي الواحوح صانعِها إلى هذه الدرجة من مشاعر الافتخار والرضى. فكيف بالصانع الحكيم الذي أوجد هذه الموجودات كلَّها وجعلها موسيقى إلهية تعبّر عن شكرها وتسبيحها وتقديسها بأنواعٍ من النغمات وأنواع من الكلام، كما جعلها مصنعًا عجيبًايد الب عما أسبغ على كل نوع من أنواع الكائنات، وكلِّ عالَم من عوالم الكون من صنعةٍ متقنة بديعة متباينة معجزة بخوارقها، أضف إلى ذلك المكائن الث ما إالتي أودعها في رؤوس ذوي الحياة الشبيهة بالحاكي وآلات التصوير وأجهزة البث والاستقبال، بل أودع أعجب من هذه الأجهزة المعجزة حتى في رأس أصغر حيوان! بل لم يودع في رأس الإنسان مجرد حاكٍ بلا أسطوانة، ولا آلة تصوير بلا من ال ولا هاتفًا بلا سلك بل مكائن أعجب بكثير وخوارق أعظم وأعظم مما ذكر بكثير.
فما يُنشئه عمل هذه المكائن العاملة وفق إرادته والمودَعة في رأس الإنسان المخلوان، بلحسن تقويم من معاني الافتخار المقدس والرضى المقدس، وأمثالها من المعاني الجليلة والشؤون المقدسة للربوبية -التي هي من هذا النوع- يستلزم حتمًا هذه الفعالية الدائمة المشاهدة.يتي ودثلًا:إن الحاكم العادل يجد لذةً ومتعة ورضًى عندما يأخذ حقَّ المظلوم من الظالم ويجعل الحق يأخذ نصابَه، ويفتخر لدى صيانته الضعفاءَ من شرور الأقوياء، ويسرّ لدى منحه كل فرد ما يستحقه من حقوق.. كل ذلك من مقتضيات الحودًا بوالعدالة وقواعدهما الأساس. فلابد أن الحاكم الحكيم العادل الذي هو "الحي القيوم" بمنحِه شرائطَ الحياة في صورة حقوق الحياة للمخلوقات كافة ولاسيما الأحياء.. وبإحسانه إليهم بأمة، مسحافظ على حياتهم.. وبحمايته الضعفاء من شرور الأقوياء بكل رحمة ورأفة.. وبتوليه إظهار سر العدالة في الكون بإعطاء كلِّ ذي حق من الأحياء حقَّه كاملًا.. وبإنزال شيء من العقوبة بالظالمين -في هذه الدنيا- وبخااته وييحصل من التجلي الكامل للعدالة العظمى في المحكمة الكبرى ليوم
— 536 —
الحشر الأعظم.. يحصل من كل هذا ما نعجز عن التعبير عنه من شؤون ربانية ومعانٍ قدسية جليلة هي التي تقتضي هذه الفعالية الدائمة في الكون.
وهكذا فالكلمةهذه الأمثلة الثلاثة:
فإن الأسماء الإلهية عامة، وكلَّ اسم منها خاصة، يقتضي هذه الخلّاقية الدائمة، حيث يكون محورًا لقسم من هذه الشؤون الإلهية المقدسة و إن حرا ضمن هذه الفعالية الدائمة.
وحيث إن كل قابليةٍ وكل استعداد يورث فرحًا وانشراحًا ولذةً، بمنحها الثمارُ والفوائد لدى انبساطها وانكشافها.. وإن كل موظف يشعر -عند إتملًا منظيفة وإنهائها على الوجه المطلوب- براحة وأيّ راحة.. وإن جني ثمرات كثيرة من بذرة واحدة، واغتنامَ ربحِ مئات الدراهم من درهم واحد، هي حالات مفرحة جدًّا لأصحابها وتعدّ تجارة رابحة لهم..
فلابد أن يفهم مدى أهمية المعاذا فإنقدسة وشؤون الربوبية الإلهية الناشئة من الفعالية الدائمة والخلاقية الربانية التي تكشف عن جميع الاستعدادات التي لا تحد، وجميع القابليات التي لا تعد، لجميع المخلوقات غير المحدودة.. والتي تُنهي وظيفةَ جميع المخلوقات بعد أن تستخدمها في وظائض الناة وترقّيها بهذا التسريح إلى مراتب أسمى وأعلى -كَأَنْ ترقى العناصرُ إلى مرتبة المعادن، والمعادنُ إلى حياة النباتات، والنباتات إلى درجة حياة الحيواناتإلى وَمدّها من رزق، والحيوانات إلى مرتبة الإنسان الشاعرة والعالية بالشكر والحمد- والتي تجعل كل كائن يخلُف أنواعًا من الوجود كروحه وماهيته وهويته وصورته بعد زوال ظاهر وجوده لتؤدي المهمة نفسها كما وضح في "الُليباتالرابع والعشرين".
جواب قاطع عن سؤال مهميقول قسم من أهل الضلالة: إنَّ الذي يغيّر الكائنات بفعالية دائمة ويبدّلها، يلزم أن يكون هو متغيرًا ومتحولًا أيضًا.
الجواب:كلّا ثم كلّا. حاشَ للّٰي شريعألف مرة حاشَ للّٰه!
إن تغيّرَ أوجه المرايا في الأرض، لا يدل على تغيّر الشمس في السماء، بل يدل على إظهار تجدد تجليات الشمس. فكيف بالذي هو أزلي وأبدي وسرمدي وفي كمال مطلق وفي استغناء
— 537 —
مطلق (عن الخلق ) وهو الكبير المتعال المقدس عنورَةِ ة والمكان والحدود، والمنیزّه عن الإمكان والحدوث، فتغيّر هذا الذات الأقدس محالٌ بالمرة.
ثم إن تغير الكائنات، ليس دليلًا على تغيّره هو، بل هو دليل على عدم تغيره، وعدم تحوّله سبحانه وتعالى. لأنَّ الذي يحرّك أشياءَ عديدة بانتظام دقيق ويغيّرها، ز لا حلّا يكون متغيرًا وألّا يتحرك..
مثال ذلك:أنك إذا كنت تحرك كراتٍ كبيرة وصغيرة مرتبطة بعدة خيوط؛ حركة منتظمة ودائمة، وتضعها في أوضاع منتظمة، ينبغي أن تكون أنتجوالًُا في مكانك دون أن تتحول عنه وإلّا اختل الانتظام.
ومن القواعد المشهورة: "إن الذي يحرّك بانتظام لا ينبغي أن يتحرك، والذي يغيّر باستمرار لا ينبغي أن يكون متغيرًا". كي يستمر ذلى منهال في انتظامه.
ثانيًا:إن التغير والتبدل ناشئ من الحدوث، ومن التجدد بقصد الوصول إلى الكمال، ومن الحاجة، ومن المادية، ومن الإمكان. أما الذات الأقدسَ عَلىقديم أزلي، وفي كمال مطلق، وفي استغناء مطلق، منزّه عن المادة، وهو الواجب الوجود، فلابد أن التبدل والتغير محال في حقه وغير ممكن أصلًا.
الشعاع الخامس:%
المسألة الأولى:إذا أردنا أن نرى التجلي الأعظم ل أثبتهلّٰه "القيوم" فما علينا إلّا أن نجعل خيالَنا واسعًا جدًّا بحيث يمكنه أن يشاهد الكون بأسره، فنجعل منه نظارتين إحداهما ترى أبعدَ المسافات كالمرصد والأخرى تشاهد أصغرَ الذرات. فإذا ما نظرنا بالمنظار الحقيقة ى: أن ملايين الكرات الضخمة والكتل الهائلة التي منها ما هو أكبرُ من الأرض بألوف المرات، قد رُفعت بتجلي اسم "القيوم" بغير عمَد نراها، وهي تجري ضمن أثير لطيف ألطفَ من الهواء، وتسخَّر لأجل القيام بمهام عظيمة في حركاتها وفي ثباتها الظاهر.القَاطرجع الآن إلى المنظار الآخر.. لنرى أصغرَ الأشياء، فإذا بنا أمام ذرات متناهية في الصغر تشكل أجسام الأحياء -بسرّ القيومية- وهي تأخذ أوضاعًا منتظمة جدًّا كالنجوم، وتتحرك
— 538 —
وفق نظام معين وتناسق مخصص مستار وها وظائف جمة، فإن شئت فانظر إلى الكريات الحمر والبيض تراهما تتحركان حركاتٍ خاصة شبيهة بحركات المولوية لإنجاز مهمات جسيمة في الجسم وهما تجريان في السيل الدافق للدم.
خلاصة الخلاصة
(٭): هذه الخلاصة هي الأساس الذي تستايا الها الرسائل الصغيرة للّمعة الثلاثين، وهي زبدة موضوعاتها التي تحمل أسرار الأسماء الستة الحسنى للاسم الأعظم. (المؤلف).
لقد ارتأينا أن ندرج هنا خلاصة تبين الضياءَ المقدس الحامن زاوامتزاج أنوار الأسماء الستة للاسم الأعظم، كامتزاج الألوان السبعة لضوء الشمس - وللّٰه المثل الاعلى - ولأجل مشاهدة هذا النور المقدس نسوق هذه الخلاصة:
لَه وحفي موجودات الكون كله وانظر إليها من وراء هذا التجلي الأعظم لاسم "القيوم" الذي منحَ البقاء والدوام والقيام لها ترَ: أن التجلي الأعظم لاسم "الحي" قد جع العذاالموجودات الحية ساطعةً منورة بتجليه الباهر، وجعل الكائناتِ كلَّها منورة بنوره الزاهر، حتى يمكن مشاهدة لمعان نور الحياة على الأحياء كافة.
والآن انظر؛ إلى التجلي ثلاثةم لاسم "الفرد" من وراء اسم "الحي" ترَه قد ضمّ جميع الكائنات بأنواعها وأجزائها واستوعبها ضمن وحدة واحدة، فهو يطبع على جبهة كل شيء ختم الوحدانية، ويضع على وجه كل شيء ختمَ الأحدية، فيجعل كل شيء يعلن تجلّيه بألسنة لا حدّ لها ولا نهاية.
ثم انظ "نعم لف اسم "الفرد" إلى التجلي الأعظم لاسم "الحكم" ترَ: أنه قد ضم الموجودات كلها من أعظم دائرة فيها إلى أصغرها كليًا كان أم جزئيًّا -ابتداء من الن يعجز نتهاء إلى الذرات- منح كل موجود ما يستحق من نظام مثمر وما يلائمه من انتظام حكيم وما يوافقه من انسجام مفيد. فلقد زيّن اسم "الحكم" الأعظم الموجودات كلها ورصّعها بتجليه الأولع.
ثم انظر من خلف التجلي الأعظم لاسم "الحكم" إلى التجلي الأعظم لاسم "العدل" -كما أوضحناه في النكتة الثانية- ترَه يدير جميعَ الكائنات بموجوداتها ضمن فعالية دائمة بموازينه الدقيقة ومقاييسه الحساسة ومكاييله العادلة بحيث يجعل العقولَ فيجنائز،وإعجاب،
— 539 —
فلو فقد نجمٌ من الأجرام السماوية توازنَه لثانية واحدة. أي إذا انفلت من تجلي اسم "العدل" لحلَّ الهرجُ والمرج في النجوم كلِّها ولأدّنة في محالة- إلى حدوث القيامة.
وهكذا فكل دائرة من دوائر الوجود وكلُّ موجود من موجوداتها ابتداء من الدوائر العظيمة -المسماة بدرب التبانة- إلى حركاتِ أصغرِ الموجودات في الجسم من كريات حمر وبيض، كلٌّ منها قد فُصّل تفصيلًا خاصًا وقُدّرة المعًا دقيقًا وقيس بمقاييس حساسة، ومُنح شكلًا معينًا ووضعًا مخصوصًا بحيث يُظهر -كلٌّ منها- الطاعة التامة والانقياد المطلق ودينونةً كاملة للأوامر الصادرة من الذلق ذبا أمر "كن فيكون" ابتداء من جيوش النجوم الهائلة المتلألئة في الفضاء إلى جيوش الذرات المتناهية في الصغر.
فانظر الآن من خلف التجلي الأعظم لاسم اللّٰه " العدل" ومن خلاله، وشاهد التجلي الأعظم لاسم اللّٰه "القدوس" -الذي وضّحناه في الِنُ اللأولى- تَرَ : أن هذا التجلي الأعظم لاسم "القدوس" قد جعل موجوداتِ الكائنات نظيفةً، نقية طاهرة، براقة، صافية، زكية، مزينة، وجميلة وحوّلها إلى ما يشبه مرايا جميلة مجلوة لائقة لإظهار الجمال البديع المطلق، وتناسب عرض تجليات أسمائه الحسنى.
نحص تَصْوتقدم:أنَّ هذه الأسماء والأنوار الستة للاسم الأعظم، قد عمّت الكون كله وغطت الموجودات قاطبة ولَفَعَتْها بأستار مزركشة ملونة بأزهى الألوان المتنوعة وأبدع النقوش المختلفة وأروع الزينات المتباينة.
ّٰه اللة الثانية من الشعاع الخامس:إنَّ جلوة من تجليات القيومية على الكون، وشعاعًا من نورها مثلما يعمّ الكون بمظاهر الواحدية والجلال، فإنه يبرز على هذ والإيسان -الذي يمثل محور الكون وقطبه وثمرته الشاعرة- مظاهر الأحدية والجمال. وهذا يعني: أنَّ الكائنات التي هي قائمةٌ بسر القيومية فهي تقوم أيضًا -من جهة- بالإنسان؛ الذي يمثل أكمل مظهر من مظاهر تجلسَّبَب"القيوم". أي إن القيومية تتجلى في الإنسان تجليًا يجعل منه عمودًا ساندًا للكائنات جميعًا، بمعنى أن معظم الحِكَم الظاهرة في الكائنات وأغلب مصالحها وغاياتها تتوجه إلى اان، وا.
نعم، يصح أن يقال: إن "الحي القيوم" سبحانه قد أراد وجود الإنسان في هذا الكون، فخلق الكون لأجله، وذلك لأن الإنسان يمكنه أن يدرك جميع الأسماء الإلهية الحسنى ويتذوقها
— 540 —
بما أودع اللّٰه فيه من مزايا وخصائص جامعة. فاحدًا ك -مثلًا- كثيرًا من معاني تلك الأسماء بما يتذوق من لذائذ الأرزاق المنهمرة عليه، بينما لا يبلغ الملائكة إلى إدراك تلك الأسماء بتلك الأذواق الرزقية.
فلأجل جامعية الإنسان المهمة يُشعِر "الحي القيوم" الإنسانَ بجميع أسمائه الحسنى، ويعرّفه بجمإنَّ اعِ إحسانه، ويذوّقه طعومَ آلائه، فمَنحَه معدةً ماديةً يستطيع بها أن يتذوق ما أغدق عليه من نِعمٍ لذيذة قد بسطها في سُفرة واسعة سعة الأرض. ثم وهب له حياة، وجعل هذه الحياة كتلك المعدة المادية تستطيع أن تتنعم بأنواع من النعم المُعَدّة على سُفرة م متضرمفروشة أمامها وتتلذذ بها بما زودها -سبحانه- من مشاعر وحواس لها القدرة أن تمتد -كالأيدي- إلى كلِّ نعمة من تلك النعم، فتؤدي عند ذلك حقَّها من أنواع الشكر والحمد. ثم وهب له -فوق معدة الحياة هذه- معدة الإنسانية، وهذه مي الع تطلب رزقًا ونعَمًا أيضًا. فجعل العقلَ والفكر والخيال بمثابة أيدي تلك المعدة، لها القدرة على بلوغ آفاق أوسع من ميادين الحياة المشهودة، وعندها تستطيع الحياة الإنسظهور قن تؤدي ما عليها من شكر وحمد تجاه بارئها حيث تمتد أمامَها سُفرةُ النِعَم العامرة التي تسع السماوات والأرض. ثم لأجل أن يمدّ أمام الإنسان سفرةَ نعمٍ أخرى عظيمة جعل عقائد الإسلام والإيمان بمثابة معدة معنوية تطلب أرزاقًا معنوية كثيرة رمزًاسفرةً مليئة بالرزق المعنوي لهذه المعدة الإيمانية وبَسَطها خارج دائرة الممكنات. فضمّ الأسماءَ الإلهية في تلك السفرة العظيمة.. ولهذا يستشعر الإنسان -بتلك المعدة المعنوية- ويتي يحييذواق رفيعةٍ لا منتهى لها، نابعةٍ من تجليات اسم "الرحمن" واسم "الحكيم" حتى يردد: (الحمد للّٰه على رحمانيته وعلى حكيميته)..
وهكذا -مكّن الخالقُ المنعِم الإنسانَ- بهذه المعدة المعنوية العظمى -ليستفيد ويغنم نعمًا إلهية لا حدّ لها، وم.
أذواقُ محبته الإلهية، في تلك المعدة فإن لها آفاقًا لا تحدّ وميادين لا تحصر.
وهكذا جعل "الحي القيوم" سبحانه الإنسان مركزًا للكون، ومحورًا له، بل سخّر الكونَ المهيبّ أمامه سفرة عظيمة عِظم الكون لتتلذذ أنواعُ معداته المادية والمعنوية.
أما حكمة هذا التسخير والمركزية وقيام الكون بسر القيومية على الإنوُجوُبن جهة- فهي للوظائف المهمة الثلاث التي أنيطت بالإنسان:
— 541 —
الأولى:تنظيم جميع أنواع النعم المبثوثة في الكائنات بالإنسان وربطها بأواصر المنافع التي تخص الإنسان، كما تنظَّم خرز المسبحة بالخيط، فتِ التّؤوسُ خيوط النعم بالإنسان ومصالحه ومنافعه. فيكون الإنسان بما يشبه فهرسًا لأنواع ما في خزائن الرحمة الإلهية ونموذجًا لمحتوياتها.
الوظيفة الثانية:كونُ الإنسان موضعَ خطابه سبحانه بما أودع فابيع اخصائص جامعة أهّلته ليكون موضعَ خطابه سبحانه وتعالى، ومقدّرًا لبدائع صنائعه ومُعجبًا بها، ونهوضُه بتقديم آلاء الشكر والثناء والحمد الشعوري التامازه الما بُسط أمامَه من أنواع النعم والآلاء العميمة.
الوظيفة الثالثة:قيامُ الإنسان بحياته بمهمة مرآة عاكسة لشؤون "الحي القيوم" ولصفاته الجليلة المحيطة، وذلك بثلاثة وجوه:
الوجه الأ. أما شعور الإنسان بقدرة خالقِه سبحانه المطلقة ودرجاتها غير المحدودة بما هو عليه من عجز مطلق. فيدرك مراتبَ تلك القدرة المطلقة بما يحمل من درجات العجز. ويدرك كذلك رحمة خالقه الواسعة ودرجاتِها بما لديه من فقر، ويفهم أيضًا قوة خا في ممعظيمة بما يكمن فيه من ضعف... وهكذا.
وبذلك يكون الإنسان مؤديًا مهمةَ مرآةٍ قياسية لإدراك صفات خالقه الكاملة، وذلك بما يملك من صفاتٍ قاصرةٍ ناقصة؛ إذ كما أن الظلام كلما اشتدّ سطع النور أكثر، فيؤدي هضيق والام مهمة إراءة المصابيح، فالإنسان أيضًا يؤدي مهمة إراءة كمالات صفات بارئه سبحانه بما لديه من صفات ناقصة مظلمة.
الوجه الثاني:إنَّ ما لدى الإنسان من إرادة جزئية وعلمٍ قليل وقدرةٍ ضئيلة وتملّكٍ ب إلى ر الحال وقابليةٍ على إعمار بيته بنفسه، يجعله يدرك بهذه الصفات الجزئية خالقَ الكون العظيم ويفهم مدى مالكيتِه الواسعة وعظيم إتقانه وسعة إرادته وهيمنة قدرته وإحاطة علمه. فيينَ في كلًا من تلك الصفات إنما هي صفات مطلقة وعظيمة لا حدّ لها ولا نهاية. وبهذا يكون الإنسان مؤديًا مهمة مرآة صغيرة لإظهار تلك الصفات وإدراكها.
— 542 —
أما اله مسألثالث:من قيام الإنسان بمهمة مرآة عاكسة لكمالات الصفات الإلهية فله وجهان:
إظهارُه بدائعَ الأسماء الإلهية الحسنى المتنوعة وتجلياتها المختلفة في ذاته. لأن الإنسان بمثابة فهرس مصغر للكونعم فقدبما يملك من صفات جامعة- وكأنه مثالُه المصغر، لذا فتجليات الأسماء الإلهية في الكون عامةً نراها تتجلى في الإنسان بمقياس مصغر.
الوجه الثاني:أداؤه مهمةَ المرآة العاكسة للشؤون الإل اللّٰي إن الإنسان كما يشير بحياته إلى حياة "الحي القيوم" فإنه بوساطة ما ينكشف في حياته الذاتية من حواسَّ كالسمع والبصر وأمثالِها يفهم -ويبيّن للآخرين- صفاتِ ال، والرلبصر وغيرها من الصفات الجليلة المطلقة "للحي القيوم".
ثم إن الإنسان الذي يملك مشاعر دقيقة جدًّا وكثيرة جدًّا -وقد لا تنكشف ضمن حياته وإنما عندما يحفَّز أو سُنةً- فتظهر تلك المشاعر بأشكالٍ متنوعة وانفعالات مختلفة، فإنه بوساطة هذه المشاعر الدقيقة والمعاني العميقة يؤدي مهمةَ عرض الشؤون الذاتية "للحي القيوم". فمثلًا: الحب والافتخار والرضى والانش.
السرور وما شابهها من المعاني التي تتفجّر لدى الإنسان في ظروف خاصة، يؤدي الإنسان بها مهمةَ الإشارة إلى هذه الأنواع من الشؤون الإلهية بما يناسب قدسية الذات الإلهية وغناه المطلق وبما يليق به سبحانه وتعالى.
وكما أن الإنسان وحدةُ قياس -بما يملك مرًا مجية حياته- لمعرفة صفات اللّٰه الجليلة، وشؤونه الحكيمة، وفهرسٌ لتجلي أسمائه الحسنى، ومرآةٌ ذات شعور بجهات عدة لذات "الحي القيوم".. كذلك الإنوجه ال وحدةُ قياس أيضًا لمعرفة حقائق الكون هذا، وفهرسٌ له ومقياسٌ وميزان.
فمثلًا: إن الدليل القاطع على وجود اللوح المحفوظ في الكون يتمثل في نموذجه المصغر وهو القوة الحافظة لدى الإنسان. والدليل القاطع على وجود عالَم المثایقَويّه في نموذجه المصغر وهو قوة الخيال لدى الإنسان،
(٭): نعم! إن عناصر الإنسان مثلما تشير إلى عناصر الكون وعظامه تنبئ عن أحجاره وصخوره، وأشعاره توحي إلى نباتاته وأشجاره، والمعدة! اري في جسمه والسوائل المختلفة المترشحة من عيونه وأنفه وفمه تخبر عن عيون الأرض وينابيعها ومياهها المعدنية، كذلك تخبر روحُ الإنسان عن عالم ا العال وحافظته عن اللوح المحفوظ وقوة خياله عن عالم المثال. وهكذا يخبر كل جهاز عن عالم ويشهد على وجوده شهادة قاطعة. (المؤلف).
والدليل القاطع عللثور و الروحانيات في
— 543 —
الكون ندركه ضمن نموذجها المصغر وهو لطائفُ الإنسان وقواه.. وهكذا يكون الإنسان مقياسًا مصغرًا يُظهر عيانًا الحقائقَ الإيمانية في الكون بدرجة الشهود.
وهناك مهماتٌ ووظائف وخدمات كثيرة أذا الخإنسان فضلًا عمّا ذكرناه؛ إذ هو: مرآةٌ لتجلي الجمال الباقي، وداعٍ إلى الكمال السرمدي ودالّ عليه، ومحتاجٌ شاكر لأنعم الرحمة الواسعة الأبدية.
فما دام الجمالُ باقيًا والبأس سرمديًا والرحمة أبدية، فلابد أن الإنسان الذي هو المرآة المشتاقة لذلك الجمال الباقي والداعي العاشق لذلك الكمال السرمدي والمحتاج الشاكر لتلك الرحمة الأبدية سيُبعث إلى دار بقاء أبدية ليخلد فيها دائمًا، وللإلهيةه سيذهب إلى الأبد ليرافق الباقين الخالدين هناك ويرافق ذلك الجمال الباقي وذلك الكمال السرمدي وتلك الرحمة الأبدية في أبد الآباد. بل يلزم ذلك قطعًا لأن: الجمال الأبدي لا يرضى بمات الدانٍ ومحبٍّ زائلٍ. إذ الجمال يطلب محبةً تجاهه مثلما يحب نفسَه. بينما الزوال والفناءُ يحولان دون تلك المحبة ويبدلانها إلى عداء.
فلو لم يرحل الإنسانُ إلى الأبد، ولم يبقَ هناك خالدًا مخلدًا فسيجد في فطرته عداءً شديدًا لما يحمًا وثلر مغروز فيه وهو المحبة العميقة نحو الجمال السرمدي. مثلما بينّا ذلك في حاشيةٍ في "الكلمة العاشرة" (رسالة الحشر): أن حسناء بارعةَ الجمال عندما طردت -ذات يوم- أحدَ عشاقها من مجلسها، انقلب عشقُ الجمال لدى العاشق المطرود قبحًا وكرهًا حتى بدأد" إلى نفسه بقوله: تبًا لها ما أقبحَها! فأنكر الجمالَ وسخط عليه.
نعم فكما أن الإنسان يعادي ما يجهله، فإنه يتحرى النقصَ والقصور فيما تقصر يدُه عنه، ويعجز عن الاحتفاظ به ومسكه.. بل تراه يتحرى فيه عن القصورِنْ صِمن عداء وحقد يضمره، بل يتخذ ما يشبه العداء له.
فما دام الكونُ يشهد بأن المحبوب الحقيقي والجميل المطلق سبحانه يحبّب نفسَه إلى الإنسان بلم أنهسمائه الحسنى، ويطلب منه مقابل ذلك حبًّا عظيمًا له، فلابد أنه سبحانه لا يدع هذا الإنسان الذي هو محبوبُه وحبيبُه يسخط عليه، فلا يودع في فطرته ما يثيرقةً بد نحوه -أي بعدم إحداث الآخرة- ولا يغرز في فطرة هذا المخلوق المكرّم الممتاز، المحبوب
— 544 —
لدى الرب الرحيم والمخلوق أصلًا للقيام بعبادته، ما هو منافٍ كليًا لفطرته من عداءئات. فولا يمكن أن يحمّل روحَه سخطًا عليه سبحانه قط؛ لأن الإنسان لا يمكنه أن يداوي جرحه الغائر الناشئ من فراقه الأبدي عن جمال مطلق يحبّه ويقدّره إلّا بالعداء نحوه، أو السخط عليه، أو إنكاره. وكون الكفار أعداءَ اللّٰه نابع من هذه راءت لة.. لأجل هذا فسيجعل ذلك الجمال الأزلي حتمًا هذا الإنسان الذي هو مرآةٌ مشتاقة إليه مبعوثًا إلى طريق أبد الآباد، ليرافق ذلك الجمال المطلق في دار البقاء والخلود، ولا ريب أن سيجعلنا أن حياة باقية في دار باقية خالدة.
نعم! ما دام الإنسان مشتاقًا فطرةً لجمال باقٍ وقد خُلقَ محبًا لذلك الجمال.. وأن الجمال الباقي لا يرضى بمشتاق زائل.. وأن الإنسان يسكّن آلامَه وأحزانه الناجمة عما لا تصل إليه يدُه أومنير لعن الاحتفاظ به أو يجهله، بتحري القصورَ فيه بل يسكّنها بعداء خفي نحوه، مسليًا نفسه بهذا العداء.. وما دام الكون قد خُلق لأجل هذا الإنسان، وشْهُودن مخلوق للمعرفة الإلهية ولمحبته سبحانه وتعالى.. وخالق الكون سرمديٌّ بأسمائه الحسنى وتجلياته باقية دائمة.. فلابد أن هذا الإنسان سيُبعَث إلى دار البقاء والخلود، ولا بد أن ينال حياة باقية دائمة.
هذا وإن الرسول الفس ألمص) وهو الإنسان الأكمل والدليل الأعظم على اللّٰه قد أظهر جميع ما بيّناه من كمالات الإنسان وقيمتِه ومهمته ومثله، فأظهر تلك الكمالات في نفسه، وفي دينه، بأوضح صورةٍ وأكملها، مما يدلناالمرهفأن الكائنات مثلما خُلقت لأجل الإنسان، أي أنه المقصود الأعظم من خلقها والمنتخب منها، فإن أجلّ مقصودٍ من خلق الإنسان أيضًا وأفضل مصطفى م كبيرً أروع وأسطع مرآة للأحد الصمد إنما هو محمد
عليه وعلى آله وأصحابه الصلاة والسلام بعدد حسنات أمته...
فيا اللّٰه يا رحمن يا رحيم يا فرد يا حيُّ ياقيومُ يا حكم يا عدل يا قدوس.
نسألك بحُّ القنك الحكيم وبحُرمة حبيبك الأكرم (ص) وبحق أسمائك الحسنى وبحرمة اسمك الأعظم أن تحفظنا من شر النفس والشيطان ومن شر الجن والإنسان. آمين
سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا اِلّا ما عَلَّمْإطالة ِنَّكَ اَنْتَ الْعَليمُ الْحَكيم
— 545 —
اللمعة الحادية والثلاثون
انقسمت هذه اللمعة إلى "الشعاعات" وستنشر في مجلد مستقل إن شاء اللّٰه.
اللمعة الثانية والثلحقائق وهي "اللوامع" التي هي آخر ما ألّفه "سعيد القديم" في غضون عشرين يومًا من شهر رمضان وجاءت منظومة نظمًا عفويًّا. نشرت ملحقةً بمجموعة "الكلمات".
اللمعة الثالثة والثلاثون
هولئلا ائق التي ظهرت على قلب "سعيد الجديد" بدرجة الشهود، وسطرها باللغة العربية في رسائل موسومة بی("قطرة من بحر التوحيد"، "حبة من جنان القرآن"، "شمة من نسيم هداية القرآنِبِ الة من شعاعات هداية القرآن"، "حباب من عمان القرآن"، "زهرة من رياض القرآن"،"شعلة من أنوار القرآن") مع ذيول هذه الرسائل وقد ضمت كلّها تحت عنوان "المثنوي العربي النوري" سينشر في مجلد مستقل إن شاء اللّٰه.
— 547 —
بسم اللّٰه الرحمن الرحيملَتْ إاَللّٰه، يَا رَحْمنُ، يَا رَحِيمُ، يَا فَردُ، يَا حَيُّ، يَا قَيُّومُ، يَا حَكَمُ، يَا عَدْلُ، يَا قُدُّوسُ
بحق الاسم الأعظم وبحرمة القف جهدًمعجِز البيان وبكرامة الرسول الأعظم (ص)، أدخل الذين قاموا بطبع هذه المجموعة ومعاونيهم الميامين جنةَ الفردوس والسعادة الأبدية.. آمين. ووفّقهم في خدمة الإيمان والقرآن دوما وأبدا.. آمين. واكتب في صحيفة حسناتهم ألفَ حسنة لكل حرف من حروورسي
"اللمعات".. آمين. وأحسِن إليهم الثبات والدوام والإخلاص في نشر رسائل النور.. آمين
يا أرحم الراحمين! آت جميع طلاب النور في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة.. آمين. واحفظهم من شر شياطين الجن والإنس.. ا في شواعف عن ذنوب هذا العبد العاجز الیضعيف سعيد.. آمين
اسم جميع طلاب النور
سعيد النورسي