— 4 —
كليات رسائل النور
٣
اللمعات
تأليف
بديع الزمان سعيد النّورسي
ترجمة
إحسان قاسم الصّالحي
— 5 —
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
فَنَادى في الظُلُمات أنْ لاإله إلّا أنتَ سُبْحانَكَ إنّي كُنْتُ مِندام أبلمين
(الأنبياء:٨٧)
إذْ نادى ربّه أنّي مَسّني الضُرُّ وأنتَ أرحَمُ الراحمين
(الأنبياء:٨٣)
فإنْ تَولّوا فَقُلْ حَسْبيَ اللّٰه لاإله إلّا هو عَليه تَوكّلتُ وهوَ رَبُّ العَرش العَظيمِ
(التوبة:١٢٩)
حَسْبُنا اللّٰه وَنِعْمَ الو بسرعة
(آل عمران:١٧٣)
لا حولَ ولا قوةَ إلّا باللّٰه العَليِّ العَظيمِ
[٭]: انظر: البخاري، المغازي ٣٨، الدعوات ٥١، ٦٨، القدر ٧؛ مسلم، الذكر ٤٤-٤٦.
يا بَاقي أنت البَاقي.. يا بَاقي أنعن وظاقي
للذينَ آمَنُوا هُدًى وشفاءً
(فصلت:٤٤)
هذا القسم الأول من "المكتوب الحادي والثلاثين" يتضمن ست لمعات تبين كلٌّ منها نورًا من أنوارٍ كثيرة لكنتُ ا المباركة المذكورة التي لقراءتها ثلاثًا وثلاثين مرة في كل وقت فضائلُ كثيرة ولاسيما بين المغرب والعشاء.
— 6 —
اللمعة الأولى
إنَّ مناجاة سيدنا يونس بن متّى -على نبينا وعليه الصلاة والسلام- هي من أعظم أنواع المناجاة وأروعِها، عليه لغِ الوسائل لاستجابة الدعاء وقبوله. [٭]: انظر: الترمذي، الدعوات ٨١؛ أحمد بن حنبل، المسند ١/١٧٠.
تتلخص قصتُه المشهورة بأنه عليه السلام قد أُلقيَ به إلى البحر، فالتقمه الحوتُ، وغشيَتْه أمواجُ البحر الهائجرجل يتسدل الليلُ البهيم ستارَه المظلمَ عليه. فداهَمَته الرهبةُ والخوف من كل مكان وانقطعت أمامَه أسبابُ الرجاء وانسدت أبوابُ الأمل.. وإذا بمني، إذ الرقيقة وتضرعه الخالص الزكي:
لاإله إلّا أنتَ سُبْحانَكَ إنّي كُنْتُ مِنَ الظالمين
(الأنبياء:٨٧) يُصبح له في تلك الحالة واسطةَ نجاة ووسيلة خلاص.
وسر هذه المناجاة العظيم هو أنَّم بألماب المادية قد هَوت كليًا في ذلك الوضع المرعب، وسقطت نهائيًا فلم تحرّك ساكنًا ولم تترك أثرًا، ذلك لأنَّ الذي يستطيع أن ينقذه من تلك الحالة، اهتم بّا ذلك الذي تنفُذُ قدرتُه في الحوت، وتهيمن على البحر وتستولي على الليل وجوّ السماء؛ حيث إنَّ كلًا من الليل الحالك والبحر الهائج والحوت الهائل قد اتفق على الانقضاض عليه، فلا يُنجيه سببٌ، ولا يخلّصه أحدٌ، ولالنور و إلى ساحل السلامة بأمان، إلّا مَن بيده مقاليد الليل وزمام البحر والحوت معًا، ومَن يسخّر كلَّ شيء تحت أمره.. حتى لو كان الخلقُ أجمعين تحت خدمته عليه السلام ورهن إشارته في ذلك الموقف الرهيب، ما كانوا ينفعونه بشيء!.
أجل لا تأثير للأسباب قط..ن من خن رأى عليه السلام بعين اليقين ألّا ملجأ له من أمره تعالى إلّا اللواذ إلى كنف مسبّب الأسباب، انكشف له سرُّ الأحدية من خلال نور التوحيد
— 7 —
الساطعالآية سخّرتْ له تلك المناجاةُ الخالصة الليلَ والبحرَ والحوتَ معًا، بل تحوّل له بنور التوحيد الخالص بطنُ الحوت المظلم إلى ما يشبه جوفَ غواصة أمينة هادئة تسير تحت البحر، وأصبح ذلك البحرُ الهائج بالأمواج المتلجروحًاا يشبه المتنیزّه الآمن الهادئ، وانقشعت الغيومُ عن وجه السماء -بتلك المناجاة- وكشف القمرُ عن وجهه المنير كأنه مصباح وضيء يتدلى فوق رأسه..
وهكذا غدت تلك المخلوقاتُ التي كانت تهدّده وتُرعبه من كل صوبٍ وتضيّق بسفاهالخناق، غدت الآن تُسفر له عن وجه الصداقة، وتتقرب إليه بالودّ والحنان، حتى خرج إلى شاطئ السلامة وشاهدَ لُطف الرب الرحيم تحت شجرة اليَقطين.
فلننظر بنور تلك المناجاة إلى أنفسنا.. فنحن في وضع مخيف ومرعب أضعاف أضعاف ما كان فيه سيدنا يونس عليى الأنام، حيث إن:
ليلَنا الذي يخيّم علينا، هو المستقبل.. فمستقبلُنا إذا نظرنا إليه بنظر الغفلة يبدو مظلمًا مخيفًا، بل هو أحلك ظلامًا وأشد عتامة من الليل الذي كان في الشريا يونس عليه السلام بمائة مرة.
وبحرَنا، هو الكرة الأرضية، فكل موجة من أمواج هذا البحر المتلاطم تحمل آلاف الجنائز، فهو إذن بحر مرعب رهيب بمائة ضعف م إلى:لبحر الذي أُلقي فيه عليه السلام.
وحوتَنا، هو ما نحمله من نفس أمارة بالسوء، فهي حوت يريد أن يلتقم حياتنا الأبدية ويَمحَقَها. هذا الحوتُ أشد ضراوة من الحوت الذي ابتلع سيدَنا يونس عليه السلام؛ إذ كان يمكنه أن يقضي على حياة أمدُها مائة سن السنةما حوتُنا نحن يحاول إفناء مئات الملايين من سني حياة خالدة هنيئة رغيدة.
فما دامت هذه حقيقةَ وضعنا، فما علينا إذن إلّا الاقتداء بسيدنا يونس عليه السلام والسيلرسول هديه، مُعرضين عن الأسباب جميعًا، مُقبلين كليًا على ربنا الذي هو مسبّب الأسباب متوجهين إليه بقلوبنا وجوارحنا، ملتجئين إليه سبحانه قائلين:
لاإله إلّا أنتَ سُبْحانَكَ إنّي كُنْتُ مِنَ الظالمين
مدركين بعين اليقين أنْ قد انهاية لينا -بسبب غفلتنا وضلالنا- مستقبلُنا الذي يرتقبنا، ودنيانا التي تضمنا، ونفوسُنا الأمّارة بالسوء التي بين
— 8 —
جنبينا، موقنين كذلك أنه لا يقدر أن يدفع عنا مخاوفَ المستقبل وأوهامه، ة شكر.يل عنا أهوال الدنيا ومصائبها، ولا يُبعد عنا أضرار النفس الأمّارة بالسوء ودسائسها، إلّا مَن كان المستقبلُ تحت أمره، والدنيا تحت حُكمه، وأنفسُنا تحت إدارته.
تُرى مَن غيرُ خالق السماوات والأرضين يعرف خلجات قلوبنا، ومَن غَيرُه يعلم خيتوقف دورنا، ومَن غَيرُه قادر على إنارة المستقبل لنا بخلق الآخرة، ومَن غيرُه يستطيع أن ينقذنا من بين ألوف أمواج الدنيا المتلاطمة بالأحداث؟!. حافر القٰه وكلّا أن يكون لنا منجٍ غيرُه ومخلّصٌ سواه، فهو الذي لولا إرادتُه النافذة ولولا أمرُه المهيمن لَما تمكّن شيءٌ أينما كان وكيفما كان أن يمد يدَه ليغيث أحدًا بشيء!.
(كان دامت هذه حقيقةَ وضعنا فما علينا إلّا أن نرفع أكفّ الضراعة إليه سبحانه متوسلين، مستعطفين نظرَ رحمته الربانية إلينا، اقتداءً بسر تلك المناجاة الرائعة التي سخّرت الحوتَصر الكا يونس عليه السلام كأنه غواصة تسير تحت البحر، وحوّلت البحرَ متنزهٍ جميلٍ، وألبَست الليلَ جلباب النور الوضيء بالبدر الساطع. فنقول:
لاإله إلّا أنلاع علْحانَكَ إنّي كُنْتُ مِنَ الظالمين
.. فنلفت بها نظرَ الرحمة الإلهية إلى مستقبلنا بقولنا: لاإله إلّا أنتَ
ونلفتها إلى دنيانا بكلمة: سُبْحانَككيف بمونرجوها أن تنظر إلى أنفسنا بنظر الرأفة والشفقة بجملة: إنّي كُنْتُ مِنَ الظالمين
. كي يعمّ مستقبلنا نور الإيمان وضياء بدر القرآن، وينقلب رعبُ ليلنا ودهشتلمنطقي أمن الأُنس وطمأنينة البهجة. ولتنتهي مهمةُ حياتنا ونختتم وظيفتَها بالوصول إلى شاطئ الأمن والأمان دخولا في رحاب حقيقة الإسلام، تلك الحقيقة التي هي سفينة معنوية أعدّها القرآن العظيم، فنبحر بها عباب الحياة، فوق أمواج السنين والقلّٰه سحاملة لجنائز لا يحصرها العد، ويقذفها إلى العدم بتبدل الموت والحياة وتناوبهما الدائبين في دنيانا وأرضنا. فننظر إلى هذا المشهد الرهيب بمنظار نور القرآن الباهر، وإذا هو مناظر متبدّلة، متجددة، يُحَوِّل تجدُّدُهالحاصل:مر تلك الوحشة الرهيبة النابعة من هبوب العواصف وحدوث الزلازل للبحر إلى نظرٍ تقْطر منه العبرةُ، ويبعث على التأمل والتفكر في خلق اللّٰه. فتستضيء وتتألق ببهجةِ الدات بحلطافةِ التجديد. فلا تستطيع عندها نفوسُنا الأمّارة على قهرنا، بل نكون نحن الذين نقهرُها بما منَحنا القرآن الكريم من ذلك
— 9 —
السر اللطيف، بل نمتطيها بتلك التربية المنبثقة من القرآن الك، لو ختُصبِح النفسُ الأمّارة طوعَ إرادتنا، وتغدو وسيلةً نافعة ووساطةَ خير للفوز بحياة خالدة.
الخلاصة:
إنَّ الإنسان بما يحمل من ماهية جامعة يتألم من احقائقَالبسيطة كما يتألم من زلزلة الأرض وهزّاتها، ويتألم من زلزال الكون العظيم عند قيام الساعة. ويخاف من جرثومة صغيرة كما يخاف من المذنبات الظاهرة في الأجرام السماوية. ويحب بيتَه ويأنس به كما يحب الدنيا العظيمة. ويهوى حديقته تحولاة ويتعلق بها كما يشتاق إلى الجنة الخالدة ويتوق إليها.
فما دام أمرُ الإنسان هكذا، فلا معبودَ له ولا ربَّ ولا مولى ولا منجَى ولا ملجأ إلّا مَن بيده مقاليدُ السماوات والأرض وزمام الذرات والمجراترةٌ بدشيء تحت حُكمه، طوعَ أمره.. فلابد أن هذا الإنسان بحاجة ماسة دائمًا إلى التوجّه إلى بارئه الجليل والتضرع إليه اقتداءً بسيدنا يونس عليه السلام.أبد يح:
لاإله إلّا أنتَ سُبْحانَكَ إنّي كُنْتُ مِنَ الظالمين
سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا اِلّا ما عَلَّمْتَنا اِنَّكَ اَنْتَ الْعَليمُ الْحَكيم
— 10 —
اللمعة الثانية
وثلاث لّٰه الرحمن الرحيم
وأيوب إذْ نادى ربّه أنّي مَسّني الضُرُّ وأنتَ أرحَمُ الراحمين
(الأنبياء: ٨٣)
هذه المناجاةُ اللطيفة التي نادى بها رائدُ الصابرين سيبع الميوب عليه السلام مجرّبةٌ، وذاتُ مفعول مؤثّر، فينبغي أن نقتبس من نور هذه الآية الكريمة ونقول في مناجاتنا: "ربِّ إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين".
وقصة سيدنا أيوب عليه السلام المشهورة، نلخصها بما ذه الط إنه عليه السلام ظل صابرًا ردحًا من الزمن يكابد ألَمَ المرض العضال، حتى سرت القروحُ والجروحُ إلى جسمه كله، ومع ذلك كان صابرًا جلدًا يرجو ثوابَه العظيم من ]: انظالقدير. وحينما أصابت الديدانُ الناشئة من جروحه قلبَه ولسانَه اللذين هما محلُّ ذكر اللّٰه وموضعُ معرفته، تضرّع إلى ربّه الكريم بهذه المناجاة الرقيقة:
أنّي مَسّني الضُرُّ وأنتَ أرحَمُ الراحمين
خشية أنْ يصيب عبادتَه خللٌ، ولم يتآتية:
يه طلبًا للراحة قط. فاستجاب اللّٰه العلي القدير لتلك المناجاة الخالصة الزكية استجابةً خارقة بما هو فوق المعتاد، وكشف عنه ضرَّه وأحسنَ إليه العافيةَ التامة وأسبغَ عليه ألطافَ رحمته العميمة.
في هذه اللمعة قلبه:كات.
— 11 —
النكتة الأولى
إنه إزاء تلك الجروح الظاهرة التي أصابت سيدَنا أيوبَ عليه السلام، توجد فينا أمراضٌ باطنية وعللٌ روحية وأسقامٌ قلبية، فنحن مصابون بكلّ هذا. فلو انقلبنا ظاهرًا بباطن وباطنًا بظاهر، لظهرنا مُثقَلين بجروحٍ وقروالمحلةة، ولَبَدَت فينا أمراضٌ وعللٌ أكثر بكثير مما عند سيدنا أيوب عليه السلام، ذلك لأن: كلَّ ما تكسبه أيدينا من إثم، وكلَّ ما يلج إلى أذهاننا من شبهة، يشقّ الكون غائرةً في قلوبنا، ويفجّر قروحًا دامية في أرواحنا.. ثم إن جروحَ سيدنا أيوب عليه السلام كانت تهدّد حياتَه الدنيا القصيرة بخطر، أما جروحُنا المعنوية نحن فهي تهدد حيات إنَّ أخروية المديدة بخطر.. فنحن إذن محتاجون أشد الحاجة إلى تلك المناجاة الأيوبية الكريمة بأضعافِ أضعاف حاجته عليه السلام إليها. وبخاصة أن الديدان المتولدة من : انظرعليه السلام مثلما أصابت قلبَه ولسانَه، فإن الوساوس والشكوك -نعوذ باللّٰه- المتولدة عندنا من جروحنا الناشئة من الآثام والذنوب تصيب باطنَ القلب الذي هو مستقرُّ الإيمان فتزعزعُ الإيمانَ فيه، وتمسّ اللسانَ الذي هو مترجم الإيمان فتَسلبه لذةَ اءت فيومتعتَه الروحية، ولا تزال تنفّره من ذكر اللّٰه حتى تُسكته كليًا.
نعم، الإثمُ يتوغل في القلب ويمدّ جذورَه في أعماقه، وما ينفك ينكُتُ فيه نكتًا خرى وفحتى يتمكن من إخراج نور الإيمان منه، فيبقى مظلمًا مقفرًا، فيغلظ ويقسو.
نعم، إن في كل إثم وخطيئةٍ طريقًا مؤديًا إلى الكفر، فإن لم يُمحَ ذلك الإثم فورًا بالاستغفار يتحول إلى دودة معنوية، بل إلى حية معنوية تعض القلبَ وتؤذيه.
ولنوضح ذ، وكل يأتي:
مثلًا:إن الذي يرتكب سرًا إثمًا يُخجَل منه، وعندما يستحي كثيرًا من اطلاع الآخرين عليه، يثقُل عليه وجودُ الملائكة والروحانيات، ويرغب في إنكارهم بأمارة تافهة.
مثلًا:م الشهذي يقترف كبيرة تُفضي إلى عذاب جهنم. إنْ لم يتحصّن تجاهها بالاستغفار، فما إنْ يسمع نذيرَ جهنم وأهوالَها يرغب من أعماقه في عدم وجودها، فيتولد لديه جرأةٌ لإنكار جهنم من أمارة بسه الصا شبهة تافهة.
— 12 —
مثلًا:إن الذي لا يقيم الفرائضَ ولا يؤدي وظيفةَ العبودية حق الأداء وهو يتألم من توبيخ آمره البسيط لتقاعسه عن واجب بسيط، فإنّ تكاسله عن أداء الفرائض إزاء الأوامر المكررة الصادرة من اللّٰه الن العبيورثه ضِيقًا شديدًا وظلمةً قاتمةً في روحه، ويسوقُه هذا الضيقُ إلى الرغبة في أن يتفوّه ويقول ضمنًا: "ليته لم يأمر بتلك العبادة!" وتثير هذه الرغبةُ فيلمزاياكارَ، الذي يُشمّ منه عداءٌ معنويٌ تجاه ألوهيته سبحانه!، فإذا ما وردت شبهةٌ تافهة إلى القلب حول وجوده سبحانه، فإنه يميل إليها كأنها دليل قاطع. فينفتح أمامَه بابٌ عظيمٌ للهلاك والخسة القرمبين. ولكن لا يدرك هذا الشقي أنه قد جعل نفسه -بهذا الإنكار- هدفًا لضيق معنوي أرهبَ وأفظعَ بملايين المرات من ذلك الضيق الجزئي الذي كان عة وتنه من تكاسله في العبادة، كمن يفرّ من لسع بعوضة إلى عض حية!
فليُفهَم في ضوء هذه الأمثلة الثلاثة سرّ الآية الكريمة:
كلّا بل رانَ على قلوبهم ما كانوا يَكسبون
(المطففين: ١٤).
النكتة الثانية
مثلما وُضّح في "الكلمة السازوله حلعشرين" الخاصة بالقدر: إن الإنسان ليس له حق الشكوى من البلاء والمرض بثلاثة وجوه:
الوجه الأول:أنَّ اللّٰه سبحانه يجعل ما ألبسَه الإنسانَ من لباس الوجود دليلا على صنعته المُبدعة، حيث خلقه على صورة نموذج (موديل) يفصّل عليهحسًّا الوجود، يبدّلُه ويقصُّه ويغيّرُه، مبينًا بهذا التصرف تجليات مختلفة لأسمائه الحسنى. فمثلما يستدعي اسمُ "الشافي" المرضَ، فإن اسم "الرزاق" أيضًا يقتضشمس فيعَ. وهكذا فهو سبحانه مالكُ المُلك يتصرف في مُلكه كيف يشاء.
الوجه الثاني:أنَّ الحياة تتصفّى بالمصائب والبلايا، وتتزكّى بالأمراض والنوائب، وتجد بها الكمال وتتقوى وتترقى وتسمو وتثمر وتنتج وتتكامل وتبلغ هدفَها المراد لها، فت يؤدي متَها الحياتية. أما الحياةُ الرتيبة التي تمضى على نسق واحد وتمر على فراش الراحة، فهي أقربُ إلى العدم الذي هو شرّ محضٌ منه إلى الوجود الذي هو خيرٌ محض. بل هي تُفضي إلى العدم.
— 13 —
الوجه الثالث:أنَّ دار الدنيا هذه میيكافؤلّا ميدانُ اختبار وابتلاء، وهي دارُ عمل ومحل عبادة، وليست محلَّ تمتّع وتلذذ ولا مكان تسلّم الأجرة ونيل الثواب.
فمادامت الدنيا دارَ عمل ومحلَّ عبادة، فالأمراضُ والمصائب عدا الدينية منها وبشأكثرُهبر عليها تكون ملائمةً جدًّا مع ذلك العمل، بل منسجمةً تمامًا مع تلك العبادة، حيث إنها تمد العملَ بقوة وتشدّ من أزر العبادة، فلا يجوز التشكّي منها، بل يجب التحلي بالشكر للّٰه بها، حيث إن تلك الأمراضَ والنوائب تحوّل كلَّ ساعأول:أياة المصاب عبادةً ليوم كامل.
نعم، إن العبادة قسمان: قسم إيجابي وقسم سلبي..
فالقسم الأول معلوم لدى الجميع، أما القسم الآخر فإن البلايا والضر والأمراض تجعل صاحبَها يشعر بعَجزه وضَعفه، فيلتجئ إلى ربههوداتهم، ويتوجّه إليه ويلوذ به، فيؤدي بهذا عبادة خالصة. هذه العبادة خالصةٌ زكيّةٌ لا يدخل فيها الرياءُ قط. فإذا ما تجمّل المصابُ بالصبر وفكّر في ثواب ضرّه عند اللّٰه وجميلِ أجره عندهقاءها ر ربَّه عليها، تحولت عندئذ كلُّ ساعة من ساعات عمره كأنها يومٌ من العبادة، فيغدو عمرُه القصير جدًّا مديدًا طويلًا، بل تتحول -عند بعضهم- كلُّ دقيقة من دقائق عمره بمثابة يوم من العبادة.آن المقد كنتُ أقلق كثيرًا على ما أصاب أحد إخوتي في الآخرة وهو "الحافظ أحمد المهاجر"(٭) بمرض خطير، فخطر إلى القلب ما يأتي: "بشّره، هنّئه، فإن كلَّ دقيقة من دقائق عمره تمضي كأنها يومٌ من العبادة".. حقًا حسبي ان يشكر ربَّه الرحيم من ثنايا الصبر الجميل.
النكتة الثالثة
مثلما بينّا في "الكلمات" السابقة أنه إذا ما فكّر كلُّ إنسان فيما مضى من حياته فسَيردُ إلى قلبه ولسانه "وا أسفاه"، أو: "الحمد للّٰه". أي إما أنه يتأسف ويتحسر، أو يحمد ربَّ كما تره. فالذي يقطّر الأسف والأسى إنما يكون بسبب الآلام المعنوية الناشئة من زوال اللذائذ السابقة وفراقها، ذلك لأن زوالَ اللذة ألَمٌ، بل قد تورث لذةٌ زائلةٌ طارئةٌ آلامًا دائمة مستمرة، فالتفكر فيها يُعصِر ذلك الألَمَ ويُقطّر منه الهو "سيلأسى، بينما اللذةُ المعنوية والدائمة الناشئة من زوال الآلام المؤقتة التي قضاها المرء في حياته الفائتة، تجعل لسانَه ذاكرًا بالحمد والثناء للّٰه تعاخلق شجذه
— 14 —
حالةٌ فطرية يشعر بها كل إنسان، فإذا ما فكر المصاب -علاوة على هذا- بما ادّخر له ربُّه الكريم من ثوابٍ جميل وجزاءٍ حَسن في الآخرة وتأملَ في تحوُّل عمره القصير بالمصائب إلى عمر مديد فإنه لا يصبر على ما انتابه من ضُرّ وحده، بل يرا الإيًا إلى مرتبة الشكر للّٰه والرضا بقَدَره، فينطلق لسانُه حامدًا ربَّه وقائلًا: "الحمد للّٰه على كلِّ حال سوى الكفر والضلال".
ولقد سار مثلا عند الناس: "ما أطولَ زمنَ النوائب!". نعم، هو كذلك ولكن ليس بالمعنى الذي في عُرفِ الناس وظنِّهم من أرتبط يل بما فيه من ضيق وألَم، بل هو طويلٌ مديد كالعمر الطويل بما يُثمر من نتائج حياتية عظيمة.
النكتة الرابعة
لقد بينّا في "المقام الأول للكلمة الحادية والعشرين": أنَّ الإنسان إنْ لم يشتّت ما وهَبه البارئ سبحانه من قوةِ الصبر، ولم يبعا هي إي شعاب الأوهام والمخاوف، فإنّ تلك القوة يمكن أن تكون كافيةً للثبات حيال كل مصيبة وبلاء، ولكن هيمنةَ الوهم وسيطرةَ الغفلة عليه والاغترارَ بالحياة الفانية كأنها دائمة.. يؤدي إلسَنَ إّ من قوة صبره وتفريقها إلى آلام الماضي ومخاوف المستقبل، فلا يكفيه ما أودعه اللّٰه من الصبر على تحمّل البلاء النازل به والثبات دونه، فيبدت ما تالشكوى حتى كأنه يشكو اللّٰه للناس، مبديًا من قلة الصبر ونفاده ما يشبه الجنون. فضلًا عن أنه لا يحق له أن يجزع جزعَه هذا أبدًا؛ ذلك لأن كل يوم من أيام الماضي -إن كان قد مضى بالبلاء- فقد ذهب عسرُه ومشقتُه وتركَ راحتَه، وقد زال تعبُه وألَمفهذا اك لذتَه، وقد ذهب ضنكُه وضيقُه وثبت أجرُه، فلا يجوز إذن الشكوى منه، بل ينبغي الشكر للّٰه تعالى عليه بشوق ولهفة. ولا يجوز كذلك الامتعاضُ من المصيبة والسخط عليها بل ينبغي ربطُ أواصر الحب بها؛ لأن عمر الإنسان الفاني الذفكنت أضى يتحول عمرًا سعيدًا باقيًا مديدًا بما يعاني فيه من البلاء. فمن البلاهة والجنون أن يبدد الإنسانُ قسمًا من صبره ويهدره بالأوهام والتفكر في البلايا التي مضت والآلام التي ولّت. أما الأيام المقبلة، فحيث إنها لم تأت بعدُ ومجهولةٌ مبهمة، فمن الحلدين، لتفكرُ فيها من الآن والجزعُ عمّا يمكن أن يصيب الإنسان فيها من مرض وبلاء. فكما أنه حماقةٌ أن يأكل الإنسانُ اليوم كثيرًا من الخبز ويشرب كثيرًا من الماء لما يمكن أن يصيبَه من الجوع والعطش في الغد أو بعد غد، كذلك التألّم والتضجرُ من الار الم يمكن أن يُبتلى به في
— 15 —
المستقبل من أمراض ومصائب هي الآن في حكم العدم، وإظهار الجزع نحوها دون أن يكون هناك مبرر واضطرار، هو بلاهةٌ وح يظلونلى حدٍّ تسلب لياقةَ العطفِ على صاحبها والإشفاق عليه. فوق أنه قد ظلم نفسه بنفسه.
الخلاصة:
إن الشكر مثلما يزيد النعمةَ، فالشكوى تزيد المصيبةَلاشك أ لياقةَ الترحمِ والإشفاقِ على صاحبها.
لقد ابتُلى رجل صالح من مدينة "أرضروم" بمرض خطير وبيل، وذلك في السنة الأولى من الحرب العالمية الأولى، فذهبتُ إل الأموته وبثَّ لي شكواه:
- لم أذُق طعمَ النوم منذ مائة يوم.
تألمتُ لشكواه الأليمة هذه، ولكن تذكرتُ حينها مباشرة وقلت:
- "أخي! إن الأيامبلسان ة الماضية لكونها قد ولّت ومضت فهي الآن بمثابة مائة يوم مُسرَّة مفرحة لك، فلا تفكر فيها ولا تشكُ منها، بل انظر إليها من زاوية زوالها وذهابها، واشكر ربك عليها. أما الأي اليومقبلة فلأنها لم تأتِ بعدُ، فتوكّل على رحمة ربك الرحمن الرحيم واطمئن إليها. فلا تبكِ قبل أن تُضرَب، ولا تخف من غير شيء، ولا تمنح العدمَ صبغةَ الوجود. اصرف تفكيرك في هذه الساعة بالذات، في كل تملكه من قوة الصبر تكفي للثبات لهذه الساعة. ولا تكن مثلَ ذلك القائد الأحمق الذي شتّت قوته في المركز يمينًا وشمالًا في الوقت الذي التحقت ميسَرةُ العدو إلى صفوف ميمنة ولاءً أمدَّتْها، وفي الوقت الذي لم تأت ميمنة العدو بعد.. فما إن علِم العدو منه هذا حتى سدّد قوةً ضئيلة في المركز وقضى على جيشه.
فيا أخي لا تكن كهذا، بل حشِّد كل قواك لهذه الساعة فقط، وترقَّب رحمةرقى إله الواسعة، وتأمل في ثواب الآخرة، وتدبّر في تحويل المرض لعمرك الفاني القصير إلى عمر مديد باق، فقدِّم الشكرَ الوافر المسرّ إلى العلي القدير بدلًا من هذه الشكوى المريرة" الجدينشرح ذلك الشخص المبارك من هذا الكلام وانبسطت أساريرُه حتى شرع بالقول: "الحمد للّٰه. لقد تضاءل ألمي كثيرًا".
— 16 —
النكتة الخامسة
وهي ثلاث مسائل
المسألة الأولى:إنَّ المصيبة التي تعدّ مصيبةً حقًا والتي هي مُضتوجه تلًا، هي التي تصيب الدين. فلابد من الالتجاء إلى اللّٰه سبحانه والانطراح بين يديه والتضرع إليه دون انقطاع. أما المصائبُ التي لا تمس الدين فهي في حقيقة الأمر ليست بمصائبَ، لأن قسمًا منها:
تنبيهٌ رحماني يبعثه اللّٰه سبحيل لي،ى عبده ليوقظَه من غفلته، بمثل تنبيه الراعي لشياهه عندما تتجاوز مرعاها، فيرميها بحجر، والشياه بدورها تشعر أن راعيها ينبهها بذلك الحجر ويحذّرها من أمر خطير مضر، فتعود إلى مرعاها برضى واطمئنان. وهكذا النوائبُ الظاهرةيق ذلكلكثير منها تنبيه إلهي، وإيقاظ رحماني للإنسان.
أما القسم الآخر من المصائب فهو كفارةٌ للذنوب. [٭]: انظر: البخاري، المرضى ١؛ مسلم، البر ٥٠-٥٢؛ الترمذي، تفسير سولساني ساء ٢٤؛ أحمد بن حنبل، المسند ٢/٣٠٣، ٣٣٥، ٤٠٢.
وقسم آخر أيضًا من المصائب هو منحةٌ إلهية لتطمين القلب وإفراغ السكينة فيه، وذلك بدفع الغفلة التي تصيب العظيمًا، وإشعاره بعجزه وفقره الكامنين في جبلته.
أما المصيبة التي تنتاب الإنسان عند المرض -فكما ذكرنا آنفا- فهي ليست بمصيبة حقيقية، بل هي لطفٌ رباني لأنه تطهيرٌ للإنسان من الذنوب والجاريه من أدران الخطايا، كما ورد في الحديث الصحيح: (مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أَذًى، إِلَّا حَاتَّ اللّٰه عَنْهُ خَطَايَاهُ، كَمَا تَحَاتُّ وَرَقُ الشَّجَرِ). [٭]: البخاري، المرضى ٢، ١٤، تفسير سورة ابراهيم ١؛ مسلم، صفة المنافقو بعيد الدارمي، الوضوء ٤٥.
وهكذا فإن سيدنا أيوب عليه السلام لم يدعُ في مناجاته لأجل نفسه وتطمينًا لراحته، وإنما طلب كشفَ الضر من ربه عندما أصبح المرضُ مانعًا لذكر اللّٰه لسانًا، وحائلًا للتفكر في ملكوت اللّٰه قوتقديرفطلب الشفاء لأجل القيام بوظائف العبودية خالصةً كاملة. فيجب علينا نحن أيضًا أن نقصد -بتلك المناجاة- أول ما نقصد: شفاءَ جروحنا المعنوية وشروخنا من حية
— 17 —
القادمة من ارتكاب الآثام واقتراف الذنوب، ولنا الالتجاء إلى اللّٰه القدير عندما تحُول الأمراضُ المادية دون قيامنا بالعبادة كاملة، فنلخلاف ليه عندئذ بكل ذل وخضوع ونستغيثه دون أن يبدر منا أيُّ اعتراض أو شكوى، إذ مادمنا راضين كل الرضا بربوبيته الشاملة فعلينا الرضا والتسليم المطلق بما يمنحه سبحانه لنا بربوبيته.. أما الشكوى التي تومئ ًا.
اعتراض على قضائه وقدَره، وإظهارِ التأفف والتحسر، فهي أشبه ما يكون بنقدٍ للقدر الإلهي العادل واتهامٍ لرحمته الواسعة.. فمن ينقد القدر كمن يناطح الجبل ومَن يتهم الرحمةَ يُحرم منها. إذ كما أن استعمال اليد المكسورة لصمدانيزيدها كسرًا، فإن مقابلة المبتلى مصيبته بالشكوى والتضجر والاعتراض والقلق تضاعف البلاء.
المسألة الثانية:كلما استعظمتَ المصائب المادية عظُمَت، وكلما استصغرتَها صغُرت. فمثلًا: كلما اهتم الإنسان بما يتراءى له من وهه من فًا يضخم ذلك في نظره، بينما إذا أهمله يتلاشى. وكلما تعرض الإنسان لوكر الزنابير ازداد هجومُها وإذا أهملها تفرقت.
فالمصائب المادية كذلك، كلما تعاظمها الإنسان و خمس نها وقلق عليها تسربت من نافذة الجسد إلى القلب واستقرت فيه، وعندها تتنامى مصيبةٌ معنوية في القلب وتكون ركيزةً للمادية منها فتستمر الأخيرة وتطول. ولكوللمناما أزال الإنسانُ القلقَ والوهم من جذوره بالرضا بقضاء اللّٰه، وبالتوكل على رحمته، تضمحل المصيبةُ المادية تدريجيًا وتذهب، كالشجرة التي تموت وتجف أوراقُها بانقطاع جذورها.
ولقد عبّرتُ عن هذه الحقيقة يومًا بما يأتي: [٭]: جاءت ترجمة هذه الفقرة اس مادن التصرف. وأصلها في "المكتوب السادس".
ومن الشكوى بلاءٌ.
دعها يا مسكين وتوكلْ.
نجواكَ للوهابِ فسَلِّم.
فإذا الكلُّ عطاء.
— 18 —
الة ال الكلُّ صفاء.
فبغير اللّٰه، دنياك متاهاتٌ وخوف!
أفيشكو مَن على كاهله يحمل كلَّ الراسيات
حبةَ رملٍ ضئيلة؟
إنما الشكوى بلاءٌ في بلاء.
وآثامٌ في آثام وعناء!
أنت إنْ تَ بعض افي وجه البلاء.
عادت الأرزاءُ تذوي وتذوب.
تحت شمس الحق حبّاتِ بَرَد!
فإذا دنياك بَسمة،
بسمةٌ من ثیغرها ينسابُ ينبوعُ اليقين.
بسمةٌ نشوى بإشراق اليقين.
بسمةٌ حيرى بأسى الفتيقين.
نعم..! إن الإنسان مثلما يخفف حدَّة خصمه باستقباله بالبِشر والابتسامة، فتتضاءل سَورة العداوة وتنطفئ نارُ الخصومة، بل قد تنقلب صداقةً ومصالحةً، كذلك الأمر في است وإذالبلاء بالتوكل على القدير يُذهِبُ أثره.
المسألة الثالثة:أن لكل زمان حُكمَه، وقد غيّر البلاءُ شكلَه في زمن الغفلة هذا، فلا يكون البلاءُ بلاءً عنوالنشرض دومًا، بل إحسانًا إلهيًا ولطفًا منه سبحانه. وأرى المبتلين بالضر في هذا الوقت محظوظين سعداء بشرط ألّا يمس دينَهم، فلا يولد المرض والبلاء عندي ما يجعلهما مضرَّين في نظري حتى أُعاديهما، ول، بينمانني الإشفاق والتألم على صاحبهما، ذلك ما أتاني شاب مريض إلّا وأراه أكثر ارتباطًا من أمثاله بالدين، وأكثر تعلقًا منهم بالآخرة.. فأفهم من هذا أن المرض بحق هؤلاء ليسأي من بل هو نعمةٌ من نعمه سبحانه التي لا تعد ولا تحصى، حيث إن ذلك
— 19 —
المرض يمد صاحبَه بمنافع غزيرة من حيث حياته الأُخروية ويكون له ضربًا من العبادة، مع أنه يمس حياته الدنيا الفانية الزائلة بشيء من المشقة.
نعم، قد لا يستطيع هذا الطلق وا يحافظ على ما كان عليه في مرضه من الالتزام بالأوامر الإلهية فيما إذا وجد العافية، بل قد ينجرف إلى السفاهة بطيش الشباب ونزواته وبالسفاهة المستشرية في هذا الزمان.
خاتمة
إن اللّٰه سبحانه قد أدرج في الإنسان عجزًا لا حدّ له، وفقرًا لا بة الكله، إظهارًا لقدرته المطلقة وإبرازًا لرحمته الواسعة. وقد خلقه على صورة معينة بحيث يتألم بما لا يحصى من الجهات، كما أنه يتلذذ بما لا يعد من الجهات، كامل، ا للنقوش الكثيرة لأسمائه الحسنى. فأبدعه سبحانه على صورة ماكنة عجيبة تحوي مئات الآلات والدواليب، لكل منها آلامها ولذائذها ومهمتها وثوابها وجزاؤها، فكأن الأسماء الإلهية المتجلية في العالم الذي هو إنسان كبير تتجلى مهمة ا أيضًا في هذا الإنسان الذي هو عالم أصغر، وكما أن ما فيه من أمور نافعة -كالصحة والعافية واللذائذ وغيرها- تدفعه إلى الشكر وتسوق تلك الماكنة إلى القيام بوظائفها من عدة جهات، حتى يغدو الإنسانُ كأنه ماكنًا ومس كذلك الأمر في المصائب والأمراض والآلام وسائر المؤثرات المهيجة والمحركة، تسوق الدواليبَ الأخرى لتلك الماكنة إلى العمل والحركة وتثيرها من مكمنها فتفجّر كنوزَ العجز والضعف والفقر المندرجة ففإن ماهية الإنسانية. فلا تمنح المصائبُ الإنسانَ الالتجاء إلى البارئ بلسان واحد، بل تجعله يلتجئ إليه ويستغيثه بلسان كل عضو من أعضائه. وكأن الإنسان بتلك المؤثرات والعلل والعقبات والعوارض يغدو قلمًا القانوآلاف الأقلام، فيكتب مقدّرات حياته في صحيفة حياته أو في اللوح المثالي، وينسج لوحةً رائعة للأسماء الإلهية الحسنى، ويصبح بمثابة قصيدة عصماء ولوحة إعلان.. فينة الميفة فطرته.
— 20 —
اللمعة الثالثة
لقد مازجَ هذه اللمعة شيءٌ من الأذواق والمشاعر، فأرجو عدم تقييمها بموازين علم المنطق؛ لأن ما تجيش به المشاعان عَرراعي كثيرًا قواعد العقل ولا يعير سمعًا إلى موازين الفكر.
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
كلُّ شىءٍ هالكٌ إلّا وَجْهَهُ لَهُ الحُكْمُ وإليه تُرْجَعون
(القصص: ٨٨)
هذه الآية العظيمة تفسرها جملتان تعبّران عن حقيقتين مهمتين بحيث اتخذهما قس بالاتشيوخ الطريقة النقشبندية بمثابة زبدة الأوراد لديهم، يؤدون بهما ختمَتَهم الخاصة. والجملتان هما: "يا باقي أنت الباقي. يا باقي أنت الباقي".
ولما كانت هاتان الجملتامثلهن.يان على معان جليلة لتلك الآية الكريمة، فسنذكر بضعَ نكات لبيان الحقيقتين اللتين تعبّران عنهما:
النكتة الأولى
إن ترديد "يا باقي أنت الباقي" للمرة الألكلماتجرّد القلبَ مما سوى اللّٰه تعالى، فيُجري ما يشبه عمليةً جراحية فيه، ويقطعُه عما سواه سبحانه. وتوضيح هذا:
إنَّ الإنسان بما أودع اللّٰه فيهرر.
فاهيةٍ جامعة يرتبط مع أغلب الموجودات بأواصرَ ووشائج شتى. ففي تلك الماهية الجامعة من الاستعداد غير المحدود للمحبة ما يجعله يكنّ
— 21 —
حُبًا عميقًا تجاه الموجودات عامة، فيحب الدنيا ال
كما يحب بيتَه، ويحب الجنةَ الخالدة كما يحب حديقته. بينما الموجودات -التي وجّه الإنسانُ حبَّه نحوها- لا تدوم، بل لا تلبث أن تزول، لذا يذوق الإنسانُ دائمًا عذابَ ألم الفراق. فتصبح تلك المحبة التي لا منتهى لهلقُ الَ عذابٍ معنوي لا منتهى له، لتقصيره بحقها. فالآلام التي يتجرعها ناشئةٌ من تقصيره هو، حيث لم يودَع فيه استعدادُ المحبة إلّا ليوجهه إلى مَن له جمال خالد مطلق. بينما الإنسانُ لم يُحسن استعمال محبته فوجّهها إلى موجودات فانيد إنساة، فيذوق وبال أمره بآلام الفراق.
فعندما يردد الإنسان: "يا باقي أنت الباقي". يعني بها: البراءة الكاملة من هذا التقصير، وقطع العلاقات مع تلك المحبوبات الفانية، والتخلي عنها كليًا، قبل أن تتخلى هدهم، و ثم تسديد النظر في المحبوب الباقي وهو اللّٰه سبحانه دون سواه.
أي يقول بها: "لا باقي بقاءً حقيقيًا إلّا أنت يا إلهي. فما سواكَ فانٍ زائل، والزائلُ غيرُ جدير بالمحبة الباقية ولا العشق الدائم، قوله ن يُشدّ معه أواصر قلبٍ خُلِق أصلًا للأبد والخلود". وحيث إن الموجودات فانيةٌ وستتركني ذاهبةً إلى شأنها، فسأتركها أنا قبل أن تتركني، بترديدي: "يا باقي أنت الباقي". أي: أؤمن لى كلا يقينًا أنه لا باقي إلّا أنت يا إلهي، وبقاءُ الموجودات موكول بإبقائك إياها، فلا توجّه إليها المحبةُ إذن إلّا من خلال نور محبتك، وضمن مرضاتك، وإلّا فإنها غيرُ جديرة بربط القلب معها.
فهذه الحالة تجعل القلب يتخلى عن محبوباته غيهم يتخدودة، حيث يبصر ختمَ الفناء ويشاهد طابعَ الزوال على ما أضفي عليها من جمال وبهاء. فتتقطع عندئذ تلك الوشائجُ التي كانت تربط القلب بالموجودات. وبخلاف هذا الأمر أي إن لم يتخلَّ القلبُ عن محبوباته فإن جراحاتٍ وآلامًا وهذا ال تتفجر من أعماقه بقدر تلك المحبوبات الفانية.
أما الجملة الثانية: "يا باقي أنت الباقي" فهي كالمرهم الشافي والبلسم الناجع يُمرَّر على العملية الجراحية التي أجرتها الجملةُ الأولى عّا الحلب وروابطه، حيث إنها تعني: "كفى بك يا إلهي باقيًا. فبقاؤك بديلٌ عن كلِّ شيء.. وحيث إنك موجودٌ فكل شيء موجود إذن".
نعم، إنَّ ما يبدو على الموجودات من امارُه والإحسان والكمال -والذي يبعث على محبتها- ما هو إلّا إشاراتٌ لحسنِ الباقي الحقيقي وإحسانه وكماله، وما هو إلّا ظلالٌ خافتة
— 22 —
لذلك الحسن والإحسان والكمال نفذت من وراءن هم م كثيرة وأستار عدة، بل هو ظِلالٌ لظلال تجليات أسمائه الحسنى جلّ جلالُه.
النكتة الثانية
في فطرة الإنسان عشقٌ شديد نحو البقاء، حتى إنه يتوهم نوعًا من البقاء في كل ما يحبه، بل لا يحب شيئًا إلّا بعد توهّمه البقاء فيه، ولكن حالم قوي كر في زواله أو يشاهد فناءه يطلق عليه الزفرات والحسرات من الأعماق.
نعم، إن جميع الآهات والحسرات الناشئة من أنواع الفراق، إنما هي تعابيرُ حهم سعةنطلق من عشق البقاء. ولولا توهمُ البقاء لَمَا أحبّ الإنسانُ شيئًا.
بل يصح القول: إنَّ سببًا من أسباب وجود عالَم البقاء والجنة الخالدة هو تبس الُ الملحّة للبقاء المغروزة في فطرة الإنسان، والدعاء العام الشامل الذي يسأله بشدة للخلود.. فاستجاب الباقي ذو الجلال لتلك الرغبة الملحة ولذلك الدعاء العام المؤثر، فخإخوتي بحانه عالمًا باقيًا خالدًا لهذا الإنسان الفاني الزائل. إذ هل يمكن ألّا يستجيب الفاطرُ الكريم والخالق الرحيم لدعاء تسأله البشريةُ قاطبة ت الباحالها ومقالها، ذلك الدعاء الكلي الدائمي الحق والخالص النابع من صميم حاجتها الفطرية ومن أعماق رغبتها الملحّة، مع أنه يستجيب لدعاء معدة صغيرة، تسأله بلسان حالها، فيخلق لها أنواعًا من الأطعمة اللذيذة ويُشبع بها رغبتها الجزئية للبقاحيث افقت؟ حاشَ للّٰه وكلا.. ألف ألف مرة كلّا. إنّ ردّ هذا الدعاء للخلود محالٌ قطعًا، لأن عدم استجابته جلّ وعلا ينافي حكمتَه الخالدة وعدالتَه الكاملة ورحمتَه الواسهِر للرتَه المطلقة.
وما دام الإنسان عاشقًا للبقاء، فلابد أنّ جميع كمالاته وأذواقه تابعةٌ للبقاء أيضًا. ولمّا كان البقاء صفةً خاصة للباقي ذي الجلال، وأن أسمانظر تُسنى باقيةٌ، وأن المرايا العاكسة لتجليات تلك الأسماء تنصبغ بصبغتها وتأخذ حُكمَها، أي تنال نوعًا من البقاء، فلابد أنّ ألزمَ شيء لهذا الإنسان وأجلّ وظيفة له هو شدُّ بسيطة ر وربطُ العلاقات مع ذلك الباقي ذي الجلال والاعتصام التام بأسمائه الحسنى، لأن ما يُصرف في سبيل الباقي ينال نوعًا من البقاء.
— 23 —
هذه الحقيقة تعبّر عنها الجملة الثانية: "يا باقي أنت الباقي" لحم الجراحات الإنسان المعنويةَ الغائرة، كما تُطَمئن رغبتَه الملحة للبقاء المودَعة في فطرته.
النكتة الثالثة
يتفاوت في هذه الدنيا تأثيرُ الزمان في فناء الأشياء وزوالها تفاوتًا كبيرًا. فمع أن الموجودات مكتنفةٌ بعضها ببعض كالدوائرقبال ااخلة، إلّا أن حكمَها من حيث الزوال والفناء مختلفٌ جدًّا.
فكما أن دوائر حركة عقارب الساعة العادّة للثواني والدقائق والساعات تختلف في السرعة، رغم تشابهها الظاهري، كذلكلزاوية في الإنسان، حيث إن حُكم الزمن متفاوتٌ في دائرة جسمه، ودائرة نفسه، ودائرة قلبه، ودائرة روحه. فبينما ترى حياةَ الجسم وبقاءه ووجودَه محصورةً فً في ام الذي يعيش فيه أو في ساعته، وينعدم أمامَه الماضي والمستقبلُ، إذا بكَ ترى دائرةَ حياة قلبِه وميدانَ وجوده يتّسع ويتسع حتى يضمّ أيامًا عدة قبل حاضره وأيامًا بعده، بل إنَّ دائرةَ حياة الروح وميدانَها أعظمُ وأوجادًا.ير حيث تسع سنين قبل يومها الحاضر وسنين بعدَه.
وهكذا، بناءً على هذا الإستعداد، فإن عمرَ الإنسان الفاني يتضمن عمرًا باقيًا من حيث حياته القلبية والروحية، تحيية كما معرفة الإلهية والمحبة الربانية والعبودية السُبحانية والمرضيات الرحمانية، بل ينتج هذا العمر الباقي الخالد في دار الخلود والبقاء، فيكون هذا العمر الفاني بمثضهما ار أبدي.
أجل، إنَّ ثانيةً واحدة يقضيها الإنسانُ في سبيل اللّٰه الباقي الحق، وفي سبيل محبته، وفي سبيل معرفته وابتغاء مرضاته، تُعدّ سنةً كاملة. بل هي باقيةٌ دائمة لا يعتريها الفناءُ. بينما سنةٌ منللربوب إنْ لم تكن مصروفةً في سبيله سبحانه فهي زائلةٌ حتمًا، وهي في حُكم لحظة خاطفة، فمهما تَطُل حياةُ الغافلين فهي بمثابة لحظات عابرة لا تجاوز ثانية واحدة.
وهناك قول مشهور يدل على هذه الحقيقة:
— 24 —
سِنَةُ الفِرَاقِ سَنَةٌ وَسَنَةُن لا يَالِ سِنَةٌ
أي إن ثانية واحدة من الفراق طويلةٌ جدًّا كأنها سَنةٌ واحدة، بينما سَنةٌ كاملة من الوصال تبدو قصيرة كالثانية الواحدة.
بيد أني أُخالف هذا القول المشهور فأقول: "إن ثاني من الة يقضيها الإنسانُ ضمن مرضاة اللّٰه سبحانه وفي سبيل الباقي ذي الجلال ولوجهه الكريم، أي ثانيةٌ واحدة من هذا الوصال ليست كسَنة وحدها، بل كنافذة مُطلّة على حياة دائمة باقية. أما الفراقُ النابع من نظر الغفلة والضلالة فلا يجعل هي تُظةَ الواحدة كالثانية، بل يجعل ألوف السنين كأنها ثانية واحدة".
وهناك مثل آخر أكثر شُهرة من السابق يؤيد ما نقرره وهو:
أرْضُ الفَلاَةِ مَعَ اْلأعْدَاءِ فِنْجَانٌ سَمُّ الخِيَاطِ مَعي"، ولحْبَابِ مَيْدَانٌ
أما إذا أردنا أن نبين وجهًا صحيحًا للمَثَل السابق فسيكون كالآتي:
إنَّ وصالَ الموجودات الفانية قصيرٌ جدًّا لأنه فين ٦٤؛مهما طال فهو يمضي في لمحة، ويغدو خيالًا ذا حسرة، ورؤيا عابرةً تورث الأسى. فالقلب الإنساني التوّاق للبقاء لا يستمتع من سَنةٍ من هذا الوصال إن قراءقدار ما في الثانية الواحدة من لذة. بينما الفراقُ طويل وميدانُه واسع فسيح، فثانيةٌ واحدة منه تستجمع ألوانًا من الفراق ما يستغرق سَنة كاملة، بل سنين. فالقلب المشتاق إلى الخلود يتأذى من فراق يمضي في ثاوالصلاحدة، كأنه ينسحق تحت آلام فراق سنين عدة، حيث يذكّره ذلك الفراق بما لا يُعد من أنواع الفراق. وهكذا فماضي جميع أشكال المحبة المادية والهابطة ومستقبلُها مليء بألوان من الفراق.
نسله..سبة نقول:
أيها الناس! أتريدون تحويلَ عمرِكم القصير الفاني إلى عمرٍ باقٍ طويل مديد، بل مثمر بالمغانم والمنافع؟
فما دام الجواب:أنْ نعم. وهو مقتضى الإنسانية، فاصرفوا إذن عمرَكم في سبيل الباقي، لأن أيّما ينظر نوجهْ إلى الباقي ينَلْ تجليًا من تجلياته الباقية.
ولما كان كل إنسان يطلب بإلحاح عمرًا طويلًا وهو مشتاق إلى البقاء، وثمة وسيلةٌ أمامه
— 25 —
لتحويل هذا العمر الفاني إلى عمر باقٍ، بل يمكن تبديلُه إلى عمرٍ طويل معنًى، فلابد أنه -إنْ ل أثناء إنسانيتُه- سيبحث عن تلك الوسيلة وينقّب عنها، ولابد أنه سيسعى حثيثا لتحويل ذلك الممكن إلى فعل ملموس، ولابد أنه سيصبو إلى ذلك الهدف بأعماله وحركاته كافة.
فدونكم الوسيلة:
اعملوا للّٰه، التقوا لوجه اللّٰه، اسعوا لأجل هكذا ا. ولتكن حركاتُكم كلُّها ضمن مرضاة اللّٰه (للّٰه.. لوجه اللّٰه.. لأجل اللّٰه) وعندها ترون أن دقائقَ عمركم القصير قد أصبحت بحكم سنين عدة.
تشير إلى هذه الحقيقة "ليلةُ القدر" فمع أنها ليلةٌ واحدة إلّا أنها خيرٌ من ألف شم!
ص القرآن الكريم- أي في حُكم ثمانين ونيف من السنين.
وهناك إشارة أخرى إلى الحقيقة نفسها، وهي القاعدة المقررة لدى أهل الولاية والحقيقة، تلك هي "بسط الزمان" الذي يثبتُه ويُظهره فعلًا المعراجُ النبوي، فقد سوء ا فيه دقائقُ معدودة إلى سنين عدة، فكانت لساعات المعراج من السعة والإحاطة والطول ما لألوف السنين، إذ دخل (ص) بالمعراج إلى عالم البقاء، فدقائقُ معدودة من عالم البقاء تضم ألوفا من سني هذه الدنيا.
ت والأ يثبت حقيقة "بسط الزمان" هذا ما وقع من حوادث غزيرة للأولياء الصالحين، فقد كان بعضهم يؤدي في دقيقة واحدة ما يُنجَز من الأعمال في يوم كامل. وبعضهم أنجزوا في ساعة واحدة من المهمات ما يويجعلوفي سنة كاملة، وبعضهم ختموا القرآن في دقيقة.
وهكذا فهذه الروايات عنهم وأمثالُها لا ترقى إليها الشبهات لأن الرواة صادقون صالحون يترفّعون عن الكذب، فضلًا عن أن الحوادث متواترةٌ وكثيرة جدّا ويروونها روايةَ شهود. فلاشكبْسُم فبسطُ الزمان حقيقة ثابتة.
[٭]: (٭): قال تعالى: (قال قائلٌ مِنهم كمْ لَبثتُم قالوا لبثنا يومًا أو بعضَ يوم) (الكهف: ١٩ ) (ولبثوا في كهفهم ثلیث مائةٍ سنين وازدادوا تسعا) (الكهف: ٢٥). فهاتان الآيتان الكريمتان تدلان على "طي الانفلاقكما أن الآية الآتية تدل على "بسط الزمان": (وانّ يومًا عند ربك كألف سنة مما تعدّون) (الحج: ٤٧). (المؤلف).
وهناك نوعٌ منه يصدّقه كلُّ الناس، وهو ما يراه الإنسان من رؤيا في المنام، إذ قد يرى رؤيا لا تستغرق دقيقة واحدة، بينما يقنفيذ ها من
— 26 —
الأحوال ويتكلم من الكلام ويستمتع من اللذائذ ويتألم من العذاب ما يحتاج إلى يوم كامل في اليقظة وربما إلى أيام عدة.
حاصل الكلام:مع أن الإنسان فانٍ إلّا أنه مخلوق للبقاء. خَلَقه البارئالصغيرم بمثابة مرآةٍ عاكسة لتجلياته الباقية، وكلّفه بالقيام بمهمات تثمر ثمارًا باقيةً، وصوّره على أحسن صورة حتى أصبحت صورتُه مدار نقوش تجليات أسمائه الحسنى الباقية، لذا فسعادةُ هذا الإنسانلعلم وتُه الأساس إنما هي التوجّه إلى ذلك الباقي بكامل جهوده وجوارحه وبجميع استعداداته الفطرية، سائرًا قُدُمًا في سبيل مرضاته، متمسكًا بأسمائه الحسنى، مرددًا بجميع لطائزيلةٌ قلب وروح وعقل- ما يردده لسانُه: "يا باقي أنت الباقي":
هو الباقي، هو الأزلي الأبدي، هو السرمدي، هو الدائم، هو المطلوب، هو المحبوب، هو المقصود، هو المجدًّا سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا اِلّا ما عَلَّمْتَنا اِنَّكَ اَنْتَ الْعَليمُ الْحَكيم
ربنا لا تؤاخذنا إنْ نَسِينا أو أخطأنا
— 27 —
اللمعة الرابعة
(لقد ارين أصا يُطلَق على هذه الرسالة اسم "منهاج السنة")
إنَّ "مسألة الإمامة" مع كونها مسألةً فرعية إلّا أنّ كثرة الاهتمام بها جعلتْها تدخل ضمن مباحث الإيمان في كتب علم الكلام وأصول الدين، وغدت من هذه الجهة ذاتَ علاقة بخد اللّٰلأساسية، خدمة القرآن والإيمان، وقد بُحثت بحثًا جزئيًّا.
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
لقد جاءكُم رسولٌ من أنفُسكُم عَزيزٌ عَليهِ مَا عَنتُّم حريأخذونيكُم بالمؤمنينَ رَؤُفٌ رحيم ٭ فإن تَولّوا فقُل حَسْبيَ اللّٰه لااِلهَ الّا هو عليه تَوكلتُ وهو رَبُّ العَرشِ العَظيم
(التوبة:١٢٨-١٢٩)
قُل لا أسئلُكُم عَليه أجرًا إلّا المَودّةَ في القُربى
(الشورى:٢٣)
سنشير إلى جملة من الحقائق العظيمجّل رب تزخر بها هذه الآيات الجليلة، وذلك ضمن مقامين اثنين.
— 28 —
المقام الأول
عبارة عن أربع نكات
النكتة الأولى:وهي تعبّر عن كمال رأفة الرسول الأكرم (ص) وغايةِ رحمته على أمّته.
نعم، لقد وعلها ماياتٌ صحيحة تبين مدى رأفته الكاملة وشفقته التامة على أمته، بأنه (ص) يدعو يوم الحشر الأعظم بی(أمّتي أمّتي) [٭]: انظر: البخاري، التوحيد ٣٢؛ مسلم، الإيمان ٣٢٦. في الوقت الذي يدعو كلُّ أحد، بل حت ظهيرٌبياءُ عليهم السلام بی"نفسي نفسي" من هَول ذلك اليوم ورهبته. فكما تبين هذه الروايات عظيمَ شفقته على أمته فقد سمعتْ والدتُه منه عند ولادته أنه يناجي: "أمتي أمتي" كما هو مصدّمال الى أهل الكشف من الأولياء الصالحين. وكذا إنَّ سيرته العطرة كلَّها، وما نشره في الآفاق من مكارم الأخلاق المكلّلة بالشفقة والرحمة، تبين كمالَ رأفته وشفقته، كما أنه أظهر عظيمَ شفقته على أمته بإظهار حاجته التي لاتحد إلرى.
ت أمته عليه، تلك الصلوات التي تبين مدى علاقته الرؤوفة بجميع سعادات أمته.
ففي ضوء هذه الرأفة الشاملة وهذه الرحمة الواسعة لهذا المرشد الرؤوف الرحيم (ص)؛ كم يكون الإعراضُ عن سنّته السنية كفرانًا عظيمًا بل موتًا للوجدان ! قس ذلك بنفسها ورأر.
النكتة الثانية:إنَّ الرسول الأكرم (ص) قد أبدى رأفةً عظيمة تجاه أمورٍ وموادَّ جزئية خاصة، ضمن مهمّته النبوية العامة الشاملة. فيبدو أن صرفَ تلك الشفقة العظيمة وه السل الواسعة إلى تلك الأمور الجزئية والمواد الخاصة لا يناسب -في ظاهر الأمر- عِظَم وظيفة النبوة ولا يلائمها. ولكن الواقع والحقيقة أن تلك المادة الجزئية والأواجهن اص يمثل طرفَ سلسلة تتولى في المستقبل مهمةً نبوية كليّة؛ لذا أُعطي لممثلها تلك الأهمية البالغة.
مثال ذلك:إن إظهار الرسول (ص) شفقة فائقة وأهمية بالغة للحسن والحسيُ الأصاللّٰه
— 29 —
عنهما في صباهما، [٭]: انظر: البخاري، فضائل الصحابة ٢٢؛ مسلم، فضائل الصحابة ٥٦-٦٠. ليست هي شفقةً فطرية ومحبةً نابعة من الإحساس بصلة القربى وحدها، بل نابعةً أيضًا من أنهما بدايةُ سلسلةٍ نورانيةٍ تتولى مهمةً من مهمات المعجزاالعظيمة، وأن كلًا منهما منشأُ جماعة عظيمة من وارثي النبوة، وممثلٌ عنها وقدوةٌ لها.
نعم! إن حملَ الرسول (ص) الحسن رضي اللّٰه عنه في حضنه وتقبيلَه رأسَه [٭]: انظر: أحمد بن حنبل، المسند ٥/٤٧؛ الطبراني، المعجم الكبير ٣/٣٢، ٢٢/٢٧٤. بكمال الن تنطوالرحمة، هو لأجل الكثيرين من ورثة النبوة الشبيهين بالمهدي الحاملين للشريعة الغراء المتسلسلين من سلالة الحسن المنحدرين من نسله النوراني المبارك أمثال الشيخ الكيلاني. فلقد شاهد اون اتفالكريم (ص) ببصيرة النبوة ما يضطلع به هؤلاء الأكارم في المستقبل من مهام مقدسة جليلة، فاستحسن خدماتِهم وقدّر أعمالَهم، فقبّل رأسَ الحسن رضي اللّٰه عنه علامةً على التقدير والحث. ثم إن الاهتمام العظيم الذي أولاه الرسول الكريم (صدمة السين رضي اللّٰه عنه وعطفَه الشديد نحوه إنما هو للذين يتسلسلون من نسله النوراني من أئمة عظام وارثي النبوة الحقيقيين الشبيهين بالمهدي من أمثال زين العابدين و جعفر الصادق.
نعم، فقد قبّل (ص) عنقَ الحسين رضي اللّٰه عنه، [٭]: انظبَرئ ا ماجه، المقدمة ١١؛ أحمد بن حنبل، المسند ٤/١٧٢. وأظهر له بالغ شفقته وكمال اهتمامه لأجل أولئك الذين سيرفعون شأن الإسلام ويؤدون وظيفة الرسالة من بعده.
نعم، إن نظر الرسول (ص) الذي يشاهد بقلبه الأنيس بالغيب ميدانَ الحشر الممتد في الأبدية وهو مات الرو الدنيا، في خير القرون، والذي يرى الجنة في السماوات العلى وينظر إلى الملائكة هناك وهو في الأرض.. والذي يرى الأحداث المستترة بحُجب الماضي المظلمة منذ زمن سيدنا آدم عليه السلام، بل حظيَ مدى س تعالى.. إنَّ هذا النظر النوراني والبصيرة النافذة للمستقبل، لا ريب أنه قد رأى الأقطابَ العظام وأئمة ورثة النبوة والمهديين المتسلسلين وراء الحسن والحسين رضي اللّٰه عنهما، فقبّل رأسَيهما باسم أولئك جميعًا.
نعم، إنَّ في تقبيله (ص)ن لما الحسن رضي اللّٰه عنه حصةً عظيمة للشيخ الكيلاني.
— 30 —
النكتة الثالثة:إن معنى قوله تعالى
الّا الموّدَة في القُربى
-على قول- هو: أن الرسول الأكرم (ص) لدى قيامه بمهمةي رسائلة لا يسأل أجرًا من أحد، إلّا محبةَ آل بيته فحسب.
وإذا قيل:إنَّ أجرًا من حيث قرابة النسل قد أُخذ بنظر الاعتبار حسب هذا المعنى. بينما الآيةُ الكريمة:
ان أكرمكُم عند اللّٰه اتقاكم
(الحجرات: ١٣) تدل على أن وظيفة الرسالة تستمر من حيث التتثقل..لى اللّٰه بالتقوى لا من حيث قرابة النسل.
الجواب:إنَّ الرسول (ص) قد شاهد بنظر النبوة الأنيس بالغيب: أن آل بيته سيكونون بمثابة شجرة نورانية عظيمة تمتد أغصانُها وفروعُها في العالمسوداء امي، فيرشدون مختلف طبقات العالم الإسلامي إلى الهدى والخير، ويكونون نماذج شاخصة للكمالات الإنسانية جمعاء، وسيَظهرون بأكثريتهم المطلقة من آل البيت.
وقد كشف عن قبول دعاء أمته بحقمقيتة،بيت الوارد في التشهد وهو: (اللّٰهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد). أي كما أن معظم المرشدين الهادين النورانيين من ملة إبراهيم عليه السلام هم مة والُ من نسله وآله، كذلك رأى (ص) أن أقطاب آل بيته يكونون كأنبياء بني إسرائيل في الأمة المحمدية يؤدون وظيفة خدمة الإسلام العظيمة في شتى طرقها ومسالكها. ولأجل هذا أُمر (ص) أن يقول:
قُل لا اسئلكم عليه أجرًا الّا المودّةَ في القُربى
وطلب مودّةانه إللآل بيته. والذي يؤيد هذه الحقيقة هو ما جاء في روايات أخرى أنه (ص) قال: (يا أيها الناس إني قد تركت فيكم ما إنْ أخذتم به لن تضلوا: كتاب اللّٰه وعِتْرتي أهل بيتي) [٭]: الترمذي، المناقبمثابةأحمد بن حنبل، المسند ٣/١٤، ١٧، ٢٦، ٥٩، ٥/١٨١. ذلك لأن آل البيت هم منبع السنة الشريفة والمحافظون عليها والمكلّفون أولًا بالالتزام بها.
وهكذا وضَحَتْ حقيقةُ هذا الحديث بناءً على ما ذكر آنفًا، أي النورباع التام للكتاب والسنة الشريفة. أي أن المراد من آل البيت من حيث وظيفة الرسالة هو اتباع السنة النبوية. فالذي يدَع السنةَ الشريفة لا يكون من آل البيت حقيقةً كما
الكن أن يكون مواليًا حقيقيًا لآل البيت.
— 31 —
ثم إن الحكمة في إرادته (ص) في جمع الأمة حول آل البيت هي: أن الرسول الكريم (ص) قد علِم بإذن إلهي أن آل البيت سيكثر نسلُهم بمرور الزمن بينما الإسلامُ سيؤول إلى الضعف. فيلزم والحالة هذريات:٥ جماعةٍ مترابطة متساندة في منتهى القوة والكثرة لتكون مركزًا ومحورًا لرقي العالم الإسلامي المعنوي. وقد علم (ص) بهذا بإذن إلهي فرغب في جمع أمته حول آل بيته.
نعم، إنَّ أفرادَ آل البيت وإن لم يكونوا سابقين ومتقدت" [٭ى غيرهم في الإيمان والاعتقاد، إلّا أنهم يسبقونهم كثيرًا في التسليم والالتزام والولاء للإسلام، لأنهم يوالون الإسلام فطرة وطبعًا ونسلًا. فالموالاة الطبعية لا تُترك ولو كانت في ضعف وعدم شهرة أو حتى على باطل، فكيف بالموا كم هوقيقة ارتبطت بها سلسلةُ أجداده الذين ضحّوا بأرواحهم رخيصةً في سبيلها فنالوا الشرف بها، فتلك الحقيقة هي في منتهى القوة وذروةُ الشرف وعلى الحق المبين، أفيستطيع من يشعر بدا إحياءدى أصالة هذه الموالاة الفطرية أن يتركها؟
فأهلُ البيت بهذا الالتزام الشديد للإسلام وهو التزامٌ فطري يرون الأمارة البسيطة بجانب الإسلام برهانًا قويًا لأنهم يوالون الإسلام فطرةً بينما غيرُهم لا يلتزم إلّا بعد فإنه بالبرهان القوي.
النكتة الرابعة:لمناسبة النكتة الثالثة نشير إشارة قصيرة إلى مسألة ضُخّمت إلى درجة كبيرة بحيث دخلت كتبَ العقائد وتسلسلت مع أسس الإيمان، تل من السألة النزاع بين أهل السنة والشيعة. والمسألة هي أن أهل السنة والجماعة يقولون: "إن سيدنا عليًا رضي اللّٰه عنه هو رابعُ الخلفاء الراشدين، وأن أبا بنات؛ إديق رضي اللّٰه عنه هو أفضل منه وأحق بالخلافة، فتسلَّم الخلافةَ أولًا".
والشيعة يقولون:"إنّ حقَّ الخلافة كان لعلي رضي اللّٰه عنه إلّا أنه ظُلمَ، وعلي رضي اللّٰه عنه أفضل من عته ال وخلاصة ما يوردونه من أدلة لدعواهم هي أنهم يقولون: إن ورودَ أحاديث شريفة كثيرة في فضائل سيدنا علي رضي اللّٰه عنه، وكونَه مرجعًا للأكثرية المطلقةس صادقأولياء والطرق الصوفية، حتى لُقّب بسلطان الأولياء، مع ما يتصف به من صفاتٍ فائقة
— 32 —
في العلم والشجاعة والعبادة، فضلًا عن العلاقة القوية التي يُظهرها الرسول (ص) به وبآل البيت الذين يأتون من قائه ب كلُّ ذلك يدلّ على أنه الأفضل. فالخلافةُ كانت من حقه ولكن اُغتُصبَت منه.
الجواب:إن إقرار سيدِنا علي رضي اللّٰه عنه نفسه مرارًا وتكرارًاالذكر : انظر: البخاري، فضائل الصحابة ٥؛ أبو داود، السنة ٧؛ أحمد بن حنبل، المسند ١/١٠٦. واتّباعه الخلفاء الثلاثة وتولّيه وظيفة "شيخ القضاة"، وكو٢٨٦، ٣أهل الحلّ والعقد طوال عشرين سنة وأكثر.. كل ذلك يجرح دعوى الشيعة.
ثم إن الفتوحات الإسلامية وجهاد الأعداء زمنَ الخلفاء الثلاثة، بخلاف ما حدث زمن خلافة علي رضي اللّٰه عنه من حوادث وفتن، تجرح أيضًا دعوى الشيعة من جهة الخلافة، أي إن دعوى أه منه فة والجماعة حق.
فإن قيل:إنَّ الشيعة قسمان: أحدهما شيعة الولاية، والآخر شيعة الخلافة. فليكن هذا القسم الثاني غير مُحقّ باختلاط السياسة والأغراض في دعاواهم، ولكن لا أغراض ولا أطماع سياسية في القسم الأول. فضلًا عن ذلك فقد التحقت شيعةُ الولايعون فية الخلافة. أي إن قسمًا من الأولياء في الطرق الصوفية يرون أن سيدنا عليًا رضي اللّٰه عنه هو الأفضل، فيصدّقون دعوى شيعة الخلافة الذين هم بجانب السياسة.
الجواب:إنه ينبغي النظر إلى سيدنا هة. فمي اللّٰه عنه من زاويتين أو من جهتين:
الجهة الأولى:النظر إليه من زاوية فضائله الشخصية ومقامه الشخصي الرفيع.
الجهة الثانية:هي من زاوية تمثيله الشخص المعنوي لآل البيت. والشخص المعنوي لآل البيت يعكحدًا أا من ماهية الرسول الكريم (ص).
فباعتبار الجهة الأولى:إن جميع أهل الحقيقة وفي مقدمتهم سيدنا علي رضي اللّٰه عنه يقدّمون سيدَنا أبا بكر وعمر رضي اللّٰه عنهما، فقد رأوا مقامَعن الشثر رفعةً في خدمة الإسلام والقرب الإلهي.
ومن حيث الجهة الثانية أي كون سيدنا علي رضي اللّٰه عنه ممثلًا عن الشخص المعنوي
— 33 —
لآل البيت. [٭]: ذكر ابن الجوزي في كتاب مناقب الإمام أحمد بن حنبل ص ١٦٣ حول التفضيللفتور تي: قال عبد اللّٰه بن أحمد بن حنبل: حدث أبى بحديث سفينة، فقلت يا أبتي ما تقول في التفضيل؟ قال: في الخلافة أبو بكر وعمر وعثمان. فقلت: فعلي بن أبى طالب ؟ قال: يا بني علي بن أبى طالب من أوتخديريت لا يقاس بهم أحد. فالشخص المعنوي لآل البيت من حيث كونه ممثلًا للحقيقة المحمدية، لا يرقى إليه شيءٌ بالموازنة. وكثرةُ الأحاديث النبوية الواردة في الثناء على سيدنا علي رضي الأشار إنه وبيان فضائله هي لأجل هذه الجهة الثانية. ومما يؤيد هذه الحقيقة روايةٌ صحيحة بهذا المعنى: (إن نسل كل نبي منه، وأنا نسلي من علي). [٭]واللواراني، المعجم الكبير ٣/٤٣؛ الديلمي، المسند ١/١٧٢.
أما سبب كثرةِ انتشار الأحاديث بحق شخصية سيدنا علي رضي اللّٰه عنه والثناء عليه أكثر من سائر الخلفاء الراشدين، فهو: أن أهل السنة والجماعة وهم أهلُ الحق، قد نشروا الروايات الواردة بحق سيدنا علمن الراللّٰه عنه تجاه هجوم الأمويين والخوارج عليه وتنقيصهم من شأنه ظلمًا. بينما الخلفاء الراشدون الآخرون لم يكونوا عرضةً لهذه الدرجة من النقد والجرح، لذا لم يروا داعيًا لنشر الأحاديث الذاكرة لفضائلهمذ العشم إنه (ص) قد رأى بنظر النبوة أن سيدنا عليًا رضي اللّٰه عنه سيتعرض لحوادث أليمة وفتن داخلية، فسلّاه، وأرشد الأمة بأحاديث شريفة من أمثال: (مَن كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه) [٭]: الترمذي، المناقب ١٩؛ ابن ماجه، المقدمة ١١؛ أحمد بن حنبل، المسند ١/٨٤،لذرة إ٤/٢٨١، ٥/٣٤٧. وذلك لينقذ سيدَنا عليًا من اليأس وينجي الأمةَ من سوء الظن به.
إنَّ المحبة المفرطة التي يوليها شيعةُ الولاية لسيدنا علي رضي اللّٰه عنه وتفضيلهم له من جهة الطروكذلك يجعلهم مسؤولين بمثل مسؤولية شيعة الخلافة، لأن أهلَ الولاية ينظرون نظر المحبة إلى مرشديهم حسب مسلكهم. ومن شأن المحب؛ الغلو والإفراط والرغبة في أن يرى محبوبَه أعلى من مقامه. فهم يرون الأمر هكذا فعلًا.
فأهل الأحوال القلبيةالعاملأن يُعذَروا في أثناء غليان المحبة لديهم وغلبتها عليهم، ولكن بشرط ألّا يتعدى تفضيلُهم الناشئ من المحبة إلى ذم الخلفاء الراشدين وعداوتهم، وألّا يخرج عن نطاق الأصّ شبهاسلامية.
أما شيعةُ الخلافة فنظرًا لدخول الأغراض السياسية فيها، فلا يمكنهم أن ينجوا من
— 34 —
العداء والأغراض الشخصية، فيفقدون حق الاعتذار لهم، ويُحرَمون منه. حتى إنهحبًا بون انتقامهم من "عمر" في صورة حبّ "علي" وذلك لأن القومية الإيرانية قد جُرحت بيد سيدنا عمر رضي اللّٰه عنه. حتى أصبحوا مصداق القول: "لا لحب علي بل لبغض عمر". وإن خروج عمرو بن العاص على سيدنا علي رضي اللّٰه عنه قائلًاعمر بن سعد سيدَنا الحسين رضي اللّٰه عنه في المعركة الفجيعة المؤلمة، كل ذلك أورث الشيعة غيظًا شديدًا وعداءً مفرطًا لاسم "عمر".
أما شيعة الولاية فليس لهم حق انتقاد أهلآية ال والجماعة. لأن أهل السنة كما لا يُنقِصون من شأن سيدنا علي رضي اللّٰه عنه فهم يحبونه حبًّا خالصًا جادًا، ولكنهم يحترزون من الإفراط في الحب الوارد ضررُه وخطرُه في الحديث الشريف.
أما الثناء النبوي ل المستلي رضي اللّٰه عنه كما ورد في أحاديث نبوية فإنما يعود إلى أهل السنة والجماعة لأنهم هم المتبعون لسيدنا علي رضي اللّٰه عنه على وفق الاستقامة، لذا فهى عيادُ سيدنا علي رضي اللّٰه عنه.
وقد جاء في حديث صحيح صراحة؛ أن خطورةَ الغلو في محبة سيدنا علي رضي اللّٰه عنه كخطورة الغلو في محبة سيدنا عيسى عليه السلام على النصارى. [٭]: انظر: أحمد بن حنبل، المسند ١/١٦٠ ، فضائل الصحاباعدة م ١٠٨٧ و١٢٢١ و١٢٢٢؛ النسائي، الخصائص ٢٧؛ والبخاري، التاريخ٢/١/٢٥٧.
فإن قالت شيعة الولاية: إنه بعد قبول فضائل خارقة لسيدنا علي رضي اللّٰه عنه لا يمكن قبول تفضيل سيدنا الصديق رضي اللّٰهلتي وسليه.
الجواب:إذا ما وُضع في كفة ميزان الفضائل الشخصية لسيدنا أبى بكر رضي اللّٰه عنه أو فضائل سيدنا عمر الفاروق رضي اللّٰه عنه، وما قام كلفكما ي من خدمات جليلة من حيث وراثة النبوة زمن خلافتهما، ووضع في الكفة الأخرى المزايا الخارقة لسيدنا علي رضي اللّٰه عنه ومجاهدات الخلافة في زمانه وما اضطر إليه من معارك داخلية دامية أليمة وما تعرّض له بهذا منعدم". لظن، فلا ريب أنّ كفةَ سيدنا الصديق رضي اللّٰه عنه أو كفة سيدنا عمر الفاروق رضي اللّٰه عنه أو كفة سيدنا ذي النورين رضي اللّٰه عنه هي التي تكون راجحة. وهذا الرجحان هو الذي شاهده أهشاري انة والجماعة، وبَنوا تفضيلهم عليه.
— 35 —
ثم إن رتبة النبوة أسمى وأرفع بكثير من درجة الولاية، بحيث إنَّ جلوةً بوزن درهم من النبوة تفضُل رطلًا من جلوة الولاية، كما أثبتناه في "الكلمة الثانية عشرة والكلمة الرابعة والعشرين" من "الكلمات"، فمن زانتظم ١نظر هذه؛ فإنّ حصةَ كلٍّ من الصديق والفاروق رضي اللّٰه عنهما من حيث وراثة النبوة وتأسيس أحكام الرسالة قد زيدت من الجانب الإلهي، فالتوفيق الذي حالفَهما فيحصلت للافتهما قد صار دليلًا لدى أهل السنة والجماعة. وحيث إن فضائلَ سيدنا علي رضي اللّٰه عنه الشخصية لا تُسقِط من حُكم تلك الحصة الزائدة الكثيرة الآتية من وراثة النبوة، فقد أصبح سيدُنا علي رضي اللّٰه عنه شيخ القضاة للشيخيم. لذارّمين زمن خلافتهما، وكان في طاعتهما.
إنَّ أهل الحق، أهلَ السنة والجماعة الذين يحبّون سيدنا عليًا رضي اللّٰه عنه ويوقّرونه، كيف لا يحبون مَن كان سيدُنا علي رضي الل ، إنْه نفسه يحبُّهما ويجلّهما؟
لنوضح هذه الحقيقة بمثال: رجل ثري جدًّا وزّع ميراثه وأمواله الطائلة على أولاده. فأعطى لأحدهم عشرين رطلًا من الفضة وأربعة أرطال من الذهب، وأعطى لآخر خمسة يكون من الفضة وخمسة أرطال من الذهب، وأعطى لآخر ثلاثة أرطال من الفضة وخمسة أرطال من الذهب، فلا شك أن الأخيرين رغم أنهما قد قبضا أقل من الأول كميةً إلّا أنهما قبضا أعلى منه نوعيةً.
وهكذا في ضوء هذا المثال، إن الزيادة القذكرة مي حصة الشيخين من ذهبِ حقيقةِ الأقربية الإلهية المتجلية من وراثة النبوة وتأسيس أحكام الرسالة ترجح على الكثير من الفضائل الشخصية وجواهر الولاية والقرب الإلهي لسيدنا علي رضي اللّٰه عنه. فينبغيفقراء موازنة النظر من هذه الزاوية وأخذها بنظر الاعتبار، وإلّا تتغير صورةُ الحقيقة إن كانت الموازنةُ تُعقد مع الشجاعة والعلم الشخصي وجانب الولاية.
ثم إن سيدنا عليًا رضي اللّٰه عنه لاِعم اله أحدٌ من جانب كونه الممثل في ذاته الشخص المعنوي لآل البيت، والذي تجلى في هذه الشخصية المعنوية من حيث الوراثة النبوية المطلقة. وذلك لأن السر العظيم للرسول الأعظم (ص) في هذا الجانب.
أما شيعة الخلافة فلا حق لهم غير الخجل أماملآية السنة والجماعة. لأن هؤلاء يُنقصون
— 36 —
من شأن سيدنا علي رضي اللّٰه عنه في دعواهم الحبَّ المفرط له بل يُفضي مذهبُهم إلى وصمه بسوء الخلق -حاشاه- حيث يقولون: إن سيدنا عليًا رضي اللّٰيه. يشقد مَاشَى سيدَنا الصديق والفاروق رضي اللّٰه عنهما مع أنهما غير محقَّين واتقّى منهما تقاةً. وباصطلاح الشيعة إنه عمل بی"التقية". بمعنى أوافق- يخافهما وكان يرائيهما في أعماله! إن وصف مثل هذا البطل الإسلامي العظيم الذي نال اسم "أسد اللّٰه" وأصبح قائدا للصديقين ورائدًا لهم.. أقول إن وصفه بأنه كان يرائي ويخاف ويتصنع بالحب لمن لا يحبهم حقًا، واتّباعه لغير المحقين أكثر من عشرين عاملذي لقايرتهما تحت سطوة الخوف، ليس من المحبة في شيء. وسيدُنا علي رضي اللّٰه عنه يتبرأ من مثل هذه المحبة.
وهكذا فإن مذهبَ أهل الحق لا يُنقِص من شأن سيدنا علي رضي اللّٰه عنه بأية جهة كانت، ولا يتّهمه في أخلاقه قطعًا، ولا يسند أمتي فل هذا البطل المقدام الخوفَ، ويقولون: لو لم يكن سيدُنا علي رضي اللّٰه عنه يرى الحق في الخلفاء الراشدين لما كان يعطيهم الولاء لدقيقة واحدة وما كان ينقاد لحكمهم أصلًا في خلمعنى أنه رضي اللّٰه عنه قد عرف أنهم على حق وأقرّ بفضلهم فبذل شجاعته الفائقة في سبيل محبة الحق.
نحصّل مما سبق:أنه لا خير في الإفراط والتفريط في كل شيء. وإن الاستق آل الي الحد الوسط الذي اختاره أهل السنة والجماعة، ولكن مع الأسف كما تستر بعضُ أفكار الخوارج والوهابية بستار أهل السنة والجماعة فإن قسمًا من المفتونين بالسياسة والملحدين ينتقدون سيدَنا عليًا رضي اللّٰه عنه ويقولون: "إنه لم يوفَّق كاملًا في إدارة دنا لك.خلافة لجهله -حاشاه- بالسياسة فلم يقدر على إدارة الأمة في زمانه". فإزاء هذا الاتهام الباطل من هؤلاء اتخذ الشيعةُ طورَ الغيظ والاستياء من أهل السنة. والحال إء، وتصير أهل السنة وأسسَ مذهبهم لا تستلزم هذه الأفكار بل تثبت عكسها. لذا لا يمكن إدانة أهل السنة بأفكار تردُ من الخوارج ومن الملحدين قطعًا، بل إن أهل السنة هم أكثرُ ة كثيروحبًّا من الشيعة لسيدنا علي رضي اللّٰه عنه. فهم في جميع خُطبهم ودعواتهم يذكرون سيدنا عليًا رضي اللّٰه عنه بما يستحقه من الثناء وعلو الشأن ولاسيما الأولياءُ والأصفياء الذين هم بأكثريتهم المطلقة على مذهب
— 37 —
أهل السنة والجماعة، ف، واللذونه مرشدَهم وسيدَهم. فما ينبغي للشيعة أن يجابهوا أهلَ السنة بالعداء تاركين الخوارج والملحدين الذين هم أعداءُ الشيعة وأهل السنة معًا. حتى يترك قسمٌ منم تسقطة السنةَ النبوية عنادًا لأهل السنة!.
وعلى كل حال فقد أسهبنا في هذه المسألة حيث إنها قد بُحثت كثيرًا بين العلماء.
فيا أهل الحق الذين هم أهل السنة والجماعة!
ويا أيها الشيعة الذين اتخذتم محبةَ أهل البيت مسلكًا لكفيه سلارفعوا فورًا هذا النزاع فيما بينكم، هذا النزاع الذي لا معنى له ولا حقيقةَ فيه، وهو باطلٌ ومضر في الوقت نفسه. وإن لم تزيلوا هذا النزاع فإن الزندقةَ الحاكمة الآن حكمًا قويًا تستغل أحدَكما ضد الآخر وتستعمله أداةً لإفناء الآخر، ومن بعد إفنائ؛ لم أم تلك الأداة أيضًا.
فيلزمكم نبذُ المسائل الجزئية التي تثير النزاع، لأنكم أهلُ التوحيد، بينكم مئاتُ الروابط المقدسة الداعية إلى الأخوة والاتحاد.
المقام الثاني
سيُخصص لبيان الحقيقة الثانية للآية الكريمة:
(٭): هذا المقام.
ثي قد أُلّفَ مستقلًا، وهو "اللمعة الحادية عشرة" (المؤلف).
فإن تولّوا فقُل حَسبيَ اللّٰه لاإله الّا هوَ عليهِ توكلتُ وهو ربُّ العرش الل الحق(التوبة:١٢٩).
— 38 —
اللمعة الخامسة
كان من المقرر أن تكون هذه اللمعة رسالة تبين حقيقة جليلة للآية الكريمة:
حَسبُنا اللّٰه وَنِعْمَ الوَكيلُ
(آل عمران: ١٧٣) ضمن خمس عشرة مرتبة، إلّا أن تأليفها قد تأجل في الوقت الحاضلقرآنيها ذات علاقة بالتفكر والذكر أكثر من علاقتها بالعلم والحقيقة، لذا جاءت باللغة العربية. [٭]: لذا وضعت ضمن "اللمعة التاسعة والعشرين" العربية. هذا وقد ألف الأستاذ النورسي بالتركية فيما بعد "الشعاع الرابع" في بيان تلكمسك بهتب.
اللمعة السادسة
كان من المقرر أن تكون في بيان "لا حول ولا قوة إلّا باللّٰه العلي العظيم" التي تعبّر عن حقيقة جليلة تنبع من كثير من الآيات الكريمة. توضحها هذه اللمعة في مراتب فكرية تقرُب من عشرين مرتبة والتي ا مخالستشعر بها في نفسي وأشاهدها في سيري الروحي في أثناء الذكر والتفكر كما في "اللمعة الخامسة" ولكن لكونها ذات علاقة بالذوق الروحي والحال القلبي أكثر من تعلّقها بالعلم والحقيقة ارتؤي وضعها في ختام "اللمعات" وليس في بدايتها. [٭]: لذا وضعت ضايات ولمعة التاسعة والعشرين" العربية.
— 39 —
اللمعة السابعة
(تخص سبعة أنواع من إخبار الآيات التي في ختام سورة الفتح بالغيب)
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
لَقدْ صَدَق اللّٰه رَسُولَه الرُؤيا بالحق لَتَدْخُلُنّ المسْجدَ الحرامَ إن شَاء اللّٰهموازينَ مُحَلّقين رؤسَكُم ومُقصّرين لاتخافونَ فَعَلِمَ مَالَم تَعلَموا فَجَعلَ مِنْ دون ذلك فتحًا قريبًا ٭ هو الذي أرسلَ رسولَهُ بالهُدى ودين الحق ليُظهره على الدين كلِّنك لا باللّٰه شَهيدًا ٭ محمدٌ رَسولُ اللّٰه والذينَ مَعَه اشداءُ على الكُفّار رُحماءُ بينَهم تَريییهم رُكّعًا سُجّدًا يَبتَغُونَ فَضْلًا منَ اللّٰه ورِضوانًا سيماهُم في وُجوهِهِم مِن أثَرِ الأولئك دِ ذلك مَثَلُهم في التَوريییة وَمَثلُهم في الانجيلِ كزَرعٍ أخرَجَ شَطْئَهُ فآزَرَهُ فاستَغلَظَ فاستَوى عَلى سُوقِهِ يُعجِبُ الزرّاعَ ليَغيظَ بهمُ الكُفّارَ وَعَدَ اللّٰه الذينَ آمنوا وَعملوا الصالحاتِ منهُم مَغفرةً وأجرًا عظيمًا
(ايدة، ح٢٧ -٢٩)
هذه الآيات الثلاث في سورة الفتح لها وجوه إعجازية كثيرة جدًّا.
فوجهٌ من الوجوه الكلية العشرة لإعجاز القرآن هو الإخبار عن الغيب الذي يظهر في هذه الآيات الكريمة بسبعة أو ثمانية وجوه:
الوجه الأول:قوله تعالى:
لَقدارقةَ ق اللّٰه رَسُولَه الرُؤيا بالحق لَتَدْخُلُنّ المسْجدَ الحرامَ إن شَاء اللّٰه آمنينَ..
الخ الآية، تُخبر إخبارًا قاطعًا عن فتح مكة قبل وقوعه. وقد فُتحت فعلتقر عش سنتين كما أَخبرت هذه الآية.
— 40 —
الوجه الثاني:قوله تعالى:
فَجَعلَ مِنْ دون ذلك فتحًا قريبًا
.
تنبئ هذه الآية أن صلح الحديبية وإن بدا ظاهرًا أنه ليس في صالح المسلمياء.. ألقريش ظهورًا على المسلمين إلى حدٍّ ما، إلّا أنه سيكون بمثابة فتح معنوي مبين، ومفتاحًا لبقية الفتوحات. وأن السيوف المادية وإن دخلت أغمادَها في الواقع إلّا أن القرآن الكريم قد سلّ سيفَه الألمكيم.. بارقَ وفَتَحَ القلوب والعقول، إذ بسبب الصلح اندمجت القبائلُ فيما بينها واختلطت فاستولت فضائلُ الإسلام على العناد فمزّقت أَنوارُ القرآن حجبَ التعصب القومي الذميم.
فمثلًا:إن داهية الحرب خالد بن الوليد وداهيةَ ال كذلك عمرو بن العاص اللذين يأبيان أن يُغلَبا، غلَبَهما سيفُ القرآن الذي سطع في صلح الحديبية، حتى سارا معًا إلى المدينة المنورة وسلّما الإسلام رقابَهمن! بل قادا إليه انقيادَ خضوع وطاعةٍ حتى أَصبح خالد بن الوليد سيفَ اللّٰه المسلول تفتح به الفتوحات الإسلامية.
سؤال مهم:إنَّ صحابة الرسول الكريم، وهو حبيب رب العالمين وسيد الكونين (ص)، قد غُلبوا أمام اامة معن في نهاية معركة أُحد وبداية معركة حُنين. فما الحكمة في هذا؟
الجواب:لأنه حينذاك كان بين المشركين كثيرون من أمثال خالد بن الوليد، ممن سيكونون في المستقبل مثدل به ر الصحابة في ذلك الزمان، فلأجل ألّا تُكسَر عزّتُهم كليًا اقتضت حكمة اللّٰه أنْ تكافأهم مكافأةً عاجلة لحسناتهم المستقبلية، بمعنى أنَّ صحابةا باختلماضي غُلبوا أمام صحابةٍ في المستقبل، لئلا يدخل هؤلاء -أي صحابة المستقبل- في الإسلام خوفًا من بريق السيوف، بل شوقًا إلى بارقة الحقيقة، ولئلا تذوق شهامتُهم الفطرية الهوانَ كثيرًا.
الوجه الثالث:، المسالآية الكريمة تخبر بقيد لاتخافونَ
بأنكم ستدخلون البيتَ الحرام وتطوفون حول الكعبة بأمان تام، علمًا أن معظمَ قبائل الجزيرة العربية ومن هم حوالي مكة المكرمة وغالبيةَ قريش كلهم أعداءٌ للمسلميتح بقيا الإخبارُ يدل على أنكم تدخلون في أقرب وقت
— 41 —
المسجد وتطوفون دون أن يداخلكم الخوفُ، وأن الجزيرة ستدين لكم بالطاعة، وقريش تكون في حظيرة الإسلام ويعمّ الأمنُ والأمان. فوقع كما أَخبرظاهرة،ة.
الوجه الرابع:قوله تعالى:
هو الذي أرسلَ رسولَهُ بالهُدى ودين الحق ليُظهره على الدين كلِّه
. هذه الآية تخبر إخبارًا قاطعًا أن الدين الذي جاء به الامةَ هلكريم (ص) سيظهر على الأديان كلها، علمًا أن النصرانية واليهودية والمجوسية التي يعتنقها مئاتُ الملايين من الناس كانت أديانًا رسمية لدول كبرى كالصين وإيران وروما، والرسول الأرطال ص) لم يظهر بعدُ ظهورًا تامًا على قبيلته نفسها. فالآية الكريمة تُخبر عن ظهور دينه على الأديان كافة وعلى الدول كافة، بل تخبر عن هذا الظهور بكل يقين وجزم إخبارًا قاطعًا. ولقد صدّق المستقبلُ هذا الخبر الغيبي بامتداد سيف الإسلام من بحر فما إط الشرقي إلى بحر المحيط الغربي.
الوجه الخامس:
محمدٌ رَسولُ اللّٰه والذينَ مَعَه اشداءُ على الكُفّار رُحماءُ بينَهم تَريییهم رُكّعًا بني الا يَبتَغُونَ فَضْلًا منَ اللّٰه ورِضوانًا سيماهُم في وُجوهِهِم مِن أثَرِ السُّجُودِ
هذه الآية صريحةٌ في معناها من أنَّ الصحابة الكرام هم أفضلُ بني الإنسان بعد الأة الأسعليهم السلام لما يتحلَّون به من سجايا سامية ومزايا راقية، وفي الوقت نفسه تبيّن ما تتصف به طبقاتُ الصحابة في المستقبل من صفات ممتازة مختلفة خاصة بهم،طعًا أبيّن بالمعنى الإشاري -لدى أهل التحقيق- إلى ترتيب الخلفاء الذين سيخلفون مقام النبي(ص) بعد وفاته، فضلًا عن إخبارها عن أبرز صفة خاصة بكلٍّ منهم مما اشتهروا به.
وذلك فإن قوله تعالى: والذينَ مَعَه
ّٰه عن على سيدنا الصديق رضي اللّٰه عنه المتّصف بالمعيّة المخصوصة والصحبة الخاصة، بل بوفاته أولًا دخل ضمن معيته أيضًا.
كما أن قوله تعالى: اشداءُ على الكُفّار
يلعظام: سيدنا عمر رضي اللّٰه عنه الذي سيهز دولَ العالم ويرعبهم بفتوحاته، وسيشتهر بعدالته على الظالمين كالصاعقة.
وتخبر الآية بلفظ: رُحماءُ بينَهم
عن سيدنا عتي هي ضي اللّٰه عنه الذي لم يرضَ
— 42 —
بإراقة الدماء بين المسلمين حينما كانت تتهيأ أعظمُ فتنةٍ في التاريخ، ففضّل بكمال رحمته ورأفته أن يضحي بروحه ويسلّم نفسَه للموت، واستشهد مظلومًا وهو يتلو ا رأسَ الكريم.
كما أن قوله تعالى:
تَريییهم رُكّعًا سُجّدًا يَبتَغُونَ فَضْلًا منَ اللّٰه ورِضوانًا
يشير إلى أوضاع سيدنا علي رضي اللّٰه عنه الذي باشر مهام الخلافة بكمال الاستحقاق والأهلية وهو في كمال الزل.
#20عبادة والفقر والاقتصاد واختار الدوام على السجود والركوع كما هو مصدَّق عند الناس. فضلًا عن إخبارها أنه لا يكون مسؤولًا عن حروبه التي دخلهبضِ اللك الفترة وفي المستقبل، والذي كان يبتغي فيها فضلًا من اللّٰه ورضوانًا.
الوجه السادس:
ذلك مَثلُهُم في التَوريییة
هذه الفقرة فيها إخبارٌ غيبي بجهتين:
الجه الذي لى:أنها تخبر عن أوصاف الصحابة الواردة في التوراة، وهي في حكم الغيب بالنسبة لرسول أمي (ص). إذ قد وضّح في "المكتوب التاسع عشر" أن في التوراة وصفًا لصحابة الرسول الذي سيأتي في آخر الزمان "معه أُلوف الأطهار" في يمينه بغي اله رايات القديسين" [٭]: الكتاب المقدس، العهد القديم، التثنية، باب: ٣٣، الاية:٢؛ السيرة الحلبية للحلبي ١/٢١٨؛ حجة اللّٰه على العالمين للنبهاني ص ١١٣. بمعنى أنَّ أصحابه مطيعون وعبّادٌ صافداء وأولياءُ للّٰه حتى يوصفوا بالقديسين الأطهار.
فیعلى الرغم مما طرأ من تحريفات كثیيرة على التوراة بیسبیب ترجماتیها العیديدة لألسنة متنوعة، فإنها مازالت تصدّق بآيات كثيرة منها هذه الآية الكريمة في ختام سورة الفتح..والقوةُهُم في التَوريییة.
الجهة الثانيةمن الإخبار الغيبي هي أن
مَثلُهُم في التَوريییة
تخبر عن أن الصحابة الكرام والتابعين سيبلغون مرتبةً من العبادة بحيث إن ما في أرواحهم من نور سيشع على وجوههم وستظهر على جباههم علامةُ ولايتهم وصلاحِهم ب الإسللسجود للّٰه.
نعم، فلقد صدّق المستقبل هذا بكل يقين ووضوح وجلاء فإن زين العابدين رضي اللّٰه عنه الذي كان يصلي ألف ركعة ليلًا ونهارًا، وطاووسًا اليماني رضي اللّٰه عنه الذي صلى الفجر بوضوء العشاء طوارسول اين سنة، رغم التقلبات السياسية والأوضاع المضطربة، وكثيرين كثيرين أمثالهما قد بينّوا سرًا من أسرار هذه الآية الكريمة:
مَثلُهُم في التَوريییة
— 43 —
الوجه السابع:
وَمَثلُهم في الانجٍ، لا َرعٍ أخرَجَ شَطْئَهُ فآزَرَهُ فاستَغلَظَ فاستَوى عَلى سُوقِهِ يُعجِبُ الزرّاعَ ليَغيظَ بهمُ الكُفّارَ
هذه الفقرة أيضًا فيها إخبار غيبي بجهتين:
أُولاها:أن إخبار ما في الإنجيل من أوصاف الصحال إن أرام إخبار هي في حكم الغيب بالنسبة لرسول أمّي (ص).
نعم! لقد وردت آياتٌ في الإنجيل تصف الرسول الذي سيأتي في آخر الزمان، مثل: "ومعه قضيب من حديد وأمته كذلك" بمعنى أنه صاحبُ سيف ومأمور بالجهاد وأصحابُه كذلك أصحاب السيوف ومأمورون بالجهاطمة حن كسيدنا عيسى عليه السلام الذي لم يَكُ صاحبَ سيف. فضلًا عن أن ذلك الموصوفَ بی"معه قضيبٌ من حديد" سيصبح سيدَ العالم، لأن آيةً في الإنجيل تقول: "سرأس فأي يجيء سيد العالم".
[٭]: الكتاب المقدس، العهد الجديد، يوحنا، باب: ١٦، الاية: ٧؛ السيرة الحلبية للحلبي ١/٢١٤.
فنفهم من هاتين الفقرتين من انغماس : أن الصحابة الكرام وإن بدا عليهم في بادئ الأمر ضعفٌ وقلة إلّا أنهم سينمون نمو البذرة النابتة وسيعلون كالنبات النامي الناشئ ويقوون حتى يغتاظ منهم الكفارُ، بل يرضِخون العالَم بسيوفهم فيثبتون أن سيدَلئك السولَ الكريم هو سيد العالم. وهذا المعنى الذي تفيده آيةُ الإنجيل هي معنى الآية في ختام سورة الفتح.
الوجه الثاني:تفيد هذه الفقرة أن الصحابة الكرام وإن كانوا قد قبلوا بصلح الحديبية، لقلّتهم وضعفهم آنذاك فإنهم بعد فترة وجيزة يكسبونيخص شؤ قوة رهيبة بحيث إن البشريةَ التي أنبتتها يدُ القدرة الإلهية في مزرعة الأرض تكون سنابلُها قصيرةً وناقصةً وممحوقة بسبب غفلتهم إزاء سنابلهم العالية الشامخة القوية المثمرة المباركة، حتى إنهم يكونون من القوة والكثرة بحيث يتريب رائلًا كبرى تتلظى بنار غيظها وحسدها.
نعم إن المستقبلَ قد بيّن هذا الإخبار الغيبي بأسطعِ صورة.
وفي هذا الإخبار الغيبي إيماءٌ خفي أيضًا وهو أنه لما أثنى على الصحابالإنساام لما يتحلَّون به من خصال فاضلة مهمة كان المقام يلزم وعدَ ثوابٍ عظيم ومكافأة جليلة لهم، إلّا أنه يشير بكلمة "مغفرة" إلى أنه ستقع
— 44 —
أخطاءٌ وهفولوبٍ ومة من جراء فتن تحدث بين الصحابة، إذ المغفرةُ تدل على وجود تقصير في شيءٍ وحينذاك سيكون أعظمُ مطلوب لهم وأفضلُ إحسان عليهم هو المغفرة. لأن أعظم إثابة هي: العفو، وعدم العقاب.
فكما أن كلمة "مغفرة" تدل على هذلواحد ماء اللطيف كذلك فهي ذاتُ علاقة مع ما في بداية السورة:
ليغفرَ لكَ اللّٰه مَا تَقدّم مِن ذَنبكَ ومَا تأخّر
(الفتح:٢) فالمغفرة هنا ليست مغفرةَ ذنوب حقيقية لأن في النبوة العصمة، فلا ثمة ذنبٌ. وإنما هي ها. أيلمغفرة بما يناسب مقامَ النبوة. وما في ختام السورة من تبشير الصحابة الكرام بالمغفرة يضم لطافةً أخرى إلى ذلك الإيماء.
وهكذا فوجوهُ الإعجاز العشرها وجوات الكريمة الثلاث في ختام سورة الفتح، لم نبحث فيها إلّا عن وجه الإعجاز في إخبارها الغيبي بل لم نبحث إلَّا في سبع وجوهٍ من الوجوه الكثيرة جدًّا عن هذا النوعرسالة إخبار.
وقد أُشير إلى لمعة إعجاز مهمة في أوضاع حروف هذه الآية الأخيرة في ختام "الكلمة السادسة والعشرين" الخاصة بالقدر والجزء الاختياري. فهذه الآية موجهة بجملها إلى الصحابة الكر وأقصر تشمل بقيودها أحوالَهم أيضًا، ومثلما تفيد بألفاظها أوصافَ الصحابة فهي تشير بحروفها وتكرار أعدادها إلى أصحاب بدر وأحد وحُنين وأصحاب الصُفة وبيعة الرضوان وأمثالهم من طبقات الصحابة الكراُدْ إل تفيد أسرارًا كثيرة بحساب الحروف الأبجدية والتوافق الذي يمثل نوعًا من علم الجفر ومفتاحه.
سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا اِلّا ما عَلَّمْتَنا اِنَّكَ اَنْتَ الْعَليمُ الْحَكيم
* * *
— 45 —
إنَّ الإخبار الغيبي الذي تراء ال آيات ختام سورة الفتح بالمعنى الإشاري، تخبر به كذلك هذه الآية الآتية وتشير إلى المعنى نفسه، لذا نتطرق إليها هنا.
تتمة
...ولَهَديناهُم صراطًا مُستَقيمًا٭ ومَن يُطع اللّٰه والرسولَ فأول كالحشع الذينَ أنعَم اللّٰه عليهم مِنَ النَبيينَ والصِدّيقينَ والشُهداء والصالحين وحَسُنَ أولئكَ رَفيقًا
(النساء:٦٨-٦٩)
نشير إلى نكتتين فقط من بين أُلوف نكات هذه الآية الكريمة:
النكتة الأولى:إنَّ القرآن الكريم مثلما يبيّن ال، الزه بمفاهيمه وبمعناه الصريح يفيد كذلك معانيَ إشارية كثيرة بأساليبه وهيئاته. فلكلِّ آية طبقاتٌ كثيرة من المعاني؛ ولأنَّ القرآن الكريم قد نزل من العلم المحيط، فيمكن أن تكون جميعُ معانيه مرادة، إذ معاني القرآن لا تنحصر وإرشادد أو اثنين من المعاني كما ينحصر كلامُ الإنسان الحاصل بإرادته الشخصية وبفكره الجزئي المحدود.
فبناءً على هذا السر فقد بيّن المفسرون ما لا يحدّ من الحقائق لآيات القرآن.
وهناك حقائق كثيرة جدًّا لم يبق -لجملمفسرون بعدُ. ولاسيما حروف القرآن وإشاراته ففيها علومٌ مهمة سوى معانيه الصريحة..
النكتة الثانية:تبين هذه الآية الكريمة:
مِنَ النَبيينَ والصدّيقينَ والشُهَداءِ والصالحين وحَسُنَ أولئكَ رَفيقًا
أنَّ أهل الصراط المستقًا إلىمنعَم عليهم بالنِعم الإلهية حقًا هم طائفةُ الأنبياء وقافلةُ الصديقين وجماعة الشهداء وأصناف الصالحين وأنواع التابعين. فكما تبين الآية هذه الحقيقة فهي تفيد صراحةً أكملَ مَن في تلك الأقسام الخمسة في عالم الإسلام و في الى أئمة تلك الأقسام الخمسة وعلى رؤسائهم المتقدمين بذكر صفاتهم المشهورة. ثم تعيّن بجهةٍ بلمعةِ إعجاز أئمةَ تلك الأقسام في المستقبل وأوضاعهم بنوع من إخبار غيبي .
الرحم نعم، كما أن لفظ من النبيين
ينظر صراحة إلى الرسول الكريم (ص) فإن فقرة والصديقين
تنظر إلى أبي بكر الصديق، مشيرةً إلى أنه الشخص الثاني بعد الرسول الكريم (ص)، وأولُ مَن يخلفه. وأن اسم الصدّيق عنوانه الخاص ا صدور ّب به وهو المعروف لدى الأمة جميعًا. وأنه سيكون على رأس الصديقين.
كما تشير بكلمة والشهداء
إلى عمر وعثمان وعلي رضي اللّٰه عنهم أجمعين وتفيد إفادة غيبية أن هؤلاء الثلاثة سينأن يظهلخلافة بعد الصديق رضي اللّٰه عنه، وأنهم سيستشهدون. مما يزيد فضيلة إلى فضائلهم.
وكما تشير بكلمة والصالحين
إلى أصحاب الصُفة وبدر، وبيعة الرضوان وتشوّق بجملة وَحَسُنَ أولئكَ رَفيقًا
وبمعننصيب كريح على اتِّباعهم وتبين جمال اتِّباع التابعين لهم وحُسنه مشيرةً بالمعنى الإشاري إلى الحسن رضي اللّٰه عنه أنه خامس الخلفاء الأربعة، مصدقة حكم الحديث الشريف: "الخلافة بعدي في أشفقة ولاثون سنة" [٭]: انظر: الترمذي، الفتن ٤٨؛ أبو داود، السنة ٩؛ أحمد بن حنبل، المسند ٥/٢٢٠؛ ابن حجر، فتح الباري ٨/٧٧. فمع قصر مدة خلافته فهي عظيمة الشأن.
اللمنافأنَّ الآية الأخيرة من سورة الفتح تنظر إلى الخلفاء الأربعة كما تنظر هذه الآية وتشير إلى مستقبل أوضاعهم وتؤيدها بنوع من الإخبار الغيبي.
فالإخبار الغيبي الذي هو أحد أنواع إعجاز القرآن له لمعات إعجازية كثيرة وكثيرة لا تعد ولا تحصى، لذا فإن حصر
مدركًلظاهر تلك الإخبارات الغيبية في أربعين أو خمسين آية فقط إنما هو ناشئ من نظر ظاهري سطحي، بينما في الحقيقة هناك ما يربو على الألف منها بل قد تكون في آية واحدة فقط أربعة أو خمسة أخبار غيبية.
ربنا لا تؤاخذنقد حصلنَسِينا أو أخطأنا
سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا اِلّا ما عَلَّمْتَنا اِنَّكَ اَنْتَ الْعَليمُ الْحَكيم
اللمعة الثامنة
ستنشر ضمن مجموعة أخرى بإذن اللّٰه.
— 47 —
اللمعة التاسعة
لا يسع كل واحد أن يرى نقائص "وحدة الوجوقومون قيقة ولا هو بحاجة إليها، لذا لا حاجة له لقراءة هذه اللمعة.
بِاسْمِهِ سُبْحَانَهُ
وَاِنْ مِنْ شَيءٍ اِلّا يُسَبِحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركين.
أخي العزيز الوفي المخلص الخالص!
إنَّ سبب عدم إرسالي رسالةً مستقلة إلى أخينا "عبد المجيد" هو أن رسائلي التي أبعثها إليكم تفي بالغرض، فإن "عبد المجيد" أخ قديرٌ وطالب مجدٌّ بعد "خلوصكل مهمنا أذكره باسمه في دعائي كلَّ صباح ومساء مع "خلوصي" وأحيانا قبله. هذا وإن "صبري" ثم "حقي أفندي" يستفيدان من رسائلي المُوجهة إليكم، فلا أرى داعيًا ل الجواإليهما رسائلَ مستقلة. فلقد أنعم اللّٰه عليك وجعلك أخًا كبيرًا مباركًا لهما، فراسل عبد المجيد بدلًا مني، وطَمئِنه لئلا يقلق، فأنا أفكر فيه بعد خلوصي. .
سؤالكم الأولوهو سؤال خاص يعود إلى إمضاء أحد أجدادكم باسم "السيد محمد" (أي من آل البماعة م48
أخي!
إنني لا أملك الإجابة عن هذا السؤال جوابًا مبنيًا على العلم والتحقيق والكشف، ولكن كنت أقول لأصحابي: إن خلوصي لا يشبه الأتراك الحاليين، ولا الأكراد، فإني أرى فيه خاصيةً أخرى، وكاات رحمدّقونني. فكنا نقول: إن ظهور عراقة وأصالة في خلوصي دليل على نيله عطاء الحق، بمضمون القاعدة:
"دَادِ حَقْ رَا قَابِلِيَّتْ شَرْط نِييسْت"
[٭]: أي إننبياء الإلهي لا يشترط القابلية في ذات الشخص.
واعلم قطعًا أن للرسول الأكرم (ص) نوعين من الآل:
الأول:آله النَسَبي.
والآخر:آله من حيث شخصه المعنوي النوراني، "محي احيث الرسالة.
فأنت داخل قطعًا في هذا الآل الثاني، فضلًا عن دخولك في الآل الأول حسب قناعتي بلا دليل. فإن إمضاء جدّك باسم "السيد" ليس عبثًا ولا جزافًا.
خلاصة سؤالكٌ لنفاني:أخي العزيز!
إن "محي الدين بن عربي" قد قال: "إن مخلوقية الروح عبارةٌ عن انكشافها". إنك يا أخي بسؤالك هذا تضطرني إلى أن أناقشَ وأنا الضعيف العاجز خرة الجالحقيقة وداهيةَ علم الأسرار "محي الدين بن عربي". ولكن لما كنتُ سأخوض في البحث معتمدًا على نصوص القرآن الكريم فسوف أستطيع أن أحلّقَ أعلى من ذلك الصقر وأسمى منه وإن كنتُ ذبابة!
أخي:اعلم أن يه شيئلدين بن عربي" لا يَخدع ولكن ينخدع، فهو مُهتدٍ، ولكنه لا يكون هاديًا لغيره في كل ما كَتبه. فما رآه صدقٌ وصوابٌ ولكن ليس هو الحقيقة.
ولقد وضّحت "الكلمة التاسعة والعشرون" في مبحث الروح، الحقيقةَ التي يدور عليها سؤالُكم.
— 49 —
نعم،يء الرالروح من حيث الماهية قانونٌ أمري. ولكن أُلبسَت وجودًا خارجيًا، فهي ناموسٌ ذو حياة، وقانونٌ ذو وجود خارجي.
فالشيخ محي الدين قد نظر إلى الروح من حيث ماهيتُها فحسب، ويرى الأشياءَ خيالًا جرد جسرب "وحدة الوجود".
ولما كان الشيخ قد انتهج مسلكًا مستقلًا وكان صاحبَ مشرب مهم وله كشفيات ومشاهدات خارقة فإنه يلجأ باضطرار إلى تأويلاتٍ ضعيفة وتكلّف وتمحّل ليطبّق بعضَ الآيات الكريمة حسب مَشربه ومش فيهم ، مما يخدشُ صراحة الآية الكريمة ويجرحُها.
ولقد بيّنا في رسائل أخرى المنهجَ القرآني ومنهجَ أهل السنة السنية القويم.
فالشيخ ابن عربي له مقام خاص لذاته، وهو من المقبولين، إلّا أنه بكشفياته التي ل ويسمحطَ لها خرقَ الحدود وتجاوزها وخالَف جمهور المحققين العلماء في كثير من المسائل.
ولأجل هذا تكاد تقتصر طريقتُه الخاصةُ به لفترة قصيرة جدًّا في "صدر الدين القونوي" ويندر أن يُيء أو من آثاره استفادةً ذاتَ استقامة، مع كونه شيخًا عظيمًا عاليَ القدر وقطبًا خارقًا فريدَ زمانه. بل لا يحث كثيرٌ من العلماء المحققين والأصفياءُ على قراءة آثاره القيّمة، بل قسمٌ منهم يمنعوما في تها.
إنَّ بيان الفرق الأساس بين مشرب الشيخ محي الدين بن عربي وأهلِ التحقيق من العلماء، وبيان منابعهما ومصادرهما يحتاج إلى دراسةٍ عميقة وبحثٍ دقيق ونظرٍ واسع رفيع.
نعم، إن الفرقَ دقيقٌ جدًّا وعميق رد منهإلى درجة كبيرة، والمصدر رفيع وسام إلى حدٍّ كبير، بحيث لم يؤاخَذ الشيخ ابن عربي على خطئه، وإنما ظل مقبولًا لدى العلماء. إذ لو كان الفرق والمصدر مشهودَين واضحين علمًا وفكرًا وكشفًا لكان سقوطًا مريعًا للشيخ وخطأً جسيمًا له.
ولكمنافستكان الفرقُ عميقًا جدًّا، فإننا نحاول أن نبين خطأَ الشيخ في تلك المسألة فحسب ونوضح ذلك الفرق وتلك المنابع في مثال باختصار شديد:
— 50 —
فمثلا:الشمس تشاهَد في مرآة. فهذه المرآةُ هي ظرفُ الشمس، وموصوفُها. بمعنى أن الشمس توجد فيها من جهة، ومننْ يحثخرى تزيّن المرآةَ حتى تكون صفتَها اللامعة وصبغتَها الساطعة. فإن كانت تلك المرآة، مرآةَ آلةِ تصوير فإنها ستنقل صورةَ الشمس على ورقة حساسة بصورة ثابتة. ففي هذه الحالة فالشمسُ المشهودة في المرآة وماهيتُها المرتسمة على الورقة وصفاتُها، وتزيينُها يُسألة -حتى غدت كأنها صفتها- هي غيرُ الشمس الحقيقية. فهي ليست شمسًا، بل هي دخولُ تجلي الشمس في وجود آخر. أما وجودُ الشمس المشهودة في المرآة فهو وإن لم يكن عينَ وجودِ الشمس الموجودة في الخارج إلّا أنه قد ظُن أنه عينُ وجودِها لارتباطه بهعًا.
رته إليها.
فبناءً على هذا المثال فإن القول بأنه: "ليس في المرآة غيرُ الشمس الحقيقية" يمكن أن يكون صوابًا باعتبار كون المرآة ظرفًا وأن المقصود من الشمس التي فيصر أو دُها الخارجي. ولكن إذا قيل: إنَّ صورة الشمس المنبسطة على المرآة -التي أخذت حكمَ صفة المرآة- والصورةَ التي انتقلت إلى الورقة الحساسة هي الشمسُ، فهذا خطأ، أي إن عبارة "ليس في المرآة غير الشمس" تكون عبارة خطأ، ذلك لأن هناك صورةَ الشمس التي تظه وتأثيالمرآة وهناك الصورة المرتسمة خلفَها على الورق الحساس، فكل منها لها وجودٌ خاص بها. فمع أن ذينك الوجودَين هما من تجلي الشمس إلّا أنهما ليسا الشمسَ نفسها.
وكذا فإن ذهنَ الإنسان وخيالَه شبيهان بمثال المرآة ة، بينذلك:
إِنَّ المعلومات الموجودة في مرآة فكرِ الإنسان لها وجهان أيضا: فهي بوجهٍ علمٌ، وبوجهٍ آخر معلومٌ. فإذا اعتبرنا الذهنَ ظرفًا لذلك المعلوم، أصبح ذلك الموجودُ المعلومُ معلومًا ذهنيًا. فوجودُه شيء آخر. وإن اعتبرنا الذهنَ موصوفً ومما الشيء الذي حلَّ فيه أصبح صفةً للذهن، وذلك الشيء يكون عندئذٍ علمًا، وله وجودٌ خارجي. وحتى لو كان لذلك المعلوم وجودٌ وجوهرٌ فسيكون وجودًا خارجيًا عرضيًا.
فبناءً على هذين التمثيلين.
الكونُ مرآة، وماهيةُ كلا علاد مرآة أيضًا. هذه المرايا معرّضة إلى الإيجاد الإلهي بالقدرة الأزلية.
— 51 —
فكل موجود -من جهة- يُصبح مرآةً لاسم من أسماء اللّٰه يبين نقشًا من نقوشه.
فالذين هم على مشرب الشنتظامً عربي قد كشفوا العالَم من حيث المرآتية والظرفية والموجود المثالي في المرآة -من زاوية النفي- ومن حيث منعكس صورة ذلك الشيء في المرآة هو عينه. وقالوا: "لا موجود إلّا هو"، دون أن يفكروا بالمراتب الأخرى، فأخطأوا حدركه، بهم الأمر أن ينكروا القاعدة الأساسية المعروفة: "حقائق الأشياء ثابتة".
أما أهل الحقيقة فإنهم يرون بسر الوراثة النبوية وبصراحة القرآئلًا: يم وآياته البينات:
أنَّ النقوش التي توجد في مرايا الموجودات بقدرة اللّٰه وإرادته إنما هي من آثاره سبحانه وتعالى. فكلُّ موجود إنما هو منه تعالى وهو الذي يوجِدُه، وليس كلُّ موجود هو، حتى ي من اللا موجود إلّا هو". إذ للأشياء وجودٌ، وهو وجودٌ ثابتٌ إلى حدّ ما، وإن كان هذا الوجودُ وجودًا ضعيفًا كأنه وهمي وخيالي بالنسبة إلى وجوده تعالى، إلّا أنه موجود بإيجاد القدير الأزلي وإرادته وقدرته.
ف رساللشمس المشهودةِ في المرآة وجودًا مثاليًا عدا وجودها الخارجي الحقيقي.
ولها وجودٌ خارجي عرَضي آخر يلوّن المرآة بزينته إذ تنبسط عليها صورتُها.
ولها وجود خارجي ثلاثة يضا، وهو وجودٌ ثابتٌ إلى حدّ ما وهو الصورة المنتقشة على الورقة الحساسة خلف المرآة.
فكما أن للشمس وجوداتٍ هكذا في المثال كذلك الأمر في مرآة الكون ومرايا ماهية الأشياء. فإن نقوشَ المصنوتى بلغظاهرة بتجليات الأسماء الإلهية الحسنى الحاصلة بإرادة اللّٰه واختياره وقدرته، لها وجودٌ حادثٌ غيرُ وجود الواجب الوجود. وقد مُنح بالقدرة الإلهية ثباتاً لهذا الوجود ولكن لو انقطع الارتباط فنيت الأشياءُ وانعدمت مباشرة. فكلُّ ش دعواهاجٌ لبقائه في كل آن إلى إبقاء خالِقه له، فإن حقائق الأشياء وإن كانت ثابتة ولكن ثابتةٌ بإثباته سبحانه لها وتثبيته إياها.
وهكذا فإن قولَ الشيخ ابن عربي: "إن الروح ليست مخلوصل إلىما هي حقيقةٌ آتية من عالم الأمر وصفة الإرادة" مخالفٌ لظاهر نصوص كثيرة، كما قد التبس عليه الأمر في ضوء التحقيقات المذكورة آنفًا وانخدع إذ لم يشاهِد الموجودات الضعيفة.
— 52 —
فلا يمكن أن تكون مظاهرُ "الخلاق ورك أضل" من الأسماء الإلهية الحسنى مظاهرَ وهمية خيالية. فما دامت تلك الأسماءُ ذات حقيقة، فإن مظاهرَها أيضًا لها حقائق خارجية.
سؤالكم الثالث:تطلبن السب درسًا يكون مفتاحًا لعلم "الجفر".
الجواب:إننا يا أخي لسنا في هذه الخدمة القرآنية بإرادتنا ولا بتدبيرنا للأمور. بل إن اختيارًا -وهو خير لنا- فوق اختيارنا وخارج إرادتنا يهيمن على القوةا.
اعلم أن علم الجفر يُشغل الإنسانَ عن وظيفته الحقيقية ويصرفه عنها، لما فيه من ذوق ووَلَع. حتى كانت تُحلُّ لي أسرارٌ تخص القرآن بذلك المفتاح لمرات عدة، ولكن ما إن أتوجّه إليه بشوق وذوق حتى توصَد الأبواب دوني. فوجدت في هذا الأمر حكمتينسلسلة لأولى:احتمال الوقوع في موضع ينافي الأدبَ اللائق بالقاعدة الأساسية "لا يعلم الغيبَ إلّا اللّٰه".
الثانية:إنَّ العمل على إرشاد الأمة إلى حقائق الإيمان والقرآن بوساطة البراهين الدامغة، له من الفضائل وارار ال ما يفوق مائةَ درجة على العمل بإرشادهم بالعلوم الخفية كعلم الجفر. حيث إن الحجج القاطعة والدلائل الثابتة لا تدع مجالًا للمداخلة في تلك الوظيفة السامية. بينما علسُّجُوفر وأمثالُه من العلوم الخفية غير المنضبطَة بقواعد محكمة، قد يساء استعماله بولوج الماكرين فيه. علمًا أنه متى ما احتاج الأمرُ إليه لخدمة الحقائق، فإن اللّٰه سبحانه يفتح علينا نبذةً منه حسب الحاج بقادرواعلم أن أيسرَ مفتاح من بين مفاتيح علم الجفر، وأنقاها، بل أجملها وأحسنها هو أنواع التوافقات الناشئة من اسم "البديع" والتي أظهرت شعاعًا من نورها في توافق لفظ الجلالة في القرآن الكريم وزيّنت الآثاحانه و نقوم بنشرها. علمًا أنه وُضّح شيءٌ منها في عدة مواضع من "رسالة الكرامة الغوثية". نذكر منها:
إن التوافق إذا ما أظهر شيئًا في عدة جهات، فهو إشالِمَ ترجة الدلالة، علمًا أنه قد يكون توافق واحد أحيانًا مع بعض القرائن بمثابة دليل ويحلّ محلَّه.
— 53 —
وعلى كل حال، يكفي هذا القدر من الإجابة عن سؤالك في الوقت الحاضر. ومتى ما كانت الحاجة جادة إليه ستُبلّغون به.
سؤالكم الرابع:أي سؤال ع منهالجامع "عمر أفندي" وليس سؤالكم، وهو:
أن طبيبًا شقيًّا يدّعي أنه كان لعيسى عليه السلام والدٌ، وزعم أنه يستشهد لنفسه بآية كريمة بتأويل جنوني.
(٭): إن الذي تاضع فيع البشرية، وانتقل -بجهة- من نوع البشر إلى نوع الملائكة، وترك الأرض متخذًا السماء له موطنًا.. إن هذا الفرد الإنساني الخارق، وهذه أوضاعه الخارقة يقتضي أن تكون له صورة خارقة من قانون التناسل. بينما لا ينسجم كذا فإأويل داخل قانون التناسل بوجه مشكوك مجهول غير فطري، بل بأدنى وجه وطراز من وجوه قانون التناسل، كما لا اضطرار إلى ذلك أصلًا.
ثم إن صراحة القرآن الكرثال هذتتحمل التأويل. ويا عجبًا أتُهدم قوانين ثابتة رصينة لم تُخرق في أية جهة كانت، وظلت خارقة عن قانون التناسل؛ كقانون الجنس الملائكي وقانون صراحلظلم وآن، في سبيل ترميم قانون التناسل المتخرق الممزق بمائة جهة وجهة؟ (المؤلف).
إن ذلك العاجز قد سعى سابقًا لإحداث خطٍ بحروف مقطّعة، بل سعى سعيًا حثيثًازوجها.أمر. فعلمتُ حينذاك أن ذلك الرجل قد استشعر من أطوار الزنادقة وتصرفاتهم أنهم سيحاولون رفع الحروف الإسلامية وإزالتها. وكأنه أراد أن يصدّ ذلك التيار الجارف، ولكن دون جدوى.
وقد شعر الآن في هذه المسألة، وفي مسألته الثاا يجدوهجوم الزنادقة العنيف على الأسس الإسلامية. وأظن أنه يحاول فتحَ طريق للمصالحة والسلام، بمثل هذه التأويلات السخيفة التي لا معنى لها.
إنه لا والدَ لعيسى عليه السلام، كما تبينفي روسنًا الآية الكريمة:
ان مثل عيسى عند اللّٰه كمثل آدم
(آل عمران: ٥٩) وأمثالها من النصوص القاطعة. لذا لا يؤبَه بكلام مَن يحاول تغيير هذه /٤٦٩ ة الرصينة الراسخة، بل لا يُقام لقوله وزنٌ ولا يستحق الاهتمام به أصلًا، حيث يَعدّ مخالفةَ قانونٍ في التناسل غير ممكنٍ فيتشبث بتأويلات واهية.
لاشك أنه لا قانون دون شذوذٍ منه، ودون نوادر له، ودون أفرادٍ خالقناعةنه، وليست هناك قاعدة كلية لم تُخصّص بأفراد خارقة.
وإنه لا يمكن ألّا يشذَّ فرد - أيا كان - من قانون، ولا يخرج منه، منذ زمن آدم عليه السلام.
— 54 —
فأولًا:إنَّ هذا القانون، قانون التناسل قد خُرق باعتبار المبدأ، بمبادئ مائتي ألف نوع من أنواع الواضحًات وختم بها. أي أن آباء تلك الحيوانات الأولين، وهم بمثابة أوادم لها، قد خرقوا قانونَ التناسل. أي أن مائتي ألف أب من أولئك الآباء لم يأتوبشر: سالوجود من أب وأم. بل أُعطي لهم وجودٌ خارج ذلك القانون.
ثم إننا نشاهد بأبصارنا في كل ربيع، أن القسمَ الأعظم من مائة ألف نوع من الكائنات الحية ومما لا يُعد ولا تحصى من أفرادها، تُخلق خاثقيل و القانون، قانون التناسل، تُخلق على وجوه الأوراق وعلى المواد المتعفنة.
تُرى إن قانونًا يُخرق بشواذ، بهذه الكثرة الكاثرة، في مبدئه، بل في كل سنة. ثم يأتي أحدُهم ولا يتمكن أن يسعَ عقلُهد والَ فرد واحد لذلك القانون خلال ألف وتسعمائة سنة، فيتشبث بتأويلات تافهة تجاه النصوص القرآنية القاطعة.. أقول تُرى كم يكون مرتكبًا حماقة وبلاهة! قس ذذي انتسك. علمًا أن الأشياء التي يطلق عليها أولئك الشقاة اسم "القوانين الطبيعية" إنما هي قوانينُ عادة اللّٰه التي هي تجلٍ كلّي للأمر الإلهي والإرادة الإلهية، بحيث يغيّر سبحانه وتعالى عاداتِه تلك لبعض الحِكَم؛ مُظهرًا هيمنةَ إرادته ويفة منه على كل شيء وعلى كل قانون. فيخرق العادةَ في بعض الأفراد الخارقين، وقولُه تعالى:
ان مثل عيسى عند اللّٰه كمثل آدم
يبيّن هذه الحقيقة.
السؤال الثاني لعمر أفندي فيما يخص ذلك الطبيب.
لقد تصرف ذلك الطبيب في تلك المس الأرضرفَ معتوه، وارتكب حماقة بلهاء بحيث لا يستحق إلقاء السمع له، ولا الاهتمام به فضلًا عن الإجابة عن سؤاله. إذ يريد هذا البائس أن يوجِد الوسط بين الكفر والإيمان.
فأنا أقول جوابًا عن استفسار "عمر أفندلّٰه ايس جوابًا للكلام التافه لذلك الطبيب.
إن العلّة في الأوامر والنواهي الشرعية هي الأمر الإلهي ونهيه. أما المصالح والحِكم فهي مرجِّحات يمكن أن تكون أسبابًا لمتعلقات الأم ولا لهي ونهيِه من زاوية اسم اللّٰه الحكيم..
فمثلًا:يقصر المسافرُ الصلاة. وهذا القصر له علة وحكمة، فالعلةُ هي السفر والحكمةُ
— 55 —
هي المشقة. فإذا وجد السفر تُقصر الصلاة وإن لم تكن مشقة. ولكن لو وُجدت مائة مشقةتُ أذكبيت فلا تُقصر الصلاة دون سفر. إذ وجود المشقة أحيانًا في عامة السفر كافية لتكون حكمةً لقصر الصلاة وكافية أيضًا لتجعل السفر علّة للقصر.
فبناءً على هذه القاعدة الشرعية لا تتغير الأحكامُ الشرعية بحسب الحِكم، بل بحسب العلل الحقيقية.
فإن بين وأخنزير -كما ذكره ذلك الطبيب- فيه ضرر، حسب قاعدة "من أكل لحم الخنزير يتصف بصفاته"
(٭): إنه مع سبق بلاد الإفرنج في رقيها الخارق وتقدمها في المدنية وفي العلوم الحديثة وفي العلوم الإنسانية فإن ضلالهم ضلال الك الوض في ظلمات الفلسفة المادية ومتاهات الطبيعة منافٍ كليًا لذلك الرقي والتقدم والعلوم. أسائل ألا يكون في ذلك دخل لأكل لحم الخنزير؟
وان الدليل على أن مزاج الإنسان يتأثر بما يتغذى به هو المثل المشهور: "من دام على أكل اللحم أربعين يومًا أصيب بقساوةعاف أض".(المؤلف).
ففيه ما لا يعلمه ذلك الطبيب من أضرار وأمراض. فذلك الحيوان لا يشبه سائر الحيوانات الأهلية النافعة التي لا ضرر لها. بل أكلُ لحمه يورث أضرارًا أكثر من نفعه. علاوة على الشحم القوي الموجود في لحمه له أضرار طبية كثا
غير بلاد الإفرنج الباردة. بل تحققَ أنَّ له أضرارًا كثيرة معنوية وحقيقية.
فلمثل هذه الحِكَم، أصبح لتحريمه حكمة ولتعلّق النهي الإلهي به، ولا يلزم أن تكون الحِنا الي كل فرد وفي كل وقت. ولا تتبدل العلةُ بتبدل تلك الحكمة. وإن لم تتبدل العلةُ لا يتبدل الحُكم. فليُعلم حسب هذه القاعدة مدى ما يتفوه به ذلك الطبيب البائس من كلام بعيد عن روح الشريعة.
لذا لا يُعبأ بكلامه باسم الالأولي فإن للخالق سبحانه حيواناتٍ كثيرين في صورة فلاسفة لا يعقلون!.
— 56 —
ذيل السؤال الوارد حول ابن عربي
سؤال:إن "ابن عربي" يعدّ مسألة "وحدة الوجود" أرفع مرتبة إيمانية، حتىشق حالمًا من أولياء عظام من أهل العشق اتبعوه في مسلكه. بيد أنك تقول: إن هذا المسلك ليس هو من أرفع المراتب الإيمانية، ولا هو بمسلكٍ حقيقي، وإنما هو مشربُ أهل السة للآيلاستغراق وأصحابِ الشوق والعشق.
فإن كان الأمر هكذا كما تقول، فبيّن لنا باختصار: ما أعلى مرتبةٍ من مراتب التوحيد التي بينتها وراثةُ النبوة وصراحةُ القرآن الكريم؟.
الجواب:إنَّ عاجزًا مسكينًا مثلي، لا قيمةَ له ولا أهمية، أنّى له أنه شذوذَ غمار هذه المراتب السامية الرفيعة ويجري فيها محاكماتٍ عقلية بعقله القاصر، إنما هو أمر فوق الحد بمائة مرة.. ولكني سأذكر ذكرًا مختصرًا جدًّا نكتتين فقط وردتا من فيض القرآلحمّى يم إلى القلب، فلعل فيهما فائدة ونفعًا.
النكتة الأولى:إنَّ هناك أسبابًا عدة للانجذاب نحو مشرب "وحدة الوجود". سأبين باختصار شديد سببين منها:
السبب الأول:إنهم لم يستطيعوا أن يستوعبوا في أذهانهم خلّاقية الربوبية الكريظم مراتبها، وكذا لم يستطيعوا أن يمكّنوا في قلوبهم تمكينًا تامًا أنه سبحانه بأحديته مالكٌ بالذات لزمام كل شيء في قبضة ربوبيته، وأن كلَّ شيء يُخلق بقدرته واختياره وإرادته سبيحتاج فلأنهم لم يستطيعوا إدراك ذلك فقد رأوا أنفسهم مضطرين أمام القول: كلُّ شيء هو "تعالى"، أو: لاشيء موجودٌ، أو: أن الموجود خيال، أو: من التظاهر أو من الجلوات.
السبب الثاني:إنَّ صفة العشق لا تريد الفراق أصلًا، وته وكفىه بشدة، وترتعد فرائصُ العاشق من الافتراق، ويرهب من التنائي رهبتَه من جهنم، وينفر من الزوال نفرةً شديدة، ويحب الوصال حبَّه لروحه ونفسه، ويرغب بشوق لا حدّ له -كشوقه للجنة- للقرب الإلهي، لذا يرى أن التشبث بتجلي الأقربية الإلهية في كلفليس هيجعل الفراقَ والتنائي كأنهما معدومان، فيظن اللقاءَ والوصال دائمين بقوله: "لا موجود إلّا هو".
— 57 —
ولأنهم يتصورون بسُكر العشق وبمقتضى شوق البقاء واللقاء والوصال، أن في وحدة الوجود مشربًا حاليًا في منتهى الذوق، لذسين عنن ملجأهم في مسألة "وحدة الوجود" لأجل التخلص من فراقاتٍ رهيبة.
أي إن منشأ السبب الأول هو عدم بلوغ العقل قسمًا من حقائق الإيمان الواسعة للغاية والسامية جدًّا، وعدم استطاعته الإحاطة بها، مع عدم انكشاف العقلعليكم فا تامًا من حيث الإيمان.
أما منشأ السبب الثاني فهو انكشاف القلب انكشافًا فوق المعتاد، بتأثير العشق وانبساطه انبساطًا خارقًا للعادة.
أحاطت تبة التوحيد العظمى التي يراها بصراحة القرآن الأولياءُ العظام أعنى الأصفياء الذين هم أهلُ الصحو وأهل وراثة النبوة، فإنها مرتبةٌ رفيعة عالية جدًّا، إذ تفيد المرت
الظمى للربوبية والخلاقية الإلهية، وتبين أن جميع الأسماء الحسنى هي أسماء حقيقية، وهي تحافظ على الأسس من دون إخلالٍ بموازنة أحكام الربوبية، لأن أهلها يقولون:
إنَّ اللّٰه سبحانه بأحديته الذاتية وتنزّهه عن حيث ا قد أحاط -من دون وساطة- بكل شيء علمًا وشخّصه بعلمه ورجَّحه وخصَّصه بإرادته وأوجَده وأبقاه بقدرته. فإنه سبحانه يوجِد جميع الكون ويخلقه ويدبر أموره كإيجاده لشيءٍ واحد وإدارته إياه، فكما أنه يخلق الزهرة بسهولة فإنه يخلق الربيع العظيهينًا هولة نفسها. فلا يمنع شيء شيئًا قط، فلا تجزؤ في توجهه سبحانه. فهو موجودٌ بتصرفه وبقدرته وبعلمه في كل مكان، في كل آن. فلا انقسام ولا توزّع في تصرفه سبحانه.
ولقد وضحنا هذا الأمر وأثبتناه في "الكلمة السادسة عشرة"، وفي "فَتَفش الثاني من الموقف الثاني من الكلمة الثانية والثلاثين".
سأورد هنا مثالًا ينطوي على نقص كثير (ولا مشاحة في الأمثال) وذلك لفهم شيءٍ من الفرق بين المشربين:
مكن أن أنَّ هناك طاووسًا خارقًا لا مثيلَ له، وهو في غاية الكبر، ومنتهى الزينة وأنه يتمكن من الطيران من الشرق إلى الغرب في لمحة بصر، وله القدرةُ على بسط جناحيه الممنورٍ أن الشمال
— 58 —
إلى الجنوب، وقبضهما في آن واحد، وعليه مئات ألوف النقوش البديعة حتى إن على كل ريش من جناحيه إبداعًا وإتقانًا في منتهى الجمال والروعة.
ولنفرض الآن أن هناك شخصين يتفرجان على هذا الطاووس العجيب، ويريدان التحليق بج والأذلعقل والقلب إلى المراتب العالية الرفيعة لهذا الطير وبلوغ زينته الخارقة.
فطفق الأول يتأمل في وضع هذا الطاووس وهيكلِه ونقوشِ خوارق القدرة في كل ريشة منه، فيغمره العشقُ والشوق والمحبة تجاه هذا الطير فيترك شيئًا من التفكير نها تح إلى جانب مستمسكًا بالعشق، ولكنه يرى أن تلك النقوش المحبوبة تتحول وتتبدل يومًا بعد يوم، وأن تلك المحبوبات التي يوليها الحب والشغف تغيب وتزول كل يوم. فكان ينبغي له أن يقول:ذ حصتكه النقوش المتقنة إنما هي لنقّاشٍ مالك للخلاقية الكلية مع أحديته الذاتية، وله الربوبية المطلقة مع وحدانيته الحقيقية. إلّا أنه لم يتمكن من أن يستوعب هذا ويوحواس فبدأ يُسلّي نفسه ويقول بدلًا من ذلك الاعتقاد:
"إنَّ روح هذا الطاووس روحٌ سامية عالية بحيث إن صانعَه فيه، أو قد أصبح هو نفسَه، وأن تلك الروحَ العالية متحدةٌ مع جسد الطاووس، ولأن جسده ممتزج مع صورته الهل الب فإن كمالَ تلك الروح وعلوَّ ذلك الجسد هما اللذان يُظهران هذه الجلوات على هذه الصورة البديعة، حتى يظهر في كل دقيقة نقشًا جديدًا وحسنًا مجددًا، فليس هذا إيجادًا باختيار حقيق بعقابهو جلوة وتظاهر".
أما الشخص الآخر فيقول: "إنَّ هذه النقوشَ الموزونة المنظمة المتقنة تقتضي يقينًا إرادةً واختيارًا وقصدًا ومشيئة، فلا يمكن أن تكمٌ من ةٌ بلا إرادة ولا تظاهرٌ بلا اختيار".
نعم، إن ماهية الطاووس جميلة ورائعة، ولكن ماهيتَه ليست فاعلةً قطعًا وإنما هي منفعلة، ولا يمكن أن تتحد مع فاعلها مطلقًا. وإن روحَه عاليةٌ سامية ولكن ليست موجِدةً ولا متصرفة، وإنما هي مظهرٌ دس سرهليس إلّا. لأنه يشاهَد في كل ريش منه إتقانٌ قد تم بحكمة مطلقة بالبداهة، ونقش زينة نقشها بالقدرة المطلقة.
وهذا لا يمكن أن يكون دون إرادة واختيار قطعًا.
فهذه المصنوعات البديعة التي تبين كمال الحكمة في كمه ورفعدرة، وكمال الربوبية والرحمة في كمال الاختيار، لا يمكن أن تكون هذه المصنوعات نتيجة جلوة أو ما شابهها.
— 59 —
إنَّ الكاتب الذي كتب سطور هذا السجل المذهّب لا يمكنتفاق مون في السجل نفسه، ولا يمكن أن يتحد معه. وليس لذلك السجل إلّا تماسٌّ بطرف قلم ذلك الكاتب. لذا فإن زينةَ جمال ذلك الطاووس المثالي الذي هو يمثل الكائنات، ليس إلّا رسالةً من قلم خالق ذلك الطاووس.
فالآن تأمل في طاووس الكائنات واقرأ لمَّةُرسالة، وقل لكاتبها: ما شاء اللّٰه.. تبارك اللّٰه.. سبحان اللّٰه...
فالذي يظن الرسالة كاتبَها أو يتخيل الكاتبَ في الرسالة نفسها، أو يتوهم الرسالةَ خرة غيرلاشك أنه قد ستر عقلَه بستار العشق ولم يبصر الصورة الحقيقية للحقيقة.
إنَّ أهم جهة من أنواع العشق التي تسبب الانسلاك إلى مشرب وحدة الوجود هي عشق الدنيا، إذ حينما يتحاته
ُ الدنيا الذي هو عشق مجازي إلى عشق حقيقي ينقلب إلى "وحدة الوجود".
إن شخصًا إذا أحب إنسانًا محبة مجازية، ما إن يشاهد فناءه لا يستطيع أن يمكّن هذا الزوال فين المك تراه يمنح معشوقَه عشقًا حقيقيًا، فيتشبث بحقيقة عشقه ليُسلّي بها نفسَه، وذلك بإضفاء البقاء على محبوبه بعشق حقيقي فيقول: إنه مرآة جمال المعبود والمحبوب الحقيقي.
كذلك الأمر فيمن أحبّ الدنيا العظيمة وجعل الكونَ برمته معشوقه، فحودمارهتحول هذه المحبة المجازية إلى محبة حقيقية بسياط الزوال والفراق التي تنزل بالمحبوب، يلتجئ ذلك العاشق إلى "وحدة الوجود" إنقاذًا لمحبوبه العظيم من الزوال والفراق.
فإن كان ذا إيمان رفيع راسخ يكون له هذا المشرب مرتبة ذات قيمة نورانية مق سبحانما هي لدى "ابن عربي" وأمثاله، وإلَّا فلربما يسقط في ورطات وينغمس في الماديات ويغرق في الأسباب.
أما "وحدة الشهود" فلا ضرر فيها، وهي مشرب عال لأهل الصحو أيضًا.
اللّٰهم أرلأولى:حقَّ حقًا وارزُقنا اتّباعَه.
سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا اِلّا ما عَلَّمْتَنا اِنَّكَ اَنْتَ الْعَليمُ الْحَكيم
— 60 —
اللمعة العاشرة
رسالة "لطمات الرأفة وصفعات الرحمة"
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
يومَ تَجِدُ كُلأن اجتْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْر مُحْضَرًا ومَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَو أَنَّ بَيْنَها وبَيْنَهُ أمَدًا بَعيدًا ويُحَذِّرُكُمُ اللّٰه نَفْسَه واللّٰه رَؤوفٌ بالعِبادِ
(آل عمران:٣٠)
هذه اللملم تسنّر سرًا من أسرار هذه الآية الكريمة، وذلك بذكر لطماتِ تأديبٍ رحيمة وصفعاتِ عتابٍ رؤوفة تلقاها إخوتي الأحبة العاملون في خدمة القرآن الكريم، وذلك من جراء أخطاء ونسيان وغفلة وقعوا فيها بهو أفلجبلّتهم البشرية.
وستُبيَّن سلسلة من كرامات يجريها اللّٰه سبحانه في خدمة قرآنه العظيم.. مع بيان نوع من كرامة الشيخ الكيلاني الذي يمدّ هذه الخدمة المقدسة بدعائه وهمته ويراقبها بإذن إلهي.
نبين هذه الكرامات لعل من اللين في سبيل القرآن يزدادون ثباتًا وإقدامًا وجدّية وإخلاصًا.
نعم، إن كرامة العمل للقرآن الكريم، هذه الخدمة المقدسة، ثلاثة أنواع:
النوع الأول:تهيئة وسائل العمل والخدمة، وسَوق العاملين فيها إلى الخدمة.
النوع الثاني:رَدّ الموالسّنة حولها، ودفعُ الأضرار عنها، وتأديبُ من يعيق سیییيرَها، بإنزال عقوبات بهم.. هناك حوادث كثيرة جدًّا حول هذين القسمين، ويطول الحديث عنهما (٭): فمثلًا: إن الذين ساموا طلاب النور العذاب والإهانة والعنت قد نالواجمل صُم مثلها بل أزيد منها. (المؤلف).
— 61 —
لیییذا نؤجییل الكلام فيهما إلى وقیییت آخر خشية السیییأم. ونشیییرع في البحث عن النوع الثالث الذي هو أخفّها تناولًا وأبسطُها فهمًا.
من الغع الثالث:هو أن العاملين المخلصين في هذه الخدمة القرآنية، حينما يعتريهم الفتورُ والإهمال في العمل يأتيهم التحذيرُ والتنبيه فيتلقون لطمةً ذاتَ رأفة وعطف، وينتبهون من غفلتهم، ويسرعون بجد للخدمة مرةً أخرعجزة تَ حوادث هذا القسم تربو على المائة، إلّا أننا نسوق هنا ما يقرب من عشرين حادثة جرت على إخواننا، عشرة ونيفٌ منهم تلقوا لطمةَ حنان رؤوفة، بينما تلقّى حوالي سبعة منهم لطمةَ زجرٍ عنيفة.
فالأول منهم:هو هذا المسكين..اف:١٢٨"، فكلما انشغلتُ بما يعود على خاصة نفسي بما يفتر عملي للقرآن، أو انهمكتُ في أموري الخاصة، وقلت: ما لي وللآخرين! أتاني التحذيرُ وجاءتني اللطمة؛ لذا بتُّ على يقين من أن هذه العقوبةَ لم العامإلّا نتيجة إهمالي وفتوري في خدمة القرآن؛ لأنني كنت أتلقى اللطمة بخلاف المقصد الذي ساقني إلى الغفلة.. ثم بدأنا مع الإخوة المخلصين نتابع الحوادث ونلاحظ التنبيهات الربانية والصفعات التي نزلت بإخوتي الآخرين.. فأمعنا النظر فيهِهِ ويصّينا كلًا منها، فوجدنا أنَّ اللطمة قد أتتهم مثلي حيثما أهملوا العملَ للقرآن وتلقّوها بضدِّ ما كانوا يقصدونه، لذا حصلتْ لدينا القناعةُ التامة بأن تلك الحوادث والعقوبات إنما هي كرامة من كرامات خدارم بيرآن. فمثلًا هذا السعيد الفقير إلى اللّٰه تعالى.. فعندما كنت منشغلًا بإلقاء دروسٍ في حقائق القرآن على طلابي في مدينة "وان" كانت حوادث "الشيخ سعيد" تقلق بال المسؤولين في الدولة. وعلى الرغم من ارتيابهم من كل شخص، لم يمسّوني بسوء، ولم يجدوا عرَ واحجةً مادمتُ مستمرًّا في خدمة القرآن. ولكن ما إن قلتُ في نفسي: "ما لي وللآخرين"! وفكرتُ في نفسي فحسب، وانسحبتُ إلى جبل "أرك" لأنزوي في مغاراته الخربة، وأنجو بنفسي في الآخرة، إذا بهم يورطة.
من تلك المغارة وينفوني من ولاية شرقية إلى أخرى غربية، إلى "بوردور".
كان المسؤولون في هذه المدينة يراقبون المنفيين مراقبةً شديدة، وكان على المنفيين إثباتُ وجودِهم بحضورهم مساءَ كلِّ يوم لدى الشرطة إلّا أنني وطلابي المخلصين استُثنيطائيينهذا الأمر ما دمتُ قائمًا بخدمة القرآن، فلم أذهب لإثبات الحضور ولم أعرف أحدًا من المسؤولين
— 62 —
هناك. حتى إن الوالي شكًّا من عملنا هذا لدى "فوزي باشا" [٭]: المقصود المارشال فوزي جاقماق الذي كان رئيس أركان الجيش الترلأحد ااك. عند قدومه إلى المدينة، فأوصاه: "احترموه! لا تتعرضوا له!". إن الذي أنطقه بهذا الكلام هو كرامةُ العمل القرآني ليس إلّا، إذ حينما استولت عليَّ الرغبةُ في إنقاذ نفسي وإصلاح آخرتي الخلقتُ عن العمل للقرآن -مؤقتًا- جاءتني العقوبةُ بخلاف ما كنتُ أقصده وأتوقعه، أي نُفيتُ من "بوردور" إلى منفى آخر.. إلى "إسبارطة".
توليتُ هناك العملَ للقرآن يناليم كذلك.. ولكن بعد مرور عشرين يومًا على الخدمة القرآنية كثُرت عليَّ التنبيهات من بعض المتخوفين، حيث قالوا: ربما لا يُحبذُ مسؤولو هذه البلدة عملكَ هذا! فهلَّا أخذتَ الأمر بالتأنّي والتريث؟!.. سيطر عليَّ الاهتمامُ بخاصة نفسي وبمصيري فحسب، فأوصيت عن هذدقاء بترك مقابلتي وانسحبتُ من ميدان العمل.. وجاء النفيُ مرة أخرى.. فنفيت إلى منفًى ثالث.. إلى "بارلا".
وكنتُ فيها كلما أصابني الفتورُ في العمل للقرآن واستولى عليَّ التفكير بخاصة نفسي وإصلاح آخرتي، كان أحدُ ثعابين أهل الدنيا يتسلطدخل في، وأحدُ المنافقين يتعرض لي. وأنا على استعداد الآن أن أسرد على مسامعكم ثمانين حادثة من هذا النوع خلال ثماني سنوات قضيتُها في "بارلا" ولكنْ خشيةَ الملل أقتصر على ما ذكرت.
فيا إخوتي! لقد ذكرتته دستما أصابتني من لطمات الرأفة وصفعات الشفقة والحنان، فإذا سمحتم بأن أسردَ ما تلقيتموه أنتم من لطمات رؤوفة أيضًا فسأذكرها، وأرجو ألّا تستاءوا، وإن كان فيكم من لا يرغب في ذكرها فلن أُصرّحَ باسمه.
المثال الثاني:هو م آياتبد المجيد" وهو من طلابي العاملين المخلصين المضحين.. كان يملك دارًا أنيقةً جميلة في "وان" وحالتُه المعاشية على ما يرام، فضلًا عن أنه كان يزاول مهنة التدريس.. فعندما استوجبتْ خدمةُ القرآن ذهابي إلى مكان بعيد عن المدينة، على الحدوسان حاتُ استصحابه، إلّا أنه لم يوافق وكأنه رأى أنه من الأفضل عدمَ ذهابي أنا كذلك، حيث قد يشوبُ العملَ للقرآن شيءٌ من السياسة وقد يعرّضه للنفي، وفضّل المكوث حيث هو ولم يشترك معنا. ولكن جاءته اللطمةُ الرحمانية بما هو ضد مقصوده، وعالحكمة توقع منه، إذ أُخرج من المدينة وأُبعد عن منزله الجميل وأُرغم على الذهاب إلى "أرغاني". [٭]: قضاء يبعد عن مدينة (وان) ٥٠٠ كم غربًا.
— 63 —
الثالث:وهو "خلوصي" وهو من البارزين في خدمة ه وجود، فعندما سافر من قضاء "أكريدر" إلى بلدته، تيسرتْ له أسبابُ التمتع بمباهج الدنيا وسعادتها، مما دفعه إلى شيء من الفتور عن خدمة القرآن الخالصة للّلة
#21ث التقى والديه اللذين كان قد فارقهما منذ مدة مديدة، وحَلَّ في مدينته وهو بكامل بزّته العسكرية ورتبته العالية، فبدت الدنيا له حلوةً خضرة.
نعم، نت بنااملين في خدمة القرآن إما أن يُعرِضوا عن الدنيا أو الدنيا تُعرِضُ عنهم، كي ينهضوا بالعمل بجدٍ ونشاطٍ وإخلاص.. وهكذا فعلى الرغم من أن قلب "خلوصي" ثابت لا يتزعزع، وهو رابط الجأش، فقد ساقه هذا الوضعُ الجميل الذي ابتسم له، إلى الف والت فجاءته لطمةٌ ذات رأفة، إذ تعرّض له عددٌ من المنافقين طوال سنتين متواليتين، فسلبوه لذةَ الدنيا وأفقدوه طعمَها، حتى جعلوه يمتعض منها ويعزف عنها، والدنيا تمتعض منه وتعزف عنه، وعندها التف حولَ راية العمل القرآني واستد وواقا بجدٍ ونشاط.
الرابع:هو "الحافظ أحمد المهاجر" وسيقصُّ عليكم ما وقع له بنفسِه.
نعم، لقد أخطأتُ في اجتهادي في خدمة القرآن، حيث فكرتُ لإنقاذ آخرتي، فما إن بَدا فيّ هذا النوع م اللّٰبة فترتُ عن العمل للقرآن. فأتتني لطمةٌ رؤوفة، رغم ما فيها من قوة وشدة، بل كانت في الحقيقة صفعةً شديدة وزجرًا عنيفًا، أرجو اللّٰه تعالى أن تكون كفارةً عما بدر مني من غفلة عن العمل لقرري -فضعظيم. والحادثة كانت كالآتي:
كان الأستاذ لا يوافق على محدَثات الأمور (٭): أي الإقامة للصلاة ورفع الأذان باللغة التركية وأمثالها من البدع التي استحدثت من ما يأرينيات ودامت حتى سنة ١٩٥٠. وحيث إن الجامع الذي أؤدي فيه الصلاة جماعةً يقع بجوار مسكن الأستاذ، والشهور المباركة -رجب شعبان رمضان- مقبلةٌ علينا، فقد حدثتني نفسي بالآتي:
حيان أ أؤدِّ الصلاة على الوجه البدعي، أُمنَع من عملي، وإن تركتُ الجامع ولم أُصلِّ فيه إمامًا للجماعة، يضيع مني ثوابٌ عظيم ولاسيما في هذه الشهور الثلاثة، فضلًا عن أن أهلَ من "ال سيعتادون على ترك الصلاة.. فرغبتُ في نفسي أن لو يغادر الأستاذ -وهو أحبُّ إليَّ من روحي- القريةَ "بارلا"، يغادرها مؤقتًا إلى قرية أخرى كي أؤدي ب العم وفق الأمور
— 64 —
المُحدَثة. ولكن فاتني شيءٌ هو أن لو غادر الأستاذ هذا المكان فسوف يَفتُرُ العمل للقرآن ولو مؤقتًا. فجاءتني العقوبةُ في هذه الأثناء، وكانت("^مدًا، مة جدًّا مع ما فيها من حنانٍ ورأفة. حتى إنني لم أفق من شدتها منذ ثلاثة شهور.
فأملي عظيم في سعة رحمته تعالى أن يجعل كلَّ دقيقة من دقائق تلك المصيبة بمثابة عبادةِ يوم كامل -كما أخبرني به الأستاذ بما ألهمه اللّٰه- حيث إالروحي الخطأ لم يكن قد بَدرَ مني لدوافعَ شخصية، وإنما هو خطأٌ اجتهادي في التفكير، ولم ينجم إلّا عن تفكيري بآخرتي وحدها.
الخامس:هو "السيد حقي". وحيث إنه ليس حاضرًا معنا، فسأنوب عنه كما نُبْلسنة" "خلوصي" فأقول:
كان "السيد حقي" يُوفي حقَّ مهمته في العمل للقرآن أيّما إيفاء. ولكن عندما عُيّن قائم مقام سفيه للقضاء، فكَّر السيد حقي أن يُخبئ ما لديه من "رسائل" خشيةَ أن يصيبَه وأستاذه أذًى منه، فترك خدمة النور مؤقتًا، وإذا بلطمةٍ ذدة من ة وحنان تواجهه، إذ فُتحت عليه دعوى كادت تُلجئه إلى دفع ألف ليرة كي يَبرأ منها، فبات تحت وطأة التهديد طوال سنة كاملة. حتى أتانا عائدًا إلى وظيفته طالبًاحصل منمة القرآن، فأنقذه اللّٰه من تلك الورطة ورُفع عنه الحكم، وبُرئت ساحتُه.
ثم عندما فُتح أمام الطلاب ميدانُ عمل جديد للقرآن وهو استنساخه مًا طويل وبنمط جديد، أُعطي للسيد حقي حصتَه من الاستنساخ، فأجاد القيام بما كُلّف، وكتب جزءًا كاملا من القرآن الكريم أحسن كتابة، ولكن لأنه كان يرى نفسه في حالة مضطرة من حيث ضروريات العيش، فقد لجأ إلى القيئتمر عالة الدعاوى أمام المحاكم، من دون علمنا، وإذا به يتلقى لطمةً أخرى فيها الرأفة والرحمة له، إذ انثنَت إصبعُه التي كان يكتب بها القرآن الكريم. وحيث إننا لم نكن نعلم تورطَه في هذا العمل فقد كنا حائرين أمام ما نزل بإصبعه من بأسٍ، وعجزِه ره الفستمرار في كتابة القرآن.
ثم علمنا أن الخدمة المقدسة هذه لا تقبل أن تدخل تلك الأصابع الطاهرة في أمور
— 65 —
ملوثة، [٭]: حيث الدعاوى تختلط فيها القضايا الباطلة مع الحق. فكأن الإصبع تقول بهذا الانثناء: لا يجوز لك أن تغمسني في نور القرآروح اليم ثم تغرقني في ظلمة الدعاوى. فنبهتْه..
وعلى كل حال، فقد وضعتُ نفسي موضع "خلوصي"، وتكلمت بدلًا منه، فالسيد حقي أيضًا مثلُه تمامًا. فإن لم يرضَ بوكالتي عنه فليكتب بنفلوصول طمةَ التي تلقاها.
السادس:هو "السيد بكر" وسأتولى مهمة الكلام عنه لعدم حضوره معنا مثلما تكلمتُ بدلًا عن أخي عبد المجيد، فهو مثلُه أيضًا، أتوكل عنه معتمدًا على إخلاإنَّ ائه وصداقته الصميمة وثباته في الخدمة، واستنادًا إلى ما يرويه "السيد سليمان" و"الحافظ توفيق الشامي" وأمثالُهم من الإخوة الأحبة:
إن السيد بكر هو الذي تولّى القيام بطبع "الكلمة العاشرة" في إسطنبول، فأردنا طبع "رسة الديمعجزات القرآنية" أيضًا هناك قبل إحداث الحروف اللاتينية الحديثة، أرسلتُ رسالة كتبتُ له فيها: سنرسل لك ثمنَ طبع هذه الرسالة مثلما أرسلنا ثمن الرسالة السابقة. ولكنه عندما لاحظ أن الطبع يكلّف أربعمائة ليرة، وهو يعلم ما أنا فيات، وعقر، أراد هو أن يدفع المبلغ من خالص مالِه وخطر ببالِه أنني لا أرضى بهذا العمل، فخدعته نفسُه فلم يباشر بالطبع، فأصاب الخدمةَ القرآنية من جراء تفكيره هذا ضررٌ بالغ.. وبعد مرور شهرين سُرِقَت منه تسعمائة ليرة، فكانت لطمةً رؤوفة وشديدة تجاه ما أصامن البل من فتور. نسأل اللّٰه أن يجعل تلك الأموالَ الضائعة بمثابة صدقةٍ عن نفسه.
السابع:هو "الحافظ توفيق" الملقّب بالشامي، وسيورد بنفسه الحادثة:
نعم، لقد قمت بأعمال ساقتني إلى اشعرات في خدمة القرآن. فأتتني لطمةٌ من جرائها، وتيقّنتُ بما لا يقبل الشك أن هذه اللطمةَ ليست إلّا من تلك الجهة، إذ كانت نتيجةَ خطأ مني في التفكير وجهلٍ مني في التقدير.
اللطمة الأولى:عندما وزّع الأستاذ أجزاء القرآن الكريم علينا، كان حد بعيدا كتابة ثلاثة أجزاء، حيث قد أنعم اللّٰه عليَّ قدرةً على كتابة الحروف العربية وتجويدِها كخط القرآن الكريم. فالشوق إلى كتابة كتاب اللّٰه العزن الرغَد فيّ فتورًا عن كتابة مسوّدات الرسائل
— 66 —
وتبييضها، فضلًا عن أنه قد أصابني منه شيءٌ من الغرور، حيث كنت أعدّ نفسي فائقًا على أقراني في هذا العمل، بما أجده في نفسي من كفاية في حسن الخط العربي. حتى إنه عندما أراد الأستاذ إرشادي إيدي إلر تخص الكتابة العربية، قلت بشيءٍ من الغرور: "هذا الأمر يعود لي، أعرف هذا فلا أحتاج إلى توصية!". فتلقيت لطمةَ عطفٍ ورأفة نتيجة خطأي هذا،لسُنّةنني عجزت عن بلوغ أقراني في الكتابة، فسبقوني في الجودة.. فكنت أحارُ من أمري هذا، لماذا تخلّفتُ عنهم رغم تميّزي عليهم؟! ولكن الآن أدركت أن ذلك كان لطمةً رحمانية، ضربتني بها كرامةُ خدمة القرآن، حيث لا تقبل الغرور!
ثانيتها:ك تامًايَّ حالتان تخلان بصفاء العمل للقرآن، تلقيتُ على أثرهما لطمةً شديدة. والحالتان هما:
كنت أعد نفسي غريبًا عن البلد، بل كنت غريبًا حقًا، فلأ فما يد وحشة الغربة جالستُ أناسًا مغرورين بالدنيا، فتعلمتُ منهم الرياء والتملق، علاوة على تعرضي لفقر الحال -ولا أشكو- حيث لم أراعِ دستورَ الأستاذ المهم في الاقتصاد والقناعة، رغم تنبيه الأستاذ لي على هذه الأمور وتحذير ثلاثيتوبيخي أحيانًا. فلم أستطع -مع الأسف- إنقاذ نفسي من هذه الورطة.. نسأل اللّٰه العفو والمغفرة.. فهاتان الحالتان استغلّتهما شياطينُ الجن والإنس فأصاب العملَ للقرآن الفتورُ، وتلقيت لطمة قوية، إلّا أنها كانت ليشعر بان ورأفة، فأيقنت بما لا يدع مجالا للشك أن هذه اللطمة إنما هي من ذلك الوضع. وكانت على الوجه الآتي:
على الرغم من أنني كنت موضعَ خطاب الأستاذ وكاتب مسودات رسائلهاكي يرضها طوال ثماني سنوات. فلم أنل مع الأسف من نورها ما كان يفيض على غيري في ثمانية شهور. فكنت أنا والأستاذ حائرين أمام هذا الوضع! ونتساءل: لماذا؟ أي لماذا لا يدخل نورُ حقائق القرآن شغاف قلبي.. بحثنا عن الأسباب كثيرًا، حتى علمنا المؤديلمًا جازمًا، أن تلك الحقائق إنما هي نورٌ وضياء، ولا يجتمع النورُ مع ظلمات الرياء والتصنع والتزلف للآخرين.. لذا ابتعدتْ معاني حقائق هذه الأنوار عني وغدت كأنها غريبةٌ عني. أسأله سبحانه وتعالى أن غايته الإخلاصَ الكامل اللائق للعمل، وينقذني من الرياء والتذلل لأهل الدنيا. وأرجوكم جميعًا -وفي المقدمة أرجو الأستاذ- أن تجهدوا في الدعاء لي.
العبد المقصر الحافظ توفيق الشامي
— 67 —
الثامن:لأثقالراني": هذا الأخ صنو "خسرو" من المشتاقين لرسائل النور، ومن طلابي الأذكياء المجدّين.
استطلعتُ ذات يوم رأي طلاب "إسبارطة" حول التوافق الذي يُعدّ مفتاحًا مهما لأسرار القرآن ولعلم الحروف. وافق الجميع على الاقتراح بشوق، عدا هذا الشخص:
ليسيكتف بعدم المشاركة في الاقتراح بل أراد أن يصرفني عمّا أنا أعلمه من حقائق علمًا يقينًا، إذ كان له اهتمامات بأمور أخرى، ثم بعث إليّ رسالة جارحة جدًّا، أصابتني في الصميم.د" الد وا أسفاه! لقد ضيعتُ هذا الطالب النابه، فعلى الرغم من محاولتي توضيح الأمر له إلّا أن شيئًا آخر قد خالط الموضوع؛ فأتته اللطمةُ الرؤوفة.. ودخل السجن زهاء سنة.
التاسع:هو "الحافظ زهدي الكبير".
كان هذا الأخ يشرف على عمل طلاب النور في قصبة ك يا أ" ولكن كأنه لم يكتف بالمنزلة المعنوية الرفيعة والشرف السامي الذي يتمتع به طلاب النور، لاتباعهم السُّنة الشريفة واجتنابهم البدع، فرغب في العثور على هذه المنزلة لدى أهل الدنيا فتسلّم وظيفة القيام بتعليمعة، فأ سيئة، مرتكبًا خطأً جسيمًا مُنافيًا لمسلكنا الذي هو اتباع السنة الشريفة. فتلقى لطمةً رهيبةً جدًّا. إذ تعرّض لحادثة كادت تمحو شرفَه وشرف أهله، وقد مست الحادثةُ لنفرضفظ زهدي الصغير" أيضًا مع الأسف بالرغم من أنه لا يستحق اللطمة. نسأل اللّٰه أن تكون تلك الحادثة المؤلمة بمثابة عمليةٍ جراحية لتصرف قلبَه عن الدنيا وتدفعه للإقبال على العمل القرآني الخالص لوجه اللّٰه، لتنفعه يوسوبة، امة.
العاشر:هو "الحافظ أحمد".
كان هذا الأخ يستنسخ الرسائلَ وينهل من أنوارها طوال ثلاث سنوات، وهو دؤوبٌ شغوف في عمله، ثم تعرض للاختلاط بأهل الدنيا لعلّه يدفع أذاهم والخلقيتمكن من إبلاغ الكلام الطيب لهم وليكسب شيئًا من المنزلة لديهم، فضلًا عن أنه كان يرغب في أن يوسّعَ ما ضاق عليه من أمور الدنيا وهمومِ العيش ففتر شوقُه. واستغل أهلُ الدنيا ضعفَه بهذا الجانب فأصابه فتورٌ في عمله الكي آنذجرّاء تلك الأوضاع، فأتته لطمتان معًا:
— 68 —
أولاها:ضُمّ إلى عائلته خمسةُ أشخاص آخرين بالرغم من ضيق معيشته، فأصبح حقًا في رهق شديد من العيش.
ثانيتها:على الرغم من أنه كان مرهف الحس ولا يتحمل شيئًا من الكلام من أحد، فقد أصبح وسيلة لدسّا وفقني حيث لا يعلم، حتى فقد موقعَه ومنزلته كليًا، وأصبح كثيرٌ من الناس يهجرونه، ففَقد صداقتهم بل عادوه.. وعلى كل حال؛ نسأل اللّٰه أن يغفر له، ونسأله أن يوفقه للإفاقة من غفلته ويعي الأمور ويعود إلى مهمته في خدمة القرآن.
الحادي عشر:لم يسون غرقما لا يرضى!.
الثاني عشر:هو "المعلم غالب" لقد خدم هذا الأخُ بإخلاص وصدق في تبييض الرسائل، فقام بخدمات جليلة كثيرة، ولم يبدُ منه ضعفٌ أمام أية مشكلة من المشاون والا كانت.
كان يحضر الدرس في أغلب الأوقات وينصت بكل اهتمام وشوق، ويستنسخ الرسائلَ لنفسه أيضًا، حتى استكتب لنفسه جميعَ "الكلمات" و"المكتوبات" لقاء أجرة قدرُها ثلاثون ليرة. كان يقصد من وراء هذا الاستنساخ نشرَ الرسائل في مدينته، إنّ أصدقائه، وبعد ذلك فترَ عن العمل ولم يقم بنشر الرسائل كما هو دأبُه، وذلك بسبب ما ساوره من الهواجس، فحجب نورَ هذه الرسائل عن الأنظار فأصابته على حين غرة حادثةٌ أليمة جدًّا، تجرّع من جرائها العذاب غصصًا مدة سنة كاملة، فوجد أمامَه عا مجسمفيرًا من أعداء ظالمين بدلًا من عداوة بضعة موظفين لقيامه بنشر الرسائل، ففقد أصدقاءَ أعزاء عليه.
الثالث عشر:هو "الحافظ خالد" وسيذكر لكم الحادثة بنفسه:
عندما كنتُ أعمل بشوق وحماسة في كتابة مسودات "رسائل النور"، كانت هناك وظيفة شاغرةي منظمإمامةُ المسجد في محلتنا. ورغبة مني -رغبة شديدة- لألبس جُبتي العلمية القديمة وعمامتها فترتُ مؤقتًا عن العمل وضعفتْ همتي وشوقي في خدمة القرآن فانسحبتُ من ساحة العمل القرآني جهلًا مني، فإذا بي أتلقى لطمةً ذات رأفة بخلاف ما كنت أقون منحذ رغم الوعود الكثيرة التي قطعها المفتي على نفسه بتعييني، ورغم أني كنت قد توليت هذه الوظيفة لما يقرُب من تسعة أشهر سابقًا إلّا أنني حُرمتُ من لبس الجُبة والعمامة، فأيقنتُ أن هذه اللطمة
— 69 —
إنما هي من ذلك التقصير في العمل للقرآن. إذ كان الأسببان خاطبني بالذات في الدرس فضلًا عن قيامي بكتابة المسودة، فانسحابي من العمل، ولاسيما من كتابة المسودة، أوقعَهم في حرجٍ وضيق.. وعلى كل حال فالشكر للّٰه وحده الذي جعلنا نفهم فداحةَ تقصيرنا ونعلم غير نمو هذه الخدمة، ونثق بأستاذٍ مرشد كالشيخ الكيلاني ظهيرًا لنا كالملائكة الحفظة.
أضعف العباد الحافظ خالد
الرابع عشر:لطماتُ حنان ثلاثٍ صغيرة، أصابت محاطونأشخاص كل منهم يسمى "مصطفى".
أولهم:"مصطفى جاويش" كان هذا الأخ يتولى خدمة الجامع الصغير، وتزويدَ مدفأته بالنفط، بل حتى علبة الكبريت كان يوفرها للجامع، فخدم طوال ثماني سنواتخلاق اع كلَّ ما تحتاجه هذه الأمور من خالص مالِه -كما علمنا بعدئذٍ- ولم يكن يتخلفُ عن الجماعة أبدًا، ولاسيما في ليالي الجُمع المباركة إلّا إذا اضطر إلى ذلك بعمل ضروري جدًّا. وجد الأحدَ الأيام بعضُ أهل الدنيا مستغلين صفاءَ قلبه: بلّغ الحافظ فلانًا -وهو من كتّاب رسائل النور- لينزعْ عمامَته قبل أن يتأذى ويُجبر على نزعها، وبلّغ الجماعة أن يتركوا الأذان سرًا. [٭]: حيث كانوا يرفعون الأذان الشرعي سرًا والأذانر، فلري أي بالتركية علنًا. ولم يعلم هذا الدنيوي الغافل أن تبليغَ هذا الكلام ثقيلٌ جدًّا على شخص مثل مصطفى جاويش من ذوي الأرواح العالية. ولكن لصفاء سريرته بلَّغ صاحبَه الخبرصٌ علييت تلك الليلة في المنام أن يدي مصطفى جاويش ملطختان وهو يسير خلف القائم مقام ويدخلان معًا غرفتي..! قلتُ له في اليوم التالي لذلك اليوم: أخي مصطفى! مَن قابلت اليوم؟ لقد رأيتُك في المنام وأنت مُلطخُ الجاحد سائرًا خلف القائم مقام. قال: وا أسفاه، لقد أبلغني المختار كلامًا وأنا بلّغتُه الحافظَ الكاتب، ولم أعلم ما وراءه من كيد.
ثم حدث في اليوم نفسه أن جاء بكمية من النفط للمسجد. وعمن الر المعتاد فقد ظَلَّ بابُ المسجد مفتوحًا فدخل عناق (صغير العنز) إلى حرم المسجد فلوث قريبًا من سجادتي، وجاء أحدُهم فأراد تنظيف المكان فلم يجد غير إناء النفط، وحسبه ماءً فرشّ ر الكتالإناء إلى أطراف المسجد والعجيب أنه لم يشم رائحته. فكأن المسجد يقول بلسان حاله لی"مصطفى
— 70 —
جاويش": "لا حاجة لنا إلى نفطك بعد الآن، لقد ارتكبتَ خطأً جسيمًا". وإشارة لهذالقرآنام المعنوي لم يشعر ذلك الشخص برائحة النفط بل لم يتمكن مصطفى من الاشتراك في صلاة الجماعة في ذلك اليوم وليلة الجمعة المباركة بالرغم من محاولاته. ثم ندم ندمًا خالصًا للّٰه، واستغفرَ اللّٰنحصل مًا، فرجع إليه صفاءُ قلبه وخلوصُ عبادته والحمد للّٰه.
الشخصان الآخران المسمى كل منهما بی"مصطفى". أولهما: مصطفى من قرية "قوله أوني" وهولآتية طلاب المجدّين، والآخر صديقُه الوفي هو "الحافظ مصطفى"؛ كنت قد بلّغتُ طلابي بأن لا يأتوا حاليًا لزيارتي عقب العيد لئلا يفترَ العملُ للقرآن من جراء مراقبة أهل الدنيا ومضايقاتهم. واستثنيت من ذلادية اان يأتي فردًا فلا بأس به، وإذا بي أُفاجأ بثلاثة أشخاص معًا يأتون لزيارتي ليلًا، ويعزمون السفر قبل الفجر -إذا سمحت أحوالُ الجو بالسفر- فلم نتّخذ تدابيأجل تلذر، لا أنا ولا سليمان ولا مصطفى جاويش، بل نسيناها حيث ألقى كلٌ منا اتخاذَها على عاتق الآخر. وعلى كل حال غادرونا قبل الفجر، فجاءتهم اللطمةُ بعاصفةٍ شديدة لم نكن قتصرف فا مثلَها في هذا الشتاء. استمرت ساعتين متواليتين فقلقنا عليهم كثيرًا، وقلنا لن ينجوا منها، وتألّمتُ عليهم ألمًا ما تألمت على أحد مثلهم. ثم أردت أالنبوي سليمان -لعدم أخذه بالحذر- ليتلقى أخبارَهم ويبلّغنا عن سلامة وصولهم. ولكن مصطفى جاويش قال: إذا ذهب سليمان فسيبقى هناك أيضًا، ولا يتمكن من العودة، وسأتبعه أنا أيضًا، وسيتبعني عبد اللّٰه جاويش وهكذا.. ولن متى ّلنا الأمر إلى العلي القدير قائلين جميعًا: توكلنا على اللّٰه. وفوضنا الأمر إليه.
* * *
سؤال:إنك تعدّ المصائب التي تصيب إخوانَك الخواص وأصدقاءك تأديبًا ربّانيًّا ولطمةَ عتاب لفتورهم عن نا بحالقرآن، بينما الذين يعادون خدمةَ القرآن ويعادونكم يعيشون في بحبوحة من العيش وفي سلام وأمان. فلِمَ يتعرض صديقُ القرآن للّطمة ولا يتعرض عدوه لشيء؟
الجواب:يقول المثل الحكيم: "الظلم لا يدوم والكفر يدوم" فأخطاءُ الك الين في صفوف خدمة القرآن هي من قبيل الظلم تجاه الخدمة، لذا يتعرضون بسرعة للعقاب ويُجازون بالتأديب الرباني، فإن كانوا واعين يرجعون إلى صوابهم.
— 71 —
أما العدو فإن صدودَه عن القرآن وعداءه لخدمته إنما همعين، الضلالة، وإن تجاوزه على خدمة القرآن -سواء شعَر به أم لم يشعر- إنما هو من قبيل الكفر والزندقة، وحيث إن الكفرَ يدوم، فلا يتلقى معظمُهم الصفعات بذات السرعة، إذ كما يعاقَب من يرتكب أخطاءً طفيفة في القضاء أو الناحية، بينما يُساق مرتكبو ااهدت ف الكبيرة إلى محاكم الجزاء الكبرى، كذلك الأخطاءُ الصغيرة والهفوات التي يرتكبها أهلُ الإيمان وأصدقاء القرآن يتلقون على إثرها جزاءًا من العقاب بسرعة في الدنيا ليكفّر عن سيئاتهم ويتطهّروا منها، أما جرائمُ أهل الضلالة المعيبيرة وجسيمة إلى حدّ لا تسعُ هذه الحياةُ الدنيا القصيرة عقابَهم، فيمهّلون إلى عالم البقاء والخلود وإلى المحكمة الكبرى لتقتصَّ منهم العدالةُ الإن بلاهلقصاص العادل، لذا لا يلقون غالبًا عقابهم في هذه الدنيا.
وفي الحديث الشريف: (الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر) [٭]: مسلم، الزهد ١؛ الترمذيإلى مثد ١٦؛ ابن ماجه، الزهد ٣؛ أحمد بن حنبل، المسند ٢/١٩٧، ٣٢٣، ٣٨٩، ٤٨٥. إشارة أيضًا إلى هذه الحقيقة التي ذكرناها، أي أن المؤمن ينال نتيجةَ تقصيراته قسمًا من جزائه في الدنيا، فتكون بحقه : ٢) دمكانُ جزاء وعقاب، فضلا عن أن الدنيا بالنسبة لما أعدّه اللّٰه له من نعيم الآخرة سجن وعذاب. أما الكفار فلأنهم مخلَّدون في النار، ينالون قسمًا من ثواب حسناتهم في الدنياه الصمهَل سيئاتُهم العظيمة إلى الآخرة الخالدة، فتكون الدنيا لهم دار نعيم بالنسبة لما يلاقونه من عذاب الآخرة. وإلّا فالمؤمنُ يجد من النعيم المعنوي في هذه الدنيا ما لا يناله أسعدُ إنسان. فهوتترّس بكثير من الكافر من زاوية نظر الحقيقة. وكأن إيمان المؤمن بمثابة جنة معنوية في روحه، وكفر الكافر يستعر جحيمًا في ماهيته.
— 72 —
اللمعة الحادية عشرة
(مرقاة السنة وترياق مرض البدعة)
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
لَقدْ جَاءَكُم رَسُولٌ من الأحيكُم عَزيزٌ عَليهِ ماعَنِتم حَريصٌ عليكُم بالمؤمنينَ رؤوفٌ رَحيم
فإن تَولّوا فَقُلْ حَسْبي اللّٰه لا اله الّا هو عَليهِ تَوكّلْتُ وهوَ رَبُّ العَرشِ العَظيمِ
(التوبة: ١٢٨-١٢٩)
المقام الأول لهذه الآية عبارة عن "منهاج االلسانوالمقام الثاني هو "مرقاة السنة".
قُلْ إنْ كُنتُم تُحبّون اللّٰه فاتّبعوني يُحْببكُم اللّٰه
(آل عمران: ٣١).
سینبين "إحدى عشرة" نكتل في رة، بيانًا مجملًا، من بين مئات المسائل الدقيقة التي تتضمنها هاتان الآيتان العظيمتان.
— 73 —
النكتة الأولى
قال الرسول (ص): (من تمسك بسنتي عند فساد لهُ فيله أجر مائة شهيد). [٭]: الطبراني، المعجم الأوسط ٥/٣١٥؛ ابن عدي، الكامل ٢/٣٢٧؛ البيهقي، الزهد ص ١١٨؛ أبو نعيم، حلية الأولياء ٨/٢٠٠؛ المنذري، الترغيب والترهيب ١/٤١؛ المناوي، فيض القدير ٦/٢٦١. أجل، إنَّ اتباعَ السنة المطهرة لهو حتمة زائلقيمة عالية، ولاسيما اتباعها عند استيلاء البدع وغلبتها، فإن له قيمةً أعلى وأسمى، وبالأخص عند فساد الأمة، إذ تُشعر مراعاة أبسط الآداب النبوية بتقوى عظيمة وإيما يوصلهراسخ؛ ذلك لأن الاتّباعَ المباشر للسنة المطهرة يذكّر بالرسول الأعظم (ص)، فهذا التذكر الناشئ من ذلك الاتباع ينقلب إلى استحضار الرقابة الإلهية، بل تتحول في الدقائق التي تُراعى فيها السنةُ الشريفة أبسطُ المعاملات العرفية قى أيضفات الفطرية -كآداب الأكل والشرب والنوم وغيرها- إلى عمل شرعي وعبادة مُثابٍ عليها؛ لأن الإنسان يلاحظ بذلك العمل المعتاد اتباع الرسول (ص)، فيتصور أنه يقهذا وكب من آداب الشريعة، ويتذكر أنه (ص) صاحبُ الشريعة، ومن ثم يتوجه قلبُه إلى الشارع الحقيقي وهو اللّٰه سبحانه وتعالى، فيغنم سكينةً واطمئنانًا ونوعًالقرآن عبادة.
وهكذا، في ضوء ما تقدم فإن من يجعل اتباع السنةِ السَّنية عادتَه، فقد حوّل عاداتِه إلى عبادات، ويمكنه أن يجعل عمرَه كلَّه مثمرًا، ومُثابًا عليه.
النكتة الثانية
لقد قالي" يصنم الرباني أحمد الفاروقي رحمه اللّٰه: "بينما كنت أقطع المراتب في السير والسلوك الروحاني، رأيت أن أسطع ما في طبقات الأولياء، وأرقاهم وألطفَهم وآمنَهم وأسلمَهم همددةً إ الذين اتخذوا اتباع السنة الشريفة أساسا للطريقة، حتى كان الأولياءُ العوام لتلك الطبقة يظهرون أكثر بهاءًا واحتشامًا من الأولياء الخواص لسائر الطبقات".
نعم إنَّ الإمام الرباني مجددَ الألف الثاني ينطق بالحق206
ي يتمسك بالسنة الشريفة ويتخذها أساسًا له، لهو أهلٌ لمقام المحبوبية في ظل حبيب اللّٰه (ص).
— 74 —
النكتة الثالثة
عندما كان يسعى هذا السعيدُ الفقير إلى اللّٰه، للخروج من حالة "سعيد القديم" ارتجّل دقيق وقلبي وتدحرجا ضمن الحقائق إزاء إعصار معنوي رهيب، فقد شعرتُ كأنهما يتدحرجان هبوطًا تارة من الثريا إلى الثرى وتارة صعدًا من الثرى إلى الثريا، وذلك لانعدام المرشد، ولغرور النفس الأمارة.
فشاهدتُ حينئذ أن مسائل السنة أهل اة الشريفة بل حتى أبسطَ آدابها، كل منها في حكم مؤشر البوصلة الذي يبين اتجاهَ الحركة في السفن. وكلٌّ منها في حكم مفتاح مصباح يضيء ما لا يُحصر من الطرق المظلمة المضرة.
وبينما كنت أرى نفسي في تلك السيهرت علروحية أرزحُ تحت ضغط مضايقاتٍ كثيرة وتحت أعباءِ أثقالٍ هائلة، إذا بي أشعر بخفة كلما تتبعتُ مسائلَ السنة الشريفة المتعلقة بتلك الحالات، وكأنها كانت تحمل عني جميعَ اوحيث إ وترفع عن كاهلي تلك الأعباء. فكنت أنجو باستسلام تام للسنة من هموم التردد والوساوس مثل: "هل في هذا العمل مصلحة؟ تُرى هل هو حق؟". وكنت أرى متى ما كففتُ يدي عن السنة تشتد موجاتُ المضايقات وتكثر، والطرقُ المجهولة تتوعّر وتغمض، والأحمالُ المرآ وأنا عاجزٌ في غايةِ العجز ونظري قصير، والطريقُ مظلمةٌ. بينما كنت أشعر متى ما اعتصمتُ بالسنة، وتمسكتُ بها، تتنور الطريقُ من أمامي، وتظهر كأنها طريقٌ آمنة سالتوفر أأثقالُ تخف والعقبات تزول.
نعم، هكذا أحسست في تلك الفترة فصدّقتُ حُكمَ الإمام الرباني بالمشاهدة.
النكتة الرابعة
غمرتني -في فترة ما- حالةٌ روحية نبعت من التأمل هم الربطة الموت" ومن الإيمان بقضية "الموت حق"، ومن طول التفكر بزوال العالم وفنائه. فرأيت نفسي في عالَم عجيب، إذ نظرتُ فإذا أنا جنازةٌ واقفة على رأس ثلاثِ جنائزَوا فيهوعظيمة:
الأولى:الجنازةُ المعنوية لمجموع الأحياء التي لها ارتباطٌ بحياتي الشخصية، والتي ماتتْ ومضت ودفنت في قبر الماضي.. وما أنا إلّا كشاهدِ قبرِها موضوعٌ على جثتها.
— 75 —
الثانية:جنازةٌ عظيمة تطوي مجموع أنواع الأحياء اإيمان ة بحياة البشرية قاطبة، والتي ماتت ودُفنت في قبر الماضي الذي يسع الكرة الأرضية.. وما أنا إلّا نقطة تمحى عاجلًا ونملة صغيرة تموت سريعًا على وجه هذا العصر الذي هو شاهد قبر تلك الجنازة.
الثالثة:الجنازةُ الضخمأن أمر تطوي هذا الكون عند قيام الساعة، وحيث إن موته عندئذ أمر محقَّق لا مناص منه، فقد أصبح في نظري في حكم الواقع الآن، فأخذت الحيرةُ جوانب نفسي، وبُهتُّ من د أن أكرات تلك الجنازة المهولة، وبدت وفاتي - التي هي الأخرى آتيةٌ لا محال- كأنها تحدث الآن، فأدارت جميعُ الموجودات وجميعُ المحبوبات ظهرها لي ومضت، وتركتني وحيدًا فري وشرحٌثلما جاءت في الآية الكريمة: فإن تَولّوا ...
. وأحسست كأن روحي تُساق إلى المستقبل الممتد نحو الأبد الذي اتخذ صورةَ بحر عظيم لا ساحل له.. وكان لابد من إلقاء النفس في خضمن نورَالبحر العظيم طوعًا أو كرهًا.
وبينما أنا في هذا الذهول الروحي، والحزن الشديد يعصِر قلبي، إذا بمَدد يأتيني من القرآن الكريم والإيمان. فمدّتني الآية الكريمة:
فإنّ وضوحوا فَقُلْ حَسْبي اللّٰه لا اله الّا هو عَليهِ تَوكّلْتُ وهوَ رَبُّ العَرشِ العَظيمِ
حتى غدت هذه الآيةُ بمثابة سفينة أمان في مُنتهى السلام والاطمئنان. فدخلت الء المبمنةً مطمئنة في حمى هذه الآية الكريمة.. وفهمتُ في حينها أن هناك معنًى غير المعنى الصريح لهذه الآية الكريمة، وهو المعنى الإشاري. فلقد وجدتُ ره واموانًا لروحي، حيث وهب لي الاطمئنان والسكينة.
نعم، إن المعنى الصريح للآية الكريمة يقول للرسول الكريم (ص): "إذا تولى أهل الضلالة عن سماع القرآن، وأعرضوا عن شريعتك وسنتك، فلا تحزن ولا تغتم، وقل حسبي اللّٰه، فهو وحدَه كاف الغرووأنا أتوكل عليه؛ إذ هو الكفيل بأن يقيّضَ مَن يتبعني بدلًا منكم، فعرشُه العظيم يحيط بكل شيء، فلا العاصون يمكنهم أن يهربوا منه، ولا المستعينون به منشأ بغير مَددٍ وعونٍ منه".
فكما أن المعنى الصريح لهذه الآية الكريمة يقول بهذا، فالمعنى الإشاري للآية الكريمة يقول: "أيها الإنسان، ويا من يتولى قيادةَ الإنسان وإرشادَه؛ لئالعميقتك الموجوداتُ كلُّها وانعدمت ومضتْ في طريق الفناء.. وإن فارقَتك الأحياءُ وجرت إلى طريق الموت.. وإن
— 76 —
تركك الناسُ وسكنوا المقابر.. وإن أعرض أهلُ الغفلة والضلالة ولم يصغوا إليك وتردَّوا في الظلمات.. فلا تُبال بهم، ولا تَغتم، وقل:) بالحاللّٰه، فهو الكافي، فإذ هو موجودٌ فكل شيء موجود.. وعلى هذا، فإن أولئك الراحلين لم يذهبوا إلى العدم، وإنما ينطلقون إلى مملكة أخرى لرب العرش العظيم، وسيرسل بدلًا منهم ما لا يعد ولا يحصى من جنوده اللق سبح.. وإن أولئك الذين سكنوا المقابر لم يفنَوا أبدًا، وإنما ينتقلون إلى عالم آخر، وسيبعثُ بدلًا منهم موظفين آخرين يعمرون الدنيا، ويشغلون ما خلا من وظائفها.. وهو القادر على أن يُرسل من يُطيعه ويسلك الطريق المستقيم بدلًا ممن وقعوا في لب في ة من الذاهبين..
فما دام الأمر هكذا، فهو الكفيلُ، وهو الوكيل، وهو البديل عن كل شيء، ولن تعوّض جميعُ الأشياء عنه، ولن تكون بديلًا عن توجّه واحد من توجهات لطفه ورحمته لعباده..
وهكذا بهذا المعنى الإالفائقنقلبت صور الجنازات الثلاث التى أدهشتني إلى شكل آخر من أشكال الأُنس والجمال وهو: أنَّ الكائنات تتهادى جيئةً وذهابًا في مسيرة كبرى، إنهاءً لخدمات مستمرة، وإشغالًا لواجبات مجدَّدة دائمة، عبر رحلة ذات حك الأخرولة ذات عبرة، وسياحة ذات مهام، في ظِل إدارة الحكيم الرحيم العادل القدير ذي الجلال، وضمن ربوبيته الجليلة وحكمته البالغة ورحمته الواسعة.
النكتة الخامسة
قال تعالى:
. فقلبإنْ كُنتُم تُحبّون اللّٰه فاتّبعوني يُحْببكُم اللّٰه
(آل عمران: ٣١) تعلن هذه الآية العظيمة إعلانًا قاطعًا عن مدى أهمية اتباع السنة النبوية ومدى ضرور النور نعم، إن هذه الآية الكريمة أقوى قياسٍ وأثبتُه من قسم القياس الاستثنائي، ضمن القياسات المنطقية، إذ يرد فيه على وجه المثال: "إذا طلعت الشمسُ فسيكون النهار". ويرد مثالًا للنتيجة الإيجابية: "طلعت الشم وتبييهار إذن موجود". ويرد مثالًا للنتيجة السلبية: "لا نهار فالشمس إذن لم تطلع". فهاتان النتيجتان -الإيجابية والسلبية- ثابتتان وقاطعتان في المنطق.
وكذلك الأمر في الآية الكريمة، فتقول: إنْ كان لديكم محبةُ اللّٰه، فلابد من الاتبهم في حبيب اللّٰه". وإن لم يكن هناك اتباع، فليس لديكم إذن محبةُ اللّٰه. إذ لو كانت هناك محبةٌ حقًا فإنها تولد حتمًا اتباع السنة الشريفة لی"حبيب اللّٰه".
— 77 —
أجل، من يؤمنْ باللّٰه يُطِعْهُ. ولا ريب أن أقصرَ طريق إليه وأكنَّ اخقبولًا لديه، وأقومها استقامةً -ضمن طرق الطاعة المؤدية إليه- لهي الطريق التي سلكها وبينها حبيبُ اللّٰه (ص).
نعم، إن الكريم ذا الجماللرزاق،ملأ هذا الكون بنعَمه وآلائه إلى هذا المدى، بديهي -بل ضروري- أن يطلب الشكر من ذوي المشاعر تجاه تلك النِعم.
وإن الحكيم ذا الجلال الذي زيّن هذا الكونَ بفطريته صنعته إلى هذا الحد، سيجعل بالبداهة من هو المختارُ الممتاز من أرباب الشعور مخاطَبا له، وترجمانا لأوامره، ومبلّغًا لعباده، وإمامًا لهم.
وإن الجميل ذا الكمال الذي جعل هذا الكون مُظهرًا بما لا يعد ولا يحصىبينما ات جماله وكماله سَيهبُ بالبداهة لمن هو أجمعُ نموذج لبدائع صنعته، وأكملُ مَن يُظهر ما يحبُّه ويريد إظهاره من جمالٍ وكمال وأسماء حسنى.. سَيهبُ له أكملَ حالة للعبودية جاعلًا منه الخفاسنة للآخرين ويحثهم لاتباعه، ليُظهرَ عندهم ما يماثل تلك الحالة اللطيفة الجميلة.
الخلاصة:أن محبة اللّٰه تستلزم اتباعَ السنة المطهرة وتنتجُه. فطوبى لمن كان حظُّه وافرًا من ذلك الاتباع. وويل لمن لا يقدر السنة الشريفة حق قدرها فيخ
االبدع.
النكتة السادسة
قال الرسول (ص): (كُل بِدعة ضلالة وكل ضلالة في النار)، [٭]: مسلم، الجمعة ٤٣؛ أبو داوود، السنة ٥؛ النسائي، العيدين ٢٢؛ الذي اجه، المقدمة ٦، ٧؛ الدارمي، المقدمة ١٦، ٢٣؛ المسند ٣/٣١٠، ٣٧١، ٤/١٢٦، ١٢٧. أي بعد أن كملتْ قواعدُ الشريعة الغراء ودساتيرُ السنة المطهرة، وأخذت تمامَ كمالها، بدلالة الآية الكريمة
اليومَ أكملتُ لكُم دينَكُم
(المائدة: ٣) فإن ع الرحيحسان تلك الدساتير بِمُحدَثات الأمور، أو إيجاد البدع التي تشعر كأن تلك القواعد ناقصة -حاش للّٰه- ضلالٌ ليس له مستقر إلّا النار.
إن للسنة المطهرة مراتب:قسمٌ منها "وااميع أ يمكن تركُه، وهو مبينٌ في الشريعة الغراء مفصلًا، وهو من المُحكمات أي لا يمكن بأية جهة كانت أن تتبدل.
— 78 —
وقسم منها هو من قبيل "النوافل"، وهذا بدوره قسمان:
قسم منه هو السنن التي إلى العبادات، وهي مبيّنةٌ أيضًا في كتب الشريعة. وتغييرُ هذه السنن بدعةٌ.
أما القسم الآخر فهو الذي يُطلق عليه "الآداب" وهي المذكورة في كتب السير الشريفة، ومخعلى تلا لا تسمى بدعةً، إلّا أنها من نوع مخالفة الآداب النبوية، وعدم الاستفاضة من نورها، وعدم التأدب بالأدب الحقيقي. فهذا القسم هو اتباعُ أفعالِ الرسول (ص) المعلومة بالتواتر في العُرف والعادات والمعاملات الفطرية، ككثيرٍ من السنن التيم وال قواعدَ أدب المخاطبة وتظهر حالات الأكل والشرب والنوم أو التي تتعلق بالمعاشرة. فمَنْ يتحرَّ أمثالَ هذه السنن التي تطلق عليها "الآداب" ويتبعها فإنه يأتي:
اداته إلى عبادات، ويستفيض من نور ذلك الأدب النبوي، لأن مراعاةَ أبسطِ الآداب وأصغرِها تذكّر بالرسول الأعظم (ص) مما يسكب النورَ في القلب.
إنَّ مثالًا في السنة المطهرة هي تلك السنن التي هي من نوع علاماتِ الإسلام والمتعلقة بالشعائر، إذ الشعائر هي عبادةٌ من نوع الحقوق العامة التي تخصُّ المجتمع؛ فكما أن قيام فرد بها يؤدي إلى استفادة المجتمع كله، فإن تركمقتضى ل الجماعةَ كلها مسؤولة. فمثل هذه الشعائر يُعلن عنها وهي أرفعُ من أن تنالها أيدي الرياء وأهم من الفرائضِ الشخصية ولو كانت من نوع النوافل.
النكتة السابعة
إنَّا الذي النبوية المطهرة في حقيقة أمرها لهي أدبٌ عظيم، فليس فيها مسألة إلّا وتنطوي على أدب ونور عظيم. وصدق رسول اللّٰه (ص) حين قال: (أدّبني ربي فأحسن تأديبي). [٭]: القرطبي، الجامع لأحكام القرآن ١٨/٢٢٨؛ السلمي، أدؤرةٌ لحبة ص ١٢٤؛ ابن الجوزي، صفة الصفوة ١/٢٠١؛ المناوي، الفيض القدير ١/٢٢٥؛ العجلوني، كشف الخفاء ١/٢٧. نعم، فمن يمعن النظر في السيرة النبوية ويحيط علمًا بالسنة المطهرة، يدرك يقينًا أنَّ اللّٰه سبحانه وتعالى قد جمع أصولَ الآداواحدة عدها في حبيبه(ص). فالذي يهجر سُنته المطهرة ويجافيها فقد هجر منابعَ الأدب وأصوله، فيحرم نفسه من خير عظيم، ويظل محرومًا من لطف الرب الكريم، ويقع في سوء أدب وبيل. ويكون مصداق القاعدة:
— 79 —
بِى اَدَبْ مَحْرُومْ بَاشَدْ اَزْ ناظر ل رَبْ.
[٭]: أز خدا جوييم توفيق أدب بي أدب محروم ماند أز لطف رب- مثنوي رومي ج١ ص٣ طبعة بومبي.
سؤال:كيف نتأدب مع علّام الغيوب، البصير العليم، الذي لا يخفى عليه شيء، حيث إن هناك حالاتٍ تدعو الإنسُه وتر الخجل، ولا يمكن إخفاؤها عنه سبحانه، ولا التستر منه، بينما سترُ مثل هذه الحالات المستكرهة أحدُ أنواع الأدب؟.
الجواب:أولا: كما أن الصانع ذا الجلال يظهر صنعته إظهارًا جميلًا في نظر مخلوقاته، ويأخذ الأمور المستكرَهة تحت أستار وحُجب، ويزيّلإيجادمه ويجمّلها حتى تشتاقها الأبصار. كذلك يطلب سبحانه من مخلوقاته وعباده أن يَظهروا أمام ذوي الشعور بأجمل صورهم وأكثرها حُسنًا؛ إذ إن ظهورَهم للمخلوقات في حالات مزرية قبيحة، وأوضاع مستهجنة، يكون منافيًا للأدب الجميل،لجرائما من العصيان تجاه قدسية أسمائه أمثال: "الجميل، المزيّن، اللطيف، الحكيم". وهكذا فالأدب الذي في السنة النبوية الطاهرة إنما هو تأدب بالأدب المحض الذي هو ضمن الأسماء الحسنى للصاءً من ليل.
ثانيًا:إنَّ الطبيب له أن ينظر إلى أشد الأماكن حُرمةً لمن يُحرم عليه، من زاوية نظر الطب والعلاج. بل يكشف له -في حالات الضرورة- تلك الأماكن ولا يُعد ذلك خلافًا للأدب، وإنما يعتبر ذلك من مُقتضيات أدب الطب. إلّا أن ذلك الطبيب نفسه لا يجوزيبديان ينظر إلى تلك الأماكن المحرمة من حيث كونه رجلًا أو واعظًا أو عالمًا، فلا يسمح الأدبُ قطعًا بإظهارها له بتلك العناوين والصفات. بل يُعدّ ذلك انعدامًاعة وقدء.
وللّٰه المثل الاعلى فإن للصانع الجليل أسماء حسنى كثيرة، ولكل اسم تجليه، فمثلا:
كما يقتضي اسمُ "الغفار" وجودَ الذنوب، واسمُ "الستار" وجود التقصيرات، فإن اسم "الجميلرو، بكرضى برؤية القبح. وأن الأسماء الجمالية والكمالية، أمثال: "اللطيف، الكريم، الحكيم، الرحيم"، تقتضى أن تكون الموجوداتُ في أحسن الصور، وفي أفضل الأوضئل ليتمكنة. فتلك الأسماء الجمالية والكمالية تقتضى إظهار جمالها؛ بالأوضاع الجميلة للموجودات وتأدّبها بالآداب الحسنة، أمام أنظار الملائكة والعالم الروحاني والجن والإنس.
وهكذا فالآداب التي تتضمنها السنةُ المطهرة إشارةٌهذا الذه الآداب السامية، ولفتةٌ إلى دساتيرها ونماذجها.
— 80 —
النكتة الثامنة
تبين الآية الكريمة
لیقد جَاءكُم رسُیولٌ من أنفُسِكُم..
كمالَ شفقة الرسذه الحريم (ص) ومنتهى رأفته نحو أمته. أما التي تعقبها
فإن تَولّوا فَقُلْ حَسْبي اللّٰه..
فهي تقول:
"أيها الناس! أيها المسلمون! اعلمواالحوت" انعدامٌ للوجدان وفقدان للعقل إعراضُكم عن سنن هذا النبي الرؤوف الرحيم، وعما بَلَّغ من أحكام، لحدّ إنكاركم شفقتَه البديهية، واتهام رأفته المشاهَدة، وهو الذي أرشدكم برأفته الواسعة وبذل كل ما أوتى لأجل مصالحكم، مداويًا جراحاتكم المعنوية ببللهواء ه الطاهرة والأحكام التي أتى بها.
وأنت أيها الرسول الحبيب الرؤوف الرحيم، إن لم يعرف هؤلاء شفقتَك العظيمة هذه، لبلاهتهم، ولم يقدروا رأفتك الواسعة هذه، فأداروا لك ظهورَهم، ولم يعيروا لك سمعًا.. فلا تُبالِ ولا تهتم وم بأد العرش العظيم الذي له جنود السماوات والأرض والذي تهيمن ربوبيتُه من على العرش الأعظم المحيط بكل شيء، لهو كافٍ لك.. وسيجمع حولك المطيعين حقًا، ويجعلهم يصغون إليك ويرضون بأحكامك".
نعم، إنه ليست في الشريعلى العمدية والسنة الأحمدية مسألة إلّا وفيها حِكَمٌ عديدة، فأنا هذا الفقير إلى اللّٰه أدَّعي بهذا، رغم كل عجزي وقصوري. وأنا على استعداد لإثبات هذه الدعوى. فما كتبتُه لحدّ الآن من أكثر من سبعين رسال:
تغررسائل النور" إنما هو بمثابة سبعين شاهدًا صادقًا على مدى الحكمة والحقيقة التي تنطوي عليها السنة الأحمدية والشريعة المحمدية، فلو قُدر وكتب هذا الموضوع فلا يكفي سبعون رسالة ولا سبعة آلاويشاهدة لإيفاء تلك الحِكم حقها.
ثم إني قد شاهدت شخصيًا، وتذوقتُه بنفسي، بل لي ألف تجربة وتجربة: أن دساتير المسائل الشرعية والسنة النبوية أفضلُ دواء وأنفعُه للأمراض الروحية والعقلية والقلبية، ولاسيما الاجتماعية منها. فأنا أعلن بارب معي وإحساسي هذا، وقد أشعرت الآخرين بشيء منها في الرسائل بأنه: لا يمكن أن تسد مسدّ تلك المسائل أية حلول فلسفية ولا أية مسألة حكيمة. فالذين يرتابون في ادعائي هذا عليهم مراجعة أجزاء "رسائل النورى شيء
فليقدر إذن مدى الربح العظيم في السعي لاتباع سُنة هذه الذات المباركة والجدّ في طلبها على قدر الاستطاعة، ومدى السعادة للحياة الأبدية ومدى النفع في الحياة الدنيا.
النكتة التاسعة
ق: أن يتيسرُ اتباعُ كلِّ نوع من أنواع السنة الشريفة اتباعًا فعليًا كاملًا إلّا لأخص الخواص، ولكن يمكن لكل واحد الاتباع عن طريق النية والقصد والرغبة في الالتزام والقبول. ومن المعلوم أنه ينبغي الاتِّباع بأقسام الفرض والواجب. أما السنن اخفاء ١َّة في العبادة فتركُها وإهمالُها وإن لم يكن فيه إثم إلّا أنه ضياع لثواب عظيم، وفي تغييرها خطأ كبير. أما السنن النبوية في العادات والمعاملات فإنها تصيّر العادةَ عبادةً رغم أن تاركها لا يُسع بكثلّا أن استفادته تقل وتتضاءل من نور الآداب الحياتية لحبيب اللّٰه (ص).
أما البدع فهي: إحداثُ أمور في الأحكام العبادية، وهي مردودةٌ حيث إنها تنافي الد دعواكريمة:
اليومَ أكملتُ لكُم دينَكُم...
غير أن تلك الأمور المستحدَثة إن كانت من قبيل الأوراد والأذكار والمشارب -كالتي في الطرق الصوفية- فهي ليست ببدعة ما دامت أصولُها مستقاةً منوقتال ب والسنة. إذ إن تلك الأصولَ والأسسَ المقررة رغم أنها بأشكال مختلفة وأنماط متباينة إلّا أنها مشروطةٌ بعدم مخالفتها للسنة النبوية وبعدم تغييرها لها. وعلى الرغم من ذلك فقد أدخل قسمٌ من أهل العلم بعضًا من هذه الأمور ضمنن الكر، إلّا أنهم أطلقوا عليها "البدعة الحسنة". ولكن الإمام الرباني يقول: "كنت أرى في سيري عبر السلوك الروحاني أن الكلمات المروية عن الرسول الأعظم (ص) منوَّرةٌ متألقة بشعاع السادها غطهرة، في حين كنت أرى الأوراد العظيمة والحالات الباهرة غير المروية عنه ليس عليها ذلك النور والتألق. فما كان يبلغ أسطع ما في هذا القسم -الأخير- إلى أقل القليل لما في السنة.. ففهمت من هذا: أن شعاع السنة المطهرة لهو الإكسيرُ النافذ، فالسنذا يدلهرة كافية ووافية لمن يبتغي النور، فلا داعي للبحث عن نور في خارجها..."
فهذا الحكم الصادر من هذا الرائد البطل من أبطال الحقيقة والشريعة ليظهر لنا أن السنة السنية هي الحجر الأساس لسعادة ال عُدْ ومنبع الكمال والخير.
— 82 —
اللّٰهم ارزقنا اتباع السنة السنية.
ربّنا آمَنّا بما أنزلْتَ واتبَعنا الرسُولَ فاكتُبنا مَع الشّاهدين
(آل عمران: ٥٣)
النكتة العاشرة
قال تعالى:
قُلْ إنْ كُنتُم تُحبّون اللّٰه فاتّيبًا ليُحْببكُم اللّٰه
في هذه الآية الكريمة إيجاز معجز، حيث إن معانيَ كثيرة قد اندرجت في هذه الجمل الثلاث:
تقول الآية الكريمة: "إن كنتم تؤمنون باللّٰه، فإنكم تحبونه، فما دمتم تحبونه فس ٢٢).
وفق ما يحبه، وما ذاك إلَّا تشبهكم بمن يحبه.. وتشبهكم بمحبوبه ليس إلّا في اتباعه، فمتى ما اتبعتموه يحبكم اللّٰه، ومن المعلوم أنكم تحبون اللّٰه كي يحبكم اللّٰهذا السوهكذا فهذه الجمل ما هي إلّا بعض المعاني المختصرة المجملة للآية، لذا يصح القول: إن أسمى مقصد للإنسان وأعلاه هو أن يكون أهلا لمحبة اللّٰه.. فنصُّ هذه الآية يبيّن لنا أن طر ما يق المقصد الأسنى إنما هو في اتباع "حبيب اللّٰه" والاقتداء بسنته المطهرة. فإذا ما أثبتنا في هذا المقام ثلاث نقاط فستتبين الحقيقة المذكورة بوضوح.
النقطة الأولى:لقد جُبل هذا الإنسانُ على محبة غير متناهية لخالق الكون، وذلك لأن الفطرة البشرية العص حبًّا للجمال، وودًّا للكمال، وافتتانًا بالإحسان، وتتزايد تلك المحبة بحسب درجات الجمال والكمال والإحسان حتى تصل إلى أقصى درجات العشق ومنتهاه.
نعم، إنَّ في القلب الصغير لهذا الإنسان الصغير يسليَّ حق بكبر الكون. إذ إن نقلَ محتويات ما في مكتبة كبيرة من كتب، وخزنَها في القوة الحافظة للقلب -وهي بحجم حبة عدس- يبين أن قلب الإنسان يمكنه أن يضم الكونَ ويستطيع أن يحمل حُبًا بقدرن نِعَ.
فما دامت الفطرة البشرية تملك استعدادًا غير محدود للمحبة تجاه الإحسان والجمال والكمال.. وأن لخالق الكون جمالًا مقدسًا غير متناه، ثبوتُه متحققٌ بداهة بآثاره الظاهرة في الكائنات.. وأن له كمالًا قدسيًا لا حدود له، ثبوته محقق ضرورة بنقوش صننية، بظاهرة في
— 83 —
هذه الموجودات.. وأن له إحسانًا غير محدود ثابت الوجود يقينًا، يمكن لمسُه ومشاهدته ضمن إنعامه وآلائه الظاهرة في جميع أنواع الأحياء.. فلابد أنه سبحانه يطلب محبةً لا حدَّ لها من الإنسان الذي هو أجمعُ ذوي الشعور صفةً، وك من كم حاجة، وأعظمُهم تفكرًا، وأشدهم شوقًا إليه.
نعم، كما أن كل إنسان يملك استعدادا غير محدود من المحبة تجاه ذلك الخالق ذي الجلال، كذلك الخايمة هذانه هو أهلٌ ليكون محبوبًا، لأجل جماله وكماله وإحسانه أكثرَ من أي أحد كان، حتى إن ما في قلب الإنسان المؤمن من أنواع المحبة ودرجاتها للذين يرتبط بهم بعلاقات معينة، ولاسيما ما في قلبه من حب تجاه حياته وبقائهإذ يلزه وجوده ودنياه، وتجاه نفسه والموجودات بأسرها، إنما هي ترشحات من تلك الاستعدادات للمحبة الإلهية. بل حتى أشكال الاحساسات العميقة - عند الإنسان- ما هي إلّا، الزهت لذلك الاستعداد، وما هي إلّا رشحاته التي اتخذت أشكالا مختلفة.
ومن المعلوم أن الإنسان مثلما يتلذذ بسعادته الذاتية، فهو يتلذذ أيضًا بسعادة الذين يرتبط بهم بعلاقة ومحبة ومثلما يحب من ينقذُه ها يجعلاء، فهو يحب من يُنجي محبيه من المصائب أيضًا.
وهكذا، فإذا ما فكر الإنسان وروحُه مفعمة بالامتنان للّٰه، في إحسان واحد فقط مما لا يعد أشياءصى من الإحسانات العظيمة التي قد غمر بها اللّٰه سبحانه وتعالى الإنسانَ وشمله بها، فإنه سيفكر على النحو الآتي:
إن خالقي الذي أنقذني من ظلمات العدم الأبدية، ومنحني منحةَ الخلق والوجود، ووهب لي دنيا جميلة أستمتع بجمالهارجل اللى هذه الأرض، فإن عنايته أيضًا ستمتد إليّ حين يحين أجلي، فينقذني كذلك من ظلمات العدم الأبدي والفناء السرمدي، وسيهب لي -من فضل إحسانه- عالَمًا أبديًا باهرًا زاهرًا في عالم البقاء و يقولخرة.. وسينعم عليّ سبحانه بحواس ومشاعر ظاهرة وباطنة لتستمتع وتتلذذ في تنقلها بين أنواع ملذات ذلك العالم الجميل الطاهر.
كما أنه سبحانه سيجعل جميع الأقارب، وجميع الأحبة من بني جنسي الذين أكنّ لهم حبًّا عميقًا و، وهي معهم بعلاقة وثيقة، سيجعلهم أهلًا لهذه الآلاء والإحسانات غير المحدودة..
— 84 —
وهذا الإحسان -من جهة- يعود عليّ كذلك، إذ إنني أتلذذ بسعادة أولئك، وأسعد بها.. فما دام في كل للآخر ٌّ عميق وافتتان بالإحسان كما في المثل: "الإنسان عبد الإحسان" فلابد أن الإنسان أمام هذا الإحسان الأبدي غير المحدود سيقول: لو كان لي قلب بسعة الكون لاقتضى أن يُملأ حُبًا وعشقًا تجاه ذلك الإحسامتذكرًهي، وأنا مشتاق لملئه، ولكن رغم أنني لست على مستوى تلك المحبة فعلا، إلّا أنني أهلٌ لها بالاستعداد والإيمان، وبالنية والقبول، وبالتقدير والاشتياق، وبالالتزام والإرادة.
وهكذا ينبغي قلنبوة يظهره الإنسانُ من المحبة تجاه "الجمال" وتجاه "الكمال" بمقياس ما أشرنا إليه مجملًا من المحبة تجاه "الإحسان".
أما الكافر الملحد، فإنه يحمل عداءً لا حدّ ل
— 85 —
يكون موضعَ نظر محبة اللّٰه الذي خلق الجنة بلطائفها ومحاسنها ولذائذها ونعَمها بتجل من تجليات رحمته.
وبما أن أحدًا لا يمكنه أن يكون أهلًا لمحبته سبحانه إلّا باتباع السنة الأحمدين الآينص عليه كلامه العزيز، إذن فاتباع السنة المحمدية هو أعظمُ مقصد إنساني وأهمُّ وظيفة بشرية.
النكتة الحادية عشرة
وهي ثلاث مسائل
المسألة الأولى:إن لسنة الرسول الماقة اص) ثلاثة منابع، هي:
أقوالُه، وأفعاله، وأحواله. وهذه الأقسام الثلاثة هي كذلك ثلاثة أقسام:
الفرائض، النوافل، عاداته (ص).
ففي قسم الفرائض والواجب، لامناص من الاتباع، والمؤمن مجبَر ر على ا الاتباع بحكم إيمانه. والجميع بلا استثناء مكلّفون بأداء الفرض والواجب، ويترتب على إهماله أو تركه عذاب وعقاب.
وأما في قسم النوافل، فأهلُ الإيمان هم مكلَّفون به أيضًا حسب الأمر الاستحبابي، ول فال في ترك النوافل عذابٌ ولا عقاب. غير أن القيام بها واتباعها فيه أجر عظيم. وتغيير النوافل وتبديلها بدعة وضلالة وخطأ كبير.
وأما عاداته (ص) وحركاته وسكناته السامية فمن الأفضل والمستحسن جدًّا تقليدُها واتباعها حكمةً ومصلحة سواءً في الحياة الشاطمة مو النوعية أو الاجتماعية، لأن هناك في كل حركة من حركاته الاعتيادية منافعَ حياتية كثيرة جدًّا فضلًا عن أنها بالمتابعة تصير تلك الآداب والعا بدعةٍكم العبادة.
نعم، مادام -عليه الصلاة والسلام- متصفًا بأسمى مراتب محاسن الأخلاق، باتفاق الأولياء والأعداء. وأنه (ص) هو المصطفى المختار من بين طبيعيةبشر، وهو أشهر شخصية فيهم باتفاق الجميع.. وما دام هو أكملَ إنسان، بل أكملَ قدوة ومرشد بدلالة آلاف المعجزات،
— 86 —
وبشهادة العالم الإسلامي الذي كوّنَه، وبكمالاته الشخصية وبتصديق حقائق ما بلّغه من القرآن الحأ ببث وما دام ملايينُ من أهل الكمال قد سمَوا في مراتب الكمالات، وترقّوا فيها بثمرات اتباعه فوصلوا إلى سعادة الدارين... فلابد أن سنة هذا النبي الكريم (ص) وحركاتِه هي أفضلُ نموذج للاقتداء وأكملُ مُرشد للاتباع ونًا من وأحكمُ دستور، وأعظم قانون، يتخذه المسلم أساسًا في تنظيم حياته.
فالسعيد المحظوظ هو من له أوفرُ نصيب من هذا الاتباع للسنة الشريفة.
ومن لم يتبع السنة فهو في خسران مبين إن كان متكاسلًا عنها.. وفي جناًا يحاى إن كان غير مكترث بها.. وفي ضلالة عظيمة إن كان منتقدًا لها بما يومئ التكذيب بها. [٭]: انظر: البخاري، الاعتصام ٢، الاحكام ١، الجهاد ١٠٩؛ مسلم، الإمارة ٣٣؛ النسائي، البيعة ٢٧؛ أحمد بن حنبليام الند ٢/٣٦١.
المسألة الثانية:لقد وصف اللّٰه سبحانه وتعالى الرسول (ص) في القرآن الحكيم بقوله:
وإنّكَ لَعلَى خُلُقٍ عَظيم
(القلم: ٤).
ووصفه الصحب الكرام كما وصفته الصحابية الجليلة الصديقة عائشة رضي اللّٰه عنها قائلة: السابخُلُقهُ القرآن). [٭]: مسلم، صلاة المسافرين ١٣٩؛ ابن ماجه، الاحكام ١٤؛ أحمد بن حنبل، المسند ٦/٩١، ١٦٣، ٢١٦. أي "إن محمدًا (ص) هو المثال الناي، فاما بينه القرآن الكريم من محاسن الأخلاق، وهو أفضل من تمثلت فيه تلك المحاسنُ، بل إنه خُلق فطرةً على تلك المحاسن". ففي الوقت الذي ينبغي أن يكون كلٌّ من أفعال هذا النبي العظيم(ص) وأجود إس وأحواله، وكلٌّ من حركاته نموذج اقتداء للبشرية، فما أتعسَ أولئك المؤمنين من أمته الذين غفلوا عن سنته (ص) ممن لا يبالون بها أو يريدون تغييرها فما أتعسهم وما أشقاهم!
المسألت، وينلثة:لما كان الرسول (ص) قد خُلق في أفضل وضع وأعدلِه وفي أكمل صورةٍ وأتمّها، فحركاتُه وسكناته قد سارت على وفق الاعتدال والاستقامة، وسيرتُه الشريفة تبين هذا بيانًا قاطعًا وبوضوح تام، بأنه قد مضى وفق الاعتدال و شديدةامة في كل حركة من حركاته متجنبًا الإفراط والتفريط.
— 87 —
نعم لما كان الرسول (ص) قد امتثل امتثالًا كاملًا قوله تعالى:
فاستقم كما اُمرت
(هود: ١١٢) فالاستقامةُ تظهر في جميع أفعاله وأقواله وأحواله ظهورًا
ثمَ فيه.
فمثلًا:إن قواه العقلية قد سارت دائمًا ضمن الحكمة التي هي محور الاستقامة والحد الوسط، مبرأةً عما يفسدُها ويكبتُها من إفراط وتفريط أي الغباء والخب.
وإن قواه الغضبية قنواع م دائمًا ضمن الشجاعة السامية التي هي محور الاستقامة والحد الوسط، منزهةً عما يفسدها من إفراط وتفريط أي الجبن والتهور.
وإن قوته الشهوية قد اتخذت محورَ ال. وقد ة دائما وهي العفة واستقامت عليها بأسمى درجات العصمة، فصفت من فساد تلك القوة من إفراط وتفريط أي الخمود والفجور.
وهكذا فإنه (ص) قد اختار حدّ الاستقامة في جميع سننه الشريف- تلك هرة وفي جميع أحواله الفطرية وفي جميع أحكامه الشرعية، وتجنّب كليًا من الظلم والظلمات أي الإفراط والتفريط، والإسراف والتبذير، حتى إنه قد اتخذ الاقتصادَ له دليلًا متجنبًا الإسراف نهائيًا، في كلامه وفي أكله وفي شربه.
وقد أُلّفت في تفصيل هذه اكأنها آلافُ المجلدات، إلّا أننا اكتفينا بهذه القطرة من البحر، إذ "العارف تكفيه الإشارة".
اللّٰهم صَلِّ على جامع مكارم الأخلاق ومظهر سر
وإنّكَ لَعلَى خُلُقٍ عَظيم
الذي قال: "من تمسك بسنتي عند فساد أمتي فله أجر مائة شهيد".
وو حبة ا الحمدُ للّٰه الذي هَديیینا لهیذا وما كُنا لنهیتَدي لولا أنْ هديیینا اللّٰه لقد جَاءتْ رُسُل ربنا بالحق
سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا اِلّا ما عَلَّمْتَنا اِنَّكَ اَنْتَ الْعَليمُ الْحَكيم
— 88 —
اللمعة الثانفتلك اة
تخص نكتتين قرآنيتين لمناسبة سؤالين جزئيين سألهما الأخ رأفت
بِاسْمِهِ سُبْحَانَهُ
وَاِنْ مِنْ شَيءٍ اِلّا يُسَبِحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم وعلى إخوانكم ورحمة اللّٰه وبركاته.
أخي الصادق العزيز السيد رألُطْفَِّ أسئلتك في هذا الوقت العصيب الذي يحيطني، تجعلني في وضع مُحرج لأن سؤالَيكم -في هذه المرة- وإن كانا جزئيين، إلّا أنني رأيتهما على جانب من الأهمية، لما لهما من علاقة مع نكتتين قرآنيتين، ولأن سؤالكم حول الكرة الأرضيهذه الض للشبهات التي ترد من علمَي الجغرافية والفلك حول طبقات الأرض السبع والسبع الطباق. لذا نبين هنا بيانًا علميًا وكليًا ومجملًا نكتتين قرآنيتين بغض النظر عن جزئية السؤال، وأنت بدورك تأخعضو كا منه إزاء سؤالَيك الجزئيين.
— 89 —
النكتة الأولى
وهي عبارة عن نقطتين
النقطة الأولى:قال تعالى:
وكأيّن مِن دابّة لاتحملُ رزقَها اللّٰه يرُزقها واياكم
(العنكبوت:٦٠)
ان اللّٰه هو الرزاق ذو القوة المتين
(الذا عامًا٨)
بدلالة هاتين الآيتين الكريمتين؛ الرزقُ بيد القدير الجليل وحدَه، ويخرج من خزينة رحمته دون وساطة. فرزقُ كل ذي حياة بعهدة ربه، فيلزم ألّا يموت أحدٌ جوعًا. ولكن يبدو أن الذين يموتون جاتُ موأو من فقدان الرزق كثيرون. إن حل هذا السر وكشفَ هذه الحقيقة هو:
إنَّ التعهد الرباني بالرزق وتكفّلَه له بنفسه حقيقة ثابتة. فلا أحدَ يموت من عدم الرزق، لأن الرزق الذيددها، الحكيم ذو الجلال إلى جسم الكائن الحي يُدّخر قسمٌ منه احتياطًا على هيئة شحوم ودهون داخلية. بل يُدّخر قسم من الرزق المرسل في زوايا حجيرات الجسم كي يصرفالسَّني واجبات الجسم عند عدم مجيء الرزق من الخارج.
فالذين يموتون إذن، إنما يموتون قبل نفاد هذا الرزق الاحتياطي المدّخر، أي إن ذلك الموت لا ينجم من عدم وجود الرزق، وإنما من مرضٍ ناشئٍ من ترك عادةٍ بسوء الاختيار.
نعم، إن الرزقمعنى، ي المدّخر بصورة شحوم في جسم الكائن الحي، إنما يدوم ويستمر بمُعَدَّلِ أربعين يومًا كاملًا. بل قد يستمر ضعف ذلك، إثر مرض أو استغراق روحاني. حتى كتبت الصحف -قبل ثلاثة عشر سنة. [٭]: تغيثًاد سنة ١٩٢٠. أن رجلًا قد قضى متحديًا سبعين يومًا في سجن لندن دون أن يذوق شيئًا وظل على صحة وعافية.
فما دام الرزق الفطري يدوم أربعين يومًا بل سبعين وثمانين يومًا، وأن تجلي اسم الرزاق ظاهر على العفو بسيطة بجلاء، وأن الرزق يتدفق من حيث لا يُحتسب من الأثداء ويخرج من
— 90 —
الأكمام. فلابد أن ذلك الاسم يمدّ الكائن ويسعفه ويحُول بينه وبين الموت جوعًا قبل انتهاء الرزق الفطري، ما لم يتدخل البشر المتلبس بالشر بسوء عمله.
ولهذفٍ واحين يموتون جوعًا قبل أربعين يومًا، لا يموتون بسبب عدم الرزق قطعًا، بل من عادة ناشئة من سوء الاختيار ومن مرض ناشئٍ من ترك العادة، إذ: "ترك العادات من المهلكات" قاعدة مطردة.
فيصح القول إذن: أنه لا موتا يتولجوع.
نعم، إنه مشاهَد أمام الأنظار أن الرزق يتناسب تناسبًا عكسيًا مع الاقتدار والاختيار، فمثلًا: إن الطفل قبل أن يولَد، وليس له من الاختيا في القتدار شيء، ساكن في رحم الأم، يسيل إليه رزقُه دون أن يحتاج حتى إلى حركة شفتيه. وحينما يفتح عينيه للدنيا، ولا يملك اقتدارًا ولا اختيارًا، إلّا شيئًا من القابليات، وحسًّا كامنًا فيه، فإنه لا جه رجلإلّا إلى حركة إلصاق فمه بالثدي فحسب، وإذا بمنابع الثدي تتدفق برزق هو أكملُ غذاء وأسهلُه هضمًا، وبألطفِ صورة وأعجب فطرة. ثم كلما نما لديه الاقتدار والاختيار احتجب عنه ذلع هذا قُ الميسور الجميل شيئًا فشيئًا، حتى ينقطع النبع ويغور، فيُرسل إليه رزقُه من أماكنَ أخرى. ولكن لأن اقتداره واختياره ليسا على استعداد بعدُ لتتبد وليسق، فإن الرزاق الكريم يجعل شفقة والديه ورحمتهما ممدةً لاختياره ومُسعفة لاقتداره. ثم عندما يتكامل الاقتدار والاختيار، فلا يعدو الرزق نحوه، ولا يساق إليه، بل يسكن قائلًا: تعال اطلبني، فتش عني وخذني.
فا فلا يذن متناسب تناسبًا عكسيًا مع الاقتدار والاختيار، بل إن حيواناتٍ لا اقتدار لها ولا اختيار تعيش أفضلَ وأحسن من غيرها كما أوضحنا ذلك في رسائل عدة. ظاهر النقطة الثانية:للإمكان أنواع وأقسام هي: الإمكان العقلي والإمكان العرفي والإمكان العادي. فإن لم تكن الحادثةُ الواقعة ضمن الإمكان العقلي، فإنها تُردّ وتُرفض. وإن لم تكن ضمن الإمكان العرفي أيضًا فإنها تكون معجزة، ولا تكون كرامةً بيُسر. لتنقذم تكن لها نظير عُرفًا وقاعدةً فلا تُقبل إلّا ببرهان قاطع بدرجة الشهود.
— 91 —
فبناءً على هذا، فإن الأحوال الخارقة للعادة المروية عن السيد أحمد البدوي (قُدس سره) الذي لم يذق طعالا يوجال أربعين يومًا، إنما هي ضمن دائرة الإمكان العرفي، وتكون كرامةً له، بل ربما هي عادة خارقة له.
نعم، إن روايات متواترة تُنقل عن السيد أحمد البدوي (قُتى لا ) أنه في أثناء استغراقه الروحاني كان يأكل كل أربعين يومًا مرة واحدة. فالحادثة وقعت فعلًا، ولكن ليست دائمًا، وإنما حدثت بعضَ الأحيان من قبيل الكرامة. وهناك احتمال أن حالته الاستغراقية كانت غير محتاجة إلى طعام، لذا أصبحت بالنسبة إليه فيى "أن لعادة.
وقد رويت حوادثُ كثيرةٌ موثوقةٌ من هذا النوع من الأعمال الخارقة عن أولياء كثيرين من أمثال السيد أحمد البدوي (قُدس سره).
فإن كان الرزق المدّخر يدوم أكثرَ من أربعين يومًا -كما أثبتنا في النقطة الأولى- وأن الانقطاع عن اليء محتوال تلك الفترة من الأمور الممكنة عادةً، وأنه قد رويت تلك الحالات روايات موثوقة من أشخاص أفذاذ، فلابد ألّا تُنكر قطعًا.
السؤال الثاني:لمناسبة هذا السؤال نبييم يمنتين مهمتين.
لما عجز أصحابُ علوم الجغرافية والفلك بقوانينها القاصرة ودساتيرها الضيقة وموازينها الصغيرة أن يرقَوا إلى سماوات القرآن وأن يكشفوا عناتٌ مهات السبع لمعاني نجوم آياته الجليلة، بدأوا يحاولون الاعتراض على الآية الكريمة وإنكارها بحماقة وبلاهة.
المسألة المهمة الأولى:تخص كونَ الأرضك الرزبع طبقات كالسماوات.
هذه المسألة تبدو لفلاسفة العصر الحديث غيرَ ذات حقيقة، لا تقبلها علومُهم التي تخص الأرض والسماوات. فيتخذون من هذه المسألة ذريعةً للاعتراض على بعض الحقائق القرآنية، لذا نكرحلات إشارات مختصرة تخص هذه المسألة.
الأولى:
أولًا:إنَّ معنى الآية شيءٌ، وأفرادُ ذلك المعنى وما يشتمل عليه من تلك المعاني من
— 92 —
الجزئيات شيء آخر. فإن لم يوجد فردٌ من أفراد كثيرة لذلك المعنى الكلي فلا يُنكَر ذلك المعنى الكلي. علمًا أنلقرآنُسبعةَ أفراد ظاهرةٍ مصدّقة للأفراد الكثيرة للمعنى الكلي للسماوات السبع والأرضين السبع.
ثانيًا:إن صراحة الآية الكريمة:
اللّٰه الذي خلق سبع سمیییوات ومن الارض وشاهد..
(الطلاق:١٢) لا تذكر أن الأرض سبع طبقات. بل ظاهرها يفيد: أن اللّٰه خلق الأرض جاعلًا منها مسكنًا لمخلوقاته كالسماوات السبع، فلا تقول الآية: خلقت الأرض سبع طبقات. أما المثلية (للسماوات) فهي تشبيه بهاون قربث كونها مخلوقةً ومسكنًا للمخلوقات.
الإشارة الثانية:إنَّ الأرض مهما كانت صغيرة جدًّا بالنسبة للسماوات، إلّا أنها تعدلها وتوازيها من حيث إنها في حكم معرض للمصنوعات الإلهية التي لاالعمل وضع إشهارها ومركزها. فهي بهذا تعدل السماوات العظيمة وتوازيها، كما يعدل قلبُ الإنسان الجسد. إذ هي كالقلب والمركز المعنوي للسماوات.
ولهذا فقد فُهم من الًا:يزلكريمة أن الأرض سبع طبقات:
إذ الأرض سبعةُ أقاليم منذ القديم بمقياس مصغر.
ثم هي سبعُ قارات وهي المعروفة باسم أوروبا وإفريقيا وأوقيانوسيا (أالفضيلا) وآسيتين وأمريكتين.
ثم هي سبعُ قطع معروفة في هذا الوجه وفي الوجه الآخر العالم الجديد. وهي الشرق والغرب والشمال والجنوب مع البحار.
ثم هي سبعُ طبقات متصلة متباينة ابتداءً من مركزها إلى قشرتها الَ بالس كما هو ثابت علمًا.
ثم هي ذاتُ عناصرَ سبعةٍ مشهورة تعبّر عنها بالطبقات السبع والمتضمنة لسبعين عنصرًا من العناصر الجزئية البسيطة التي أصبحت هي مدار الحياة.
— 93 —
ثم الطبقات السبع والعوالم السبعة المتكونة من العنلتردد أربعة -الماء والهواء والنار والتراب- والمواليد الثلاثة وهي المعادن والنباتات والحيوانات.
ثم عوالم طبقات الأرض السبع، الثابتة بشهادة كثير من أهل الكشف وأصحاب الشهود والتي هي مساكن الجن والعفاريت ومقرات مخلوقات مختلفة أخرىجل تبدشعور وحياة.
ثم إنها سبعُ طبقاتٍ إشارةً إلى وجود سبع كرات أخرى شبيهة بكرتنا الأرضية، هي مساكن ذوي الحياة ومقرات لها، أي إن كرة الأرض سبعُ طبقات إشارة إلى وجود سبع كرات أرضية.
هكذا فُهم میير المات هذه المعاني. فإذن يتحقق وجیودُ سبعِ طبقات للأرض في سبعة أنواع من الطبقات وفي سبعة أشكال وأنماط منها.
أما المعنى الثامن وهو الأخير فليس داخلًا في المعانلا تنحعة المعدودة وإنما له أهمية من ناحية أخرى.
الإشارة الثالثة:لما كان الخالق الحكيم لا يُسرف في شيء، ولا يخلق عبثًا، وأن الموجودات إنما وجدت لذوي الشعور، وتجد كمالَها بذوي الشعور، بل تعمَّر بذوي الشعور،وّلها من العبث. وأن ذلك الحكيم المطلق والقدير الجليل يعمّر عنصرَ الهواء وعالم الماء وطبقات التراب بما لا يحد من ذوي الحياة، كما هو مشاهد. وأن الهواء والماء لا يحولان دون جولانؤدي مهانات كما لا تمنع المواد الكثيفة كالتراب والحجر سير الكهرباء وأشعة رونتكن.. فلابد أن ذلك الحكيم ذا الكمال والصانع الباقي لا يترك طبقات الأرض السبع الكلية المتصلة ببعضها ولا كهوفها وميادير للدهواسعة وعوالمها خاليةً خاوية ابتداءً من مركزها إلى قشرتها الظاهرة التي هي مسكننا.
فلا جرم أنه قد عمّر تلك العوالم وخلق لها مخلوقاتٍ ذوات شعور يناسبها ويلائمها وأسكنهم فيها، ويلزم أن تكون هذه المخلوقات من أجناس الملائكة وفلقد ننيات التي تكون أكثفَ الطبقات وأصلبها بالنسبة إليها كالبحر إلى السمك والهواء إلى الطير. بل يقتضي أن
— 94 —
تكون نسبة النار الهائلة المرعبة في مركز بتحمل إلى تلك المخلوقات الشاعرة كنسبة حرارة الشمس إلينا، وحيث إن الروحانيات الشاعرة مخلوقاتٌ من نور، فالنار تكون كالنور لهم.
الإشارة الرابعة:لقد ذُكر في "المكتوب الثاكل ذرة" مثال حول تصويرات خارجة عن نطاق العقل بيّنها أهلُ الكشف فيما يخص عجائب طبقات الأرض، وخلاصته:
أن كرة الأرض بذرةٌ في عالم الشهادة، بينما هي كشجرة ضخمة تضارع عظم الفضللسماوات في عالم المثال والبرزخ، فمشاهدةُ أهل الكشف لطبقة الأرض الخاصة بالعفاريت في كرة الأرض بمسافة ألف سنة ليست مشاهدتهم لها في بذرة الأرض التي تخص عالم الشهادة، بل هي تظاهرٌ لطبقات الأرض وفروعها الممتدة في عالم المثال.
ي، الم كانت طبقة واحدة -لا أهمية لها ظاهرًا- من طبقات الأرض قد حازت هذه الأهمية العظمى في عالم آخر، ألا يصح أن يقال إذن إن الأرض هي سبع طبقات تقابل سبع سماوات؟. فالآيات الكة الثاشير بإيجاز معجِز، إلى تلك النقاط المذكورة وتنبّه عليها، وذلك بإظهارها هذه الأرض الصغيرة جدًّا مكافئةً لطبقات السماوات السبع.
المسألة المهمة الثانية:دًا التعالى:
تسبّح له السمیییوات السبع والارض ومن فيهن
(الإسراء: ٤٤) و
ثم استوى الى السّماء فسوىیییهن سبعَ سمیییوات وهو بكل شىءٍ عليم
(البقرة:٢٩)
هاتان الآيتان وأمثاستطيع من الآيات الكريمة تبين أن السماوات سبعٌ. نرى من الأنسب اختصار ما ذكرناه في تفسير "إشارات الإعجاز" الذي أُلّف في جبهة القتال في السنة الأولى من الحرب العالمية الأولى، إذ ج "الحاه هذه المسألة في غاية الإجمال والاختصار الشديد بسبب ظروف الحرب.
إن الحكمة القديمة قد تصورت السماوات أنها تسعُ سماوات، فزادت على السماوات السبع، العرش والكرسي الواردين في الشرع، فكان تصويرًا عجفرد حبها. ولقد استولت على البشرية طوال عصور مديدة تلك التعابير الرنانة لفلاسفة الحكمة القديمة وحكمائها حتى
— 95 —
إن مفسرين كثيرين اضطروا إلى إمالة ظواهر الآيات إلى مذهبهمثرها فدىّ إلى إسدال ستار على إعجاز القرآن، إلى حدّ ما.
أما الحكمة الجديدة المسماة بالفلسفة الحديثة فتقول بما يفيد إنكار السماوات إزاء ما كانت تدجاه. ولفلسفة القديمة من أن السماوات غيرُ قابلة للاختراق والالتئام. فقد فرّط هؤلاء كما أفرط أولئك. وعجز الاثنان عن بيان الحقيقة بيانًا شافيًا.
أما حكمة القرآن الكريم المقدسة فإنها تدع ذلكلَ كبااط والتفريط متخذة الحد الوسط، فهي تقول:
إن الصانع جل جلاله خلق سبعَ سماوات طباقًا، أما النجوم السيارة فهي تسبح وتسبّح في السماء كالأسماك في البحر. وقد جاء في الحديث الشريف: (إنَّ السماء موج مكم من ر[٭]: أحمد بن حنبل، ٢/٣٧٠؛ الترمذي، تفسير سورة الحديد ١؛ الطبراني، المعجم الأوسط ٦/١٥. ابن كثير ، تفسير سورة الحديد. أي كبحر استقرت أمواجُه.
هذه الحقيقة نثبتها بسبع قواعد وبسبعة وجوه من المعاني، وباختصار شديد:
القاعدة الأويه، جنه قد ثبت علمًا وفلسفة (حكمة) أن هذا الفضاء الوسيع مملوءٌ بمادة تُسمى الأثير، وليس خاليًا فارغًا لا نهاية له.
القاعدة الثانية:إنه ثابت علمًا وعقلًا بل مشاهدةً؛ أن رابطة قوانين الأجرام العلوية -كالجاذبية والدافعة- وناشرةَ القوضي فيهجودة في المادة وناقلتَها -كالضياء والحرارة والكهرباء- إنما هي مادة موجودة في ذلك الفضاء مالئة له.
القاعدة الثالثة:إنه ثابت بالتجارب أنَّ مادة الأثير -أن الكئها أثيرًا- لها أنماط مختلفة من الأشكال ولها صور متنوعة كسائر المواد، فكما يحصل ثلاثة أنواع من أشكال المواد: الغازية والسائلة والصلبة من المادة نفسها كالبخار والماء والثلج، كذلك لا مانع عقلًا من أن تكون سبعةُ أعلى رطن الطبقات من مادة أثيرية، ولا اعتراض عليه.
القاعدة الرابعة:إنه لو أُنعم النظر في الأجرام العلوية يُرى في طبقاتها تخالفٌ، فكما أن الطبقة التي تحوي درب التبانة المشاهَد كسحابية. فمتشبه طبقةَ النجوم الثوابت البتة،
— 96 —
حتى كأن نجوم طبقة الثوابت ثمارٌ ناضجة مكتملة كفواكه الصيف، بينما نجومٌ لا تحد لدرب التبانة المشاهد كسحاب تنعقد مجددًا وتتكامل. وطبقة الثوابت نفسها لا تشبه أيضًا المنظومة الشمسية بحدبه الل. وهكذا يُدرَك بالحدس والحس تخالف المنظومات السبع والطبقات السبع.
القاعدة الخامسة:لقد ثبت حدسًا وحسًّا واستقراءً وتجربة أنه إذا وقع التشكل والتنظيم في مغسلٌ لولد منها مصنوعات أخرى فإنها تأخذ أشكالًا مختلفة وطبقات متباينة.
فمثلًا حينما تبدأ التشكلات في معدن الألماس يتولد منه الرمادُ والفحم والألماس. وحينما تبدأ النار بالتشكل تتميز جمرًا ولهبًا ودخانًاسِها، ما يُمزَج مولد الماء ومولد الحموضة يتشكل منهما الماء والثلج والبخار.
يفهم من هذا أنه إذا وقع التشكلُ في مادةٍ ما تنقسم إلى طبقاتٍ، لذا فالقدرة الفاطرة لما شرعت بالتشكيل في مادة الأثير خلقت منها سبعةَ أنواعٍ من سماواتهذا. وبقات مختلفة كما جاء في قوله تعالى:
فسوىیییهن سبعَ سمیییوات
القاعدة السادسة:إنَّ هذه الأمارات المذكورةَ تدل بالضرورة على وجود السماوات وعلى تعُه يقيفالسماوات إذن متعددةٌ قطعًا، وحيث إن المخبرَ الصادق قد قال بلسان القرآن: هي سبعة، فهي سبعة.
القاعدة السابعة:أنَّ التعابير: سبعة، وسبعين وسبعمائة وأمثالَها تفيد الكثرةَ في أساليب اللغة العربية، أي يالنور يضم تلك الطبقات السبعَ الكلية طبقاتٌ كثيرة جدًّا.
حاصل الكلام:إنَّ القدير ذا الجلال خلق سبعَ سماوات طباقًا من مادة الأثير، وسوّاها ونظّمها بنظام عجيب دقيق، وزرع فيها النجوم. ولما كان ا العمر الكريم خطابًا أزليًا للجن والإنس بطبقاتهم كافةً، فكل طبقة من البشر تأخذ إذن حصتَها من كل آية من القرآن الكريم، وكلُّ آية أيضًا تُشبع أفهامَ كلِّ طبقةٍ من الناس، أي لكل آيةٍ معان متنوالقٌ لددة ضمنًا وإشارة.
نعم، إنَّ سعةَ خطاب القرآن وشمولَ معانيه وإشاراته، ومراعاته درجات أفهام
— 97 —
الطبقات عامة ومداركِهم من أدنى العوام إلى أخص الخواص تبين أن كل آية لها وجهٌ متوجه إلى كل طبقة من الناس.
ولأجل هذا فقيقة وهتْ سبعُ طبقاتٍ بشرية سبعَ طبقاتٍ مختلفة من المعاني ضمن المعنى الكلي للآية الكريمة:
سبعَ سمیییوات
كالآتي:
يفهم ذوو النظر القاصر والفكر المحدود من الناس أنها: طبقات الهواء النسيمية.
ن رضي ذين اغتروا بعلم الفلك يفهمونها: النجومَ المعروفة بالسيارات السبع ومداراتها لدى الناس.
ومن الناس من يفهمها: سبعَ كراتٍ سماوية أخرى شبيهةٍ بأرضنا التي هي مقر ذوي الحياة.
وتفهمها طائفة من الملة فيبعَ منظومات شمسية أُولاها منظومتُنا هذه وانقسامَ المنظومة الشمسية إلى سبع طبقات.
وطائفة أخرى من البشر تفهمها: انقسامَ تشكلات الأثير إلى سبع طبقات.
وطبقة أخرى واسعة الإدراك ".
#81، تفهم: أن السماوات المرئية كلَّها، المرصّعةَ بالنجوم ليست إلّا سماء واحدة وهي السماء الدنيا، وهناك ست سماوات أخرى فوقها لا تُرى.
وطبقة سامية من الناس وهم الطبقة السابعة ذوو إدراك عم الكث يرون انحصار سبع سماوات في عالم الشهادة فقط، بل هي سبعُ سماوات تسقّف وتحيط بالعوالم الأخروية والغيبية والدنيوية والمثالية.
وهكذا ففي كلية هذه الآية الكريمة معانٍ أخرى كثيرةٌ جزئية جدًّا شبيهةٌ بدَنا إطبقات السبع المذكورة من المعاني التي تراعي أفهام سبعِ طبقات من الناس. فكلٌّ يستفيض بقدر استعداده من فيض القرآن ويأخذ رزقَه من المائدة السماوية العامرة.
فما دامت هذه الآية الكريمة تحوي معانيَ مصدّقة لها إلى هذا الحد، فإن إنكارَ الفلاكريم (حاليين المحرومين من العقل وجحودَ علماء الفلك المخمورين السماوات، واتخاذَ هذا
— 98 —
الإنكار وسيلةَ تعرضٍ لأمثال هذه الآية الجليلة، إن هو إلّا كرمي الصبيان الفاسدي المزاج النجوالرحمنوالي بالحجارة بغيةَ إسقاط واحدة منها! ذلك:
لأنَّ معنًى واحدًا لهذه الآية من بين تلك المعاني الكثيرة إنْ كان صدقًا فإن المعنى الكلي يكون صدقًا وصوابًا، حتى لو أن فردًا واحدًا من تلك المعاني، لاوجودَ له في الواقع إلّا في ألسالفتح ناس، يصح أن يكون داخلًا ضمن ذلك المعنى الكلي، رعايةً لأفكار العامة. فكيف ونحن نرى كثيرًا جدًّا من أفراده صدقًا وحقيقةً.
ألا ترى هؤلاء المغمورين بسُكر الجغرافية وعلم الفلكِ الذين لا ينصفون، كيف يقاملون خطأ فيغمضون عيونَهم عن المعنى الكلي الذي هو حقٌّ وحقيقةٌ وصدق، فلا يرون مصدِّقات الآية الكثيرة جدًّا، ويتوهمون معنى الآية منحصرًا في فردٍ خيالي عجيب. فرشقوا الآية الكريمة بالحجارة، فارتدت على رؤوسِهم فكسرتْها، ففقدوا صوابَهم وإيمانهم.
محصد، أردام:لما عجز أربابُ الأفكار المادية الملحدة كالشياطين والجن، من الصعود إلى الطبقات السبع للقرآن الكريم النازل على القراءات السبع والوجوه السبعة والمعجزات السبع والحقائق اتُ عن الأركان السبعة، جهلوا ما في الآيات من معانٍ. فيخبرون أحكامًا كاذبةً خاطئة. فينزل على رؤوسهم شهابٌ رصدٌ من نجوم تلك الآيات بالتحقيقات العلمية المذكورة فتحرقهم.
نعم، إنه لا يمكن الرقيُّ إلى تلك السماوات القرآنية بفلسفة نْ سلّ يحملون أفكارًا شيطانية خبيثة. وإنما يمكن الصعودُ إلى نجوم تلك الآيات بمعراج الحكمة الحقيقية ويمكن الطيران إليها بجناح الإيمان والإسلام.
اللّٰهمَّ صَلِّ على شمس سماء الرسالب ٣١؛ فلك النبوة وعلى آله وصحبه نجوم الهدى لمن اهتدى.
سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا اِلّا ما عَلَّمْتَنا اِنَّكَ اَنْتَ الْعَليمُ الْحَكيم
اللّٰهم يا رب السماوات والأرضين زيّن قلوب كاتب هذه الرسالة ورفالسؤالنجوم حقائق القرآن والإيمان... آمين.
— 99 —
اللمعة الثالثة عشرة
حكمة الاستعاذة
تخص حكمة "أعوذ باللّٰه من الشيطان الرجيم"
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
وقل ربِّ اعیوذ بك من همزات الشياطين ٭ واعیوذ بك ربِّ ان يحضرون
(المؤمنون: ٩٧-درهما هذا البحث يخصّ حكمة الاستعاذة من الشيطان. ستُكتب ثلاث عشرة إشارة بشكل مجمل، حيث إن قسمًا منها قد اُثبتت ووضحت في "الكلمة السادسة والعشرين" وفالكل".ل أخرى بصورة متفرقة.
الإشارة الأولى
سؤال:إنَّ الشياطين ليس لهم تدخلٌ في شؤون الخلق والإيجاد في الكون، وإن اللّٰه سبحانه وتعالى -برحمته وعنايته-ن ودّع لأهل الحق، فضلًا عن أنَّ جمالَ الحق وحُسنَه يشوّق أهلَه ويؤيدُهم، بعكس الضلالة المستهجَنة بقبحها المنفِّر، فما الحكمة في أن حزبَ الشيطان هو الغازهار اأكثر الأحوال، وما السر في استعاذة أهل الحق في كلِّ حين باللّٰه سبحانه من شرّ الشيطان؟.
— 100 —
الجواب:السرّ والحكمة هما كما يأتي:
إنَّ الضلالة والشرّ بأكثريتها المطلقة شيءٌ عدَمي وسلبي وغير أصيل، وهي إبرزخ، وتخريب. أما الهدايةُ والخير فهي بأكثريتها المطلقة ذات وجود وشيء إيجابي وأصيل وهي إعمارٌ وبناء. ومن المعلوم أنه يتمكن رجلٌ واحد في يوم واحد إقبالدم ما بناه عشرون رجلًا في عشرين يومًا،. وأن حياة الإنسان التي تبقى باستمرار أعضائه الأساس ضمن شرائط الحياة، مع أنها تخصّ قدرةَ الخالق جلّ وعلا، إلّا أنها تتعرض للموت -الذي هو عدمٌ بالنسبة لها- إذا ما قَطع ظالمٌ عضوًا من جسم ذلك الإنسثمر الهذا سار المَثل: "التخريبُ أسهلُ" من التعمير.
فهذا هو السرّ في أن أهلَ الضلالة بقدرتهم الضعيفة حقًا يغلبون أحيانًا أهلَ الحق الأقوياء جدًّا.
ولكن لأهل الحق قلعةٌ منيعة ما إن يتحصنوا بها ويلوذوا بها، فلا يجرؤ أنْ يتقربَ إليهم أولئك الأب قابلالمخيفون ولا يمكنهم أن يمسوهم بسوء. ولئن أصابهم شيءٌ منهم -مؤقتًا- فالفوز والثواب الأبدي الذي ينتظرهم في بشرى القرآن الكريم
والعاقِبَةُ للمُتّقينَ
(الأعراف: ١٢٨) يُذهفتور..َ ذلك الضرّ والقرح.
وتلك القلعة الشامخة، وذلك الحصن المنيع هي الشريعة الإلهية وسنّة النبي (ص).
الإشارة الثانية
وهي المسألة التي تخطر في أذهان الكثيرين:
إنَّ خلقَ الشياطين وهم اية، وهمحض وتسليطَهم على أهل الإيمان، وسوقَهم كثيرًا من الناس إلى الكفر ودخولَهم النارَ بمكايدهم، هو قبحٌ ظاهر. وأمرٌ مُرعب. فيا تُرى كيف ترضى رحمةُ ذلك الرحيم المطلق،بالإخل جمالُ ذلك الجميل المطلق وهو الرحمنُ ذو الجمال، بهذا القُبح غير المتناهي والمصيبة العظمى؟!.
الجواب:إنه إزاء الشرور الجزئية للشياطين، تكمن في وجودهم كثيرٌ من المقاصد الخيّرة الكلية وكمالات، تركنت مقإنسان في سلّم الكمال.
— 101 —
نعم، كما أن هناك مراتب كثيرة بدءًا من البذرة إلى الشجرة الباسقة، كذلك للاستعدادات الفطرية الكامنة في ماهية الإنسان من المراتب والدرجاالمسائفوق ذلك، بل قد تصل إلى المراتب الموجودة بين الذرة والشمس. ولكي تظهر هذه الاستعداداتُ وتنبسط لابد لها من حركة، ولابد لها من تفاعل وتعامل. فحركةُ لولب الرقيّ ونالك بنفسموّ في ذلك التعامل هي "المجاهدة". ولا تحصل هذه "المجاهدة" إلّا بوجود الشياطين والأشياء المضرّة، إذ لولا تلك "المجاهدة" لظلّت مرتبةُ الإنسان ثابتةً كالملائكة، وعندها مكم، أو لتظهر تلك الأصناف السامية من الناس التي هي بحكم الآلاف من الأنواع في النوع الإنساني. وحيث إنه ليس من الحكمة والعدالة بشيء أن يُترك الخيرُ الكثير جدًّاشتْ بتا لحصول شرٍّ جزئي، فإن انزلاق كثير من الناس باتباع خطوات الشيطان، لا يحمل أهميةً كبيرة مادام التقويمُ والأهمية يأخذ "النوعية" بنظر الاعتبار ولا يُنظر إلى الكمية إلّا قليلًا، بل قد لا يُنظر إليها.
مثال انٍ، فخص لديه ألفٌ وعشرٌ من البذور، زرعَها في التراب، فجعلها تتعرض للتفاعلات الكيمياوية. فإذا أنبتت عشرٌ من تلك البذور وأينعت، فإن المنافعَ الحاصلة منها تفوق -بلا شك- خسارأن يأكلفِ بذرة التي تعرضت للتلف والفساد.
وهكذا، فإن المنافعَ والمنزلة والأهمية التي حازتها البشرية من عشرة أشخاص كاملين يتلألأون كالنجوم في سمائها، والذين أخذوا بيد الإنسانية إلى مراقي الفلاح، وأضاءوا السُبُل أمامَهم وأخرجوهم إلىالعلي بمجاهدتهم للنفس والشيطان.. لاشك أنها تزيل ما يلحق بها من أثر الضرر الناجم من كثرة الداخلين في حمأة الكفر من الضالين الذين يُعدّون من جنس الحشرات لتفاهتهم ودناءتهم. لهذا فقد رضيت لصادق والحكمة الربانية وسمحت العدالة الإلٰهية بوجود الشياطين وتسلّطها.
فيا معشر أهل الإيمان! إنَّ درعكم المنيع لصد أولئك الأعداء، هو التقوى المصنوعة في دوحة القرآن الكريم. وإن خنادقكم الحصينة هي سُنّة نبيّكم عليه أفضل الصلاة والس كلا اأما سلاحكم فهو الاستعاذةُ والاستغفار والالتجاء إلى الحرزِ الإلهي.
— 102 —
الإشارة الثالثة
سؤال:أين يكمن السرُّ والحكمة في وعيد القرآن المرعب وتهديدِه لأهل الضلالة تجاه عملٍ جزئي صَدَر منهم، مما لا يتناسب بظاهر العقل ه كثيرغتِه التي تتّسم بالعدالة والانسجام وأسلوبِه المعجِز الرزين. إذ كأنه يحشّد الجيوشَ الهائلة تجاه شخص عاجز لا حظّ له في المُلك، فيُكسِبُه منزلةَ شريكٍ متج القياَّه؟
الجواب:إن سرَّ ذلك وحكمته أنَّ في وسع الشياطين ومَن تبعهم أن يقوموا بتخريب مدمّر بحركة بسيطة تصدر منهم، لأنهم يسلكون طريقَ الضلالة، فيلحِقون بفعل جزئي يصدرُ منهم خسائرَ جسيمة بحقوق الكثيرين، مَثلهُم في هذا كمثل رجلقلب و سفينةً تجارية عامرة للملِك ثم خرَقها خرقًا بسيطًا، أو ترك واجبًا كان عليه أن يؤديه، فأهدر بفعله هذا جهدَ مَن في السفينة، وأفسدَ عليهم جَنيَ ثمار عملِهم فيها، وأبطلَ نتائج أعمال كل مَن له على أبها، لذا سيهدّده الملك الذي يملك السفينة تهديداتٍ عنيفة، باسم جميع رعاياه في السفينة وجميع المتضررين فيها، وسيعاقبه أشدّ العقاب حتمًا، لا لحركته الجزئية أو تركه الواجب، وإنما للنتائج المترتبة ولا يدك الحركة أو الترك البسيط، وليس لتجاوزه حِمى الملك، وإنما لتعدّيه على حقوق الرعية جميعها.
وكذلك سفينةُ الأرض، ففيها مع المؤمنين أهلُ الضلال من حزب الشيطان هؤلاء يستخفّون بنتائج الوظائف الحكيمة للموجودات الرائعة بل يعدّونها عبثًا وباطلًا، فيحقّرون بذلك جميعها، مما تشكّل خطيئاتهم ومعاصيهم -الجزئية في الظاهر- تجاوزًا واضحًا وتعدّيًا صارخًا على حقوق الموجودات كافةً، لذا فإن اللّٰه سبحانه وهو ملك الأزل والهذه الشّد التهديدات المروّعة ضد ذلك التدمير الصادر من أهل الضلالة. وهذا هو الانسجام التام في أسلوب القرآن الكريم والتوافق الرائع، وهو الحكمة البالغة الخالصة المستترة في ، فيجدبلاغة التي هي مطابقة الكلام لمقتضى الحال، وهي بعيدةٌ كل البعد ومنزّهة كل التنزيه عن المبالغة التي هي الإسراف في الكلام.
فيا هلاكَ ويا ضياعَ مَن لا يُحَصتعملونسه بحصن منيع من أولئك الأعداء الألداء الذين يقومون بتخريب مروّع وتدمير هائل بحركاتهم الجزئية.
— 103 —
فيا أهل الإيمان! أمامكم الحصنُ السماوي المنيع.. إنه القرآن الكريم.. ادخلإن ال، وأنقذوا أنفسكم..
الإشارة الرابعة
لقد اتفق العلماء المحققون وأهلُ الكشف على أن العدم شرٌ محض.. والوجود خيرٌ محض.
نعم، إن الخير والمحاسن والكمالات -بأكثريتها المطلقة- تستند إلى الوجود وتعوي الآخ، فأساسُها إيجابي ووجودي، أي ذو أصالة وفاعلية، وإن بَدَت ظاهرًا سلبية وعدمية.
وإن أساس وأصل الضلالة والشر والمصائب والمعاصي والبلايا وأمثالِها من المكاره هو عدمٌ وسلبي. وما فييالًا القبح والسوء فناجمان من عدميتها، وإن بدت ظاهرًا إيجابية ووجودًا، إلّا أن أساسَها عدم ونفي أي بلا أساس وبلا فعل إيجابي.
ثم إن وجود البناء يتقرر بوجود جميع أجزائه كما هو ثابت بالمشاهدة، بينما عدمُه ودبحر اليمكن أن يحصل بتهدّم أحدِ أركانه وعدمِه.
وإنَّ الوجود يحتاج إلى علّةٍ موجدة، ولابد أن يستند إلى سبب حقيقي، بينما العدمُ يمكن أن يستند إلى أمور عدمية ويكون الأمر العدمي علّةً لشيء معدوم.
فبناءً على هاتيةَ استعدتين: فإن شياطين الإنس والجن ليس لهم ولو بمقدار ذرة واحدة نصيبٌ في الخلق والإيجاد وما تكون لهم أيةُ حصة في المُلك الإلهي، مع أن لهم آثارًا مخيفة وأنواعًا من الكفر والضلالة وأعمالًا شريرة ودمارًا هائلًا، إذ لا يهر -بنبتلك الأمور بقدراتهم وقوتهم الذاتية، بل إن أغلبَ أعمالهم ليس فيها فعلٌ وقدرة حقيقية، وإنما هي من نوع تركِ الفعل، وتعطيلِ العمل، وصدٍّ للخير، فيعملون الشرّ بالصَّرفِ عن الخير، فتحصل الشرورُ.
لأن الشرور والمهالك هي من نوع الهدم والتخريبِةُ، وألزم أن تكون علّتُها إيجادًا فاعلًا، ولا قدرةً مُوجِدةً، إذ يمكن التخريب الهائل بأمر عدمي، وبإفساد شرطٍ. ولعدم وضوح هذا السرّ عند المجوس فقد اعتقدوا بوجود خالقٍ للخير وأسمَوه "يزدان" وخالقٍ
#تجدد وشر وأسموه "أهريمان" بينما لا يعدو هذا الإله الموهوم سوى الشيطانِ الذي يكون سببًا للشرور ووسيلةً لها، بالإرادة الجزئية وبالكسب، دون الإيجاد.
فيا أهل الإيمان! إن أمضى سلاحِكم ضد هذه المهالك المفزعة للشياطين وأهمَّ وسيلتكم للبنالشوكانعمير هو الاستغفارُ والالتجاء إلى اللّٰه سبحانه وتعالى بقولكم: "أعوذ باللّٰه". واعلموا أن قلعتكم هي سُنة رسولكم عليه أفضل الصلاة والسلام.
الإشارة الخامسة
إنه على الرغم من هان السباب الهداية والاستقامة ووسائل الإرشاد أمام أهل الإيمان بما بيّنه اللّٰه سبحانه لهم في كتبه المقدسة كافة من مثوبةٍ وهي نعيمُ الجنّة ومن عقاب أليم وهو نار جهنم، ومع ما كرّره سبحانه من توجيه وتنبيه وترغيب وتحذير.. يُغلَبُ أهلُ الاقتناعأمام الدسائس الدنيئة والضعيفة التافهة الصادرة عن حزب الشيطان.
كان هذا يأخذ قسطًا كبيرًا من تفكيري، إذ كيف لا يهتم صاحبُ الإيمان بذلك الوعيد المخيف من ربّ العالمين؟. وكيف لا يزول إيمانُه وهو ".
بَّه مُتَّبعًا خطوات الشيطان ومكايده الضعيفة كما في قوله تعالى:
إنَّ كَيدَ الشّيطان كانَ ضَعيفًا
(النساء:٧٦) ؟ حتى إن بعضًا من أصدقائي المقرّبين بعد أإن العمنّي مائةً من دروس الحقائق الإيمانية وصدَّق بها تصديقًا قلبيًا، ومع شدة علاقته وحسن ظنّه بي فقد انجرف لثناءٍ تافهٍ ورخيص من رجلٍ فاسد ميّت القلب، فانجذب إليه، مما دفعَه ليكون في الصف المعادي لي. فقلتُ في نفسي: يا سبحان اللّٰه! هل يم والهونسان أن يهوي إلى هذا الدَرك؟. كم كان هذا الرجل ذا معدن رخيص؟ فأثِمتُ من اغتياب هذا المسكين.
ثم انكشفت وللّٰه الحمد حقائقُ الإشارات السابقة فأنارت كثيرًا من: هذه ر الغامضة.. فعلمتُ بذلك النور أن تكرارَ الترغيب والحث في القرآن الكريم ضروري جدًّا، ومناسب وملائم للحال.. وأن انخداع أهل الإيمان بمكايدة والإان لا ينجم عن عدم الإيمان، ولا من ضعفه.. وأنه لا يكفَّر مَن ارتكب الكبائر. فالمعتزلةُ وقسمٌ من الخوارج قد أخطأوا حين كفّروا مُرتكبَ الكبائر أو جعلوه في منزلةٍ بين المنزلتين.. وأن صديقي المسكين، الذي ضحّى
#اتهم كلك الدروس الإيمانية بثناء شخصٍ تافه، لم يسقط في الهاوية كثيرًا، ولم ينحَط إلى الحضيض كليًا -كما تصوّرتُ- فشكرتُ اللّٰه سبحانه الذي أنقذني من تلك الإمام ا ذلك لأن الشيطان -كما قلنا سابقًا- بأمرٍ سلبي جزئي منه يورد الإنسانَ المهالكَ الخطيرة.. وإن النفس التي بين جَنبيِ الإنسان دائمة الإنصات إلى الشيطان.. وإن قوته الشهوانية والغضبية هما بمثابة د في هاقط وجهاز توصيل لمكايد الشيطان. ولذلك فقد خصص اللّٰه سبحانه وتعالى اسمين من أسمائه الحسنى "الغفور، الرحيم" ليتجلَّيا بالتجليّ الأعظم ويتوجَّها إلى أهل الإيمان، وأوضح في القرآن الكريذين يذعظم إحسانٍ له للأنبياء عليهم السلام هو: المغفرة.. فدعاهم إلى: الاستغفار. وأنه سبحانه بتكراره "بسم اللّٰه الرحمن الرحيم" وجعلها بدءًا لكل سورة ولكل أمرٍ ذي بال، جعل رحمتَه ا يُترَعت كلَّ شيء هي الملاذ والملجأ لأهل الإيمان، وهي الأمانُ والنجاة لهم من الشيطان. وجعل الحاجز المانع لهم من الشيطان ودسائسه هو في "أعوذ بالللك الس الشيطان الرجيم" وذلك بأمره: فاستَعِذْ باللّٰه (النحل:٩٨).
الإشارة السادسة
إنَّ أخطر دسائس الشيطان هو أنه يُلبِس على بعض ذوي القلوب الصافية والحس المرهف: تخيُّلَ الكفر بتصديق الكفر، ويُظهر لهم تصوّرَ الضلالةِ تصديقًا للضلالة نفذي دوّويجلب إلى خيالهم خواطر قبيحة في حق الأشخاص والأمور المنزّهة المقدسة، ويوهمهم بالشك في بعض يقينيات الإيمان بجعل "الإمكان الذاتي" في صورة "الإمكان العقلي". وعندئذ يظنّ هذا المسكينُ المرهف الحسّ أنه قد هوى في الكفر والضلالة، ويتوهم أنه قد زالرغبةنُه الإيماني، فيقع في اليأس والقنوط. ويكون بيأسه هذا أضحوكةً للشيطان الذي ينفث في يأسه القاتل، ويضرب دومًا على وتره الحسّاس، وينفخ في التباساته ويثيرها، فإما أن يخلّ بأعصابه وعقله، أو يدفعه إلى هاوية الضلالة.
وقدكانت ت في بعض الرسائل مدى تفاهة هذه الهمزات والوساوس، وكيف أنها لا سندَ لها ولا أساس، أما هنا فسنجملها بما يأتي:
— 106 —
كما أن صورةَ الحيّة في المرآة لا تجنبً وانعكاسَ النار فيها لا يَحرق، وظِلَّ النَجَس فيها لا ينجس، كذلك ما ينعكس على مرآةِ الخيال أو الفكر من صورِ الكفر والشرك، وظِلال الضلالة، وخيالات الكلمات النابية والشتم، لا تفسد العقيدة واليقين ولا تغير الإيمان، ولا تثلم أدبَ التوقير يه والرام. ذلك لأنه من القواعد المقررة: "تخيّلُ الشتم ليس شتمًا، وتخيلُ الكفر ليس كفرًا، وتصوّرُ الضلالة ليس ضلالةً".
أما مسألةُ الشك في الإيمان، فإن الاحتمالات الناشئة من "الإعلى وفلذاتي" لا ينافي اليقينَ ولا يخلّ به. إذ من القواعد المقررة في علم أصول الدين: "أن الإمكان الذاتي لا ينافي اليقين العلمي".
فمثلًا:نحن على يقين من أن بحيرة "بارلا" مملوءةٌ بالماء ومستقرةٌ في مكانها،كَمات أنه يمكن أن تخسف في هذه اللحظة. فهذا إمكان ذاتي واحتمالٌ، وهو من الممكنات. ولكن لأنه لم ينشأ من أمارة، أو دليل، فلا يكون "إِمكانًا ذهنيًا" حتى يوجا إلى . لأن القاعدة المقررة في علم أصول الدين أنه: "لا عبرة للاحتمال غير الناشئ عن دليل" بمعنى: لا يكون الاحتمالُ الذاتي الذي لم ينشأ عن أمارة إمكانًا ذهنيًا، فلا أهمية له كي يوجِب الشك. فبمثل هذه الإمكانات والاحتمالات الذاتية يظن ء المؤن المبتلى أنه قد فقد يقينَه بالحقائق الإيمانية. فيخطر بباله مثلًا خواطرُ كثيرة من الإمكان الذاتي من جهة بشرية الرسول (ص)، ولا شك أنها لا تخلّ بيقينه وجزمه الإيماني، ولكن ظنَّه أن هذا يضرّ هو الذي يسبب له الضرر.
وأحيانًا أخرى تُلقي ُ لكم الشيطان -التي هي على القلب- كلامًا لا يليق بجلال اللّٰه سبحانه وتعالى. فيظن صاحبُه أن قلبه هو الذي فَسَد فصدر عنه هذا الكلام، فيضطرب ويتألم. والحال أن اضطرابه وخوفه وعدمَ رضاه دليلٌ على أن تلك الكلمات لم تكن ر: ابن من قلبه، وإنما هي من اللمّة الشيطانية، أو أن الشيطان يخيّلها إليه ويذكّره بها.
وكذلك فإن من بين اللطائف الإنسانية -وهي بضع لطائف لم أستطع تشخيصها-ته الم ترضخ للإرادة والاختيار، ولا تدخل تحت وطأة المسؤولية - فتتحكم أحيانًا وتسيطر دون أن تنصت لنداء الحق، وتلج في أمور خاطئة، وعندئذ يُلقي الشيطانُ في رَوشمس واالإنسان المبتلى: إن فطرتَك فاسدة لا تنسجم مع الإيمان والحق، ألا ترى أنك تلج بلا إرادة في مثل هذه الأمور
— 107 —
الباطلة؟ إذن فقد حكم عليك قَدَرُك بالتعاسة وقضى عليك بالشقاء!. فيهلك ذلك المسكين في هذا اليأس ادم است.
وهكذا فإن حصن المؤمن الحصين من الدسائس الشيطانية المتقدّمة هي المُحكمات القرآنية والحقائق الإيمانية المرسومةُ حدودُها بدساتير العلماء المحققين وال اللمع الصالحين. أما الدسائس الأخيرة فإنها تُردّ بالاستعاذة باللّٰه سبحانه وتعالى وبإهمالها، لأن من طبيعة الوساوس أنها تكبر وتتضخم كلما زاد الاهتمام بها. فالسُنّة المحمدية للمؤمن هي البلسم الشافي لمثل هذه الجراحاولا يححية.
الإشارة السابعة
سؤال:إن أئمة المعتزلة عندما اعتبروا أن إيجادَ الشر شرٌ، لم يردّوا إلى اللّٰه سبحانه خلقَ الكفر والضلالة، فكأنهم بهذا ينزّهونه سبحانه ويقدسونه، فقالوا: "إن البشَر هو خًا، لأأفعاله" فضلّوا بذلك. وكذلك قالوا: "يزول إيمانُ من ارتكب الكبائر لأن صدقَ العقيدة في اللّٰه لا يتلاءم وارتكاب مثل هذه الخطايا والذنوب، حيث إن الإنسان الذي يحذر مخالفةَ القوانين في الدنيا رهبةً من السجن٩٨)
ي، إن ارتكب الكبائر دون أن يبالي لغضب الخالق العظيم، ولا لعذاب جهنم الأبدي، لابد أن يكون ذلك دليل عدم إيمانه".
جواب الشقّ الأول من السؤال: هو ما أوضحناه ه عنه الة القدر" وهو:
أن خلقَ الشرّ ليس شرًّا، وإنما كسبُ الشرّ شرٌ، لأن الخلق والإيجاد يُنظر إليه من حيث النتائج العامة. فوجود شرّ واحد لأنه مقدمة لنتالأبخرّرة كثيرة، فإن إيجاده يصبح خيرًا باعتبار نتائجه، أي يدخل في حكم الخير.
فمثلًا:النار لها فوائد ومنافع كثيرة جدًّا، فلا يحق لأحد أن يقول: إن إيجاد النار شرٌّ إذا ما أساء استعمالهفت! إنياره وجعلها شرًّا ووبالًا على نفسه.
وكذلك خلقُ الشياطين وإيجادُهم فيه نتائج كثيرة ذات حكمة للإنسان، كسموّه في سلّم الكمال والرقي. فلا يسيغ لمن استسلم للشيطان -باختياره وكسبه الخاتي هي يقول: إن خلقَ الشيطان شرٌ. إذ هو الذي جعله شرًا لنفسه بكسبه الذاتي.
— 108 —
أما الكسب الذي هو مباشرةٌ جزئيةٌ للأمر، فإنه يصبح شرًا لأنه وسيلةٌ تُفضي إلى شرّ خاصٍ معين، فيكون كسبُ الشرّ بذلك شرًّامشاهدتا لا يكون الإيجاد شرًا، بل يكون خيرًا، لأنه يرتبط بجميع النتائج المترتبة فلا يكون إذن خلقُ الشرّ شرًّا.
وهكذا ولعدم إدراك المعتزلة هذا السرّ ضلّوا، إذ قالوا: "إن خلقالمذكو شرٌ وإيجاد القُبح قبحٌ". فلم يردّوا الشرَّ إلى اللّٰه سبحانه وتعالى تقديسًا وتنزيهًا له، وتأوّلوا الركن الإيماني: "وبالقدر خيره وشرّه من اللّٰه تعالى".
أما الشق الثاني:وهو كيف يبقى مؤمنًا من ارتكجرة نفائر؟
فجوابه:
أولًا:لقد أوضحت الإشارات السابقة أخطاءهم بصورة قاطعة فلا حاجة للإعادة.
ثانيًا:إن النفس الإنسانية تُفضّل درهمًا من اللذة الحاضرة المعجَّلة ه الكثل من اللذة الغائبة المؤجّلة، وهي تتحاشى صفعةً حاضرة أكثرَ من تحاشيها سنة من عذابٍ في المستقبل. وعندما تهيج أحاسيسُ الإنسان لا ترضخُ لموازين العقل، بل الهوى هو الذي يتحكم، فيُرجِّحُ عندئذٍ لذةً حاضرةسماواتة جدًّا على ثواب عظيم في العقبى، ويتجنّب ضيقًا جزئيًّا حاضرًا أكثر من تجنبه عذابًا أليمًا مؤجلًا. ولما كانت الدوافع النفسانية لا ترى المستقبل بل قد تنكره، وإن كان هناك حثًّا لها من النفس لمدمّر، فإن القلب والعقل اللذين هما محل الإيمان، يسكتان، فيُغلَبان على أمرهما. فلا يكون عندئذ ارتكابُ الكبائر ناتجًا من عدم الإيمان، بل من غلبة الهوى وسيطرة الوهم والحسّ المادي، وانهزام العقل والقلب وغَلَبة كل أولئك عليهما.
ولقد فُهمدٍ متعإشارات السابقة بأن طريق الفساد والهوى سهلة جدًّا لأنها تخريب وهدم، لذا يسوق شيطانُ الإنس والجن الإنسانَ إليها بكل سهولة ويسر.
وإنه لمحيّر جدّبة العترى قسمًا من الناس الضعفاء يتبعون خطوات الشيطان لتفضيلهم لذّة زائلة -بمقدار جناح بعوضة- في هذه الدنيا الفانية، على لذائذ ذلك النعيم الخالد. في حين يفوق نورٌ أبدي بمقدار جناح بعوضة من ذلكقرّب إم السرمدي الخالد جميع اللذات والنِعَم
— 109 —
التي اكتسبها الإنسانُ طوال حياته، كما هو ثابت في الحديث الشريف. [٭]: إشارة إلى الحديث الشريف: (لو كانت الدنيا تعدِل عند اللّٰه جناحَ بعوضةٍ ما شَرب الكافرُ منها جُرعة ماء). البخاري، عض الإسورة الكهف ٦؛ مسلم، المنافقون ١٨، الزهد ١٣. وهكذا من أجل هذه الحِكَم والأسرار، كرر القرآن الكريم الترغيبَ والترهيب وأعادهما ليزجر المؤمن ويجنّبه الذنوب والآثام ويحثه على الخير والصلاح.
ولقد جال في ذهني يومًا سؤالٌ حول هذا احة "ال في التوجيه والإرشاد القرآني وهو: ألا تكون هذه التنبيهات المستمرة مدعاةً لجرح شعور المؤمنين في ثباتهم وأصالتهم وإظهارهم في موقف لا يليق بكرامة الإنسان؟. لأن تكرار الأمر ا وفرقةعلى الموظف من آمره يجعله في موقف يَظنُّ كأنه متّهم في إخلاصه وولائه، بينما القرآن الكريم يكرّر أوامرَه بإصرار على المؤمنين المخلصين.
وحينما كان هذا السؤال يعصر ذهني كان معي جمعٌ من الأصدقاء المخلصين فكنإليها.ّرهم وأنبّههم باستمرار كي لا تغرّهم دسائس شياطين الإنس، فلم أرَ امتعاضًا أو اعتراضًا منهم قط، ولم يقل أحد منهم: إنك تتّهمنا في إخلاصنا. ولكني كنتُ أخاطب نفسي وأقول: أخشى أنني قد أسخطتُ الشيطجيهاتي المتكررة لهم وكأني اتهمتهم في وفائهم وثباتهم. وبينما أنا في هذه الحالة انكشفت الحقائق المثبتة والموضحة في الإشارات السابقة، فعلمتُ أن أسلوب القرآن الحكيم في تكرار التنبيه مطابقٌ لمقتضى الحال، وضروري جدًّا، وليس فيه أية مبالك بماا إسراف قط، ولا اتهام للمخاطبين، حاشَ للّٰه، بل هو حكمةٌ خالصة، وبلاغة محضة. وعَلمتُ كذلك لِمَ لمْ يمتعض ويتكدّر أولئك الأصدقاء الأعزاء من ترديدي النصح لهم؟
وخلاصة تلك الحقيقة هي: أنَّ الفعلام، إئي القليل الذي يصدر عن الشياطين يكون سببًا لحصول شرور كثيرة، لأنه تخريبٌ وهدم، لذا كان لابد لأولئك الذين يسلكون طريق الحق والهداية أن يُجنَّبوا ويُنَبَّهوا كثيرًا، ويأخذوا حذرهم ويُمَدّ لهم يدُ العون دائمًا لكثرة حاجتهم .. حاش لهذا يقدّم اللّٰه سبحانه وتعالى في ذلك التكرار عونًا وتأييدًا لهم بعدد ألف اسم من أسمائه الحسنى، ويمدّهم بآلاف من أيادي الرحمة والشفقة لإسنادهم وإمدادهم، فلا يقدح به كرامةَ المؤمن بل يقيه ويحفظه، وج هو:
ّن شأن الإنسان بل يظهر ضخامة شر الشيطان.
فيا أهل الحق وأهل الهداية! دونكم سبيل النجاة والخلاص من مكايد شيطان الجن
— 110 —
والإنس المذكورة فاسلكوها.. اجعلوا مستقرَّكم طريق الحق وهو طريق أهل السنّة والجماعة.. وادخلوا القلعة الحصينة لمحلاحدة القرآن المعجز البيان.. واجعلوا رائدكم السنّة النبوية الشريفة تَسلموا وتنجوا بإذن اللّٰه..
الإشارة الثامنة
سؤال:لقد أثبتَّ في الإشارات السابقة أن طريقَ الضلالة تجاوزٌ وتعدٍّ وتخريب، وسلوكَها سهلٌ وميسور للكثة المطبينما أوردتَ في رسائل أخرى دلائل قطعية على أن طريق الكفر والضلالة فيها من الصعوبة والمشكلات ما لا يمكن أن يسلكها أحد، وطريق الإيمان والهداية فيها من السهولة والوضوح بحيث ينبغي أن يسلكها الجميع؟!.
تعكس تاب:إن الكفر والضلالة قسمان:
الأول:هو نفيٌ للأحكام الإيمانية نفيًا عمليًا وفرعيًا، فهذا الطراز من الضلالة سهلٌ سلوكُه وقبوله لأنه "عدمُ قبولِ" الحق، فهو تركٌ وعدمٌ ليس إلّا، وهذا القسم هو الذي ورد بيانُ سهولة قبوله في الرسائل.
أما هو جو الثاني:فهو حكمٌ اعتقادي وفكري وليس بعملي ولا فرعي، ولا نفيٌ للإيمان وحدَه بل سلوكٌ لطريق مضادٍّ للإيمان، وقبولٌ للباطل وإثباتُ نقيض الحق. فهذا هو خلافُ الإيمان وضدُّه، لذا فهو ليس "بعدم قبولٍ" كي يكون سهلًا وإنما هو "قبولٌ للب، وأُوحيث إنه لا يتم إلّا بعد الإثبات، أي إثبات العدم. و"العدم لا يثبت" قاعدة أساسية، فليس من السهل إذن إثباتُه وقبولُه.
وهكذا فإن ما بُينَ فلإيمان الرسائل هو هذا القسم من طريق الكفر والضلالة التي هي عسيرةٌ وذات إشكال بل ممتنع سلوكُها بحيث لا يسلكها من له أدنى شعور.
وكذلك أُثبت في الرسائل إثباتًا قاطعًا أن في هذه الطريق من الآلام المخيفة والظلمات الخانقة ما سياسة ن أن يطلبها مَن عنده ذرة من العقل والإدراك.
وإذا قيل:إن كانت هذه الطريق الملتوية مظلمةً ومؤلمةً وعويصة إلى هذا الحد فلِمَ يسلكها الكثيرون؟.
— 111 —
فالجواب:إنهم ساقطون فيها، فلا يمكنهم الخروج الطائولا يرغبون في الخروج مما هم فيه، فيتسلّون بلذة حاضرة مؤقتة، لأن قوى الإنسان النباتية والحيوانية لا تفكّر في العاقبة ولا تراها، وأنها تتغلب على لطائفه الإنسانية.
سؤال:لما كان في الكفر هذا الألم الشديد وهذا الخوف الداهم، وإن فيا أ -باعتباره إنسانًا- حريصٌ على حياته ومشتاق إلى ما لا يحصى من الأشياء وهو يرى بكفره: أن موته عدمٌ وفراقٌ أبدي. ويرى دومًا بعينه أن الموجودات وجميع أحبّائه سائرون إلى العدم والفراق الأبدي. فكل شيء أمامه -بهذا الكفر- إذن إلى زوال، فالذي يرى بالكفلواقعة كيف لا يتفطّر قلبُه ولا ينسحق تحت ضغط هذا الألم؟ بل كيف يسمح له كفرُه أن يتمتع بالحياة ويتذوقَها؟.
الجواب:إنه يخادع نفسه بمغالطة شيطانية عجيبة، ويعيش مع الظن بتلذذ ظاهري، وسنشير إلى ماهيتها إن قس متداول:
يُحكى أنه قيل للنعامة "إبل الطير": لماذا لا تطيرين؟ فإنك تملكين الجناح، فقبضتْ جناحَيها وطوتهما قائلةً: أنا لست بطائر بل إبل، فأدخلت رأسَها في الرمل تاركةً جسدها الضخم للصياد فاستهدفها. ثم قالوا لها: فاحملي لنا إذن هذا الحمتلك النتِ إبلًا كما تدّعين، فعندها صفّت جناحيها ونشرتهما قائلة: أنا طائر. وتفلتت من تعب الحمل. ولكن ظلت فريدةً وحيدة دون غذاء ولا حماية من أحد وهدفًا للصيادين.
وعديدة.لكافر، بعد أن تزحزح من كفره المطلق أمام النُذر السماوية القرآنية تردّى في كفر مشكوك. فإذا سُئل: كيف تستطيع العيش وأمامك الموتُ والزوال اللذان تدّعي أنهما انع جزاءهدي؟ فهل يتمكن من الحياة ويتمتع بها مَن كان يسير بخطاه إلى حبل المشنقة؟ يجيب: لا، ليس الموت عَدَمًا، بل هناك احتمال للبقاء بعدَه، ذلك بعدما أخذ حَظَّه من شمول نور القرآن للعالمين ورحمته لهم فبدأ يتشكك في، حتى المطلق، أو أنه يدسّ رأسَه في رمل الغفلة كالنعامة، كي لا يراه الأجل ولا ينظر إليه القبرُ، ولا يرميه الزوالُ بسهم!.
والخلاصة:إنَّ الكافر شأنُه شأن النعامة فهو حينما يرى الموت والزوال عَدَمعلى أهول أن ينقذ نفسه من تلك الآلام بالتمسك والتشبث بما أخبر به القرآنُ الكريم والكتب السماوية جميعهُا إخبارًا قاطعًا من "الإيمان بالآخرة" والذي ولّد عنده احتمالًا للحياة بعد الموت.السماو وإذا ما قيل له: فما دام المصيرُ إلى عالم البقاء، فلِمَ إذن لا تؤدي الواجبات التي يفرضها عليك هذا الإيمان كي تسعد في ذلك العالم؟.
يجيب من زاوية كفره المشكوك: ربما ليس هناك عالمٰه الحفلِمَ إذن أُرهقُ نفسي؟!.. بمعنى أنه ينقذ نفسه من آلام الإعدام الأبدي في الموت بما وعَد القرآنُ بالحياة الباقية، فعندما تواجهه مشقّةُ التكاليف الدينية، يتراجع ويتشبث باحتمالات كفره المشكوك ويتلشوكان تلك التكاليف.
أي إن الكافر -من هذه الزاوية- يظن أنه يتمتع أكثرَ من المؤمن في حياته الدنيا، لأنه يفلت من عناء التكاليف الدينية باحتمالات كفره، وفي الوقت نفسه لا يدخل تحت قساوةِ الآلام الأبدية باحتماله ا عاجز ي. ولكن هذا في واقع الحال مغالطةٌ شيطانية مؤقتة تافهة بلا فائدة.
ومن هنا يتضح كيف أن هناك جانبًا من الرحمة الشاملة للقرآن الكريم حتى على الكفار، وذلك بتشكيكه إياهم في كفرهم المطلق. فنجّاهم -إلى حَدّ ما- من حياة كالجحمتها، لهم يستطيعون العيش في الحياة الدنيا بنوعٍ من الشك في كفرهم المطلق، وإلّا كانوا يقاسون آلامًا معنوية تذكّر بعذاب الجحيم وقد تدفعهم إلى الانتحار.
صده. إهل الإيمان! احتموا بحماية القرآن الكريم الذي أنقذكم من العدم المطلق ومن جحيم الدنيا والآخرة بكل يقينٍ وثقة واطمئنان، وادخلوا بالتسليم الكامل في الظلال الوارفة ل في الالمحمدية بكل استسلام وإعجاب.. وأنقذوا أنفسكم من شقاء الدنيا وعذاب الآخرة..
الإشارة التاسعة
سؤال:لِمَ غُلِبَ أهلُ الهداية وهم حزب اللّٰه في كثير من الأحيان أمام أهلِ الضلالة الذين هم حزب الشيطان؟ برغم أنهم أهل ا بعناية إلهية ورحمة ربّانية، ويتقدم صفوفَهم الأنبياءُ الكرام عليهم السلام ويقود الجميع فخرُ الكائنات محمد عليه الصلاة والسلام؟
وما بال قسم من أهل المدينة المنورة مَرَدوا على النفاغة).روا على الضلالة ولم يسلكوا الصراط السوي رغم أنهم كانوا يجاورون الرسول الأعظم (ص) الذي تسطع نبوّتُه ورسالتُه كالشمس وهو يُذكّرهم بالقرآن المعجز الذي يؤثر في النفوس كالإكسير الأعظم ويرشدهم بحقائقه التي تشدّ الجميعَ بقوة أعظم من جظاهرة،الكون؟
— 112 —
يستخف بالموجودات من حوله، ويستهين بها، ويمتهنها، ويناصبها العداء والكراهية.
النقطة الثانية:إنَّ محبة اللّٰه تستلزم اتباع السنة الطاهرة لمحمد (ص)، لأن حبَّ اللّٰه هو العمل بمرضياته، وأن مرضاته تتجلقُلْ ل صورها في ذات محمد (ص). والتشبه بذاته المباركة في الحركات والأفعال يأتي من جهتين:
إحداهما:جهة حب اللّٰه سبحانه وإطاعة أوامره، والحركة ضمن دائرة مرضاته، هذه الجهة تقتضي ذلك الاتباع، حيث إن أكملَ إمام وتُها ادوة في هذا الأمر هو محمد (ص).
وثانيتهما:جهة ذاته المباركة (ص) التي هي أسمى وسيلة للإحسان الإلهي غير المحدود للبشرية، فهي إذن أهلٌ لمحبة غير محدودة لأجل اللّٰه وفي سبيله.
والإنسان يرغب فطرةً في التشبه بالمحبوب ما أمكن تنبفالذين يسعَون في سبيل حب "حبيب اللّٰه" عليهم أن يبذلوا جهدهم للتشبه به باتباع سُنته الشريفة.
النقطة الثالثة:كما أن للّٰه سبحانه وتعالى رحمةً غير متناهية، فله سبحانه كذلك محبةٌ غير متناهية. وكما أنه يُحبب نفسَه -بصوينما ت محدودة- بمحاسن الكائنات جميعًا وبجمالها وزينتها إلى مخلوقاته، فإنه كذلك يحب مخلوقاته، ولاسيما أصحاب الشعور منهم الذين يقابلون تحببه لهم بالحب والتعظيآن الك فإن أسمى مقصد الإنسان في مرضاة ربه، وأجلّ سعيه هو أن
— 113 —
الجواب:للإجابة عن شِقَّي هذا السؤال المحيّر علينا أولًا أن نبين أساسًا راسخًا متينًا وهو: أنَّ خالق الكون جلّ وعلا له من الأسماء الحسنى أسماءٌ جلالية لهية اٌ جمالية. وحيث إن كلًا منها يُظهر حُكمَه بتجليات مختلفة عن الأخرى، لذا فإن الخالق سبحانه وتعالى قد مَزَجَ الأضدادَ ببعضها وجعل كُلّا منها يقابل الآخرَ، وأعطى كلًا منها صفةَ التدافع والتجاوز، فأوجد بذلك مبارزةً حكيمة ذات منا أمرًاا أوجد من الاختلافات والتغيّرات الناشئة من تجاوز تلك الأضداد لحدودِ بعضها البعض الآخر. فاقتضت حكمتُه سبحانه أن يسير هذا الكون ضمن دستور السموّ والكمال وحسب قانون التغيّر والتحول؛ لذا جعل الإنسانَ وهو الثمرةُ الجامعة لشجرة الخليقة يَتَّبِع ذلك لمتعلقن، أي قانون التدافع والمبارزة، اتباعًا شديد الغرابة حيث فَتح أمامَه بابَ "المجاهدة" التي يدور عليها رقيّ جميع الكمالات الإنسانية وتكاملها. فمن أجل هذا فقد أعطى سبحانه وتعالى حزبَ الشيطان شيئًا من الأجهزة والوسا لكونهمكّن من مواجهة حزب اللّٰه ويقابله في ميدان المعركة. وهذا هو السبب، في تمكّن أهل الضلالة وهم في أشدّ الضعف والوهن والعجز، من مقاومة أهل الحق الأقوياء معنويًّا الذين يتقدمهم الأنبياءُ عليهم السلام والتغلب عليهم تغلبًا مؤقتأمثل ق أما سرّ الحكمة في هذه المقاومة الغريبة فهي: أنَّ في الضلالة والكفر عَدَمًا وتركًا، وهو سهلٌ لا يحتاج إلى دفعٍ ولا إلى تحريك.. وفيها تخرية. فلوك، وهو سهلٌ وهيّن أيضًا، إذ تكفيه حركةٌ قليلة.. وفيها تجاوزٌ وتعدٍّ، فعملٌ قليل ويسير منه يؤدي إلى ضرر بالكثيرين فيوهم الآخرين أنهم على شيء فيستخفّون بهم ويستعلون عليهم بإرهابهم وفرعونيتهم.. وفيها تطمين لما في الإنسان من حونةِ الية وقوى نباتية وحيوانية لا ترى العاقبة ولا تفكر فيها وهي مفتونةٌ بالتذوق الآني والتلذذ الحاضر. فتلذذُ هذه القوى، وإشباعُ نهمها وانطلاقُها من عِقالها وتحررها يجعل اللطائفَ الإنسانية كالعقل والقلب تعدِل ذا الحئفها الأساس التي هي المشاعرُ الإنسانية السامية الساعية للعقبى.
أما طريق أهل الهداية والمسلك السامي للأنبياء عليهم السلام وفي المقدمة حبيبُ ربّ العالمين، الرلى أموأكرم (ص) فهي: وجودية وإيجابيةٌ وتعمير، كما أنها حركة واستقامة على الطريق والحدود، وهي تفكّر بالعقبى، وعبودية خالصة للّٰه، كما أنها سحقٌ لفرعونية النفس الأمّارة بالسوء وكبحٌ لجماحها؛ لذا أصبح منافقو المدينة اله الأخفي ذلك الوقت أمام هذه الأسس الإيجابية المتينة
— 114 —
وأمثالِها كالخفافيش أمام تلك الشمس الساطعة والسراج المنير فأغمضوا أعينهم عنها، فارتموا في أحضان القوة الدافعة الشيطانية، وظلوا في الضلالة ولم ينجذبوا بجاذبية القرآن العظمى وحقام بالسخالدة.
وإذا قيل:لما كان الرسول الأكرم (ص) حبيبَ رب العالمين ولا ينطق إلّا بالحقّ ولا يملك إلّا الحقيقة، وقد أمدّه اللّٰه في غزواته بملائكةٍ جنودًا مسوّمين، وارتوى جيشٌ كامل من غرفة من ماء تفجّر من ببالمشابعه، [٭]: انظر: البخاري، الوضوء ٣٢، المناقب ٢٥، المغازي ٣٥؛ مسلم، الامارة ٧٢، ٧٣، الفضائل ٥، ٦؛ الترمذي، المناقب ٦؛ النسائي، الطهارة ٦١؛ أحمد بن حنبل، المسند ٣/٣٢٩. وشَبعَ ألف من النوأغلب ةٍ مطبوخة وحفناتٍ من قمح، [٭]: انظر: البخاري، الهبة ٢٨، الأطعمة ٦، المغازي ٢٩، المناقب ٢٥؛ مسلم، الأشربة ١٤١، ١٤٢، ١٧٥؛ الترمذي، المناقب ٦؛ ابن ماجه، الأطعمة ٤٧؛ الموطأ، صفة النبي ١٩؛ أحمد بن حن وسأذمسند ١/١٩٧، ١٩٨. وهزم الكفارَ بقبضة من تراب رماها على عيونهم ودخلت تلك القبضة من التراب في عين كل كافر .. [٭]: انظر: مسلم، الجهاد ٨١؛ الدارمي، السير ١٦؛ أحمد بن حنبل، المسند ١/٣٠٣، ٣٦٨، ٥/ حينذا١٠. إن قائدًا ربّانيًّا يملك أمثالَ هذه المعجزات الباهرة وكثيرًا غيرها، كيف يُغلَب في نهاية "أُحد" [٭]: انظر: البخاري، الجهاد ٦٥، بدءهد الأ ١١، مناقب الأنصار ٢٢، المغازي ٨١، الإيمان ١٥، الديات ١٦؛ أبو داود، الجهاد ١٠٦؛ أحمد بن حنبل، المسند ٤/٢٩٣، ٢٩٤. وبداية "حُنَين"؟. [٭]: انظر: البخاري، المغازي ٥٤، الجهاد ٥٢، ٦١، ٩٧، ١٦٧؛ مسلم، الجهاد ٧٩شيئًا مذي، الجهاد ١٥.
الجواب:إن الرسول (ص) قد أُرسل إلى البشرية كافة، قدوةً وإمامًا ورائدًا، كي تتعلم منه مناهجَ الحياة الاجتماعية والشخصية ودساتيرَها، وتَتعوّد على الانقياد لقوانين الإرادة الإلهية الحكيمة وتنسجم مع دساتيرها الربانيإنه يك كان الرسول (ص) مستندًا إلى المعجزات وخوارق العادات في جميع أفعاله الشخصية منها والاجتماعية لَما تسنّى له أن يكون إمامًا مطلقًا ولا قدوةً كاملة حسنة للبشرية قاطبةً.
ولهذا السبب لم يُظهر (ص) االكافرت إلّا تصديقًا لدعواه، بشكل متفرق، عند الحاجة، لكسر عِناد المُنكِرين. أما في سائر الأوقات فقد كان (ص) مراعيًا بكل دقة لقوانين عادة اللّٰه ولسننه الجارية، ومطيعًا طاعةً كاملة لنواميسه المؤسسّة على ومَعاة الربانية والمشيئة الإلهية، كطاعته ومراعاته للأوامر الإلهية، لذا كان (ص) يلبس الدرعَ في الحروب، [٭]: انظر: أبو داود، الجهاد ٧٥؛ ابن ماجه، الجهاد ١٨؛ أحمد بن حنبل، المسند ٣/٤٤٩. ويأمر الجنود
— 115 —
بال وازدربالموانع ضد الأعداء، [٭]: انظر: البخاري، المغازي ٢٩، الجهاد ٣٤، ١٦١، القدر ١٦، التمني ٧؛ مسلم، الجهاد ١٢٥. ويُجرَح ويتأذى ويتحمل المشقّات.. [٭]: انظر: البخاري، الجهاد ٨٠، ٨٥، ١٦٣، الوضوء ٧٢، المغازي ٢٤ر: الباح ١٢٣، الطب ٢٧؛ مسلم، الجهاد ١٠١؛ الترمذي، الطب ٣٤؛ ابن ماجه، الطب ١٥. كل ذلك لكي يُبيّن مدى طاعته الكاملة ومراعاتِه للقوانين الإلهية الحكيمة، وانقياده التام لشريعة الفطرة الكونية ونواميسها.
الإشارة العاشرةالعاطلن لإبليس دسيسةً كبرى هي أنه يجعل الذين اتبّعوه يُنكرون وجودَه. سنذكر شيئًا حول هذه المسألة البديهية، وجود الشياطين. حيث يتردد في عصرنا هذا في قبولها ى بأفضالذين تلوثت أفكارهم بالفلسفة المادية، فنقول:
أولًا:مثلما هو ثابت بالمشاهدة ثبوتًا قطعيًّا وجود أرواحٍ خبيثة في أجساد بشرية في عالم الإنسان، وأحد وظيفةَ الشيطان وأعماله. كذلك ثابت ثبوتًا قطعيًّا وجودُ أرواح خبيثة بلا أجساد في عالم الجن، فلو أن هؤلاء أُلبسوا أجسادًا مادية لأصبحوا تمامًا مثل أولئك البشر الأشرار. وكذلك لو تمكن شيحسب درالإنس -الذين هم على صور بشرية- من نزع أجسادهم لأصبحوا أبالسة الجن.
فبناء على هذه العلاقة الوطيدة ذهب أحدُ المذاهب الباطلة الفاسدة إللنقوش الأرواح الخبيثة الشريرة المتجسدة بصورة أَناسي تتحول إلى شياطين بعد موتها"!.
ومن المعلوم أنه إذا ما فسد الشيءُ الثمين يكون فسادهُ أشدَّ من فساد الش التي خيص، كما هو في فساد اللبن أو الحليب حيث يمكن أن يؤكلا، أما إذا فسدَ الدهنُ فلا يمكن أكلُه، إذ قد يكون كالسمّ. وهكذا الإنسان الذي هو أكرم المخلوقات بل ذروتها وقمّتها، إذا فسد فإنه يكون أفسد وأحط من الحيوان الفاسد نفسه. فيكوني الجورات التي تأنس بالعفونة وتريحُها الروائح الكريهة، وكالحيّات التي تلتذ بلدغ الآخرين. بل يتباهى بتلذذه بالأخلاق الدنيئة النابتة في مستنقع الضلالة، ويستمرئ الأضرار والجرائم الناجمة في ظلمات الظلم. فيكون إذن قرينًا للشيطان ومخدمة ا لماهيته.
— 116 —
نعم، إن الدليل القاطع على وجود شياطين الجنّ هو وجود شياطين الإنس.
ثانيًا:إن مئات الدلائل القطعية في "الكلمة التاسعة والعشرين" لإثبات وجود الملائكة والعالم الروحاني، هيالأحبةا دلائل لإثبات وجود الشياطين أيضًا. نحيل إليها.
ثالثًا:إن وجود الملائكة الذين هم بحكم الممثلين والمشرفين على ما في أمور الخير الموجودة في الكون من قوانين كما أنه ثابت باتفاق الأديان، كذلك وجود الشياطين والأرواح الخبيثة الذيلاص وتمثلو الأمور الشريرة والمباشرون لها وتدور حولهم قوانينُها، فإنه قطعي الثبوت حكمةً وحقيقةً. بل وجود سببٍ وستارٍ مستتر من كائن ذي شعور في ممارسة الأمور الشريرة أكثر ضرورةً، وذلك لعجز كل شخص عنتضرع إى الحُسنَ الحقيقي لجميع الأمور، كما ذكرنا في مستهل "الكلمة الثانية والعشرين". فلأجل ألّا تحدّثه نفسُه باعتراضٍ على أمور الخالق سبحانه بما يُتوهم من نقصٍ أو شرّ ظاهريين، ويتهم رحمتَه أو ينتقد حكمتَه أو يشكو بغير حقٍ، جعل الخالقُ الكريم الحكيم اينها اوسائطَ وأسبابًا ظاهرية مادية ستارًا لأمور قَدَره، وحُجُبًا لتتوجه إليها الاعتراضات والانتقادات والشكاوى، ولا تتوجه إليه سبحانه وتعالى. فقد جعل الأمراضَ والمصائب مثلًا أسبابًا وستارًا للأجل، لكي لا تتوجه الاعتراضات وت "٤" م مَلَك الموت "عزرائيل عليه السلام". وجعل مَلَكَ الموت نفسه حجابًا لقبض الأرواح، لئلا تتوجه الشكاوى والانتقادات الناتجة من الأمور التي يُتوهم أنها بغير رحمة إليه سبحانه وتعالى.. وهكذا وبقطعية أكثر اقتضت الحكمةُ الرّبانية وجودَ الشياطين لتجروحه ليهم الاعتراضاتُ الناشئة من الشرور والأضرار والفساد.
رابعًا:كما أن الإنسان عالمٌ صغير، كذلك العالمُ إنسان كبير، فهذا الإنسان يمثّل خلاصة الإنسان الكبير وفهرسه، فالنماذجُ المصغّرة في الإنسان لابهر بأفصولَها الكبيرة المعظمة موجودةٌ في الإنسان الأكبر بالضرورة.
فمثلًا:إنَّ وجود القوة الحافظة في الإنسان دليلٌ قطعي على وجود اللوح المحفوظ في العالم. لبًا. يشعر كلٌّ منا ويحسّ أن في قرارة نفسه وفي زاوية من زوايا قلبه آلةً وعضوًا للوسوسة وهي اللمّة الشيطانية التي هي لسانٌ شيطانيٌ يتكلم بتلقينات القوة الواهمة، هذهأفكار قد تحولت بفسادها إلى شيطان مصغر، لأنها لا تتحرك إلّا ضدَّ اختيار الإنسان وإرادته
— 117 —
وخلاف رغباته الحقيقية. إن هذا الذي يشعر به كلُّ إنسان حِسًا وحَدْسًا في نفسه دليلٌ قطعي على وجود الشياط في خدبيرة في العالم الكبير. ثم إن هذه اللمّة الشيطانية وتلك القوة الواهمة تُشعران بوجود نفسٍ شريرةٍ خارجية تنفث في الأولى وتستنطق الثانية وتستخدمُها ك أن يهواللسان.
الإشارة الحادية عشرة
يعبّر القرآنُ الكريم بأسلوب معجِز عن غضب الكائنات وتغيّظِ عناصر الكون جميعِها وتهيّج الموجودات كافة من شر أهل الضلالة، عندما يصف اشتراك السماء والأرض بالهجوم على قكثرة اح عليه السلام" في الطوفان، وعصف الرياح بقوم "عاد" والصيحة على "ثمود"، وهيجان الماء على قوم فرعون، ونقمة الأرض على قارون.. عند رفضهم الإيمان حتى إن جهنم
تكادُ تميّزُ من الغيظ
(الملك: ٨). وهكذا يبين القرآنُ الكريم غَضَبَ الموجودات وحدّتها لَ القل الضلالة والعصيان ويزجرهم بهذا الأسلوب الإعجازي الفريد.
سؤال:لِمَ تجلب هذه الأعمال التافهة الصادرة عن أشخاص لا وزنَ لهم باقترافهم ذنوبًا شخصية، سَخَطَ الكون وغضبه؟
الجواب:لقد أثبتنا في الإشارات السابقة وفي رسائل متفرقة أخرى:
س فالنفر والضلالة تجاوزٌ شنيع وتعدٍّ رهيب، وجريمةٌ تتعلق بجميع الموجودات. ذلك لأن أهل الكفر والضلالة يرفضون الغايةَ السامية والنتيجة العظمى لخلق الكائنات التي هي عبودية الإنسان وتوجّهه بالإيمان والطاعة والانقياد : إن اية الإلهية. فإنكارهم هذه النتيجة العظمى للكون -التي هي العلّة الغائية وسبب بقاء الموجودات- نوعٌ من تعدٍّ على حقوق جميع المخلوقات.
وحيث إن الموجودات قاطبة تتجلى فيها الأسماء الإلهية الحسنى وكأن كلَّ جزء منها مرآةٌ ر لا يجليات أنوار تلك الأسماء المقدسة، فيكتسب ذلك الجزءُ أهميةً بها ويرتفع منزلةً، فإن إنكار الكافر لتلك الأسماء الحسنى ولتلك المنزلة الرفيعة للموجودات وأهميتِها هو إهانةٌ عظيمة وتحقير شديد فوق كونه تشويهًا ومسخًا وتحريفًا إزاء تلك الأسماء.
— 118 —
المذكّلك فإن كل مخلوق في هذا الكون قد أُوكل إليه وظيفة، وكل جزء أُنيط به أمر، أي إن لكل شيء في الوجود مهامَّ معينة، فهو إذن بمثابة مأمورٍ وموظف ربّاني. فالكافر بكفره يسلبه تلك الوظيفة المهمة ويجعله جامدًا لا معنى له، وفانيًا لا غاية له، فيهينه بذنقصَ اقّره. وهكذا يظهر تعدّي الكفر ويتبين تجاوزه على حقوق الموجودات جميعها.
ولما كانت الضلالة بأنواعها المختلفة -كلٌّ حسب درجتها- تنكر الحكمة الرّبانيةآن لماق الكائنات، وترفض المقاصدَ الإلهية في بقاء العالم، فإن الموجودات بدورها تتهيّج، والمخلوقاتُ تثور، والكائناتُ تغضب على الكفر وأهله.
فيا أيها الإنسان العاجز المسكين!. ويا مَن جسمُه صغير وذنبهُ جَسيم وظلمُه عظيم!. إنْالأجر اغبًا في النجاة من غضبةِ العالم ونفور المخلوقات وثورة الموجودات فدونك سبيلَ النجاة وهو الدخول في دائرة القرآن الحكيم المقدسة.. واتّباع المبلّغ الأمين (ص) في سنّته المطهّرة. ادخل.. واتبع.خمة اللإشارة الثانية عشرة
جواب عن أربعة أسئلة:
السؤال الأول:أين وجهُ العدالة في عذاب مقيم في جهنم لذنوبٍ محدودة في حياة محدودة؟
الجواب:لقد فُهِم بشكل واضح من الإشاراتنزّه وقة ولاسيما الإشارة الحادية عشرة، أن جريمة الكفر والضلالة ليست محدودة، وإنما هي جنايةٌ لا نهاية لها واعتداء على حقوقٍ لا حدّ لها.
السؤال الثاني:ما سرّ جبُ من فيما جاء في الشرع: إن جهنمَ جزاءُ عملٍ أما الجنّة فهي فضلٌ إلهي؟..
الجواب:لقد تبين في الإشارات السابقة: أن الإنسان يكون سببًا لتدميرٍ هائل وشرور كثيرة بإرادة جزئية بلا إيجاد، وبكسبٍ جزئي، وبتشكيله أمرًا عدميّا أو اعتباريًا وإ. فهذالثبوت له. ولأن نفسَه وهواه يميلان إلى الأضرار والشرور دائمًا، لذا يتحمل هو مسؤوليةَ السيئات
— 119 —
الناتجة من ذلك الكسب الجزئي اليسير. ذلك لأن نفسَه هي التي أرادتالأواصَه الذاتي هو المسبّب، ولأن ذلك الشرّ عدميٌّ أصبح العبدُ فاعلًا له، واللّٰه سبحانه خَلَقَه فصار الإنسان مستحقًا لتحمل مسؤولية تلك الجريمة غير المحدودة بعذاب غير محدود.
أما الحسناتُ فما دامت وجودية أصيلة،طريقه ون الكسبُ الإنساني والإرادة الجزئية عِلّة مُوجِدة لها، فالإنسان ليس فاعلًا حقيقيًا لها. لأن نفسَ الإنسان الأمّارة بالسوء لا تميل إلى الحسنات، بلار ما ة الإلهية هي التي تريدها، وقدرتُه سبحانه هي التي تخلقها. إلّا أن الإنسان يمكن أن يكون مالكًا لتلك الحسنات بالإيمان وبالرغبة وبالنيّة. وأما بعد تملّكها فإن تلك الحسنات هي بذاتها شكرٌ للنعم الإلهية غير المحدودة التي أسبغها اللّٰهثال هذه وتعالى على الإنسان، وفي مقدمتها نعمةُ الوجود ونعمة الإيمان. أي إن تلك الحسنات شكرٌ للنعم السابقة، لذا فالجنّة التي وعَدَها اللّٰه لعباده تُوهَب بفضلٍ رحماني خالص، فهي وإن كانت ظاهرًا مكافأة للمؤمن إللا يمكا في حقيقتها تفضّلٌ منه سبحانه وتعالى.
إذن فالنفس الإنسانية لكونها المسبّبة للسيئات فهي التي تستحق الجزاء. أما في الحسنات فلما كان السببُ من اللّٰه سبحانه وكذلك العلّة أسوة حمتلكها الإنسان بالإيمان وحدَه فلا يمكنه أن يطالب بثوابها، بل يرجو الفضل منه سبحانه.
السؤال الثالث:لما كانت السيئات تتعدد بالتجاوز وائًا منر كما تبيّن فيما سبق، كان المفروض أن تُكتَب كلُّ سيئةٍ بألفٍ، أما الحسناتُ فلأنها إيجابية ووجودية فلا تتعدد ماديًا، حيث إنها لا تحصل بإيجاد العبد ولا برغبة النفس، فكان يجب ألّا تُكتب، أو تُكتَب حسنةً واحدة. فللّٰه ُكتب السيئةُ بمثلها والحسنةُ بعشرِ أمثالها أو أحيانًا بألف؟.
الجواب:إنَّ اللّٰه جلّ وعلا يبيّن لنا -بهذه الصورة- كمالَ رحمته وسعتَها وجمالَ كونه رحيمًا بعباده.
السؤال الرابع:إن الانتصارات التي يحرزها أهلُ الضلالة ارت به والصلابة التي يظهرونها، وتغلّبهم على أهل الهداية تُظهر لنا أنهم يستندون إلى حقيقة ويَركنون إلى قوة، فإما أن هناك ضعفًا ووهنًا في أهل الهداية، أو أن في هؤلاء الضالّين حقيقةً وأصالة!. أسعدُجواب:كلّا ثم كلّا.. فليس في أهل الهداية ضعف ولا في أهل الضلالة حقيقة،
— 120 —
ولكن مع الأسف يُبتلى جمعٌ من قصيري النظر -من السذج الذين لا يملكون موازين- باما أن والانهزام، فيصيب عقيدتَهم الخللُ بقولهم: لو أنّ أهلَ الحق على صِدقٍ وصواب لما كان ينبغي أن يُغلَبوا ولا ي~0 لّوا إلى هذا الحد. إذ الحقة الثاوية وإن القاعدة الأساسية هي: (الحق يعلو ولا يُعلى عليه) (الاسلام يعلو ولايعلى): انظر: الدارقطني، السنن ٣/٢٥٢؛ البيهقي، السنن الكبرى ٦/٢٠٥، الطبرانيُؤْثِعجم الأوسط ٦/١٢٨، المعجم الصغير ٢/١٥٥؛ وعلقه البخاري في الجنائز ٧٩. والمشهور على الألسنة زيادة (على) آخرًا، بل هي رواية أحمد. والمشهور ايضًا على الألسنة: الحق يعلو ولايعلى عليه، كشف الصه ووف/١٢٧. ولو لم يكن أهلُ الباطل -الذين يصدّون ويغلبون أهل الحق- على قوة حقيقية وقاعدة رصينة ونقطة استناد متين، لما كانوا يَغلبون أهل الحق ويتفوقون عليهم إلى هذه الدرجة.
وجواب ذلك:لقد أثبتنا في الإشارات السابقة إثباتًا قاتَ سُبن انهزام أهل الحق أمام أهل الباطل لا يتأتى من أنهم ليسوا على حقيقة ولا من أنهم ضعفاء، وأن انتصار أهل الضلالة وتغلّبهم ليس ناشئًا من قوتهم ولا من وجود مستندٍ لهم. فمضمون تلك الإشارات السابقة بأجمعهاويقيم ابُ هذا السؤال، ولكننا نكتفي هنا بالإشارة إلى دسائسهم وشيء من أسلحتهم المستعملة.
لقد شاهدتُ مرارًا بنفسي أن عشرةً في المائة من أهل الفساد يَغلِبون تسعين في المائة من أهل الصلاح. المؤمنحارُ في هذا الأمر، ثم بإمعان النظر فيه، فَهمتُ يقينًا أن ذلك التغلب والسيطرة لم يَكُ ناتجًا من قوة ذاتية ولا من قدرة أصيلة يمتلكها أهلُ الباطل، وإنما من طريقتهم الفاسدة، وسفالتهم ودناءتهما يتفكهم التخريبي، واغتنامهم اختلاف أهل الحق وإلقاء الخلافات والحزازات فيما بينهم، واستغلال نقاط الضعف عندهم والنفث فيها، وإثارة الغرائز الحيوانية والنفسانية والأغراض الشخصية عندهم، واستخدامهم الاستعدادات المضرّة ا" على كالمعادن الفاسدة الكامنة في سبيكة فطرة الإنسان، والتربيت على فرعونية النفس باسم الشهرة والرتبة والنفوذ.. وخوف الناس من تخريباتهم الظالمة فإن اّرة... وأمثال هذه الدسائس الشيطانية يتغلبون بها على أهل الحق تغلبًا مؤقتًا. ولكن هذا الانتصار الوقتي لهم لا قيمة له ولا أهمية أمام بشرى اللّٰه تعالى:
والعاقِبَةُ للمُتَقين
(الأعرنباط أ) والسر الكامن في (الحقُ يعلو ولا يُعلى عليه). إذ يصبح سببًا لدخولهم النار وفوز أهل الحق بالجنّة.
— 121 —
فلأجل ظهور الضعيف الهزيل في الضلالة بمظهر القوة، واكتساب التافهين فيها شُهرةً وصِيتًا، يسلكها كلُّ أناني مُراءٍ مولَع بالشُهرة فيقوم بإرهلك عبدخرين والاعتداء عليهم وإضرارهم، للحصول على منزلةٍ وكسبِ شُهرة، فيقف في صف المعادين لأهل الحق ليسترعي انتباه الناس ويجلب أنظارهم، وليذكروه بإسنادهم أعمال التخريب إليه تلك التي لم تنشأ من قوةٍ وقدرة ذاتية له بن قوي ركه الخيرَ وتعطيلِه له. حتى سار مثلًا: أن أحد المُغرمين بالشهرة قد لوّث المسجد الطاهر حتى يذكره الناس، وقد ذكروه فعلًا.. ولكن باللعنة، إلّا أن حبّه الشديد للشهرة زيّن له هذا الذكر اللعين فرآه حسنًا.
فيا أيها الإنسان حمد وين المخلوق لعالم الخلود والمُبتلى بهذه الدنيا الفانية! أمعن النظر في الآية الكريمة وأنصت إليها:
فَما بَكتْ عَليهم السَّمَاء والأرض
(الدخان:٢٩) وانظر ماذا تفيد.. إنها تعلن صراحةً أن ال هذه ا والأرض التي لها علاقة بالإنسان لا تبكي على جنازةِ أهل الضلالة عند موتهم.. أي إنها راضيةٌ بفراقهم مرتاحةٌ بموتهم. وإنها تشير ضمنًا أن السماوات والأرض تبكي على جنازة أهلِ ا البذة عند موتهم، فلا تتحمل فراقَهم، إذ إن الكائنات جميعًا مرتبطةٌ مع أهل الإيمان، وذات علاقة بهم، وإنها راضيةٌ عنهم، لأنهم يعرفون -بالإيمان- ربَّ العالمين فيحملون حُبًّا للموجودات ويقدرون قيالقدرةوليسوا كأولئك الضالين الذين يضمرون العِداء للموجودات ويحقّرونها.
فيا أيها الإنسان! تأمل في عاقبتك، وفكّر في مصيرك، فأنت لا محالةَ صائرٌ حُجُبموت، فإن كنت ممن جعل هواه تبعًا للشيطان، فإن جميعَ الذين حولك من الجيران حتى الأقارب سيُسَرّون بنجاتهم من شرورك، وإن كنت مستعيذًا باللت الوا الشيطان الرجيم ومتّبعًا لأوامر القرآن الكريم وسنّة حبيب رب العالمين (ص) فستحزن عليك السماواتُ والأرض، وتبكى معنًى لفراقك الموجوداتُ جميعها جته النك بهذا المأتم العلوي والنعي الشامل إلى باب القبر معبّرين بذلك عما أُعدّ لك من حسن الاستقبال حسب درجتك في عالم البقاء.
— 122 —
الإشارة الثالثة عشرة
تتضمن ثلاث نقاط:عالم انقطة الأولى:إنَّ أعظم كيدٍ للشيطان هو خداعُه لضيّقي الصدر، وقاصري الفكر من الناس، من جهة عظمةِ الحقائق الإيمانية بقوله: كيف يمكن تصديق ما يقال: أن وا تنشد حدًا هو الذي يدبّر ضمن ربوبيته شؤونَ جميع الذرات والنجوم والسيارات وسائرِ الموجودات ويدير أمورها بأحوالها كافة؟ فكيف تُصدَّق وتَقرُّ في القلب هذه المسألة العجيبة العظيمة؟ وكيف يقنع بها الفكرُ؟.. مثيرًا بذلك ٤٧ الزإنكاريًا من نقطة عجز الإنسان وضعفه.
الجواب:"اللّٰه أكبر" هو الجواب الحقيقي المُلجِم لهذه الدسيسة الشيطانية وهو المُسكت لها.
نعم، إن كثرةَ تكرار "اللّٰه أكبر" وإعادتها في جميع الشعائر الإسلامية، مُالرزاقلهذا الكيد الشيطاني، لأن الإنسان بقوتِه العاجزة وقدرته الضعيفة وفكره المحدود يرى تلك الحقائق الإيمانية غير المحدودة ويصدّقُها بنور "اللّٰه أكبر" ويحمل تلك الحقائق بقوة "اللّٰه أكبر" وتستقر عنده ضمن دائرة "اللّٰه أكبر"م شيعةب قلبَه المبتلى بالوسوسة قائلًا: إن تدبير شؤون هذه الكائنات وإدارتها بهذا النظام الرائع الذي يراه كلُّ ذي بصر لا تُفسّر إلّا بطريقتين:
الأولىي أنَّالممكنة، ولكنها معجزةٌ خارقة. لأن أثرًا كهذا الأثر المُعجز لاشك أنه ناتج من عملٍ خارقٍ وبطريقةٍ معجزة أيضًا. وهذه الطريقة هي أن الموجودات قاطبة لم تُخلق إلّا بربوبية الأحد الصمد وبإرادته وقدرته، وهي شاهدةٌ على وجوده سبحانه بعدُنجَز ها.
الثانية:وهي طريق الكفر والشرك، الممتنعة والصعبة من جميع النواحي، وغير المعقولة إلى درجة الاستحالة؛ لأنه يلزم أن يكون لكل موجود في الكون، بل في كل ذرّة فيه، ألوهيةٌ مطلقة وعلمٌ محيط واسعٌ، وقدرةٌ شاملة غير هة أن ة كي تظهر إلى الوجود نقوشُ الصنعة البديعة المتكاملة بهذا النظام والإتقان الرائعَين المشاهدين، وبهذا التقدير والتميّز الدقيقين.. وتلك هي ما بيّنا امتناعَها واستحالتَها وأثبتناها بدلائل قاطعة كممر الإالمكتوب العشرين" و"الكلمة الثانية والعشرين" وفي رسائل أخرى كثيرة.
— 123 —
والخلاصة:لو لم تكن ربوبيةٌ ذاتُ عظمة وكبرياء لائقةٌ لتدبير الشؤون لَوجبَ حينئذٍ سلوكُ طريق ممتنع وغير معقول من جميع الجهات. فحتى الشيطانُ نفسه لن يكلّف أحمان اندخول في هذا المحال الممتنع بترك تلك العظمة والكبرياء اللائقة المستحقة الضرورية.
النقطة الثانية:إنَّ دسيسة مهمة للشيطان هي: دفعُ الإنسان إلى عدم الاعتراف بتقصيره. كي يسدّ عليه طريق الاسني هذهوالاستعاذة، مثيرًا فيه أنانية النفس لتدافع كالمحامي عن ذاتها، وتنزّهها عن كل نقص.
نعم، إنَّ نفسًا تصغي إلى الشيطان لا ترغب في أنْ تنظر إلى تقصيرها وعيوبها، حتى إذا رأتها فإنها تؤتبارك بتأويلات عديدة. فتنظر إلى ذاتها وأعمالها بعين الرضا، كما قال الشاعر: وَعَیيْنُ الرِّضَا عَنْ كُلِّ عَيْبٍ كَلِيلَةٌ... [٭]: البيت منسوب للشاعر أبي الطيب المتنبي.
فلا ترى عيبًا، لذا لا تعترف بتقصيرها، ومن ثم فلا تستغف القطعٰه ولا تستعيذ به فتكون أُضحوكة للشيطان. وكيف يوثق بهذه النفس الأمّارة بالسوء ويعتمد عليها، وقد ذكرها القرآن الكريم بلسان نبيّ عظيم، يوسف عليه السلام:
وَمَا أُبَرّىءُ نَفسي إنَ النفسَ لأمارةٌ ب القسم إلّا ما رحِمَ رَبّي
(يوسف:٥٣) فمَن يَتّهم نفسَه يرَ عيوبَها وتقصيرها، ومَن اعترفَ بتقصير نفسه يستغفر ربَّه، ومَن يستغفر ربَّهُ يستَعِذ به من الشيطان الرجيم وعندها ينجو من شروره.. وإنه لتقصير أكبر ألّا يرى الإنسانذا فأنره، وإنه لنقصٌ أعظم كذلك ألّا يعترف بنقصه. ومن يرى عيبَه وتقصيره فقد انتفى عنه العيب، حتى إذا ما اعترف يصبح مستحقًا للعفو.
النقطة الثالثة:إنَّ ما يُفسد الحياة الاجتماعية للإنسان هي الدسيسة الشيطانية الأخبره إنه يحجب بسيئةٍ واحدة للمؤمن جميعَ حسناته. فالذين يُلقون السمعَ إلى هذا الكيد الشيطاني من غير المُنصفين يُعادون المؤمن. بينما اللّٰه سبحانه وتعالى عندما يزن أعمالَ المكلّفين بميزانه الأكبر وبعدالته ال حدّ ايوم الحشر فإنه يحكم من حيث رجَحان الحسنات أو السيئات. وقد يمحو بحسنة واحدة ويُذهب ذنوبًا كثيرة. حيث إن ارتكاب السيئات والآثام سهلٌ ويسير ووسائلها كثيرة. فينبغي إذن التعامل في هذه الدنيا والج تلك مثل ميزان العدل الإلهي، فإن كانت حسناتُ شخصٍ أكثر من سيئاته كميةً أو نوعيةً فإنه يستحق المحبة
— 124 —
والاحترام. بل ينبغي أن ينظر إلى كثير من سيئاته بعين على هذوالمغفرة والتجاوز لحسنةٍ واحدة ذات نوعية خاصة.
غير أن الإنسان ينسى، بتلقينٍ من الشيطان، وبما يَكمُنُ من الظلم في جبلّته، مئاتٍ من حسنات أخيه المؤمن لأجل سيئةٍ واحدة بدرت منه فيبدأ بمعاداته، ويلحقائق الآثام. فكما أن وضع جناح بعوضة أمام العين مباشرةً يحجب رؤيةَ جبل شاهق، فالحقدُ كذلك يجعل السيئة -التي هي بحجم جناح بعوضة- تحجب رؤيةَ حسناتٍ كالجبل الشامخ، فينسى الإنسانُعي المك ذكر الحسنات ويبدأ بعداء أخيه المؤمن، ويصبح عضوًا فاسدًا وآلةَ تدمير في حياة المؤمنين الاجتماعية.
وهناك دسيسة أخرى مشابهة لهذه ومماثلة لها في إفساد سلامة تفكير المؤمن والإخلال باستقامتها وبصحة النظرة إلى الحقائق الإيمانية وهي أنه يحاول إب أما كم مئات الدلائل الثبوتية -حول حقيقة إيمانية- بشبهة تدل على نفيها. علمًا أن القاعدة هي: أن دليلًا واحدًا ثبوتيًا يرجّح على كثير من أمارات تدل على النفي، وأن حكمًا لشاهدٍ ثبوتي واحد لدعوى، يؤخذ به ويُرجّح على مة التي المنكرين النافين.
ولنوضح هذه الحقيقة في ضوء هذا المثال:
بناية عظيمة لها مئات من الأبواب المقفلة، يمكن الدخول فيها بفتح باب واحد منها، وعندها تفإلى انة الأبواب، ولا يمنع بقاء قسم من الأبواب مقفلة من الدخول في البناية. فالحقائق الإيمانية هي كتلك البناية العظيمة، وكلُّ دليل ثبوتي هو مفتاح يفتح بابًا معينًا، فلا يمكن إنكار تلك الحقيًا أن يمانية أو العُدول عنها بمجرد بقاء بابٍ واحد مسدود من بين تلك المئات من الأبواب المفتوحة. ولكن الشيطان يقنع جماعة من الناس بقوله لهم: لا يمكن الدخول إلى هذه البنبد القيرًا إلى أحد تلك الأبواب المسدودة، بسباب كالجهل أو الغفلة ليُسقِط من الاعتبار جميع الأدلة الثبوتية، فيغريهم بقوله: إنَّ هذا القصر لا يمكن الدخول فيه أبدًا، فأنت تحسبه قصرًا وهو ليس بقصر، وليس فيه شيء!.
فيا أيها الإنسان المسكين!. المبتلى بدفرّ منلشيطان وكيده!. إن كنتَ ترجو سلامة حياتك الدينية وحياتك الشخصية وحياتك الاجتماعية وتطلب صحةَ الفكر واستقامةَ الرؤية
— 125 —
وسلامةَ القلب، فَزِنْ أعمالك وخواطرك بموازين القر وقت كحكمة والسُنّة المحمدية الشريفة، واجعل رائدك القرآن الكريم ومرشدك السُنّة النبوية الشريفة. وتَضَرّع إلى اللّٰه العلي القدير بقولك: "أعوذ باللّٰه من الشيطان الرجيم".
فتلك ثللمسائلة إشارة، وهي ثلاثة عشر مفتاحًا لتفتح بها القلعة المتينة والحصن الحصين لآخر سورة من القرآن المعجز البيان في المصحف الشريف. وهي كنز الاستعاذة باللّٰه من الشيطان الرجيمومقنعً مفصل لها.. فافتحها بهذه المفاتيح.. وادخل فيها تجد السلامة والاطمئنان والأمان .
أعُوذُ باللّٰه منَ الشَّيطانِ الرَّجيم
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
قل اعوذ برب الناس ٭ ملك الناس ٭ اِله الناس ٭ من شر الوسواس الخناس٭ الذي يوسوس فيقى بالالناس ٭ من الجِنةِ والناس
(سورة الناس)
سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا اِلّا ما عَلَّمْتَنا اِنَّكَ اَنْتَ الْعَليمُ الْحَكيم
وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين ٭ واعوذ بك رب ان يحضرون
— 126 —
اللمعة الرابعة عشرة
عبارة عن مقامين
المقاالمكانل
جواب عن سؤالين
بِاسْمِهِ سُبْحَانَهُ
وَاِنْ مِنْ شَيءٍ اِلّا يُسَبِحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته.
أخي العزيز الصادق الوفي السيد رأفت!
إن ما سألتموه من سؤال حول "الثور ومى في قد ورد جوابه في بعض الرسائل. وقد بُيّنت في "الغصن الثالث من الكلمة الرابعة والعشرين" اثنتا عشرة قاعدة مهمة ضمن اثني عشر أصلًا حول هذا النوع من الأسئلة، تلك القواعد تمثل أُسسًا مهمةً لدفع الشبهات والأوهام الواردة علطبيعيةاديث الشريفة، فكل قاعدة منها محكٌّ جيد لبيان التأويلات المختلفة حول الأحاديث النبوية.
أخي! إنني لا أنشغل إلّا بالسوانح القلبية، فهناك حالات طارئة المديوقت الحاضر تحول -مع الأسف- دون اشتغالي بالمسائل العلمية؛ لذلك لا أستطيع الإجابة عن سؤالكم بجواب شافٍ، وإنْ وَفّق اللّٰه وفتح علينا سوانحال يقي أضطر إلى الانشغال بها. وربما يُجاب عن
— 127 —
أسئلةٍ لتوافقها مع السوانح، فلا تتضايقوا، إذ لا أستطيع الإجابة عن كلٍّ من أسئلتكم إجابة وافية. فلأجِب هذه المرة عن سؤالكم.
تللمعة يا أخي في سؤالكم: أنَّ علماء الدين يقولون: الأرضُ تقوم على الحوت والثور، علمًا أن الجغرافية تراها كوكبًا معلقًا يدور في السماء كأي كوكب آخر، فلا ثور ولا حوت.
الجواب:هناك رواية صحيحة تُاللّٰهى ابن عباس رضي اللّٰه عنهما، تقول: سُئل الرسول (ص): على أي شيء تقوم الأرض؟. أجاب: على الثور والحوت. وفي رواية أخرى، قال مرة: على الثور ومرة: على الحوت. [٭]: أخرجه الحاكم ( ٤ / ٦٣٦، رقم ٨٧٥٦) الحديث صحيح ولم يخرهي في تعقبه المنذرى فى الترغيب والترهيب ( ٤ / ٢٥٨) فقال : في متنه نكارة واللّٰه أعلم. وانظر: أبو الشيخ، العظمة ٣/١٠٣٢، ٤/١٣٨٣، ١٤٠٠، ١٤٠٣. ابن رجب، التخويف من النار ص ١٠١؛ الهيثمي، مجمع الزوائد ٨/ ١٣١؛ ابن الجوزي، الملحُكم / ١٧٢. ولكن عددًا من المحدّثين طبقوا هذه الرواية على حكايات خرافية وقديمة وردت عن الإسرائيليات، ولاسيما من علماء بني إسرائيل الذين أسلموا، فهؤلاء غيَّروا معنى الحديث وحوّلوه إلى معنًى عجيب غريب جدًّا، حيث طبقوا الح بليغلى ما شاهدوه من حكايات حول الثور والحوت في الكتب السابقة.
ونحن هنا نشير باختصار شديد إلى "ثلاثة أسس" و"ثلاثة وجوه" لدى الإجابة عن سؤالكم:
الأساس الأول:لقد حمل قسمٌ من علماء بني إسرائيل بعد إسلامهم معلوماتآنه السابقة معهم إلى الإسلام، فأصبحت مُلكَ الإسلام أي ضمن المعارف الإسلامية . علمًا أن معلوماتِهم السابقة تحوي أخطاءً. فتلك الأخطاءُ بلا شك تعود إليهم لا إلى الإسلام.
الأساس الثاني:إن التشبيهات والتمثيلات كلما انتقلت من الخواص إلى العوام، أقمم ال سَرت من يد العلم إلى يد الجهل عُدّت حقائقَ ملموسة بمرور الزمن، أي كأنها حقائقُ واقعة وليست تشبيهات.
فمثلا:حينما كنت صبيًا خُسف القمر، فسألت والدتي: ما هذا الذي حدث للقمر؟. قالت: ابتلعته الحيةُ!. قلت: ولكنه يتبين! قالتوأعتقدلحيَّات في السماء شفافة كالزجاج تشفّ عما في بطنها. كنت أتذكر هذه الحادثة كثيرًا وأسائل نفسي: كيف تدور خرافةٌ بعيدة عن الحقيقة إلى هذه الدرجة على لسان والدتي الحصيفة الجادة في كلامها؟.
— 128 —
وواد النما طالعت علم الفلك رأيت أن الذين يقولون كما تقول والدتي، قد تلقّوا التشبيه كحقيقة واقعية؛ لأن الفلكيين شبهوا القوسَين الناشئين من تداخ إقبالة الشمس، وهي منطقة البروج ومدارُ درجاتها، مع دائرة القمر وهي ميلُ القمر ومدار منازله، شبهوهما تشبيهًا لطيفًا بحيّتين ضخمتين، وسموهما تنينَين، وأطلقوا على وانكم قطتي تقاطع تلك الدائرتين "الرأس" والأخرى "الذنب". فحينما يبلغ القمرُ الرأس والشمس الذنب تحصل حيلولة الأرض -كما يصطلح عليها الفلكيون- أي تقع الأرضُ من الا تمامًا، وعندها يُخسف القمر. أي كأن القمر يدخل في فم التنين، حسب التشبيه السابق.
وهكذا عندما سرى هذا التشبيهُ العلمي الراقي بمرور اه العيلى كلام العوام غدا التشبيه تنينًا عظيمًا مجسمًا يبتلع القمرَ!.
وكذلك المَلَكان العظيمان المسمّيان بالثور والحوت، قد أُطلق عليهما هذان الاسمان في تشبيه لطيف سامٍ، وفي إشارة ذات مغزى. ولكن لما انتقل التشبيهُ اللطيف، من لسان وهذا ا البليغ السامي إلى لسان العوام، بمرور الزمن، انقلب التشبيهُ إلى حقيقة واقعة، فاتخذ المَلكان صورةَ ثورٍ ضخم وحوتٍ هائل.
الأساس الثالث:كما أن للقرآن الكريم متشابهاتٍ، يرشد المسائل الدقيقة العميقة للعوام بالتشبًا ذو تمثيل، كذلك للحديث الشريف متشابهاتٌ يعبّر عن الحقائق الواسعة بتشبيهاتٍ مأنوسة لدى العوام. مثال ذلك ما ذكرناه في رسائل أخرى:
أنه عندما سُمع دويّ في مجلس الرسول (ص) قال: "هذا حجر يتدحرج منذ سبعين سنة في جهنم فالآن حين وصل إلى قعرها". [٭]:ن عقل! مسلم، الجنة ١٢؛ أحمد بن حنبل، المسند، ٣/٣١٥، ٣٤١، ٣٤٦. وبعد مضي دقائق جاء أحدهم وقال: "إن المنافق الفلاني المعلوم الذي يبلغ سبعين سنة من العمر قد مات". فأعلن عن الحقيقة الواقعة بالتشبيه البليغ الذي ذكره الرسول (ص).
أما عن سؤالِب أثرخي فسنذكر له ثلاثة وجوه:
الوجه الأول:أنَّ اللّٰه سبحانه قد عين أربعًا من الملائكة العظام في العرش والسماوات للإشراف على سلطنة ربوبيته. اسم واحد منهم "النسر" واسم آخر "الثور". [٭]ي رسائ: البيهقي، الأسماء والصفات ص ٤٠٣ ؛ السيوطي، الدر المنثور ١/٣٢٩، ٦/٢٦١ .
— 129 —
أما الأرض التي هي شقيقةٌ صغيرة للسماوات ورفيقةٌ أمينة للسيارات فقد عُين لها مَلكان مشرفان يحملانها، يطلق على أحدهما: "الثور" وعلى الآنقاذ احوت". والحكمة في تسميتهما بهذين الاسمين هي أن الأرض قسمان: البر والبحر، أي اليابسة والماء. فالذي يُعَمِّر البحرَ أو الماء هو الحوت أو السمك، أما الذي يُعَمِّر البرَّ والمة ذاتهو الثور، حيث إن مدار حياة الإنسان على الزراعة المحمولة على كاهل الثور.
فالمَلكان الموكلان بالأرض إذن هما قائدان لها ومشرفان عليها، لذا لهما تعلقٌ وارتباط ومناسبة -من جهة- مع طائفة ا كل مونوع الثور. ولربما -والعلم عند اللّٰه- يتمثلان في عالم الملكوت وفي عالم المثال على صورة الحوت والثور.
(٭): نعم: إن الكرة الأرضية إنما هي كسفينة تمخر عباب بحر الفضاء فالذي يجري هذه السفينة الضكون مُتي لا شعور لها بانتظام دقيق ويسوقها لحكمة معينة بالأمر الإلهي، أي إن قائد تلك السفينة وربانها إنما هو الملَك الذي يطلق عليه اسم "الحوت". وهي أيضًا -أي الأرانبسطترعة للآخرة كما هو ثابت في الحديث الشريف، فالذي يشرف على تلك المزرعة، من الملائكة - بالإذن الإلهي هو الملك الذي يطلق عليه اسم "الثور". ولا يخفى ما لهذا الإطلاق الجميل من انسجام لطيف. (المؤلف)س لدينارةً إلى هذه المناسبة والعلاقة، وإيماءً إلى ذينك النوعين من مخلوقات الأرض، قال الذي أُوتي جوامعَ الكلم (ص): "الأرض على الثور والحوت" فأفاد بجملة للمشيئوجيزة بليغة عن حقيقة عظيمة عميقة قد لا يُعَبّر عنها في صحيفة كاملة.
الوجه الثاني:لو قيل: بمَ تقوم هذه الدولة؟ فالجواب: على السيف والقلم: أي تستند إلى قوة سيف الجيش وشجاعته وإقدامه، وعلى الثماقلم الموظفين وعدالتهم.
وحيث إن الأرض مسكنُ الأحياء، وسيدُ الأحياء الإنسان، والقِسم الأعظم من الناس يقطنون السواحل ومعيشتهم على السمك، والباقون تدور معيشتهم على الزراعة الاطينُ على عاتق الثور ومحور تجارتهم على السمك. فمثلما يمكن القول: إن الدولة تقوم على السيف والقلم، يمكن كذلك القول: إنَّ الأرض تقوم على الثور والحوت؛ لأنه متى ما أحجم اكر الصعن العمل ولم يلقِ السمك ملايين البيوض دفعة واحدة، فلا عيشَ للإنسان وتنهار الحياة، ويدمر الخالقُ الحكيم سبحانه الأرضَ.
وهكذا أجاب الرسول الكريم (ص) عن السؤال بحكمة سامية وببلاغة معجزة وبكلمتين اثنتين مبينًا حقيقةً واسعة تتعلق بمدى ارتباط حيا نسأسان بالحيوان فقال (ص): "الأرض على الثور والحوت".
— 130 —
الوجه الثالث:إنَّ الشمس في نظر علماء الفلك القديم تدور والأرض ثابتة. وعبّروا عن كل ثلاثين درجة من درجات الشمس بی"البرج" فلو مُدت خطوكمة وااضية بين نجوم تلك البروج لحصل ما يشبه صورة الأسد أحيانًا، أو صورة الميزان، أو صورة الثور، أو صورة الحوت، لذا بينوا تلك البروج بتلك الأسماء.
أما علمُ الفلك الحاضر فيرى أنَّ الشمس لا تدور حول الأرض، بل الأرضُ تدور حول القول يعطل العمل في تلك البروج، فلابد أنَّ لتلك البروج العاطلة عن العمل والدوائر الهائلة دوائر بمقياس أصغر في مدار الأرض السنوي، أي أصبحت البروجُ ل من تية تتمثل في مدار الأرض السنوي، وعندئذ تدخل الأرضُ كل شهر في ظل أحد البروج وتكون ضمن انعكاسه، فكأن مدار الأرض السنوي مرآة تتمثل فيها صورة البروج السماوية.
وهكذا بناء على هذا الوركة ال المسألة- فقد قال الرسول الأعظم (ص) كما ذكرنا سابقًا "على الثور" مرة و"على الحوت" مرة أخرى.
نعم إنه حَريٌّ بلسان ذلك النبي الكريم المعجز أنْ يقول مرة: "على الثور" مشيرًا به إلى حقيقة عميقة لا تُدرك إلّا بعد قرون " لا ي حيث إن الأرض في تلك الفترة -أي فترة السؤال- كانت في الصورة المثالية لبرج الثور، بينما عندما سُئل (ص) السؤالَ نفسه بعد شهر قال: "على الحوت" لأن الأرض كانت في ظِل برج ال المقص وهكذا أشار (ص) بقوله: "على الثور والحوت" إلى هذه الحقيقة العظيمة التي ستظهر في المستقبل وتتوضح.. وأشار به إلى حركة الأرض وسياحتها.. ورمزَ به إلى أنى منافج السماوية الحقيقية والعاملة هي التي في مدار الأرض السنوي، والأرضُ هي القائمة بالوظيفة والسياحة في تلك البروج، بينما التي بالنسبة للشمس عاطلة دون أجرام سيارة فيها. واللّٰه أعلم بالصواب.
وأما ما جاء من حكايات خارجة عن طلحكمة،قل في بعض الكتب الإسلامية حول الثور والحوت. فإما أنها من الإسرائيليات، أو هي تشبيهات وتمثيلات، أو أنها تأويلاتُ بعض الرواة، حسبها الذين لا يتحرَّون الدقة أنها من الحديث نفسه وأسندوها إعن الام الرسول (ص).
ربنا لا تؤاخذنا إنْ نَسِينا أو أخطأنا
سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا اِلّا ما عَلَّمْتَنا اِنَّكَ اَنْتَ الْعَليمُ الْحَكيم
— 131 —
السؤال الثاني: يخص أهل العباء.
أخي!
سنذكر حكمةً واحدة فقط من الحِكه، ويويرة التي ينطوي عليها سؤالكم حول "أهل العباء" الذي ظل بلا جواب، وهي: أنَّ أسرارًا وحكمًا كثيرة في إلقاء الرسول (ص) عباءه (ملاءته) المباركة التي كان يلبسها على علي وفاطمة والحسن والحسين رضي اللّٰه عنهم أجدارين ثم دعاؤه لهم [٭]: انظر: مسلم، فضائل الصحابة ٦١؛ الترمذي، تفسير سورة الأحزاب ٧، المناقب ٣١؛ أحمد بن حنبل، المسند ١/٣٣٠، ٤/١٠٧. في هذا الو محبوبذه الآية الكريمة:
...ليُذهِبَ عَنكُم الرجسَ أهلَ البيتِ ويُطَهِّركُم تطهيرًا
(الأحزاب:٣٣). ولكننا لا نخوض في أسراره، ولا نذكر إلّا حكمةً من حِكمه التي تتعلق بمهمة الرسالة وهي:
أنَّ الرسول الكريم (ص) قد رأى بنظر النبوة الأنيس اصة في، النافذ إلى المستقبل، أنه بعد نحو ثلاثين أو أربعين سنة ستقع فتنٌ عظيمة في صفوف الصحابة والتابعين، وستُراق الدماء الزكية. فشاهد أن أبرز مَنْ فيها هم الأشخاصُ الثلاثة الذين ستَرَهم تحت عباءته. فلأجل الكن لا عن تبرئة علي في نظر الأمة.. وتسلية الحسين وعزائه.. وتهنئة الحسن وإظهار شرفه ومكانته وعظيم نفعه للأمة برفعه فتنة كبيرة بالصلح.. وطهارة نسل فاطمة وشرافتهم وأهليتهم بلقب أهل البيت، ذقَالُونوان الشريف الرفيع.. لأجل كل ذلك ستر (ص) أولئك الأربعة مع نفسه تحت ذلك العباء واهبًا لهم ذلك العنوان المشرف: آل العباء الخمسة. [٭]: انظر: م قيامهضائل الصحابة ٦١؛ ابن ابي شيبة، المصنف ٦/٣٧٠
نعم، إنَّ سيدنا عليًا رضي اللّٰه عنه كان خليفة للمسلمين بحقٍ، ولكن لأن الدماء الزكية التي أُريقت جليلةٌ فإن براءته منها وتبرئتَه في نظر الأمة لها أهميتُها من حيث وظيفة الرسالة. لذا يُردت رولرسول الكريم (ص) ساحتَه بتلك الصورة. فيدعو إلى السكوت بحقه كلَّ من ينتقده ويُخطئه ويضلله من الخوارج والموالين للأمويين المتجاوزين عليه.
نعم، إن الخوارج وأتباع الأمويبرؤيتهغالين بتفريطهم في حق سيدنا علي رضي اللّٰه عنه وتضليلهم له وإفراطِ الشيعة وغلوِّهم وبدعهم وتبرّيهم من الشيخين مع وقوع الفاجعة
— 132 —
الأليمة على الحسين رضي اللّٰه عنه، قد أضرّ أهلَ الإسلام أيّما ضمتناهيلرسول الكريم (ص) ينجي بهذا الدعاء والعباء عليًا والحسين من المسؤولية والتُهم، وينقذ أمتَه من سوء الظن في حقهما كما يهنئ - من حيث مهمة الرسالة - الحسنَ الذي أحسن إلى الأمة بالصُلح الذي قام به، ويعلن أهمية سل المبارك الذي يتسلسل من فاطمة سينالون شرفًا رفيعًا، وأن فاطمة ستكون كريمةً من حيث ذريتها كما قالت أم مريم في قوله تعالى:
واني اعيذها بكَ وذُريتها من الشيطان الرجيم
(آل عمران:٣٦)
اللّٰهم صلّ على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الحارم ا الأبرار وعلى أصحابه المجاهدين المكرمين الأخيار. آمين.
— 133 —
المقام الثاني
يضم هذا المقام ستةً من أُلوف أسرار
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
فلاسفةيه:لقد ظهر عن بُعدٍ لعقلي الخامد نورٌ ساطعٌ أشرق من أُفق رحمة اللّٰه في البسملة. فأردتُ تسجيله في صورةِ ملاحظات ومذكِّرات خاصة بيّ، وقمتُ بمحاولة اقتناص ذلك يباري الباهر بإحاطته بسورٍ من أسراره البالغة نحو ثلاثين سرًا، كي يسهُل حصرُه ويتيسر تدوينه، إلّا أنني مع الأسف لم أُوفَّق تمامًا الآن في مسعرّ من نحسرت الأسرارُ إلى ستة فقط.
والخطاب في هذا المقام موجّه إلى نفسي بالذات. فحينما أقول: "أيها الإنسان!" أعني به نفسي.
فهذا الدرس مع كونه خاصًا بي إلّا أنني أعرضه للأنظار الصائبة لأخوتي المدققين ليكون "المقام الثاني من الى التالرابعة عشرة" وعلّه يكون موضع فائدة لمن ارتبط بي برباط روحي، والذي نفسُه أكثر يقظةً مني وانتباهًا.
هذا الدرس متوجّه إلى القلب أكثر منه إلى العقل ومتطلّع إلى الذوق الروحي أكثر منه إلى الدليل اآية ال.
— 134 —
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
قاَلتْ: يا ايُها المَلؤا اِني اُلقِيَ اِليَّ كیِتابٌ كَريم٭ اِنّه مِنْ سُلَيْمیینَ واِنه بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
(النمل:٢٩-٣٠)
سنذكر في هذا المقام بضعةً من الأسرار:
السر الأول:فيالآن م تأملي في البسملة رأيتُ نورًا من أنوار
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
على الصورة الآتية:
إنَّ هناك ثلاثَ علامات نيّرة ساطعة للربوبية على سيماء الكائنات، وعلى قَسماترَ الحلأرض، وعلى ملامح وجه الإنسان. هذه العلامات الزاهرة والآيات الساطعة متداخلٌ بعضُها في البعض الآخر، حتى إن كلًا منها يبين نموذجَ الآخر ومثاله.
فالعلامة ا الدائهي علامةُ الأُلوهية، تلك الآية الكبرى، الساطعةُ من التعاون والتساند والتعانق والتجاوب الجاري في أجزاء الكون كله؛ بحيث يتوجه بسم اللّٰه إليها ويدل عليها.
العلامة الثانية:هي علامة الرحمانية، تلك أعظم (العظمى، الزاهرةُ من التشابه والتناسب والانتظام والانسجام واللطف والرحمة الساري في تربية النباتات والحيوانات؛ بحيث يتوجّه بسم اللّٰه الرحمن إليها ويدل عليها. تغرق العلامة الثالثة:وهي علامة الرحيمية، تلك العلامة السامية، الظاهرةُ من لطائف رحمة اللّٰه ولطائف رأفته ودقائق شفقته وأشعة رحمته المنطبعة على سيماء الماهية الجامعة للإنسان، بنية الوجّه اسم "الرحيم" الذي في
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
إليها ويدل عليها.
أي إن
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
عنوانٌ قُدسي لثلاث آيات من آيات الأحدية، حتى إنه يُشكّل سَطرًا نورانيًا في كتاب الوجود، ويخط خطًا من ال في صحيفة العالم، ويمثل حبلًا متينًا بين الخالق والمخلوق. أي أن
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
نزولًا من
— 135 —
العرش الأعظم يرتبط طرفه ونهايته بالإنسان الذي هو ثمرة الكائنات ونسخةُ العالم المصغرة، فيربط الفرشَ بالعرش الأعظم،ة العي سبيلًا ممَهدًا لعروج الإنسان إلى عرش كمالاته.
السر الثاني:إن القرآن الكريم يبين دومًا تجلي "الأحدية" ضمن تجلي "الواحدية" ليحُول د مَثل العقول وتشتتها في تلك "الواحدية" الظاهرة في مخلوقات كثيرة لا يحصرها العدّ.
ولنوضح ذلك بمثال:الشمس تحيط بضيائها بما لا يحدّ من الأشياء. فلأجل ملاحظةِ ذاتِ الطبيعة، مجموع ضيائها يلزم أن يكون هناك تصورٌ واسعٌ جدًّا ونظر شامل. لذا تُظهِرُ الشمسُ ذاتَها بوساطة انعكاس ضوئها في كل شيء شفاف، أي يُظهِر كلُّ لماعٍ حسلوجه -يته جلوةَ الشمس الذاتية مع خواصها كالضياء والحرارة، وذلك لئلا تُنسى ذاتُ الشمس. ومثلما يُظهِر كلُّ لماع الشمسَ بجميع صفاتها حسب قابليته، تحيط أيضًا كلُّ صفةٍ من صفات الشمس كالحرارة والضياء وألوانِه السبعة بكلِّومدار ابلها من أشياء.
ولا مشاحة في الأمثال وللّٰه المثل الاعلى فكما أنَّ للّٰه سبحانه الأحد الصمد تجليًا في كل شيء بجميع أسمائه الحسنى، ولاسيما في الأحياء، وبخاصةٍ ي عنه.ة ماهية الإنسان. كذلك كل اسم من أسمائه الحسنى المتعلقة بالموجودات يحيط بالموجودات جميعًا من حيث الوحدة والواحدية. فيضع سبحانه وتعالى طابعَ الأحدية في الواحدية نصبَ عين الإنسان وأمام نظره كيلا فضلا العقولُ وتغيب في سعة الواحدية ولئلا تنسى القلوبُ وتذهل عن الذات الإلهية المقدسة.
فی بسم اللّٰه الرحمن الرحيم يدل على ثلاثٍ من العقد المهمة لذلك الطابع المميز ويبينها.
السر الثالث:إنه بدزّهةً ل مشاهَد أن الرحمة الإلهية هي التي أبهجت الكائنات التي لا يحدها حدود..
وأن الرحمة نفسها هي التي أنارت هذه الموجودات المغشية بالظلمات..
— 136 —
وأن الا ابتليضًا هي التي ربَّت في أحضانها هذه المخلوقات المتقلبة في حاجات لا حدّ لها..
وأن الرحمة أيضًا هي التي وجّهت الكائنات من كل صَوب وحَدب وساقتها نحو الإنسان وسخَّرتْها له، بل جعلتها انت لدإلى معاونته وتسعى لإمداده، كما تتوجه أجزاءُ الشجرة إلى ثمرتها..
وأن الرحمة أيضًا هي التي عمَّرت هذا الفضاء الواسع وزيَّنت هذا العالم الخالي..
وأن الرحمة نفسها هي التي جعلت هذا الإنسان الفاني مُرشحًاتهم فود والبقاء، وأهَّلته لتلقّي خطاب رب العالمين ومَنَحَتْه فضل ولايته سبحانه.
فيا أيها الإنسان!
ما دامت الرحمةُ محبوبة، ولها من القوة والجاذبينًا أنمداد إلى هذا الحد، فاستعصم بتلك الحقيقة بقولك بسم اللّٰه الرحمن الرحيم وأنقذ نفسك من هول الوحشة المطلقة، وخلّصها من آلام حاجات لانهاية لها، وتقرّب إلى ذي العرش الاعفوا وكن مخاطَبًا أمينًا وخليلًا صادقًا له، بأنوار تلك الرحمة ورأفتها.
نعم، إن حشدَ الكائنات وجمعَها حول الإنسان ضمن حكمةٍ مقدَّرة، وجعلَ كلٍّ منها يمد يد العون إليه لدفع حاجاته المتزايدة، نابع بلا شك المضرّى حالتين اثنتين: فإما أن كل نوع من أنواع الكائنات يعرف الإنسان ويعلم به فيطيعه ويسعى لخدمته، أي إن هذا الإنسان الغارق في عجز مطلق يملك قدرة سلطان مطلق (وهذا بعيد كل البعد عن منطق العقل فضلًا عما فيه من محالات لا تحد).. أو إن هذا التعاثال هؤإمداد إنما يتم بعلمٍ محيط لقادر مطلق محتجب وراء الكائنات.. أي إن أنواع الكائنات لا تعرف هذا الإنسان لتُمد له يدَ العون، وإنما هي دلائل على مَن يعرف هذا الإنسان ويرحمه، ويعلم بحاله.. وهو الخالق الرحيم.
فيا أيها الإنسانعندما إلى رشدك! أوَ يمكن ألّا يعلم بك وألّا يراك هذا الربُّ الرحيم، وهو الذي دفع المخلوقات لمعاونتك ملبيةً جميع حاجاتك؟
فما دام سبحانه يَعلمُ بك ويُعلِمُك بعلمهِ هذا بإسباغ رحمته عليك، فمريمة ت إلّا بذل الجهد لمعرفته، والسعي لإظهار معرفتك له بتوقير أوامره.
— 137 —
واعلم يقينًا أنه ليست إلّا حقيقةُ الرحمة الإلهية -التي تسع الحكمةَ والعناية والعلمَ ووية ال- قد سخَّرتْ لك هذه الكائنات، وجَعَلَتها طوع إرادتك، وأنت المخلوق الضعيف الصغير العاجز الفقير الفاني.
فرحمةٌ عظيمة إلى هذا الحد، واسعةٌ إلى هذا القدر.. لعبادةنها تطلب منك شكرًا كليًا خالصًا، وتعظيمًا لا يَشوبُه شيءٌ.
فاعلم أنه لا يُترجم لك ذلك الشكرَ الكلي والتعظيم الخالص إلّا بسم اللّٰه الرحمن الرحيم. فقله، واتخذه وسيلةً لبلوغك تلك الرحمة الواسعة، واجعله شفيعًا لك لدى الرح تلدغ،حيم.
حقًا! إن وجودَ الرحمة وظهورَها أظهرُ من الشمس في كبد السماء؛ إذ كما يحصل نسجُ نقشٍ جميل في المركز من تناسق لُحمَته وسَداه ومن انتظام أوضاع خيوطٍ تمتد من كل جهة نحو المركز.. فإن خيوطَ شعاع النور الناب درجة جلي ألف اسم واسم من الأسماء الحسنى، والممتدة إلى هذا الكون الشاسع تنسج على سيمائه نسيجًا في غاية الروعة والجمال ضمن إطار الرحمة السابغة، حتى يُظنصف دقعقول -أوضحَ من الشمس للعيون- ختمًا واضحًا للرحيمية، ونقشًا رائعًا للشفقة والرأفة، وشعارًا بديعًا للعناية.
نعم، إنَّ الذي ينظّم الشمس والقمر والعناصر والمعادن والنباتات والحيواناي، بل سقها جميعًا بأشعة ألف اسم واسم، كأنها لُحمةُ نقشٍ بديعٍ وسَداه، وخيوطُه النورانية، ويسخّرها جميعًا في خدمة الحياة.. والذي يُظهر رأفتَه وشفقته على الخلق أجمعين بما أودع في الوالدات -من نبات وحيوانل دائرالشفقة الحلوة اللذيذة تجاه صغارها.. والذي أظهر أسطع تجليات رحمته، وأجمل نقوش ربوبيته سبحانه، بتسخيره الأحياء لحياة الإنسان، مبينًا به منزلة مين علن لديه وأهميته عنده.. هو الرحمن ذو الجمال الذي جعل رحمته الواسعة هذه شفيعةً مقبولة مأنوسة لدى غناه المطلق، يتشفّع بها ذوو الحياة والإنسان المفتقر فقرًا مطلقًا إلى تلك الرحمة.
فيا أيها الإنسان!
إ]: في إنسانًا حقًا، فقل: بسم اللّٰه الرحمن الرحيم لتظفر بذلك الشفيع.
— 138 —
إنه بديهي، بل مشاهَد أن الرحمة هي التي تربي طوائفَ النباتات والحيوانات التي تربوالآخريربعمائة ألف طائفة، رغم تباينها وتنوعها.. وهي التي تدير أمورها جميعًا بلا التباس ولا نسيان ولا اختلاط، وفي أنسبِ وقت وأكمل نظام وأتم حكمة وأوفق عناية، حتى وضَعَتْ بهذه الإدارة والتربية طابعدل علىدية وختمَها على سيماء الأرض.
نعم، إنَّ وجود تلك الرحمة ثابت وقطعي كوجود الموجودات المبثوثة على الأرض، كما أن دلائل تحققها بعدد تلك الموجودات.
ومثلما نشاهد على وجه الأرض آيةَ الأحدية وسمتَها وختمَ الرحمة وطابعَها، فإن علىعون وث الماهية المعنوية الإنسانية أيضًا طابعَ الرحمة.. هذا الطابع والختم ليس بأقل وضوحًا من ذلك الذي على وجه الأرض، ولا من ذلك الذي على وجه الكائنات.. بل إن سمة هذه الرحمة لها من الجامعية والشمول حتى كأنها بعبود.
امّةٌ لأنوار تجليات الأسماء الحسنى.
فيا أيها الإنسان!
إن الذي وهب لك هذه السيماء، ووضع عليها الرحمةَ وخَتَمها بختم الأحدية، أمِن الممكن أن يتركك سُدًى، ولا يكترث بك ولا يهتم ولا يراقب أعمالك وحركاتك؟ أوَ من الممكن أن يجعلفيظ الجميع الكائنات المتوجهة إليك عبثًا لا طائلَ من ورائها؟ أو يجعل شجرة الخلقة العظيمة شجرة تافهة، وثمرتها ثمرة فاسدة؟ أم هل يمكن أن يضع رحمته الظاهرة ظهور الشمس -والتي لا تحتمل شكًا ولا ريبًا- ويضع حكمتَء ومن ضحة وضوح النور، موضعَ الإنكار والجحود؟ كلّا.. ثم كلّا.. تعالى اللّٰه عن ذلك علوًا كبيرًا.
فيا أيها الإنسان!
اعلم أن لبلوغ عرش تلك الرحمة معراجًا.. ذلك المعراًا فخمبسم اللّٰه الرحمن الرحيم
فإن شئت أن تعرف مدى أهمية هذا المعراج ومدى عظمتِه ومكانته فانظر إلى مستهل سور القرآن الكريم البالغة مائة وأربع عشرة سورة، وانظر بدايات كل كتا غير ض، ولاحظ بدء كل أمر ذي بال. حتى يُعدّ حجة قاطعة على عظمة البسملة وعلو قدرها ما قاله الإمام الشافعي
— 139 —
رضي اللّٰه عنه وأمثاله من المجتهدين ارة. فب "إنَّ البسملة رغم أنها آية واحدة فإنها نزلت في القرآن مائة وأربع عشرة مرة". [٭]: الشافعي، الأم ١/٢٠٨؛ الجصاص أحكام القرآن ١/٨؛ الغزالي، المستصفى ١/٨٢؛ ابن الجوزي، التحقيق في أحاديث الخلاف ١/٣٤٥-٣ب اشتهوائد، نصب الراية ١/٣٢٧
السر الرابع:إنَّ تجلي الواحدية في مخلوقاتٍ لا حدّ لها، لا يحيط به كلُّ مَن يقول: اياك نعبد. حيث يتشتت الفكرُ ويتيه في تتخص الثرة، إذ يلزم لملاحظة ذات اللّٰه الأحد من خلال مجموع المخلوقات لدى خطاب: اياك نعبد واياك نستعين وجودَ قلبٍ واسعٍ يسع الأرض كلها.
فبناءً على هذا السر الدقيق فإن اللّٰه سبحانه يبيّن بجلاء طابعَ الأحدية في كل جزءٍ مثلما يُظهِره في كل نو ونوعًلك لتُشَدَّ الأنظارُ إلى ذات اللّٰه الأحد، وليتمكن كلُّ شخص -مهما بلغتْ مرتبتُه- من التوجّه المباشر في خطابه : اياك نعبد واياك نستعين إلى ذات اللّٰه الأقالشعورانه من دون تكلّف أو صعوبة.
فتبيانًا لهذا السر العظيم فإن القرآن الكريم عندما يبحث في آيات اللّٰه في أجواء الآفاق وفي أوسع الدوائر إذا ب كأنه ر أصغرَ دائرةٍ من دوائر المخلوقات وأدقَّ جزئيةٍ من جزئياتها، إظهارًا لطابع الأحدية بوضوح في كل شيء.
مثال ذلك:عندما يبين القرآن الكريشيعة ع خلق السماوات والأرض يعقبها بآياتِ خلق الإنسان وبيانِ دقائق النعمة في صوته وبدائع الحكمة في ملامحه، كي لا يتشتت الفكرُ في آفاق شاسعة، ولالمسكي القلبُ في كثرة غير متناهية، ولتبلغ الروحُ معبودَها الحق دون وساطة.
فالآية الكريمة الآتية تبين الحقيقة السابقة بيانًا معجزًا:
ومِنْ آياتِه خَلْقُ السّمییواتِ والأرضِ واختلافُ ألْسِنَتِكُم وألوانِكُم
(الروم:حوت.
نعم، إن آيات الوحدانية وأختامَها مع أنها قد وُضعت في المخلوقات بكثرة غير متناهية، ابتداءً من أوسع الأختام وأكثرها كلية إلى أصغرها جزئية، في دوائر متداخلة وفي
— 140 —
مراتب متنوعة وأنواع شتى، إلّا أن وضوحَ هذت المفتام للوحدانية -مهما بلغ من الظهور- فهو وضوحٌ ضمن كثرةٍ من المخلوقات لا يُوفي حقَّ الوفاء حقيقةَ الخطاب في اياك نعبد لذا يلزم وجودَ طابع الأحدية في ثنايا ختم الوحدانية، كي يفتح الطريق أمام القلب لمُنعم إلى ذات اللّٰه الأقدس من دون أن يذكّره بالكثرة.
ثم، لأجل لفت الأنظارِ إلى طابع الأحدية، وجلبِ القلوب نحوها، فقد وُضع فوق تلك السمة للأحدية نقشٌ بديعٌ في منتهى الجاذبية، ونورٌ باهر في منتهى السطوع، وحلاوةٌ لذيذة في منتهى الذوق، وجمخنازيربوب في منتهى الحُسن، وحقيقة رصينة في منتهى القوة، تلك هي سمةُ الرحمة وختمُ الرحيمية.
نعم، إن قوة تلك الرحمة هي التي تجلب أنظار ذوي الشعور نحوها فتُوصلها إلى طابع الأحدية وتجعلها تلاحظ ذات ا، ويدفلأقدس حتى تجعل الإنسان يحظى بالخطاب الحقيقي في اياك نعبد واياك نستعين
وهكذا فی بسم اللّٰه الرحمن الرحيم من حيث إنه فهرسٌ لفاتحة الكتاب المبين وخلاصةٌ مجملة له، قد أصبح عنوانًا لهذا السر العظيم المذكور، وترجمانًا له، فالذي يتمكن من أد البع هذا العنوان يستطيع أن يجول في طبقات الرحمة، والذي يستنطق هذا الترجمان يتعرّف على أسرار الرحمة ويتعلمها ويشاهد أنوار الرحيمية والرأفة.
السر الخامس:لقد ورد في حديث شريف "إن اللّٰه خلق آدمَ على صورة الرحمن" [٭]: انظر: الحافظ في من ال٥/١٨٣؛ ابن أبى عاصم في السنة ١/٢٢٨؛ الطبرانى ١٢/٤٣٠؛ الدارقطنى، الصفات (ص ٣٦، رقم: ٤٨) عن ابن عمر بلفظ: (لا تقبحوا الوجه فإن اللّٰه خلق آدم على صورة الرحمن عز وجل). أو كما قال (ص).
فسَّمنتظر ٌ من أهل الطرق الصوفية هذا الحديثَ الشريف تفسيرًا عجيبًا لا يليق بالعقائد الإيمانية، ولا ينسجم معها. بل بلغ ببعضٍ من أهل العشق أن نظروا إلى السيماء المعنوي للإنسان نظرتَهم إلى صورة الرحمن! ولمّا كان في أغلب أهل العنية واةٌ استغراقية ذاهلةٌ والتباس في الأمور، فلربما يُعذَرون في تلقّياتهم المخالفة للحقيقة. إلّا أن أهل الصحو، وأهل الوعي والرشاد يرفضون رفضًا باتًا تلك المعاني المنافية لأسس عقائد الفايا ص ولا يقبلونها قطعًا. ولو رضيَ بها أحدٌ فقد سقط في خطأ وجانَبَ الصواب.
— 141 —
نعم، إن الذي يدبّر أمور الكون ويهيمن على شؤونه بسهولة ويُساء القرة قصر أو بيت.. والذي يحرك النجومَ وأجرامَ السماء كالذرات بمنتهى الحكمة والسهولة.. والذي تنقاد إليه الذراتُ وتأتمر بأمره وتخضع لحكمه.. إن الذي يفعل هذا كله هو اللّٰه القدوسُ سبحانه.. فكما أنه مما ذُكمقدّس عن الشرك؛ فلا شريكَ له، ولا نظيرَ، ولا ضدّ ولا ندّ، فليس له قطعًا مثيلٌ ولا مثالٌ ولا شبيهٌ ولا صورةٌ أيضًا، وذلك بنص الآية الكريمةخبر أح كَمِثْلِه شئٌ وهو السَّميعُ البَصيرُ
(الشورى: ١١) إلّا أن شؤونه الحكيمة وصفاتِه الجليلة وأسماءه الحسنى يُنظَر إليها بمنظار التمثيل والمَثَل حسب مضمون الآية الكريمة:
ولَه المَثَلُ الأعلى في السّمیییوات والأرك هي مالعزيزُ الحكيمُ
(الروم: ٢٧). أي إن المَثَل والتمثيل واردٌ في النظر إلى شؤونه الحكيمة سبحانه.
ولهذا الحديث الشريف مقاصدُ جليلةٌ كثيرة، منها: أنَّ الإنسان مخلوقٌ على صورة تُظهِر تجلي اسم اللّٰه "ن وأن " إظهارًا تامًا. فلقد بينا في الأسرار السابقة أنه مثلما يتجلى اسمُ "الرحمن" من شعاعات مظاهر ألف اسمٍ واسم من الأسماء الحسنى على وجه الكون، ومثلما يُعْرَض اسمُ "الرحمن" بتجليات لا تحدّ للربوبية المطلقة على سيماءم أن أ، كذلك يُظهِر سبحانه التجلي الأتم لذلك الاسم "الرحمن" في الصورة الجامعة للإنسان، يُظهِره بمقياسٍ مصغر بمِثلِ ما يُظهره في سيماء الأرض وسيماءيز ولّ بمقياس أوسعَ وأكبر.
وفي الحديث الشريف إشارةٌ كذلك إلى أن في الإنسان والأحياء من المظاهر الدالة على "الرحمن الرحيم" ما هو بمثابة مرايا عاكسة إظهارًته سبحانه، فدلالةُ الإنسان عليه سبحانه ظاهرة قاطعة جليّة، تشبه في قطعيتها وجلائها دلالةَ المرآة الساطعة بصورة الشمس وانعكاسها على الشمس نفسها. قال نمكن أن يقال لتلك المرآة: إنها الشمس، إشارة إلى مدى سطوعها ووضوح دلالتها عليها، كذلك يصح أن يقال -وقد قيل في الحديث- إن في الإنسان صورةَ " بمثال"، إشارةً إلى وضوح دلالته على اسم "الرحمن" وكمال مناسبته معه ووثوق علاقته به. هذا وإن المعتدلين من أهل وحدة الوجود قد قالوا: "لا موجود إلّا هو" بناء على هذا السر من وضوح الدلالة، وعنوانًا على كمال المناسبة.
اللُّ نَفيا رَحمن يا رحِيم بحق بسم اللّٰه الرحمن الرحيم ارحمنا كما يليق بِرَحِيمِيَّتِكَ، وفهّمنا أسرار بسم اللّٰه الرحمن الرحيم كما يليق برَحمانِيَّتك آمين.
— 142 —
السر السادس:أيها الإنسان المتقلمة، وجضم عَجز لا نهاية له وفَقر لا حدّ له، إذا أردت أن تفهم كيف أن الرحمة أعظمُ وسيلة وأرجى شفيع، فاعلم:
أن الرحمة أقوى وسيلة للوصول إلى سلطان عظيم ذي جلال، تنقاد له النجومُ والذرات معًا جنودًا مطيعيية كبرً تامة في انتظام تام.. ذلك السلطانُ ذو الجلال والإكرام رب العالمين المستغني عن الخلق أجمعين، الكبير المتعالي عن الموجودات، فلا حاجة له أصلوأوامر الموجودات، بل كلُّ شيء قد تواضع لعظمته واستسلم لقدرته وذلّ لعزته وخضع لهيبة جلاله.. فالرحمة أيها الإنسان ترفعك إلى ديوان حضور ذلك الغني المطلق، وتجعلك خليلًا لذلك السلطان السرمدي الأعظم، بل تعرج بك إلى مقام خطابه الجليل، وتجعادَّ كًا مكرَّمًا محبوبًا عنده.
ولكن، كما أنك لا تصل إلى الشمس لبُعدك عنها، بل لا يمكنك التقرب إليها بحال، فإن ضوءها يُسلِّم إليك تجليها وصورتَها بواسطة مرآةٍ وللّٰه المثل الاعلى فنحن على الرغم من بُعدنا المطلق عن اللّٰه سبحانه وتعالى، فإال (٭ رحمته يقرّبه إلينا.
فيا أيها الإنسان! إن من يظفر بهذه الرحمة فقد ظفر بكنزٍ عظيم لا يفنى، كنزٍ ملؤه النور. أما طريق الوصول إلى ذلك الكنز العظيم فاعلم: أن أسطع مثالٍ للرحمة، وأفضل مَن يمثلها يا إغَ لسانٍ ناطقٍ بها، وأكرمَ داعٍ إليها، هو الذي سُمّي في القرآن الكريم رحمة للعالمين وهو رسولنا الحبيب (ص). فالطريق الأمثل لبلوغ تلك الخزينة الأبدية هو اتباع سنته المطهرةالتي تلكن كيف الوصول إلى الرسول الحبيب (ص)، وما الوسيلة إليه؟
فاعلم أن الوسيلة هي الصلاة عليه... نعم، الصلاةُ عليه تعني الرحمة، فالصلاة عليه دعاء بالرحمة لتلك الرحمة المجسمة الحية، وهي وسيلة الوصول إلى مَن.
مة للعالمين.
فيا أيها الإنسان! اجعل الصلاة عليه وسيلةَ الوصول إليه، ثم استمسك به ليبلّغك رحمة الرحمن الرحيم. فإن الأمة جميعَها بدعائها وصلواتها على الرسول الكريم (ص) إنما تثبت بوضوح مدى قمن معاه الرحمة ومدى أهمية هذه الهدية الإلهية، ومدى سعتها وعظمتها.
— 143 —
الخلاصة:إنَّ حاجبَ خزينة الرحمة الإلهية وأكرمَ داعٍ إليها هو الرسول إن لمم (ص) كما أن أسمى مفتاح لتلك الخزينة هو بسم اللّٰه الرحمن الرحيم وأسلسَ ما يفتحها هو الصلوات على الرسول الحبيب (ص).
اللّٰهم بحق أسرار بسم اللّٰهإحدى نن الرحيم صلِّ وسلم على مَن أرسلته رحمة للعالمين كما يليق برحمتك وبحرمته وعلى آله وأصحابه أجمعين، وارحمنا رحمة تغنينا بها عن رحمة من سواك من خلقك.. آمين.
سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا اِلّا ما عَلَّمْتَنا اِنَّكَ اَنْتَ استغنيًمُ الْحَكيم
اللمعة الخامسة عشرة
وهي فهارس كليات رسائل النور: الكلمات، المكتوبات، واللمعات - إلى اللمعة الرابعة عشرة - وحيث إن كل مجموعة خصّت بفهرستها لذا لم تدرج هنا.
— 144 —
اللمعة السادسة عشرة هذا لْمِهِ سُبْحَانَهُ
وَاِنْ مِنْ شَيءٍ اِلّا يُسَبِحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته!
إخوتي الأعزاء الصدّيقين العالم صبري، الحافظ علي، مسعود، المصطفون، خسبل، الفت، بكر بك، رشدي، لطفيون، الحافظ أحمد، الشيخ مصطفى وآخرون.
لقد أحسست إحساسًا قلبيًا أن أُبيّن لكم باختصار أربعَ مسائل صغيرة ولكنها مهمة، تلك التي أصبحت موضعَ تساؤل.. أُبيّنها لكم للعلم والاطلاع.
السؤال الأول اران الأخبر أحدُ إخواننا وهو "السيد عبد اللّٰه چابرا زادة" كما أَخبر أُناس آخرون أيضًا: أَنَّ أَهلَ الكشف قد قالوا بحدوث بشاراتٍ وفتوح لأهل السنة والجماعة وتكشَف عنهم الغمةُ في رمضان الماضي، ولكن لم يظهر شيء من هذا القبيل.
فسألوني:كيف يُخبر أمسم سننلاء من أهل الولاية والكشف عما هو خلاف الواقع؟
وخلاصة ما أجبتهم مباشرةً ، وهو من سوانح القلب، هي:
أنه ورد في الحديث الشريف ما معناه: أن البلاء ين مسألقابله الصدقة فتردّه. [٭]: انظر "حول دفع قليل من الصدقة كثيرًا من البلاء" العجلوني، كشف الخفاء ٢/٣٠
يتبين من هذا الحديث الشريف: أن المقدَّّٰهمَ دما تأتي من الغيب للوقوع، تأتي مرتبطةً ببعض الشروط، فتتأخر عن الوقوعِ بتأخر الشروط. فتتأخر أيضًا المقدَّرات التي
— 145 —
اطلع عليها الأولياءُ من أصحاب الكشف؛ إذ لليلة فدّراتٍ مطلقةً، بل مقيدةً ببعض الشروط، فلعدم حدوثِ تلك الشروط لا تقع تلك الحادثةُ؛ إذ تلك الحادثة كالأجل المعلّق، قد كتبت في لوح المحو والإثبات، الذي هو نوعٌ من أنواع سجل اللوح الأزلي. فالكشف قلّما ييار. ذى اللوح الأزلي، بل لا يستطيع معظمُ الكشوف الرقي إلى هناك. فبناءً على هذا:
إنَّ الأَخبار التي أُخبر عنها في شهر رمضان الفائت وعيد الأضحى وفي أوقات أخرى، وبناءً على الاستشارعًاو بنوع من الكشفيات، لم تجد شروطَها المعلّقة بها، لذا لم تأت إلى ميدان الواقع. فالمخبرون عنها لا يُكذَّبون، لأن تلك الحوادث كانت مقدَّرة، إلّا أنها لا تقع إلّا بمجيء شروطها، وإذ لم تأت الشروطُ فلا تقع الحادثة.
نعم، إنَّ الدعاء ا279
زوالذي يرفعه معظمُ أهل السنة والجماعة في رمضان المبارك دفعًا للبدع، كان شرطًا وسببًا مهمًا له، ولكن دخولَ البدع في الجوامع في الشهر المبارك مع الأسف حجبت الاستجابةَ والقبول، فلم تفرّج ال الدينولم تُكشَف الغمّة؛ إذ كما تدفع الصدقةُ البلاءَ -بدلالة الحديث الشريف- فالدعاءُ الخالص من الأكثرين يجذب الفرجَ العام الشامل. ولكن لأن القوةَ الجاذبة لم تأتِ إلى الوجود، فلم يوهب الفرج والفتح.
حكم ا الثاني المثير:بينما كان ينبغي القيامُ بمحاولة، والشروعُ بتدبير، إزاء وضع سياسي مهيّج، في غضون هذين الشهرين، إذ كانت تؤدي تلك المحاولة -باحتمال قوي- إلى ما يفرّحني ويدخل البهجةَ في قلوب الكثيرين من إخوتي المقرّبينلاة لحَعبأْ بذلك الوضع، بل قمتُ خلافًا له أَحمل فكرًا في صالح أهل الدنيا الذين يضايقونني! فظلّ البعضُ في حيرة مضاعفة من أَمري، إذ قالوا: إن السياسة التي يتبعوها هؤلاء المبتدانفُسُِلّةٌ من الرؤساء المنافقين، كيف تجدها حتى لا تهاجمها؟
وخلاصة جوابي:هي أنَّ أَعظم خطر على المسلمين في هذا الزمان هو فسادُ القلوب وتزعزعُ الإيمان بضلال قادم من الفلسفة والسوق ف وإن العلاج الوحيد لإصلاح القلب وإنقاذ الإيمان إنما هو النورُ وإراءة النور. فلو عُمل بهراوة السياسة وصولجانها وأُحرز النصرُ، تدنَّى أولئك الكفارُ إلى دَرَكِ المنافقين. والمنافق -كما هو معلوم- أَشدُّ خطرًا من الكافر وأَفسدُ منه. فصولجان
— 146 —
َ الْعة إذن لا يُصلِح القلبَ في مثل هذا الوقت، حيث يُنزل الكفرَ إلى أعماق القلب ويتستر هناك وينقلب نفاقًا.
ثم إن شخصًا عاجزًا مثلي، لا يمكنه أن يستعمل النورَ والهراوةَ معًا في هذا الوقت، ل السنةا مضطر إلى الاعتصام بالنور بما أَملِكُ من قوة، فيلزم عدمَ الالتفات إلى هراوة السياسة أيًا كان نوعها. أما ما يقتضيه الجهادُ المادي، فتلك الوظيفة ليست مناطةً بنا حاليًا. نعم، إنَّ الهراوة هي لوقف تجاوز الكافر أو المرتد عند حدّه، ولكن
إلك سوى يدين، بل لو كانت لنا مائةٌ من الأيدي ما كانت تكفي إلّا للنور فلا يدَ لنا تمسك بهراوة السياسة.
السؤال الثالث المثير:إنَّ هجوم الأجانباب الآترا وإيطاليا على هذه الحكومة في الآونة الأخيرة يؤدي إلى إثارة الحمية الإسلامية وهي ركيزة حقيقية ومنبع قوة معنوية لحكومات خلت في هذا الوطن منذ أمد بعيد وستُصبح وسيلة لإحياء الشعائر الإسلامية -إلى حدٍّ ما- ولدفع شيء من البدع.. فلِمَ عارضتَ هع الرزرب بشدة وسأَلتَ اللّٰه أن تحل القضية بسلام وأمان. فقد أصبحتَ منحازًا لحكومة المبتدعين، وهذا بذاته وبنتائجه موالاة للبدع؟
الجواب:نحن نسأل اللّٰه الفرج والبشارة والسرور والفتح، ولكن ليس بسيف الكفار.. فسحقًا لسيوفهم ولتكن وبالًا عليهم. نحن لسالفراتجة ولا نرجو الفائدةَ من سيوفهم، لأن أولئك الأجانب المتمردين هم الذين سلطوا المنافقين على أهل الإيمان، وهم الذين ربّوا الزنادقة في أحضانهم.
أما مصيبةُ الحرب وبلاؤها،ع من تررٌ بالغ لخدمتنا القرآنية، لأنَّ معظمَ إخواننا العاملين المضحين الفضلاء لا تتجاوز أعمارُهم الخمس والأربعين سنة، فيضطرون إلى الذهاب للحرب تاركين الخدمة المسألةة المقدسة. ولو أنَّ لي مبلغًا من المال، لكنت أَدفعه -بكل رضاي- لأجل إنقاذ هؤلاء الإخوة الأكارم، حتى لو كان البدل النقدي ألف ليرة! إن انخراط مئاتسل مرغخواننا العاملين في الجندية، ومزاولتهم الجهاد المادي خسارةٌ فادحة لخدمتنا، أَشعر أنها تعدِل أكثرَ من مائة ألف ليرة. بل إن ذهاب "ذكائي" إلى الجندية خلال السنتين الماضيتين، أفقدنا أكثر من ألف ليرةبب الجفوائد المعنوية.
— 147 —
وعلى كل حال فإن القدير ذا الجلال الذي يطهّر وجهَ السماء الملبّد بالغيوم ويبرز الشمسَ الساطعة في وجه السماء اللامع خلاعُرى اة واحدة، هو القادرُ أيضًا على أن يزيل هذه الغيوم السوداء المظلمة الفاقدة للرحمة، ويُظهر حقائقَ الشريعة كالشمس المنيرة بكل يُسر وسهولة وبغير خسارة.
إننا نرجو هذا من رحمته الواسعة، ونسأله سبحانه ألإيمان.ِّفنا ذلك ثمنًا غاليًا. وأن يمنح رؤوسَ الرؤساء العقلَ ويهب لقلوبهم الإيمانَ. وهذا حسبنا، وحينها تتعدل الأمور بنفسها وتستقيم.
السؤال الرابع المثير:
يقولون:ما دام الذي في أمع بقانورًا، وليس هراوةً وصولجانًا، فالنور لا يُعارَض ولا يُهرَب منه، ولا ينجم من إظهاره ضررٌ. فلِمَ إذن توصون أصدقاءكم بأخذ الحذر وتمنعونهم من إبراز رسائلَ نيّرةٍ كثيرة للناس كافة؟.
مضمون جواب هذا اع، وإنباختصار هو: أن رؤوس كثير من الرؤساء مخمورة، لا يقرأون، وإذا قرأوا لا يفهمون، فيؤوّلونه إلى معنى خطأ، ويعترضون ويهاجمون. ولسدّ الطريق في وجه هجومهم ينبغي عدم إظهار النور لهم لحين إفاقتهم واسترجاع رشدهم. ثم إن هناك غيرَ منصفين كثيريلقلادةرون النور، أو يغمضون أعينَهم دونه، لأغراض شخصية خاصة، أو خوفًا أو طمعًا. ولأجل هذا أُوصى إخوتي أيضًا ليأخذوا حِذْرَهم ويحتاطوا للأمر، وعليهم ألّا يعطوا الحقانوا يصدًا من غير أهلها، وألّا يقوموا بعمل يثير أوهامَ أهل الدنيا وشبهاتهم عليهم.
(٭): حادثة لطيفة يمكن أن تكون وسيلة لمسألة جادة:
جاءني أول أمس السيد محمد وهو صهر أحد أصدقائي، وفي مرآرورًا ومبشرًا: لقد طبعوا في إسبارطة كتابًا من كتبك. وكثير من الناس يقرأونه. قلت: ذلك ليس طبعةً محظورةً، وإنما هو ما أخذ من النسخ، فلا تعترض عليه الدولة. وقلت له أيضًا: إياك أن تحدث بهذا الخبر صديقَيك المنافقَين، إذ هما يتحريان أملك العه الأمور ليجعلوها وسيلة للهجوم.
وهكذا فيا إخوتي! على الرغم من أن هذا الشخص صهر أحد أصدقائي، فيعدّ من أحبابي بهذه العلاقة، إلّا أنه بحكم مهنته: الحلاقة صديق للمعلم الفاقد للوجدان وللمدير المنافق. وقد أخبره بهذا الا على د إخواننا هناك دون علم منه. وحسنًا فعل أن أخبرني لأول مرة فنبهته. وبدوري نبهت الإخوة أيضًا. وسدّ بذلك الفساد. ونشرت آلة الرونيو ألوف النسخ تحت هذا الستار. (المؤلف).
— 148 —
خانها ال تسلمت اليوم رسالة من "السيد رأفت"، ولمناسبة سؤاله عن اللحية النبوية الشريفة أقول: إنه ثابت في الحديث الشريف: أن عدد الشعرات التي سقطت من لحيته الشريفة (ص) محدودٌ، وهو عد ليس م، يتراوح بين ثلاثين إلى أربعين، أو لا يتجاوز الخمسين والستين من الشعرات، ولكن وجودَ الشعرات في ألوف الأماكن، استوقفني ودفعني إلى التأمل والتفكر في حينه، فورد إلى خاطري في ذلك الوقت:
إنَّ شعرات اللحية الشريفة الموجودة الآن -َانَكَمكان- ليست هي شعراتِ اللحية الشريفة وحدَها، بل ربما شعراتٌ من رأسه المبارك (ص)، إذ الصحابة الكرام الذين ما كانوا ليضيّعوا شيئًا منه (ص) قد حافظوا على تلك الشعرات المنورة المباركة -كلما حَلَقَ- والتي تبقى دائمًا، من رفلشعرات تربو على الألوف وهذا يمكن أن يكون مكافئًا للموجود الحاضر.
وورد أيضًا إلى خاطري: تُرى هل الشَّعرُ الموجود في كل جامعٍ بسندٍ صحيح هو ثابتٌ أيضًا أنه من شعره (ص) حتى تكون زيارتُنا له مقبولة؟
فسنح ببالي فجأة: أن زيارة تلك الينهم، إنما هي وسيلةٌ، وهي سبب لقراءة الصلوات على الرسول الكريم (ص)، وهي مَدارُ محبته وتوقيره. فلا يُنظَر إلى ذات الوسيلة، وإنما إلى جهة كونهاى رغمك، لذا فإن لم تكن هي شعرةً حقيقية من شعراته (ص) فهي تؤدي وظيفةَ تلك الوسيلة ما دامت تحسب -في الظاهر- هكذا، وتلقاها الناس شعرةً من شعراته (ص). فتكون تلك الشعرة وسيلةً لتوقيره (ص) ومحبته وأداء الصلوات عليه، فلا يلزم السند القطعي لت أهم مات الشعر وتعيينه بل يكفي ألّا يكون هناك دليل قاطع بخلافه، لأن ما يتلقاه الناس وما قبلته الأمة ورضيت به يكون في حكم نوعٍ من الحجة. وحتى لو اعترض بعضُ أهل التقوى على مثل هذه الأمور سوا، أدب جهة التقوى أو الأخذ بالأحوط أو العمل بالعزيمة فإنما يعترضون بصورة خصوصية، ولو قيل إنها بدعة، فإنها داخلة ضمن البدعة الحسنة، لأنها وسيلة للصلوات على الرسول الكريم (ص).
ويقول التي د رأفت" في رسالته: "إن هذه المسألة قد أصبحت مثارَ المناقشة بين الإخوان". فأوصي إخواني: أَلّا يناقشوا فيما يمكن أن ينجم عنه الانشقاقُ والافتراق، وإنما عليهم أن يتعلموا بحث الأمور من دون نزاع، وعلى نمط تداول في نّ ذلكر.
— 149 —
بِاسْمِهِ سُبْحَانَهُ
وَاِنْ مِنْ شَيءٍ اِلّا يُسَبِحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته
إخوتي الأعزاء من "سَنِرْكَنْيا إخو]: قصبة قريبة لبارلا منفى الأستاذ النورسي. السادة: إبراهيم، شكري، الحافظ بكر، الحافظ حسين، الحافظ رجب.
إن المسائل الثلاث التي أرسلتموها بيد الحافظ توفيق، يعترض عليها الملحدون منذ أمفع، بم:
أولاها:إن المعنى الظاهري لقوله تعالى:
حتى اذا بَلَغَ مَغْربَ الشَمْسِ وَجَدَها تَغْرُبُ في عَينٍ حَمئةٍ
(الكهف: ٨٦). هو: أنه رأى غروب ضعَ تهفي ماءِ عينٍ ذي طين وحرارة.
ثانيتها:أين يقع سدُّ ذي القرنين؟
ثالثتها:نزول سيدنا عيسى عليه السلام وقتله الدجالَ في آخر الزمان.
إنَّ أجوبة هذه الأسئلة طويلة، إلّا أننا نشير إليها باختصار فنقول:
كربةُ َ آيات القرآن الكريم مبنيةٌ على أساليب اللغة العربية، وبوجهٍ يفهمه عمومُ الناس بظاهر النظر، لذا كثيرًا ما بُيّنت المسائل بالتشبيه والتمثيل.
فقوله تعالى، فالذب في عين حمئةٍ
يعني: أنَّ ذا القرنين قد شاهد الشمس تغرب في ما يشبه عينًا موحلةً وحامية، عند ساحل البحر المحيط الغربي، أو شاهد غروبَها في عين جبلٍ بركاني ذي لهيب ودخان.
المساونه شاهد في ظاهر النظر غروبَها في سواحل البحر المحيط الغربي، وفي جزء منه الذي تراءى له من بعيد كأنه بِركةٌ أو حوضُ عينٍ واسعة، فشاهد غروبها الظاهري خلف ي كلماة الكثيفة المتصاعدة من مياه المستنقعات الواقعة عند سواحل البحر المحيط الغربي، لشدة حرارة شمس الصيف.. أو شاهد اختفاء الشمس -التي هي عين السماء-
[٭]: والعين: عين الشمس، وعين الشمس: شعاعها الذي لا تثبت عليّا أنهن. وقيل: العين الشمس نفسها، يقال: طلعت العين، وغابت العين. (لسان العرب لابن منظور).
في عين ملتهبة انفلقت حديثًا على قمة جبلٍ بركاني تقذف بحممها مازجةً الترابَ والصخور والمعادن السائلة.
— 150 —
نعم، إن تعابير القرآن الكريم البليغة المة، فإنرشد بهذه الجملة إلى مسائل كثيرة:
فأولًا إن سياحة ذي القرنين كانت إلى جهة الغرب.. وفي وقت عزّ الحرّ.. ونحو المستنقعات.. وموافقتها أوان غروب الشمس.. وحين ال الأ جبل بركاني.. كلُّ هذا تشير به الآية الكريمة إلى مسائلَ مليئةٍ بالعِبر منها استيلاء ذي القرنين على إفريقيا استيلاءً تامًا.
ومن المعلوم أن الحركة المشهودة للشمس إنما هي حركةٌ ظاهرية، وهي دليلٌ على حركة الأرض الخفية -غير ناك سدس بها- وهي تُخبر عن تلك الحركة. وليس المراد حقيقةَ الغروب. [٭]: جاء في تفسير البيضاوي: ولعله بلغ ساحل المحيط فرآها كذلك إذ لم يكن في مطمح بصره غير الماء ولذلك قال (وجدها ّٰه، <ولم يقل: كانت تغرب.
ثم إن كلمة عين إنما هي للتشبيه، إذ البحر العظيم يُرى من بعيد كحوض صغير، فتشبيه البحر المشاهد من خلف الضباب والأبخرة المتولدة من الحق! ويات والبِرَك بلفح الحرارة بی عين حمئةٍ أي عين تنبع من طين، وكذا استعمال كلمة عين التي تعني في اللغة العربية: الينبوع والشمس والبصر، ينطوي على سرّ بلاغي دقيق وعلاقة وثيقة.
(٭): إن التعبير بی"عين" في قوله ه سيدن(عين حمئة) يذكّر برمزٍ إلى معنى لطيف وسر دقيق من أسرار البلاغة، وهو: أن وجه السماء بعد مشاهدته بعين الشمس جمال رحمته تعالى على وجه الأرض، وأنّ وجه الأرض عقب رؤيته بعين البحر عظمته تالرحمني السماء، تُطبق العينان إحداهما في الأخرى، فتطبق العيون على وجه الأرض.. فالآية الكريمة تذكر بكلمة واحدة وبإعجاز جميل هذا المعنى اللطيف مشيرة إلوعًا، نهى وظيفة العيون. (المؤلف).
فكما بدا الغروب لنظر ذي القرنين من بُعد هكذا. فإن الخطاب القرآني النازل من العرش الأعظم المهيمن على الأجرام السماوية، حريٌّ بهذا الخطاب السماوي ومنسجم مع عظمتالأبديته قوله بأن الشمس المسخّرة سراجًا في مضيف رحماني، تختفي في "عين" ربانية وهي البحر المحيط الغربي، معبرًا بأسلوبه المعجز أن البحر "عين" حامية. نعم هكذا يبدو البحر للعيون السماوية.
حاصل الكلام:إن التعبير بی عين حمئةٍ للأبعثَ محيط الغربي إنما هي بالنسبة لذي القرنين الذي رأى من بُعد ذلك البحر العظيم كأنه عينُ ماء. أما النظر القرآني الذي هو قريب إلى كل شيء، فلا دس سبحظر ذي القرنين من بعيد الذي يداخله خداعُ البصر، بل لأنه نزل من السماء مطلعًا عليها، ولأنه يرى الأرض ميدانًا أو قصرًا وأحيانًا مهدًا أو صحيفة، فإن تعبيره بی عين للبحر العظيم وهو المحيط:
اسي الغربي المغطى بالضباب والأبخرة إنما يبين علوّه ورفعتَه وسموّه وعظمته.
— 151 —
سؤالكم الثاني:أين يقع سدُّ ذي القرنين؟ ومَن يأجوج و مأجوج؟
الجواب:لقد كتبتُ سابقًا رسالة حول هذه المسألة، فألزمت الحُجة م ليسواذلك الوقت. إلّا أنني الآن لا أَملك تلك الرسالة، فضلًا عن أن حافظتي لا تمدني بشيء فقد أصابها شيء من العطل. علاوة على أن هذه المسألة قد تطرق إليه، بل تصن الثالث من الكلمة الرابعة والعشرين" لهذا نشير إشارة في غاية الاختصار إلى نكتتين أو ثلاث فحسب تعود إلى هذه المسألة وهي:
أنه بناءً على ما بيّنه أهلُ العلم المحققون، وابتداءِ أسماءِ عدد من ملوك اليمن بكلمة "ذيلًا، وذي يَزَنْ"- وما يشير إليه عنوان "ذي القرنين" فإن ذا القرنين هذا ليس هو الإسكندر الرومي (المقدوني) وإنما هو أحد ملوك اليمن [٭]: انظر: أبو السعود، تفسير أبو السعود ٥/٢٣٩-٢٤٠؛ ابن حجر، فتح الباري ٦/٣٨٥؛ الألوسي، روح المعاني ١٦/٢٧. الذي عاصرَ سي الطبقبراهيم عليه السلام [٭]: انظر الفقيهي، أخبار مكة ٣/٢٢١؛ القرطبي، الجامع لأحكام القرآن ١١/٤٧؛ ابن كثير، تفسير القرآن ١/١٨٠، ٣/١٠١؛ ابن حجر، فتح الباري ٦/٣٨٢. وتلقى الدرسَ من سيدنا الخضر عليه السلام. [٭]: انظر: القرطبي، الجامع لأحكام اجة إل ١١/٤٧. بينما جاء "الإسكندر الرومي" قبل الميلاد بحوالي ثلاثمائة سنة ودرس على يد "أرسطو". [٭]: انظر: ابن حجر، فتح الباري ٦/٣٨٢-٣٨٣؛ اص في سي، الفتح القدير ٣/٣٠٧؛ الحموي، معجم البلدان ١/١٨٤، وحول قول الرسول (ص) في ذي القرنين "ولستُ أدري أكان نبيًا أم لا" انظر: الحاكم، المستدرك ٢/١٧، ٤٨٨. توجه إفة لذلك تنقل لنا المصادر أن "ذا القرنين" لم يكن نبيًا ولا ملكًا، بل كان رجلًا عظيمًا صاحب عبادة وتقوى يدعو الناس إلى اللّٰه تعالى. انظر: ابن أبي شيبة، المصنف ٦/٣٤٦؛ عبد الرزاق، تفسير الصنعاني ٢/٤١٠.
إن التاريخ اللعلوم.نه الإنسانُ يضبط الحوادث إلى حدّ ما قبل ثلاثة آلاف عام. لذا فإن نظر هذا التاريخ الناقص القاصر لا يستطيع أن يحكمَ بصواب على حوادث ما قبل زمن سيدنا إبراهيم عليه السلام ، فإما يذكرها مشوبةً بالخرافات، أو ينكرها أو يوردها باختصار شديد.
أما سبطال حُار "ذي القرنين" اليماني هذا في التفاسير بالإسكندر، فيعود إلى: [٭]: انظر: الطبري، جامع البيان ١٦/١٧، القرطبي، الجامع لأحكام القرآن ١١/٤٥، ٤٧؛ ا شيء، ي، فتح القدير ٣/٣٠٧؛ الآلوسي، روح المعاني ١٦/٢٦. أن أحدَ أسماء ذي القرنين هو الإسكندر، فهو الإسكندر الكبير، والإسكندر القديم. أو نظرًا لأن القريضًا.
ريم لدى ذكره لحادثة جزئية يذكرها لكونها طرفًا لحوادث كلية، فإن الإسكندر
— 152 —
الكبير الذي هو ذو القرنين؛ مثلما أسس سدّ الصين الشهير بإرشاداته النبوية بين الأقوام الظالمة والمظلومة وليصدّ عنهم غارا بعددإن قوادًا عظامًا عديدين كالإسكندر الرومي وملوكًا أقوياء اقتدوا بذي القرنين -في الجهة المادية- وأن قسمًا من الأنبياء والأقطاب الأولياء -وهم ملوك معنويون للإنسانية- ساروا على أثره في الجهة المعنوية والإرشاد.. فهؤلاء أسسوا السدود بين الجبخدمة ا): هناك سدود اصطناعية على وجه الأرض تحولت بمرور الزمن إلى هيئة جبال حتى لا تعرف أنها كانت سدودًا. (المؤلف). التي هي من الوسائل المهمة لإنقاذ المظلومين من شر الظالمين. ثم بَنوا القلاع في س نوعًجبال، فشيّدوا تلك الموانع إما بقوتهم المادية الذاتية أو بإرشاداتهم وتوجيهاتهم وتدابيرهم. حتى بَنوا الأسوار حول المدن والحصون في أواسطها، إلى أن بلغ الأمر إلى استعمال وسيلة أخيرة هي المدافع الثقيلة والمدرعات الشبيهة بالقلاع السيارة.
فذلك الير الاي بناه ذو القرنين وهو أشهر سدٍّ في العالم ويبلغ طوله مسيرة أيام إنما بناه ليصد به هجمات أقوامٍ شريرة أطلق عليهم القرآن الكريم اسمَ يأجوج ومأجو عليهاّر عنهم التاريخ بقبائل المانجور والمغول الذين دمّروا الحضارة البشرية مراتٍ ومرات. وظهروا من وراء جبال همالايا فأهلكوا العباد وخرّبوا البلاد شرقًا وغربًا. فصار ذلك السد المبني بين جبلين قريبَين من سلسلة همالايا مانعًا أمام هجمات هؤلاء الأقوتتطلع مجية، وحائلًا دون غاراتهم العديدة على المظلومين في الصين والهند.. ومثلما أسس ذو القرنين هذا السد فقد بُنيت سدودٌ كثيرة أخرى بهمة ملوك إيران القدماء في جبال القفقاس في منطقة المضيق صدًا للنهب والسلب والغارات التي امتهنتها أقوامُ التتار. وهمة خاصود كثيرة من هذا النوع.
فالقرآن الكريم لأنه يخاطب البشرية كافةً، فإنه يذكر ظاهرًا حادثة جزئية ويذكّر بها أحداثًا مشابهة لها.
فمن زاوية النظر هذه تختلف الرو جسد، أقوال المفسرين حول السد ويأجوج ومأجوج.
ثم إن القرآن الحكيم قد ينتقل من حادثة إلى أخرى بعيدةٍ عنها وذلك من حيث المناسبات الكلامية وعلاقاتها. فالذي لا يعرف. وعندلعلاقات يظن أن زمانَي الحادثتين قريبان. وهكذا فإخبار القرآن عن قيام الساعة عقب خرابِ السد، ليس هو لقُرب الزمان، وإنما لأجل نكتتين من حيث المناسبات الكلامية، أي كما أن هذا السد سيُدمّر فستدمّر الدنيا كذلك.
— 153 —
رهبة االجبال التي هي سدود فطرية إلهية راسخة وقوية لا تُنسف إلّا بقيام الساعة، فهذا السید أيضًا قیوي كالجبال لا يدكّ إلّا بقيام الساعة، وسيبقى الكثيرُ منه ويدوم حتى لو عملت فيه عوامل التغيير على مدى الزماا الضعراب وهدم.
نعم، إن سد الصين الذي هو فرد من كلية سد ذي القرنين ما زال باقيًا مشاهَدًا على الرغم من مرور ألوف السنين، وإنه يُقرأ كسطرٍ طويل كُتب بيد الإنسان على صحيفة الأرض، يُقرأ سطرًتدين مًا متحجرًا ذا مغزى من التاريخ القديم.
سؤالكم الثالث:وهو حول قتل عيسى عليه السلام للدجال. ففي "المكتوب الأول والخامس عشر" جوابٌ شافٍ لكم وهما في غاية الاختصار.
* * *
بِاسْمِهِ سُبْحَانَهُ
وَاِنْ مِ خَلقُءٍ اِلّا يُسَبِحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته
أخَويّ الوفيين الصدّيقين المضحيين العزيزين: العالم صبري، والحافظ علي.
إن سؤالَكما المهم حول المغيبات الخمسة الموجودة في ختام سورة لقمان، يحتاج إلى جواب في غاية الأهديعة فلّا أنني -مع الأسف- أُعاني من حالة روحية وأَحوال مادية.. تحول بيني وبين الجواب الشافي. ومع هذا سأُشير إشارةً فحسب، في غاية الإجمال إلى بِضعصادرةً يتعلق بها سؤالكما:
إنَّ فحوى سؤالكما هذا هو أن الملحدين يعترضون على كون وقت نزول الغيث ونوعية الجنين في الرحم من المغيّبات الخمس فينتقدون قائلين:السلوكتَ نزوله يُكشَف عنه في المراصد الجوية، فإذن يعلمه كذلك غيرُ اللّٰه، وإن جنس الجنين في رحم الأم يمكن معرفته، ذكرًا كان أم أنثى بأشعة رونتكن. بمعنى أنه يمك بَيْتلاع على المغيّبات الخمس!
— 154 —
الجواب:لما كان وقتُ نزول الغيث غيرَ مرتبط بقاعدة مطّردة، فإنه يرتبط مباشرة بالمشيئة الإلهية الخاصة، ويتبع الإرادة الإلهية الخاصة، فك بما ن خزينة رحمته تعالى دون وساطة. وإنَّ سرَّ حكمته هو الآتي:
إنَّ أَهمَّ حقيقةٍ في الكون وأثمنَ ماهيةٍ فيه هي الوجود، الحياة، النور، الرحمة. وإن هذه الأربعة متوجهةٌ مباشرة ودون وسائط وحجُب إلى القدرة الإلٰهية والمشيئة الربا الآيةخاصة، بينما تحجب الأسبابُ الظاهرة في المصنوعات الإلهية الأخرى تصرّفَ القدرة الإلهية، وتستر القوانينُ المطردة والقواعد الثابتة -إلى حدٍ ما- الإرادةَ الإلهية ومشيئتَها، إلّا أن تلك الحُجب والأستولى، يتوضَع أمام الوجود والحياة والنور والرحمة؛ لعدم جريان حكمةِ وجودها في تلك الأمور.
وحيث إن الرحمة والحياة أهم حقيقتين في الوجود، وإن الغيثن، فهذالحياة ومدار الرحمة بل هو عينُ الرحمة، فلابد ألَّا تكون الوسائط حُجبًا أمامها، ولابد ألَّا تستر القاعدةُ المطّردة المشيئةَ الإلهية الخاصة بها، وذلك ليضطر كلُّ فرد في كل وقت، وفي كانت هذإلى الشكر وإظهار العبودية وإلى السؤال والتضرع والدعاء؛ إذ لو كانت تلك الأمور على وفق قاعدةٍ معينة لانسدَّ بابُ الشكر والرجاءُ منه تعالى استنادًا إلى القاعدة المطردة. فطلوعُ الشمس مع ما فيه من منافع معلومة، لأنه مرتبطٌ بقاعدة معينة، فلااع لی"ُ اللّٰه سبحانه طلوعَها ولا يُشكر عليه شكرًا خاصًا ولا يُعدّ ذلك من أمور الغيب، لأن البشر يعرفون بالعلم الذي توصلوا إليه وبوساطة تلك الق الذي وعدَ شروق الشمس غدًا.
ولكن جزئيات الغيث ليست مرتبطة بقاعدة معينة، لذا يضطر الناسُ في كل وقت إلى التضرع والتوسل إلى رحمته تعالى. ولما ثمان رمُ البشر لا يستطيع أن يحدد وقت نزول الغيث، فقد تلقاه الناسُ نعمةً خاصة لا تصدر إلّا من خزينة الرحمة الإلهية، فيشكرون ربهم شكرًا حقيقيًا عليها. وهكذا فهذه الآية الكريمة تُدخل وقتَ نزول الغيث بين المغيبات الخمس من هذه الا في تالتي ذكرناها. أما الإحساس بالأجهزة في المراصد عن مقدمات وقت نزوله، ومن ثَمَّ تعيين وقته فهذا ليس علمًا بالغيب، بل هو علم بالاطلاع على بعض مقدمات ن الأمرينما يقترب إلى عالم الشهادة بعد صدوره من الغيب، مثلما يُعلم بنوع من إحساس مسبَق أخفى
— 155 —
الأمور الغيبية حينما تحصل، أو بعد قربها من الحصول ولا يعدّ ذلك معرفةً بالغيب، وإنما هو معرفةٌ بذلك الموجود، أو بالمقرّب إلىي تلك د.
حتى إنني أشعر أحيانًا بشعورٍ مرهف في أعصابي، بما سيأتي من الغيث قبل مجيئه بأربع وعشرين ساعة. بمعنى أن للغيث مقدماتٍ ومبادئ، فتلك المبادئ تبدي نفسَهاياة أبورة رطوبة تُشعِر بما وراءها من الغيث، فيكون هذا الحال وسيلةً لوصول علم البشر كالقاعدة المطردة، إلى أمور قد صدرت عن الغيب وخرجت منه ولمّا تدخل بعدُ إلى عالم ال على ص
أما معرفة نزول الغيث الذي لم يطأ قدمُه عالمَ الشهادة، ولم يخرج بعدُ من الرحمة الإلٰهية الخاصة والمشيئة الربانية الخاصة، فإنما هو خاص بعلم علام الغيوب.
بقيت المسألة الثانية نحاسَهي:معرفةُ جنس الجنين في رحم الأم بأشعة رونتكن، هذه المعرفة لا تنافي قطعًا ما تفيده الآية الكريمة:
ويَعْلَمُ مَا في الأرحَام
(لقمان: ٣٤) من معنى الغيب. لأن المراد من العلم المذكور فيها لا ينحصر في ذكوه بالرنين وأنوثته وإنما المرادُ منه معرفةُ الاستعدادات البديعة الخاصة بذلك الطفل والتي هي مبادئ المقدّرات الحياتية، وهي مدار ما سيكسبُه في المستقبل من أوضاع. وحتى معرفةِ ختم الصمدية وسكتِها الرائعة البادية على سيماه.. كلُّها مرادةٌ لا يمك المعنى بحيث إن العلم بالطفل وبهذه الوجوه من الأمور خاصٌّ بعلم علام الغيوب وحده، فلو اتحدت مئاتُ الألوف من أفكار البشر النافذة كأشعة رونتكن لماإن هذاأيضًا عن ملامح الطفل الحقيقية في وجهه وحدَه تلك الملامح التي تحمل من العلامات التي تفرّقه وتميّزه عن كل فرد من أفراد البشرية قاطبة، فكيف إذن يمكن كشفُ السيماء ال المعن في استعداداته وقابلياته التي هي خارقة بمئات الألوف من المرات عن ملامح الوجه!
ولقد قلنا في المقدمة: إن الوجود والحياة والرحمة من أهم حقائق الكون ولها أعلى مقام ومرتبة فيه. لذا تتدل عللك الحقيقةُ الحياتية الجامعة بجميع دقائقها ولطائفها إلى إرادة اللّٰه الخاصة ورحمته الخاصة ومشيئته الخاصة.
وأَحدُ أسرار ذلك هو أن الحياة بجميع أجهزتها وجهاتها منشأ للشكر، ومدارٌ للعبادة والتسبيح، ولذلك لم توضَع ي مخالالقاعدة المطردة التي تحجب رؤيةَ الإرادة الإلهية الخاصة ولا الوسائط الظاهرية التي تستر رحمته الخاصة سبحانه.
— 156 —
إن للّٰه سبحانه وتعالى تجليين اثنين في سيماء الجنين المادي والمعنوي.
الأول:يدل على وحدته لعليم وأحديته وصمديته، إذ الجنينُ يشهد على وحدانية خالقه وصانعه بتطابق أعضائه الأساس وتوافق أجهزته الإنسانية مع سائر البشر. فذلك الجنين ينادي بصراحة هذا اللسان قائلًا: إن الذي وهق أية ذه السيماء في الأعضاء هو ذلك الصانعُ الذي وهب لجميع البشر الذين يشبهونني في أساسات الأعضاء. وهو سبحانه صانعُ جميع ذوي الحياة.
فهذا اللسان الذي يه. إذ الجنين على الصانع الجليل ليس لسانًا غيبيًا، بل هو معلوم يمكن معرفته والوصول إليه، حيث إنه يتبع قاعدة مطردة ويسير على وفق نظام معين ويستند إلى نوعية الجنين، فهذا العلم لسانٌ ناطق وغصنٌ قد تدلى ّا يكلم الشهادة إلى عالم الغيب.
الجهة الثانية:وهي أن الجنين ينادي بلسان سيماء استعداداته الخاصة وسيماء وجهه الشخصية فيدل على اختيار صانعه ومشيئته المطلقة وإرادته الخاصة ورحمته الخاصة. فهذا اللسان لسة برقمي آتٍ من هناك، فلا يستطيع أن يراه أحد قبل وجوده غيرُ العلم الأزلي، ولا يمكن أن يحيط به سواه. ولا يُعلم هذا اللسان بمجرد مشاهدة جهاز من ألف جهاز من سيماء جنينه.
الحاصل:أنَّ سيماء الاستعدادات في الجنين، وسيماء وجهه دليلُ ان القاية وحجةُ الاختيار والإرادة الإلهية.
وستُكتب إن وفق اللّٰه تعالى بضع نكات حول المغيبات الخمس. إذ لا يسمح الوقت الحاضر ولا حالتي بأكثر من هذا. وأختم كلامي.
الباقي هو الباقي
سعيد النورسي
— 157 —
بِاسْمِهِ سُبْحَانَهل ونشداِنْ مِنْ شَيءٍ اِلّا يُسَبِحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته أبدًا دائمًا
أخي العزيز الصدّيق المتلهف رأفت بك !
إنك تسأيطة أوسالتك عن اللطائف العشر، وحيث إنني لستُ في حالة تدريس الطريقة الصوفية. ولعلماء الطريقة النقشبندية مؤلفاتٌ تخصّ اللطائف العشر وإن وظيفتنا في الوقت الحاضر هي استخراجُ الأسرار القرآنية واستنباطُها، لا نقلُ امتنان الموجودة في بطون الكتب! فلا تمتعض من عدم استطاعتي تقديم التفاصيل. إِلَّا أنني أقول:
إن الإمام الرباني قد عبَّر عن اللطائف العشر با قلبيةالروح والسرّ والخفي والأخفى. وذكر أن لكل عنصر من العناصر الأربعة في الإنسان لطيفةً إنسانيةً ملائمة ومنسجمة معه. وذكر إجمالًا عن رقي كلِّ لطلى.. ه تلك اللطائف، وأحوالها في كل مرتبة أثناء السير والسلوك. وبالنسبة لي أرى أن لطائفَ كثيرة مندرجةٌ في ماهية الإنسان الجامعة وفي استعداده للحياة إلّا أن عشرًا منها قد اشتهرت حتى إن الحكماءَ والعلماء الظاهريين أيضًا قد جعلوا تلك اللطاالحقيقشر أساسًا لحِكمتهم في صورة أخرى، حيث قالوا: إن الحواسّ الخمس الظاهرة والباطنة نوافذ ونماذج للطائف العشر. حتى إن ما اشتهر لدى العوام والخواص من لطائف الإنسان العشر منسجمةٌ مع اللطائف العشر لدى أرباب الطرق الصوفية. فمثلًا: الوجدانلثورُ عصابُ والحسّ والعقل والهوى والقوة الشهوية والقوة الغضبية، إذا أُلحقت هذه اللطائف بالقلب والروح والسر، تُظهر اللطائفَ العشر في صورة أخرى. وهناك لطائف أخرى كثيرة غير هذه اللطائف، أمثال: السائقة، الشائقة، الحس قبل الوقوع.
فلو كتبتُ حقيقة هس سرّهسألة لطالت كثيرًا، لذا أضطر إلى قطع التفاصيل نظرًا لضيق وقتي.
أما سؤالك الثاني الذي يتعلق ببحث المعنى الاسمي والمعنى الحرفي،فمثلما أشارت كتبُ النحو عامة إليه في بداياتها، فقد وضحتهت مبتسًا كافيًا بالأمثلة كتب علم الحقيقة كالكلمات والمكتوبات ويعدّ من الإسراف الإسهاب في الإيضاح لمن يملك ذكاءً ودقة ملاحظة مثلك.
— 158 —
فإنك إذا نظرت إلى الالصلاةن حيث إنها زجاجةٌ، ترى مادتَها الزجاجية، وتكون الصورةُ المتمثلة فيها شيئًا ثانويًا، بينما إن كان القصدُ من النظر إلى المرآة رؤية الصورة المتمثلة فيها، فالصورة تتوضّح أمامك حتى تدفعك إلى القول
ف فهي كاللّٰه احسن الخالقين
(المؤمنون:١٤) بينما تبقى زجاجةُ المرآة أمرًا ثانويًا.
النظرة الأولى تمثل (المعنى الاسمي) أي زجاجة المرآة معنًى ى المو وصورةُ الشخص المتمثلة فيها (معنى حرفي) غير مقصود.
أما النظرة الثانية فصورةُ الشخص هي المقصودة، فهي إذن معنى (اسمي) أما الزجاج فمعنى (حرفي).
وه ويكوند في كتب النحو تعريف الاسم أنه: ما دلّ على معنى في نفسه. أما الحرف فهو: ما دلّ على معنى في غيره.
فالنظرة القرآنية إلى الموجودات تجعاجاته جودات جميعَها حروفًا، أي أنها تعبّر عن معنى في غيرها، بمعنى أنها تعبّر عن تجليات الأسماء الحسنى والصفات الجليلة للخالق العظيم المتجلية على الموجودات.
أما نظرة الفلسفة الميتة فهي تنظض وهو الأغلب بالنظر الاسمي إلى الموجودات، فتزلّ قدمها إلى مستنقع الطبيعة.
وعلى كل حال فلا متّسع لي من الوقت كي أتكلم كثيرًا، حتى إنني لا أستطيع أن أكتب القسم الأخير المهم من الفهرس الذي هو سهل يسير.
بلّغ سلامي إلى رفقائك في الدرس وبخاصة خسيعصي رر، رشدي، لطفي، الشيخ مصطفى، الحافظ أحمد، سزائي، المحمدون والعلماء، وإني لأدعو للأطفال الأبرياء المباركين في بيتكم المبارك.
الباقي هو الباقي
أخوكم
سعيد النورسي
— 159 —
فما ة السابعة عشرة
(عبارة عن سبع عشرة مذكِّرة تألقت من الزُّهرة)
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
المقدمة
قبل اثنتي عشرة سنة (٭): أي في سنة ١٣٤٠ هی (١٩٢١م) حيث إن تاريخ تأليف هذه الرسالة ١٣٥٢ هی (١٩٣٣م). من تأليف هذه اللمعةني قد المولى الكريم وشملني بعنايته ولُطفه، فكتبتُ بعض ما تَألَّق من مسائل التوحيد وبعض ما تظاهر منها في أثناء تأملٍ فكريّ، وتجوالٍ قلبيّ، وانكشافٍ روحيّ عبر العروج لسؤال تب المعرفة الإلهية، كتبتُها باللغة العربية على صورة مذكِّرات في رسائل موسومة بی"زُهرة" و"شعلة" و"حبّة" و"شمّة" و"ذرة" و"قطرة" وأمثالِها.
له أنن تلك المذكِّرات قد كُتبتْ لأجل إراءة بدايةِ حقيقةٍ عظيمة واسعة، وإبراز مقدمتِها فحسب، ولأجل إظهار شعاعٍ من أشعة نور ساطع باهر، فقد جاءت على شكل خواطر وملحوظات وتنبيهات. سجلتُها لنفسي وحدَها، الأمر الذي جعل الاستفادةَ منها محدودةً، وبخاصة أنكاملة، الأعظم من أخلص إخواني وخلاصتهم لم يدرسوا اللغةَ العربية، فاضطررتُ إزاء إصرارهم وإلحاحهم إلى كتابةِ إيضاحات باللغة التركية لقسم من تلك المذكّرات واللمعات. وأَكتفي بترجمدايا وم الآخر منها. [٭]: وحينما ترجمتها إلى العربية اعتبرت النص التركي الموضّح هو الأساس، إلا أنني آثرت استعمال عبارات الأستاذ النورسي البليغة -في الرسائل العربية المذكورة (من المثنوي العربي النوري)- متى ما كانت مطابقة مع النص التركي.
— 160 —
د الحرد جاءت الترجمة إلى التركية نصًا دون تغيير حيث تراءت "لسعيد الجديد" هذه الخواطر الواردة في الرسائل العربية رؤيةً أشبه ما تكون بالشهود، وذلك حينما شرع بالاغتراف من منهل علم "الحقيقة".. ولأجل هذا فقد ذُكرتلة قد لجمل بالرغم من أنها مذكورة في رسائل أخرى بينما ذُكر البعض الآخر في غاية الإجمال ولم يوضّح التوضيح المطلوب وذلك لئلا يفقدَ لطافته الأصلية.
سعيد النورسي
المذكّرة الأولى
كنت قد خاطبتُ نفسي كنت ر: اعلم أيها السعيد الغافل! إنه لا يليق بك أن تربط قلبَك وتعلّقه بما لا يرافقك بعد فناءِ هذا العالم، بل يُفارقُك بخراب الدنيا! فليس من العقل في شيء ربطُ القلب بأشياءَ فانيةٍ! فكيف بما يتركك بانقراض عصرك ويدير ظة تكنّك؟ بل فكيف بما لا يصاحبُك في سَفر البرزخ؟ بل فكيف بما لا يشيّعك إلى باب القبر؟ بل فكيف بما يفارقُك خلال سنة أو سنتين فراقًا أبديًا، مُورّثًا إثْمَه ذمَّتَك، محمّلًا خطاياه على ظهرك؟ بل فكيف بما يتركك علذَ "ال في آنِ سرورك بحصوله؟
فإنْ كنت فطنًا عاقلًا فلا تهتمّ ولا تغتم، واترك ما لا يقتدرُ أن يرافقَك في سفر الأبد والخلود، بل يضمحل ويفنى تحت مصادمات الدنيا وانقلاباتها، وتحت تطورات الجب" لاوتحت انفلاقات الآخرة.
ألا ترى أن فيك لطيفةً لا ترضى إلّا بالأبد والأبدي، ولا تتوجه إلّا إلى ذلك الخالد، ولا تتنزل لما سواه؟ حتى إذا ما أُعطيت لها الدنيا كُلها، فلا تُطَمْأن تلك الحاجة اوالروح.. تلك هي سلطانُ لطائفك ومشاعرك.. فأَطِعْ سلطان لطائفك المطيع لأمر فاطره الحكيم جلّ جلاله، وانجُ بنفسك..
المذكِّرة الثانية
لقد رأيت في رؤيا صادقةٍ ذات حقيقة، أَنني أُخاطب الناس: أيها الإنسان! إنَّ من دساتير القرآن الكريم وأحكامٍ لي، بتة: أن لا تحسبنَّ ما سوى اللّٰه تعالى أعظم منك فترفعَه إلى
— 161 —
مرتبة العبادة، ولا تحسَبنَّ أنك أعظم من شيء من الأشياء بحيث تتكبّر عليه. إذ يتساوى ما سواه تعالى في البعد عن "المعبودية" وفي نسبة المخلوقية.
الشيء ِرة الثالثة
اعلم أَيها السعيد الغافل! أنك ترى الدنيا الزائلة سريعًا، كأَنها دائمةٌ لا تموت، فعندما تنظر إلى ما حولك من الآفاق وتران دساتتةً مستمرةً -إلى حدٍّ ما- نوعًا وجملةً، ومن ثم ترجع بالمنظار نفسِه فتنظر إلى نفسك الفانية، تظنّها ثابتةً أيضًا. وعندها لا تندهش إلّا من هَول القيامة، وكأنك تدوم إلى أن تقوم الساعة!.
عم القيى رشدك، فأنت ودنياك الخاصة بك معرّضان في كلّ آن إلى ضربات الزوال والفناء.. إن مَثَلَكَ في خطأ شعورك وغَلَط حسِّك هذا، يشبه مَن في يده مرآةٌ تواجه قصرًا أو بلدًا أو حديقةً، وترتسم الصورة المثاليةُ للقًا بعدالبلد أو الحديقة فيها، فإذا ما تحركت المرآة أَدنى حركة، وتغيرت أَقلّ تغيّر، فسيحدث الهرجُ والمرج في تلك الصورة المثالية، فلا يفيدُك بَعدُ البقاءُ والدوام الثلاثيان في نفس القصر أو البلد أو الحديقة، إذ ليس لك منها إلّا ما تعطيك مرآتُك بمقياسها وميزانها.
فاعلم أَنَّ حياتك وعمرَك مرآة! وأنها عمادُ دنياك وسندها ومرآتها ومركزها. فتأمل في مرآتك، وإمكان موتها، وخرابِ ما فيها في كل دقيقة، فهي في وضعاسي الَ قيامتَك ستقوم في كل دقيقة. فما دام الأمر هكذا فلا تُحمِّل حياتَك ودنياك ما لا طاقةَ لهما به.
المذكِّرة الرابعة
اعلم أن من سُنَّة الفاطر الحكيم -في الأكثر- ومن عاداته نع الجة إعادةَ ما له أهمية وقيمة غالية بعينه لا بمثله. فعندما يجدد أكثرَ الأشياء بمثلها عند تبدل الفصول وتغيرّ العصور، يُعيد تلك الأشياء الثمينة بعينها. فانظر إلى الحشر اليومي -أي الذي يتم في كل يوم- وإلى الحشر السنوي، وإا ضوابشر العصري، ترَ هذه القاعدة المطّردة واضحةً جلية في الكل. وبناء على هذه القاعدة الثابتة نقول:
قد اتفقت الفنونُ وشهدت العلومُ على أَنَّ الإ منذ تو أَكملُ ثمرةٍ في شجرة الخليقة،
— 162 —
وأَنَّه أَهم مخلوق بين المخلوقات، وأَغلى موجود بين الموجودات، وأَنَّ فردًا منه بمثابة نوع من سائر الأحياء، لذا يُحكم بالحدس القطعي على أَنَّ كلَّ فردٍ من أفراد البشر سيُعاد في الحشر الأَعظم تفاق ف الأَكبر بعينِه وجسمهِ واسمهِ ورسمهِ.
المذكِّرة الخامسة
حينما سار "سعيد الجديد" في طريق التأمل والتفكر، انقلبت تلك العلومُ الأوروبية الفلسفية وفنونُها التي كانت ياس ما إلى حدٍّ ما في أفكار "سعيد القديم" إلى أمراض قلبية، نشأت منها مصاعب ومعضلاتٌ كثيرة في تلك السياحة القلبية. فما كان من "سعيد الجديد" إلّا القيام بتمخيض فكره والعموض في نفضِه من أدران الفلسفة المزخرفة ولوثات الحضارة السفيهة. فرأى نفسَه مضطرًا إلى إجراء المحاورة الآتية مع الشخصية المعنوية لأوروبا لكبحِ جماح ما في روحه من أحاسيس نفسانية منحازة لصالح أوروبا، فهي محاورة مقتضبةٌ من ناحية ومُسهبةٌ من ناحية أخ على ط ولئلا يُساء الفهمُ لابُدَّ أَنْ نُنبِّهَ: أَنَّ أَوروبا اثنتان:
إحداها:هي أوروبا النافعة للبشرية، بما استفاضت من النصرانية الحقة، وأَدَّتْ خدماتٍ لحياة الإنسان الاجتماعية، بما توصلت الحفنةن صناعاتٍ وعلومٍ تخدم العدل والإنصاف، فلا أخاطب -في هذه المحاورة- هذا القسم من أوروبا. وإنما أخاطب أوربا الثانية تلك التي تعفَّنت بظلمات الفلسفة الطبيعية وفسدت بالميفة أعلجاسية، وحَسبَتْ سيئاتِ الحضارة حسناتٍ لها، وتوهّمت مساوءها فضائل. فساقت البشرية إلى السفاهة وأردَتها الضلالة والتعاسة.
ولقد خاطبتُ في ت ومن اياحة الروحية الشخصية المعنوية الأوربية بعد أن استثنيتُ محاسن الحضارة وفوائد العلوم النافعة، فوجّهتُ خطابي إلى تلك الشخصية التي أخذت بيدها الفلسفة زاوية ة التافهة والحضارة الفاسدة السفيهة.. وخاطبتُها قائلًا:
يا أوروبا الثانية! اعلمي جيدًا أنكِ قد أخذتِ بيمينكِ الفلسفة المضلّة السقيمة، وبشمالك المدنية المضرّة السفيهة، ثم تدّعين أرحمة أة الإنسان بهما. ألاَ شُلّت يداكِ، وبئستِ الهديةُ هديتُكِ، ولتكن وبالًا عليكِ، وستكون.
— 163 —
أيتها الروح الخبيثة التي تنشر الكفر وتبث الجحود! تُرى هل يمكن أن يسعبه نفسنٌ بمجرد تملّكه ثروة طائلة، وترفّله في زينة ظاهرة خادعة، وهو المصاب في روحه وفي وجدانه وفي عقله وفي قلبه بمصائبَ هائلة؟ وهل يمكن أن نطلق عليه أنه سعيد؟ ألاَ ترين أنّ مَن يَئِس من أمرٍ جزئي، وانقطع رجاؤه من أملٍ وهسهم ويابَ ظنُّه من عملٍ تافهٍ، كيف يتحول خيالُه العذبُ مُرًّا علقمًا، وكيف يتعذّب مما حوله من أوضاع لطيفة، فتضيق عليه الدنيا كالسجن بما رحُبت!. ف لسيدنن أُصيب بشؤمك بضربات الضلالة في أَعمق أعماق قلبه، وفي أَغوار روحه، حتى انقطعت -بتلك الضلالة- جميعُ آمالِه، فانشقت عنها جميعُ آلامه، فأيُّ سعادةٍ يمكنك أن تضمَني لمالضلال المسكين الشقي؟ وهل يمكن أن يُطلَق لمن روحُه وقلبُه يُعذَّبان في جهنم، وجسمه فقط في جنةٍ كاذبة زائلة.. أنه سعيد؟..
لقد أفسدتِ -أيتها الروح الخبيثة- البشريةَ حتى طاب وقواعاليمك، فتقاسي منك العذاب المرير، بإذاقتك إياها عذابَ الجحيم في نعيم جنة كاذبة.
أيتها النفس الأمّارة للبشرية! تأملي في هذا المثال وافهمي منه إلى أين تسوقين البشرية:
هَبْ أنَّ أمامنا طر النوفسلكنا أحدهما، وإذا بنا نرى في كل خطوة نخطوها في الطريق الأول، مساكين عَجَزة يهجم عليهم الظالمون، يغصبون أموالهم ومتاعهم، يخرّبون بيوتهم وأكواخهم، بل قد يجرحونهم جرحًا بليغًا تكاد السماء تبكي على حالتهم المفجعة. فأينما يُمدّ اللسبع ورى الحالة نفسها فلا يُسمع في هذا الطريق إلّا ضوضاءُ الظالمين وصَخَبُهم، وأنينُ المظلومين ونُواحهم، فكأن مأتمًا عامًا قد خيّم على الطريق.
ولما كان الإنسان -بمقتضى إنسانيته- يتألّا "الغ الآخرين، فلا يستطيع أن يتحمل ما يراه في هذا الطريق من ألم غير محدود، إذ الوجدانُ لا يطيق ألمًا إلى هذا الحد، لذا يضطر سالك هذا الطريق إلى أحد أمرين: معنوية يتجرد من إنسانيته، ويحمل قلبًا قاسيًا غارقًا في منتهى الوحشة لا يتألم بهلاك الجميع طالما هو سالم معافًى، أو يُبطل ما يقتضيه القلبُ وا هناك .
فيا أوروبا التي نأتْ عن النصرانية وابتعدت عنها، وانغمست في السفاهة والضلالة! لقد أهديتِ بدهائك الأعور كالدجال لروح البشر حالةً جهنمية، ثم أدركت أن هذه الحالة داءٌ عضال لا دواءَ لمكنه ايهوى بالإنسان من ذروة أعلى عليين إلى درك أسفل سافلين، وإلى أدنى
— 164 —
درجات الحيوان وحضيضها، ولا علاج لك أمام هذا الداء الوبيل إلّا ملاهيكِ الجذابة التي تدفع إلى إبطال الحسّ صيرين الشعور مؤقتًا، وكمالياتُكِ المزخرفة وأهواؤك المنوِّمة... فتعسًا لكِ ولدوائكِ الذي يكون هو القاضي عليك.. نعم، إن ما فتحتِه أمام البشرية من طريق، يشبه هذا المثال وسكتّ ر.
أما الطريق الثاني فهو ما أهداه القرآن الكريم من هديةٍ إلى البشرية، فهداهم إلى الصراط السوي، فنحن نرى في كل منزلٍ من منازل هذا الطريق، وفي كل موضع من مواضعه، وفي كل مدينة تقع علِهم الودًا مطيعين أُمناء لسلطانٍ عادل، يتجولون في كل جهة ينتشرون في كل ناحية، وبين فينة وأخرى يأتي قسمٌ من مأموري ذلك الملك العادل وموظفيه فيُعفي بعضَ أولئك الجنود من وظائفهم بأمر السلطان نفس0
حتسلم منهم أسلحتهم ودوابّهم ومعدّاتهم الخاصة بالدولة ويسلّم إليهم بطاقة الإعفاء. وهؤلاء المعفون يبتهجون ويفرحون -من زاوية الحقيقة- على إعفائهم فرحًا عظيمًا لرجوعهم إلى السلطان وعودتهم إلى دار قرالون انته، والمثول بزيارته الكريمة، مع أنهم يحزنون في ظاهر الأمر على ما أُخذ منهم من دابة ومعدات ألِفوها.. ونرى أيضًا أنه قد يلتقي أولئك المأمورون مَن لا يعرفهم من الجنود، فعندما يخاطبونه: أَيكون إِمْ سلاحَك! يردّ عليهم الجندي: أنا جنديٌ لدى السلطان العظيم وتحت أمره وفي خدمته، وإليه مصيري ومرجعي، فمن أنتم حتى تسلبوا مني ما وهبني السلطانُ العظيم؟ فإن كنتم قد جئتم بإذنه ورضاه فعلى العين والالسياسروني أمره الكريم، وإلّا تنحَّوا عني، فلأقاتلنّكم ولو كنت وحدي وأنتم أُلوف، إذ لا أقاتل لنفسي لأنها ليست لي، بل أقاتل حفاظًا على أمانة مالكي ومولاي وصيانةً لعزته وعظمته. فأنا لا أرضخ لكم!.
فدونكا وَتَا واحدًا من ألوف الأمثلة على ما في هذا الطريق الثاني من مصدر فرح ومدار سعادة. فانسج على منواله.
وعلى طول الطريق الثاني، وطوال مدة السفرة كلها نرى سَوقًا إلى الجندية، يتم في فرح وابتهاج وسرورلّٰه ع هي التي تسمى بی"المواليد". وهناك إعفاءات ورُخَص من الجندية، تتم في فرح وحبور أيضًا، وسط تهليل وتكبير.. تلك هي التي تسمى بی"الوفيات".
هذا هو الذي أهداه القرآن الكريم للبشرية، فمن اهتدى به فقد سعد في الدارين
— 165 —
ويمضي في متى ما-الثاني- على هذه الصورة اللطيفة بلا حزن وكدَرٍ على ما فات منه، وبلا خوف ووجَل مما سيأتي عليه، حتى تنطبق عليه الآية الكريمة:
لاخَوفٌ عَليهِم ولا هُمْ يَحزَنون
(البقرة: ٢٦٢)
يا أوروبا الثاجهاز لفاسدة! إنكِ تستندين إلى أسس واهية نخرة، فتزعمين: أن كلّ كائن حي مالكٌ لنفسه، ابتداءً من أعظم مَلَك وانتهاء إلى أَصغر سمك. كلٌّ يعمل لذاته فقط، ولأجل نفسه فحسب، ولا يسعى أحد إلّا للذته الخاصة، ولأجللى الحه حق الحياة. فغايةُ همَّته وهدف قصده هو ضمان بقائه واستمرار حياته. ثم إنَّكِ ترين "قانونَ التعاون" جاريًا فيما بين المخلوقات امتثالًا لأمر الخالق الكريم الذي هو واضح جلي في أرجاء الكون كله كإمداد اتغفار ت للحيوانات والحيوانات للإنسان، ثم تحسبين هذا القانون والسنّة الإلهية وتلك التجليات الكريمة الرحيمة المنبعثة من ذلك التعاون العام جدالًا وخصامًا وصراعًا، حتى حكمتِ ببلاهة أن الحياة جدال وصراع.
فيا سبحانَ اللّٰه!! كيف ، النكمدادُ ذرات الطعام إمدادًا بكمال الشوق لتغذية خلايا الجسم جدالًا وخصامًا؟ بل ما هو إلّا سُنَّة التعاون، ولا يتم إلّا بأمر ربّ حكيم كريم.
وإن ما تستندين إليه من "أن كل شيء مالءه الحسه" واضح البطلان. وأوضح دليل عليه هو أن أشرف الأسباب وأوسعَها إرادةً واختيارًا هو الإنسان. والحال ليس في يد اختياره ولا في دائرة اقتداره من أظهر أفعاله الاختيارية كالأكل والكلام والتفكر، إلّا جزءٌ واحد مُبهَمٌ من بشاب أنائة. فالذي لا يملك واحدًا من المائة من مثل هذا الفعل الظاهر، كيف يكون مالكًا لنفسه؟! وإذا كان الأشرف والأوسع اختيارًا مغلولَ الأيدي عن التملك الحقيقي والتصرف التام فكيف بسائر الحيوانات والجمادات؟ أليس الذي يطلق هر كإداكم "بأن الحيوانات والجامدات مالكة لنفسها" أضلَّ من الأنعام وأفقدَ للشعور من الجمادات؟
فيا أوروبا! ما ورطكِ في هذا الخطأ المَشين إلّا دهاؤك الأعور، أي ذكاؤك المنحوس الخارق، الخياسيت بذكائك هذا ربَّ كل شيء وخالقَه، إذ أسندتِ آثارَه البديعة إلى الأسباب والطبيعة الموهومة! وقسّمتِ مُلك ذلك الخالق الكريم على الطواغيت التي تُعبَد من دون اللّٰه.. فانطلاقًا من هذه امكان ا التي ينظر منها دهاؤك الأعور يضطر كلُّ ذي حياة وكل
— 166 —
إنسان أن يصارع وحده ما لا يعد من الأعداء، ويحصل بنفسه على ما لا يحد من الحاجات، بما يملك من اقتدارٍ كذرة، واختيارٍ ب الكب وشعورٍ كلمعة تزول، وحياة كشعلة تنطفئ، وعمرٍ كدقيقة تنقضي، مع أنه لا يكفي كلُّ ما في يده لواحدٍ من مطالبه. فعندما يصاب -مثلًا- بمصيبة لا يرجو الدواءَ لدائه إلّا من أسباب صُمّ، حتى يكون مصداق ا النسالكريمة:
وما دُعاءُ الكافرين إلّا في ضلالٍ
(الرعد: ١٤).
إن دهاءك المظلم قد قَلب نهارَ البشرية ليلًا، ذلك الليل البهيم بالجور والمظالم، ثم تريدين أن تنوّري ذلك الظلام المخيف بمصابيح كاذبة مؤقتة!.. ا عليكمصابيح لا تبتسم بوجه الإنسان، بل تستهزئ به، وتستخف من ضحكاته التي يطلقها ببلاهة وهو متمرغ في أوحال أوضاع مؤلمة مُبكية! فكل ذي حياة في نظر تلاميذك، مسكينٌ مبدان المصائب ناجمة من هجوم الظلمة. والدنيا مأتمٌ عمومي، والأصوات التي تنطلق منها نعيات الموت، وأناتُ الآلام، ونياحات اليتامى.
إنَّ الذي يتلقى الدرس منك ويسوال ثمهَديك يصبح "فرعونًا" طاغية.. ولكنه فرعون ذليل، إذ يعبد أخسّ الأشياء، ويتخذ كل شيء ينتفع منه ربًا له.
وتلميذك هذا "متمردٌ" أيضًا.. ولكنه متمرد مسكين، إذ لأجل لذةٍ تافهة يقبّل قدَمَ الشيطان، ولأجل منفعة خسيسة يرضى بمنتونه قال والهوان.
وهو "جبّار" ولكنه جبار عاجز في ذاته لأنه لا يجد مرتكزًا في قلبه يأوي إليه.
إنَّ غاية ما يصبو إليه تلميذُك وذروة همّته: تطمينُ رغبات النفس وإشباعُ هواها، حتى إنه دسّاس يبحث تحت ستار الحمية والتضحية والفداء عن منافعمر الختية، فيُطَمْئِنُ بدسيسته وخبثه حرصَه ويُشبع نَهمَ غروره، إذ لا يحب حقًا إلّا نفسَه، بل يضحي بكل شيء في سبيلها.
أما التلميذ المخلص الخالص للقرآن الكريم فهو "عبدٌ" ولكنه لا يتنزل آيات اِ أعظم مخلوق، فهو "عبدٌ عزيزٌ" لا يرضى حتى بالجنة -تلك النعمة العظمى- غايةً لعبوديته للّٰه.
وهو "ليّن هيّن" ولكنه لا يتذلل لغير فاطره الجليل، ولغير أمره وإذنه، فهو صاحبُ همة عليا وعزيمة صادقة.
وهو "فقير" و، [٭]ستغن عن كل شيء بما ادّخر له مالكُه الكريم من الثواب الجزيل.
— 167 —
وهو "ضعيف" ولكنه يستند إلى قوة سيّده المطلقة. فلا يرضى تلميذ القرآن الكريم الخالص حتى بالجنة الخالدة مقصِدًا وغاية له، فكيف به بهذه الدنيا الزائلة؟
فافهم من هذا مدى التفبِحَمْلكبير والبون الشاسع بين همّة هذين التلميذين!.
وكذلك يمكنكم أن تقيسوا مدى الفرقِ الهائل بين تلاميذ الفلسفة السقيمة وتلاميذ القرآن الحكيم من حيث مدى التضحية والفداء في كل منهما بما يأتي:
إنَّ تلميذ الفلسیفیة يیفیذرة تتأخيه إيثارًا لنفسییه، ويقيم عليه الدعوى. أمیا تلميذُ القرآن فإنه يرى جميع عباد اللّٰه الصالحين في الأرض والسییماوات إخوانًا لیه، ويشعر من أعماق روحه بأواصیرِ شیییوق تشدّه نحوهم، فيدعو لهم دعییاءً خالصًا نابعًا من صميمن رواح "اللّٰهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات" فهو يسییعد بسعادتهم. حتى إنه يرى ما هو أعظم الأشياء كالعرش الأعظم والشمس الضخمة مأمورًا مسخَّرًا مثلَه.
ثم يمكنك قياس سموّ الروح وانبساطها لدى التلميذين بما يأتي:
إنَّ القرآن الكرسلم، فح تلاميذه نماءًا ساميًا للروح وانبساطًا واسعًا لها، إذ يسلّم إلى أيديهم بدلًا من تسعٍ وتسعين حبةً من حبّات المِسْبَحة، سلسلةً مركبة من ذراتِ تسع وتسعين عالَمًا من عوالم الكون ا، وتُتجلى فيها تسعٌ وتسعون اسمًا من الأسماء الحسنى، ويخاطبهم: هاؤم اقرأوا أورادكم بهذه السلسلة، وهم بدورهم يقرأون أورادَهم بتلك المسبحة العجيبة، ويذكرون ربّهم الكريم بأعد أماير المحدودة.
فإن شئت فانظر إلى تلاميذ القرآن من الأولياء الصالحين أمثال الشيخ الكيلاني والشيخ الرفاعي والشيخ الشاذلي رضي اللّٰه عنهم، وأنصت إليهم حينما يقرأون أورادَهم، وانظر كيف أخذوا في أياديهم سلاسلَ الذر إن هذدد القطرات، وأنفاس المخلوقات فيذكرون اللّٰه بها ويسبّحونه ويقدّسونه.. تأمل كيف يتعالى ذلك الإنسان الهزيل الصغير الذي يصارعه أصغر ميكروب ويصرعه أدنى كَرْب! وكيف يتسامى في التربية القرآنية الخارقة فتنبسنه من فُه وتسطع بفيض إرشادات القرآن حتى إنه يستصغر أضخمَ موجودات الدنيا من أن يكون مسبحةً لأوراده، بل يستقلُّ الجنةَ العظمى أن تكون غايةَ ذكره للّٰه سبحانه، مع أنه لا
— 168 —
يرى لنفسه فضلًا على أدنى شيء من خلق اللّٰه.. إنه يجمع منتهى التو آخر، منتهى العزة.. ومن هنا يمكنك أن تقدّر مدى انحطاطِ تلاميذ الفلسفة ومدى دناءتهم.
وهكذا فالحقائقُ التي تراها الفلسفةُ السقيمة الأوربية بدهائها الأعور مشوهةً زائفةً يراها الهديُ القرآني واضحةً جلية، ذلك النور الذي ينظر إلى في اللعالَمين معًا بعينين برَّاقتين نافذتين إلى الغيب، ويشير بكلتا يديه إلى السعادتين، ويخاطب البشرية:
أيها الإنسان! إن ما تملكه من نفسٍ ومال ليس ملكًا لك، بل هو أمانةٌ لديك، فمالغي أن ك الأمانة قديیییرٌ على كل شیییيء، عليم بكل شیییيء، رحيیمٌ كريیییم، يشییتري منیك ملكه الییذي عنیدك ليحفَظَه لك، لئلا يضيع في يییدك، وسیییتبتُ فك بییه ثمنًا عظيمًا، فأنت لسییت إلّا جنديییًا مكلّفًا بوظيفة، فاعمل لأجله واسعَ باسییمه، فهو الییذي يرسیییل إليیك رزقَك الیذي تحتاجه، ويحفظك مما لا تقدر عليه.
إنَّ غاية حياتك هذه ونتيجتَها هي أن تكون مظهرًا لتجلن ذرةًماء ذلك المالك، ومعكسًا لشؤونه الحكيمة.. وإذا ما أصابتك مصيبةٌ فقل:
إنّا للّٰه وإناّ اليهِ رَاجعُون
. أي أنا طوعُ أمر مولاي، فإن كنتِ قادمةً أيتها المصيبةُ بإذنه وباسمه، فأَهلًا ومرر والاكِ، فنحن لا محالة راجعون إليه لامناص من ذلك. وسنحظى بالمثول بين يديه، فنحن حقًا مشتاقون إليه.. فما دام سيُعتقُنا يومًا من تكاليف الحياة فليكن ذلك على يديك أيتها المصيبة.. أنا مستسلمٌ راضٍ. ولكن إنسول اللأمر والإرادة قد صدر إليك منه سبحانه لأجل الابتلاء والاختبار لمدى محافظتي على الأمانة ولمدى قيامي بواجباتي، فلا أُسَلِّمُ ما استطعت أمانةَ مالكي لأيدٍ غير أمينة. ولا أَستسلم لغير أمره ورضاه سبحانه.
يف، وأَك مثالًا واحدًا من بين الألوف منه على معرفةِ قيمةِ ما يلقّنه دهاءُ الفلسفة، ومرتبة ما يرشده هدي القرآن من دروس.
نعم إن الوضع الحقيقي لكلا الطرفين هو على هذا المنوال، بيد أن درجات الناس متفاوتةٌ في الهداية والضلمجندينراتب الغفلة مختلفة متباينة، فلا يشعر كلُّ واحد بهذه الحقيقة في كل مرتبة، إذ الغفلةُ تُبطل الحسَّ والشعور وتخدّرهما، وقد أبطلتْ في هذا الزمان الحسَّ وه يكنَّ إلى حدٍّ لم يَعُد يَشعر بألم هذا العذاب الأليم ومرارته أولئك السائرون في ركاب المدنية
— 169 —
الحاضرة. ولكن ستار الغفلة يتمزق بتزايد الإحساس العلمي، علاوةً على نذير الموت الذي يعرض جنازةريب وضن ألف شخص يوميًّا.
فيا أسفى! ويا ويلَ مَنْ ضَلَّ بطواغيت الأجانب وعلومهم المادية الطبيعية، ويا خسارةَ أولئك الذين يقلّدونهم تقليدًا أعمى، ويتبعونهم شبرًا بشبرٍ وذراعًا بذراع.
فيا أب إلى ها الوطن! لا تحاولوا تقليد الإفرنج! وهل بعد كل ما رأيتم من ظلم أوروبا الشنيع وعداوتهم اللدود، تتبعونَهم في سفاهتهم، وتسيرون في ركاب أفكارهم الباطلة؟ وتلتحقون بصفوفهم، وتنضمّون تحت لوائهم بلا شعور؟ فأنتم بهذا تحكُمون على أنفسكم، وعلى إخ المسطبالإعدام.. كونوا راشدين فطنين! إنكم كلما اتبعتموهم في سفاهتهم وضلالهم ازددتم كذبًا وافتراءً في دعوى الحمية والتضحية، لأن هذا الاتباع استخفافٌ بأمتكم واستهزاء بملّتكم.
هدانا اللّٰه وإياكم إلى الصراط المستقيم.
المذزال فيالسادسة
يا مَن يضطرب ويقلق من كثرة عدد الكفار، ويا مَن يتزلزل باتفاقهم على إنكار بعض حقائق الإيمان، اعلم أيها المسكين!
أولًا:أنَّ القيمة والعكاس تليستا في وفرةِ الكمية وكثرةِ العدد، إذ الإنسان إن لم يكن إنسانًا حقًا انقلب حيوانًا شيطانًا، لأن الإنسان يكسب حيوانيةً هي أشدُّ من الحيوانؤهن حتكلما توغل في النوازع الحيوانية، كبعض الأجانب أو السائرين في ركابهم. فبينما ترى قلةَ عدد الإنسان قياسًا إلى كثرة عدد الحيوانات إذا بك تراه قد أصبح سلطانًا وسيدًا على جميع أنواعها، وصار خليفةً في الأرض.
فالكفار بع للمرون والذين يتّبعون خطواتهم في السفاهة، هم نوعٌ خبيث من أنواع الحيوانات التي خلَقَها الفاطر الحكيم سبحانه لعمارة الدنيا. وجعلهم "واحدًا قياسيًّا" لمعرفة درجات النعمة التي أسبغها على عباده المؤمنين، وسوف يسلّمع الأى جهنمَ وبئس المصير التي يستحقونها، حينما يرثُ الأرضَ ومَن عليها.
— 170 —
ثانيًا:ليس في إنكار الكفار والضالين لحقيقةٍ من الحقائق الإيمانية قوةٌ، ولا في نفيهم لها سندٌ، ولا في اتفاقهم أهمية ، لأنه نفيٌ. فأَلفٌ من النافين هم في حُكم نامن عالد فقط.
مثال ذلك:إذا نَفى أهلُ إسطنبول جميعُهم رؤيتَهم للهلال في بداية رمضان المبارك، فإن إثبات اثنين من الشهود، يُسقِط قيمةَ اتفاق كل ذلك الجمع الغفير. فلا قيمة إذن في اتفاق الكفار الكثيرين ما دامت ماهيةُ الكفر والضلكشعرة،يًا، وإنكارًا، وجهلًا، وعدمًا. ومن هنا يُرجَّح حُكمُ مؤمنَين اثنين يستندان إلى الشهود في المسائل الإيمانية الثابتة إثباتًا قاطعًا على اتفالإخلاصا يُحد من أهل الضلالة والإنكار ويتغلب عليهم.
وسرّ هذه الحقيقة هو ما يأتي:
إنَّ دعاوى النافين متعددة، برغم أنها تبدو واحدة في الظاهر، إذ لا يتّحد بعضُها مع البعاب:إنر كي يعززه ويشدّ من عضده. بينما دعاوى المُثبتين تتحد وتتساند ويمدّ بعضُها البعض الآخر ويقوِّيه ويدعمه، فالذي لا يرى هلال رمضان في السماء يقول: إنَّ الهلال في نظري غير موجودٍ، وعندي غير موجود.. والآخر يقول مثلَه هذه اّ منهم ينفي من زاوية نظره، وليس من واقع الحال، ومن الأمر بذاته، لذا فاختلافُ نظرهم وتنوعُ الأسباب الداعية إلى حَجب الرؤية، وتعدد موانع النظر لدى الأشخاص، يجعل دعاواهم متباينة ومختلفة لا تسند إحداها الأخرى.
مجيد، المثبتون فلا يقول أحدهم: الهلال موجود في نظري، أو عندي، بل يقول: إن الهلال موجود فعلًا، وهو في السماء بذاته.. والمشاهدون جميعًا يصدّقونه فيإنذارً هذه، ويؤيدونه في الأمر نفسه قائلين: الهلال موجود في واقع الحال.. أي إن جميع الدعاوى واحدة.
ولما كان نظرُ النافين مختلفًا، فقد أصبحت دعاواهم كذلك مختلفة، فلا يسري حُكمهم على الأمر بذاته، لأنه لا يمكن إثبات النفي في الحقيقة، آمنينم الإحاطةُ. ومن هنا صارت من القواعد الأصولية: أنَّ "العَدَم المطلق لا يُثبَتُ إلّا بمُشكلات عظيمة".
نعم، إذا قلت: إن شيئًا ما موجود في الدنيا، فيكفي لإثباته إراءته فقط. ولكن إنْ قلتَ: إنه معدومٌ، غرون الود في الدنيا. أي إذا نفيت وجوده، فينبغي لإثبات هذا النفي أو العدم أنْ تبحث عنه في أطراف الدنيا كافة وإراءتُه وإشهادُه.
— 171 —
وبناء على هذا السر: يتساوى في إنكار الكفار لحقيقةٍ واحدة الواحدُ مع الألف، لعدم وجود التساند فلثأر يبه ذلك، حلَّ مسألة ذهنية، أو المرورَ من ثقب، أو القفز من فوق الخندق، التي لا تساند فيها.
أما المثبتون فلأنهم ينظرون إلى الأمر نفسه، أي إل أن يك الحال، فإن دعاواهم تتحد وتتعاون ويمدُّ بعضُها البعض الآخر قوةً، بمثل التعاون الحاصل في رفع صخرةٍ عظيمة، فكلما تكاثرت الأيدي عليها، سهُل رفعُها أكثر، حيث يستمد كلٌ منهم القوة من الآخر.
المذكّرة السابعة
يا مَضم ألوّ المسلمين ويشوّقهم على حُطام الدنيا ويسوقُهم قسرًا إلى صنائع الأجانب والتمسك بأذيال رقيّهم. ويا مدّعي الحمية، أيها الشقي!. تمهّل، وتأمّل! واحذر من انقطاع طئ- أنلدين لبعض أفراد هذه الأمة وانفصام روابطهم معه، لأنه إذا انقطعت تلك الروابط لدى البعض تحت سطوة مطارق التقليد الأعمى والسلوك الأرعن، فسيكونون مُلحدين مضرّين بالمجتمع، لتي هين للحياة الاجتماعية كالسمّ القاتل، إذ المرتد سمٌّ زعاف للمجتمع، حيث قد فسد وجدانُه وتعفنت طويتُه كليًا، ومن هنا ورد في علم الأصول: "المرتد لا حقمن تدخي الحياة، خلافًا للكافر الذميّ أو المعاهَدِ فإن له حقًا في الحياة" وأن شهادة الكافر من أهل الذمة مقبولةٌ عند الأحناف بينما الفاسقُ مردودُ الشهادة [٭]: انظر: الترمذي، الشهادة ٢؛ أبو داود، الأقضية ١٦؛ ابن ماجه، الأحكام ٣عات الد بن حنبل، المسند ٢/١٨١،٢٠٤،٢٠٨. ولتوضح الحكم الفقهي لهذا الموضوع: انظرالكاساني، بدائع الصنائع ١/١٥٦؛ المرغيناني، الهداية ٣/١٢٤؛ ابن عابدين، الحاشية ٧/١١٢. لأنه خائن.
أيها الفاسق الشقي! لا تَغْترّ بكثرة الفُسّاق، ولا تقل إن 27
أكثرية الناس تساندني وتؤيدني، ذلك لأنه لم يدخل الفسقَ فاسقٌ برغبةٍ فيه وطلبًا لذات الفسق، بل وقع فيه ولا يستطيع الخروج منه، إذ ما من فاسقٍ إلّا ويتمنى أن يكون تقيًا صالحًا، وأن يكون رئيسه وآمرُه ذا دينٍ وصلاح، اللهم إلّا من أُشربَ قلبُرجةٍ عدّة - والعياذ باللّٰه - فَفَسد وجدانه بها، وأَصبح يلتذ بلدغ الآخرين وإيذائهم كالحيّة.
أيها العقل الأَبله والقلب الفاسد! أتظنُّ أن المسلمين لا يرغبون في الدنيا، ولا يفكرون
— 172 —
فيها، حتى أَصبحوا فقراءَ مُعْدَمين، فتراهم بحاجة إلى مَن يوُقظه في القدتهم كيلا ينسوا نصيبَهم من الدنيا؟
كلّا.. إنَّ ظَنَّك خطأٌ.. بل لقد اشتدّ الحرصُ، فهم يقعون في قبضة الفقر وشِباك الحرمان نتيجة الحرص، إذ الحرص للمؤمن سببُ الخيبة وقائدُ الحرمانعبادة الة. وقد ذهب مثلًا: الحريص خائبٌ خاسر .
نعم، إنَّ الأسباب الداعية إلى الدنيا كثيرة، والوسائل السائقة إليها وفيرة، وفي مقدمتها ما يحمله كلُّ إنسان من نفسٍ أَمَّارة بالسوء، وما يكمن فيه من هوًى وحاجة لتجليومشاعر وشيطانٍ عدو، فضلًا عن أقران السوء -من أمثالك- وحلاوة العاجلة ولذّتها... وغيرها من الدعاة إليها كثير، بينما الدعاة إلى الآخرة وهي الخالمنافالمرشدون إلى الحياة الأبدية قليلون.
فإن كان لديك ذرةٌ من الحَميّة والشّهامة تجاه هذه الأمة، وإن كنت صادقًا في دعواك إلى التضحية والى واقعالإيثار، فعليك بمدّ يد المساعدة إلى أولئك القلّة من الداعين إلى الحياة الباقية. وإلّا فإن عاونتَ الكثرة، وكممتَ أفواه أولئك الدعاة القلة، فقد أَصبحتَ للشيطان قرينًا. فساء قرينًا.
أوَ تظن أن فقرَنا أصفياءمن زُهد الدين أو من كسلٍ ناشئ من ترك الدنيا؟ إنك مخطئ في ظنك أَشدَّ الخطأ.. ألا ترى أن المجوس والبراهمة في الصين والهند والزنوج في أفريقيا وأمثالَهم من الشعوب المغلوبة على أمرها واناء في تحت سطوة أوروبا، هم أَفقرُ منّا حالًا.
أوَ لا ترى أنه لا يبقى بأيدي المسلمين سوى ما يسدّ رَمَقَهم ويقيم أَوَدَهم حيث يغصبه كفارُ أوروبا الظالمون منهم أو يسرقه منافقو آسيا بما يحيكون من دسائس خبيثة.
لشر الانت غايتكم من سَوق المؤمنين قسرًا إلى المدنية التي هي الدنيّة (أي بلا ميم) تسهيلًا لإدارة دفّة النظام وبسط الأمن في ربوع المملكة، فاعلموا جيدًا أنكم على خطأ جسيم، إذ تسوقون الأمة الساباوية طريق فاسد. لأن إدارةَ مائة من الفاسقين الفاسدين أخلاقيًا والمرتابين في اعتقادهم وإيمانهم، وجعلَ الأمن والنظام يسود فيما بينهم لهو أصعبُ بكثير من إدارة ألوف من الصالحين المتقين ونشر الأمن فيما بينهم.
— 173 —
وبناءً على ما تقدم من الأ الحقيس بالمسلمين حاجة إلى ترغيبهم وحثّهم على حبّ الدنيا والحرص عليها، فلا يحصل الرقي والتقدم ولا ينشر الأمن والنظام في ربوع البلاد بهذا الأسلوب، بل هم بحاجة إلى تنظيم مساعيهم، وبث الثقة فيما بينهم، وتسهيل وسائط التعاون فيما بت الآيولا تتم هذه الأمور إلّا باتباع الأوامر المقدّسة في الدين، والثبات عليها، مع التزام التقوى من اللّٰه سبحانه وابتغاء مرضاته.
المذكِّرة الثامنة
يا مَ إعطاءدرك مدى اللذة والسعادة في السعي والعمل.. أَيها الكسلان! اعلم، أَنَّ الحق تبارك وتعالى قد أَدرج لكمالِ كرمه جزاءَ الخدمة في الخدمة نفسها، وأَدمج ثوابَ العمل في العمل نفسِهِ.
ولأَجل هذا كانت الموجوداتا، وتق بما فيها الجمادات -من زاوية نظر معينة- تمتثل الأَوامر الربانية بشوق كامل، وبنوع من اللذة، عند أَدائها لوظائفها الخاصة بها والتي تطلق عليها "الأوامر التكوينية". فكل شيء ابتداءً من النحل والذباب والدجاج.. وانتهاء ن، ينكشمس والقمر، كلٌّ منها يسعى بلذةٍ تامة في أَداء مهامِّها. أي اللذةُ كامنة في ثنايا وظائف الموجودات، حيث إنها تقوم بها على وجه من الإتقان التاذه الم أَنَّها لا تعقلُ ما تفعل ولا تدركُ نتائج ما تعمل.
فإن قلت:إن وجودَ اللذة في الأَحياء ممكنٌ، ولكن كيف يكون الشوقُ واللذةُ موجودين في الجمادات؟.
فالجواب:أنَّ الجمادات تطلب شَرَفًا ومقامًا وكمالًا وجمالًا وامعينة ا، بل تبحث عن كل ذلك وتفتش عنه لأجل إظهار الأَسماء الإلهية المتجلية فيها، لا لذاتها، لذا فهي تتنور وتترقى وتعلو أثناء امتثالها تلك الوظيفة الفطرية، حيث إنها تكون بمثابة مراياان إلىكس لتجليات أَسماء "نور الأنوار".
فمثلًا:قطرةٌ من الماء -وقطعة من الزجاج- رغم أنها تافهةٌ وقاتمة في ذاتها، فإذا ما توجهت بقلبِها الصافي إلى الشمس، تتحول إلى نوعٍ من عرشٍ لتلك الشمس، فتلقاك بوجه مضيء!
— 174 —
وكذلك الذرات والموجوداتيرة فيغِرار هذا المثال- من حيث قيامها بوظيفة مرايا عاكسة لتجليات الأسماء الحسنى لذي الجلال والجمال والكمال المطلق، فإنها تسمو وتعلو إلى مرتبة من الظهور والجلاء والتنوّر هي غاية في العلو والسمو، إذ ترتفعبٌ كذللقطرةُ وتلك القطعة من حضيض الخمود والظلمة إلى ذروة الظهور والتنور. لذا يمكن القول: بأن الموجودات تقوم بأداء وظائفها في غاية اللذة والمتعة ما دامت تكتسب بها مرتبةً نورانية سامية، إن كانت اللذة ممكنة أفإن ربان للموجود حصة من الحياة العامة.
وأظهرُ دليل على أن اللذة كامنةٌ في ثنايا الوظيفة نفسها هو ما يأتي:
تأمل في وظائف أعضائك وحواسّك، ترَ أن كلًاتب بضعيجد لذائذَ متنوعة أثناء قيامه بمهامه -في سبيل بقاء الشخص أو النوع- فالخدمة نفسها، والوظيفةُ عينُها تكون بمثابة ضربٍ من التلذذ والمتعة بالنسبة لها، بل يكون تركُ الوظيفة والعمل عذابًا مؤلمًا لذلك العضو.
وهناك دليلوم "نوآخر هو: أن الديك -مثلًا- يُؤْثِرُ الدجاجاتِ على نفسه، فيترك ما يلتقطه من حبوب رزقه إليهن دون أن يأكل منها. ويُشاهد أنه يقوم بهذه المهمة وهو في غاية الشوق وعزِّ الافتخار وذروة اللذة.. فهناك إذن لذةٌ في تلك الخدمة أعظم من لذة الأكل نفسِهِ. وكهي تهاال مع الدجاجة -الراعية لأفراخها- فهي تُؤْثرُها على نفسها، إذ تدع نفسَها جائعةً في سبيل إشباع الصغار، بل تضحي بنفسها في سبيل الأفراخ، فتهاجم الكلب المُغير عليها لأجل الحفاظ على الصغار.
ففي الخدمة إذن لذةٌ تفوق كل شيء، حتى إنها تكمةُ فارةَ الجوع وترجّح على ألم الموت. فالوالدات من الحيوانات تجد منتهى اللذة في حمايتها لصغارها طالما هي صغيرة. ولكن ما إن يكبر الصغيرُ حتى تنتهي مهمة الأم فتذهب اللذةُ أيضًا. وتبدأ الأم بضرب الذي كانت ترعاه، بل تأخذ الحَبّ منه.. هذه اه يذكُ الإلهية جاريةٌ في الحيوانات إلّا في الإنسان إذ تستمر مهمة الأم نوعًا ما، لأن شيئًا من الطفولة يظل في الإنسان حيث الضعفُ والعجز يلازمانه طوال حياته، فهو بحاجة إلى الشفقة والرأفة كل حين.
وهكذا، تأمل في جميع الذكور من اليد ونات كالديك، وجميع الوالدات منها كالدجاج، وافهم كيف أنها لا تقوم بتلك الوظيفة ولا تنجز أي شيء لأجل نفسها ولا لكمالها بالذات
— 175 —
حيث تفدي نفسَها إذا احتاج الأمر. بل إنها تقوم بتلك المهمة باسم الحيوية الكريم الذي أَنعم عليها، وباسم الفاطر الجليل الذي وظّفها في تلك الوظيفة فأَدرج برحمته الواسعة لذةً ضمن وظيفتها، ومتعةً ضمن خدمتها.
وهناك دليلٌ آخر على أن الأجرة داخلةٌ في العمل نفسه وهو أن النباتات والأشجار تمتثل أوامر فاطرها الجليل بما يُش في أعفيها شوقًا ولذةً، لأن ما تنشره من روائح طيبة، وما تتزين به من زينة فاخرة تستهوي الأنظار، وما تقدمه من تضحيات وفداء حتى الرَمَق الأخير لأجل سنابلها وثمارها.. كل ذلك يعلن لأهل الفطنة: أنَّ النباتات تجد لذةً فائقة في امتثالها الأوامر بما يفوا فالذلذة أخرى، حتى إنها تمحو نفسها وتهلكها لأجل تلك اللذة.. ألا ترى شجرة جوز الهند، وشجرة التين كيف تُطعم ثمرتَها لبنًا خالصًا تطلبه من خزينة الرحمة الإلهية بلشهادة.لها وتتسلمه منها وتظل هي لا تُطعم نفسَها غير الطين. وشجرة الرمان تسقي ثمرتها شرابًا صافيًا، وَهبَها لها ربُّها، وهي ترضى قانعةً بشراب ماءٍ عكر. حتى إنك ترى ذلك في الحبوب كذلك، فلُهما هر شوقًا هائلًا للتسنبل، بمثل اشتياق السجين إلى رحب الحياة.
ومن هذا السرّ الجاري في الكائنات المسمى بی"سُنّة اللّٰه" ومن هذا الدستور العظيم، يكون ن منح الكسلانُ الطريح على فراش الراحة أَشقى حالًا وأضيقَ صدرًا من الساعي المجدّ، ذلك لأن العاطل يكون شاكيًا من عمره، يريد أن يمضي بسرعة في اللهو والمرح. بينما الساعي المجدّ شاكرٌ للّٰه وحامدٌ له، لا يريد أن يمضي عمرَه سدًى. لذا أصبح دستورًافمثلًا في الحياة: "المستريح العاطل شاكٍ من عمره والساعي المجدّ شاكرٌ". وذهب مثلًا: "الراحةُ مندمجة في الزحمة والزحمة مندمجة في الراحة".
نعم، إذا ما أُمعن النظر َ
مادات فإن السنة الإلهية المذكورة تظهر بوضوح؛ فالجمادات التي لم تتكشف استعداداتُها وباتت ناقصةً من هذه الناحية، تراها تسعى بشدة، وتبذل جهدًا منها؟! لكي تنبسط وتنتقلَ من طور "القوة" الكامنة إلى طور "الفعل". وعندها يشاهد عليها ما يشير إلى أن في تلك الوظيفة الفطرية شوقًا، وفي ذلك التحول لذةً، جريًا بدستور سُنّة اللّٰه من W كانت لذلك الجامد حصة في الحياة العامة، فالشوق يعود إليه، وإلّا فهو يعود إلى الذي يمثل ذلك الجامد ويشرف عليه، بل يمكن أن يقال بناء على هل القطر: إن الماء اللطيف الرقراق ما إن
— 176 —
يتسلم أمرًا بالانجماد، حتى يمتثل ذلك الأمر بشدة وشوق إلى حدّ أنه يكسر الحديد ويحطّمه. فإذن عندما تبلّغ البرودةُ ودرجاتُ الانجماد أمرًا ربّانيًّا بالتوسع، إلى الماء الموجود داخل كرة حديدٍ مقفلذين أخ الماء يمتثل الأمر بشدة وشوق بحيث يحطّم كرة الحديد تلك، وينجمد.
وعلى هذا فقس جميعَ ما في الكون من سعي وحركة، ابتداءً من دوران الشموس في أفلاكها وانتهاءً إلى دوران الذرات -كالمولوي العاشق- ودوراتِها واهتزازاتها.. فلا ت حيث اًا إلّا ويجري على قانون القَدَر الإلهي، ويظهر إلى الوجود بالأمر التكويني الصادر من يد القدرة الإلهية والمتضمن العلمَ الإلهي وأمره وإرادته.. حتى إن كل ذرة، وكل موجود، وكل ذي حياة، إنشريعة.كالجندي في الجيش، له علاقات متباينة ووظائف مختلفة، وارتباطات متنوعة مع كل دائرة من دوائره. فالذرة الموجودة في عينيك -مثلًا- لها علاقة مع خلايا العين، ومع أَعصاب العين في الوجه، ومع الشرايين والأوردة في الجسم، وعلى أساس هذه العلاي تقدحلروابط تُعَيَّنُ لها وظيفة، وعلى ضوئها تنتج فوائد ومصالح وهكذا..
فقس على هذا المنوال كل شيء في الوجود.
وعلى هذا الأساس فإن كلَّ شيء في طلبه ا يشهد على وجوب وجود القدير المطلق من جهتين:
الأولى:قيامُه بوظائفَ تفوق طاقتَه المحدودة بآلاف المرات، مع أنه عاجزٌ عن ذلك، فيشهد بلسان عجزه إذن على وجود ذلك الوعونًالمطلق.
الثانية:توافقُ حركته مع الدساتير التي تكوّن نظامَ العالم، وانسجام عمله مع القوانين التي تديم توازن الموجودات، فيشهد -بهذا الانسجام والتَقٌ لدعلى وجود ذلك العليم القدير. ذلك لأن جمادًا كالذرة -أو حشرة كالنحلة- لا تستطيع أن تعرفَ النظام والموازنة اللذين هما من المسائل الدقيقة المهمةفضلًا ورة في الكتاب المبين.. إذ أين الذرةُ والنحلة من قراءة ذلك الكتاب الذي هو في يدِ مَن يقول:
يوم نطوي السماء كطيّ السِجل للكتب
(الأنبياء: ١٠٤) فلا يجرؤ أحدٌ أن يردّ هذه الشهادة لل الجزلّا مَن يتوهم بحماقة متناهية أنها تملك عينًا بصيرة تتمكن بها قراءة الحروف الدقيقة لذلك الكتاب المبين؟.
نعم، إنَّ الفاطر الحكيم يدرج دساتيرَ الكتاب المم. حيثحكامه دَرجًا في غاية الجمال،
— 177 —
ويُجملها في غاية الاختصار، ضمن لذةٍ خاصةٍ لذلك الشيء، وفي ثنايا حاجةٍ مخصوصة له. فإذا ما عمل الشيءَ وفق تلك اللذة الخاصة والحاجة المخصوصلى غيره يمتثل -من حيث لا يشعر- أحكام ذلك الكتاب المبين.
فمثلًا:إن البعوضة في حين مولدها ومجيئها إلى الدنيا تنطلق من بيتها وتهاجم وجهَ الإنسان وتضربه بعصاها الطويلة وخرطومِها الدقيق وتفجّر به السائل الحيوي، وتمن نقصاًا، وهي في هذا الهجوم تُظهر براعة عسكرية فائقة..
تُرى مَن علّم هذا المخلوق الصغير الذي أتى حديثًا إلى الدنيا وليس له من تجربة سابقة، هذه المهارة البارعة، وهذه الفنون الحربية الدقيقة، أذهب كلإتقان في التفجير، فمن أين اكتسب هذه المعرفة؟.. فأنا هذا السعيد المسكين أعترف بأني لو كنتُ بدلًا منه، لما كنت أتعلم تلك المهارة، وتلك الفنون العسكرية من كرّ وفرّ، وتلك الأمور الدقيقة في استخراج السائل الحيوي إلّا بعد تجارب طويلة، ودروومحدثةة، ومدة مديدة.
فقس على البعوضة النحلَة الملهمة و العنكبوت والبلبلَ الناسج لعشه نسجًا بديعًا، بل يمكنك قياس النباتات على الحيوانات أيضًا.
نعم إن الجدٌ ولامطلق جلّ جلاله قد سلّم بيد كل فردٍ من الأحياء "بطاقة تذكرة" مكتوبةً بمداد اللذة وحبر الاحتياج، فأَودع سبحانه فيها منهاجَ أوامره التكوينية، وفهرس ما يقوم به ااقهم كمن وظائف.. فسبحانه من حكيم ذي جلال، كيف أَدرج ما يخصّ النحل من دساتير الكتاب المبين في تلك "التذكرة" الصغيرة وسطرَها في رأس النحلة، وجعل مفتاحها لذةً خاصة بالنحلةاختياربة، لتفتح به تلك "التذكرة" المودعة في دماغها وتقرأ منهاج عملها فيها وتدرك وظيفتها، وتسعى وتجدّ وفقها، وتبرز حكمةً من الحكم المكنونة في الآية الكريمة:
وأوحى ربُّك الى النحل
(النحل: ٦٨)
فيا مَن يقرأ أو يسمع هذه المذكِّرة ان من "! إنْ كنتَ قد فهمتها حقَّ الفهم فقد فهمت إذن سرًا من أسرار:
ورحمتي وسعت كلَ شيء
(الأعراف:١٥٦).
وأدركت حقيقةً من حقائق:
وَاِنْ مِنْ شَيءٍ اِلّا يُسَبِحُ هما أكدِهِ
(الإسراء: ٤٤)
— 178 —
وتوصلتَ إلى دستور من دساتير:
انما أمره اذا ارادَ شيئًا ان يقول له كُن فيكون
(يس:٨٢)
وتعلمت مسألة لطيفة من مسائل:
فسبحان الذي بيده ملكوت كلّ شيءٍ وي الماُرجعون
(يس: ٨٣)
المذكِّرة التاسعة
اعلم أن النبوة في البشرية فذلكةُ الخير وخلاصة الكمال وأساسه. وأن الدين الحق فهرسُ السعادة. وأن الإيمان حُسنٌ منزّه وجمال مجرّد. وحيث إن حسنًا ساطعًا، وفيضًا واسعًا ساميًا، قاطبةظاهرًا، وكمالًا فائقًا مشاهَدٌ في هذا العالم، فبالبداهة يكون الحقُّ والحقيقة في جانب النبوة، وفي يد الأنبياء عليهم السلام، وتكون الضلالة والشر والخسارة ف.
وفيهم.
فإن شئت فانظر إلى مثال واحد من بين ألوف الأمثلة على محاسن العبودية التي جاء بها النبي عليه السلام وهو: أن النبي عليه السلام يوحِّد بالعبادة قلوبَ المور التيي صلاة العيد والجمعة والجماعة، ويجمع أَلسنتهم جميعًا على كلمة واحدة. حتى يقابل هذا الإنسان عظمة الخطاب الصادر من المعبود الحق سبحانه بأصوات قم. كماألسنةٍ لا تحد وبدعواتها، متعاونًا متساندًا، بحيث يُظهر الجميعُ عبوديةً واسعةً جدًّا إزاء عظمة أُلوهية المعبود الحق فكأَن كرة الأرض برمَّتها هي التي تنطق بذلك الذكر، وتدعو بذلك الدعاة الأولّى للّٰه بأقطارها وتمتثل بأرجائها الأمرَ النازل بالعزة والعظمة من فوق السماوات السبع:
وأقيموا الصلاة
(البقرة:٤٣)
وبهذا الاتحاد صار الإنسانُ وهو المخلوق الضعيف الصغير الذي هو كالذرة في هذه العوالم، عبدًا العالًا لدى خالق السماوات والأرض من جهة عظمة عبوديته له، وأَصبح خليفةَ الأرض وسلطانَها، وسيد الحيوانات ورئيسها، وغاية خلق الكائنات ونتيجتها.
أَرأيت لو اجتمعت في يرًا، لشهادة أيضًا -كما هو في عالم الغيب- أصواتُ المكبرين البالغين مئات الملايين من المؤمنين بی"اللّٰه أكبر" عقب الصلوات ولاسيما صلاة العيد، واتحدتْ جميعُها في آن واحد أما كانت متساوية لصوت تكبيرة "اللزمن إكبر" تطلقها كرةُ الأرض ومتناسبةً مع
— 179 —
ضخامتها والتي أصبحت كأنها إنسان ضخم، إذ باتحاد تكبيرات أولئك الموحّدين في آن واحد يكون هناك تكبيرةٌ عظيمة جدًّا كأن الأرض تطلقها، بل كأن الأرض تتزلزل زلزالها في صلاسف:٣٠)د. إذ تكبّر اللّٰه بتكبير العالم الإسلامي بأقطاره وأوتاده وتسبّحه بتسبيحهم وأذكارهم فتنوي من صميم قلب كعبتها المشرّفة التي هي قِبلتُها، وتكبّر بی"اللّٰه أكبر" بلس كفره َفة من فم مكة المكرمة. فبتموّج صدى "اللّٰه أكبر" متمثلًا في هواء كهوف أفواه جميع المؤمنين المنتشرين في العالم بمثل تموج ما لا يحد من الصدى في كلمة واحدة من "اللّٰه أكبر". بل تتمو البروالتكبيرات والأذكار في أقطار السماوات وعوالم البرزخ. فالحمد للّٰه الذي جعل هذه الأرض ساجدةً عابدةً له وهيأها لتكون مسجدًا لعباده ومهدًا لمخلوقاته. فنحمده سبحانه ونسبّحه ونكبّره بعدد ذرات الأرض ونرفع إليه حمدً بل رب موجوداته أن جعلنا من أمة محمد (ص) الذي علّمنا هذا النوع من العبادة.
المذكِّرة العاشرة
أيها السعيد الغافل المتخبط بسوء حاله! اعلم، أنَّ الوصول إلى نور معرفة الحق سبحانه، وإلى مشاهدة تجلياته في مرايا الآيات والشوقائلًالنظر إليه من مسامات البراهين والدلائل يقتضي ألّا تتجسّس بأصابع التنقيد على كل نورٍ جرى عليك، وورَد إلى قلبك، وتظاهر إلى عقلك، وألّا تنقده بيد التردد. فلا تمدّن يدك لأخذ نورٍ أضاء لك. بل تجرّد من أسباب الغفلة،فلتك وض لذلك النور، وتوجّه إليه، فإني قد شاهدت أن شواهد معرفة اللّٰه وبراهينها ثلاثة أقسام:
قسم منها:كالماء، يُرى ويُحسّ، ولكن لا يُمسك بالأصابع. ففي هذا القسم عليك بالتجرّد عن الخيالات، والاجه -منفيه بكليتك، فلا تتجسس بإصبع التنقيد، فإنه يسيل ويذهب، إذ لا يرضى ماءُ الحياة ذلك ، بالإصبع محلًا.
القسم الثاني:كالهواء، يُحسّ ولكن لا يُرى، ولا ى. إنّولا يُستمسك، فتوجَّه لنفحات تلك الرحمة، وتعرّض لها، وقابِلها بوجهك وفمك وروحك، فإنْ نظرتَ إلى هذا القسم بيد التردد والريب ومددت إليه يد التنقيد، بدلالأذن الانتعاش روحيًا، فإنه ينطلق، إذ لا يتخذ يدك مسكنًا له ولا يرضى بها منزلًا.
— 180 —
القسم الثالث:فهو كالنور، يُرى ولكن لا يُحس، ولا يؤخذ ولا يستمسك، فتعرّض له وقابله ببصيرة قلبك ونظر روحك، وتوجّه إليه ببصرك، ثم انتظالة نفبما يأتي بذاته ومن نفسه. لأن النور لا يؤخذ باليد، ولا يُصاد بالأصابع، بل بنور البصيرة يُصاد. فإذا مددت إليه يدًا مادية حريصةً، ووزنتَه بفسه يت مادية، فإنه يختفي وإن لم ينطفئ، لأن نورًا كهذا مثلما أنه لا يرضى بالماديّ حبسًا، ولا يدخل بالقيد أبدًا، فإنه لا يرضى بالكثيف مالكًا وسيدًا عليه.
المذكِّرة الحادية عشرة
انظر إلىقدار ارحمة القرآن الواسعة وشفقته العظيمة على جمهور العوام ومراعاته لبساطة أفكارهم ونظرهم غير الثاقب إلى أمور دقيقة، انظر كيف يكرر ويُكثر الآيات الواضحة المسطورة في جباه السماوات والأرض، فيُقرئهم الحروف الكبيرة التي تُقرأ بكمال السهولة ابن م السماوات والأرض وإنزال الماء من السماء، وإحياء الأرض.. وأمثالها من الآيات. ولا يوجّه الأنظار إلى الحروف الدقيقة المكتوبة في الحروف الكبيرة إلّا نادرًا، كيلا يصعب عليهم الأمر.
ثم انظر إلى جزالة بيان القرآن وسلاسة أسلوبه وإلى ال، كيف يتلو على الإنسان ما كتبتْهُ القدرةُ الإلهية في صحائف الكائنات من آياتٍ حتى كأن القرآنَ قراءةٌ لما في كتاب الكائنات وأنظمتها، وتلاوةٌ لشؤون بارئها المصّور وأفعاله الحكيمة. فإن شئت الوِص بقلبٍ شهيد لقوله تعالى: عَمّ يتساءَلون (النبأ:١) و قل اللّٰهم مالك الملك (آل عمران:٢٦) وأمثالهما من الآيات الكريمة.
المذكِّرة الثانية عشرة
يا أحبائي المستمعين لهذه المذكِّرات، اعلموا! أتمة
أَكتب تضرّع قلبي إلى ربّي مع أن من شأنه أن يُستَر ولا يُسطَر، رجاءً من رحمته تعالى أن يقبل نُطق كتابي، بدلًا عني إذا أَسكت الموتُ لساني.. نعم، لا تسع توبةُ قًا مبفي عمري القصير كفارةً لذنوبي الكثيرة. فنطقُ الكتاب الثابت الدائم أوفى لها. فقبل ثلاث عشرة سنة وأثناء اضطراب روحي عارم وفي غمرة تحَولِ ضحكاتِ "سعيد القديم" إلى بكاء "سعيددائمة د" أفقت من ليل الشباب على صبح المشيب فسطرتُ هذه المناجاة باللغة العربية، أوردها كما هي:
— 181 —
يا ربيَ الرحيم ويا إلهيَ الكريم!
قد ضاع بسوء اختياري عمري وشبابي، وما بقي من ثمراته في لمعجونّا آثامٌ مؤلمة مُذلّة، وآلام مضرّة مُضلّة، ووساوس مزعجة معجزة، وأنا بهذا الحمل الثقيل، والقلب العليل، والوجه الخجيل متقربٌ -بالمشاهدة- بكمال السرعة، بلا انحراف وبلابشرى ار كآبائي وأحبابي وأقاربي وأقراني إلى باب القبر، بيت الوحدة والانفراد في طريق أبد الآباد، للفراق الأبدي من هذه الدار الفانية الهالكة باليقين، والآفلة الراحلة نْ كنتهدة، ولا سيما الغدّارة المكّارة لمثلي ذي النفس الأمارة.
فيا ربي الرحيم ويا ربي الكريم!
أراني عن قريب لبِستُ كفني وركبتُ تابوتي، وودعت أحبابي، وتوجهت إلى باب قبري، فأنادي في باب رحمتك: الأمانَ الأمان يا حنان يا منّان، نجني من خجالقاعدة يان.
آهٍ.. كفني على عنقي، وأنا قائم عند رأس قبري، أرفع رأسي إلى باب رحمتك أُنادي: الأمانَ الأمان يا رحمن يا حنّان، خلصني من ثقل حمل العصيان.
آهٍ.. أنا ملتفٌّ بكفني وساكن في قبري وتركني المشيعون، وأنا بالتفلعفوك ورحمتك.. ومشاهدٌ بأن لا ملجأ ولا منجا إلّا إليك، وأُنادي: الأمان الأمانَ من ضيق المكان، ومن وحشة العصيان، ومن قبح وجه الآثام. يا رحمن يا حنان.. يا منّان.. ويا ديّان نجنين طاعةاقة الذنوب والعصيان..
إلهي! رحمتُك ملجئي ووسيلتي، وإليك أَرفع بثي وحزني وشكايتي.
يا خالقي الكريم، ويا ربي الرحيم، ويا سيدي، ويا مولاي.. مخلوقُك، ومصنوعك وعبدك العاصي العاجز، الغافل، الجاهل العليل الذليل المسيء المسنّل إن ك الآبق، قد عاد بعد أربعين سنة إلى بابك ملتجئًا إلى رحمتك، معترفًا بالذنوب والخطيئات مبتلًى بالأوهام والأسقام، متضرعًا إليك.. فإن تقبل وتغفر وترحم فأنت لذاك أهلٌ وأنت أرحم الراحمين، وإلّا فأيّ بابٍ يُقصَد غير بابك.. وأنت الرّبُثل هذاود والحق المعبود.
ولا إله إلّا أنت وحدك لا شريك لك.. آخر الكلام في الدنيا وأول الكلام في الآخرة وفي القبر: أشهد أن لا إله إلّا اللّٰه وأشهد أن محمدًا رسول اللّٰه (ص).ما هو % المذكِّرة الثالثة عشرة
عبارة عن خمسِ مسائل قد صارت مدار الالتباس.
أولاها:أن الذين يعملون في طريق الحق ويجاهدون في سبيله، في الوقت الذي ينبغي لهم أن يحصروا تفكيرهم في واجبهم وعملهم فإنهم يفكرون فيما َ عقليونَ اللّٰه سبحانه وتدبيره، ويبنون أعمالهم عليه فيخطئون.
ورد في كتاب "أدب الدنيا والدين" أن إبليس -لعنة اللّٰه عليه- حين ظهر لعيسى بن مريم عليه السلام قال: ألستَ تقول: إنه لن يُصيبك إلّا ما كتفيشيعوّٰه عليك؟ قال: نعم. قال: فارمِ نفسك من ذروة هذا الجبل فإنه إن يقدِّر لك السلامة تسلم، فقال له: يا ملعون! إن للّٰه أن يختبر عبدَه وليس للعبد أن يختبر ربّه. [٭]: انظر الماورديسَ لأمالدنيا والدين ص١٢؛ الكتاب المقدس، متى، الباب الرابع، آية ١-١١. أي إن اللّٰه سبحانه هو الذي يختبر عبده ويقول له: إذا عملتَ هكذا سأوافيك بكذا، أرأيتك تستطيع القيام به؟. يختبره.. ولكج ويعبد ليس له الحق ولا في طوقه أصلًا أن يختبر ربّه ويقول: إذا قمتُ بالعمل هكذا فهل تعمل لي كذا؟. فهذا الأسلوبُ من الكلام الذي يومئ بالاختبار سوءُ أدبٍ تجاه الربوبية، وهو منافٍ للعبودان. ولا دام الأمر هكذا، فعلى المرء أن يؤدي واجبَه ولا يتدخل بتدبير اللّٰه سبحانه وقَدَره.
كان جلال الدين خوارزم شاه وهو أحد أبطال الإسلام العالى فصر على جيش جنكيزخان انتصارات عديدة. كان يتقدم جيشَه إلى الحرب، فخاطبه وزراؤه ومقرّبوه: سيُظهرك اللّٰه على عدوك، وتنتصر عليهم!.
فأجابهم:"عليَّ الجهاد في سبيل اللّٰه اتباعًا لأمره سبحانه، ولا حقفوف) فيما لم أُكلف به من شؤونه، فالنصرُ والهزيمة من تقديره سبحانه" ولبلوغ هذا البطل العظيم إدراك هذا السر الدقيق في الاستسلام إلى أمر اللّٰه والانقياد إليه، كان النصرُ حليفَه في أَغلبتُ إلىان نصرًا خارقًا.
نعم إنه لا ينبغي أن يفكر الإنسان - في عمله الذي يقوم به بما لديه من الجزء الاختياري - بالنتائج التي يتولّاها اللّٰه سبحانه.
فمثللتكرارداد حماسُ بعض الإخوة وشوقهم إلى "رسائل النور" باستجابة الناس لها، فينشطون أكثر.. ولكن عندما لا يستجيب لها الناسُ، تفتُر قوةُ الضعفاء المعنوية وتنطفئ جذوةُ
— 182 —
تم، فإن خلقا كثيرا قد التفوا حول مائدته؟ فالتفت إليّ وأنشد: أرى كل من بالكدح يدرك خبزه، فليس بمحتاج لمنة حاتم.
فالحق أقول: لقد رأيت ذلك الرجل أعلى مني همة وأكرم. (روضة الورد "كلستان" ترجمة ضع وبهي ص ١٤٤).
النكتة الخامسة
إنَّ من كمال كرم اللّٰه سبحانه وتعالى، أنه يُذيقُ لذّة نِعَمه لأَفقر الناس، كما يذيقها أغناهم، فالفقير يستشعر اللذة ويتذوقها كالسلطان.
نعم إن اللذة التي ينالها فقير من كِسرة خبز أَسود يابس بسط لطائوع والاقتصاد تفوق ما يناله السلطان أو الثري من أكله الحلوى الفاخرة بالملل وعدم الشهية النابعين من الإسراف.
ومن العجب حقًا أن يجرؤ بعضُ المسرفين والمبذّرين على اتهام المقتصدين بالخسّةعلي رضَ للّٰه، بل الاقتصاد هو العزة والكرم بعينه، بينما الخسةُ والذلة هما حقيقة ما يقوم به المسرفون والمبذرون من سخاء ظاهري.
وهناك حادثة جرت في غرفتي في "إسبارطة" في السنة التي تم فيها تأليف هذه الرسالة، تؤيد هذه الحقصر، واي أنه: أصرّ أحد طلابي إصرارًا شديدًا على أَن أَقبل هديته التي تزن أوقيتين ونصف الأوقية [٭]: الأوقية تساوي ١.٢٨٠ كيلوغرام. من العسل، خرقًا لدستور حياتي، [٭]: وهو أن الأستاذ النورسي ما كان يقبل الهدايا بلا مقزينة تومهما حاولت في بيان ضرورة التمسك بقاعدتي لم يقنع، فاضطررت إلى قبولها مرغمًا على نية أن يشترك ثلاثةُ إخوةٍ معي في الغرفة فيها ويأكلوا منه باقتصاد طوال أربعين يومًا من شهري شعبان ورمضان المبارك، ليكسب صاحبهافة حادي ثوابًا، ولا يبقوا دون حلاوة. لذا أوصيتُهم بقبول الهدية لهم علمًا أنّي كانت عندي أوقية من العسل.
وبرغم أن أصدقائي الثلاثة كانوا على استقامة حقًا وممن يقدّرون الاقتصاد حق قدره، فإنهم -على كل حال- نَسوه نتيجة
بِاسم بإكرام بعضهم بعضًا ومراعاتهم شعور الآخرين
— 183 —
شوقهم. والحال أن سيدنا الرسول الأعظم (ص) وهو الأستاذ الأعظلرحيم دى الكل والرائد الأعلى قد اتخذ الأمر الإلهي:
وما على الرسول الّا البلاغُ المبينُ
(النور: ٥٤) دليلًا ومرشدًا له، فكلما أعرض الناسُ عن الإصغاء وتولّوا عنه ازدادَ جهادًا وسعيًا في سبيل التبليغ. لأنه عَلِم يقي"اللمع جعل الناس يصغون ويهتدون إنما هو من شؤون اللّٰه سبحانه، وفق الآية الكريمة:
إنك لاتهدي مَن أحببتَ ولكنَ اللّٰه يَهدي مَن يشاءُ
(القصص: ٥٦). فما كان يتدخل (ص) في شؤونه سبحانه.
لذا فيا إخوتي! لا تتدخلوا في أعمال وشؤون لا تعود إليكبالأضاتبنوا عليها أعمالكم ولا تتخذوا طور الاختبار تجاه خالقكم.
المسألة الثانية:إنَّ غاية العبادة امتثالُ أمر اللّٰه ونيلُ رضاه، فالداعي إلى العبادة هو الأمرُ الإلهي، ونتيجتُها نيلُ رضاه سبحانه. أما ثمرتُها وفوائدها فأخروية.منها، أنه لا تنافي العبادة إذا مُنحت ثمراتٌ تعود فائدتُها إلى الدنيا، بشرط ألّا تكونَ علّتها الغائية، وألّا يُقصد في طلبها. فالفوائدُ التي تعود إلى الدنيا والثمرات التي تترتب عليها من د أن سوتُمنح من دون طلب لا تنافي العبادة، بل تكون بمثابة حث "وترجيح" للضعفاء. ولكن إذا صارت الفوائد والمنافع الدنيوية علّةً، أو جزءًا من العلة لتذكّروابادة أو لذلك الوِرد أو الذكر فإنها تُبطل قسمًا من تلك العبادة. بل تجعل ذلك الورد الذي له خصائص عدة عقيمًا دون نتيجة.
فالذين لا يفهمون هذا اليُتخذ قرأون "الأوراد القدسية للشاه النقشبند" مثلًا التي لها مائة من المزايا والخواص، أو يقرأون "الجوشن الكبير" الذي له ألفٌ من المزايا والفضائل وهم يقصدون بعض تلك الفوائد بالذات، لا يجدون تلك الفواة مقدس لن يجدوها ولن يشاهدوها، وليس لهم الحق لمشاهدتها البتة؛ لأنه لا يمكن أن تكون تلك الفوائد علّةً لتلك الأوراد، فلا تُطلب منها تلك الفوائد قصدًا، لأن تلك الفوائد تترتب بصورة فضلٍ إلهي على ذلك الوِرد الذي يُقرأ قراءةً خالصةً دّ البق شيء. فأما إذا نواها القارئ فإن نيّتها تُفسد إخلاصَه جزئيًّا، بل تُخرجها من كونها عبادةً، فتسقط قيمتُها.
بيد أن هناك أمرًا آخر، هو أن أشخاصًا ضعفاء بحاجة دائمة إلى مشوّق ومرجّح. فإذا ما قرأ الأوراد قراءة خالصة للّٰه الفطرا تلك الفوائد فلا بأس في ذلك، بل هو مقبول.
— 184 —
ولعدم إدراك هذه الحكمة، يقع الكثيرون فريسةَ الريب والشك عند عدم وجدانهم تلك الفوائد التي رُويت عن الأقطاب والسلف الصالحين، بل قد ينكرونها.
المسأللك الكلثة:
"طُوبٰى لِمَنْ عَرَفَ حَدَّهُ وَلَمْ يَتَجَاوَزْ طَوْرَهُ". [٭]: انظر البخاري، التاريخ الكبير ٣/٣٣٨؛ الطبراني، المعجم الكبير ٥/٧١؛ البيهقي، السنن الكبرى ٤/١٨٢.
إنَّ هناك تجليات للشمس على كل شيء. ابتداءً من أَصغر ذرة وبلوطي أن ج وقطرة ماء ومن الحوض الكبير والبحر العظيم، وانتهاءً بالقمر والكواكب السيارة. كل منها يطبع على نفسه انعكاس الشمس وصورتها حسب قابليته ويعرف حده. فتستطيع قطرةُ ماءٍ أن تقول: عندي انعكاسٌ للشمس، وذلك حسب قابليتها. ول منهماتجرؤ على القول: أنا مرآة للشمس كالبحر.
كذلك الأمر في مقامات الأولياء، ففيها مراتبُ عدّة، حسب تنوّع تجليات الأسماء الإلهية الحسنى، فكلُّ اسم من الأسماء الحسنى له تجلياتٌ -كالشمس في المثال- ابتداءً من ابولة كانتهاءً بالعرش. فالقلب عرشٌ، ولكن لا يستطيع أن يقول: "أنا كالعرش الأعظم". ومن هنا كان السالك في سبيل الفخر والغرور يلتبس عليه الأمر فيجعل قلبَه الصغير جدًّا كالذرة مساويًا للعرش الأعظم، ويعتبر مقامه الذي هو كالقطرة كفوًا مع مقام إلى الاء العظام الذي هو كالبحر بدلًا من أن يصرف همّه لمعرفة أساس العبادة الذي هو العجز والفقر وإدراك تقصيره ونقصه أمام بارئه القدير والتضرع أمام عتبة ألددًا غسبحانه والسجود عندها بكل ذل وخضوع . وتراه يبدر منه التصنّعُ والتكلف لأجل أن يلائم نفسه ويحافظ عليها مع مستوى تلك المقامات السامية، فيقع فيما لا طائل وراءه رأس ربرور والأنانية والمشاكل العويصة.
الخلاصة:لقد ورد في الحديث الشريف: "هَلَكَ النَّاسُ إلَّا الْعَالِمُونَ وَهَلَكَ الْعَالِمُونَ إلَّا الْعَامِلُونَ وَهَلَكَ الْعَامِلوُنَ إلَّا الْمُخْلِصُونَ وَالْمُخْلِصُونَ عَلٰى خَطَرٍ عَظِيمٍ". [٭لثامنةكشف الخفاء (٢٧٩٦) (الناس هلكى....): قال الصغاني: وهذا حديث مفترًى ملحون، والصواب في الإعراب العالمين والعاملين والمخلصين ا. هی. وأقول فيه: أن السيوطي نقل في النكت عن أبى مستقرةن الإبدال في الاستثناء الموجَب لغةٌ لبعض العرب، وخرج عليها قوله تعالى: (فشربوا منه الّا قليلا) ا. هی. وعليه فالعالمون وما بعده بدل مما قبله. أي إن محور النجاة ومدارها الإخلاص، فالفوز به إذن أمر في غاية الأهمية لأالدة و من عمل خالص أفضل عند اللّٰه من أطنانٍ من الأعمال المشوبة. فالذي يجعل الإنسان يحرز الإخلاص هو تفكّره في
— 185 —
أن الدافعَ إلى العمل هو الأمر الإلهي لا غير، ونتيجتَه كسبُ رضاه وحده، ثم عدم تدخله في الشؤوعٍ، وذهية.
إنَّ هناك إخلاصًا في كل شيء. حتى إن ذرةً من حُبٍّ خالص تفضل على أطنان من الحب الصوري الشكلي. وقد عبّر أحدهم شعرًا عن هذا النوع مة -رغم:
وَمَا أنَا بِالْبَاغِى عَلَى الْحُبِّ رُشْوَةً ضَعِيفُ هَوًى يُبْغىَ عَلَيْهِ ثَوَابُ
[٭]: البيت للمتنبي.
أي لا أطلب على الحب رشوة ولا أجرة ولا عوضًا ولا مكافأة، لأن الحب الذي يطلب ثوابًا ومكافأة حبٌّ ضعيف لا يدومل آخر، الحب الخالص قد أودعه اللّٰه سبحانه في فطرة الإنسان ولاسيما الوالدات عامة، فشفقةُ الوالدة مثال بارز على هذا الحب الخالص.
والدليل على أن الوالدات لا يطلبن تجاه محبتهن لأولادهن مكافأة ولا رشوة قط هو جُودُهن بأنفسهن لأجل أولادهن، بل فداسلك حقى بأخراهن لأجلهم. حتى ترى الدجاج تهاجم الكلبَ إنقاذًا لأفراخها من فمه - كما شاهدها "خسرو" - علمًا أن حياتها هي كل ما لديها من رأسمال.
المسألة الرابعة:لا ينبغي أن تؤخذ الناحة التي تَرِدُ بأسبابٍ ووسائلَ ظاهرية على حساب تلك الأسباب والوسائل، لأن ذلك السبب وتلك الوسيلة، إما له اختيار أو لا اختيار له. فإن لم يكن له اختيار -كالحيوان والنبات- فلا ريب أنه يعطيك بحساب اللّٰه وباسمه. وحيث إنه يذكر اللّٰه م الأوحاله، أي يقول: بسم اللّٰه، ويسلّمك النعمة، فخذها باسم اللّٰه وكُلها. ولكن إن كان ذلك السبب له اختيار، فعليه أن يذكر اللّٰه ويقول: بسم اللّٰه، فلا تأخذ منه إلّا بعد ذكره اسم اللّٰه، لأن المعنى الإشا الأمرلًا عن المعنى الصريح- للآية الكريمة:
ولا تأكلوا مما لم يُذكر اسمُ اللّٰه عليه
(الأنعام:١٢١) يرمز إلى: لا تأكلوا من نعمةٍ لم يُذكر اسم مالكها الحقيقي عليها وهو اللّٰه، ولم تُسلَّم إليك باسمه.
وعلى هذا فعلى المُعاللغة يذكر اسم اللّٰه، وعلى الآخذ أن يذكر اسم اللّٰه. فإن كان المُعطي لا يذكر اسم اللّٰه، وأنت في حاجة إلى الأخذ، فاذكر أنت اسم اللّٰه، ولكن ارفعْ بصرَك عاليًا فوق رأس المُعطمستنقعر إلى يد الرحمة الإلهية التي أنعمت عليه وعليك معًا، وقبّلها
— 186 —
بالشكر، وتسلّم منها النعمة. أي انظر إلى الإنعام من خلال النعمة، وتذكّر المنعِم الحقيقي من خلال الإنعام، فهذا النظر والتذكر شكرٌ. ومن ثم اران بالك -إن شئت- وانظر إلى السبب أو الوسيلة، وادعُ له بالخير، لورود النعمة على يديه.
إن الذي يوهم عَبَدة الأسباب ويخدعهم هو: اعتبارُ أحد الشيئين علةً للآخر عند مجيئهما معًا، أو عند وجوة من "عًا. وهذا هو الذي يسمى بی"الاقتران".
وحيث إن عدم وجود شيء ما، يصبح علةً لعدم وجود نعمة، لذا يتوهم المرء أن وجود ذلك الشيء هو علةٌ لوجود تلك النعمة، فيبدأ بتقديم شكة الطاتنانه إلى ذلك الشيء فيخطئ؛ لأن وجودَ نعمة ما يترتبُ على مقدمات كثيرة وشرائط عديدة، بينما انعدامُ تلك النعمة يحدث بمجرد انعدام شرط واحد فقط.
مثلًا:إن الذي لا يفتح مجرى الساقية رَ قسمة إلى الحديقة يصبح سببًا وعلةً لجفاف الحديقة ووسيلةً لموتها، وبالتالي إلى انعدام النعم التي فيها. ولكن وجود النِعم في تلك الحديقة لا يتوقف على عمل ذلك الشخص وحده، بل النار أيضًا على مئاتٍ من الشرائط الأخرى، بل لا تحصل تلك النعم كلها إلّا بالعلّة الحقيقية التي هي القدرةُ الربانية والإرادة الإلهية.
فافهم من هذا مدى الخطأ في هذه المغالطة، واعلم فداحة خطأ عبدة الأسباب.
نعم، إن الاقتران شيء ول السنشيء آخر. فالنعمة التي تأتيك وقد اقترنت بنيّة إحسانٍ من أحدهم إليك، علّتُها الرحمة الإلهية. وليس لذاك الشخص إلّا الاقتران دون العلة.
نعم، لو لم ينوِ ذلك الشخص تلك النيّة في الإحسان إليك لما َه، واأتيك تلك النعمة، أي إن عدم نيته كان علةً لعدم مجيء النعمة، ولكن ذلك الميل للإحسان لا يكون علةً لوجود النعمة أبدًا، بل ربما يكون مجرد شرطٍ واحد من بين مئات الشروط الأخرى.
ولقد ال-على فأمر على بعض "طلاب رسائل النور"، ممن أفاض اللّٰه عليهم من نِعَمِهِ (أمثال خسرو ورأفت..) فالتبس عليهم الاقتران بالعلّة، فكانوا يبدون الرضى بأستاذهم ويثنون عليه ثناءً مفرطًا. والحال أن اللّٰه سبحانه قد قَرنَ نعمين المفادتهم من الدروس القرآنية مع إحسانه إلى أستاذهم من نعمة الإفادة، فالأمر اقترانٌ ليس إلّا .
— 187 —
فهم يقولون:لو لم يقدم أستاذنا إلى هنا، ما كنا لنأخذ هذا الدرس الإيماني، فإفادته إذن هي علّةٌ لاستفادتنا نحن. وأنا أقول: يا إخوتي عن تل، إنَّ الحق سبحانه وتعالى قد قَرَن النعمة التي أَنعمها عليّ بالتي أَنعمها عليكم، فالعلّةُ في كلتا النعمتين هي الرحمة الإلهية.
وقد كنت يومًا أَشعر با الرحمبالغ نحو طلاب يملكون قلمًا سيالًا مثلكم ويسعون إلى خدمة النور. فالتبس عليّ الاقتران بالعلّة، فكنت أَقول: تُرى كيف كان ينهض في أداء خدمة القرآن الكريم مَن كان مثلي في رداءة الخط، لولا هؤلاء الطلبة؟. ولكن فَهمتُ بعدئذ أن الحق سبحدين فتعالى بعد ما أنعم عليكم النعمة المقدسة بجودة الكتابة، مَنّ عليّ بالتوفيق في السير في هذه الخدمة القرآنية، فاقترن الأمران معًا، فلا يكون أحدهما علّة مَ العقط، لذا فلا أُقدم شكري وامتناني لكم، بل أُبشّركم وأُهنئكم. وعليكم أَنتم كذلك أن تدعوا لي وتهنئوني بدلًا من الإمتنان والثناء.
ففي هذه المسألة ميزانٌ دقيقٌ تُعرف به درجات الغفلة والشرك الخفي.
اكذا ال الخامسة:كما أنه ظلمٌ عظيم إذا ما أُعطي لشخص واحد ما تملكه الجماعة، ويكون الشخص مرتكبًا ظلمًا قبيحًا إذا ما غصبَ ما هو وقفٌ على الجماعةامِ
الأمر في النتائج التي تتحصل بمساعي الجماعة وعملهم، والشرف والمنزلة المترتبة على محاسن الجماعة وفضائلها، إذا ما أُسند إلى رئيسها أو أستاذها أو مرشدها يكون ظلمًا الرحمة بحق الجماعة، كما هو ظلم بيّن بحق الأستاذ أو الرئيس نفسه، لأن ذلك يداعب أنانيته المستترة فيه ويسوقه إلى الغرور. فبينما هو حارسٌ بوابٌ للجماعة، إذا به يتزيا بزيّ السلطان ويُوهم ال الطن بزيّه، وأيضًا يظلم نفسه. بل ربما يفتح له هذا طريقًا إلى نوع من شرك خفي. نعم، إنه لا يحق أن يأخذ آمرُ طابورٍ الغنائمَ التي حصل عليها الجنود من فتحهم قلعة حصينة، ولا يمكنه أن يسند انتصارهم إلى نفسه.
لأجل هذا يجب ألّا يُنظر إلى الأستاذ أولي يوجد على أنه المنبع أو المصدر بل ينبغي اعتباره والنظر إليه على أنه مَعكَس ومظهرٌ فحسب. كالمرآة التي تعكس إليك حرارة الشمس وضوءها، فمن البلاهة أن تتلقى المرآة كأنها مصدرٌ لهما فتنسى الشمس نفسها، ومن ثم تُولى اهتمامك ورضاك إلى المرآة بدلًا سُجّدًمس!.
— 188 —
نعم، إنه لابد من الحفاظ على المرآة لأنها مَظهرٌ يظهر تلك الصفات. فروحُ المرشد وقلبه مرآةٌ، تصبح مَعكَسًا للفيوضات الربانية التي يفيضها الحق سبحانه عليها، فيصبح المرشد وسيلة لان فيخاطلك الفيوضات إلى مريده.
لذا يجب ألّا يُسند إليه مقامٌ أكثر من مقام الوسيلة -من حيث الفيوضات- بل يُحتمل ألّا يكون ذلك الأستاذ الذي يُنظر إليه كأنه مصدر مَظهرًا ولا مصئقه الوإنما يرى مريده ما أخذه من فيوضات -في طريق آخر- يراها في مرآة روح شيخه، وذلك لما يحمل من صفاء الإخلاص نحوه وشدة العلاقة به ودنو صلته به وحصر نظره فيه. مَثَعظيم، هذا كمثل المنوّم مغناطيسيًا إذ ينفتح في خياله نافذةٌ إلى عالم المثال بعد إمعانه النظر في المرآة، فيشاهد فيها مناظر غريبة عجيبة، علمًا أن تلك المُه إلىيست في المرآة وإنما فيما وراء المرآة مما يتراءى له من نافذة خيالية التي انفتحت نتيجة إمعان النظر في المرآة.
لهذا يمكن أن يكون مريدٌ مخلصٌ لشيخ غير كامل أكمللحفاظ خه، فينبري إلى إرشاد شيخه، ويصبح شيخًا لشيخه.
المذكِّرة الرابعة عشرة
تتضمن أربعة رموز صغيرة تخصّ التوحيد:
الرمز الأول:يا من يستمدّ من الأسباب، إنك "تنفخ من غيرِ ضَرم وتستسمن ذا ورم". [٭]: نفخت فيذكرون رم... مثل يضرب لمن يصنع الشيء في غير موضعه. والضرم: النار أو الحطب السريع الالتهاب، ونفخ في غير ضرم أي في مكان لا نار فيه. إذا رأيت قصرًا عجيبًا يُبنى من جواهر غريبة، لا يوجد وقت البناء بعضُ تلكب قيّمهر إلّا في الصين، وبعضها إلّا في الأندلس، وبعضها إلّا في اليمن، وبعضها إلّا في سيبيريا. وإذا شاهدت أن البناء يتم على أحسن ما يكون، وتُجلب له تلك الأحجار الكريمة من الشرق والغرب والشمال والجنوب بأسرع وقت وبسهولة تامة ع تلك يوم نفسه.. فهل يبقى لديك ريب في أن بنّاء ذلك القصر باسطٌ هيمنتَه على الكرة الأرضية؟.
وهكذا كلّ كائنٍ، بناءٌ، وقصر إلهي، ولاسيما الإنسان. فهو من أجمل تلك القصور ومن أعجبها، لأن قسمًا من الأحجار الكريمة لهذا القصر البديع م كان ا الأرواح، وقسم منها من
— 189 —
عالم المثال واللوح المحفوظ، وقسم آخر من عالم الهواء، ومن عالم النور، ومن عالم العناصر. كما امتدت حاجاتُه إلى الأبد، وانتشرت آماله في أقطار السماوات والأرض، وشرّعت روابطه وعلاقاته في طبقات الدنيا والآخرة.
فيا الهمةإنسان الذي يحسب نفسه إنسانًا، أنت قصر عجيب جدًّا، وعمارة غريبة جدًّا. فما دامت ماهيتُك هكذا، فلا يكون خالقك إذن إلّا ذلك الذي يتصرف في الدنيا والآخرة بيسر التصرف في منزلين اثنين، ويّ ذلك ي الأرض والسماء كتصرفه في صحيفتين، ويتصرف في الأزل والأبد كأنهما الأمس والغدُ، فلا معبود يليق بك، ولا ملجأ لك، ولا منقذ إلّا ذلك الذي يحكم على الأرض والسماء ويملك أزمة الدنيا والعقبى.
الرمز الثانيفلون ل بعضُ الحمقى يتوجه بحبه إلى المرآة إذا ما رأى الشمس فيها. وذلك لعدم معرفته بالشمس نفسها، فيحافظ على المرآة بحرصٍ شديد لاستبقاء الشمس، ولكيلا تضيع! ولكن إذا تفطّن أن الشمس لا تموت بموت ال.
#231ولا تفنى بانكسارها توجّه بمحبته كلها إلى الشمس التي في السماء. وعندئذٍ يدرك أن الشمس التي تشاهَد في المرآة ليست تابعة للمرآة، ولا يتوقف بقاؤها ببقاء المرآة، بل إن بقاء ينفتح المرآة وتلألؤها إنما هو ببقاء تجليات الشمس ومقابلتها. فبقاء المرآة تابعٌ لبقاء الشمس.
فيا أيها الإنسان! إن قلبك وهويتك وماهيتَك مرآةٌ، وما في فطرتك من حبأيها ااء ليس لأجلها، بل لأجل ما فيها من تجلٍ لاسم الباقي ذي الجلال، الذي يتجلّى فيها حسب استعداد كل إنسان. ولكن صُرفَ وجهُ تلك المحبة إلى جهة أخرى نتيجة البلايتضمن ا دام الأمر هكذا فقل: يا باقي أنت الباقي. فإذ أنت موجود وباقٍ، فليفعل الفناء بنا ما شاء فلا نبالي بما نلاقي.
الرمز الثالث:أيها الإنسان! إن من غرائب ما أودع الفاطر الحكي أن يراهيتك أنه: بينما لا تسَعُك الدنيا أحيانًا فتقول: أفّ! أفّ! ضجرًا كالمسجون المخنوق، وتبحث عن مكان أوسع منها، إذا بك تسعك خردلة من عمل، من خاطرة، من دقيقة، حتى تفنى فيهاة إلى ك وفكرُك اللذان لا تسَعهما الدنيا الضخمة، تسَعهما الذرة الصغيرة، فتجول بأشد أحاسيسك ومشاعرك في تلك الخاطرة الدقيقة الصغيرة.
وقد أودع البارئ سبحانه في ماهيتك أجهزة ولطائف معنوية دقيقة، إذالكميةع بعضُها الدنيا فلا يشبع، ويضيق بعضها ذرعًا عن ذرة ولا يتحمل شُعيرة، كالعين التي لا تتحمل شعرة
— 190 —
والرأس الذي يتحمل أثقالًا هائلة. فتلك اللطيفة لا تتحمل ثقلًا كالشعرة الدقيقة، أية المححمل حالة هينة جدًّا نشأت من الضلالة ونجمت من الغفلة. بل قد تنطفئ جذوتُها وتموت.
فاحذر! وخفف الوطء، وخَفْ من الغَرق، فيغرقُ معك ألطفُ لطائفك التي تبتلع الدنيا في أكلة، أو كلمة، أو لمعة، أو إشارة، أو بقلة، أو قُبلة. فهناك وجه ا صغيرة جدًّا تتمكن - في جهة - أن تستوعب ما هو ضخم جدًّا. فانظر إن شئت كيف تغرق السماء بنجومها في مرآة صغيرة، وكيف كتب الحق سبحانه في خردلة حافظتك أكثر ما في صحيفة أعمالك ما لاما في صحائف أعمارك. فسبحانه من قادر قيوم!.
الرمز الرابع:يا عابد الدنيا! إن دنياك التي تتصورها واسعةً فسيحةً ما هي إلّا كالقبر الضيّق، ولكن جدرانه من مرآةٍ تتعاكس فيها الصور، فتراه فسيحًا رحبًا واسعًا مدّ الام. وفبينما منزلك هذا هو كالقبر تراه كالمدينة الشاسعة، ذلك لأن الجدار الأيمن والأيسر لتلك الدنيا واللذين يمثلان الماضي والمستقبل -رغم أنهما معدومان وغير موجودين- فإنهما كالمرآة تعكسان الصور في بعخلاص، لبعض الآخر فتوسّعان وتبسطان أجنحة زمان الحال الحاضرة الذي هو قصير جدًّا وضيق جدًّا. فتختلط الحقيقة بالخيال، فترى الدنيا المعدومة موجودةً. فكماومن أبًا مستقيمًا وهو في حقيقته رفيعٌ جدًّا، إذا ما تحرك بسرعة يظهر واسعًا كأنه سطح كبير، كذلك دنياك أنت، هي في حقيقتها ضيقة جدًّا، جدرانُها قد توسعت ومُدّت بغيخ ابنتوهم خيالك، حتى إذا ما تحرك رأسك من جراء مصيبة أصابتك، تراه يَصدم ذلك الجدار الذي كنت تتصوره بعيدًا جدًّا. فيطيّر ما تحمله من خيال، ويطرد نومك. وعندئذ تجد دنياك الواسعة أضيقَ من القبر، وترى زمانك وعمرك يمضي أسرع من البرق، وتنظر إلىن الإل تراها تسيل أسرع من النهر.
فما دامت الحياة الدنيا والعيش المادي والحياة الحيوانية هكذا، فانسَلَّ إذن من الحيوانية، ودع المادية، وادخل مدارج حياة القلب.. تجد ميدان حياةٍ أَرحب، وعالم مهم إلَوسع مما كنت تتوهمه من تلك الدنيا الواسعة.
وما مفتاح ذلك العالم الأرحب إلّا معرفةُ اللّٰه، وإنطاقُ اللسان وتحريك القلب، وتشغيل الروح بما تفيده الكلمة المقدسة: (لا إله إلّا اللّٰه) ا وأكمنٍ وأسرار .
— 191 —
المذكِّرة الخامسة عشرة
وهي ثلاث مسائل.
المسألة الأولى:[٭]: أما المسألة الثانية والثالثة من هذه المذكرة، وكذلك المذكرات الباقية، فلم يدرجها الأستاذ المؤلف ضمن هذه الرسالة بل جعل كلًا منها في رسالة خ:وهي "اللمعات" وهي: الإخلاص، والحجاب، والطبيعة، والإشارات الثلاث وغيرها. يا مَن يريد أن يرى دليلًا على حقيقة الآيتين الكريمتين:
فمَن يعمل مثقالَ ذرةٍ خيرًا يَره ٭ ومَن يعمل مثقال ذرةٍ شرًا يَره
(الزلزال:٧-٨) الأخي "عشيران إلى التجلي الأتم لاسم اللّٰه "الحفيظ".
إن التجلي الأعظم لاسم اللّٰه الحفيظ ونظير الحقيقة الكبرى لهاتين الآيتين مبثوثٌ في الأرجاء كافة، يمكنك أن تجده بالنظر والتأمل في صحائف كتاب الكائنات، ذلك الكتاب المكتوب على مِسطر الكتاب المبين وان غيبازينه ومقاييسه.
خذ -مثلًا- غَرْفةً بقبضتك من أشتات بذور الأزهار والأشجار، تلك البذيرات المختلطة والحبّات المختلفة الأجناس والأنواع وهي المتشابهة في الأشكال والأجرام، ادفن هذه البُذيرات في ظلمات تراب بسيط جامد، ثم اسقها بالماالٍ لا لا ميزان له ولا يميز بين الأشياء فأينما توجهه يسيل ويذهب. ثم عُدْ إليه عند الربيع الذي هو ميدان الحشر السنوي، وانظر وتأمل كيف أن مَلَك "الرعد" ينفخُ في صُوره في الربيع كنفخ إسرافيل، مُناديًا المطر ومُبشرًة كامليرات المدفونة تحت الأرض بالبعث بعد الموت. فأنت ترى أن تلك البذيرات التي هي في منتهى الاختلاط والامتزاج مع غاية التشابه تمتثل تحت أنوار تجلّي اسم "الحفيظ"، امتثالًا تَولّ بلا خطأ الأوامر التكوينية الآتية إليها من بارئها الحكيم. فتلائم أعمالَها وتوافق حركاتِها مع تلك الأوامر بحيث تستشف منها لمعان كمال الحهل الحلعلم والإرادة والقصد والشعور.
ألا ترى كيف تتمايز تلك البذيرات المتماثلة، ويفترق بعضها عن البعض الآخر. فهذه البُذيرة قد صارت شجرة تينٍ تنشر نِعم الفاطر الحكيم فوق رؤوسنا وتنثرها وت كإنكلإلينا بأيدي أغصانها. وهاتان البُذيرتان المتشابهتان بها قد صارتا زهرة الشمس وزهرة البنفسج.. وأمثالها كثير من الأزهار الجميلة التي تتزين لأجلنا وتواجهنا بوجه طليق مبتسم متو إن وقلينا.. وهناك بذيراتٌ أخرى قد صارت فواكه طيبة نشتهيها، وسنابل ملآى، وأشجارًا يافعة، تثير شهيتنا بطعومها الطيبة، وروائحها الزكية، وأشكالها البلألئة،تدعونا إلى أنفسها، وتُفديها إلينا،
— 192 —
كي تصعد من مرتبة الحياة النباتية إلى مرتبة الحياة الحيوانية.
حتى نمت تلك البذيرات نموًا واسعًا إلى حدّ صارت تلك الغرفةُ منها -بإذن خالقها- حديقة غنّاء وجنةً فيحاء مزدهرة بالأروبا ولمتنوعة والأشجار المختلفة، فانظر هل ترى خطأً أو فطورًا
فارجع البصر هل ترى من فطور
(المُلك: ٣).
لقد أظهرت كلُ بذرة بتجلي اسم اللّٰه "الحفيظ" وإحسانه ما ورثَته من ميراث أبيها وأصلها بلا نقصان وبلا التباس.
فالحعظيم
ذي يفعل هذا الحفظ المعجِز يشير به إلى إظهار التجلي الأكبر للحفيظية يوم الحشر الأكبر والقيامة العظمى.
نعم، إن إظهار كمال الحفظ والعناية في ممن تلك الأمور الزائلة التافهة بلا قصور، لهو حجةٌ بالغة على محافظة ومحاسبة ما له أهمية عظيمة وتأثير أبدي كأفعال خلفاء الأرض وآثارهم، وأعمال حملة الأمانة وأقوالهم، وحسنات عبدة الواحد الأحد وسيئاتهم..
أيحسَبُ الانسانُ أنْأمّي كَ سُدًى
(القيامة: ٣٦) بلى إنه لمبعوثٌ إلى الأبد، ومرشّحٌ للسعادة الأبدية أو الشقاء الدائم، فيحاسَبُ على السَبَد واللَّبَد [٭]: السَبَد: جمع أسباد: القليل من الشعر، يقال: "ما له سباء وفق لَبَد" أي لا شعر ولا صوف، يقال: لمن لا شيء له (انظر: مجمع الأمثال للميداني). فإما الثواب وإما العقاب.
وهكذا فهناك ما لا يحد ولا يُعد من دلائل التجلي لاسم اللمشركيلحفيظ، وشواهد حقيقة الآية المذكورة.
فهذا المثال الذي تنسج على منواله ليس إلّا قبضة من صُبرة، [٭]: الصُبرة: ما جُمع من الطعام بلا كيل ولا وزن. أو غرفة من بحر، أمعة المن رمال الدهناء، ونقطة من تلال الفيفاء، [٭]: الفيفاء: الصحراء الملساء، والجمع: الفيافي. وقطرة من زلال السماء، فسبحانه من حفيظ رقيب وشهيد حسيب.
سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا اِلّا ما عَلَّمْتَنا اِنَّكَ اَنْت تنجز َليمُ الْحَكيم
اللمعة الثامنة عشرة
ستدرج بإذن اللّٰه ضمن مجموعة أخرى.
— 193 —
اللمعة التاسعة عشرة
"رسالة الاقتصاد"
(هذه الرسالة تحضّ على الاقتصاد والقناعة وتحذّر من مغبة الإسرالتجليابذير)
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
وكُلوا واشربُوا وَلا تُسرِفُوا
(الأعراف: ٣١)
(هذه الآية الكريمة تلقّن درسًا في غاية الأهمية وترشد إرشادًا حكيمًا بليغًا بصيغة الأمر إلى الاقتصاد، ونهي صريحٍ عن الإسراف. تتضمن هذه المسألة سبعَ نكات) لطُذَالنكتة الأولى
إنَّ الخالق الرحيم سبحانه يطلب من البشرية شكرًا وحمدًا إزاء ما أَغدقَ عليها من النعم والآلاء، إلّا أَنَّ الإسراف منافٍ للشكر وهو استخفاف خاسر ووخيم تجاه النعمة، م بعرىالاقتصاد توقيرٌ مربح إزاء النعمة.
أَجل! إنَّ الاقتصاد كما هو شكرٌ معنوي، فهو توقير للرحمة الإلهية الكامنة في النعم والإحسان.. وهو سبب حاسم للبركة والاستكثار.. وهو مدار صحة الجسد كالحِمية.. وهو
— 194 —
سبيل إةً إيازة بالابتعاد عن ذلّ الاستجداء المعنوي.. وهو وسيلة قوية للاحساس بما في النعم والآلاء من لذة.. وهو سبب متين لتذوق اللذائذ المخبأَة في ثنايا نعَمٍ تبدو غير لذيذة.. ولكون الإسراف يخالف الحِكَم المذكورة آنفًا باتت عواقبُه وخيمة.
النكتة الثفقد نظ لقد خلق الفاطر الحكيم جسم الإنسان بما يشبه قصرًا كاملَ التقويم وبما يماثل مدينة منتظمة الأجزاء، وجعل حاسةَ الذوق المغروزة في فمه كالبوّاب الحارس، والأعصاب والأوعية بمثابة أسلاك هاتف وتلغراف (تتم خلالها دورة المخابرة الحساسة بين فمشربنالذائقة والمعدة التي هي في مركز كيان الإنسان) بحيث تقوم حاسةُ الذوق تلك بإبلاغ ما حلّ في الفم من المواد، وتحجز عن البدن والمعدة الأشياء الضارة التي لا حاجةَ للجسم لها قائلة: "ممنوع الدخول" نابذشَ للّها، بل لا تلبث أَنْ تدفع وتبصق باستهجان في وجهِ كل ما هو غير نافع للبدن فضلًا عن ضرره ومرارته.
ولما كانت القوة الذائقة في الفم تؤدي دور الحارس.هم إلّلمعدة هي سيدةُ الجسد وحاكمته من حيث الإدارة، فلو بلغت قيمةُ هديةٍ تُقدَّم إلى حاكم القصر مائة درجة فإنَّ خُمسًا منها فقط يجوز أن يعطى هبةً للحارس لا أكثفات إطا يختال الحارس وينسى وظيفتَه ويقحمَ في القصر كل مخلّ عابث يرشوه قرشًا أكثر.
وهكذا، بناءً على هذا السرّ، نفترض الآن أمامنا لقمتين، لقمة منها من مادة مغذّية -كالجبن والبيض مثلًا- يُقدّر ثمنها بقرش واحد يدلقمة الأخرى حلوى من نوع فاخر يُقدّر ثمنها بعشرة قروش، فهاتان اللقمتان متساويتان قبل دخولهما الفم ولا فرق بينهما، وهما متساويتان كذلك من حيث إنماء الجسم وتغذيته بعد دخولهما الفم ونزولهما عبر البلعوم. بل قد يغذّر هذا،ن -الذي هو بقرش واحد- تغذية أفضل وتنمية أقوى من اللقمة الأخرى. إذن ليس هناك من فرق إلّا ملاطفةَ القوة الذائقة في الفم التي لا تستغرق سوى ة الإنيقة. فليقدَّر إذن مدى ضرر الإسراف ويوازَن مدى التفاهة في صرف عشرة قروش بدلًا عن قرش واحد في سبيل الحصول على لذة تستغرق نصف دقيقة!
— 195 —
وه، كخلقن إثابة الحارس تسعة أضعاف ما يُقدّم إلى حاكم القصر من هدايا تُفضي به لا محالة إلى الغرور والجشع وتدفعه بالتالي إلى القول: إنما أنا الحاكم. فمَنْ كافأه بهبة أكثر ولذة أزيد دفعه إلى الداخل، مسبّبًا إخلال النظام القائم هناك،كون دوا فيه نارًا مستعرة وملزمًا صاحبه الاستغاثة صارخًا: هيّا أسرعوا إليَّ بالطبيب حالًا ليخفف شدة حرارتي ويطفئ لظى نارها.
فالاقتصاد والقناعة منسجتلك السجامًا تامًا مع الحكمة الإلهية، إذ يتعاملان مع القوة الذائقة معاملة الحارس، يوقفانها عند حدّها ويكافئانها حسب تلك الوظيفة. أما الإسراف فلأنه يسلك سلوكًا مخالفًا لتلك ا زمن خ فسرعان ما يتلقّى المسرف صفعات موجِعة، إذ تحدث الاختلاطات المؤلمة في المعدة التي تؤدي إلى فقدان الشهية الحقيقية نحو الأكل، فيأكل بشهية كاذبة مصطنعة بتنويع الأطعمة مما يسبب عُسرًا في الهضم، فيسبب المرض.
النكتة الثالثة
قلنا في النكتة ام ومقت آنفًا: إنَّ القوة الذائقة تؤدي دور الحارس. نعم، هي كذلك عند الغافلين الذين لم يَسمُوا بعدُ روحيًا والذين لم يتقدموا في مضمار الشكر والعروج في مدارجه. نعم إنه لا ينُلقن للجوء إلى الإسراف -كصرف عشرة أضعاف الثمن- لأجل تلذذ تلك الحاسة الحارسة. ولكن القوة الذائقة لدى الشاكرين حقًا ولدى أهل الحقيقة وأَهل القلوب وأُولي الأَبصار بمثابة راصدة وناظرة مفتشة لمطفي "رارحمة الإلهية (كما وضح ذلك في المقارنة المعقودة في الكلمة السادسة). وإن ما يتم في تلك القوة الذائقة من عملية تقدير قيمة النعم الإلهية ومن التعّرف عليها بأنواعها المختلفة بما فيها من موازين دقيقة حساسة عديدة بعدد الأطار لم نما هو لإبلاغ الجسد والمعدة، بما ينمّ عن شكر معنوي.
فلا تقتصر وظيفة القوة الذائقة على رعاية الجسد رعايةً مادية وحدَها، بل هي أَيضًا أَرقى حكمًا من وظيفة المعدة وأَرفع منزلة منها، لما لها من رعاية للقلب والروح والعقل ومن علوصول كل منها، علمًا أنها تستطيع أن تمضي في سبيل الحصول على لذتها -بشرط عدم الإسراف- إنجازًا لمهمة الشكر الخالص المقدّرة لها، وبنيّة التعرف والاطبنور اى أَنواع النعم الإلهية بتذوقها والشعور بها بشرط مشروعيتها وعدم كونها وسيلة للتذلل والاستجداء، أي
— 196 —
إننا نستطيع أن نفضل الأطعمة اللذيذة لأجل استعمال ذلك ل أربع الحامل الذائقة في الشكر.
وإليكم هذه الحادثة إشارة إلى هذه الحقيقة، وهي كرامة من كرامات الشيخ الكيلاني "قُدس سره":
كان لعجوز رقيقة لطيفة ابنٌ وحيد يتربّى على يد الشيخ، دخلت تلك العجوز الموقرة ذات يوم على ابن انكشات أنه يأكل من كِسرة خبز يابس أسمر مزاولًا رياضة روحية حتى ضعفَ ونحل جسمه. أَثارت هذه الحالة شفقة والدته الرؤوم ورقّت لحاله فذهبت لتشتكيهلخالص لشيخ الكيلاني وإذا بها ترى الشيخ يأكل دجاجًا مشويًا. ولشدة رقتها ولطافتها قالت: أيها الشيخ إن ابني يكاد يموت جوعًا وها أنت ذا تأكل الدجاج! فخاطب الشيخ الدجاج قاين الك"قم بإذن اللّٰه" فوثب ذلك الدجاج المطبوخ إلى خارج الوعاء بعد أَن اكتمل دجاجًا حيًا بالتئام عظامه. لقد نقل هذا الخبر بالتواتر المعنوي ثقاتٌ كثيرون [٭]: ".. وقال اليافعي رضي اللّٰه عنه: صح بالسند المتصل إلى الشيخ القطب ع إلى اادر الجيلاني رحمه اللّٰه تعالى: أن أم شاب عنده دخلت عليه وهو يأكل في دجاجة، فأنكرت أكله الدجاجة وإطعامه ابنها أرذل الطعام، فقال لها: إذا صار ابنك بحيث يقول لمثل هذه الدجاجة قومي بإذن اللّٰه فقامت ولها أجنحة وطلى الرا حق له أن يأكل الدجاج." (الفتاوى الحديثية لابن حجر الهيتمي ص ٨٠. الجيلاني، غنية الطالبين ص ٥٠٢؛ النبهاني، جامع كرامات الأولياء ٢/٢٠٣ ). إظهارًا لكرامة واحدة من صاحب الكرامات المشهورة في العالم، الشيخ الكيلاني قُدظي منه. ومما قاله الشيخ لتلك العجوز : متى ما بلغ ابنك هذه الدرجة.. فليأكل الدجاج هو الآخر.
فمغزى هذا الأمر الصادر من الشيخ الكيلاني هو: متى حَكمت روحُ ابنك جَسَدَهُ وهيمن قلبُه على نفسِه، وسادَ عقلُه معدت لا تتلتمس اللذةَ لأجل الشكر.. عندئذ يمكنه أن يتناول ما لذّ وطاب من الأطعمة.
النكتة الرابعة
إنَّ المقتصد لا يعاني فاقةَ العائلة وعَوَزها كما هو مفهوم الحديثد فَهمف: (لاَ يَعُولُ مَن اقتَصَد). [٭]: أحمد بن حنبل، المسند ١/٤٤٧؛ الطبراني، المعجم الكبير ١٠/١٠٨؛ المعجم الأوسط ٥/٢٠٦، ٦/٣٦٥؛ البيهقى في شعب الإيمان ٥/٢٥٥؛ وانظر كشفنسان هء، ١/١٥٨و٢/١٨٩. أَجل هناك من الدلائل القاطعة التي لا يحصرها العدّ بأن الاقتصاد سببٌ جازم لإنزال البركة، وأساسٌ متين للعيش الأفضل. أذكر منها ما رأيته في نفسي وبشهادة الذين عاونوني في خدمتي وصادقوني بإخلاص فأقول:
— 197 —
لن سعادتُ أحيانًا وحصل أصدقائي على عشرة أضعاف من البركة بسبب الاقتصاد. حتى إنه قبل تسع سنوات [٭]: المقصود سنة ١٩٢٦م. عندما أصرّ عليّ قسمٌ من رؤساء العشائر المنفيين معي إلى "بوردور" على قبول زك من ماي يحولوا بيني وبين وقوعي في الذلة والحاجة لقلة ما كانت عندي من النقود، فقلت لأولئك الرؤساء الأثرياء: برغم أن نقودي قليلة جدًّا إلّا أنني أَملك الاقتصاد، وقد تعودتُ على القناحيث يتنا أَغنى منكم بكثير. فرفضتُ تكليفهم المتكرر الملحّ.. ومن الجدير بالملاحظة أن قسمًا من أولئك الذين عرضوا عليّ زكاتهم قد غلبهم الدَّين بعد سنتين، لعدم التزامهم بالاقتصاد، إلّا أن تلك النقود الضئي وإن لكفتني -وللّٰه الحمد- ببركة الاقتصاد إلى ما بعد سبع سنوات، فلم يُرَق مني ماء الوجه، ولم يدفعني لعرض حاجتي إلى الناس، ولم يفسد عليّ ما اتخذي، بل ورًا لحياتي وهو "الاستغناء عن الناس".
نعم إنَّ من لا يقتصد، مدعوّ للسقوط في مهاوي الذلّة، ومعرّضٌ للانزلاق إلى الاستجداء والهوان معنًى.
إنَّ المالصّه مصيُستعمل في الإسراف في زماننا هذا لهو مالٌ غالٍ وباهظ جدًّا، حيث تُدفع أحيانًا الكرامةُ والشرف ثمنًا ورشوة له، بل قد تُسلب المقدسات الدينية، ثم يُعطى نقودًا منحوسة مشؤومة، أي يقبض بضعة قروش من نقود مادية، على حساب مئ ذات سيرات من النقود المعنوية. بينما لو اقتصر الإنسان على الحاجات الضرورية واختصرها وحصر همّه فيها، فسيجد رزقًا يكفُل عيشه من حيث لا يحتسب وذلك بمضمونأسف وا الكريمة:
ان اللّٰه هو الرزاق ذو القوة المتين
(الذاريات: ٥٨) وإن صراحة الآية الكريمة:
وما من دابة في الارض الّا على اللّٰه رزقها
(هود:٦) تتعهد بذلك تعهدًا قاطن الحب نعم، إن الرزق قسمان:
القسم الأول:وهو الرزق الحقيقي الذي تتوقف عليه حياة المرء، وهو تحت التعهد الرباني بحكم هذه الآية الكريمة، يستطيع المرءُ الحصولَ على ذلك الرزق الضروري مهما كانت الأحوال "السي لم يتدخل سوءُ اختيار البشر، دون أن يضطر إلى فداء دينه ولا التضحية بشرفه وعزته.
— 198 —
القسم الثاني:هو الرزق المجازي، فالذي يسيء استعماله لا ية القسأن يتخلّى عن الحاجات غير الضرورية، التي غدت ضروريةً عنده نتيجة الابتلاء ببلاء التقليد. وثمن الحصول على هذا الرزق باهظ جدًّا ولاسيما في هذا الزمان، حيث لا يدخل ضمن التعهد الربانقال مسقد يتقاضى ذلك المال لقاء تضحيته بعزته سلفًا راضيًا بالذل، بل قد يصل به حدّ السقوط في هاوية الاستجداء المعنوي، والتنازل إلى تقبيل أقدام أناسٍ منحطين وضيعين، لا بل قد يحصل على ذلك المال المنحوس الممحوق بالتضحية بمقدساتهالرأفةية التي هي نور حياته الخالدة. ثم إنَّ الألم الذي ينتاب ذوي الوجدان من حيث العاطفة الإنسانية -بما يرونه من آلام يقاسيها المحتاجون البائسون في هذا الزمان الذي خيّم عليهتعبر عُ والحاجة- يشوب لذتَهم التي يحصلونها بأموال غير مشروعة، وتزداد مرارتُها إن كانت لهم ضمائر. إنه ينبغي في هذا الزمان العجيب الاكتفاء بحد104
للورة في الأموال المريبة، لأنه حسب قاعدة "الضرورة تُقَدّر بقدرها" [٭]: انظر: مجلة الأحكام العدلية ص ١٢ (المادة:٢٢). يمكن أن يؤخذ باضطرارٍ من المال الحرام حدُّ الضرورة وليس أكثر من ذلك. وليس للمضطر أن يأكل من الميتة إلى حدّ الشبع، بل له حالٌ ول بمقدار ما يحول بينه وبين الموت. وكذا لا يؤكل الطعام بشراهة أمام مائة من الجائعين.
نورد هنا حادثة واقعية للدلالة على كون الاقتصاد سبب العزة والكمال:
أقام "حاتم الطائي" المشهور بكرمه وسخائه ضيافة عظيعكم بأ يوم وأغدق هدايا ثمينة على ضيوفه. ثم خرج للتجوال في الصحراء، فرأى شيخًا فقيرًا يحمل على ظهره حملًا ثقيلًا من الحطب والكلأ والشوك والدم يسيل من بعض جسمه.. فخاطبه قائلًا:
- أيها الشيخ، إنَّ حاتمًا الطائي يقيم اليوم ضيان الإلمة ويوزع هدايا ثمينة، بادر إليه لعلك تنال منه أموالًا أضعاف أضعاف ما تناله من هذا الحمل!.
قال له ذلك الشيخ المقتصد: سأحمل حملي هذا بعزة نفسي وعرق جبيني، ولا أرضى أن أقع تحت طائل منّة حاتم الطائي.
ولما سُئل حاتملغة ولي يومًا:
- مَنْ من الناس وجدتَهم أعزَّ منك وأكرم؟.
— 199 —
قال:ذلك الشيخ المقتصد الذي لقيتُه في المفازة ذات يوم، لقد رأيتُه حقًا أعزّ مني وأكرم. [٭]:َصبح واس لحاتم الطائي: أرأيت أو سمعت لمن هو أعلى منك همة في هذه الدنيا. فقال: نعم، نحرت يوما أربعين جملا وخرجت إلى طرف البادية لأدعو أمراء العرب فرأيت حاطبا يحمل على ظهره حزمة شوك يريد بها المدينة. فقلت له: لماذا لم تذهب إلى ضي
— 200 —
والإيثار فيما بينهم، وأمثالها من الخصال الحميدة، فأنفدوا ما عندهم من العسل في ثلاث ليالٍ فقط، فقلات، وتمًا:
- لقد كانت نيتي أن أجعلكم تتذوقون طعم العسل ثلاثين يومًا أو أكثر، ولكنكم أنفدتموه في ثلاثة أيام فقط.. فهنيئًا لكم!. في حين أنني بتّ أَصرف ما كنتُ أملكه من العسل بالاقتصاد، فتناولته طوال شهري شعبان ورمضان، فضلًا عن أنه أ
ولللّٰه الحمد سببًا لثواب عظيم، حيث أَعطيتُ كل واحد من أولئك الإخوة ملعقة واحدة منه (٭): أي ملعقة شاي كبيرة (ملعقة كوب). (المؤلف). وقت الإفطار.
ولربما حَسِب الذين شاهدوا حالقين واأنها خسّة، واعتبروا أَوضاع أولئك الإخوة في الليالي الثلاث حالة عزيزة من الكرم ولكن شاهَدنا تحت تلك الخسة الظاهرية عزةً عاليةً وبركة واسعة وثوابًا عظيمًا من زاوية الحقيقة. وتحت ذلك الكرم والإسراف ي رضي يكن قد تُرك- استجداءً وترقبًا لما في أيدي الآخرين بطمع وأمثالها من الحالات التي هي أدنى بكثير من الخسة.
النكتة السادسة
هناك بون شاسع وفرق هائل بين الاقتصاد والخسة، إذ ك فيها.التواضع الذي هو من الأخلاق المحمودة يخالف معنًى التذللَ الذي هو من الأخلاق المذمومة مع أنه يشابهه صورة. وكما أن الوقار الذي هو من الخصال الحميدة يخالف معنًى التكبّر الذي هو من الأ"أغروسلسيئة مع أنه يشابهه صورة.
فكذا الحال في الاقتصاد الذي هو من الأخلاق النبوية السامية بل هو من المحاور التي يدور عليها نظام الحكمة الإلهية المهيمن على الكون، ألة تصقة له أبدًا بالخسة التي هي مزيجٌ من السفالة والبخل والجشع والحرص. بل ليست هناك من رابطة بينهما قطعًا، إلّا ذلك التشابه الظاهري. وإليكم هذا الحدث المؤيد لهذه الحقيقة:
دخل عبد اللّٰه بن عمر بن الي الجبضي اللّٰه عنهما وهو أكبر أبناء الفاروق الأعظم خليفة رسول اللّٰه (ص) وأحد العبادلة السبعة المشهورين [٭]: وهم: عبد اللّٰه بن عباس، عبداللّٰه بن عمر، عبد اللّٰه بن مسعود، عبد اللّٰه ب هنا عة، عبد اللّٰه بن سلام، عبد اللّٰه بن عمرو بن العاص، عبد اللّٰه بن ابي الأوفى (رضي اللّٰه عنهم أجمعين) ومن البارزين بين علماء الصحابة
— 201 —
الأجلاء، دخل هذا الصحابي الجليل يومًا في مناقشة حادة لد مما أله في السوق على شيء لا يساوي قرشًا واحدًا، حفاظًا على الاقتصاد وصونًا للأمانة والاستقامة اللتين تدور عليهما التجارة. [٭]: والتاجر الصادق الأمين مع الأنبياء والصديستاذ يلشهداء: انظر الترمذي، البيوع ٣؛ ابن ماجه، التجارة ١؛ الدارمي، البيوع ٨. في هذه الأَثناء رآه صحابي آخر، فظنّ فيه شيئًا من خسّة فاستعظمها منه، إذ كيف يصدر هذا الأمر من ابن أمير المؤمنين وخليفة الأرض. فتبعه إلى بيته ليفهم شي الرسا أحواله، فوجد أنه قضى بعض الوقت مع فقير عند الباب وتبادلا حديثًا في لطف ومودة، ثم خرج من الباب الثاني وتجاذب أطراف الحديث مع فقير آخر هناك. أثار هذا الأمر لهفة ذلك الصحابي فأسرع إلى الفقيرين للوفي الر منهما:
- هلّا تفهمانني ماذا فعل ابن عمر حينما وقف معكما؟.
- لقد أعطى كلًا منا قطعة ذهب.
فراعه الأمر وقال شدهًا: يا سبحان اللّٰه.. ما أعجب هذا الأمر، إنه يخوض في االٌ محي نقاش شديد لأجل قرش واحد، ثم ها هو ذا يغدق في بيته بمئات أضعافه على محتاجَين اثنين عن رضًى دون أن يشعر به أحد، فسار نحو ابن عمر رضي اللّٰه عنهما ليسأله:
- أيها الإمام: ألا تحل لرة زجاتي هذه؟ لقد فعلتَ في السوق كذا وكذا وفي البيت كذا وكذا؟! فردّ عليه قائلًا:
- إن ما حدث في السوق هو نتيجة الاقتصاد والحصافة، فعلتُه صونًا للأمانة وحفظًا للصدق اللذن تضمن أساس المبايعة وروحها وهو ليس بخسّةٍ ولا ببخل، وإن ما بدر مني في البيت نابع من رأفة القلب ورقّته ومن سمو الروح واكتمالها.. فلا ذاك خسّة ولا هذا إسراف.
وإشارةً إلى هذا السرّ قال الإمام الأعظم "أبو حنيفة النعمان" رضي اللّٰه عنه :"لا إسراف لا يكخير كما لا خير في الإسراف" [٭]: انظر: الغزالي، إحياء علوم الدين ١/٢٦٢؛ القرطبي، الجامع لأحكام القرآن ٧/١١٠ المناوي، فيض القدير ٥/٤٥٤. أي كما لا إسراف في الخير والإحسان لمن يستحقه كذلك لا خير في الإسراف قط.
— 202 —
النكتةَ الشرعة
إنَّ الإسراف ينتج الحرصَ، والحرصُ يوَلّد ثلاث نتائج:
أولاها:عدم القناعة.
وعدم القناعة هذا يُثنى الشوقَ عن السعي وعن العمل، بما يبثّ في نفس الحريص من الشكوى بدلًا من الشكر، قاذفًا به إلى أحضان الكسل، فيترك المالَ الزهيد النابع ، وشكَسب الحلال (٭): إذ بسبب الابتعاد عن الاقتصاد، يكثر المستهلكون، ويقل المستحصلون، ويبدأ الجميع يشدون نظرهم إلى باب الحكومة، وحينها تنتكس وتتناقص الصناعة والتجارة والزراعة التي هي محور الحياة الاجتماعية ومدارها، وينهون سنةجتمع ويتدنى بدوره ويغدو فقيرًا معدمًا. (المؤلف). ويبادر بالبحث عما لا مشقة ولا تكليف فيه من مال غير مشروع، فيهدر في هذه السبيل عزتَه بل كرامته.
النتيجة الثاء الواحرص:الخيبة والخسران.
إذ يفوت مقصودُ الحريص ويتعرض للاستثقال ويُحرَم من التيسير والمعاونة حتى يكون مصداق القول المشهور: "الحريصُ خائب خاسر".
إنَّ تأثير الحرص والقناعة يجري في عالم الأحياء على وفق دستور شامل وسنّة مطّردة لك ويح: إنَّ وصول أرزاق النباتات المضطرة إلى الرزق إليها هو لقناعتها الفطرية، وسعي الحيوانات بنفسها بالحرص وراء الحصول على رزقها في عناء ونقص، هل ينق مدى الضرر الجسيم الكامن في الحرص، ومدى النفع العظيم الكامن في القناعة.
وإنَّ سيلان الحليب -ذلك الغذاء اللطيف- إلى أفواه الصغار الضعفاء عامة ومن حيث لا يحتسبون بما يبدونه من قناعة ينطق بها لسانُ حالهم، وانقضاض الوحوش بحرص وجشع على أرزاالتي لناقصة الملوّثة، يثبت ما ندّعيه إثباتًا ساطعًا.
وإنَّ أوضاع الأسماك البدينة البليدة التي تنمّ عن القناعة الباعثة لوصول أرزاقها إليها كاملة وعجزَ الحيوانات الذكية كالثعالب والقردة عن تحصيل غذائها كاملًا مع حرصها سعيًا وراءها وبقال: "هزيلة نحيفة، ليبيّن كذلك مدى ما يسببه الحرص من المشقة والعناء ومدى ما تسببه القناعة من الراحة والهناء.
— 203 —
كما أن حصول اليهود على أرزار سلطفافًا بطرق غير مشروعة ممزوجًا بالذل والمسكنة بسبب حرصهم وتعاملهم بالربا واتباعهم أساليبَ المكر والخداع، وحصول البدويين المتحلّين بالقناعة على رزقهم الكافي وعيشهم العيش الكريم العزيز يؤيثم إن نا أيضًا تأييدًا كاملًا.
كما أن تردّي كثيرٍ من العلماء
(٭): سأل أنوشيروان حاكم إيران العادل الحكيم بُزُرْجْمِهْر: لماذا يشاهَد العلماء بأبواب الأمراء ولا يُشا وخديعمراء بأبواب العلماء والعلم يفوق الإمارة؟ فأجاب: ذلك من علم العلماء، وجهل الأمراء. أي إن الأمراء لا يعلمون قدر العلم، فلا يأتون أبواب العلماء لطلبه بينما العلماء يعلمون قدره، فيطلبون قيمته بأبواب الأمراء درًا علجواب اللطيف تأويل ظريف لحرص العلماء النابع من ذكائهم المؤدي بهم إلى الذل والفقر. (خسرو).
والأدباء (٭): هناك حادثة تؤيد هذا الحكم؛ إن الأدباء في فرنسا يُمنحون وثيقة التسول لإجادتهم له. (سليمان رشدي). بما يمنحهم ذكاؤهم ودهاؤهم منوأسماء في فقر مدقع وعيش كفاف، وغناء أكثر الأغبياء العاجزين وإثرائهم لما لهم من حالة فطرية قنوعة ليثبت إثباتًا قاطعًا: أن الرزق الحلال يأتي حسب العجز والافتقار لا بالاقتدار والاختيار. بل هو يتناسب تناسبًا عكسيًا مع الاقتدار والاختقد عدللك أن أرزاق الأطفال تتضاءل وتبتعد ويصعب الوصول إليها كلما ازدادوا اختيارًا وإرادةً واقتدارًا.
نعم، إن القناعة كنز للعيش الهنيء الرغيد ومبعث الراحة في الحياة، بينما الحرفوق مر الخسران والسفالة كما يتبين ذلك من الحديث الشريف: (الْقَنَاعَةُ كَنْزٌ لاَ يَفْنَى). [٭]: الطبراني، المعجم الأوسط ٧/٨٤؛ البيهقي، الزهد ٢/٨٨.
النتيجة الثالثة:إنَّ الحرص يتلف الإخلاص ويفسكان علل الأخروي؛ لأنه لو وُجد حرصٌ في مؤمن تقي لرغب في توجه الناس وإقبالهم إليه، ومن يرقب توجه الناس وينتظره لا يبلغ الإخلاصَ التام قطعًا ولا يئقَ أحلحصول عليه. فهذه النتيجة ذات أهمية عظمى جديرة بالدقة والملاحظة.
محصل الكلام:إنَّ الإسراف ينتج عدم القناعة أي الطمع، أما الطمع فيُخبت وهجَ الشوق والتطلع إلى العمل ويقذف بالإنسان إلى التقاعس والكسل، ويفتح أمامه أبواب الشكوى والحسرة في حياتهخصية أيجعله يئن دومًا تحت مضض الشكوى والسأم.
(٭): نعم، إذا قابلت مسرفًا فستسمع منه حتمًا الشكاوي العريضة، ومهما كان غنيًا فلسانه يشكو لا محالة، بينما إذا قابلت فقيرًا قانعًا فلا تسمع منه إلّفها ومد والشكر للّٰه. (المؤلف).
كما أنه يفسد إخلاصه ويفتح دونه بابًا للرياء والتصنع فيكسر عزته ويريه طريق الاستجداء والاستخذاء.
— 204 —
أما الاقتصاد فإنه ي ١١٨، قناعة، والقناعة تنتج العزة، استنادًا إلى الحديث الشريف: (عزّ مَن قنع وذلّ مَن طمع). [٭]: انظر: ابن الأثير، النهاية في غرائب الحديث ٤/١١٤؛ الزبيدي، تاج العروس مادة (ق ن ع). كما أنه يشحذ الشوقابل. عي والعملَ ويحث عليهما ويسوق سوقًا إلى الكدّ وبذل الجهد فيهما؛ لأنه إذا ما سعى المرء في يوم ما وتقاضى أجره مساءً فسيسعى في اليوم التالي له بسر القناعة التي توافرت لديه. أما المسرف فإنه لا يسعى في يومه الثاني لعدم قناعته وحتى إذا سعى فإنه يسعى ئكَ مَق.
وهكذا فإن القناعة المستفاضة من الاقتصاد تفتح باب الشكر وتوصد باب الشكوى، فيظل الإنسان في شكر وحمدٍ مدى حياته. وبالقناعة لا يلتفت إلى توجه الناس إليه لاستغنائه عنهم، فال القأمامه باب الإخلاص وينغلق بابُ الرياء.
ولقد شاهدت الأضرار الجسيمة والخسائر الفادحة التي تسفر عن الإسراف وعدم الاقتصاد شاهدتها متجسدة في نطاذي بين ممتد وهي كما يأتي:
جئت إلى مدينة مباركة -قبل تسع سنوات- كان الموسم شتاءً فلم أَتمكن من رؤية منابع الثروة وجوانب الإنتاج في تلك المدينة، فقال لي مُفتيها رحمه اللّٰه: إن أَهالينا ْم ليلمساكين. أَعاد قوله هذا مرارًا. أثّر فيّ هذا القول تأثيرًا بالغًا مما أَجاش عطفي، فبت أَسترحم وأَتأَلم لأهالي تلك المدينة فيما يقرب من ست سنوات. وبعد ثماني سنوات عدتُ إليها وهي في أَجواء الصكهم،
َجلتُ نظري في بساتينها فتذكرت قول المفتي رحمه اللّٰه، وقلت متعجبًا:
- سبحان اللّٰه! إن محاصيل هذه البساتين وغلاتها تفوق حاجة المدينة بأسرها كثموذج لوكان حريًا بأهاليها أن يكونوا أثرياء جدًّا! بقيت في حيرة من هذا الأمر.. ولكن أدركت بتخطر ذو حقيقة لم تخدعني عنها المظاهر، فهي تخطر استرشد بها في إدراك الحقائق، وهي: أن البركة قد رُفعت من هذهأسك مننة بسبب الإسراف وعدم الاقتصاد. مما حدا بالمفتي رحمه اللّٰه إلى القول: "إن أهالينا فقراء ومساكين"، برغم هذا القدر الواسع من منابع الثروة وكنوز الموارد.
نعم، إنه ثابت بالتجربة وبالرجوع إلى وقائع لا تحد بأن دفعَ الزكاة، والأخذ بالاقتصاد ن يجعلللبركة والاستزادة. [٭]: انظر: الطبراني، المعجم الكبير ١٠/١٢٨؛ الطبراني، المعجم الأوسط ٢/١٦١، ٢٧٤؛ البيهقي، السنن الكبرى ٣/٣٨٢، ٤٨٤. بينما الإسراف ومنع الزكاة يرفعان البركة.
— 205 —
ولقد فسّر "ابن سينا" وِمُونَاطون فلاسفة المسلمين وشيخ الأطباء وأستاذ الفلاسفة فسّر هذه الآية الكريمة:
وكلوا واشربوا ولا تُسرفوا
(الأعراف: ٣١). من زاوية نظر الطب فقط بالأبيات الآتية:
جَمَعْتُ الطِّبَّ فِي حياتكَیيْنِ جَمْعًاوَحُسْنُ الْقَوْلِ فِى قِصَرِ الْكَلَامِ
فَقَلِّلْ إنْ أكَلْتَ وَبَیییییعْییییدَ أكْلٍتَجَنَّبْ وَالشِّییفَیاءُ فِى اْلاِنْهِضَییرحمة ووَلَيْسَ عَلَى النُّفُوسِ أشَدُّ حَالًا مِنْ ادْخَالِ الطَّعَامِ عَلَى الطَّعَامِ.
(٭): أي إن أضر شيء للجسم هو عدم إعطاء مهلة بين وجبات الطعام تتراوح بين أربع أو خمس ساعات، أو إملاء المعدة بإدخر، كيلعام بالتعاقب لأجل التلذذ. (المؤلف).
وإليكم هذا التوافق الغريب الباعث على الحيرة والجالب للعبرة:
إنه مع قيام خمسة وستة من المستنسخين المختلفين -ثلاثة منهم لا يتقنون الكتابة- باستنساخ "ة دقيقالاقتصاد" فقد توافق كل (واحد وخمسين) ألفًا من ألفات كل نسخة -خالية من الدعاء- وكل (ثلاثة وخمسين) ألفًا -مع دعاء- رغم اختلاف أمكنة أولئك المستنسخين واختلاف النسخ التي كانوا ينقلون منها واختلاف خطهم في الكتابة ومع عدم التفكر في تلكم الألحد، ويلاقًا!. فإن توافق عدد الألفات مع تاريخ تأليف "رسالة الاقتصاد" واستنساخها وهو بالتاريخ الرومي واحدة وخمسون (١٣٥١) وبالتاريخ الهجري ثلاث وخمسون (١٣٥٣) لا يمكن أن يحال ذلك إلى الصدفة دون ريب، بل هو إشارة إلى صعود البعمة، إكامنة في (الاقتصاد) إلى درجة الكرامة. وأنه لحريّ حقًا أن يطلق على هذا العام "عام الاقتصاد".
نعم لقد أَثبت الزمان فعلًا هذه الكرامة الاقتصادية وذلك عندما شهدت البشرية بعد عامين الحرب العالمية الثانية... تلك الحرب التي بثت الجوع والتخسؤولينروب الإسراف المقيت في كل أنحاء العالم مما أرغم البشرية على التشبث بالاقتصاد والالتفاف حوله عنوةً.
سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا اِلّا ما عَلَّمْتَنا اِنَّكَ اَنْتَ الْعَليمُ الْحَكيم
#للجسم اللمعة العشرون
تخص الإخلاص
(٭): تنبيه: إن ما يوجب الشكر على هذه البلدة الطيبة "إسبارطة" أن قد أتاها اللّٰه حظًا عظيمًا ، فلا يبدو بين من فيها من المتقين والصب في خوأهل الطرق الصوفية والعلماء اختلاف مشوب بالحسد، حتى لو ظهر فهو أخف بكثير مما هو عليه في سائر المناطق. وعلى الرغم من أن المحبة الخالصة والاتفاق التام غير موجودين كما ينبغي فإن الاختلاف المضر والحسد الممقوت مفقودان أيضا بالنسبهذه الاطق الأخرى. (المؤلف).
أحرز هذا البحث أهميةً خاصة أهّلته ليكون "اللمعة العشرين" بعد أن كان النقطة الأولى من خمس نقاط من المسألة الثانية من المسائل السبع للمذكّرة السابعة عشرة من ومحالة السابعة عشرة".
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
انّا أنزَلنا اليكَ الكتاب بالحقّ فاعبد اللّٰه مُخلِصًا له الدِّين ٭ اَلا للّٰه الدِّينُ الخالص
( الزمر٢- ٣)
وقال الرسول الأعظم (ص): (هَلَكَ النَّاسُ إلّا الْعَال سبحان وَهَلَكَ الْعَالِمونَ إلّا العَامِلُونَ وَهَلَكَ الْعَامِلوُنَ إلّا الْمُخْلِصُونَ وَالْمُخْلِصُونَ عَلى خَطَرٍ عَظيمٍ) [٭]: تقدم تخريجه في اللمعة السابعة عشرة. أو كما قاليس إل7
تدلنا هذه الآية الكريمة والحديث النبوي الشريف معًا على مدى أهمية الإخلاص في الإسلام، ومدى عظمته أساسًا تستند إليه أمور الدين. فمن بين النكت التي لا حصر لها لمبحث "الإخلاص" نبين باختصار خمس نقاط فقط.
النقطة الأولى
سؤال مهم ومثية! ماذشة:
لماذا يختلف أصحابُ الدين والعلماء وأرباب الطرق الصوفية وهم أهل حق ووفاق ووئام بالتنافس والتزاحم، في حين يتفق أهلُ الدنيا والغفلة بل أهل الضلالة والنفاق من دون مزاحمة ولا حسد فيما بينهم، مع أن الاتفاق هو من شأن أهل الوفاق والوئام، واة الإسملازمٌ لأهل النفاق والشقاق. فكيف استبدل الحق والباطل مكانهما؛ فأصبح الحق بجانب هؤلاء والباطل بجانب أولئك؟
الجواب:سنبين سبعة من الأسباب العديدة لهذه الحالة المؤلمة التي تقض مضجع الغيارى الشهمين.
السبب الأول:إنَّ اختلاف أهل الحقي دنياابع من فقدان الحقيقة، كما أن اتفاق أهل الغفلة ليس نابعًا من ركونهم إلى الحقيقة. بل إن وظائف أهل الدنيا والسياسة والمثقفين وأمثالهم من طبقات المجتمع قد تعيّنت وتميزت؛ فلكل طائفة وجماعة وجمعية مهَكيلُة تنشغل بها، وما ينالونه من أجرة مادية -لقاء خدماتهم ولإدامة معيشتهم- هي كذلك متميزة ومتعيّنة، كما أن ما يكسبونه من أجرة معنوية كحب الجاه وذيوع الصيت والشهرة، هي الأخرى متعينة ومخصصة ومتميزة.
(٭): تحذير: إنَّ إقبال كل ما وتوجههم لا يُطلب، بل يوهب، ولو حصل الإقبال فلا يُسرّ به. وإذا ما ارتاح المرء لتوجه الناس إليه فقد ضيع الإخلاص ووقع في الرياء. أما التطلع إلى نيل الشهرة والصيت التي تتضمن توجه الناس والرغبة في إقبالهم فهو ليس بأجرة ولا ثواب، بل عتاب وعفه -منبعان من فقدان الإخلاص. نعم ، إن توجه الناس وإقبالهم لا يراد، لأن ما فيه من لذة جزئية تضر بالإخلاص الذي هو روح الأعمال الصالحة، ثم إنه لا يستمر إلا إلى حدّ باب القبر.: الطبعن أنه يكتسب ما وراء القبر صورة أليمة من عذاب القبر. فلا يُرغب في توجه الناس ونيل رضاهم إذن، بل يلزم الفرار والتهيب منه. فليصغ إلى هذا عُباد الشهرة والمتلهفون على كسب رضى الناس. (المؤلف).
ينزل مناك إذن ما يولد منافسة أو مزاحمة أو حسدًا فيما بينهم. وليس هناك ما يوجب المناقشة والجدال، لذا تراهم يتمكنون من الاتفاق مهما سلكوا من طرق الفساد.
— 208 —
أما أهل الدين وأصحاب امع بلاأرباب الطرق الصوفية فإن وظيفة كل منهم متوجهة إلى الجميع، وأن أجرتهم العاجلة غير متعينة وغير متخصصة، كما أن حظهم من المقام الاجتماعي وتوجه الناس إليهم والرضى عنهم لم يتخصص أيضًا. فهناك مرشحون كثيرون لمقام واحد، وقد تمتد أيدٍ كثيرةٌ جدًّا إلىرآة لتجرة مادية كانت أو معنوية. ومن هنا تنشأ المزاحمة والمنافسة والحسد والغيرة؛ فيتبدل الوفاقُ نفاقًا والاتفاق اختلافًا وتفرقًا.
فلا يشفي هذا المرض اليم وجعلّا مرهمُ الإخلاص الناجع، أي أن ينال المرء شرف امتثال الآية الكريمة:
إنْ اَجرِىَ إلَّا عَلَى اللّٰه
(يونس: ٧٢) بإيثار الحق والهدى على اتباع النفس والهوى، وبترجيح الحق على أثَرول عشقس.. وأن يحصل له امتثال بالآية الكريمة:
وَمَا عَلى الرَّسُولِ إلَّا الْبَلاغُ الْمُبينُ
(النور: ٥٤) باستغنائه عن الأجر المادي والمعنوي المقبلَين من الناس
(٭): لابد من جعل شيمة "الإيثار" التي تحلَّى بها الصحابة الكرام ر وتسلبللّٰه تعالى عليهم ونالوا بها ثناء القرآن الكريم نصب العين، واتخاذها دليلًا ومرشدًا، وهذا يعني: تفضيل الآخرين على النفس عند قبول الهدايا والصدقات، وعدم قبول شيء مقابل ما يقوم به المرء من خدمات في سبيل ا إن كبل لا يطلبه قلبًا. وإذا حصل شيء من هذا القبيل فليعده إحسانًا إلهيًا محضًا، من دون البقاء تحت منة الناس. إذ ما ينبغي أن يُسأل شيء في الدنيا لقاء خدمات في سبيل الدين، لئلا يضيع الإخلاص. فالأمة وإن كان عليها أل النف معاش هؤلاء، كما أنهم يستحقون الزكاة، إلا أن هؤلاء العاملين لا يسألون الناس شيئًا وربما يوهب لهم، حتى لو وهب لهم شيء فلا يأخذونه لقيامهم في خدمة الدين. فالأفضل إيثار من هم أهل لها على النفس، والرضى بما قسم اللّٰه من رزق وال على به، كي يحظى المرء بالثناء القرآني العظيم (ويؤثرون على انفسهم ولو كان بهم خصاصة) (الحشر:٩)، وعندئذ يكون ظافرًا بالإخلاص ومنقذًا نفسه من شرور هذه التهلكة الخطرة. (المؤلف).ه فهو ا أَنَّ استحسان الناس كلامَه وحسن تأثيره فيهم ونيل توجههم إليه هو مما يتولاه اللّٰه سبحانه وتعالى ومن إحسانه وفضله وحده، وليس داخلًا ضمن وظيفته التي هي منحصرةٌ في التبليغ فحسب. بل لا يلزمه ذلك ولا هو مكلف به أصلًا. فمن وفّقه اللّٰه إلى اب الصر آنفًا يجد لذة الإخلاص، وإلّا يفوته الخير الكثير.
السبب الثاني:إن اتفاق أهل الضلالة نابع من ذلتهم، بينما اختلاف أهل الهداية نابع من عزّتهم؛ إذ لما كان أهل الدنيا والضلالة الغاون جلوا يستندون إلى الحق والحقيقة فهم ضعفاء وأذلاء، يشعرون بحاجة ماسة إلى اكتساب القوة ويتشبثون بشدة إلى معاونة الآخرين والاتفاق معهم، ويحرصون على هذا الاتفاق ولو كان مسلكهم ضلالة، فكأنهم يعملون حقًا في تساندهم على
— 209 —
الباطل، ويخلصون في ضلوالتصرويبدون ثباتًا وإصرارًا على إلحادهم، ويتفقون في نفاقهم، فلأجل هذا يوفّقون في عملهم، لأن الإخلاص التام ولو كان في الشر لا يذهب سُدًى، ولا يكون دون نتيجة. فما من سائل يسأل بإخلاص لا نم إلّا قضاه اللّٰه له.
(٭): نعم، إن "من طلب وَجَدّ وَجَدَ" دستور من دساتير الحقيقة له من السعة والشمول ما يشمل مسلكنا أيضًا .(المؤلف).
متنا اأهل الهداية والدين وأصحاب العلم والطريقة فلأنهم يستندون إلى الحق والحقيقة، ولأن كلًا منهم أثناء سيره في طريق الحق لا يرجو إلّا رضى ربه الكريم ويطمئن إي تبين الاطمئنان ينال عزة معنوية في مسلكه نفسه، إذ حالما يشعر بضعف ينيب إلى ربه دون الناس، ويستمد منه وحده القوة، زد على ذلك يرى أمامه اختلاف المشا يورث ما هو عليه، لذا تراه لا يستشعر بدواعي التعاون مع الآخرين بل لا يتمكن من رؤية جدوى الاتفاق مع مخالفيه ظاهرًا ولا يجد في نفسه الحاجة إليه. وإذا ما كان ثمة غرورٌ وأنانية في النفَ الأحم المرء نفسه محقًا ومخالفيه على باطل فيقع الاختلاف والمنافسة بدل الاتفاق والمحبة، وعندها يفوته الإخلاصُ ويحبط عمله ويكون أثرًا بعد عين.
والعلاج الوحيد لهذه الحالة والحيلولة دون رؤية نتيجتِها الوخيمة هو في تسعة أمور آتية:
١ - خطاب رالإيجابي البنّاء، وهو: عملُ المرء بمقتضى محبته لمسلكه فحسب، من دون أن يرد إلى تفكيره، أو يتدخل في علمه عداءُ الآخرين أو التهوينُ من شأنهم، أي لا ينشغل بهم أصلًا.
٢ - بل عليه أن يتحرى روابط الوحدة الكق واسعلتي تربط المشارب المعروضة في ساحة الإسلام -مهما كان نوعها - تلك الروابط التي هي منابع محبة ووسائل أخوة واتفاق فيما بين المشارب فيتفق معها.
٣- واتخاذ دستور الإنصاف دليلًا ومرشدًا، وهو: أن صاحبَ كل م" -كی" يستطيع القول: "إن مسلكي حق وهو أفضل وأجمل" من دون أن يتدخل في أمر مسالك الآخرين، ولكن لا يجوز له أن يقول: "الحق هو مسلكي فحسب" أو "أن الحسن والجمال في مسلكي وحده" الذي يقضي على بطلان المسالك الأ أمته سادها.
— 210 —
٤- العلم بأن الاتفاق مع أهل الحق هو أحد وسائل التوفيق الإلهي وأحد منابع العزة الإسلامية.
٥ - الحفاظ على الحق والعدل بإيجاد شخص معنوي؛ وذلك بالاتفاق مع أهل الحق للوقوف تجاه أهل الضلالة والباطل الة واحدذوا يغيرون بدهاء شخص معنوي قوي في صورة جماعة على أهل الحق -بما يتمتعون به من تساند واتفاق- ثم الإدراك بأن أية مقاومة فردية -مهما كانت قوية- مغلوبةٌ على أمرها تجاه ذلك الشخص المعنوي للضلالة.
٦ - ولأجل إ من حقلحق من صولة الباطل:
٧ - ترك غرور النفس وحظوظها.
٨ - وترك ما يُتصور خطأً أنه من العزة والكرامة.
٩ - وترك دواعي الحسد والمنافسة والأحاسيس النفسانية التافهة.
بهذه النقاط التسع يُظفَر بالإخلاص ويوفي الإنسان ومرآة محق الوفاء ويؤديها على الوجه المطلوب.
(٭): لقد ثبت في الحديث الصحيح أن المتدينين الحقيقيين من النصارى سيتفقون في آخر الزمان مستندين إلى أهل القرآن للوقوف معًا تجاه عدوهم المشترك الزندقة، لذا فأهل الإيمان والحقيقة في زماننا هذان قوةَ بحاجة إلى الاتفاق الخالص فيما بينهم وحده، بل مدعوون أيضا إلى الاتفاق حتى مع الروحانيين المتدينين الحقيقيين من النصارى، فيتركوا مؤقتا كل ما يثير الخلافات والمناقشات دفعًا لعدوهم المشترك الملحد المتعدي. (يديكم ).
السبب الثالث:إنَّ اختلاف أهل الحق ليس ناشئًا عن الوضاعة وفقدان الهمة، كما أن اتفاق أهل الضلالة ليس ناشئًا عن علو الهمة، بل إن اختلاف أهل الهداية نابع من سوء استعمال علوالعلة والإفراط فيه، واتفاق أهل الضلالة مردّه الضعف والعجز الحاصلان من انعدام الهمة.
والذي يسوق أهل الهداية إلى سوء استعمال علو الهمة وبالتالي إلى إعلان اف والغيرة والحسد، إنما هو المبالغة في الحرص على الثواب الأخروي -الذي هو في حدّ ذاته خصلة ممدوحة- وطلب الاستزادة منها دون قناعة وحصرها على النفس. وهذا يستدرج الحريص شيئًا فشيئًا حتى يصل بهاستقام إلى أن يتخذ وضعًا منافسًا إزاء أخيه الحقيقي الذي هو بأمس
— 211 —
الحاجة إلى محبته ومعاونته وأُخوته والأخذ بيده. كأن يقول -مثلًا- لأغنم أنا بهذا الثواب، ولأرشد أنا هؤلاء الناس وليسمعوا مني وحدي الكلام، وأمثالها من طلب المزيد من الثواب لنفسه.أالهداي: لماذا يذهب تلاميذي إلى فلان وعلان؟ ولماذا لا يبلغ تلاميذي عدد تلاميذه وزيادة؟ فتجد روح الأنانية لديه -بهذا الحوار الداخلي- الفرصة سانحة لترفع رأسها وتبرز، فتسوقه تدريجيًا إ سبحانلوث بصفة مذمومة، تلك هي التطلع إلى حب الجاه، فيفوته الإخلاص وينسد دونه بابه، بينما ينفتح باب الرياء له على مصراعيه.
إنَّ علاج هذا الخطأ الجسيم والجرح البليغ والمرض الروحي العضال هو:
العلم بأن ة التيلّٰه لا يُنال إلّا بالإخلاص، [٭]: انظر: ابن ماجه، المقدمة ٩؛ الحاكم، المستدرك ٢/٣٦٢. فرضاه سبحانه ليس بكثرة التابعين ولا باطراد النجاح والتوفيق في الأعمال، ذلك لأن تكثير التابعين والتوفيق في الأعمال هو مملم والاه اللّٰه سبحانه بفضله وكرمه، فلا يُسأل ولا يُطلب بل يؤتيه اللّٰه سبحانه من يشاء.
نعم، رُبّ كلمة واحدة تكون سببًا للنجاة من النار وتصبح موضع رضى الام كمابحانه، [٭]: انظر: البخاري، الرقاق ٨١؛ مسلم، الزهد ٦؛ الترمذي، الزهد ١٢؛ ابن ماجه، الفتن ١٢؛ الموطأ، الكلام ٤؛ أحمد بن حنبل، المسند ٢/٣٣٤، ٣، وكسبورُبّ إرشاد شخص واحد يكون موضع رضى اللّٰه سبحانه بقدر إرشاد ألف من الناس. فلا ينبغي أن تُؤخذ الكمية بنظر الاعتبار كثيرًا.
ثم إنَّ الإخلاص في العممطلقة ان الحق فيه إنما يُعرف بصدق الرغبة في إفادة المسلمين عامةً أيًا كان مصدر الاستفادة ومن أي شخص صدر. وإلّا فحصر النظر بأن يؤخذ الدرس والإرشاد مني فقط لأفوز بالثواب الأخروي هو حيلة النفسهم بتوة الأنانية.
فيا من يحرص على المزيد من الثواب ولا يقنع بما قام به من أعمال للآخرة!
اعلم أن اللّٰه سبحانه قد بعث أنبياءَ كرامًا، وما آمن معر لكونا قليل. ومع ذلك نالوا ثواب النبوة العظيم كاملًا غير منقوص. فليس السبق والفضل إذن في كثرة التابعين، وإنما في نيل شرف رضى اللّٰه سبحانه. فمَنْ أنت ُ بك رلحريص حتى ترغب أن يسمعك الناس كلهم، وتتغافل عن واجبك وتحاول أن تتدخل في تدبير اللّٰه وتقديره؟ قم بأداء واجبك، ولا تحاول أن تتدخل في تدبير اللّٰه جهة أه. اعلم أن تصديق الناس كلامك وقبولهم دعوتك وتجمعهم
— 212 —
حولك إنما هو من فضل اللّٰه يؤتيه من يشاء، فلا تُشغل نفسك فيما يخصه سبحانه من تقدير وتدبير، بل اجمع همّك في المدمم بما أُنيط بك من واجب.
ثم إن الإصغاء إلى الحق والحقيقة، ونوال المتكلم بهما الثواب ليس منحصرًا على الجنس البشري وحده، بل للّٰه عباد من ذوي الشعور ومن الروحانيين والملائكة قد ملأوا أركان الكون وعمروها. [٭ الكرير: الترمذي، الزهد ٩؛ ابن ماجه، الزهد ١٩. فإن كنت تريد مزيدًا من الثواب الأخروي فاستمسك بالإخلاص واتخذه أساسًا لعملك واجعل مرضاة اللّٰه وحدها الهدف والغاية في عملك، كي تحيا أفراد تلك الكلمات الطيبة المنطوقة من شفتيك منتشرة في جو السماء خر "الاص وبالنية الخالصة لتصل إلى أسماع مخلوقات من ذوي المشاعر الذين لا يحصرهم العدّ، فتنوّرهم، وتنال بها الثواب العظيم أضعافًا مضاعفة. ذلك لأنك إذا قلت: "الْحَمْدُ للّٰه" مثلًا فستُكتب بأمر اللّٰه على إثر نطقك بهذه الكلمة ملايين الملاييفّة الالحَمْد للّٰه" صغيرة وكبيرة في الفضاء. فلقد خلق سبحانه ما لا يعد من الآذان والأسماع تصغي إلى تلك الكلمات الكثيرة الطيبة، حيث لا عبث ولا إسراف في عمل البارئ الحكيم. فإذا ما بعث الإخلاصُ والنيةُ الصادقة الحياةَ في تلك الكلمات المنتشرة في ذرات اثلتها:فستدخل أسماع أولئك الروحانيين لذيذة طيبة كلذة الفاكهة الطيبة، ولكن إذا لم يبعث رضى اللّٰه والإخلاص الحياةَ في تلك الكلمات، فلا تستساغ، بل تنبو عنها الأسماع، ويبقى ثوابها منحصرًا فيما تفوّه به الفم. فليصغِ إلى هذا قراء ايست مقالكريم الذين يتضايقون من افتقار أصواتهم إلى الجودة والإحسان فيشكون من قلة السامعين لهم.
السبب الرابع:إنَّ اختلاف أهل الهداية وتحاسدهم ليس كائنًا من عدم التفكر في مصيرهم ولا من قصر نظرهم، كما أن الاتفاق الجاد بين أهل الضلالة ليس كائنًا ؤدي وظلق على المصير ولا من سمو نظرهم وعمق رؤيتهم. بل إن عجز أهل الهداية عن الثبات على الاستقامة في السير، وتقصيرهم عن الإخلاص في العمل يحرمهم من التمتع بمزايا ذلك المستوى الرفيع، فيسقطون في هوة الاختلاف رغم كونهم يسترشدون بالعقل والقلب البء والتللعاقبة ويستفيضون من الحق والحقيقة ولا يميلون مع شهوات النفس ولا مع أحاسيسهم الكليلة عن رؤية العقبى.
— 213 —
أما أهل الضلالة فبإغراء النفس والهوى وبمقتضى المشاعر الشهوية والأحاسيس النفسانية الكليلة عن رؤية العقبى والتي تفضل اع الممن لذة عاجلة على أرطال من الآجلة، تراهم يتفقون فيما بينهم اتفاقًا جادًا ويجتمعون حول الحصول على منفعة عاجلة ولذة حاضرة.
نعم، إنَّ عبيد النفس السفلة من ذوي القلوب الميتة والهائمين على الشهوات الدنيئة يتحدون ويتفقون فيما بينهم علين هماع دنيوية عاجلة.. بينما ينبغي لأهل الهداية الاتفاق الجاد والاتحاد الكامل والتضحية المثمرة والاستقامة الرصينة فيما بينهم، حيث إنهم يتوجهون بنور العقل وضيقة الإلب إلى جني كمالات وثمرات أخروية خالدة آجلة، ولكن لعدم تجرّدهم من الغرور والكبر والإفراط والتفريط يضيّعون منبعًا عظيمًا ثرًا يمُدهم بالقوة، ألا وهو الاتفاق. فيضيع بدوره الإخلاص ويتحطم، وتتضعضع الأعمال الأخروية وتذهب سدى، ويصعب اى ما يإلى نيل رضى اللّٰه سبحانه.
وعلاج هذا المرض الوبيل ودواؤه هو:
الافتخار بصحبة السالكين في منهج الحق، وربطُ عرى المحبة معهم تطبيقًا للحديث الشريف: (الحُب في اللّٰه٠؛ أحم: انظر: أبو داود، السنة ٢؛ أحمد بن حنبل، المسند ٥ /١٤٦؛ الطيالسي، ص ٥٠، ١٠٠؛ ابن أبي شيبة، المصنف ٦/ ١٧٠، ١٧٢، ٧/ ٨٠. ثم السير من خلفهم وترك شرف الإمامة لهم، وترك الإعجاب بالنفس والغرور، بناء على احتمال كون سقرآني حق أيًا كان هو خيرًا منه وأفضل، وذلك ليسهل نيل الإخلاص. ثم العلم بأن درهمًا من عمل خالص لوجه اللّٰه أولى وأرجح من أرطال من أعمال مشوبة لا إخلاص فيها. ثم إيثار البقاء في مستوى التابع دون التطلع إلى تسلم المسؤولية التي قلما تسلم من الأخطار.بالمواذه الأمور يُعالج هذا المرض الوبيل ويُعافى منه، ويَظفر بالإخلاص، ويكون المؤمن ممن أدى أعماله الأخروية حق الأداء.
السبب الخامس:إنَّ اختلاف أهل الهداية وعدم اتفاقهم ليس نابعًا من ضعفهم، كما أن الاتفاق الصن سمع ن أهل الضلالة ليس نابعًا من قوتهم. بل إن عدم اتفاق أهل الهداية ناجم عن عدم شعورهم بالحاجة إلى القوة، لما يمدهم به إيمانهم الكامل من مرتكز قوي. وإن اتفاق أهل الغفلة والضلا أولئك4
ناجم عن الضعف والعجز، حيث لا يجدون في وجدانهم مرتكزًا يستندون إلى قوته. فلفرط احتياج الضعفاء إلى الاتفاق تجدهم يتفقون اتفاقًا قويًا، ولضعف شعور الأقوياء بالحاجة إلى الاتفاق يكد لا ياقهم ضعيفًا. مثلهم في هذا كمثل الأُسُود والثعالب التي لا تشعر بالحاجة إلى الاتفاق فتعيش فُرادى، بينما الوعل والماعز الوحشي تعيش قطعانًا خوفًا من الذئاب. أي إن جمعية الضعفاء والشخص المعنوي الممثل لهمتغرب) ما أن جمعية الأقوياء والشخص المعنوي الممثل لهم ضعيف (٭): إن ما يؤيد دعوانا هذه هو أن أقوى المنظمات الأوربية وأكثرها تأثيرًا في المجتمع وأشدها من ناحية، هقاب ناات النساء -وهن الجنس اللطيف- في أمريكا التي تطالب بحقوق المرأة وحريتها.. وكذلك منظمات الأرمن الذين هم أقلية وضعفاء بين الأمم، إلّا أنهم يبدون تضحية وبسالة فاسند إلالمؤلف). وهناك إشارة لطيفة إلى هذا السر في نكتة قرآنية ظريفة وهي إسناد الفعل "قَالَ" بصيغة المذكر إلى جماعة الإناث مع كونها مؤنثة مضاعفة، وذلك في قوله تعالى: وَقَالَ نِسْوَةٌ في الْمَدينَة (يو الدائ، بينما جاء الفعل "قالت" بصيغة المؤنث في قوله تعالى: قَیالَییتِ الاَعْرَابُ (الحجرات: ١٤) وهم جماعة من الذكور، مما تشير إشارة لطيفة إلى أن جماعة النساء الضعيفات الل بحثناتتخاشن وتتقوى وتكسب نوعًا من الرجولة، فاقتضت الحال صيغة المذكر، فجاء فعل "قال" مناسبًا وفي غاية الجمال. أما الرجال الأقوياء فلأنهم يعتمدون على قوتهم ولا سيما الأعراب البدويون ٰه. حيجماعتهم ضعيفة كأنها تكسب نوعًا من خاصية الأنوثة من توجس وحذر ولطف ولين فجاءت صيغة التأنيث للفعل ملائمة جدًّا في قوله تعالى: قَیالَییتِ الاَعْرَابُ .
نعم إنَّ الذين ينشدون الحق لا يرون وجه الحبعوني ى معاونة الآخرين لما يحملون في قلوبهم من إيمان قوي يمدهم بسند عظيم ويبعث فيهم التوكل والتسليم، حتى لو احتاجوا إلى الآخرين فلا يتشبثون بهم بقوة. أما الذين جعلوا الدنيا همّهم، فلغفلتهم عن نقطة استنادهم ومرتكزهم الحقيقي يجدون في أنانية، لضعف والعجز في إنجاز أمور الدنيا، فيشعرون بحاجة مُلحة إلى من يمد لهم يد التعاون فيتفقون معهم اتفاقًا جادًا لا يخلو من تضحية وفداء.
وهكذا فلأن طلاب الحق لا يقدروئقة. ( الحق الكامنة في الاتفاق ولا يبالون بها، ينساقون إلى نتيجة باطلة وخيمة تلك هي الاختلاف. بينما أهلُ الباطل والضلالة فلأنهم يشعرون -بسبب عجزهم وضعفهم- بما في الاثل هذهن قوة عظيمة فقد نالوا أمضى وسيلة توصلهم إلى أهدافهم، تلك هي الاتفاق.
— 215 —
وطريق النجاة من هذا الواقع الباطل الأليم، والتخلص من هذا المرض الفتاك، مرض الاختلاف الذي ألمّ بأهل الحق، هو اتخاذ النهي الإلهي في الآية الكريمة:
وَلاَ تَنَازَعُوا ، وتضحَلُوا وَتَذْهَبَ ريحُكُم
(الأنفال: ٤٦) واتخاذ الأمر الرباني في الآية الكريمة:
وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوى
(المائدةقها الستورين للعمل في الحياة الاجتماعية.. ثم العلم بمدى ما يسببه الاختلاف من ضرر بليغ في الإسلام والمسلمين وبمدى ما ييسر السبيل أمام أهل الضلالة ليبسطوا أيديهم على أهل الحق.. ثم الالتحاق بقافلة الإيمان التيالحيواالحق والانخراط في صفوفها بتضحية وفداء وبشعور نابع من عجز كامل وضعف تام، وذلك مع نُكران الذات والنجاة من الرياء ابتغاء الوصول إلى نيل شرف الإخلاص.
السبب السادس:إن العظتلاف أهل الحق ليس ناشئًا من فقدان الشهامة والرجولة ولا من انحطاط الهمة وانعدام الحَمية، كما أن الاتفاق الجاد بين الغافلين الضالين الذين يبغون الدنيا في أمورهم ليس ناشئًا من الشهامة والرجولة ولا من الحَمية وعُلو الهمة. بْ صَدَهل الحق وجّهوا نظرهم إلى ثواب الآخرة على الأكثر، فتوزع ما لديهم من حَمية وهمة وشهامة إلى تلك المسائل المهمة والكثيرة، ونظرًا لكونهم لا يصرفون أكثر وقتهم -الذي هو رأس مالهم الحقيقي- إلى مسألة جيشه فواحدة، فلا ينعقد اتفاقهم عقدًا محكمًا مع السالكين في نهج الحق، حيث إنَّ المسائل كثيرة والميدان واسع جدًّا.
أما الدنيويون الغافلون، فلكونهم يحصرون نظرهم حصرًا في الحياة فإن شئ -فهي أكبر همهم ومبلغ علمهم- تراهم يرتبطون معها بأوثق رباط وبكل ما لديهم من مشاعر وروح وقلب. فأيما شخص يمد لهم يد المساعدة يستمسكون بها بقوة، فهم يحصرون وقتهم الثمين جدًّا في قضايا دنيوية لا تساوي شيئًا في الحقيقة لدى أهل الحق. مثل الشقيهذا كمثل ذلك الصائغ اليهودي المجنون الذي اشترى قِطعًا زجاجية تافهة بأثمان الأحجار الكريمة الباهظة. فابتياع الشيء بأثمان باهظة، وصرف المشاعر كلها نحوه يؤدي حتمًا إلى النجاح والتوفيق ولو كان في طريق باطل، لأن فيه إخلاصًا فهي ض
ومن هنا يتغلب أهلُ الباطل على أهل الحق، فيفقد أهلُ الحق الإخلاصَ ويسقطون في
— 216 —
مهاوي الذل والتصنع والرياء، ويضطرون إلى التملق والتزلف إلى أرباب الدنيا المحرومين من كل معاني الشهامة والهمة والغيرة.
فيا أهل ال.
وا أهل الشريعة والحقيقة والطريقة! ويا من تنشدون الحق لأجل الحق! اسعوا في دفع هذا المرض الرهيب، مرضِ الاختلاف بتأدبكم بالأدب الفرقاني العظيم، ألا وهو:
وَاِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا
(الفرقان: ٧٢)، فتفعوا عن هفوات إخوانكم واصفحوا عن تقصيراتهم، وغضوا أبصاركم عن عيوب بعضكم البعض الآخر، ودعوا المناقشات الداخلية جانبًا.
فالأعداء الخارجيون يُغيرون دعم قومن كل صوب، واجعلوا إنقاذ أهل الحق من السقوط والذلة من أهم واجباتكم الأخروية وأولاها بالاهتمام، وامتثلوا بما تأمركم به مئات الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة من التآخي والتحابب والتعاون، واستمسكوا بكل مشاعركُ تقصي الاتفاق والوفاق مع إخوانكم في الدين ونهج الحق المبين بأشد مما يستمسك به الدنيويون الغافلون، واحذروا دائمًا من الوقوع في شباك الاختلاف. ولا يقولن أحدكم: "سأصرف وقتي الثمين في قراءة الأوراد.
بكار والتأمل، بدلًا من أن أصرفه في مثل هذه الأمور الجزئية" فينسحب من الميدان ويصبح وسيلة في توهين الاتفاق والاتحاد، وسببًا في إضعاف الجماعة المسلمة، ذلك لأن المسائل ُمتي ثظنونها جزئية وبسيطة ربما هي على جانب عظيم من الأهمية في هذا الجهاد المعنوي. فكما أنَّ مرابطة جندي في ثغر من الثغور الإسلامية -ضمن شرائط خاصة مهمة- لساعة من الوقت قد تكون بمثابة سنة من العبادة، [٭]: انظضمه بتخاري، الجهاد ٥، ٧٣؛ مسلم، الإمارة ١١٢-١١٥، ١٦٣؛ الترمذي، فضائل الجهاد ٢٦؛ النسائي، الجهاد ٣٩؛ ابن ماجه، الجهاد ٢،٢٤؛ الدارمي، الجهاد ٩،٣٢؛ أحمد بن حنبل، المسند ١/٦٢، ٦٥، ٦٦، ٧٥، ٢/١٧٧، ٥/٣٣٩، ٤٤٠، ٤٤١. فإن يومك الثمين هذكما لا تصرفه في مسألة جزئية من مسائل الجهاد المعنوي ولاسيما في هذا الوقت العصيب الذي غُلب أهل الحق فيه على أمرهم، أقول إنَّ يومك هذا ربما يأخذ حُكم ساعة من مرابطة ذلك الجندي، أي يكون ثوابه عظيمًا،ض- كمزما يكون يومك هذا كألف يوم. إذ ما دام العمل لوجه اللّٰه وفي سبيله فلا يُنظر إلى صغره وكبره ولا إلى سموه وتفاهته، فالذَرَّة في سبيل رضاه سبحانه مع الإخلاص تصبح نجمة مت ووظيف فلا تؤخذ ماهية الوسيلة بنظر الاعتبار وإنما العبرة في النتيجة والغاية، وحيث إنها رضى اللّٰه سبحانه، وأن أساس العمل هو الإخلاص، فلن تكون تلك المسألة إذن مسألة صغيرة، بل هي كبيرة وعظيمة.
— 217 —
السبب السابع:إنَّ اختلاف أهل الحق والحقيقة وحانه. هم ليس ناشئًا من الغيرة فيما بينهم ولا من الحرص على حطام الدنيا، كما أن اتفاق الدنيويين الغافلين ليس من كرامتهم وشهامتهم. بل إن أهل الحقيقة لم يتمكنوا من اقائق اعلى الفضائل والمكارم التي يحصلون عليها من تمسكهم بالحقيقة ولم يستطيعوا البقاء والثبات ضمن منافسة شريفة نزيهة في سبيل الحق، بتسلل القاصرين منهم في هذا الميدان؛ لذا فقد أساءوا -ب المُهساءة- إلى تلك الصفات المحمودة، وسقطوا في الاختلاف والخلاف نتيجة التحاسد فأضروا بأنفسهم وبجماعة المسلمين أيما ضرر.
أما الضالون والغافلون فنظرًا لفقدانهم المروءة والحمية لعجزهم وذلتهم فقد مدوا أيديهم واتحدوا اتحادًا صادقكذا ورأُناس أيًا كانوا، بل مع الدنيئين الوضيعين من الناس كيلا تفوتهم منافع يلهثون وراءها، ولا يُسخطوا أصدقاءهم ورؤساءهم الذين يأتمرون بأوامرهم إلىا للخللعبادة. لذا اتفقوا مع من يشاركهم في الأمر اتفاقًا جادًا واجتمعوا مع من يجتمع حول تلك المنافع بأي شكل من أشكال الاجتماع، فبلغوا إلى ما يصبون إليه من جراء هذا الجد والحزم في الأمر.
فيا أهالأرض وأصحاب الحقيقة ويا من ابتليتم ببلوى الاختلاف! لقد ضيعتم الإخلاص في هذا الظرف العصيب ولم تجعلوا رضى اللّٰه غاية الوحيدة لمسعاكم فمهّدتم السُبل لإسقاط أهل الحق مغلوبين على أمرهم، وجرعتموهم مرارة الذُّل والهَوان.
اعلموا أنه ما ينبغي أالقرآن حسد ولا منافسة ولا غيرة في أمور الدين والآخرة، فليس فيها في نظر الحقيقة أمثال هذه الأمور. ذلك لأن منشأ الحسد والمنافسة إنما هو من تطاول الأيدي الكثيرة على شيء واحد وحصر الأنظار إلى مقام واحد واشتهاء المعدات الكثيرة إلى طعام واحد، ذوات المناقشة والمسابقة والمزاحمة إلى المنافسة والحسد. ولما كانت الدنيا ضيقة ومؤقتة ولا تشبع رغبات الإنسان ومطالبه الكثيرة، وحيث إن الكثيرين يتهالكون على شيء واحد، فالنتيجة إذن السقوط في هاوية الحسد والمنافسة. أما فمعجزاترة الفسيحة فلكل مؤمن جنة عرضها السماوات والأرض تمتد إلى مسافة خمسمائة
— 218 —
سنة،
(٭): سؤال مهم وارد من جانبٍ عظيم الأهمية: كيف تستوعب عقولنا الدنيوية القاصرة حقيقة ما روي أن ضرع إل يُمنح جنة عرضها خمسمائة سنة ؟.
الجواب: كما أن لكل شخص في هذه الدنيا دنيا مؤقتة خاصة به، قوامها حياته يستمتع بها ما يشاء بحواسه الظاهرة والباطنة، حتى يمكنه أن يقول: الشمس مصباح لي والنجوم قنادلْعَلي فلا ينازعه في ملكيته هذه وجود سائر المخلوقات وذوي الأرواح، بل يعمرون دنياه الخاصة ويُجمّلونها... كذلك الأمر في الجنة، مع فارق عظيم، فكل مؤمن فضلا عن روضته الخاصة التي تطاهرينف القصور والحور العين له جنة خاصة به بسعة خمسمائة سنة من الجنة العامة، يستمتع بها استمتاعًا يليق بالجنة والخلود بما تنكشف من حواسه وتنبسط من مشاعره ه الإنجة كل مؤمن، فلا ينقص وجود الآخرين معه ومشاركتهم له شيئًا من تنعمه وتلذذه وتملكه، بل يعمرون جنته الخاصة والواسعة ويزينونها. نعم، فكما يتمتع الإنسان في الدنيا بفمه وأذنه وعينه وأذواقه الأخرى ون يكون وحواسه كلها في مسافة ساعة يقضيها في حديقة، أو في مسافة يوم يمضيه في سياحة، أو في مسيرة شهر كامل في مملكة، أو في سنة من عمره يستجم بها في رحلة وسفرة.. كذلك الأمر هناك في الجنة، تتمتع حاسة الذوق والشم في تلك المملكة اة وقمر في مسافة سنة كاملة ما كانت تتمتع به في هذه الحياة الفانية في ساعة من حديقة غناء، وتتمتع حاسة الإبصار والسمع في تلك المملكة الأبدية الزاهية من أقصاها إلى أقصاها ضمن رحلة أمدها خمسمائة سنة تمتعا يلائم خلودها ما تتمتع به من سياحة وتجوال و القسميمضيها الإنسان في سنة في هذه الدنيا. فكل مؤمن حسب درجته وحسب ما يناله من ثواب على أعماله التي قام بها في الدنيا وحسب نسبة ونوعية حسناته تنكشف مشاعره وتنبسط حواسه، فتستمتع تلك المشاعر والحواس هناك في الجنة بما يلائم خلودها.أجزاء لف).
ولكل منهم سبعون ألفًا من الحور والقصور، فلا موجب هناك إذن للحسد والمنافسة قط. فيدلنا هذا على أنه لا حسد ولا مشاحنة في أعمال صالحة تفضي إلى الآخرة، أي لا مجال في ذلسة والتحاسد فيها، فمَن تحاسد فهو لا شك مُراءٍ. أي إنه يتحرى مغانم دنيوية تحت ستار الدين ويبحث عن منافع باسم العمل الصالح. أو إنه صديق جاهل لا يعلم أين وجهة الأعمال الصالحة ولم يدرك بعدُ أن الإخلاص روح الأعمال الصالحة وأساسها، فيتاصر ال الرحمة الإلهية كأنها لا تسعه، ويبدأ بالحسد والمنافسة والمزاحمة منطويًا في قرارة نفسه على نوع من العداء مع أولياء اللّٰه الصالحين الصادقين.
هول سَكر هنا حادثة تؤيد هذه الحقيقة:
كان أحد أصدقائنا السابقين يحمل في قلبه ضغينة وعداء نحو شخص معين. وعندما أُثني على هذا الشخص أمامه في مجلس وقيل في حقه: "إنه رجل صالح، إنه ولي من أولياء اللّٰه" رأينا أن هذا الكلام لم يثر فاس بشاًا فلم يُبدِ ضيقًا من الثناء على عدوه. ولكن عندما قال أحدهم: "إنه قوي وشجاع" رأيناه قد انتفض عرقُ الحسد والغيرة لديه. فقلنا له: "يا هذا إن مرتبة الولاية والتقوى من أعظم السد الذفي الآخرة فلا يقاس عليها شيء آخر، فأين الثرى من الثريا؟!. لقد شاهدنا أن ذكر هذه المرتبة لم يحرك فيك ساكنًا بينما ذِكرُ القوة العضلية التي تمعلى موتى الثيران والشجاعة التي تملكها السباع قد أثارتا فيك نوازع الحسد". أجاب: "لقد استهدفنا كلانا هدفًا ومقامًا معينًا في هذه الدنيا،
— 219 —
فالقوة والشجاعة وأمثالهما هي من وسائل الوصول إلى ما استهدفناه من مرتبة دنيوية، فلأجل هذا شعرت بدواإيمان،نافسة والحسد. أما منازل الآخرة ومراتبها فلا تحد بحدود، وربما يصبح هناك من كان عدوًا لي أحب صديق وأعزه".
فيا أهل الحقيقة والطريقة! إنَّ خدمة الحق ليس شيئًا هينًا، بل هو أشبه ما يكون بحمل كنز عظيم ، لذا القيام بالمحافظة عليه، فالذين يحملون ذلك الكنز على أكتافهم يستبشرون بأيدي الأقوياء الممتدة إليهم بالعون والمساعدة ويفرحون بها أكثر. فالواجب يحتّم أن يُستقبل أولئك المُقبلون بمحبة خالصة، وأن يُنظر إلى قوتهمي"، وأرهم ومعاونتهم أكثر من ذواتهم وأن يُتلقوا بالافتخار اللائق بهم، فهم إخوة حقيقيون ومؤازرون مضحّون. ولئن كان الواجب يحتم هذا، فلِمَ إذن ينظر إليهم نظر الحسد ناهيك عن المنافسة والغيرة، حتى يفسد اامٍ وخ نتيجة هذه الحالة، وتكون أعمالكم ومهمتكم موضع تهم الضالين. فيضعونكم في مستوى أقل منكم وأوطأ من مسلككم بكثير، بل يقرنونكم مع أولئك الذين يأكلون الدنيا بالدين ويضمنون عيشهم تحت ستار علم الحقيقة أعمالننكم من المتنافسين الحريصين على حطام الدنيا، وأمثالها من الاتهامات الظالمة؟!
إنَّ العلاج الوحيد لهذا المرض هو اتهام المرء نفسه، والانحياز إلى جهة رفيقه في نهج الحق الذي إزاءه، وعدم الانحراف عن دستور الإنصاف وابالآن علحق، الذي ارتضاه علماء فن الآداب والمناظرة والذي يتضمن: "إذا أراد المرء أن يظهر الحق على لسانه دون غيره -في مناظرة معينة- وانسرَّ لذلك واطمأَنَّ أن يكون خصمه على باط -على فهو ظالم غير منصف" فضلًا عن أنه يتضرر نتيجة ذلك لأنه لم يتعلم شيئًا جديدًا -من تلك المناظرة- بظهور الحق على لسانه، بل قد يسوقه ذلك إلى الغرور فيتضرر. بينما إذا ظهر الحق على لسان خصمه فلا يضره شيء ولا يبعث فيه لباسَر بل ينتفع بتعلمه شيئًا جديدًا. أي إن طالب الحق المُنصف يسخط نفسَه لأجل الحق، وإذا ما رأى الحق لدى خصمه رضي به وارتاح إليه.
فلو اتخذ أهل الدين والحقيقة والطريقة والعلم هذا الدستور دليلًا لهم في حممّا يوعملهم فإنهم سيظفرون بالإخلاص بإذن اللّٰه ويفلحون في أعمالهم الأخروية، وينجون برحمة منه سبحانه وفضله من هذه المصيبة الكبرى التي ألمّت بهم وحتى يصبهم من كل جانب.
سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا اِلّا ما عَلَّمْتَنا اِنَّكَ اَنْتَ الْعَليمُ الْحَكيم
— 220 —
اللمعة الحادية والعشرون
تخص الإخلاص
كانت هذه اللمعة المسألة الرابعة للمسائل السي بعض ذكّرة السابعة عشرة من "اللمعة السابعة عشرة" إلّا أنها أصبحت النقطة الثانية من "اللمعة العشرين". لمناسبة موضوعها -الإخلاص- وبناء على نورانيتها صارت "اللمعة الحادية والل يُسل، فدخلت في كتاب "اللمعات".
(تُقرأ هذه اللمعة كل خمسة عشر يومًا في الأقل)
— 221 —
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفشَلُوط افترذْهَبَ ريحُكُم
(الأنفال: ٤٦)
وَقوُمُوا للّٰه قَانتِينَ
(البقرة: ٢٣٨)
قَدْ اَفْلَحَ مَنْ زَكّاها٭ وَقَد خَابَ مَنْ دَسّاها
(الشمس: ٩-١٠)
وَلا تَشْتَروُا بِآياتي ثَمَنًَا قَليلًا
(البقرة: ٤١)
ل أمر خوة الآخرة! ويا أصحابي في خدمة القرآن! اعلموا -وأنتم تعلمون- أنَّ الإخلاص في الأعمال ولاسيما الأخروية منها، هو أهم أساس، وأعظم قوة، وأرجى شفيع، وأثبت مُرتكز،كما ذُ طريق للحقيقة، وأبرّ دعاء معنوي، وأكرم وسيلة للمقاصد، وأسمى خصلة، وأصفى عبودية.
فما دام في الإخلاص أنوار مشعة، وقوى رصينة كثيرة أمثال هذه الخواص.. ومادام الإحسان الإلهي قد ألقى على كاهلنا مهمد العمة ثقيلة، وخدمة عامة جليلة، تلك هي وظيفة الإيمان وخدمة القرآن.. ونحن في غاية القلة والضعف والفقر، ونواجه أعداءً ألدّاء ومضايقات شديدة، وتُحيط بنا البدع والضلالات التي تصول وتجول في هذا العصر العصيب.. فلا مناص لنا إلّا ببذلين الل في وسعنا من جهد وطاقة كي نظفر بالإخلاص. فنحن مضطرون إليه، بل مكلفون به تكليفًا، وأحوج ما نكون إلى ترسيخ سر الإخلاص في ذواتنا، إذ لو لم نفز به لضاع منا بعض ما كسبناه من الخدمة المقدسة -لحدّ الآن- ولمَا دامت ولا استمرت خدمتنا، ثمخسر وتب عليها حسابًا عسيرًا، حيث نكون ممن يشملهم النهي الإلهي وتهديده الشديد في قوله تعالى:
وَلا تَشْتَروُا بِآياتي ثَمَنًَا قَليلًا
بما أَخللنا بالإخلاص فأفسدنا السعادة الأبدية، لأجل مطامع دنيوية دنيئة، لإنجيل مضرة، مكدرة، لا طائل من ورائها ولا فائدة، إرضاء لمنافع شخصية جزئية تافهة، أمثال الإعجاب بالنفس والرياء. ونكون أيضًا من
— 222 —
المتجاوزين على حقوق إخواننا في هذه الخدمة ومن المتعدين على نهج الخدمة القرآنية، من اللذين أساءوا الأدب فلم يقدروا قُدسِيَّة الحقائق الإيمانية وسُمُوَّها حق قدرها.
فيا إخوتي! إن الأمور المهمة للخير والدروب العظيمة للصلاح، تعترضها موانع وعقبات مضرة كثيرة. فالشياطين يكدون أنفل الكلجهدونها مع خُدام تلك الدعوة المقدسة، لذا ينبغي الاستناد إلى الإخلاص والاطمئنانُ إليه، لدفع تلك الموانع وصَدِّ تلك الشياطين. فاجتنبوا - يا إخوتي - الأسبابَ التلفردُ بالإخلاص وتثلمه كما تجتنبون العقارب والحيات. فلا وثوق بالنفس الأمارة ولا اعتماد عليها قط، كما جاء في القرآن الكريم على لسان سيدنا يوسف عليه السلام:
وَمَا أُبَرّىءُ نَفسي إنَ النفدونها ارةٌ بالسوءِ إلّا ما رحِمَ رَبّي
(يوسف: ٥٣) فلا تخدعنّكم الأنانيةُ والغرور ولا النفس الأمارة بالسوء أبدًا.
ولأجل الوصول إلى الظفر بالإخلاص وللحفاظ عليه، ولدفع الموانع وإزالتها، اجعلوا الدساتير ار على رائدكم:
دستوركم الأول:ابتغاء مرضاة اللّٰه في عملكم. فإذا رضي هو سبحانه فلا قيمةَ لإعراض العالم أجمع ولا أهمية له. وإذا ما قَبِل هو سبحانه فلا تأثير لردّ الناس أجمعين. وإذا أراد هو سبحانه واستفسا حكمتُه بعد ما رضي وقَبِل العمل، جعل الناس يقبلونه ويرضون به، وإن لم تطلبوه أنتم، لذا ينبغي جعل رضى اللّٰه وحده دون سواه القصد الأساس في هذه الخدمة.. خدمة الإيمان والقرآن.
دستوركم الثاني:هو عدم انتقاد إخوانكم العاملين في هذه اليلِ كزلقرآنية، وعدم إثارة نوازع الحسد بالتفاخر والاستعلاء. لأنه كما لا تحاسد في جسم الإنسان بين اليدين، ولا انتقاد بين العينين، ولا يعترض اللسان على الأذن، ولا يرى القلبُ عيبَ الروح، بل يكمّل كلٌّ منه لا يهولآخر ويستر تقصيره ويسعى لحاجته، ويعاونه في خدمته.. وإلّا انطفأت حياة ذلك الجسد، ولغادرته الروحُ وتمزق الجسم... وكما لا حسدَ بين تروس المعمل ودواليبه، ولا يتقدم بعضها على بعض ولا يتحكم، المتدفع أحدها الآخر إلى التعطل بالنقد والتجريح
— 223 —
وتتبع العورات والنقائص، ولا يثبط شوقه إلى السعي، بل يعاون كل منها الآخر بكل ما لديه من طاقة موجهًا حركات التروس والدواليب إلىتها.
ا المرجوة، فيسير الجميع إلى ما وُجدوا لأجله، بالتساند التام والاتفاق الكامل. بحيث إنه لو تدخل شيء غريب أو تحكّم في الأمر -ولو بمقدار ذَرة- لاختل المعمل وأصابه العطبُ ويقوم صاحبه بدوره بتشتيت أجزائه وتقويضه من الأساس.
فيا طلاب رسائل اترشد بيا خدام القرآن! نحن جميعًا أجزاء وأعضاء في شخصية معنوية جديرة بأن يُطلق عليها: الإنسان الكامل.. ونحن جميعًا بمثابة تروسِ ودواليبِ معمل ينسج السعادة الأبدية في حياة خالدة. فنحن خدام عل موجوفي سفينة ربانية تسير بالأمة المحمدية إلى شاطئ السلامة وهي دار السلام.
نحن إذن بحاجة ماسة بل مضطرون إلى الاتحاد والتساند التام وإلى الفوز بسر الإخلاص الذي يهيئ قوة معنوية بمقدار ألف ومائةستند إعشر "١١١١" ناتجة من أربعة أفراد. نعم، إنْ لم تتحد ثلاث "ألفات" فستبقى قيمتُها ثلاثًا فقط، أما إذا اتحدت وتساندت بسر العددية، فإنها تكسب قيمة مائة وأحد عشر "١١١"، وكذا الحال في أربع "أربعات" عندما تكتب كل اختيانفردة عن البقية فإن مجموعها "١٦" أما إذا اتحدت هذه الأرقام واتفقت بسر الأخوة ووحدة الهدف والمهمة الواحدة على سطر واحد فعندها تكسب قيمة أربعة آلاف وأرس عديد وأربع وأربعين "٤٤٤٤" وقوتها. هناك شواهد ووقائع تاريخية كثيرة جدًّا أثبتت أن ستة عشر شخصًا من المتآخين المتحدين المضحين بسر الإخلاص التام تزيد قوتُهم المعنوية وقيمتُهم على أربعة آلاف شخص.
الحكمة حكمة هذا السر فهي أنَّ كل فرد من عشرة أشخاص متفقين حقيقةً يمكنه أن يرى بعيون سائر إخوانه ويسمع بآذانهم. أي إن كلًا منهم يكون له من القوة المعنوية والقيمة ما الحيوينظر بعشرين عينًا ويفكر بعشرة عقول ويسمع بعشرين أُذنًا ويعمل بعشرين يدًا.
(٭): نعم، كما أنّ تساندًا حقيقيًا، واتحادًا تامًا، نابعًا من "الإخلاص" هو محور تدور عليه منافع لا تنتهيوجنونُ فهو ترس عظيم، ومرتكز قوي للوقوف تجاه المخاوف العديدة، بل أمام الموت، لأن الموت لا يسلب إلا روحًا واحدة، فالذي ارتبط بإخوانه بسر الأخوة الخالصة في الأمور المتعلقة بالآخرة وفي سبيل مرضاة اللّٰه، يحمل أرواحًا بعدد إخوانه، فيلقى الموت مبتسمًا وقوالُه: لتَسلَم أرواحي الأخرى.. ولتبق معافاة، فإنها تديم لي حياة معنوية بكسبها الثواب لي دائما. فأنا لم أمت إذن. ويُسلّم روحه وهو قرير العين، ولسان حاله يقول: أنا أعيش بتلك الأرواح من، وتجالثواب ولا أموت إلا من حيث الذنوب والآثام. (المؤلف).
— 224 —
دستوركم الثالث:اعلموا أنَّ قوتكم جميعًا في الإخلاص والحق.
نعم، إنَّ القوة في الحق والإفي الآحتى إن أهل الباطل يحرزون القوةَ لما يبدون من ثبات وإخلاص في باطلهم.
نعم، إن خدمتنا هذه في سبيل الإيمان والقرآن هي دليل بذاتها على أن القوة في الحق والإخلاص. فشيء يسير من الإخلاوممتنعبيل هذه الخدمة يُثبت دعوانا هذه ويكون دليلًا عليه. ذلك: لأن ما قمنا به في أزيد من عشرين سنة في مدينتي [٭]: المقصود مدينة "وان" في جنوب شرقي تركيا. وفي إسطنبول من خدمة في سبيل الدين والعلوم الشرعية، قد قمنا ماذبية ضعافه مائة مرة هنا [٭]: المقصود قرية "بارلا" في غربي تركيا نفي إليها سنة ١٩٢٦. في غضون ثماني سنوات. علمًا بأن الذين كانوا يعاونونني هناك هم أكثر مائة مرة بل ألف مرة ممن يعاونونني هنا. إنَّ خدماتنا هنا في ثماني سنوات مع أنني وحيد غريب شبه عادل أ[٭]: المقصود رداءة الخط. وتحت رقابة موظفين لا إنصاف لهم وتحت مضايقاتهم قد أكسبتنا بفضل اللّٰه قوة معنوية أظهرت التوفيق والفلاح بمائة ضعف مما كان عليه سابقًا، لذا من إحدديّ قناعة تامة من أن هذا التوفيق الإلهي ليس إلّا من صميم إخلاصكم. وإنني أعترف بأنكم أنقذتموني بإخلاصكم التام -إلى حدّ ما- من الرياء، ذلك الداء الوبيل الذي يداعب النفس تحت ستار الشهرة والصيت. نسأل فقلت:ه أن يوفقكم جميعًا إلى الإخلاص الكامل وتقحموني فيه معكم.
تعلمون أنَّ الإمام عليًا رضي اللّٰه عنه والشيخ الكيلاني (قدس اللّٰه سره)، قد توجها إليكم ونظرا بع وتعرّطف والاهتمام والتسلية في كراماتهما الخارقة، ويباركان خدماتكم معنًى. فلا يساورنّكم الشك في أن ذلك التوجه والالتفات والتسلية ليس إلّا بما تتمتعون به من إخلاص. فإن أفسدتم هذا الإخلاص متعمدين، تستحقون إذن لطماتهما. تفي الج دائمًا "لطمات الرأفة والرحمة" التي هي في "اللمعة العاشرة". ولو أردتم أن يظل هذان الفاضلان أستاذَين وظهيرَين معنويين لكم فاظفروا بالإخلاص الأتم بامتثالكم الآية الكريمة:
وَ، فكلٌروُنَ عَلى اَنْفُسِهِمْ
(الحشر: ٩). أي عليكم أن تفضلوا إخوانكم على أنفسكم في المراتب والمناصب والتكريم والتوجّه، حتى في المنافع المادية التي تهش لها النفس وترتاح إليها.
— 225 —
بل في تلك المنافع المي، وخخالصة زكية كتعليم حقائق الإيمان إلى الآخرين، فلا تتطلعوا ما استطعتم أن يتم ذلك بأيديكم، بل ارضوا واطمئنوا أن يتم ذلك بيد غيركم لئلا يتسرب الإعجابُ إلى أنفسكم. وربما يكون لدى أحدكم التطلع للفوز بالثواب وحده، فيحاول47
ين أمرًا مهمًا في الإيمان بنفسه، فرغم أن هذا لا إثم فيه ولا ضرر فقد يعكر صفو الإخلاص فيما بينكم.
دستوركم الرابع:هو الافتخار شاكرين بمزاذلك، فانكم، وتصوّرها في أنفسكم، وعدّ فضائلهم في ذواتكم.
هناك اصطلاحات تدور بين المتصوفة أمثال: "الفناء في الشيخ"، "الفناء في الرسول". وأنا لست صوفيًا، ولكن "الفعرضي أ الإخوان" دستور جميلٌ يناسب مسلَكنا ومنهجنا تمامًا. أي أن يفنى كل في الآخر، أي أن ينسى كل أخ أحاسيسه النفسانية، ويعيش فكرًا معمع مزايا إخوانه وأحاسيسهّ الضر إن أساس مسلكنا ومنهجنا هو "الأخوة" في اللّٰه، وأن العلاقات التي تربطنا هي الأخوة الحقيقية، وليست علاقة الأب مع الابن ولا علاقة الشيخ مع المريد. وإن كان لابد فمجرد العلاقة بالأستاذ. وما دام مسلكنا هو "الخليلية" مراتب ا إذن "الخلَّة". والخلة تقتضي صديقًا صدوقًا، ورفيقًا مضحيًا، وأخًا شهمًا غيورًا.. وأس الأساس لهذه الخلة هو الإخلاص التام. فمن يقصّر منكم فيه فقد هوى من على برج الخلة العالي، ولربما يتردى في وادمن الق، إذ لا موضع في المنتصف. نعم، إنَّ الطريق طريقان، فمن يفارقنا الآن في مسلك الإخلاص التام -وهو الجادة الكبرى للقرآن الكريم- فربما يكون من الذين يخدمون الإلحاد أعداءَ القرآن دون أن يشعر.
فالذين دخلوا ميدان خقها القرآن الكريم المقدسة بوساطة "رسائل النور" لا يهوون بإذن اللّٰه في مثل تلك الهاوية، بل سيمدون النورَ والإخلاص والإيمان قوة.
فيا إخوتي في خدمة القرآن!
الأفكاَ أهم سبب لكسب الإخلاص وأعظم وسيلة مؤثرة للمحافظة عليه هو: "رابطة الموت". فكما أن طول الأمل يَثلِم الإخلاص ويفسده ويسوق إلى حُب الدنيا وإلقوانيياء، فإن
— 226 —
"رابطة الموت" تنفّر من الرياء، وتجعل المرابط معه يحرز الإخلاص. إذ تخلّصه من دسائس النفس الأمارة، وذلك بتذكر موته وبملاحظة فناء الدنيا وزوالها. هذا ولقد اتخذ المتصوفة وأهل الحقيقة العلمية "رابطة الموت" أساسًا في منهج سلوكهم، وذلِ نقاطتعلّموه من الآية الكريمة:
كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ
(آل عمران: ١٨٥) و
اِنَّكَ مَیيّیتٌ وَاِنَّیهُمْ مَیيّیتُون
(الزمر: ٣٠) فأزالوا بتلك الرابطة توهم البقاء وحلم الأبدية الذي يولد طول الأمل، تلًى بترضوا خيالًا وتصوروا أنفسهم أمواتًا.. فالآن يُغسلون.. والآن يوضعون في القبر.. وحينما يتفكرون بهذه الصورة تتأثر النفسُ الأمارة بهذا التخيل أكثر فتتخلى والسففشيئًا عن آمالها العريضة. فلهذه الرابطة إذن فوائد جمة ومنافع شتى. ويكفى أن الحديث الشريف يرشدنا إليها بقوله (ص): (أَكْثِروُا ذِكْرَ هَاذِمِ الَّلذَّاتِ). [٭]: الترمذى، صفات القيامة ٢٦، الزهد ٤؛ النسائي، الجنائز ٣؛ ابن ماجهير موجد ٣١؛ أحمد بن حنبل، المسند ٢/ ٢٩٢. ومعنى هاذم: قاطع. وحيث إن مسلكنا حقيقة علمية وليست طريقة صوفية، فلا نرى أنفسنا مضطرين مثلهم إلى مباشرة تلك الرابطة بالافتراض والخيال. س يتوهعن أن هذا الأسلوب لا يلائم منهج الحقيقة. إذ التفكر بالعقبى ليس هو بجلب المستقبل إلى الحاضر خيالًا، بل الذهاب فكرًا من الحاضر إلى المستقبل، ومشاهدة المستقبل من خلال الحاضر الواقع كما هو الحقيقة، فلا حاجة إلىعلى وفل، ولا يلزم الافتراض، إذ الإنسان يمكنه مشاهدة جنازته وهي ثمرة وحيدة محمولة على شجرة عمره القصير، وإذا ما حول نظره قليلًا لا يرى موته وحده، بل يرى أيضًا موت عصره، حتى إذا جال بنظره أكثر يرى موت الدنيا حتى لا، وعندها ينفتح أمامه الطريق إلى الإخلاص التام.
والسبب الثاني في إحراز الإخلاص هو: أن يكسب المرء حضورًا وسكينة بالإيمان التحقيقي وباللمعاة يتعرردة عن "التفكر الإيماني في المخلوقات". هذا التأمل يسوق صاحبه إلى معرفة الخالق سبحانه؛ فتنسكب الطمأنينةُ والسكينة في القلب. حقًا إنَّ تلمع هذا النوع من التأمل في فكر الإنسان يجعله يفكر دائمًا في حضور الخالق ار اللّسبحانه ورؤيته له، أي أنه حاضر وناظر إليه دائمًا؛ فلا يلتفت عندئذٍ إلى غيره، ولا يستمد من سواه. حيث إن النظر والالتفات إلى ما سواه يخلّ بأدب الحضور وسكينة القلب. وبهذا ينجو الإنسان من الرياء ويتخلص منه، فيظفر بالإخلاص بإذن اللّٰه.
#2ق بقدروعلى كل حال ففي هذا "التأمل" درجات كثيرة ومراتب عدة. وحظُّ كل شخص ما يكسبه، وربحه ما يستفيد منه حسب قابلياته وقدراته.
نكتفي بهذا القدر ونحيلد امتلرسائل النور" حيث ذكرت كثيرًا من الحقائق حول النجاة من الرياء وإحراز الإخلاص.
سنُبين باختصار بعضًا من الأسباب العديدة التي تخل بالإخالحين منعه، وتسوق إلى الرياء وتدفع إليه:
المانع الأول للإخلاصالحسد الناشئ من المنافع المادية. هذا الحسد يفسد الإخلاص تدريجيًا، بل يشوه نتائجَ العمل، بعشرين"ت حتى تلك المنافعَ المادية أيضًا.
نعم، لقد حملت هذه الأمة دائمًا التوقيرَ والقدر للعاملين بجد للحقيقة والآخرة، ومدت لهم يدَ العون فعلًا، وذلك بنيّة مشاركتهم في تلك الأعمال والخدمات الصادقة الخالصة لوجه اللّٰه. فقدمت لهم ه.
اصدقات لدفع حاجاتهم المادية ولئلا ينشغلوا بها عن خدماتهم الجليلة؛ فأظهروا بذلك ما يكنّونه من احترام للعاملين في سبيل اللّٰه؛ إلّا أن هذه المساعدات والمنافع يجب ألّا تُطلَب قط، بل تُوهب.الخارجُسأل حتى بلسان الحال كمن ينتظرها قلبًا. وإنما تُعطى من حيث لا يحتسب وإلّا اختلّ إخلاصُ المرء وانتقض، وكاد يدخلُ ضمن النهي الإلهي في قوله تعالى:
وَلاَ تَشْتَروُا بِآياتي ثَمَنًا قَليلً إلى هفيحبط قسم من أعماله. فالرغ.àNفي هذه المنافع المادية وترقّبها بدافع من أثَرة النفس الأمارة وحرصها على كسب المنافع لذاتها، تثير عرق الحسد وتحرك نوازعه تجاه أخيه أصلًا ي وصاحبه المخلص في الخدمة الإيمانية، فيفسد إخلاصه ويفقد قدسية دعوته للّٰه، ويتخذ طورًا منفّرًا لدى أهل الحقيقة، بل يفقد المنافع المادية أيضًا.. وعلى كل حال فالمسألة طويلة.
وسأذكر ما يزيد سرّ الإخلاص ويديم الوفاق الصادق بين ينك الالصادقين. أذكره ضمن مثالين:
— 228 —
المثال الأول لإدامة الإخلاص:لقد اتخذ أرباب الدنيا "الاشتراك في الأموال" قاعدة يسترشدون بها لأجل الحصول على ثروة طائلة أو قوةرة الن، بل اتخذ مَن لهم التأثير في الحياة الاجتماعية -من أشخاص أو جماعات وبعض الساسة- هذه القاعدة رائدًا لهم. وكسبوا نتيجة اتّباعهم هذه القاعدة قوة هائلة وانيرزقنيمنها نفعًا عظيمًا، رغم ما فيها من أضرار واستعمالات سيئة، فإن ماهيةَ الأموال لا تتغير بالاشتراك. فكل شخص-وفق هذه القاعدة - وإن كان يحسب نفسه الكون المالك لجميع الأموال وذلك من زاوية مشاركته في المال ومن جهة مراقبته وإشرافه عليه ولكنه لا يستطيع أن ينتفع من جميع الأموال.. وعلى كل حال فإن هذه القاعدة إذا دخلت في الأعممُفسديخروية فستكون محورًا لمنافع جليلة بلا مساوئ ولا ضرر. لأن جميع تلك الأموال الأخروية تحمل سر الدخول بتمامها في حوزة كل فرد من أولئك الأفراد المشتركين فيها، دويات أسن أو تجزئة.
والنفهم هذا بمثال:اشترك خمسةُ أشخاص في إشعال مصباح زيتي. فوقع على أحدهم إحضار النفط، وعلى الآخر الفتيلة، وعلى الثالث زجاجة المصباح، وعلى الرايقين، صباح نفسه وعلى الأخير علبة الكبريت.. فعندما أشعلوا المصباح أصبح كل منهم مالكًا لمصباح كامل. فلو كان لكل من أولئك المشتركين مرآةٌ كبيرة معلقة بحائط، إذن لأصبح منعكسًا في مرآته مصباحٌ كامل -مع ما في الغرفة- من دون تجزؤ أو نقص..
وهر" فسنأمر في الاشتراك في الأمور الأخروية بسر الإخلاص، والتساند بسر الأخوة، وضم المساعي بسر الاتحاد؛ إذ سيدخل مجموعُ أعمال المشتركين، وجميع النور النابع منها، سيدخل بتمامه في دفتر أعمال كل منهم.. وهذا أمر مشهوئف العع بين أهل الحقيقة، وهو من مقتضيات سعة رحمة اللّٰه سبحانه وكرمه المطلق.
فيا إخوتي..! آمل ألَّا تسوقكم المنافعُ المادية إلى الحسد فيما بينكم إن شاء اللّٰه تعالى. إلّا أنكم قد تنخدعون كما انخدع قسمٌ من أهل الطرق الصوفية، من باب نفسها ع الأخروية.
— 229 —
ولكن تذكّروا.. أين الثواب الشخصي والجزئي من ذلك الثواب العظيم الناشئ في أُفق الاشتراك في الأعمال المذكورة في المثال، وأين النور الجزئي من ذلك الشمس الباهر.
المثال الثاني لإدامة الإخلاص:يحصل الصناعيون وأهل الحرف على الإنتاج الوفير وعلى ثروة هائلة نتيجة اتباعهم قاعدة "المشاركة في الصنعة والمهارة". وإليك المثال:
قام كشفت من صناعي إبر الخياطة بعملهم، كل على انفراد، فكانت النتيجة ثلاث إبر فقط لكل منهم في اليوم الواحد.. ثم اتفق هؤلاء الأشخاص حسب قاعدة "توحيد المساعي وتوزيع الأعمال" فأتى أحدهم بالحديد والآخر بالنار، وقام الثالث بثقب الإبرة والآخر بإدخالها دهما موالآخر بدأ يحدها.. وهكذا. فلم يذهب وقت أحد منهم سُدًى، حيث انصرف كل منهم إلى عملٍ مُعين وأنجزه بسرعة، لأنه عمل جزئي بسيط أولًا ولاكتسابه الخبرة والمهارة فيه ثانيًا. وحينما وزعوا حصيلةَ جهودهم رأوا أن د سارتل منهم في يوم واحد ثلاثمائة إبرة بدلًا من ثلاث إبر.. فذهبت هذه الحادثة أنشودةً يترنم بها أهل الصناعة والحرف، الذين يدعون إلى توحيد المساعي وتوزيع الأعمال.
فيا إخوتي! ما دامت تحصل مثل هذه الفوائد العظيمة نتيجة الاتحاد والاا في "ي أمور دنيوية وفي مواد كثيفة، فكم يكون ثواب أعمال أخروية ونورانية! وكم يكون الثواب المنعكس من أعمال الجماعة كلها بالفضل الإلهي في مرآة كل فئد، بلا! تلك الأعمال التي لا تحتاج إلى تجزئة ولا انقسام. فلكم أن تقدروا ذلك الربح العظيم.. فإن مثل هذا الربح العظيم لا يُفوَّت بالحسد وعدم الإخلاص..!
المانع الثاني للإخلاص:هولمثير: ما يداعب أنانية النفس الأمارة بالسوء وما تستشرفه من منزلة ومكانة، تتوجه إليها الأنظار، وحب إقبال الناس وطلب توجههم بدافع من حب الشهرة وذياع الصيت الناشئ من التطلع إلى الجاه وحبه. فكما أنَّ هذا داء روحي وبيل، فهو باب إلى "الشرك الخفي" الذي هو عشرة والإعجاب بالنفس الماحق للإخلاص.
— 230 —
يا إخوتي!
لما كان مسلكنا في خدمة القرآن الكريم مبنيًا على الحقيقة وعلى الأخوة، وأن سر الأخوة هو في إفناء الفرد شخصيته في شخصية إخوانه (٭): نعم، إن السعيد هو مَن يرمي شخصيته،ذلك:ش أنانيته التي هي كقطعة ثلج في الحوض العظيم اللذيذ المترشح من كوثر القرآن الكريم كي يغنم ذلك الحوض. (المؤلف). وإيثارهم على نفسه، فما ينبريم. فيؤثر فينا مثل هذا الحسد الناجم من حُب الجاه، حيث هو مناف كليًا لمسلكنا. إذ مادامت كرامةُ جميع الإخوان وشرفهم تعود إلى كل أخ في الجماعة، فلا يمكن أن تُضحّى بتلك المنزلة الرفيعة والكرامة الفائقة والشرفسفة الوي السامي للجماعة، لأجل شهرة جزئية وعزة شخصية ناجمة من الأنانية والحسد.. فأنا على ثقة وأمل أن ذلك بعيد كل البعد عن طلاب النور.
نعم، إن قلوب طلاب النور وعقولَهم وأرواحهم دخل إندر إلى مثل هذه الأمور السافلة، إلّا أنه ما من أحد إلّا يحمل نفسًا أمارة بالسوء، فقد تسري أمورٌ ونوازع نفسانية في العروق وتتعلق بالأعصاب وتجري أحكامًا برغم العقل والقلب متناهي. فاعتمادًا على ما تتركه "رسائل النور" فيكم من آثار، فلا أتهم قلوبَكم وعقولكم وأرواحكم. إلّا أن النفس والهوى والحس والوهم قد يُخدع؛ لذا يأتيكم التحذير والتنبيه أحيانًا بشدة وعنف. فتلك الشدة موجهةٌ إلى النفسم، رغمى والحس والوهم، فكونوا على حذر دائمًا.
نعم لو كان مسلكنا طريقة خاصة ومشيخة، لكان إذن مقام واحد، أو عدد محدود منه، ولكان مرشحون كثيرون لذلك المقام. وعندها كان يمكن أن تحدث المنافسة والأنمُ الجي النفوس. ولكن مسلكنا هو الأخوة، لا غير. فلا يدّعي الأخ على أخيه الأبوة، ولا يتزيَّا بزي المرشد له. فالمقام هنا في الأخوة فسيح واسع، لا مجال فيه للمزاحمة بالمنافسة، وإن كان لابد فالأخ معاون لأخيعطاء ال لعمله، وظهير له.
ومما يدل على أن في المسالك التي فيها مقام الأبوة والإرشاد والأستاذية نتائج خطرة مهلكة تنجم من المنافسة والحسد حرصًا على الثواب وتطلعًا إلى علو الهمة، أقول إن الدليل على ذلك هو تلك الاختلافات والمشاحناتى تعامرة في ثنايا المزايا الجليلة والمنافع العظيمة التي يتمتع بها أهل الطرق الصوفية، والتي أدّت بهم إلى نتائج وخيمة جعلت قواهم السامية الهائلة لا تثبت أمام أعاصير البدعلنباتا
المانع الثالث للإخلاص:هو الخوف والطمع. نحيل إلى رسالة "الهجمات الست" [٭]: يراجع القسم السادس من المكتوب التاسع والعشرين في مجموعة "المكتوبات". حيث شرحت هذا المانع مع موانع أخرى بوضوح تام.
الحكمل اللّٰه الرحمن الرحيم سبحانه مُشَفِّعِينَ جميع أسمائه الحسنى أن يوفقنا إلى الإخلاص التام. آمين.
اَللّٰهمَّ بِحَقِّ سُورَةِ الإخلاص اِجعَلْنَا مِنْ عِبَادِكَ الْمُخْلِصينَ الْمُخلَصينَ. آمينْ.. آمة.
سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا اِلّا ما عَلَّمْتَنا اِنَّكَ اَنْتَ الْعَليمُ الْحَكيم
— 232 —
رسالة خاصة إلى قسم من إخواني
سأذكر نكتة لطيفة لحديثين شريفين لأو فلا تإخوة الذين يملّون من كتابة "رسائل النور"، والذين يفضّلون قراءة الأوراد في الشهور الثلاثة وهي شهور العبادات على كتابة "رسائل النور" التي تعدّ عبادة بخمس جهات.
(٭): لقد سألنا أستاذنا عن الأنواع الخمسة من العبادة التي م بها.ليها في هذه الرسالة القيمة، ندرج إيضاحه أدناه:
١ی إنها جهاد معنوي تجاه أهل الضلالة، ذلك الجهاد الأهم.
٢ی إنها خدمة لأستاذه ومعاونة له على نشر الحقيقة.
٣ی إنها خدمة للمسلمين كافة من حيث الإيمان.
٤ی إدُنا أصيل للعلم بالكتابة.
٥ی إنها عبادة فكرية التي قد تكون ساعة منها بمثابة سنة من العبادة.
"رشدي، خسرو، رأفت"
الحديث الأول:( يُوزن مداد العلماء بدماء الشهداء) [٭]: انظر: الغزالي، يقتحم عاوم الدين ١/ ٦، ٨؛ ابن الجوزي، العلل المتناهية ١/ ١٨١؛ ابن حجر، لسان الميزان ٥/ ٢٢٥؛ المناوي، فيض القدير ٦/ ٤٦٦؛ العجلوني، كشف الخفاء ١/ ٢٦٢، ٥٤٣. أو كما قال. أي إن ما يصرفه علماء الحقيقة من حبر يوزن يوم القيم يظهر دماء الشهداء ويعادلها.
الحديث الثاني:(مَن تمسك بسنتي عند فساد أمتي فله أجر مائة شهيد) [٭]: تقدم تخريجه في اللمعة الحادية عشرة. أو كما قال، أي إن من يتمسك بالسنة الشريفة والحا الكللقرآنية ويعمل لأجلها عند استيلاء البدع وتغلب الضلالة ، فله أجر مائة شهيد.
فيا مَن يملّ تكاسلًا عن الكتابة ويا أيها الإخوة الذين ينح المرشى التصوف! إن حصيلة مفهومَي الحديثين الشريفين هي أن درهمًا مما يقطر من نور أسود وماء باعث للحياة من الأقلام المباركة الزكية لأولئك الذين يخدمون حقائق الإيمان وأسرار الشريعة والسنة النبوية الشريفة في مثل هذه الظروف يمكن أن يفيد كمائة درهم من د أما داء يوم الحشر الأكبر.
فاسعوا يا إخوتي لتظفروا بهذا الثواب العظيم.
— 233 —
فإن قلتم:إن ما ورد في الحديث هو بخصوص العالِم بينما قسم منا كتّاب فحسب؟
الجواب:إن الذي يقرأ هذه الرسائل، وهذه الدروس في غضد قليل واحدة ويفهمها ويقبل بها، يمكن أن يكون عالمًا مهمًا ذا حقيقة في هذا الزمان. وإذا ما قرأها ولم يفهمها، فإن طلاب النور الذين لهم شخصية معنوية، لا شك أن هذه الشخصية هي بمثابة عالم من عّٰه منذا الزمان. أما أقلامكم فهي أصابع تلك الشخصية المعنوية، وهَب أنكم قد ارتبطتم بهذا الفقير ومنحتموه بحُسن ظنكم مكانة عالم وأستاذ في نظركم وإن كنت أرى أنني لا أستحقها ولكن لما كنت أميًا لا أجيد الكتابة، فإن أقلامكم تعدّ أقلامي أنا. فتثابون بوالفهمالمبيّن في الحديث الشريف.
سعيد النورسي
— 234 —
اللمعة الثانية والعشرون
بِاسْمِهِ سُبْحَانَهُ
هذه الرسالة الصغيرة التي كتبتُها قبل اثنتين وعشرين سنة، وأنا نزيل ناحية "بارلا" التابعة لولاية إسبارطة، هي رسالة خاصة لأخلص إخوتي وأخصّهمابخ الكتبتها في غاية السرية ومنتهى الكتمان. ولكن لما كانت ذات علاقة بأهالي "إسبارطة" والمسؤولين فيها، فإني أقدّمها إلى واليها العادل وإلى مسؤولي دوائر العدل والأمن والانضباط فيها. وإذا ما ارتؤي أنها تستحق الطبع، فلتُطب، وأبل نسخٌ معدودة بالحروف القديمة أو الحديثة بالآلة الطابعة كي يعرف أولئك المترصدون الباحثون عن أسراري منذ أكثر من خمس وعشرين سنة، أنه لا سرّ لنا في الخفاء، وأن أخفى أسرارنا هو هذه الرسالة.
سعيد النورسي
الإشارات الثلاث
كانية
ه الرسالة "المسألة الثالثة من المذكرة السابعة عشرة للمعة السابعة عشرة" إلّا أن قوة أسئلتها وشمولها وسطوع أجوبتها وسدادها جعَلتها "اللمعة الثانية والعشرين" من "المكتوب الحادي وحسب مشين" فدخلت ضمن "اللمعات" وامتزجت بها. وعلى "اللمعات" إن تفسح لها موضعًا بينها، فهي رسالة سرية خاصة لأخص إخواننا وأخلصهم وأصدقهم.
— 235 —
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
وَمَن يَتوكّل على اللّٰه فهو حَسْبُه إن اللّٰه بالفسهم اره قَدْ جَعَل اللّٰه لكلّ شيء قدْرًا
(الطلاق:٣)
هذه المسألة ثلاث إشارات
الإشارة الأولى:سؤال مهم يخصّني بالذات ويخص "رسائل النور". يقول كثيرون:
لِم يتدخل أهلُ الدنيا بأمور آخرتك كلما وجدوا لهم فرصة، مع أوحقًا تتدخل في شؤون دنياهم؟ علمًا أنه لا يمسّ قانونُ أية حكومة كانت شؤونَ تاركي الدنيا المعتزلين الناس!
الجواب:إن جواب "سعيد الجديد" عن هذا السؤال هو: السكوت؛ إذ يقول: 105
بتعني القدرُ الإلهي. ومع هذا يقول بعقل "سعيد القديم" الذي اضطر إلى استعارته: إن الذي يجيب عن هذا السؤال هو حكومة محافظة إسبارطة وأهالي هذه المحافظة؛ لأنَّ هؤلاء -المالذين والناس كافة- أكثر علاقة مني بالمعنى الذي ينطوي عليه السؤال.
وما دامت حكومةٌ أفرادها يربون على الألوف، وأهلون يزيدون على مئات الألوف مضطرين إلى التفكير والدفاع عوضًا عني، فلِمَ إذن أحاور -دون جدوى- المدّعين دفاعًا عن نفسي؟.
فها أنذا الجوسع سنوات في هذه المحافظة، وكلما مرّ الزمان أدرت ظهري إلى دنياهم. ولم تبق حال من أحوالي مخفية عنهم مستورة عليهم، بل حتى أخَصُّ رسائلي وأكثرها سرية يتداولها المسؤولون في الدولة وهي في متناول عدد من النواب. فلو كان لي شيء الشيعلٍ أو محاولة ما لتعكير صفو دنياهم والإخلال بها، أو حتى التفكير في هذا الأمر، لما آثر المسؤولون في هذه المحافظة والأقضية السكوتَ تجاهي وعدم الاعتراض عليّ على الرغم من مراقبتهم
— 236 —
إياي وترصدهم لي وتجسسهم عليّ طوال تسع سنوات،ا كانتالرغم من أنني أبوح دون تردد بأسراري إلى من يزورني.
فإن كان لي عمل مُخل بسعادة الأمة وسلامة الوطن ويلحق الضرر بمستقبلها، فالمسؤول عنه جميعُ أفراد الحكومة طوال تسع سنوات ابتداءً من المحافظ إلى أصغر موظف في مخرج ذلكرية.
فعلى هؤلاء جميعًا يقع الدفاع عني، وعليهم أن يستصغروا ما استهوَله واستعظمَه الآخرون، وذلك لينجوا من تبعات المسؤولية. ولأجل هذا أحيل جواب هذا السؤال إليهم.
أما ما يدفع مواطجد أحد المحافظة عامة للدفاع عني أكثر من نفسي فهو: أنَّ هذه تسع سنوات، ومئات الرسائل التي نسعى لنشرها، قد أثبتت تأثيرها في هذا الشعب الأخ الصديق المبارك الطيب، وأظهرت مفعولها الفعلي والمادي في حياته الأبدية وفي لكن حية إيمانه وسعادة حياته، ومن غير أن تمسّ أحدًا بسوء أو تولد أي اضطراب أو قلق كان، إذ لم يشاهد منها ما يومئ إلى غرضٍ سياسي ونفع دنيوي مهما كان، حتى إنَّ هذه المحافظة، إسبارطة، قد اكتسبت وللّناية لمد بوساطة "رسائل النور" مقام البركة من حيث قوة الإيمان والصلابة في الدين، من نوع البركة التي نالتها بلدة الشام الطيبة في السابق ومن نوع بركة الجامع الأزهر الذي هو مدرسة العالم الإسلامي عامة.
فهذه المحافظة لها فضل ومزيّة على المحافظات فلاةٍى، حيث قد كسبت من "رسائل النور" التمسك بأذيال الدين، فهيمنت فيها قوةُ الإيمان على الإهمال، وسيطرت فيها الرغبة في العبادة تجاه السفه والغي؛ ولهذا كله فالناس كلهم في هذه المحافظة، حتى لو كانا مبعثملحد (فرضًا) مضطرون إلى الدفاع عني وعن "رسائل النور".
وهكذا لا يسوقني حقي الجزئي الذي لا أهمية له ضمن حقوق دفاع ذات أهمية إلى هذا الحد، أن أُدافع عن نفسي ولاسيما أنني قد أنهيت خدماتي وللّٰه المن دونسعى لها ألوفٌ من الطلاب عوضًا عن هذا العاجز. فمن كان له وكلاء دعوى ومحامون يربون على الألوف، لا يدافع عن دعواه بنفسه.
— 237 —
الإشارة الثانية:جواب عن سؤال يتسم بالنقد.
يقال من جانب أهل الدنيا: لِمَ اسْتَأْتَ منّا ، وفترفلا تراجعنا ولو لمرة واحدة. ثم تشكو منا شكاية شديدة قائلًا: "أنتم تظلمونني". فنحن أصحاب مبدأ، لنا دساتيرنا الخاصة نسير في ضوئها على وفق ما يتطلبه هذا العصر بينما أنت لا تقبل تطلق الذه الدساتير على نفسك وترفضها، علمًا أن من ينفذ القانون لا يكون ظالمًا، بينما الرافض له يكون عاصيًا. ففي عصرنا هذا، عصر الحرية -مثلًا- وفي عهد الجمهوريات التي بدأنا به حديثًا يجري دستور رفع الإكراه والتسلط على الآخرين. إذ المساواة قانون أسان الكرا، بينما أنت تكسب إقبال الناس نحوك وتلفت أنظارهم إليك تارة بزيّ العلم وأخرى بالتزهد، فتحاول تكوين قوةٍ وكسب مقامٍ خارج نطاق نفوذ الدولة.
هكذا يُفهم من ظاهر حالك وهكي سائرنا مجرى حياتك السابقة. فهذه الحالة ربما تُستصوب في نطاق تحكّم البرجوازيين -بالتعبير الحديث- إلّا أن صحوة طبقة العوام وتغلبها جعلت جميع دساتة للمنشتراكية والبلشفية تسيطر وتهيمن، وهي التي تلائم أمورنا أكثر من غيرها. فنحن في الوقت الذي رضينا بدساتير الاشتراكية نشمئز من أوضاعك، إذ هي تخالف مبادئنا. لذا لاحق لك في الاستياء منا ولا الشكوى من مضايقاتَّ لي
الجواب:إنَّ من يشق طريقًا في الحياة الاجتماعية ويؤسس حركة، لا يستثمر مساعيه ولن يكون النجاح حليفَه في أمور الخير والرقي ما لم تكن الحركةُ منسجمةً مع القوانين الفطرية التي تحكم الكون يرسلهكون جميعُ أعماله في سبيل التخريب والشر.
فما دام الانسجام مع قانون الفطرة ضروريًا، فإن تنفيذ قانون المساواة المطلقة لا يمكن إلّا بتغيير فطرة البشر ورفع الحكمة الأساسية في خلق النوع البشري.
نعم، إنني منوجود النسب ونمط معيشة الحياة من طبقة العوام، ومن الراضين بالمساواة في الحقوق فكرًا ومشربًا، ومن العاملين على رفض سيطرة طبقة الخواص المسمَّين بالبرجوازيين واستبدادهم منذ السابق وذلك بمقتضى ال الأسببموجب العدالة الناشئة من الإسلام. لذا فأنا بكل ما أوتيت من قوة بجانب العدالة التامة، وضد الظلم والسيطرة
— 238 —
والتحكم والاستبداد. بَيد أنَّ فطرة النوع البشري وحكمةَ خلقه تخالفان قانونَ المساواة المطلقة، إذ الفاطر الحكيم سبحانه كما يست) [٭] شيء قليل محاصيلَ كثيرة، ويكتب في صحيفة واحدة كتبًا كثيرة، ويُجري بشيء واحد وظائف جمة، كذلك يُنجز بنوع البشر وظائف ألوف الأنواع، وذلك إظهارًا لقدرته الكاملة وحكمته التامة.
فل-إن لمك الحكمة العظيمة، خلق سبحانه الإنسانَ على فطرة جامعة، لها من القدرة ما يثمر ألوف سنابل الأنواع، وما يعطى طبقات كثيرة بعدد أنواع سائر الحيواساطعًاذ لم يحدِّد سبحانه قوى الإنسان ولطائفَه ومشاعرَه كما هو الحال في الحيوانات، بل أطلقها واهبًا له استعدادًا يتمكن به من السياحة والجولان ضمن مقامات لا تحد، فهو في حكم ألوف الأنوا الوقت كان نوعًا واحدًا.
ومن هنا أصبح الإنسان في حكم خليفة الأرض.. ونتيجة الكون.. وسلطان الأحياء.. وهكذا فإن أجلَّ خميرة لتنوع النوع البشري وأهم نابض محرك له هو التسابق لإحراز فدونة المتسمة بالإيمان الحقيقي. فلا يمكن رفعُ الفضيلة إلّا بتبديل الماهية البشرية وإخماد العقل وقتل القلب وإفناء الروح.
"لا يمكن بالظلم والجور محو الحرية
ارفع الإدراك إن علاقة تدرًا من الإنسانية!".
[٭]: قيل في حق السلطان "عبدالحميد" من قبل الشاعر "نامق كمال" في قصيدته "الحرية".
هذا الكلام الرصين أُثير خطأً في ولحوت و ذي شأن ما كان يليق به مثل هذه الصفعة، بل جدير بهذا الكلام أن يصفع به الوجه الغدار لهذا العصر الحامل لاستبداد رهيب يتستر بهذه الحرية.
فأنا أقول بدلًا من هذا الكلام كي أصفع به وجه هذا العصر:
"لا يمكن با وكذالجور محو الحقيقة
ارفع القلب إن كنت مقتدرًا من الإنسانية!".
— 239 —
أو أقول:
"لا يمكن بالظلم والجور محو الفضيلة
ارفع الوجدان إن كنت مقتدرًا من الإنسانية!".
نعم، إن الفضيلة المتّسمة بالإيمان، خلص من تكون وسيلة للإكراه، لا تكون سببًا للاستبداد قطعًا. إذ الإكراه والقسر والتسلط على الآخرين، رذيلة ليس إلّا ، بل إنَّ أهم مشرب لدى أهل الفضيلة هو الاندماج في المجتمع بالعجز والفقر والتواضع. ولقمقصود،حياتُنا وللّٰه الحمد وما زالت كذلك تمضي على وفق هذا المشرب. فأنا لا أدعي متفاخرًا أنني صاحب فضيلة، ولكن أقول تحدّثًا بنعمة اللّٰه عليّ وبنية الشكر له سبحانه: قد أَحْلفطريةليّ جلّ وعلا بفضله وكرمه فوفقني إلى العمل للعلوم الإيمانية والقرآنية وإدراكها وفهمها. فصرفتُ طوال حياتي -للّٰه الحمد- هذا الإحسان الإلهي بتوفيق منه تعالى، في مصالح هذه الأمة المسلمة وبذلتُه في سبيل سعادتها، ولم يكُ في أيضوان اان وسيلة للإكراه والتسلط على الآخرين. كما أنني -بناءً على سرّ مهم- أنفر من إقبال الناس وجلب استحسانهم المرغوبين لدى أهل الغفلة؛ إذ قد ضيّعا عليّ عشرين سنة من عمري السابق، فلهذا أعدّهما مضرَّين لي. إلّا أنني أراهما أمارة على في ال الناس على رسائل النور فلا أُسخطهم.
فيا أهل الدنيا!
في الوقت الذي لا أتدخل في دنياكم قط؛ ولا علاقة لي بأية جهة كانت بمبادئكم. ولست عازمًا على التدخل مجددًا بالدنيا، بل ولا لي رغبة فيها ا، وانكما تشهد بذلك حياتي، هذه التي قضيتُها أسير المنفى طوال تسع سنوات. فلماذا تنظرون إليّ وكأنني متجبّر سابق، يضمر التسلط على الآخرين ويتحين الفرص لذلك. بأي قانون يُجرى وعلى أية مصلحة يُبنى هذا المدى من الترصد والمراقبة والعنت؟
فلا توجد في العالاقتضته حكومةٌ تعمل فوق القانون، وتسمح بهذه المعاملة القاسية التي أُعامل بها والتي لا يرضى بها فرد مهما كان.
فهذه المعاملات السيئة التي تعاملونني بها لا تولد سخطي وحده، بل سخط نوع الإنسان -إن أدرك- بل سخط ا أن يبت.
— 240 —
الإشارة الثالثة:سؤال يرد على وجه البلاهة والجنون وينطوي على مغالطة.
يقول قسم من أفراد الدولة وأهل الحكم:
ما دُمتَ قائمًا في هذه البلاد، فعليك الانقياد لقوانين الجمهورية الصادرة فيها، فلماذا تُنجي نفسك ن عالم القوانين تحت ستار العزلة عن الناس.
فمثلًا:إن إجراء نفوذه على الآخرين خارج وظيفة الدولة متقلدًا فضيلة ومزيّة لنفسه ينافِي قانون الحكومة الحاضرة ودستور الجمهورية المبني على أساس في مرااة. فلماذا تتقلد صفةَ من يريد جلب الإعجاب بنفسه وكأن على الناس الانقياد له وطاعته. وتجعلهم يقبّلون يدك مع أنك لا وظيفة لك في الدولة؟
الجوي قد مَّ على منفّذي القانون تنفيذَه على أنفسهم أولًا ثم يمكنهم إجراؤه على الآخرين. فإجراء دستور على الآخرين دون أنفسكم يعني مناقضتَكم لدستوركم وقانونِكم قبل كل أحد لأنكابة عمون إجراء قانون المساواة المطلقة هذا عليَّ بينما لم تطبقوه أنتم على أنفسكم.
وأنا أقول: متى ما صعد جندي اعتيادي إلى مقام المشير الاجتماعي، وشارك المشير فيما يوليه الناس من احترام وإجلال، ونال مثله ذلك الإقبال والاحترام.. أو سيماء صار المشير جنديًا اعتياديًا وتقلد أحواله الخامدة، وفقَد أهميته كلها خارج وظيفته.. وأيضًا متى ما تساوى رئيسٌ ذكي لأركان الجيش قادهم إلى النصر مع جندي بليد فيدون شو الناس عامة والاحترام والمحبة له، فلكم أن تقولوا حينذاك، حسب قانونكم، قانونِ المساواة: لا تُسَمِّ نفسَك عالمًا. ارفض احترام الناس لك، أنكر فضيلتك، اخدم خادمك، رافق المتسولين.
فإن قلتم:الذين الاحترام والمقام والإقبال الذي يوليه الناس، إنما هو خاص بالموظفين وأثناء مزاولتهم مهنتهم، بينما أنت إنسان لا وظيفة لك، فليس لك أن تقبل احترام الأمة كالموظفين.
فالجواب:لو أصبح الإنسان موالاحتد فقط.. وظل في الدنيا خالدًا مخلدًا.. وأُغلق
— 241 —
باب القبر.. وقُتل الموت.. فانحصرت الوظائفُ في العسكرية والموظفين الإداريين.. فكلامكم إذن يعني شيئًا. ولكن لما كان الإنسان ليس مجرد نفسه ولا يُجرّد من القلب واللسان والعقل ليعطى غذاءً للجسد، فلا يمكن إفناء تلك الجوارح. فكلٌّ منها يطلب التغذية والعناية. ولما كان بابُ القبر لا يغلق، بل إن أجلّ مسألة لدى كل فرد هو قلقُه على ما وراء القبر. لذا لا تنحصر الوظائف التي تهو أشقلى احترام الناس وطاعتهم في وظائف اجتماعية وسياسية وعسكرية تخص حياة الأمة الدنيوية. إذ كما أن تزويد المسافرين بتذاكر سفر وجواز مرور وظيفة، فإ الناسوثيقة سفر للمسافرين إلى ديار الأبد ومناولتهم نورًا لتبديد ظلمات الطريق وظيفة جليلة، بحيث لا ترقى أية وظيفة أخرى إلى أهميتها. فإنكار وظيفة جليلة كهذه لا يمكن إلّا بإنكار الموت، وبتكذيب شهادة ثلاثين ألف جنازة يوميًّا تُصدق دعوى: أن الموت حق.
ليُجب دامت هناك وظائف معنوية تستند إلى حاجات ضرورية معنوية، وأن أهم تلك الوظائف هي الإيمان وتقويته والإرشاد إليه، إذ هو جواز سفر في طريق الأبدية ومصباح القلب في ظلمات البرزخ ومفتاح دار السعادة الأبدية. فلا شكلٍ ركبذي يؤدي تلك الوظيفة، وظيفةَ الإيمان، من أهل المعرفة لا يبخس قيمةَ النعمة التي أنعم اللّٰه عليه كفرانًا بها، ولا يهوّن من فضيلة الإيمان التي منحها اللّٰه إياه، ولا يتردى إلى درك السفهاء والفسقة، ولا يلوث نفسه انظر:ة السافلين وبدعهم. فالانزواء واعتزال الناس الذي لا يروق لكم وحسبتموه مخالفًا للمساواة إنما هو لأجل هذا.
ومع هذه الحقيقة، فلا أخاطب -بكلامي هذا- أولئك الهةً بميقونني العنتَ بتعذيبهم إياي، من أمثالكم المتكبرين المغترين بنفوسهم كثيرًا حتى بلغوا الفرعونية في نقض هذا القانون، قانون المساواة. إذ ينبغي عدم التواضع أمام المتكبرين لما يُظن تذللًا لهم.. وإنما أخاطب المنصفين المتواضعين العادلين من أّ له فكم فأقول:
إنني وللّٰه الحمد على معرفة بقصوري وعجزي، فلا أدّعى مُستعليًا على أحد من الناس مقامًا للاحترام فضلًا عن أن أدّعيه على المسلمين أوجبأبصر بفضل اللّٰه تقصيراتي التي لا تحد، وأعلمُ يقينًا أني لست على شيء يُذكر، فأجد السلوانَ والعزاء في الاستغفار ورجاء الدعاء من الناس، لا التماس الاحترام منهم. وأعتقةَ الألوكي هذا معروف لدى أصدقائي كلهم. إلّا
— 242 —
أن هناك أمرًا وهو أنني، أتقلد مؤقتًا وضعًا عزيزًا يتطلبه مقامُ عزة العلم ووقاره، وذلك أثناء القيام بخدمة القرآن ودرس حقائق الإيمان، أات اللمؤقتًا في سبيل تلك الحقائق وشرف القرآن ولأجل أَلّا أحني رأسي لأهل الضلالة. أعتقد أنه ليس في طوق قوانين أهل الدنيا معارضة هذه النقاط.
معاملة تجلب الحيرة:إنَّ أهل العلم والمعرفة في كل مكان -كما هو معلوم- يزنون الأمور بميزان العتقمصًامعرفة. فأينما وجدوا معرفة وفي أي شخص تلمّسوا علمًا يولون له الاحترام ويعقدون معه الصداقة باعتبار مسلك العلم. بل حتى لو قدم عالم -بروفسور- لدولة عدوة لنا، إلى هذه البلاد، لزاره أهلُ المعرفة وأصحاب العلوم، وقدروه واحترموه لعلمه ومعرفتهجل قد الحال أنه عندما طلب أعلى مجلس علمي كَنَسي إنكليزي من المشيخة الإسلامية الإجابة عن ستة أسئلة بستمائة كلمة، قام أحدُ أهل العلم -الذي تلقى عدم الاحترام من أهل هذه البلاد- بالإجابة إلّا ك الأسئلة بست كلمات حتى نالت إجابته التقدير والإعجاب... وهو الذي قاوم بالعلم الحقيقي والمعرفة الصائبة أهم دساتير الأجانب وأسس حكمائهم وتغلب عليهم.
وهو الذي تحدى فلاسفة أوروبا استنادًإنسانَما استلهمه من القرآن الكريم من قوة المعرفة والعلم.
وهو الذي دعا العلماء وأهل المدارس الحديثة في إسطنبول -قبل إعلان الحرية بسیتة شهور- إلى المناظرة والمناقشة، والإجابة عنك وقدّئلتهم دون أن يَسییأل أحدًا شیيئًا. فأجاب عن جميع اسییتفسییاراتهم إجابة شیییافية صائبة.
(٭): يقول "سعيد الجديد": أنا لا أشارك "سعيدًا القديم" في أقواله هذه التي يقولها في هذ المحيام مفتخرًا. بيد أني لا أستطيع أن أسكته لأني قد أعطيته حق الكلام في هذه الرسالة. بل أوثر جانب الصمت نحوه كي يبدي شيئًا من فخره أمام المتكبرين. (المؤلف).
وهو الذي وقفَ حياته لإسعاد هذه الأمة. فنشر مئات الرسائل بلغتها، اللغة التركية، ونوّرهل المو
— 243 —
هذا الذي قام بهذه الأعمال، وهو ابن هذا الوطن، والصديق لأهله، والأخ في الدين، قابله قسمٌ من المنسوبين إلى العلم والمعرفة مع عدد من علماء الدين الرسميين بالاضطهاد وإضمار العداء نحوه، بل أُهينَ.
فتعالَ، وتأمل هذه الحالناحي اا تسميها؟ أهي مدنيةٌ وحضارة؟ أم هي محبة للعلم والمعرفة؟ أم هي وطنية؟ أم هي قومية؟ أم هي دعوة إلى التمسك بأهداف الجمهورية؟..
حاشَ للّٰه وكلا لا شيء من هذا قط!
بل هي قدر إلهي لماء هظهرَ من أهل العلم العداء لذلك الشخص فيما كان يتوقع الصداقة منهم لكيلا يدخل في علمه الرياءُ بسبب توقع الاحترام، وليفوز بالإخلاص.
الخاتمة
اعتداء محيّر تعالى ب الشكران!
إنَّ أهل الدنيا المتكبرين المغرورين غرورًا فوق المعتاد، لهم حساسيةٌ شديدة في معرفة الأنانية والغرور، بحيث لو كانت تلك المعاملة بشعورٍ منهم لكانت تعدّ كرامة أو دهاءً عظيمًا. وهي كالآتي:
إنَّ ما لا تشعر عر أن ي وعقلي من حالة غرور جزئية متلبسة بالرياء، كأنهم يشعرون بها بميزان غرورهم وتكبرهم الحساس فيجابهون غروري الذي لا أشعر به.
ففي غضون هذه السنين التسع تقريبًا لي ما يقارب التسع من التجارب، حتى إنني عقب معاملتهم الجائرة نحوي، كنت أفكر في القدكم الثهي وأقول: لماذا سلّط القدرُ الإلهي هؤلاء عليّ؟ فأتحرى بهذا السؤال عن دسائس نفسي. ففي كل مرة، كنت أفهم: أن نفسي، إما أنها مالت فطريًا إلى الغرور والتكبر من غير شعور مني. أو أنها غرّتني على علم. فكنت أقول حينذاك: إن القدر الإلهي ولق في حقي من خلال ظلم أولئك الظالمين. فمنها:
أنه في هذا الصيف، أركبني أصدقائي حصانًا جميلًا، فذهبتُ به إلى متنزه، وما إن تنبهت رغبة في نفسي نحو أذواق دنيوية مشوبة بالغرور من غير شعور مني حتى تعرّض أهل الدنيا لتلك الرغبة بشدة بحيث قطعوا دا البدعبل دابر كثير من رغبات أخرى في النفس.
— 244 —
وفي هذه المرة، بعد شهر رمضان المبارك وفي جو من إخلاص الإخوة الكرام وتقواهم واحترام الزائرين وحُسن ظنهم، عقب الالتفات الذي أولاه إمامٌ عظيم سامٍ من السابقين نحونا بزمان" غيبية، رغبتْ نفسي في أن تتقلد -دون شعور مني- حالةَ غرور ممزوج بالرياء، فأبدت رغبَتها مفتخرة تحت ستار الشكر، وفي هذه الأثناء تعرّض ليَ فجأة أهلُ الدنيا بحساسية شدتؤي أنتى كأنها تتحسس ذرات الرياء.
فإلى المولى القدير أبتهل شاكرًا لأنعمه، إذ أصبح ظلمُ هؤلاء وسيلةً للإخلاص.
وقُل ربِ أعوذُ بكَ من هَمزاتِ الشياطين ٭ وأعوذظيفته بِ أن يحضُرون
اللّٰهم يا حافظ يا حفيظ يا خير الحافظين، احفظني واحفظ رفقائي من شر النفس والشيطان ومن شر الجن والإنسان ومن شر أهل الضلالة وأهل الطغيان. آمين.. آمين.. آمين.
سُبْحه تحطّ لاَ عِلْمَ لَنَا اِلّا ما عَلَّمْتَنا اِنَّكَ اَنْتَ الْعَليمُ الْحَكيم
— 245 —
اللمعة الثالثة والعشرون
"رسالة الطبيعة"
كانت هذه الرسالة هي المذكّرة السادسة عشرة من "اللناجمٌ سابعة عشرة" إلّا أن أهميتها الفائقة جعلَتها "اللمعة الثالثة والعشرين" فهي تُبيد تيار الكفر النابع من مفهوم "الطبيعة" إبادة تامة وتُفتّت حجر زاوية الكفر وتحطّم ركيزته الأساس.
تنبيهلقد بيَّنَت هذه المُكر وااهيةَ المذهب الذي يسلكه الجاحدون من الطبيعيين، وأوضحَت مدى بُعد مسلكهم عن موازين العقل، ومدى سماجته وخرافيته، وذلك من خلال تسعة محالات مستخلَصة من تسعين محالًا في الأقل. ولما كان قسمٌ من تلك المحالات قد وضّح فالرياءل أخرى فقد جاء هنا مدرجًا ضمن محالات أخرى، أو جاء مختصرًا بعضَ الشيء.
والسؤال الذي يرد للخاطر هو: كيف ارتضى فلاسفةٌ مشهورون وعلماء معروفون بهذه الخرافة الفاضحة وسلّموا لها زمام عقولهم؟!
والجواب:إنَّ أولئك لم يتبينوا حقيقةَ مسلمنه وا(٭): إنَّ الداعي الأشد إلحاحًا إلى تأليف هذه الرسالة هو ما لمسته من هجوم صارخ على القرآن الكريم، والتجاوز الشنيع على الحقائق الإيمانية بتزييفها، وربط أواصر الإلحاد بالطبيعة، وإلصاق نعت "الخرافةبرَها كل ما لا تدركه عقولهم القاصرة العفنة... وقد أثار هذا الهجوم غيظًا شديدًا في القلب ففجر فيه حممًا سرت إلى أسلوب الرسالة، فأنزلت هذه الحمم والصفعات على أولئك الملحدين وذوي المذاهب الباطلة المعرضين عن الحق، وإلّا فليس من دأب "رسائل النور" إلّالُ الس الليّن في الخطاب والرفق في الكلام. (المؤلف).
ولا باطنَ مذهبهم، ولم يدركوا ما يقتضيه
— 246 —
مسلكهم من "محالات" وما يستلزمه مذهبهم من أمور فاسدة وممتنعة عقلًا، والتي ذكرت في بداية كل محال يرمة القذه الرسالة.
وأنا على استعداد كامل لإقامة البراهين الدامغة ونصب الحجج البديهية الواضحة لإثبات ذلك لكل مَن يساوره الشك، وأبينها لهم بإسهاب وتفصيل.
بسم اللّٰه الرحماقة إحيم
قَالتْ رُسُلُهم أفي اللّٰه شكٌ فاطِرِ السَمواتِ والارض
(إبراهيم: ١٠).
هذه الآية الكريمة بما فيها من استفهام إنكاري تدل دلالة قاطعة على الحرصللّٰه ووحدانيته بوضوح وجلاء بدرجة البداهة.
وقبل أن نوضح هذا السرّ نودّ أن ننبه إلى ما يأتي:
دعيتُ لزيارة "أنقرة" سنة ١٣٣٨(١٩٢٢م) وشستفاد رح المؤمنين وابتهاجهم باندحار اليونان أمام الجيش الإسلامي، إلّا أنني أبصرتُ -خلال موجة الفرح هذه- زندقةً رهيبة تدبّ بخبثٍ ومكرٍ، وتتسلل بمفاهيمها الفاسدة إلى عقائد أهل الإيمان الراسخة بغية إفسادها وتسميمها.. فتأسفتُ من أعماق روحي، وصرختُ مس بالان باللّٰه العلي القدير ومعتصمًا بسُور هذه الآية الكريمة، من هذا الغول الرهيب الذي يريد أن يتعرض لأركان الإيمان، فكتبتُ برهانًا قويًا حادًا يقطع رأس تلك الزندقة، في رسالة ب أي إالعربية واستقيت معانيها وأفكارها من نور هذه الآية الكريمة لإثبات بداهة وجود اللّٰه سبحانه ووضوح وحدانيته، وقد طبعتها في مطبعة "يَني كون" في أنقرة.. إلّا أنني لم ألمس آثار البر؛ التررصين في مقاومة الزندقة وإيقاف زحفها إلى أذهان الناس. وسبب ذلك كونه مختصرًا ومجملًا جدًّا، فضلًا عن قلة الذين يُتقنون العربية في تركيا وندرة المهتمين بها آنذاك، لذا فقد انتشرت أوهامُ ذلك الإلحاد واستشرت في صفوف الناس حروف فسف الشديد، مما اضطرني إلى إعادة كتابة تلك الرسالة ببراهينها بالتركية، مع شيء من البيان والتوضيح فكانت هذه الرسالة.
ولما كان بعض أقسام تلك البراهين قد وضّحت توضيحًا كافيًا في بعض "رسائل النون الاطذكرها هنا مجملة، كما أن البعض من البراهين الأخرى المبثوثة في ثنايا رسائل أخرى تبدو مندرجةً في هذه الرسالة، وكأن كل برهان منها جزء من هذه الرسالة.
#2ض الآخالمقدمة
أيها الإنسان!
اعلم أن هناك كلماتٍ رهيبة تفوح منها رائحةُ الكفر النتنة، تخرج من أفواه الناس، وترددها ألسنةُ أهل الإيمان دون علمهم بخطوخبر بهى ما يقولون، وسنبين ثلاثًا منها هي الغاية في الخطورة:
أولاها:قولهم عن الشيء: "أوجدته الأسباب" أي إن الأسباب هي التي توجِدُ الشيء المعين.
ثانيتها:قولهم عن الشيء: "تشكّل بنفسه" أي إن الشيء يتشكل من تلقاء نفسعقل، وجِد نفسَهُ، بنفسه وينتهي إلى صورته التي انتهى إليها كما هي.
ثالثتها:قولهم عن الشيء: "اقتضته الطبيعة" أي إن الشيء طبيعي، والطبيعة هي التي أوجدته واقتضته.
نعم، مادامت الموجودجونُ اجودةً وقائمة أمامنا بما لا يمكن إنكارها مطلقًا، وأن كل موجود يأتي إلى الوجود في غاية الإتقان والحكمة، وهو ليس بقديم أزلي، بل هو محدَث جديد.
فيا أيها الملحد! إما أنك تقول أن هذا الموجود -وليكن هذا الحيوان مثلًا- توجِده أسبابُ العالم، أي سابيع؟تسب الوجود نتيجة اجتماع الأسباب المادية، أو إنه تشكّل بنفسه، أو أنه يرد إلى الوجود بمقتضى الطبيعة ويظهر بتأثيرها! أو عليك أن تقول:
إنَّ قدرة الخالق القدير ذي الجلال هي التي توجِده؛ لأنه لا سبيل إلى حدوثه غير هعة تفسرق الأربعة، حسب موازين العقل، فإذا ما أُثبت -إثباتًا قاطعًا- أن الطرق الثلاثة الأولى محالةٌ، باطلة ممتنعة، غير ممكنة، فبالضرورة والبداهة يثبت الطريقُ الرابع، وهو طريق وحدانية الخالق بيقين جازم لا ريب فيه.
— 248 —
أما الطريق الأول:
بهقول بأن: "اجتماع أسبابِ العالم يخلق الموجودات ويوجدُها، ويؤدي إلى تشكيل الأشياء" نذكر منه ثلاثة محالات فقط، من بين محالاته الكثيرة جدًّا.
المحال الأول:ولنوضحه بهذا المثال:
تحوي الصيدلية مئات الدوارق والقناني المملوءة بموالمقصويمياوية متنوعة، وقد احتجنا -لسبب ما- إلى معجون حيوي من تلك الأدوية والمواد لتركيب مادة حيوية خارقة مضادة للسموم.. فلما دخلنا الصيدلية وجدنا فيها أعدادًا هائلة من أنواع ذلك االفتُه الحيوي، ومن تلك المادة الحيوية المضادة للسموم، وعندما بدأنا بتحليل كل معجون رأيناه مركبًا مستحضرًا بدقة متناهية من موادَّ مختلفة طبق موازين محمقررة:فقد أُخذ من تلك القناني درهم (غرام واحد) من هذه.. وثلاثة غرامات من تلك.. وعشرة غرامات من الأخرى.. وهكذا فقد أُخِذَ من كل منها مقاديرُ مختلفة، بحيث لو كان ما أُخِذَ منلك العلمقادير أقل منها بجزء من الغرام، أو أزيد، لفَقد المعجون خواصه الحيوية...
والآن جئنا إلى "المادة الحيوية المضادة للسموم" ودققنا فيها نظرًا كيمياويًا، فرأيناها قد ركّبت بمقادير معينة أُخذت من تلك القناني ام بوكْق موازين حساسة بحيث إنها تفقد خاصيتها لو غلطنا في الحساب فزادت المواد المركبة منها أو نقصت بمقدار ذرة واحدة.
نخلص من هذا:أنَّ المواد المتنوعة قد استُحضرت بمقادير مختلفة، على وفق موازين دقيقة. فهل يمكن أو يُعقل أن يتكون ذلك المعائج خيلمحسوب كلُّ جزء من أجزائه حسابًا دقيقًا من جرّاء مصادفة غريبة، أو من نتيجة تصادم القناني بحدوث زلزالٍ عاصف في الصيدلية يؤدي إلى سيلان تلك المقادير بموازينها أية أنة، واتحادها بعضها بالبعض الآخر مكونًا معجونًا حيويًا؟!. فهل هناك محالٌ أغرب من هذا وأكثر بعدًا عن العقل والمنطق؟! وهل هناك خرافة أخرق في واح وهل هناك باطل أوضح بطلانًا من هذا؟! والحمار نفسه لو تضاعفت حماقته ونطق لقال: يا لحماقة مَن يقول بهذا القول!.
وفي ضوء هذا المثال نقول: إنَّ كل كائن حي هو مركبٌ حيوي، ومعجون ذو حياة. وإن كل نبات شبيه بترياق حيوي مضاد للسموم إذ ركّب من فتضمد مختلفة ومن مواد
— 249 —
متباينة، على وفق موازين دقيقة في منتهى الحساسية.. فلا ريب أنَّ إسناد خلقِ هذا الكائن البديع إلى الأسباب المادية والعناصر، والقول بأن "الأسباب أوجدَته" باطلٌ ومدراية بعيد عن موازين العقل بمثل بُعدِ وبطلان ومحالية تكوّن المعجون الحيوي بنفسه من سيلان تلك المواد من القناني.
وحصيلة الذي قلناه آنفًا: ه للحيا المواد الحيوية المستحضرة بميزان القضاء والقدر للحكيم العليم في هذا العالم الكبير الذي هو صيدليةٌ ضخمة رائعة لا يمكن أن توجد إلّا بحكمةٍ لا حدّ لها، وبعلم لانهاية له، وبإرادة تشمل كل شيء لكائنابكل شيء، وإلّا فما أشقاه من يتوهم "أن هذه الموجودات هي نتاج عناصر الكون الكلية" وهي العمياء الصماء في جريانها وتدفقها، أو هي "من شؤون طبائع المواد" أو "من عمل الأسباب المادية"!.
لاشك أن صاحب هذا الوهم وراءه ى أشقياء العالم، وأعظمُهم حماقة، وأشدّ هذيانًا من هذيان مخمور فاقد للوعي عندما يخطر بباله أن ذلك الترياق العجيب قد أوجد نفسه بنفسه من جراء تصادم القناني وسيلان ما فيها!
نعم، إنَّ ذلك الكفر هذيانُ أحمقَ أن الن سكرانٍ.
المحال الثاني:هو أنه إنْ لم يُسنَد خلقُ كل شيء إلى الواحد الأحد القدير ذي الجلال، وأُسند إلى الأسباب المادية، يلزم عندئذ أن يكون لأغلب عناصر العالم وأسبابه دخلٌ وتأثير في وجود كل ذي حياة.
والحال الروحاماع الأسباب المتضادّة والمتباينة فيما بينها، بانتظام تام، وبميزان دقيق وباتفاق كامل في جسم مخلوق صغير -كالذباب مثلًا- هو محال ظاهر إلى حدّ يرفضه مَن له عقل بمقدار جناح ذبابة، ويَردّه قائلًا: هذا محال.. هذا باطل.. هذا غير ممكن..!
ذلك لأنّنين الالذباب الصغير ذو علاقة مع أغلب عناصر الكائنات، ومع أسبابها المادية، بل هو خلاصة مستخلصة منها، فإن لم يُسنَد إيجادُه إلى القدرة الإلهية المطلقة، يلزم أن تكون تلك الأسبابُ المأو "معاضرةً ومحتشدة جَنبَ ذلك الجسم مباشرة عند إيجاده، بل يلزم أن تدخل في جسمه الضئيل، بل يجب دخولُها في حجيرة العين التي تمثل نموذج الجسم، ذلك لأنَّ الأسباب إنْ كانت ماديةً يلزم أنْ تكلوحدان المسبَّب وداخلةً فيه، وعندئذٍ يقتضي
— 250 —
قبولُ دخول جميع العناصر وجميع أركان العالم مع طبائعها المتباينة في ذلك المسبّب دخولًا ماديًا، وعملها في تلك الحجيرة المتناهية في الصغر بمهارة وإتقان أفلا يخجل ويستحي من هذا القول حتى أشد السوفسطائيينع من ةً؟
المحال الثالث:هو أنَّ الموجود إنْ كانت له وحدة واحدة، فلابدّ أن يكون صادرًا من مؤثر واحد، ومن يدٍ واحدة، حسب مضمون القاعدة البديهية الرب من "الواحد لا يصدر إلّا عن الواحد". فإن كان ذلك الموجود في غاية الانتظام والميزان، وفي منتهى الدقة والإتقان، وكان مالكًا لحياة جامعة، فمن البداهة أنه لم يصدر من أي كأَنّددة قط -التي هي مدعاة الاختلاف والمنازعة- بل لابد أنه صادر من يد واحدة لواحد أحد قدير حكيم؛ لذا فإن إسناد الموجود، المنتظم، المتناسق، الموزون، الواحد، إلى أيدي الأسباب الطبيعية العمياء الصمّاء الجامدة غير المنضبطة، والتي لا شعور لها ولا ثالثة هي في اختلاط شديد يزيد من عماها وصممها، ثم الادعاء بأن تلك الأسباب هي التي تقوم بخلق ذلك الموجود البديع واختياره من بين إمكاناتٍ واحتمالات لا حدّ لها، أقول إنَّ قبول هذا الإسناد والادعاء هو -في الحقيقة- قبول لمائة محال ومحال، إذ هِّن نف كل البُعد عن جميع مقاييس العقل وموازينه..
دعنا نترك هذا المحال ونتجاوزه مؤقتًا، لننظر إلى تأثير "الأسباب المادية" الذي يتم بالتّماس والمباشياتهم ينما نرى أن تماسَّ تلك الأسباب الطبيعية هو تماسٌّ بظاهر الكائن الحي فحسب، ونرى أن باطن ذلك الكائن الذي لا تصل إليه أيدي تلك الأسباب المادية ولا يمكنها أن تمسّه بشيء، هو أدق نظامًا، وأكثر انسجامًا، من الظاهر، بل ألطفُ منه خلقًاق وأصل إتقانًا. بل الأحياء الصغيرة والمخلوقات الدقيقة التي لا يمكن أن تستوعب تلك الأسباب المادية قطعًا ولا تصل إليها أيديها ولا وسائلُها هي أ مضرمًتقانًا من أضخم المخلوقات وأبدع خلقًا منها.
فلا يكون إذن إسناد خلقها إلى تلك الأسباب العمياء الصماء الجامدة الجاهلة الغليظة المتباعدة المتضادّة إلّا عمًى ما بعده عمًى، وصممًا ليس ادية حصمم.
— 251 —
أما المسألة الثانية:وهي قولهم عن الشيء: "تشكّل بنفسه". فهي تنطوي على محالات كثيرة، ويتضح بطلانُها ومحاليتها من نواح كثيرة جدًّا إلّا أننا نتناول هنا ثلاثة محالات منها كنماذج ليس إلّا:
المحال الاليدينيها الجاحد العنيد! إنَّ طغيان غرورك، جعلك تتردى في أحضان حماقة متناهية، فتقدِمُ على قبول مائة محال ومحال!
إنك أيها الجاحد العنيد موجودٌ بلا شك، وإنك لست مادة بسيطة وجامدة تأبى التغيّر، بل أنت معمل عظيم متقن الصنع، أجهزتُه اهد واالتجدد. وأنت كالقصر المنيف، أنحاؤه دائمة التحول.. فذراتُ وجودك أنت تعمل دومًا وتسعى دون توقف، وترتبط بوشائج وأواصر مع مظاهر الوجود في الكون من حولك، فهي في أخذ وعطاء مع الكائنات، وبخاصة من حيث الرزق، ومن حيث بقاء النوع.
إنَّ الذرات العاقياس ب جسدك تحتاط من أن تخل بتلك الروابط، وتتحاشى أن تنفصم تلك العلاقات، فهي حذرة في تصرفها هذا، وتتخذ موقفًا ملائمًا لها على وفق تلك العلاقات كأنها تنظر إلى جميع الكائنات وتشاهدها، ثم تراقب موقعك أنت منها، وأنت بدورك تستفيد حسب ذلخلالٌ ع الخارق لتلك الذرات وتنتفع وتتمتع بمشاعرك وحواسك الظاهرة والباطنة.
فإن لم تعتقد أن تلك الذرات موظفاتٌ صغيرات لدى القدير الأزلي، ومأموراتٌ مسخرات منقادات يقة لانه سبحانه، أو هي جنود مجندة في جيشه المنظم، أو هي نهاياتُ قلم القدر الإلهي، أو هي نقاط ينقطها قلم القدرة الإلهية.. لزمك أن تقول إنَّ لكل ذرة عاملة -في عينك مثلًا- عينًا واسعة بصيرة، ترى جميعَ أجزاء جسدك ونواحيه،ل وخطأد جميعَ الكائنات التي ترتبط بها، وتعلم جميعَ ماضيك ومستقبلك، وتعرف أصلك وآباءك وأجدادك مع نسلك وأحفادك وتدرك منابع عناصرك، وكنوز رزقك.. فهي إذن ذات عقل جبار!!
فيا معطّل عقله في مثل هذه عضال إل! أليس في إسناد هذا العلم والشعور والعقل الذي يسع ألفًا من مثل "أفلاطون" إلى ذرةِ منَ لا يملك ذرةً من عقلٍ في هذه المسائل
(من أمثالك)، خرافة خرقاء، وبلاهة بلهاء؟!.
— 252 —
المحال الثاني:إنَّ جسمك أيها الإنسان يشبه قصرون فيهًا عامرًا، له من القباب ألف قُبَّةٍ وقُبَّة، وكل قُبَّةٍ من قبابه مُعَلقة فيها الأحجارُ، ومرصوصة بعضها إلى البعض الآخر في بناء محكَم دون عمد. بل إن وجودك -لو فكرت- هو أعا يلزم هذا القصر بألوف المرات، لأنَّ قصر جسمك أنت في تجدد مستمر يبلغ الكمال في الانتظام والروعة.
فلو صرفنا النظر عما تحمله من روح ومن قلب ومن لطائف معنوية وهي معجزةٌ بذاتها، وأخذنا بنظر الاعتبار والتفكر عضوًا واحدًا فقط من أي بشيء من من بين أعضاء جسدك نراه شبيهًا بمنزل ذي قبة. فالذرات التي فيه قد تعاونَت وتعانقت بعضها مع البعض الآخر، في انتظام تام، وموازنة كاملة -كالأحجار في تلك القباب- وكوذلك فقءً خارقًا، وصنعة رائعة بديعة، فأظهرت للعيان معجزة عجيبة من معجزات القدرة الإلهية "كالعين واللسان" مثلًا.
فلو لم تكن هذه الذرات مأمورةً منقادة لأمر الصانع القدير، فإن لقرآن منها إذن لابد أن تكون حاكمةً حُكمًا مطلقًا على بقية ذرات الجسد ومحكومةً لها حُكمًا مطلقًا كذلك، وأن تكون مثل كلٍ منها، وضدّ كل منها -من حيث الحاكمية- في الوقت نفسه وأن تكون مناط أغلب الصفات الجليلة قال الا يتصف بها إلّا اللّٰه سبحانه وتعالى، وأن تكون مقيدةً كليًا، وطليقةً كليًا في الوقت نفسه...
فالمصنوع الواحد المنتظم والمنسق الذي لا يمكن أن، كذلك-بسر الوحدة- إلّا أثرًا من آثار الواحد الأحد محالٌ أن يُسند إلى تلك الذرات غير المحدودة، بل هو مائة محال في محال...! يدرك ذلك كل من له مُسكةٌ محديث ع
المحال الثالث:إنْ لم يكن وجودُك هذا قد كتب بقلم الواحد الأحد القدير الأزلي، وكان مطبوعًا بمطابع الطبيعة والأسباب، فيلزم عندئذٍ وجود قوالب كل من بعددِ ألوف الألوف من المركبات المنتظمة العاملة في جسمك، والتي لا يحصرها العد، ابتداءً من أصغر الخلايا العاملة بدقة متناهية وانتهاءً بأوسع الأجهزة العاملة فيه.
ولفهم هذا المحال نأخذ الكتاب السين من أيدينا مثالًا، فنقول:
إنْ اعتقدتَ أنَّ هذا الكتاب مستنسخ باليد، فيكفي إذن لاستنساخه قلمٌ واحد، يُحرِّكه علمُ كاتبه ليدوّن به ما يشاء، ولكن إن لم يُعتقد أنه مستنسخ بالمؤلفلم يُسند إلى قلم الكاتب،
— 253 —
وافتُرِض أنه قد تشكّل بنفسه، أو أُسندت كتابتُه إلى الطبيعة، فيلزم عندئذٍ أن يكون لكل حرفٍ من حروفه قلمٌ معدني خاص به، ويكون عدد الأقلام بعدد تلك الحروف -بمثل وجود الحروف المعدنية في المطبعة والتي هي بعدالمحسووف وأنماطها- أي يلزم وجودُ أقلام بعدد الحروف بدلًا من قلم واحد للاستنساخ، وقد يكون هناك في تلك الحروف، حروفٌ كبيرة مكتوب فيها بخط دقيق ما في صحيفأزلي وة، فيلزم إذن لكتابة مثل هذه الحروف الكبيرة ألوف الأقلام الدقيقة.
والآن ماذا تقول لو كانت تلك الحروف متداخلةً بعضها بالبعض الآخر بانتظام كامل متخذةً هيأة جسدك وشكله؟! فيلزم عندئذٍ أن يكون لكل جزء من أجزاء كل دائرة من دوائره المذأما مروالبُ عديدةٌ بعدد تلك المركبات التي لا يحصرها العدّ!
هَبْ أنك تقول لهذه الحالة المتضمنة لمائة محال في محال، أنها ممكنةُ الحدوث! فحتى في هذه الحالة -على فرض إمكانها- أفلا يلزم لصنل يفوّالأقلام وعمل تلك القوالب والحروف المعدنية أقلامٌ وقوالب وحروفٌ بعددها لتصبّ وتسكب فيها إنْ لم يُسند صنعُها جميعًا إلى قلم واحد؟ ذلك لأنَّ جميعها مصنوعة لظاهرَ منتظمة، ومفتقرة إلى صانع ليصنعها، ومُحدِثٍ ليحدثها، وهكذا الأمر يتسلسل كلما أوغلت فيه. فافهم من هذا مدى سقم هذا الفكر الذي يتضمن محالات وخرافات بعدد ذرات جسمك!
فيا أيها بخط جم... عُد إلى عقلك وانبذ هذه الضلالة المشينة!
الكلمة الثالثة:والتي هي قولهم عن الشيء: "اقتضته الطبيعة". فهذا الحُكم له محالاتٌ كثيرة جدًّا، نذكر ثلاثة منها على سبيل المثال:
المحال الأول:هو الإتقان والإيجاد المتَّسمان بالبصيرة والحكمة الّٰه أان في الموجودات ظهورًا جليًا، ولاسيما في الأحياء، إنْ لم يُسندا إلى قلم "القدر الإلهي" وإلى قدرته المطلقة، وأسندا إلى "الطبيعة" العمياء الصماء الجاهلة وإلى "القوة" يلزم أن توجِدَ الطبيعةُ -من أجل الخلق- مطابعَ ومكائنَ معنوية لا حدّ لها في كل شسائس اتدرجَ في كل شيء قدرةً قادرة على خلق الكون كله، وحكمةً مدبرة لإدارة شؤونه كلها.
— 254 —
مثال ذلك:إنَّ تجلياتِ الشمس وانعكاساتِها الضوئية، وبريقَ لمعانها المشاهَد على قطرات الماء الرقراقة المتلألئة، أو على أن ال الزجاجية المتناثرة هنا وهناك على سطح الأرض، مما يخيل للناظر السطحي النظر أنها صورٌ لشُميسات مثالية. فإن لم تُنسَب هذه الانعكاسات واللمعات إلى الشمس الحقيقية التي تطالعنا بشعاعها الغامر يلزم الاعتقاد بشمس وجه ال فطرية صغيرة ظاهرية تملك صفاتِ الشمس نفسها وتتصف بخصائصها، موجودةٍ وجودًا فعليًا في تلك القطعة الزجاجية الصغيرة -التي لا تسع لأدنى شيء- أي يلزم الاعتقاد بوجود شموس بعدد ذرات القطع الزجاجية.
وفي ضوء هذا المثال نقول: إنْ لم يُسنَد خ (المؤموجودات والأحياء إسنادًا مباشرًا إلى تجليات أسماء اللّٰه الحسنى الذي هو نور السماوات والأرض يلزم الاعتقاد إذن بوجود طبيعةٍ وقوة تملكان قدرةً مطلقة وإرادة مطلقة مع علم مطلق وحكمةٍ مطلقة فيسر، ويجود من الموجودات، ولاسيما الأحياء، أي يلزم قبولُ ألوهية وربوبية في كل موجود.
فهذا النمط من التفكير المعوج لهو أشد بطلانًا من أي محا أسییی وأكثر خرافة منه، فالذي يسند ما أبدعه الخالقُ العظيم من صنعة رائعة دقيقة، ظاهرة جلية حتى في أصغر مخلوق إلى يدِ الطبيعة الموهومة، التافهة التي لا تملك شعورًا لا شك أنه يتردى بفكره إلى دمية، إ من الحيوان.
المحال الثاني:هو أنَّ هذه الموجودات التي هي في غاية الانتظام، وفي منتهى الروعة والميزان، وفي تمام الإتقان، وكمال الحكمة والاتّزان؛ إنْ لم تُسند إلى من هو قديرٌ مطلق القدرة، وحكيمٌ مطلق لانتشا، وأُسندت إلى الطبيعة، يلزم الطبيعة أنْ تحضر في كل حفنة تراب، معاملَ ومطابع بعددِ معامل أوروبا ومطابعها، كي تتمكن تلك الحفنة من أن تكون منشأ الأزهار والأثمار الجميلة اللطيفة؛ لأنَّ تلك .
فإش من التراب التي تقوم بمهمة مشتل صغير للأزهار تظهر قابلية فعلية لاستنبات وتصوير ما يلقى فيها بالتناوب من بذور جميع أزهار العالم وثماره، وبأشكالها، وهيئاتها المتنوعة، وألوانها الزاهية. فإن نزل وتد هذه القابلية إلى قدرة الفاطر الجليل القادر على كل شيء.. فلابد إذن أن توجد في تلك الحفنة ماكنة معنوية طبيعية خاصة لكل زهرة من أزهار العالم وإلّا لا يمكن درًا. ر ما نشاهده من أنواع الأزهار والثمار إلى الوجود!
— 255 —
إذ البذور -كالنطف والبيوض أيضًا- موادُّها متشابهة اختلط وعُجن بعضها ببعض بلا شكل معين وهي مولد الماء ومولد الحموضة والكربون والآزوت. علمًا أنَّ كلًا من الهواء والماء والحرارة والضوء أشياء ات حيولا تملك عقلًا أو شعورًا، وهي تتدفق كالسيل في كل شيء دونما ضابط. فتشكيل تلك الأزهار التي لا تحد من تلك الحفنة من التراب بصورها المتنوعة البديعة وأشكالها المختلفة الزاهية وبهيئاتها المتباينة الرائعة و وتشاهمنتهى الانتظام والإتقان تقتضي بالبداهة وبالضرورة أنْ توجد في تلك الحفنة من التراب مصانعُ ومطابعُ معنوية بمقاييس صغيرة جدًّا أكثر مما في أوروبا من مصانع ومطابع، كي تتمكن أن تنسج تلك المنسوجات الحية التي لا تعد، وتطرز تلك احيواناالزاهية المتنوعة التي لا تحصى.
فيا لبُعد ما يحمله الطبيعيون من فكرٍ إلحادي عن جادة العقل السليم! اعلم هذا، وقِسْ مدى بُعد أولئك الذين يدّعون أنهم عقلاء وعلميون عن موازين العقل والعلم بتوهمهم أنَّ الطبيعة موجِدةٌ للأشيبسم الولئك الذين اتخذوا خرافةً ممتنعة وغير ممكنة إطلاقًا، مسلكًا لهم، فاسخر منهم، واحتقرهم.
ولسائل أنْ يسأل:صحيح أنَّ محالات كثيرة، ومعضلات عظيمة تنجم المقصديُسند خلق الموجودات إلى الطبيعة، ولكن كيف تزول هذه المشكلات، وتنحل هذه المعضلات عندما نسند عملية الخلق برمتها إلى الواحد الأحد الفرد الصمد؟ وكيف ينقلب ذلك الامتناع الصعب إلى الوجوب السهل؟
الجواب:إنَّ تجليات الشمس وانعكاساتها -رة معنكرَ في المحال الأول- أظهرت نفسها بكل سهولة، ومن دون تكلف أو صعوبة في جميع المواد ابتداءً من الجامد الصغير المتناهي في الصغر -كقطع الزجاج- إلى أوسع السطوح للبحار والمحيطات، فأظه الثاى الكل فيضَها وأثرها في منتهى السهولة، وكأن كلًا منها شُميسات مثالية. فلو قُطعَت نسبةُ تلك الانعكاسات إلى الشمس الحقيقية، فلابد من الاعتقاد بوجود شمس مشاعره في كل ذرة من الذرات وجودًا ذاتيًّا خارجيًّا. وهذا ما لا يقبله عقل، بل هو ممتنع ومحال.
فكما أنَّ الأمر في المثال هو هكذا، كذلك إسنادُ خلق كل مو يمكن نادًا مباشرًا إلى الواحد الأحد الفرد الصمد فيه من السهولة المتناهية بدرجة الوجوب، إذ يمكن إيصال ما
— 256 —
يلزم أي موجود إليه، بكل سهولة ويسر، وذلك البدعتساب وبالتجلي. بينما إذا ما قُطع ذلك الانتساب، وانقلب الاستخدام والتوظيف والطاعة إلى الانفلات من الأوامر والعصيان، وترك كل موجود طليقًا يسرح كيفما يشاء، أو أُسند الأمر إلى الكن للإ فستظهر مئاتُ الألوف من المشكلات والمعضلات بدرجة الامتناع، حتى نرى أن خلق ذبابة صغيرة يقتضي أنْ تكون الطبيعةُ العمياء التي فيها مالكةً لقدرة مطلقة تتمكن بها من خلق الكون كله، وأن تكون -مع ذلك- ذات حكمةٍ بالغة تتمكن بها من إدارته، حيث إن الذبابولا بأ صغرها- بديعةُ الصنع، تنطوي على أغلب مكونات الكائنات وكأنها فهرس مختصر لها..
وهذا ليس بمحال واحد فحسب بل ألف محال ومحال..!
الخلاصة:كما أنه محالٌ ٍ من إٌ وجودُ نظيرٍ أو شريك للّٰه سبحانه وتعالى في ألوهيته، كذلك ممتنعٌ ومحال مثله أنْ تكون هناك مداخلةٌ من غيره في ربوبيته، أو مشاركة له من أحد في إيجاده الأشياء وخلقها..
أما المشكلات التي في "المحال الثاني" التي أثبتناها في عديدنية للرسائل؛ فهي: أنه إذا ما نُسِبَ خلقُ جميع الأشياء إلى الواحد الأحد، يسهل ذلك الخلق كما يسهل خلقُ شيء واحد. بينما إذا ما نُسِبَ الخلق إلى الأسباب وإلى الطبيعة يصبح خلقُ الشيمدة..
حد وإيجادُه مُشكلًا وصعبًا، كخلق الجميع. وحيث إننا سبق أن أثبتنا هذا ببراهين دامغة، نورد هنا ملخص برهان واحد فقط:
إذا انتسب أحدٌ إلى السلطان بالجندية أو بالوظيفة الحكومية، فإنه يتمكن من أن ينجز من الأمور والأعمال أضه الواعاف ما يمكنه إنجازُه بقدرته الشخصية، وذلك بقوة ذلك الانتساب السلطاني. فمثلًا يستطيع أن يأسر قائدًا كبيرًا باسم سلطانه، مع أنه جندي. حيث تحمل خزائنُ السلطان وقطعاتُ الجيش الأجهزةَ والأعتدة لما يقوم به من أعمال، فلا يحملها هو وحده، كما أنهلكنه مضطرًا إلى حملها. كل ذلك بفضل انتسابه إلى السلطان، لذا تظهر منه أعمالٌ خارقة كأنها أعمال سلطان عظيم، وتبدو له آثار -فوق ما تبدو منه عادةً- وكأنها آثارُ جيش كبير رغم أنه فرد. فالنملة -من حيث هذا الانتساب- تتمكن من تدمير قصر فرعون طاغٍ، ولبصر، ةُ تستطيع أن تهلك نمرودًا جبارًا بقوة ذلك الانتساب.. والبذرة
— 257 —
الصغيرة للصنوبر الشبيهة بحبة الحنطة تنشئ بذلك الانتساب جميعَ أجهزة شجرة الصنوبر الضخمة.
(٭): نعم، إذا حصل الانتساب، فإن تلك البالسوءِسلم أمرًا من القدر الإلهي، وتنال شرف النهوض بتلك الأعمال الخارقة، ولكن إذا انقطع ذلك الانتساب فإن خلق تلك البذرة يقتضي أجهزةً وقدرةً ومهارةً هي أكثر بكثير مما يحتاج ن الكررة الصنوبر الضخمة، وذلك لأنّ جميع أعضاء شجرة الصنوبر التي تكسو الجبال وتضفي عليها الجمال والروعة والتي تمثل أثرًا مجسمًا واضحًا للقدرة الإلهية، يلزم أن تكون موجودة في الشجرة المعنوية التي هي أثر القَدر والمند مضت ي تلك البذرة، لأن مصنع تلك الشجرة الضخمة يكمن في تلك البذرة، وأن ما في تلك البذرة من شجرة قدرية تتظاهر بالقدرة الإلهية في الخارج خارج البذرة وتتشكل شجرة صنوبر مجسمة. (المؤلف).
فلو انقطع ذلك الانتساالمسكيعفي الموجود من تلك الوظيفة، فعليه أنْ يحمل على كتفه قوة ما ينجزه من أعمال وينوء كاهله بلوازمها ومعداتها. وبذلك لا يمكنه القيام بأعمال سوى أعمال تتناسب مع تلك القوة الضئيلة المحدودة المحمولة على ذراعه، بما يناسب كميةَ المُعدات القلبزم البسيطة التي يحملها على ظهره، فلو طلب منه أنْ يقوم بأعمالٍ كان يقوم بها بسهولة ويسر في الحالة الأولى لأظهر عجزه، إلّا إذا استطاع أنْ يُحمّل ذراعَه قوة جيش ور العويردف على ظهره معامل أعتدة الدولة الحربية!!
إنَّ صاحب هذا الخيال السابح في فضاء الوهم والخرافة يتوارى خجلًا مما يقول.
نخلص من كل ما تقدسبحانه
أنَّ تسليمَ أمرِ كل موجود وتنسيبه إلى واجب الوجود سبحانه فيه السهولة التامة بدرجة الوجوب. أما إسنادُ إيجاده إلى الطبيعة فهو معضل إلى حدّ الامتناع وخارج عن دائرة العقل.
المحال الثالث:نوضح هذا المحال بمثالين قد بيّناهما فنه كانالرسائل؛ هما:
المثال الأول:يدخل إنسان بدائي ساذج التفكير، لم يكن يملك أي تصوّر حضاري مسبَقٍ؛ يدخل هذا الشخص قصرًا فخمًا بديعًا، يزهو بزينته، ويختال بأرقى ما وصلت إليه الحضارة من وسائل الأبَّهة والراحة، ويتلألأ بأضوائه في عتمةي السب خاليةٍ موحشة، فيدلف إليه، ويدور في أرجائه، فتشدَهُه براعةُ بنائه، ونقوش جدرانه، وروعة إتقانه.. وبكل سذاجة تصوره وبلاهته يمنح القصر حياةً، ويعطيه قدرةَ تشييد نفسه بغُرفه وأبهائه، وصوره الجميلة، ونقوشه الأخّاذة، لا لشيء إلّا لكي معضلصرًا عن تصور وجود أحد -خارج هذا القصر- وفي هذه الفلاة يمكنه أن ينسب إليه بناء هذا القصر، لذا فقد طفق يتحرى عن "الباني" داخل القصر لعله يعثر عليه بين أشياء القصر، فما من شيء وقع عليه بصرُه إلّا وتردد فيه وشكّ في
— 258 —
كونه قاستراليلى إيجاد مثل هذا القصر الذي يملأ أقطار النفس والعقل بروعة صنعه، وجمال بنائه. وتقوده قدماه إلى زاوية من زوايا القصر ويعثر فيها فجأةً على دفتر ملاحظات كان قد دونت فيه خطة مفصلة لعملية بناء القصر، وخُطّ فيه أيضًا فهرس موجودارط الصانين إدارة ممتلكاته. ورغم أن ذلك الدفتر كمثل المحتويات الأخرى الموجودة في القصر، ليس من شأنه تشييد القصر وتزيينه، إذ لا يملك يدًا يعمل بها، ولا بصيرةً يبصر بها، إلّا أنه تعلق به إذ وجده متطابقًا بمحتوياته، مع مج، كذلكشياء القصر، ومنسجمًا مع سير العمل فيه -إذ هو عنوان القوانين العلمية- لذا قال مضطرًا: "إن هذا الدفتر هو الذي شيّد هذا القصر ونظّمه وزيّنه، وهو الذي أ وهي أأشياء فيه ورتبها هذا الترتيب ونسقها هذا التنسيق"... فكشف بهذا الكلام عن مدى عُمق جهله، وتأصل حماقته.
وعلى غرار هذا المثال تمامًا، يدلف إلى قصر العالم العظيم -الذي هو أدق نظامًا وأكملُ إتقانًا، وأا أن تنعًا، وأزهى جمالًا، من ذلك القصر الصغير المحدود المذكور آنفًا في المثال، حيث لا يقبل المقايسة والموازنة معه، فكل ناحية من نواحيه تشع معجزاتٍ بديعةً وحكمًا ساميةً- يدلف واحد ممّن يدينون بفكرة الطبيعة وينكرون عظمة الألوهية إلى هذا القالدنياضعًا في ذهنه -مُسبَقًا- الإعراض عما هو مبثوث أمامه من آثار صنعة اللّٰه سبحانه المنزّه عن المخلوقات، المتعالي عن الممكنات.. ويبدأ بالبحث والتحري علرزق إب "الموجد" ضمن الممكنات والمخلوقات! فيرى قوانينَ السنن الإلهية، وفهارسَ الصنعة الربانية. والتي يطلق عليها خطأً -وخطأً جسيمًا- اسمَ الطبيعة التي يمكن أن تكون شبيهةً بصفحة من كراسة المتغيرة والمتبدلة لقوانين إجراءات القدرة الإلهية، وبمثابة لود إليهمحو والإثبات" للقدر الإلهي، ولكنه ينبري إلى القول:
مادامت هذه الأشياء مفتقرةً إلى علّةٍ موجِدةٍ، ولا شيء أعظم ارتباطًا بها، من هذه "الكراسة" فإنّي أخلُص من ذلك إلى أن هذه "الكراسة" -بما تتإليه تن قوانين المحو والإثبات- هي التي أوجدت الأشياء، مادام لا يطيبُ لي الاعتقاد والإيمان بالصانع الجليل سبحانه. برغم أنَّ العقل المنزّه عن الهوى يرفض كإليه مضمن منطقه- أن ينسب شؤون الربوبية المطلقة -والتي تقتضي قدرةً مطلقةً- إلى هذه "الكراسة" العمياء الصماء العاجزة.
— 259 —
ونحن نقول: يا أحمق من "هَبَنَّقة"! [٭]: مثل يضرب لشدة الغباء والحماقة. ومن حُمْقه أنه جعل في عُنُقه قِلادة من وَدَع وعِظلثانيةَزَف، وهو ذو لحية طويلة، فسُئِل عن ذلك، فقال: لأعرف بها نفسي، ولئلا أضل، فبات ذات ليلة وأخَذَ أخوه قلادتَه فتقلَّدها، فلما أصبح ورأى ا بينهم في عنق أخيه قال: يا أخي أنت أنا فمن أنا؟. (الميداني، مجمع الأمثال ١١٦٩؛ العسكري، جمهرة الأمثال ١/٣٨٥ ؛ الزمخشري، المستقصى ١/٨٥). أطِلَّ برَ الظا تحت مستنقع الطبيعة.. لترى الصانع الجليل الذي تشهد له جميعُ الموجودات، من الذرات إلى المجرات، بألسنة متنوعة، وتشير إليه إشارات مختلفة..وتحيط تجليات ذلك المصوّر الجليل الذي شيّد قصر العالم الباذخ، ودوّن خطته وبرنامجه وقوانينه في تلك الكراسة.. وأنقذ نفسك من ذلك الهذيان الآثم الرخيص!
المثال الثاني:يمدّ السانٌ معزولٌ عن عالم المدنية والحضارة، وسط معسكر مهيب، فيبهرُه ما يشاهد من تدريبات متنوعة يؤديها -بغاية الانتظام والإتقان ومنتهى الطاعة والانقياد- جنودُ هذا المعسكر، فيلاحظ حركاتهم المنسقةَ وكأنها حركة واحدة يتحرك الجميع -فوجًا ولواءًول الإً- بحركةِ فرد واحد منهم، ويسكن الجميعُ بسكونه، يطلق الجميع النار إطلاقًا واحدًا إثر أمر يصدره ذلك الفرد.. فحارَ في أمره، ولم يكن عقله الساذج ليدرك أنَّ قيادة قائد عظيم هو الذي ينفذ أوامره بأنظمة الدولة و لأجل السلطان، فتخيل حبلًا يربط أولئك الجنود بعضهم بالبعض الآخر.. ثم بدأ يتأمل خيالًا، مدى أعجوبة هذا الحبل الموهوم. فزادت حيرتُه واشتدّ ارتباكه. ثم يمضي إلى شأنه.
ويدخل جامع "آيا صوفيا" العظيم، يوم الجمعة َلَق س جموعَ المصلّين خلف رجل واحد يمتثلون لندائه في قيامهم وقعودهم وسجودهم وركوعهم، ولمّا لم يكن يعرف شيئًا عن الشريعة الإلهية، والدساتير المعنوية لأوامر صاحب الشريعة، فإنه يتصور، بأن هذه الج لإفسارتبطة ببعضها البعض بحبال مادية، وأن هذه الحبال قد قيدت حركة الجماعة وأسَرتهم، وهي التي تحركهم وتوقفهم عن الحركة.
وهكذا يمضي إلى سبيله وقروحُ آأ ذهنُه بأخطاء تصوراته، التي تكاد تثير الهزء والسخرية حتى لدى أشد الناس وحشية وهمجية.
ففي ضوء هذا المثال: يأتي ملحدٌ إلى هذا العالم الذي هو معسكر مهًا من ع لجنود
— 260 —
السلطان الجليل، وهو مسجد عظيم بارع يعظَّم فيه ذلك المعبود الأزلي ويقدَّس؛ يأتيه وهو يحمل فكرة "الطبيعة" الجاحدة ذلك الجهل المطبق..
فيتصور "القواالمنكِمعنوية" التي يشاهد آثارَها في ربط أنظمة الكون البديع، والنابعة من "الحكمة" البالغة للبارئ المصور سبحانه، يتصورها كأنها قوانين مادية، فيتعامل معها في أبحاثه كما يتعامل مع المواد، والأشياء الجا الموا ويتخيل أحكام قوانين الربوبية التي هي قوانين اعتبارية ودساتير الشريعة الفطرية الكونية للمعبود الأزلي، والتي هي بمجموعها معنوية بحتة، وليس لها وجود سوى وجود علمي، يتخيلها وكأنها موجودات خارجية ومواد مادية..
بلاء،تلك القوانين الصادرة من العلم الإلهي والكلام الرباني التي لها وجود علمي فقط مقام القدرة الإلهية، ويملّكها الخلق والإيجاد، ويطلق عليها اسم "الطبيعة"، متصورًا القوة التي هي تجلٍ من تجليات القدرة الربانية، أنها صاحبة قدرة فاعلة، وقديرًا إنه ك القدرة بذاتها:
أ فبعد هذا جهالة وغباء؟ أوَ ليس هذا جهلًا بأضعاف أضعاف ما في المثال؟!
الخلاصة:إنَّ الطبيعة التي يتعلق بها الطبيعيون ذلك الأمر الموهوممدّها ليس له حقيقة، إنْ كان ولابد أنها مالكة لوجود حقيقي خارجي فإن هذا "الوجود" إنما هو صنعةُ صانعٍ ولن يكون صانعًا، وهو نقشٌ ولن يكون نقاشًا، ومجموعة أحكام ولن يكون حاكمًا، وشريعة فطرية ولن يكون حسراتٍ، وستار مخلوق للعزة، ولن يكون خالقًا، وفطرة منفعلة ولن يكون فاطرًا فاعلًا، ومجموعةُ قوانين ولن يكون قادرًا، ومِسطَر ولن يكون مصدرًا.
وحاصل الكلام:مادامت الموجودات موجودةً فعاية مشالعقل يعجز عن تصور أكثر من أربعة طرق للوصول إلى حدوث الموجود -كما ذكرنا ذلك في المقدمة- وقد أثبتَ إثباتًا قاطعًا بطلان ثلاثة من تلك الطرق الأربعة، وذلك ببيان ثلاثة محالات ظاهرة جلية في كل منها، فلابد وبالضرورة والبدا تنزل يثبت بيقين لا سبيل مطلقًا إلى الشك فيه الطريق الرابع، وهو طريق الوحدانية ذلك الطريق الذي تنيره الآية الكريمة:
أفى اللّٰه شَییكٌ فاطرِ السمواتِ والارضِ ..
(إبراهيم: ١٠). والتي تدل بداهةً ويقينًالة وموجود واجب الوجود،
— 261 —
وعلى ألوهيته المهيمنة، وعلى صدور كل شيء من يد قدرته، وعلى أن مقاليد السماوات والأرض بيده سبحانه وتعالى.
فيا عابد الأسباب! أيها المسكين المفتون بالطبيعة!
ما دامت طبيعةُ كل شيء مخلوقة كفتكون نفسه، لأن تكونَها محدَثٌ -غير قديم- وعليها علامةُ الصنعة والإتقان، وأن سبب الظاهري لهذا الشيء هو أيضًا مصنوع حادث. ولما كان وجود أي شيء مفتقرًا إلى وسائلَ وآلات وأجهزهادة اة جدًّا..
فلابُدّ من قدير مطلق القدرة ليخلق تلك الطبيعة في الشيء، ويُوجِد ذلك السبب له، ولا بد أن يكون -هذا القدير المطلق القدرة- متراب فا غناءً مطلقًا، فلا يشرك الوسائط العاجزة في إيجاده للشيء وفي هيمنة ربوبيته عليه.
فحاشَ للّٰه أنْ يكون سواهُ القدير المستغني المتعال، بل هو سبحانه وتعالى يخلق المسبّب والسبب معًا من علوّه خلدمجة فاشرًا، ويوجِد بينهما سببية ظاهرية وصورية، ويقرن بينهما من خلال ترتيب وتنظيم، جاعلًا من الأسباب والطبيعة ستارًا ليد قدرته الجليلة، وحجابًا لعظمته وكبريائه، ولتبقى عزتُه من "سعيدمقدسة في عليائها، ويجعل تلك الأسباب موضعَ الشكوى لما يتراءى من نقائص، ولما يتصور من ظلم ظاهري في الأشياء.
أيهما أسهل على الفهم، وأقرب معقوليةً إلى الذهن: تصور "ساعاتالتي يع تروس الساعة ومعداتها، ثم ينظمها على وفق ترتيب تروسها، ويوازن بين حركات عقاربها بدقة متناهية، أم أن نتصور الساعاتي يصنع في تروس الساعة وعقاربها ودقيق آلاتها ماكنة خارقة الفِعارضى الّمُ صنع الساعة إلى جمادية أيديها؟! قل معي: أليس هذا كلامًا فارغًا ومحالًا وخارجًا عن حدود الإمكان؟ فيها قل لي بعقلك المجحف وكُنْ أنت القاضي والحَكم.
وأيهما ية من حستساغًا ومقبولًا في منطق العقل: تصور كاتب يخط كتابًا بنفسه بعد أن يحضر لوازم الكتابة؛ من مِداد وقلم وورق، أم تصور إيجاد ذلك الكاتب مطبعة خاصة بذلك الكتاب وهي أعقد وأدق من الكتاب نول الكرك لها أمر كتابة هذا الكتاب فيخاطبها قائلًا: هيا اشرعي أنت بكتابة الكتاب.. من دون تدخل من قبله؟
— 262 —
أليس مثل هذا التصور السقيم مُعضلًا عقلًا؟ ومشكلًا بأضعاف أماوتِ اابة نفسها؟!
وإذا قلت:إنَّ إيجاد مطبعة لطبع الكتاب أعقد وأصعب من الكتاب نفسه، إلّا أنّ ماكنة المطبعة، قادرة على إصدار آلاف النسخ من الكتاب في مدة قصيرة. وهذا وسيلة التيسير.
الجواب:إن البارئ المصور سبحانه قد خل وإن اته المطلقة، بتجديد تجليات أسمائه الحسنى وإظهارها على أشكال مختلفة، تشخصات الأشياء وملامحها، الخاصة بها، بحيث لا يشبه مخلوق مخلوقًا آخر تشابهًا تامًا ومتطابقًا قط، وهو كتابٌ ة بشيع، ومكتوبٌ رباني.
نعم، إنه لأجل أن يفي كل مخلوق بمعاني وجوده، لابدّ أن يملك سيماءً يُعرف بها ويخالف بها الآخرين، وملامحَ تباين ملامح غيره. فانظر ودقق النظر في ليًا -إنسان ترَ أن علاماتٍ فارقة قد احتشدت في هذا الوجه الصغير، بحيث تميز هذه العلامات صاحبها عن جميع الوجوه الأخرى المتتابعة منذ زمن آدم عليه السلام حتى اليوم، وإلى الأبد، رغم التشابه والاتفاق في الماهية الإنسانية، والكينونة البشر وعلى ذا واضح جلي وثابت قطعًا.
فملامح كلّ وجهٍ كتابٌ خاص بالوجه نفسه، وهو كتابٌ مستقلٌ بذاته عن غيره.. فلأجل إخراج هذا الكتاب الخاص، وإتقان صنعه وتنظيمه، يستوجب الأمر وجودَ مجموعة أبجدية كاملة من الحروف، ومناسِبة حجمًا له، ويتطلب تنضيد هذه الُ والأي مواضعها من لوحة التنضيد، ليتم بعد ذلك مؤلف خاص بهذا الوجه يخالف تأليف الآخرين.
ويستلزم هذا الأمر جلب موادِّ صُنعه الخاصة به، ثم وضعها في أماكنها المخصصة لها، ثمّ إدراج كل ما يلزم وجود هذا اةً قويفي الوجه نفسه- من عناصر البناء. وهذا كله لاشك يحتاج إلى مصنع مستقل خاص به أي إلى مطبعة خاصة في كل أشيائها لكل وجه من الوجوه، ثم أَلاَ تحتاج هذه المطبعة الخاصة شخيص ذرض وجودها- إلى تنظيم معين، وتنسيق مخصوص، فأمر الطبع نفسه -دع عنك تنسيق الحروف وترتيبها وتنظيمها- هو أيضًا بحاجة إلى تنظيم؟..
فالمواد الموجودة في جسم كل كائن حي هي أكثر تعقيدًا وأدق تنظيمًا من مواد المطبا وإشاظيمها بمئات الأضعاف، فجلب هذه المواد من أقطار العالم، ضمن حسابات معينة، وموازين دقيقة، ثم تنضيدها حسب مقتضيات الحاجة إليها، وأخيرًا وضعها تحت يد تلك
— 263 —
المطبعة... هذه ال الإماالطويلة من الإجراءات تحتاج -أولًا وقبل كل شيء- إلى موجِد يوجد تلك المطبعة المفترضة، وليس هو إلّا القدرة الفاطرة للخالق القدير وإرادته النافذة.
إذن فاحتمال كون الطبيعة كأنها مطبعة، خرافة فاضحة لا معنى لها على الإطلاق.!
وهكذا على غرب لي هشاهدناه في مثال "الساعة والكتاب": إنَّ الصانع ذا الجلال وهو القادر على كل شيء، هو نفسه خالق الأسباب، وخالق المسبّبات، وهو الذي يربط المسبّبات بالأسباب بحكمته سبحانه، وقد عين بإرادته طبيعة الأشياء، وجيم لا رآة عاكسة لتجليات الشريعة الفطرية الكبرى التي فطر عليها الكون، والتي هي قوانين اللّٰه وسننه الجارية التي تخص تنظيم شؤون الكون، وقد أوجد بقدرته وجه "الطبيعة" التي يقوم عليها عالم الشالحُسنلخارجي الوجود، ثم خلق الأشياء وأنشأها على تلك الطبيعة ومازج بينهما بتمام الحكمة.
والآن نحيل الأمر إلى إنصاف عقلك المجحف ليرى: أيهما يستسيغه عقلك ويسهل عليه الاعتقاد به؟ أ سه اللحقيقة المعقولة النابعة من براهين دامغة غير محدودة -وهي مُلزمة إلى حدّ الوجوب- أم إعطاء ما يلزم للأشياء من أجهزة وأعضاء لا تحد، وإسناد أعمال تتسم بالحكمة والبصيرة إلى الشيء نفسه؟! أو نسبتها إلى ما تسمونه بی"الطبيعة" والأسبابالبعوضهي مواد جامدة خالية من الشعور وهي مخلوقة مصنوعة؟ أليست هذه خرافة ممتنعة وخارجة عن نطاق الإمكان؟
يجيب عابد الطبيعة -ذلك الجاحد- قائلًا: ما دمت تدعوني إلى الإنصاف فأنا أعترف: بأنَّ ما سلكناه من طريق مضلّ إلى وهيته ثلما أنه محال بمائة محال فهو مضر أيما ضرر، وهو في منتهى القبح والفساد. إنَّ مَن كان له مسكة من عقل يدرك من محاكماتكم العقلية، وتحقيقاتكم العلمية المسندة بالبراهين والمذكورة آنفًا، أن إسناد الإيجاد عليَّ إلى الأسباب وإلى الطبيعة ممتنع عقلًا ومحال قطعًا، بل الواجب والضروري الملزم للعقل هو إسناد كل شيء مباشرة إلى واجب الوجود سبحانه، فأحمد اللّٰه الذي هداني إلى هذا الالنبوة
ولكن بقيتْ لدىّ شبهة واحدة فقط وهي: أنني أُؤمِن باللّٰه ربًّا وأنه خالق كل شيء، ولكني أتساءل: ماذا يضر عظمتَه سبحانه، وماذا يضر سلطانه جلّ وعلا، أن نتوجه ببعض
— 264 —
المدح والثناء إلى بعض الأسباب الجزئية في إيجادها الأشياء الصغيرة التافهة، ففي "رسص ذلك شيئًا من سلطانه سبحانه وتعالى؟!
والجواب:كما أثبتنا في قسم من الرسائل إثباتًا قاطعًا: أنَّ شأن الحاكمية "ردُّ المداخلة" ورفضُها كليًا، بل إن أدنى حاً حيوا أي موظف بسيط لا يقبل تدخلًا حتى من ابنه ضمن حدود حاكميته، بل إن توهم التدخل في الحاكمية قد دفع بعض السلاطين إلى قتل أولادهم الأبرياء رغم أنهم كانوا على شيء من التقوى والصلاح، ً ضئيلظهر مدى أصالة هذا القانون -قانون ردّ المداخلة- في الحاكمية، فهو سارٍ في كل شيء ابتداءً من متخاصمَين في تسنم إدارة ناحية صغيرة إلى سلطانَين يتنازعان للتفرد بالسلطة في البلاد، وك#46
د أظهر -بما لا يقبل الشك- ما يقتضيه استقلال الحاكمية من قانون "منع الاشتراك"، وأوضح نفوذَه وقوته خلال تاريخ البشرية الطويل، وما أدى إليه من اضطراب وقتل وتشريد وأنهار من الدماء المهراقة.
تأمل في الإنسان الذي هوَ اْلأعن إدارة نفسه ومفتقر إلى التعاون مع الآخرين، ولا يملك من الحاكمية والآمرية إلّا ظِلًا باهتًا، فهو يردُّ المداخلة إلى هذه الدرجة، ويمنع تدخل الآخرين إلى هذا المن الكرفض مشاركةَ الآخرين في حاكميته، ويسعى بما لديه من قوة للتشبث باستقلالية مقامه، تأمل في هذا، ثم انظر إلى الحاكم المطلق وهو مستوٍ على عرش الربوبية، والآمر المطلق وهو المهيمن بالألوهية، والمستقل المطلق بالفردية والأحدية، وهو المستغني المطلق الكتاية مطلقة، ذلكم اللّٰه ربنا ذو الجلال..
فكم يكون لازمًا وضروريًا "ردّ المداخلة" هذه بالنسبة إليه، ومنع الاشتراك وطرد الشريك في حاكميته المطلقة، وكم هو من لوازم هذه الحاكمية ومة النف وجائبها؟
فقارن الآن ووازن بين حاكمية الإنسان المحدودة الضيقة المفتقرة إلى الآخرين وحاكمية اللّٰه المطلقة الغنية المهيمنة الشاملة.
أما الشق الثاني من شبهتك وهو أنه: إذا قُصِدَ "بعضُ الأسباب" ببعض العباة، فإنبعض الأفراد، فهل ينقص ذلك شيئًا من عبادة المخلوقات المتوجهة جميعًا إلى اللّٰه القدير، ابتداءً من الذرات وانتهاءً بالسيارات والمجرّات؟!
فالجواب:أنَّ الخالق الحكيم العليم سبحانه، قد خلق هذا الكون بمثابة شجرة، وجعل
— 265 —
أرباب الشعور ثمارها البالغيب وكرّم الإنسان باعتباره أجمع ثمرة لأرباب المشاعر، وجعل الشكر والعبادة أفضل ما تثمره حياة الإنسان، بل هما -الشكر والعبادة- نتيجة خلقه وغاية فطرته وثمرة حياته.
فهل يمكن عقلًا لهذا الحاكم المي إن كلآمر الفرد، وهو الواحد الأحد، أن يسلّم أمر الإنسان الذي هو ثمرة الكون كله إلى غيره من "الأسباب" ويسلم ثمرة حياته -وهي الشكر والعبادة- إلى الآخرين، بعدما خلق الكون كله لمعرفة ألوهيته، ولمحبة ربوبيته، فهل يمكن أأنه طو نتيجة الخلق، وثمرة الكون تسقط بين أشداق عفونة العبث؟! حاشَ للّٰه وكلا، سبحان اللّٰه عمّا يشركون.
ثم هل يمكن أن يرضى سبحانه بما يخالف حكمته وربوبيته بجعل بعض الأسباب مقصودةَ عبادةِ المخلوقات؟ علمًا بأنه سبحانه وتعالى قد أشهر نفسه وعرالاختلحبّبها بأفعاله وألطافه في هذا العالم.
فكيف يرضى سبحانه -بعد هذا كله- أنْ يدع تحبّب أفضل مخلوقاته وأكملهم عبودية وشكرًا وحمدًا إلى غيره من المخلوقات، وكيف يسمح لمخلوقاته أن تنساه بعد أن أظنْ شَيعاله مقاصده السامية في الكون: وهي معرفته، ثم عبادته؟ حاشَ وكلا، فسبحان اللّٰه عما يقولون علوًا كبيرًا.
ماذا تقول أيها الصديق بالذي سمعته آنفًا؟
وإذا به يجيب فيقول: الحمد لى غيرالذي سَهّل لي حَلَّ هاتين الشبهتين، فقد أظهرتَ لي في وحدانية اللّٰه، المعبود الحق والمستحق للعبادة وحده، دليلين قويين ساطعين لا يمكن إنكارهما، وهل ينكر ضوء الى صلوالنهار إلّا مكابر معاند؟!
— 266 —
الخاتمة
يقول "رجل الطبيعة" وقد ترك وراءه فكره وتصوراته، ودخل "حظيرة الإيمان" بفكر إيماني جديد:
الحمد للّٰه.. أشهد أنلكها حتي قد زالت كلها، ولكن مازال في النفس ما يحيرني ويثير المزيد من هواجسي، مما يرد على خاطري من أسئلة لا أعرف جوابًا عنها.
السؤال الأول:نسمع من كثير من الكسالى المتقاع المرا العبادات، ومن تاركي الصلاة بخاصة، أنهم يقولون:
ما حاجة الرب سبحانه وتعالى -الغني بذاته- إلى عبادتنا حتى يزجرنا في مُحكم كتابه الكريم، ويتوعّدنا بأشد العذاب في نار جهنم، فكيف يتساوق هذا الأسلوب -التهديدي الصاعق في مثل كورة قخطأ الجزئي التافه- مع أسلوبه الإعجازي اللين الهادئ الرقيق في المواضع الأخرى؟
الجواب:حقًا إن اللّٰه سبحانه وتعالى -الغني بذاته- لا حاجة له قط إلى عبادتك أنت -أيها الإنسان- بل هو سبحانه لا حاجة له لشيء قط، ولكنك أنت المحتاج إلى العبادة، وأنيحول عتقر إليها. فأنت مريضٌ معنًى، والعبادة هي البلسم الشافي لجراحات روحك، وأوجاع ذاتك، وقد أثبتنا هذا الكلام في عديد من الرسائل.
تُرى لو خاطب مريضٌ طبيبًا رحيمًا يشفق عليه ويصر عليه ليتناول دواءً شافيًا يخص مرضه الوجواطبه تجاه إصراره عليه قائلًا: ما حاجتك أنت إلى هذا الدواء حتى تلحّ عليّ هذا الإلحاح الشديد بتناول الدواء؟ ألا يفهم من كلامه مدى تفاهته وسخفه وغباء منطقه؟
أما نذير القرآن الكريم فيما يخص ترك العبادة وتهديده المخيف وسيلةٍ أليم، فإليك تفسيره: فكما أنَّ سلطانًا يعاقب شخصًا سافلًا يرتكب جريمةً تمس حقوق الآخرين بعقابٍ صارمٍ لأجل الحفاظ على حقوق رعاياه، كذلك سلطان الأزل والأبد يعاقب تارك العبادة قات واة عقابًا صارمًا، لأنه يتجاوز تجاوزًا صارخًا على حقوق الموجودات ويظلمها ظلمًا
— 267 —
معنويًّا بشعًا ويهضم حقوقها هضمًا مجحفًا، تلك الموجودات التي هي رعاياه وخلقه. وذلك لأن كمالاتها تتظاهر على صورة تسبيح وعبادة في وجهها المتوجه إلى البارئ الحكيمها ثابه. فتارك العبادة لا يرى عبادة الموجودات ولن يراها، بل ينكرها وفي هذا بخس عظيم لقيمة الموجودات التي كلّ منها مكتوب سامٍ صمداني، قد خطّ بآيات العبادة والتسبيح وهو متوجه بآياته وتسبيحه نحو الموجد الخالق جلّ وعلا.. وكل منها -أيضًا- مإنَّ لجلي الأسماء الربانية المشعة بالأنوار.. فينزل هذه الموجودات -بهذا الإنكار- من مقامها الرفيع السامي، ولا يرى في وجودها سوى العبث الخالي من العداءُ ويجردها من وظائفها الخلقية، ويظنها شيئًا هامدًا ضائعًا لا أهمية له، فيكون بذلك قد استهان بالموجودات واستخف بها، وأهان كرامتها وأنكر كمالاتها. وتعدى على مصداقية وجودها.
نعم، إن كل إنسان إنما ينظر إلى الكون بمنظاره الخاص ورةٌ فعق ما تصوره له مرآته الخاصة، فلقد خلقه البارئ المصور سبحانه على صورة يستطيع قياس الكون عليها، ويزنه بميزانها. فمنحه عالمًا خاصًا به من هذا العالم العظيم فيصطبغ عالمه الخاص بحسب ما يعتقده الإنسان من عقيدة في قلبه.
فالإنسان الحزين اليائس البين المى الموجودات باكية بائسة، بينما السعيد الجذلان يراها مبتسمة ضاحكة ومسرورة.
كذلك الذي يؤدي العبادة والأذكار بصورة جادّة وبشعور تام وبتفكر وتأمل، فإنه يكشف شيئًا من دسة واالموجودات وتسابيحها بل قد يراها وهي حقيقة موجودة ثابتة، أما الذي يترك العبادة غافلًا أو منكرًا لها فإنه يتوهم الموجودات توهمًا خاطئًا جدًّا ومنافيًا كليًا ومخالفًا مخالفة تامة لحقيقة كمالاتها، فيكون متعديًا على حقوقها معنًى.
زد على ي وانظإن تارك الصلاة يظلم نفسه كذلك بتركه الصلاة، حيث إنه غير مالك لذات نفسه، فهي -أي النفس- عبدٌ مملوك لدى مالكها ومولاها وخالقها وفاطرها، لذا ينذره مولاه الحق من شيا شديدًا ويهدده بعنف ليأخذ حقّ عبده ذاك من نفسه الأمّارة بالسوء، فضلًا عن أنه عندما ترك العبادة التي هي نتيجة خلقته وغاية فطرته يكون متجاوزًا حدّه تجاه الحكمة الإلهية والمشيئة الربانية، لذا يعاقب على هذا عقابًا شديدًا.
— 268 —
حركة ما تقدم:أنَّ تارك العبادة مثلما أنه يظلم نفسه، والنفس مملوك الحق سبحانه وعبده فهو يتعدى على حقوق كمالات الكائنات ويظلمها أيضًا. نعم، فكما أنَّ الكفر استهانة بالموجودات واستخفاف بها، فتركُ العبادة إنكار لكمالات الكائنذا الحجاوزٌ على الحكمة الإلهية، لذا يستحق تاركها تهديدًا عنيفًا، وعقابًا صارمًا.
ومن هنا يختار القرآن الكريم أُسلوب التهديد والإنذار ليُعَبّرمن عشرا الاستحقاق وعن هذه الحقيقة المذكورة آنفًا، فيكون الأسلوب حقًا ومطابقًا تمامًا لمقتضى الحال الذي هو البلاغة بعينها.
السؤال الثاني:يقول صاحبنا الذي نبذ فكرة "الطبيعة" وتبرأ لخالدةوشَرُفَ بالإيمان باللّٰه:
إنَّ انقياد كل موجود، في كل شأن من شؤونه، وفي كل جزء من جزئياته، وفي كل ما يقوم به وينجزه، انقيادًا مطلقًا َ، فرأة الإلهية، والقدرة الربانية، هو حقيقة عظيمة جليلة، فهي لعظمتها وسعتها لا تستوعبها أذهاننا الكليلة القاصرة، علمًا أننا نطالع عيانًا وفرةً إنّةً من الموجودات، وسهولة مطلقة في خلق الأشياء، وقد تحقق أن "السهولة في الإيجاد" التي هي من مستلزمات "الوحدانية" بما أقمتموه من براهين وحجج قاطعة، فضلًا عن أن القرآن الكريم قد قرر السهولة المطلقة صراحة في آيات كريمة كثيرة أمثال:
مَا بدورهكمْ ولا بَعثُكمْ الّا كنَفسٍ واحدةٍ
(لقمان: ٢٨).
ومَا اَمرُ الساعَةِ إلّا كلمحِ البَصرِ او هوَ اقرَبُ
(النحل: ٧٧).
كل ذلك يجعلإما أنلحقيقة العظيمة "سهولة الإيجاد" مسألة مقبولة جدًّا ومستساغة عقلًا، فأين يكمن سرُّ هذه السهولة يا ترى وما الحكمة من ورائها؟
الجواب:لقد وضح ذلك السر توضيحًا تامًّا ومقنعًا في "المكتوب العشرين" عند شرحه الآية الكريمة:
وَهُوَ على كُلِ شَيءٍ قَديرٌ
بما يفي بالغرض، وبخاصة في ذيله، حيث جاء التوضيح وافيًا وشافيًا جدًّا، ون طلبا بالدليل والبرهان والإثبات القاطع، وخلاصته:
— 269 —
أنه عندما يسند إيجاد الموجودات جميعها إلى الصانع الواحد، يسهل الأمر كسهولة إيجاد مخلوق واحد، بينما إذا أُسند للكثرة يصعبُ -على هذثيرة ارة- أمر إيجاد مخلوق واحد بقدر صعوبة إيجاد جميع الموجودات.. فيكون خلق بذرة واحدة صعبًا ومشكلًا كخلق شجرة.. ولكن إذا أُسند "الإيجاد" إلى صانعه الحق سبحانه، يسهل الأمر دة، وسبح إيجاد الكائنات كلها كإيجاد شجرة واحدة، والشجرة كالبذرة، والجنة كالربيع، والربيع كالزهرة، فالأمر يسهل ويكون هينًا.
وسنشير هنا إشارة مختصرة إلى دليل أو دليلين من بين مئات الأدلة التي أوضحناهاَنا الصيل في رسائل أخرى، تلك الأدلة التي تبين ما يدور من الأسرار والحِكم الكامنة فيما نشاهده من وفرة الموجودات التي لا حصر لها ورخصها، وكثرة أفراد كل نوع منها، وورودها إلى الوجود منتظمةً، متقنةً، وبكل سهولة ويسر.
مجع بصرا:إن إدارة مائة جندي تحت إمرة ضابط واحد، أسهل بمائة ضعف من إدارة جندي واحد تحت إمرة مائة ضابط. وعندما يُودَعُ أمرُ تجهيز جيش كامل باللوازم العسكرية، من مركز واحد، وبقانون واحد، ومن مصنعٍ واحد، إلى أمرٍ يصدره قائد واحد، فإن ذلك يكون سهلًا ولى القمن حيث الكمية والوفرة، بسهولة تجهيز جندي واحد. بينما يكون إيداع أمر تجهيز جندي واحد باللوازم العسكرية الكاملة من مراكز متعددة ومصانع متعددة، إلى قواد عديدين مشكلًا وصعبًا من حيث ة الكر والوفرة أيضًا بصعوبة تجهيز جيش كامل. إذ ينبغي عندئذ وجود مصانع كثيرة للتجهيزات بعدد ما يلزم جيشًا كاملًا، لأجل تجهيز الجندي الواحد.
ويشاهد أيضًا أن الشجرة الواحدة، التي تتزود ضمنه مد الضرورية لها من جذر واحد، ومن مركز واحد، وعلى وفق قانون واحد، تثمر ألوف الثمرات، ويتم ذلك بسهولة ويسر كأن للشجرة ثمرة واحدة. بينما إذا استبدلت الكثرة بالوحَ جسم ُلكَ طريق الكثرة عوضًا عن طريق الوحدة، فزوّدت كل ثمرة بالمواد الضرورية للحياة من مراكز مختلفة، وجذور متباينة، يكون إيجاد ثمرة واحدة مشكلًا وصعبًا كإيجاد الش عنه عسها، بل قد يكون إيجاد البذرة التي هي أنموذج الشجرة وفهرستها - صعبًا ومعضلًا كإيجاد الشجرة نفسها. لأنَّ ما يلزم حياة الشجرة من مواد ضرورية يلزم البذرة أتباطًا#270
فهناك المئات من أمثال هذه الأمثلة، وكلها تبين أن ورود ألوف الموجودات بسهولة مطلقة إلى الوجود -في الوحدة- أسهل من ورود موجود واحد إلى الوجود بالتعدد والكثرة.
ولما كنا قد أثبتنا هذهأهمية قة في رسائل أخرى بيقين قاطع نحيل إليها، ولكننا نبين هنا فقط سرًا عظيمًا يتعلق بهذه السهولة واليسر من زاوية نظر العلم الإلهي، والقدر الإلهي، والقدرة الربانية، وهذا السر هو:
أنت موجود من الموجودات فإذا سلّمتَ نفسك إلى يد القدير المهرَه لقدرة، فإنه يخلقك بأمر واحد وبقدرته المطلقة بلمح البصر من العدم، من غير شيء. ولكن إنْ لم تسلم نفسك إليه، بل أسندتها إلى "الطبيعة" وأسلَمتها إلى الأسباب المادية، فيلزم عندئذ لإيجادك أنت، عملية بحث دقيطبيعيةع جميع المواد التي في وجودك- في أقطار العالم كله، والتفتيش عنها في زوايا الكون كله، وإمرارها في مصافٍ واختبارات دقيقة جدًّا، ووزنها بموازين حساسة، ذلك لأنك خلاصة منتظمة للكون، وثمرته اليانعة، وفهرستسس فليصغرة، ومحفظته المنطوية على مواد الكون كله.
لأنَّ الأسباب المادية ليس لها إلّا التركيب والجمع، إذ هو ثابت لدى أرباب العقول أنه لا يمكن للأسباب المادية إيجاد ما عة متعد فيها، من العدم ومن غير شيء، لذا فهي مضطرة إلى جمع المواد اللازمة لجسم كائن حي صغير من أقطار العالم كله.
فافهم من هذا مدى السهولة المطلقة في الوحدة والتوحيد. ومدى الصعوبات والمشكلات في الشرك والضلالة.
ثانيها:أنَّ هناك سوجة رجطلقة في الخلق والإيجاد تنبع من زاوية نظر "العلم الإلهي" وتفصيلها كالآتي:
إنَّ القدر الإلهي هو نوع من العلم الإلهي، يعيّن مقدار كل شيء كأنه قالب معنوي له وخاص به، فيكون ذلك المقدير القَدَري بمثابة خطّة لذلك الشيء، وبحكم "موديل" أنموذج له، فعندما توجده "القدرة الإلهية" توجده على ذلك المقدار القَدري بكل سهولة ويسر.
فإن لم يُنسب إيجاد ذلك الشيء إلى مَن له علم محيط مطلق ، ولم هو اللّٰه القدير ذو
— 271 —
الجلال لا تحصل ألوف المشكلات فحسب، بل تقع مئات المحالات أيضًا -كما ذكر آنفًا- لأنه إن لم يكن هناك ذلك المقدار القَدري، والمقدار العلمي، يلزم استعمال أُلوف القوالب المادية والخارجية لعقلُ!الصغير للحيوان!
فافهم من هذا سرًا من أسرار السهولة المطلقة في الوحدة والتوحيد وكثرة المشكلات غير المتناهية في التعدد والكثرة والشرك.
واعلم مدى الحقيقة السامية الصائبة التي الإسلنها الآية الكريمة:
ومَا اَمرُ الساعَةِ إلّا كلمحِ البَصرِ او هوَ اقرَبُ
السؤال الثالث:يقول الذي كان يعادي سابقًا ووُفّق إلى الإيمان الآن واهتدى: ما بال بعض الفلاسفة المغالين في عصرنا هذا يطلقون مقولة: "لا يُستحدث شيءٌ من العدم ولا يفنأكثرُهمن الوجود" وان ما يدير هذا الكون، إنما هو تركيب المادة وتحليلها ليس إلّا !
الجواب:إنَّ هؤلاء الفلاسفة الذين لم يتسنّ لهم النظر إلى الموجودات لتي تحلقرآن المبين، عندما نظروا إليها بمنظار "الطبيعة" و "الأسباب" توصلوا إلى أن وجود هذه الموجودات، وافتراض تشكلها بعوامل "الطبيعة" و "الأسباب" مسألة تطرح مشكلات عويصة بدرجة الامتناع -على غرار ما ذكرناه في بيان الاحتمالات.. تلكاتها- فانقسم هؤلاء الفلاسفة إزاء هذه العقبة الكأداء إلى قسمين:
قسم منهم صاروا سوفسطائيين وعافوا العقل الذي هو خاصة الإنسان وسقطوا إلى درك أدنى من الحيوانات، إذ وصل بهم أمر فكرهم إلى إنكار الوجود عمومًا، بل حتى إنكار وجو عندئذذلك عندما رأوا أن هذا الإنكار أجدى على العقل وأيسر عليه وأسلم من تصور "الطبيعة" و "الأسباب" مالكة لزمام الإيجاد، فأنكروا وجود أنفسهم ووجود الموجودات جميعًا، فسقطوا في هاوية الجهل المطلق.
أما القسم الثاني: استمعروا إلى الموجودات أنها لو سلّم إيجادها إلى "الأسباب" و"الطبيعة" كما هو شأن أهل الضلالة فإن إيجاد شيء صغير جدًّا كالبعوضة أو البذرة فيه
— 272 —
من المشكلات ما لا يحد، ويقتضي قدرة عظيمة لا يبلغ مداها العقل، فوجدوا أنفسهم مضطرين إلى إنكار "اب الشك" نفسه، فقالوا: "لا يستحدث شيء من العدم " ورأوا أن إعدام الشيء محال أيضًا فقرروا أنه "لا يفنى الموجود". وتخيلوا جملة من الأوضاع الاعتبارية ساريةً ما بين تحليل وتركيب وتفريق وتجميع، ناتجة عن حركات الذرات، وسيل المصادفات!
فتأمل في ق ما لالذين يظنون أنفسهم في ذروة العقل، قد سقطوا في حضيض من الحماقة والجهل، واعلم من هذا كيف تضع الضلالة هذا الإنسان المكرّم -حين يلغي إيمانه- موضع سخرية الأطلاء من كل أحد..
وبدورنا نسأل هؤلاء: ترى كيف يمكن استبعاد إيجاد شيء ما من القدرة المطلقة التي توجِدُ على سطح الأرض في كل سنة أربعمائة ألف نوع من الأحياء؟ والتي خلقت السماوار الإلرض في ستة أيام؟ والتي تنشئ في كل ربيع تحت بصر الإنسان وسمعه، على سطح الأرض كونًا حيًا من النبات والحيوان هو أظهر إتقانًا وأجلى حكمةً من الكون كله، في ستة أعظيمة كيف يستبعد منها أن تخلق الموجودات العلمية -التي تعينت خططها ومقاديرها ضمن دائرة العلم الأزلي- فتخلقها بسهولة مطلقة سهولة إظهار الكتابة غير المنظورة بإمرار مادة كيمياويةخصي، و. فاستبعاد إضفاء الوجود الخارجي على الموجودات العلمية -والتي هي معدومات خارجيًا- من تلك القدرة الأزلية، ثم إنكار الإيجاد نفسه لهو حماقة وجهالة أشد من حماقة السوفستغاء ا المعروفين وجهالتهم!
وحيث إنَّ نفوس هؤلاء التعساء المتفرعنة العاجزة عجزًا مطلقًا والتي لا تملك إلّا جزءًا يسيرًا من الاختيار غير قادرة على إفناء أي شيء كان وإعدامه، وإيجاد أية ذرة كانت أو مادة من غير شيا إلى العدم.. ولما كانت الطبيعة والأسباب التي يفخرون بعبوديتهم لها عاجزة هي الأخرى وليس في طوقها أمر "الإيجاد" من غير شيء.. نراهم يصدرون حُكمًا عامًا: "أن المادة لا تُفنى ولا تُستحدث" ويحاولون أن يُعمموا حُكم هذه الر المحالباطلة الخاطئة حتى على قدرة القدير المطلق القدرة سبحانه.
— 273 —
نعم، إنَّ القدير المطلق ذا الجلال له طرازان من الإيجاد:
الأول:هو بالاختراع والإبداع، أي إنهليه كله يُبْدع الوجود من العدم إبداعًا من غير شيء، ويوجِدُ كل ما يلزم -هذا الوجود- من أشياء من العدم ويسلّمها إياه.
الآخر:هو بالإنشاء والصنعة والإتقان. أي يُنشئ قسمًا من الموجودات من عنارو، رأون نفسه، إظهارًا لكمال حكمته، وتبيانًا لتجليات أسمائه الحسنى.. وأمثالها من الحكم الدقيقة، فيرسل إلى تلك الموجودات الذرات والمواد المنقادة إلى أوامره ضمن سُنن الرزاقية الكونية، ويسخرها لها ليكمل إنشاء هذا الوجود، وهكذا فالقدعنه، وطلق القدرة له أسلوبان من الإيجاد وصورهما:
الإبداع.. والإنشاء..
فإفناء الموجود، وإيجاد المعدوم، أمرٌ سهلٌ جدًّا لديه، وهيّنٌ جدًّا بل هو قانونه الدائم العام.
ا المقذي يستبعد من القدرة الفاطرة التي تخلق من العدم ثلاث مائة ألف نوع من المخلوقات والأحياء، وتمنحها أشكالها وصفاتها وكيفياتها وأحوالها مما سوى ذراتها. ويقول: "إنها لن تقدر على إيجاد المعدوم" لابد أن يهوي في ظلمة العدم.
يقول الذي نَبَ تلك اطبيعة" ونفذ إلى طريق الحقيقة:
الحمد للّٰه حمدًا كثيرًا بعدد الذرات، الذي وفقني للفوز بكمال الإيمان، وأنقذني من الأوهام والضلالات، فزالت بفضله جميع ما لديّ من شبهات وريب.
الحمد للّٰه على دين الإسلام وكبعمائةإيمان
سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا اِلّا ما عَلَّمْتَنا اِنَّكَ اَنْتَ الْعَليمُ الْحَكيم
— 274 —
اللمعة الرابعة والعشرون
"رسالة الحجاب"
كانت هذه هي المسألة الثانية والقة وإنمن "المذكرة الخامسة عشرة" إلّا أن أهميتها جعلتها "اللمعة الرابعة والعشرين".
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
يا أيُها النَبيُّ قُل لأزواجِكَ وبَنَاتكَ ونسَاء المؤمنينَ يُدنينَ عَليهِنَ من جَلابيبهن
(الأحزاب: ٥٩)
هذه الاث عشركريمة تأمر بالحجاب، بينما تذهب المدنية الزائفة إلى خلاف هذا الحُكم الرباني، فلا ترى الحجاب أمرًا فطريًا للنساء، بل تعدّه أسرًا وقيدًا لهن.
(٭)انية ففقرة من اللائحة المرفوعة إلى محكمة التمييز، ألقيت أمام المحكمة، فأسكتتها، وأصبحت حاشية لهذا المقام: "وأنا أقول لمحكمة وزارة العدل!:
إن إدانة من يفسر أقدس دستور إلهي وهو الحق بعينه، ويحتكم إليه ثلاث مائة وخمسون مليوادة تت المسلمين في كل عصر في حياتهم الاجتماعية، خلال ألف وثلاث مائة وخمسين عامًا. هذا المفسر استند في تفسيره إلى ما اتفق عليه وصدق به ثلاث مائة وخمسون ألف مفسر، واقتدى بالعقائد التي دان بها أجدادنا السابقون في ألف ى الأحمائة وخمسين سنة.. أقول: إن إدانة هذا المفسر، قرار ظالم، لابد أن ترفضه العدالة، إن كانت هناك عدالة على وجه الأرض، ولابد أن ترد ذلك الحكم الصادر بحقه وتنقضه". (المؤلف).
وسنبين جوابًا أربعًا من الحِكم فقط من بين حِكم غزيرة دالة على كون هذا اء الذيالقرآني تقتضيه فطرةُ النساء وخلافه غيرُ فطري.
— 275 —
الحكمة الأولى:إنَّ الحجاب أمر فطري للنساء، تقتضيه فطرتُهن، لأنَّ النساء جُبلْن على الرقة والضعفلفتح: ن في أنفسهن حاجةً إلى رجل يقوم بحمايتهن وحماية أولادهن الذين يؤثرنهم على أنفسهن، فهن مسوقات فطريًا نحو تحبيب أنفسهن لأزواجهن وعدم جلب نفرتهم وتجنّب جفائهم واستثقالهم.
ثم، إنَّ ما يق المائسبعة أعشار النساء: إما متقدمات في العمر، أو دميمات لا يرغبن في إظهار شيبهن أو دمامتهن، أو أنهن يحملن غيرةً شديدة في ذواتهن يخشين أن تفضل عليهن ذوات يهي، ب والجمال، أو أنهن يتوجّسن خيفةً من التجاوز عليهن وتعرّضهن للتهم.. فهؤلاء النساء يرغبن فطرة في الحجاب حذرًا من التعرض والتجاوز عليهن وتجنبًا من أن يكنّ موهى الذمة في نظر أزواجهن، بل نجد أن المُسِنّات أحرص على الحجاب من غيرهن.
وربما لا يتجاوز الاثنتين أو الثلاث من كل عشر من النساء هن: شاباتٌ وحسناوات لا يتضايقن من إبداء مفاتنهن! إذ من المعلوم أنَّ الإنسان يتهولة من نظرات من لا يحبه. وحتى لو فرضنا أن حسناء جميلة ترغب في أن يراها اثنان أو ثلاثة من غير المحارم فهي حتمًا تستثقل وتنزعج من نظرات سبعة أو ثمانية منهم، بل تنفر منها.
فالمرأةص معدنا رقيقةَ الطبع سريعة التأثر تنفر حتمًا -ما لم تفسد أخلاقُها وتتبذّل- من نظرات خبيثة تُصوَّب إليها والتي لها تأثير مادي كالسمّ -كما هو مجرب- حتى إننا نسمع: أن كثيرًا من نساء أووهو الهي موطن التكشف والتبرج، يشكين إلى الشرطة من ملاحقة النظرات إليهن قائلات: إن هؤلاء السفلة يزجّوننا في سجن نظراتهم!
نخلص مما تقدم:أنَّ رفعَ المدنية السفيهة الحجابَ وإفساحها المجال للتبرج يناقض الفطرةَ الإنسانية. وضايق م القرآن الكريم بالحجاب -فضلًا عن كونه فطريًا- يصون النساء من المهانة والسقوط، ومن الذلة والأسر المعنوي ومن الرذيلة والسفالة، وهن معدن الرأفة والشفقة والرفيقات العزيزات لأزمرآة، في الأبد.
— 276 —
والنساءُ -فضلًا عما ذكرناه- يحملن في فطرتهن تخوّفًا من الرجال الأجانب، وهذا التخوف يقتضي فطرةً التحجب وعدم التكشف، حيث تتنغص لذةٌ غير مشروعة لتسع دقائق ا يغرقأذى حمل جنين لتسعة أشهر، ومن بعده القيام بتربية ولدٍ لا حامي له زهاء تسع سنين! ولوقوع مثل هذه الاحتمالات بكثرة تتخوف النساءُ فطرةً خوفًا حقيقيًا من غير المحارم. وتتجنّبهم جِبلّة، فتنبهها خلقتُهالقوة يفة تنبيهًا جادًا، إلى التحفظ وتدفعها إلى التستر، ليحول دون إثارة شهوة غير المحارم، وليمنع التجاوز عليها، وتدلها فطرتُها على أن حجابَها هو قلعتها الحصينة وخندقها الأمين.
ولقد طرق سمعَنا: أنَّ صباغ أحذية قد تعرض لزكن ليسل ذي منصب دنيوي كبير، كانت مكشوفة المفاتن، وراودها نهارًا جهارًا في قلب العاصمة "أنقرة"! أليس هذا الفعل الشنيع صفعةً قوية على وجوه أولئك ه الذالا يعرفون معنى الحياء من أعداء العفة والحجاب؟
الحكمة الثانية:إنَّ العلاقة الوثيقة والحُب العميق بين الرجل والمرأة ليسا ناشئين عما تت هو رحلحياةُ الدنيا من الحاجات فحسب، فالمرأة ليست صاحبة زوجها في حياة دنيوية وحدَها، بل هي رفيقتُه أيضًا في حياة أبدية خالدة.
فما دامت هي صاحبتُه في حياة باقية فلا ينبغي لها أن تلفت نظر غير رفيُ
وَأبدي وصديقها الخالد إلى مفاتنها، ولا تزعجه، ولا تحمله على الغضب والغيرة.
وحيث إنَّ زوجَها المؤمن، بحُكم إيمانه لا يحصر محبته لها في حياة دنيوية فقط ولا يوليها محبةضربة قنية قاصرة على وقت جمالها وزمن حُسنها، وإنما يكنّ لها حبًّا واحترامًا خالصَين دائمين لا يقتصران على وقت شبابها وجمالها بل يدومان إلى وقت شيخوختها وزوال حسنها، لأنها رفيقتُه في حياة أبدية خالدة.. فإزاء هذا لابد للمرأة أيضًا أن تخصكِّرة ا وحده بجمالها ومفاتنها وتقصر محبتها به، كما هو مقتضى الإنسانية، وإلّا ستفقد الكثير ولا تكسب إلّا القليل.
ثم إنَّ ما هو مطلوب شرعًامنها، كون الزوج كفوًا للمرأة، وهذا يعني ملاءمة الواحد للآخر ومماثلتهما، وأهم ما في الكفاءة هذه هي كفاءة الدين كما هو معلوم.
— 277 —
فما أسعد ذلك الزوج الذي يلاحظ تديّن زوجته ويقوم بتقليدها، ويصبح ذا دين، لئلا يفقد صاحبته الوفية في حية عشردية خالدة!
وكم هي محظوظة تلك المرأة التي تلاحظ تديّن زوجها وتخشى أن تفرط برفيق حياتها الأمين في حياة خالدة، فتتمسك بالإيمان والتقوى.
والويل ثم الويل لذلك ال كلما ذي ينغمس في سفاهة تفقده زوجتَه الطيبة الصالحة.
ويا لتعاسة تلك المرأة التي لا تقلد زوجَها التقي الورع، فتخسر رفيقها الكريم الأبدي السعيد.
والويل والثبور لذولا يززوجين الشقيين اللذين يقلدان بعضُهما البعض الآخر في الفسوق والفحشاء، فيتسابقان في دفع أحدهما الآخر في النار.
الحكمة الثالثة:إنَّ سعادة العائلة في الحياة واستمرارها إنما هي بالثقة المتبادلة بين الزوجين، والاحترام اللائق والودّ اتحد ومبينهما، إلّا أن التبرج والتكشف يخلّ بتلك الثقة ويفسد ذلك الاحترام والمحبة المتبادلة. حيث تلاقي تسعةٌ من عشرة متبرجات أمامَهن رجالًا يفوقون أزواجهن جمالًا، بينما لا ترى غيها من دة منهن مَن هو أكثر جمالًا من زوجها ولا تحبب نفسها إليه. والأمر كذلك في الرجال فلا يرى إلّا واحدٌ من كل عشرين منهم مَن هي أكثر جمالًا من زوجته، بينما الباقون يرون أمامهم من يفقن زوجاتهن حسنًا وجمالًا. فهذه الحالة قد تؤدي ه مكمّبعاث إحساسٍ دنيء وشعور سافل قبيح في النفس فضلًا عمّا تسببه من زوال ذلك الحُب الخالص وفقدان ذلك الاحترام، وذلك:
إنَّ الإنسان لا يمكنه أكرامة فطرةً شعورًا شهوانيًا تجاه المحارم -كالأخت- لأن سيماء المحارم تُشعِر بالرأفة والمحبة المشروعة النابعين من صلة القربى. فهذا الشعور النبيل يحدّ من ميون أبعثس الشهوية، إلّا أن كشف ما لا يجوز كشفُه كالساق، قد يثير لدى النفوس الدنيئة حسًا سافلًا خبيثًا لزوال الشعور بالحرمة، حيث إن ملامح المحارم تُشعِر بصلة القرابة، وكونها محرمًا وتتميز عن غيرهم، لذا فكشفُ تلكاوز حدضع من الجسد يتساوى فيه المحرم
— 278 —
وغيره، لعدم وجود تلك العلامات الفارقة التي تستوجب الامتناع عن النظر المحرّم، ولربما يهيّج لدى بعض المغُ أمْلسافلين هوى النظرة الحيوانية! فمثل هذه النظرة سقوط مريع للإنسانية تقشعر من بشاعتها الجلود.
الحكمة الرابعة:من المعلوم أن كثرة النًا مع وب فيها لدى الجميع، فليس هناك أمة ولا دولة لا تدعو إلى كثرة النسل، وقد قال الرسول الكريم (ص): (تناكحوا تكثروا فإني أباهي بكم الأمم يوم القيامة). [٭]: عبد ا إلّا المصنف ٦/١٧٣؛ العجلوني، كشف الخفاء ١/٣٨٠. بيد أن رفع الحجاب وإفساح المجال أمام التبرج والتكشف يحدُّ من الزواج، بل يقلل من التكاثر كثيرام الهنَّ الشاب مهما بلغ فسوقُه وتحلله، فإنه يرغب في أن تكون صاحبتُه في الحياة مصونةً عفيفة، ولا يريدها أن تكون مبتذلة متكشفة مثله، لذا تجده يفضل العزوبة على الزواج. وربما ينساق إلى الفساد. أما المرأة فهي ليست كالرجل حيث لا تتمكن من أن تحدد اختيار م في م
والمرأة من حيث كونها مدبّرةً لشؤون البيت الداخلية، ومأمورةً بالحفاظ على أولاد زوجها وأمواله وكل ما يخصه، فإن أعظم خصالها هي: الوفاء والثقة. إلّه ويشكبرجها وتكشّفها يفسد هذا الوفاءَ ويزعزع ثقةَ الزوج بها، فتجرّع الزوج آلامًا معنوية وعذابًا وجدانيًا.
حتى إن الشجاعة والسخاء وهما خصلتان محمودتان لدى الرجال إذا ما وجدتا في النساء عدتا من الأخلاق المذمومة، [٭]: زوجَهإمام علي رضي اللّٰه عنه: "خيار خصال النساء شرار خصال الرجال؛ الزهوّ والجبن والبخل، فإذا كانت المرأة مزهوّة لم تمكّن من نفسها، وإذا كانت بخيلة حفظت مالها ومال بعلها، وإذا كانت جبانة فرقت من كل شيء يعرض لها". (نهج البلر على لإخلالهما بتلك الثقة والوفاء، إذ تفضيان إلى الوقاحة والإسراف. وحيث إن وظيفة الزوج غير قاصرة على الائتمان على أموالها، وعلى الارتباط بها بل تشمل حمايتها والرحمة بها والاحترام لها فل:هناكه ما يلزم الزوجة، أي لا يقيد اختياره بزوجةٍ واحدة، ويمكنه أن ينكح غيرها من النساء.
إنَّ بلادنا لا تقاس ببلدان أوروبا، فهناك وسائل صارمة للحفاظ -إلى حدّ ما- على الشرف والعفاف في وسط متبرج متكشف، منها المبارزة وأمثالها، فالذي ينظر بخبث إلى
#لقلب وجة أحد الشرفاء عليه أن يعلق كفنَه في عنقه مقدمًا. هذا فضلًا عن أن طبائع الأوروبيين باردةٌ جامدة كمناخهم. أما هنا في بلاد العالم الإسلامي خاصة فهي من البلد رأينحارة قياسًا إلى أوروبا، ومعلوم مدى تأثير البيئة في أخلاق الإنسان. ففي تلك الأصقاع الباردة، ولدى أناس باردين قد لا يؤدي التبرج الذي يثير الهوى الحيواني ويهيج الرغبات الشهوانية إلى تجاوز الحدود مثلما والإلى الإفراط والإسراف في أناس حساسين يثارون بسرعة في المناطق الحارة.
فالتبرج وعدم الحجاب الذي يثير هوى النفس، ويطلق الشهواتِ من عقالها يؤدي حتمًا إلى الإفراط وتجاوز الحدود وإلى ضعف النسل وانهيار القوى. حيث إن الرجل الذي يمكنه أن يقضي وطالهم، طري في شهر أو في عشرين يومًا يظن نفسه مضطرًا إلى دفعه كل بضعة أيام. وحيث إن هناك عوارض فطرية -كالحيض- تجنّبه عن أهله وقد تطول خمسة عشر يومًا، تراه ينساق إلى الفحش إن كان مغلوبًا لنفسه.
ثم إن أهل المدن لا ينبغي لهم أن يقلّدوا أهفة كريرى والأرياف في حياتهم الاجتماعية ويرفعوا الحجاب فيما بينهم، لأن أهل القرى يشغلهم شاغلُ العيش وهم مضطرون إلى صرف جهود بدنية قوية لكسب معيشتهم، وكثيرًا ما تشترك النساءُ في أشغال متعبة، لذا لا يهيج ما قد ينكشف من أجزاء أجسامهن الخشنة شهوفتؤول انية لدى الآخرين، فضلًا عن أنه لا يوجد في القرى سفهاء عاطلون بقدر ما هو موجود في المدن. فلا تبلغ مفاسدُها إلى عُشر ما في المدينة، لهذا لا تقاس المدن على القرى والأرياف.
#28أنبياءوار مع المؤمنات، أخواتي في الآخرة
بِاسْمِهِ سُبْحانَهُ
حينما كنت أُشاهد في عدد من الولايات اهتمام النساء برسائل النور اهتمامًا حارًا خالصًا وعلمت اعتمادهن على دروسي التي تخص النور بما يفوق حدي بكثير، جئت مرةً ثالثة إلى مدرسة الزهّعيه امعنوية، هذه المدينة المباركة "إسبارطة"، فسمعت أن أولئك النساء الطيبات المباركات، أخواتي في الآخرة، ينتظرن مني أن أُلقي عليهن درسًا، على غرار ما يُلقى في المساجد من دروس الوعظ والإرشاد. بيد أني أعاني أمراضًا عدة، مع ضعف وإنهاك شديدين حتفسير أستطيع الكلام ولا التفكر. ومع ذلك فقد سنحت بقلبي هذه الليلة خاطرةٌ قوية، هي:
أنك قد كتبت قبل خمس عشرة سنة رسالة "مرشد الشباب" بطلبٍ من ال الإفرنفسهم، وقد استفاد منها الكثيرون، بينما النساءُ هن أحوجُ إلى مثل هذا "المرشد" في هذا الزمان.
فإزاء هذه الخاطرة وعلى الرغم مما أعانيه من اضطراب ومن عجز وضعف كالاستقي غاية الاختصار لأخواتي المباركات ولبناتي المعنويات الشابات بعض ما يلزمهن من مسائل، ضمن نكات ثلاث.
النكتة الأولى:لما كان أهم أساس من أسس رسائل النور هو "الشفقة" وإن النساء هن رائدات الشفقة وبطلات الحنان، فقد أصبحن أكثر ار منها برسائل النور فطرةً. فهذه العلاقة الفطرية تُحس بها في كثير من الأماكن وللّٰه الحمد والمنة.
ولقد غدت التضحية التي تنطوي عليها الشفقة والحنان ذات د ذراتعظمى في زماننا هذا، إذ إنها تعبر عن إخلاص حقيقي وفداءٍ دون عوَضٍ ومقابل.
نعم، إنَّ فداء الأم بروحها إنقاذًا لولدها من الهلاك من دون انتظار لأجرمستقلةيتَها بنفسها بإخلاص حقيقي لأولادها باعتبار وظيفتها الفطرية، تدلان على وجود بطولة سامية رفيعة في النساء، بحيث يستطعن أن ينقذن حياتهن الدنيوية والأخروية بانكشاف هذه البطولة
— 281 —
وانجلائها في أنفسهن، إلّا أن تياراتٍ فاسدة تحول دون ظهور الثانسجية القيمة القويمة وتمنع انكشافها، أو تصرف تلك التيارات هذه السجية الطيبة إلى غير محلها فتسيء استعمالها.
نورد هنا مثالًا واحدًا من مئات أملتين ت
إنَّ الوالدة الحنون تضع نصبَ عينها كل فداء وتضحية لتمنع عن ولدها المصائب والهلاك، لتجعله سليمًا معافًى في الدنيا. فتربي ولدَها على هذا الأساس، فتنفق جميع أموالها ليكون ابنها عظيمًا وسيدًا آمرًا. فتراها تأخذ ولدَها من المدارس العلميطعام طنية وترسله إلى أوروبا، من دون أن تفكر في حياة ولدها الأبدية التي تصبح مهددة بالخطر. فهي إذ تسعى لتنقذه من سجن دنيوي، لا تهتم بوقوعه في سجن جهنم الأبدي، فتتصرف تصرفًا مخالفًا لفطرته فيقولفةً كلية، إذ بدلًا من أن تجعل ولدها البريء شفيعًا لها يوم القيامة تجعله مُدَّعيًا عليها، إذ سيشكو ذلك الولد هناك قائلا لها: "لِمَ لم تقوِّ إيماني حتى سببتِ في هلاكي هذا؟!". وحيث إنه لم يأخذ قسطًا وافرًا من التربيشباب ألامية، فلا يبالي بشفقة والدته الخارقة، بل قد يقصر في حقها كثيرًا.
ولكن إذا ما سعت تلك الوالدةُ إلى إنقاذ ولدها الضعيف من السجن الأبدي الذي هو جهنم، ومن الإعدام الفقر الذي هو الموتُ في الضلالة، بشفقتها الحقيقية الموهوبة دون الإساءة في استعمالها، فإن ولدَها سيوصل الأنوارَ دومًا إلى روحها بعد وفاتها، إذ يسجل في صحته وقومالها مثلُ جميع الحسنات التي يعملها الولد. كما سيكون لها ولدًا طيبًا مباركًا ينعمان معًا في حياة خالدة، شفيعًا لها عند اللّٰه ما وسعته الشفاعة، لا شاكيًا منها ولا مُدَّعيًناء هذا.
نعم، إنَّ أول أستاذ للإنسان وأكثر من يؤثر فيه تعليمًا، إنما هو والدتُه.
سأبين بهذه المناسبة هذا المعنى الذي أتحسسه دائمًا إحساسًا قاطعًا في شلا لبسهو:
أُقسم باللّٰه أن أرسخَ درس أخذته، وكأنه يتجدد عليّ، إنما هو تلقينات والدتي رحمها اللّٰه ودروسها المعنوية، حتى استقرت في أعماق فطرتي وأصبحت كالبذور في جسدي، في غضون عمري الذي يناهز تلك انين رغم أنى قد أخذت دروسًا من ثمانين ألف شخص [٭]: اعلم! أن السائق لهذا القول، أنى رأيت نفسي مغرورة بمحاسنها. فقلتُ: لا تملكين شيئًا!. فقالت: فإذن لا أهتم بما ليس لي من البدن.. فقلت: لابد أن لا تكوني أقل من الذباب.. ثرَها تِ شاهدًا فانظري إلى هذا الذباب، كيفَ ينظِّفُ جناحَيهِ برجليهِ ويمسحُ عينيه ورأسه بيديه! سبحان من ألهَمَه هذا، وصيّره أستاذًا لي وأفحمَ به نفسي!. (المثنوي العربي النوري - ذيلى:إنرة). بل أرى يقينا أن سائر الدروس إنما تبنى على تلك البذور.
— 282 —
بمعنى أنى أشاهد درس والدتي -رحمها اللّٰه- وتلقيناتها لفطرتي وروحي وأنا في السنة الأولى من عمري، بذورَ أساس ضمن الحقائق العظيمة التي أراها الآن وأنا، وعملثمانين من عمري.
مثال ذلك:أن "الشفقة" التي هي أهم أساس من الأسس الأربعة في مسلكي ومشربي في الحياة.. وإن "الرأفة والرحمة" التي هي حقيقة عظمى أيضًايقةُ قائق رسائل النور، أشاهدهما يقينًا بأنهما نابعتان من أفعال تلك الوالدة الرؤوف ومن أحوالها الشفيقة ومن دروسها المعنوية.
نعم، إنَّ الشفقة والحنان الكامنين في الأمومة واا بذلكملها بإخلاص حقيقي وتضحية وفداء قد أُسيءَ استعمالها في الوقت الحاضر، إذ لا تفكر الأم بما سينال ولدُها في الآخرة من كنوز هي أثمن من الألماس، بل تصرف وجهه إلى هذه الدنيا التي لا تعدل قِطعًا زجاجية فم تطلبثم تشفق على ولدها وتحنو عليه في هذا الجانب من الحياة. وما هذا إلّا إساءةٌ في استعمال تلك الشفقة.
إنَّ مما يثبت بطولةَ النساء في تضحيتهن العظيمة دون انتظار لأجر ولا عوض، من دون فائدة يجنينها لأنفسهن ون يحمل رياء وإظهارٍ لأنفسهن واستعدادهن للفداء بأرواحهن لأجل الولد، أقول إنَّ مما يثبت ذلك هو ما نراه في الدجاجة التي تحمل مثالًا مصغرًا من تلك الشفقة، شفقة الأمومة وحنانها، فرات عنجم الأسد، وتفدي بروحها، حفاظًا على فراخها الصغار.
وفي الوقت الحاضر، إنَّ ألزم شيء وأهم أساس في التربية الإسلامية وأعمال الآخرة، إنما هو "الإخلاص" فمثل هذه البطولة ِكُ تلة في الشفقة تضم بين جوانحها الإخلاص الحقيقي.
فإذا ما بدت هاتان النقطتان في تلك الطائفة المباركة، طائفة النساء، فإنهما ستكونان مدار سعادة عظٍ سحيقالمحيط الإسلامي.
أما تضحية الآباء فلا تكون دون عوض قطعًا، وإنما تطلب الأجر والمقابل من جهات كثيرة تبلغ المائة، وفي الأقل تطلب الفخر والسمعة. ولكن مع الأسف فإن النسالحون واركات يدخلن الرياء والتملق بطراز آخر وبنوع آخر نتيجة ضعفهن وعجزهن، وذلك خلاصًا من شر أزواجهن الظلمة وتسلطهم عليهن.
— 283 —
النكتة الثانية:لما كنت في هذه السنة معتزلًا الناس مبتعدًا عن الحياة الاجتماعية، نظرا عليه الدنيا نزولا عند رغبة إخوة وأخوات من النوريين، فسمعت من أغلب من قابلني من الأصدقاء، شكاوى عن حياتهم الأسرية. فتأسفت من الأعماق وقلت: "أوَ دَبّ الفسادُ في هذه الحياة أيضًا؟ إن الحيايرين، رية هي قلعة الإنسان الحصينة، ولاسيما المسلم، فهي كجنته المصغرة ودنياه الصغيرة".
فتّشت عن السبب الذي أدّى إلى فسادها. وعَلمتُ أنَّ هناك منظمات سرية تسعى لإضلال الشباب وإفسادهم بتذليل سُبل الشهوات أمامهم وسوقهم إلى السفاهة والغوايةالوجودد المجتمع الإسلامي والإضرار بالدين الإسلامي، كما أحسستُ أن منظمات أيضًا تعمل في الخفاء وتسعى سعيًا جادًا مؤثرًا لدفع الغافلات من النساء اللطيفات إلى طرق خاطئة آثمة. وأدركت أن يت).
#اصمة على هذه الأمة الإسلامية تأتي من تلك الجهة.
فأنا أُبين بيانًا قاطعًا، يا أخواتي ويا بناتي المعنويات الشابات!
إنَّ العلاج الناجع لإنقاذ سعادة النساء من الإفساد فمنورة هن وأخراهن معًا، وإن الوسيلة الوحيدة لصون سجاياهن الراقية اللاتي في فطرتهن من الفساد، ليس إلّا في تربيتهن تربية دينية ضمن نطاق الإسلام الشامل.
إنكن تسمعن ما آلت إليه حال تلك الطائفة المباركة الحقيقيا!
وقد قيل في جزء من "رسائل النور":
إنَّ الزوج الرشيد لا يَبني محبتَه لزوجته على جمال ظاهري زائل لا يدوم عشر سنوات، بل عليه أن يبني مودتَه لها على شفقتها التي هي أجمل محاسنعجبُ إء وأدوَمه، ويوثقها بحسن سيرتها الخاصة بأنوثتها، كي تدوم محبته لها كلما شابت تلك الزوجة الضعيفة، إذ هي ليست صاحبته ورفيقته في حياة دنيوية مؤقتة، وإنما هي رفيقته المحبوبة في حياة أبدية خالدة. فيلزم أن يتحابا باحترام أزيد ورحمة أوسع،نية التقدما في العمر. أما حياة الأسرة التي تتربى في أحضان المدنية الحديثة فهي معرضة للانهيار والفساد، حيث تبنى العلاقة فيها على صحبة مؤقتة يعقبها فراق أبدي.
— 284 —
وكذلك قيل في جزء من "رسائل النور":
إنَّ السعيد هو ذلك الزوج الذي يُقَلِّدُ زوجتا إنْ لحة، فيكون صالحًا مثلها، لئلا يفقد رفيقته في حياة أبدية خالدة.
وكم هي سعيدة تلك الزوجة التي ترى زوجها متدينًا فتتمسك بأهداب الدين لئلا تفقد رفيقها الأبدي، فتفوز بسعادة آخرتها ضمن سعادة دنياها!
وكم هو شقيٌ ذلك الزوج الذي يتبع زولحُسن تي ارتمت في أحضان السفاهة فيشاركها ولا يسعى لإنقاذها!
وما أشقاها تلك الزوجة التي تنظر إلى فجور زوجها وفسقه وتقلده بصورة أخرى!
والويل ثم الويل لذينك الزوجين اللذين يُعين كلٌّ منهما الآخر في دفعه إلى النار، أي يغريلمستحبهما الآخر للانغماس في زخارف المدنية.
وفحوى هذه الجمل التي وردت بهذا المعنى في "رسائل النور" هو أنه لا يمكن أن يكون -في هذا الزمان- تنعّم بحياة عائلية وبلوغ لسعادة الدنيا والآخرة وانكشاف لسجايا راقية في النساء إلّا بالتأدب بالآداب إلى "امية التي تحددها الشريعة الغراء.
إنَّ أهم نقطة وجانب في حياة الأسر في الوقت الحاضر هي أنه إذا ما شاهدت الزوجةُ فسادًا في زوجها وخيانةً منه وعدم وفاء، فقامت هي كذلك -عنادًا له- بترك وظيفتها الأسرية وهي الوفاء والثقة فتفسدهما، يختلائة منٍ نظام تلك الأسرة كليًا ويذهب هباءً منثورًا، كالإخلال بالنظام في الجيش.
فلابد للزوجة أن تسعى جادة لإكمال نقص زوجها وإصلاح تقصيره كي تنقذ صاحبَها الأبدي، وإلّا فهي تبلسان تضرر في كل جانب إذا ما حاولت إظهار نفسها وتحبيبها للآخرين بالتكشف والتبرج، لأنَّ الذي يتخلى عن الوفاء يجد جزاءه في الدنيا أيضًا. لأن فطرتها تتجنب غير المحارم وتشمئز منهم. فهي تحترز من ثماني عشرة شخصًا من كل عشرين شخصًا أجنبيًا، بينما الرم كله،لا يشمئز من النظر إلى امرأة واحدة من كل مائة أجنبية.
فكما أن الزوجة تعاني من العذاب من هذه الجهة فهي تضع نفسها موضع اتهام أيضًا بعدم الوفطيفات دان الثقة والوفاء فلا تستطيع الحفاظ على حقوقها فضلًا عن ضعفها.
— 285 —
حاصل الكلام:كما أن النساء لا يشبهن الرجال -من حيث الشفقة والحنان- في التضحية ولا في الإخلاص، وأن الرجال لا يبلغون شأوهن في التضحية والفداء. أن خطلا تدرك المرأةُ الرجلَ في السفاهة والغَي بأي وجه من الوجوه، لذا فهي تخاف كثيرًا بفطرتها وخلقتها الضعيفة من غير المحارم وتجد نفسها مضطر ويذيبالاحتماء بالحجاب. ذلك لأنَّ الرجل إذا غوى لأجل تلذذ ثماني دقائق لا يتضرر إلّا بضع ليرات، بينما المرأة تجازى على ثماني دقائق من اللذة بثقل ثمانية أشهر وتتحمل تكاليف تربية طفل لا حامي له طلّا بماني سنوات. بمعنى أن المرأة لا تبلغ مبلغَ الرجال في السفاهة، وتعاقَب عليها أضعاف أضعاف عقاب الرجل.
— 285 —
حنات ب منشأً للأخلاق الفاضلة، إذ تكاد تنعدم فيهن قابلية في الفسق والفجور للتمتع بأذواق الدنيا. بمعنى أن النساء نوعٌ من مخلوقات طيبات مباركات، خُلِقن لأجل قضاء حياة أسرية سعيدة ضمن نطاق الل".. تالإسلامية.
فتبًّا وسُحقًا لتلك المنظمات التي تسعى لإفساد هؤلاء الطيبات.
وأسأله تعالى أن يحفظ أخواتي من شرور هؤلاء السفهاء الفاسدين.. آمين..
أخواتي! أقول لكُنّ هذا الكلام بشكل خاص:
اعملن على كسب نفقاتكن بعمل أيدي وطلاب تفعل نساء القرى الطيبات واكتفين بالاقتصاد والقناعة المغروزتَين في فطرتكن. وهذا أَولى من امتهان أنفسكن بسبب هموم العيش بالرضوخ لسيطرة زوج فاسد، سيء الخلُق، متفرنج. وإذا ما كان حَظُّ إحداكنا قال.ُها زوجًا لا يلائمها، فلترضَ بقسمتها ولتقنع، فعسى اللّٰه أن يصلح زوجَها برضاها وقناعتها. وإلّا ستراجع المحاكم لأجل الطلاق -كما أسمع فيلمؤلف) الحاضر- وهذا لا يليق قطعًا بعزة الإسلام وشرف الأمة.
النكتة الثالثة:أخواتي العزيزات!
اعلمن قطعًا! أن الأذواق والمتع الخارجة عن حدود الشرع، فيها من الآلام والمتاعب أضعاف أضعاحلال اذها. وقد أثبتت "رسائل النور" هذه الحقيقة بمئات من الدلائل القوية والحوادث القاطعة. ويمكنكن أن تجدن تفاصيلها في "رسائل النور".
— 286 —
فمثلًا:الكلمة السادسة والسابعة والثامنة من "الكلمات الصغيرة" و "مرشد الشبابؤلمة ت لكن هذه الحقيقة بوضوح تام نيابة عني. فعليكن إذن القناعة والاطمئنان والاكتفاء بما في حدود الشرع من أذواق ولذائذ، فملاطفة أولادكن الأبرياء ومداعبتهم ومجالستهم في بيوتكن متعة نزيهة تفضل مئات المرات م
(٭):سينما.
واعلمن يقينًا! أن اللذة الحقيقية في هذه الدنيا إنما هي في الإيمان وفي حدود الإيمان. وأن في كل عمل صالح لذة معنوية، بينما في الضلالة والغَي آلامٌ منغصة في هذه الدنيا أيضًا. هذه الحقيقة أثبتتها "رسائل النور" بمئات ممَّدٍ لة القاطعة. فأنا شخصيًا شاهدتُ بعين اليقين عبر تجاربَ كثيرة وحوادث عديدة: أن في الإيمان بذرةَ جنة، وفي الضلالة والسفه بذرةَ جهنم. وقد كتبت هذه الحقيقة مرارًا في "رسائل النور" حتى عجز أعتى المعاندين والخبراء الرأنها أوالمحاكم عن جرح هذه الحقيقة.
فلتكن الآن "رسالة الحجاب" في المقدمة و"مرشد الشباب" و"الكلمات الصغيرة" نائبة عني في إلقاء الدرس عليكن يشدَّ اتي الطيبات المباركات ويا مَنْ هن بمثابة بناتي الصغيرات. فلقد سمعتُ أنكن ترغبن في أن ألقي عليكن درسًا في الجامع، ولكن مرضي الشديد، فضلًا عن ضعفي الشديد،ه ومشاب أخرى، تحول دون ذلك. لذا فقد قررت أن أجعلكن يا أخواتي اللاتي تقرأن درسي هذا الذي كتبته لكُنّ مشاركات لي في جميع مكاسبي المعنوية وفي دعواتي، كطلاب النور.
وإذا استطعتن الحصول على "رسائل النور" - ولو على بعضها - وقرارب، وأو استمعتن إليها، نيابة عني، فإنكن تصبحن مشاركات لإخوانكن طلاب النور في جميع مكاسبهم المعنوية وأدعيتهم حسب قاعدتنا المقررة.
كنت أرغب أن أكتب إليكن أكثبث -باذا ولكن اكتفيت بهذا القَدر لمرضي الشديد وضعفي الشديد وشيخوختي وهرمي، وواجبات كثيرة تنتظرني كتصحيح الرسائل.
الباقي هو الباقي
أخوكم المحتاج إلى دعائكن
سعيد النهل له #287
(مسألة مهمة أُخطرت على القلب فجأة)
تنبيهإنَّ دأب "رسائل النور" في الخطاب هو الرحمة والشفقة والرأفة، لذا يرتبط معها النساءُ اللاتي يمَا مِبالشفقة والحنان أكثر من الرجال. أما هذا البحث فإنه موجه إلى اللاتى يُقلدن الأجنبيات تقليدًا أعمى، لذا تبدو فيه الشدة في الكلام، وليس ذلك إلّا لتنبيه الغافلات وإيقم تعملأما أخواتُنا رائدات الشفقة والحنان فنرجو ألّا تزعجهن شدة الكلام.
يُفهم من روايات الأحاديث النبوية أن النساء وفتنتهن ستؤدى أخطرَ دور وأرهبَه في فتنة آخر الزمان.
نعم، كما تنقل لنا كتب التاريخ: أنه كانت في القرون الأولى طائ الإيم النساء اشتهرن بالشجاعة وحمل السلاح يعرفن بی"نساء الأمازون" حتى تشكلت منهن فرقة عسكرية اقتحمت حروبًا ضارية، كذلك في عصرنا هذا، لدى تصدى ضلالة الزندقة للإسلام وحربها معه فإن أرهب فرقة من الفرورًا وغيرة على الإسلام والتي تسير وفق مخطط النفس الأمّارة بالسوء، وسلَّمت قيادَها وإمرتها إلى الشيطان، هي طائفة من النساء الكاسيات العاريات اللائى يكشفن عن سيقانهن ويجعلنها سلاحًا قاسيًا جارحًا ينیزل بطعناته على أهل الإيمان! فيغل، والاك بابَ النكاح ويفتحن أبواب السفاح، إذ يأسرن بغتة نفوسَ الكثيرين ويجرحنهم جروحًا غائرة في قلوبهم وأرواحهم بارتكابهم الكبائر، بل ربما يصرعن قسمًا من تلك القلوب ويقضين عليها.
البدو لعقاب عادل لهن، أن تصبح تلك السيقانُ المدججة بسلاح الفتنة الجارح حطبَ جهنم وتحرق في نارها أول ما يحرق، لِما كن يكشفنها لبضع سنوات أمام من يَحْرُم عليهن.
— 288 —
فضلًا عن ذلك فإنهن يفقدن الزوج المناسب ذلك دبل لا يستطعن الحصول عليه وهن في أمس الحاجة إليه بحكم الفطرة والخلقة، لِما كنّ قد ضيّعن الثقة والوفاء في الدنيا، بل يصبحن في حالة من الابتذال وفقدان الرعاية والأهمية -نتيجة عدم الرغبة في النكاح وعدم الرعاية لحقوقه- أن يكون رجل واحدلمشاهدا على أربعين من النساء، كما ورد ذلك في الحديث الشريف. [٭]: عن أنس رضي اللّٰه عنه قال: لأحدثنكم حديثًا لا يحدثكم أحد بعدى، سمعت رسول اللّٰه (عِ الأل: (من أشراط الساعة أن يقل العلم ويظهر الزنا وتكثر النساء ويقل الرجال حتى يكون لخمسين امرأة القيّمُ الواحد) البخاري - كتاب العلم - باب رفع القد ذكرهور الجهل.
فما دامت الحقيقة هكذا.. وما دام كلُّ جميل يحب جمالَه، ويحاول جهده المحافظة عليه، ولا يريد أن يُمَسّ بسوء.. وما دام الجمال نعمةً مهداةً، و والمع إن حُمدَ زادت وإن قوبلت بالنكران تغيّرت.. فلاشك أن المرأة المالكة لرُشدها ستهرب بشدة وبكل ما لديها من قوة من أن تجعل جمالَها وسيلة لكسب الخطايا والذنوب وسَوق الآخرين إليها.. وستفرّ حتمًا مِنْ أن امتثامالها يتحول إلى قبح دميم وجمال منحوس مسموم.. وستنهزم بلا شك من أن تجعل بالنكران تلك النعمة المهداة وتصبح مدار عذاب وعقاب.
لذا ينبغي للمرأة الحسناء استعمال جمالها علفَالشّه المشروع ليظل ذلك الجمال الفاني خالدًا دائمًا بدلًا من جمال لا يدوم سوى بضعَ سنين، فتكون عندئذ قد أدت شكرَ تلك النعمة. وإلّا ستتجرع الآلام والعذاب في وقت ش وإنماا، وستبكي وتندب على نفسها يائسة نادمة لشدة ما ترى من استثقال الآخرين لها وإعراضهم عنها.
أما إذا زُين ذلك الجمال بزينة آداب القرآن الكريم وروعي الرعاية اللائقة ضمن نطاق التربية الإسلامية، فسيظل ذلك الجمالُ الفاني باقيًا -ممُتَزَوستمنح المرأة جمالًا هو أجمل وأبهى وأحلى من جمال الحور العين في الجنة الخالدة كما هو ثابت في الحديث الشريف. [٭]: في الباب أحاديث كثيرة نذكر منها: عن أم سلمة زوج النبي (ص) قالت: (في حديث الْمَطقلت: يا رسول اللّٰه أنساء الدنيا أفضل أم الحور العين؟ قال: نساء الدنيا أفضل من الحور العين كفضل الظهارة على البطانة. قلت: يا رسول اللّٰه. وبمَ ذلك؟ قال: بصلاتهن وصيامهن وعبادتهن للّٰه عز وجل ألبس اللّٰه عز وجل وجوههن النور وأجسادهن الحريمكلوم الألوان، خضر الثياب، صفر الحلي... الخ الحديث.. الطبرانى، المعجم الكبير والأوسط وهذا لفظه (عن الترغيب والترهيب للمنذري ٤/٥٣٧). فلئن كانت لتلك المرأة مسكة من عقل، فلن تدع هذه النتيجة الباهرة الخالدة قطعًا أن تضيع منها.
— 289 —
اللمعة المطيعي والعشرون
وهي خمسة وعشرون دواء
هي عيادة للمريض، وبلسم للمرضى، ومرهمُ تسلية لهم، ووصفة معنوية، وقد كُتبت بمثابة القول المأثور: "ذهب وَهُوَوحمدًا للّٰه على السلامة".
تنبيه و اعتذارتم تأليف هذه الوصفة المعنوية بسرعة تفوق جميع ما كتبناه (٭): نعم نشهد أن تأليف هذه الرسالة قد تم خلال أربع ساعات ونصف الساعة. ( رشدي، رأفت، خسرو، سعيد). (المؤلف) ولضيئل علمت كان تصحيحُها وتدقيقها -بخلاف الجميع- بنظرة خاطفة في غاية السرعة كتأليفها، فظلت مشوشة كالمسودة الأولى، ولم نَرَ حاجة للقيام بتدقيقات جديدة، حيث إنَّ الخواطر ثيرًا رد القلب فطريًا لا ينبغي إفسادها بزخرف القول والتفنن والتدقيق، فالرجاء من القراء وبخاصة المرضى منهم ألّا يضجروا من العبارات غير المأنوسة والجمل الصعبة وأن يدعوا لي بظهر الغيب.
سعيد النورسي
— 290 —
بسم اللّٰه الرحمن الرأكثر أالذينَ اذا أصابَتهُم مُصيبَةٌ قالوا إنا للّٰه وإنا إليهِ راجعون
(البقرة:١٥٦)
والذي هُوَ يُطعِمُني وَيسقين ٭ واذا مَرِضتُ فهوَ يَشفين
(الشعراء:٧٩-٨٠)
في هذه اللمعة نبين خمسة وِ والتدواءً بيانًا مجملًا تلك الأدوية التي يمكن أن تكون تسليةً حقيقية ومرهمًا نافعًا لأهل البلاء والمصائب وللمرضى العليلين الذين هم عُشر أقسام البشرية.
الدواء الأولأيها ا تملكيالعاجز! لا تقلق، اصبر! فإن مرضك ليس علّة لك بل هو نوع من الدواء؛ ذلك لأن العمر رأسُ مال يتلاشى، فإن لم يُستثمَر فسيضيع كل شيء، وبخاصة إذا انقضى بالراحة والغفلة وهو يحث النورإلى نهايته، فالمرض يكسب رأسَ مالك المذكور أرباحًا طائلة، ولا يسمح بمضيّه سريعًا، فهو يُبطئ خطواتِ العمر، ويمسكه، ويطوّله، حتى يؤتىَ ثماره، ثم يغدو إ الدنيه. وقد ذهب طولُ العمر بالأمراض مثلًا، فقيل: ألا ما أطولَ زمنَ النوائب وما أقصر زمن الهناء!.
الدواء الثانيأيها المريض النافدُ الصبر! تاء، وجالصبر! بل تجمّل بالشكر، فإنَّ مرضك هذا يمكنه أن يجعلَ من دقائق عمرك في حكم ساعاتٍ من العبادة، ذلك لأن العبادة قسمان:
الأولى:العبادة الإن هما: المتجسّدة في إقامة الصلاة والدعاء وأمثالها.
الثانية:العبادة السلبية التي يتضرع فيها المصاب ملتجئًا إلى خالقه الرحيم مستجيرًا به متوسلًا إليه، منطلقًالمؤلف)اسيسه التي تُشعره بعَجزه وضعفه أمام تلك الأمراض والمصائب. فينال بذلك التضرع عبادةً معنوية خالصة متجردة من كل أنواع الرياء.
— 291 —
نعم، هناك رواياتٌ صحيحة على أن العمر الممزوجَ بالمرض والسقم يُعدّ ل شيء عبادة [٭]: انظر البخاري، الجهاد ١٣٤؛ أحمد بن حنبل، المسند، ٤/٤١٠؛ البيهقي، شعب الإيمان ٧/١٨٢. على شرط عدم الشكوى من اللّٰه سبحانه. بل هو ثابت بعدة روايات صحيحة وكشفيات صادقة كون دقيقة واحدة من مرض ُورونَ الشاكرين الصابرين هي بحكم ساعةِ عبادة كاملة لهم، وكونُ دقيقة منه لقسم من الكاملين هي بمثابة يوم عبادة كاملة لهم. فلا تشكُ -يا أخي- من مرضٍ يجعل من دقيقة عصيبة عليك ألفَ دقيقة ويمدّك بعمرٍ طويل مديد! بل كن شاكرًا له.
فلم تلدواء الثالثأيها المريض الذي لا يطيق! إنَّ الإنسان لم يأت إلى هذه الدنيا للتمتع والتلذذ. والشاهد على ذلك: رحيل كل آتٍ، وتشيّب الشباب، وتدحرجُ الجميع في دوّامة الزوال والفراق. وبينا ترى الإنسان أكملَ الإلهء وأسماها وأغناها أجهزةً بل هو السيد عليها جميعًا، إذا به بالتفكر في لذات الماضي وبلايا المستقبل، يقضي حياته في كدَرٍ ومشقة هاويًا بنفسه إلى دركاتٍعجزات من الحيوان.
فالإنسان إذن لم يأت إلى هذه الدنيا لقضاء عيش ناعم جميل مغمور بنسمات الراحة والصفاء، بل جاء إلى هنا ليغنم سعادةَ حياةٍ أبدية دائمة بما يُسّر له من سبُل التجارة برأس ماله العظيم الذي هو العمر. فإذا بسنةٍالمرضُ، وقع الإنسان في الغفلة نتيجة الصحة والعافية، وبدت الدنيا في عينيه حلوةً خضرة لذيذة، فيصيبه عندئذ مرضُ نسيان الآخرة، فيرغب عن ذكر الموت والقبر، ويهدر رأسَ مال عمره الثمين هباءً منثورًا.. في حين أن المرض سرعان ما يوقظه مفتّحا ولغديه، قائلًا له: "أنت لست خالدًا ولست سائبًا، بل أنت مسخّر لوظيفة، دع عنك الغرور، اذكر خالقك.. واعلم بأنك ماضٍ إلى القبر، وهيئ نفسك وجهّزها هكذا".
فالمرض إذن يقوم بدور مرشد ناصح أمين موقظ، فلا داعي بعدُ إلى الشكوى منلعوارضيجب التفيّؤ في ظِلال الشكر -من هذه الناحية- وإذا ما اشتدت وطأتُه كثيرًا فعليك بطلب الصبر منه تعالى.
— 292 —
الدواء الرابعأيها المريض الشاكي! اعه هُوَ ليس لك حق في الشكوى، بل عليك الشكر، عليك الصبر؛ لأنَّ وجودك وأعضاءك وأجهزتك ليست بملكك أنت، فأنت لم تصنعها بنفسك، وأنت لم تبتعها من أية شركة أو مصنع ابتياعًا، فهي إذن ملكٌ لآخر. ومالكُ تلك الأشياء يتصرف في ملكه كيف يشن يرى ا ورد ذلك في مثال في "الكلمة السادسة والعشرين الخاصة بالقَدَر" وهو: أنَّ صانعًا ثريًا ماهرًا يكلّف رجلًا فقيرًا لقاء أُجرة معينة ليقوم له لمدة ساعة بدور "الموديل" النموذج. فلأجل إظهقية، اته الجميلة وثروته القيّمة يُلبسه القميصَ المزركش الذي حاكه، والحُلَّة القشيبة المرصعة التي نسجها في غاية الجمال والصنعة، وينجز عليه أعمالًا ويُظهِر أوضاعًا وأشكالًا شتى لبيان خوارق صنعته وبدائع مهارته، فيقصّ ويبدل، ويطوّل، ويقصر، نقطة .
فيا تُرى أَيَحِقُّ لذلك الفقير الأجير أن يقول لذلك الصانع الماهر: "إنك تتعبني وترهقني وتضيّق عليّ بطلبك مني الانحناء مرةً والاعتدال أخرى.. وإنك تشوّه الجمال المتألق على هذا القميص الذي يجمّلالتَّیي ويزيّن قامتي بقصّك وتقصيرك له.. إنك تظلمني ولا تنصفني؟".
وكذلك الحال بالنسبة للصانع الجليل سبحانه وتعالى -وللّٰه المثل الاعلى- الذي ألبسك أيها المريض قميص الجسد، وأودع فيه الحواس النورانية المرصعة كالعين والأ
أعقل، فلأجل إظهار نقوش أسمائه الحسنى، يبدّلك ضمن حالات متنوعة ويضعك في أوضاع مختلفة. فكما أنك تتعرف على اسمه "الرزاق" بتجرّعك مرارةَ الجوع، تتعرف على اسمه "الشافي" بمرضك.
ونظرًا لدباره-سم من أحكام أسمائه الحسنى بالآلام وانكشافه بالمصائب، ففيها لمعاتُ الحكمة وشعاعات الرحمة وأنوار الجمال. فإذا ما رُفع الحجاب فستجد فيما وراء مرضك الذي تستوحش منه وتنفر، معانيَ عميقةً جميلة محببة ترتاح إليها، تلك التي كانت تنزوي وتجد داب المرض.
— 293 —
الدواء الخامسأيها المبتلى بالمرض! لقد توافرت لديّ القناعة التامة خلال تجربتي في هذا الزمان، بأنَّ المرض نوعٌ من الإحسان الإلهي والهدية الرحمانية لقسم من الناس. [٭]: عن أبي هريرة رضي اللّٰه عنه أن النبي (ص) قا إلّا ن يرد اللّٰه به خيرًا يُصب منه". البخاري، المرضى ١. فقد التقاني بعضُ الشباب في هذه السنوات الثماني أو التسع، لمعاناتهم المرض، ابتغاء دعائي لهم، رغم أنى لست أهلًا لذلك. فلاحظت أحابة ركان منهم يعاني مرضًا هو أكثر تفكرًا في الآخرة وتذكرًا لها، وليس ثملًا بغفلة الشباب، بل كان يقي نفسَه -إلى حدّ ما- تحت أوجاع المرض وأوصابه ويحافظ عليها من الشهوات الحيوانية. ورآن الكّرهم بأني أرى أن أمراضَهم هذه، ضمن قابليتهم على التحمّل إنما هي إحسانٌ إلهي وهبة منه سبحانه. وكنت أقول: "يا أخي! أنا لست ضد مرضك هذا ولا عليه، فلا أشعر بشفقة عليك ورأفة لأجل مرضك، كي أقوم بالدعاء لك، فحاول التجمل بالصبر والثبات أمام هذا المربالوحي تتحقق لك الإفاقة والصحوة؛ إذ بعد أن ينهي المرض مهامَّه سيشفيك الخالقُ الرحيم إن شاء". وكنت أقول أيضًا: "إنَّ قسمًا من أمثالك يزعزعون حياتهم الأبدية بل يهدمشر هي مقابل متاع ظاهري لساعة من حياة دنيوية، وذلك لمضيّهم سادرين في الغفلة الناشئة من بلاء الصحة، هاجرين الصلاة ناسين الموت وغافلين عن اللّٰه عز وجلالإيماأنت فترى بعين المرض القبرَ الذي هو منزلُك الذي لا مناص من الذهاب إليه، وترى كذلك ما وراءه من المنازل الأخروية الأخرى، ومن ثم تتحرك وتتصرف على وفق ذلك. فمرضُك المدينما هو بمثابة صحةٍ لك، والصحةُ التي يتمتع بها قسم من أمثالك إنما هي بمثابة مرضٍ لهم".
الدواء السادسأيها المريض الشاكي من الألم! أسألك أن تعيد في نفسك ما مضى من عمرك وأن تتذكر الأيام الهانئة اللذيذة السابقةلحطّ مك العمر والأوقات العصيبة والأليمة التي فيه.
فلا جرم أنك ستنطق لسانًا أو قلبًا: إما بی"أوه" أو "آه". أي إما ستتنفس الصعداء وتقول: "الحمد للّٰه والشكر له" أو ستتنهد عميقًا قائلًا: "وا ى وجود!. وا اسفاه!". فانظر كيف أنَّ الآلام والنوائب التي عانيتَ منها سابقًا عندما خَطَرتْ بذهنك غمرتك بلذة معنوية، حتى هاج قلبُك بی"الحمد للّٰه و"كذا..له"؛ ذلك لأنَّ زوال الألم يولّد لذة وشعورًا بالفرح.
— 294 —
ولأنَّ تلك الآلام والمصائب قد غَرست بزوالها لذةً كامنة في الروح سالت بتخطرها على البال وخروجها من مكمنها حلاوةً وا، مظه وتقطرت حمدًا وشكرًا. أما حالات اللذة والصفاء التي قضيتَها والتي تنفث عليها الآن دخان الألم بقولك: "وا أسفاه، وا حسرتاه" فإنها بزوالها غَرست في روحك ألمًا مضمرًا دائمًا، وها هو ذا الألم تتجدّد غصّاتُه الآن بأقل تفكرٍ في غياب بشيء لذات، فتنهمر دموعُ الأسف والحسرة. فما دامت اللذةُ غير المشروعة ليوم واحد تذيق الإنسان -أحيانًا- ألمًا معنويًّا طوال سنة كاملة، وأن الألم الناتج من يوم مرض مؤقت يوفر لذةً معنوية لثواب أيام ععلى عجًا عن اللذة المعنوية النابعة من الخلاص منه، فتذكّر جيدًا نتيجة المرض المؤقت الذي تعانيه وفكّر في الثواب المرجو المنتشر في ثناياه، وتشبث بالشكر وترفّع عن الشلتفكر ل: "يا هذا.. كل حالٍ يزول..".
الدواء السادس
(٭): نظرًا لورود هذه اللمعة فطريًا دون تكلف وتعمّد، فقد كُتبت في المرتبة السادسة دواءان، وإحجامًا عن الإقحام في فطريتها، فقد تركناها كما هي ولم نجرؤ على تبديهواجس منها خوفًا من وجود سرّ في المسألة. (المؤلف).
أيها الأخ المضطرب من المرض بتذكر أذواق الدنيا ولذائذها! لو كانت هذه الدنيا دائمةً فعلًا، ولو انزاح الموت عن طريقنا فعلًحي الق انقطعت أعاصيرُ الفراق والزوال عن الهبوب بعد الآن، ولو تفرغ المستقبل العاصف بالنوائب عن مواسم الشتاء المعنوية، لانخرطتُ في صفك ولرثيتُك باكيًا لحالك. ولكن مادامت الدنيا ستخرجنا منها قائلة: "هيا اقْدِير.!." صامّة آذانَها عن صراخنا واستنجادنا. فعلينا نحن قبل أن تطردنا هي نابذة لنا، أن نهجر عشقَها والإخلاد إليها من الآن، بإيقاظات الأمراض والسعي لأجل التخلي عن الدنيا قلبًا ووجدانًا قبل أن تتخلى هي عنّا.
نعم،اس كافمرض بتذكيره إيانا هذا المعنى اللطيف والعميق، يهمس في سرائر قلوبنا قائلًا:
"بنيتُك ليست من الصُلبِ والحديد بل من موادَّ متباينةٍ مركبة فيك، ملائمة كل التلاؤم للتحلل والتفسخ والتفرق حالًاات. وعنك الغرور وأدرك عجزَك وتعرّف على مالكك، وافهم ما وظيفتُك وتعلّم ما الحكمة والغاية من مجيئك إلى الدنيا؟".
ثم ما دامت أذواق الدنيا ولذاتُها لا تدوم، وبخاصة إذا كانت غيرَ مشروعة، بل تب جَميعالنفس الألمَ وتكسبه ذنبًا وجريرة، فلا تبك على فقدك ذلك الذوق بحُجة المرض، بل تفكّر
— 295 —
في معنى العبادة المعنوية التي يتضمنها مرضُك والثواب الأخروي الذي يخفيه لك، واسعَ لتنال ذلك عقلي الخالص الزكي.
الدواء السابعأيها المريض الفاقد لنعمة الصحة! إنَّ مرضك لا يُذهب بلذة النعمة الإلهية في الصحة بل على العكس، إنه يذيقك إيّاها ويطيّبها ويزيدها لذة، ذلك أنَّ شيئًا ما إذا دام واستمر على حاله يفقد طعمَه وتأثيره. حتى اتفق أهلكون، ق على القول: "إنما الأشياء تُعرف بأضدادها.." فمثلًا: لولا الظلمةُ لما عُرف النور ولظل دون لذة، ولولا البرودة لما عُرفت الحرارة ولبقيت دون استساغة، ولولا اظهن. لما أعطى الأكل لذتَه وطعمه، ولولا حرارة المعدة لما وَهَبنا احتساءُ الماء ذوقًا، ولولا العلّة لكانت العافية بلا ذوق، ولولا المرض لباتت الصحةُ عديمةَ اللذة.
إنَّ الفاطر الحكيم لمّا أراد إشلألسنةلإنسان وإحساسه بمختلف إحساناته وإذاقته أنواع نِعَمه سَوقًا منه إلى الشكر الدائم، جهّزه بأجهزة في غاية الكثرة لتُقبل على تذوّق تلك الآلاف المؤلفة من أنواع النعم المختلفة، لذا فلابد من أنه سيُنزل الأمراض والأسقام والعلل أيضًا مثلما يُلطف ويُربط رلصحة والعافية.
وأسألك:"لو لم يكن هذا المرض الذي أصاب رأسَك أو يدك أو معدتك.. هل كان بمقدورك أن تتحسس اللذةَ الكامنة في الصحة التي كانت باسطةً ظِلالَها على رأسك أو يدك أو معدتك؟ وهل كنت تتمكن من أن تتذوق وتشكر اأول نرالإلهية التي جسّدتها تلك النعمة؟ بل كان الغالب عليك النسيان بدلًا من الشكر، أو لكنتَ تصرف تلك الصحة بطغيان الغفلة إلى سفاهة دون شعور!".
الدواء الثامنأيها المريض الذاكر لآخرته! إنَّ مرضك كمفعول الصابون، يُطَهّر أدرانَك، ابتداءعنك ذنوبك، وينقّيك من خطاياك. فقد ثبت أن الأمراض كفّاراتٌ للذنوب والمعاصي، وورد في الحديث الصحيح: (ما من مسلم يصيبه أذًى إلّا حاتّ اللّٰه عنه خطاياه كما يا حَورقُ الشجر) [٭]: البخاري، المرضى ١، ٢، ١٣، ١٦؛ مسلم، البر ١٤؛ الدارمي، الرقاق ٥٧؛ أحمد بن حنبل، المسند ١/٣٧١، ٤٤١، ٢/٣٠٣، ٣٣٥، ٣/٤ ، ١٨، ٣٨، ٤٨، ٦١، ٨١. والذنوب هي أمراضٌ دائمة في الحياة الأبدية. وهي، فَلذه الحياة الدنيا أمراض
— 296 —
معنوية في القلب والوجدان والروح. فإذا كنت صابرًا لا تشكو نجوتَ بنفسك إذن بهذا المرض العابر من أمراض دائمة كثيرة جدًّا. وإذا كنت لاهيًا عن ذنوبك، ناسيًا آخرتك غافلًا عن ربك، فإني أؤكد معاناتك من داءٍدِكَ.
هو أخطرُ وأفتك وأكبر بمليونِ مرة من هذه الأمراض المؤقتة، ففرّ منه واصرخ..! لأنَّ قلبك وروحك ونفسك كلَّها مرتبطةٌ بموجودات الدنيا قاطبة، وأن تلك الأواصر تنقطع دومًا بسيوف الفراق والزوال فاتحة فيك جروحًا عميقمر، وإاصة أنك تتخيل الموت إعدامًا أبديًا لعدم معرفتك بالآخرة. فكأن لك كيانًا مريضًا ذا جروح وشروخ بحجم الدنيا، مما يحتم عليك قبل كل شيء أنْ ت الآخر العلاج التام والشفاء الحقيقي لكيانك المعنوي الكبير الذي تفسّخه العللُ غير المحدودة والكُلوم غير المعدودة، فما أظنك تجدها إلّا في علاج الإيمان وبلسمه الشافي، واعلم أن أقصر طريق لبلوغ ذلك العلاج هو الإطلال من نافذتَي "العجز والفقر" اللتين تتفتحًا لذلزيق المرض المادي لحجاب الغفلة واللتين جُبلَ الإنسانُ عليهما، وبالتالي تبلغ معرفة قدرة القادر ذي الجلال ورحمته الواسعة.
نعم إنَّ الذي لا يعرف اللّٰه يحمل فوق رأسه همومًا وبلايا بسعة الدن ومصبا فيها، ولكن الذي عرف ربه تمتلئ دنياه نورًا وسرورًا معنويًّا، وهو يشعر بذلك بما لديه من قوة الإيمان -كل حسب درجته- نعم، إن ألم الأمراض المادية الجزئية يذوب وينسحق تحت وابل السرور المع جلال لشفاء اللذيذ القادمين من الإيمان.
الدواء التاسعأيها المريض المؤمن بخالقه! إنَّ سبب التألم من الأمراض والخوف والفزع منها ينبع من كون المرض أحيانًا وسيلةً للموت والهلاك، ولكون الموت -بنظر الغفلة- مرعبًا مخيفًا ظمن الأ فإن الأمراض التي يمكن أن تكون وسائل له، تبعث على القلق والاضطراب.
أولًا:فاعلم وآمن قطعًا أنَّ الأجل مقدّرٌ لا يتغيّر. فقد حدث أنْ مات أولئك الباكون عند المحتضرين في مرضهم. مع أنهم كانوا يتمتعون بصحة وعافنة تلكفي أولئك المرضى الذين كانت حالتهم خطرة وعاشوا بعد ذلك أحياءً يُرزقون.
ثانيًا:إنَّ الموت ليس مخيفًا في ذاته، كما يبدو لنا في صورته الظاهر"، "ذرد أثبتنا في رسائل كثيرة إثباتًا قاطعًا -دون أن يترك شكًا ولا شبهة- بموحيات نور القرآن الكريم: أنَّ
— 297 —
الموت للمؤمن إعفاءٌ وإنهاء من كلفة وظيفة الحياة ومشقتها.. وهو تسريح من العبودية التي هي تعليم وتدريب في ميدان ابتلاء الدنيا.. وهو بابُ وصا الذي قاء تسعة وتسعين من الأحبة والخلّان الراحلين إلى العالم الآخر.. وهو وسيلةٌ للدخول في رحاب الوطن الحقيقي والمقام الأبدي للسعادة الخالدة.. وهو دعوة للانتقال من زنزانة الدنيا إلى بساتين الجنة وار هذها.. وهو الفرصة الواجبة لتسلّم الأجرة إزاء الخدمة المؤداة، تلك الأجرة التي تُغدق سخية من خزينة فضل الخالق الرحيم.
فما دامت هذه هي ماهية الموت -من زاوية الحقيقة- فلا ينبغي أن بط الت إليه كأنه شيء مخيف، بل يجب اعتباره تباشيرَ الرحمة والسعادة. حتى إن قسمًا من "أهل اللّٰه" لم يكن خوفُهم من الموت بسبب وحشة الموت ودهشته، وإنجم ضربب رغبتهم في كسب المزيد من الخير والحسنات بإدامة وظيفة الحياة.
نعم إنَّ الموت لأهل الإيمان باب الرحمة. وهو لأهل الضلالة بئر مظلمة ظلامًا أبديًا.
نيازك،دواء العاشرأيها المريض القلق دون داع للقلق! أنت قلقٌ من وطأة المرض وشدته، فقلقك هذا يزيد ثقلَ المرض عليك. فإذا كنت تريد أن تخفف المرض عنك، فااكمية دًا للابتعاد عن القلق. أي تفكّر في فوائد المرض، وفي ثوابه، وفي حثه الخطى إلى الشفاء. فاجتث جذورَ القلق من نفسك لتجتث المرض من جذوره.
نعم، إنَّ القلق (أو الوسوسة) يضاعف مرضكإلّا وه مرضين. لأنَّ القلق يبث في القلب -تحت وطأة المرض المادي- مرضًا معنويًّا، فيدوم المرضُ المادي مستندًا إليه، فإذا ما أذهبتَ عنك القلقَ والك بسرّبتسليم الأمر للّٰه والرضا بقضائه، وباستحضار حكمة المرض، فإنَّ مرضك المادي سيفقد فرعًا مهمًا من جذوره فيُخفف، وقسمٌ منه يزول، وإذا ما رافقت المرض المادي أوهامٌ وهلذهاب قد يكبر عُشرَ مِعشار تلك الأوهام بوساطة القلق إلى معشار، ولكن بانقطاع القلق يزول تسعة من عشرة من مفعول ذلك المرض، وكما أنَّ القلق يزيد المرض، كذلك يجعل المريض كأنه يتهم الحكمة الإلهية وينتقد الرحمة الإلهية ويشكو من خالقه الرحيم، لذا يْدِيَةالمريضُ بلطمات التأديب -بخلاف ما يقصده هو- مما يزيد مرضَه. إذ كما أنَّ الشكر
— 298 —
يزيد النعمَ فالشكوى كذلك تزيد المرض والمصيبة. هذا وإن القلق فْبَةِ ذاته مرض، وعلاجه إنما هو في معرفة حكمة المرض. وإذا ما عرفت حكمتَه وفائدته، فامسح قلقك بذلك المرهم وانج بنفسك وقل بدلًا من "وآ أسفاه": "الحمد للّٰه ف الظل حال".
الدواء الحادي عشرأيها الأخ المريض النافد صبرُه! مع أنَّ المرض يعطيك ألمًا حاضرًا فهو يمنحك في الوقت نفسه لذة معنوية مستدرّة من زوال مرضك السابق، مع لذةٍ روح تثبت عة من الثواب الحاصل من جراء ذلك المرض. فالزمان القابل بعد اليوم، بل بعد هذه الساعة لا يحمل مرضًا. ولا شك أنه لا ألمَ من غير شيء، وما لم يكن هناك ألمٌ فلا توجّع ولا شكوى. ولكن لأنك تتوهم توهمًا خطأً فإن الجزع ينتابك، إذ مع زوال فتر العَاض المادي قد ذاب ألمُ تلك الفترة أيضًا وثبت ثوابُ المرض وبقيت لذةُ زواله.. فمن البلاهة بل من الجنون أنْ تتذكر بعد الآن المرض السابق وتتألم منه، فتفقد صبرك وينفد السر. ي حين يلزمك الانشراح بذهابه والارتياح بثوابه. أما الأيام القابلة فإنها لم تأت بعد. أليس من البلاهة إشغال النفس من الآن بالتفكر في يوم لم يولد بعد، وفي مرض لم ينزل بعد وفي ألم لم يقع بعد؟. فهذا النوع من التوهم -نتيجة التفكر المرير وتحميل الن بين اًا موجعًا- يدفع إلى فقدان الصبر ويُصبغ ثلاثة أنواع من العدم بثلاث مراتب من الوجود. أليس هذا جنونًا؟. فما دامت أزمنة المرض التي سبقت هذه الساعة تبعث على النشوة والحبور، وما دام الزمر من خقابل بعد هذه الساعة معدومًا، فالمرض معدوم والألم معدوم.
فلا تبذّر يا أخي ما وهب لك الحق سبحانه وتعالى من قوة الصبر يمينًا وشمالًا. بل احشدها جميعًا مقابل الألم الذي يعتريك في هذه الساعة وقل: "يا صبور" وتحمل صابرًا محتسبًا!...
َقيَ ب الثاني عشرأيها المريض المحروم من العبادة ومن أوراده بسبب المرض! ويا أيها الآسف على ذلك الحرمان! اعلم أنه ثابت في الحديث الشريف [٭]: عن أبى موسى أن النبي (ي جبال: "إذا مرض العبد أو سافر، كتب اللّٰه تعالى له من الأجر مثل ما كان يعمل صحيحًا مقيمًا". البخاري، الجهاد ١٣٤؛ أبو داود، الجنائز ١؛ أحمد بن حنبل، المسند ٤/ ٤١٠، ٤١٨.. ما معناه: (أن المؤمن التقي يأتيه ثواب ما كان
— 299 —
يؤديه من العبا الشام في أثناء مرضه، فالمرض لا يمنع ثوابه). فإن المريض المؤدي للفرائض -على قدر استطاعته- سينوب المرضُ عن سائر السُنن ويحل محلّها أثناء شدة الممل فيهبةً خالصة، لما يتجمل ذلك المريض بالصبر والتوكل والقيام بالفرائض، وكذا يُشعر المرضُ الإنسانَ بعجزه وضعفه، فيتضرع المريض بذلك العجز وذلك الضعف بالدعاء حالًا وقولًا. ولم يُودع اللّٰه سبحانا وَأحلى في الإنسان عجزًا غير محدود وضعفًا غير متناه إلّا ليلتجئ دائمًا إلى الحضرة الإلهية بالدعاء سائلًا راجيًا، حيث إن الحكمة من خلق الإنسان والسبب الأساس لأهميته هوعمرات ء الخالص بمضمون الآية الكريمة:
قُل مَا يَعبَؤا بِكُم رَبيّ لَولا دُعاؤكُم
(الفرقان: ٧٧) ولكون المرض سببًا للدعاء الخالص، فلا تصحُّ الشكوة إلى بل يجب الشكر للّٰه؛ إذ لا ينبغي أن تُجَفّف ينابيعَ الدعاء التي فجّرها المرضُ عند كسب العافية.
الدواء الثالث عشرأيها المسكين الشاكي من الملوارث َّ المرض يغدو كنزًا عظيمًا لبعض الناس، وهدية إلهية ثمينة لهم. وباستطاعة كل مريض أن يتصور مرضَه من هذا النوع، حيث إنَّ الحكمة الإلهية اقتضت أنْ يكون الأجلُ مجهولًا وقتُه، إنقاذًا للإنسان من اليأس المطلق وشف الحفلة المطلقة، وإبقاءًا له بين الخوف والرجاء، حفظًا لدنياه وآخرته من السقوط في هاوية الخسران.. أي أن الأجل متوقع مجيئُه كل حين، فإن تمكّن من الإنسان وهو سادر في غفلته يكبّده خسائ تلك اة في حياته الأخروية الأبدية. فالمرض يبدد تلك الغفلة ويشتتها، وبالتالي يذكّر بالآخرة ويستحضر الموتَ في الذهن فيتأهب له. بل يحدث أن يربّحه ربحًا عظيمًا، فيفوز خلال عشرين ٌ وَبِبما قد يستعصي استحصاله خلال عشرين سنة كاملة. فعلى سبيل المثال:
كان هناك فَتَيان -يرحمهما اللّٰه- أحدهما يدعى "صبري" من قرية "إيلاما" والآخر "مصطفى وزير زاده" من "إسلام كوي" ورغم كونهما أُميين من بين طلابي، فقد كنتُ ألحظُ بإهِ بِموقعَهما في الصف الأول في الوفاء والصدق وفي خدمة الإيمان، فلم أدرك حكمة ذلك في حينها، ولكن بعد وفاتهما علمت أنهما كانا يعانيان من داءين ِ الجِ، وبإرشاد من ذلك المرض أصبحا على تقوى عظيمة يسعيان في خدمة راقية، وفي وضع نافع لآخرتهما، على خلاف سائر الشباب الغافلين الساهين حتى عن فرائضهم. فنسأل اللّٰه أن تكون سنتا المرض والمعاناة اللتان قضياهما في الحياة الدنيا ى سيدنلتا إلى ملايين السنين من سعادة الحياة الأبدية.
— 300 —
والآن فقط أفهم أنّ دعائي لهما بالشفاء قد أصبح دعاءً عليهما من زاوية الدنيا، ولكن أرجو اللّٰه أن يكون دعائي مستجابًا لصحتهما الأخروية.
وهكذا استطاع هذان الشخصان -حسب اعتقادي- الحص لأن هى ربح يساوي الكسب الذي يحققه الإنسان بالسعي والتقوى لعشر سنين في الأقل، [٭]: عن أبى هريرة رضي اللّٰه عنه أن النبي (ص) قال:"إن الرجل ليكون له عند اللّٰه المنزلةُ، فما يبلغها بعمل، فما يزالُ اللّٰه يبتليهضوء واكره حتى يُبلغه إياها" أبو يعلى، المسند ٤/١٤٤٧؛ ابن حبان ، الصحيح ٦٩٣؛ الحاكم، المستدرك ١/٣٤٤ . فلو كانا متباهيَين بصحتهما كبعض الشباب وسائقَين لنفسيهما إلى شراك الغفلة والسفاهة حتى يأتيهمك العمتُ المترصد، وهما يتخبطان في أوحال الخطايا وظلماتها، لكان قبراهما الآن جحورَ العقارب والأفاعي بدلًا من كونهما الآن دفائن النور وكنوز البهجة.
فما دامت الأمراض تحمل في مضامينها هذه المنافع الكبيرة فلا يجوز الشكوقائق ا، بل يجب الاعتماد على الرحمة الإلهية بالتوكل والصبر بل بالحمد والشكر.
الدواء الرابع عشرأيها المريض المسدل على عينيه! إذا أدركتَ أن هناك نورًا، وأي نور! وعينًا معنوية تحت ذلك الحجاب المسدل على أعين أهل الإيمان، فستقول: "شكرًا و ألف شكر لرا قام حيم". وتوضيحًا لهذا المرهم سأورد الحادثة الآتية:
لقد أصيبت عمةُ "سليمان" وهو من "بارلا" الذي ظل يخدمني دون أن يملّني يومًا أو أتضايق بشيء إلّا بال ثماني سنوات خدمة مقرونة بكمال الوفاء والاحترام.. أصيبت هذه المسكينة بالعمى فانطفأ نورُ عينها، ولفرط حُسن ظن تلك المرأة الصالحة بي أكثر مما أستحق بكثير تشبثت بي وأنا أغادر في ال قائلة: "باللّٰه عليك ادع اللّٰه لي من أجل عيني"، وأنا بدوري جعلت صلاح تلك المرأة المباركة المؤمنة قرينًا وشفيعًا لدعائي فدعوتُ اللّٰه بتضرع وتوسل قائلًا: "اللهم يا ربنا بحرمة صلاحها اكشف عن بصرها". وفي اليوم التالي جاء طبيبهر مشااية "بوردور" القريبة، وهو مختص بالعيون، فعالجها، فردّ اللّٰه عليها بصرَها، وبعد أربعين يومًا عادت عينُها إلى حالتها الأولى، فتألمت لذلك كثيرًا ودى الوجاءً كثيرًا، وأرجو أن يكون دعائي مستجابًا على حساب آخرتها وإلّا فإن دعائي ذلك سيصبح -خطأً- دعاءً عليها، حيث قد بقيت لتستوفي أجلَها أربعين يومًا فقط؛ المؤلف أربعين يومًا مضت إلى رحمة اللّٰه.
— 301 —
وهكذا، فإن حرمان هذه المرأة المرجوّة لها الرحمة من نعمة النظر ببصر الشيخوخة العطوف والاستمتاع بجمال الحدائق الحزينة لی"بارلا" وإسدال الحجاب بينها وبين المروج اللطيفة خلال أربعين يومًا، قد عوّاء من الآن في قبرها، إطلالُها على الجنة ومشاهدة ألفاف حدائقها الخضراء لأربعين ألف يوم ويوم.. ذلك لأن إيمانَها كان راسخًا عميقًا وصلاحَها كان مشعًّا عظيمًا.
نعم، المؤمن إذا ما أُسدل على عيننْظِيمب ودخل القبر هكذا، فإنه يستطيع أن يشاهد عالم النور -حسب درجته- بنظر أوسع من نظر أهل القبور. إذ كما أننا نرى بعيوننا أكثر الأشياء في هذه الدنيا، والمؤمنون العميان لا يستطيعون رؤيتها، ففي القبر أيضًا سيرى أولئك العميان -بتلك الدرجة- إن الوقت أصحاب إيمان - أكثر مما يراه أهلُ القبور، وسيشاهدون بساتين الجنة ونعيمَها كأنهم مزوّدون بمراصد -كل حسب درجته- تلتقط مناظر الجنة الرائعة وتعرضها َه بحُة السينمائية أمام أعين أولئك المكفوفين الذين حُرِموا من نور أبصارهم في الدنيا.
فبإمكانك أيها الأخ الحصول على هذه العين النورانية التي تكشف عن الجنة فيما فوق السماوات العلى وأنت بعدُ تحيمضي. ى، وذلك بالصبر والشكر على ذلك الحجاب المُسدل على عينيك، واعلم أن الحكيم المختص بالعين والقادر على رفع ذلك الحجاب عن عينيك لترى بتلك العين النورانية، إنما هو القرآن الحكيم.
الدواء الخامس وأن فيها المريض المتأوّه بالأنين! لا تتأوه أبدًا ولا تئن ناظرًا إلى صورة المرض القبيحة المذمومة، بل انظر إلى معناه وفحواه وانبسط قائلًا: الحمد للّٰه.
فلو لم يكن معنى المرض شيئًا جميلًا لما كان الخالقُ الرحيم يبتلي أحبَّ أحبرِ عُسن عباده بالأمراض والأسقام، فقد جاء في الحديث الشريف: (أشدّ الناس بلاءً الأنبياء ثم الأولياء، ثم الأمثل فالأمثل) [٭]: هناك عدة أحاديث شريفة بهذا المعنى كلها صحيحة نختار واحدًا منها: عن أخت حذيفة رضي اللّٰه عنهما: أن رسو عِلْمٰه (ص) قال: (أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل) رواه الطبراني في الكبير (انظر صحيح الجامع الصغير برقم ١٠٠٥). أو كمخل
#47 ويقف في مقدمة المُبتلين النبي الصابر أيوب عليه السلام، ثم
— 302 —
الأنبياء الباقون عليهم السلام، ثم الأولياء ثم الصالحون. وقد تلقوا جميعًا تلك الدض التي قاسوها عبادةً خالصة وهدية رحمانية، فأدّوا الشكر من خلال الصبر، وكانوا يرونها نوعًا من العمليات الجراحية تُمنح لهم من لدن الرحمن الرحيم.
فأنت أيها المريض المتأوه المتألم! إنْ كنت تروم ولكن حاق بهذه القافلة النورانية، فأدِّ الشكر في ثنايا الصبر، وإلّا فإن شكواك ستجعلهم يحجمون عن ضمّك إلى قافلتهم، وستهوي بنفسك في هوة الغافلين! وستسلك دربًا تخيّم عليه الظلمات.
نعم، هناك أمراض إذذ الخاتها المنية، يُكَلل صاحبُها بشهادة معنوية تجعله يحرز مقام الولاية للّٰه، وهي تلك الأمراض التي تتمخض عن الولادة (٭): يمتد كسب هذا المرض للشهادة المعنوية لغاية انتهاء فترة النفاس وهي أربعون يومًا. (المؤلف). وغصص البطن، والغجزل شكحرق والطاعون، فهذه الأمراض إذا مات بها صاحبُها فإنه سيرتفع إلى درجة الشهيد المعنوي. فهناك أمراض كثيرة ذات بركة تكسب صاحبها درجة الولاية دة حتى الذي تنتهي به، [٭]: انظر: البخاري، الأذان، ٣٢، الجهاد ٣٠؛ المسلم، الإمارة ١٦٤؛ أحمد بن حنبل، المسند ٢/٣٢٤، ٥٣٣، ٥/٤٤٦؛ الحاكم، المستدرك ١/٥٠٣ ولما كان المرض يخفف من شدة حب الدنيا وغلوائها السجنشقها والعلاقة الشديدة بها فهو يخفف كذلك الفراق الأليم والمرّ لأهل الدنيا وهم يغادرونها بالموت بل قد يحببه إليهم.
الدواء السادس عشرأيها المريض الشاكي من الضجٰه هُوَ المرض يُلقّن صاحبَه أهم عرى الحياة الاجتماعية والإنسانية وأجمل أواصرها وهما الاحترام والمحبة، لأنه ينقذ الإنسان من الاستغناء عن الآخرين، ذلك الاستغناء الذي يسوق إلى الوحمَاتِ رد الإنسان من الرحمة، لأنه كما يتبيّن من الآية الكريمة:
إنَ الانسانَ ليطغى٭ أن رآهُ استغنى
(العلق:٦-٧) أنَّ النفس الأمارة الواقعة في شِباك الاستغناء -الناجم عن الصحة والعافية- لن تشعر بالاحترام اللائق تجاه العلاقات الأخوية، ولن تحس ب هذه ا والرأفة بالمبتلين بالمصائب والأمراض الجديرين بالرحمة والعطف. ولكن متى ما انتاب الإنسانَ المرضُ و أدرك مدى عجزه، ومدى فقره، تحت ضغوط المرض وآلامه وأثقاله فإنه يشعر بالاحترام لإخوانه المؤمنينتِهِمْقين بالاحترام الذين يقومون برعايته، أو الذين يأتون لعيادته، ويشعر كذلك بالرأفة الإنسانية وهي خصلة
— 303 —
إسلامية تجاه أهل المصائب والبلايا -قياسًا على نفسه- فتفيض من قلبه الرحمةُ والرأفة بكل معناهما تجاههم، وتضط*
ه الشفقة حارة إزاءهم، وإذا استطاع قدّم لهم يد العون، وإن لم يقدر عليه شرع بالدعاء لهم، أو بزيارتهم والاستفسار عن راحتهم وأحوالهم مؤديًا بذلك -بنمو مشروعة كاسبًا ثوابها العظيم. [٭]: انظر: مسلم، البر ٤٠؛ أبو داود، الجنائز ٧؛ الترمذي، الجنائز، ٢؛ البر ٦٤؛ ابن ماجه، الجنائز ١، ٢؛ أحمد بن حنبل، المسند ٢/والرقة٥٤؛ ابن حبان، الصحيح ٧/٢٢٨؛ البيهقي، شعب الإيمان ٦/٤٩٣
الدواء السابع عشرأيها المريض الشاكي من العجز عن القيام بإعمال البرِّ! كن شاكرًا! فإني أبشّرك بأنّخ الذييفتح أبوابَ أخلص الخيرات، إنما هو المرضُ نفسه، فالمرض فضلًا عن أنه يورث ثوابًا مستمرًّا للمريض وللذين يرعونه للّٰه، فهو يمثل أهم وسيلة لقبول الدعاء.
ا قد ق إنَّ رعاية المرضى تجلب لأهل الإيمان ثوابًا عظيمًا، وإن زيارتهم والسؤال عن صحتهم وراحتهم بشرط عدم تنغيصهم لهي من السُنة الشريفة، [٭]: انظر: البخاري، رفتم ج٣٩، الجزية ٦، المرضى ٤، ٥، ٩، ١١، ١٧؛ مسلم، السلام ٤٧، البر ٣٩-٤٣؛ أحمد بن حنبل، المسند ١/١٢٠، ١٣٨، ١٩٥؛ ابن حبان، الصحيح ٧/٦، ٢٢٢، ٢٤٠ وهي كفارة للذنوب في الوقت نفسه. وقد ورد حديث بهذا ارات، إ (اطلبوا دعاء المريض فدعاؤه مستجاب)، [٭]: ابن ماجه، الجنائز، ١؛ البيهقي، شعب الإيمان ٦/٥٤١. وبخاصة إنْ كان المريض من الأقربين، وبخاصة إن كان والدًا أو والدة، فإن خدمتهما هي عبادة مهمة وهي مثوبة كبرى أيضًا. وإن تطمين أفئدة ق أي م وبث السلوان في قلوبهم، يعتبر بحكم صَدَقة مهمة. فما أسعد أولئك الأبناء الذين يقومون برعاية آبائهم أو أمهاتهم عند مرضهم ويُدخلون البهجة في قلوبهم الرقيقة على الة فيفوزون بدعاء الوالدين لهم.
نعم، إنَّ الحقيقة التي تستحق احترامًا أكثر ومكانة أسمى في الحياة الاجتماعية هي شفقة الوالدين، وتعويض الأبناء الطيبين لتلك الشفقةَ في تيه الاحترام اللائق والعاطفة البارّة الزكية إليهما حينما يعانون من مرض. وهي لوحة وفية تظهر الوضع الجيد للأبناء وسمو الإنسانية بحيث تثير إعجاب كل المخلوقات حتى الملائكة، فيحيّونها مهللين مكبرين وهاتفين: "ما شاء اللّٰه، بارك اللّٰه".
#لمحدود نعم، إنَّ العواطف والرأفة والرحمة المحلقة حوالي المريض لتذيب ألمَ المريض وتحوله إلى لذاتٍ حلوة مفرحة.
إنَّ قبول دعاء المريض والاستجابة لَامِعيةٌ مهمة جديرة بالاهتمام. فمنذ حوالي أربعين سنة كنت أدعو للشفاء من مرض في ظهري، ثم أدركتُ أن المرض يُمنح لأجل الدعاء، وكما أن الدعاء لا يرفع دعا ذروة أنَّ الدعاء لعدم تمكّنه من إزالة نفسه فإن نتيجته أخروية.
(٭): مع أن قسمًا من الأمراض يشكل علّة لوجود الدعاء، إلا أنه إذا أصبح الدعاء سببًا لعدم يجعله فكأن الدعاء يصبح سببًا لعدم نفسه وهذا لا يمكن. (المؤلف).
والدعاء بذاته نوع من العبادة، إذ يلتجئ المريضُ إلى الملاذ الإلهي عند إدراكه لعجزه.
ولهذا فإن عدم القبول الظاهري لدعوتي بالشفاء من مرضي طوال ثلاثين سنة لمك.. فهي أبدًا من أن أفكر في يوم من الأيام بتركه والتخلي عنه، ذلك لأنَّ المرض أوانُ الدعاء ووقته، والشفاء ليس نتيجة الدعاء بل إذا وهب اللّٰه سبحانه -وهو اَه علىالرحيم- الشفاء فإنه يهبه من فضله وكرمه، وإنّ عدم قبول الدعاء بالشكل الذي نريده لا يقودنا إلى القول بأن الدعاء لم يُستَجب، فالخالق الحكيم يعلم أفضل منا ونحن نجهل، وأنه سبحانه يسوق إلينا ما هو خير لنا وأنفع، وأنه يدّخر لنا الأدعية الخاصة بدنيانا الأحاًا لتنفعنا في أُخرانا، وهكذا يقبل الدعاء. ومهما يكن فإن الدعاء الذي اكتسب الإخلاص والنابع من سرّ المرض والآتي من الضعف والعجز والتذلل والاحتياج، قريبٌ جدًّا من القبول. واش الفضساسٌ لمثل هذا الدعاء الخالص ومداره. فالمريض والذين يقومون برعايته من المؤمنين ينبغي أن يستفيدوا من هذا الدعاء.
الدواء الثامن عشرأيها المريض التارك للشكر والمستسلم للشكوى!
الشكوى تكون نابعةً من وجود حق يعود إليك، وأنت لم يذهب حَقُُّوفُ اى حتى تشكو، بل عليك حقوقٌ كثيرة لم تؤدّ بعدُ شكرَها. إنك لم تؤدّ حق اللّٰه عليك، وفوق ذلك تقوم بالشكوى بالباطل وكأنك على حق، فليس لك أن تشكو ناظرًا إلى مَن هو أعلى منك مرتبة من الأصحاء، بل عليك النظر -لى سلطية الصحة- إلى أولئك العاجزين من المرضى الذين هم أدنى منك درجة.
— 305 —
فأنت مكلف إذن بالشكر الجزيل. فإذا كانت يدُك مكسورةً فتأمل الأيدي المبتورة، ثة أيانت ذا عين واحدة فتأمل الفاقدين لكلتا العينين.. حتى تشكر اللّٰه سبحانه.
نعم، فليس لأحد في زاوية النعمة حق بمدّ البصر إلى مَن هو فوقه، لتتأجج نارُ الشكوى المحرقة عنده، إلّا أنه عند المصيبة يتحتم عل
#490ء من زاوية المصيبة النظر إلى من هو أشد منه مصيبة وأعظم مرضًا ليشكر بعد ذلك قانعًا بما هو فيه. وقد وضح هذا السرّ في بعض الرسائل بمثال مقتضاه كالآتي:
شخص يأخذ بيد مسكين ليُصعدهُ إلى قمة منارة، على أ إليه في كل درجة من درجات المنارة هدية. وأخيرًا يختم تلك الهدايا بأعظم هدية يهبها له عند قمة المنارة. وإذ كان المفروض على هذا المسكين أن يقدم الشكر والامتنان إزاء الهدايا المتنوعة، تراه يتناسى كل تلك الهدايا التي أخذها عند شدةٍ خدرجات، أو يعدّها غير ذات بال، فلا يشكر، رافعًا ببصره إلى مَن هو أعلى منه شاكيًا قائلًا: "لو كانت هذه المنارة أعلى مما هي عليه، لأبلغ أعلى درجة من هذه الدرجات! لِمَ لم تصبح مثل ذلك الجبل الشاهق ارتفاعًا أو المنارة المجاورة؟..".
وهكذا إذ(ص) هيهذا الرجل بهذه الشكوى، فما أعظم ما يرتكبه من كفران بالنعمة وما أعظم ما يقترف من تجاوز على الحق!
وكذا حال الإنسان الذي أتى إلى الوجود من العدم ولم يصبح حَجرًفانظر!شجرًا ولا حيوانًا، بل إنسانًا مسلمًا، وقد تمتع كثيرًا بالصحة والعافية، ونال درجة من النعمة سامية... مع هذا يأتي هذا الإنسان ويُظهر الشكوى من عدم تمتعه بالصحة والعافية نتيجة بعض اسم الأ، أو لإضاعته النِعَم بسوء اختياره، أو من سوء الاستعمال، أو لعجزه عن الوصول إليها، ثم يقول: "يا ويلتا ماذا جنيتُ حتى حَلّ بي ما حَلّ"، ناطقًا بما يشي بانتقادٍ للربوبية الإلهية. فهذه الحالة هي مرضٌ معنوي ومصيبة أكبر من المرض اللحصولوالمصيبة التي هو فيها، فهو يزيد مرضَه بالشكوى كمن يتصارع ويده مرضوضة. لكن العاقل يتمثل قوله تعالى:
الذين إذا اصابَتهم مصيبةٌ قالوا إنّا للّٰه وإنّا اليه راجعون
(البقرة:١٥٦) فيسلّم اّٰه وملّٰه صابرًا حتى ينتهي ذلك المرض من أداء وظيفته ويمضي إلى شأنه.
— 306 —
الدواء التاسع عشرإنَّ التعبير الصمداني بإطلاق "الأسماء الحسنى" على جميع أسماء اللمعنى:لجميل ذي الجلال يدل على أن تلك الأسماء جميلة كلّها. وحيث إن الحياة هي أجمل مرآة صمدانية وألطفها وأجمعها في الموجودات، وإن مرآة الجميل جميلة أيضًا، وإن المرآة التي تعكس محاسن الجميل تصبح جميلة أيضًا، وإن كل شيء يصيب في الممرآة من ذلك الجميل هو جميل كذلك، فكل ما يصيب الحياة جميل أيضًا من زاوية الحقيقة؛ ذلك لأنه يُظهر النقوش الجميلة لتلك "الأسماء الحسنى" الجميلة.
فلو مضت الحياة بالصحة والعافية على نسق واحد، لأصبحت مرآة ناقصة، بل قد.
ن -في جهة ما- بالعدم والعبث، فتذيق العذابَ والضيق، وتهبط قيمةُ الحياة، وتنقلب لذة العمر وهناؤه إلى ألم وغصّة، فيلقي الإنسان بنفسه إما إلى أوحال السفاهة أو إلى أوكار اللهو والعربدة ء محدووقته سريعًا، مَثَله كمثل المسجون الذي يعادي عمره الثمين ويقتله بسرعة، بغية إنهاء مدة السجن. ولكن الحياة التي تمضي بالتحولات والحركة وتقضي أطوارًا شتى فإنها تُشعر أن لهأو في ً ووزنًا وتنتج -هذه الحياة- للعمر أهمية وتُكسبه لذة، حتى إن الإنسان لا يرغب في أن يمضي عمره، رغم ما يعانيه من أصناف المشاق والمصائب ولا يتأوه ولا يتحسر قائلًا: "أنّى للشمس أن تغيبي الطف لليل أن ينجلي".
نعم، إنْ شئت فاسأل شخصًا ثريًا عاطلًا، كل شيء عنده على ما يرام. اسأله: كيف حالك؟ فستسمع منه حتمًا عبارات أليمة وحسرة مثل:ةٍ مِن هذا الوقت.. إنه لا يمرّ.. ألا تأتي لنبحث عن لهو نقضي به الوقت.. هلم لنلعب النرد قليلًا..!. أو تسمع شكاوى ناجمة عن طول الأمل مثل: إن أمري الفلاني ناقص.. ليتني أفعل كذا وكذا.. أما إذا سألت فقيرًا غارقًا في المصائب لنوى ولًا كادحًا: كيف حالك؟ فإن كان رشيدًا فسيقول لك: إني بخير والحمد للّٰه وألف شكر لربي، فإني في سعي دائم.. يا حبذا لو لم تغرب الشمس بسرعة لأقضي ما في يدي من عمل. فُلُمَايمر حثيثًا والعمر يمضي دون توقف، ورغم أنى منهمك في الواقع، إلّا أن هذا سيمضي أيضًا، فكل شيء يحث خطاه على هذا المنوال..!!. فهو بهذه الأقوال إنما يعبّر عن قيمة العمر وأهميته ضمن أسفه على العمر الذي يهرب منه، آسفًا على ذلُنْيَاو يشعر بلذة
— 307 —
العمر وقيمة الحياة بوساطة الكد والمشقة، أما الراحة والدعة والصحة والعافية فهي تجعل العمر مرّا وتثقله بحيث يتمنى المرء الخلاص منه بسرعة.
أيها الأخ المريض! اعلم أن أصل المصائب والشرور بل حتى الذنوب إنما هو العدم كما أُذا ذوقك إثباتًا قاطعًا ومفصلًا في سائر الرسائل، والعدم هو شرّ محض وظلمة تامة. فالتوقف والراحة والسكون على نسق واحد ووتيرة واحدة حالات قريبة جدًّا من العدم والعبث، ودنوّها هذا هو الذي يُشعر بالظلمة الموجودة في العدم ويورث ضجرًا وضيقًا. أما الحركة وال والتجهما وجودان ويُشعران بالوجود، والوجود هو خيرٌ خالص ونور.
فما دامت الحقيقة هكذا، فإن المرض الذي فيكَ إنما هو ضيف مُرسَلٌ إليك ليؤدي وظائفه الكثيرة فهو يقوم بتصفية حياتك القيمة وتقويتها ويرتقي بها ويوجه سائر ال حتى لالإنسانية الأخرى في جسدك إلى معاونة ذلك العضو العليل ويبرز نقوش أسماء الصانع الحكيم، وسينتهي من وظيفته قريبًا، إن شاء اللّٰه ويمضي إلى شأنه مخاطبًا العافية: تعالي الآن لتمكثي مكاني دائمًا، وتراقبي أداء ر؛ ذلك من جديد، فهذا مكانك تسلّميه واسكنيه هنيئًا.
الدواء العشرونأيها المريض الباحث عن دوائه! اعلم أن المرض قسمان: قسم حقيقي وقسم آخر وهمي.
أما القسم الحقيقي:فقد جعل الشافي الحكيم الجليل سائل الا لكل داءٍ دواءً، وخزَنَه في صيدليته الكبرى التي هي الكرة الأرضية، فتلك الأدويةُ تستدعي الأدواء، وقد خلق سبحانه لكل داءٍ دواء، [٭]: انظر: البخاري،رسة ال١؛ مسلم، السلام ٦٩؛ أحمد بن حنبل، المسند ١/٣٧٧، ٣/٣٣٥. فاستعمال العلاج وتناوله لغرض التداوي مشروع أصلًا. ولكن يجب العلم بأن الشفاء وتُها فيلدواء لا يكونان إلّا من الحق تبارك وتعالى، فمثلما أنه سبحانه يهب الدواءَ فهو أيضًا يهب الشفاء. وعلى المسلم الالتزام بإرشاد الأطباء الحاذقين المسلمين وتوصياتهم. وهذا الامتثال علاجٌ مهالمرآة أكثر الأمراض تتولد من سوء الاستعمال، وعدم الحِمية، وإهمال الإرشاد، والإسراف، والذنوب، والسفاهة، وعدم الحذر. فالطبيب المتدين لا شك أنه ينصح ضمن الدائرة المشروعة ويقدم وصاياه، ويحذبِلا قوء الاستعمال والإسراف ويبث في نفس المريض التسلية والأملَ، والمريض بدوره اعتمادًا على تلك الوصايا والسلوان يخفّ مرضه ويغمره الفرحُ بدلًا من ال أو فيلضجر.
— 308 —
أما القسم الوهمي من المرض: فإن علاجه المؤثر الناجع هو: "الإهمال". إذ يكبر الوهمُ بالاهتمام وينتفش، وإن لم يُعبأ به يصغر وينیزوي ويتلاشى. فكما إذا تعرض الإنسان لوكر الزنابير فإنها تتجمع وتهجم عليه، وإن لم يهتم تتفرق عنه ا وَال.
وكما أن الذي يلاحق باهتمام خيالًا في الظلمات من حبلٍ متدلٍّ، سيكبر أمامه ذلك الخيال حتى قد يوصله إلى الفرار كالمعتوه، وإذا لم يهتم فسينكشف له أن ذلك إنما هو حبل وليس بثعبان.. ويبدأ بالسخ الأصد اضطراب ذهنه وتوهمه. فهذا المرض الوهمي كذلك إذا دام كثيرًا فسينقلب إلى مرض حقيقي، فالوهم عند مرهف الحس، عصبي المزاج مرض وبيل جدًّا، حيث يستهوله ويجعل له الحبَّة قُبة، فتنهار قواه المعنوية، وبخاصة إذا صادف أصناف الأطباء ذوي القلوب الغلاِ المولية من الرحمة، أو الأطباء غير المنصفين، الذين يثيرون أوهامه ويحركونها أكثر من ذي قبل حتى تذهب أمواله وتنضب إن كان غنيًا، أو يفقد عقله أو يخسر صحته تمامًا.
الدواء الحادي واوة.
أيها الأخ المريض! حقًا إنَّ في مرضك ألمًا ماديًا، إلّا أنَّ لذة معنوية مهمة تحيط بك، تمحو كل آثار ذلك الألم المادي؛ لأن ألمَك المادي لا يفوق تلك الرأفة أو الشفقة اللذيذةة رأيتنسيتها منذ الصغر، والتي تتفجر الآن من جديد في أكباد والدَيك وأقاربك نحوك، إنْ كان لك والدان وأقارب. حيث ستستعيد تلك العواطف والنظرات الأبوية الحنونة الحلوة التي كانت تتوجه إليك فَنّ عِولة، وينكشف الحجابُ عن أحبائك من حواليك ليرعوك من جديد وينطلقوا إليك بمحبتهم ورأفتهم بجاذبية المرض التي أثارت تلك العواطف الداخلية. فما أرخصَ تلرق الصام المادية التي تعاني منها أمام ما يؤديه لك من خدمات جليلة ممزوجة بالرحمة والرأفة بحكم مرضك أولئك الذين سعيتَ أنت -بكل فخر- لخدمتهم ونيل رضاهم، فأصبحت بذلك سيدًا وآمرًا عليهم وفزت أيضًا بمرضون أن سب المزيد من الأحبة المعاونين والأخلاء المشفقين. فتضمهم إليك الرقة والرأفة الإنسانية التي جُبل عليهما الإنسان.
ثم إنك قد أخذت بمرضك هذا إجازة من الوظائف الشاقة المهلكة، فأنتك الآيفي غنًى عنها وفي راحة منها... فلا ينبغي أن يسوقَك ألمك الجزئي إلى الشكوى بل إلى الشكر تجاه هذه اللذات المعنوية.
— 309 —
الدواء الثاني والعشرونأيها الأخ المريض بداانًا ض كالشلل! إنني أبشّرك أولًا بأن الشلل يعدّ من الأمراض المباركة للمؤمن.. لقد كنت أسمع هذا منذ مدة من الأولياء الصالحين، فكنت أجهل سرّه، ويخطر الآن أحد أسراره على قلبي هكذا:
إن أهل الولاية قد تعقّبوا بإرادتهم أساسَين مهمّين للوصول إلىياحَةِتبارك وتعالى نجاةً من أخطار معنوية عظيمة ترد من الدنيا وضمانًا للسعادة الأبدية. والأساسان:
أولهما:رابطةُ الموت، أي إنهم سعوا لأجل سعادتهم في الحياة الأبدية بالتفكر في فناء الدنيا وبأنهم ضيوف يُستخدمون لوظائف مؤقت تحزنووثانيهما:إماتةُ النفس الأمارة بالسوء بالمجاهدات والرياضة الروحية لأجل الخلاص من مهالك تلك النفس، والأحاسيس التي لا ترى العقبى.
فيا أخي الذي فَقَد من كيانه نصفَ صحته، لقد أُودع فيك دون اختيار منك أساسان قَنَّ اسهلان، يمهّدان لك السبيل إلى سعادتك الأبدية، ويذكّرانك دائمًا بزوال الدنيا وفناء الإنسان. فلا تتمكن الدنيا بعدئذ من حبس أنفاسك وخنقك، ولا تجرؤ الغفلةُ على غشيان عيونك. فالنلو تدخمارة لا تتمكن بالشهوات الرذيلة أن تخدع مَن هو نصف إنسان، فينجو من بلائها وشرها بسرعة. والمؤمن بسر الإيمان والاستسلام والتوكل يستفيد من داء عضال كالشلل بأقصر وقت استفادة المجاهدين من أهل الولاية بالرياضة في المعتكفات، فيخفّ عليه ذلك الداء .
ِ مَصْواء الثالث والعشرونأيها المريض الوحيد الغريب العاجز! إنْ كانت غربتُك وعدم وجود مَن يعيلك فضلًا عن مرضك سببًا في لفت القلوب القاسية نحوك وامتلائها بالرقة عليك، فكيف بنظر رحمة خالقك الرحيم ذهي إلّليات الذي يقدم نفسه إليك في بدء سور القرآن بصفته الجليلة الرحمن الرحيم والذي يجعل جميع الأمهات -بلمعةٍ من لمعات شفقته ورأفته الخارقة- يقمن بتربية أولابضاعة والذي يملأ وجه الدنيا ويصبغه في كل ربيع بتجلٍ من رحمته ويملأه بأنواع نعمه وفضله.. وبتجلٍ من رحمته كذلك تتجسم الجنةُ الزاخرة بكل محاسنها. فانتسابك إليه
— 310 —
بالإيمان والالتجاء إليه بلسان العجز المنبعث من مرلة لذلجاؤك منه وتضرعك إليه يجعل من مرضك في وحدتك وغربتك هدفًا ووسيلة تجلب إليك نظر الرحمة منه سبحانه تلك النظرة التي تساوي كل شيء.
فما دام هو موجودًا ينظر إليك فكل شيء موجود لك. والغريب حقًا والوحيد أصلًا هو ذلك الذي لا ينيخوختهيه بالإيمان والتسليم، أو لا يرغب في ذلك الانتساب.
الدواء الرابع والعشرونأيها الممرضون المعتنون بالأطفال المرضى الأبرياء وبالشيوخ الذين هم بحكم الأطفال عجزًا وضعفًا! إنَّ بين أيديكم تجارة أخروية مهمة، فاغتَنانًالك التجارة وليكن شوقكم إليها عظيمًا وسعيكم حثيثًا. إنَّ أمراض الأطفال الأبرياء هي حُقنات تربية ربانية لأجسادهم الرقيقة للاعتياد عليها وترويضهم بها لمقاومة مشقات الحياة في المستقبل، وهي تحمل حِكمًا وفوائدَ تعتَألُّهم في حياتهم الدنيوية وفي حياتهم الروحية، فتصفي حياة الصغار تصفية معنوية مثلما تصفى حياة الكبار بكفارة الذنوب. فهذه الحُقن أسس للرقي المعنوي ومداره في مستقبل أولئك الصغار أو في حة على.
والثواب الحاصل من مثل هذه الأمراض يُدرَج في صحيفة أعمال الوالدين وخاصة في صحيفة حسنات الوالدة التي تفضلُ صحة ولدها -بسر الشفقة- على نفسها، كما هو ثابت لدى أهل الحقيقة.
أما رعاية الشيوخ والاعتناء بهم، فضلًا عنسرُّ امدارًا لثواب عظيم وبخاصة الوالدين والظفر بدعائهم وإسعاد قلوبهم والقيام بخدمتهم بوفاء و إخلاص، يقود صاحبه إلى سعادة الدنيا والآخرة، كما هو ثابت بروايات صحيحة وفي حوادث تاريخية كثيرة. فالولد السعيد ت نصف بوالديه العاجزين سيرى الطاعة نفسها من أبنائه، بينما الولد العاق المؤذي لأبويه مع ارتداده إلى العذاب الأخروي سيجد كذلك في الدنيا مهالك كثية ١٩٢٥ نعم إنه ليست رعاية الشيوخ والعجائز والأبرياء من الأقربين وحدهم، بل حتى إذا صادف المؤمنُ شيخًا مريضًا ذا حاجة جديرًا بالاحترام فعليه القيام بخدمته بهمة وإخلاص، ما دامت هنالك أخوة إيمانية حقيقية وهذا ممالإيمانه الإسلام.
— 311 —
الدواء الخامس والعشرونأيها الإخوان المرضى! إذا كنتم تشعرون بحاجة إلى علاج قدسي نافع جدًّا، وإلى دواءٍ لكل داء يحوي لذة حقيقية، فمدّوا إيمانكم بالقوة واصقلوه،ى مَرّاولوا بالتوبة والاستغفار والصلاة والعبادة العلاج القدسي المتمثل في الإيمان.
نعم، إنَّ الغافلين بسبب حبّهم للدنيا والتعلق بها بشدة كأنهم قد أصبحوا يملكون كيانًا معنويًّا عليلًا بحجم الدنيا كلها، فيتقدم الإيمان ويقدّم لهذا الكيان العليل الية المبضربات الزوال والفراق، مرهمَ شفائه منقذًا إياه من تلك الجروح والشروخ، وقد أثبتنا في رسائل عدة بأن الإيمان يهب شفاءً حقيقيًا، وتجنبًا لل حِكْمأوجز قولي بما يأتي:
إنَّ علاج الإيمان يتبين تأثيرُه بأداء الفرائض ومراعاة تنفيذها ما استطاع الإنسان إليها سبيلًا، وإن الغفلة والسفاهة وهوى النفس واللهو غير المشروع يبطل مفعول ذلك العلاج وتأثيره. فما دام الان إلىيل الغشاوةَ، ويقطع دابرَ الاشتهاء، ويمنع ولوج اللذات غير المشروعة، فاستفيدوا منه واستعملوا علاج الإيمان الحقيقي وأنواره القدسية بالتوبة والاستغفار والدعاء والرجاء.. منحكم الحق تبارك وتعالى الشفاء وجعل من أمراضكم مُكَفرات للذنوب.. آمين.. آ أوَ آمين.
وقَالُوا الحمدُ للّٰه الذي هَديیینا لهیذا وما كُنا لنهیتَدي لولا أنْ هديیینا اللّٰه لقد جَاءتْ رُسُل ربنا بالحق
سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا اِلّا ما عَلَّمْتَنا اِنَّكَ اَنْتَ الْعَليمُ الْحَكيم
اللّٰهم صلّ عل أعارنا محمد، طبِّ القلوب ودوائها، وعافية الأبدان وشفائها، ونور الأبصار وضيائها، وعلى آله وصحبه وسلم.
ذيل اللمعة الخامسة والعشرين
وهو "المكتوب السابع عشر" أُدرج ضمن "المكتوبات".
— 312 —
اللمعة السادسة والعشرون
"رسالة الشيوخ"
"هذه اللمعجمّل بة عن ستة وعشرين نورَ رجاءٍ وضياءَ تسلٍّ"
[٭]: كتب المؤلف رحمه اللّٰه الهامش الآتي على نسخة خطية مصححة من قبله: إنَّ بقية الرجايا (أي من الرجاء الرابع عشر إلى الرجاء السادس والعشرين) لم تكتب لوقوع المصيبة المعروفة (سقة المي شهر). ولفوات أوانها ظلت هذه الرسالة ناقصة.
تنبيهإنَّ السبب الذي دعاني إلى تسجيل ما كنت أُعانيه من آلامٍ معنوية في مستهل كل رجاء بأسلوب مؤثر جدًّا إلى حدٍّ يثير فيكم الألمَ أيضًا، إنما هو لبة وأن ى قوة مفعول العلاج الوارد من القرآن الحكيم وشدة تأثيره الخارق.
بيد أن هذه "اللمعة" التي تخصّ الشيوخ لم تحافظ على حسن البيان، وجمال الإفادة لعدة أسباب:
أولها:لأنها تخص أحداث حياتي الشخصية ووقائعَها، فانسان اعبرَ الخيال إلى تلك الأزمنة، ومعايشة أحداثها، ومن ثم تناولها بالكتابة بتلك الحالة، سبّب عدم المحافظة على الانتظام في البيان والتعبير.
ثانيها:اعترى البيانَ شيء من الاضطراب، لأنَّ الكتابة كانت بعد صلاة الفجر، حيث كنت أَشعلتاسعةا بتعبٍ وإنهاكٍ شديدين، فضلًا عن الاضطرار إلى الإسراع في الكتابة.
ثالثها:لم يكن لدينا متسع من الوقت للقيام بالتصحيح الكامل؛ فالكاتب الذي كان مرهقًا بشؤون "رسائل النور"ه -ف اًا ما كان يعتذر عن الحضور مما أفقد المضمونَ التناسق المطلوب.
— 313 —
رابعها:لم نستطع إلّا الاكتفاء بالتصحيحات والتعديلات العابرة دون التوغل فية بهذه المعاني؛ لما كنا نحسّ به من تعبٍ ونصبٍ عقب التأليف، فلا جرم أنْ رافق الموضوع شيءٌ من التقصير في التعبير والأداء.
لذا نهيب بالشيوخ الكرام أن ينظروا بعين الصفح والسماح إلى قصوري في الأداء، وأن يجعلوني ضمن دعواتهم عندما يرفعون أكفّه القائعين إلى اللّٰه الرحيم الذي لا يردّ دعوات الشيوخ الطيبين...
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
كهيعص ٭ ذكرُ رحمتِ ربك عبدهُ زكريّا ٭ إذ نادى ربّهُ نداءً خفيًا ٭ قال ربّ إني وهننّاس
مُ منّي واشتعل الرأسُ شَيبًا ولم أكُن بدعائك رَبّ شقيًا
(مريم: ١-٤).
(هذه اللمعة عبارة عن ستة وعشرين رجاء)
الرجاء الأوليا من بلغتم سنّ الكمال، أيها الإخوة الشيوخ الأعزاء، ويا أيتها الأخوازنٍ عجائز المحترمات! إنني مثلُكم شيخ كبير، سأكتب لكم بعضَ ما مرّ عليّ من أحوال، وما وجدته بين حين وآخر من أبواب الأمل، وبوارق الرجاء في عهد الشيخوخة، لعلكم تشاركونني في أنوارًا مباة المشعة من تلكم الرجايا والآمال. إنَّ ما رأيته من الضياء، وما فتحه اللّٰه عليّ من أبواب النور والرجاء، إنما شاهدتُه حسب استعدادي الناقص وقابلياتي المشوشة، وستجعل استعداداتكم الخالصة الصافية -بإذن اللّٰه- ذلك الضياء أسطعَ وأبهر مما رأيته، ر من سالرجاء أقوى وأمتن مما وجدته.
ولا ريب أنّ منبع ما سنذكره من الأضواء ومصدر ما سنورده من الرجايا ما هو إلّا "الإيمان".
— 314 —
الرجاء الثانيحينما شارفت على الشيخوخة، وفي أحد أيام الخريف، وفي وقت العصر، نظرت إلى الدنيا من فوقن أجد جبل، فشعرت فجأة حالة في غاية الرقة والحزن مع ظلام يكتنفها، تدب في أعماقي.. رأيت نفسي: أنني بلغت من العمر عتيًّا، والنهارُ قد غدا شيخًا، والسنةُ قد اكتهلت،رَةِ ويا قد هرمت.. فهزّني هذا الهرم الذي يغشى كل شيء حولي هزًّا عنيفًا. فلقد دنا أوانُ فراق الدنيا، وأوشك أوان فراق الأحباب أن يحلّ.. وبينما أتململ يائسًا حزينًا إذا بالرحمة اةً، فل تنكشف أمامي انكشافًا حوّل ذلك الحزنَ المؤلم إلى فرحة قلبية مشرقة، وبدّل ذلك الفراق المؤلم للأحباب إلى عزاء يضيء جنبات النفس كلها.
نعم يا أمثالي من الشيوخ! إنَّ اللّٰه سِلقَتيوتعالى الذي يقدّم ذاته الجليلة إلينا، ويعرّفها لنا في أكثر من مائة موضع في القرآن الكريم، بصفة "الرحمن الرحيم".. والذي يرسل رحمته بما يسبغ على وجه الأرض دومًا من النِّعَم، مددًا وعونًا لمن استرحمه من ذويية، وقة، والذي يبعث بهداياه من عالم الغيب فيغمر الربيع كل سنة بنِعَم لا تعد ولا تحصى، يبعثها إلينا نحن المحتاجين إلى الرزق، مُظهِرًا بها بجلاأكرم (ات رحمته العميمة، وفق مراتب الضعف ودرجات العجز الكامنة فينا. فرحمة خالقنا الرحيم هذه أعظم رجاءً، وأكبر أملًا في عهد شيخوختنا هذه، بل هي أسطع نورًا لنا.
إنَّ إدراك تلك الرحمة والظفر بها، إنما يكون بالانتساب إلى ذلك "الرحمن" بالإيمان، وبالوجوه اه سبحانه بأداء الفرائض والواجبات.
الرجاء الثالثحينما أفقتُ على صبح المشيب، من نوم ليل الشباب، نظرت إلى نفسي متأملًا فيها، فوجدتها كأنها تنحدر نزولًا من علٍ إلى سواء التسب إلثلما وصفها نيازي المصري:
بناء العمر يذوي حجرًا إثر حجر غافلًا يغط الروح وبناؤه قد اندثر
فجسمي الذي هو مأوى روحي، بدأ يتداعى ويتساقط حجرًا إثر حجر على مرّ الأيام.. وآمالي التي كانت تشدّني بقوة إلوبلسانيا، بدأت أوثاقُها تنفصم وتنقطع. فدبّ فيّ شعور
— 315 —
بدنو وقت مفارقة من لا يحصى من الأحبة والأصدقاء، فأخذتُ أبحثُ عن ضماد لهذا الجرح المعنوي الغائر، الذي لا يُرجى له دواء ناجع كما يبدو!. لم أستطع أن أعثر له على علاجلئك ال أيضًا كما قال نيازي المصري:
حكمة الإله تقضى فناء الجسد والقیلب تواق إلى الأبد
لهف نفسي من بلاء وكمید حار لقمان في إيجاد الضمد
وبينما كنت في هذه الحالة إذا بنور الرس كانت ريم (ص) الذي هو رحمة اللّٰه على العالمين، ومثالُها الذي يعبّر عنها، والداعي إليها، والناطق بها، وإذا بشفاعته، وبما أتاه من هدية الهداية إلى البشرية، يصبح بلسمًا شافيًا، ودواءً ناجعًا لذلك اُ حُجُلوخيم الذي ظننته بلا دواء، ويبدل ذلك اليأس القاتم الذي أحاطني إلى نور الرجاء الساطع.
أجل، أيها الشيوخ وأيتها العجائز الموقرون، ويا من تشعرون كلكم بالشيخوخة مثلي!. إننا راحلون ولا مناص من ذلك.. ولن يُسمح لنا بالمكوث هلّٰه "ادعة النفس وإغماض العين، فنحن مساقون إلى المصير المحتوم. ولكن عالم البرزخ، ليس هو كما يتراءى لنا بظلمات الأوهام الناشئة من الغفلة، وبما قد يصوّره أهل الضلالة، فليس هو بعالم تِ جَم، ولا بعالم مظلم، بل هو مجمع الأحباب، وعالم اللقاء مع الأحبة والأخلّاء، وفي طليعتهم حبيبُ رب العالمين وشفيعنا عنده يوم القيامة عليه أفضل الصلاة والسلام.
نعم، إنَّ مَن هو لذرات!ثلاثمائة وخمسين مليونًا من الناس في كل عصر، عبر ألف وثلاثمائة وخمسين سنة وهو مربّي أرواحهم، ومرشدُ عقولهم، ومحبوب قلوبهم، والذي يُرفع إلى صحيفة حسناته يوميًّا أمثال ما قدمت أمته من حسنات، إذ "السبب كالفاعل" والذزاخرٌ دار المقاصد الربانية، ومحور الغايات الإلهية السامية في الكون، والذي هو السبب لرقي قيمة الموجودات وسمّوها، ذلك الرسول الأكرم (ص)، فكما أنه قال في الدقائق الأولى التي تشرّف العالم به "أمتي.. أمتي.." كما ورد في الروايات الصحيحة [٭]: تقدم تخريجه الحكيلمعة الرابعة. والكشفيات الصادقة، فإنه (ص) يقول في المحشر أيضًا: "أمتي.. أمتي.." ويسعى بشفاعته إلى إمداد أمته وإغاثتها بأعظم رحمة وأسماها وأقدسها وأ واصِل في الوقت الذي يقول كلّ فرد من الجموع العظيمة: "نفسي.. نفسي". فنحن إذن ذاهبون إلى العالم
— 316 —
الذي ارتحل إليه هذا النبي الكريم، راحلون إلى العالم الذي استنار بنور ذلك السراج المنير وبمن حوكل سهونجوم الأصفياء والأولياء الذين لا يحصرهم العد.
نعم، إنَّ اتباع السُّنة الشريفة لهذا النبي الكريم (ص) هو الذي يقود إلى الانضواء تحت لواء شفاعته والاقتباس من أنواره، والنجاة من ظلمات البرزخ.
الرجاء الرابعحمنك، فطأت قدمايَ عتبةَ الشيخوخة، كانت صحتي الجسدية التي ترخي عنان الغفلة وتمدّها قد اعتلّت أيضًا فاتفقت الشيخوخةُ والمرض معًا على شن الهجوم عليّ، وما زالا يكيلان على رأسي الضربيقة -ب الضربات حتى أذهبا نوم الغفلة عنّي. ولم يكن لي ثمة ما يربطني بالدنيا من مال وبنين وما شابههما، فوجدتُ أنَّ عصارة عمري الذي أضعته بغفلة الشباب، إنمارستها ام وذنوب، فاستغثتُ صائحًا مثلما صاح نيازي المصري:
ذهب العُمر هباءً، لم أفز فيه بشيء
ولقد جئت أسير الدرب، لكنْ
رحل الرّكبُ بعيدًا وبقيتْ
ذلك النائي الغريب وبكيتْ
همتُ وحدي تائهًا أطوي الطريق
وبعينيّ ينِمْ وَلدموع
وبصدري حرقة الشوق حار عقلي..!
كنت حينها في غربة مضنية، فشعرت بحزن يائس، وأسف نادم، وحسرة ملتاعة على ما فات من العمر. صرخت من أعماقي أَطلب إمداد العون، وضياء الرجاء.. وإذا بالقرآن الحكيم المعجز البيان يمدّني، ويسعفني، ويفّٰه سبمي بابَ رجاء عظيم، ويمنحني نورًا ساطعًا
— 317 —
من الأمل والرجاء يستطيع أن يزيل أضعاف أضعاف يأسي، ويمكنه أن يبدد تلك الظلمات القاتمة من حولي.
نعم، أيها الشيوخ وأيتها العجائز المحترمون، يا مَن بدأت أوثاق صلتهم بالانفصام م لم ينيا مثلي! إنَّ الصانع ذا الجلال الذي خلق هذه الدنيا أكملَ مدينة وأنظمها، حتى كأنها قصرٌ منيف، هل يمكن لهذا الخالق الكريم ألّا يتكلم مع أحبّائه وأكرم ضيوفه في هذه المدينةابيح ا هذا القصر؟ وهل يمكن ألّا يقابلهم؟!!
فما دام قد خلق هذا القصر الشامخ بعلم، ونظّمه بإرادة، وزيّنه باختيار، فلابد أنه يتكلم؛ إذ كما أنَّ الباني يعلم، فالعالم يتكلم. وما دام قد جعل هذا القصر دار ضيافة جميلة بهيكارُ وذه المدينة متجرًا رائعًا، فلابد أنْ يكون له كتبٌ وصحفٌ يبيّن فيها ما يريده منا، ويوضح علاقاته معنا.
ولا شك أنَّ أكمل كتاب من تلك الكتب المقدسة التي أنیزلها، إنما هو القرآن الحكيم المعجز، الذي ثبت إعجازُه بأربعين وجهًا من من سهولإعجاز، والذي يُتلى في كل دقيقة بألسنة مائة مليون شخص في الأقل، والذي ينشر النور ويهدي السبيل. والذي في كل حرفٍ من حروفه عشر حسنات، وعشر مثوبات في الأقل، وأحيانًا عشرة آلاف حسنة، بل ثلاثين ألف حسمين.. ا في ليلة القدر. وهكذا يمنح من ثمار الجنة ونور البرزخ ما شاء اللّٰه أن يمنح. فهل في الكون أجمع كتاب يناظره في هذا المقام، وهل يمكن أن يدّعي ذلك أحد قط؟
فما دام هذا القرآن الكريم الذي بين أيدينا هو كلام رب العالمين، وهو أمره الم النورلينا، وهو منبع رحمته التي وسعت كل شيء، وهو صادر من خالق السماوات والأرض ذي الجلال، من جهة ربوبيته المطلقة، ومن جهة عظمة ألوهيته، ومن جانب رحمته المحيطة الواسعة، فاستمسك به واع نِعَمفيه دواءٌ لكل داء، ونورٌ لكلِّ ظلام، ورجاء لكل يأس.. وما مفتاح هذه الخزينة الأبدية إلّا الإيمان والتسليم، والاستماع إليه، والانقياد له، والاستمتاع طريقَته.
الرجاء الخامسفي بداية شيخوختي ومستهلها، ورغبة منّى في الانیزواء والاعتزال عن الناس، بحثَت روحي عن راحة في الوحدة والعزلة على تل "يا وممزلمطل على "البسفور". فلما كنت -ذات
— 318 —
يوم- أَسرح بنظري إلى الأُفق من على ذلك التل المرتفع، رأيت بنذير الشيخوخة لوحةً من لوحات الزوال والفراق تتقطر حُزنًا ورِقةً، حيث جُلتُ بنظري من قمة شجرة عمري، من الغصن الخامس والأربعالآتي:ا، إلى أن انتهيت إلى أعماق الطبقات السفلى لحياتي، فرأيت أن في كل غصن من تلك الأغصان الكائنة هناك ضمن كل سنة، جنائزَ لا تحصَر من جنائز أحبابي وأصدقائي وكل مَن له علاقة معي. فتأثرت بالغ التأثر من فراق الأحباب وافتراا.
ترنمت بأنين "فضولي البغدادي" عند مفارقته الأحباب قائلًا:
كلّما حنَّ الوصیال عَذبٌ دمعي مادام الشهيق
لقد بحثتُ من خلال تلك الحسرات الغائرة عن باب رجاء، وعن نافذة نور، أُسلّى بها نفسي. فإذا بنور الإيمان بالآخرة يغيثلكلمة دّني بنورٍ باهر. إنه منحني نورًا لا ينطفئ أبدًا، ورجاءً لا يخيب مطلقًا.
أجل يا إخواني الشيوخ ويا أخواتي العجائز! ما دامت الآخرةُ موجودةً، وما دامت هي باقية خالدة، ورض نيات هي أجمل من الدنيا، وما دام الذي خلقنا حكيمًا ورحيمًا؛ فما علينا إذن إلّا عدم الشكوى من الشيخوخة، وعدم التضجر منها؛ ذلك لأن الشيخوخة المشرّبلاسيمايمان والعبادة، والموصلة إلى سنّ الكمال، ما هي إلّا علامة انتهاء واجبات الحياة ووظائفها، وإشارة ارتحال إلى عالم الرحمة للخلود إلى الراحة. فلابدّ إذن من الرضا بها أشدّ الرضة اللهنعم، إنَّ إخبار مائة وأربعة وعشرين ألفًا من المصطَفين الأخيار وهم الأنبياء والمرسلون [٭]: قال أبو ذر رضي اللّٰه عنه: (قلت: يا رسول اللّٰه كم وفاء عدة الأنبياء؟ قال: مائة ألف وأربعة وعشرون ألفًا، الرسل من ذلك ثلاثمائة وخمسة عشر جمًا غفيرًا). أان بتم حنبل، المسند ٥/٢٦٥؛ ابن حبان، الصحيح ٢/٧٧؛ الطبراني، المعجم الكبير ٨/٢١٧؛ الحاكم، المستدرك ٢/٦٥٢؛ ابن سعد، الطبقات الكبرى ١/٢٣، ٥٤. عليهم الصلاة والسلام -كما نص عليه الحديث- إخبارًا بالإجماع والتواتر مستندين إكان راهود عند بعضهم وإلى حق اليقين عند آخرين، عن وجود الدار الآخرة، وإعلانهم بالإجماع أن الناس سيُساقون إليها، وأنَّ الخالق سبحانه وتعالى سيأتي بالدار الآخرة بلا ريب، مثلما وعد بذلك وعدًا قاطعًا.
وإن تصار المئةٍ وأربعة وعشرين مليونًا من الأولياء كشفًا وشهودًا ما أخبر به هؤلاء الأنبياء عليهم السلام، وشهادتهم على وجود الآخرة بعلم اليقين، دليلٌ قاطع وأيّ دل بلهفة وجود الآخرة..
— 319 —
وكذا، فإن تجليات جميع الأسماء الحسنى لخالق الكون المتجلّية في أرجاء العالم كله، تقتضي بالبداهة وجود عالم آخر خالد، وتدل دلالة واضحة على وجودافلين.ة.
وكذا الحكمة الإلٰهية المطلقة، التي لا إسراف فيها ولا عبث، والقدرة الأزلية الواسعة، التي تحيي جنائز الأشجار الميتة وهياكلها المنتصبة، تحييها وهي لا تعد ولا تحصى على سطَ يا رض في كل ربيع، وفي كل سنة، بأمر كن فيكون وتجعلها علامة على "البعث بعد الموت" فتحشر ثلاثمائة ألف نوع من طوائف النباتات وأمم الحيوانات وتنشرهُ الشّرةً بذلك مئات الألوف من نماذج الحشر والنشور ودلائل وجود الآخرة.
وكذا الرحمة الواسعة التي تديم حياة جميع ذوي الأرواح المحتاجة إلى الرزق، وتعيّشها بكمال الرأفة عيشة خارقة للغاية. والعناية الدائمة التي تظهر أنواع الزينة والمحاسن بمقبر، مُعد ولا يحصى، في فترة قصيرة جدًّا في كل ربيع. لا شك أنهما تستلزمان وجود الآخرة بداهة.
وكذا عشق البقاء، والشوق إلى الأبدية وآمال السرمدية المغروزة غرزًا لا انفصام لها في فطرة هذا الإ إن اللذي هو أكملُ ثمرة لهذا الكون، وأحب مخلوق إلى خالق الكون، وهو أوثق صلة مع موجودات الكون كله، لاشك أنه يشير بالبداهة إلى وجود عالم باقٍ بعد هذا العالم الفاني، وإلى وجود عالم الآخرة ودار السعادة الأبدية.
فجميع هذه الدلائل تثبت بقطعية تامة -إلل لنعييستلزم القبول- وجود الآخرة بمثل بداهة وجود الدنيا.
(٭): إن مدى السهولة في إخبار "الأمر الثبوتي" ومدى الصعوبة والإشكال في نفي وإنكار ذلك، يظهر في المثال الآتي:
إذا قال أحدهيث تسوهناك -على سطح الأرض- حديقة خارقة جدًّا ثمارها كعلب الحليب، وأنكر عليه الآخر قوله هذا قائلًا: لا، لا توجد مثل هذه الحديقة. فالأول يستطيع بكل سهولة أن يثبت دعواه، بمجرد إراءة مكان تلك الحديقة أو بعض ثمارها. أما الثاني (أي المنكر) فعليه أ الوَاويُري جميع أنحاء الكرة الأرضية لأجل أن يثبت نفيه، وهو عدم وجود مثل هذه الحديقة.
وهكذا الأمر في الذين يخبرون عن الجنة، فإنهم يُظهرون مئات الآلاف من ترشحلخامسةويبيّنون ثمارها وآثارها، علمًا أن شاهدَين صادقين منهم كافيان لإثبات دعواهم، بينما المنكرون لوجودها، لا يسعهم إثبات دعواهم إلّا بعد مشاهدة الاد المر المحدود، والزمن غير المحدود، مع سبر غورهما بالبحث والتفتيش، وعند عدم رؤيتهم لها، يمكنهم إثبات دعواهم!
فيا أيها الإخوة الذين بلغ بهم الكبر عتيا! اعلموا ما أعظم قوة الإيمان بالآخرة وما أشد رصانته!. (اهرًا،).
فما دام أهم درس يلقننا القرآن إيّاه هو "الإيمان بالآخرة" وهذا الإيمان رصين ومتين إلى هذه الدرجة، وفي ذلك الإيمان نورٌ باهر ورجاء شديد وسلوان عظيم ما لو اجتمعت مائةُ ألف شيخوخة في شخص واحد لكفاها ذلكلى شأن، وذلك الرجاء، وذلك
— 320 —
السلوان النابع من هذا الإيمان؛ لذا علينا نحن الشيوخ أن نفرح بشيخوختنا ونبتهج قائلين: "الحمد للّٰه على كمال الإيمان".
الرجاء السادسحينما كنت في منفاي ذلك الأسر الأليم بقيت وحدي منفردًم؛ لأنلًا عن الناس على قمة جبل "جام" المطلة على مراعي "بارلا".. كنت أبحث عن نور في تلك العزلة. وذات ليلة، في تلك الغرفة الصغيرة غير المسقفة، المنصوبة على شجرة صنوبر عالية على قمة ذلك المرلنحلة ذا بشيخوختي تشعرني بألوان وأنواع من الغربة المتداخلة -كما جاء ذلك في "المكتوب السادس" بوضوح- ففي سكون تلك الليلة حيث لا أثر ولا صوت سوى ذلك الصدى الحزين لحفيف الأشجار وهمهمتها.. أومئ إلأن ذلك الصدى الأليم قد أصاب صميم مشاعري، ومس أعماق شيخوختي وغربتي، فهمَست الشيخوخةُ في أذني منذرةً:
إنَّ النهار قد تبدل إلى هذا القبر الحالك، ولبست الدنيا كفنَها الأسود، فسوف يتبدل نهارُ عمرك إفي غاي، وسوف ينقلب نهار الدنيا إلى ليل البرزخ، وسوف يتحول نهار صيف الحياة إلى ليل شتاء الموت.
فأجابتها نفسي على مضض:
نعم، كما أنني غريبةٌ هنا عن بلدتي ونائية عن موطني، البار ارقتي لأحبائي الكثيرين خلال عمري الذي ناهز الخمسين ولا أملك سوى تذراف الدموع وراءهم هي غربةٌ تفوق غربتي عن موطني.. وإني لأشعر في هذه الليلة غربةً أكثر حزنًا وأشد ألمًا مو مفوضي على هذا الجبل الذي توشّح بالغربة والحزن، فشيخوختي تنذرني بدنوي من موعد فراقٍ نهائي عن الدنيا وما فيها، ففي هذه الغربة المكتنفة بالحزن، ومن خلال هذااق إلى الذي يمازجه الحزن، بدأتُ أبحث عن نور، وعن قبس أمل، وعن باب رجاء، وسرعان ما جاء "الإيمان باللّٰه" لنجدتي ولشدّ أزرى، ومنحني أُنسًا عظيمًا بحيث لو تضاعفت آلامي ووحشتي أضعافًا مضاعفة لكان ذلك الأنس كافيًا لإزالتها.
نعم، مِنَ الشيوخ، ويا أيتها العجائز!.. فما دام لنا خالقٌ رحيم، فلا غربة لنا إذن أبدًا.. وما دام سبحانه موجودًا فكل شيء لنا موجود إذن، وما دام هو موجودًا وملائكته موجودة.
— 321 —
فهذه الدنيا إذن ليست خالية لا أنيس فيها ولا حسيس، وهذه ان شعورالخاوية، وتلك الصحارى المقفرة كلُّها عامرة ومأهولة بعباد اللّٰه المكرمين، بالملائكة الكرام. نعم، إن نور الإيمان باللّٰه سبحانه، والنظرة إلى الكون لأجله، يجعل الأشجار بل حتىالثانيار كأنها أصدقاءُ مؤنسون فضلًا عن ذوي الشعور من عباده، حيث يمكن لتلك الموجودات أن تتكلم معنا -بلسان الحال- بما يسلّينا ويروّح عنا.
نعم، إنَّ الدلائل على وجوده سبح304
دد موجودات هذا الكون، وبعدد حروف كتاب العالم الكبير هذا، وهناك دلائل وشواهد على رحمته بعدد أجهزة ذوي الأرواح وما خصهم من نِعَمه ومطعوماته التي هي محور الشفقة والرحمة والعناية، فجميعُها منعزعلى باب خالقنا الرحيم والكريم، وصانعنا الأنيس، وحامينا الودود، ولا شك أن العجز والضعف هما أرجى شفيعين عند ذلك الباب السامي. وأن عهد الشيب أوانُهما، ووقتُ ظهورهما، فعلينا إذن أن نودّ الشيخوخة، وأن نحبها، لا أن نعرض عنها؛ إذ هي شفيع مرتجى أمام ذتراق ااب الرفيع.
الرجاء السابعحينما تبدلت نشوة "سعيد القديم" وابتساماته إلى نحيب "سعيد الجديد" وبكائه، وذلك في بداية المشيب، دعاني أربابُ الدنيا في "أنقرة" إليها، ظنّا منهم أنني "سعيد القديم" فاستجبت للدعىاجتم فذات يوم من الأيام الأخيرة للخريف، صعدت إلى قمّة "قلعة أنقرة"، التي أصابها الكبر والبلى أكثر مني، فتمثّلت تلك القلعة أمامي كأنها حوادث تاريخية متحجرة، واعتراني حزن شديد وأسى عميق من شيب السي هو مموسم الخريف، ومن شيبي أنا، ومن هرم القلعة، ومن هرم البشرية ومن شيخوخة الدولة العثمانية العلية، ومن وفاة سلطنة الخلافة، ومن شيخوخة الدنيا. فاضطرتني تلك الحالة إلى النظر من ذروة تلنعم غيعة المرتفعة إلى أودية الماضي وشواهق المستقبل، أنقب عن نور، وأبحث عن رجاء وعزاء ينير ما كنت أحسّ به من أكثف الظلمات التي غشيت روحي هناك وهي غارقة في ليل هذا الهرم المتداخل المحيط.
(٭): وردت هذه الحالة الروحية على صورة مناجاة إلى القلب ة الوا الفارسية، فكتبتها كما وردت، ثم طبعت ضمن رسالة "حباب" في أنقرة. (المؤلف). (راجع المثنوي العربي النوري).
— 322 —
فحينما نظرت إلى اليمين الذي هو الماضي باحثًا عن نور ورجاء، بدت لي تلك الجهة من بعيد على هيئة مقبرة كبرى لأبي فضلًادي والنوع الإنساني، فأوحشتني بدلًا من أن تسلّيني .
ثم نظرت إلى اليسار الذي هو المستقبل مفتشًا عن الدواء، فتراءى لي على صورة مقبرة كبرى مظلمة لي ولأمثالي وللجيل القابل، فأدهشني عوضًا من تح أماسني.
ثم نظرت إلى زمني الحاضر بعد أن امتلأ قلبي بالوحشة من اليمين واليسار، فبدا ذلك اليوم لنظري الحسير ونظرتي التاريخية على شكل نعش لجنازة جسمي المضطرب كالمذبوح بين الموت والحياة.
فلما يئست من هذه الجهة أيضًا، رفعت رأسي ونظرت إلى قمة شجرة لَيْ فرأيت أن على تلك الشجرة ثمرة واحدة فقط، وهي تنظر إليّ، تلك هي جنازتي، فطأطأت رأسي ناظرًا إلى جذور شجرة عمري، فرأيت أن التراب الذي هناك ما هو إلّا رميم عظامي، وتراب مبدأ خلقتي قد اختلطا معًا وامتزجا، وهما يُداسان تحإنَّ إدام، فأضافا إلى دائي داءً من دون أن يمنحاني دواءً.
ثم حوّلتُ نظري على مضض إلى ما ورائي، فرأيت أن هذه الدنيا الفانية الزائلة تتدحرج في أودية العبث وتنحدر في ظلمات العدم، فسكبتْ هذه النظرة السمَّ على جروحي بدلًا من أن تواسيها بالمرهم والعلاج التهم!.
ولما لم أجد في تلك الجهة خيرًا ولا أملًا، ولّيت وجهي شطر الأمام ورنوت بنظري بعيدًا، فرأيت أن القبر واقفٌ لي بالمرصاد على قارعة الطريق، فاغرًا فاه، يحدق بي، وخلفَه الصراط الممتد إلى حيث كرربد، وتتراءى القوافل البشرية السائرة على ذلك الصراط من بعيد. وليس لي من نقطة استناد أمام هذه المصائب المدهشة التي تأتيني من الجهات الست، ولا أملك سلاحًا يدفع عني غيرَ جزء ضئيل من الإرادة الجزئيةء تجلي لي إذن أمام كل أولئك الأعداء الذين لا حصر لهم، والأشياء المضرة غير المحصورة، سوى السلاح الإنساني الوحيد وهو الجزء الاختياري. ولكن لما كان هذا السلاح ناقصًا وقاصرًا وعاجزًا، ولا قوة له على إيجاد شيء، وليس في طوقه وقسمتالكسب فحسب، حيث لا يستطيع أن يمضي إلى الزمان الماضي ويذبّ عني
— 323 —
الأحزانَ ويسكتها، ولا يمكنه أن ينطلق إلى المستقبل حتى يمنع عنّي الأهوالَ والمخاوف الواردة منه، أيقنت ألّا جدوى منه
سُيحيط بي من آلام وآمال الماضي والمستقبل.
وفيما كنت مضطربًا وسط الجهات الست تتوالى عليّ منها صنوف الوحشة والدهشة واليأس والظلمة، إذا بأنوار الإيمان المتألقة فينعَموالقرآن المعجز البيان، تمدّني وتضيء تلك الجهات الست وتنورها بأنوار باهرة ساطعة ما لو تضاعف ما انتابني من صنوف الوحشة وأنواع الظلمات مائةَ مرة، لكانت تلك الأنوار كافيةً ووافية لإحاطتها.
فبدّلت -تلك الأنوارُ- السلسلة الطويلة منقانون ة إلى سلوان ورجاء، وحوّلت كلَّ المخاوف إلى أُنس القلب، وأمل الروح الواحدة تلو الأخرى.
نعم، إنَّ الإيمان قد مزق تلك الصورة الرهيبة للماضي وهي كالمقبرة اكوى وق وحوّلها إلى مجلس منوّر أنوس وإلى ملتقى الأحباب، وأظهر ذلك بعين اليقين وحق اليقين...
ثم إن الإيمان قد أظهر بعلم اليقين أن المستقبل الذي يتراءى لنا بنظر الغفلة، كقبر واسع كبير ما هو إلّا مجلس ضيافة رحمانية أُعدّت في قصور السعادة الخالدةقات. فم إنَّ الإيمان قد حطّم صورة التابوت والنعش للزمن الحاضر التي تبدو هكذا بنظر الغفلة، وأشهدني أن اليوم الحاضر إنما هو متجر أخروي، ودار ضيافة رائعة للرحمن.
الذي هنَّ الإيمان قد بصّرني بعلم اليقين أن ما يبدو بنظر الغفلة من الثمرة الوحيدة التي هي فوق شجرة العمر على شكل نعش وجنازة. أنها ليست كذلك، وإنما َ في الاق لروحي -التي هي أهل للحياة الأبدية ومرشحة للسعادة الأبدية- من وكرها القديم إلى حيث آفاق النجوم للسياحة والارتياد.
ثم إن الإيمان قد بيّن بأسراره أن عظامي ورميمها وترابَ بداية خ فهذا ، ليسا عظامًا حقيرة فانية تداس تحت الأقدام، وإنما ذلك التراب باب للرحمة، وستار لسرادق الجنة.
ثم إن الإيمان أراني بفضل أسرار القرآن الكريم أنَّ أحوالهذه الا وأوضاعها المنهارة في ظلمات العدم بنظر الغفلة، لا تتدحرج هكذا في غياهب العدم -كما ظُنّ في بادئ الأمر- بل إنها نوع من رسائل ربانية ومكاتيب صمدانية، وصحائف نقوش للأسماء السبحانية قد أتمّت
— 324 —
مهامَّها، وأفادت معانيها، وأخلفت عنها نتائجها في اللتنبيهفأعلمني الإيمان بذلك ماهيةَ الدنيا علم اليقين.
ثم إنَّ الإيمان قد أوضح لي بنور القرآن أنَّ ذلك القبر الذي أَحدَق بي ناظرًا ومنتظرًا ليس هو بفوهة بئر، وإنما هو بابٌ لعالم النور.ِ أركَلك الطريق المؤدي إلى الأبد ليس طريقًا ممتدًا ومنتهيًا بالظلمات والعدم، بل إنه سبيل سَويّ إلى عالم النور، وعالم الوجود وعالم السعادة الخالدة.. وهكذا أصبحت هذه الأحوال دواءً لدائي، ومرهمًا له، حيث قد بدت واضحة جلية فأقنعتني قناعة تامة في ذثم، إنَّ الإيمان يمنح ذلك الجزء الضئيل من الجزء الاختياري الذي يملك كسبًا جزئيًّا للغاية، وثيقة يستند بها إلى قدرة مطلقة، وينتسب بها إلى رحمة واسعة، ضد تلك الكثرة الكاثرة من الأعداء والظلمقيوم
#حيطة، بل إن الإيمان نفسَه يكون وثيقة بيد الجزء الاختياري. ثم إن هذا الجزء الاختياري الذي هو السلاح الإنساني، وإن كان في حدّ ذاته ناقصًا اةِ وَ قاصرًا، إلّا أنه إذا استعمل باسم الحق سبحانه، وبُذل في سبيله، ولأجله، يمكن أن يُنال به -بمقتضى الإيمان- جنة أبدية بسعة خمسمائة سنة. مَثَلُ المؤمن في ذلك مثل الجندي إذا استعمل قوته الجزئية باسم الدولة فإنه يس الأقدأن يؤدي أعمالًا تفوق قوته الشخصية بألوف المرات.
وكما أن الإيمان يمنح الجزءَ الاختياري وثيقة، فإنه يسلب زمامه من قبضة الجسم الذي لا يستطيع النفوذ في الماضي ولا في المستقبل، ويسلّمه إلى القلب والتِهَا لعدم انحصار دائرة حياة الروح والقلب في الزمن الحاضر كما هو في الجسد، ولدخول سنوات عدة من الماضي وسنوات مثلها من المستقبل في دائرة تلك الحياة، فإن ذلك الجزء الاختياري ينطلق من الجزئية مكتسبًا الكلية. فكما أنه يدخل بقوة الإتِها..ي أعمق أودية الماضي مبددًا ظلمات الأحزان، كذلك يصعد محلقًا بنور الإيمان إلى أبعد شواهق المستقبل مزيلًا أهواله ومخاوفه.
فيا أيها الإخوان الشيوخ، ويا أيتها الأخوات العجائء ينطق من تتألمون مثلي من تعب المشيب! ما دمنا والحمد للّٰه من أهل الإيمان، والإيمان فيه خزائن حلوة نيرة لذيذة محبوبة إلى هذا الحد، وأن شيبنا يدفعنا إلى هذه الخزائن دفعًا أكثر، فليس لنا التشكي من الشيخوخة إذن، بل يجب علينا أن نقدم ألف شكر وشك.. من اللّٰه عزّ وجلّ، وأن نحمده تعالى على شيبنا المنوّر بالإيمان.
— 325 —
الرجاء الثامنحينما خالط بعضَ شعراتِ رأسي البياضُ الذي هو علامةُ الشيخوخيه حجانت أهوال الحرب العالمية الأولى وما خلَّفه الأسر لدى الروس من آثار عميقة في حياتي عمّقت فيّ نومَ غفلة الشباب. وتلا ذلك استقبالٌ رائع عند عودتي من الأسر إلى إسطنبول، سواءٌ من قِبل الخليفة أو شيخ الإسلام،، ودائقائد العام، أو من قبل طلبة العلوم الشرعية، وما قوبلت به من تكريم وحفاوة أكثر مما أستحق بكثير.. كل ذلك ولّد عندي حالةً روحية فضلًا عن سكرة الشباب وغفلته، وعمّقتْ فيّ ذلك النومَ أكثر، حتى تصورتُ معها أنَّ الدنيا دائمة باقية، ورأيت نفس بمعنىالة عجيبة من الالتصاق بالدنيا كأنني لا أموت.
ففي هذا الوقت، ذهبت إلى "جامع بايزيد" في إسطنبول، وذلك في شهر رمضان المبارك لأستمع إلى القرآن الكريم من الحفّاظ المخلصين، فاستمعتُ من لسان أولئك الحفاظ ما أعلنه القرآنُ المعجز تليق شدة، خطابه السماوي الرفيع في موت الإنسان وزواله، ووفاة ذوي الحياة وموتهم، وذلك بنص الآية الكريمة:
كُلُ نفسٍ ذائقةُ الموت
(الأنبياء: ٣٥). نَفَذَ هذا الإعلان الداوي صماخَ أذني مخترقً دون فقًا طبقات النوم والغفلة والسكرة الكثيفة الغليظة حتى استقر في أعماق أعماق قلبي. فخرجتُ من الجامع، ورأيت نفسي لبضعة أيام، كأنَّ إعصارًا هائلًا يضطرم في رأسي بما بقي من آثار ذلك النوم العميق المستقر فيّ منذ أمد طويل، ورأيتُني كالسفينة التائهة بلّٰه ااج البحر المضطربة البوصلة. كانت نفسي تتأجج بنار ذات دخان كثيف.. وكلما كنت أنظر إلى المرآة، كانت تلك الشعراتُ البيضاء تخاطبني قائلة: ان لكُم.
نعم، إنَّ الأمور توضحت عندي بظهور تلك الشعرات البيضاء وتذكيرها إياي، حيث شاهدت أن الشباب الذي كنت أغتر به كثيرًا، بل كنت مفتونًا بأذواقه يقول لي: الوداع! وأن الحياة الدنيا نْتِظَنت أرتبط بحبها بدأت بالانطفاء رويدًا رويدًا، وبدَت لي الدنيا التي كنت أتشبث بها، بل كنت مشتاقًا إليها وعاشقًا لها، رأيتها تقول لي: الوداع!! الوداع!! مشعرةً إياي، بأنني سأرحل من دار الضيافة هذه، ولبر، وها عما قريب. ورأيتها -أي الدنيا- هي الأخرى تقول: الوداع، وتتهيأ للرحيل. وانفتح للقلب من كلية هذه الآية الكريمة:
كُلُ نفسٍ ذائقةُ الموت
ومن شموليتها، ذلك المعنى الذي تتضمنه وهو:
— 326 —
إنَّ البشرية أملك بإنما هي كالنفس الواحدة، فلابد أنها ستموت كي تُبعث من جديد، وإن الكرة الأرضية كذلك نفسٌ فلابد أنها سوف تموت ويصيبها البوارُ كي تتخذ هيأة البقاء وصورة الخلود، وإن الدنيا هي الأخرى نفسٌ وسوف تموت وتنقضي كي تتشكل بصورة "آخرة".
فكرت تستطيأنا فيه؛ فرأيت: أن الشباب الذي هو مدار الأذواق واللذائذ، ذاهبٌ نحو الزوال، تارك مكانه للشيخوخة التي هي منشأ الأحزان. وأن الحياة الساطعة الباهرة لفي ارتحال، ويتهيأ الموتُ المظلم المخيف -ظاهرًا- ليحل محلها.
ورأيتَا؛ مِا التي هي محبوبة وحلوة ومعشوقة الغفاة وتُظن أنها دائمة، رأيتها تجري مسرعة إلى الفناء. ولكي أنغمس في الغفلة وأُخادع نفسي ولّيت نظري شطر أذواق المنیزلة الاجتماعية ومقامها الرفيع الذي حظيتُ به في إسطنبول والذي خُدعت به نفسي وهو فوق حدِّي وط وَمَا حفاوة وإكرام وسلوان وإقبال وإعجاب.. فرأيت أن جميعها لا تصاحبني إلّا إلى حدّ باب القبر القريب منى، وعنده تنطفئ.
ورأيت أنَّ رياءً ثقيلًا، وأثرَة باردة وغفلة مؤقتة، تكمن تحت الستار المزركش للسُمعة والصِيت، التي هي المثل الأعلى ل الأحوالشهرة وعشاقها، ففهمت أنَّ هذه الأمور التي خدعتني حتى الآن لن تمنحني أي سلوان، ولا يمكن أن أتلمس فيها أي قبس من نور.
ولكي أستيقظ من غفلتي مرة أخرى وأنتبه منها نهائيًا، بدأتُ بالاستماع كذلك لأولئك الحفاظ الكرام في"جامع بايزيداتُ القى الدرس السماوي للقرآن الكريم.. وعندها سمیعتُ بیشارات ذلك الإرشاد السماوي من خلال الأوامر الربانیية المقدسة في قوله تعالى:
وبَشِّر الذين آمنوا....
(البقرة: ٢٥).
وبالفيض الذي أخذتُهُ من القرآن الكريم تحرّيت عن السلوة والرجاء على: في تلك الأمور التي أدهشتني وحيّرتني وأوقعتني في يأسٍ ووحشة، دون البحث عنها في غيرها من الأمور. فألفَ شكر وشكر للخالق الكريم على ما وفّقني لأنْ من تللدواءَ في الداء نفسه، وأن أرى النور في الظلمة نفسها، وأنْ أشعر بالسلوان في الألم والرعب ذاتهما.
فنظرت أول ما نظرتُ إلى ذلك الوجه الذي يُرعِب الجميع ويُتوهم أنه مخيفيا للا..
— 327 —
وهو وجه "الموت" فوجدت بنور القرآن الكريم، أنَّ الوجه الحقيقي للموت بالنسبة للمؤمن صبوحٌ منور، على الرغم من أن حجابه مظلمٌ والستر الذي يخفيه يكتنفه السواد القبيح المرعب. وقد أثبتنا وأوضحنا هذه اَاصِدِ بصورة قاطعة في كثير من الرسائل وبخاصة في "الكلمة الثامنة" و "المكتوب العشرين" من أن الموت: ليس إعدامًا نهائيًا، ولا هو فراقًا أبديًا، وإنما مقدمةٌ وتمهيد للحياة الأبدية وبداية لها. وهو إنهاء لأعباء مهمة الحياة ووظائفها ورخصةي في حوراحة وإعفاء، وهو تبديلُ مكان بمكان، وهو وصال ولقاء مع قافلة الأحباب الذين ارتحلوا إلى عالم البرزخ.. وهكذا، بمثل هذه الحقائق شاهدت وجه الموت المليح الصلية وجلا غرو لم أَنظر إليه خائفًا وجلًا، وإنما نظرت إليه بشيءٍ من الاشتياق -من جهة- وعرفت في حينها سرًا من أسرار "رابطة الموت" التي يزاولها أهل الطرق الصوفية.
ثمةِ سَي في "عهد الشباب" فرأيت أنه يُحزن الجميع بزواله، ويجعل الكل يشتاقون إليه وينبهرون به، وهو الذي يمر بالغفلة والآثام، وقد مرّ شبابي هكذا! ي من اأن ثمة وجهًا دميمًا جدًّا بل مُسكرًا ومحيرًا تحت الحُلَّة القشيبة الفضفاضة الملقاة عليه، فلو لم أكن مدركًا كنهه لكان يبكيني ويحزنني طوال حياتي الدنيا، حتى لو عمرت مائة سنة حيال بضع سنين تمضي بنشوة وابتسامة، كما قال الشاعر البا ولا ى شبابه بحسرة مريرة:
فَيا لَيتَ الشَبابَ يَعودُ يَومًا فَأُخبِرَهُ بِما فَعلَ المَشيبُ
[٭]: لأبي العتاهية.
نعم، إنَّ الذين لم يتبينوا سرَّ الشباب وماهيتَه من الشيوخ يقضون شيخوختهم بالحسرة واأشرتُ على عهد شبابهم كهذا الشاعر. والحال أن فتوة الشباب ونضارته إذا ما حلّت في المؤمن المطمئن الحصيف ذي القلب الساكن الوقور، وإذا ما صُرفَت طاقةُ الشبلكريمةتُه إلى العبادة والأعمال الصالحة والتجارة الأُخروية، فإنها تصبح أعظمَ قوة للخير وتغدو أفضل وسيلة للتجارة، وأجمل وساطة للحسنات بل ألذّها.
نعم، إنَّ عهد الشباب نفيس حقًا وثمين جدًّا، وهو نعم إلّا ة عظمى، ونشوةٌ لذيذة لمن عرف واجبه الإسلامي ولمن لم يسئ استعماله. ولكن الشباب إن لم تصحبه الاستقامةُ، ولم ترافقه العفةُ والتقوى، فدونَه المهالكُ الوبيلة، إذ يصدّع طيشُه ونیزواته سع من مواحبه الأبدية، وحياتَه
— 328 —
الأُخروية، وربما يحطم حياته الدنيا أيضًا. فيجرّعه الآلام غصصًا طوال فترة الهرم والشيخوخة لما أخذه في بضع سنين من أذواق ولذائذ.
ولما كان عهد الشباب لا يخلو من الضرر عند أغلب الناس، فعلينا إق العا الشيوخ أن نشكر اللّٰه شكرًا كثيرًا على ما نجّانا من مهالك الشباب وأضراره. هذا وإن لذّات الشباب زائلةٌ لا محالة، كما تزول جميع الأشياء. فلئن صُرف عهدُ الشباب للعبادة، وبذل للخير والصلاح لكان دونه ثماره الباقية الدائمة، وعندهلينِ ب الفوز بشباب دائم وخالد في حياة أبدية.
ثم نظرت إلى "الدنيا" التي عشقها أكثرُ الناس، وابتلوا بها. فرأيت بنور القرآن الكريم أن هناك ثلاث دنًى كلية قد تداخل بعضها في البعض الآخر:
الحَديى:هي الدنيا المتوجهة إلى الأسماء الإلهية الحسنى، فهي مرآة لها.
الثانية:هي الدنيا المتوجهة نحو الآخرة، فهي مزرعتها.
الثالثة:هي الدنيا المتوجهة إلى أرباب الدنيا وأهل الضلالة، فهي لعبة أهل الغفلة ولهوهم.
ورأيت كذلك أن لكل أحد في مرض يزدنيا دنيا عظيمة خاصة به، فهناك إذن دنًى متداخلة بعدد البشر. غير أن دنيا كل شخص قائمةٌ على حياته الشخصية، فمتى ما ينهار جسمُ شخص فإن دنياه تتهدم وقيامتُه تقوم. وحيث إن الغافلين لا يدركون انهدام دنياهم الخاصتجعل ج السرعة الخاطفة؛ فهم يفتنون بها، ويظنونها كالدنيا العامة المستقرة من حولهم.
فتأملت قائلًا:لا شك أن لي أيضًا دنيا خاصة - كدنيا غيري تتهدم بسرعة فما فائدة هذه الدنيا الخاصة إذن في عمري القصير جدَرُ:
. فرأيت بنور القرآن الكريم أن هذه الدنيا -بالنسبة لي ولغيري- ما هي إلّا متجر مؤقت، ودار ضيافة تُملأ كل يوم وتخلى، وهي سوق مقامة على الطريق لتجارة الغادين والرائحين، وهي كتاب مفتوح يتجد قيّمًرئ المصور، فيمحو فيه ما يشاء ويثبته بحكمة. وكل ربيع فيها رسالة مرصعة مذهّبة، وكل صيف فيها قصيدةٌ منظومة رائعة، وهي مرايا تتجدد مظهرة تجليات الأسم والشكسنى للصانع الجليل، وهي مشتل لغِراس الآخرة وحديقتها، وهي مزهرة الرحمة الإلهية، وهي مصنع مؤقت لتجهيز اللوحات الربانية
— 329 —
الخالدة التي ستظهر في عالم البقاء والخلود. فشكرتُ اللّٰه الخالق الكريم أٌّ بِقر على خلقه الدنيا بهذه الصورة. بيد أن الإنسان الذي مُنح حبًّا مقبلًا إلى وجهَي الدنيا الحقيقيين المليحين المتوجهين إلى الأسماء الحسنى وإلى الآخرة، أخطأ المرمى وجانَب الصواب عندما لأسف- تلك المحبة في غير محلها، فصرفَها إلى الوجه الفاني القبيح ذي الغفلة والضرر حتى حق عليه الحديث الشريف (حُبّ الدُّنيا رأس ُ كلّ خَطيئة). [٭]: البخاري، التاريخ الكبير ٣/٤٧٢؛ ال إلّا إتحاف السادة ٨/٨١؛ العجلوني، كشف الخفاء ١/٣٤٤-٣٤٥؛ علي القاري، الأسرار المرفوعة ص ١٠٨.
فيا أيها الشيوخ ويا أيتها العجائز!.
إنني رأيت هذه الحقيقة بنورصر الجن الحكيم، وبتذكير من شيخوختي، وبما منحه الإيمانُ لبصيرتي من نور، وقد أثبتُّها في رسائل كثيرة مع براهين دامغة.. رأيت أن هذه الحقيقة هي السلوان الحقيقي لي، وهي الرجاء القوي والضياء الساطع.. فرضيتُ بشيخوختي وهرمي وسررت من رحيل الشباب.
فلاكر لمعا إذن، ولا تبكوا يا إخوتي الشيوخ على شيخوختكم بل احمدوا اللّٰه واشكروه. وما دمتم تملكون الإيمان، والحقيقة هي هكذا، فليبكِ أولئك الغافلون، وليحزن الضالون ولينتحبوا..
الرجاء التاسعكُنتُ أسيرًا في أثناء الحرب العالمية يمكن ى في مدينة قصيّة، في شمال شرقي روسيا تدعى "قوصترما". كان هناك جامع صغير للتتار على حافة نهر "فولغا" المشهور.. كنت ضَجِرًا من بين زملائي الضباط الأسرى، فآثرتُ العزلة، إلّا أنه لم يكن يُسمح دة فضلتجوال في الخارج دون إذن ورخصة، ثم سُمح لي بأن أظلَّ في ذلك الجامع بضمانة أهل حيّ التتار وكفالتهم، فكنت أنام فيه وحيدًا، وقد اقترب الربيع، وكانت الليالي طويلة جدًّا في تلك البقعة النائية..
كان الأرقُ يصيبني كثيرًا في تلكهم من لي الحالكة السواد، المتسربلة بأحزان الغربة القاتمة، حيث لا يُسمع إلّا الخريرُ الحزين لنهر "فولغا"، والأصوات الرقيقة لقطرات الأمطار، ولوعةُ الفراق في صفير الرياح.. كبَقَاءأيقظني -مؤقتًا- من نوم الغفلة العميق..
— 330 —
ورغم أنني لم أكن أعدّ نفسي شيخًا بعدُ، ولكن من يرى الحرب العالمية شيخٌ، حيث أيامُها يشيب من هولها الولدان، وكأن سرًا لحقيقةار الآية الكريمة:
يَومًا يَجعلُ الوِلدانَ شيبًا
(المزمل: ١٧) قد سرى فيها. ومع أنني كنت قريبًا من الأربعين إلّا أنني وجدتُ نفسي كأنني في الثمانين من عمري..
في تلك الليالي المظلمة الطي يُحيلحزينة، وفي ذلك الجو الغامر بأسى الغربة، ومن واقعي المؤلم الأليم، جثم على صدري يأسٌ ثقيل نحو حياتي وموطني، فكلما التفتُّ إلى عجزي وانفر الزماقطع رجائي وأملي. ولكن جاءني المدد من القرآن الكريم.. فردد لساني:
حسبنا اللّٰه ونعم الوكيل
(آل عمران: ١٧٣)
وقال قلبي باكيًا:
أنا غريبٌ.. أنا وحيد.. أنا ضعيف.. أنا عاجز.. أنشد الأمانَ.. أطلب العفوَ.وفًا ل العون.. في بابك يا إلهي.
أما روحي التي تذكرت أحبابي القدامى في بلدي، وتخيلتُ موتي في هذه الغربة، فقد تمثلت بأبيات نيازي المصري، وهي التي تبحث عن صسم الأ مررت بأحزان الدنيا، وأطلقت جناحي
للحرمان
طائرًا في شوق، صائحًا في كل لحظة:
صديق!.. صديق..!
على أية حال.. فقد أصبح "عجزي" و "ضعفي" في تلك الليالي المحزنة الطويلة والحالكة بالفرقة والرقةع "قوصبة وسيلتين للتقرب إلى عتبة الرحمة الإلهية، وشفيعين لدى الحضرة الإلهية، حتى إنني لا أزال مندهشًا كيف استطعت الفرارَ بعد أيام قليلة. وقطعتُ بصورة غير متوقعة مسافة له المق قطعها مشيًا على الأقدام إلّا في عام كامل، ولم أكن ملمًّا باللغة الروسية. فلقد تخلصت من الأسر بصورة عجيبة محيّرة، بفضل العناية الإلهية التي أدركتني بناءً تيه الزي وضعفي، ووصلت إسطنبول مارًا بی"وارشو" و"فينا". وهكذا نجوت من ذلك الأسر بسهولة
— 331 —
تدعو إلى الدهشة، حيث أكملت سياحة الفرار الطويل بسهولة ويسر كبيرين، بحيث لم يكن لينجزها أشجع الأشخاص وأذكا للمنیكرهم وممن يلمّون باللغة الروسية.
ولكن حالتي في تلك الليلة التي قضيتُها في الجامع على ضفاف "فولغا" قد ألهمتني هذا القرار:
"سأقضي بقية عمري في الكهوف والمغارات معتزلًا الناس.. كفاني تدخلًا في أمورهم. ولما كانت نها واطمئطاف دخول القبر منفردًا وحيدًا، فعليّ أن أختار الانفراد والعزلة من الآن،لأعوّد نفسي عليها!.".
نعم، هكذا قررت.. ولكن -ويا للأسف- فإن أحبابي الكثيرين المخلصين في إسطنبول، والحياة الاجتماعية البهيجة البرّاقة فيها، ولاسيما ما لا ط حاجاته من إقبال الناس والشهرة والصيت.. كل ذلك أنساني قراري ذلك لفترة قصيرة. فكأنَّ ليلةَ الغربة تلك هي السواد المنوّر البصير لعين حياتي، وكأنَّ النهارَ البهيج لحياة إسطنبول هي البياض غير البصير لعين حياتي.أثيراتتمكن تلك العين من رؤية البعيد، بل غطّت ثانية في نوم عميق، حتى فتحها الشيخ الكيلاني بكتابه "فتوح الغيب" بعد سنتين.
وهكذا أيها الشيوخ، ويا بذلك العجائز!.. اعلموا أن ما في الشيخوخة من العجز والضعف ليسا إلّا وسيلتين لدرّ الرحمة الإلهية وجلب العناية الربانية.. فإنني شاهد على هذه الحقيقة في كثير من حء والفياتي، وإن تجلي الرحمة على سطح الأرض يظهرها كذلك بشكل واضح أبلج؛ لأنَّ أعجزَ الحيوانات وأضعفها هي صغارُها، والحال أن ألطفَ حالات الرحمة وألذَّها وأجملَها تتجلى في تلك الصغار، فكريمة لفرخ الساكن في عشّه على شجرة باسقة، يستخدم والدته -بتجلي الرحمة- كأنها جندية تنتظر الأوامر. فتحوم حول الزروع الخضر لتجلب الرزق الوفير لفرخها الصغير، ولكن ما إن ينسى الفرخُ الصغير عجزهً لطيفّ جناحَيه وتكامله- حتى تقول له والدته: عليك أن تبحث عن رزقك بنفسك. فلا تعود تستجيب لندائه بعد ذلك.
فكما يجري سرُّ الرحمة هذا على هذه الصورة بحق الصغار، يجري كذلك من زاوية الضعف والعجز، بحق الشيو من شأن أصبحوا في حُكم الصغار.
— 332 —
ولقد أعطتني تجاربي الخاصة القناعةَ التامة أن رزقَ الصغار مثلما يأتي بناءً على عجزهم، وترسله الرحمةُ الإلهية لهم بشكل خارق، فتفجّر ينابيعَ الأثداء وتسيّلها لهم سيلًا، فإن يعبَّشيوخ المؤمنين الذين اكتسبوا العصمةَ يُرسل إليهم من قبل الرحمة على صورة بركة، وأن عمود البركة لأي بيت وسندَها إنما هو أولئك الشيوخ الذين يأهلونه، وأن الذي يحفظ ذلك البيت من البلايا والمصائب إنما هم أولئك الشيوخ الركا شك عين يعمرونه. يثبت هذه الحقيقة إثباتًا كاملًا جزء من حديث شريف: (لولا الشيوخ الركع لصبّ عليكم البلاء صبًّا). [٭]: انظر: أبو يعلى ، المسند ١١/١٢٨٧؛ الطبراني،عَ السم الكبير ٢٢/٣٠٩. وهكذا فما دام الضعفُ والعجز اللذان في الشيخوخة يصبحان محورين لجلب الرحمة الإلهية الواسعة، وأن القرآن الكريم يدعو الأولاد إلى الاحترام والرأفة بالوالدين في خمس مراتب، وبأسلوب غاية في الإعجاز، في قوله تعالى:
إمّا يَبلُغكتة الندَكَ الكِبَرَ أحدُهُما أو كلاهما فلا تَقُل لهما أفّ ولا تَنهَرهُما وقُل لهُما قولًا كريمًا ٭ واخفِضْ لهُما جَناحَ الذُلّ من الرحمة وقُل ربّ اا يمكنما كما ربَّياني صغيرا
(الإسراء: ٢٣-٢٤).
وما دام الإسلام يأمر بتوقير الشيوخ والرحمة بهم، والفطرةُ الإنسانية تقضي الاحترام والرحمة تجاه الشيوخ.. فلابد لنا -نحن الشيوخ- أإلّا بتبدل شيخوختنا هذه بمائة عهد من عهود الشباب؛ ذلك لأنَّ لنا فيها أذواقًا معنوية دائمة جديرة، بدلًا من الذوق المادي الناشئ من نیزوة الشباب، حيث نأخذ أذواقًا روحية نابعة من الرحمة الصوجه وبن العناية الإلهية ومن الاحترام النابع من فطرة الإنسانية.
نعم، إني أُطمئنكم بأنه لو أُعطيتُ عشر سنوات من عهد شباب "سعيد القديم" فلن أستبدلها بسنة واحدة من شيب "سعيد الجديد". فأنا راضٍ عن شيخوختي، فارضوا عنها أنتم كا حدّ %
الرجاء العاشربعدما رجعت من الأسر، سيطرت الغفلةُ عليّ مرة أخرى طوال سنتين من حياتي في إسطنبول، حيث الأجواءُ السياسية وتياراتها صرفت نظري عن التأمل في نفسي، وأحدثت تشا الحدي ذهني وفكري.
— 333 —
فحينما كنت جالسًا ذات يوم في مقبرة أبى أيوب الأنصاري رضي اللّٰه عنه وعلى مرتفع مطلّ على وادٍ سحيق، مستغرقًا في تأمل الآفاق المحيطة بإسطنبول، إذا بي أرى كأن دنيايَ الخاصة أوشكت على الوفاذ البذ شعرت -خيالًا- كأنَّ الروحَ تنسل منها انسلالًا من بعض نواحيّ. فقلت: تُرى هل الكتابات الموجودة على شواهد هذه القبور هي التي دعَتني إلى هذا الخيال؟.
أشحتُ نظري عن الخارج وأنعمت النظر في المقبرة دون الآفاق البعيدة فألقى في روعي: "أنَّ هذى منه،برة المحيطة بك تضم مائة إسطنبول! حيث إن إسطنبول قد أفرغت فيها مائة مرة، فلن تُستثنى أنت وحدَك من حُكم الحاكم القدير الذي أفرغ جميعَ أهالي إسطنبول هنا، فأنت راحلٌ مثلهم لا محالة.. العظم غادرت المقبرة وأنا أحمل هذا الخيال المخيف، ودخلت الغرفة الصغيرة في محفل جامع أبى أيوب الأنصاري رضي اللّٰه عنه والتي كنت أدخلها مرارًا في السابق فاستغرقتُ في التفكير في نفسي: إنما أنا ضيف! وضيف من ثلاثة أَوجه؛ إذ كما أنني ضيفٌ في ، فقلتغرفة الصغيرة، فأنا ضيفٌ كذلك في إسطنبول، بل أنا ضيف في الدنيا وراحل عنها كذلك، وعلى المسافر أن يفكر في سبيله ودربه.
نعم، كما أنني سوف أخرج من هذه الغرفة وأُغادرها، فسوف أترلأسماءبول ذات يوم وأُغادرها، وسوف أخرج من الدنيا كذلك.
وهكذا جثمتْ على قلبي وفكري وأنا في هذه الحالة، حالة أليمة محزنة مكدّرة. فلا غرو أنني لا أترك أحبابًا قليلين وحدَهم، بل سأفارق أيضًا آلاف الأحبة في إسطنبول، بل سأكما أثسطنبول الحبيبة نفسَها وسأفترق عن مئات الآلاف من الأحبة كما أفترق عن الدنيا الجميلة التي أُبتلينا بها.
ذهبتُ إلى المكان المرتفع نفسه في المقبرة مرة أخرى، حين غري أهالي إسطنبول، جنائزَ يمشون قائمين مثلما يظهر الذين ماتوا شخوصًا متحركة في الأفلام السينمائية، فقد كنت أتردد إليها أحيانًا للعبرة! فقال لي خيالي: ما دام قسمٌ من الراقدين في هذه المقبرة يمكن أن في عظ
— 334 —
متحركين كالشخوص السينمائية، ففكِّر في هؤلاء الناس كذلك أنهم سيدخلون هذه المقبرة حتمًا، واعتبرهم داخلين فيها من الآن، فإنهم جنائز أيضًا يتحركون.
وبينما كنت أتقلب في ي مالكحالة المحزنة المؤلمة إذا بنور من القرآن الحكيم وبإرشاد من الشيخ الكيلاني (قُدس سرّه) يقلب تلك الحالة المحزنة ويحوّلها إلى حالة مفرحة مبهجة، ذات نشوة ولذة،
حيث ذكّرني النورُ القادم من القرآن الكريم ونبهن ثم إما يأتي:
كان لك صديق أو صديقان من الضباط الأسرى عند أسرك في "قوصترما" في شمال شرقي روسيا، وكنتَ تعلم حتمًا أنهما سيرجعان إلى إسطنبول. ولو خَيّرك أحدُهما قائلًا: أتذهب إلى إسطنبول أم تريد ني في ى هنا؟. فلا جرم أنك كنت تختار الذهاب إلى إسطنبول لو كان لك مُسكة من عقل، بفرح وسرور حيث إن تسعمائة وتسعة وتسعين من ألف حبيب وحبيب لك هم الآن في إسطنبول، وليس لك هنا إلّا واحد أو اثنان، وهم بدورهم سيرحلون إلى هناك. فالذهامشيب مإسطنبول بالنسبة لك إذن ليس بفراق حزين، ولا بافتراق أليم.. وها أنتذا قد أتيت إليها، ألم تصبح راضيًا شاكرًا؟ فلقد نجوتَ من بلد الأعداء، من لياليها الطوال السوداء، ومن شتائها القارس العاصف، وقدِمت إسطنبول جن أسكة الجميلة، كأنها جنة الدنيا!. وهكذا الأمر حيث إن تسعًا وتسعين من مائة شخص ممن تحبهم منذ صغرك حتى الآن، قد ارتحلوا إلى المقبرة. تلك التي تبدو لك موحشة مدهشة، ولما، وأبنهم في هذه الدنيا إلّا واحد أو اثنان، وهم في طريقهم إليها كذلك. فوفاتُك في الدنيا إذن ليست بفراق، ولا بافتراق، وإنما هي وصال ولقاء مع أولئك الأحبة الأعزاالضخمةنعم إنَّ أولئك -أي الأرواح الباقية- قد تركوا مأواهم وعشهم المندرس تحت الأرض، فيسرح قسم منهم بين النجوم، وقسم آخر بين طبقات عالم البرزخ.
وهكذا ذكّرني ذلك النور القرآني.. ولقد أثبت هذه الحقيقة إثباتًا قاطعًا كلٌّ من ابليته.الكريم، والإيمان، بحيث مَن لم يفقد قلبَه وروحه، أو لم تغرقه الضلالةُ لابد أن يصدق بها كأنه يراها؛ ذلك لأن الذي زيّن هذه الدنيا بأنواع ألطافِه التي لارزق بابأشكال آلائه التي لا تُعد مُظهرًا بها ربوبيته الكريمة الرَّؤوفة، حفيظًا حتى على الأشياء الصغيرة الجزئية جدًّا -كالبذور مثلًا- ذلك الصانع الكريم الرحيم، لابد -بل بالبداهة- لا يُفني هذا الإنسان الذي هو أكملُ
— 335 —
مخلوقاته وأما أن وأجمعها وأهمّها وأحبها إليه، ولا يمحوه بالفناء والإعدام النهائي، بلا رحمة وبلا عاقبة -كما يبدو ظاهرًا- ولا يضيّعه أبدًا.. بل يضع الخالقُ الرحيم ذلك المخلوق المحبوب تحت التراب الذي هو باب الرحمة مؤقتًّائه ميعطي ثمارَه في حياة أخرى، كما يبذر الفلاح البذور على الأرض.
(٭): لقد أثبتت هذه الحقيقة بصورة قاطعة كقطعية (اثنين في اثنين يساوي أربعًا) في سائر الرسائل ولاسيما "الكلمة العاشرة" و"الكلمة امررتَ والعشرون". (المؤلف).
وبعد أن تلقيت هذا التنبيه القرآني، باتت تلك المقبرةُ عندي مؤنسةً أكثر من إسطنبول نفسها، وأصبحت الخلوة والعزلة عندي أكثر لطافة من المعاشرة والمؤانسة، مما حدا بي أر كن مكانًا للعزلة في "صارى ير" على البسفور. وأصبح الشيخ الكيلاني رضي اللّٰه عنه أستاذًا لي وطبيبًا ومرشدًا بكتابه "فتوح الغيب"، وصار الإمام الرباني رضي اللّٰه عنه ك الواحثابة أستاذ أنيس ورؤوف شفيق بكتابه "مكتوبات" فأصبحتُ راضيًا كليًا وممتنًّا من دخولي المشيب، ومن عزوفي عن مظاهر الحضارة البراقة ومُتعها الزائفة، ومن انسلالي من الحياة الاجتماعية وانسحابي منها، فشكرتُ اللّٰه على ذلك كثيرًا.
فيا من يدلف إلى المتع بأثلي.. ويا من يتذكر الموت بنذير الشيب..! إنَّ علينا أن نرضى بالشيخوخة وبالموت وبالمرض، ونراها لطيفةً بنور الإيمان الذي أتى به القرآنُ الكريم، بل علينا أن نحبها -من جهة- فما دمنا نملك إيمانًا وهو النعمة الكبرى، فالشيخوخ أجد ا طيبة والمرض طيب، والموت طيب أيضًا.. وليس هناك شيء قبيحٌ محض في حقيقة الأمر إلّا الإثم والسفه والبدع والضلالة.
الرجاء الحادي عشرعندما رجعت من الأسر، كنت أسكن مع ابن أخي فتتركلرحمن" في قصر على قمة "چاملجة" في إسطنبول. ويمكن أن تُعد هذه الحياة التي كنت أحياها حياةً مثالية من الناحية الدنيوية بالنسبة لأمثالنا؛ ذلك لأنني قد نجوبدَاعُلأسر، وكانت وسائلُ النشر مفتوحةً أمامي في"دار الحكمة الإسلامية" [٭]: هي أعلى مؤسسة علمية تابعة للمشيخة الإسلامية في الدولة العثمانية. وبما يناسب مهنتي العلمية، وأن الشهرة والصيت والإقبال عليّ تحفّ بي بدرجة لا أستحقهاالشافي ساكن في أجمل بقعة من إسطنبول "چاملجة"، وكلُّ شيء
— 336 —
بالنسبة لي على ما يرام، حيث إن ابن أخي "عبد الرحمن" -رحمه اللّٰه- معي، وهو في منتهى الذكاء والفطنة، فهو تلميذ ومضحٍّ وخادم وكاتب معًا، حتى كنت أعدلت منهًا معنويًّا لي.
وبينما كنت أحس بأني أسعد إنسان في العالم، نظرتُ إلى المرآة، ورأيت شعيرات بيضاء في رأسي وفي لحيتي، وإذا بتلك الصحوة الروحية التي أحسست بها في الأسر في جاملإفادةترما" تبدأ بالظهور. فأخذتُ أنعم النظر وأفكر مدققًا في تلك الحالات التي كنت أرتبط بها قلبيًا، وكنت أظنها أنها هي مدار السعادة الدنيوية. فما من حالة أو سبب دقالِهِ ظر فيه، إلّا رأيت أنه سبب تافه وخادع، لا يستحق التعلق به، ولا الارتباط معه. فضلًا عن ذلك وجدت في تلك الأثناء عدم الوفاء وفقدان الصداقة من صديق حمفة الععدّ من أوفى الأصدقاء لي، وبشكل غير متوقع وبصورة لا تخطر على بال.. كل ذلك أدى إلى النفرة والامتعاض من الحياة الدنيا، فقلت لقلبي:
- يا تُرى هل أنا منخدع كليًا؛ فأرى الكثيرين ينظرون إلى حياتنا التي ي لمّا ها من زاوية الحقيقة نظرَ الغبطة؟ فهل جُنَّ جنون جميع هؤلاء الناس؟ أم أنا في طريقي إلى الجنون، لرؤيتي هؤلاء المفتونين بالدنيا مجانينَ بُلهاء؟! وعلى كل حال.. فالصحوة الشديدة التي صحوتها برؤية الشيب جعلتني أرى أولًا: فناء ما أرتبط به حَكِيمشياء المعرّضة للفناء والزوال!!
ثم التفتّ إلى نفسي، فوجدتُها في منتهى العجز!.. عندها صرختْ روحي وهي التي تنشد البقاء دون الفناء وتتشبث بالأشياء الفانية متوهمةً فيها البقاء، صرخت من أعماقها: "مادمتُ فانيةً جسمًا فأي فائدة ية في من هذه الفانيات؟ وما دمتُ عاجزةً فماذا أنتظر من العاجزين؟.. فليس لدائي دواءٌ إلّا عند الباقي السرمدي، عند القدير الأزلي" فبدأت أبحث وأستقصي.. راجعت أولَ ما راجعت، تلك العلوم التي اكتسبتها سابقًا، أبحث فيها السلوة والرجاء. ولكن كنت -وعليه مسف- إلى ذلك الوقت مغترفًا من العلوم الإسلامية مع العلوم الفلسفية ظنًا مني -ظنّا خطأً جدًّا- أن تلك العلوم الفلسفية هي مصدرُ الرُّقي والتكامل ومحور الثقافة وتنوّر الفكر،ا قيمة تلك المسائل الفلسفية هي التي لوثَت روحي كثيرًا، بل أصبحت عائقةً أمام سمُوِّي المعنوي.
نعم، بينما كنت في هذه الحالة، إذا بحكمة القرآن المقدسة تسعفني، رحمةً من العلي
— 337 —
القدير، وفضلًا وكرمًا من عنده سبحانه. فغسلتْ أ بعضهاتلك المسائل الفلسفية، وطهّرتْ روحي منها -كما هو مبيّن في كثير من الرسائل- إذ كان الظلام الروحي المنبثق من العلوم الفلسفية، يُغرق روحي ويطمسها في الكائنات، فأينما كنت أتوجّه بنظري في تلك المسائل فلا أرى نلمرتبةلا أجد قبسًا، ولم أتمكن من التنفس والانشراح، حتى جاء نورُ التوحيد الساطع النابع من القرآن الكريم الذي يلقّن "لا اله إلّا هو" فمزّق ذلك الظلام وبدّده. فانشرح صدري وتنفس بكل راحةته -كلنان.. ولكن النفس والشيطان، شنّا هجومًا عنيفًا على العقل والقلب وذلك بما أخذاه من تعليمات وتلقّياه من دروس من أهل الضلالة والفلسفة. فبدأت المناظرةُ اها تمت في هذا الهجوم حتى اختتمت -وللّٰه الحمد والمنّة- بانتصار القلب وفوزه.
ولما كان قسم من تلك المناظرات قد ورد في أغلب الرسائل، فنحن نكتفي به، إلّا أننا نبين هنا برهانًا واحدًا فك الوقبين آلاف البراهين، لنبين انتصار القلب وفوزه على النفس والشيطان، وليقوم ذلك البرهان بتطهير أرواح أولئك الشيوخ الذين لوّثوا أرواحهم، وأسقموا قلوبَهم، وأطغوا أنفسهم، حتى تجاوزت حدودَها، تارة بقن بذلة، وتارة بما لا يعنيهم من أمور تتستر تحت ستار العلوم الأجنبية والفنون الحضارية، ولينجوا -بإذن اللّٰه- في حق التوحيد، من شرور النفس والشيطان. والمناظرة هي كالآتي:
قالت نفسي مستفسرةً باسم العلوم الفلسفية المادية: "إن الأشيالها موجودة في الكون، بطبيعتها تتدخل في الموجودات، فكل شيء متوجّهٌ إلى سبب وصادر منه، فالثمرةُ تؤخذ من الشجرة، والحبوبُ تُطلب من التراب، فماذا يعني التضرع إلى اللّٰه وطلب أصغر شيء وأكثره جزئية منه سبحانه؟!".
انكشف حالًا ولا يسلتوحيد بنور القرآن الكريم بالصورة الآتية:
أجاب قلبي لنفسي المتفلسفة: إن أصغرَ شيء وأكثرَه جزئية إنما هو كأكبرِ شيء وأعظمِه، فهو يصدر من قدرة خالق الكائنات مباشرة، ويأتي من خزينته سبحانه.. فليس هناك صورة أخرى قط، وما الأسباب إلّا ستائاحد، م لأنَّ أصغر المخلوقات وأتفهَها -حسب ظننا- قد يكون أعظمَ من أكبر المخلوقات وأضخمها، من حيث الخلقة والصنعة والإتقان. فالذباب مثلًا، إن لم يكن أدقَّ وأرقى من حيث الصنعة من الدجاج فليس هو بقاصر عنها، لهذا لا يمكن
— 338 —
التمييزموجوداالصغير والكبير من حيث الخلقة والصنعة فإما أن يُنسَب خلقُ الجميع -صغيرُه وكبيرُه- إلى الأسباب المادية، وإما أن يُسنَد الخلق جميعًا إلى ان وأموالأحد. ومثلما أن الشق الأول محالٌ في محال، فإن الشق الثاني واجب الاعتقاد به وضروري. لأنه:
ما دام علمُ اللّٰه سبحانه وتعالى يحيط بكل شيءٍ، والذي هو ثابت وجودُه بشكل قاطع بانتظام جميع المر حينه والحِكَم التي فيها.. وما دام كل شيء يتعيّن مقدارُه في علمه سبحانه.. وما دامت المصنوعات والمخلوقات وهي في منتهى الروعة والإتقان تأتي بم الأوهلسهولة إلى الوجود من العدم كل حين كما هو مشاهَد.. ومادام ذلك القدير العليم يملك قدرة مطلقة يمكنه أن يوجِد كلَّ شيء بأمر "كن فيكون" وفي لمح البصر.. كما ببل أفضلك في كثير من الرسائل بدلائل قاطعة ولاسيما في "المكتوب العشرين" وختام "اللمعة الثالثة والعشرين". فلابد أن السهولة المطلقة المشاهَدة، والخارقة للعادة، ما هي إلّا من تلك الإحاطة العلمية ومن عظمة تلك القدرة المطلقة.
مثلًا:كما أنه إذا أُ لِخَمادة كيمياوية معينة على كتاب كُتب بحبر كيمياوي لا يُرى، فإن ذلك الكتاب الضخم يظهر عيانًا حتى يستقرئ كلَّ ناظر إليه، كذلك يتعين مقدارُ كل شيء وصورتُه الخاصة به في العلم المحيط للقدير الأزلي، فيمرر كون غيُ المطلق قوت69 التي هي تجلٍ من قدرته- بكل سهولة ويسر، كإمرار تلك المادة في المثال، على تلك الماهية العلمية، يمرره بأمر "كنْ فيكون"، وبقدرته المطلقة تلك، وبإرادته النافذة.. فيعطي سبحانه ذلك الشيء وجودًا خارجيًا، مُظهرًا إياربيع، الأشهاد، مما يجعلهم يقرؤون ما فيه من نقوش حكمته..
ولكن إنْ لم يُسند خلقُ جميع الأشياء دفعةً واحدة إلى العليم المطلق وإلى القدير الأزلي، فإن خلق أصغر شيء عندئريان هذباب مثلًا- يستلزم جمعَ جميع ما له علاقة بالذباب من أكثر أنواع العالم، جمعَه بميزان خاص ودقيق جدًّا، أي جمع كل ذلك في جسم الذباب، بل ينبغي أن تكون كلُّ ذرةٍ عاملةٍ في جسم الذباب عالمةً تمام العلم بسرّ خلق الذباب وحكمة وجوده، بلّهاتِك أن تكون متقنةً لروعة الصنعة التي فيها بدقائقها وتفاصيلها كافة.
إذ إن الأسباب المادية والطبيعية لا يمكنها أن تخلق شيئًا من العدم مطلقًا كما هو بدهي ومتفق عليه عند أرباب العقول؛ ل من ول تلك الأسباب حتى لو تمكّنت من
— 339 —
الإيجاد فإنها لا تتمكن من ذلك إلّا بالجمع. فما دامت ستقوم بالجمع، وإن الكائن الحي -أيًا كان- ينطوي على أغلب نماذج ما في العالم من عناصر وأنواع، وكأنه خلاصةُ الكائنات أو بذرتُها، فلابد إذن من جمع ذرات البُلْطَا شجرة كاملة، وجمع عناصر الكائن الحي وذراته من أرجاء العالم أجمع، وذلك بعد تصفيتها وتنظيمها وتقديرها بدقة وإتقان حسب موازينَ خاصة ووفق مصافٍ حساسة ودقيقة جدًّا.. ولكون الأسباب المادية الطبيعية جاهلةً وجامدواسعة ا علم لها مطلقًا كي تقدّر خطة، وتنظّم منهاجًا، وتنسق فهرسًا، وكي تتعامل مع الذرات وفق قوالب معنوية، مصهرة إياها في تلك القوالب لتمنعها من التفرق والتشتت واختلال النظام. بينما يمكن أن يكون شنٍ إحسِّ شيء وهيئته ضمن أنماط لا تُحد.. لذا فإن إعطاء شكل معين واحد من بين تلك الأشكال غير المحدودة، وتنظيم ذلك الشيء بمقدار معين ضمن تلك المقادير غير المعدودة، دونلعقل وبعثر ذراتُ العناصر الجارية كالسيل وبانتظام كامل. ثم بناؤها وعمارتها بعضها فوق بعض بلا قوالب خاصة وبلا تعيين المقادير، ثم إعطاء الكائن الحي وجودًا منتظمًا منسقًا.. كل هذا أمرٌ واضح أنه خارجٌ عن حدود الإمكان، بل خارج عن حدود العقل والاحتمال!ؤدَّب لم يفقد بصيرته يرى ذلك بجلاء!
نعم، وتوضيحًا لهذه الحقيقة فقد جاء في القرآن الكريم:
انّ الذين تَدعونَ من دون اللّٰه لن يَخلقوا ذُبابًا ولو اجتمعوا له
(الحج: ٧٣). أي إذا اجتمعت الأسبابُ المادية كافةَّر بهكنها أن تجمع وتنسق جسم ذبابة واحدة وأجهزتها وفق موازين دقيقة خاصة حتى لو أوتيت تلك الأسباب إرادةً واختيارًا، بل حتى لو تمكنت من تكوين جسم ذباب وجمعه فإنها لايث الأع إبقاءه وإدامته على مقداره المعين له، بل حتى لو تمكنت من إبقائه بالمقدار المعين فلن تستطيع أن تحرك بانتظام تلك الذرات التي تتجدد دومًا وترد إلى ذلك ال الذباتسعى فيه؛ لذا فمن البداهة أنَّ الأسباب لن تكون مالكةً لهذه الأشياء ولن تكون صاحبتَها مطلقًا. إنما صاحبُها الحقيقي هو غيرُ الأسباب.. نعم، إنَّ لها مالكًا وصاحبًا حقيقيًا بحيث إن إحياء ما على استعملمن كائنات سهلٌ عليه ويسير، كإحياء ذبابة واحدة. وإيجادُ الربيع عنده سهلٌ وهينٌ كسهولة إيجاد زهرة واحدة.. كما تبينه الآية الكريمة:
ما خلقُكُم ولا بَعثُكم الّا كنَفسٍ واحدة
(لقمان: ٢٨) ذلك لأنه غير محتاج إلى الجمع، حيث إنه مالك لأمر كلقرآن ن ولأنه يخلق من العدم في كل ربيع أحوالَ موجودات الربيع وصفاتِها وأشكالَها، مما سوى عناصرها.. ولأن خطة كل شيء
— 340 —
ونموذجَه وفهرسه ومخططه متعينٌ في علمه سبحانه.. ولأنَّ جميع الذرات لا تتحرك إلّا ضمن دائرة علمه وقدرته؛ لذا فإنه يخلق إلّا ه ويوجِده إيجادًا بلمح البصر وفي منتهى اليُسر، ولن يحيد شيءٌ عمّا أُنيط به في حركته ولو بمقدار ذرة. فتغدو الكواكب السيارة جيشًا منظمًا طائعًا له، وتصبح الذرات جنودًا مطيعين لأمره، وحيث إن الجميع يسيرون على وفق تلك القدرة الع تسيرويتحركون وفق دساتير ذلك العلم الأزلي؛ لذا فإن هذه الآثار تأتي إلى الوجود حسب تلك القدرة، فلا تصغُر تلك الآثار بنظر الاستصغار، ولا تكون مهملة بعدم الاهتمام بها؛ إذ الذبابدوم سبنتسبة إلى تلك القدرة تهلك نمرودًا، والنملة تُدمِّرُ قصر فرعون، وبذرةُ الصنوبر المتناهية في الصغر تحمل على أكتافها ثقلَ شجرة الصنوبر الضخمة كالجبل. فكما أننا أثبتنا هذه الحقيقة في رسائل كثيرة فإننا نقول هنا كذلك: إنَّ الجندي المنرعاها ى السلطان بالجندية يمكنه أن يقوم بأعمال تفوق طاقته ألف مرة، كأنْ يأسر مثلًا قائدًا عظيمًا للعدو بانتسابه، كذلك فإن كل شيء بانتسابه إلى تلك القدرة الأزلية يكون مظهرًا لمعجزات الصنعة والإتقان بما تفوق تلك الأسبابَ الطبيعية بمائة ألف مرة.
الخ بالطرإنَّ الصنعة المتقنة البديعة لكل شيء، والسهولة المطلقة في إيجاده، تظهران معًا أن ذلك الشيء من آثار القدير الأزلي ذي العلم المحيط، وإلّا فهو محال في مائة محال ورود ذلك الشيء إلى الوجود، بل يكبِلا غدئذٍ- خارجًا عن دائرة الإمكان وداخلًا في دائرة الامتناع، بل خارجًا من صورة الممكن إلى صورة الممتنع وماهية الممتنع، بل لا يمكن أن يرد -عندئذ- شيء مهما كان إلى الوجود مطلقًا.
وهكاشَ لل هذا البرهان وهو في منتهى القوة والدقة، ومنتهى العمق والوضوح قد أسكت نفسي التي أصبحت تلميذةً مؤقتة للشيطان، ووكيلة لأهل الضلالة والفلسفة، حتى آمنت -وللّٰه الحمد- إيمانًا راسخًا، وقالت:
للمؤمن إنه ينبغي أن يكون لي ربٌ خالق يعلم ويسمع أدقّ خواطر قلبي وأخفى رجائي ودعائي. ويكون ذا قدرة مطلقة فيسعف أخفى حاجات روحي ويستبدل كذلك بهذه الدنيا أن تت دنيا أخرى غيرها ليسعدني سعادة أبدية فيقيم الآخرة بعدما يرفع هذه الدنيا، وكما أنه يخلق الذباب فإنه يوجِد السماوات إيجادًا أيضًا. وكما أنه يرصّع وجه السماء بعين الشمس
— 341 —
فإنه يجعل من الذرة ترصيعًا في بؤبؤ عيني. وإلّا فإن الذي لا يستطيع أن يخه).
بًا لا يمكنه أن يتدخل في خواطر قلبي، ولن يسمع تضرع روحي. وإن الذي لا يستطيع أن يخلق السماوات لا يمكنه أن يهبني السعادة الأبدية؛ لذا فإن ربي إنما هو الذي يسمع -بل يصلح- خواطر قلبي، ّٰه بل أنه يملأ جو السماء بالغيوم ويفرغها منه خلال ساعة فإنه سيبدّل الآخرة بهذه الدنيا ويعمّر الجنة ويفتح أبوابها لي قائلًا: هيا ادخل!
فيا إخوتي الشيوخ، ويا مَن ص الأعمزءًا من عمركم بسوء حظّ النفس وشقائها -مثل نفسي- في مغالطات العلوم الأجنبية والفلسفة المظلمة.. اعلموا أن الذي يردده القرآن دومًا من "لا إله إلّا هو" ذلك الأمر القدسي، ركن إيماني لا يتزلزل ولا يتصدع ولا يتغير أبدًا!! فما أقواهيلة الصوبَه! حيث يبدد جميع الظلمات ويضمد الجراحات المعنوية.
هذا وإن درج هذه الحادثة المطولة ضمن أبواب الرجاء والأمل لشيخوختي، لم يكن باختياري، بل لم أكن أرغب درجها هنا، تحاشيًا من الملل، إلّا أنني أستلمُعجِ أقول قد كُتّبتها وأُملِيَتْ عليَّ.. وعلى كل.. لنرجع إلى الموضوع الذي نحن بصدده:
نعم، هكذا جاءني النفور من تلك الحياة الدنيوية البهيجة في إسطنبول يمة:
اهرها اللذة، من ذلك التأمل والنظر في شعيرات بيضاء لرأسي ولحيتي، ومن عدم الوفاء الذي بدر من الصديق الوفي المخلص.. حتى بدأت النفسُ بالبحث والتحري عن أذواق معنوية بدلًند الآافتتنتْ به من أذواق، فطلبت نورًا وسلوانًا في هذه الشيخوخة التي تبدو ثقيلة ومزعجة ومَقِيتةً في نظر الغافلين. فلله الحمد والمنّة وألف شكر وشكر له سبحانه أن وفقني لوجدان تلك الأذواق الإيمانية الحقيقية اُلُّ ح في "لا إله إلّا هو" وفي نور التوحيد بدلًا من تلك الأذواق الدنيوية التي لا حقيقة لها ولا لذة فيها، بل لا خير في عقباها. وله الحمد أن وفقني كذلك لأجد الشيیزل قيفيفة الظل أتنعم بدفئها ونورها بخلاف ما يراه أهلُ الغفلة من ثقل وبرودة.
نعم يا إخوتي! فما دمتم تملكون الإيمان، وما دامت لديكم الصلوات والدعاء اللذان ينوران الإيم؟
ث ينميانه ويصقلانه.. فإنكم تستطيعون إذن أن تنظروا إلى شيخوختكم كأنها شباب دائم، بما تكسبون بها شبابًا في دار الخلود، حيث إن الشيخوخة الباردة حقًا، والثقيلةَ
— 342 —
جدًّا، والقبيحة، بل المظلمة والمين منهمامًا ليست إلّا شيخوخةَ أهل الضلالة، بل ربما عهد شبابهم كذلك.. فليبكوا.. ولينتحبوا.. وليقولوا: وا أسفاه.. وا حسرتاه!!
أما أنتم أيها الشيوخ المؤمنون الموقرون فعليكم أن تشكروا ربكم بكل فرح وسرور قائلين: "الحمد للّٰه على إلّا ا!".
الرجاء الثاني عشربينما كنت وحيدًا بلا معين في "بارلا" تلك الناحية التابعة لمحافظة "إسبارطة" أعاني الأسر المعذّب المسمى بالنفي، ممنوعًا من الاختلاط بالناس، بل حتى من المراسلة مع أيٍّ كان، فوق ماقن واليه من المرض والشيخوخة والغربة.. فبينما كنت أضطرب من هذه الحالة وأقاسي الحزن المرير إذا بنور مسلٍّ يشعّ من الأسرار اللطيفة للقرآن الكريم ومن نكاته الدقيقة، يتفضل الحق سبحانه به علىَّ برحمته الكاملة الواسعة، فكنتُ أَعمل جاهدًا بذلك النور لتنار من هأنا فيه من الحالة المؤلمة المحزنة، حتى استطعت نسيان بلدتي وأحبتي وأقاربي.. ولكن -يا حسرتاه- لم أتمكن من نسيان واحد منهم أبدًا وهو ابن أخي، بل ابني المعنوي، وتلميذي المخلص وصديقي الشجاع "ع تحد وحمن" تغمده اللّٰه برحمته الذي فارقني قبل حوالي سبع سنوات، ولا أعلم حالَه كي أراسله وأتحدث معه ونتشارك في الآلام، ولا هو يعلم مكاني كي يسعى لخدمتي وتسليتي. نعم لقد كنت في أمس ق في أ -ولاسيّما في الشيخوخة هذه- إلى من هو مثل "عبدالرحمن".. ذلك الفدائي الصادق..
وذات يوم وفجأة سلّمني أحدهم رسالة، ما إن فتحتها حتى تبيّن لي أنها رساقًا أنهر شخصية "عبدالرحمن" تمامًا وقد أُدرج قسم من تلك الرسالة ضمن فقرات "المكتوب السابع والعشرين" بما يظهر ثلاث كرامات واضحة.
لقد أبكتني تلك الرسالة كهر كالولا تزال تبكيني، حيث يبيّن فيها "عبدالرحمن" بكل صدق وجدّ أنه قد عزف عزوفًا تامًا عن الأذواق الدنيوية وعن لذائذها، وأن أقصى ما يتمناه هو الوصول إليّ ليقولحياة يتي في شيخوختي هذه مثلما كنتُ أرعاه في صغره، وأن يساعدني بقلمه السيّال في وظيفتي ومهمّتي الحقيقية في الدنيا، وهي نشر أسرار القرآن الكريم، حتى إنه
— 343 —
ك شَجَرل في رسالته: ابعث إليّ ما يقرب من ثلاثين رسالة كي أكتب وأستكتب من كل منها ثلاثين نسخة.
لقد شدّتني هذه الرسالة إلى الدنيا بأمل قوي شديد، فقلت في نفسي: ها قد وجدتُ تلميذي المخلص الشجاع، ذا الذكاء الخارق، وذا الوفاء الخالصلكِتَارتباط الوثيق الذي يفوق وفاء الابن الحقيقي وارتباطه بوالده. فسوف يقوم -بإذن اللّٰه- برعايتي وخدمتي، بل حتى إنني بهذا الأمل نسيت ما كنت فيه من الأسر المؤلم ومن عدم وجولواحد لي، بل نسيت حتى الغربة والشيخوخة! وكأن "عبدالرحمن" قد كتب تلك الرسالة بإيمان في منتهى القوة وفي غاية اللمعان وهو ينتظر أجله، إذ استطاع أن يحصل على نسخة مطبوعة من "الكلمة العاشرة" التي كنت قد طبعتها وهي تبحتلألئةلإيمان بالآخرة. فكانت تلك الرسالة بلسمًا شافيًا له حيث ضمّدت جميعَ جراحاته المعنوية التي عاناها عبر سبع سنوات خلت.
وبعد مضي حوالي شهرين وأنا أعيش في ذلك الأمذه الذش معًا حياة دنيوية سعيدة.. إذا بي أُفاجأ بنبأ وفاته، فيا أسفاه.. ويا حسرتاه.. لقد هزّني هذا الخبر هزًّا عنيفًا، حتى إنني لا أزال تحت تأثَشهَدُذ خمس سنوات، وأورثني حزنًا شديدًا وألمًا عميقًا للفراق المؤلم، يفوق ما كنت أعانيه من ألم الأسر المعذّب وألم الانفراد والغربة الموحشة وألم الشيخوخة والمرض.
كنت أقول: إنَّ نصف دنياي الخاصة قد انهدَّ بوفاة أمي، بيد أنى رأيت أن النصف شَّأنُقد توفي أيضًا بوفاة "عبد الرحمن"، فلم تبقَ لي إذن علاقة مع الدنيا.. نعم لو كان "عبدالرحمن" يظل معي في الدنيا لأصبح محورًا تدور حوله وظيفتي الأخروية في الدنيتصم، فا خير خَلف لي، ولحلّ مكاني من بعدي، ولكان صديقًا وفيًّا بل مدار سلوان لي وأنس، ولبات أذكى تلميذ لرسائل النور، والأمين المخلص المحافظ عليها.. فضياعٌ مثل لنعمة ضياع -باعتبار الإنسانية- لهو ضياع محرق مؤلم لأمثالي. ورغم أنني كنت أبذل الوسع لأتصبّر وأتحمل ما كنت أعانيه من الآلام إلّا أنه كانت هناك عاصفةٌ قوية جدّية، وشف بأقطار روحي، فلولا ذلك السلوان النابع من نور القرآن الكريم يفيض عليَّ أحيانًا لَمَا كان لمثلي أن يتحمل ويثبت.
كنت أذهب وأسرح في وديان "بارلا" وأجول فوادث حها وحيدًا منفردًا وأجلس في أماكن خالية منعزلة، حاملًا تلك الهموم والآلام المحزنة، فكانت تمر من أمامي لوحاتُ الحياة
— 344 —
السعيدة ومناظرُها اللطيفة التي كنت قد قضيتها مع طلابي -أمثال حالها،لرحمن"- كالفلم السينمائي. فكلما مرّت تلك اللوحاتُ أمام خيالي، سلبتْ من شدة مقاومتي وفتّ في عضدي سرعةُ التأثر النابعة من الشيخوخة والغربة.
ولكن على أن يؤنّة انكشف سرُّ الآية الكريمة:
كلُ شئٍ هالكٌ إلّا وجههُ لهُ الحُكمُ واليه تُرجعون
(القصص: ٨٨). انكشافًا بيّنًا بحيث جعلني أردّد: يا باقي أنت الباقي، يا باقي أنت الباقي ضارعة أخذت السلوان الحقيقي.
أجل، رأيت نفسي بسرّ هذه الآية الكريمة، وعبر تلك الوديان الخالية، ومع تلك الحالة المؤلمة، رأيتها على رأس ثلاث جنائز كبرى كما أن يمدإليها في رسالة "مرقاة السنّة":
الأولى:رأيت نفسي كشاهد قبرٍ يضم خمسًا وخمسين سعيدًا ماتوا ودفنوا في حياتي، وضمن عمري الذي يناهز الخامسة والخمسين سنة.
الثانية:رأيت نفسي كالكائن الحي الصغير جدًّا -كالنملة- يدب على وجه هذا اليمان فذي هو بمثابة شاهد قبر للجنازة العظمى لمن هم بنو جنسي ونوعي، والذين دفنوا في قبر الماضي منذ زمن آدم عليه السلام.
أما الثالثة:فقد تجسديق مام خيالي -بسرّ هذه الآية الكريمة- موتُ هذه الدنيا الضخمة، مثلما تموت دنيا سيارة من على وجه الدنيا كل سنة كما يموت الإنسان.. وهكذا فقد أغاثني المعنى الإشاري للآية الكريمة:
فإنْ تَوَلوا فَقُل حَسبيَ اللّٰه لا الهَ قد تحوو عليهِ توكلتُ وهو ربُّ العرش العظيم
(التوبة: ١٢٩) وأمدَّني بنور لا يخبو، فبدد ما كنت أعانيه من الحزن النابع من وفاة "عبد الرحمن" واهبًا لي التسريَة والتسلية الحقيقية.
نعم لقد علمتني هذه الآيةُ الكريمة أنه مادام اللّة الكرانه وتعالى موجودًا فهو البديل عن كل شيء، وما دام باقيًا فهو كافٍ عبدَه، حيث إن تجليًا واحدًا من تجليات عنايته سبحانه يعدل العالم كله، وإن تجليًا من تجليات نوره العميم يمنح تلك الجنائز الثلاث حياةً معنوية أيما حياة، بحيث تظهر أنها ليست ر
(٭ بل ممن أنهوا مهامهم ووظائفهم على هذه الأرض فارتحلوا إلى عالم آخر.
— 345 —
ولما كنا قد أوضحنا هذا السرّ والحكمة في "اللمعة الثالثة" أراني هنا يمكنه حاجة إلى مزيدٍ من التوضيح، إلّا أنني أقول:
إنَّ الذي نجّاني من تلك الحالة المحزنة المؤلمة، تكراري لی"ياباقي أنت الباقي.. ياباقي أنت الباقي" مرتين والذي هو معنى الآية الكريمة:
كلُ شئٍ هالكٌ إلّا وجههُ
وَّةَ ذلك:
أنني عندما قلت: "يا باقي أنت الباقي" للمرة الأولى، بدأ التداوي والضماد بما يشبه العمليات الجراحية على تلك الجروح المعنوية غير المحدودة الناشئة من زوال الدنيا وزوال مَنْ فيها من الأحبّة -من أمثال "عبدالرحمن"- والمتولدة من انفراط عقد الروا القرآي أرتبط بها معهم. أما في المرة الثانية فقد أصبحت جملة "ياباقي أنت الباقي" مرهمًا لجميع تلك الجروح المعنوية، بلسمًا شافيًا لها، وذلك بالتأ عداءًالمعنى الآتي:
ليرحل مَن يرحل يا إلهي فأنت الباقي وأنت الكافي، وما دمتَ باقيًا فَلَتجلٍّ من تجليات رحمتك كافٍ بدلًا عن كل شيء يزول، وما دمتَ موجودًا فكل شيء إذن موجودٌ لمن يدرك معنى انتسابه إليك بالإيمان بوجودك ويتحرك على وفق ذلك قوة الاب بسر الإسلام، فليس الفناء والزوال ولا الموت والعدم إلّا ستائر للتجديد، وإلّا وسيلةٌ للتجول في منازل مختلفة والسير فيها.. فانقلبتْ بهذا التفكير تلك الحالة الروحية المحرقة الحزينة، وتلك الحالة المظلمة المرعبة إلى حالة مسرّة بهيجة ولذيذة، وإأنوارَة منورة محبوبة مؤنسة. فأصبح لساني وقلبي بل كلُّ ذرّة من ذرات جسمي، يردد بلسان الحال قائلًا: الحمد للّٰه.
ولقد تجلى جزء من ألف جزء من ذلك التجلّي الدنية بهذه الصورة:
عندما رجعت من موطن حزني.. من تلك الوديان، إلى "بارلا" حاملًا معي تلك الأحزان، رأيت شابًا يدعى "مصطفى قوله أونلى" قد أتاني مستفسرًا عن بعض ما يشغصد السمسائل الفقه والوضوء والصلاة.. فرغم أنني لم أكن أَستقبل الضيوف في تلك الفترة إلّا أن روحي كأنها قد قرأت ما في روح ذلك الشاب من الإخلاص، وكأنها شعرت -بحسٍّ قبل الوقوع- ما سوف يؤديه هذا الشاب من خدمات لرسائل النور في المستقبل، (هم وأمكذا فإن الأخ الصغير لهذا الشاب "مصطفى" يدعى "علي الصغير" قد أثبت أنه "عبدالرحمن" حقًا، بكتابته أكثر من سبعمائة نسخة من رسائل النور بقلمه الطاهر بل قد ربى عديدًا من عباد الرحمن. (المؤلف). لذا لم أردّه
— 346 —
وقبلته ضيفًا
[٭]: ن وذلك أظهر هذا الشاب أنه ليس أهلًا للقبول فحسب، بل هو أهل للاستقبال كذلك. (المؤلف).
هذه حادثة أرويها تصديقًا لحكم أستاذي من أن مصطفى، وهو أول تلميذ لرسائل النور أهل للاستقبال: "كان الأستاذ ي أنوار التجول في اليوم السابق ليوم عَرَفة، فأرسلني لأن أهيئ له الفرس، قلت: لا تنیزل يا أستاذي لغلق الباب فأنا سأقفله وسأخرج من الباب الخلفي، قال لي: بل اخرج من الباب.. فنیزل وأغلق الباب بالمزلاج من ورائي، وصعد إلى غرفته يضطجع... وبع الأمثقدم "مصطفى قوله أونلي" بصحبة الحاج عثمان. وكان الأستاذ لا يقبل يومها أحدًا عنده بله أن يقبل في تلك الفترة شخصين معًا! فلا محالة أنه يردهما.. ولكن مصطفى هذا المذكور في هذا البحّنًا إن أتى إلى باب الأستاذ مع الحاج عثمان حتى كأن الباب قد رحّب به بلسان الحال قائلًا: إن أستاذك لن يقبلك، ولكني سأنفتح لك فانفتح له الباب المغلق. "نعم إن ما قاله الأ والموق حول مصطفى من أنه يستحق الاستقبال والقبول، مثلما أظهر المستقبل ذلك بوضوح فإن باب بيته قد شهد على ذلك أيضًا.." خسرو.
"نعم إن ما كتبه "خسرو" صدق، فأنا أُصدِّقه. فبابل من س الذي أسكنه قد قبل مصطفى واستقبله بدلًا عني".
سعيد النورسي
ثم تبيّن لي أن اللّٰه سبحانه وتعالى قد عوّضني بهذا الشاب عن "عبدالرحمن" الذي هو خير خَلف لي ويفي بمهمة ا والدنالحقيقي في خدمة رسالة النور. وبعث سبحانه وتعالى إليّ "مصطفى" وكأنه يقول: أخذت منك عبدًا للرحمن واحدًا وسأعوضك عنه بثلاثين "عبدالرحمن" كهذا الشاب "مصطفى" ممن يسعون في تلك الوظيفة الدينية، وسيكونون لك طلابًا أوفيالتي لبناءَ أخ كرماء، وأولادًا معنويين، وإخوة طيبين، وأصدقاء فدائيين مضحيّن..
نعم.. وللّٰه الحمد فقد وهبني البارئ عز وجل ثلاثين عبدًا للرحمن، وعندها خاطبت قلبي: مادمتَ يا قلبي الباكي المكلوم قد رأيت هذا النموذج وهذا المثام. وهنتَ به أهم جرح من تلك الجروح المعنوية، فعليك أن تسكن وتطمئن بأن اللّٰه سبحانه سيضمد الجروح الباقية التي تقلقك وتتألم منها..
فيا أيها الإخوة الشيوخ ويا أيتها الأخوات العجائز.. ويا مَن فقدتم مثلي أحبَّ ولده إليه زمن الشيخوخة أو فارقه أحدُ أقارنیزلة يا من يثقل كاهلَه وطأة الشيخوخة ويحمل معها على رأسه الهمومَ الثقيلة الناشئة من الفراق! لقد علمتم وضعي وعرفتم حالي فإنه رغم شدّته بأضعاف ما عندكم من أوضاع وحالات، إلّا أن هذه الآية الكريمة قد ضمدته وأسعفته فشفته بإذن اللّٰه الكماشك في أن صيدلية القرآن المقدسة زاخرةٌ بعلاج كل مرض من أمراضكم ودواء كل سقم من أسقامكم. فإذا استطعتم مراجعتها بالإيمان، وقمتم بالتداوي والعلاج بالعبادة، فلابُدَّ أن تخف وطأة ما تحملون على كاهلكم من أثقال الشيخةِ الما يثقل رؤوسكم من هموم.
— 347 —
هذا وإن سبب كتابة هذا البحث كتابة مطوّلة هو رجاء الإكثار من طلب الدعاء للمرحوم "عبدالرحمن". فلا تملّوا ولا تسأموا من طوله. وإن قصدي من إظهار جرحي المخيف بهذه الصورة المفجعة المؤلمة، فتتألمون أكثر وتحزنون حوات ال قد يؤدي إلى زيادة آلامكم وأحزانكم فتنفرون منه، ليس إلّا لبيان ما في البلسم القرآني المقدس من شفاء خارق ومن نور باهر ساطع .
الرجاء الثالث عشسرورًا): إن حادثة المدرسة التي يذكرها الرجاء الثالث عشر قد حدثت قبل ثلاث عشر سنة... إنه توافق لطيف!!. (المؤلف).
سأبحث في هذا الرجاء عن لوحة مهمة من لوحات وقائع حياتي، فالرجاء ألّا تسأمقة.
جروا من طولها.
بعدما نجوت من أسر الروس في الحرب العالمية الأولى، لبثت في إسطنبول لخدمة الدّين في "دار الحكمة الإسلامية" حوالي ثلاث سنوات. ولكن بإرشاد القرآن الكريم وبهمّة الشيخ الكيلاني، وبانتباهي بالشيخوخة، تولّد عندي سأمٌ وملل من الحياة اإذن خية في إسطنبول، وبت أنفر من حياتها الاجتماعية البهيجة، فساقني الشوق والحنين المسمى بی"داء الغُربة" إلى بلدتي، إذ كنت أقول: ما دمت سأموت فلأمت إذن في بلدتي.. فتوجهت إلى مدينة "وان".
وهناك قبل كل شيء ذهبت إلى زيارة مدرستي المسعبادة "خورخور" فرأيت أن الأرمن قد أحرقوها مثلما أحرقوا بقية البيوت الموجودة في "وان" في أثناء الاحتلال الروسي.. صعدت إلى القلعة المشهورة في "وان" وهي كتلة من صخرة صلدة تضم تحتها مدرستيا ومااصقة بها تمامًا، وكانت تمرّ من أمامي أشباحُ أولئك الأصدقاء الحقيقيين والإخوة المؤنسين من طلابي في مدرستي الذين فارقتُهم قبل حوالي سبع سنوات خلت، فعلى إثر هذه الكارثة أصبح قسمٌ من أولئكمن الأقاء الفدائيين شهداءَ حقيقيين وآخرون شهداءَ معنويين، فلم أتمالك نفسي من البكاء والنحيب.. صعدت إلى قمة القلعة وارتقيتُها وهي بعلو المنارتين ومدرستي تحتها، وجلست عليها أتأمل، فذهب بي الخيالُُلِّ شا يقرب من ثماني سنوات خلَتْ وجال بي الخيال في ذلك الزمان، لما لخيالي من قوة ولعدم وجود مانع يحول بيني وبين ذلك الخيال ويصرفني عن ذلك الزمان، إذ كا أن تدًا منفردًا.
— 348 —
شاهدت تحولًا هائلًا جدًّا قد جرى خلال ثماني سنوات حتى إنني كلّما كنتُ أفتح عيني أرى كأن عصرًا قد ولّى ومضى بأحداثه. رأيت أنّ مركز المدينة المحيطة بمدرستي -الذي هو بج المحاقلعة- قد أُحرق من أقصاه إلى أقصاه ودُمّر تدميرًا كاملًا. فنظرت إلى هذا المنظر نظرة حزن وأسى.. إذ كنت أشعر الفرق الهائل بين ما كنت فيه وبين ما أراه الآن، وكأن مائتي سنة قد مرّت على هذه المدينة.. كان أغلب الالمعدةمّرون هذه البيوت المهدَّمة أصدقائي، وأحبّةً أعزّاء عليّ.. فلقد توفّي قسمٌ منهم بالهجرة من المدينة وذاقوا مضاضتها، تغمدهم اللّٰه جميعًا برحمته. حيث دُمّرت بيوتُ المسلمين ص) يقودينة كليًّا ولم تبق إلّا "محلة الأرمن"، فتألمت من الأعماق، وحزنت حزنًا شديدًا ما لو كان لي ألف عين لكانت تسكب الدموع مدرارًا.
كنت أظن أنني قد نجوت من الاذُ المحيث رجعت إلى مدينتي، ولكن -ويا للأسف- لقد رأيت أفجعَ غربة في مدينتي نفسها؛ إذ رأيت مئاتٍ من طلابي وأحبتي الذين أرتبط بهم روحيًا -كعبد الرحمن الم تعطواه في الرجاء الثاني عشر- رأيتُهم قد أُهيل عليهم التراب والأنقاض، ورأيت أن منازلَهم أصبحت أثرًا بعد عين، وأمام هذه اللوحة الحزينة تجسّد معنى هذه الفقرة لأحدهم والتي كانت في ذاكرتي منذ زمن بعيد إلّا أنني لم أكن أفهم معناها تمامًا:
لَوْ لاَ مُفَارَقَةُ الأحْبَابِ مَا وَجَدَتْ لَهَا الْمَنَايَا إلى أرْوَاحِنَا سُبُلًا
[٭]: قول المتنبي: لولا مفارقة الأحباب.. إلخ.. في "لها" وجه غريب، وهو أن تقدره جمعًا للهاةادي انة وحصا، ويكون "لها" فاعلًا بی"وجدت" و"المنايا" مضافًا إليه. ويكون إثبات اللهوات للمنايا استعارة شُبهت بشيء يبتلع الناس. ويكون قد أقام "اللها" مقام الأفواه، لمجاورالفراقوات للفم. (عن مغنى اللبيب ١/٢٣٤).
أي أن أكثر ما يقضي على الإنسان ويهلكه إنما هو مفارقة الأحباب.
نعم، إنه لم يؤلمني شيءٌ ولم يبكني مثل هذه الحادثة، فلو لم يأتني مددٌ من القرآن الكريم ومن الإيمان لكان ذلك الغمُّ هذا ال والهمّ يؤثر فيّ إلى درجة كافية لسلب الروح منّي. لقد كان الشعراء منذ القديم يبكون على منازل أحبتهم عند مرورهم على أطلالها فرأيت بعينيّ لوحةَ الفراق الحزينة هذه.. فيّنا ذوحي وقلبي مع عيني بحزن شديد كمن يمرُّ بعد مائتي سنة على ديار أحبّته وأطلالها..
عند ذلك مرّت الصفحات اللطيفة اللذيذة لحياتي أمام عيني وخيالي واحدة تلو الأخرى
— 349 —
بكل حيوية، كمرور مشاهد الفلم السينمائي.. تلك الحياة السارة التي قضيتي إلى تدريس طلابي النجباء بما يقرب من عشرين سنة، وفي هذه الأماكن نفسها، التي كانت عامرة بهيجة وذات نشوة وسرور، فأصبحت الآن خرائبَ وأطلالًا. قضيت فترة طويلة أمام هذه اللوحات من حياتي، وعندها بدأتُ أستغرب من حال
يَا لدنيا، كيف أنهم يخدعون أنفسهم، فالوضع هذا يبيّن بداهة أن الدنيا لا محالة فانية، وأن الإنسان فيها ليس إلّا عابر سبيل، وضيفًا راحلًا. وشاهدت بعينيّ مدى صدق ما يقوله أهل الحقيقة بين اتنخدعوا بالدنيا فإنها غدّارة.. مكّارة.. فانية..". ورأيت كذلك أن الإنسان ذو علاقة مع مدينته وبلدته بل مع دنياه مثلما له علاقة مع جسمه وبيته، فبينما كنت أريد أن أبكي بعينيّكَ الأختي -باعتبار وجودي- كنت أريد أن أجهش بالبكاء بعشرة عيون لا لمجرد شيخوخة مدرستي، بل لوفاتها، بل كنت أشعر أنني بحاجة إلى البكاء بمائة عين على مدينتي الحلوة الشبيهة بالميتة.
لقد ورد في الحديث الشريف من أن مقائق ا ينادي كل صباح: (لِدوا للموت وابنوا للخراب) [٭]: البيهقي، شعب الإيمان ٧/٣٩٦؛ الديلمي، المسند ٤/٥١. كنت أسمع هذه الحقيقة، أسمعها بعينيّ لا بأذني، ومثلما أبكاني وضعي في ذلا ببعضت، فإن خيالي منذ عشرين سنة يذرف الدموع أيضًا كلّما مرّ على ذلك الحال. نعم إن دمار تلك البيوت في قمة القلعة التي عمّرت آلاف السنين، واكتهال تلك الة التي تحتها خلال ثماني سنوات، حتى كأنه قد مرّت عليها ثمانمائة سنة، ووفاة مدرستي -أسفل القلعة- التي كانت تنبض بالحياة والتي كانت مجمع الأحباب.. تشير إلى وفاة جميع المدارس الدينية في الدولة العثمانية. وتبين العظمة المعنوية لجنازتها الة معنوحتى كأن القلعة التي هي صخرة صلدة واحدة، قد أصبحت شاهدة قبرها. ورأيت أن طلابي -رحمهم اللّٰه جميعًا- الذين كانوا معي في تلك المدرسة -قبل ثمى المروات- وهم راقدون في قبورهم، رأيتُهم كأنهم يبكون معي، بل تشاركني البكاء والحزن حتى بيوتُ المدينة المدَمَّرة، بل حتى جدرانُها المنهدّة وأحجارُها المبعثرة.
نعم إنني رأيت كُل شيء وكأنه يبكي، وعندئذٍ علمت أنني لا أستطيع أن أتحمّل َ الآمغربة في مدينتي، ففكرت إما أن أذهب إليهم في قبورهم أو عليّ أن أنسحب إلى مغارة في الجبل منتظرًا أَجلي، وقلت ما دام في الدنيا مثل هذه الفراقات والافتراقات لى حالا يمكن أن يُصبَر عليها، ولا يمكن أن تقاوم، وهي مؤلمة ومحرقة إلى هذه الدرجة، فلا شك أن الموت أفضلُ من
— 350 —
هذه الحياة، ويرجّح على مثل هذه الأوضاع التي لا تُطاق.. ما تستّيت وجهي سارحًا بنظري إلى الجهات الست.. فما رأيت فيها إلّا الظلام الدامس. فالغفلةُ الناشئة من ذلك التألم الشديد والتأثر العميق أرتني الدنيا مخيفةً مرعبة، وأنها خالية جرداء وكأنها ستنقضّ على رأسي. كانت روحي تبحث عنالآخر استناد وركنٍ شديد أمام البلايا والمصائب غير المحدودة التي اتخذت صورةَ أعداء ألدّاء. وكانت تبحث أيضًا عن نقطة استمداد أمام رغباتها الكام
ال المحدودة والتي تمتد إلى الأبد. فبينما كانت روحي تبحث عن نقطة استناد، وتفتش عن نقطة استمداد وتنتظر السلوانَ والتسرية من الهموم والأحزان المتولدة من الفراقات والملي، وات غير المحدودة والتخريبات والوفيات الهائلة، إذا بحقيقة آية واحدة من القرآن الكريم المعجِز وهي:
سبَّح للّٰه ما في السموات والارض وهو العزيزُ الحكيم ، فاعتمُلك السموات والأرض يحيي ويُميت وهو على كلِّ شئٍ قديرٌ
(الحديد: ١-٢) تتجلى أمامي بوضوح وتنقذني من ذلك الخيال الأليم المرعب، وتنجيني من ألم الفراق والافتراق، فاتحةً عيني وبصيرتي.
فالتفتُّ إلى الأثمفي الدعلقة على الأشجار المثمرة وهي تنظر إليّ مبتسمة ابتسامة حلوة وتقول لي:"لا تحصرنَّ نظرَك في الخرائب وحدها.. فهلّا نظرت إلينا، وأنعمت النظر فينا..".
نعم إنَّ حقيقة هذه الآية الكريمة تنبّه بقوة مذوهي تؤ وتقول: لِمَ يُحزنك إلى هذا الحدّ سقوطُ رسالة عامرة شيّدت بيد الإنسان الضيف على صحيفة مفازة "وان"، حتى اتخذت صورةَ مدينة مأهولة؟ فلِمَ تح، فطلبسقوطها في السيل الجارف المخيف المسمّى بالاحتلال الروسي الذي محا آثارها وأذهب كتابتها؟ ارفعْ بصرَك إلى البارئ المصوّر وهو ربّ كل شيء ومالكُه فإنه سي، فناصيته بيده، وإن كتاباته سبحانه على صحيفة "وان" تُكتب مجددًا باستمرار بكمال التوهج والبهجة كما شاهدته من أوضاع في الغابر.. البكاء والنحيب على خلو تلك الأماكن وعلى دمارها وبقائها مقفرة إنما هو مُعاقب لة عن مالكها الحقيقي، ومن توهم الإنسان -خطأً- أنه هو المالك لها، ومن عدم تصوره أنه عابر سبيل وضيف ليس إلّا..
فانفتح من ذلك الوضع المحرِق، ومن ذلك الخطأ في التصور بابٌ لحقيقة عظيمة، وتهيأت النفسُ لتقبلَهارِّ غَديد الذي يدخل في النار ليلين ويعطى له شكلًا معينًا نافعًا- إذ أصبحت تلك الحالة المحزنة وذلك الوضع المؤلم، نارًا متأججة ألانَت النفسَ. فأظهر القرآنُ
— 351 —
الكريم لها فيضَ الحقائق الإيمانية بجلاء ووضوح تام من خلال حقيقة تل بِشَهة المذكورة حتى جعلها تقبل وترضخ.
نعم، فكما أثبتنا في "المكتوب العشرين" وأمثالِه من الرسائل، فإن حقيقة هذه الآية الكريمة -وللّٰه الحمد- قد وهبت بفيض الإيمان نقطةَ استناد وارتكاز هائلة، وهبَتها للروح ومنحتها إلى ا عدسة،ل حسب ما ينكشف له من فيض ما يملكه من قوة الإيمان، بحيث تستطيع أن تتصدّى لتلك المصائب والحالات المرعبة حتى لو تضاعفت مائة مرة، ذلك لأنها ذكّرت بأن كل شيء مسخَّر لأمر خالقك الالكون المالك الحقيقي لهذه المملكة، فمقاليدُ كل شيء بيده، وحسبك أن تنتسب إليه سبحانه.
فبعدما عرفتُ خالقي، وتوكلتُ عليه، ترك كلُّ شيء ما يضمره من العداء نحوي حتى بدأت الحالات التي كانت تحزنني وتؤلمني، بدأت الآن تسعدني وتسرّني.
وضية تشبتنا في كثير من الرسائل ببراهين قاطعة، فإن النور القادم من "الإيمان بالآخرة" كذلك أعطى "نقطة استمداد" هائلة جدًّا تجاه الآمال والرغبات غير المحدودة، بحيث إنها تكفي تلك القوة لا لتلك الميول وا قدرة الصغيرة المؤقتة والقصيرة، ولا لتلك الروابط مع أحبتي في الدنيا وحدها. بل تكفي أيضًا لرغباتي غير المتناهية في دار الخلود وعالم البقاء وفي السعادة الأبدية،الماديأنه بتجلٍّ واحد من تجليات رحمة "الرحمن الرحيم" يُنشَر على مائدة الربيع ما لا يعد ولا يُحصى من نعمِه اللذيذة البديعة على سطح الأرض التي هي منیزل من مناونها ح ضيافة الدنيا المؤقتة، فيمنح بها -سبحانه- في كل ربيع إلى أولئك الضيوف، ويُنعم بها عليهم، كي يدخل في قلوبهم السرور لبضع ساعات، وكأنه يطعمهم فطور الصباح، ثم يأخذهم إلى مساكنهم الأبدية في ثماني جنات خالدات ملآى بنعمٍ غير محدود بالبع غير محدود التي أعدّها لعباده، فلا ريب أن الذي يؤمن برحمة هذا "الرحمن الرحيم" ويطمئن إليها مدركًا انتسابه إليه سبحانه، لابدّ أنه يجد نقطة استمداد عظيمة بحيث إن أدنى درجاتها تمدّ آمالًا غيراجين إة وتديمها.
هذا وإن النور الصادر من ضياء الإيمان -بحقيقة تلك الآية- قد تجلّى كذلك تجليًا باهرًا ساطعًا حتى إنه نوّر تلك الجهات الست المظلمة تنويرًا كالنهار، ونوّر حالتي المؤسفة
#35َّةِ وكية على مدرستي هذه وعلى طلابي وأحبتي الراحلين تنويرًا كافيًا حيث نبّهني إلى أن العالم الذي يرحل إليه الأحباب ليس هو بعالم مظلم، بل بدّالأنوامكان ليس إلّا ، فستتلاقون معًا وستجتمعون ببعضكم.. وبذلك قطع دابر البكاء قطعًا كاملًا، وأفهمني كذلك أنني سأجد أمثالهم ومن يحلّ محلهم.
فلله الحمد والمنّة الذي أحيا مدرسة "إسبارطة" عوضًا عن مدرسة "وان" المتوفاة وااب إلىة إلى أطلال، وأحيا أولئك الأحبة معنًى بأكثر وأفضل منهم من الطلاب النجباء والأحبة الكرام. وعلّمني كذلك أن الدنيا ليست خاوية مقفرة، وأنها ليست مدينة خربة مدمّرة، كما كنت أتصورها خطأ، بل إن المالك الحقيقي -كما تقتضي حكمتُه- يبدل اللوحا خطير،قتة والمصنوعة من قبل الإنسان بلوحات أخرى ويجدد رسائله، فكما تحل ثمار جديدة كلما قطعت الثمار فكذلك الزوال والفراق في البشرية إنما هو تجددّ تسب إل، فلا يبعث حزنًا أليمًا لانعدام الأحباب نهائيًا، بل يبعث من زاوية الإيمان حزنًا لذيذًا نابعًا من فراق لأجل لقاء في دار أخرى بهيجة.
وكذا نوّر تلك الحالة المدهشة التي كنت فيها، ونوّر ما يتراءى ل إرادَلوجه المظلم لموجودات الكون كلها. فأردت إبداء الحمد والشكر على تلك الحالة المنوّرة في وقته فأتتني الفقرةُ التالية باللغة العربية مصورةً لتلك الحقيقة كاملة:
(الحمد للّٰه على نور الإيمان المصوّر ما يُتوهم أجانبَ أعداء قدرِها موحشين أيتامًا باكين، أودّاءَ إخوانًا أحياءً مؤنسين مرخّصين مسرورين ذاكرين مسبحين).
وهي تعني:أنني أُقدم إلى الخالق ذي الجلال حمدًا لانهاية له، على ما وهبني من نور الإيمان الذي هو منبعُ جميع هذه النعم الإلهية غير اباني وة، بما حوّل تلك اللوحةَ المرعبة التي أُظهرتْ لنفسي الغافلة فأوهمَتها الغفلةُ -المتولدة من شدة التأثر على تلك الحالة المؤلمة- أن قسمًا من موجودات الكون أعداءٌ أو أجانب (٭): مثل الزلازل والعواصف والطوفان وال2
المبوالحريق. (المؤلف). وقسمًا آخر جنائزُ مدهشةٌ مفزعة، وقسمًا آخر أيتامٌ باكون حيث لا معين لهم ولا مولى، حوّل ذلك النور كلَّ شيء حتى شاهدت بعين اليقين أن الذين كانوا يبدون أجانبَ وأعداء إنما هم إخوة وأصدقاء.. وأن ما كان يَظ المقدجنائز المرعبة؛
— 353 —
قسمٌ منهم أحياءٌ مؤنسون، أو هم ممن أنهَوا وظائفهم ومهماتهم.. وأن ما يُتوهم أنها نواحُ الأيتام الباكين، ترانيمُ ذِكر وتراتيل تسبيح. أي أنني أُقدم الحمد للّٰه مع جميع ال حقيقةت التي تملأ دنياي الخاصة التي تسع الدنيا كلَّها، فأُشركها معي في ذلك الحمد والتسبيح للّٰه سبحانه، نيةً وتصورًا. حيث لي الحقُّ في ذلك، فنقول معًا بلسان حال كل فرد من أفراد الموجودات الذوق حال الجميع أيضًا: "الحمد للّٰه على نور الإيمان".
ثم إن لذائذ الحياة وأذواقَها التي تلاشت على إثر تلك الحالة المدهشة الباعثة على الغفلة، والآمال التي انسحبت نهائيًا وانكمشت ونضب معينُها، والنعم واللذائني المصة بي التي ظلّت محصورةً في أضيق دائرة وربما فنيَت، كل ذلك قد تحول وتبدل بنور الإيمان -كما أثبتنا ذلك في رسائل أخرى- فوسّع ذلك النور تلك الدائرة الضيقة المطوّقة حول القلب إلى دائرة واسعة جدًّا حتى انطوى فيها الكونُ كلّه، وجعل دار الدنيا لمتحوللآخرة سُفرتين مملوءتين بالنعم، وحوّلهما إلى مائدتين ممدتين للرحمة، بدلًا من تلك النعم التي يبست وفقدت لذتَها في حديقة "خورخور". ولم يقتصر على ذلك فقط بل جعل كاهتها العين والأذن والقلب وأمثالِها من الحواس بل مائة من أجهزة الإنسان، يدًا ممتدةً حسب درجات المؤمن إلى السفرتين المملوءتين بالنعم بحيث تتمكن من أن تأخذ النعم وتلتقطها من جميع أقطارها؛ لذا قلت أمام هذه الحقيقة الكبرى شكرًا للّٰه على تلك الفي تَصر المحدودة ما يأتي:
(الحمد للّٰه على نور الإيمان المصوّر للدارين كسفرتين مملوءتين من النعمة والرحمة، لكل مؤمن حقٌّ أن يستفيد منهما بحواسه الكثيرة المنكشفة بإذن خالقيافة اوهذا يعني:الحمد للّٰه الذي وهب لي ذلك الإيمان الذي يُري بنعمةِ نوره أن الدنيا والآخرة مملوءتان بالنعم والرحمة ويضمن الاستفادة من تينك السفرتين العظيمتين بأيدي جميع الحواس المنكشفة بنور الإيمان والمنبسطة بنور الإسلام للمؤمنين الحقيقيين، فًا عينطعتُ تقديم الحمد والشكر للّٰه خالقي تجاه ذلك الإيمان بجميع ذرات كياني وبملء الدنيا والآخرة لَفعلت.
فما دام الإيمان يفعل فعلَه في هذا العالم بمثل هذه الآثار العظيمة، فلابدّ أن له في دار البقاء والخلود ثمراتٍ أعظم وفيوضات أوسع، بحيث لا يذلك قر تستوعبها عقولُنا الدنيوية وتعرّفها.
— 354 —
فيا إخوتي الشيوخ، ويا أخواتي العجائز، ويا مَن تتجرعون مثلي الآلام المرّة بفراق كثير من الأحبة بسبب الشيخوخة! إنّي أخال نفسي أكثر منكم شيبًا معنًى، وإن كان يبدو أن فيكم من هو أكبر مني سنًّاذرات الأنني أتألم -فضلًا عن آلامي- بآلام آلاف من إخواني، لما أحمله في فطرتي من الرقة والشفقة الزائدتين إلى بني جنسي. فأتألم كأنني شيخ يناهز المئات من السنين، أما أنتم ف فسنحكجرعتم من آلام الفراق لم تتعرضوا لمثل ما تعرضتُ له من البلايا والمصائب! لأنه ليس لي إبن أحصر فكري فيه، بل إننى أشعر برقة وألم -بسر الشفقة الكامنة في فطرتي- متولى ليللى آلام ومصائب آلاف من أبناء الإسلام، بل أشعرها حتى لآلام الحيوانات البريئة. زد على ذلك أنني أرى نفسي متعلقةً -من جهة الغيرة على الإسلام- بهذه البلاد، بل بالعالم الإسلامي، وأرتبط بهما كأنهما داري، برغم أنّي لا -كالحيتًا خاصًا بي كي أحصر ذهني فيه؛ لذا فإنني أتألم بآلام المؤمنين الذين هم في هاتين الدارين وأحزن كثيرًا لفراقهم.
ولما كان نور الإيمان قد كفاني كفايةً تامة وأتى على جميع تأثراتي الناشئة من شيخوختي كلِّها ومن بلوَأزهَفراقات، ووهب لي رجاءً لا يخيب، وأملًا لا ينفصم، وضياءً لا ينطفئ، وسلوانًا لا ينفد، فلابد أن الإيمان أيضًا سيكون كافيًا لكم ووافيًا أيضًا إزاء الظلمات الناشئة من لقدرة خة، وإزاء الغفلة الواردة منها، وإزاء التأثرات والتألمات الصادرة منها. وحقًا إنَّ أعتمَ شيخوخة إنما هي شيخوخةُ أهل الضلالة والسفاهة وأن أقسى الفراقات وأشدها إيلامًا إنما هي آلامهم وفراقاتهم!!
نعم، إن تذوق الإيمان الذي يبعث الرجلْقَ ايع النور وينشر السلوى، وإن الشعور بسلوانه والتلذذ به هو في التمثل الشعوري للعبودية اللائقة بالشيخوخة والموافقة للإسلام، وليس هو بتناسي الشيخوخة واللهاث وراء التشبّه بالشباب واقتحام غفلتهم المُسكرة.. تفكّإذ بعدئمًا وتأملوا في الحديث النبوي الشريف (خيرُ شبابكم من تشبّه بكهولكم وشرُّ كهولكم من تشبّه بشبابكم) [٭]: أبو يعلى، المسند ١/٤٦٧؛ الطبراني، المعجم الكبير ٢٢/٨٣، المعجم الاوسط ١/٩٤؛ البيهقي، شعب الإيمان ٦/١٦٨. أو كما قال (ص)، أي خير شبابكم من الحق بالكهول في التأني والرزانة وتجنبهم السفاهة وشرّ كهولكم من تشبه بالشباب في السفاهة والانغماس في الغفلة.
فيا إخوتي الشيوخ ويا أخواتي العجائز! لقد ورد في الحديث الشريف ما معناه
— 355 —
"أن الرحمة الإلهية لتستحي من أن تردّ يدًاا ميزا من شيخ مؤمن أو عجوز مؤمنة".
[٭]: انظر: الطبرانى، المعجم الاوسط ٥/٢٧٠، مسند الشاميين ٢/٢٦٨، الشيباني، السنة ١/١٦؛ العجلوني، كشف الخفاء ١/٢٨٤.
فما دامت الرحمة الإلهية تحترمكم هكذا، فعظموا إذن احترامها بعبوديتكم للّٰه.
من الء الرابع عشرجاء في مستهل "الشعاع الرابع" الذي هو تفسير للآية الكريمة: حسبنا اللّٰه ونعم الوكيل (آل عمران:١٧٣) ما خلاصته:
حينما جرّدني أرباب الدنيا من كل شيء، وقعت في خمسة ألوان من الغربة. ولم ألتفت إلى ما في "رسائل النور" منَ النّ مسلّية ممدّة، جراء غفلة أورثها الضجرُ والضيق وإنما نظرت مباشرة إلى قلبي وتحسست روحي، فرأيت أنه يسيطر عليّ عشقٌ في منتهى القوة للبقاء، وتهيمن علىّ محبة شديدة للوجود، ويتحكم فيّ شوق عظيم للحياة.. مع ما يكمن فيَّ من عجالجميلدّ له، وفقر لا نهاية له. غير أن فناءً مهولًا مدهشًا، يطفئ ذلك البقاء ويزيله، فقلت مثلما قال الشاعر المحترق الفؤاد:
حكمة الإله تقضي فناء الجسد والقلب توّت العل الأبید
لهف نفسي من بلاء وكمید حار لقمان في إيجاد الضمد
فطأطأت رأسي يائسًا... وإذا بالآية الكريمة: حسبنا اللّٰه ونعم الوكيل
تغيثني قائلة: اقرأني جيدًا بتدبر وإي الملفقرأتها بدوري خمسمائة مرة في كل يوم، فكلّما كنت أتلوها كانت تكشف عن بعضٍ من أنوارها وفيوضاتها الغزيرة، فرأيت منها بعين اليقين -وليس بعلم اليقين- تسعَ مراتب حسبية:
المرتبة النورية الحسبية الأولى:إنَّ ما فيّ من عالحَياقاء، ليس متوجهًا إلى بقائي أنا، بل إلى وجود ذلك الكامل المطلق وإلى كماله وبقائه. وذلك لوجود ظلٍ لتجلٍ من تجليات اسمٍ من أسماء الجليل والجميل المطلق ذي الكمال اللذا ولوهو المحبوب لذاته -أي دون داعٍ إلى سبب- في ماهيتي إلّا أن هذه المحبةَ الفطرية ضلّت سبيلها وتاهت بسبب الغفلة، فتشبثت بالظل وعشقت بقاءَ ات -ول.
— 356 —
ولكن ما إن جاءت حسبنا اللّٰه ونعم الوكيل حتى رفعت الستار. فأحسستُ وشاهدت، وتذوقتُ بحق اليقين أنَّ لذة البقاء وسعادتَه، موجودةٌ بنفسها، رة وكبلَ وأكمل منها، في إيماني وإذعاني وإيقاني ببقاء الباقي ذي الكمال، وبأنه ربي وإلهي. وقد وُضّحت دلائل هذا بعمق ودقة متناهية في الرسالة "الحسبية" في اثنتي عشرة فَ بعد كذا.. كذا..." وبينت الاستشعار الإيماني بما يجعل كل ذي حسّ وشعور في تقدير وإعجاب!.
المرتبة النورية الحسبية الثانيةإنه مع عجزي غير المتناهي الكامن في فطرتي، ومع الشيخوخة المستقرة في كياني، ومع ت الالتربة التي لفّتني، ومع عدم وجود المعين لي، وقد جُرّدت من كل شيء ويهاجمني أهلُ الدنيا بدسائسهم وبجواسيسهم.. في هذا الوقت بالذات خاطبت قلبي قائلًا:
"إن جيوشًا كثيفة عارمة تهاجم شخصًا واحدًا ضعيفًا مريضًا مكبّل اليدين.. أوَ لنُ الن-أي لي- من نقطة استناد؟".
فراجعت آية حسبنا اللّٰه ونعم الوكيل فأعلمتني:
إنك تنتسب بهوية الانتساب الإيماني إلى سلطان عظيم ذي قدرة مطلقة، بحيث يجهّز بانتظام تام في الربيع جميع ما تحتاجه جيوشُ النباتات والحيوانات دلائلرة على سطح الأرض من معدّات، فيزوّد جميعَ تلك الجيوش المتشكلة في أربعمائة ألف نوع من الأمم المختلفة، ويوزع جميعَ أرزاق الجيش الهائل للأحياء -وفي مقدمتها الإنسان- لا بشكل ما اكتلقيوميإنسان في الآونة الأخيرة من مستخلصات اللحم والسكر وغيرهما، بل بصورة مستخلصات أكمل وأفضل بكثير بل تفوقها مائة مرة، فهي مستخلصات متضمنة جميعَ أنواع الأطعمة. بل هي مستخن (السحمانية.. تلك التي تسمى البذور والنوى.. زد على ذلك فإنه يغلف أيضًا تلك المستخلصات بأغلفة قَدَرية تتناسب مع نضجها وانبساطها ونموّها، ويحفظها في عوغير م وصنيدقات صغيرة وصغيرة جدًّا، وهذه الصُنيدقات أيضًا تُصنیع بسرعة متینیاهیيیة جیدًا، وبسهیولیة مطلیقیة للیغیاية، وبیوفیرة هائلیة، وذلیك فیي معیمییل"الكاف والنوبكَت روجود في أمر "كُنْ"، حتى إن القرآن الكريم يقول: فإنما يَقولُ لهُ كُنْ فيكُونْ (البقرة:١١٧).
— 357 —
فما دمتَ قد ظفرت بنقطة استناد مثل هذه بهوية الانه الأملإيماني، فيمكنك الاستناد والاطمئنان إذن إلى قوة عظيمة وقدرة مطلقة. وحقًا لقد كنت أحسّ بقوة معنوية عظيمة كلما كنت أتلقى ذلك الدرس من تلك الآية الكريمة، فكنت أشعر أنني أملك قوة يمكنني أن أتحدّى بها جميع أعدائي في العالم وليس أعْلَلين أمامي وحدَهم، لذا رددتُ من أعماق روحي: حسبنا اللّٰه ونعم الوكيل.
المرتبة النورية الحسبية الثالثةحينما اشتد خناق الأمراض وألوان الغربة وأنواَاتِهِم عليّ، وجدت أن علاقاتي تنفصم مع الدنيا، وأن الإيمان يرشدني بأنك مرشّح لعالم آخر أبدي، وأنك مؤهل لمملكة باقية وسعادة دائمة. ففي هذه الأثناء تركتُ كلَّ شيء تقطر منه الحسرة ويجعلني أتأوّه وأتأفف، وأبدلتُه بكل ما يبشّر بالخير والفرح ويجعلالخطى حمدٍ دائم. ولكن أنّى لهذه الغاية أن تتحقق وهي غايةُ المنى ومبتغى الخيال وهدف الروح ونتيجة الفطرة، إلّا بقدرة القدير المطلق الذي يعرف جميعَ حركات مخلوقاته وسكون وفيقولًا وفعلًا، بل يعرف جميع أحوالهم وأعمالهم ويسجلها كذلك. وأنّى لها أن تحصل إلّا بعنايته الفائقة غير المحدودة لهذا الإنسان الصغير الهزيل المتقلب في العجز الم القرآى كرّمه، واتخذه خليلًا مخاطبًا، واهبًا له المقام السامي بين مخلوقاته.
نعم، حينما كنت أفكر في هاتين النقطتين، أي في فعالية هذه القدرة غير المحدودة، وفي اات تلو الحقيقية التي أولاها البارئ سبحانه لهذا الإنسان الذي يبدو حقيرًا. أردت إيضاحًا في هاتين النقطتين ينكشف به الإيمان ويُطمئن به القلب. فراجعت بدوري تلك الآية الكريمة أيضًا، فقالت لي: دقق النظر في "نا" التي في "حسبنا"، وانظر مَنْ هم أولا مِنَ ون "حسبنا" معك، سواء ينطقونها بلسان الحال، أو بلسان المقال، أنصت إليهم.. نعم، هكذا أمرَتني الآية!. فنظرت.. فإذا بي أرى طيورًا محلّقة لا تحدّ، وطويرات صغيرة صغيرارِحَ ا كالذباب لا تحصى، وحيواناتٍ لا تعد ونباتات لا تنتهي وأشجارًا لا آخر لها ولا نهاية... كل ذلك يردد مثلي بلسان الحال معنى حسبنا اللّٰه ونعم الوكيل، بل يُذكّرعلم وظين بها.. أن لهم وكيلًا -نِعمَ الوكيل- تكفّلَ بجميع شرائط حياتهم، حتى إنه يخلق من البيوض المتشابهة بعضها مع بعض وهي المتركبة من المواد نفسِها، ويخلق من النطف التي هي مثلمطلق، البعض، ويخلق من الحبوب
— 358 —
التي هي متحدة بعضها مع البعض، ويخلق من البذور المتماثلة بعضها مع البعض الآخر مائة ألفِ طرازٍ من الحيوانات وؤولين لف شكل من الطيور ومائة ألف نوع من النباتات، ومائة ألف صنف من الأشجار، يخلقها بلا خطأ وبلا نقص وبلا التباس، يخلقها مزيّنة جميلة وموزونة منظمة، مع تميّز بعضها عن البعض الآخر واختلاف بعضها عن بعض، يخلقها باستعَانٌ،لاسيما أيام كل ربيع أمام أعيننا في منتهى الكثرة، وفي منتهى السهولة، وفي منتهى السعة، وفي منتهى الوفرة.. فخلقُ جميع هذه المخلوقات متشابهةً ومتداخلةً ومجتل.
لى النمط نفسه والأشكال عينِها، ضمن عظمة هذه القدرة المطلقة وحشمتها، يظهر لنا بوضوح: وحدانيته سبحانه وتعالى وأحديته.
وقد أفهمتني الآيةُ أنه لا يمكن التدخل مطلقًا ولا المداخلة قطعًا في مثل هذا الفعل للربوبية المطلقة وفي تصرف هذه الخلاهم، ولللتين تبرزان هذه المعجزات غير المحدودة وتنشرانها.
فإلى الذين يريدون أن يفهموا هويتي الشخصية وماهيتي الإنسانية كما هي لكل مؤمن.. وإلى الذين يرغبون أن يكونوا مثلي، عليهم أن ينظروا إلى تفسير نفسي (أنا) في جمع "نا" في الآيةلا حَومة ويتدبّروا في موقعه في ذلك الجمع. وليفهموا ما وجودي وجسمي الذي يبدو ضئيلًا وفقيرًا لا أهمية له -كوجود كل مؤمن-؟! وليعلموا ما الحياة نفسها بل ما الإنسانية؟! وما الإسلام؟! وما الإيمان التحقيقي؟ وما معرفة اللّٰه؟ وكيف تحصل محبة اللّٰه؟. فليل. وعل. وليتلقوا درسًا في ذلك!.
المرتبة النورية الحسبية الرابعةوافقت العوارضُ المزلزلة لكياني أمثالَ الشيب والغربة والمرض وكوني مغلوبًا على أمري، وافقت تلك العوارض فترة غفلتي، فكأن وجودي الذي أتعلق به بشدة يذهب إلى العدم، بل وجونكتة اخلوقات كلها تفنى وتنتهي إلى الزوال، فولّد عندي ذهاب الجميع إلى العدم قلقًا شديدًا واضطرابًا أليمًا فراجعت الآية الكريمة أيضًا حسبنا اللّٰه ونعم الوكيل فقالت لي: "تدبّر في معانيّ، وانظر إليها بمنظار الإيمان" وأنا بدوري نظرت إلى معانلرفيعةين الإيمان فرأيت:
أنَّ وجودي الذي هو ذرة صغيرة جدًّا -كوجود كل مؤمن- مرآةٌ لوجود غير محدود،
— 359 —
ووسيلة للظفر بأنواع من وجود غير محدود بانبساط غير متناهٍ.. وهو بمثابة كلمة حكيمة تثمر من أنواع الوجود الكثيرة الباقلمرض أهو أكثر قيمة من وجودي حتى إن لحظةَ عيشٍ له من حيث انتسابه الإيماني ثمينٌ جدًّا، وله قيمةٌ عالية كقيمة وجودٍ أبدي دائم، فعلمتُ كل ذلك بعلم اليقين؛ لأن معرفتي نقلب ار الإيماني بأن وجودي هذا أثرٌ من آثار واجب الوجود وصنعةٌ من صنعته وجلوة من جلواته جعلتني أنجو من ظلمات لا حدّ لها تورثها أوهام موحشة، وأتخلص من آلام لا حدّ لها نابعة. أخطبتراقات وفراقات غير متناهية، ودفعتني لأمدّ روابطَ أخوة وثيقة إلى جميع الموجودات ولاسيما إلى ذوي الحياة، روابط بعدد الأفعال والأسماء الإلهية المتعلقة بالموجودبه.. ولمت أن هناك وصالًا دائمًا بهذه الروابط مع جميع ما أحبّه من الموجودات من خلال فراق مؤقت.
وهكذا فإن وجودي كوجودِ كل مؤمن، قد ظفر بالإيمان والانتساب الذي فيه بأنوارِ أنواع وجود غير محدودة لا افتراق فيها. فحتّى لو ذهب وجودي فإن بقاءَ تلك الأنولغاية الوجود من بعده يُطمئن وجودي وكأنه قد بقي بنفسه كاملًا.
والخلاصة:أن الموت ليس فراقًا بل هو وصال وتبديل مكان وإثمار لثمرة باقية.
المرتبة النورية الحسبية الخامسةلقد تصدّعتْ حياتي حينًا تحت أعباء ثقيلة جدًّا، حتى لفتت نظري إلى الع
للى الحياة فرأيت أن عمري يجري حثيثًا إلى الآخرة.. وأن حياتي المتقربة إلى الآخرة قد توجهت نحو الانطفاء تحت المضايقات العديدة، ولكن الوظائفَ المهمة للحياة وملكَائِ الراقية وفوائدَها الثمينة لا تليق بهذا الانطفاء السريع، بل تليق بحياة طويلة، مديدة، ففكرتُ في هذا بكل ألم وأسى، وراجعت أستاذي الآية الكريمة: حسبنا اللّٰه ونعم الوكيل فقالت لي: انظر إلى الحياة من حيث "الحي القيوم" أن بعهب لك الحياة. فنظرت إليها بهذا المنظار وشاهدت أنه: إن كان للحياة وجهٌ واحد متوجه إليّ أنا فإن لها مائة وجه متوجه إلى "الحي المحيي" وإن كانت لها نتيجة واحدة تعود إليّ أنا، فإن يها بعفًا من النتائج تعود إلى خالقي؛ لذا فإن لحظةً واحدة من الحياة، أو آنًا من الوقت ضمن هذه الجهة كافٍ جدًّا، فلا حاجة إلى زمان طويل.
— 360 —
هذه الحزة المتوضح بأربع مسائل؛ فليفتش أولئك الذين ينشدون الحياة أو الذين هم ليسوا أمواتًا.. ليفتشوا عن ماهية الحياة وعن حقيقتها وعن حقوقها الحقيقية ضمن تلك المسائل الأربع. فليظفروا.. وليحيوا..
وخلالال وري:أن الحياة كلما تتوجه إلى الحيّ القيوم وتتطلع إليه، وكلما كان الإيمانُ حياةً للحياة وروحًا لها تكسب البقاء بل تعطي ثمارًا باقية كذلك، بل إنها ترقى وتعلو إلى درجة تكتسب تجلى السرمدية، وعندها لا يُنظر إلى قصر العمر وطوله.
اطعًا: النورية الحسبية السادسةمن خلال الشيب الذي يذكّر بفراقي الخاص، ومن خلال حوادث آخر الزمان التي تنبئ عن دمار الدنيا ضمن الفراقات العامة الشاملة، ومن خلال الانكشاف الواسع فوق العادةَحَائِاخر عمري لأحاسيس عشق الجمال والإفتتان بالكمالات تلك الأحاسيس المغروزة في فطرتي.. من خلال كل هذا رأيت أن الزوال والفناء اللذين يدمّران دائمًا، وأن الموت والعدم اللذين يفرّقان باستمرار، رأيتهما يفسدان بوتدل تعب ومخيف، جمالَ هذه الدنيا الرائعة الجمال ويشوهانه بتحطيمهما لها، ويُتلفان لطافة هذه المخلوقات.. فتألّمت من أعماقي بالغَ التألم لما رأيت. تعبيرما في فطرتي من عشقٍ مجازي فورانًا شديدًا وبدأ يتأجج بالرفض والعصيان أمام هذه الحالة المفجعة، فلم يَكُ لي منها بد إلّا مراجعة الآية الكريمة أيضًا لأجد المتنفَس والسلوان، فقالت: "اقرأني جيدًا، أنعم النظر في معانيَّ" ، وتنسدوري دخلت إلى مركز الإرصاد لسورة النور لآية:
اللّٰه نور السموات والارض
(النور:٣٥) فنظرت من هناك "بمنظار" الإيمان إلى أبعد طبقات الآية الحسبية، وفي الوقت نفسه نظرتُ "بمجهر" الشعور الإيماني إلى أدق أسرارها.. فرأيت أنه مثلما تلا غرولمرايا والزجاجُ والمواد الشفافة وحتى حباب البحر الجمالَ المخفي المتنوع لضوء الشمس، فيُظهر كلٌّ منها مختلف الجمال للألوان السبعة لذلك الضوء، ومثلما يتجدد ذلك الجمال وذلك الحسن بتجدد تلك المواد وبتحركها وحسب قابليتها المختلفة و وليرشكساراتها المتنوعة، أي مثلما أنها تُظهر الجمالَ المخفي للشمس ولضوئها ولألوانها السبعة -بشكل جميل جذاب- فكذلك الأمر في هذه المصنوعات الجميلة وهذه المخلوقات اللطيفة والموجودات الجميلة التي تقوم مقام مرايا عاكسة لذلك الجمال المقدس للجميولا قص361
الجلال الذي هو "نور الأزل والأبد". فهذه المخلوقات لا تلبث أن تذهب دون توقّف مجدّدة بذلك تجليات لأسمائه الحسنى جل وعلا. فالجمالُ الظاهر في هذه المخلوقات والحُسن البارز فيها إذن ليس هو ملك ذاتها، وإِقَوَا إشاراتٌ إلى ذلك الجمال المقدس السرمدي الذي يريد الظهور، وعلامات وإشارات وتجليات لذلك الحسن المجرد والجمال المنیزّه المتجلي دائمًا والذي يريد المشاهدة والإشهاد.
وقد وُضِّحَتْ دلائل هذا مفصلًا في "رسائل اله من لاسيما تلك الرسالة التي تستهل بی"هنا سنذكر ثلاثة براهين بصورة مختصرة جدًّا ومعقولة". [٭]: المقصود "المرتبة النورية السادسة من الشعاع الرابع-الشعاعات". فأيّما إنسانٍ نظر إلى هذه الرسالة من أصحاأثير اق السليم لا يمكن أن يتمالك نفسه من غير الإعجاب والتقدير بل سيرى أن عليه أن يسعى لإفادة الآخرين بعدما أفاد نفسه، ولاسيما النقاطُ الخمسُ المذكورة في البرهان الثاني. فلابالعة جَن لم يفسد عقلُه ولم يصدأ قلبُه يقول مستحسنًا ومستصوبًا: ماشاء اللّٰه.. بارك اللّٰه.. ويجعل وجوده الذي يظهر فقيرًا حقيرًا يسمو ويتعالى.. ويدرك مصدآخرتهمه: معجزة خارقة حقًا!!.
الرجاء الخامس عشر
(٭): كُتب هذا الرجاء الخامس عشر كي يكون مصدر تكملة رسالة الشيوخ وتأليفها من قبل أحد طلاب النور، حيث إن فترة تأليف "رسائل النور" قد انتهت قبل ثثامنة وات. (المؤلف).
عندما كنت نیزيل غرفة في "أميرداغ" [٭]: قضاء يقع في أواسط الأناضول، نفي إليه الأستاذ النورسي سنة ١٩٤٤ وظل فيه حتى سنة ١٩٥١. تحت الإقامة الجبرية وحيدًا فريدًا، كانت عيون الترصد تتعقبني وتضايقني دائمًا فأتعذب منها أشدّكنت أذب، حتى مللت الحياةَ نفسها وتأسفت لخروجي من السجن، بل رغبتُ من كل قلبي في أن أعود إلى سجن "دنيزلي" أو دخولَ القبر، حيث السجن أو القبر أفضل من هذا اللون من الحياة. فأتتني العنايةُ الإلهية مغيثةً، إذ وهبتْ آلة الرونيو التي ظهرت حديثًا لطلاب "مد الحيازهراء" [٭]: سعى الأستاذ النورسي طوال حياته لإقامة هذه المدرسة التي تدمج فيها الدراسة الدينية والعلمية معًا، حتى وضع حجرها الأساس سنة ١٩١١ قرب بحيرة "وان". إلّا أن ظروف الحرب العالمية اً حزينحالت دون إتمام المشروع، ولكن العناية الربانية عوضت عن تلك المدرسة بمدرسة معنوية امتدت أغصانها الوارفة في طول البلاد وعرضها، تلك هي المدارعلى كلنوية النورية، ومن هنا كان الأستاذ النورسي يعد طلاب النور طلاب مدرسة الزهراء. وهم يحملون أقلامًا ماسية كآلة الرونيو. فباتت "رسائل النور" تظهر بخمسمائة نسخة بقلم واحد. فتلك
— 362 —
الفتوحات التي هيأَتها العناي في اللهية لرسائل النور جعلتني أُحب تلك الحياة الضجرة القلقة المضطربة، بل جعلتني أُردّد ألف شكر وشكر للبارئ سبحانه وتعالى.
ولكن بعد مرور المشهجيزة لم يتمكن أعداءُ "رسائل النور" المتسترون أن يتحملوا تلك الفتوحات النورية، فنبَّهوا المسؤولين في الدولة ضدَّنا وأثاروهم علينا، فأصبحت الحياة -مرة أخرى- ثقيلة مضجرة، إلّا أن العناية الإلهية تجلّت على حين غرة، حيث إن المسوخة ومأنفسهم -وهم أحوج الناس إلى "رسائل النور"- بدأوا فعلًا بقراءة الرسائل المصادَرة بشوق واهتمام، وذلك بحكم وظيفتهم. واستطاعت تلك الرسائل بفضل اللّٰه أن تليّن قلوبَهم وتجعلها تجنح إلى جانبها. فتوسعتنعمة.
دائرةُ مدارس النور، حيث إنهم بدأوا بتقديرها والإعجاب بها بدلًا من جرحها ونقدها. فأكسبَتنا هذه النتيجة منافعَ جمّة، أكثر بمائة مرة ممّا نحن فيه من الأضرار المادية، وأذهبت ما نعمما هون اضطراب وقلق.
ولكن ما إن مرّت فترةٌ وجيزة، حتى حوّل المنافقون -وهم الأعداء المتسترون- نظر الحكومة إلى شخصي أنا، ولفتوا انتباهها إلى حياتي السياسية السابقة، فأثاروا الأوهامقاطبة وك، وبثوا المخاوفَ من حولي في صفوف دوائر العدل والمعارف (التربية) والأمن ووزارة الداخلية. ومما وسّع تلك المخاوف لديهم ما يجري من المشاشتاق فين الأحزاب السياسية، وما أثاره الفوضويون والإرهابيون -وهم واجهة الشيوعيين- حتى إن الحكومة قامت إثر ذلك بحملة توقيف وتضييق شديد علينا، وبمصادرة ما تمكنت من الحصول عليه من الرسائل، فتوقف نشاطُ طلاب النور وفعالياتهم.
وبالرغم من٭ لهُ ض الموظفين المسؤولين أشاعوا دعاياتٍ مغرضةً عجيبة لجرح شخصيتي وذمّها -مما لا يمكن أن يصدّقها أحد- إلّا أنهم باؤوا بالإخفاق الذريع، فلم يستطيعوا أن يقنعوا أحدًا بها. ومع ذلك أحالوني إلى الموقف لمدة يومي يُفهج رخيصة تافهة جدًّا، ووضعوني في قاعة واسعة جدًّا وحيدًا في تلك الأيام الشديدة البرد كالزمهرير، علمًا أنني ما كنت أتحمل البرد في بيتي إلّا على مضض وكنتٌ
وه بشدة بإشعال الموقد دائمًا وبإشعال المدفأة عدة مرات يوميًّا، وذلك لما أُعانيه من ضعف ومرض.
فبينما كنت أتقلب من شدة الحمّى المتولدة * * برد، وأتململ من حالتي النفسية المتضايقة جدًّا، انكشفت في قلبي حقيقة عناية إلهية، ونُبّهت إلى ما يأتي:
— 363 —
"أنك قد أطلقت على السجن اسمد النورسة اليوسفية"، وقد وهب لكم "سجن دنيزلى" من النتائج والفوائد أضعاف أضعاف ما أذاقكم من الضيق والشدة، ومنحكُم فرحًا شديدًا وسرورًا عظيمًا وغنائمَ معنوية كثيرة: واستفادة المساجين معكم من "رفي الملنور"، وقراءة "رسائل النور" في الأوساط الرسمية العليا وغيرها من الفوائد، حتى جعلَتكم في شكرٍ دائم مستمر بدل التشكّي والضجر محوّلةً كل ساعة من ساعات السجن والضيق إلى عشر ساعات من العبادة، فخلّدت تلك الساعات الفانية. فهذه "الملة تُظليوسفية الثالثة" [٭]: المقصود سجن أفيون سنة ١٩٤٨. كذلك ستُعطي -بإذن اللّٰه- من الحرارة الكافية ما يدفئ هذا البرد الشديد، وستمنح من الفرح والبهجة ما يرفع هذا الضيقَ الثقيل، باستفادة أهل المصائب والبلاء معكم من "رسائل النورلي منذانِهم السلوان فيها. أما الذين غضبتَ واحتدّيت عليهم. فإن كانوا من المغرّر بهم ومن المخدوعين فلا يستحقون الغضبَ والحدّة، إذ إنهم يظلمونك دون قصد ولا علم ولا شعور، وإن كانوا يعذبونك ويشددون عليك الخناق وهم يقومون بهذا عهَادَةوعن حقدٍ دفين إرضاءً لأهل الضلالة فإنهم سيعذَّبون عن قريب بالموت الذي يتصورونه إعدامًا أبديًا، وسيرون الضيقَ الشديد الدائم المقيم في السجن المنفرد وهو القبر. وأنت بدورك تكسب ثذين يععظيمًا -نتيجة ظلمهم- وتظفر بخلود ساعاتك الفانية، وتغنم لذائذ روحيةً معنوية فضلًا عن قيامك بمهمتك العلمية والدينية بإخلاص.
هكذا ورد إلى روحي هذا المعنى فقلت بكل ما أُوتيت من قوة: "الحمد للّٰه". وأشفقت على أولئك الظَلَمة بحكم إنسانان إعلعوتُ: يا ربّى أصلح شأن هؤلاء..
ولقد ثبتُّ في إفادتي التي كتبتُها إلى وزارة الداخلية: أن هذه الحادثة الجديدة غير قانونية، وأثبتُّها بعشرة أوجه، بل إن هؤلاء الظلمة الذين يخرقون ال من ذلباسم القانون هم المجرمون حقًا، حيث بدأوا بالبحث عن حجج واهية جدًّا وتتبعوا افتراءات مختلَقة إلى حدّ أن جلبوا سخرية السامعين وأبكت أهلَ الحق المنصفين، وأظهروا لأهل الإنصاف أنهم لا يجدون باسم القانون والحْرافِيسوّغ للتعرض لرسائل النور ومسّ طلابِها بسوء، فيزلّون إلى البلاهة والجنون ويتخبطون خبط عشواء.
مثال ذلك:لم يجد الجواسيس الذين راقبونا لمدة شهر شيئًا علينا، لذا لفّقوا التقرير
— 364 —
ا مبعثَ"إن خادم "سعيد" قد اشترى له الخمر من حانوت". إلّا أنهم لم يجدوا أحدًا يوقّع على هذا التقرير تصديقًا لهم، إلّا شخصًا غريبًا وسكيرًا في الوقت نفسهإخواننوا منه -تحت الضغط والتهديد- أن يوقّع مصدقًا على ذلك التقرير، فردّ عليهم: "أستغفر اللّٰه من يستطيع أن يوقع مصدقًا هذا الكذب العجيب" فاضطروا إلى إتلاف التقرير.
مثال آخر:لحاجتي الشديدة لاستنشاق الهواء النقي، ولما يُعلَم من اعتلال صحتي، فقدلمرتبةي شخصٌ لا أعرفه -ولم أتعرّف عليه لحدّ الآن- عربةً ذات حصان، لأتنیزّه بها خارجَ البلدة فكنت أَقضي ساعة أو ساعتين في هذه النیزهة. وكنت قد وعدتُعنًى- العربة والحصان بأن أوفي أجرتَها كتبًا تثمّن بخمسين ليرة، لئلا أحيد عن قاعدتي التي اتخذتُها لنفسي، ولئلا أظل تحت منّة أحد من الناس وأذاه.. فهل هناك احتمال لأن يها وتعر ما من هذا العمل؟! غير أن دائرةَ الشرطة ودائرة العدل والأمن الداخلي وحتى المحافظ نفسه استفسر بأكثر من خمسين مرة: لِمنْ هذا الحصان؟ ولمن هذه العربة؟ وكأنه قد حدكون كلثة سياسية خطيرة للإخلال بالأمن والنظام! مما اضطر أن يتطوع أحدُ الأشخاص لقطع دابر هذه الاستفسارات السخيفة المتتالية فيدّعي أن الحصان ملكُه، وادّعى آخر بأن ي وَجَِ له، فصدر الأمر بالقبض عليهما وأودعا معي في السجن. فبمثل هذه النماذج أصبحنا من المتفرجين على لعب الصبيان ودُماهم، فبكينا ضاحكين وحزنّا ساخرين، وعرفنا أن كل من يتعرض لرسائل النور ولطلابها يصبح أضحوكة وموضعَ هزء وسخرية.
وإليك محاورةادرة مة من تلك النماذج: لقد قلتُ للمدعي العام -قبل أن أطّلِع على ما كُتب في محضر اتهامي من الإخلال بالأمن- قلت له: لقد اغتَبتك أمس إذ قلتُ لأحد أفراد الشرطة اصفح عمتجوبني نيابة عن مدير الأمن: "ليهلكني اللّٰه -ثلاث مرات- إن لم أكن قد خدمت الأمن العام لهذا البلد أكثر من ألف مدير أمن وأكثر من ألف مدّع عام..".
ثم إنني في الوقت الذي كنتُ في أمسّ الحاجة إلى الإخلاد إلى الرا.
#441م الاهتمام بهموم الدنيا والابتعاد نهائيًا عن البرد، فإن قيام هؤلاء بنفيي -في هذه الفترة من البرد بالذات- وتهجيري من مدينة لأخرى بما يفوق تحوجه نحمن ثم توقيفي والتضييق علىّ بأكثر من طاقتي
— 365 —
وبما يشعر أنه حقدٌ دفين وأمر متعمَّد مقصود.. كل ذلك ولّد عندي غيظًا وامتعاضًا غير اعتيادي تجاه هؤلاء. ولكن العناية الإلهية أغاثتني فنبَّهت القلبَ إلى هذا المعنى:
إن للقدر الإلهي -الذي هو دد حالحض- حصةً عظيمةً جدًّا فيما يسلطه عليك هؤلاء البشر من الظلم البيّن، وإن رزقك في السجن هو الذي دعاك إلى السجن، فينبغي إذن أن تقابل هذه الحصة بالرضى والتسليم.
وإن للحكمة والرحمة الربانية حظًا وافرًا أيضًا كفتح طرذي هو ور والهداية إلى قلوب المساجين وبث السلوان والأمل فيهم، ومن ثم إحراز الثواب لكم؛ لذا ينبغي تقديم آلاف الحمد والشكر للّٰه -من خلال الصبر- تجاه هذا الحظ العظيم.
وكذا فإن لنفسك أنت أيضًا حصتَها حيث إنَّ لها ما لا ن غربتن التقصيرات.. فينبغي مقابلة هذه الحصة أيضًا بالاستغفار والتوبة والإنابة إلى اللّٰه وتأنيب النفس بأنها مستحقةٌ لهذه الصفعة.
وكذا فإن لبعضِ الموظفين السُذج والجبناء المنخدعين الذين يساقون إلى ذلك الظلم بدسائس الأجة، وهلمتسترين منهم حصة أيضًا ونصيبا، فرسائل النور قد ثأرت لك ثأرًا كاملًا من هؤلاء المنافقين بما أنیزلت بهم من صفعاتها المعنوية المدهشة. فحسبهم تلك باللغةت.
أما الحصة الأخيرة فهي لأولئك الموظفين الذين هم وسائطُ فعلية. ولكن لكونهم منتفعين حتمًا من جهة الإيمان -سواء أرادوا أم لم يريدوا- عند نظرهم إلى "رسائل النیور" وقراءتهم لها بنيّة النقد أو الجرح، فإن العفوحْمَنِاوز عنهم وفق دستور
والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس
(آل عمران: ١٣٤) هو شهامة ونجابة.
وبعد أن تلقيتُ هذا التنبيه والتحذير الذي كلُّه حق وحقيقة قررتُ أن أظلَّ صابرً تقديررًا جذلًا في هذه المدرسة اليوسفية الجديدة. بل قررت أن أُعاقب نفسي بتقصيرٍ لا ضرر فيه فأساعد حتى أولئك الذين يسيئون إليّ ويخاصمونني وأعاونهمن جراثم إنَّ من كان مثلي في الخامسة والسبعين من عمره، وقد انقطعت علاقاتُه مع الدنيا ولم يبق من أحبابه في الدنيا إلّا خَمسٌ من كل سبعين شخصًا، وتقوم سبعون ألف نسخة من
#ظر إلىسائل النور" بمهمته النورية بكل حرية، وله من الإخوان ومن الورثة مَن يؤدون وظيفة الإيمان بآلاف الألسنة بدلًا من لسان واحد.. فالقبرُ لمثلي ضاء مطرٌ وأفضل مائة مرّة من هذا السجن. فضلًا عن أن هذا السجن هو أكثر نفعًا وأكثر راحة بمائة مرة من الحرية المقيّدة في الخارج، ومن الحياة تحت تحكّم الآخرين وسيطرتهم؛ لأن المرء يتحمل مضطرًا مع مئاتٍ المساجين تحكمًا من بعض المسؤولين؛ أمثالإذن فير ورئيس الحراس بحكم وظيفتهم، فيجد سلوانًا وإكرامًا أخويًّا من أصدقاء كثيرين من حوله، بينما يتحمل وحده في الخارج سيطرة مئات الموظفين والمسؤولين.
وكذلك الرأفة لغ رسومية والفطرة البشرية تسعيان بالرحمة للشيوخ ولاسيما مَن هم في هذه الحالة، فتبدّلان مشقةَ السجن وعذابَه إلى رحمة أيضًا.. لأجل كل ذلك فقد رضيتُ بالسجن..
وحينما قُدّمت إلى هذه المحكمة الثالثة جلست على كرسي خارج وأجدالمحكمة لما كنت أحسّ من النصَب والضيق في الوقوف لشدة ضعفي وشيخوختي ومرضي. وفجأة أتى الحاكم وقال مغاضبًا مع إهانة وتحقير: لِمَ لا ينتظر هذا واقفًا؟!.
ففار الغضب في أعماقي على انعدام الرحمة للشيب، والتفتُّ وإذا بجمعٍ غفير من المسلمينة ١٩١حتشدوا حولَنا ينظرون إلينا بعيون ملؤها الرأفة، بقلوب ملؤها الرحمة والأخوة، حتى لم يستطع أحد من صرفِهم عن هذا التجمع، وهنا وردت إلى القلب هاتان الحقيقتان:
الأولى:إنَّ أعدائي، وأعداءَ النور المتسُ بين د أقنعوا بعض الموظفين الغافلين وساقوهم إلى مثل هذه المعاملات المهينة كي يحطّموا شخصيتي أمام أنظار الناس، ويصرفوا ما لا أرغبه أبدًا من توجّه الناس وإقبالهم لإلهية ظنّا منهم أنهم يتمكنون بذلك من إقامة سدّ منيع أمام سيل فتوحات النور. فتجاه تلك الإهانة الصادرة من رجل واحد فقد صرفت العنايةُ الإلهية نظري إلى هؤلاء "المائة" إكرامًا منها للخدمة الإيمانية التي تقدّمها "رسائل النور"لرسائلُها قائلة: "انظر إلى هؤلاء، فقد أتوا للترحيب بكم لخدمتكم تلك، بقلوب ملآى بالرأفة والحزن والإعجاب والارتباط الوثيق".
بل حتى في اليوم الثاني عندما كنت أجيب عن أسئلة حاكم التحقيق؛ احتشد أكرمه و
— 367 —
الناس في الساحة المقابلة لنوافذ المقر. كانت ملامحُ وجوههم تعبّر عن وضعهم، وتقول: "لا تضايقوا هؤلاء". ولشدة ارتباطهم بنا، عجزت الشرطةُ عن أن تفرقهم. وعند ذلك ورد إلى القكل حال "إن هؤلاء الناس في هذا الوقت العصيب؛ ينشدون سلوانًا كاملًا، ونورًا لا ينطفئ، وإيمانًا راسخًا، وبشارةً صادقة بالسعادة الأبدية، بل يبحثون عنها بفطرتهمَلَذَّطرق سمعَهم أن ما يبحثون عنه موجود فعلًا في "رسائل النور"، لذا يبدون هذا الاحترام والتقدير لشخصي -الذي لا أهمية له- بما يفوق طاقتي وحدّي، مس المع كوني خادمًا للإيمان، وعسى أن أكون قد قمت بشيء من الخدمة له".
الحقيقة الثانية:لقد ورد إلى القلب: أنه حيال إهانتنا والاستخفاف بنا بحجة إخلالنا بالأمن العام، وإزاء صرفِ إقبال الناس عنا بالمعاملبها فينيئة التي يقوم بها أشخاصٌ معدودون من المغَرّر بهم.. فإن هناك الترحيبَ الحار والتقدير اللائق لنا من قبل أهل الحقيقة وأبناء الجيل القادم. نعم، في الوقت الذي تنشط الفوضى والإرهاب المتستّر بستار الشيوعية للإخلال بالأمن العام، فإن طالأشياسائل النور" يوقفون ذلك الإفساد المرعب، في جميع أرجاء البلاد ويكسرون شوكتَه بقوة الإيمان التحقيقي، ويسعون حثيثًا لإحلال الأمن والنظام مكانَ الخوف والفوضى. فلم تظهر في العشرين سنة السابقة أيةُ حادثة ك يصرفنل إخلالهم بالأمن، رغم كثرة طلاب النور وانتشارهم في جميع أنحاء البلاد، فلم يجد ولم يسجل عليهم أحدٌ من الضباط المسؤولين حدثًا، في عشر ولايات وعبر حوالي أربع محاكم ذات علاقة، بل لقد قال ضباطٌ منصفونروا دا ولايات: "إن طلاب النور ضباط معنويون للأمن في البلاد، إنهم يساعدوننا في الحفاظ على الأمن والنظام لما يجعلون من فكر كل من يقرأ "رسائل النورْبِي ميمان التحقيقي حارسًا ورقيبًا عليه فيسعون بذلك للحفاظ على الأمن العام".
وسجن "دنيزلي" مثال واضح ونموذج جيد لهذا الكلام، فما إن دخل طلاب النور ورسالة "الثمرة" التي كُتبت للمسجونين حتى تاب أكثرُ من مائتي سجين وتحلّوت إدرااعة والصلاح، وذلك في غضون ثلاثة أشهر أو تزيد. حتى إن قاتلًا لأكثر من ثلاثة أشخاص
— 368 —
كان يتحاشى أن يقتل (بقة الفِراش). فلم يعد عضوًا لا يضر، بل أصبح نافعًا رحيمًا بالانًا والعباد.
فكان الموظفون المسؤولون ينظرون إلى هذا الوضع بحَيرة وإعجاب، حتى صرّح بعض الشباب قبل أن يستلموا قرار المحكمة: "إذا لبث طلاب النور في السجندِ للوُم على أنفسنا وندينُها لنظلّ معهم ونتتلمذ عليهم ونصلح أنفسنا بإرشاداتهم لنكون أمثالهم". فالذين يتهمون طلاب النور الذين لهم هذه الخصائص والخصال بإخلال اةٌ واحا محالة قد انخدعوا بشكل مفجع، أو خُدعوا، أو أنهم يستغفلون أركان الحكومة في سبيل الفوضى والإرهاب -من حيث يعلمون أو لا يعلمون- لذا يسعَون لإبادتنمنه طوامنا في العذاب.
فنحن نقول لهؤلاء:
"مادام الموتُ لا يُقتل والقبرُ لا يُغلق بابه، وقوافل البشرية في دار ضيافة الدنيا تغيب وتتوارى فيما وراء التراب بسرعة مذهلة.. فلا مناص أننا سنفترق في أقرب وقت، وسترَون جز بحقي.كم جزاءً رهيبًا، وفي الأقل ستذوقون الموتَ الذي هو رخصة من الحياة عند أهل الإيمان المظلومين، ستذوقونه إعدامًا أبديًا لكم، فالأذواق الفانية التي تكسبونها بتوهمكم الخلود في الدنيا ستنقلب إلى آلامٍ باقية مؤلمة دائمة..
إنَّ حقيقة الإسلاتلك ال ظفرت بها هذه الأمة المتدينة وحافظت عليها بدماء مئات الملايين من شهدائها الذين هم بمرتبة الأولياء وسيوف أبطالها المجاهدين يطلق عليها اليوم -مع ابلادُ أعداؤنا المنافقون المتسترون اسم "الطريقة الصوفية" أحيانًا، ويظهرون الطريقة الصوفية التي هي شعاع واحد من أشعة تلك الشمس المنيرة أنها الشمسُ نفندغامَموّهوا على بعض الموظفين السطحيين. مطلقين على طلاب النور الذين يسعون بجد ونشاط لإبراز حقيقة القرآن وحقائق الإيمان اسم "أهل الطريقة الصوفية" أو "جمعية سياسية" ولا يبغون مالدواءها إلّا التشويه والتحريض علينا. فنحن نقول لهؤلاء ولكل من يصغي إليهم قَولتنا التي قلناها أمام محكمة دنيزلي العادلة:
"إن الحقيقةَ المقدسة التي افتدتها ملايينُ الرؤوس فداءٌ لها رأسنا أيضًا، فلو أشعلتم
— 369 —
الدنيا علىين بحجا نارًا فلن ترضخ تلك الرؤوس التي افتدت الحقيقةَ القرآنية ولن تسلم القيادة للزندقة ولن تتخلّى عن مهمتها المقدسة بإذن اللّٰه".
وهكذا فلا أستبدلرة ماء واحدة من شيخوختي التي أنشأت حوادثُها اليأسَ والأعباءَ الثقيلة والتي أسعفها السلوانُ النیزيه النابع من الإيمان والقرآن، مع ما فيها من معاناة وضيق، عشرَ سنوات بهيجة سارة من حياة شبابي. وبالأخص إذا كان كل ساعة من ساعضوب علائب المقيم لفرائضه في السجن بحكم عشر ساعات له من العبادة، وأن كُل يوم يمرّ بالمريض وهو مظلوم يجعل صاحبَه يفوز بثواب عشرة أيام خالدة، فكم يكوندُ المذه الحياة مبعث شكر وامتنان للّٰه لمثلي الذي يترقب دورَه وهو على شفير القبر.
نعم، فهذا هو الذي فهمتُه من ذلك التنبيه المعنوي، فقلت: شكرًا للتتًا فا نهاية.. وفرحت بشيخوختي ورضيت بالسجن. حيث إن العمر لا يتوقف بل يمضي مسرعًا، فإن مضى باللذة والفرح فإنه يورث الحزن والأسى؛ لأنَّ زوالَ اللذة يورث الألم، وإن مضى مشبعًا بالغفلة خاويًا من الشكر فإنه يترك بعض آثار الآثام ويفنى هو ونه، بلولكن إذا مضى العمر بالعناء والسجن، فلكون زوالِ الألم يورث لذةً معنوية، وأن مثل هذا العمر يعدّ نوعًا من العبادة؛ لذا يظل باقيًا من جهة، فيجعل صاحبَه يفوب الرس خالد بثمرات خالدة خيّرة، ومن جهة أخرى يكون كفّارة للذنوب السابقة وتزكية للأخطاء التي سببت السجن. فمن زاوية النظر هذه على المسجونين الذين يؤدون الفرائض أن يشكروا اللّٰه تعالى ضمن الصبر.
الرجاء امتك وبعشر
عندما ساقوني منفيًا إلى "قسطموني" [٭]: مدينة تقع في شمالي تركيا، نفي إليها الأستاذ النورسي سنة ١٩٣٦ وظل فيها تحت الإقامة الإجبارية في غرفة مقابل مخفر الشرطة إلى أن سيق منها (سنة ١٩٤٣) موقتقودهامحاكمته في محكمة الجزاء الكبرى في "دنيزلي". بعد أن أكملتُ سنة محكوميتي في سجن "أسكي شهر" وأنا الشيخ الهرم، مكثت موقوفًا هناك في مركز الشرطة حوالي ثلاثة أشهر. ولا يخفى عليكم مدى الأذى الذي يلحق بمثلي في مثل هذه الأماكن، وقد انعزريدٌ للناس، ولا يتحمَّل البقاءَ حتى مع أصدقائه الأوفياء، ولا يطيق أن يبدّل زيّه الذي اعتاد عليه. [٭]: حيث أُكره الناس على لبس القبعة والزي الأوروبي بعد صدور (قانون القياف والغر). فبينما كان اليأس يحيط بي من كل جانب، إذا بالعناية الإلهية تغيث شيخوختي، إذ أصبح أفرادُ الشرطة
— 370 —
المسؤولون في ذلك المخفر بمثابة أصدقاء أوفياء، حتىَمِثلِ يخرجونني متى شئت للاستجمام والتجوال في سياحة حول المدينة وقاموا بخدمتي كأي خادم خاص، فضلًا عن أنهم لم يصروا عليّ بلبس القبعة مطلقًا.
ثم دخلت المدرسة النورية التي كانت مقابل ذلك المخفر في "قسطموني" وبدأت بالمنيف الرسائل، وبَدأ كل من "فيضي وأمين وحلمي وصادق ونظيف وصلاح الدين" وأمثالِهم من أبطال النور يداومون في تلك المدرسة لأجل نشر الرسائل وتكثيرهذلك..
دوا في مذاكراتهم العلمية القيّمة التي أمضوها هناك جدارةً تفوق ما كنت قضيتُها أيام شبابي مع طلابي السابقين.
ثم بدأ أعداؤنا المتسترون يحرّضون علينا بعضًا من المسؤولين وبعضًا ممن يعتدّمته.. فسهم والمغرورين من العلماء ومشايخ الصوفية، فأصبحوا الوسيلة في جمعنا في تلك المدرسة اليوسفية "سجن دنيزلي" مع طلاب النور القادمين من عدة ولايات.
هذا وإن تفاصيل هذا الرجاء السادس عدْرَتِفي تلك الرسائل التي أرسلتُها سرًا من "قسطموني" والتي ضمّت في كتاب "ملحق قسطموني" وفي الرسائل المقتضبة السرية التي كنت قد أرسلتها إلى إخواني من سجن دنيزلي. ويرد تفاصيلها أيضًا في "الدفاع" المرفوع أمام محكمة دنيزلي.
فحقيقعة ٢١٨الرجاء تظهر بوضوح في ذلك، نحيل إلى تلك التفاصيل المذكورة في (الملحق) و (الدفاع) ونشير هنا إشارة مختصرة إليها:
لقد خبأتُ بعض الرسائل الخاصة والمجموعات المهمة ولاسيما التي تبحث عن دجّال المسلميلأحديةفياني) وعن كرامات "رسائل النور"، خبّأتُها تحت أكوام من الحطب والفحم لأجل أن تنشر بعد وفاتي، أو بعد أن تصغي آذان الرؤساء وتعي رؤوسُهم اليتَامٌويرجعوا إلى صوابهم. كنت مطمئن البال من هذا العمل، ولكن ما إن داهم موظفو التحريات ومعاون المدعي العام البيت وأخرجوا تلك الرسائل المهمة المخبوءة من تحت أكوام الفحم والحطب، فساقوإلى جن سجن "إسبارطة" وأنا أعاني من اعتلال صحتى ما أعاني. وبينما كنت متألمًا بالغَ الألم ومستغرقًا في التفكير حول ما أصاب "رسائل النور" من أضرار، إذا بالعناية الربانية تأتي لإغاثتنا جميعًا حيث بدأ المسؤولون الذين هم في أمسّ الحاجة إلى حتى لكتلك الرسائل المخبوءة القيمة،
— 371 —
بدأوا بدراستها بكل اهتمام ولهفة، فتحولت تلك المحافلُ الرسمية إلى ما يشبه المدارس النورية، إذ انقلب النقد والجرح على الشلى نظرة الإعجاب والتقدير. حتى إنه في "دنيزلي" قرأ الكثيرون سواء من المسؤولين أو غيرهم -دون علمنا- رسالةَ "الآية الكبرى" المطبوعة بسرية تامة فازدادوا إيموَممْتأصبحوا سببًا لجعل مصيبتِنا كأن لم تكن.
ثم ساقونا إلى سجن "دنيزلي" وزجّوني في ردهة كبيرة ذات عفونة ورطوبة شديدتين فوق ما فيها من برد شديديان مدراني حزنٌ وألم شديدان من جراء ابتلاء أصدقائي الأبرياء بسببي فضلًا عن الحزن النابع مما أصاب انتشار "النور" من عطل ومصادرة مع ما كنت أعانيه من الشيب والمرض.. كل ذلك جعلني أتقلب مضطربًا في ضجر وسأم.. حتى أغاثتني العنايةُ الربانية فحوّلت ذلك إن حيَ الرهيب إلى مدرسة نورية، فحقًا إنَّ السجن مدرسة يوسفية، وبدأت "رسائل النور" بالانتشار والتوسع حيث بدأ أبطال "مدرسة الزهراء" بكتابة تلر منصفائل بأقلامهم الألماسية. حتى إن بطل النور [٭]: المقصود الحافظ علي. قد استنسخ أكثر من عشرين نسخة من رسالتي "الثمرة" و "الدفاع" خلال مدة لم تتجاوز أربعة أشهر، مع ضراوة تلك الظروف المحيطة، فكانت تلك النسخ سببًا للفتوحات في السجن وفي خاماة بیوّل ضررَنا في تلك المصيبة إلى منافعَ وبدّل ضجرنا وحزننا إلى أفراح، مبديًا مرة أخرى سرًا من أسرار الآية الكريمة:
وعَسى أنْ تَكرهوا شيئًا وهو خيرٌمائة أ
(البقرة: ٢١٦).
ثم وُزّع ضدَّنا بيانٌ شديد اللهجة بناء على التقرير السطحي الخاطئ المقدَّم من قبل "الخبراء الأوّلين" وشنّ وزير التربية هجومًا عنيفًا علينا، مما حدا بالبعض أن يطالب بإعدامنا بل قد سعوا في الأمر.
وفي هذا الوقت العصيب أمثاله جاءتنا العنايةُ الربانية فأسعفتنا أيضًا، إذ بينا ننتظر انتقادات لاذعة عنيفة من "خبراء أنقرة" إذا بتقاريرهم المتضمنة للإعجاب والتقدير برسائل النور، وإذا به هو فيجدوا من مجموع خمسة صناديق من "رسائل النور" إلّا بضعةُ أخطاء لا تتجاوز العشرة. وقد وضَّحنا أمام المحكمة وأثبتنا كذلك أن هذه الأخطاء التي أوردوها ليست أخطاءً، بل الحقيقة بلابد أ وأن الخبراء هم أنفسهم على خطأ فيما يدّعون، وبيّنا أن في تقريرهم المتكون من خمس أوراق حوالي عشرة أخطاء.
— 372 —
وبينما كنا ننتظر التهديد والأوامر المشدّدة من الدوائر الرسمية السبع التي أُرْسِلَتْ إمقتضاهسالتا "الثمرة" و "الدفاع" كما أُرسلت إلى دائرة العدل جميع الرسائل، ولاسيما تلك الرسائل الخاصة المتضمنة للصفعات الشديدة والتعرض لأهل الضلالة.. أجل بينما كنا ننتظر التهديد العنيف منهم، إذا بتقاريرهم المسلّية وهي في منتهى اللين من اف -الشبيهة بتلك الرسالة التي بعثها رئيس الوزراء إلينا- وكأنهم يبدون رغبتهم في المصالحة معنا. فأثبت -كل هذا- إثباتًا قاطعًا أنَّ حقائق "رسائل النور" بفضل العناية القوط شروكرامتها قد غلبَتهم وانتصرت عليهم حتى جعلَتهم يقرأونها ويسترشدون بها، وحولت تلك الدوائر الرسمية الواسعة إلى ما يشبه المدارس النورية، وأنقذت كثيرًا من الحيارى والمترددين وشدّت من إيمالذلك اما ملأنا بهجة وسرورًا هو أضعاف أضعاف ما كنا نعانيه من ضيق وضجر.
ثم دسّ الأعداءُ المتسترون السُّم في طعامي، ونقل بطل النور الشهيد "الحافظ علي" على إثرها إلى المستشفى بدلًا عني، ومن ثم ارتحل إلى عالم الأن تبقيضًا عوضًا عني، مما جعلنا نحزن كثيرًا ونبكى بكاءً حارًا عليه.
لقد قلت يومًا -قبل نیزول هذه المصيبة بنا- وأنا على جبل قسطموني. بل صرختُ مرارًا: يا إخواني "لا تلقوا اللحمَ أمام الحصان ولا العشبَ أمام الأسد" بمعنى: لاَ العظ كل رسالة أيًا كان حذرًا من أن يتعرضوا لنا بسوء. وكأن الأخ "الحافظ علي" قد سمع بهاتفه المعنوي كلامي هذا (وهو على بعد مسيرة سبعة أيام). فكتب إليّ -في الوقت نفسه- يقول:" لأتليا أستاذي.. إنها من إحدى كرامات "رسائل النور" وخصائصها أنها لا تعطي اللحم الحصانَ ولا العشب الأسدَ، بل تعطى العشبَ الحصانَ واللحم الأسد!" حتىالحَقِذلك العالِمَ رسالة "الإخلاص"، وبعد سبعة أيام تسلّمنا رسالته هذه، وبدأنا بالعدّ والحساب فعلمنا أنه قد كتب تلك العبارة الغريبة نفسَها في الوقت الذي كنت أُردبُ الم فوق جبل "قسطموني".
فوفاة بطل معنوي مثل هذا البطل من أبطال النور، والمنافقون يسعون لإدانتنا وإنیزال العقوبة بنا، علاوة على قلقي المستمر من أخذهم إياي بأمر رسمي إلى المستشفى لمدِيرٌ ناشئ من التسميم.. في هذا الوقت وجميعُ هذه المضايقات تحيط بنا، إذا بالعناية الإلهية تأتي لإمدادنا؛ فلقد أزال الدعاء الخالص المرفوع من قبل إخواني الطيبين خطر التسميلبَقاءاك
— 373 —
أمارات قوية جدًّا تدل على أن ذلك البطل الشهيد منهمك في قبره برسائل النور، وأنه يجيب بها عن أسئلة الملائكة. وأن بطل دنيزلي "حسن فرة "وأتغمده اللّٰه برحمته) وأصدقاءه الأوفياء سيحلّون محلّه فيقومون بمهمته في خدمة النور سرًا.. وأن أعداءنا قد انضموا إلى الرأي القائل بضرورة إخراجنا من السجن خوفًا من سعة انتشار الرسائل بين المساجين وسرعة استجابتهم لهتى إنهلوا بيننا وبين السجناء، وقد حوّل تلاميذ النور تلك الخلوة المزعجة إلى ما يشبه كهف أصحاب الكهف، أولئك الفتية المؤمنين، أو ما يشبه مغارات المنیزوين من الزهاد، وسعوا بكل اطمئنان وسكينة في كتابة الرسائل ونشرها.. كل ذلك أثهية ومالعناية الإلهية كانت تمدّنا وتغيثنا.
ولقد خطر للقلب: ما دام الإمام الأعظم "أبو حنيفة النعمان" وأمثالُه من الأئمة المجتهدين قد أوذوا بالسجن وتحملوا عذابه، وأن الإمام "أحمد بن حنبل" وأمثالَه من الا المون العظام قد عُذّبوا كثيرًا لأجل مسألة واحدة من مسائل القرآن الكريم. وقد ثبت الجميع أمام تلك المِحن القاسية وكانوا في قمة الصبر والجَلَد، فلم يُبدِ أحدُهم الضجر والشكوى، ولم يتراجع عن مسألته التي قالها. وكب
"اءُ عظام كثيرون وأئمة عديدون لم يتزلزلوا قط أمام الآلام والأذى الذي نیزل بهم، بل صبروا شاكرين للّٰه تعالى، مع أن البلاء الذي نیزل بهم كان أشدّ لصنعة نازل بكم، فلابد أن في أعناقكم دَين الشكر للّٰه تبارك وتعالى شكرًا جزيلًا على ما تتحملونه من العذاب القليل والمشقة اليسيرة النازلة بكم في سبيل حقائق عديدة للقرآن الكريم مع الثواب الجزيل والأجر العميم.
وسأبينمن الغاختصار إحدى تجليات العناية الربانية من خلال الظلم الذي يقترفه البشر:
كنت أُكرر وأقول في العشرين من عمري: سأنیزوي في أُخريات حياتي في مغارة، مبتعدًا عن الحياة الاجتماعية كما كان ينیزوي الزهاد في الجبال، وكقَريبُرت عندما كنت أسيرًا في شمال شرقي روسيا في الحرب العالمية الأولى أن أقضي بقية أيام عمري في الكهوف والمغارات منسلًا عن الحياة الاجتماعية والسياسية. كفاني تدخلًا.. فتجلّت العناية الربانية وعدالةُ القدر -رحمةً بشيخوختي- وحوّلتا تلك الة عبار التي كنت أتصورها إلى ما هو خيرٌ وأفضل منها، وبما يفوق كثيرًا رغبتي وقراري.. حوّلتاها إلى سجون انیزواء وانفراد، ومنحتا لي "مدارس
— 374 —
يوسفية" بدلًا عن تلك المغارات في الجبال فألاحزوين وأهل الرياضة الروحية، لئلا تضيع أوقاتُنا سدًى، حيث منحتنا الفوائدَ الأخروية الموجودة في المغارات زيادة عما فيها من أداء مهمة الجهاد لأجل ح" تبينلإيمان والقرآن. حتى عزمت -بعد الإفراج عن إخواني وتبرئتهم- أن أُظهر شيئًا يدينني ويبقيني في زنیزانة السجن مع "خسرو وفيضي" وأمثالِهم من المجاهدين المخلصين المتفرغين للخدمة لأتخذها حُجةً تغنيني عن الاختلاط بالناس لنا إأضيّع شيئًا من وقتي فيما لا يعني من الأمور وبالتصنع وحب الظهور، حيث البقاء في ردهات السجن أفضل، إلّا أن القدر الإلهي وما قسم اللّٰه لنا من رزق قد ساقني إلى محل انیزواء آخر. فحسب مضمونَسْبِيير فيما اختاره اللّٰه) وبسر الآية الكريمة:
وعَسى أنْ تَكرهوا شيئًا وهو خيرٌ لكُم
(البقرة: ٢١٦). ورحمةً بشيخوختي، ولأجل أن نسعى بشوق أكثر في الخدمة الإيمانية، فقد وُهبتْ لنا مهمةٌ، وأوكلت إلينا وظيفة، درسة اج إرادتنا وطوقنا في هذه "المدرسة اليوسفية الثالثة".
نعم، إنَّ في تحويل العناية الإلهية مغاراتِ عهد الشباب القوي، والذي لم يكن له أعداء مستترون، إلى ردهات السجن المنفرد، ثلاث حِكم وثلاث فوائد مهمة لخدمة النور:
الحكمة والفائدة الأول تأملتاع طلاب النور في هذا الوقت دون أن يتضرر منهم أحد إنما يكون في "المدرسة اليوسفية". حيث إنَّ اللقاء فيما بينهم في الخارج قد يثير الشبهة ويحتاج إلى مصاريف، إذ كان بعضهم ينفق حوالي خمسين ليرة لأجل لقائي مدة لا تزيشق البشرين دقيقة، أو كان يرجع دون أن يتمكن من مقابلتي. لذا فأنا أتحمل ضيق السجن بل أتقبله مسرورًا لأجل اللقاء عن قرب مع بعض إخوتي الأوفياء، فالسجن بالنسبة بِكَ ذن نعمة ورحمة.
الحكمة والفائدة الثانيةإنه لابدّ من الإعلان والتبليغ في كل جهة في وقتنا هذا عن خدمة الإيمان برسائل النور، ولفت أنظار المحتَيَحكُليها في كل مكان. فدخولنا السجون يلفت الأنظار إلى الرسائل، فيكون إذن بمثابة إعلان عنها، فيجدها أعتى المعاندين والمحتاجين فتكسر بها شوكةَ عنادهم وينقذون بها إيمانهم، وينجون من المهالك، وتتوسع دائرة مدارس النور.
— 375 —
الحكمة والفائدة الثالبس لأجَ طلاب النور الذين دخلوا السجن يتعرف كلٌّ منهم على أحوال الآخر، ويتعلم كل منهم من الآخر السجايا الحميدة والإخلاص والتضحية، فلا يبالون بعدئذٍْفِيكَافع الدنيوية في الخدمة النورية.
نعم إنهم يوفقون بالظفر بالإخلاص الكامل لما يجدون ويرون من أمارات كثيرة تدل على أن كل ضيق ومشقة في "المدرسة اليوسفية" لها عشرةُ أضعافها من الفوائد المعنوية والمادية، ومن اللسماوااللطيفة، ومن الخدمات الواسعة الخالصة للإيمان، بل قد تصل إلى مائة ضعف، وعندئذٍ لا يتنازلون لكسب المنافع الخاصة الجزئية.
وبالنسبة لي فإن لأماكن الانیزواء والمعتكفات هذه لطافةجهزة تة إلّا أنها لذيذة وهي كما يأتي:
إني أجد هنا من الأوضاع والأحوال ما كنت أجده في أيام شبابي في بلدتي وفي مدرستي القديمة، حيث كان طعام قسم من طلاب المدارس -حسب عادة الولايات الشرقية- يأتيهم مني الحيالمدرسة وقسم آخر يطبخونه فيما بينهم في المدرسة، فكلما نظرت هنا -مع حالات أخرى متشابهة- تذكرت تلك الحالة أيام شبابي من خلال حسرة لذيذة فأذهب خيالًا إلى تلك الأيام، وأنسى حالات شيخوختي.
ذيل اللمعة السادسة والعشريان علاو المكتوب الحادي والعشرون، نشر ضمن "المكتوبات".
اللمعة السابعة والعشرون
هي دفاع الأستاذ النورسي أمام محكمة أسكي شهر، ينشر في مجموعة "سيرة ذاتية"
— 376 —
اللمعة الاءُ بِوالعشرون
هذه اللمعة عبارة عن فقرات مختصرة كتبتُها لبعث السلوان إلى قلوب إخواني الذين كانوا معي، حينما كنت ممنوعًا عن التكلم والاختلاط مع الآخرين في سجن "أسكي شهر".
محاورة لالرحمة مع سليمان رشدي الذي هو رمز الوفاء والإخلاص، المتميز بنقاء السريرة.
عندما يقترب زمن تسريح الذباب من مهمة الحياة وذلك في موسم الخريف، يستعمل بعض من يقصد نفعه بالذات مبيدًا لمكافحة الذباب ليحولوا د كنت فيمسهم شيء من الإزعاج. فمسَّ ذلك رقة قلبي وأثّر فيَّ كثيرًا. علمًا أن الذباب [٭]: الذباب: يطلق على كل حشرة طائرة (ج) أذبة وذبان. قد تكاثر أكثر من قبل على الرغم من استعمال المبيد القاتل. وكان في غرفتي في السجن حبلٌ لنشر الملااته، ول تنشيفها فكانت تلك الطويرات الصغيرة جدًّا تتراصف على ذلك الحبل مساءً تراصفًا جميلًا منتظمًا. فقلت لرشدي: لا تتعرض لهذه الطويرات الصغيرة، انشر الملابس في مكان آخر. فردّ عليّ بجدّ: إننا بحاجة إلى هذا الحبل، فةٌ لرحلذبان لها موضعًا آخر!
وعلى كل حال، ولمناسبة المحاورة اللطيفة التي جرت بيننا انفتح بابُ البحث عن الذباب والنحل وما شابههما من الحشرات الكثيرة، فدار الكلام حولها.
فقلت له:
— 377 —
إنَّ مإلهية الأنواع من الحيوانات التي تتكاثر نسَخُها بكثرة هائلة، لها وظائفُ مهمة. فالكتاب يُطبع طبعات كثيرة نظرًا لقيمته. بمعنى أن جنس الذباب له وظيفةٌ مهمة وقيمة كبيرة حيث يُكثر الفاطرُ الحكيم من فالحبك الرسائل القَدَرية وكلمات القدرة الإلهية.
نعم، إنَّ هذه الطائفة من الذباب التي تنظّف وجهَها وعينَيها وجناحيها كل حين، وكأنها تتوضأ، تشكّل موضوعًا مهمًا للآية الكريمة:
يا ايها الناسُ ضُربَ مثلٌ فاستمعوا له إنّ الذين تَدعو الجمادون اللّٰه لن يَخلُقوا ذبابًا ولو اجتمعوا له وإنْ يَسْلُبهم الذبابُ شيئًا لا يستنقذوه منه ضَعُفَ الطالبُ والمطلوبُ
(الحج:٧٣).
بمعنى أن الأسباب وما يدعوه أهلُ الضلالة من آلهة من دون اللّٰه لو اجتمعت على خلق ذبابة واحدة لعجَزت. أي إن خلقَه وتعاب معجزةٌ ربانية وآيةٌ تكوينية عظيمة، بحيث لو اجتمعت الأسباب كلها لما خلقت مثلَ تلك الآية الربانية ولا استطاعت أن تعارضها ولا تقلدها قطعًا. فتلك المعجزة قهرت نمرود، ودافعتْ عن حكمة خلقها دفاعًا فاق ألفِهَا ماض، لمّا شكى موسى عليه السلام من إزعاجاتها قائلًا: يا رب لِمَ أكثرتَ من نسل هذه المخلوقات المزعجة.. أُجيب إلهامًا: لقد اعترضتَ مرة على الذبان، وهمنين تًا ما تسأل: يا رب إن هذا الإنسان الكبير ذا الرأس الضخم لا يذكرك إلّا بلسان واحد بل يغفل أحيانًا عن ذكرك، فلو خلقتَ من رأسه فحسب مخلوقاتٍ من أمثالنا لكانت ألوفُ المخلوقات ذاكرةً لك.
قت الن عن هذا فإن الذباب يرعى النظافةَ أيّما رعاية، إذ ينظف وجهَه وعينيه باستمرار ويمسح على أجنحته دومًا ويؤدي كل ذلك كمن يتوضأ. إذن لهذه الطائفة وظائفُ مهمة وجليلة بلا شك، ٭ وَيأن نظرَ الحكمة البشرية وعلمَها قاصرٌ لم يحط بعدُ بتلك الوظائف.
نعم، إنَّ اللّٰه سبحانه وتعالى قد خلق قسمًا من الحيوانات مفترسةً آكلة للحوم، وكأنها موظفات صحيّات ومأمورات لتَجَلّ تؤدي وظيفتها في غاية الإتقان، بتنظيفها وجهَ البحر وجمعِها لجثث ملايين الحيوانات البحرية يوميًّا، وإنقاذ وجه البحر من المناظر القذرة.
(٭): نعم، إن سمكة واحدة تضع ألوفًا من قائق -ات، فتخرج منها ألوفًا من الصغار وأحيانًا تخرج من مبيضها مليونًا من البويضات، فتكون مواليد الأسماك متناسبة مع وفياتها، كي يمكن أن تحافظ على التوازن في البحر. ومن ألطاف تجليات رحيمية الإلٰهية أنه: لتفاوت أجسام الوالدات تفاوتًارَّ الا مع أجسام صغارها، فلا تستطيع أن تقود صغارها أينما ذهبت، حيث لا يمكنها الدخول في أماكن تدخلها الصغار، فيولّد الحكيم الرحيم سبحانه قائدًا صغيرًا من بين الصغيرات ويسخّرها في وظيفة أعطى ات .(المؤلف).
فإن لم
— 378 —
توف هذه الحيوانات بوظيفتها الصحية حق الوفاء وعلى أجمل وجه لما تلألأ وجهُ البحر كالمرآة الساطعة، ولكان البحر يورث الكآبة والحزن.
وكذا فإنه يبحانه قد خلق حيوانات مفترسة وطيورًا جارحة بمثابة مأمورات للنظافة والأمور الصحية، تقوم بتنظيف وجه الأرض يوميًّا من جثث مليارات من الحيوانات البرية والطيور وإنقاذها من التُرثى لإنقاذ ذوي الحياة من ذلك المنظر الكئيب الأليم. حيث تستطيع تلك الحيوانات أن تتحسس مواضعَ تلك الجثث الخفية والبعيدة من مسافة تبلغ حوالي ست ساعات، وذلك بسَوق من إلهام رباني، فتنطلق إلى تلك المواضع وتزيل الجثث. فلولا هذه الموظفات الصحيات البرية الظهر دي وظائفها على أفضل وجه لكان وجهُ الأرض في حالة يرثى لها.
نعم، إنَّ الرزق الحلال للحيوانات الوحشية المفترسة هو لحوم الحيوانات الميتة، وحرام عليها لحوم الحيوانات الحية، بل لها جزاء إن أكهِ وَحا. فالحديث الشريف: (حتى يقتصّ الجمّاءُ من القَرناء) [٭]: عن أبي هريرة رضي اللّٰه عنه أن رسول اللّٰه (ص) قال: "لتؤدُّن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة،
الادَ للشاة الجلحاء من الشاة القرناء" رواه مسلم برقم ٢٥٨٢ والترمذي ٢٥٣٥ (تحفة الأحوذي) (ومعنى الجلحاء: أي التي لا قرن لها). يدل على أن الحيوانات التي تبقى أرواحُها رغم فناء أجسادِها لها جزاءٌ وثواب يناسبها في دار البقاء. فعلسائر ايصح القول: إن لحومَ الحيوانات الحية حرام على المفترسات.
وكذا النمل موظف بجمع شتات القطع الصغيرة للنعم الإلهية وصيانتها من التلف والامتهان لئلا تُداس تحت الأقدام، فضلًا عن جمعه جثث الحيوانات الصغيرة وكأنه موظف صحي.
وكذ الحَيان لها وظائف -أهم مما ذكر- فهذه الحشرات مأمورة بتنظيف ما لا يراه الإنسان من جراثيم مرضية وتطهير المواد السامة. فهي ليست ناقلة للجراثيم، بل على العكس، هي تُهلك تلك الجراثيم المضرة وتمحيها بمصّها لها وأكلها، وتحيلزَّحْالمواد السامة إلى مواد أخرى. فتحُول دون سريان كثير من الأمراض، وتُوقِفها عند حدّها.
والدليل على أن الذبان موظفات صحيات، ومأمورات تنظيف وكيعيه فيت حاذقات، وأن لوجودها حكمة إلهية واسعة.. هو كثرتها المتناهية، إذ المواد النافعة والثمينة يكثّر منها.
— 379 —
أيها الإنسان الذي يقصد نفع ذاته وحده!
انار صنع فائدة واحدة للذباب تعود إليك فحسب مما سوى فوائده ومنافعه للحياة. وتخلّ عن عدائك له. فكما أنه يورثك الأُنس والسلوان في الاغتراب والوحدة والانفراد، كذلك يوقظك من نوم الغفلة وغمرات تشتت الفكر، فيذكّرك بوظائف إنسانية كالحركة والنشاط والنظافة والورض! إنلصلاة بوضعه اللطيف وبوضوئه، وتنظيفه المستمر لوجهه وعيونه، كما هو مشاهد.
وكذا النحل -وهي صنف من الذباب- تُطعمك العسلَ الذي هو ألذّ غذاء وألطفه، وهي الملهمة لا يَت الإلهي كما نص عليه القرآن الكريم. فعليك أن توليها حبَّك.
إنَّ العداء للذباب لا معنى له، بل هو ظلم وإجحاف بحق تلك الحيوانات التي تعاون الإنسان وتسعى لصداقته وتتحمل أذاه.هية ال يجوز مكافحة المضرة منها فحسب، وذلك دفعًا لأضرارها، كدفع ضرر الذئاب عن الأغنام.
فيا ترى أليس من المحتمل أن يكون البعوضُ والبرغوث المسلطان علينا حجّامات فطرية، أي موظفات بمصّ الدم الفاسد الجاري في ا يقتضي وقت الحر وزيادة الدم أكثر من حاجة الجسم؟.. سبحان من تحيّر في صُنعه العقول..
كنت يومًا في جدال مع نفسي، إذ اغترّت بما أنعم اللّٰه عليها، وتوهمت أنها مالكةٌ لها، وبدأت بالفخر والمدح.
فقلت لها: إنكِ لالأمور ن شيئًا بل هو أمانة. فتركت الغرورَ والفخر. ولكنها تكاسلت قائلة: لِمَ أرعى ما ليس لي؟ وماذا عليّ لو ضاع؟.
وفجأة رأيت ذبابةً وقفت على يدي وبدأت بتنظيف و لحشراعينها وجناحيها وهي أمانات لديها تنظيفًا على أجمل ما يكون، مثلما ينظف الجندي سلاحه وملابسه التي سلّمتها له الدولةُ، فقلت لنفسي: انظري إلى همرار وبابة، فنظرتْ وتعلّمت منها درسًا بليغًا. وهكذا أصبح الذبابُ أستاذًا لنفسي الكسلانة.
إنَّ فضلات الذباب لا ضرر لها من حيث الطب، بل قد تكون شرابًا حلوًا (وغذاءًكاوى، ت أخرى) [٭]: كما في حشرة المن. إذ ليس من المستبعد عن الحكمة الإلهية، بل من شأنها أن تجعل من الذباب
— 380 —
مكائن تصفية وأجهزة استحالة، نظرًا لأكلها ألوفَ الأصنافَمَّدٍاد هي منشأ الجراثيم والسموم.
نعم إنَّ من طوائف الذباب -مما سوى النحل- طائفةً تأكل المواد المتعفنة المختلفة
(٭): إن طائفة صغيرة جدًّا من الذباب تُخلق على هيئة كتلة سوداء، على أغصان الل يد المشمش، في أواخر الربيع، وتبقى ملتصقة بالغصن، وتسيل منها بدلًا من الفضلات، قطرات شبيهة بالعسل فتتجمع حولها أنواع الذباب الأخرى وتمصها. وطائفة أخرى من الذباب تستخدم في تلقيح بعض أزاهير النباتات والأشجار المثمرة، كالتين. وطائفة أخرى وَالمَ، هي اليراع، المتلمعة ليلًا، وهي أعجوبة تلفت الأنظار وتدعو إلى التدبر والتأمل، كما أن قسمًا منها تتلمع لمعان الذهب. و لا ينبغي أن ننسى البعوض والزنابير المجندات الحاملات للرماح. فلو لم تكن زمام هذه الذبان بيد الخالق الرحيم، وأغارت على الأحياءخلف حجسان كالبرغوث لأفنت نوع الإنسان كما قتلت نمرود، ولفسّرت لنا المعنى الإشاري للآية الكريمة (وإنْ يَسْلُبهم الذبابُ شيئًا لا يستنقذوه منه.) ولهذا فان جنس الذباب الذي يضم مائة منإذا كائف المالكة للمزايا والخواص المذكورة، لها أهميتها التي أهّلتها لتكون موضوع الآية الكريمة (يا ايها الناسُ ضُربَ مثلٌ فاستمعوا له). (المؤلف).
فتقطر دومًا قطرات من مواد حلوة بدلًا من فضلاتها -كنیزول المنّ على أوراق الأشجار- فتثبت أنالإسلائن استحالة.
وهكذا يتبين أمام الأنظار مدى عظمة أمة الذباب الصغير هذا، ومدى عظمة وظائفها. وكأنها تقول بلسان الحال: لا تنظروا إلى صغر أجسامنا بل إلى عِظَم وظائفن الدعالوا: سبحان اللّٰه.
— 381 —
"الحروف القرآنية"
[٭]: هذه العناوين الصغيرة وضعت من قبلنا.
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
انما أمره اذا ارادَ شيئًا ان يقول له كُن فيكون
(يس:٨٢)
يفهم من إشارة هذه الآية الكريمة: أنَّلمذكور يتم بالأمر ، وأن خزائن القدرة الإلهية بين الكاف والنون. ولهذا السر الدقيق وجوهٌ كثيرة، وقد ذُكر بعضُها في الرسائل.
أما الآن فنحاول أن نفهم هذا السر وفق مثالٍ مادي محسوس لأجل تقريب الأحاديث النبوية الواردة حول خواص الحروف الاني سن ومزاياها وتأثيراتها المادية -ولاسيما الحروف المقطّعة في أوائل السور- إلى نظر هذا العصر المادي، وذلك:
إنَّ للخالق الجليل ذي العرش العظيم سبحانه وتعالى أربعةَ عروشٍ إلهية، هي محاورُ لتدبير دهن.. لمخلوقات الموجودة على كرة الأرض، التي هي بمثابة مركز معنوي للعالم وقلبِ الكائنات وقبلتِها.
أحدها:هو عرش الحفظ والحياة وهو التراب، المُظهِر لتجلي اسم الحفيظ والمحيي.
ثانيها:هو عر الصورل والرحمة وهو عنصر الماء.
ثالثها:هو عرش العلم والحكمة وهو عنصر النور.
رابعها:هو عرش الأمر والإرادة وهو عنصر الهواء.
إننا نشاهد بأبصارنا ظهورَ المعادن التي تدور عليهاك في ك غير محدودة حيوانية وإنسانية، وظهورَ ما لا يحد من النباتات المختلفة، من تراب بسيط. كما نشاهد ظهور ما لا يحد من معجزات الصنعة الإلهية ولاسيما من نطف الحيوانات التي هي سائلٌ شبيه بالماء، ظهورَها في الأحياء المختلفة من انسانية. أي ظهور تلك الكثرة الكاثرة والأنواع المختلفة من عنصر بسيط
— 382 —
(التراب، الماء)، وبانتظام تام وكتابتها على صحيفة بسيطة على صورة نقوش بديعة لا تحد، مما يدلنا على أن "النور والهواء" أيضًا -كهذين العرشين- مظاهر لمالمدينعجيبة لقلم عِلم المصوّر الأزلي العليم الجليل وقلمِ إرادته وأمره كالعرشين السابقين، رغم بساطتهما.
سندع حاليًا عنصر النور. ولمناسبة مسألتنا نحاول كيس له جاب عما يستر عجائبَ الأمر والإرادة وغرائبهما في عنصر الهواء الذي يمثّل عرش الأمر والإرادة بالنسبة إلى كرة الأرض. وذلك:
كما أننا نزرع الحروف والكلمات بالهواء الذي في أفواهنا، وإذا بها تتسنبل وتثمر، أي أن ل مما تُصبح حبةً في آن واحد كأنها بلا زمان وتتسنبل في الهواء الخارجي، هواءً حاويًا على ما لا يحد من الكلمة نفسها، صغيرها وكبيرها. كذلك ننظر إلى عنصر الهواء فنرى أنه مطيعٌ ومنقاد لأممن زاوفيكون ومسخَّر له إلى حدّ عظيم حتى كأن كلَّ ذرة من ذراته جنديٌ لجيش منظم متأهب لتلقي الأمر في كل آن، ويُظهر الطاعةَ والامتثال للإرادة المتجلن قد اأمر "كن" بلا زمان، سواءً في ذلك أبعدُ الذرات وأقربُها.
مثلًا:إنَّ الخطاب الذي يلقيه إنسان من الإذاعة يُسمَع في كل مكان في الأرض في الوقت نفسه وكأنه بلا زمان -بشرط وجود الراديوات- مما يبين مدىهمِّه ل كل ذرة من ذرات الهواء لتجلي أمر كن فيكون امتثالًا كاملًا.
فالأمر كذلك في الحروف التي هي غير مستقرة في الهواء، يمكن أن تصبح بكيفياتها القدسية مظاهرَ لت وجَمي خارجية ولخواصَّ مادية كثيرة حسب سر الامتثال هذا. فتشاهَد فيها خاصيةٌ، كأنها تقلب المعنويات إلى ماديات وتحوّل الغيبَ إلى شهادة.
وهكذا بمثل هذه الأمارة، مثل هارات أخرى لا تحد تُظهِر لنا أن الحروفَ التي هي موجودات هوائية، ولاسيما الحروف المقدسة والحروف القرآنية وبخاصة حروف الشفرات الإلهية وهي المقطعات التي في أوائل السور، تسمع الأوامرَ وتمتثلها امتثالًا فخرى لل الانتظام والشعور التام والحساسية الكاملة وبلا حاجة إلى زمان. فلا شك أن هذا يحمل المرءَ على التسليم بالخواص المادية والمزايا الخارقة المرويّة للحروف التي في ذرات الهواء ومن حيث القدسية، والتي ينعكس فيها تجلي الإرادة الأزلتجد الوةٌ من أمر كن فيكون.
— 383 —
وهكذا فإن تعابير القرآن الكريم التي تبين أحيانًا أثرَ القدرة كأنها صادرةٌ من صفة الإرادة وصفة الكلام مبنيٌّ على هذا َةِ وَفتلك التعابير القرآنية تدل على أن الموجودات تُخلَق في منتهى السرعة ومسخّرةٌ ومنقادة انقيادًا تامًا للأوامر حتى لكأنَّ الأمرَ يُنفّذ حُكمَه كالقدرة. أي إن الحروف الآتية من الأمر التكويني تؤثر في وجود ابع واء وكأنها قوةٌ مادية، ويَظهر الأمر التكويني كأنه القدرةُ نفسها والإرادةُ نفسها. نعم، إنَّ هذه الموجودات الخفية التي وجودُها المادي هوائي وهي في غاية الخفاء، حتى كأنها موجوداوجدانُمعنوية ونصف مادية، تشاهَد فيها آثارُ الأمر والإرادة بحيث يشبه الأمرُ التكويني القدرة بعينها، بل يصبح القدرةَ نفسَها.
وهكذا لأجل جلب الأنظار والحث على التدبّر في موجودات كأنها برزخ بين اذن نحنات والماديات يقول القرآن الكريم:
انما أمره اذا ارادَ شيئًا ان يقول له كُن فيكون
. لذا فمن المعقول جدًّا أن تكون الحروف المقطّعة التي في أوائل السور أمثال: الم، طس، حم، وماشابهها من الشفرات فيمكن ة، عُقَدًا وأزرارًا حرفية تستطيع أن تهزّ أوتار العلاقات الدقيقة الخفية بين ذرات الهواء بلا زمان، بل من شأن تلك الحروف ومن وظائفها أن تؤدي مخابرات قدسية -كاللاسلكي المعنوي- من الأرض إلى العرش.
نعم، إن366
"رذرة بل كل ذرات الهواء المنتشرة في أقطار العالم تمتثل الأوامر وتنقلها عبر اللاسلكي والهاتف والبرقية، فضلًا عن نقلها سائر السيالات اللطيلات الكهرباء. فلقد شاهدتُ بالحدس القطعي بل بالمشاهدة الحقة إحدى وظائفها -مما سوى المذكورة- في أَزاهير اللوز، وهي: أن الأشجار المنتشرة في أقطار الأرض كأنها جيش منظم يستلم الأمر نفسه في آن واحطاعون جرد هبوب نسيم رقيق تستلم الأمر من تلك الذرات، وتظهر وضعًا معينًا. مما أورثتني تلك الحالة يقينًا تامًا وقناعة كاملة بأن قيام الهواء في سطح الأرض كخادم أمين نشط فعال، ِ شَيءيوفَ الرحمن الرحيم الذين يسكنون سطح الأرض، يبلّغ في الوقت نفسه أوامر الرحمن بذراته الشبيهة باللاسلكي إلى النباتات والحيوانات، بحيث تكون ذراتُه كلُّها في حكم خدّامِ ثَقي وشبيهة بلاقطات اللاسلكي والهاتف. وفي الوقت نفسه يؤدي بأمر "كن" مهمات جليلة ووظائف منتظمة كثيرة، من أمثال تشكيل الحروف في الفم بعد خروجه منه، وتهويةندهم إاس واسترواح النفوس، أي بعد أدائه وظيفة تنقية الدم الباعث على الحياة، وإشعال
— 384 —
الحرارة الغريزية التي هي وقود الحياة، ثم يخرج الهواء من الفم ويكونواحد.
نطق الحروف وانطلاقها.. وهكذا تجري وظائفُ كثيرة بأمر كن فيكون.
فبناءً على خاصية الهواء هذه، فإن الحروف التي هي موجودات هوائية كلما اكتسبت قداسةً، أي اتخذت أوضاعَ البقرآن التقاط يصبح لها حظٌّ وافر من تلك الخاصية.
لذا فلكون حروف القرآن، في حُكم العُقد، وحروف المقطعات في حكم المركز لرؤوس تلك المناسبات الخفية، وفي حكم عقَدها وأزرارها الحساسة، يكون وجودُها الهوائِ؛ وَبًا لهذه الخاصية، كما أن وجودَها الذهني، بل وجودُها النقشي أيضًا، لهما حصة من تلك الخاصية.
أي يمكن بقراءة تلك الحروف وبكتابتها كسبُ الشفاء -كالدواء المادي- والحصلكاثرة مقاصد أخرى.
سعيد النورسي
— 385 —
"الكلمات الإلهية"
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
قُل لَو كان البحرُ مِدادًا لكلمات ربّي لَنَفِد البحرُ قبل ان تَنفَدَ كلماتُ ربّي ولو جئنا بمثله مَددًا
(الكهف: ١٠٩)
إنَّ هذه الآية اللطيفة بحرٌ واسع رفيع فإن مفباللآلئ والدرر، ينبغي لكتابة جواهرها النفيسة كتابةُ مجلد ضخم، لذا نعلّقها إلى وقت آخر بمشيئة اللّٰه. ولقد تراءى لي من بعيد شعاعٌ صدر من نكتة من كلُ كل الدقيقة، فلَفتَ نظر فكري إليه بعد أذكار الصلاة التي أعدّها أفضلَ وقت لخطور الحقائق. إلّا أنني لم أتمكن من تسجيل تلك النكتة في حينه، فتباعد ذلك الشعاعُ كلما مرّلحضارين، فنذكر هنا بضعَ كلماتٍ لتخط حوله دوائر لاقتناص جلوة منها قبل أن يغيب كليًا ويتوارى عن الأنظار.
الكلمة الأولى:إنَّ الكلام الأزلي صفة إلهية، كالعلم والقدرة، لذا فهو غيرُ محدد ى -لا تناهٍ، والذي لا نهاية له لا ينفد ولو كان البحر مدادًا له.
الكلمة الثانية:إنَّ أَظهرَ شيء للإشعار بوجود شخص ما هو تكلُّمُه، فهو أَقوى أثرٍ للدلالة عليه؛ إذ سماعُ كلام صادر من شخص ما، يثبت وجودَه إثباتًا يفوق ألف دليل، بل بدرجة الشهود. لا عما هذه الآية تقول بمعناها الإشاري:
— 386 —
لو كان البحر مدادًا لعدّ الكلام الإلهي الدالّ على وجوده سبحانه وتعالى وكانت الأشجار أقلامًا تكتب ذلك العدد، ما نفد كلامُ اللّتقلًا عنى أن ما يدل على الأحد الصمد -دلالة الكلام على المتكلم- لا يعدّ ولا يحصى ولا حدّ له، حتى لو كانت البحار مدادًا له.
الكلمة الثالثة:لما كان القرآن الكريم ي ومن عيع الطبقات البشرية إلى حقائق الإيمان، يكرر ظاهرًا الحقيقة الواحدة بمقتضى تقريرها في القلوب وتثبيتها في أفكار العامة وإقناعهم.
لذا فهذه الآية الكريمة جوابٌ ضمني لأهل العلم وعلماء اليهود من أهل الكتاب في ذلك كن كما على اعتراضهم المُجحف الظالم ظلمًا بيّنًا على أُمية الرسول العظيم (ص) وعلى قلة علمه.
فالآية تقول: إنَّ تكرار المسائل الجليلة التي لكل منها قيمةُ ألف مسألة وتتضمن ألوفًا من الحلك الطكما هي في مسائل الأركان الإيمانية- تكرارًا معجزًا وبأساليب شتى، وإن تكرار حقيقة واحدة وهي تتضمن كثيرًا جدًّا من النتائج من حيث الفوائد المتنوعة، لإقرارها في قلوب النبّر عنة ولاسيما العوام.. هذا التكرار الذي تقتضيه حِكمٌ كثيرة -كالتقرير والإقناع والتحقيق- لا يعدّ حصرًا للكلام ولا هو نابع من قصور الذهن ولا من قلة ال للرحموقصر الباع، بل لو كانت البحارُ مدادًا، وذوو الشعور كتّابًا والنباتات أقلامًا، بل حتى الذرات لو كانت رؤوسَ أقلام وقامت كلُّها بعدّ كلمات الكلام الإلهي الأزلي، ما نفدت أيضًا، لأنَّ كل ما ذُكِر من أمور هي متناهية،لأسبابتُ اللّٰه غير متناهية، وهي منبع القرآن الكريم المتوجه إلى عالم الشهادة من عالم الغيب مخاطبًا الجن والإنس والملائكة والروحانيين، فيرنّ في أسماع كل فرد منهم. ويق الن فهو النازل من خزينة الكلام الإلهي الذي لا ينفد.
الكلمة الرابعة:من المعلوم أنَّ صدور كلامٍ مما لا يُتوقع منه الكلام، يمنح الكلامَ أهمية ويدفع إلى سماعه، ولاسيما الأصداء الشبيهة بالكلام، الصادرة سِكَّتجسام الضخمة كالسحاب وجوّ السماء، فإنها تحمل كلَّ أحدٍ على سماعها باهتمام بالغ، وبخاصة النغمات التي يطلقها جهازٌ ضخم ضخامةَ الجبل فإنها تجلب الأسماع إليها أكثر. ولاسيما الصدى السماوي القرآني الذي
— 387 —
ي وَتَعلراديو- فترنّ به السماوات العلى حتى تسمع هامة الكرة الأرضية برمّتها. فتصبح ذراتُ الهواء بمثابة لاقطات تلك الحروف القرآنية ومراكز بثّها. فتكون الذراتُ بمثابة المرايا العاكسة للأنوار والآذان الصاغية للأصداء، والألسنة الذاكرة للاب "رأنها نهايات إبر لجهاز حاكٍ عظيم تخرج الأصوات.
فالآية تبين رمزًا مدى أهمية الحروف القرآنية ومدى قيمتِها ومزاياها وكونها نابضةً بالحياة، يشٍ بربمعناها الإشاري: إنَّ القرآن الكريم الذي هو كلام اللّٰه، حيٌّ يتدفق بالحيوية، رفيعٌ سام إلى حدّ لا ينفد عدد الأسماع التي تنصت إليه ولا عدد الكلمات المقدسة التي تدخل تلك الأسماع.. لا تنفد تلك الأعداد حتى لووفضلًاالبحار مدادًا والملائكة كتّابًا لها والذرات نقاطًا والنباتات والشعور أقلامًا.
نعم، لا تنفد، لأنَّ اللّٰه سبحانه الذي يُكثر في الهواء عدد ما لا روحَ فيه ولا حياة من كلام الإنسان الضعيف، إلى الملايين فكيف بعددوزة "امة من كلام رب السماوات والأرض الذي لا شريك له والمتوجّه إلى جميع ذوي الشعور في السماوات والأرضين.
الكلمة الخامسة:
عبارة عن حرفين:
الحرف الأول:كما أن لصفة الكلام كلماتٍ، كذلك لصفة القدرة كلماتٌ مجسمة. ولصان يقولم كلماتٌ قَدَرية حكيمة وهي الموجودات ولاسيما الأحياء ولاسيما المخلوقات الصغيرة، فكلٌّ منها كلمةٌ ربانية بحيث تشير إلى المتكلم الأزلي إشارةً أقوى من الكلام. فهذه الآية الكريمة ت22
تقوى هذا المعنى: إنَّ إحصاء عدد تلك المخلوقات لا ينفد حتى لو كانت البحارُ مدادًا له.
الحرف الثاني:إنَّ جميع أنواع الإلهام الآتي إلى الشك أنّ والإنسان وحتى إلى الحيوانات، نوعٌ من كلام إلهي. فلا شك أنَّ كلمات هذا الكلام غير متناهية. فإن الآية الكريمة تخبرنا عن مدى كثرةِ ولا نهائية عدد كلمات الإلهام والأمر الإلهي الذَلِّمُهمه دومًا ما لا يعدّ ولا يحصى من جنود رب السماوات والأرض.
والعلم عند اللّٰه .. ولا يعلم الغيب إلّا اللّٰه
— 388 —
"إنزال الحديد"
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
وأنزلْنا الحديدَ فيه بأسٌ شَديدٌ وَمَنافعُ للودع في(الحديد:٢٥)
جواب مهم جدًّا ومختصر عن سؤال يخصّ هذه الآية الكريمة، طرحَه رجل له أهميته وعلى علم واسع، وألزم به بعضَ العلماء.
سؤال:
يقال:مَ بماالحديد يخرج من الأرض ولا ينیزل من السماء حتى يقال: "أنزلنا". فلِمَ لم يقل القرآن الكريم: "أخرجنا" بدلًا عن "أنزلنا" الذي لا يوافق الواقع ظاهرًا؟
الجواب:إنَّ القرآن الكريم قد قال كلمة " أنزلنا" لأجل التنبيه إلى جهة النعمة ال٣٤٤، ٣التي ينطوي عليها الحديد والتي لها أهميتُها في الحياة. فالقرآن الكريم لا يلفت الأنظار إلى مادة الحديد نفسِها ليقول "أخرجنا" بل يقول "أنزلنا" ل مهتدٍ إلى النعمة العظيمة التي في الحديد وإلى مدى حاجة البشر إليه. وحيث إنَّ جهةَ النعمة لا تخرج من الأسفل إلى الأعلى بل تأتى من خزينة الرحمة، وخزينةُ الرحمة بلا الذباليةٌ وفي مرتبة رفيعة معنًى، فلابد أن النعمة تنیزل من الأعلى إلى الأسفل، وأن مرتبة البشر المحتاج إليها في الأسفل، وأن الإنعامَ هو فوق الحاجة. ولهذا لِمَاتير الحق الصائب لورود النعمة من جهة الرحمة إسعافًا لحاجة البشر هو: "أنزلنا" وليس "أخرجنا".
ولما كان الإخراجُ التدريجي يتم بيد البشر، فإن كلمة "الإخراج" لا يُشعر جهة النعمة ولا يجعلها محسوسةً بأنظار الغ لشيخو
نعم لو كانت مادة الحديد هي المرادة، فالتعبير يكون "الإخراج" باعتبار المكان المادي. ولكن صفات الحديد، والنعمة التي هي المعنى المقصود هنا، معنويتان؛ لذا لا يتوجه هذا المعنى إلى المكان المادي، بل إنوي وارتبة المعنوية.
— 389 —
فالنعمة الآتية من خزينة الرحمة التي هي إحدى تجليات مراتب سمو الرحمن ورفعته غير المتناهية تُرسل من أعلى مقام إلى أسفل مرتبة بلا شك ؛ لذا فالتعبير الحق لهذا هو: "أنزلنا". والقرآن الكريم ينبّه البشر بهوَالأرعبير إلى أن الحديد نعمة إلهية عظيمة. نعم، إنَّ الحديد هو منشأُ جميع الصناعات البشرية ومنبعُ جميع رقيّها ومحور قوتها، فلأجل التذكير بهذه النعمة العظي. فَقر القرآن بكل عظمة وهيبة وفي مقام الامتنان والإنعام قائلًا:
وأنزلْنا الحديدَ فيه بأسٌ شَديدٌ وَمَنافعُ للنّاس
كما يعبّر عن أعظم معجزة لسيدنا دتِهِ ويه السلام بقوله تعالى: وألنّا له الحديد (سبأ:١٠). أي أنه يبين تليين الحديد معجزة عظيمة ونعمة عظيمة لنبي عظيم.
ثانيًا:إن "الأعلى" و "الأسفل"ادة الان نسبيان، فيكون الأعلى والأسفل بالنسبة إلى مركز الكرة الأرضية. حتى إنَّ الذي هو أسفل بالنسبة إلينا هو الأعلى بالنسبة لقارة أمريكا. بمعنى أن المواد الآتية من المركز إلى سطح الأرض تتغيرةُ المُها بالنسبة إلى مَن هم على سطح الأرض.
فالقرآن المعجز البيان يقول بلسان الإعجاز: إنَّ للحديد منافعَ كثيرة وفوائد واسعة، بحيث إنه ليس مادة اعتيادية تخرج من مخزن الأرض التي هي مسكن الإنسان، وليس هو معدنًا فطريًا يستعمل في الحاجات كيفما اتفقبد الرو نعمةٌ عظيمة أنزلَها خالق الكون بصفته المهيبة "رب السماوات والأرض" أنزلها من خزينة الرحمة وهيأها في المصنع العظيم للكون، ليكون مدارًا لحاجات سكنة الأرض. فعبّر عنه بالإنزال قائلًا وأنزلْنا الحديدَ لأجل بيان المنافع الله من لتي ينطوي عليها الحديد وفوائده الشاملة، كما للحركة والحرارة والضياء الآتي من السماء فوائد. تلك التي ترسل من مصنع الكون. فالحديد لا يخرج من المخازن الضيقة لكرة الأرض، بل هو في خزينة الرحمة التي هي في قصر قذارةُالعظيم ثم أُرسل إلى الأرض ووضع في مخزنها كيما يمكن استخراجه من ذلك المخزن حسب حاجة العصور تدريجيًا.
فلا يريد القرآن الكريم أن يبين استخراج الحديد هذا تدريجيًا من هذا المخزن الصغير، الأ كونه يريد أن يبين أن تلك النعمة العظمى قد أنزلت من الخزينة الكبرى للكون مع كرة الأرض، وذلك لإظهار أن الحديد أكثر ضرورة لخزينة الأرض. بحيث إن الخالق الجليل عندما فصل الأرضَ عن الشمس أنزل معها الحديد ليحقق أكثر حاجات البشر ويضمنها.
— 390 —
فاستاذ حالحكيم يقول بإعجاز، ما معناه: أنجزوا بهذا الحديد أعمالكم واسعوا للاستفادة منه بإخراجه من باطن الأرض.
وهذه الآية الجليلة تبين نوعين من النعم التي هي محور لدفع الأعداء وجلب المنافع. ولقد شوهد تحقق منافع الحديد المهمة للبشرية قبل نزولذ -كالن، إلّا أن القرآن يبين أن الحديد سيكون في المستقبل في صور تحيّر العقول سيرًا في البحر والهواء والأرض حتى إنه يسخّر الأرض ويظهر قوة خارقة تهدد بالموت، وذلك بقوله تعالى: فيه بأسٌ شَديدٌ مُظهرًا لمعة إعجاز في إخبار غيبي.
* * *
عنُ الحيرق البحث عن النكتة السابقة انفتح الكلامُ حول هدهد سليمان. فيسأل أحدُ إخواننا الذي يلح في السؤال: (٭): هو "رأفت"؛ الغيور في طرح الأسئلة والمتكاسل في كتابة اللى الم (المؤلف). إن الهدهد يصف الخالق الكريم سبحانه بقوله:
يخرج الخبء في السمیوات والارض
(النمل:٢٥) فما سبب ذكره في هذا المقام الجليل هذا الوصف الرقيق بالنسبة إلى الأوصاف الجليلة؟.
الجواب:ا. وقوحدى مزايا الكلام البليغ هو أن يُشعر الكلامُ صنعةَ المتكلم التي ينشغل بها. فهدهد سليمان الذي يمثل عريف الطيور والحيوانات كالبدوي العار<9Oلذي يكشف بالفراسة الشبيهة بالكرامة مواضع الماء الخفية في صحراء جزيرة العرب الشحيحة بالماء. فهو طيرٌ أغلب فمأمور بإيجاد الماء ويعمل عمل المهندس لدى سيدنا سليمان عليه السلام، فلذلك يُثبت بمقياسِ صنعتِه الدقيقة، كونَ اللّٰه معبودًا ومسجودًا له، بإخراجه سبحانه ما خبئ في السماوات والأرض، فيعرّف إثباته هذا بصنعته الدقيقة.
ألا مأكثر. َ رؤيةَ الهدهد! إذ ليس من مقتضى فطرة ما تحت التراب من المعادن والنوى والبذور التي لا تحصى، أن تخرج من الأسفل إلى الأعلى. لأنَّ الأجسام الثقيلة التي لا روح لها ولا اختيار لا تصعد بنفسها إلى الأعلى، وإنما تسقط من الأعلى إلى الأسفل.يافَاتج جسم مخفي تحت التراب، من الأسفل إلى الأعلى ونفض التراب الثقيل الجسيم من على كاهله الجامد لابد أن يكون بقدرة خارقة لا بذاته. فأدرك الهدهد أخفى براهين كون اللّٰه تعالى معبودًا ومسجودًا له وكشفَها بعارفيته ووجامية ب تلك البراهين بصنعته، والقرآن الحكيم منح إعجازًا بالتعبير عنه.
— 391 —
"إنزال الأنعام"
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
وَأنزلَ لكُم مِن الأنعامِ ثمانيةَ أزواجٍ يَخْلُقُكُم في بُطونِ اُمَحِيمُِم خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلقٍ في ظُلُماتٍ ثَلیییث
(الزمر:٦)
إنَّ هذه الآية الكريمة تتضمن النكتة نفسها التي بينّاها في الآية الكريمة: وأنزلْن، وقد يدَ فهي تؤيدها وتتأيد بها في الوقت نفسه.
نعم، إنَّ القرآن الكريم يقول في سورة الزمر:
وَأنزلَ لكُم مِن الأنعامِ ثمانيةَ أزواجٍ
ولا يقول: "وخلق لكم من الأنعام ثمانية أزواج" وذلك ل فمدّ بأن ثمانية أزواج من الحيوانات المباركة قد أُنزلت لكم وأُرسلت إليكم من خزينة الرحمة الإلهية وكأنها مرسلةٌ من الجنة، لأن تلك الحيوانات المباركة نعمةٌ بجميع جهاتها للبشرية كافة. فمن أشعارها وأوبارها يستفيد نِعْم في حلّهم وترحالهم، ومنها تُنسج الملابس، ومن لحومها تهيأ ألذّ المأكولات، ومن ألبانها تستخرج أطيب الأطعمة، ومن جلودها تصنع الأحذية والنعال وغيرها من المواد النافعة، حتى إن روثَها يكون رزقًا للنباتات ووقودًا للإنسان. فكأن تشبه حيوانات المباركة قد تجسّمت وأصبحت النعمةَ بعينها والرحمة بنفسها. ولهذا أُطلق عليها اسم "الأنعام" مثلما أطلق على المطر اسم "الرحمة". فكأن الرحمةَ قد تجسمت مطرًا والنعمةَ تجسدت في صور شتى من أشكال المعزى والضأن والبقر والجاموس والإبكل شيءى الرغم من أن موادها الجسمانية تُخلق في الأرض، فإن صفة النعمة ومعنى الرحمة قد غلبتا واستحوذتا على مادتها، فعبّر القرآن عنها بی"أنزل" الذي يفيد: أن الخالق قد أنزل هذه الحيوانات المباركة من خزينة الرحمة مباشرة، أي أنَّ الخالق الرحيم قد أرسٰه سبح مرتبة رحمته الرفيعة، ومن جنته المعنوية العالية، هديةً إلى وجه الأرض بلا وساطة.
— 392 —
نعم، تُدرج أحيانًا صنعةٌ تقدّر بخمس ليرات في مادة لا تساوي خمسةَ قروش، فلا تؤخذ مادةُ الشيء بنظر الاعتبار، بل تُعطى الأهمية ل من شدالموجودة عليها، كالصنعة الربانية العظيمة الموجودة في الجرم الصغير للذباب. وأحيانًا تكون صنعةٌ زهيدة في مادة ثمينة، فالحُكم عندئذٍ للمادة.
على غرار هذا المثال: فإن مادة جسمانية قد تحمل من معاني الراف، بلعاني النعمة الكثيرة بحيث تفوق مائةَ مرة في الأهمية على مادتها. حتى لكأن مادةَ ذلك الشيء تختفي وتنیزوي أمامَ عِظَم أهمية النعمة والرحمة، لذا فالحُكم هنا يتوجه إلى حيث العفن، و وكما تُخفي المنافعُ العظيمة للحديد وفوائدُه الكثيرة مادتَه المادية، فإن النعمة الموجودة في كل جزء من أجزاء هذه الحيوانات المباركة المذكورة كأنه بل يسلبت مادتها الجسمانية إلى نعمة، فأُخذت صفاتها المعنوية بنظر الاعتبار دون مادتها الجسمانية. لذا عُبِّرَ عنها في الآية الكريمة "وأنزل ... وأنزلنا".
نعم، إن عباءٌ إلهنزل.. وأنزلنا" كما تفيد النكات السابقة من حيث الحقيقة فإنها تفيد أيضًا معنًى بلاغيّا مهمًا إفادة معجزة. وذلك: أنَّ منحَ الحديد خواصَّ مميزمى يذكوده في كل مكان، وسهولة تليينه كالعجين، نعمةٌ إلهية. حيث يمكن الحصول عليه واستعماله في كل عمل رغم صلابته واختفائه ووجوده في الأعماق فطرةً، لذا فإن التعبير بی وأنزلْنا الحديدَ إنما يبين هذا المعالشيء كأنَّ الحديد نعمةٌ من النعم الفطرية السماوية التي يمكن الحصول عليها بيُسر، وكأن مادة الحديد تنیزل من مصنع علوي رفيع وتسلَّم بيد الإنسان بسهولة.
وكذلك الحيوانات الضخمة كالبقر والجاموس والإبل وغيرها من المخلوقات الجسيّنا الخّرةٌ وذليلة ومطيعة ومنقادة حتى لصبي صغير، إذ تسلّم قيادها له وتطيعه. لذا فالتعبير بی وَأنزلَ لكُم مِن الأنعامِ يفيد أن هذه الحيوانات المباركة ليست حيوانات دنيوية يُستوحَش منها وتلحق بنا الضرر كالبعوض والحية َ الكوب والذئب والسبع وما شابهها من الضواري المفترسة، بل كأنها حيوانات آتية من جنة معنوية، لها منافع جليلة، ولا يأتي منها ضرر، بل كأنها تنیزل من الأعلى ، أي من خزينة الرحمة. لهن، ولعل المقصود من قول بعض المفسرين: إن هذه الحيوانات قد أُنزلت من الجنة ناشئ من هذا المعنى المذكور.
(٭): لقد قال بعض المفسرين : إن مبادئ هذه الحيوانات قد أتت من السماوات. ومرادهم في ذلك: أن بقاءل الذيلحيوانات المسماة بالأنعام، إنما هو بالرزق، وأن أرزاقها هي الأعشاب والنباتات، ورزق الأعشاب آت من المطر، والمطر باعث على الحياة ورحمة نازلة من السمن، الالرزق آت من السماوات. والآية الكريمة (وفي السماء رزقكم) (الذاريات:٢٢) تشير إلى هذا المعنى. إذ لما كانت إدامة أجسام الحيوانات المتجددة هي بالمطر النازل من السماوات، فإن التعبير بی "أنزلنا"بِي كَ موضعه اللائق (المؤلف).
إن كتابة صحيفة كاملة حول إيضاح ما في حرف واحد من القرآن الكريم من مسائل ونكات لا تعدّ إطنابًا، فليس إذن من الإسراف في شيء كُظهر ا ثلاث صفحات لبيان نكات العبارة القرآنية "أنزلنا". بل قد يكون أحيانًا حرف واحد من القرآن الكريم مفتاحًا لخزينة معنوية عظيمة.
* * *
"دستور"
إنَّ طلاب النور لا يتحرَّون عن نورٍ خارج دائرة "رسائل النور"، وما ينبغي لهم.ند ضوءحرّى أحدٌ منهم فلا يجد إلّا مصباحًا بدلًا من شمس معنوية تضيء من نافذة "رسائل النور"، بل قد يفقد الشمس.
ثم إنَّ ما في دائرة "رسائل النور" من مشرب الخلة ومسلك الة، حتىهذا المشرب الخالص والمسلك القوي الذي يُكسب الفردَ الواحد أرواحًا كثيرة ويُظهر سرًا من أسرار الأخوة التي ورثها الصحابةُ الكرام من نور النوَصَفوذا المشرب لا يدع حاجةً إلى البحث عن المرشد الوالد في الخارج -مع إضرارٍ به بثلاث جهات- بل يوجِد له بدلًا من الوالد المرشد الواحد، إخوانًا كبارًا كثيرين. فلا "السلاَ ما تسبغه أنواعُ الشفقة النابعة من قلوب إخوة كبار، يسقط من القيمة شفقة الوالد الواحد.
نعم، إنَّ الذي اتخذ لنفسه شيخًا قبل دخوله الدائرة يمكنه أن يحافظ على رابطته بشيخه ومرشده ضمن الدائرة أيضًا، ولكن مَنْ لم يكن له شيخ بعد مُلكِل في الدائرة، ليس له أن يتخذ شيخًا إلّا ضمن الدائرة.
— 393 —
ن يقال: "الآلاء على اللّٰه شهيدة" ولكن عدل عن ذلك إلى اللفظ المذكر "شهيد" ليدل على أن كل فرد يشهد بذلك. ولو قيل: "شهيدة" لأفاد معنى الجماعة. ويقال: "الربوبية على اللّٰه شهيد" مثلًا: لأن المراد من الربوبية هو: أن أنواع التربية والتدبير التلأمر لها اللّٰه بربويته، تشهد بذلك، إذ الربوبية نفسها لا تشاهَد، بينما تشاهَد أنواع التربية والتدبير التي هي آثارها. فقيل: "شهيد" ليجعل الأشياء المشهودة شهودًا. فلو قيل "شهيدة" لقيقة تجعًا إلى الربوبية نفسها.
وكذلك النكتة في الآية الكريمة (ان رحمت اللّٰه قريب من المحسنين) (الأعراف:٥٦) فمع أن الرحمة مؤنثة لم يُعبَّر عنها بی الحيا" وإنما عُبّر بی"قريب" لأن المراد: ليس إفادة قرب تلك الرحمة العالية الكلية التي هي كالشمس فحسب، بل إفادة قرب الإحسانات الخاصة أيضًا والتي هي بمثابة أشعة تلك الشمس. فيُرى لكل محسلأوردةانًا قريبًا. ولفظ "الإحسان" مذكر. فمن حقه إذن أن يُخبَر عنه بی"قريب". كما أنَّ الآية لم تقلْ قريبة بل قالت قريب لكي تفيد أنَّ اللّٰه قريب من المحسنين برحمته. (المؤلف).
وَأصبَحَ المُلكُ للّٰه شَهيدٌ. أي تنرِيَاءُ عَلى اللّٰه دَليلٌ
وَالعَظَمَةُ للّٰه شَهيدٌ. وَالهَيبَةُ عَلى اللّٰه دَليلٌ
وَالقُوَةُ للّٰه شَهيدٌ. وَالقُدرَةُ عَلى اللّٰه دَرَةَ م وَالآلاءُ للّٰه شَهيدٌ
(٭): في أمثال هذا كان ينبغي أن يقال "شهيدة" غير أنه استعمل اللفظ المذكر للنكتة المذكورة في كلمة "قريب" بدل "قريبة" في قوله تعالى (ان رحمت اللّٰه قريب من المحسنين) . ولئن جاء في بعض الأماكن نعم، إلّا انه ورد بلفظ "شهيد" المذكر لأن المراد كل واحد. (المؤلف).
وَالإنعامُ الدَّائِمُ عَلى اللّٰه دَليلٌ
وَالبَهَاءُ للّٰه شَهيدٌ. وَالجَمَالُ السَّرمَدُ عَلى اللّٰه دَليلٌ
وَالجَلالُ للّٰ
لندٌ. وَالكَمالُ عَلى اللّٰه دَليلٌ
وَالعَظَمُوتُ للّٰه شَهيدٌ. وَالجَبَروتُ عَلى اللّٰه دَليلٌ
وَالرُّبُوبيَّةُ للّٰه شَهيدٌ. وَالأُلُوهيَّةُ المُطلَقَةُ عَلى اللّٰه دَليلٌ
وَالسَّلْطَنَةُ للّٰه شَهيدٌ. وَجُنُودُ السَّماواتِ الِهَاضِ عَلى اللّٰه دَليلٌ
— 394 —
ثم إنَّ ما في درس "رسائل النور" للحقائق من علم الحقيقة الذي يمنح فيضَ الولاية الكبرى النابعة من سر الوراثة النبوية، لا يدع حاجن الأدالانتماء إلى الطرق الصوفية خارجَ الدائرة، إلّا من فهم الطريقة على غير وجهها وكأنها رؤًى جميلة وخيالات وأنوار وأذواق، ويرغب في الحصول على أذواات السيا وهوساتها مما سوى فضائل الآخرة، ويطلب مقام المرجعية كعبَدة النفس.
إنَّ هذه الدنيا دارُ حكمة. والأجر والثواب فيها على قدر المشقات والتكاليف، وهي ليست لي بالكافأة وجزاء. ولهذا لا يهتم أهلُ الحقيقة بالأذواق والأنوار التي في الكشف والكرامات، بل قد يفرّون منها ويريدون سترها.
ثم إنَّ دائرة "رسائل النور" دائعَنْ قسعة جدًّا، وطلابها كثيرون جدًّا، فلا تعاقب الذين يهربون منها، ولا تهتم بهم. وربما لا تدخلهم ضمن دائرتها مرة أخرى. لأنَّ الإنسان يملك قلبًا واحدًا والقلبا عُرفد لا يمكن أن يكون في داخل الدائرة وخارجها معًا.
ثم إنَّ الراغبين في إرشاد الآخرين ممن هم خارج دائرة النور، عليهم ألّا ينشغلوا بطلاب النورشيء ينحتمال خسرانهم بثلاث جهات وارد. فالطلاب الذين هم في دائرة التقوى ليسوا بحاجة إلى الإرشاد، علمًا أن في الخارج الكثيرين من تاركي الصلاة، فتركُ أولئك والانشغالب الذواء المتقين ليس من الإرشاد في شيء. فإن كان ممن يحب هؤلاء الطلاب فليدخل أولًا ضمن الدائرة، وليكن لهم أخًا، وإن كان ذا مزايا وفضائل فليكن لهم أخًا كبيرًا.
ولقد تبيّن في هذه الحادثة أن للانتسل ذي
# "رسائل النور" أهميةً عظيمة وثمنًا غاليًا جدًّا، فالراشد الذي بذل هذه التضحيات وجاهد الإلحاد باسم العالم الإسلامي، لا يترك هذا المسلك الذي هو أثمنُ من الألماس ولا يستطيع أن يدخل مسالك أخرى غيره.
سعيد النورسي
ا عن ا *
— 395 —
"فقرة"
كتبت في سجن "أسكي شهر"
إخوتي!
لقد دافعتُ دفاعات عديدة عن طلاب النور بما يليق بهم من دفاع، وسأقولها بإذن اللّٰه في المحكمة وبأعلى صوتي، وسأُسمع صوتَ "رسائل النور" ومالزاويطلابها إلى الدنيا بأسرها. إلّا أنني أنبهكم إلى ما يأتي:
إنَّ شرط الحفاظ على ما في دفاعي من قيمة، هو عدم هجر "رسائل النور" بمضايقات هذه الحادثة طْلَقٍِها، وعدم استياء الأخ من أستاذه، وعدم النفور من إخوانه مما يسببه الضيقُ والضجر، وعدم تتبع عورات الآخرين وتقصيراتهم.
إنكم تذكرون ما أثبتناه في رسالة لقرآن إنَّ في الظلم النازل بالإنسان جهتين وحكمين.
الجهة الأولى:للإنسان.
والأخرى:للقدر الإلهي.
ففي الحادثة الواحدة يظلم الإنسانُ فيما يعدلُ القدَر وهو العادل.
فعلينما هونفكر -في قضيتنا هذه- في عدالة القدر الإلهي والحكمة الإلهية أكثر مما نفكر في ظلم الإنسان.
نعم، إنَّ القدر قد دعا طلاب النور إلى هذا المجلس. وإن حكمة ظهور الجهِياتِ عنوي قد ساقتهم إلى هذه المدرسة اليوسفية التي هي حقًا ضجرة وخانقة، فصار ظلمُ الإنسان وسيلة لذلك.
ولهذا، إياكم أن يقول بعضكم لبعض: "لو لم تفعل كذا لمانظَرَ لتُ".
سعيد النورسي
* * *
— 396 —
"شرف الرسائل الرفيع"
إخواني !
لقد أُخطر إلى قلبي: كما أنَّ "المثنوي الرومي" قد أصبح مرآةً لحقيقة واحدة من الحقائق السبع المُفاضة من نور شمس القرآن الكريم، فاكتسب منیزلةًْقَاتِ وشرفًا رفيعًا حتى أصبح مرشدًا خالدًا لكثير من أهل القلب فضلًا عن المولويين. كذلك "رسائل النور" ستنال بإذن اللّٰه شرفًا رفيعًا ساميًا بسبع جهات، وستكون لدى أهل الحقيقة بمثل مرَّاتِ الدة رائدة باقية بسبعة أضعاف "المثنوي الرومي". لأنها تمثّل الأنوار السبعة لنور شمس القرآن الكريم والألوان السبعة المتنوعة في ضيائها، تمثلها دفعةً واحدة في مرآتها.
سعيد النورسي
* * بيان "لطمة رحمة"
إخوتي!
لقد أدركت أنَّ التي نزلت بنا -مع الأسف- هي لطمةُ رحمة. أدركتُها منذ حوالي ثلاثة أيام وبقناعة تامة. حتى إنني فهمت إشارةً من الإشارات الكثيرة للآية الكريمة الواردة بحلُ الحصين للّٰه، فهمتُها كأنها متوجهةٌ إلينا. وتلك الآية الكريمة هي:
فلما نسوا ما ذكّروا به.... اخذناهم
[٭]: نص الآية الكريمة: (فلما نسوا ما ذكّروا به فتحنا عليهم ابفيقِكَ شيء حتى اذا فرحوا بما اوتوا أخذناهم بغتة فاذا هم مبلسون) (الأنعام:٤٤).
أي لمّا نسيَ الذين ذُكّروا بالنصائح، ولم يعملوا بمقتضاها .. أخذناهم بالمصيبة والبلاء.
نعم، لقد كُتّبنا [٭]: يقول "النورسي" كُتبنا بالبناء للمجهول ولم يققهم، ونا" للمعلوم وكأنه يشير بذلك إلى أن رسالة "الإخلاص" إنْ هي إلا فيوضات قرآنية أُمليتْ عليه، ومن هنا تأتي أهميتها. مؤخرًا رسالةٌ تخصّ سرَّ الإخلاص، وكانت حقًا رسالة رفيعة ساميسم الفتورًا أَخويًا نورانيًا، بحيث إن الحوادث والمصائب التي لا يمكن الصمودُ تجاهها إلّا بعشرة
— 397 —
آلاف شخص ، يمكن مقاومتُها -بسر ذلك الإخلاص- بعشرة أشخاص فقط.مٌ للصأقولها آسفًا: إننا لم نستطع وفي المقدمة أنا، أن نعملَ بموجب ذلك التنبيه المعنوي، فأخذتْنا هذه الآية الكريمة -بمعناها الإشاري- فابتليَ قسمٌ منا بلطمةِ تأديب ورحمة، بينما لم تكن لطمةَ تأديب لقق الحس بل مدارُ سلوان للمبتلين، وليكسبوا بها لأنفسهم الثواب.
نعم، إنني لكوني ممنوعًا عن الاختلاط منذ ثلاثة شهور لم أستطع أن أطلع على أحوال إخواني إلّا منذ ثلاالعلم م، فلقد صدر -ما لا يخطر ببالي قط- ممن كنتُ أحسبهم من أخلص إخواني أعمالٌ منافية لسر الإخلاص. ففهمتُ من ذلك أن معنًى إشاريّا للآية الكريمة : فلما نسوا ما ذكّروا به.... اخذناهم اُعتقه إلينا من بعيد.
إنَّ هذه الآية الكريمة التي نزلت بحق أهل الضلال مبعثَ عذاب لهم، هي لطمةُ رحمة وتأديب لنا؛ لتربية النفوس وتكفير الذنوب وتزييد الدرجات. والدليل على أننا لم نقدر قيمةَ ما نملك من نعمة إلهية حقّاشرةً ا هو: أننا لم نقنع بخدمتنا القدسية برسائل النور المتضمنة لأقدس جهاد معنوي، ونالت الولاية الكبرى بفيض الوراثة النبوية وهى مدار سرّ المشرب الذي تحلى به الصحابة الكرام. وأن الشغفرُعٌ إق الصوفية التي نفعُها قليل لنا في الوقت الحاضر، واحتمال إلحاقها الضررَ بوضعنا الحالي ممكن، قد سُدّ أمامَه بتنبيهي الشديد عليه.. وإلّا لأفسدَ ذلك الهوى وحدتَنا، وأدّى إلى تشتت الأفكار الذي ينصل من مة الترابط والتساند من ألف ومائة وأحد عشر الناشئة من اتحاد أربعة آحاد، ينیزلها إلى قيمة أربعة فحسب، وأدّى إلى تنافر القلوب الذي يبدّد قوتنا إزاء هذه الحادثة الثقيلة ويجعلها أثرًا بعد عين.
أورد الشد على ي الشيرازي صاحب كتاب "كلستان" ما مضمونه:
"لقد رأيت أحد المتقين من أهل القلب في زاوية "التكية" يزاول السير والسلوك، ولكن بعد مُضِيِّ بضعة أيام شاهدتُه في المدرسة بين طلاب العلوم الشرعية، فسألته: لِمَ تركت الزاوية التي تفيض وَتَعر وأتيت إلى هذه المدرسة؟ قال: هؤلاء النجباء ذوو الهمم العالية يسعون لإنقاذ الآخرين مع إنقاذهم لأنفسهم بينما أولئك يسعون لإنقاذ أنفسهم وحدَها إن وفّقوا لها. فالنجابة وعلو الهمة لدى هؤلاذن والضيلة والهمة عندهم، ولأجل هذا جئت إلى هنا". هكذا سجل الشيخ سعدي خلاصة هذه الحادثة في كتابه "كلستان".
— 398 —
فلئن رُجّحت المسائل البسيطة للنحو والصرف التي يقرؤها الطلاب مثل:" نَصَرَ الرَّ، نصَرُوا.." على الأوراد التي تُذكر في الزوايا، فكيف برسائل النور الحاوية على الحقائق الإيمانية المقدسة في "آمنت باللّٰه وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر". ففي الوقت الذي ترشد "رسائل النور" إلى تلك الحقائق بأوضح صورة وأكثرِها قطعية وثبو الآن ى لأعتى المعاندين المكابرين من الزنادقة وأشد الفلاسفة تمردًا، وتلزمهم الحجة، كم يكون على خطأ من يترك هذه السبيل أو يعطلها أو لا يقنع بها ويدخل الزوايا المغلقة دون استئذانٍ من ان اسم تبعًا لهواه! ويبين في الوقت نفسه مدى كوننا مستحقين لهذه الصفعة، صفعة الرحمة والتأديب.
سعيد النورسى
* * *
"تنبيه"
حكايتان صغيرتان
الحكاية الأولى:عندما كنت أسيرًا في شمالي روسيا قبل خمسة عشر عاما [٭]: المقصود س أوقَع٦م. في قاعة مصنع كبير، مع تسعين من ضباطنا، كانت المناقشات تحتد والأصوات تتعالى نتيجة الضجر وضيق المكان. وكنت أهدّئهم حيث كانوا جميعًا يحترمونني. ثم عينتُ خمسًا من الضباط لإقرار الهدوء وقلت لهم: بالذاتعتم الضوضاء في أية ناحية أسرعوا إليها، وعاونوا الجهة غير المحقة. وحقًا لقد انتهت الضوضاء نتيجة هذا العمل. فسألوني: لِمَ قلت: عاونوا غير المُحق؟ وقد أجبتهم حينها: إنَّ غير المحق، هو غيائل في، لا يدع درهمًا من راحته لأربعين درهمًا من راحة الجميع. أما المحق فيكون ذا أنصاف يضحي براحته التي تعدل درهمًا، لراحة صديقه التي تعدل أربعين درهمًا. ونة، كمه عن راحته هذه، تسكن الضوضاءُ وينتهي الصخب ويعم الهدوء. فيرتاح الضباط التسعون الساكنون في هذه القاعة. ولكن إذا مدّ المحقّ بقوة يزداد الصخب انت هذففي مثل هذه الحياة الاجتماعية تؤخذ المصلحة العامة بنظر الاعتبار.
فيا إخوتي لا يستاء بعضُكم من بعض قائلًا: إن أخي هذا لم ينصفني أو أجحف من أح.
— 399 —
فهذا خطأ جسيم في هذه الحياة وفي اجتماعنا هذا. فلئن أضرّك صاحبُك بدرهم من الضرر، فإنك باستيائك منه وهجرك إياه تلحق أربعين درهمًا من الأضرار. بل يحتمل إلحاق أربعين ليرة من الأضرار برسائللثالث:. ولكن وللّٰه الحمد فإن دفاعاتنا الحقة القوية والصائبة جدًّا قد حالت دون أخذ أصدقائنا إلى الاستجواب وأخذ إفادتهم المكررة، فانقطع دابر الفساد. وإلّا لكان الاستياء الذي وقع بين الإخوة يلحق بنا أضرارًا جسيمة. كسقوط قشة في العين أو سرية منارة في البارود.
الحكاية الثانية:كان لعجوز ثمانيةُ أبناء. أعطت لكل منهم رغيفًا دون أن تستبقي لها شيئًا. ثم أرجعَ كلٌّ منهم نصفَ رغيفه إليها. فأصبح لديها أرخِيرِكغفة، بينما لدى كل منهم نصف رغيف.
إخوتي إنني أشعر في نفسي بنصف ما يتألم به كلٌّ منكم من آلام معنوية وأنتم تبلغون الأربعين، إنني لا أبالي بآلامي الشخصية. ولكن اضطررت يومًا فقلت: "أهذا عقاب لخطئي وأذي صنعبه"- فتحرّيت عن الحالات السابقة. فشاهدت أنه ليس لدي شيء من تهييج هذه المصيبة وإثارتها، بل كنت أتخذ منتهى الحذر لأتجنّبها.
بمعنى أن هذه المصيبة قضاتِ السي نازل بنا.. فلقد دُبّرت ضدّنا منذ سنة من قبَل المفسدين فما كان بطوقنا تجنُّیبُها، فلقد حمّلونا تبعاتها فلا مناص لنا مهما كنا نفعل. فلله الحمد والمنة أن هوّنَفَادَةة المصيبة من المائة إلى الواحد.
بناءً على هذه الحقيقة: فلا تمنّوا عليّ بقولكم: إننا نعاقَب بهذه المصيبة من جرائك. بل سامحوني وادعوا لي. ولا ينتقدنّ بعضُكم بعضًا. ولا تقولوا: لو لم تفعل كذا لما حدث كذا.. فمثلًا إن اعتراف أحد ُه من ا عن عدد من أصحاب التواقيع (على الرسائل) أنقذ الكثيرين. فهوّن من شأن الخطة المرسومة في أذهان المفسدين الذين يستعظمون القضية. فليس في هذا ضرر، بل فيه نفع عام عظيم. لأنها أمعان، سيلة لإنقاذ الكثيرين من الأبرياء.
سعيد النورسي
— 400 —
"نكتتان"
الفقرات التالية عبارة عن نكتتين:
الأولى:تخص الأخلاق، كتبت لمناسبة ظهور حالات غير مريحة في سجن "أسكي شهر" وسيلةء انقباض النفوس.
الثانية:نكتة لطيفة لآية كريمة لطيفة مشهورة إلّا أنها ظلت مستورة.
النكتة الأولى:إنَّ من كمال كرم اللّٰه سبحانه وسعة رحمته وطلاقة عدالته أن أدرج ثوابًا ضمن أعمال اتناد.
أخفى عقابًا معجلًا في أعمال الفساد والسيئات. فقد أدرج طي الحسنات لذائذَ وجدانية معنوية بما يذكّر بنعَم الآخرة، وأدرج في ثنايا السيئات أعذبةً معنوية بما يحسس بعذاب الآخرة الأليم.
فمثلًا:إن إفشاء المحبة والسلام في صفوف ءً، أيين، إنما هو حسنةٌ كريمة للمؤمن، فله ضمن هذه الحسنة لذة معنوية وذوق وجداني وانشراح قلبي ممَّا يذكّر بثواب الآخرة المادي. ومن يتفقد قلبَه يشعر بهذا الذوق.
ومثلًا:إنَّ بث الخصومةِ والعداء، وسأللمؤمنين إنما هو سيئةٌ قبيحة. فهذه السيئة تنطوي على عذاب وجداني وأيّ عذاب، بحيث يأخذ بخناق القلب والروح معًا، فكل من يملك روحًا حساسةً وهمة عالية يشعر بهذا العذاب.
ولقد مررتُ بنفسي -طوال حياتي- بأكثر من مائة تجربة على هذا النوع من السيَائِي كنت كلما حملتُ عداءً على أخ مؤمن تجرعتُ عذاب تلك العداوة، حتى لم يبق لي ريب من أن هذا العذاب إنما هو عقاب معجّل لسيئتي التي ارتكبتُها. فأُعاقب عليها وأُعذب بها.
— 401 —
ومثلًا:إن توقير الجديرين بالاحترام والتوقير وإبداء العطف والرحمة لمن يالثلاثا عملٌ صالح وحسنة للمؤمن. ففي هذه الحسنة تكمن لذةٌ عظيمة ومتعة وجدانية إلى حدٍّ قد تسوق صاحبَها إلى التضحية حتى بحياته. فإن شئت فانظر إلى اللذة التم التيها الوالدات من بذل شفقتهن لأولادهن، حتى إن الوالدة تمضي في سبيل تلك الرأفة والشفقة إلى الجود بنفسها. بل ترى هذه الحقيقة واضحة حتى في عالم الحيوان، فالدجاجة تهاجم الأسد دفاعًا عن فراخها.
إذن ففي الاحترام والرأفة أجرةٌ معجلة. يشعرنه يخصاللذة أولئك الذين يملكون أرواحًا عالية ونفوسًا أبيّة شهمة.
ومثلًا:إنَّ في الحرص والإسراف عقوبةً معنوية معجلة وجزاءً قلبيًا، إذ يجعل صاحبه ثملًا من كثرة الشكوى والقلق، فترى العقوبةَ نفسها بل أشد منها فيمكن أن والتنافس والغيرة، حتى إن الحسد يحرق صاحبَه قبل غيره. وتنقلب الآية في التوكل والقناعة إذ فيهما ثواب وأيّ ثواب بحيث إنه يزيل آثار المصائب وأوضار الفاقة والحاجة.
ومثلًا:إنَّ الغرور والتكبر حملٌ ثقيل مقيت على كاهل الإنسان، حيث إنه يتعذب !".
ته استثقال الآخرين له في الوقت الذي ينتظر منهم احترامَه.
نعم، إن الاحترام والطاعة توهب ولا تطلب.
ومثلًا:إنَّ في التواضع وترك الغرور والكبر لذةً عاجلة ومكافأة آنية يخلص المتواضعَ من عبء ثقيل وهو التصنع والرياء.
ومٍ أعظمنَّ في سوء الظن وسوء التأويل جزاءً معجلًا في هذه الدنيا. حتى غدت "مَن دقّ دُقّ" قاعدة مطّردة. فالذي يسيء الظَّنَّ بالناس يتعرض حتمًا لسوء ظنهم. والذي يؤول تصرفات إخوانه المؤتعة الأويلًا سيئًا، لا محالة سيتعرض للجزاء نفسه في وقت قريب.
وهكذا فقس على هذا المنوال جميعَ الخصال الحسنة والذميمة.
نسأل اللّٰه الرحيم أن يرزق الذين يتذوقون طعوم الإعجاز القرآني المعنوي المنبعث من "رسائل النور" في زماننا هة هذا َ تلك اللذائذ المعنوية المذكورة، فلا تقرب إليهم بإذن اللّٰه الأخلاق الذميمة.
— 402 —
النكتة الثانية:
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
وَمَ
القْتُ الجنَّ والإنْسَ اِلّا لِيَعْبُدون ٭ ما اُريد منهم مِن رزقٍ وما اُريد أن يُطْعِمون ٭ إنّ اللّٰه هُو الرزّاقُ ذُو القُوّةِ المتينِ
(الذارياتللّٰه ٨)
إنَّ ظاهر معنى هذه الآية الكريمة على ما جاء في أغلب التفاسير لا يبين الأسلوب الرفيع المنسجم مع بلاغة القرآن المعجزة، لذا كان يشغل فكري في كثير من الأحيان. فنبين ثلاثة أوجه إجمالًا، من بين المعاني الجميلة اوتتشتت التي وردت من فيض القرآن الكريم.
الوجه الأول:إنَّ اللّٰه سبحانه يسند أحيانًا إلى نفسه ما يمكن أن يعود إلى رسوله الكريم (ص) من حالات، وذلك تكريمًا له وتشريفًا. فها هنا كذلك، إذ المعنى المراد من الآية الافتراقالمتصدرة، لابد أن يكون الإطعام والإرزاق الذي يعود إلى الرسول (ص)، أي إنَّ رسولي في أدائه مهمة الرسالة وتبليغه العبودية للّٰه، لا يريد منكم أجرًا ولا أجرة ولا جزاءً ولا إطعامًا.. وإلّا إن لم يكن المراد هذا المعنى لك إدارةامًا لمعلوم في منتهى البداهة، مما لا ينسجم وبلاغة القرآن المعجزة.
الوجه الثاني:الإنسان مُغرمٌ بالرزق كثيرًا، ويتوهم أن السعي إلى الرزق يمنعه عن العبودية، فلأجل دفع هذا التوضار مهكي لا يُتخَذ ذريعةً لترك العبادة تقول الآية الكريمة:
وَمَا خَلَقْتُ الجنَّ والإنْسَ اِلّا لِيَعْبُدون
وتحصر الغاية من الخلق في العبودية للّٰه، وأن السعي إلى الرزق -من حيث الأمر الإلهي- عبوديةٌ للّٰه أيضًا.
أما إحضارُ الر، دع علوقاتي ولأنفسكم وأهليكم وحتى رزقُ حيواناتكم فأنا الكفيل به. فأنتم لم تُخلَقوا له، فكل ما يخص الرزق والإطعام يخصني أنا وأنا الرزاق ذو القوة المتين.. فلا تحتجّوا بهذات الأقوا العبادة، فأنا الذي أُرسل رزقَ مَن يتعلق بكم من عبادي..
ولو لم يكن هذا المعنى هو المراد، لكان من قبيل إعلام المعلوم، لأن رزقَ اللّٰه سبحانه وتعالى وعوت دعه محال بديهي ومعلوم واضح. وهیناك قاعدة مقررة في علم البلاغة تفيد:
— 403 —
إن كان معنى الكلام معلومًا وبديهيًا، فلا يكون هذا المعنى مرادًا، بل المراد لازمهُ أو تابعٌ من توابعه.
فمثلًا:إن قلتَ لأحدهم وهو حافظ للقرآن الكريم: أنت حافظ.فتقول الكلام إعلامٌ بما هو معلوم لديه، فإذن المراد منه هو: إنني أعلم أنك حافظ للقرآن، أي أُعلِمُه بما لا يعلمه، وهو علمي أنه حافظ للقرآن.
فبناءً على هذه القاعدة يكون معنى ام الظهلتي هي كنايةٌ عن نفي رزق اللّٰه وإطعامه هو:
إنكم لم تُخلَقوا لإيصال الرزق إلى مخلوقاتي التي تعهّدت أنا برزقهم. فالرزق أنا به زعيم. فواجبُكم الأساس هو العبودية، والسعي على وفق أوامري دُر من على الرزق، هو بذاته نوع من العبادة.
الوجه الثالث:إنَّ المعنى الظاهري للآية الكريمة: لم يلد ولم يولد في سورة الإخلاص، معلومٌ وبديهي. فيكون المقصود لازمًاا نهايازم ذلك المعنى. أي أن الذين لهم والدة وولد لا يكونون إلهًا قطعًا.
فيقضي سبحانه وتعالى بقوله: لم يلد ولم يولد الذي هو بديهي ومعلوم ويعني أنه أزلي وأبدي، لأجل نفي الألوِبَ ال سيدنا عيسى عليه السلام وعزير عليه السلام والملائكة والنجوم والمعبودات الباطلة.
فكما أن هذه الآية هكذا فهنا أيضًا يكون معنى الآية الكريمة:
ما اُريد منهم مِن رزقٍ وما اُريد أن يُطْعِمونخوخة خنَّ كل ما يُرزَق ويُطعَم وله استعداد للرزق والإطعام لا يمكن أن يكون إلهًا. فلا تليق الألوهيةُ بمن هو محتاج إلى الرزق والإطعام.
سعيد النورسي
* * *
— 404 —
حول "القيلولة"
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
أو هُم قائلون
لقد اهتم "رأفت" تأمل كلمة "قائلون" الواردة في الآية الكريمة: أو هُم قائلون (الأعراف: ٤)
فكُتب هذا البحث لمناسبة استفساره عنها، ولئلا يعطّل قلمَه الألماسي، بما يصيبه من انحلال في الجسم بسبب نومه بعد صلاة الفجر كالآخرين معه في السجن.
النوم على أنواعا جليً:
الأول:الغيلولة: وهي النوم بعد الفجر حتى انتهاء وقت الكراهة. هذا النوم مخالفٌ للسنة المطهرة؛ إذ يورث نقصان الرزق، وزوال بركته، كما هو ونموا ت الحديث الشريف. حيث إن أفضل وقت لتهيئة مقدمات السعي لكسب الرزق هو في الجو اللطيف، عقب الفجر، ولكن بعد مضيه يطرأ على الإنسان خمول وانحلال، مما يضرّ بسي التج ذلك اليوم، وبدوره يضر بالرزق، كما يسبب زوال بركته، وقد ثبت هذا بتجارب كثيرة.
الثاني:الفيلولة: وهي النوم بعد صلاة العصر حتى المغرب، هذا النوم يسبب نقصانَ العمر، أي يتناقص عمر الإنسان ماديًا في اليوم الذي يشوبه النوم المورث نِعَ ن؛ إذ يبدو ذلك اليوم قصيرًا ناقصًا مثلما يكون قضاءُ وقت العصر بالنوم في حكم عدم رؤية نتائج معنوية لذلك اليوم، تلك النتائج التي تتظاهر على التًا حتي ذلك الوقت. فيكون الإنسان كأنه لم يعش ذلك اليوم.
الثالث:القيلولة: وهي سنة نبوية شريفة، ويبدأ وقتُها من الضحى إلى ما بعد الظهر بقليل. ومع كوح الأرالنوم من السنة المطهرة [٭]: انظر: البخاري، الاستئذان ١٦، ٣٩، ٤١، الجمعة ٤٠، ٤١، الحرث ٢١، الأطعمة ١٧؛ مسلم، الفضائل ٨٤، الجمعة ٣٠؛ أبو داود، الجمالشكر . فانه يُعين على قيام الليل، وقد رسّخ هذه السنة
— 405 —
النبوية ما اعتاد عليه أهلُ الجزيرة العربية من تعطيل نسبي للأعمال عند اشتداد الحر من بالموتحسب محيطهم. وهذا النوم يطيل العمرَ ويزيد الرزق؛ لأنَّ نصف ساعة من القيلولة يعادل ساعتين من نوم الليل، أي إنه يزيد عمرَ يومه ساعةً ونصفَ الساعة. وينقذ ساعةً ونصف الساعة أيضًا من النوم الذي هو صنو الموت، ويحييها بتزييد وقت عمله كسبًا للرزق، اء، كمزمن السعي والعمل.
سعيد النورسي
* * *
وهذه خاطرة جميلة
حينما كنت أقرأ جملة "ألفُ ألفِ صلاةٍ وألف ألف سلام عليك يا رسول اللّٰه" عقب الصلاة، تراءت لي من بعيد خاطرةٌ لطيفة انكالحقيق تلك الصلوات، إلّا أنني لم أتمكن من اقتناصها كاملة، ولكن سأشير إلى بعض جمَلها:
رأيت أن عالَم الليل شبيهٌ بمنیزل جديد يُفتح لدار الدنيا.. دخلت ذلك العالم في صلاة العشاء، ومن انبساط فوق العادة للخيال وبحكم ارتباط ماهية الإنسان مع الدنيا قاطبها مكا أنَّ هذه الدنيا العظيمة قد أصبحت في ذلك الليل منیزلا صغيرًا جدًّا حتى لا يكاد يرى ما فيه من بشر وذوي حياة. ورأيت -خيالًا- أن ليس هناك من ينوّر ذلك المنیزل إلّا اللِعِلمالمعنوية للرسول (ص) حتى امتلأت أرجاؤه بهجة وأنسًا وسرورًا.
وكما يبدأ الشخصُ بالسلام عند دخوله المنیزل، كذلك وجدت في نفسي شوقًا هائلًا ورغبة جياشة إلى القول: ألف ألف سلام عليك يا رسول اللّٰه ..
(٭): ذلك لان الرحمة النازلة على الرسول الكريم ف كتاب متوجهة لحاجة الأمة قاطبة في زمن أبدي، لذا فالصلاة غير المتناهية التي تهدى إليه منسجمة جدًّا.
فلو دخل شخص بيتًا خاليًا مظلمًا موحشًا كالدنيا المظلمة الموحشة بالغفلة كم سيأخذه الرعب والدهشة والاضطراب؟ ولكن كم يسرّه ويؤنسه ويفرحه وينانُ ال رأى أن شخصًا قد تصدر ذلك البيت يعرف مالكه بجميع ما فيه؟ فما بالك لو كان هذا الشخص هو الحبيب المحبوب والأنيس المأنوس وهو الرسول العظيم (ص)، متصدر بيت العالم، يعرّف لنا المالكَ الرحيمَ الكريسَّلام فيه -أي بيت العالم- من أشياء.
قس هكذا لكي تقدر بنفسك قيمة الصلوات عليه ولذتها. (المؤلف).
ومن هنا وجدت نفسي كأنني أُسلّم عليه بعدد الإنس والجن وأعبر بسلامي هذا عن تجدة بالإيعة له والرضى برسالته
— 406 —
وقبولها منه وإطاعة القوانين التي أتى بها، والتسليم لأوامره وسلامته من بلايانا. أي كأنني أقدم هذا السلام -ناطقًا بتلك المعاني- باسم كل فرد من أفراد عالمي وهم ذوو الشعور من جن وإنس، وجمبمثابةخلوقات.
وكذا فإن ما جاء به من النور العظيم والهدية الغالية ينور عالمي الخاص هذا كما ينور العالم الخاص لكل أحد في هذه الدنيا، فيحوّل عالَمنا إلى عالم زاخر ِ الخَ. فقلت تجاه هذه النعمة الهائلة: "اللهم أنزل ألفَ صلاة عليه" علّها تكون شكرانًا وعرفانا للجميل على ذلك النور الحبيب والهدية الغالية، إذ إننا لا نستطيع أن نردّ جميلَه وإحسانه إلينا أبدًا، فأظهَنت وحيرُّعنا إلى اللّٰه جل وعلا بالدعاء والتوسل كي يُنیزل من خزائن رحمته رحمةً عليه بعدد أهل السماوات جميعًا.. هكذا أحسست خيالًا.
فهو (ص) يطلب صلاةً بمعنى "الرحمة" من حيث إنه "عبد" ومتوجه من الخلق إلى الحق سبحانه. ويستحق المستم" من حيث إنه "رسول" من الحق سبحانه إلى الخلق.
وكما أننا نرفع إليه سلامًا بعدد الإنس والجن، ونجدد له البيعة العامة بعددها أيضًا، فإنه (ص) يستحق أيضًا صلاة من خزائن الرحمة الإلهية بعدد أهلة المروات، وباسم كل واحد منهم؛ ذلك لأن النور الذي جاء به هو الذي يظهر كمال كل شيء في الوجود، ويُبرز قيمةَ كل موجود، وتُشاهد به الوظيفة الربانية لكل مخلوق، وتتجلى به المقاصد الإلهية من كل مصنوع. لذلك لو كان لكل شيء لسانٌ لكان يردد قولًا كما ير هنا بًا: الصلاة والسلام عليك يا رسول اللّٰه.. فنحن بدورنا نقول بدلًا عن المخلوقات كافة:
ألفُ ألف صلاة وألفُ ألف سلام عليك يا رسول اللّٰه بعدد الإنس والجن وبعدد الملك والنجوم.
فَيَكفإن أم أنَّ اللّٰه صَلّٰى بِنَفْسِهِ وَأمْلاَكَهُ صَلَّتْ عَلَيْهِ وَسَلَّمَتْ
سعيد النورسي
* * *
— 407 —
حول "وحدة الوجود"
أخي العزيز:تطلبون شيئًا من الإيضاح حول "وحدة الوجود" ففي إحدى لمعات "المكتوب الحادي والثلذلك فإجوابٌ شاف وقوي واضح إزاء رأي "محي الدين بن عربي" في هذه المسألة.
أما هنا فنكتفي بهذا القدر ونقول: إنَّ تلقين مسألة "وحدة الوجود" في الوقت الحاضر للناس يضرّهم ضررًا بالغًا، إذ كما أن التشبيهات والتمثيلات، (٭): كالملكين العظيمين المسميين باكرمُهاالحوت، انقلبا بسر التشبيه عند العوام إلى صورة ثور ضخم وحوت كبير. (المؤلف). إذا خرجت من أيدي الخواص ودخلت أيدي العوام وسرَت من يد العلم إلى الأنفجهل تُتلقى حقائق؛ كذلك حقائقُ وحدة الوجود وأمثالُها من الحقائق العالية، إذا ما دخلت بين العوام الغافلين السارحين في تأثير الأسباب، يتلقونها "طبيعة" وتولد ثلاث م * *
مة.
الضرر الأول:إنَّ مشرب وحدة الوجود، مع أنه في حكم إنكار وجود الكائنات إزاء وجود اللّٰه سبحانه، إلا أنه كلما دخل بين العوام يمضي بهم إلى أن يصل في فكر الغافلين منهم ولاسيما الملوّثين بالماَّ كل لى إنكار الألوهية إزاء الكون والماديات.
الضرر الثاني:إنَّ مشرب وحدة الوجود، يردّ ردًا شديدًا ربوبية ما سوى اللّٰه تعالى، حتى إنه ينكر ما سواه تعالى ويرفع الثنائية، فلا يرى وجودًا مس ويجعلللنفس الأمارة ولا لأي شيء كان، ولكن في هذا الزمان، الذي استولت فيه مفاهيم الطبيعة وتفرعنت نفوسٌ أمارة وبخاصة من له استعداد ليتخذ نفسه معبببراهين دون اللّٰه، ونفخ الغرور والأنانية في أوداجه، فضلا عن نسيان الخالق والآخرة إلى حدّ ما. فتلقينُ هؤلاء بوحدة الوجود يطغي نفوسَهم حتى لا يسعها شيء، والعياذ باللّٰه.
— 408 —
الضرر الثالث:إنه يورث أفكارًا وتصورات لاي حدّ بوجوب وجود الذات الجليلة، المنیزّهة المبرأة المتعالية المقدسة عن التغير والتبدل والتجزؤ والتحيز، ولا تلائم تنیزّهه وتقدسه سبحانه بحال، فيكون بذلك سببًا لتلقينات باطلة.
نعم، إنَّ من يتكلم عن وحدة الوجس الشيه أن يعرج فكرًا من الثرى إلى الثريا تاركًا الكائنات وراءه ظهريّا، محدقًا بنظره إلى العرش الأعلى، عادًّا الكائنات معدومة في حالة الاستغراق، فيمكنه أن يرى بقوة الإيمان أن كل شيء من الواحد الأحد سبحانه مباش قد أفلّا فإن من يقف وراء الكائنات وينظر إليها ويرى الأسباب أمامه وينظر من الأرض، فإنه يحتمل أن يغرق في تأثير الأسباب ويقع في مستنقع الطبيعة، بينما الذي يعرج فكرًا إلى العرش كجلال الدين الرومي يستطيع أن يقول: "افتح سمعَك فإنك تستطيع أن تسمع مرَاقِ حد -كأنه حاكٍ فطري- ما تسمعه من الحق تعالى". وإلّا فمن لا يستطيع العروجَ مثله إلى هذه المرتبة الرفيعة ولا يرى الموجودات من الفرش إلى العرش على صورة مرايا (لتجلياته) إن قلت له: "اصغ إلى كل أحد تسمع منه كلام اللّٰه" إن توابتلى بتصورات باطلة مخالفة للحقيقة كمن يهوي معنًى من العرش إلى الفرش.
قل اللّٰه ثُمَ ذَرهُم في خَوضِهم يَلعَبون
(الأنعام: ٩١).
ما للتراب ولرب الأرباب.
سبحان من تقدس عن الأشباه ذاتُه وتنیزّهت عن مشابهة الأمثال صفاته وشَهِد علكما إنيته آياته جل جلاله ولا إله إلّا هو.
سعيد النورسي
* * *
— 409 —
"جواب عن سؤال"
لا يسعني الوقت الكافي لعقد موازنة بين أفكار كل من "مصطفى صبري" و"موسى باكوف" إلا أنني أكتفي بالقول الآتي:
إن أحدهما، ودائرط والآخر يفرط. فمع أن مصطفى صبري محقّ في دفاعاته بالنسبة إلى موسى باكوف إلّا أنه ليس له حق تزييف شخص محي الدين بن عربي الذي هو خارقةٌ من خوارق العلوم الإسلامية.
نعم، إن محي الدين بن عربيالوقت، ومقبولٌ ولكنه ليس بمرشدٍ ولا هادٍ وقدوةٍ في جميع كتاباته، إذ يمضي غالبًا دون ميزان في الحقائق، فيخالف القواعد الثابتة لأهل السنة، ويفيد بعضُ أقواله -ظاهرًا- الضلالةَ غير أنه بريء من الضلالة، إذ الكلام قد يبدو كفرًا ب وَكَذ إلّا أن قائلَه لا يكون كافرًا.
فمصطفى صبري لم يراع هذه النقاط بنظر الاعتبار ففرّط في بعض النقاط لتعصبه لقواعد أهل السنة. أما موسى باكوف فهو يخطئ كثيرًا بأفكاره التي تماشي التمدن والمنحازة شديدًا للتجدد. إذ يحرّف بعض الحقائق الإسللْكَ اتأويلات خاطئة ويتخذ شخصًا مردودًا كأبي العلاء المعَرِّي في مستوى أعلى من علماء الإسلام المحققين، وقد غالى كثيرًا لانحيازه الشديد إلى تلك المسائل التي خالف فيها محي الدين أهلَ السنة والتي تنسجم مع أفكاره.
ولقد قال محي الدين: "تُحرم مطالعةُجهة- إا على من ليس منا" أي على من لا يعرف مقامَنا. نعم إن قراءة كتب محي الدين ولاسيما مسائله التي تبحث في وحدة الوجود مضرة في هذا الزمان.
سعيد النورسي
— 410 —
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
عندما كنت أنظر من نافذة ام! أليإلى ضحكات البشرية المبكية، في مهرجان الليل البهيج، أنظر إليها من خلال عدسة التفكر في المستقبل والقلق عليه، انكشف أمام نظر خيالي هذا الوضع، الذي أبينه:
مثلما تشاهَد في السينما أوضاعُ الحياة لمن هم الآن راقدونسم آخرقبر، فكأنني شاهدت أمامي الجنائز المتحركة لمن سيكونون في المستقبل القريب من أصحاب القبور.. بكيت على أولئك الضاحكين الآن، فانتابني شعورٌ بالوحشة والألم. راجعت عقلي الجيشت عن الحقيقة قائلًا: ما هذا الخيال؟ قالت الحقيقة: إن خمسةً من كل خمسين من هؤلاء البائسين الضاحكين الآن والذين يمرحون في نشوة وبهجة سيكونون كهولًا بعد خمسين عامًا، وقد انحنَت منهعبّر عور وناهز العمر السبعين، والخمسةَ والأربعين الباقية يُرمّون في القبور. فتلك الوجوه الملاح، وتلك الضحكات البهيجة، تنقلب إلى أضدادها. وحسب قاعدة "كل آتٍ قريب" [٭]: انظر: الدارمي، المقدمة ٢٣؛ ابن ماجه،كِّرةًمة ٧. فإن مشاهدة ما سيأتي كأنه آتٍ الآن تنطوي على حقيقة، فما شاهدته إذن ليس خيالًا.
فما دامت ضحكاتُ الدنيا المتسمة بالغفلة مؤقتة ومعرّضة إلى الزوال، وهي تستر مثلاذج اللأحوال المؤلمة المبكية. فلابد أن ما يسرّ قلبَ الإنسان البائس العاشق للخلود، ويفرح روحَه الولهان بعشق البقاء، هو ذلك اللهو البريء والمتعة النیزيهة وأفراح ومسرات تخلًا بنظبه، ضمن نطاق الشرع، مع أداء الشكر باطمئنان القلب وحضوره بعيدًا عن الغفلة. ولئلا تقوى الغفلةُ في النفوس في الأعياد، وتدفع الإنسان إلى الخروج عن دائرة الشرع، ورد في الأحاديث الشريفة لمعنويقوي وكثير في الشكر وذكر اللّٰه في تلك الأيام. وذلك لتنقلب نعم الفرح والسرور إلى شكر يديم تلك النعمة ويزيدها، إذ الشكر يزيد النعم ويزيل الغفلة.
سعيد النورسي
— 411 —
"النفس الأمارة بالسوء"
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
نكتة من نكات الآية الكرأن تخران النفس لأمّارة بالسوء
(يوسف: ٥٣) والحديث الشريف: (أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك). [٭]: "أعدى أعدائك نفسك التي بين جنبيك"، البيهقي، الزهد ٢/١٥٦.. والمشهور على الألسنة: اعدى عدوك..إهی (كشف الخفاء ١/١٤٣).
نعم، ك القللذي يحب نفسَه الأمارة بالسوء -غير المزكّاة- ويعجب بها، هو في الحقيقة لا يحب أحدًا غيرها، وحتى لو أبدى للغير حبًّا فلا يحبه من صميم قلبه،شمس. وما يحبه لمنافعه، ولما يتوقع منه من متاع. فهو في محاولة دائمة لتحبيب نفسه للآخرين وفي سعي متواصل لإثارة إعجابهم به، يصرف كل قصورٍ عن نفسه فلا يحمّلها أي نقص كان، بل يدافع دفاعَ المحامي المخلص لإبراء ساحتها، ويمدحها بمبالغات بةٍ جليذيب لينیزّهها عن كل عيب أو قصور، حتى يقربها إلى التقديس، بل يبلغ به الأمر أن يكون مصداق الآية الكريمة: من أتخذ ألهه هواه (الفرقان: ٤٣) عندها تتوالى عليه صفعاتُ هذه الآية الكريمة -حسب درجته- فينقلب مدحُه إلى إعرامكتوب س عنه، ويتحول تحبيب نفسه إليهم إلى استثقالهم له، فيجد عكس ما كان يروم، فضلًا عن أنه يضيّع الإخلاص، لما يخلط من رياء وتصنّع في أعماله الأخروية، فيكون مغلوبًا على أمره أمام شهواته وهواَ القَعره، تلك التي لا تبصر العقبى ولا تفكر في النتائج والمغرمة بالتلذذ الآني. بل قد تبرر له أهواؤه الضالة أمورًا يرتكبها لأجل متعة لا تدوم ساعة يفضي به أن يلقى في السجن لسنة كاملة. وقد يقاسي عشر سنوات من الجزاء العادل لأجل تسكين روح الثأر لديه وشهرة.
رور التي لا تستغرق دقيقة واحدة. فيكون مثله كمثل ذلك الطفل الأبله الذي لا يقدر قيمة جزء المصحف الشريف الذي يتلوه ويدرسه فيبيعه بقطعة حلوى رخيصة، إذ يصرف حسناته التي هي أغلى من الألماس ويبدلّها بما يشبه في تفالعربةقطع الزجاج، تلك هي حسياته وهواه وغروره. فيخسر خسارة جسيمة فيما كان ينبغي له أن يربح ربحًا عظيمًا.
اللّٰهم احفظنا من شر النفس والشيطان ومن شر الجن والإنس.
— 412 —
"سدية عل كيف يكون البقاءُ في سجن جهنم بقاءًا خالدًا جزاءً عادلًا لكفرٍ في زمن قصير؟
الجواب:إنَّ القتل الذي يحصل في دقيقة واحدة يعاقب عليه بسبع ملايين وثمانمائة وأربع وثمانين ألفًا من الدقائق -على اعتبار السنة ثلاثمائة وخمسة وستون الرفي فإن كان هذا قانونًا عدلًا، فالذي يقضي عشرين سنة من عمره في أحضان الكفر ويموت عليه يستحق جزاءً بمقتضى هذا القانون العادل للبشر سجنًا يَلِّي عة وخمسين ترليونًا وواحدًا ومائتي مليارٍ ومائتي مليونٍ من السنين، باعتبار أن دقيقة من الكفر تعادل ألفَ قتل ويمكن أن يُفهَم من هذا وجهَ الانسجام مع عدالة قوله تعالى: خالدين فيها أبدا (النساء: ١٦٩).
إنَّ سر العلاقة بين العددَ اعترتباعدين جدًّا بعضهما عن بعض، هو أن الكفر والقتل تخريب وتعدّ على الآخرين، ولهما تأثير في الآخرين، فالقتلُ الذي يحصل في دقيقة واحدة يسلب خمس عشرة سنة في الأقل من حياة المقتول، حسب ظاهر الحال، لذا يسذا التاتل بدلًا منه، فدقيقة واحدة في الكفر الذي هو إنكارٌ لألف اسم واسم من الأسماء الحسنى وتزييف لنقوشها البديعة.. واعتداءٌ على حقوق الكائنات.. وإنكار لكمالاتها.. وتكذيب لدلائل الوحدانية التي لا تحد وردّ الأمراتها.. تلقي بالكافر في أسفل سافلين لأكثر من ألف سنة، فتسجنه في قوله تعالى: خالدين ...
سعيد النورسي
* * *
— 413 —
"توافق لطيف ذو مغزى"
إن المادة (١٦٣) من القانون التي يُتهم بموجبها طلاب النور، ويُطالب بها إنزال العقوبة علين كل ما الرقم يتوافق مع عدد النواب الذين وافقوا على لائحة البرلمان الخاصة بمنح مائة وخمسين ألف ليرة لبناء مدرسة مؤلِّف رسائل النور، وقد كانوا (١٦٣) نائبًا من بين (٢٠٠) نائبًا في مجلس الأمة التركي.
هذا التوافق يقول معنًى: ن علم قيع (١٦٣) نائبًا من نواب حكومة الجمهورية على وجه التقدير والإعجاب بخدمته يُبطل حكم المادة (١٦٣) بحقه.
وكذا من بين التوافقات اللطيفة ذات المغزى: أنه كان القبض على مؤلف رساهكذا فور وطلابه واعتقالهم في ٢٧/نيسان/١٩٣٥ بينما كان قرار المحكمة بحقهم في ١٩/آب/١٩٣٥ أي بعد (١١٥) يومًا. هذا الرقم يتوافق مع عدد كتب رسائل النور وهو (١١٥) كتابًا يضم (١٢٨) رسالة.
كما أنه يوافق عدد المتهمين ْجِزَا وخمسة عشر من طلاب النور الذين استُجوبوا واتهموا.
فهذا التوافق يدل على أن المصيبة التي ابتلي بها مؤلف رسائل النور وطلابها إنما تُنظّم بيدٍن موقععناية (الإلهية).
(٭): إنه جدير بالملاحظة أنه بدأ القبض على قسم من طلاب النور واعتقلوا في ٢٥/نيسان/١٩٣٥ وكان عدد الذين اتهموا بقرار المحكمة (١١٧) شخصًا حقدس وخ اسم اثنين منهم. فيتوافق بهذا عدد الطلاب (١١٧) طالبًا مع عدد أيام الاعتقال البالغ (١١٧) يومًا اعتبارًا من اعتقال ذلك القسم من الطلاب إلى يوم قرار المحكمة. فيمزج هذا التوافق لطافة أخرى إلى لطافة التوافقبلاد وابقة. (المؤلف).
* * *
— 414 —
النكتة الثامنة والعشرون من اللمعة الثامنة والعشرين
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
لايسّمعون الى الملأ الاعلى ويُقذفون من كل جانب ٭ دحورًا ولهم عذاب واصب الّا من خطف الخطفة فات التي اب ثاقب
(الصافات: ٨-١٠)
ولقد زيّنا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجومًا للشياطين
(الملك: ٥)
سنبين نكتةً مهمة من نكات هذه الآيات الكريمة وأمثالها موإذا كات لمناسبة اعتراض يرِد من أهل الضلالة على وجه النقد.
تفيد هذه الآيات الكريمة أنَّ جواسيسَ الجن والشياطين يسترقون السمعَ إلى أخبار السماوات ويجلبون منها الأخبار الغيبية إلى الكهان وسع جاهين، والذين يعملون في تحضير الأرواح. فحيل بين هذه الإخبار وبين التجسس الدائمي لأولئك الجواسيس ورُجموا بالشهب في تلك الفترة بداية الوحي أزيد من سائر الأوقات، وذلك لئلا يلتبس شيء على الوحي.
نبين جوابًا ، ذلك ة الاختصار عن سؤال في غاية الأهمية وهو ذو ثلاث شعب.
سؤال:يفهم من أمثال هذه الآيات الكريمة المتصدرة أنه لأجل استراق السمع وتلقي الخبر الغيبي حتى في الحوادث الجزئية بل أحيانًا حوادث شخصية تقتحم جواسيس الشياطين مملكة السآيات االتي هي في غاية البعد، لكأن تلك الحادثةَ الجزئية هي موضعُ بحث في كل جزء من أجزاء تلك المملكة الواسعة، ويمكن لأي شيطان كان، ومن أي مكان دخل إلى السماوات، التنصّت ولو بصورة مرقعة إلى ذلك الخبر وجلبه هكذا إلى الأرض. هذا المعنى الذر، أنوم من الآيات الكريمة لا يقبل به العقل والحكمة. ثم إنَّ قسمًا من الأنبياء وهم أهل الرسالة، والأولياء وهم أهل الكرامة تسلموا - بنص الآية - ثمار الجنة التي هي فوق اِدِهِ ت العلى وكأنهم يأخذونها من مكان قريب، وأحيانًا
— 415 —
يشاهدون الجنة من قريب. [٭]: انظر: البخاري، الكسوف ٩؛ مسلم، الصلاة ١١٢، الكسوف ١٧؛ أحمد بن حنبل، ابه: هو١/٣٥٨، ٢/١٦٨، ٢٢٣. هذه المسألة تعني: نهاية البُعد في نهاية القُرب بحيث لا يسعها عقلُ هذا العصر.
ثم إن حالة من أحوال جزئية لشخص جزئي يكون موضع ذكر وكلام لدى الملأ الأعلى في السماواديق:
ى الواسعة جدًّا، هذه المسألة لا توافق إدارة الكون التي تسير في منتهى الحكمة.
علمًا أن هذه المسائل الثلاث تعد من الحقائق الإسلامية.
الجواب:أولًا: إن الآية الكريمة:
ولقد زيلأحد" سماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجومًا للشياطين
تفيد أن جواسيس الشياطين التي تحاول الصعود إلى السماوات للتجسس تُطرد بنجوم السماوات.
فقد بحثت هذه المسألة بحثًا جيدًا في "الكلمة الخامسة عشرة"، وأُثبتت إثباتًا يقنع حوز والى الماديين، بل يلجؤهم إلى السكوت والقبول، وذلك بسبع مقدمات قاطعة هي بمثابة سبع مراتب للصعود إلى فهم الآية الكريمة.
ثانيًا:نشير إلى هذه الحقائق الإسلامية الثلاث التي يُظن أنها بعيدة (عن العقل) بتمثيل وذلك لتقريبها إلى الأذهان القاصرة الضيحوية أ هب أن الدائرةَ العسكرية لحكومةٍ تقع في شرقي البلاد، ودائرتَها العدلية في الغرب ودائرةَ المعارف في الشمال ودائرة الشؤون الدينية (المشيخة) في الجنوبت لينارة الموظفين الإداريين في الوسط وهكذا. فعلى الرغم من البُعد بين دوائر هذه الحكومة، فإن كل دائرة لو استخبرت الأوضاع من كل مكان في البلاد بالتلفون أو التلغراف ارتباطًا تامًا: عندها تكون اليه من كلها كأنها دائرةٌ واحدة هي دائرة العدل، أو الدائرة العسكرية أو الدينية، أو الإدارية وهكذا.
مثال آخر:يحدث أحيانًا أن دولًا متعددة ذات عواصم مختلفة، تشترك معًان هذا لكة واحدة، بسلطات متباينة، من حيث مصالحها الاستعمارية فيها، أو لوجود امتيازات خاصة بها، أو من حيث المعاملات التجارية وغيرها. فكل حكومة عندئذ ترتبط بعلاقة مع تلك الرعية من حيث امتيازاتها، فعلى الرغم من أنها رعيلكبرى،دة وأمةٌ واحدة، فإن معاملات تلك الحكومات المتباينة -التي هي في غاية البعد- تتماسّ وتتقارب كلٌّ منها مع الأخرى في البيت
— 416 —
الواحد بل تشترك في كل إنسان. حتى تُشاهد مسائلُها الجزئية في الدوائر الجزئية وهي نقاط التّماس والتقلآتي: لا تؤخذ كلُّ مسألة جزئية من الدائرة الكلية. ولكن عندما تُبحث تلك المسائل الجزئية، تُبحث كأنها أُخذت من الدائرة الكلية وذلك لارتباطها بالقوانين الكلية لتلك الدائرة. وتعطى لها صورة كأنها مسألة أصبحت موضع بحث في تلك الدائرة الكلية.
وك الآلفي ضوء هذين المثالين:
إن مملكة السماوات التي هي في غاية البعد، من حيث العاصمة والمركز، فإن لها هواتفَ معنوية تمتد منها إلى قلوب الناس في مملكة الأرض. فضلًا عن أن عالَم السماوات لا يشرف ء ضمن عالم الجسماني وحده بل يتضمن عالم الأرواح وعالم الملكوت؛ لذا فعالمُ السماوات يحيط بجهةٍ بعالم الشهادة تحت ستار.
وكذلك الجنة التي هي من العوالم الباقية، وهي دارُ البقاء، فمع أنها في غاية البعد، إلّا أن دائرة تصرفاتتحول فد امتدادًا نورانيًا وتنتشر إلى كل جهة تحت ستار عالم الشهادة.
فكما أن حواسَّ الإنسان التي أودعها الصانع الحكيم الجليل بحكمته وبقدرته في رأس الإنسان، فعلى الر "المدأن مراكزها مختلفة، فإن كلًا منها تسيطر على الجسم كله، وتأخذه ضمن دائرة تصرفها. كذلك الكون الذي هو إنسان أكبر يضم ألوف العوالم الشبيهة بالدوائر المتداخلة. فالأحوال الجارية في تقرأه فوالم والحوادث التي تقع فيها تكون موضع النظر من حيث جزئياتها وكلياتها، وخصوصياتها وعظمتها. بمعنى أن الجزئيات تُشاهَد في الأماكن الجزئية والقريبة، بينما الكليات والأمور العظيمة تُرى في المقامات الكلية والعظيتبركًا ولكن قد تستولي حادثةٌ جزئية خصوصية على عالم عظيم فأينما يُلقى السمع تُسمع تلك الحادثة. وأحيانًا تحشّد الجنود الهائلة إظهارًا للعظمة والهيبة وليس لقوة العدو. فمثلًا: إن حادثةَ الرسالة المحمدية، ونزول الوحي القرآني، لك من لوادثةٌ جليلة، فإن عالم السماوات كله، بل حتى كل زاوية من زواياه متأهب، وقد صفّت فيه الحراس، في تلك البروج العظيمة، من تلك السماوات العالية البلّغ إوالبعيدة بعدًا عظيمًا. ويقذفون من النجوم المجانيق، طردًا لجواسيس الشياطين ودفعًا بهم عن السماوات. فالآية الكريمة عندما تُبرز المسألة هكذا برجم الشياطين بكثرة هائلة والقذف بالشهب ورة. وإ في بداية الوحي في ذلك الوقت. تبين إشارةً