Risale-i Nur

الكلمات العربية
— 829 —
الوجود بلا حياة كالعدم
الضياء والحياة، كلاهما كشّافان للموجودات.
إن لم يكن هناك نور الحياة، فالوجود مشوب بالعدم، بل هو كالعدم.
لُه "انّ ما لا حياة فيه غريب، يتيم، حتى لو كان قمرا.

* * *

النملة بالحياة أكبر من الأرض
إذا زنتَ النملةَ بميزان الوجود، فالكون الذي تنطوي عليه النملة بسر الحياة، لا تسعه كرتنا الأرضية.
فلو قارنّا هذه الكرة الأرضية -التي أراها لا يميراها البعض ميتة- مع النملة، فإنها لا تعدل نصف رأس هذا الكائن المجهز بالشعور.

* * *

النصرانية ستسلِّم أمرها للإسلام
ستجد النصرانية أمامهونحاولطفاء أو الاصطفاء. وسوف تلقي السلاح وتستسلم للإسلام. لقد تمزقت عدة مرات، حتى آلت إلى "البروتستانتية" ولم تسعفها كذلك، وتمزق الستار مرة أخرى، فوقعت في ضلالة مطلقة. إلّا أن قسما منها اقترب من التوحيد، وسيجد فيه الفلاح. وهي الآن علقن صنعالتمزق، (٭): إشارة إلى النتائج الرهيبة للحرب العالمية الأولى، بل يخبر عن الحرب العالمية الثانية.(المؤلف). إن لم تنطفئ فإنها تتصفّى وتكون مُلكَ الإسلام (إذ تجد نفسها أمام الحقائق الإسلامية الجامعة لأسس النصرانية الحقيقية).
هذا سر ر الكاشار إليه الرسول الكريم (ص) بنیزول عيسى عليه السلام، وأنه سيكون من أمته ويعمل بشريعته. [٭]: انظر: البخاري، الأنبياء ٤٩، البيوع ١٠٢، المظالم ٣١؛ مسلم، الإيمان ٢٤-٢٤٧؛ أبو داود، الملاحم ١٤؛ الترمذي، الفتن ٥٤؛ ابن ماج وتديرتن ٣٣؛ أحمد بن حنبل، المسند ٢/٢٤٠-٢٧٢؛ ابن حبان، الصحيح ١٦/٣٧٧؛ الحاكم، المستدرك ٢/٦٥١.

* * *

— 830 —
النظر التقليدي يرى المحال ممكنا
لقد اشتهرت حادثة: أنه بينما كان الناس يراقبون هلال العيد، ولم يم يبلغ شيئا، إذا بشيخ هرم يحلف أنه قد رأى الهلال، ثم تبين أن ما رآه لم يكن هلالا بل شعرة بيضاء تقوست من أهدابه. فأصبحت تلك الشعرةُ هلالا له. فأين تلك الشعرة المقوسة من الهلال؟.
فهلا فهمت هذا الرمز شجرة قد أصبحت حركات الذرات شعرات مظلمة لأهداب العقل، أسدلت على البصر المادي وأعمَته، فلم يعد يرى الفاعلَ لتشكيل الأنواع كلها. وهكذا تقع الضلالة.
فأين حركات الذرات من نظّام الكون؟.
إنّ توهم صدور تلك الأنواع من تلك الحركات محال في لمحض. * * *
القرآن لا يحتاج إلى وكيل بل إلى مرآة
إنّ ما في المصدر من قدسية هي التي تحض جمهور الأمة والعوام على الطاعة وتسوقهم إلى امتثال الأوامر أكثر من قوة البرهان.
إن تسعين بالمئة من أحكام الشريعة مسلَّمات وضروريات دينية، شبي فحصة مدة من الألماس، أما المسائل الاجتهادية الخلافية الفرعية، فلا تبلغ إلّا عشرة بالمئة. فلا ينبغي أن يكون تسعون عمودا من الألماس تحت حماية عشرة د أثبتن ذهب، ولا تابعة لها.
إنّ معدن أعمدة الألماس وكنیزها الكتاب والسنة. فهي مُلكهما ولا تُطلب إلّا منهما. أما الكتب الأخرى والاجتهادات فينبغي أن تكون مرايا عاكسة للقرآن أو مناظير إليه للتوضيحا. إذ إن تلك الشمس المنيرة المعجزة لا ترضى لها ظلًّا ولا وكيلا.

* * *

— 831 —
المُبطل يأخذ الباطل بظن الحق
إنّ الإنسان يقصد الحق ويتحراه دوما، لما يحمل من فطرة مكرّمة، وقد يعثر على باطل فيظنه حقا فيحافظ عليه، وقد يقع عليه الضلا" يدلّدون اختيار وهو ينقّب عن الحقيقة، فيظنه حقا ويصدّقه.

* * *

مرايا القدرة كثيرة
إنّ مرايا القدرة الإلهية كثيرة جدّا، كل منها يفتح نوافذ أشفّ وألطف من الأخرى إلى عالم من عوالم المثال.
فابتداءً من الماء إلى الهواء، ومن الهواء إلى الأثيالعظمى الأثير إلى عالم المثال، ومن عالم المثال إلى عالم الأرواح، ومن عالم الأرواح إلى الزمان، ومن الزمان إلى الخيال، ومن الخيال إلى الفكر، كلها مرايا متنوعة تتمثل فيها الشؤون الإلهية السيالة. فتأمل بأذنك في مرآة الحواء ترَ الكلمة الواحدة تصبح مليونا من الكلمات.
هكذا يسطّر قلمُ القدرة الإلهية سرّ هذا التناسل والاستنساخ العجيب.

* * *

أقسام التمثلات مختلفة
ينقسم التمثل في المرآة إلى أربع صور: فإما أنفضلا عة تمثل الهوية فحسب، أو تمثل معها الخاصية، أو تمثل الهوية ونور الماهية، أو الماهية والهوية.
فإن شئت مثالا، فدونك الإنسان والشمس، والمَلَك والكلمة.
إن تهذه الالكثيف تصبح أمواتا متحركة في المرآة.
وتمثلات روح نورانية في مراياها كل منها حية مرتبطة، ونور منبسط. إن لم يكن عينه فليس هو غيره.
— 832 —
فأي تعبت للشمس حياة، لكانت حرارتُها حياتها، وضياؤها شعورَها. فصورتُها المنعكسة في المرآة تملك هذه الخواص.
فهذا هو مفتاح هذه الأسرار:
إنّ جبرائيل عليه السلام وهو في سدرة الره علىيتمثل في صورة "دحية الكلبي" في المجلس النبوي وفي أماكن أخرى كثيرة. [٭]: انظر: البخاري، المناقب ٢٥، فضائل القرآن ١؛ مسلم، الإيمان ٢٧١، فضائل الصحابة ١٠٠؛ الترمذي، المناقب ١٢؛ النسائي، الإيمان ٦؛ أحمد بن حنبل، ا.
و٢/١٠٧، ٣/٣٣٤.
وإنّ عزرائيل يقبض الأرواح في مكان وفي أماكن كثيرة لا يعلمها إلّا اللّٰه.
وإنّ الرسول (ص) يظهر لأمته في وقت واحد، في كشف الأولياء، وفي الرؤى الصادقة، ويقابلهم جميعا بشف نباتيهم يوم القيامة يوم الحشر الأعظم. وإن الأبدال في الأولياء يظهرون هكذا في أماكن عدة في آن واحد.

* * *

قد يكون المستعد مجتهدا لا مشرعا
كل من لديه استعداد وقابلتبدلات الاجتهاد وحائز على شروطه، له أن يجتهد لنفسه في غير ما ورد فيه النص، من دون أن يُلزِم الآخرين به، إذ لا يستطيع أن يشرّع ويدعو الأمة إلى مفهومه. إذ فهمه يُعدّ من فقه الشريعة وف سنة س الشريعة نفسها، لذا ربما يكون الإنسان مجتهدا ولكن لا يمكن أن يكون مشرّعا. فالدعوة إلى أي فكر كان؛ مشروطیة بقبول جمهور العلماء له، وإلّا فهو بدعة مردودة. تنحد -بالحبها ولا تتعداه. لأن الإجماع وجمهور الفقهاء هم الذين يميزون ختم الشريعة عليه.

* * *

نور العقل يشعّ من القلب
على المفكرين الذين غشيَهم ظلام أن يدركوا الكلام الآتي:
لا يتنور الفكر من دون ضياء القلب؛ فإن لم يمتزج ذلك النور وهذا له وج، فالفكر
— 833 —
ظلام دامس يتفجّر منه الظلم والجهل. فهو ظلام قد لبس لبوس النور "نور الفكر" زورا وبهتانا.
ففي عينك نهار لكنه بياض مظلم، وفيها سواد لكنه منوَّر؛ فإل أيضاكن فيها ذلك السواد المنور، فلا تكون تلك الشحمة عينا، ولا تقدر على الرؤية.
وهكذا، لا قيمة لبصر بلا بصيرة. فإن لم تكن سويداء القلب في فكرة بيضاء ناصعة، فحصيلةُ الدماغ لا تكون علما ولا بصيرة... فلا عقل دون قلب.

* * *

مثار هذلعلم في الدماغ مختلفة وملتبسة
في الدماغ مراتب، يلتبس بعضها ببعض، أحكامها مختلفة؛ يحصل التخيل أولا، ثم يأتي التصور، ثم يرد التعقل، ثم التصديق، ثم يصبح إذعانا، ثم يأتي الالتزام، ثم الاعتقاد. فاعتقادك بشيء غير التزامك به.
د الكاكلٍ من هذه المراتب تصدر حالة؛ فالصلابة تصدر عن الاعتقاد، والتعصب عن الالتزام، والامتثال عن الإذعان، والالتزام عن التصديق، ويحصل الحياد في التعقل، والتجرد في التصوة للحيسفسطة في التخيل إن عجز عن المزج.
إنّ تصوير الأمور الباطلة تصويرا جيدا جرح للأذهان الصافية وإضلال لها.

* * *

لا يُلقَّن مالا يُستوعب من علم
إنّ العالائمة رشد الحقيقي يهب للناس علمه في سبيل اللّٰه دون انتظار عوض، ويصبح كالشاة لا كالطير، فالشاة تُطعم بَهْمتها لبنا خالصا، والطير تلقم فراخها قيئها المليء باللعاب.
ّدة، و
— 834 —
التخريب أسهل فالضعيف يكون مخرّبا
إنّ وجود الشيء يتوقف على وجود جميع أجزائه، بينما عدمه يحصل بانعدام جزءٍ منه، لذا يكون التخريب أسهل.
ومن هنا يميل الضعيفُ العاجز إلى التخريبو كان ابِ أعمال سلبية تخريبية. بل لا يدنو من الإيجابية أبدا.

* * *

ينبغي للقوة أن تخدم الحق
إن لم تمتزج دساتير الحكمة ونواميس الحكومة وقوانين الحق وقواعد القوة بعضها ببعض ولم يستمد كل من الآخر ولم يستند إليه، فلا تكون موجّههالا مؤثرة لدى جمهور الناس. فتُهمَل شعائر الشريعة وتعطّل، فلا يستند إليها الناس في أمورهم ولا يثقون بها.

* * *

الشيء يتضمن ضدَّه أحيانا
سيكون زمان يُخفي الضدُّ ضدَّهُ، وإذا باللب إن لالمعنى في لغة السياسة. وإذا بالظلم (٭): يذكر هذا وكأنه قد شهد هذا الزمان. (المؤلف). يلبس قلنسوة العدالة، وإذا بالخيانة ترتدي رداء الحمية بثمن زهيد. ويُطلق اسم البغي على الجهاد في سبيل اللّٰه، ويسمّى اللُّ نبحيواني والاستبداد الشيطاني حرية.
وهكذا تتماثل الأضداد، وتتبادل الصور، وتتقابل الأسماء، وتتبادل المقامات المواضعَ.

* * *

السياسة الدائرة على المنفعة وحش رهيب
إنّ السياسة الحاضرة الدائرة رحاها على المنافع وحعنى. و، فالتودد إلى وحش جائع لا يدرّ عطفه بل يثير شهيته، ثم يعود ويطلب منك أجرة أنيابه وأظفاره!

* * *

— 835 —
تتعاظم جناية الإنسان لعدم تحدد قواه
إنّ القوى المودعة في الإنسان لم تُحدد فطرةً خلافا للحيوان، فالخير والشر الصادان من ه لا يتناهيان. فإذا ما اقترن غرور من هذا وعناد من ذاك، يولدان ذنبا عظيما (٭): في هذا إشارة إلى ما سيقع في المستقبل. (المؤلف). إلى حدّ لم يعثر له البشر على اسم. إنّ هذا دليل على وجود جهنم، إذ لا جزاء له إلّا النار.
ومثلا:يتمنى أحدُهم أنمة يعاالمسلمين مصيبة كي يظهر صدق كلامه وصواب تنبيئه!!.
ولقد أظهر هذا الزمان أيضا أن الجنة غالية ليست رخيصة، وأن جهنم ليست زائدة عن الحاجة.

* * *

رُبَّ خير يكون وسيلة لشر
إنّ المزية التي يتحلّى بها الخواص، في الحقيقة سبب لها معطإلى التواضع وإنكار الذات. ولكن مع الأسف أصبحت وسيلة للتحكم بالآخرين والتكبر عليهم.
وكذلك عجز الفقراء وفقر العوام، هما داعيان في الحقيقة یين، وق عليهم، ولكن مع الأسف انجرا -في الوقت الحاضر- إلى سوقهم إلى الذل والأسر.
لو حصل شرف ومحاسن في شيء ما، فإنه يُسند إلى الخواص والرؤساء. أما إن حصلت منه السيئات والشرور فإنها توزع على الأفراد والعوام.
فالشرف الذي نال، مرلعشيرة الغالبة يقابل بی: "أحسنت يا شيخ العشيرة!".
ولكن لو حصل العكس فيقال: "سحقا لأفرادها".
وهذا هو الشر المؤلم في البشر!

* * *

— 836 —
إن لم تكن غاية وهدف فالأنانية تقوى
إن لم يكن للإنسان غاتوي. إف مثالي، أو نُسيت تیلك الغايیة، أو تنوسيت، توجهت الأذهیان إلى الأنانيات وحیامیت حیولها.
أي يتقوى " أنا " كلِ فرد، وقد يتحدد ويتصلب حتى لا يمكن خرقه ليصبح "نحن" فالذين يحبون " أنا " أنفسِهم لا يحبون الآخرين حبّا حقيقيا.

* * *

: "لا الاضطرابات بموت الزكاة وحياة الربا
إن معدن جميع أنواع الاضطرابات والقلاقل والفساد وأصلها، وان محرك جميع أنواع السيئات والأخلاق الدنيئة ومنبعها كلمتان اثنتان أو جملتان فقط:
الكلمة الأولى:إذا شبعتُ أنا فمهناك.. مات غيري من الجوع.
الكلمة الثانية:تحمّل أنتَ المشاق لأجل راحتي، اعمل أنت لآكل أنا. لك المشقة وعليّ الأكل.
والدواء الشافي الذي لكا له شأفة السم القاتل في الكلمة الأولى هو الزكاة، التي هي ركن من أركان الإسلام.
والذي يجتث عرق شجرة الزقوم المندرجة في الكلمة الثانية هو تحريم الربا.
فإن كانت البشرية تريد صلاحا وحياة كريمة فعليها أن تفرض الزكاة وترفع ا به في * * *
على البشرية قتل جميع أنواع الربا إن كانت تريد الحياة
لقد انقطعت صلة الرحم بين طبقة الخواص والعوام. فانطلقت من العوام أصداء الاضطرابات وصرخات الانتقام، ونفثات الحسد والحقد. ونیزلت من الخواص على العوام نار الظلم والإهانة، منتهى لتكبر ودواعي التحكم.
— 837 —
بينما ينبغي أن يصعد من العوام الطاعةُ والتودد والاحترام والانقياد، بشرط أن ينیزل عليه من الخواص الإحسان، والرحمة، والشفقة، والتربية.
فإن أرادت البحاجته وام الحياة فعليها أن تستمسك بالزكاة وتطرد الربا.
إذ إنّ عدالة القرآن واقفة بباب العالم وتقول للربا: "ممنوع، لا يحق لك الدخول ارجع!".
ولكن البشرية لم تصغِ إلى هذا الأمر، فتلقّت صفعة قوية.
اتُ حُإشارة مستقبلية قوية حيث لم تسمع البشرية هذا النداء فتلقت صفعة قوية من يد الحرب العالمية الثانية. (المؤلف).
وعليها أن تصغي إليه قبل أن تتلقى صفعة أخرى أقوى وأمرّ.
* * * ومحورد كسر الإنسان قيد الأسر وسيكسر قيد الأجر
لقد قلتُ في رؤيا: إن الحروب الطفيفة بين الدول والشعوب تتخلى عن مواضعها إلى صراعات أشد ضراوةً بين طبقات البشر؛ لأن الإنسان لم يرضَ في أدواره التاريخية بالأسر، بل كسر الأغلال بدمه. وبحانه آن أصبح أجيرا يتحمل أعباءه، وسيكسرها يوما ما.
لقد اشتعل رأس الإنسان شيبا، بعد أن مرّ بأدوار خمسة:
الوحشية، والبداوة، والرَّق، وأسر الإقطاع، وهو الآن أجير. هكذا بدأ وهكذا يمضي.

* * *

الطريق غير ، خسروع يؤدي إلى خلاف المقصود
"القاتل لا يرث"
[٭]: أبو داود، الديات ١٨؛ الترمذي، الفرائض ١٧؛ ابن ماجه، الفرائض ٨، الديات ١٤؛ الدارمي، الفرائض ٤١؛ أحمد بن حنبل، المسند ١/٤٩.
دستور عظيم.
إن الذي يسلك طريقا غير مشروع لبلوغ مقصده، غاصيف بك يجازى بخلاف مقصوده.. فمحبة أوروبا غير المشروعة وتقليدها والألفة بها كان جزاؤها العداء الغادر من المحبوب! وارتكاب الجرائم.
نعم، فالفاسق محروم لا يجد لذةً ولا نجاة.

* * *

— 838 —
في الجبرية والمعتزلة حبة من حقيقة
يا طلجنّ أحقيقة! إنّ الشريعة تنظر إلى الماضي وإلى المصيبة غير نظرتها إلى المستقبل وإلى المعصية.
إذ تنظر إلى الماضي وإلى المصائب بنظر القدر الإلهي، فالقول هنا للجبرية.
أما المستقبل والمعاصي فتنظر إليهما بنظر التكليف الإلهي، فالقول هنا للمعتزالفكر كذا تتصالح الجبرية والمعتزلة.
ففي هذه المذاهب الباطلة تندرج حبة من حقيقة، لها محلها الخاص بها، وينشأ الباطل من تعميمها.

* * *

العجز والضياءشأن الضعفاء
إن رُمتَ الحياة، فلا تتشبث بالعجز فيما يمكن حلّه.
وإن رُمتَ الراحة فلا تستمسك بالجزع فيما لا علاج له.

* * *

قد يؤدي الشيء الصغير إلى عظائم الأمور
ستكون هناك أحوال،ةً ومأإن حركة بسيطة عندها تسمو بالإنسان إلى أعلى عليين.
وكذا تحدث حالات، بحيث إن فعلا بسيطا يردي بصاحبه إلى أسفل سافلين.

* * *

آن واحد يعدل سنة عند بعضهم
فطرة الأشياء قسمان: قسم يسطع في الحال، وقسم آخر يتألق بالتدرج، ويسمو رويمن ثبودا.
فطبيعة الإنسان تشبه كليهما معا. وهي تتبدل حسب الشروط والأحوال.
فتمضي أحيانا بشكل تدريجي، وأحيانا تتفجر نارا مضيئة تفجر البارود الأسود.
— 839 —
ورُبَّ نظرة تحول الفحم ألماسا.
ورُبَّ مسّ يحوِّلُ الحجر إكسيرا.
فنظرة من ال و ل) تقلب الأعرابي الجاهل عارفا باللّٰه منورا في الحال.
وإن سألت ميزانا، فدونك عمر بن الخطاب رضي اللّٰه عنه قبل الإسلام وبعده.
ومثالهما:البذرة والشجرة التي أعطت ثمارها اليانعة دفعة واحدة.
فحوّل ذاك ال الكريلنبوي وهمّتُه الفِطرَ المتفحمة في الجزيرة العربية إلى ألماسات لامعات.
وتحولت السجايا المظلمة المحرقة -كالبارود الأسود- إلى خصال فاضلة نيّرة.

* * *

الكذب لفظ كافر
حبة واحدة من صدق تبيد بيدرا من الأكاذيب.
إنّ حقيقة واحدة تمام ناحا من خيال.
فالصدق أساس عظيم وجوهر ساطع،
وربما يتخلى عن مكانه للسكوت، إن كان فيه ضرر، ولكن لا موضع للكذب قطعا، مهما يكن فيه من فائدة ونفع.
ليكن كلامُك كله صدقا ولتكن أحكامك كلها حقا،
ولكن عليك أن تدرك هذا: أنه لالساعة"لك أن تبوح بالصدق كله.
اتخذ هذه القاعدة دستورا لك: "خذ ما صفا دع ما كدر". فانظر بُحسن وشاهد بُحسنٍ ليكون فكرُك حسنا، وظُنّ ظنّا حسنا، وفكِّر حسنا لتجد الحياة اللذوفي الهانئة.
إن الأمل المندرج في حسن الظن ينفخ الحياة في الحياة،
بينما اليأس المخبوء في سوء الظن ينخر سعادة الإنسان ويقتل الحياة.

* * *

— 840 —
مجلس في عالم المثال
(موازنة بين الحضارة الحاضرة والشريعق كل شاء، والدهاء العلمي والهدى الإلهي)
إبان الهدنة، نهاية الحرب العالمية الأولى، وفي ليلة من ليالي الجمعة، دخلت مجلسا مهيبا في عالم المثال، وذلك في رؤيا صادقة، فسألوني: ماذا سيحدث لعالم الإسلام عقب هذه الهزيم أولئكأجبت بصفتي ممثلا عن العصر الحاضر، وهم يستمعون إليّ: إن هذه الدولة التي أخذت على عاتقها -منذ السابق- حماية استقلال العالم الإسلامي، وإعلاء كلمة اللّٰه بالقيام بفريضة الجهاد -فرضا كفائيا- ووضعت نفسهاات الطالتضحية والفداء عن العالم الإسلامي الذي هو كالجسد الواحد حاملةً راية الخلافة، أقول: إن هذه الدولة، وهذه الأمة الإسلامية، ستعوّض عن هذا البلاء الذي أصابها، سعادة يرفل بها العالم الإسلامي، وحرية يتمتع بها، ولتتسنبى المصائب والأضرار الماضية، فالذي يكسب ثلاثمائة بدفع ثلاثٍ لا شك أنه غير خاسر، وذو الهمة يبدل حاله الحاضرة إلى مستقبل زاهر. فهذه المصيبة قد بعثت خميرة حياتنا التي هي الشفقة والأخوة وا حية و بين المسلمين بعثا خارقا.
إن تنامي الأخوة بين المسلمين يُسرع في هزّ المدنية الحاضرة ويقرب دمارها، وستتبدل صورة المدنية الحاضرة، وسيقوَّض نظامُها. وعندها تظهر المدنية الإسالَها وسيكون المسلمون أول من يدخلونها بإرادتهم.
وإن أردت الموازنة بين المدنية الشرعية والمدنية الحاضرة، فدقق النظر في أسس كلٍّ منهما ثم انظر إلى آثارهما.
إن أسس المدنية الحاضرة سلبية، وهي أسس خمسة، تدور عليها رحاها.
فنقطة استنادةُ الأقوة بدل الحق، وشأن القوة الاعتداء والتجاوز والتعرض، ومن هذا تنشأ الخيانة.
هدفها وقصدها: منفعة خسيسة بدل الفضيلة، وشأن المنفعة: التزاحم والتخاصم، ومن هذا تنشأ الجناية.
— 841 —
دستورها في الحياة: الجدال والخصام بدل هو الون، وشأن الخصام: التنازع والتدافع، ومن هذا تنشأ السفالة.
رابطتها الأساس بين الناس: العنصرية التي تنمو على حساب غيرها، وتتقوى بابتلاع الآخرين. وشأن القومية ار لمحة والعنصرية: التصادم المريع، وهو المشاهد. ومن هذا ينشأ الدمار والهلاك.
وخامستها:هي أن خدمتها الجذابة، تشجيع الأهواء والنوازع، وتذليل العقبات أمامهما، وإشعرّف اشهوات والرغبات. وشأن الأهواء والنوازع دائما: مسخ الإنسان، وتغيير سيرته، فتتغير بدورها الإنسانية وتمسخ مسخا معنويّا.
إن معظم هؤلاء المدنيين، لو قلبتَ باطنَهم على جهاز و، لرأيت في صورتهم سيرة القرد والثعلب والثعبان والدب والخنیزير.
نعم، إن خيالك لَيَمَسُّ فراء تلك الحيوانات وجلودها.. وآثارهم تدل عليهم.
إنه لا ميزان في الأرض غير ميزان الشريعة. إنها رحمة مهداة نیزلت من سماء القرآن العظيم.
أما أسزالة عة القرآن الكريم، فهي إيجابية تدور سعادتُها على خمسة أسس إيجابية.
نقطة استنادها: الحق بدل القوة، ومن شأن الحق دائما: العدالة والتوازن. ومن هذا ينشأ السلام ويزول الشقاء.
وهدفها:الفضيلة بدل المنفعة، وشأن الفضيلة: المحبة والتمدة الومن هذا تنشأ السعادة وتزول العداوة.
دستورها في الحياة: التعاون بدل الخصام والقتال، وشأن هذا الدستور: الاتحاد والتساند اللذان تحيا بهما الجماعات.
وخدمتها للمجتمع: بالهدى ب النافهواء والنوازع، وشأن الهدى: الارتقاء بالإنسان ورفاهه إلى ما يليق به مع تنوير الروح ومدّها بما يلزم.
— 842 —
رابطتها بين المجموعات البشرية: رابطة الدين والانتساب الوطني وعلاقة الصنف والمهنة وأخوة الإيمان. وشأزمان أالرابطة: أخوة خالصة، وطرد العنصرية والقومية السلبية.
وبهذه المدنية يعم السلام الشامل، إذ هو في موقف الدفاع ضد أي عدوان خارجي.
والآن ندرك لِمَ أعرض العجعل سبإسلامي عن المدنية الحاضرة، ولَم يقبلها، ولَم يدخل المسلمون فيها بإرادتهم. إنها لا تنفعهم، بل تضرهم. لأنها كبّلتهم بالأغلال، بل صارت سما زعافا للإنسانلأزلي؛ا من أن تكون لها ترياقا شافيا؛ إذ ألقت ثمانين بالمائة من البشرية في شقاء، لتعيش عشرةٌ بالمائة منها في سعادة مزيفة. أما العشرة الباقية فهم حيارى بين هؤلاء وهؤلاء.
وتتجمت الحكباح التجارية بأيدي أقلية ظالمة، بينما السعادة الحقة، هي في إسعاد الجميع، أو في الأقل أن تصبح مبعث نجاة الأكثرية.
والقرآن الكريم النازل رحمة للعیالمين لا يقبل إلّا طرازا من الملام والتي تمنح السعادة للجميع أو الأكثرية، بينما المدنية الحاضرة قد أطلقت الأهواء والنوازع من عقالها، فالهوى حر طليق طلاقة البهائم، بل أصبح يستبد، والشهوة تتحكم، حتى جعلتا ضلالةات غير الضرورية في حكم الضرورية. وهكذا مُحيت راحة البشرية؛ إذ كیان الإنسان في البداوة محتاجا إلى أشياء أربعة، بينما أفقرته المدنية الحاضرة الآن وجعلته في حاجة إلى مائة حاجة وحاجة. حتى لم يعد السعي الحیلال كافيا لسد النفقات، فدفعت المدنيذا تَبرية إلى ممارسة الخداع والانغماس فیي الحرام. ومن هنا فسدت أسس الأخلاق، إذ أحاطت المجتیمع والبشرية بهالة من الهيبة ووضعت في يدها ثروة الناس فأصبح الفرد فقيرا وفاقدا للأخلاق.
واقع خطرعلى هذا كثير، حتى إن مجموع ما ارتكبته البشرية من مظالم وجرائم وخيانات في القرون الأولى قاءتها واستفرغتها هذه المدنية الخبيثة مرة واحدة. وسوف تصاب بالمزيد من الغثيان في قابل أيامها
(٭): معنى أنها ستتعد بخيئًا أشد وأفظع. نعم، لقد قاءت واستفرغت بحربين عالميتين حتى لطخت بالدم البر والبحر والهواء (المؤلف).
ومن هنا ندرك لِمَ يتوانى العالم الإسلامي في قبولها ويتحرج. إن استنكافه منها له مغزى يلفت النظر.
إخباره، إن النور الإلهي في الشريعة الغراء يمنحها خاصة مميزة وهي الاستقلال الذي يؤدي إلى الاستغناء.
— 843 —
هذه الخاصية لا تسمح أن يتحكم في ذلك النییور دهاء [٭]: كلمة "الدهاء" في هذا المبحث يقصد منها، المفاهيم المادية التي تتبناها حضارة الغرب. أو ية، لاالمادي في فلسفته. ولقد أبقينا الكلمة كما هي لما فيها من تجانس جميل مع الهدى. روما -الممثل لروح هذه المدنية- ولا يطعّم بها ولا يمتزج معها. ولن تكون الشريعة تابعة لذلك الدهاء.
إذ الشريعة تُرتناهية روح الإسلام الشفقة وعزة الإيمان. فلقد أخذ القرآن بيده حقائق الشريعة. كل حقيقة منها عصا موسى (في تلك اليد). وستسجد له تلك المدنية الساحرة سجدة تبجيل وإعجاب.
والآن دقق النظر في هذا: كانت روما ال منها واليونان يملكان دهاءً، وهما دهاءان توأمان، ناشئان من أصل واحد. أحدهما غلب الخيال عليه. والآخر عبد المادة. ولكنهما لم يمتزجا، كما لا يمتزج الدهن بالماء. فحافظ ك هناك ا على استقلاله رغم مرور الزمان، ورغم سعي المدنية لمزجهما، ومحاولة النصرانية لذلك. إلّا أن جميع المحاولات باءت بالإخفاق.
والآن، بدلت تلكما الروحان جسديهما، فأصبح الألمان جسد أحدهما والفرنسيون جسد الآخر. وكأنهما قد تناسخا منهما.
ول
الر الزمان أن ذينك الدهاءين التوأمين قد ردّا أسباب المزج بعنف، ولم يتصالحا إلى الوقت الحاضر.
فلئن كان التوأمان الصديقان الأخوان الرفيقان في واء أكقد تصارعا ولم يتصالحا، فكيف يمتزج هدى القرآن -وهیو من أصل مغاير ومعدنٍ آخر ومطلع مختلف- مع دهاء روما وفلسفتها؟! فذلك الدهاء، وهذا الهدى مختلفان في المنشأ. نورا هدى نیزل من السماء.. والدهاء خرج من الأرض.
الهدى فعّال في القلب، يدفع الدماغ إلى العمل والنشاط. بينما الدهاء فعال في الدماغ، ويعكرّ صفو القلب ويكن الذا الهدى ينور الروح حتى تثمر حباتها سنابل، فتتنور الطبيعة المظلمة، وتتوجه الاستعدادات نحو الكمال، ولكن يجعل النفس الجسمانية خادمة مطيعة، فيضع في سيماء الإنسان الساعي الجاد صورة المَلَك... أما الدهاء فيتوجّه مقدما إلى النفس والجسم ويخوض
#8ل على الطبيعة، ويجعل النفس المادية مزرعة لإنماء الاستعداد النفساني وترعرعه. بينما يجعل الروح خادمة، حتى تتيبس بذورها وحباتها، فيضع في سيماء الإنسان صورة الشيطان.
الهدى يمنح الّ منهملحياة الإنسان في الدارين وينشر فيهما النور والضياء، ويدفع الإنسان إلى الرقي. أما الدهاء الأعور كالدجال، فيفهم الحياة أنها دار واحدة فحسب، لذا يدفع الإنسان ليكون عب نظراادة، متهالكا على الدنيا حتى يجعله وحشا مفترسا.
نعم، إن الدهاء يعبد الطبيعة الصماء، ويطيع القوة العمياء. أما الهدى فإنه يعرف الصنعة المّنه لللشعور، ويقدّر القدرة الحكيمة.
الدهاء يسدل على الأرض ستار الكفران.. والهدى ينثر عليها نور الشكر والامتنان.
ومن هذا السر: فالدهاء أعمى أصم.. والهدى سميع بصير.
إذ في نظر الدهاجرّد، مالك للنعم المبثوثة على الأرض ولا مولى يرعاها، فيغتصبها دون شكران، إذ الاقتناص من الطبيعة يولد شعورا حيوانيا... أما في نظر الهدى فإن النعم المبسوطة علتي وزرض هي ثمرات الرحمة الإلهية، وتحت كلٍ منها يد المحسن الكريم. مما يحض الإنسان على تقبيل تلك اليد بالشكر والتعظيم.
زد على ذلك: فمما لا ينبغي أن ننكر أن في المدنية محاسن كثيرة، إلّا أنها ، حتى ن صنع هذا العصر، بل هي نتاج العالم وملك الجميع، إذ نشأت بتلاحق الأفكار وتلاقحها، وحث الشرائع السماوية -ولا سيما الشريعة المحمدية- وحاجة الرائع البشرية. فهي بضاعة نشأت من الانقلاب الذي أحدثه الإسلام. لذا لا يتملكها أحد من الناس.
وهنا عاد رئيس المجلس فسأل قائلا: يا رجل هذا العصر! إن البلاء ينیزل دوما نتيجة الخيانة، وهو سبب الثواب. ولقد صفع القدر سين وقونیزل القضاء بهذه الأمة. فبأيٍ من أعمالكم قد سمحتم للقضاء والقدر حتى أنیزل القضاء الإلهي بكم البلاء ومسّكم الضر؟ فإن سبب نیزول المصائب العامة هو خطأ الأكثرية من الناس.
قلت: إن ضلال البشرية وعنادههية الرودي وغرورها الفرعوني، تَضخَّم وانتفش حتى بلغ السماء ومسّ حكمة الخلق، وأنیزل من السماوات العلى ما يشبه الطوفان والطاعون والمصائب والبلايا.. تلك هي الحرب العالمية الحاضرة. إذ أنیزل اللّٰه سبحانه لطمة قو بالسج
— 845 —
الكفار. بمعنى أن هذه المصيبة كانت تعم البشرية نوعًا كاملًا. لأن أحد أسبابها التي يشترك فيها الناس كلهم هو الضلال الناشئ من الفكر المادي، والحرية الحيوانية، وتحكّم الهوى.
أمقره، وعود إلينا من سبب فهو: إهمالنا أركان الإسلام وتركنا الفرائض؛ إذ طلب منا سبحانه وتعالى ساعة واحدة من أربع وعشرين ساعة، طلبها لأجلنا نحن، لأداء الصلوات الخمس، فتقاعسنا عنها. وأهملناها غافلين،فجازانا بتدريب شالذات م لأربع وعشرين ساعة طوال خمس سنوات متواليات، أي أرغمنا على نوع من الصلاة! وأنه سبحانه طلب منا شهرا من السنة نصوم فيه رحمة بأنفسنا. فعزّت علينا نفوسُنا فأرغمنا على صوم طوال خمس سنوات، كفّارة لذنوبنا. وأنه سبحانه طلب منا الزكاة عُشرا أف هذا)ا من أربعين جزءا من ماله الذي أعطاه لنا، فبخلنا وظلمنا وخلطناه بالحرام، ولم نعطها طوعا. فأرغمنا على دفع زكاة متراكمة. وأنقذنا من الحرام، فالجآن، وش جنس العمل.
إن العمل الصالح نوعان: أحدهما: إيجابي واختياري. والآخر: سلبي واضطراري.
فالآلام والمصائب كلها أعمال صالحة سلبية اضطرارية، كما ورد في الحديث الشريف وفيه سلواننا وعزاؤنا. [٭]: انظر: مسلم، الزهدنظير للدارمي، الرقاق ٦١؛ أحمد بن حنبل، المسند ٤/٣٣٢، ٥/٢٤؛ ابن حبان، الصحيح ٧/١٥٥؛ الطبراني، المعجم الكبير ٨/٤٠. ولهذا، فلقد تطهرت هذه الأمة المذنبة وتوضأت بدمها. وتابت توبة فعلية. وكان ثوابها العاجل رفع خُمس هذه الأمة العثمانية -أي أة النولايين من الناس- إلى مرتبة الولاية ومنحهم درجة الشهادة والمجاهدين.. هكذا كفّر عن الذنوب.
استحسن مَن في المجلس الرفيع المثالي هذا الكلام. وانتبهتُ من نومي، بل قد نمتُ مجددا باليقظة. لأنني أعتقد أن اليقظة رؤياوتة.
يا نوع من اليقظة.
سعيد النورسي هنا، ممثل العصر هناك.

* * *

— 846 —
إذا تسلَّم الجهلُ المجازَ حوّله إلى حقيقة
إذا وقع المجاز من يد العلم إلى يد الجهل ينقلب حقيقة ويفتح أبوابا إلى الخرافات. فلقد رأيتُ أيام صباي كائناتلقمر، سألتُ والدتي عن السبب، فقالت: ابتلعه الثعبان. قلت: لِمَ يشاهد إذن؟. قالت: الثعابين هناك نصف شفافة!
وهكذا ظُن المجاز حقيقة. إذ يخسف القمر بأمر إلهي بحيلولة الأرض بلى اللمس والقمر وعند نقطتي تقاطع مدارهما وهما الرأس والذنب.
وقد أطلق على ذينك القوسين الموهومين اسم "التنين" أي الثعبان ولكن الاسم الذي أطلق حسب تشبيه خياليّ تحوّل إلى مسمًى (حقيقي).

* * *

لطَنةًلغة ذم ضمني
إذا وصفت شيئا فصفْه على ما هو عليه. أعتقد أن المبالغة في المدح ذم ضمني. لا إحسان أكثر من الإحسان الإلهي.

* * *

الشهرة ظالمة
الشهرة مستبدة متحكمة، إذ تُمَلِّكُ صاحبَها مّعى أحملِكُ؛
فالخواجة نصر الدين (جحا) لا يملك من لطائفه المنتشرة غير العُشر.
وهالة الخيال التي وضعت حول "رستم السيستاني" قد أغارت على مفاخر إيران لعصر كامل. فلقد انتعش الغصب صنعته ذلك الخيال، حتى اختلط بالخرافات وألقى الإنسان فيها.

* * *

— 847 —
الذين يعزلون الدين عن الحياة يردون المهالك
إنّ خطأ "تركيا الفتاة" [٭]: تركيا الفتاة أو ً وشاهرك": يطلق هذا الاسم على الجماعات والأفراد المعارضين للحكم في الدولة العثمانية منذ عهد السلطان عبد العزيز وحتى عزل السلطان عبد الحميد الثاني (١ميعَ ايث استطاعت جمعية الاتحاد والترقي أن تحل محلها، وبالتعاون مع قوى خارجية وبإسناد من الدول الكبرى استطاعت هذه الجمعية من عزل السلطان عبد وال الثاني من الحكم. وأصبح تعبير "تركيا الفتاة" علما للمعارضة السياسية آنذاك، لذا قد يطلق على منتسبي الاتحاد والترقي كذلك. نابع من عدم معرفتهم أن الدين أساس الحياة؛ فظنوا أن الأمة شيء والإسلام شيء آخر؛ وهما متملدون
ذلك لأن المدنية الحاضرة، أوحت بذلك واستولت على الأفكار بقولها: إن السعادة هي في الحياة نفسها. إلّا أن الزمان أظهر الآن أن نظام المدنية فاسد ومضرّ. (٭): إشارة واضحة إلى المدنية الظالمة الملحدة التي تعاني السكرات.(المؤلف). والتجارب الللغة اأظهرت لنا: أن الدين حياة للحياة ونورها وأساسها.
إحياء الدين إحياء لهذه الأمة. لقد أدرك هذا العالمُ الإسلامي. إن رقي أمتنا هو بنسبة تمسكها بالدين، وتدنيها هو بمقدار إهمالها له، بخلاف الدين الآخر. هذه حقيقة تاريخية، قد ته الصو

* * *

الموت ليس مرعبا كما يُتوهم
الموت تبديل مكان، وتحويل موضع، وخروج من سجن إلى بستان. فليطلب الشهادةَ من يريد الحياة. والقرآن الكريم ينص على حياة الشهيد.
الشهيد الذي لم يذق ألم السكرات يَعدّ ضيع هويًّا. وهو يرى نفسه هكذا، إلّا أنه يجد حياته الجديدة نیزيهة طاهرة أكثر من قبل، فيعتقد أنه لم يمت. والنسبة بين الأموات والشهداء شبيهة بالمثال الآتي:
رجلان يتجولان في الرؤيا في بستان زاهر جامع لأنواع اللذائذ؛ أحدهما يعرف أن لباخرةراه هو رؤيا، لذا لا يستمتع كثيرا، وربما يتحسر. والآخر يظن أن ما يراه في الرؤيا حقيقة في عالم اليقظة فيستمتع ويتلذذ حقيقة.
الرؤيا ظلُ عالم المثال، وعا يضربمثال ظلُ عالم البرزخ، ومن هنا تتشابه دساتير هذه العوالم.

* * *

— 848 —
السياسة الحاضرة شيطان في عالم الأفكار ينبغي الاستعاذة منها
إظيمة، سة المدنية الحاضرة تُضحي بالأكثرية في سبيل الأقلية، بل تُضحي قلة قليلة من الظلمة بجمهور كبير من العوام في سبيل مقاصدها.
أما عدالة القرآن الكريم، فكلُّ طحي بحياة بريء واحد، ولا تهدر دمه لأي شيء كان، لا في سبيل الأكثرية، ولا لأجل البشرية قاطبة. إذ الآية الكريمة:
مَن قَتَل نفسًا بغير نفسٍ أو فسادٍ في الارض فكأنما قَتَل الناسَ جميعًا
(المائدة:٣٢) تضع سرّين عظيمين أمام نظر الإنسان:
الأول:ايَّدَت المحضة، ذلك الدستور العظيم الذي ينظر إلى الفرد والجماعة والشخص والنوع نظرة واحدة، فهم سواء في نظر العدالة الإلهية مثلما أنهم سواء في نظر القدرة الإلهية. وهذه سُنة دائمة. إلّا أن الشخص يستطي الأمثبة من نفسه- أن يُضحي بنفسه، من دون أن يُضحّى به قطعا، حتى في سبيل الناس جميعا. لأن إزهاق حياته وإزالة عصمته وهدر دمه شبيه بإبطال حق الناس جميعا وبإكريات،صمتهم وهدر دمائهم جميعا.
والسر الثاني:هو لو قتل مغرور بريئا دون ورع، تحقيقا لحرصه وإشباعا لنیزواته وهوى رغباته، فإنه مستعد لتدمير العالم والجنس البشري إن استطاع.

* * *

الضعف يشجع الخصم
أيهاكن بأجف الضعيف! إنّ خوفك وضعفك يذهبان سدًى، لا طائل وراءه، بل يكونان عليك لا لك. لأنهما يشجعان الآخرين ويثيران شهيتهم لافتراسك.
أيها المرتاب! إنّ مصلحة محققة لا يُضحى بها في سبيل مضرة موهومة. فعليك بالسعي والنتيجة موكولة إيَّنا ّٰه تعالى. فإن للّٰه أن يختبر عبده ويقول له إن قمتَ بهذا سأكافئك بكذا، ولكن ليس للعبد أن يختبر ربه قائلا: فليوفقني اللّٰه تعالى في هذا لأعمل هذا كذا. فإن قال هكذا فقد تجاوز حدّه.
— 849 —
وقد قال إبليس يوما لعيسى بن مريم عليه السلام: مادام الأما
للّٰه، ولن يصيبك إلّا ما كتبه عليك فارمِ نفسك من ذروة هذا الجبل، وانظر ماذا يفعل بك؟
فقال له عيسى عليه السلام: يا ملعون إن للّٰه أن يختبر عبده وليس للعبد أن يختبر ربه!

* * *

لا تفرط فيما يعجبك
قد يكون دواء مرضٍ داءً هذا اآخر وينقلب بلسَمُه الشافي سما زعافا، إذ لو جاوز الدواءُ حدَّه انقلبَ إلى ضدّه.

* * *

عين العناد ترى المَلَك شيطانا
أمر العناد هو: أنه إذا ما ساعد شيطان امرءا قال له:ين هم مَلَك" وترحّم عليه. بينما إذا رأى مَلكا في صف مَن يخالفه في الرأي؛ قال: "إنه شيطان قد بدّل لباسه" فيعاديه ويلعنه.

* * *

لا تثر الاختلاف لأجل الأحق بعد وجدانك الحق
يا طالب الحقيقة! إن كان في الحقا لبيتٌ وفي الأحق اختلافٌ، يكون الحقُ أحقَّ من الأحقِّ، والحَسنُ أحسنَ من الأحسن.

* * *

الإسلام دين السلام والأمان، يرفض النیزاع والخصام في الداخل
أيها العالم الإسلامي!اًّ شداتك في الاتحاد.
إن كنت طالبا للاتحاد فاتخذ هذا دستورك:
لابد أن يكون "هو حق" بدلا من "هو الحق". و"هو الأحسن" بدلًا من "هو الحسن".
إذ يحق لكل مسلم أن يقول في مسلكه ومذهبه: إن هذا "حق" ولا أتعرض لما عداه.
— 850 —
فإن اللّٰهيلا فمذهبي هو الأجمل. بينما لا يحق له القول في مذهبه: إن هذا هو "الحق" وما عداه باطل. وما عندي هو "الحسن" فحسب وغيره قبيح وخطأ!
إنّ ضيق الذهن وانحصاذا لم شيء، ينشأ من حب النفس ثم يكون داءً. ومنه ينجم النیزاع.
فالأدوية تتعدد حسب تعدد الأدواء، ويكون تعددها حقا.. وهكذا الحق يتعدد. والحاجات والأغذية تتنوع، وتنوعها حق.. وهكذا الحق يتنوع.
والاستعدادات ووسائل التربية تتشعب، وتشعبها حق..ب إلهي الحق يتشعب.
فالمادة الواحدة قد تكون داءً ودواءً حسب مزاجين اثنين..
إذ تعطى نسبية مركبة وفق أمزجة المكلفين، وهكذا تتحقق وتتركب.
إن ص بين أ مذهب يحكم حكما مطلقا مهملا من دون أن يعين حدود مذهبه، إذ يدعه لاختلاف الأمزجة، ولكن التعصب المذهبي هو الذي يولد التعميم. ولدى الالتزام بالتعميم ينشأ النیزاع.
كانت هناك هوّات سحيقة ات عظيقات البشر، قبل الإسلام. مع بُعدٍ شاسع عجيب بينهم. فاستوجب تعدد الأنبياء وظهورهم في وقت واحد، كما استوجب تنوع الشرائع وتعدد المذاهب.
ولكن الإسلام أوجد انقلابا في البشرية فتقارب الناس واتحد الشرع وأصبح الرسول واحدا.
وما لم تتسالحميدستويات فان المذاهب تتعدد. ومتى ما تساوت وأوفت التربية الواحدة بحاجات الناس كافة تتحد المذاهب.
— 851 —
في إيجاد الأضداد وجمعها حكمة عظيمة، الذرة والشمس
في قبضة القدرة سواء
ع أن يخي يا ذا القلب اليقظ! إنّ القدرة تتجلى في جمع الأضداد؛ فوجود الألم في اللذة، والشر في الخير، والقبح في الحسن، والضر في النفع، والنقمة في النعمة، والنار في النوورُ، فه سر عظيم. أَتَعرف لماذا؟
إنه لكي تثبت الحقائق النسبية وتتقرر، وتتولد أشياء كثيرة من شيء واحد، وتنال الوجود وتظهر؛ فالنقطة تتحول خطا بسرعة الحركة، واللمعة تتحول بالائكة دائرة من نور. فوظيفة الحقائق النسبية في الدنيا هي حبات تنشأ منها سنابل، إذ هي التي تشكل طينة الكائنات وروابط نظامها وعلائق نقوشها.
أما في الآخرة فهذه الأوامر النسبية تصبح حقائق حقيقية.
فالمراتب التي في الحرارة إنما هي نا أنوار تخلل البرودة فيها. ودرجات الحسن هي من تداخل القبح، فالسبب يصبح علة. فالضوء مدين للظلام، واللذة مدينة للألم، ولا متعة للصحة من دون المرض، ولولا الجنة لما عَذَّبت جهنم، فهي لا تكمل إلّا بالزمهرير، بل لولحسن كل أحرقت جهنم إحراقا تاما.
فذلك الخلّاق القديم أظهر حكمته العظيمة في خلق الأضداد، فتجلت هيبته وبهاؤه. وذلك القدير الدائم أظهر قدرته في جمع الأضداد، فظیهرت عظمته وجلاله.
فما دامكن أن القدرة الإلهية لازمة للذات الجليلة، فبالضرورة لا ضد لتلك القدرة. ولا يتخللها العجز، ولا مراتب في القدرة، ونسبتها واحدة لكل شيء، لا يثقل عليها شيء. وقد أصبحت الشمس مشكاةً لضوء تلك القدرة، وغدا وجه الأرض مرآة لتلك المشیكاة بل حتى عيون الندى أصبن صانعيا لها. فالوجه الواسع للبحر مرآة لتلك الشمس كما تظهرها حبابات ذلك الوجه المتموج. وعيون الندى تتلمع كالنجوم. كل منها يبين الهوية نفسها. حكمة، ظر الشمس يتساوى البحر والندى، فالقدرة نظير هذا. إذ بؤبؤ عين الندى شُميسة تلمع، والشمس الضخمة هي ندى صغير، يستلم بؤبؤ عينها النور من شمس القدرة الإلهية فتدور
— 852 —
دورانَ القمر حول تلك القدرة. والسماوات بحر عظيم لا ساحل له. تتماوج على وجههاادية عالرحمن الحبابات، تلك هي الشموس والنجوم.
وهكذا تجلت القدرة ونثرت على تلك القطرات لمعات النور. فكل شمس قطرة وكل نجم ندى. وكل لمعة صورة. فتلك الشمس العظيمة -الشبيهة بالقطرة- انعكاسأرواح لتجلي ذلك الفيض العظيم فلُميعة من ذلك الفيض تُحوّل الشمس كوكبا دريّا. وذلك النجم الشبيه بالندى يمكّن تلك اللميعة من عينه، وتغدو سراجا، وعينه زجاجة، تزيد المصباحَ ضياءً.

* * *

ادفن حدود ف تحت تراب الخفاء لتنمو
يا ذا المزايا ويا صاحب الخاصية! لا تظلِم بالتعيّن والتشخص، فلو بقيتَ تحت ستار الخفاء، منحتَ إخوانك بركةً وإحسانا. إذ من الممكن ظهورك في كل أخٍ لك، وأن يكون هو أنت بالذاالَ صنذا تجلب الأنظار والاحترام إلى كل أخ. بينما تلقي الظل هنا، بالتعين والتشخص، بعد أن كنت شمسا هناك. فتُسقط شأن إخوانك وتقلل من احترامهم... بمعنى أن التعيّن والتشخص امر للظالمان.
فلئن كان هذا هو أمر المزايا الصحيحة، وصاحبها الصادق وأنت تراه، فكيف بكسب الشهرة والتشخص بالتصنع الكاذب والرياء؟!
فهو إذن سر عظيم وحكمة إلهية ونظام أكمل، أنّ فردا خارقا في نوعه يمنح القيمة والأهمية إلى أفراد نوعه بالستر والخفاء، الطاعوالمثال:
الولي في الإنسان، والأجل في العمر، فقد ظلّا مخفيين. وكذا ساعة الإجابة في الجمعة وليلة القدر في رمضان، والاسم الأعظم في الأسماء الحسنى.
والسر اللطيف في هذه الأمثلة وقيمتها العظيمة هي: أنّ في الإبهام إظهارارة شاملإخفاء إثباتا.
فمثلا:في إبهام الأجل موازنة لطيفة بين الخوف والرجاء، موازنة بين توهم البقاء في
— 853 —
الدنيا وثواب العاقبة؛ فالعمر المجهول الذي يستغرق عشرين سنة أرجح من ألف سنة من عمل ذرة م النهاية، لأنه بعد قضاء نصف هذا العمر يكون المرء كأنه يخطو خطوات إلى منصة الإعدام. فالحزن المستمر المتلاحق لا يدع صاحبه يتمتع بالراحة والسلوان.

* * *

لا رحمة أوسع من رحمته شكر رب
ولا غضب أشد من غضبه سبحانه
لا رحمة تفوق رحمة اللّٰه، ولا غضب يفوق غضبه.
فدع الأمور للعادل الرحيم. إذ فرط الشفقة أليم وفرط الغضب ذميم.

* * *

الإسراف باب السفاهة وهي تقود إلى االصورة
يا أخي المسرف! لقمتان مغذيتان؛ إحداهما بقرش والأخرى بعشرة، هما سيّان قبل دخولهما الفم، وسيّان كذلك بعد مرورهما من الحلقوم... فلا فرق إلّا ذوق يدوم لبضع ثوان، للغافل الأحمق؛ إذ تخدعه حاسة الذوق دوما بهذا الفرق.
فهذه الحاسة حارسةض، واس وناظرة مفتشة للمعدة، ولها تأثير سلبي لا إيجابي، إن أصبحت وظيفتها إرضاء الحارس، كي يديم الذوق للغافل، فيتعكر صفو وظيفتها بدفع أحد عشر قرشا بدلا من واحد، فيجعلها تابعة للشيطان.
لا تتقرب من هذات الترقك إلى أبشع أنواع الإسراف. وأفظع أنواع التبذير.

* * *

حاسة الذوق مأمورة البرق لا تجعل اللذة همها فتفسدها
(٭): هذه القطعة نواة رسالة الاقتصاد. وكأنه قد لخص تلك الرسالة قبل تأليفها في هذه الس هذه، المؤلف).
لقد أسس سبحانه بفضل ربوبيته وحكمته وعنايته في فم الإنسان وأنفه مركزين: وضع فيهما حرّاسَ حدودِ هذا العالم الصغير وعيونه. ونصب كل عرق، بمثابة الهاتف،ّل كلّ كل
— 854 —
عصب في حكم البرق. وجعلت عنايتُه الكريمة حاسةَ الشم مأمورةَ إرسالِ المكیالمات الهاتفية، وحاسة الذوق موظفةَ إرسال البرقيات.
ومن رحمة ذلك الرزاق الحقيقي أنه وضع قائمة الأثمان على الأرزاق، تلك هي: الطعم، واللون، والرائحة.
فالغة إخواص الثلاثة -من قبل الرزّاق- لوحة إعلان، وبطاقة دعوة، وتذكرة رخصة، ومنادية الزبائن وجالبة المحتاجين.
وقد منح ذلك الرزاق الكريم، الأحياء المرزوقة أعضاءً للذوق والرؤية والشم. وزين الأطعمة بمختلف ألوان الزينة والجمال.عزيز، ّي بها القلوب المشتاقة ويثير شوق غير المبالين.
فحالما يدخل الطعام الفم، تخبر حاسةُ الذوق أنحاءَ الجسم برقيا به، وتُبلّغ الشم هاتفيا نوع الطعام الوارد وصنفه. فالحيوانات المتباينة في الرم اللّحاجات، تتصرف وفق تلك الأخبار وتتهيأ على حسبها. أو يأتي الجواب بالرد، فيلفظ الفم الطعام خارجا، بل قد يبصق عليه.
ولما كانت حاسة الذوق مأمورة من قبل الملحدة الإلهية فلا تفسدها بالتذوق المستمر، ولا تخدعها بالتلذذ دوما؛ إذ ستنسى ما الشهية الحقة؟ لورود الشهية الكاذبة إليها، تلك التي تأخذ بلبّها.. فيجازى صاحبُها بالمرض ويعاقب بالعلل جراء خطئها.
اعلم أن اللذة الحقيقية، إنما تنبع من شهية ة الشه.
وأن الشهية الحقة الصادقة تنبع من حاجة حقيقية صادقة.
وفي هذه اللذة الحقة -الكافية للإنسان- يتساوى السلطان والشحاذ.

* * *

نوع ذو ال كالنية يقلب العادات إلى عبادات
لاحظ بدقة، هذه النقطة: كما تصبح العادات المباحة بالنية عبادات، كذلك تكون العلوم الكونية بنوع النظر معارفَ إلهية.
— 855 —
فإذا ما نظرت إلى هذه العلومم الآخحرفيا، مع دقة الملاحظة والتفكر العميق، من حيث الصنعة والإتقان. أي أن تقول: "ما أبدعَ خلق هذا! ما أجملَ صنع الصانع الجليل!" بدلا من قولك: "ما أجملَه"... نعم، إذا ما نظرت إلى الكون من هذه الزاوية تجد أن نقوش المصور الجليل ولمعةَ القصد وة من أن في نظامه وحكمته تنور الشبهات وتبددها... وعندها تتبدل العلوم الكونية معارف إلهية.
ولكن لو نظرت إلى الكائنات بالمعنى الاسمي، ومن حيث "الطبيعهدمة فأنها تولدت بذاتها، فعندها تتحول دائرة العلوم إلى ميدان جهل.
فيا لضياع الحقائق في الأيادي الوضيعة، وما أكثر الأمثلة الشاهدة على هذه الحقيقة.

* * *

في مثل هذا الزمان لا يأذن الشرع لنا باختيار ال
الجسم
كلما نادت اللذائذ ينبغي الإجابة: "كأنني أكلت"
فالذي جعل هذا دستورا له، لم يأكل مسجدا.
(٭): يقع هذا المسجد في حي السلطان محمد الفاتح بإسطنبول. وقد بناه صاحبه مما ادّخره من الأموم، وإنازمة لبنائه بقوله: "كأنني أكلت" كلما اشتهت نفسه شيئا. ومن هنا جاءت التسمية. (المؤلف).
لم يكن أكثر المسلمين في السابق جائعين. فكان الترفّه جائز الاختيار إلى حدٍّ ما. أما الآن فمعظمهم يبيتون جياعا، فلم يعد لنا إذن شرعي للتلذذ. إذ إن فَال السواد الأعظم وغالبية المسلمين بسيطة. فينبغي الاقتداء بهم في الطعام الكفاف البسيط. وهذا هو الأفضل بألف مرة من الانسياق وراء أقلية مسرفة أو ثلة من السفهاء في ترفههم ف من الام.

* * *

سيكون عدم النعمة نعمة
قوة الذاكرة نعمة، ولكن يرجّح عليها النسيان في شخص سفيه وفي زمن البلاء. والنسيان كذلك نعمة، لأنه لا يذيق إلّا آلام يوم واحد وينسي الآلام المتراكمة.

* * *

#نظرُ افي كل مصيبة جهة خير
أيها المبتلى ببلية! إنّ نعمةً ما مندرجةٌ ضمن كل مصيبة. لاحظْها بدقة لتشاهدها. إذ كما توجد درجة حرارةٍ في كل شيء، ففي كل مصيبة توجد درجة من النعمة.
شاهد درجة النعمة هذه في البلية الصغرى، وفكّر بالعظمى واعجب فرك الرحيم. وإلّا، فكلما استعظمتها جفلتَ منها، لأنك إذا ما تأسفت عليها تستعظم وتكبر حتى تتضخم ويصيبك الرعب منها. وإذا ما زدتها بالقلق والأوهام، تتوأمتْ بعد الكتانت واحدة، لأن صورتها الوهمية التي في القلب تنقلب إلى حقيقة ثم تعود تُنیزل بضرباتها الموجعة على القلب.

* * *

لا تظهر بزي الكبير فتصغر
يا من يحمل "أنا" مضاعفا، ويحمل في رأسه غرورا وكبالحسنىيك أن تعرف هذا الميزان:
لكل شخص نافذة يطل منها على المجتمع -للرؤية والإراءة- تسمى مرتبة. فإذا كانت تلك النافذة أرفع من قامة قيمته، يتطاول بالتكبر. أما إذا كانت أخفض من قامة همته يتواضع بالتحدّبنفسك مض، حتى يشهد في ذلك المستوى ويشاهِد.
إن مقياس العظمة في الكاملين هو التواضع.
أما الناقصون القاصرون فميزان الصُغر فيهم هو التكبر.

* * *

تتغير ماهية الخصال بتغير المنازل
خصلة واحدلسماواواضع متباينة وصورة واحدة تكون تارة غولا بشعا وتارة مَلَكا رقيقا ومرةً صالحة وأخرى طالحة. أمثلة ذلك الآتي:
إنّ عزة النفس التي يشعر بها الضعيف تفة الظقوي، لو كانت في القويّ لكانت تكبرا وغرورا. وكذا التواضع الذي يشعر به القوي تجاه الضعيف لو كان في الضعيف لكان تذللا ورياءً.
— 857 —
إنّ جدّية ولي الأمر في مقامه وقار، أما لينه فذلة.
كما أن جديته في بيته دلعة خمس الكبر، ولينه دليل على التواضع.
إنّ صفح المرء عن المسيئين وتضحيته بما يملك، عمل صالح. بينما هو خيانة وعمل طالح إن كان متكلما عن الجماعة.
إنّ التوكل في ترتيب المقدمات إلى اينما تفويض الأمر إلى اللّٰه في ترتّب النتيجة توكل يأمر به الشرع.
إنّ رضى المرء عن ثمرة سعيه وقسمته قناعة ممدوحة، تقويّ فيه الرغبةَ في مواصلة السعي. بينما الاكتفاء بالموجود قناعة لا ترغب، بلشاعره. في الهمة.
وهناك أمثلة كثيرة على هذا: فالقرآن الكريم يذكر "الصالحات" و"التقوى" ذكرا مطلقا. ويرمز في "إبهامهما" إلى تأثير المقامات والمنازل. فإيجازه تفصيل. وسكوته كحانه..سع.

* * *

الحق يعلو
[٭]: "الاسلام يعلو ولا يعلى". انظر: الدارقطني، السنن ٣/٢٥٢؛ البيهقي، السنن الكبرى ٦/٢٠٥؛ الطبراني، المعجم الأوسط ٦/١٢٨،ا ومزام الصغير ٢/١٥٥. والمشهور أيضا على الألسنة: الحق يعلو ولا يعلى عليه، كشف الخفاء ١/١٢٧.
أيها الصديق! سألني أحدهم ذات يوم: لما كان "الحق يعلو" أمرا حقا لا مراء فيه، فلِمَ ينتصر الكافرُ على المسلم، وتغلُبر، وال على الحق؟.
قلت: تأمل في النقاط الأربع الآتية، تنحل المعضلة.
النقطة الأولى:لا يلزم أن تكون كلُّ وسيلةٍ من وسائل كل حقٍّ حقا، كما لا يلزم أيضا أن تكون كلُّ وسيلةٍ من وسائل كلِّ باطلٍ باطلا.
ن يجد نتيجة إذن:إنّ وسيلةً حقة (ولو كانت في باطل) غالبة على وسيلةٍ باطلة (ولو كانت في الحق).
— 858 —
وعليه يكون: حقٌّ مغلوب لباطلٍ. مغلوب بوسيلته الباطلة، ومغلوب مؤقتًا، وإلّا دَهم.
غلوبا بذاته، وليس دائما، لأن عاقبة الأمور تصير للحق دوما.
أما القوة، فلها من الحق نصيب، وفيها سرّ للتفوق كامن في خلقتها.
النقطة الثانية:بينما يجب أن تكون كلُّ صفةٍ من صفات المسلم مسلمةً مثله، إلّا أن هذا ليس أمل ربوبعا، ولا دائما!
ومثله، لا يلزم أيضا أن تكون صفات الكافر جميعها كافرةً ولا نابعةً من كفره.
وكذا الأمر في صفات الفاسق، لا يشترط أن تكون جميعُها فاسقة، ولا ناشئة من فسقه.
إذني بحيثمسلمة يتصف بها كافر تتغلب على صفةٍ غير مشروعة لدى المسلم. وبهذه الوساطة (والوسيلة الحقة) يكون ذلك الكافر غالبا على ذلك المسلم (الذي يحمل صفة غير مشروع تافهة ثم إن حقّ الحياة في الدنيا شامل وعام للجميع. والكفر ليس مانعا لحق الحياة الذي هو تجلٍ للرحمة العامة والذي ينطوي على سر الحكمة في الخلق.
النقطة الثالثة:للّٰه سبحانه وتعالى تجليان -يتجلى بهما على المخلوقات- وهما تجليان شرعيان صادرمن نبحصفتين من صفات كماله جل وعلا.
أولهما:الشرع التكويني -أو السنة الكونية- الذي هو المشيئة والتقدير الإلهي الصادر من صفة "الإرادة الإلهية".
والثاني:الشريعة المعروفة أحد حتة من صفة "الكلام الرباني".
فكما أن هناك طاعةً وعصيانا تجاه الأوامر الشرعية المعروفة، كذلك هناك طاعة وعصيان تجاه الأوامر التكوينية.
— 859 —
وغالبحكمتَهرى الأول (مطيع الشريعة والعاصي لها) جزاءه وثوابه في الدار الآخرة. والثاني (مطيع السنن الكونية والعاصي لها) غالبا ما ينال عقابه وثوابه في الدار الدنيا.
فكما أن ثواب المن الكنصرُ، وجزاء البطالة والتقاعس الذلُّ والتسفّل.
كذلك ثواب السعي الغنى، وثواب الثبات التغلب.
مثلما أن نتيجة السمِّ المرضُ، وعاقبةَ الترياقِ والدواء الشفاء والعافية.
وتجتمع أحيانا أوامر الى وإتين معا في شيء.. فلكلٍ جهة.
فطاعةُ الأمر التكويني الذي هو حقٌّ، هذه الطاعة غالبة -لأنها طاعة لأمر إلهي- على عصيان هذا الأمر بالمقابل، لأن العصيان -لأي أمر تكويني- يندرج فيّٰه وتل ويصبح جزءا منه.
فإذا ما أصبح حق وسيلةً لباطلٍ فسينتصر على باطلٍ أصبح وسيلةً لحق، وتظهر النتيجة:
حق مغلوب أمام باطل! ولكن ليس مغلوبا بذاته، وإنما بوسيلته. إذن فی"الحق يعلو" يعلو بجميع ل والعقبى هي المرادة -فليس العلو قاصرا في الدنيا- إلّا أن التقيّد والأخذ بحيثيات الحق مقصود ولابد منه.
النقطة الرابعة:إن ظلَّ حقٌّ كامنا في طور القوة (أي لم يخرج إلى طور الفعل المشاهَد) تيته.
ضعيفا أو كان مشوبا بشيء آخر، أو مغشوشا، وتطلّب الأمر كشف الحق وتزويده بیقوة جديدة، وجعله خالصا زكيا، يُسلّط عليه مؤقتا باطل حتى يخلُص الحق -نتيجة التدافع- من كل درن فيكونَ طيبا، ولتظهرَ مدى قيمة سبيكة الحق الثمينة جدّا.
فإذا ما انتصر الببعدم ا الدنيا -في مكان وزمان معينين- فقد كسب معركةً ولم يكسب الحربَ كلها، لأن العاقبة للمتقين هي المآل الذي يؤول إليه الحق.
وهكذا الباطل مغلوب -حتى في غلبه الظاهر- وفي "الحق يعلو" سرّ كامن عميق يدُ الصااطل قهرا إلى العقاب في عقبى الدنيا أو الآخرة، فهو يتطلع إلى العقبى. وهكذا الحق غالب مهما ظهر أنه مغلوب!.

* * *

— 860 —
دساتير اجتماعية
إلى مشئت دساتير في المجتمع فدونك:
إن العدالة التي لا مساواة فيها ليست عدالة أصلا..
فالتماثل سبب مهم للتضاد. وأما التناسب فهو أساس التساند.
منبع التكبر صغر النفس، ومنبعك الكار ضعف القلب.
وقد أصبح العجز منشأ المعارضة.
أما حب الاستطلاع فهو أستاذ العلم.
الحاجة أم الاختراع.
والضيق معلم السفاهة.
ولقد أصبح الضيق منبع السفاهة. ومنبع الضيق نفسه هو اليأس وسوء الظن.
فالضلالة ضلالة الفكر.
ات والات تعم القلب.
والإسراف يكون في الأمور الجسدية.

* * *

أضلت النساء البشرية بخروجهن من بيوتهن فعليهن العودة إليها
"إذا تأنث الرجال السف المطيلهوسات إذن ترجل النساء الناشزات بالوقاحات"
(٭): هذه القطعة أساس رسالة "الحجاب" التي أبرزتها المحكمة تهمة لإدانة مؤلفها. إلّا أنها أدانت نفسها وحاكميها إدانة أبدية وألزمتلا يُعجة. (المؤلف).
لقد أطلقت المدنية السفيهة النساء من أعشاشهن. وامتهنت كرامتهن. وجعلتهن متاعا مبذولا.
بينما شرعُ الإسلام يدعو النساء إلى أعشاشهن رحمة بهنّ. فكرامتهن فيها، وراحتهن في بيوتهن وحياتهن في دوام العائم إلى 61
الطهیر زينتهنّ، الخُیلق هيبتهنّ، العفة جمالهنّ، الشفقة كمالهنّ، الأطفال لهوهنّ.
ولا تصمد إزاء جميع هذه الأسباب المفسدة إلّا إرادة من حديد.
كلملطان اْ حسناء في مجلس تسود فيه الأخوّة، أثارت فيهم عروق الرياء والمنافسة والحسد والأنانية، فتتنبه الأهواء الراقدة.
إنّ تكشّف النساء تكشفا دون قيد، أصبح سببا لتكشّف أخلاق البشر السيئة وتناميها.
هذه ازاب:٤٠لتي هي جنائز مصغرة، وأموات متبسمة، لها دور خطير جدّا في الروح الرعناء للإنسان المتحضر. بل إن تأثيرها مخيف مرعب.
(٭): كما أن النظر إلى جثة امرأة نظرة شهوانية، ينظر على دناءة النفس وخستها، كذلك النظر بشهوة إلى صورة جميلة لحسناء ميتة محتاجة إلى الرحمة يطمس مشاعر الروح السامية. (المؤلف).
إن الهياكل والتماثيل الممنوعة شرعا والصور المحرمة، إما إنها ظلم متحجر، أو رياء متجسد، أو هوى منجمد، أو طلسم يجلب تلك الي الطعالخبيثة.

* * *

سعة تصرف القدرة، تردّ الوسائط
إنّ شمسنا تصبح كالذرة إزاء تصرف قدرة القدير ذي الجلال وسعة تأثيرها.
إنّ مساحة تصرفه العظيم في النوع الواحد واسعة جدلسنة ا خذ القوة الجاذبة بين ذرتين، ثم ضعها قرب القوة الجاذبة الموجودة في شمس الشموس وفي درب التبانة... واجلب المَلَك الذي يحمل حبة البَرَد مع ازِ الْ الشبيه بالشمس الذي يحمل الشمس... وضع أصغر سمكة -صغر الإبرة- جنب الحوت العظيم وبعد ذلك تصوَّر التجلي الواسع للقدير ذي الجلال وإتقانه الكامل في أصغر شيء وفي أكبره... عندها تعلم أن الجاذباطل فينواميس كلها إن هي إلّا وسائل سيالة وأوامر عرفية، وليست إلّا أسماء وعناوين لتجلي القدرة وتصرف الحكمة... فهذا هو التفسير لا غير.
فكِّر في هذه الأمور معا تجد بالضرورة؛ أن الأسباب الحقيقية والوسائطدها؛ إنة، وكذا الشركاء، ما هي إلّا أمور باطلة وخيال محال في نظر تلك القدرة الجليلة.
— 862 —
إنّ الحياة كمال الوجود. ولجلالة مقامها أقول: لِمَ لا تكون كرتنا وعالمنا مسخرا مطيعا كالحيوان؟
فللّه سبحانههادة أمن أمثال هذه الحيوانات الطائرة منتشرة في الفضاء الواسع تنشر البهاء والجمال والعظمة والهيبة. إنه سبحانه يديرها ويسيّرها في بستان خلقه.
فالنغمات التي تبعثها تلالأبديئنات والحركات التي تقوم بها هذه الطيور.. تلك الأقوال والأحوال تسبيحات وعبادات للقديم الذي لم يزل، وللحكيم الذي لا يزال.
إن كرتنا الأرضية كثيرة الشبه با المست، إذ إنها تبرز آثار الحياة، فلو صغرت كبيضة صغيرة -بفرض محال- لتحولت إلى حيوان لطيف... ولو كبر حيوان مِجْهَرِىٌّ كروي وأصبح كالكرة الأرضيةذ وهيم شبيها بها... فلو صغر عالمنا صغر الإنسان وانقلبت نجومه إلى ما يشبه الذرات، ربما يكون حيوانا ذا شعور. والعقل يجد مجالا في هذا الاحتمال.
فالعالَم إذن عابد مسبّح يف تكوه، كل ركن مسخّر مطيع، للخالق القدير القديم.
فليس من الضروري أن يكون الكبير كَمًّا كبيرا نوعيةً، بل الساعة الصغيرة صغر الخردل أبدعُ صنعةً وأعظم جزالة من كبيرتها التي هي بكبر "آيا صوا ضارع
فخلق الذبابة أعجب من خلق الفيل.
لو كتب قرآن بقلم القدرة بالجواهر الفردة للأثير على جزءٍ فردٍ، فإن دقة صفحاته تعادل في صنعة الإتقان القرآن اسم الكالمكتوب بمداد النجوم في صحيفة السماء. فهما سيّان في الجزالة والإبداع.
فالصنعة الباهرة بالجمال والكمال للمصور الأزلي مبثوثة هكذا في كل جهة، والاتحاد ائنات الأتم في كمالها يعلن التوحيد.
خذ هذا الكلام البيّن بعين الاعتبار.

* * *

— 863 —
الملائكة أمة مأمورة لتنفيذ الشريعة الفطرية
الشريعة الإلهية اثنتان، وهما آتيتان من صفتين إلهيتين، والمخاطب إنسانان وهم وفي اان بهما:
أولاهما:الشريعة التكوينية الآتية من صفة الإرادة الإلهية، وهي الشريعة والمشيئة الربانية التي تنظّم أحوال العالم -الإنسان الأكبر- وحركاته التي هي ليست اختيارية. وقد يطلق علي ذلك اً اسم الطبيعة.
أما الأخرى:فهي الشريعة الآتية من صفة الكلام الإلهي، هذه الشريعة تنظم أفعال الإنسان الاختيارية، ذلك العالم الأصغر. وتجتمع الشريعتان أحيانا معا.
أما الملائكة فهم أمة عظيمة، جذه الرّٰه، حَمَلة الشريعة الأولى وممثلوها وممتثلوها...قسم منهم عباد مسبّحون، وقسم منهم مستغرقون في العبادة وهم مقربو العرش الأعظم.

* * *

كلما رقّت المادة اشتدت الحياة فيها
الحياة أساس الوجود وأصله.كائناتدة تابعة لها وقائمة بها.
فإذا ما قارنت الحواس الخمس في الإنسان والحيوان المجهري تجد:
كم يكبر الإنسان عن ذلك المجهري، فإن حواسه أدنى من حواسه بالنسن أمثاها. فذلك المجهري يسمع صوت أخيه ويرى رزقه. فلو كَبُر كبر الإنسان لتوسعت حواسه إلى حدّ محيّر للألباب. فحياته تنشر الشعاع، وبصرُه نور سماوي يضاهي البرق.
والإنسان مودَعةيس كائنا ذا حياة مركّب من كتلة من موات. بل هو حجيرة كبيرة مركبة من مليارات من الحجيرات الحية.
"إن الإنسان كصورة "يس" كُتب فيها سورة يس"
فتبارك اللّٰه أحسن الخالقين.
شجان م*
— 864 —
الفلسفة المادية طاعون معنوي
الفلسفة المادية طاعون معنوي، حيث سبّبت في سريان حمّى مهلكة في البشرية، (٭): إشارة إلى الحرب العالمية الأولى. (المؤلف). وعرّضتها للغضب الإلهي.
فكلما توسعت قابلية التمرد والانتقاءً.
تلقين والتقليد- توسّع ذلك الطاعون أيضا وانتشر.
فانبهار الإنسان بالعلوم، وانغماره في تقليد المدنية الحاضرة أعطاه الحرية وروح الانتقاد وور في ، فظهر الضلال من غروره.

* * *

لا تعطُّلَ في الوجود، العاطل يسعى في الوجود في سبيل العدم
إن أشد الناس شقاءً واضطرابا وضيقا هو العاطل يته المل، لأن العطل هو "عدم" ضمن الوجود، أي موت ضمن حياة. أما السعي فهو حياة الوجود ويقظة الحياة.

* * *

الربا ضرر محض في الإسلام
الربا يسبب العطل، ويطفئ جذوة الشوق إلى السعي.
إن أبواب الربعددة مئطه (هذه البنوك) إنما تعود بالنفع إلى أفسد البشر وأسوأهم. وهم الكفار.. وإلى أسوأ هؤلاء وهم الظلمة، وإلى أسوأ هؤلاء وهم السفهاء.
إن ضرر الربا على العالم الإسلامي ضرر محض. والشرع لا يرى تحقيق ت التق البشر مطلقًا في كل حين. إذ الكافر الحربي، لا حرمة له ولا عصمة لدمه.

* * *

— 865 —
القرآن يحمي نفسه بنفسه وينفذ حكمه
(٭): كأن هذا البحث الذي كتب قبل خمس وثلاثين سنة قد كتب هذه السنة، فهو إشارة مستقبلفناء، لَتْهَا إذَن بركة شهر رمضان. (المؤلف).
رأيت شخصا قد ابتلي باليأس، وأصيب بالتشاؤم. يقول: لقد قلّ العلماء في هذه الأيام، وغلبت الكمية الجوعيةَ، نخشى أن ينطفئ ديننا في يوم من الأيام.
قلت: كما لا يمكن إطفاء نور الكون فلا يمكن إطفاء إيماننا الإسلامي، وسيسطع الإسلام في كل آن إن لم تطفأ منارات الدين، معابد اللّٰه، معالم الشرع، تلك هي شعائر الإسلفي الوأوتاد الراسخة في الأرض.
فلقد أضحى كل معبد من معابد اللّٰه معلّما بطبعه يعلّم الطبائع. وصار كلُ مَعْلَمٍ من معالم الشرع أستاذا، يلقن الدين بلسان حاله. منالته اطأ ولا نسيان، وأصبحت كل شَعيرة من شعائر الإسلام، عالما حكيما بذاته، يدرّس روح الإسلام ويبسطه أمام الأنظار بمرور العصور.
حتى كأن روح الإسلام قد تجسم في شعائره. وكأن زلال الإسلام قد تصلب في معابده، عمودا ساندا للإيمان، تلى منحكام الإسلام قد تجسدت في معالمه. وكأن أركان الإسلام قد تحجرت في عوالمه، كل ركن عمود من الألماس يربط الأرض بالسماء. ولا سيما هذا القرآن العظيم، الخطيب المعجز البيان، يلقي خطابا أزليا في أقطار عالم الإسلام.. لم تبقَ ناحية ولا زاوية إلّا واسهي بذاه واهتدت بهديه. حتى صار حفظُه مرتبة جليلة يسري فيها سر الآية الكريمة: .. وانا له لحافظون (الحجر:٩) وغدت تلاوته عبادة الإنس والجان.
فيه تعليم، فيه تذكير بالمسلّمات. إذ النظر الكونقلب إلى مسلّمات بمرور الأزمان، ثم إلى بديهيات حتى لا تدع حاجة إلى بيان.
فقد خرجت الضروريات الدينية من طور النظريات. فالتذكير بها إذن كافٍ والتنبيه وافٍ، والقرآن شافٍ في كل وقتٍ وآن، إذ فيه التنبيه والتذكير.
ويضي مدةمسلمين وصحوتهم الاجتماعية تسلّم لكل فرد ما يخص العموم من الدلائل، وتضع لهم الميزان.
— 866 —
فإيمان كل شخص لا ينحصر بدليله، ولا يستند الوجدان إليه وحده، بل وإلى أسباب لا تحد في قلب الجماعة أيضا.الي إنئن كان رفض مذهب ضعيف يصعب كلما مرّ عليه الزمن؛ فكيف بالإسلام الذي هيمن طوال هذه العصور هيمنة تامة، وهو المستنِد إلى أساسين عظيمين هما: الوحي الإلهي، والفطرة السليمة.
لقد التحم الالعظاموتغلغل في أعماق نصف المعمورة، بأسسه الراسخة وآثاره الباهرة. فسرى روحا فطريًّا فيه. فأنّى يستُره كسوف وقد انیزاح عنه الكسوف توا.
ولكن ويا للأسف! يحاول بعض الكفرة البلهاء وأهل السفسطة أن يتعرضوا لأسس هذا القصر الشاهق العت. فَملما سنحت لهم الفرصة.
ولكن هيهات.. فهذه الأسس لا تتضعضع أبدا.
فليخرس الإلحاد الآن، ولقد أفلس ذلك الديوث.
ألا تكفيه تجربة الكفران ومزاولة الكذب والبهتان.
كانت هذه الدار، دار الفنون (الجامعة). في مقدمة قلاع عالم الإسلام تذلك الكفر والطغيان، بيد أن اللامبالاة والغفلة والعداوة، تلك الطبيعة الثعبانية المنافية للفطرة، شقّت فرجة خلف الجبهة فهاجم منها الإلحاد، واهتزت عقيدة الأمة أي اهتزاز.
فلابد أن تكون طليعة الحصون المستنيرة بروح الإسلام، أكثَرها صلابةا بنیزها انتباها ويقظة، هكذا تكون وإلّا فلا. فلا ينبیغي أن يُخدع المسلمون.
إن القلب مستقر الإيمان، بينما الدماغ مرآة لنوره، وقد يكون مجاهدا، وقد يزاول كنس الشبهات وأدران الأوهام.
فإن لم تدخل الشبي الدنتي في الدماغ إلى القلب فلا يزيغ إيمان الوجدان.
ولو كان الإيمان في الدماغ -كما هو ظن البعض- فالاحتمالات الكثيرة والشكوك تصبح أعداء ألدّاء لروح الإيمان الذي هو حق اليقين.
— 867 —
إن القلب والوجدان محل الإيمان.
والالجميللإلهام دليل الإيمان.
وحسّ سادس طريق الإيمان.
والفكر والدماغ حارس الإيمان.
تدعو الحاجة إلى التذكير بالمسلّمات أكثر من تعليم النظريات
لقد استقرت في القلوب الض الحيا، والمسلّمات الشرعية.
ويحصل المطلوب بمجرد التنبيه للاطمئنان، والتذكير للاستشعار. والعبارة العربية
(٭): لقد أحسّ بحادثة تقع بعد عشر سنوات، فحاول صدها.نَك. تلف).
[٭]: (المقصود فرض إيراد خطبة الجمعة باللغة التركية وحظرها باللغة العربية والذي نفّذ في أواخر العشرينات). (المترجم).
تُنبّه وتذكّر على أفضل وجه وأسماه ولهذا؛ فخطبة الجمعة باللغبد المبية كافية ووافية للتنبيه على الضروريات والتذكير بالمسلّمات. إذ تعليم النظريات ليس مقصود الخطبة.
ثم إن هذه العبارة العربية تمثل شعار الوحدة الإسلامية في أعماقها وأث الإسلام الذي يرفض التشتت.

* * *

الحديث يقول للآية: بلوغك محال
إذا قارنت بين الحديث والآية، ترى بالبداهة أن أبلغ البشر (وهو مبلّغ الوحي الإلهي) لا يبلغ أيضا شأوَ بلاغة الآية، فالحديثلآن كمبهها.
بمعنى أن ما يصدر من فم النبوة من كلام ليس دائما كلام النبي.

* * *

بيان موجز لإعجاز القرآن
رأيت في الماضي فيما يرى النائم: أنني تحت جبل (آرارات). انفلق الجبل على حينتها وتوقذف صخورا بضخامة الجبال إلى أنحاء العالم، فهزّ العالم وتزلزل.
— 868 —
وفجأة وقف بجنبي رجل، قال لي: بيّن بإيجاز ما تعرفه مجملا من أنواع الإعجاز.. إعجاز القرآن.
فكرتُ في تعبير الرؤيا، وأنا ما زلت فيها وقلت:
إن ما حدث هنا من ان أبدعَثال لما يحدث في البشرية من انقلاب، وسيكون هدى القرآن -بلا ريب- عاليا ومهيمنا في هذا الانقلاب. وسيأتي يوم يبين فيه إعجازه.
أجبتُ ذلك السائل قائلا:
إن إعجاز القرآن يتجلى من سبعة منابع كلية، ويتركب من سبعر.. فير.
المنبع الأول:سلاسة لسانه من فصاحة اللفظ؛ إذ تنشأ بارقةُ بيانه من جزالة النظم، وبلاغة المعنى، وبداعة المفاهيم، وبراعة المضامين، وغرابة الأساليب. فيتولد نقش بياني عجيب، وصنعريق ال بديع، من امتزاج كل هذه في نوع إعجاز لا يملّ الإنسان من تكراره أبدا.
أما العنصر الثاني:فهو الإخبار السماوي عن الغيوب في الحقائق الغيبية الكونية والأسرار الغيبية للحقائق الإلهية.
فمن أمور قيقي، المنطوية في الماضي، ومن الأحوال المستترة الباقية في المستقبل تنشأ خزينة علم الغيوب. فهو لسان عالم الغيوب يتكلم مع عالم الشهادة، في أركان "الإيمان" يبينها بالرموز، والهدف هو نوع الإنسان، وما هذا إلّا نوع من لمعة نورذا كانلإعجاز.
أما المنبع الثالث فهو:أنّ للقرآن جامعية خارقة من خمس جهات: في لفظه، في معناه، في أحكامه، في علمه، في مقاصده.
لفظه:يتضمن احتمالات واسعة ووجوها كثيرة بحيث إن كل وجهٍ تستحسنه البته كذلويستصوبه علم اللغة العربية، ويليق بسر التشريع.
— 869 —
في معناه:لقد أحاط ذلك البيان المعجز بمشارب الأولياء وأذواق العارفين، ومذاهب السالكين، وطرق المتكلمين، ومناهج الحكماء، بل قد تضمن كلَّها. ففي دلالاته شمول وفي معناه سعة. فما أوسع هلأرض إيدان إن أطللت من هذه النافذة!.
الاستيعاب في الأحكام:هذه الشريعة الغراء قد اسُتنبطتْ منه، إذ قد تضمن طراز بيانه جميع دساتير سعادة الدارين، ودواعي الأمن والاطمأمران وروابط الحياة الاجتماعية، ووسائل التربية، وحقائق الأحوال.
استغراق علمه:لقد ضم ضمن سُورِ سُوَرِه العلومَ الكونية والعلوم الإلهية، مراتب ودلالات ورموزا وإشارات.
في المقاصد ومن كل ت:لقد راعى الرعاية التامة في الموازنة والاطراد والمطابقة لدساتير الفطرة، والاتحاد في المقاصد والغايات، فحافَظَ على الميزان.
وهكذا، الجامعية الباهرة في إحاطة اللفظ وسعة المعنى واستيعاب الأحكام واستغراق العلم وموازنة الغايات.
أما العنُ النوابع:فإفاضته النورانيةُ حسب درجة فهم كل عصر، ومستوى أدب كل طبقة من طبقاته وعلى وفق استعدادها ورتب قابليتها.
فبابُه مفتوح لكل عصر ولكل طبقة من طبقاته، حتى كأن ذلك لدائرة الرحماني ينیزل في كل مكان في كل حين.
فكلما شاب الزمان شبّ القرآنُ وتوضحت رموزه، فذلك الخطاب الإلٰهي يمزق ستار الطبيعة وحجاب الأسباب فيفجّر نورَ التوحيد من كل آية، في كل وقت. رافعا راييعا وَادة شهادة التوحيد على الغيب.
إن علو خطابه يلفت نظر الإنسان ويدعوه إلى التدبّر؛ إذ هو لسان الغيب يتكلم بالذات مع عالم الشهادة.
يخلص من هذا العنصر: أن شبابيته الخارقة شاملة محيطة، وأنسيته جعلته محبوب الإنس
— 870 —
والجان، وذلك بالتنیز السماإلهية إلى عقول البشر لتأنيس الأذهان، والمتنوعة بتنوع أساليب التنیزيل.
أما المنبع الخامس:فنُقولُه وأخبارُه في أسلوب بديع غزير المعاني، فينقل النقاط الأساس للأخبار الصادقة كالشاهد الحاضر لها. ينقل هكذا لينبّه بها البشر.
ومنقولاته ه سنة مية: أخبار الأولين وأحوال الآخرين، وأسرار الجنة والجحيم، حقائق عالم الغيب، وأسرار عالم الشهادة، والأسرار الإلهية، والروابط الكونية. تلك الأخبار المشاهَدة شهود عيان حتى إنه لا يردّها الواقع ولا يكا، إذ المنطق بل لا يستطيع ردّها أبدا ولو لم يدركها.
فهو مطمَح العالم في الكتب السماوية، إذ ينقل الأخبار عنها مصدّقا بها في مظان الاتفاق، ويبحث فيها مصححا لها في مواضع الاختلاف.
ألا إنه لَمعجزة الأى وشك ن يصدر مثل هذه الأمور النقلية من "أميّ"!
أما العنصر السادس:فإنه مؤسس دين الإسلام ومتضمنه. ولن تجد مثلَ الإسلام إن تحريت الزمانَ والمكان، لا في الماضي ولا في المستقبل. إنه حبل اللّٰه المتين، يمسك الأرض لئلا تفلت، ويديرها دورانا سنويا ويوميّ ومالكقد وضع وقاره وثقله على الأرض، وساسها وقادها وحال بينها وبين النفور والعصيان.
أما المنبع السابع:فإن الأنوار الستة المفاضة من هذه المنابع الستة يمتزج بعضها مع الحقيقيصدر شعاع حُسنٍ فائق، ويتولد حدس ذهني، وهو الوسيلة النورانية.
والذي يصدر عن هذا: ذوق، يُدرَك به الإعجاز.
لساننا يعجز عن التعبير عنه، والفكر يقصر دونه.
فتلك النته بالسماوية تُشاهَد ولا تُستمسك.
— 871 —
طوال ثلاثة عشر قرنا من الزمان يحمل أعداء القرآن روح التحدي والمعارضة..
وتولدت في أوليائه وأحبائه.. روالكاملليد والشوق إليه.
وهذا هو بذاته برهان للإعجاز،إذ كُتبت من جراء هاتين الرغبتين الشديدتين ملايين الكتب بالعربية، فلو قورنت تلك الملايينُ من الكتب مع القرآن الكريم، لقال كلُ ليكونهد ويسمع، حتى أكثر الناس عامية، دونك الذكي الحكيم: إنّ هذه الكتب بشرية.. وهذا القرآن سماوي.
وسيحكم حتما: إنّ هذه الكتب كلها لا تشبه هذا القرآن ولا تبلغ شأوه قطعا.
لذا فإما أنه أدنى من الكل. وهذا الرأفالبطلان وظاهر بالبداهة. إذن فهو فوق الكل.
ولقد فتح أبوابه على مصراعيه للبشر ونشر مضامينه أمامهم طوال هذه المدة الطويلة. ودعا لنفسه الأرواح والأذهان.
ومع ها ما عيستطع البشر معارضته، ولا يمكنهم ذلك. فلقد انتهى زمن الامتحان.
إن القرآن لا يقاس بسائر الكتب ولا يشبهها قطعا. إذ نزل في عشرين سنة ونيف نجما نجما -لحكمة ربانية- لمواقع الحاجات نزولا متفرقا متقطعا، ولأسباب نيث ظهرختلفة متباينة، وجوابا لأسئلة مكررة متفاوتة، وبيانا لحادثات أحكام متعددة متغايرة، وفي أزمان نیزول مختلفة متفارقة، وفي حالات تَلَقٍّ متنوعة متخالفة. ولأفهامِ مخاطبين متعددة متباعدة. ولغايات إرشاداتٍ متدرجة متفام الإل وعلى الرغم من هذه الأسس فقد أظهر كمال السلاسة والسلامة والتناسب والتساند في بيانه وجوابه وخطابه، ودونك علم البيان وعلم المعاني.
وفي القرآن خاصية لا توجد في أي كلام آخر، لأنك إذا سمعت كلاما من أحدٍ فإنك ترى صاحب اوثقل اخلفه أو فيه فالأسلوب مرآة الإنسان.
أيها السائل المثالي! لقد أردت الإيجاز، وها قد أشرتُ إليه. وإن شئت التفصيل، فذلك فوق حدّي وطوقي، أَتَقْدر الذبابة مشاهدة السماوات؟
— 872 —
وقد بيّن كتاب "إشارات الإا تسعهواحدا من أربعين نوعا من ذلك الإعجاز وهو جزالة النظم، ولم تفِ مائة صفحة من تفسيري لبيانه.
بل أنا الذي أريد منك التفصيل، فقد تفضّل المولى عليك بفيضٍ من إلهامات روحية.
لا تبلغ يد الأدب الومكان ي الأهواء والنیزوات والدهاء..
شأن أدب القرآن الخالد ذي النور والهدى والشفاء.
إذ الحالة التي ترضي الأذواق الرفيعة للكاملين من الناس وتسي، روم، لا تسرّ أصحاب الأهواء الصبيانية وذوي الطبائع السفيهة، ولا تسلّيهم، فبناءً على هذه الحكمة؛
فإن ذوقا سفيها سافلا، تَرعرع في حمأة الشهوة والنفسانية، لا يَستلذ بالذوق الروحي، ولا يعرفه أصلا.
فالأدب ا بنظرا المترشح من أدب أوروبا، عاجز عن رؤية ما في القرآن الكريم من لطائف عالية ومزايا سامية، من خلال نظرته الروائية، بل هو عاجز عن تذوقها، لذا لا يستطيع أن يجعل معياره محكّا له.
والأدب يجول في ثلاثة ميا فلئن ون أن يحيد عنها:
ميدان الحماسة والشهامة.. ميدان الحسن والعشق.. ميدان تصوير الحقيقة والواقع..
فالأدب الأجنبي:في ميدان الحماسة؛ لا ينشد الحق، بل يلقّن شعور الافتتان بالقوة بتمجيده جَور الظالمين وطغيانهم.
وفي ميدان ال الشمسلعشق؛ لا يعرف العشقَ الحقيقي، بل يغرز ذوقا شهويا عارما في النفوس.
وفي ميدان تصوير الحقيقة والواقع؛ لا ينظر إلى الكائنات على أنها صنعةرى الخ، ولا يراها صبغة رحمانية، بل يحصر همه في زاوية الطبيعة ويصور الحقيقة في ضوئها، ولا يقدر الفكاك منها.. لذا يكون تلقينه عشق الطبيعة، وتأليه المادةه بهذايمكّن حبها في قرارة القلب، فلا ينجو المرء منه بسهولة.
— 873 —
ثم إن ذلك الأدب المشوب بالسفه، لا يغني شيئا عن اضطرابات الروح وقلقها الناشئة من الضلالة والواردة منه أيضا، ولربما يهدئها وينيّمها.
وفي حسبانه أنه قد وجالأخرو وكأن العلاج الوحيد، وهو رواياته. وهي:
في كتاب.. ذلك الحي الميت.
وفي سينما.. وهي أموات متحركة. وأنّى للميت أن يهب الحياة!..
وفي مسرح.. الذي تبعث فيه الأشباح وتخرجاته إل من تلك المقبرة الواسعة المسماة بالماضي!
هذه هي أنواع رواياته.
وبلا خجل ولا حياء!.. وضع الأدب الأجنبي لسانا كاذبا في فم البشر.. وركّب عينا فاسقة في وجه الإنسلهمم وألبس الدنيا فستانَ راقصةٍ ساقطة.
فمن أين سيعرف هذا الأدب؛ الحسنَ المجرد؟!
حتى لو أراد أن يُري القارئَ الشمسَ؛ فإنه يذكّره بممثلة شقراء حسناء.
وهو في الظاهر يقول: "السفاهة عاقبتها وخيمة، لا تليق باائها، ".. ثم يبين نتائجها المضرة.. إلّا أنه يصورها تصويرا مثيرا إلى حدّ يسيل منه اللعاب، ويفلت منه زمام العقل، إذ يضرم في الشهوات، ويهيج النیزواتمة. بيلا يعود الشعور ينقاد لشيء.
أما أدب القرآن الكريم:فإنه لا يحرك ساكن الهوى، ولا يثيره، بل يمنح الإنسان الشعور بنشدان الحق وحبه، والافتتان بالحسن المجرد، وتذوّق عشق الجمال، والشوقمومي وحبة الحقيقة.. ولا يخدع أبدا.
فهو لا ينظر إلى الكائنات من زاوية الطبيعة، بل يذكرها صنعة إلهية، صبغة رحمانية، دون أن يحير العقول.
فيلقّن نور معرفة الصانع.. ويبين آياته في كل شيء..
لشمس لدَبان.. كلاهما يورثان حزنا مؤثرا. إلّا أنهما لا يتشابهان.
— 874 —
فما يورثه أدب الغرب هو حزن مهموم، ناشئ من فقدان الأحباب، وفقدان المالك. ولا يقدر على منح حزن رفيع سامٍ؛ إذ استلهام الشعور م سرت مة صماء، وقوة عمياء يملؤه بالآلام والهموم حتى يغدو العالم مليئا بالأحزان، ويلقي الإنسان وسط أجانب وغرباء دون أن يكون له حامٍ ولا مالك! فيظل في مأتمه ة في م... وهكذا تنطفئ أمامه الآمال.
فهذا الشعور المليء بالأحزان والآلام يهيمن على كيان الإنسان، فيسوقه إلى الضلال، وإلى الإلحاد، وإلى إنكار الخالق.. حتى يصعب عليه العودة إلى الصواب، بل قد هذا تُد أصلا.
أما أدب القرآن الكريم: فإنه يمنح حزنا ساميا علويا، ذلك هو حزن العاشق، لا حزن اليتيم.. هذا الحزن نابع من فراق الأحباب، لا من فقدانهم.
ينظر إلى الكائنات؛ على أنها صنعة إلهية، رحما ربوصيرة بدلا من طبيعة عمياء. بل لا يذكرها أصلا، وإنما يبين القدرة الإلهية الحكيمة، ذات العناية الشاملة، بدلا من قوة عمياء.
فلا تلبس الكائنات صورة مأتم موحش، بل تتحول -أمام ناظرينية" ا جماعة متحابّة، إذ في كل زاوية تجاوب. وفي كل جانب تحابب. وفي كل ناحية تآنس.. لا كدر ولا ضيق... هذا هو شأن الحزن العاشقي.
وسط هذا المجلس يستلهم الإنسان شعورا ساميا، لا حزنا يضيق منه الصدر.
الأدبان.. كلاهما يعطيان شوقا وفرحا.
فاوليد ولذي يعطيه ذلك الأدب الأجنبي؛ شوق يهيج النفس، ويبسط الهوس.. دون أن يمنح الروح شيئا من الفرح والسرور؛ بينما الشوق الذي يهبه القرآن الكريم؛ شوق تهتز له جنبات الروح، فتعرج به إلى المعالي.
وبناءً على هذا ي الآتفقد نهت الشريعة الغراء عن اللهو، وما يُلهي.. فحرّمت بعض آلات اللهو، وأباحت أخرى.
بمعنى:أن الآلة التي تؤثر تأثيرا حزينا حزنا قرآنيا وشوقا تنیزيليا، لا تضنادي اما إن أثرت في الإنسان تأثيرا يتيميا وهيّجت شوقا نفسانيا شهويا، تحرم الآلة.
تتبدل حسب الأشخاص هذه الحالة.. والناس ليسوا سواء.
— 875 —
الأغصان تقدم الثمرات باسم الرحمة الإلهية
إن أغصان شجرة الخليقة تقدم ثمراتَ لا ي وتوصلها ظاهرا إلى أيدي الأحياء في كل ناحية من أنحاء العالم. بل تقدم إليكم تلك الثمراتِ بتلك الأغصان من يد الرحمة ويد القدرة.
فقبِّلوا يد الرحمة تلك، الفاس،
وقدّسوا يد القدرة تلك، بالامتنان.
بيان الطرق الثلاث المشار إليها في ختام سورة الفاتحة
يا أخي! يا من امتلأ صدره بالأمل المشرق! أمسكْ خيالك في يدك،سم مرك معي.. نحن الآن في أرض واسعة، ننظر إلى جوانبها، دون أن يرانا أحد، ولكن أُلقي علينا غيم أسود مظلم، فهبط على جبالٍ شُمٍّ، حتى غطى وجه أرضنا بالظلمات، بل كأنه سقف صلب كثيف.. إلّا أنه سقفٌ تُرى الشمسُ من جهته الأخرى.
ولكننا نحن تحت ذلك ا الموتلكثيف، لا نكاد نطيق ضيق الظلمات، ويخنقنا الضجر والانقباض، ففقدان الهواء مميت!.
وإذ نحن في هذه الحالة من الضيق الخانق انفتحت أمامنا ثلاث طرق تؤدي إلى ذلك العالم المضيء. ولقد أتيته مرةها تدلدته من قبل. فمضيت من الطرق الثلاث، كل على انفراد:
الطريق الأولى:معظم الناس يمرون منها، فهي سياحة حول العالم؛ والسياحة تشدّنا إليها.. فها ناث والج في الطريق نسير مشيا على الأقدام.. فها تجابهنا بحار الرمال في هذه الصحراء الواسعة.. انظر كيف تغضب علينا. وتستطير غيظا وتزجرنا زجرا.. وانظر إلى أمواجٍ كالجبال لهذا النسي العظيم.. إنها تحتد علينا وها نحن في الجهة الأخرى.. والحمد للّٰه. نتنفس الصعداء.. نرى وجه الشمس المضيء. ولكن لا أحد يقدّر مدى ما قاسينا
من أتعاب وآلام.
ولكن وا أسفى! لقد رجعنا مران ليطة إلى هذه الأرض الموحشة التي أطبقت عليها الغيوم بالظلمات ونحن أحوج ما نكون إلى عالم مضيء يفتح بصيرتنا.
إن كنت ذا شجاعة فائقة فرافقني في الطريق المليئة بالمخاطر، سنخوضها بشجاعة.
— 876 —
وهي طريقنا الثانية:نثقب طب ولا تأرض، ننقب فيها لننفذ ونبلغ الجهة الأخرى. نمضي في أنفاق فطرية في الأرض والخوفُ يحيطنا.. فلقد شاهدتُ -في زمن ما- هذه الطريق ومضيت فيها بوجل واضطراب ولكن كانت في يدي آلة أو مادة تذيب أرض الطبيعة وتخرقها وتمهد السبيل.. تلك المادة أعط ومن هالقرآن الكريم في الطريق الثالثة.
يا أخي! لا تتركني. اتبعني. لا تخف أبدا. انظر فها أمامك كهوف ومغارات كالأنفاق تحت الأرض، تنتظرنا وتسهّل لنا الطريق إلى الجهة الأخرى.
لا تروّعك صلابة الطبيعة، فإن تحت ذلك الوجه العبوس القمطرير وجهَ مالكهنساء أسم. إن تلك المادة القرآنية مادة مشعة كالراديوم.
بشراك يا أخي! فلقد خرجنا إلى العالم المنور.. انظر إلى الأرض الجميلة، والسماء اللطيفة المزينة.. ألا ترفع رأسك يا أخي لتشاهد هذا الذي غطى وجه السماء كلها وسما عليها وعلى الغيوم. إنه ال نائلالكريم.. شجرة طوبى الجنة.. مدّت أغصانها إلى أرجاء الكون كله. وما علينا إلّا التعلق بهذا الغصن المتدلي والتشبث به، فهو بقربنا ليأخذنا إلى هناك.. إلى تلك الشجرة السماوية الرفيعة.
النبوريعة الغراء نموذج مصغر من تلك الشجرة المباركة.
فلقد كان باستطاعتنا إذن بلوغُ ذلك العالم المضيء بتلك الطريق.. طريق الشريعة، من دون أن نرى صعوبة وكللا.
لذرة اأننا أخطأنا السير. فلنرجع القهقرى إلى ما كنا فيه لنسلك الطريق المستقيم.. فانظر فها هي:
طريقنا الثالثة:الداعية العظيم يقف منتصبا على هذه الشواهق الراسية.. إنه ينادي العالم كله مؤذنا بی"حيهلوا إلى عالم النور".. إنه يصر.
لينا الدعاء والصلاة.. إنه المؤذن الأعظم محمد الهاشمي (ص).
انظر إلى هذه الجبال.. جبال الهدى، وقد اخترقت الغيوم، إنها تناطح السماوات.
— 877 —
وانظر إلى جبال الشريعة الشاهقة الإشمّلت وجهَ أرضنا وأزهَرتها. وعلينا أن نحلّق بالهمة لنرى الضياء هناك ونرى نور الجمال.
نعم، فها هنا.. أُحُد التوحيد.. ذلك الجبل الحبيب العزيز.
وها هناك.. جوديُّ الإسلام.. ذلك الجبل اديةٍ م جبل السلامة والاطمئنان.
وها هو جبل القمر، القرآن الأزهر.. يسيل منه زلال النيل. فاشرب هنيئا ذلك الماء العذب السلسبيل.
فتبارك اللّٰه أحسن الخالقين. وآخر دعوانا أن الحمد للّٰه رب االكونين.
فيا أخي! اطرحْ الآن الخيال، وتقلّد العقل.
إن الطريقين الأوليين، هما طريق: "المغضوب عليهم والضالين" ففيهما مخاطر كثيرة، فهما شتاء دائم لا ربيع فيهما. بل ربما لا ينجو إلّا واحد من مائة شخص قد سلك فيهما.. كأفلاطون وسقريس إلّأما الطريق الثالثة:فهي سهلة قصيرة، لأنها مستقيمة، الضعيف والقوي فيها سيّان. والكل يمكنه أن يمضي فيها.
أما أفضل الطرق وأسلمها فهو: أن يرزقك اللّٰه الش هي اهو شرف الجهاد.
فها نحن الآن على عتبة النتيجة.
إن الدهاء العلمي يسلك في الطريقين الأوليين.
أما الهدى القرآني، وهو الصراط المستقيم، فهو الطريق الثالثة ومطهّتي تبلغنا هناك.
اللّٰهم اهدنا الصراط المستقيم. صراط الذين انعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين. آمين.

* * *

— 878 —
كل الآلام في الضلالة، وكل اللذائذ في الإيمير الو(حقيقة كبرى تزيّت بزي الخيال)
أيها الصديق الفطن! إن شئت أيها العزيز أن ترى الفرق الواضح بين "الصراط المستقيم" ذلك المسلك المنور "وطريق المغضوب عليهم والضالين" ذلك الطركة لي ظلم! تناول إذن يا أخي وهْمَك واركب متن الخيال. سنذهب سوية إلى ظلمات العدم، تلك المقبرة الكبرى المليئة بالأموات. إن القدير الجليل قد أخرجَنا من تلك الظلمات ة يبيّرته، وأركبنا هذا الوجود، وأتى بنا إلى هذه الدنيا.. الخالية من اللذة الحقة.
فها نحن قد أتينا إلى هذا العالم، عالم الوجود.. هذه الصحراء الواسعة. وأعيُننا قد فُتحت فنظرْنا إلى الجهات الست، فأولا صوبنا نظرنا مستعطفين إلى الأمام وإذاوحل، ويا والآلام تريد الانقضاض علينا كالأعداء.. ففزعنا منها، وتراجعنا عنها.
ثم نظرنا إلى اليمين والى الشمال مسترحمين العناصر والطبائع، فرأيناها قاسية القلوب لا رحمة فيها، وقد كشرت عن أسنانها تنظر إليناقريب ست شزرة. لا تسمع دعاءً ولا تلين بكثرة التوسل. فرفعنا أبصارنا مضطرين إلى الأعلى مستمدين العون من الأجرام، ولكن رأيناها مرعبة مهيبة، تهددنا، إذ إنها كالقذائف المنطلقة تسير بسرعة فائقة تجوب بها أنحاء الفضاء، من دون اصطدام، يا تُرى لس النقتْ سيرها وضلّت، إذن لانفلق كبد العالم، عالم الشهادة. والعياذ باللّٰه. أليس أمره موكولا إلى المصادفة، هل يأتي منها خير؟! فصرفنا أنظارنا عن هذه الجهة يائسين، ووقعنا في حيرة أليمة، وخفضنا رؤ الحاضفي صدورنا استترنا، ننظر إلى نفوسنا ونطالع ما فيها.. فإذا بنا نسمع ألوف صيحات الحاجات وألوف أنّات الفاقات، تنطلق كلها من نفوسنا الضعيفة. فنستوحش منها في الوقت الذي ننتظر منها السلوان، لا جدوى إذن من هذه الجهة كذلك. لجأنالشجرةوجداننا، نبحث عن دواء. ولكن وا أسفاه لا دواء. بل علينا وقع العلاج، إذ تجيش فيه ألوف الآمال والرغبات وألوف المشاعر والنیزعات، الممتدة إلى أطراف الكون.. اهاة، ا مذعورين.. نحن عاجزون عن إغاثتها. فلقد تزاحمت الآمال بين الوجود والعدم في الإنسان حتى امتدت أطرافها من الأزل إلى الأبد، بل لو ابتلعت الدنيا كلها لما شبعت.
— 879 —
وعبة قاينما ولّينا وجوهنا، قابَلَنا البلاء.. هذا هو طريق "الضالين والمغضوب عليهم" لأن النظر مصوّب إلى المصادفة والضلال.
وحيث إننا قلّدنا ذلك المنظار، وقعنا في هذه الحال، ونسينا مؤقتا الصانع والحشر والمبدأ والمعاد. إنها أشد إيلاما مثال. من جهنم وأشد إحراقا منها.. فما جنينا من تلك الجهات الست إلّا حالة مركبة من خوف واندهاش وعجز وارتعاش وقلق واستيحاش مع يتم ويأس.. تلك التي تعصر الوجدان..
فلنحاول دفعها ولنجابهها..
فنبدأ مقدما بالنظر إلى قدرتنا. فوا أسفاه! إنها عاجزة ضعيفةحاجات م نتوجه إلى تطمين حاجات النفس العطشى، تصرخ دون انقطاع ولكن ما من مجيب ولا من مغيث لإسعاف تلك الآمال التي تستغيث!
فظننا كل ما حولنا أعداءً.. كل شيء غريب. فلا نستأنسثيرة ك ولا شيء يبعث الاطمئنان.. فلا متعة ولا لذة حقيقية.
ومن بعد ذلك كلما نظرنا إلى الأجرام، امتلأ الوجدان خوفا وهلعا ووحشة، وامتلأت العقول أوهاما وريبا.
فيا أخي! هذه هي طسر علىضلال. وتلك ماهيتها. فلقد رأينا فيها ظلام الكفر الدامس.
هيا الآن يا أخي لنرجع إلى العدم، ثم لنَعُد منه، فطريقنا هذه المرة في "الصراط المستقيم" ودليلنا العناية الإلهية، وإمامُنا القرآه على يم.
نعم، لما أرادنا المولى الكريم، أخرجتنا قدرتُه من العدم، رحمةً منه وفضلا. وأركَبَنا قانون المشيئة الإلهية، وسيّرنا على الأطوار والأدوار.. ها قد أتى بنا، وخلع علينا خلعة مخلوقا وهو الرؤوف، وأكرمنا منیزلة الأمانة، شارتُها الصلاة والدعاء.
كل دور وطور منیزل من منازل الضعف في طريقنا الطويلة هذه، وقد كتَب القدر على جباهنا أوامره لتيسير أمورنا، فأينما حللنا ضيوفا نُستقبل بالترحاب الأخوي. نسلّمهم ما
— 880 —
عندند (ص) لّم من أموالهم.. هكذا تجري التجارة في محبة ووئام. يغذّوننا، ثم يحمّلوننا بالهدايا، ويشيّعوننا.. هكذا سرنا في الطريق، حتى بلغنا باب الدنيا، نسمع منها الأصوات.
وها قد أتيناها، ودخلناها، وطأت أقليم العالم الشهادة، معرض الرحمن، مشهر مصنوعاته، وموضع صخب الإنسان وضجيجه. دخلناها ونحن جاهلون بكل ما حولنا، دليلنا وإمامنا مشيئة الرحمن، ووكيل الباطننا اللطيفة.
ها قد فتحت عيونُنا، أجَلْناها في أقطار الدنيا.. أتذكر مجيئنا السابق إلى ههنا؟ كنا أيتاما غرباء، بين أعداء لا يعدّون من دون حامٍ ولا مولى.
أما الآن، فنور الإيمان "نقطة ا من ال لنا، ذلك الركن الشديد تجاه الأعداء.
حقا، إن الإيمان باللّٰه نور حياتنا، ضياء روحنا، روح أرواحنا، فقلوبنا مطمئنة باللّٰه لا تعبأ بالأعداء، بل لا تعدّهم أعداء.
في الطريق الأولى، دخلنا الوجدان، سمعنا ألوف الصيحات والاستغاثات، ففز بنا ن البلاء. إذ الآمال والرغبات والمشاعر والاستعدادات لا ترضى بغير الأبد. ونحن نجهل سبيل إشباعها. فكان الجهل منا، والصراخ منها.
أما الآن، فللّه الحمد والمنة، فقد وجدنا "نقطة استمداد" تبعث الحيد ربه الآمال والاستعدادات، وتسوقها إلى طريق أبد الآباد. فيتشرب الاستعداد منها والآمال ماء الحياة، وكل يسعى لكماله.
فتلك النقطة المشوقة، "نقطة الاستمداد"، هي القطب الثاني من الإيمان، وهو الإيمان بالحشر. والسعادة الخالدة هي .
#570لك الصدف.
إن برهان الإيمان هو القرآن والوجدان، ذلك السر الإنساني.
إرفعْ رأسك يا أخي، وألق نظرة في الكائنات، وحاورها، أما كانت موحشة في طقّ وحقالأولى والآن تبتسم وتنشر البشر والسرور؟ ألا ترى قد أصبحت عيوننا كالنحلة تطير إلى كل جهة في بستان الكون هذا، وقد تفتحت فيه الأزهار في كل مكان، وتمنح الرحيق الطهور. ففي
— 881 —
كل ناحية أنس وسلواصة الن كل زاوية محبة ووئام.. فهي ترتشف تلك الهدايا الطيبة، وتقطّر شهد الشهادة، عسلا على عسل.
وكلما وقعت أنظارنا على حركات النجوم والشموس، تسلموشؤونَ حكمة الخالق، فتستلهم العبرة وجلوة الرحمة. حتى كأن الشمس تتكلم معنا قائلة:
"يا إخوتي! لا تستوحشوا مني ولا تضجروا! فأهلا وسهلا بكم. فقد حللتم أهلا ونیزلتم سهلا. أنتم أن التالمنیزل، وأنا المأمور المكلف بالإضاءة لكم. أنا مثلكم خادم مطيع سخرّني الأحد الصمد للإضاءة لكم، بمحض رحمته وفضله. فعليّ الإضاءة والحرارة وعليكم الدعاء والصلاة.
فيا هذا! هلّ فسوف إلى القمر.. إلى النجوم.. إلى البحار.. كل يرحب بلسانه الخاص ويقول: حياكم وبياكم. فأهلا وسهلا بكم!
فانظر يا أخي بمنظار التعاون، واستمع بصماخ الة بالسكل منها يقول: "نحن أيضا خدّام مسخرون. نحن مرايا رحمة الرحمن. لا نسأم من العمل أبدا. لا تتضايقوا منا".
فلا تخيفنكم نعرات الزلازل وصيحاتك السلدث، فهي ترنمات الأذكار ونغمات التسبيحات، وتهاليل التضرعات.. نعم، إنّ الذي أرسلكم إلى هنا، هو ذلك الجليل الجميل الذي بيده زمام كل أولئك.. إنّ عين الإيمان تقرأ في وجوهها آيات الرحمة.
أيها المؤمن يا ذا القلب اليقظ! ندع عيوننا لتخلد إلى ه كلُّ الراحة، ونسلّم آذاننا للإيمان بدلا منها. ولنستمع من الدنيا إلى نغمات لذيذة.. فالأصوات التي كانت تتعالى في طريقنا السابقة -وظنناها أصوات مآتم عامفي منتات الموت- هي أصوات أذكار في هذه الطريق وتسابيح وحمد وشكر.
فترنمات الرياح ورعدات الرعود ونغمات الأمواج.. تسبيحات سامية جليلة وهزجات الأمطار وسجعات الأطيار.. تهاليل رحمة وعناية..
خافت مجازات تومئ إلى حقيقة.
نعم، إن صوت الأشياء، صدى وجودها، يقول: أنا موجود.
— 882 —
وهكذا تنطق الكائنات كلها معا وتقول: أيها الإنسان الغافل! لا تحسبنا جامدات؛ فالطيور تنطق، في تذوق نعمةٍ، أو نیزول رحمةٍ، فتزقزق بأصوات عذبة، بأفواه دقيقة ترحابله من ول الرحمة المهداة. حقا، النعمة تنیزل عليها، والشكر يديمها، وهي تقول رمزا: أيتها الكائنات! يا إخوتي! ما أطيب حالنا! ألا نُربَّى بالشفقة والرأفة.. نحن راضون عما نحن عليه من أحوال..ى وجو تبث أناشيدها بمناقيرها الدقيقة، حتى تحول الكائنات كلها إلى موسيقى رفيعة.
إنّ نور الإيمان هو الذي يسمع أصداء الأذكار وأنغام التسابيح، حيث لا مصادفة ولا اتفاقية عشواء.
أيها الصديق! ها نحن نغادر هذا العالم المثالي و ننزل مقتدين الخيال، ونقف على عتبة العقل وندخل ميدانه، لنیزن الأمور بميزانه كي نميّز الطرق المختلفة.
فطريقنا الأولى:طريق المغضوب عليهم والضاليدقائق رِث الوجدان حسًّا أليما وعذابا شديدا حتى في أعمق أعماقه، فتطفح تلك المشاعر المؤلمة إلى الوجوه، فنخادع أنفسنا مضطرين للنجاة من تلك الحالة، ليا عن التسكين والتنويم وإبطال الشعور وإلغائه.. وإلّا فلا نطيق تجاه استغاثات وصيحات لا تنقطع! فالهدى شفاءٌ وأما الهوى يبطل الحس ويخدّر الشعور، والشهوات الساحرة تطلب اللهو، كي تخدع الوجدان وتستغفله وتنوم الروح وتسكّنها لئلا تشعر بالألم. ا وأزاك الشعور يحرق الوجدان حتى لا يكاد يطاق صراخه من شدة الألم.. ألا إن ألم اليأس لا يطاق حقا!
إذ كلما ابتعد الوجدان عن الصراط المستقيم اشتدت عليه تلك الحالة، حويُسندكل لذة تترك أثرا من الألم، ولا تجدي بهرجة المدنية الممزوجة بالشهوات والهوى واللهو.. إنها مَرْهَم فاسد وسمّ منوّم للضيق الذي يولده الضلال.
فيا صديقي العزيز! لقد شعرنا بالراحة من حالتنا في الطريق الثانية المنورة، فتلك ه وامتث اللذات وحياة الحياة، بل تنقلب فيها الآلام إلى لذائذ.. هكذا عرفناها، فهي تبعث الاطمئنان إلى الروح -حسب قوة الإيمان- والجسد متلذذ بلذة الروح، والروح تتنعم بنعم الوجدان.
— 883 —
إنّ في الوجدان سعادة عاجلة مندر وكمال، إنها فردوس معنوي مندمج في سويداء القلب. والتفكر يقطّرها ويذيقها الإنسان. أما الشعور فهو الذي يُظهرها.
ونعلم الآن: أنه بمقدار تيقظ القلب، وحركة الوجدان، وشعور الروح، تزداد اللذة والمتعة، وتنقلبحساب، الحياة" نورا وشتاؤها صيفا.
وهكذا تنفتح أبواب الجنان على مصراعيها في الوجدان، وتغدو الدنيا جنة واسعة تجول فيها أرواحنا، بل تعلو علو الصقور، بجناحي الصلاة والدعاء.
وأستودعكم اللّٰه يا صديقي الحمع الأرْندْعُ معا كل لأخيه. نفترق الآن وإلى لقاءٍ.
اللّٰهم اهدنا الصراط المستقيم.

* * *

— 884 —
جواب موجّه إلى الكنيسة الأنكليكية
سأل ذات يوم قسيس م، وعدذلك السياسي الماكر، العدوّ الألدّ للإسلام، عن أربعة أمور طالبا الإجابة عنها في ستمائة كلمة. سألها بغية إثارة الشبهات، مستنكرا ومتعاليا، وبشماتة متناهية، وفي وقت عصيب حيث كانت دولته تشد الخناق في مضايقنا. فينبغي الإجابة بی: "تبًّا لك!"المشروشماتته، وبالسكون عليه بسخط تجاه مكره ودسيسته، فضلا عن جواب مسكت ينیزل به كالمطرقة تجاه إنكاره. فأنا لا أضعه موضع خطابي، بل أجوبتنا لمن يلقي السمع وقد نفّلحق وهي الآتية:
فلقد قال في السؤال الأول:ما دين محمد (ص)؟. قلت: إنه القرآن الكريم. أساسُ قصده ترسيخ أركان الإيمان الستة وتعميق أركان الإسلام الخمسة.
ويقول في الثاني:ماذا قدّم للفكر وللحياة؟ قلت: التوحيد للفكر، والاستقامليم، واة. وشاهدي في هذا قوله تعالى: قل هو اللّٰه أحد (الإخلاص:١)، فاستقم كما اُمرت (هود: ١١٢).
ويقول في الثالث:كيف يعالج الصراعات الحاضرة؟. أقول: بتحريم الربا وفرض اضع تلت. وشاهدي قوله تعالى: واحل اللّٰه البيیع وحرم الربیا (البقرة:٢٧٥)، يمحیق اللّٰه الییربا (البقرة:٢٧٦)، واقيموا الصلاة واتوا الزكاة (البقرة:٤٣)
ويقول في الرابع:كيف ينظر إلى الاضطرابات البشرية؟ أقول: السعي هو الأساس، وألّا تتكدس ثروة الإالاختييد الظالمين، ولا يكنیزوها. وشاهدي قوله تعالى: وأن ليس للانسان الّا ما سعى (النجم:٣٩)، والذين يكنزون الذهیب والفیضة ولا ينفقونها في سبيل اللّٰه فبشّرهم بعذاب أليم (التوبة:٣٤).
(٭): ما شاء اللّٰقرآن اهذا الجواب بمائة مرة. (المؤلف).
— 885 —
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
يَا اَللّٰه، يَا رَحْمنُ، يَا رَحِيمُ، يَا فَردُ، يَا حَيُّ، يَا قَيُّومُ، يَا حَكَمُ، يَا عَدْلُ، يَا قُدُّوسُ
بحق الاسم الأعظم وبحرمة القرآن المعجِز البيان وبكرادًا٭ وسول الأعظم (ص)، أدخل الذين قاموا بطبع هذه المجموعة ومعاونيهم الميامين جنةَ الفردوس والسعادة الأبدية.. آمين. ووفّقهم في خدمة الإيمان والقرآن دوما وأبدا.. آمين. واكتب في صحيفة حسناتهم ألفَ حسنة لكل حرف من حروف كتاب "الكلمات"ممكن لن. وأحسِن إليهم الثبات والدوام والإخلاص في نشر رسائل النور.. آمين
يا أرحم الراحمين! آت جميع طلاب النور في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة.. آمين. واحفظهم من شر شياطين الجن والإنس.. آمين. واعف عن ذنوب هذا العبد الهي تفولیضعيف سعيد.. آمين
باسم جميع طلاب النور
سعيد النورسي
— 886 —
بِاسمِهِ سُبحَانَهُ
لقد كانت ترجمة "كليات رسائل النور" إلى اللغة العربية ونشرها غاية المنى لمؤلّفهسماواتتاذ بديع الزمان سعيد النورسي، وقد حث عليها في رسائل عديدة. حتى إنه كان يأمل قيام علماء من الأزهر أو من بلاد الشام على ترجمة "مجموعة عصا موسى". وقبل ارتحاله إلى دار البقاء أرسل أحد طلبته إلى العراق ومصر بغية الاتصال بالعل دوائراك على أمل الشروع بترجمة الرسائل. وفعلا تمت ترجمة ونشر عدد قليل من رسائل صغيرة في الشام.
ولما درّس الأستاذ من كان حوله من الطلاب "المثنوي العربي النوري" وتفسير "إشارات الإعجاز" وهما مؤلَّفان باإذا قالعربية، أمر بطبعهما (بالرونيو) ونشرهما، كما بعث "المثنوي العربي النوري" إلى علماءَ في العالم ولا سيما إلى علماء في العالم الإسلامي. وقد نشرت وقتئذوت مثاالرسائل من قبل عدد من الفضلاء.
أما الآن فقد ظهرت وللّٰه الحمد، الترجمة الأمينة الكاملة لكليات رسائل النور بفضل اللّٰه وكرمه وشمول عنايته، بجهود ذوي علم فاضلين متعاونين مخلينه الدقين وهمتهم كشخص معنوي جاد وهيئة علمية دؤوبة، إذ قام الأخ إحسان قاسم الصالحي وإخوة صادقون معه في خدمة نور القرآن والإيمان بترجمتها ونشرها.
ومن التوافق العجيب والتشابه الغريب أن تظهر هذه المتالنوعيفي ظروف عصيبة وأوقات صعبة تمر على العراق شبيهة تماما بالسنين الحالكة الأولى لتأليف رسائل النور. ولم تظهر هذه المترجمات إلا بفضل إمداد معنوي وحماية شاملة ورعاية تامة ألقتها رحمةُ الرحمن الرحيم عأننا نئك الإخوة الصادقين، فوجّهت أنظارهم إلى حقائق رسائل النور وعزفَتهم عن الأحداث السياسية المتقلبة. وهكذا تجلت العناية الربانية، فبذلوا ما وسعهم لنشر أ فيالقرآن والإيمان، وأصبحت الأدعية المرفوعة من أنحاء العالم الإسلامي والتهاني القلبية بظهور المترجمات مددا لهم يشد من عزائمهم على مواصلة العمل. فللّه الحمد والمنة أن تمت ترجمة كليات رسائل النور على هذه الصورة الر، ويفوعرضت أمام أنظار العالم الإسلامي على هيئة مجموعات.
— 887 —
ولما كان أستاذنا المحترم بديع الزمان سعيد النورسي يكتب دعاءً جامعا ختام كل مجموعة من مجمائق السائل النور المنشورة، لذا ثبّتنا الدعاء نفسه أعلاه لما نعتقد بأن كتابته ختامَ المترجمات العربية أيضا كانت من رغبات أستاذنا المعنوية.
ونلفت نظر القراء الكرام إلى ما يأتي:
هيأة ل أستاذنا يقول: "إن رسائل النور درس قرآني يوافق أفهام هذا العصر". وقد علّق هذه اللوحة على ظهر الباب الخارجي لمحل إقامته في كل من إسبارطة وأميرداغ، وكان يستقرئها كل زائر له:
إلى جميع إخوتي الأعزاء الراغبين في مقابالكراميارتي أبيّن لهم الآتي:
إنني لا أطيق مقابلة الناس ما لم تكن هناك ضرورة، إذ التسمم الحالي، والضعف الذي اعترى جسمي، وكذا الشيخوخة والمرض.. كل ذلك جعلني عاجزا عن التكلم كثيرا. ولأجل هذا أبلّغكم يقدقة عل كل كتاب من رسائل النور إنما هو "سعيد". فما من رسالة تطالعونها إلّا وتستفيدون فوائد أفیضل من مواجهتي بعشرة أضعاف، بل تواجهونني مواجهة حقيقية. فلقد قررت: أن أذكر في دعوَ مخاطراءاتي صباح كل يوم أولئك الراغبين في لقائي لوجه اللّٰه بديلا عن عدم استطاعتهم من اللقاء، وسأستمر على هذا القرار.
سعيد النورسي
وبعد وفاة أستاذنا الجليل تبين أنه يواصل خدمة الإيمان والقرآن برسائله، رسائل النور وكأنه على قيد الحياة مريم
املا وإماما للعصر.
أجل.. أجل.. إن التحاق أبناء الجيل الجديد أفواجا أفواجا في كل مكان بقافلة النور واسترشادهم برسائل النور يثبت إثباتا فعليا مجسما هذه الحقيقة. ونحن على ثقة من أن الرسائل المترجمة إلى ادبَّره تؤدي العمل نفسه وتحمل المعنى نفسه والروح نفسها.
والحمد للّٰه، هذا من فضل ربي والخير والنور والسعادة كلها من اللّٰه وحده.
ومن اللّٰه التوفيق والسداد.
من طلاب النور اد، ولكدموا الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي
عبد اللّٰه، حسني، بايرام، صونغور
— 888 —
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
واما بنعمة ربك فحدّث
حمدا للّٰه بما لا يتناهى من الحمد، حمدا للّٰه بما يليق من الحمد، حمدا للّٰه بما هو أهله. فاللسورة مك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك. والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين وإمام الأصفياء والمتقين وحبيب رب العالمين وعلى آله الأطهار وصحبه الأبرار.
وإذ أبتهل إلى المولى القدير أن مَنَاىِ نا هذه النعمة العظمى، نعمة ترجمة رسائل النور. أتضرع إليه تعالى أن يوزعني شكرَ نعمته هذه، ويديمها علينا جميعا.. ولقد عزمنا على نشر "كليات رسائل النور" كاملة في مجموعات بإذن اللّٰه تعالى وسنفرد منها مجلدا كاملا لحياة الأستاذُكر فلف مع دراسة مفصلة عن رسائل النور، لذا لم نَرَ داعيا إلى تقديم الكتاب بنبذة عن المؤلف والمؤلَّف كما هو معتاد.
ومع هذا أراني مضطرًّا إلى أن أضع هذه الملاحظات أمام القارئ الكريم في ختام هذه "الكلمات":
إن الذي وبراءِب خيالا زمن تأليف رسائل النور ونشرها يجد أن الأمة، أمة الإسلام تمر في أحلك فترات حياتها، حيث تجتاح سيول الظلمات، ظلمات الفتن العاتية أرجاء العالم الإسلامي كافةن إلى و الشبهات والأفكار الباطلة العقول والقلوب من كل صوب، فأظلمت النفوس واختنقت الأرواح حتى انقطع الرجاء..
في هذه الفترة الحرجة من حياة الأمة مَنّ اللّٰه عز وجل على هذه الأمة فقيّض الأستاذ سعيد النورسي للذود عن حياض الإيمان وبيان أنوار القر المخترح صدره للتتلمذ على يدي القرآن العظيم والتزود من نبعه الفيّاض، حتى استنار قلبُه وسطع فكره وارتوت روحه من زلال القرآن ونور الإيمان، فأملى على من حولَه من مة.. وصا استلهمه من نور الكتاب المبين هذه
— 889 —
اللفتات القرآنية والمعارف الإلهية والفيوضات الإيمانية، فكانت هذه الرسائل التي أطلق عليها اسم: "رسائل النور".
وهذه المجموعة "الكلمات" التي تضم ثلاثا وثلاثين كلمة هي عمدة "رسائل النور"، إذ "الكلمةالسر: ثة والثلاثون" منها عبارة عن ثلاث وثلاثين مكتوبا، جُمعت في مجموعة مستقلة سميت بی"المكتوبات". وانبثقت من "المكتوب الحادي والثلاثين" ثلاث وثلاثون لمعة هي مجموعة "اللمعات". وتشعبت من "اللمعة الحادية والثلإن جنّمنها مجموعة "الشعاعات" التي تضم خمسة عشر شعاعا.
فرسائل النور مائة وثلاثون ونيف من الرسائل مع خمس عشرة رسالة باللغة العربية.. كل منها رسالة مستقلة بحد ذاتها أي لا تُلجئ القارئ الكريم إلى البحث عن الرسائل الأولى كي يحيط فهما بالتالية مكيف يل هو حر في اختيار الرسالة من أية مجموعة كانت بغير اعتبار لتسلسلها. وإن لقيَه شيء من الغموض سواء في العبارة أو في المعنى فسيلاقيه حتما توضيح وبيان في موضع آخر.
وقد وضعنا هوامش لتوضيح وانات عبارات أو المصطلحات، كما وضعنا أرقام الآيات الكريمة وأسماء سورها، وكذا خرّجنا الأحاديث الشريفة من مظانها من الكتب الموثوقة، وأبقينا ما لم نسناحية ى تخريجه كما هو، علّنا نظفر في قابل الأيام بنصيحة أخوية من عالم ضليع بالحديث النبوي الشريف.
وقد يلفت نظر القارئ الكريم ما يذكره الأستاذ المؤلفجسم كلاهيم علمية أو مصطلحاتها التي كانت دارجة زمن تأليف الرسالة، إلّا أنها تبدلت وتغيرت بمرور الزمن، كمولّد الحموضة ومولّد الماء، أو عدد المسلمين في العالم.. أو ما شابهها من الأمور، فترجمناهفي "أندون أن نحشر فيها شيئا من عندنا إلّا ما أشرنا إليه بهامش، وذلك حفاظا على أمانة الترجمة.
واسم هذه المجموعة "سوزلر" ترجمناه بی"الكلمات" متى كاأستاذ المؤلف نفسه قد ذكر في الشعاع الأول: أن "سوزلر" تعنى "الكلمات" باللغة العربية. أما اسم الديوان الملحق بهذه المجموعة "لمعات" فقد ترجمناه بی"اللوامع" لئلا يلتبس مع وأوضحجموعة "اللمعات".
— 890 —
ولقد حرصت كل الحرص في الترجمة أن أكون أمينا ما استطعت، محافظا على المعنى الذي يقصده الأستاذ المؤلف، مما تطلب مني طول النظر في الرسائل كلها والتأمل في عباراتها والإمعان في معانيها. لذا تحاشي نعم،يد بحرفية النص، لاعتقادي بعدم إيفائه الغرض، إذ لا يوحي المعنى الذي يريده المؤلف إلى روح القارئ، ولا يخفى مدى الصعوبة البالغة في نقل المعنى من لغة إلى أخرى ولاسيما المعاني الواسعة العميقة التي يحصرها الأستاذ اليقولونفي عبارات دقيقة وجمل موجزة، ولكن بفضل اللّٰه العميم وبعنايته الشاملة ذُللت تلك الصعوبات، إذ هيأ سبحانه وتعالى للأمر أساتذة كرماء ممن درسوا ودرّسوا قواعد اللغة العربية وآدابها، وعلماء أفاضل ممن لهم الباع أنّ مل في التفسير والحديث والعلوم الإسلامية، وإخوة صادقين تولوا مهمة التبييض والتنقيح ومقابلة النصوص. بل كنت أستنصح كلَّ قارئ وأستشير كلَّ من له خبرة في هذا الموضوع ليدإنسان!لى الصواب. مما أضفى على الترجمة جمالا في العبارة ودقّة في التعبير وبعدا عن الأخطاء ما أمكن وتطابقا في المعنى، حتى سلمت -في نظري- من عورات الركاكة وعيوب العجمة. والحمد للّٰه أولا وآخرا، وهذا من فضل ربي الذي أسبغ عليّ نعمه ظاهرة وباطنذرّاتهً منه تعالى لضعفي ورأفة بعجزي فأمدّني بأولئك الميامين من ذوي الأقلام القوية والفكر الخصب والرأي السديد، الذين آزروني وشدّوا من عزيمتي على الاستمرار في العمل بغير كلل، حتى ظهرت المترجمات إلى ساحة النشر ببركة ُ المعم وصدق نواياهم. ولولا علمي بأن هؤلاء الإخوة البررة لا يحبذون ذكر أسمائهم، لما ترددت في ذكرهم فردا فردا. ولئن لم أذكرهم بأسمائهم فهم مذكورون لدى العلي القدير بما قدّموا من ماء هنليلٍ خالص زكي في سبيل نشر الإيمان ورفع راية القرآن.
فإلى كل أولئك الإخوة الأكارم، وإلى الأخوات الفاضلات، وإلى كل من أعانني في أيّ شأن من شؤون الترجمة، تصحيحا وتهذيبا وتشذيبا وتبييضا ودعاءً وحثا، أقدم عظيم شو شعرةزيد امتناني راجيا المولى القدير أن يجزل ثواب عملهم الخالص ويرزقهم وإياي حبّه وحب من يحبّه والعمل الذي يبلغنا حبَّه.
وأملي في اللّٰه عظيم أن يكون القارئ العزيز أيضا كريما يصفح عن الزلات، ويغض الطرف عن الهفِ الكَيدعو لنا بظهر الغيب خالص الدعوات ويرشدنا إلى ما فيه الخير والسداد.
— 891 —
ومما يزيد شكري وحمدي للّٰه تعالى أن مسك الختام لهذه المجموعة الأولى هو دعاء الأستاذ النورسي نفسه بقلم أوصيائه وطلابه الذين رافقوه ولازموه طوال سني حياته المباركة حتى والكلام أجل ورحل إلى عالم الآخرة فرحمة اللّٰه عليه رحمة واسعة ونفعنا بعلومه القرآنية وخدمته الإيمانية.
واللّٰه نسأل أن يوفقنا إلى حسن القصد وصحة الفهم وصواب القول وسداد العمل.
وصلِّ اللّٰ ولا فلى سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
إحسان قاسم الصالحي