Risale-i Nur

الكلمات العربية
— 423 —

الشعلة الأولى

هذه الشعلةُ لها ثلاثُ أشعات
الشعاع الأول
بلاغة القرآن معجزة
هذه البلاغةُ المعجزة نَبعت من جزالة نظْم القرآن وحُسنِ متانته، ومن بداعةِ أساليبه وغرابتِها وجودتها، ومن بَراعةِ بيانه وتفوّقِه وصفوَتِه، ومن قوةِ معانيه وصدقِها، ومن فصاحةِ ألفاظه وسلاستِها.
بهذه البلاغة الخارقة تحدّى القرآنُ الكريم -منذ ألفٍ وثلاث مئة من السنين- أذكى بُلغاء بني آدم وأبرعَ خطبائهم وأعظمَ علمائهم، فما عارضوه، وما حاروا [٭]: الحَوْرُ: الرجوع عن الشيء وإِلى الشيء، وطَحَنَتْ فما أحارَت شيئا، أي: ما رَدَّتْ شيئا من الدَّقيقِ. (القاموس المحيط) ببنت شفة، مع شدة تحدّيه إياهم، بل خضعتْ رقابُهم بِذلّ، ونَكسوا رؤوسَهم بِهَوان، مع أنّ من بلغائهم مَن يناطح السحابَ بغرورِه.
نشير إلى وجه الإعجاز في بلاغته بصورتين:
الصورة الأولى
إنّ أكثرَ سكان جزيرة العرب كانوا في ذلك الوقت أمّيين، لذا كانوا يحفظون مفاخرَهم ووقائعهم التاريخية وأمثالَهم وحِكمَهم ومحاسنَ أخلاقهم في شعرهم وبليغِ كلامهم المتناقل شفاها، بدلا من الكتابة. فكان الكلامُ الحكيم ذو المغزى يستقر في الأذهان ويتناقلُه الخلفُ عن السلف. فهذه الحاجة الفطرية فيهم دفعَتهم إلى أن يكونَ أرغبُ متاع في أسواقهم وأكثرُه رواجا هو الفصاحةَ والبلاغة، حتى كان بليغُ القبيلة رمزا لمجدها وبطلا من أبطال فخرها. فهؤلاء القوم الذين ساسوا العالمَ بفِطنَتهم بعد إسلامهم كانوا في الصدارة والقمة في ميدان
— 424 —
البلاغة بين أمم العالم. فكانت البلاغةُ رائجةً وحاجتُهم إليها شديدةً حتى يعدّوها مدار اعتزازهم، بل حتى كانت رحى الحرب تدور بين قبيلتين أو يحلّ الوئام بينهما بمجرد كلام يصدر عن بليغهم بل كتبوا سبعَ قصائد بماء الذهب لأبلغ شعرائهم وعلّقوها على جدار الكعبة، فكانت "المعلقات السبع" التي هي رمزُ فخرهم.
ففي مثل هذا الوقت الذي بلغتْ فيه البلاغةُ قمةَ مجدها، ومرغوب فيها إلى هذا الحد، نیزل القرآن الكريم -بمثل ما كانت معجزة سيدنا موسى وعيسى عليهما السلام من جنس ما كان رائجا في زمانهما، وهو السحر والطب- نیزل في هذا الوقت متحديا ببلاغته بلاغةَ عصره وكلِّ العصور التالية، ودعا بلغاءَ العرب إلى معارضته، والإتيان ولو بأقصر سورة من مثله، فتحدّاهم بقوله تعالى:
وان كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله
(البقرة:٢٣) واشتدّ عليهم بالتحدي: فان لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار (البقرة:٢٤) أي ستساقون إلى جهنمَ وبئس المصير. فكان هذا يكسر غرورَهم، ويستخفّ بعقولهم ويسفّه أحلامَهم، ويقضي عليهم في الدنيا بالإعدام كما هو في الآخرة، أي إما أن تأتوا بمثله أو أنّ أرواحكم وأموالكم في خطر، ما دمتم مصرّين على الكفر!
وهكذا فلو كانت المعارضةُ ممكنةً فهل يمكن اختيار طريق الحرب والدمار، وهي أشدُّ خطرا وأكثرُ مشقة. وبين أيديهم طريق سهلة هينة، تلك هي معارضتُه ببضعة أسطر تماثله، لإبطال دعواه وتحدّيه؟
أجل، هل يمكن لأولئك القوم الأذكياء الذين أداروا العالمَ بسياستهم وفِطنتهم أن يتركوا أسهلَ طريق وأسلَمها، ويختاروا الطريق الصعبة التي تلقي أرواحَهم وأموالَهم إلى الهلاك؟ إذ لو كان باستطاعة بلغائهم أن يعارضوا القرآن ببضعة حروف، لَتَخَلَّى القرآنُ عن دعواه، وَلنَجَوا من الدمار المادي والمعنوي، والحال أنهم اختاروا طريقَ الحرب المريعة الطويلة. بمعنى أن المعارضة بالحروف محالة ولا يمكنهم ذلك بحال من الأحوال، لذا عمدوا إلى المقارعة بالسيوف.
ثم إن هناك دافعَين في غاية القوة لمعارضة القرآن وإتيان مثيله وهما:
— 425 —
الأول: حرصُ الأعداء على معارضته.
الثاني: شغفُ الأصدقاء على تقليده.
ولقد ألِّفَتْ تحت تأثير هذين الدافعين الشديدين ملايينُ الكتب بالعربية، من دون أن يكون كتاب واحد منها شبيها بالقرآن قط، إذ كلُّ من يراها -سواء أكان عالما أو جاهلا- لا بد أن يقول: القرآنُ لا يشبه هذه الكتب، ولا يمكن أن يُعارضَ واحد منها القرآنَ قطعا. ولهذا فإما أن القرآن أدنى بلاغةً من الكل، وهذا باطل محال باتفاق الأعداء والأصدقاء، وإما أن القرآن فوقها جميعا، وأسمى وأعلى.
فإن قلتَ: كيف نعلم أنّ أحدا لم يحاول المعارضة؟ ألم يعتمد أحد على نفسه وموهبته ليبرز في ميدان التحدي؟ أوَلم ينفع تعاونُهم ومؤازرةُ بعضهم بعضا؟
الجواب: لو كانت المعارضةُ ممكنةً، لكانت المحاولة قائمة لا محالة، لأن هناك قضية الشرف والعزة وهلاك الأرواح والأموال. فلو كانت المعارضة قد وقعت فعلا، لكان الكثيرون ينحازون إليها، لأن المعارضين للحق والعنيدين كثيرون دائما. فلو وُجد مَن يؤيد المعارضة لاشتهرت به، إذ كانوا ينظمون القصائد لخصام طفيف، ويجعلونَها في المآثر، فكيف بصراع عجيب كهذا يبقى مستورا في التاريخ؟
ولقد نُقلت واشتهرت أشنعُ الإشاعات وأقبحُها طعنا بالإسلام، ولم تُنقَل سوى بضعِ كلمات تقوَّلها مسيلمة الكذاب لمعارضة القرآن. ومسيلمةُ هذا، وإن كان صاحبُ بلاغة لا يستهان به إلّا أن بلاغته عندما قورنت مع بلاغة القرآن التي تفوق كلَّ حُسن وجمال عُدَّت هذيانا. ونُقل كلامُه هكذا في صفحات التاريخ.
وهكذا فالإعجاز في بلاغة القرآن يقين كيقين حاصل ضرب الاثنين في اثنين يساوي أربعا. ولهذا يكون الأمر هكذا.
— 426 —

الصورة الثانية

سنبين حكمةَ الإعجاز في بلاغة القرآن بخمس نقاط:
النقطة الأولى
إن في نظم القرآن جزالة خارقة، وقد بيّن كتاب "إشارات الإعجاز في مظان الإيجاز" من أوله إلى آخره هذه الجزالة والمتانة في النظم، إذ كما أن عقارب الساعة العادَّة للثواني والدقائق والساعات يكمِّل كلّ منها نظامَ الآخر، كذلك النّظم في هيئات كل جملة من جمَل القرآن، والنظامُ الذي في كلماته، والانتظام الذي في مناسبة الجُمل كلّ تجاه الآخر، وقد بُيّن كل ذلك بوضوح تام في التفسير المذكور. فمن شاء فليراجعه ليتمكن من أن يشاهد هذه الجزالة الخارقة في أجمل صوَرها، إلّا أننا نورد هنا مثالين فقط لبيان نَظم الكلمات المتعانقة لكل جملة (والتي لا يصلح مكانها غيرها بتناسق وتكامل).
المثال الأول: قوله تعالى:
ولیئین مسّیْتهیم نیفحیةٌ مین عیذابِ ربیّك
(الأنبياء:٤٦)
هذه الجملة مسوقة لإظهار هولِ العذاب، ولكن بإظهار التأثير الشديد لأقلِّه، ولهذا فإن جميعَ هيئات الجملة التي تفيد التقليل تنظرُ إلى هذا التقليل وتمدّه بالقوة كي يُظهر الهَول:
فلفظ لیئین هو للتشكيك، والشك يوحي القلة. ولفظ مسّ هو إصابة قليلة، يفيد القلة أيضا. ولفظ نیفحیة مادتُه رائحة قليلة، فيفيد القلة، كما أن صيغتَه تدل على واحدة، أي واحدة صغيرة، كما في التعبير الصرفي -مصدر المرة- فيفيد القلة.. وتنوينُ التنكير في نفحة هي لتقليلها، بمعنى أنها شيء صغير إلى حدٍّ لا يُعلم، فيُنكر. ولفظ مِنْ هو للتبعيض، بمعنى جزء، فيفيد القلة. ولفظ عیذابِ هو نوع خفيف من الجزاء بالنسبة إلى النكال والعقاب، فيشير إلى القلة. ولفظ ربیّك بدلا من: القهار، الجبار، المنتقم، فيفيد القلة أيضا وذلك بإحساسه الشفقة والرحمة.
وهكذا تفيد الجملة أنه:إذا كان العذابُ شديدا ومؤثرا مع هذه القلة، فكيف يكون هولُ العقاب الإلهي؟ فتأمل في الجملة لترى كيف تتجاوب الهيئاتُ الصغيرة، فيُعينُ كل الآخر، فكل يمد المقصد بجهته الخاصة.
— 427 —
هذا المثال الذي سقناه يلحظ اللفظَ والمقصد.
المثال الثاني: قوله تعالى: ومما رزقناهم يُنفقون (البقرة:٣)
فهيئات هذه الجملة تشير إلى خمسة شروط لقبول الصدقة:
الشرط الأول: المستفاد من "من" التبعيضية في لفظ مما أي أن لا يبسطَ المتصدقُ يده كل البسط فيحتاج إلى الصدقة.
الشرط الثاني: المستفاد من لفظ رزقناهم أي أن لا يأخذ من زيدٍ ويتصدق على عمرو، بل يجب أن يكون من مالِه، بمعنى: تصدقوا مما هو رزق لكم.
الشرط الثالث: المستفاد من لفظ "نا" في رزقنا أي أن لا يَمُنّ فيستكثرَ، أي لا منّة لكم في التصدق، فأنا أرزقكم، وتنفقون من مالي على عبدي.
الشرط الرابع: المستفاد من يُنفقون أي أن ينفق على مَن يضعه في حاجاته الضرورية ونفقته، وإلّا فلا تكون الصدقةُ مقبولةً على مَن يصرفها في السفاهة.
الشرط الخامس: المستفاد من رزقناهم أيضا. أي يكون التصدق باسم اللّٰه، أي المالُ مالي، فعليكم أن تنفقوه باسمي.
ومع هذه الشروط هناك تعميم في التصدق، إذ كما أن الصدقة تكون بالمال، تكون بالعلم أيضا، وبالقول والفعل والنصيحة كذلك، وتشير إلى هذه الأقسام كلمة "ما" التي في مما بعموميتها. وتشير إليها في هذه الجملة بالذات، لأنها مطلقة تفيد العموم.
وهكذا تجُود هذه الجملةُ الوجيزة -التي تفيد الصدقة- إلى عقل الإنسان خمسةَ شروط للصدقة مع بيان ميدانها الواسع، وتُشعرها بهيئاتها.
وهكذا، فلهيئات الجمل القرآنية نُظم كثيرة أمثال هذه.
وكذا للكلمات القرآنية أيضا ميدان نَظم واسع مثل ذلك، كل تجاه الآخر. وكذا للكلام القرآني ولجُمله دوائر نظم كتلك.
— 428 —
فمثلا قوله تعالى:
قل هو اللّٰه أحد٭ اللّٰه الصمد٭ لم يلد ولم يولد٭ ولم يكن له كفوًا أحد
(الإخلاص:١-٤)
هذه الآيات الجليلة فيها ستُّ جُمل: ثلاث منها مثبتة وثلاث منها منفية، تثبت ستَّ مراتبَ من التوحيد كما تردّ ستةَ أنواع من الشرك. فكلُّ جملة منها تكون دليلا للجمل الأخرى كما تكون نتيجةً لها. لأن لكلِّ جملة معنيين، تكون باعتبار أحدهما نتيجةً، وباعتبار الآخر دليلا.
أي إن سورة الإخلاص تشتمل على ثلاثين سورةٍ من سور الإخلاص. سوَر منتظمة مركبة من دلائل يثبت بعضُها بعضا، على النحو الآتي: قل هو اللّٰه : لأنه أحد، لأنه صمد، لأنه لم يلد، لأنه لم يولد، لأنه لم يكن له كفوا أحد.
وكذا: ولم يكن له كفوًا أحد : لأنه لم يولد، لأنه لم يلد، لأنه صمد، لأنه أحد، لأنه هو اللّٰه.
وكذا: هو اللّٰه فهو أحد، فهو صمد، فإذن لم يلد، فإذن لم يولد، فإذن لم يكن له كفوا أحد. وهكذا فقس على هذا المنوال.
ومثلا: قوله تعالى:
الم٭ ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين
(البقرة:١-٢)
فلكلٍّ من هذه الجُمل الأربع معنيان: فباعتبار أحدهما يكون دليلا للجمل الأخرى، وباعتبار الآخر نتيجةً لها. فيحصل من هذا نقش نظمي إعجازي من ستةَ عشر خطا من خطوط المناسبة والعلاقة.
وقد بين ذلك كتاب "إشارات الإعجاز" حتى كأن لكل آية من أكثر الآيات القرآنية عينا ناظرةً إلى أكثر الآيات، ووجها متوجها إليها، فتمد إلى كلٍّ منها خطوطا معنوية من المناسبات والارتباطات، ناسجةً نقشا إعجازيا. كما بُيّن ذلك في "الكلمة الثالثة عشرة". وخير شاهد على هذا "إشارات الإعجاز" إذ من أول الكتاب إلى آخره شرح لجزالة النظم هذه.
— 429 —

النقطة الثانية

البلاغة الخارقة في معناه، إذا شئت أن تتذوق بلاغةَ المعنى في الآية الكريمة:
سبّح للّٰه ما في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم
(الحديد:١) فانظرْ إلى هذا المثال الموضَّح في "الكلمة الثالثة عشرة".
فتصوَّر نفسَك قبل مجيء نورِ القرآن، في ذلك العصر الجاهلي، وفي صحراء البداوة والجهل، فبينما تجد كل شيء قد أسدل عليه ستارُ الغفلة وغشيَه ظلامُ الجهل ولُفّ بغلاف الجمود والطبيعة، إذا بك تشاهد بصدى قوله تعالى:
سبح للّٰه ما في السموات والارض
(الحديد:١) أو
تسبح له السموات السبع والارض ومن فيهن
(الإسراء:٤٤) قد دبّت الحياةُ في تلك الموجودات الهامدة أو الميتة بصدى سبّح و تسبح في أذهان السامعين فتنهض مسبحةً ذاكرةً اللّٰه. وإن وجه السماء المظلمة التي تستعرُّ فيها نجوم جامدة والأرض التي تدبّ فيها مخلوقات عاجزة، تتحول في نظر السامعين بصدى تسبح وبنوره إلى فمٍ ذاكر للّٰه، كلُّ نجمٍ يشع نورَ الحقيقة ويبث حكمةً حكيمة بالغة. ويتحول وجهُ الأرض بذلك الصدى السماوي ونوره إلى رأس عظيم، والبرُّ والبحر لسانين يلهجان بالتسبيح والتقديس، وجميعُ النباتات والحيوانات إلى كلماتٍ ذاكرة مسبّحة حتى لكأن الأرض كلَّها تنبض بالحياة.
ومثلا: انظرْ إلى هذا المثال الذي أثبت في "الكلمة الخامسة عشرة" وهو قوله تعالى:
يامعشرَ الجنِّ والانسِ إن استَطَعْتُمْ أنْ تَنفذوا مِن أقطارِ السموات والارضِ فانفذوا لا تنفذونَ إلّا بسلطانٍ٭ فبأي آلاء ربكما تُكذبان٭ يُرسَلُ عليكُما شواظٌ من نارٍ ونحاسٌ فلا تنتصران٭ فبأي آلاء ربكما تُكّذبان
(الرحمن:٣٣-٣٦)
ولقد زيّنا السماءَ الدنيا بمصابيحَ وجعلناها رجومًا للشياطين
(الملك:٥).
استمعْ لهذه الآيات وتدبّر ما تقول؟ إنها تقول: "أيها الإنسُ والجان، أيها المغرورون المتمردون، المتوحّلون بعَجزهم وضعفهم، أيها المعاندون الجامحون المتمرّغون في فقرهم وضعفهم! إنكم إن لم تطيعوا أوامري، فهيَّا اخرجوا من حدود مُلكي وسلطاني إن استطعتم! فكيف تتجرؤون إذن على عصيان أوامر سلطان عظيم: النجومُ والأقمار والشموس في قبضته، تأتمر بأوامره، كأنها جنود متأهبون.. فأنتم بطغيانكم هذا إنما تبارزون حاكما عظيما جليلا له
— 430 —
جنود مطيعون مهيبون يستطيعون أن يرجموا بقذائف كالجبال، حتى شياطينَكم لو تحملَت.. وأنتم بكفرانكم هذا إنما تتمردون في مملكة مالكٍ عظيم جليل، له جنود عظام يستطيعون أن يقصفوا أعداءً كفرة -ولو كانوا في ضخامة الأرض والجبال- بقذائف ملتهبة وشظايا من لهيب كأمثال الأرض والجبال، فيمزقونهم ويشتتونهم!. فكيف بمخلوقات ضعيفة أمثالِكُم؟.. وأنتم تخالفون قانونا صارما يرتبط به مَن له القدرة -بإذن اللّٰه- أن يُمطر عليكم قذائف وراجمات أمثال النجوم".
قس في ضوء هذا المثال قوة معاني سائر الآيات ورصانة بلاغتها وسمو إفاداتها.
النقطة الثالثة
البداعة الخارقة في أسلوبه: نعم، إن أساليب القرآن الكريم غريبة وبديعة كما أنها عجيبة ومقنعة، لم يقلّد أحدا قط ولا يستطيع أحد أن يقلده. فلقد حافظ وما يزال يحافظ على طراوة أسیاليبه وشبابيته وغرابته مثلما نیزل أول مرة.
فمثلا: إنّ الحروف المقطّعة المذكورة في بدايات عدةٍ من السوَر تشبه الشفرات؛ أمثال: الم الر طه يس حم عسق . وقد كتبنا نحو ستٍ من لمعات إعجازها في "إشارات الإعجاز" نذكر منها:
إنّ الحروف المذكورة في بدايات السور تُنصِّف كلَّ أزواج طبائع الحروف الهجائية من المهموسة والمجهورة والشديدة والرخوة.. [٭]: فذكر من "المهموسة" وهي ما يضعف الاعتماد على مخرجه، ويجمعها "ستشحثك خصفه" نصفها وهي الحاء والهاء والصاد والسين والكاف. ومن البواقي "المجهورة" نصفها يجمعه "لن يقطع أمر" ومن "الشديدة" الثمانية المجموعة في "أجدت طبقك" أربعة يجمعها. ومن البواقي "الرخوة" عشرة يجمعها "حمس على نصره" ومن المطبقة التي هي الصاد والضاد والطاء والظاء نصفها. ومن البواقي "المنفتحة" نصفها. ومن "القلقلة" وهي حروف تضطرب عند خروجها ويجمعها "قد طبج" نصفها الأقل لقلتها. ومن "اللينتين" الياء لأنها أقل ثقلا، ومن "المستعلية" وهي التي يتصعد الصوت بها في الحنك الأعلى وهي سبعة: القاف والصاد والطاء والخاء والغين والضاد والظاء نصفها الأقل، ومن البواقي "المنخفضة" نصفها... "تفسير البيضاوي". وغيرها من أقسامها الكثيرة. أما الأوتار -التي لا تقبل التنصيف- فمن الثقيل النصف القليل كالقلقلة، ومن الخفيف النصف الكثير كالذلاقة.
فسلوكُه في التنصيف والأخذُ بهذا الطريق الخفي الذي لا يدركه العقلُ من بين هذه الطرق المتداخلة المترددة بين مائتي احتمال، ثم سَوق الكلام في ذلك السياق وفي ذلك الميدان الواسعِ المشتبهةِ الأعلام ليس بالأمر الذي يأتي مصادفةً قط، ولا هو من شأن البشر.
— 431 —
فهذه الحروفُ المقطعة التي في أوائل السور والتي هي شفرات ورموز إلهية تبيّن خمسا أو ستا من أسرار لمعات إعجاز أخرى، بل إن علماءَ علم أسرار الحروف والمحققين من الأولياء قد استخرجوا من هذه المقطّعات أسرارا كثيرة جدّا، ووجدوا من الحقائق الجليلة ما يثبت لديهم أن المقطعات معجزة باهرة بحد ذاتها. أما نحن فلن نفتح ذلك الباب لأننا لسنا أهلا لأسرارهم، زد على ذلك لا نستطيع أن نثبتها إثباتا يكون مشهودا لدى الجميع. وإنما نكتفي بالإحالة إلى ما في "إشارات الإعجاز" من خمسِ أو ستِ لمعاتِ إعجازٍ تخص المقطّعات.
والآن نشير عدة إشارات إلى أساليب القرآن، باعتبار السورة، والمقصد، والآيات، والكلام، والكلمة:
فمثلا:
سورة "النبأ" عمّ يتساءلون.. إلى آخرها، إذا أُنعم النظرُ فيها فإنها تصف وتُثبت أحوال الآخرة والحشر والجنة وجهنم بأسلوب بديع يُطَمئِن القلب ويُقنعه، حيث تبين أن ما في هذه الدنيا من أفعال إلهية وآثار ربانيةٍ متوجهةٌ إلى كلٍّ من تلك الأحوال الأخروية. ولما كان إيضاح أسلوب السورة كلِّها يطول علينا، فسنشير إلى نقطة أو نقطتين منه:
تقول السورة في مستهلها إثباتا ليوم القيامة: لقد جعلنا الأرض لكم مهدا قد بُسطَ بسطا جميلا زاهيا.. والجبالَ أعمدة وأوتادا مليئة بالخزائن لمساكنكم وحياتكم.. وخلقناكم أزواجا تتحابّون فيما بينكم ويأنس بعضُكم ببعض.. وجعلنا الليل ساترا لكم لتخلدوا إلى الراحة.. والنهارَ ميدانا لمعيشتكم.. والشمسَ مصباحا مضيئا ومدفئا لكم.. وأنیزلنا من السُحب لكم ماءً باعثا على الحياة يجري مجرى العيون.. ونُنشئُ بسهولة من ماء بسيط أشياءَ شتى من مُزهر ومُثمر يحمل أرزاقكم.. فإذن يوم الفصل، وهو يوم القيامة، ينتظركم. والإتيان به ليس بعسير علينا.
وبعد ذلك يشير إشارة خفية إلى إثبات ما يحدث في يوم القيامة من سير الجبال وتناثرها، وتشقق السماوات وتهيؤ جهنم، ومنحه أهلَ الجنة الرياض الجميلة. وكأنه يقول: إنّ الذي يفعل هذه الأفعال في الجبال والأرض بمرأى منكم سيفعل مثلها في الآخرة. أي إن ما في بداية السورة من جبال تشير إلى أحوال الجبال يوم القيامة، وإن الحدائق التي في صدر السورة تشير إلى رياض الجنة في الآخرة. فقس سائر النقاط على هذا لتشاهد علو الأسلوب ومدى لطافته.
— 432 —
ومثلا: قل اللّٰهمَّ مالكَ الملكِ تؤتي الملكَ مَن تَشاءُ وتنزعُ الملكَ ممن تشاءُ وتعزُّ من تشاءُ وتذّل من تشاء بيدك الخيرُ انَّكَ على كل شئٍ قدير٭ تولجُ الّيلَ في النهار وتولج النهار في الّيل وتُخرجُ الحيَّ مِن الميتِ وتخرجُ الميتَ من الحيِّ وترزقُ مَن تشاءُ بغيرِ حِسابٍ
(آل عمران:٢٦-٢٧)
هذه الآية تبين بأسلوب عالٍ رفيع ما في بني الإنسان من شؤون إلهية، وما في تعاقب الليل والنهار من تجليات إلهية، وما في فصول السنة من تصرفات ربانية، وما في الحياة والممات والحشر والنشر الدنيوي على وجه الأرض من إجراءات ربانية.. هذا الأسلوب عالٍ وبديع إلى حدّ يسخّر عقول أهل النظر. وحيث إن هذا الأسلوب العالي ساطع يمكن رؤيته بأدنى نظر فلا نفتح الآن هذا الكنیز.
ومثلا: اذا السماءُ انشقّت٭ واَذِنَتْ لربِّها وحُقّت٭ واذا الارضُ مُدّت٭ وألقتْ ما فيها وتخلّت٭ وأذنتْ لربها وحُقت
(الانشقاق:١-٥).
تبين هذه الآيات مدى انقياد السماوات والأرض وامتثالهما أوامرَ اللّٰه سبحانه، تبينها بأسلوب عالٍ رفيع؛ إذ كما أن قائدا عظيما يؤسس دائرتين عسكريتين لإنجاز متطلبات الجهاد؛ كشُعَب المناورة والجهاد، وشُعَب التجنيد والسَوق إلى الجهاد، وإنه حالما ينتهي وقت الجهاد والمناورة يتوجه إلى تينك الدائرتين ليستعملهما في شؤون أخرى، فقد انتهت مهمتهما. فكأن كلّا من الدائرتين تقول بلسان موظفيها وخدّامها أو بلسانها لو أنطقت:
"يا قائدي أمهلنا قليلا كي نهيئَ أوضاعَنا ونطهّر المكان من بقايا أعمالنا القديمة ونطرحها خارجا.. ثم شرِّف وتفضَّل علينا!" وبعد ذلك تقول: "فها قد ألقيناها خارجا، فنحن طوعُ أمرك، فافعل ما تشاء فنحن منقادون لأمرك. فما تفعله حق وجميل وخير".
فكذلك السماوات والأرض دائرتان فتحتا للتكليف والامتحان، فعندما تنقضي المدة، تخلّي السماواتُ والأرض بإذن اللّٰه ما يعود إلى دائرة التكليف، ويقولان: "يا ربنا استخدِمنا فيما تُريد، فالامتثال حق واجب علينا، وكلُّ ما تفعله هو حق". فانظر إلى سمو هذا الأسلوب الخارق في هذه الجمل وأنعم النظر فيه.
— 433 —
ومثلا: يا أرضُ ابلعي ماءكِ وياسماءُ أقلعي، وغيضَ الماءُ وقیضيَ الأمرُ واستوتْ على الجوديّ، وقيلَ بُعدًا للقوم الظالمين
(هود:٤٤)
للإشارة إلى قطرة من بحر بلاغة هذه الآية الكريمة نبين أسلوبا منها في مرآة التمثيل، وذلك: أن قائدا عظيما في حرب عالمية شاملة يأمر جيشَه بعد إحراز النصر: "أوقفوا إطلاق النار"، ويأمر جيشَه الآخر: "كُفُّوا عن الهجوم". ففي اللحظة نفسها ينقطع إطلاقُ النار ويقف الهجوم، ويتوجّه إليهم قائلا: "لقد انتهى كل شيء واستولينا على الأعداء وقد نُصبتْ راياتُنا على قمة قلاعهم ونال أولئك الظالمون الفاسدون جزاءهم وولوا إلى أسفل سافلين".
كذلك، فإن السلطان الذي لا ندّ له ولا مثيل، قد أمر السماوات والأرض بإهلاك قوم نوح. وبعد أن امتثلا الأمرَ توجّه إليهما: "أيتها الأرضُ ابلعي ماءَك، وأنتِ أيتها السماءُ اسكني واهدأي فقد انتهت مهمتُكما. فانسحب الماء فورا من دون تريّث واستوت سفينةُ المأمور الإلهي كخيمة ضربت على قمة جبل. ولقيَ الظالمون جزاءهم".
فانظرْ إلى علو هذا الأسلوب، إذ الأرضُ والسماء كجنديين مطيعين مستعدين للطاعة وتلقي الأوامر. فتشير الآيةُ بهذا الأسلوب إلى أن الكائنات تغضبُ من عصيان الإنسان وتغتاظ منه السماواتُ والأرض. وبهذه الإشارة تقول: "إن الذي تمتثل السماوات والأرض بأمره لا يُعصى ولا ينبغي أن يُعصى" مما يفيد زجرا شديدا رادعا للإنسان. فأنت ترى أن الآية قد جمعت ببيان موجز معجز جميل مجملٍ في بضع جمل حادثةَ الطوفان التي هي عامة وشاملة مع جميع نتائجها وحقائقها. فقس قطرات هذا البحر الأخرى على هذه القطرة.
والآن انظر إلى الأسلوب الذي يريه القرآن من نوافذ الكلمات: فمثلا إلى كلمة كالعرجونِ القديم في الآية الكريمة:
والقمرَ قدّرناهُ منازلَ حتى عادَ كالعرجونِ القديم
(يس:٣٩) كيف تعرض أسلوبا في غاية اللطف.
وذلك: أنّ للقمر منیزلا هو دائرة الثريا. حينما يكون القمرُ هلالا فيه يشبه عرجونا قديما أبيض اللون. فتضع الآيةُ بهذا التشبيه أمام عين خيال السامع، كأن وراء ستار الخضراء [٭]: الخَضْراءُ: السماء لخُضْرَتها؛ صفة غلبت غَلَبَةَ الأسماء. وفي الحديث: "ما أظَلَّتِ الخَضْراءُ ولا أقَلَّتِ الغَبْراءُ أصْدَقَ لَهْجَةً من أبي ذَرٍّ"؛ الخَضْراءُ: السماء، والغبراء: الأرض. (لسان العرب)
— 434 —
شجرة شقَّ أحدُ أغصانِها النورانية المدببة البيضاء ذلك الستارَ ومدّ رأسه إلى الخارج، والثريا كأنها عنقود معلق فيه. وسائرُ النجوم كالثمرات النورانية لشجرة الخلقة المستورة. ولا جرم فإن عرضَ الهلال بهذا التشبيه لأولئك الذين مصدرُ عيشهم ومعظمُ قوتِهم من النخيل هو أسلوب في غاية الحُسن واللطافة وفي منتهى التناسق والعلو. فإن كنت صاحب ذوق تدركُ ذلك.
ومثلا: كلمة تجري في الآية الكريمة: والشمس تجري لمستقر لها (يس:٣٨) تفتح نافذة لأسلوب عالٍ -كما أثبت في ختام الكلمة التاسعة عشرة- وذلك:
إن لفظ تجري الذي يعنى دوران الشمس، يفهّم عظمةَ الصانع الجليل بتذكيره تصرفات القدرة الإلهية المنتظمة في دوران الصيف والشتاء وتعاقب الليل والنهار، ويلفت الأنظارَ إلى المكتوبات الصمدانية التي كتبها قلمُ القدرة الإلهية في صحائف الفصول، فيعلّم حكمةَ الخالق ذي الجلال.
وإن قوله تعالى: وجعل الشمس سراجًا (نوح:١٦) أي مصباحا، يفتح بتعبير سراجًا نافذةً لمثل هذا الأسلوب.
وهو أنه يُفهِّم عظمةَ الصانع وإحسان الخالق بتذكيره أن هذا العالم كأنه قصر، وأن ما فيه من لوازم وأطعمة وزينة قد أعدت للإنسان وذوي الحياة، وأن الشمس أيضا ما هي إلّا مصباح مسخر. فيبين بهذا دليلا للتوحيد، إذ الشمس التي يتوهمها المشركون أعظم معبود لديهم وألمعَها ما هي إلّا مصباح مسخّر ومخلوق جامد.
فإذن بتعبير سراجًا يذكّر رحمةَ الخالق في عظمة ربوبيته، ويفهّم إحسانه في سعة رحمته، ويُشعر بذلك الإفهام، بكرمه في عظمة سلطانه، ويفهّم الوحدانية بهذا الإشعار. وكأنه يقول: إن مصباحا مسخرا وسراجا جامدا لا يستحق العبادة بأي حال من الأحوال.
ثم إن جريانَ الشمس بتعبير تجري يذكّر بتصرفات منتظمة مثيرة للإعجاب في دوران الصيف والشتاء والليل والنهار، ويفهّم بذلك التذكير عظمةَ قدرة الصانع المتفرد في ربوبيته. بمعنى أنه يصرِف ذهنَ الإنسان من الشمس والقمر إلى صحائف الليل والنهار والصيف والشتاء، ويجلب نظرَه إلى ما في تلك الصحائف من سطور الحادثات المكتوبة.
— 435 —
أجل، إن القرآن لا يبحث في الشمس لذات الشمس بل لمن نوَّرها وجعلها سراجا، ولا يبحث في ماهيتها التي لا يحتاجها الإنسان، بل في وظيفتها، إذ هي تؤدي وظيفةَ نابضٍ "زنبرك" لانتظام الصنعة الربانية، ومركزٍ لنظام الخلقة الربانية، ومكّوكٍ لانسجام الصنعة الربانية، في الأشياء التي ينسجها المصوّر الأزلي بخيوط الليل والنهار.
ويمكنك أن تقيس على هذا سائرَ الكلمات القرآنية فهي وإن كانت تبدو كأنها كلمات مألوفة بسيطة، إلّا أنها تؤدي مهمة مفاتيح لكنوز المعاني اللطيفة.
وهكذا فلعلوّ أسلوب القرآن -كما في الوجوه السابقة في الأغلب- كان الأعرابي يعشقُ كلاما واحدا منه أحيانا، فيسجد قبلَ أن يؤمن، كما سمع أحدهم الآية الكريمة: فاصدع بما تؤمر (الحجر:٩٤) فخرَّ ساجدا، فلما سُئل: "أأسلمت؟" قال: "لا، بل أسجد لبلاغة هذا الكلام!"
النقطة الرابعة
الفصاحة الخارقة في لفظه: نعم، إن القرآن كما هو بليغ خارق من حيث أسلوبه وبيان معناه، فهو فصيح في غاية السیلاسة في لفظه. والدليل القاطع على فصاحته هیو عدم إيراثه السأم والمَلَل. كما أن شهادة علماء علم البيان والمعاني برهان باهر على حكمة فصاحته.
نعم، لو كُرّر ألوفَ المرات فلا يورث سأما ولا مللا. بل يزيدُ لذةً وحلاوةً.. ثم إنه لا يثقل على ذهن صبي بسيط فيستطيع حفظه.. ولا تسأم منه أُذنُ المصاب بداء عضال الذي يتأذى من أدنى كلام، بل يتلذذ به.. وكأنه الشراب العذب في فم المحتضر الذي يتقلّب في السَكرات، وهو لذيذ في أذنه ودماغه لذة ماء زمزم في فمه.
والحكمةُ في عدم الملل والسأم من القرآن هو أنّ القرآن قوت وغذاء للقلوب، وقوّة وغَناء للعقول، وماء وضياء للأرواح، ودواء وشفاء للنفوس، لذا لا يُمَلّ. مثالُه الخبز الذي نأكله يوميًّا دون أن نملّ، بينما لو تناولنا أطيب فاكهة يوميًّا لشعرنا بالملل. فإذن لأن القرآن حق وحقيقة وصدق وهدى وذو فصاحة خارقة فلا يورث الملل والسآمة، وإنما يحافظ على شبابيته دائما كما يحافظ على طراوته وحلاوته، حتى إن أحد رؤساء قريش وبلغائها عندما ذهب إلى الرسول الكريم ليسمع القرآن، قال بعد سماعه له: "واللّٰه إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة.. وما
— 436 —
يقوله بشر. ثم قال لقومه: واللّٰه ما فيكم رجل أعلمُ بالشعر مني.. ولا بأشعار الجن، واللّٰه ما يشبه الذي يقول شيئا من هذا".
فلم يبق أمامهم إلّا أن يقولوا إنه ساحر، ليغرروا به أتباعهم ويصدوهم عنه. وهكذا يبقى حتى أعتى أعداءِ القرآن مبهوتا أمام فصاحته.
إن إيضاح أسباب الفصاحة في آيات القرآن الكريم وفي كلامه وفي جمله يطول كثيرا، فتفاديا من الإطالة نُقصر الكلام على إظهار لمعة إعجاز تتلمع من أوضاع الحروف الهجائية وكيفياتها في آية واحدة فقط، على سبيل المثال وهي قوله تعالى:
ثم اَنزلَ عليكم مِن بعدِ الغمّ اَمنةً نُعاسًَا يغشى طائفةً منكم وطائفةٌ قد أهمّیتْهُم أنفسهم يظنونَ باللّٰه غيرَ الحقِ ظنَّ الجاهليةِ يقولون هل لنا من الأمِر من شئٍ، قُل ان الأمرَ كلَّه للّٰه يُخفون في أنفسهم ما لا يُبْدون لك يقولون لو كان لنا من الأمر شيءٌ ما قُیتلنا ههنا قل لو كنتم في بيوتكم لبرزَ الذين كُتبَ عليهم القتلُ الى میضاجعهم وليبتلي اللّٰه ما في صدوركم ولیيمحیّص ما في قیلوبیكم واللّٰه علیيم بیذات الصیدور
(آل عمران:١٥٤).
لقد جمعت هذه الآية جميعَ حروف الهجاء وأجناسَ الحروف الثقيلة، ومع ذلك لم يفقدها هذا الجمع سلاستَها بل زادها بهاءً إلى جمالها ومزج نغمةً من الیفصاحة نبعت من أوتار متناسبة متنوعیة.
فأنعِمْ النظرَ في هذه اللمعة ذات الإعجاز وهي أن الألِف والياء لأنهما أخفُّ حروف الهجاء وتنقلب إحداهُما بالأخرى كأنهما أختان، تكرّر كلّ منهما إحدى وعشرين مرة.. وأن الميم والنون (٭): والتنوين أيضا نون. (المؤلف). لأنهما أختان، ويمكن أن تحل إحداهما محل الأخرى فقد ذُكر كلّ منهما ثلاثا وثلاثين مرةً.. وأن الصاد والسين والشين متآخية حسب المخرج والصفة والصوت فذُكر كل واحد منها ثلاث مرات.. وأن العين والغين متآخيتان فذُكر العين ست مرات لخفتها بينما الغين لثقلها ذكرت ثلاث مرات أي نصفه.. وأن الطاء والظاء والذال والزاي، متآخية حسب المخرج والصفة والصوت، فذُكر كل واحد منها مرتين.. وأن اللام والألف متحدتان في صورة "لا"، وأن حصة الألف نصف في صورة "لا" فذُكرت اللام اثنتين وأربعين مرة، وذُكرت الألف -نصفها- إحدى وعشرين مرة.. وأن الهمزة والهاء متآخيتان حسب المخرج
— 437 —
فذكرت الهمزة ثلاث عشرة مرة (٭): الهمزة الملفوظة وغير الملفوظة هي خمس وعشرون. وهي فوق أختها وهي الألف الساكنة بثلاث درجات، لأن الحركة ثلاثة. (المؤلف). والهاء أربع عشرة مرة لكونها أخفّ منها بدرجة.. وأن القاف والفاء والكاف متآخية، فذُكرت القاف عشر مرات لزيادة نقطة فيها، وذكرت الفاء تسع مرات والكاف تسع.. وأن الباء ذُكرت تسع مرات، والتاء ذكرت اثنتي عشرة مرة، لأن درجتها ثلاثة.. وأن الراء أخت اللام . ولكن الراء مئتان واللام ثلاثون حسب حساب "أبجدية الجمل" أي إن الراء فوق اللام بست درجات فانخفضت عنها بست درجات. وأيضا الراء تتكرر كثيرا في التلفظ، فيثقل، فذُكرت ست مرات فقط.. ولأن الخاء والحاء والثاء والضاد ثقيلة وبينها مناسبات ذُكر كل منها مرة واحدة.. ولأن الواو أخف من "الهاء والهمزة" وأثقل من "الياء والألف" ذُكرت سبع عشرة مرة فوق الهمزة الثقيلة بأربع درجات وتحت الألف الخفيفة بأربع درجات أيضا.
وهكذا فإن هذه الحروف بهذا الوضع المنتظم الخارق، مع تلك المناسبات الخفية، والانتظام الجميل، والنظام الدقيق، والانسجام اللطيف تثبت بيقين جازم كحاصل ضرب اثنين في اثنين يساوي أربعا أنه ليس من شأن البشر ولا يمكنه أن يفعله. أما المصادفة فمحال أن تلعب به.
هذا فإن ما في أوضاع هذه الحروف من الانتظام العجيب والنظام الغريب مثلما هو مدار للفصاحة والسیلاسییة اللفظية، يمكن أن تكون له حِكم كثيرة أخرى. فما دام في الحروف هذا الانتظام، فلا شك أنه قد روعي في كلماتها وجملها ومعانيها انتظام ذو أسرار، وانسجام ذو أنوار، لو رأته العينُ لقالت من إعجابها: "ما شاء اللّٰه"، وإذا أدركه العقلُ لقال من حيرته: "بارك اللّٰه".
النقطة الخامسة
براعة البيان: أي التفوق والمتانة والهيبة، إذ كما أن في نظم القرآن جزالةً، وفي لفظه فصاحةً، وفي معناه بلاغةً، وفي أسلوبه إبداعا، ففي بيانه أيضا براعة فائقة. نعم، إن بيان القرآن لهو في أعلى مرتبة في أقسام الكلام وطبقات الخطاب: كالترغيب والترهيب، والمدح والذم، والإثبات والإرشاد، والإفهام والإفحام.
— 438 —
فمن بين آلاف أمثلة مقام "الترغيب والتشويق" سورة "الإنسان"، إذ بيان القرآن في هذه السورة سلس ينساب كالسلسبيل، ولذيذ كثمار الجنة، وجميل كحلل الحور العين. (٭): هذا الأسلوب قد لبس حلل معاني السورة نفسها.(المؤلف).
ومن بين الأمیثلة التي لا تحد لمقام "الترهيب والتهديد"، مقیدمة سورة "الغاشية". إذ بيان القرآن في هذه السورة يؤثر تأثيرَ غليان الرصاص في صماخ الضالين، ولهيبَ النار في عقولهم، وكالزقوم في حلوقهم، وكلفح جهنم في وجوههم، وكالضريع الشائك في بطونهم. نعم، إن كانت مأمورةُ العذاب جهنم تكاد تميز من الغيظ (الملك:٨) فكيف يكون تهديد وترهيب آمرها بالعذاب؟
ومن بين آلاف أمثلة مقام "المدح"، السوَر الخمس المستهلة بی"الحمد للّٰه"؛ إذ بيان القرآن في هذه السور ساطع كالشمس، (٭): في هذه العبارات إشارة لموضوعات تلك السور.(المؤلف). مزيّن كالنجوم، مهيب كالسماوات والأرض، محبوب مأنوس كالملائكة، لطيف رؤوف كالرحمة على الصغار في الدنيا، وجميل بهيج كالجنة اللطيفة في الآخرة.
ومن بين آلاف أمثلة مقام "الذم والزجر" الآية الكريمة:
أيحبُ احدكُم انْ يأكل لحم اخيهِ ميتًا فكرهتُموه
(الحجرات:١٢)
تنهى هذه الآية الكريمة عن الغيبة بست مراتب وتزجر عنها بشدة وعنف، وحيث إن خطاب الآية موجّه إلى المغتابين، فيكون المعنى كالآتي: إنّ الهمزة الموجودة في البداية، للاستفهام الإنكاري، حيث يسري حُكمه ويسيلُ كالماء إلى جميع كلمات الآية، فكل كلمة منها تتضمن حُكما؛
ففي الكلمة الأولى تخاطب الآية الكريمة بالهمزة: أليس لكم عقل -وهو محل السؤال والجواب- ليَعي هذا الأمرَ القبيح؟
وفي الكلمة الثانية: أيحبُ تخاطب الآية بالهمزة: هل فسد قلبُكم -وهو محل الحب والبغض- حتى أصبح يحب أكرهَ الأشياء وأشدَّها تنفيرا.
وفي الكلمة الثالثة: احدكُم تخاطب بالهمزة: ماذا جرى لحياتكم الاجتماعية
— 439 —
-التي تستمد حيويتَها من حيوية الجماعة- وما بال مدنيتِكم وحضارتِكم حتى أصبحت ترضى بما يسمِّم حياتَكم ويعكّر صفوَكم.
وفي الكلمة الرابعة: انْ يأكل لحم تخاطب بالهمزة: ماذا أصابَ إنسانيتَكم؟ حتى أصبحتم تفترسون صديقكم الحميم.
وفي الكلمة الخامسة: اخيهِ تخاطب بالهمزة: أليس بكم رأفة ببني جنسِكم، أليس لكم صلةُ رحم تربطُكم معهم، حتى أصبحتم تفتكون بمن هو أخوكم من عدة جهات، وتنهشون شخصَه المعنوي المظلوم نهشا قاسيا، أيملك عقلا من يعضّ عضوا من جسمه؟ أوَليس هو بمجنون؟.
وفي الكلمة السادسة: ميتًا تخاطب بالهمزة: أين وجدانُكم؟ أفَسدَت فطرتُكم حتى أصبحتم تجترحون أبغضَ الأشياء وأفسدَها، وهو أكل لحم أخيكم، في الوقت الذي هو جدير بكل احترام وتوقير.
يفهم من هذه الآية الكريمة -وبما ذكرناه من دلائل مختلفة في كلماتها- أنّ الغيبة مذمومة عقلا وقلبا وإنسانية ووجدانا وفطرة وملةً.
فتدبّر هذه الآية الكريمة، وانظر كيف أنها تزجُر عن جريمة الغيبة بإعجاز بالغ وبإيجاز شديد في ست مراتب.
ومن بين آلاف أمثلة مقام "الإثبات" الآية الكريمة:
فانظر الى آثارِ رحمتِ اللّٰه كيفَ يحيى الأرضَ بعدَ موتِها انّ ذلك لمحيي الموتى وهو على كلِّ شيء قديرٌ
(الروم:٥٠) فإنها تثبت الحشرَ وتزيل استبعاده ببيانٍ شافٍ وواف لا بيان فوقَه. وذلك كما أثبتنا في "الحقيقة التاسعة من الكلمة العاشرة" وفي "اللمعة السادسة من الكلمة الثانية والعشرين" بأنه كلما حلّ موسمُ الربيع، فكأن الأرض تُبعثُ من جديد بانبعاث ثلاثمائة ألف نوع من أنواع الحشر والنشور، في انتظام متقن وتمييز تام، علما أنها في منتهى الاختلاط والتشابك، حتى يكون ذلك الإحياء والبعث ظاهرا لكل مشاهد، وكأنه يقول له: إن الذي أحيا الأرض هكذا لن يصعبَ عليه إقامةُ الحشر والنشور. ثم إن كتابة هذه الألوف المؤلفة من أنواع الأحياء على صحيفة الأرض بقلم القدرة دون خطأ ولا نقص لهي ختم واضح للواحد الأحد، فكما أثبتت هذه
— 440 —
الآية الكريمة التوحيدَ، تثبت القيامةَ والحشر أيضا مبينةً أن الحشر والنشور سهل على تلك القدرة وقطعي ثابت كقطعية ثبوت غروب الشمس وشروقها.
ثم إن الآية الكريمة إذ تبين هذه الحقيقة بلفظ كيفَ أي من زاوية الكيفية فإن سورا أخرى كثيرة قد فصّلت تلك الكيفية؛
منها: سورة "ق" مثلا، فإنها تثبت الحشر والقيامة ببيان رفيع جميل باهر يفيد أنه لا ريب في مجيء الحشر كما لا ريب في مجيء الربيع. فتأمل في جواب القرآن الكفارَ المنكرين وتعجّبهم من إحياء العظام وتحولها إلى خلق جديد، إذ يقول لهم:
أفلم ينظروا الى السماءِ فوقَهُم كيفَ بنيناها وزينّاها ومالها من فروج٭ والأرضَ مددناها وألقينا فيها رواسيَ وانبتنا فيها من كلٍّ زوجٍ بهيج٭ تبصرةً وذكرى لكلّ عبدٍ منيب٭ ونزّلنا من السماء ماءً مباركًا فانبتنا بهِ جنّاتٍ وحبّ الحصيد٭ والنخلَ باسقاتٍ لها طلعٌ نیضيد ٭ رزقًا للعبادِ واحيينا به بلدةً ميتًا كذلك الخروج
(ق:٦-١١).
فهذا البيانُ يسيل كالماء الرقراق، ويسطع كالنجوم الزاهرة، وهو يُطعمُ القلبَ ويغذّيه بغذاءٍ حلو طيب كالرُطَب. فيكون غذاءً ويكون لذةً في الوقت نفسه.
ومن ألطفِ أمثلة مقام "الإثبات" هذا المثال:
يس٭ والقرآنِ الحكيم ٭ إنك لمن المرسلين
(يس:١-٣). هذا القَسَم يشير إلى حجّية الرسالة هو يقينيٌّ وحقٌ واضح حتى بلغ في الحقانية والصدق مرتبة التعظيم والإجلال، فيُقْسَم به.
يقول القرآن الكريم بهذه الإشارة: إنك رسول لأن في يدك قرآنا حكيما، والقرآنُ نفسُه حق وكلام الحق، لأن فيه الحكمة الحقة وعليه ختمَ الإعجاز.
ونذكر من أمثلة مقام "الإثبات" ذات الإعجاز والإيجاز هذه الآية الكريمة:
قال من يحيى العظامَ وهي رميمٌ٭ قلْ يحييها الذي أنشأها أولَ مرةٍ وهو بكلّ خلقٍ عليم
(يس:٧٨-٧٩).
ففي المثال الثالث من الحقيقة التاسعة للكلمة العاشرة تصوير لطيف لهذه المسألة، على النحو الآتي: إنّ شخصا عظيما قد شكّل أمام أنظارنا جيشا ضخما في يوم واحد. فإذا قال أحدُهم: إن هذا الشخص يمكنُه أن يجمع جنودَ طابوره المتفرقين للاستراحة ببوق عسكري
— 441 —
فينتظم له الطابور حالا. وأنت أيها الإنسان إن قلت: لا أصدّق!! تدرك عندئذٍ مدى بُعد إنكارك عن العقل.
والأمر كذلك -وللّٰه المثل الأعلى-: أن الذي يبعث أجسادَ الأحياء قاطبة من غير شيء، كأنها أفرادُ جيش ضخم بكمال الانتظام وبميزان الحكمة، ويجمع ذرات تلك الأجساد ولطائفَها ويحفظُها بأمر كن فيكون في كل قرن، بل في كل ربيع، على وجه الأرض كافة، ويوجِد مئات الألوف من أمثالها من أنواع ذوي الحياة. إن القدير العليم الذي يفعل هذا هل يمكن أن يُستَبعد منه جمعَ الذرات الأساسية والأجزاءَ الأصلية المتعارفة تحت نظام الجسد كأنها أفرادُ جيش منظم، بصيحةٍ من صور إسرافيل؟ إن استبعاد هذا من ذلكم القدير العليم لا محالةَ جنون!
وفي مقام "الإرشاد" فإن البيانات القرآنية مؤثرة ورفيعة ومؤنسة ورقيقة حتى إنها تملأ الروحَ شوقا والعقلَ لهفةً والعين دمعا. فلنأخذ هذا المثال من بين آلاف أمثلته:
ثم قسَتْ قلوبكُم منْ بعدِ ذلك فهي كالحجارةِ أو أشدُّ قسوةً وانَّ من الحجارة لَمَا يتفجّر منه الانهارُ وانّ منها لَمَا يشّقّیق فيخرجُ منه الماءُ وانّ منها لما يهبطُ من خشية اللّٰه وما اللّٰه بغافلٍ عما تعملون
(البقرة:٧٤) فكما أوضحنا وأثبتنا في مبحث الآية الثالثة من "المقام الأول للكلمة العشرين" فإن الآية هذه تخاطب بني إسرائيل قائلة: ماذا أصابكم يا بني إسرائيل حتى لا تبالون بجميع معجزات موسى عليه السلام، فعيونُكم شاخصة جافة لا تدمعُ، وقلوبُكم قاسية غليظة لا حرارةَ فيها ولا شوق، بينما الحجارةُ الصلدة القاسية قد ذرفَت الدموعَ من اثنتي عشرةَ عينا بضربةٍ من عصا موسى عليه السلام، وهي معجزة واحدة من معجزاته!
نكتفي بهذا القدر هنا ونحيل إلى تلك الكلمة حيث وُضّح هذا المعنى الإرشادي إيضاحا كافيا.
وفي مقام "الإفحام والإلزام" تأمل في هذين المثالين فحسب من بين آلاف أمثلته.
المثال الأول: وان كنتم في ريبٍ مما نزّلنا على عَبدنا فأتوا بسورةٍ من مثله وادعوا شهداءَكُم من دون اللّٰه إن كنتم صادقين
(البقرة:٢٣).
سنشير هنا إشارةً مجملةً فحسب، إذ قد أوضحناه وأثبتناه وأشرنا إليه في "إشارات
— 442 —
الإعجاز" وهو: أنّ القرآن المعجز البيان يقول: يا معشر الإنس والجن إن كانت لديكم شبهة في أن القرآن كلام اللّٰه، وتتوهمون أنه من كلام بشر. فهيا، فها هو ميدانُ التحدي. فأْتوُا بقرآنٍ مثل هذا يصدر عن شخصٍ أمّي لا يعرف القراءة ولا الكتابة، مثل محمدٍ الذي تصفونه أنتم بی"الأمين"..
فإن لم تفعلوا هذا فأْتوُا به من غير أمّي، وليكن بليغا وعالمًا.. فإن لم تفعلوا هذا فأْتوا به من جماعة من البلغاء وليس من شخص واحد، بل اجمعوا جميعَ بلغائكم وخطبائكم والآثار الجيدة للسابقين منهم ومدد اللاحقين وهِمَم شهدائكم وشركائكم من دون اللّٰه، وابذلوا كلَّ ما لديكم حتى تَأتوُا بمثل هذا القرآن.. فإن لم تفعلوا هذا فأْتوُا بكتابٍ في مثل بلاغة القرآن ونَظمه، بصرف النَظر عن حقائقه العظيمة ومعجزاته المعنوية.
بل القرآن قد تحدّاهم بأقلّ من هذا إذ يقول: فاتوا بعشر سورٍ مثله مفتريات (هود:١٣) أي ليس ضروريا صدق المعنى فلتكن أكاذيبَ مفتريات. وإن لم تفعلوا، فليكن عشرَ سور منه وليس ضروريا كل القرآن.. وإن لم تفعلوا هذا، فأتوُا بسورة واحدة من مثله فحسب، وإن كنتم ترَون هذا أيضا صعبا عليكم، فلتكن سورةً قصيرة.. وأخيرا ما دمتم عاجزين لا تستطيعون أن تفعلوا ولن تفعلوا مع أنكم في أمسّ الحاجة إلى الإتيان بمثيله، لأنّ شرفَكم وعزتكم ودينَكم وعصبيتكم وأموالكم وأرواحكم ودنياكم وأخراكم إنما تُصان بإتيان مثلِه، وإلّا ففي الدنيا يتعرض شرفُكم ودينُكم إلى الخطر وتسامون الذلّ والهوان وتُهدر أموالُكم، وفي الآخرة تصيرون حطبا للنار مع أصنامكم ومحكومين بالسجن الأبدي فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة (البقرة:٢٤).
فما دمتم قد عرفتم عَجزَكم بثماني مراتب، فلابد أن تعرفوا أن القرآن معجز بثماني مراتب. فإما أن تؤمنوا به أو تسكتوا نهائيا وتكون جهنمُ مثواكم وبئس المصير.
وبعد ما عرفتَ بيان القرآن هذا وإلزامَه في مقام "الإفحام" قل: حقا إنه"ليس بعد بيان القرآن بيان".
المثال الثاني: فذكّر فما انتَ بنعمتِ ربّك بكاهنٍ ولا مجنون٭ أم يقولون شاعرٌ نتربّصُ به ريبَ المنون٭ قُل تربصوا فاني معكم من المتربصين ٭ أم تأمرُهُم احلامُهم بهذا
— 443 —
أم هم قوم طاغون٭ أم يقولون تَقَوّله بل لا يؤمنون٭ فليأتوا بحديثٍ مثله ان كانوا صادقين٭ ام خُلقوا من غير شيء أم هم الخالقون٭ أم خَلقوا السموات والارض بل لا يوقنون٭ أم عندهم خزائن ربك أم هم المصيطرون٭ أم لهم سلّمٌ يستمعون فيه فليأتِ مستمعُهم بسلطانٍ مبين٭ أم له البنات ولكم البنونَ٭ أم تسئلهم اجرًا فهم من مغْرَم مُثقلون٭ أم عندهم الغيبُ فهم يكتبون٭ أم يُريدون كيدًا فالذين كفروا هم الیمَكيدون٭ أم لهم إلهٌ غيرُ اللّٰه سبحان اللّٰه عما يشركون
(الطور:٢٩-٤٣)
من بين آلاف الحقائق التي تتضمنُها هذه الآياتُ الجليلة سنبين حقيقةً واحدة فقط مثالا للإلزام وإفحام الخصم. كالآتي: إن هذه الآيات الكريمة تُلزم جميعَ أقسام أهل الضلالة وتُسكتُهم، وتسدّ جميع منابت الشبهات وتزيلُها، وذلك بلفظ: أم.. أم، بخمس عشرة طبقةً من الاستفهام الإنكاري التعجبي، فلا تدَعُ ثغرةً شيطانية ينیزوي فيها أهلُ الضلالة إلّا وتسدُّها، ولا تدع ستارا يتسترون تحته إلّا وتمزقُه، ولا تدع كذبا من أكاذيبهم إلّا وتفنّده. فكل فقرة من فقراتها تبطل خلاصةَ مفهوم كفرٍ تحمله طائفة من الطوائف الكافرة؛ إما بتعبير قصير وجيز، أو بالسكوت عنه وإحالته إلى بداهة العقل لظهور بطلانه، أو بإشارة مجملة إذ قد رُدّ ذلك المفهوم الكفري وأفحم في موضع آخر بالتفصيل. فمثلا:
الفقرة الأولى تشير إلى الآية الكريمة: وما عَلّمناهُ الشعرَ وما ينبغي له (يس:٦٩). أما الفقرة الخامسة عشرة فهي ترمز إلى الآية الكريمة: لو كانَ فيهما آلهةٌ إلّا اللّٰه لفسدتا (الأنبياء:٢٢). قِسْ بنفسك سائر الفقرات في ضوء هذه الفقرة، وذلك:
ففي المقدمة تقول: بلّغ الأحكامَ الإلهية، فإنك لستَ بكاهنٍ، لأن كلام الكاهن ملفّق مختلط لا يعدو الظن والوهمَ، بينما كلامُك هو الحق بعينه وهو اليقين.. وذكّر بتلك الأحكام فلستَ مجنونا قط، فقد شهدَ أعداؤك كذلك على كمال عقلك.
أم يقولون شاعرٌ نتربّصُ به ريبَ المنون
فيا عجبا! أيقولون لك: شاعر، كالكفار العوام الذين لا يحتكمون إلى العقل! أوَهم ينتظرون هلاكَك وموتك! قل لهم: انتظروا وأنا معكم من المنتظرين. فإن حقائقك العظيمة الباهرة منیزّهة عن خيالات الشعر ومستغنية عن تزييناته.
— 444 —
أم تأمرُهُم احلامُهم بهذا
أم إنهم يستنكفون عن اتّباعك كالفلاسفة المعتدّين بعقولهم الفارغة؟؛ الذين يقولون: كفانا عقلُنا. مع أن العقل نفسَه يأمر باتّباعك، فما من قول تقولُه إلّا وهو معقول، ولكن لا يبلُغه العقلُ بمفرده.
أم هم قوم طاغون
أم إن سبب إنكارهم هو عدم رضوخهم للحق كالطغاة الظلمة؟ مع أن عقبى الجبارين العتاة من فراعنة ونماريد معلومة لا تخفى على أحد.
أم يقولون تَقَوّله بل لا يؤمنون
أم إنهم يتهمونك بأن القرآن كلام من عندك، كما يقول المنافقون الكاذبون الذين لا ضمير لهم ولا وجدان؟ مع أنهم هم الذين يدعونك إلى الآن بی"محمد الأمين" لصدقِ كلامك. فإذن لا ينوون الإيمان. وإلّا فليجدوا في آثار البشر مثيلا للقرآن.
ام خُلقوا من غير شيء
أم إنهم يعدّون أنفسهم سائبين، خُلقوا سدًى بلا غاية ولا وظيفة ولا خالق لهم ولا مولى؟. ويعتقدون الكونَ كلَّه عبثا كما يعتقد به الفلاسفة العبثيون! أفعَميتْ أبصارُهم؟ أفلا يرون الكون كله من أقصاه إلى أقصاه مزيّنا بالحِكَم ومثمرا بالغايات، والموجودات كلها من الذرات إلى المجرات مناطة بوظائف جليلة ومسخرة لأوامر إلهية.
أم هم الخالقون
أم إنهم يظنون أن الأشياء تتشكل بنفسها وتُربَّى بنفسها وتخلق لوازمَها بنفسها، كما يقول الماديون المتفرعنون! حتى غدوا يستنكفون من الإيمان والعبودية للّٰه. فإذن هم يظنون أنفسهم خالقين. والحال أن خالق شيء واحد يلزم أن يكون خالقا لكل شيء. فلقد دفعهم إذن غرورُهم وعتوّهم إلى منتهى الحماقة والجهل حتى ظنوا أنّ مَن هو عاجز أمام أضعف مخلوق -كالذباب والميكروب- قادر مطلق! فما داموا قد تخلّوا إلى هذا الحد عن العقل وتجرّدوا من الإنسانية، فهم إذن أضلُّ من الأنعام بل أدنى من الجمادات.. فلا تهتم لإنكارهم، بل ضَعهم في عداد الحيوانات المضرة والمواد الفاسدة. ولا تلقِ لهم بالا ولا تلتفت إليهم أصلا.
أم خَلقوا السموات والارض بل لا يوقنون
أم يجحدون وجود اللّٰه تعالى كالمعطّلة الحمقى المنكرين للخالق؟ فلا يستمعون للقرآن! فعليهم إذن أن ينكروا خلق السماوات والأرض، أو يقولوا: نحن الخالقون؛ ولينسلخوا من العقل كليا وليدخلوا في هذيان الجنون،
— 445 —
لأن براهين التوحيد واضحة تُقرأ في أرجاء الكون بعدد نجوم السماء وبعیدد أزاهير الأرض، كلُّها تدل على وجوده تعالى وتُفصح عنه. فإذن لا يرغبون في الرضوخ للحق واليقين، وإلّا فكيف ظنوا أن كتاب الكون العظيم هذا الذي تندرج في كل حرفٍ منه ألوفُ الكتب، أنه دون كاتب. مع أنهم يعلمون جيدا أن حرفا واحدا لا يكون دون كاتب؟
أم عندهم خزائن ربك
أم إنهم ينفون الإرادة الإلهية كبعض الفلاسفة الضالين أو ينكرون أصل النبوة كالبراهمة، فلا يؤمنون بك! فعليهم إذن أن ينكروا جميع آثار الحِكَم والغايات الجليلة والانتظامات البديعة والفوائد المثمرة وآثار الرحمة الواسعة والعناية الفائقة الظاهرة على الموجودات كافة، والدالة على إرادة اللّٰه واختياره، وعليهم أن ينكروا جميع معجزات الأنبياء عليهم السلام، أو عليهم أن يقولوا: إن الخزينة التي تفيض بالإحسان على الخلق أجمعين هي عندنا وبأيدينا. وليُسْفِروا عن حقيقتهم بأنهم لا يستحقون الخطاب، ولا هم أهل له. إذن فلا تحزن على إنكارهم. فللّه حيوانات ضالة كثيرة.
أم هم المصيطرون
أم إنهم توهموا أنفسهم رقباءَ على أعمال اللّٰه تعالى؟ أفَيريدون أن يجعلوه سبحانه مسؤولا، كالمعتزلة الذين نصبوا العقل حاكما! فلا تبالِ ولا تكترث بهم إذ لا طائل وراء إنكار هؤلاء المغرورين وأمثالهم.
أم لهم سلّمٌ يستمعون فيه فليأتِ مستمعُهم بسلطانٍ مبين
أم إنهم يظنون أنفسهم قد وجدوا طريقا آخر إلى عالم الغيب كما يدّعيه الكهانُ الذين اتبعوا الشياطين والجان، وكمشعوذي تحضير الأرواح؟ أم يظنون أن لديهم سلما إلى السماوات التي صُكت أبوابُها بوجوه الشياطين، حتى لا يصدّقوا بما تتلقاه من خبر السماء! فإنكارُ هؤلاء الفجرة الكذابين وأمثالهم، هو في حُكم العدم.
أم له البنات ولكم البنونَ
أم إنهم يسندون الشرك إلى الأحد الصمد باسم العقول العشرة وأرباب الأنواع كما يعتقد به فلاسفة مشركون، أو بنوعٍ من الألوهية المنسوبة إلى النجوم والملائكة كالصابئة، أو بإسناد الولد إليه تعالى كالملحدين والضالين، فينسبون إليه الولد المنافي لوجوب وجود الأحد الصمد ولوحدانيته وصمدانيته، فهو المستغني المتعال؟ أم يسندون الأنوثة إلى الملائكة المنافية لعبوديتهم وعصمتهم وجنسهم "طبيعتهم"؟ أفَهُم
— 446 —
يظنون أنهم بهذا يوجدون شفعاءَ لأنفسهم، فلا يتّبعونك!؟ إن الإنسان الفاني الذي يطلب الوريثَ المعين، والمطبوعَ على حب الدنيا إلى حدّ الهيام بها، وهو العاجز الفقير إلى بقاء نوعه، والمؤهّلُ للتناسل والتكاثر والتجزؤ الجسماني، ذلك التناسل الذي هو رابطةُ البقاء وآصرةُ الحياة للمخلوقات كافة.. فإسناد التناسل هذا إلى مَن وجودُه واجب وهو الدائم الباقي، الأزلي الأبدي، الذاتي، المنیزّه عن الجسمانية، المقدسُ عن تجزئة الماهية، المتعالي عن أن يمس قدرتَه العجزُ، وهو الواحد الأحد الجليل ذو الجلال.. وإسناد الأولاد إليه ولاسيما الضعفاء العاجزين أي البنات اللاتي لم يرتَضها غرورُ هؤلاء، إنما هو نهايةُ السفسطة ومنتهى الجنون وغايةُ الهذيان، حتى إنه لا حاجة إلى تفنيد افتراءاتهم وإظهار بطلانها فلا تنصت إليهم ولا تلق لهم بالا، إذ لا تُسمَع سفسطةُ كل ثملٍ ولا هذيانُ كل مجنون.
أم تسئلهم اجرًا فهم من مغْرَم مُثقلون
أم إنهم يرون تكاليف العبودية التي تطلبها منهم ثقيلة عليهم؟ كما يراها الطغاة الباغون الحريصون على الدنيا المعتادون على الخسّة فيهربون من تلك التكاليف! ألا يعلمون أنك لا تريد منهم أجرا ولا من أحدٍ إلّا منه سبحانه؟ أيعزّ عليهم التصدق من مال اللّٰه الذي أعطاه إياهم ليزداد المال بركةً وليحصَّنَ من حسد الفقراء، ومن الدعاء بالسوء على مالكه؟ فالزكاةُ بمقدار العُشر أو واحد من أربعين، والتصدق بها على فقرائهم أتُعدّ أمرا ثقيلا حتى يهربوا من الإسلام؟ إنهم لا يستحقون حتى الجواب على تكذيبهم، فهو واضح جدّا وتافه جدّا بل يستحقون التأديب لا الإجابة.
أم عندهم الغيبُ فهم يكتبون
أم إنهم لا يروق لهم ما تتلقاه من أخبار الغيب، فيدّعون معرفة الغيب كالبوذيين وكالعقلانيين الذين يحسبون ظنونهم يقينا! أعندهم كتاب من الغيب وهو مفتوح لهم يكتبون منه حتى يردّوا كتابك الغيبي!؟ إن ذلك العالَم لا ينیزاح حجابُه إلّا للرسل الموحى إليهم، ولا طاقة لأحد بالولوج فيه بنفسه قط.
ولا يستخفنّك عن دعوتك تكذيب هؤلاء المغرورين المتكبرين الذين تجاوزوا طورهم وتعدّوا حدودهم. فعن قريب ستحطّم حقائقُك أحلامهم وتجعلها أثرا بعد عين.
أم يُريدون كيدًا فالذين كفروا هم الیمَكيدون
أم إنهم يريدون أن يكونوا كالمنافقين الذين فسدتْ فطرتُهم وتفسخ وجدانُهم، وكالزنادقة المكّارين الذين يصدّون الناس عن
— 447 —
الهدى -الذي حرموا منه- بالمكيدة والخديعة فيصرفوهم عن سواء السبيل، حتى أطلقوا عليك اسم الكاهن أو المجنون أو الساحر، مع أنهم هم أنفسهم لا يصدّقون دعواهم فكيف بالآخرين؟ فلا تهتم بهؤلاء الكذابين الخداعين ولا تعتبرهم في زمرة الأناسي، بل امضِ في الدعوة إلى اللّٰه، لا يفترك شيء عنها، فأولئك لا يكيدونك بل يكيدون أنفسَهم، ويضرونَ بأنفسهم. وما نجاحُهم في الفساد والكيد إلّا أمر مؤقت زائل بل هو استدراج ومكر إلهي.
أم لهم إلهٌ غيرُ اللّٰه سبحان اللّٰه عما يشركون
أم إنهم يعارضونك ويستغنون عنك لأنهم يتوهمون إلها غير اللّٰه يستندون إليه كالمجوس الذين توهموا إلهين اثنين باسم خالق الخير وخالق الشر! أو كعبّاد الأسباب والأصنام الذين يمنحون نوعا من الألوهية للأسباب ويتصورونها موئل استناد؟ إذن فقد عميَت أبصارهُم، أفلا يرون هذا الانتظامَ الأكمل الظاهر كالنهار في هذا الكون العظيم ولا هذا الانسجامَ الأجمل فيه!..
فبمقتضى قوله تعالى:
لو كان فيهما آلهة إلّا اللّٰه لفسدتا
(الأنبياء:٢٢) إذا ما حلّ مختاران في قرية، وواليان في ولاية وسلطانان في بلد، فالانتظامُ يختل حتما والانسجام يفسد نهائيا. والحال أن الانتظام الدقيق واضح بدءا من جناح البعوضة إلى قناديل السماء. فليس للشرك موضع ولو بمقدار جناح بعوض. فما دام هؤلاء يمرقون من نطاق العقل ويجافون الحكمة والمنطق ويقومون بأعمال منافية كليا للشعور والبداهة، فلا يصرفْك تكذيبُهم لك عن التذكير والإرشاد.
وهكذا فهذه الآيات التي هي سلسلة الحقائق، قد بيّنا بيانا مجملا جوهرةً واحدة منها فقط من مئات جواهرها، تلك الجوهرة التي تخص "الإلزام والإفحام". فلو كانت لي قدرة لأبيّن عدة جواهر أخرى منها لكنتَ تقول أيضا: إن هذه الآيات معجزة بحد ذاتها!
أما بيان القرآن في "الإفهام والتعليم" فهو خارق وذو لطافة وسلاسة، حتى إن أبسط شخص عامي يفهم بتلك البيانات أعظمَ حقيقة وأعمقَها بيسر وسهولة.
نعم، إن القرآن المبين يرشد إلى كثير من الحقائق الغامضة ويعلّم الناس إياها بأسلوب سهل وواضح وببيان شافٍ يراعي نظر العوام، من دون إيذاءٍ لشعور العامة ولا إرهاقٍ لفكر العوام ولا إزعاج له، فكما إذا ما حاور إنسان صبيا فإنه يستعمل تعابير خاصة به، كذلك
— 448 —
الأساليب القرآنية والتي تسمى بی"التنیزلات الإلهية إلى عقول البشر" خطاب ينیزل إلى مستوى مدارك المخاطَبين، حتى يفهّم أشد العوام أميّة، من الحقائق الغامضة والأسرار الربانية ما يعجز حكماء متبحرون عن بلوغها بفكرهم؛ وذلك بالتشبيهات والتمثيلات بصور متشابهات.
فمثلا: الآية الكريمة: الرحمن على العرشِ استوى (طه:٥) تبيّن الربوبية الإلهية وكيفية تدبيرها لشؤون العالم في صورة تمثيل وتشبيه لمرتبة الربوبية بالسلطان الذي يعتلي عرشَه ويدير أمرَ السلطنة.
نعم، لما كان القرآن كلاما لرب العالمين نزل من المرتبة العظمى لربوبيته الجليلة، مهيمنا على جميع المراتب الأخرى، مرشدا البالغين إلى تلك المراتب، مخترقا سبعين ألف حجاب، ملتفتا إليها ومنورا لها، وقد نشر نورَه على آلاف الطبقات من المخاطَبين المتباينين في الفهم والإدراك، ونثر فيضَه طوال عصور وقرون متفاوتة في الاستعدادات. وعلى الرغم من نشره لمعانيه بسهولة تامة في جميع الأنحاء والأزمان، احتفظ بحيويته ونداوته ونضارته ولم يفقد شيئا منها، بل ظل في منتهى الطراوة والجدة واللطافة سهلا ممتنعا، إذ مثلما يلقى دروسَه على أي عامي كان في غاية السهولة يلقيه على المختلفين في الفهم والمتباينين في الذكاء لكثير جدّا من الطبقات المتفاوتة ويرشدهم إلى الصواب ويورثهم القناعة والاطمئنان.
ففي هذا الكتاب المبين أينما وجّهتَ نظرك يمكنك أن تشاهد لمعة إعجاز.
— 448 —
لقرآن الكريم. إذ مثلما تُشبع عقولا جبارة، تعلّم عقولا صغيرة وبسيطة جدّا، وتُطَمئنها بالكلمات نفسها. ذلك لأن القرآن يدعو جميع طبقات الجن والإنس إلى الإيمان ويعلّم جميعَهم علومَ الإيمان ويثبتها لهم جميعا، لذا يستمع إلى درس القرآن وإرشاده أغبى الأغبياء من عامة الناس مع أخص الخواص جنبا إلى جنب متكاتفين معا.
أي إن القرآن الكريم مائدة سماوية تجد فيها آلافٌ من مختلف طبقات الأفكار والعقول
— 449 —
والقلوب والأرواح غذاءَهم، كلٌ حسب ما يشتهيه ويلبّي رغباته. حتى إن كثيرا من أبواب القرآن ظلت مغلقةً لتُفتح في المستقبل من الزمان.
فإن شئت مثالا على هذا المقام، فالقرآن كله من بدايته إلى نهايته أمثلة لهذا المقام. نعم، إن تلامذة القرآن والمستمعين لإرشاده من المجتهدين والصديقين وحكماء الإسلام والعلماء المحققين وعلماء أصول الفقه والمتكلمين والأولياء العارفين والأقطاب العاشقين والعلماء المدققين وعامة المسلمين.. كلهم يقولون بالاتفاق: "نحن نتلقى الإرشاد على أفضل وجهٍ من القرآن".
والخلاصة: إن لمعة إعجاز القرآن تتلمع في هذا المقام أيضا (مقام الإفهام والتعليم) كما هو الحال في سائر المقامات.
الشعاع الثاني
جامعية القرآن الخارقة
لهذا الشعاع خمسُ لمعات
اللمعة الأولى
الجامعية الخارقة في لفظه: هذه الجامعية واضحة جلية في الآيات المذكورة في "الكلمات" السابقة وفي هذه "الكلمة".
نعم، إن الألفاظ القرآنية قد وُضعت وضعا بحيث إن لكلِّ كلام بل لكل كلمة بل لكل حرف بل حتى لسكوت أحيانا وجوها كثيرة جدّا، تمنح كلَّ مخاطب حظَّه ونصيبه من أبواب مختلفة، كما يشير إلى ذلك الحديث الشريف، فلكل آية ظهر وبطن وحدّ ومطّلع، [٭]: "أنزلَ القُرآن عَلى سَبعَة أحرُف" رواه أحمد والترمذي، وهو عند الطبراني، المعجم الأوسط ١/٢٣٦.. وفي رواية أخرى عنده: "لكل حرف منها ظهر وبطن ولكل حرف حدّ ولكل حدّ مطّلع" (باختصار عن كشف الخفاء ١/٢٠٩) ولكل حدّ مطّلَع، أي لكل حدّ مَصعد يصعد إليه من معرفة علمه (لسان العرب). ولكلٍّ شجون وغصون وفنون. [٭]: وفي المثل "الحديث ذو شجون" أي فنون وأغراض، وقيل أي يدخل بعضه في بعض، أي ذو شعَب وامتساك بعضه ببعض.. وأصل الشجنة بالكسر والضم شعبة من غصن من غصون الشجرة (لسان العرب باختصار).
فمثلا: والجبالَ اوتادًا (النبأ:٧)؛ فحصة عاميّ من هذا الكلام: أنه يرى الجبال
— 450 —
كالأوتاد المغروزة في الأرض كما هو ظاهر أمام عينه، فيتأمل ما فيها من نِعم وفوائد، ويشكر خالقَه.
وحصة شاعر من هذا الكلام: أنه يتخيل أن الأرض سهل منبسط، وقبةَ السماء عبارة عن خيمة عظيمة خضراء ضربت عليه، وزُينت الخيمة بمصابيح، وأن الجبال تتراءى وهي تملأ دائرة الأفق، تمسّ قممُها أذيالَ السماء، وكأنها أوتاد تلك الخيمة العظيمة. فتغمره الحيرة والإعجاب ويقدس الصانع الجليل.
أما البدويّ البليغ فحصته من هذا الكلام أنه يتصور سطحَ الأرض كصحراء واسعة، وكأن سلاسل الجبال سلسلة ممتدة لخيَم كثيرة بأنواع شتى لمخلوقات متنوعة، حتى إن طبقة التراب عبارة عن غطاء ألقي على تلك الأوتاد المرتفعة فرفعتْها برؤوسها الحادة، جاعلةً منها مساكنَ مختلفة لأنواع شتى من المخلوقات.. هكذا يَفهم فيسجُد للفاطر الجليل سجدةَ حيرةٍ وإعجاب بجعله تلك المخلوقات العظيمة كأنها خيام ضربت على الأرض.
أما الجغرافي الأديب فحصته من هذا الكلام أنّ كرة الأرض عبارة عن سفينة تمخُر عبابَ بحر المحيط الهوائي أو الأثيري. وأن الجبال أوتاد دُقّت على تلك السفينة للتثبيت والموازنة.. هكذا يفكر الجغرافي ويقول أمام عظمة القدير ذي الكمال الذي جعل الكرة الأرضية الضخمة سفينة منتظمة وأركَبَنا فيها، لتجري بنا في آفاق العالم: "سبحانك ما أعظم شأنك".
أما المتخصص في أمور المجتمع والملمّ بمتطلبات الحضارة الحديثة فحصتهُ من هذا الكلام: أنه يفهم الأرض عبارة عن مسكن، وأن عماد هذا المسكن هو حياة الحيوانية وعماد تلك الحياة هو الماء والهواء والتراب، التي هي شرائط الحياة. وأن عماد هذه الثلاثة هو الجبال، لأن الجبال مخازنُ الماء، مشّاطةُ الهواء ومصفاته إذ ترسّب الغازات المضرة، وحاميةُ التراب إذ تحميه من استيلاء البحر والتوحل، وخزينة لسائر ما تقتضيه حياة الإنسان.. هكذا يفهم فيحمد ويقدّس ذلكم الصانع ذا الجلال والإكرام الذي جعل هذه الجبال العملاقة أوتادا ومخازنَ معايشِنا على الأرض التي هي مسكن حياتنا.
وحصة فيلسوف طبيعي من هذا الكلام: أنه يدرك أن الامتزاجات والانقلابات
— 451 —
والزلازل التي تحصل في باطن الأرض تجد استقرارها وسكونها بظهور الجبال، فتكون الجبال سببا لهدوء الأرض واستقرارها حول محورها ومدارها وعدم عدولها عن مدارها السنوي، وكأن الأرض تتنفس بمنافذ الجبال فيخفّ غضَبُها وتسكن حدّتُها.. هكذا يفهم ويطمئن ويلج في الإيمان قائلا: "الحكمة للّٰه".
ومثلا: ان السموات والارض كانتا رتقًا ففتقناهما
(الأنبياء:٣٠)
إنّ كلمة رتقًا في هذه الآية تفيد لمن لم يتلوث بالفلسفة: السماءُ كانت صافيةً لا سحاب فيها. والأرضُ جدباء لا حياة فيها، فالذي فتح أبواب السماء بالمطر وفرش الأرض بالخضرة هو الذي خلق جميع ذوي الحياة من ذلك الماء، وكأنه حصل نوع من المزاوجة والتلقيح بينهما، وما هذا إلّا من شأن القدير ذي الجلال الذي يكون وجه الأرض لديه كبستان صغير والسحب التي تحجب وجه السماء معصرات لذلك البستان.. يفهم هكذا فيسجد أمام عظمة قدرته تعالى.
وتفيد تلك الكلمة رتقًا للعالم الكوني أنه في بدء الخليقة، كانت الأرضُ والسماء كتلتين لا شكل لهما وعجينتَين طريتين لا نفع لهما، فبينما هما مادة لا مخلوقات لهما ولا مَن يدبّ عليهما، بسَطهما الفاطر الحكيم بسطا جميلا، ومنحهما صورا نافعة وزينة فاخرة وكثرة كاثرة من المخلوقات.. هكذا يفهم ويأخذه العجب أمام سعة حكمته تعالى.
وتفيد هذه الكلمة للفلاسفة المعاصرين أنّ كرتنا الأرضية وسائر السيارات التي تشكل المنظومة الشمسية كانت في البداية ممتیزجةً مع الشمس بشكل عجينة لم تُفرَش بعدُ، ففتیّق القادرُ القیيوم تلك العجينة ومكّن فيها السيارات كلّا في موضعه، فالشمس هناك والأرض هنا.. وهكذا. وفرش الأرض بالتراب وأنیزل عليها المطرَ من السماء، ونثر عليها الضياء من الشمس وأسكنها الإنسان.. هكذا يفهم ويرفع رأسه من حمأة الطبيعة قائلا: "آمنت باللّٰه الواحد الأحد".
ومثلا: والشمس تجري لمستقر لها
(يس:٣٨)
فاللام في لمستقر تفيد معنى اللام نفسها ومعنى "في" ومعنى "إلى". فهذه "اللام" يفهمُها العوام بمعنى "إلى" ويفهمون الآية في ضوئها؛ أي إن الشمس التي تمنحُكم
— 452 —
الضوء والحرارة، تجري إلى مستقرٍ لها وستبلغُه يوما، وعندها لین تفيدكم شيئا. فيتذكر بهذا ما ربط اللّٰه سبحانه وتعالى من نعمٍ عظيمة بالشمس، فيحمد ربه ويقدّسه قائلا: "سبحان اللّٰه والحمد للّٰه".
والآية نفسُها تظهر "اللام" بمعنى "إلى" إلى العالِم أيضا، ولكن ليس بمعنى أن الشمس مصدر الضوء وحده، وإنما كمكوك تحيك المنسوجات الربانية التي تُنسج في معمل الربيع والصيف. وإنها مداد ودواة من نور لمكتوبات الصمد التي تُكتب على صحيفة الليل والنهار. فيتصورها هكذا ويتأمل في نظام العالم البديع الذي يشير إليه جريانُ الشمس الظاهري، فيهوي ساجدا أمام حكمة الصانع الحكيم قائلا: "ما شاء اللّٰه كان، تبارك اللّٰه".
أمَّا بالنسبة للفلكي، فإن "اللام" يفهمها بمعنى "في". أي إن الشمس تنظّم حركةَ منظومتها "كزنبرك الساعة" بحركة محورية حول نفسها. فأمام هذا الصانع الجليل الذي خلق مثل هذه الساعة العظمى يأخذه العَجبُ والانبهار فيقول: "العظمة والقدرة للّٰه وحده"، ويَدع الفلسفةَ داخلا في ميدان حكمة القرآن.
و"اللام" هذه يفهمها العالِم المدقق بمعنى "العلة" وبمعنى "الظرفية". أي إن الصانع الحكيم جعل الأسبابَ الظاهرية ستارا لأفعاله وحجابا لشؤونه. فقد ربط السيارات بالشمس بقانونه المسمى بی"الجاذبية" وبه يُجري السيارات المختلفة بحركات مختلفة ولكن منتظمة. ويُجري الشمسَ حول مركزها سببا ظاهريا لتوليد تلك الجاذبية. أي إن معنى لمستقر هو: أن الشمس تجري في مستقر لها لاستقرار منظومتها، لأن الحركة تولد الحرارة، والحرارة تولد القوة، والقوة تولد الجاذبية الظاهرية، وذلك قانون رباني وسنة إلهية.
وهكذا، فهذا الحكيم المدقق يفهم مثل هذه الحكمة من حرف واحد من القرآن الحكيم ويقول: "الحمد للّٰه، إن الحكمة الحقة لهي في القرآن فلا أعتبر الفلسفة بعدُ شيئا يُذكر".
ومن هذه "اللام" والاستقرار يرد هذا المعنى إلى مَن يملك فكرا وقلبا شاعريا أن الشمس شجرة نورانية، والسيارات التي حولها إنما هي ثمراتُها السائحة، فالشمس تنتفض - بخلاف الأشجار الأخرى- لئلا تتساقط الثمرات، وبعكسه تتبعثر الثمرات.
— 453 —
ويمكن أن يتخيل أيضا أن الشمس كسيّد في حلقة ذكر، يذكر اللّٰه في مركز تلك الحلقة ذكرَ عاشقٍ ولهان، حتى يدفع الآخرين إلى الجذبة والانتشاء.
وقد قلت في رسالة أخرى في هذا المعنى: "نعم، إنّ الشمس مثمرة، تنتفض لئلا تتساقط الثمرات الطيبة ولو سكنتْ وسكتت، لانفقد الانجذاب، فيصرخ العشاقُ المنسّقون في الفضاء الواسع هلعا من السقوط والضياع!"
ومثلا: واولئك هم المفلحون
(البقرة:٥) فيها سكوت، وفيها إطلاق؛ إذ لم تُعيّن بم يفلحون؟ ليجد كلُّ واحد مبتغاه في هذا السكوت. فالآية تختصر الكلام ليتسع المعنى. إذ إن قصد قسمٍ من المخاطبين هو النجاةُ من النار، وقسم آخر لا يفكر إلّا بالجنة، وقسم يأمل السعادة الأبدية، وقسم يرجو الرضى الإلهي فحسب، وقسم غايةُ أمله رؤيةُ اللّٰه سبحانه. وهكذا.. فيتركُ القرآنُ الكلامَ على إطلاقه ليعمّ، ويحذف ليفيد معاني كثيرة، ويوجِز ليجد كلُّ واحدٍ حظَّه منها.
وهكذا فی المفلحون هنا لا يعيِّن بِمَ سيفلحون. وكأن الآية بسكوتها تقول: أيها المسلمون لكم البشرى! أيها المتقي: إن لك نجاة من النار. أيها العابد الصالح: فلاحُك في الجنة. أيها العارف باللّٰه: ستنال رضاه. أيها العاشق لجمال اللّٰه، ستحظى برؤيته تعالى.. وهكذا.
ولقد أوردنا من القرآن الكريم من جهة جامعية اللفظ في الكلام والكلمة والحروف والسكوت مثالا واحدا فحسب من بين آلاف الأمثلة؛ فقس الآية والقصة على ما أسلفناه.
ومثلا: فاعلم انه لا إله إلّا اللّٰه واستغفر لذنبك
(محمد:١٩)
هذه الآية لها من الوجوه الكثيرة والمراتب العديدة حتى رأت جميعُ طبقات الأولياء في شتى أنواع سلوكهم ومراتبهم حاجتَهم إلى هذه الآية. فأخذ كلّ منهم غذاءً معنويّا لائقا بمرتبته التي هو فيها، لأن لفظ الجلالة "اللّٰه" اسم جامع لجميع الأسماء الحسنى، ففيه أنواع من التوحيد بقدر عدد الأسماء نفسها، أي لا رزاقَ إلّا هو، لا خالق إلّا هو، لا رحمن إلّا هو.. وهكذا.
ومثلا: قصة موسى عليه السلام من القصص القرآنية، فيها من العبَر والدروس بقدر ما في عصا موسى عليه السلام من الفوائد؛ إذ فيها تطمين للرسول (ص) وتسلية له، وتهديد
— 454 —
للكفار، وتقبيح للمنافقين، وتوبيخ لليهود وما شابهها من المقاصد. فلها إذن وجوه كثيرة جدّا. لذا كرّرت في سوَر عدة. فمع أنها تفيد جميعَ المقاصد في كل موضع إلّا أن مقصدا منها هو المقصود بالذات، وتبقى المقاصدُ الأخرى تابعة له.
إذا قلت: كيف نفهم أن القرآن قد أراد جميعَ تلك المعاني التي جاءت في الأمثلة السابقة، ويشير إليها؟
فالجواب: ما دام القرآن الكريم خطابا أزليا، يخاطب به اللّٰه سبحانه وتعالى مختلفَ طبقات البشرية المصطفة خلف العصور ويرشدهم جميعا، فلابد أنه يُدرج معاني عدة لتلائم مختلف الأفهام، وسيضع أمارات على إرادته هذه.
نعم، ففي كتاب "إشارات الإعجاز" ذكرنا هذه المعاني الموجودة هنا وأمثالها من المعاني المتعددة لكلمات القرآن، وأثبتناها وفق قواعد علم الصرف والنحو وحسب دساتير علم البيان وفن المعاني وقوانين فن البلاغة.
وإلى جانب هذا فإن جميع الوجوه والمعاني التي هي صحيحة حسب علوم العربية، وصائبة وفق أصول الدين، ومقبولة في فن المعاني، ولائقة في علم البيان ومستحسنة في علم البلاغة، هي من معاني القرآن الكريم، بإجماع المجتهدين والمفسرين وعلماء أصول الدين وأصول الفقه وبشهادة اختلاف وجهات نظرهم. وقد وضع القرآن الكريم أمارات على كلٍّ من تلك المعاني حسب درجاتها وهي إما لفظية أو معنوية، والأمارة المعنوية هي: إما السياق نفسُه أو سياق الكلام أو أمارة من آيات أخر تشير إلى ذلك المعنى.
إن مئات الألوف من التفاسير التي قد بلغ بعضُها ثمانين مجلدا [٭]: حتى إن الاستفتاء في علم القرآن (تفسير الأدنوي) بلغ مائة وعشرين مجلدا، صنّفه في اثنتي عشرة سنة، محمد بن علي بن أحمد المقرئ النحوي المتوفي سنة ٣٨٨ هی (كشف الظنون ٤٤١/١). -وقد ألّفها علماء محققون- برهان قاطع باهر على جامعية لفظ القرآن وخارقيته.
وعلى كل حال فلو أوضحنا في هذه الكلمة كلَّ أمارة تدل على كل معنى من المعاني بقانونها وبقاعدتها لطالت بنا الكلمة، لذا نختصر الكلام هنا ونحيل إلى كتاب "إشارات الإعجاز في مظان الإيجاز".
— 455 —
اللمعة الثانية
الجامعية الخارقة في معانيه: نعم، إن القرآن الكريم قد أفاض من خزينة معانيه الجليلة مصادرَ جميع المجتهدين، ومذاقَ جميع العارفين، ومشاربَ جميع الواصلين ومسالكَ جميع الكاملين، ومذاهبَ جميع المحققين، فضلا عن أنه صار دليلَهم في كل وقتٍ ومرشدَهم في رقيهم كلَّ حين، ناشرا على طرُقهم أنوارَه الساطعة من خزينته التي لا تنضب، كما هو مصدَّق ومتفق عليه بينهم.
اللمعة الثالثة
الجامعية الخارقة في علمه: نعم، إن القرآن الكريم مثلما أجرى من بَحر علومه علومَ الشريعة المتعددة الوفيرة، وعلومَ الحقيقة المتنوعة الغزيرة، وعلومَ الطريقةِ المختلفة غير المحدودة، فإنه أجرى كذلك من ذلك البحر بسخاء وانتظام الحكمةَ الحقيقية لدائرة الممكنات، والعلومَ الحقيقية لدائرة الوجوب، والمعارف الغامضة لدائرة الآخرة. ولو أردنا إيراد مثال لهذه اللمعة فلابد من كتابة مجلد كامل! لذا نبيّن "الكلمات" الخمسة والعشرين السابقة فحسب.
نعم، إن الحقائق الصادقة للكلمات الخمس والعشرين كلها إن هي إلّا خمس وعشرون قطرةً من بحر علم القرآن. فإن وجد قصور في تلك "الكلمات" فهو راجع إلى فهمي القاصر.
اللمعة الرابعة
الجامعية الخارقة في مباحثه: نعم، إنّ القرآن قد جمعَ المباحث الكلية لما يخص الإنسانَ ووظيفته، والكونَ وخالقه، والأرضَ والسماوات، والدنيا والآخرة، والماضي والمستقبل، والأزل والأبد، فضلا عن ضمّه مباحثَ مهمة أساسية ابتداءً من خلق الإنسان من النطفة إلى دخوله القبر، ومن آداب الأكل والنوم إلى مباحث القضاء والقدر، ومن خلق العالم في ستة أيام إلى وظائف هبوب الريح التي يشير إليها القَسَم في والمرسلات والذاريات ومن مداخلته سبحانه في قلب الإنسان وإرادته بإشارات الآيات الكريمة: وما تشاؤن إلّا أن يشاء اللّٰه (التكوير:٢٩) يحولُ بين المرء وقلبهِ (الأنفال:٢٤) إلى والسموات مطويات بيمينه (الزمر:٦٧)، ومن وجعلنا فيها جنات من نخيلٍ واعناب (يس:٣٤) إلى الحقيقة العجيبة التي تعبّر عنها الآية: اذا زلزلت الارض زلزالها (الزلزلة:١)، ومن
— 456 —
حالة السماء ثم استوى الى السماء وهي دخان (فصلت:١١) إلى انشقاق السماء وانكدار النجوم وانتشارها في الفضاء الذي لا يحد، ومن انفتاح الدنيا للامتحان إلى انتهاء الاختبار، ومن القبر الذي هو أول منیزل من منازل الآخرة والبرزخ والحشر والصراط إلى الجنة والسعادة الأبدية، ومن وقائع الزمان الماضي الغابر من خلق آدم عليه السلام وصراع ابنَيْهِ إلى الطوفان، إلى هلاك قوم فرعون وحوادث جليلة لأغلب الأنبياء عليهم السلام، ومن الحادثة الأزلية في ألستُ بربكم (الأعراف:١٧٢) إلى وجوه يومئذ ناضرة٭ الى ربها ناظرة (القيامة:٢٢-٢٣) التي تفيد الأبدية.
فجميعُ هذه المباحث الأساسية والمهمة تُبيَّن في القرآن بيانا واضحا يليق بذات اللّٰه الجليلة سبحانه الذي يدبّر الكون كله كأنه قصر، ويفتح الدنيا والآخرة كغرفتين يفتح إحداهما ويسد الأخرى بسهولة، ويتصرف في الأرض تصرفَه في بستان صغير، وفي السماء كأنها سقف مزيّن بالمصابيح، ويطّلع على الماضي والمستقبل كصحيفتين حاضرتين أمام شهوده كالليل والنهار، ويشاهد الأزل والأبد كاليوم وأمس، يشاهدهما كالزمان الحاضر الذي اتصل فيه طرفا سلسلة الشؤون الإلهية. فكما أن معماريا يتكلم في بناءين بناهما وفي إدارتهما ويجعل للأعمال المتعلقة بهما صحيفة عمل وفهرس نظام؛ فالقرآن الكريم كذلك كلام مبين يليق بمن خلق هذا الكون ويديره وكتب صحيفة أعماله وفهارس برامجه -إن جاز التعبير- وأظهرها. فلا يُشاهَد فيه أثر من تصَینّع وتكلّف بأي جهة كانت كما لا أمارة قطعا لشائبة تقليد ولا أمارة لأية خدعة كأن يتكلم لحساب وباسم واحد آخر مفترضا نفسه في مكانه وموقعه، وأمثالها من الخدع. فهو بكل جدّيته، وبكل صفائه، وبكل خلوصه صافٍ برّاق ساطع زاهر، إذ مثلما يقول ضوءُ الشمس: أنا منبعث من الشمس، فالقرآن كذلك يقول: "أنا كلام رب العالمين وبيانُه".
نعم، إن الذي جمّل هذه الدنيا وزيّنها بصنائعه الثمينة وملأها بأطايب نِعَمه الشهية ونشرَ في وجه الأرض بدائع مخلوقاته ونعمه القيمة بكل إبداع وإحسان وتنسيق وتنظيم ذلكم الصانع الجليل والمنعم المحسن، مَن غيرُهُ يليق أن يكون صاحب هذا البيان، بيان القرآن الكريم الذي ملأ الدنيا بالتقدير والتعظيم والاستحسان والإعجاب والحمد والشكر، حتى جعل الأرض رباطَ ذكرٍ وتهليل، ومسجدا يُرفع فيه اسم اللّٰه ومعرضا لبدائع الصنعة الإلهية؟ ومَن يكون غيرُه صاحبَ هذا الكلام؟ ومَن يمكنه أن يدّعى أن يكون صاحبَه؟
— 457 —
فهل يليق للضياء الذي ملأ الدنيا نورا أن يعود لغير الشمس؟ وبيان القرآن الذي كشف لغزَ العالم ونوّره، نورَ مَن يكون غيرَ مَن خلق السماوات والأرض؟ فمن يجرؤ أن يقلّده ويأتي بنظيرٍ له؟
حقا، إن الصانع الذي زيّن بإبداع صنعتِه هذه الدنيا، محال ألّا يتكلم مع هذا الإنسان المبهور بصُنعهِ وإبداعه، فما دام أنه يفعل ويعلم فلابد أنه يتكلم، وما دام أنه يتكلّم فلا يليق بكلامه إلّا القرآن. فمالكُ الملك الییذي يهتم بتنظيم زهرة صغيرة كيف لا يبیییالي بكلام حوّل مُلكه إلى جذبة ذكر وتهليل؟ أيمكن أن يُنیزل من قدر هذا الكلام بنسبته إلى غيره؟.
اللمعة الخامسة
الجامعية الخارقة في أسلوبه وإيجازه: في هذه اللمعة خمسة أضواء:
الضوء الأول: إنّ لأسلوب القرآن جامعية عجيبة، حتى إن سورةً واحدة تتضمن بحرَ القرآن العظيم الذي ضمّ الكون بين جوانحه. وإن آية واحدة تضم خزينة تلك السورة. وإن أكثر الآيات -كل منها- كسورة صغيرة، وأكثر السور -كل منها- كقرآن صغير. [٭]: ورد عن بعض السلف وصف السورة بأنها صغيرة، فعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: "ما من المفصل سورة صغيرة ولا كبيرة إلا وقد سمعت رسول اللّٰه (ص) يؤم الناس بها في الصلاة المكتوبة". أبو داود، الصلاة ٨١٤؛ الطبراني، المعجم الكبير ١٢/٣٦٥. فمن هذا الإيجاز المعجز ينشأ لطف عظيم للإرشاد وتسهيل واسع جميل. لأن كل إنسان على الرغم من حاجتیه إلى تلاوة القرآن كل وقت، فإنه قد لا يتاح له تلاوته، إما لغباوته وقصور فهمه أو لأسباب أخرى. فلكي لا يُحرَم أحد من القرآن فإن كل سورة في حُكم قرآن صغير، بل كلُّ آية طويلة في مقام سورة قصيرة، حتى إن أهل الكشف متفقون أن القرآن في الفاتحة والفاتحة في البسملة. أما البرهان على هذا فهو إجماعُ أهل التحقيق والعلماء.
الضوء الثاني: إن الآيات القرآنية جامعة بدلالاتها وإشاراتها لأنواع الكلام والمعارف الحقيقية والحاجات البشرية كالأمر والنهي، والوعد والوعيد، الترغيب والترهيب، الزجر والإرشاد، القصص والأمثال، الأحكام والمعارف الإلهية، العلوم الكونية، وقوانين وشرائط
— 458 —
الحياة الشخصية والحياة الاجتماعية والحياة القلبية والحياة المعنوية والحياة الأخروية. حتى يصدُق عليه المَثَل السائر بين أهل الحقيقة: "خُذ ما شئتَ لما شئت" بمعنى أن الآيات القرآنية فيها من الجامعية ما يمكن أن يكون دواءً لكل داء وغذاء لكل حاجة.
نعم، هكذا ينبغي أن يكون، لأن الرائد الكامل المطلق لجميع طبقات أهلِ الكمال الذين يقطعون المراتب دوما إلى الرقي -ذلك القرآن العظيم- لابد أن يكون مالكا لهذه الخاصية.
الضوء الثالث: الإيجازُ المعجز للقرآن. فقد يذكُر القرآنُ مبدأ سلسلةٍ طويلة ومنتهاها ذكرا لطيفا يُري السلسلةَ بكاملها، وقد يدرج في كلمةٍ واحدة براهينَ كثيرةً لدعوًى؛ صراحةً وإشارةً ورمزا وإيماءً.
فمثلا: ومن آياتهِ خلقُ السموات والارض واختلافُ ألسنتِكُم وألوانكم
(الروم:٢٢)
هذه الآية الكريمة تذكر مبدأ سلسلةِ خلقِ الكون ومنتهاها. وهي سلسلةُ آيات التوحيد ودلائله، ثم تبين السلسلةَ الثانية، جاعلة القارئ يقرأ السلسلة الأولى وذلك: أنّ أولى صحائف العالم الشاهدة على الصانع الحكيم هي خلقُ السماوات والأرض، ثم تزيين السماوات بالنجوم وإعمار الأرض بذوي الحياة، ثم تبدُّل المواسم بتسخير الشمس والقمر، ثم سلسلة الشؤون الربانية في اختلاف الليل والنهار وتعاقبهما.. وهكذا تدريجيا حتى تبلغ خصوصية الملامح والأصوات وامتيازها وتشخصاتها التي هي أكثر مواضع انتشار الكثرة.
فإذا ما وجد انتظام بديع حكيم محير للألباب، وتبينَ عملُ قلمِ صَنّاع حكيم في أكثر المواضع بُعدا عن الانتظام وأزيدها تعرضا للمصادفة ظاهرا، تلك هي ملامحُ وجوه الإنسان وألوانُه، فلابد أن الصحائف الأخرى الظاهر نظامُها تُفهم بنفسها وتدل على مصّورها البديع.
ثم إنه لما كان أثرُ الإبداع والحكمة يُشاهَد في أصل خلق السماوات والأرض التي جعلَها الصانعُ الحكيم الحجرَ الأساس للكون، فلابد أن نقشَ الحكمة وأثر الإبداع ظاهر جدّا في سائر أجزاء الكون.
فهذه الآية حَوَت إيجازا لطيفا معجزا في إظهار الخفي وإضمار الظاهر فأوجزتْ
— 459 —
وأجمَلت. حقا إن سلسلة البراهين المبتدئة من فسبحان اللّٰه حين تمسون.. (الروم:١٧) إلى وله المثل الاعلى في السموات والارض وهو العزيز الحكيم (الروم:٢٧) والتي تتكرر فيها ست مرات ومن آياته ٭ ومن آياته إنما هي سلسلة جواهرَ، سلسلة نورٍ، سلسلة إعجاز، سلسلة إيجاز إعجازي؛ يتمنى القلبُ أن أبيّن الجواهر الكامنة في هذه الكنوز، ولكن ما حيلتي فالمقام لا يتحملُه، فلا أفتح ذلك الباب، وأعلّق الأمر إلى وقت آخر بمشيئة اللّٰه.
ومثلا: فارسلون٭ يوسفُ ايها الصدِّيق (يوسف:٤٥-٤٦) فبیين كیلمة فارسلون وكلمة يوسفُ يكمُن معنى العبارة التالية: "إلى يوسف لأستَعبر منه الرؤيا، فأرسَلوه، فذهب إلى السجن، وقال.." بمعنى أنه أوجزَ عدةَ جمَلٍ في جملة واحدة من دون أن يخلّ بوضوح الآية ولا أشكلَ في فهمها.
ومثلا: الذي جعل لكم من الشجر الاخیضر نارًا
(يس:٨٠). ففي معرض ردّ القرآن على الإنسان العاصي الذي يتحدى الخالق بقوله: مَن يحيى العظام وهي رميم (يس:٧٨) يقول: قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم (يس:٧٩) ويقول أيضا: الذي جعل لكم من الشجر الاخیضر نارًا قادر على أن يحيى العظام وهي رميم.
فهذا الكلام يتوجه إلى دعوى الإحياء من عدة جهات ويثبتها. إذ إنه يبدأ من سلسلة الإحسانات التي أحسنَ اللّٰه بها إلى الإنسان، فيذكّره بها ويثير شعورَه، إلّا أنه يختصر الكلام، لأنه فصّله في آيات أخرى، ويوجِزه مُحيلا إياه على العقل. أي إن الذي منَحكم من الشجر الثمرَ والنار، ومن الأعشاب الرزقَ والحبوب، ومن التراب الحبوبَ والنباتات وقد جعل لكم الأرض مهدا، فيها جميعُ أرزاقكم، والعالمَ قصرا فيه جميعُ لوازم حياتكم. فهل يمكن أن يترككم سدًى فتفرّوا منه، وتختفوا عنه في العدم؟ فلا يمكن أن تكونوا سدًى فتدخلوا القبر وتناموا براحة دون سؤال عمّا كسبتم ودون إحيائكم؟.
ثم يشير إلى دليل واحد لتلك الدعوى: فيقول رمزا بكلمة الشجر الاخیضر "أيها المنكر للحشر! أنظر إلى الأشجار، فإنّ مَن يحيى أشجارا لا حدّ لها في الربيع بعد أن ماتت
— 460 —
في الشتاء وأصبحت شبيهة بالعظام، ويجعلُها مخضرّة، بل يُظهر في كلِّ شجرةٍ ثلاثةَ نماذجَ من الحشر؛ في الأوراق والأزهار والأثمار.. إنّ هذا القدير لا تُتحدّى قدرتُه بالإنكار ولا يُستبعَد منه الحشر".
ثم يشير إلى دليل آخر ويقول: "إنّ الذي أخرج لكم النارَ، تلك المادة الخفيفة النورانية، من الشجر الكثيف الثقيل المظلم، كيف تستبعدون منه منحَ حياةٍ لطيیفة كالنار، وشعورٍ كالنور لعظیام كالحطب".
ثم يأتي بدليل آخر صراحةً ويقول: إن الذي يخلق النار من الشجر المشهور لدى البدويين بِحَكّ غصنَين معا، ويجمع بين صفتين متضادتين (الرطوبة والحرارة) ويجعل إحداهما منشأً للأخرى، يدلنا على أن كل شيء حتى العناصر الأصلية والطبائع الأساسية إنما تتحرك بقوته وتتمثل بأمره. ولا شيء منها يتحرك بذاته أو سدًى. فمثل هذا الخالق العظيم لا يمكن أن يُستبعد منه إحياءُ الإنسان من التراب -وقد خَلقه من التراب ويعيده إليه- فلا يُتحدّى بالعصيان.
ثم بعد ذلك يذكّر بكلمة الشجر الاخیضر شجرة موسى عليه السلام المشهورة فيومئ إلى اتفاق الأنبياء إيماءً لطيفا، بأن هذه الدعوى الأحمدية عليه الصلاة والسلام هي بعينها دعوى موسى عليه السلام. مما يزيد إيجاز هذه الكلمة لطافةً وحسنا آخر.
الضوء الرابع: إنّ إيجاز القرآن جامع ومعجز، فلو أُنعم النظرُ فيه لشوهد بوضوح أن القرآن قد بيّن في مثالٍ جزئي وفي حادثة خاصة، دساتيرَ كلية واسعة وقوانينَ عامة طويلة، وكأنه يبين في غُرفة ماءٍ بحرا واسعا.
سنشير إلى مثالين اثنين من آلاف أمثلته.
المثال الأول: هو الآيات الثلاث التي فصّلنا شرحَها في المقام الأول من "الكلمة العشرين": وهي: أنه بتعليم آدم عليه السلام الأسماءَ كلَّها تفيد الآية الكريمة: تعليمَ جميع العلوم والفنون الملهَمة لبني آدم.
وبحادثة سجود الملائكة لآدم عليه السلام وعدمِ سجود الشيطان تبيّن الآية أن أكثر الموجودات -من السمك إلى المَلَك- مسخرة لبني الإنسان، كما أن المخلوقات المضرة -من الثعبان إلى الشيطان- لا تنقاد إليه بل تُعاديه. وبحادثة ذبح قوم موسى عليه السلام البقرةَ
— 461 —
تعبّر الآية عن أن فكرة عبادة البقر قد ذُبحتْ بسكين موسى عليه السلام، تلك الفكرة التي كانت رائجةً في مصر حتى إن لها أثرا مباشرا في حادثة العِجل. وبنبعان الماء من الحجر وتشقّق الصخور وسيلان الماء منها تبين الآية أن الطبقة الصخرية التي تحت التراب خزائنُ أوعية الماء تزوّد الترابَ بما يبعث فيه الحياة.
المثال الثاني: إنّ قصة موسى عليه السلام قد تكررت كثيرا في القرآن الكريم؛ إذ إن في كلِّ جملة منها، وفي كلِّ جزء منها إظهارا لطرفٍ من دستورٍ كلي، ويعبّر عن ذلك الدستور.
منها: الآية الكريمة: يا هامان ابنِ لي صرحًا (غافر:٣٦) يأمر فرعون وزيرَه: ابنِ لي برجا عاليا لأطَّلِعَ على أحوال السماوات وأنظُرَ هل هناك إله يتصرف فيها كما يدّعيه موسى عليه السلام؟ فبكلمة صرحًا تبين الآية الكريمة بحادثةٍ جزئية دستورا عجيبا وعُرفا غريبا كان جاريا في سلالة فراعنة مصر الذين ادّعوا الربوبيةَ لجحودهم بالخالق وإيمانهم بالطبيعة، وخلّدوا أسماءهم بجبروتهم وعُتوّهم، فشيّدوا الأهرام المشهورة كأنها جبال وسط صحراء لا جبال فيها، ليشتهروا بها، وحفظوا جنائزهم بالتحنيط واضعين إياها في تلك المقابر الشامخة، لاعتقادهم بتناسخ الأرواح والسحر.
ومنها: قوله تعالى: فاليوم ننجيك ببدنك (يونس:٩٢) والخطابُ موجه إلى فرعون الذي غرق، وفي الوقت نفسه تبين الآية ما كان للفراعنة من دستورٍ لحياتهم مذكِّرٍ بالموت مليء بالعبر، وهو نقلُ أجساد موتاهم بالتحنيط من الماضي إلى الأجيال المقبلة لعَرضها أمامَهم وفق اعتقادهم بتناسخ الأرواح. كما تفيد الآية الكريمة بأسلوب معجز إشارة غيبية إلى أن الجسد الذي اكتُشف في العصر الأخير هو نفسُه جسدُ فرعون الذي غرق، فكما ألقي به إلى الساحل في الموضع الذي غرق فيه، فسيُلقى به كذلك من بحر الزمان، فوقَ أمواج العصور، إلى ساحل هذا العصر.
ومنها: قوله تعالى: يذبّحون ابناءكم ويستحيون نساءكم (البقرة:٤٩) فإنه بحادثة ذبح بنى إسرائيل واستحياء نسائهم وبناتِهم في عهد فرعون يبين الإبادةَ الجماعية التي يتعرض لها اليهودُ في أكثر البلدان وفي كل عصر، والدورُ المهم الذي تؤديه نساؤهم وبناتُهم في حياة السفاهة للبشرية وتحلل أخلاقها.
— 462 —
ومنها: ولتجدنّهم أحرصَ الناسِ على حياة
(البقرة:٩٦)
وترى كثيرًا منهم يُسارعون في الاثم والعدوان واكلهم السُحت لبئسَ ما كانوا يعملون
(المائدة:٦٢)
ويسعوْن في الارض فسادًا واللّٰه لا يحبُ المفسدين
(المائدة:٦٤)
وقیضينا الى بني اسرائيل في الكتاب لتفسدنّ في الارض مرتين
(الإسراء:٤)
ولاتعثوا في الارض مفسدين
(البقرة:٦٠)
هذان الحكمان القاضيان في حق اليهود، الحرص والفساد، يتضمنان هذين الدستورين العامين المهمين، اللذين يديرهما أولئك القومُ في حياة المجتمع الإنساني بالمكر والحيَل والخديعة؛ فالآية تبين أنهم هم الذين زلزلوا الحياة الاجتماعية الإنسانية وأوقدوا الحربَ بين الفقراء والأغنياء بتحريض العاملين على أصحاب رأس المال. وكانوا السبب في تأسيس البنوك بجعلهم الربا أضعافا مضاعفة، وجمعوا أموالا طائلة بكل وسيلة دنيئة بالمكر والحيَل، هؤلاء القوم هم أنفسُهم أيضا انخرطوا في كل أنواع المنظمات الفاسدة ومدّوا أيديهم إلى كل نوع من أنواع الثورات، أخذا بثأرهم من الشعوب الغالبة ومن الحكومات التي ذاقوا منها الحرمانَ وسامَتهم أنواعَ العذاب.
ومنها: فتمنوا الموت إن كنتم صادقين٭ ولن يتمنوه ابدًا
(البقرة:٩٤-٩٥)
فالآية تبين بعنوان حادثةٍ جزئية وقعتْ في مجلس صغير في الحضرة النبوية الكريمة، من أن اليهود الذين هم أحرصُ الناس على حياة وأخوفُهم من الموت، لن يتمنّوا الموت ولن يتخلّوا عن الحرص على الحياة حتى قيام الساعة.
ومنها: وضربت عليهم الذلة والمسكنة
(البقرة:٦١)
تبين الآية الكريمة بهذا العنوان، مُقدّرات اليهود في المستقبل بصورة عامة، وحيث إن الحرص والفساد قد تغلغل في سجاياهم وتمكّن من طَبعهم، فالقرآن الكريم يغلظ عليهم في الكلام ويصفعُهم صفعاتِ زجرٍ عنيفة للتأديب.
ففي ضوء هذه الأمثلة، قِسْ بنفسك قصةَ موسى عليه السلام وحوادثَ وقعت لبني إسرائيل وقصصهم.
— 463 —
وبعد، فإن وراء كلمات القرآن البسيطة ومباحثه الجزئية، هناك كثير من أمثال ما في هذا الضوء الرابع من لمعات إعجاز كلمعة إيجاز إعجازي، والعارف تكفيه الإشارة.
الضوء الخامس: هو الجامعية الخارقة لمقاصد القرآن ومسائله ومعانيه وأساليبه ولطائفه ومحاسنه. نعم، إذا أُنعم النظرُ في سوَر القرآن الكريم وآياته، ولاسيما فواتحُ السور، ومبادئُ الآيات ومقاطعها تبيّن: أنّ القرآن المعجز البيان قد جمع أنواعَ البلاغة، وجميعَ أقسام فضائل الكلام، وجميع أصناف الأساليب العالية، وجميع أفراد محاسن الأخلاق، وجميع خلاصات العلوم الكونية، وجميع فهارس المعارف الإلهية، وجميعَ الدساتير النافعة للحياة البشرية الشخصية والاجتماعية، وجميعَ القوانين النورانية لحكمة الكون السامية.. وعلى الرغم من جمعه هذا، لا يظهر عليه أيُّ أثرٍ كان من آثار الخلط وعدم الاستقامة في التركيب أو المعنى.
حقا، إنّ جمعَ جميع هذه الأجناس المختلفة الكثيرة في موضع واحد، من دون أن ينشأ منه اختلالُ نظامٍ أو اختلاط وتشوش، إنما هو شأنُ نظام إعجازِ قهّار ليس إلّا.
وحقا، إن تمزيقَ ستارِ العاديّات، التي هي مصدر الجهل المركب، ببيانات نافذة، واستخراجَ خوارقِ العادات المتستّرة تحت ذلك الستار وإظهارها بجلاء، وتحطيمَ طاغوت الطبيعة -التي هي منبع الضلالة- بسيوف البراهين الألماسية، وتشتيتَ حُجُب نوم الغفلة الكثيفة بصَيحات مدوّية كالرعد، وحلَّ طلسم الكون المغلق والمُعمّى العجيب للعالم الذي أعجزَ الفلسفة البشرية والحكمة الإنسانية.. ما هو إلّا من صنع هذا القرآن المعجز البيان، البصير بالحقيقة، المطّلع على الغيب، المانحِ للهداية، المظهر للحق.
نعم، إذا أُنعم النظرُ في آيات القرآن الكريم بعين الإنصاف، شوهدَت أنها لا تشبه فكرا تدريجيا متسلسلا يتابع مقصدا أو مقصدين كما هو الحال في سائر الكتب، بل إنها تُلْقى إلقاءً، ولها طور دفعي وآني، وأن عليها علامة أنّ كلَّ طائفة منها ترد معا إنما ترد مستقلةً ورودا وجيزا منجّما، ومن مكان قصيٍّ ضمن مخابرة في غاية الأهمية والجدية.
نعم، مَن غيرُ ربِّ العالمين يستطيع أن يُجري هذا الكلام الوثيق الصلة بالكون وبخالق
— 464 —
الكون وبهذه الصورة الجادة؟ ومَن غيرُه تعالى يتجاوز حدَّه بما لا حدَّ له من التجاوز فيتكلم حسب هواه باسم الخالق ذي الجلال وباسم الكون كلاما صحيحا كهذا؟
نعم، إنه واضح جلي في القرآن أنه كلام رب العالمين.. هذا الكلام الجاد الحق السامي الحقيقي الخالص، ليس عليه أيةُ أمارة كانت تومئ بالتقليد. فلو فرضنا محالا أن هناك مَن هو مثلُ مسيلمة الكذاب الذي تجاوز حدَّه بغير حدود فقلّد كلام خالقه ذي العزة والجبروت وتكلّم من بنات فكره ناصبا نفسَه متكلما عن الكون، فلابد أنه ستظهر آلاف من أمارات التقليد والتصنع وآلاف من علامات الغش والتكلّف. لأن مَن يتلبّس طورا أسمى وأعلى بكثير من حالته الدنيئة لا شك أن كلَّ حالة من حالاته تدل على التقليد والتصنع.
فانظرْ إلى هذه الحقيقة التي يعلنها هذا القَسَم وأنعِم النظرَ فيها:
والنجم اذا هوى٭ما ضل صاحبكم وما غوى٭وما ينطق عن الهوى٭ان هو إلّا وحيٌ يوحى
(النجم:١-٤).
الشعاع الثالث
إعجاز القرآن الكريم الناشئ من إخباره عن الغيوب وديمومة شبابه، وصلاحه لكل طبقة من الناس
ولهذا الشعاع ثلاث جلوات:
الجلوة الأولى
إخباره عن الغيوب
لهذه الجلوة ثلاث قبسات:
القبس الأول: إخباره الغيبي عن الماضي إنّ القرآن الحكيم، بلسانِ أمّيّ أمينٍ بالاتفاق يذكر أخبارا من لدن آدم عليه السلام إلى خير القرون، مع ذكره أهمَّ أحوال الأنبياء عليهم السلام وأحداثِهم المهمة، يذكرها ذكرا في منتهى القوة وغاية الجد، وبتصديق من الكتب السابقة كالتوراة والإنجيل، فيوافق ما اتفقت عليه تلك الكتب السابقة ويصحّح حقيقةَ الواقعة ويفصِّل في تلك المباحث التي اختلفت فيها.
— 465 —
بمعنى أنّ نظر القرآن الكريم ذلك النظرُ المطّلع على الغيب، يرى أحوال الماضي أفضلَ من تلك الكتب، وبما هو فوقها جميعا. بحيث يزكِّيها ويصدّقُها في المسائل المتفق عليها، ويصحِحُها، ويفصِل في المباحث التي اختلف فيها. علما أن إخبار القرآن الذي يخص أحوالَ الماضي ووقائعه ليس أمرا عقليا حتى يُخبَر عنه بالعقل، بل هو أمر نقلي متوقف على السماع، والنقل خاص بأهل القراءة والكتابة، مع أن الأعداءَ والأصدقاءَ متفقون معا على أن القرآن إنما نیزل على شخص أميّ لا يعرف القراءة والكتابة، معروف بالأمانة موصوف بالأمية. وحينما يخبر عن تلك الأحوال الماضية يُخبر عنها وكأنه يشاهدُها كلها، إذ يتناول روحَ حادثةٍ طويلة وعقدتَها الحياتية، فيخبر عنها، ويجعلها مقدمةً لمقصده. بمعنى أن الخلاصات والفذلكات المذكورة في القرآن الكريم تدل على أن الذي أظهرَها يرى جميع الماضي بجميع أحواله، إذ كما أن شخصا متخصصا في فنٍ أو صنعةٍ إذا أتى بخلاصة من ذلك الفن، أو بنموذج من تلك الصنعة، فإنها تدل على مهارته ومَلَكته. كذلك الخلاصات وروح الوقائع المذكورة في القرآن الكريم تبين أن الذي يقولها إنما يقولُها وقد أحاط بها ويراها ثم يخبرُ عنها بمهارة فوق العادة -إن جاز التعبير-.
القبس الثاني: إخباره الغيبي عن المستقبل لهذا القسم أنواع كثيرة:
القسم الأول: خاص بقسم من أهل الكشف والولاية.
مثلا: إنّ محي الدين بن عربي وجد كثيرا من الأخبار عن الغيب في سورة الروم الم ٭ غُلبت الروم (الروم:١-٢) وإن الإمام الرباني "أحمد الفاروقي السرهندي" قد شاهد في المقطّعات التي في بدايات السور كثيرا من إشارات المعاملات الغيبية. وبالنسبة إلى علماء الباطن فالقرآنُ الحكيم من أوَّلِه إلى آخره نوع من الإخبار عن الغيب. أما نحن فسنشير إلى قسم منها، إلى الذي يخص العموم ويرجع إلى الجميع. ولهذا القسم أيضا طبقات كثيرة، فسنقصرُ كلامنا على طبقة واحدة.
فالقرآن الكريم يقول للرسول الكريم (ص).
(٭): هذه الآيات التي تنبئ عن الغيب، وضّحَتها تفاسير كثيرة، فلم توضح هنا لأن العزم على طبع الكتاب بحروف قديمة "عربية" دفع المؤلف إلى خطأ الاستعجال، لذا ظلت تلك الكنوز القيمة مقفلة. (المؤلف)
فاصبر إنّ وعدَ اللّٰه حقٌّ
(الروم:٦٠)
— 466 —
لتدخُلنّ المسجدَ الحرامَ إن شاء اللّٰه آمنين محلّقين رؤسَكُم ومقصّرين لا تخافون (الفتح:٢٧). هو الذي ارسل رسُولهُ بالهدى ودين الحق ليُظْهرهُ على الدين كله.. (الفتح:٢٨). وهم مِن بعدِ غَلَبهم سَيغْلِبون٭ في بیضع سنين للّٰه الامر (الروم:٣-٤). فستبْصِر ويُبصرون٭ بأيّكم المفتون (القلم:٥-٦). ام يقولون شاعرٌ نتربّص به ريبَ المنون٭ قل تربّصوا فاني معكم من المتربصين (الطور:٣٠-٣١). واللّٰه يعصِمُك من الناس (المائدة:٦٧). فان لم تفعلوا ولن تفعلوا.. (البقرة:٢٤). ولن يتمنَوه ابدًا (البقرة:٩٥). سنريهم اياتنا في الافاق وفي انفسهِم حتى يتبيّن لهم انه الحقّ (فصلت:٥٣). قل لئن اجتمعتِ الانسُ والجنُ على ان ياتوا بمثل هذا القرآنِ لا يأتون بمثله ولو كان بعیضُهم لبعضٍ ظهيرًا (الإسراء:٨٨). ياتى اللّٰه بقومٍ يحبّهم ويحبّونه أذلةٍ على المؤمنين اعزةٍ على الكافرين يجاهدون في سبيل اللّٰه ولا يخافون لومة لائم (المائدة:٥٤). وقل الحمد للّٰه سيريكم اياته فتعرفونها (النمل:٩٣). قل هو الرحمنُ امنّا به وعليه توكلنا فستعلمون من هو في ضلال مبين (الملك:٢٩). وعد اللّٰه الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليَستَخلفنَّهم في الارض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكننَّ لهم ديَنهم الذي ارتیضى لهم وليبدلنّهم من بعد خوفهم أمنا (النور:٥٥).
وأمثال هذه الآيات كثيرة جدّا تتضمن أخبارا عن الغيب وقد تحققت كما أخبرتْ.
فالإخبار عن الغيب دون تردد وبكمال الجد والاطمئنان وبما يُشعر بقوة الوثوق، على لسان مَن هو معرّض لاعتراضات المعترضين وانتقاداتِهم، وربما يفقد دعواه لخطأٍ طفيف، يدل دلالة قاطعة على أنه يتلقى الدرس من أستاذه الأزلي ثم يقوله للناس.
القبس الثالث: إخباره الغيب عن الحقائق الإلهية والحقائق الكونية والأمور الأخروية نعم، إن بيانات القرآن التي تخص الحقائق الإلهية، وبياناتِه الكونية التي فتحتْ طلسمَ الكون وكشفت عن معمّى خلق العالم لهي أعظمُ البيانات الغيبية، لأنه ليس من شأن العقل قط، ولا يمكنه أن يسلك سلوكا مستقيما بين ما لا يُحد من طرق الضلالة، فيجد تلك الحقائق الغيبية. وكما هو معلوم فإن أعظمَ دهاةِ حكماء البشر لم يصلوا إلى أصغر تلك الحقائق وأبسطها بعقولهم. ثم إن عقول البشر ستقول بلا شك أمام تلك الحقائق الإلهية والحقائق الكونية التي
— 467 —
أظهرها القرآنُ الكريم: صدقتَ، وستقبل تلك الحقائقَ بعد استماعها إلى بيان القرآن بصفاء القلب وتزكية النفس، وبعد رقيِّ الروح واكتمال العقل، وستباركه. وحيث إن "الكلمة الحادية عشرة" قد أوضحت وأثبتت نبذةً من هذا القسم فلا داعي للتكرار.
أما إخبار القرآن الغيبي عن الآخرة والبرزخ، فإن عقل البشر وإن لم يدرك أحوالَ الآخرة والبرزخ بمفرده ولا يراها وحده، إلّا أنه يثبتها في درجة الشهود بالطرق التي بيّنها القرآن.
فراجع "الكلمة العاشرة" لتلمس مدى صواب الإخبار الغيبي عن الآخرة الذي أخبر به القرآن الكريم. فقد أثبتته تلك الرسالة ووضّحته أيّما إيضاح.
الجلوة الثانية
شبابية القرآن وفتوته
إنّ القرآن الكريم قد حافظ على شبابيته وفتوته حتى كأنه ينیزل في كل عصر نضرا فتيا.
نعم، إن القرآن الكريم لأنه خطاب أزلي يخاطب جميع طبقات البشر في جميع العصور خطابا مباشرا يلزم أن تكون له شبابية دائمة كهذه. فلقد ظهر شابا وهو كذلك كما كان. حتى إنه ينظر إلى كل عصر من العصور المختلفة في الأفكار والمتباينة في الطبائع نظرا كأنه خاص بذلك العصر ووفق مقتضياته ملقنا دروسَه مُلفتا إليها الأنظار.
إنّ آثار البشر وقوانينَه تشيبُ وتهرَم مثلَه، وتتغير وتُبدَّل. إلّا أن أحكام القرآن وقوانينَه لها من الثبات والرسوخ بحيث تظهر متانتها أكثر كلما مرت العصور.
نعم، إنّ هذا العصر الذي اغترّ بنفسه وأصمَّ أذنيه عن سماع القرآن أكثرَ من أي عصر مضى، وأهلَ الكتاب منهم خاصة، أحوجُ ما يكونون إلى إرشاد القرآن الذي يخاطبهم بی يا أهل الكتاب ٭ يا أهل الكتاب حتى كأن ذلك الخطاب موجّه إلى هذا العصر بالذات إذ إن لفظ يا أهل الكتاب يتضمن معنًى: أهل الثقافة الحديثة أيضا!
فالقرآن يُطلق نداءه يدوّي في أجواء الآفاق ويملأ الأرض والسبعَ الطباق بكل شدة وقوة وبكل نضارة وشباب فيقول: يا أهل الكتاب تعالَوا الى كلمة سواء بيننا وبينكم.. (آل عمران:٦٤).
— 468 —
فمثلا: إنّ الأفراد والجماعات مع أنهم قد عجزوا عن معارضة القرآن إلّا أن المدنية الحاضرة التي هي حصيلةُ أفكار بني البشر وربما الجنّ أيضا، قد اتخذت طورا مخالفا له، وأخذت تعارض إعجازَه بأساليبها الساحرة. فلأجل إثبات إعجاز القرآن بدعوى الآية الكريمة: قل لئن اجتمعت الانس والجن.. (الإسراء:٨٨) لهذا المعارِض الجديد الرهيب نضع الأسس والدساتير التي أتت بها المدنيةُ الحاضرة أمام أسس القرآن الكريم.
ففي الدرجة الأولى: نضع الموازنات التي عُقدت والموازين التي نُصبت في الكلمات السابقة، ابتداءً من الكلمة الأولى إلى الخامسة والعشرين، وكذا الآيات الكريمة المتصدرة لتلك الكلمات والتي تبين حقيقتَها، تثبتُ إعجازَ القرآن وظهورَه على المدنية الحاضرة بيقين لا يقبل الشك قطعا.
وفي الدرجة الثانية: نورد إجمالا قسما من دساتير المدنية والقرآن التي وضّحته وأثبتته "الكلمة الثانية عشرة".
فالمدنية الحاضرة تؤمن بفلسفتها أن ركيزة الحياة الاجتماعية البشرية هي "القوة" وهي تستهدف "المنفعة" في كل شيء. وتتخذ "الصراع" دستورا للحياة. وتلتزم بی"العنصرية" و"القومية السلبية" رابطةً للجماعات. وغايتُها هي "لهو عابث" لإشباع رغبات الأهواء وميول النفس، التي من شأنها تزييد جموح النفس وإثارة الهوى. ومن المعلوم أن شأن "القوة" هو "التجاوز". وشأن "المنفعة" هو "التزاحم". إذ هي لا تفي بحاجات الجميع وتلبية رغباتِهم. وشأن "الصراع" هو "التصادم" وشأن "العنصرية" هو "التجاوز" حيث تكبر بابتلاع غيرها.
فهذه الدساتير والأسس التي تستند إليها هذه المدنية الحاضرة هي التي جعلَتها عاجزةً -مع محاسنها- عن أن تمنحَ سوى عشرين بالمائة من البشر سعادةً ظاهرية، بينما ألقَت البقية إلى شقاء وتعاسة وقلق.
أما حكمةُ القرآن فهي تقبل "الحق" نقطةَ استنادٍ في الحياة الاجتماعية بدلا من "القوة".. وتجعل "رضى اللّٰه" و"نيل الفضائل" هو الغاية والهدف، بدلا من "المنفعة".. وتتخذ دستورَ "التعاون" أساسا في الحياة، بدلا من دستور "الصراع".. وتلتزم رابطة "الدين" والصنف والوطن لربط فئات الجماعات، بدلا من "العنصرية" و"القومية السلبية".. وتجعل غاياتها
— 469 —
"الحدّ من تجاوز النفس الأمارة ودفع الروح إلى معالي الأمور وتطمين مشاعرها السامية لسَوق الإنسان نحو الكمال والمُثل العليا لجعل الإنسان إنسانا حقا".
إنّ شأنَ "الحق" هو "الاتفاق".. وشأن "الفضيلة" هو "التساند".. وشأن "التعاون" هو "إغاثة كلّ للآخر".. وشأن "الدين" هو "الأخوة والتكاتف".. وشأن "إلجام النفس وكبح جماحها وإطلاق الروح وحثّها نحو الكمال" هو "سعادة الدارين".
وهكذا غُلبت المدنيةُ الحاضرة أمامَ القرآن الحكيم مع ما أخذت من محاسنَ من الأديان السابقة، ولاسيما من القرآن الكريم.
وفي الدرجة الثالثة: سنبين -على سبيل المثال- أربعةَ مسائل فحسب من بين آلاف المسائل:
المسألة الأولى: إنّ دساتير القرآن الكريم وقوانينَه لأنها آتية من الأزل، فهي باقية وماضية إلى الأبد. لا تهرَم أبدا ولا يصيبُها الموتُ، كما تهرمُ القوانين المدنية وتموت، بل هي شابّة وقوية دائما في كل زمان.
فمثلا: إن المدنية بكل جمعياتِها الخيرية، وأنظمتها الصارمة ونُظُمها الجبارة، ومؤسساتِها التربوية الأخلاقية لم تستطع أن تعارض مسألتين من القرآن الكريم، بل انهارت أمامَهما وهي في قوله تعالى: وآتوا الزكاة (البقرة:٤٣) و ..واحلّ اللّٰه البيع وحرّم الربا (البقرة:٢٧٥).
سنبين هذا الظهورَ القرآني المعجز وهذه الغالبية بمقدمة: إنّ أسّ أساس جميع الاضطرابات والثورات في المجتمع الإنساني إنما هو كلمة واحدة، كما أن منبع جميع الأخلاق الرذيلة كلمة واحدة أيضا. كما أثبت ذلك في "إشارات الإعجاز".
الكلمة الأولى: "إن شبعتُ، فلا عليّ أن يموتَ غيري من الجوع".
الكلمة الثانية: "اكتسبْ أنتَ، لآكل أنا، واتعبْ أنت لأستريح أنا". نعم، إنه لا يمكن العيشُ بسلام ووئام في مجتمع إلّا بالمحافظة على التوازن القائم
— 470 —
بين الخواص والعوام، أي بين الأغنياء والفقراء. وأساس هذا التوازن هو رحمةُ الخواص وشفقتُهم على العوام، وإطاعةُ العوام واحترامُهم للخواص.
فالآن، إن الكلمة الأولى قد ساقت الخواصَّ إلى الظلم والفساد، ودفعت الكلمةُ الثانية العوامَ إلى الحقد والحسد والصراع. فسُلبت البشرية الراحةَ والأمان لعصور خلت، كما هو في هذا العصر، حيث ظهرت حوادث أوربا الجسام بالصراع القائم بين العاملين وأصحاب رأس المال كما لا يخفى على أحد.
فالمدنية بكل جمعياتها الخيرية ومؤسساتها الأخلاقية وبكل وسائل نظامها وانضباطها الصارم عجزتْ عن أن تصلح بين تينك الطبقتين من البشر، كما عجزت عن أن تضمد جرحَي الحياة البشرية الغائرَين.
أما القرآن الكريم فإنه يقلع الكلمةَ الأولى من جذورها، ويداويها بوجوب الزكاة. ويقلع الكلمةَ الثانية من أساسها ويداويها بحرمة الربا. نعم، إن الآيات القرآنية تقف على باب العالَم قائلة للربا: "الدخول ممنوع". وتأمر البشرية: "أوصدوا أبواب الربا لتنسد أمامَكم أبواب الحروب". وتحذّر تلاميذ القرآن المؤمنين من الدخول فيها.
الأساس الثاني: إنّ المدنية الحاضرة لا تقبل تعددَ الزوجات، وتحسب ذلك الحكمَ القرآني مخالفا للحكمة ومنافيا لمصلحة البشر.
نعم، لو كانت الحكمةُ من الزواج قاصرةً على قضاء الشهوة للزم أن يكون الأمرُ معكوسا، بينما هو ثابت حتى بشهادة جميع الحيوانات وبتصديق النباتات المتزاوجة؛ إنّ الحكمة من الزواج والغايةَ منه إنما هي التكاثر وإنجاب النسل. أما اللذةُ الحاصلة من قضاء الشهوة فهي أجرة جزئية تمنحها الرحمةُ الإلهية لتأدية تلك المهمة. فما دام الزواجُ للتكاثر وإنجاب النسل ولبقاء النوع حكمةً وحقيقةً، فلا شك أن المرأة التي لا يمكن أن تلد إلّا مرةً واحدة في السنة، ولا تكون خصبة إلّا نصف أيام الشهر وتدخل سن اليأس في الخمسين من عمرها، لا تكفي الرجلَ الذي له القدرةُ على الإخصاب في أغلب الأوقات حتى وهو ابن مائة سنة. لذا تضطر المدنيةُ إلى فتح أماكن العهر والفحش.
الأساس الثالث: إنّ المدنية التي لا تتحاكم إلى المنطق العقلي، تنتقد الآية الكريمة:
— 471 —
للذَكَرِ مثلُ حظّ الانثيين
(النساء:١١) التي تمنح النساء الثُلث من الميراث (أي نصف ما يأخذه الذكر).
ومن البديهي أن أغلب الأحكام في الحياة الاجتماعية إنما تُسنّ حسب الأكثرية من الناس، فغالبيةُ النساء يجدن أزواجا يعيلونَهن ويحمونَهن، بينما الكثير من الرجال مضطرون إلى إعالة زوجاتهم وتحمّل نفقاتهن. فإذا ما أخذت الأنثى الثُلث من أبيها (أي نصف ما أخذه الزوج من أبيه) فإن زوجَها سيسدُّ حاجتَها. بينما إذا أخذ الرجل حظَّين من أبيه، فإنه سيُنفق قسطا منه على زوجته. وبذلك تحصل المساواةُ، ويكون الرجل مساويا لأخته. وهكذا تقتضي العدالةُ القرآنية.
(٭): هذه فقرة من اللائحة المرفوعة إلى محكمة التمييز، ألقيت أمام المحكمة، فأسكتَتها وأصبحت حاشية لهذا المقام: وأنا أقول لمحكمة وزارة العدل! إن إدانةَ من يفسّر أقدس دستور إلهي وهو الحق بعينه، ويحتكم إليه ثلاث مائة وخمسون مليونا من المسلمين في كل عصر في حياتهم الاجتماعية، خلال ألف وثلاث مائة وخمسين عاما. هذا المفسرُ استند في تفسيره إلى ما اتفق عليه وصدَّق به ثلاثُ مائة وخمسون ألف مفسر، واقتدى بالعقائد التي دان بها أجدادُنا السابقون في ألف وثلاث مائة وخمسين سنة.. أقول: إن إدانةَ هذا المفسر قرار ظالم لابد أن ترفضه العدالة، إن كانت هناك عدالة على وجه الأرض، ولابد أن تردّ ذلك الحكم الصادر بحقه وتنقضه. (المؤلف)
الأساس الرابع: إنّ القرآن الكريم مثلما يمنع بشدة عبادةَ الأصنام، يمنع كذلك اتخاذ الصور التي هي شبيهة بنوع من اتخاذ الأصنام. أما المدنية الحاضرة فإنها تعدّ الصور من مزاياها وفضائلها وتحاول أن تعارض القرآن. والحال أن الصوَر أيا كانت، ظليةً أو غيرها، فهي إما ظلم متحجر، أو رياء متجسد، أو هوى متجسّم، حيث تهيّج الأهواءَ وتدفع الإنسان إلى الظلم والرياء والهوى.
ثم إن القرآن يأمر النساء أن يحتجِبن بحجاب الحياء، رحمةً بهن وصيانةً لحرمتهن وكرامتهن، ولكي لا تُهان تلك المعادن الثیمينة معادن الشیفقة والرأفة، وتلك المصادر اللطيفة للحنان والرحمة، تحت أقدام الذل والمهانة. ولكي لا يكنّ آلةً لهوسات الرذيلة ومتعة تافهة لا قيمة لها.
(٭): إن اللمعة الرابعة والعشرين تثبت بقطعية تامة أن الحجاب أمر فطري جدّا للنساء بينما رفعُ الحجاب ينافي فطرتَهن.. (المؤلف)
أما المدنية فإنها قد أخرجت النساء من أوكارهن وبيوتهن ومزّقت حجابَهن وأدَّت بالبشرية أن يجنّ جنونُها. علما أن الحياة العائلية إنما تدوم بالمحبة والاحترام المتبادل بين الزوج والزوجة. بينما التكشف والتبرج يزيلان تلك المحبة الخالصة والاحترام الجاد ويسممان الحياة
— 472 —
العائلية؛ ولاسيما الولعُ بالصور فإنه يفسد الأخلاقَ ويهدِمها كليا، ويؤدي إلى انحطاط الروح وتردّيها. ويمكن فهم هذا بالآتي:
كما أن النظرَ بدافع الهوى وبشهوة إلى جنازةِ امرأة حسناء تنتظر الرحمةَ وترجوها، يهدِم الأخلاق ويحطّها، كذلك النظرُ بشهوة إلى صوَر نساء ميّتات أو إلى صور نساء حيّات -وهي في حُكم جنائزَ مصغرة لهن- يزعزع مشاعر الإنسان ويعبَث بها، ويهدمها.
وهكذا بمثل هذه المسائل الأربع فإن كل مسألة من آلاف المسائل القرآنية تضمن سعادةَ البشر في الدنيا، كما تحقق سعادته الأبدية في الآخرة. فَلكَ أن تقيس سائر المسائل على المسائل المذكورة.
وأيضا، فكما أن المدنية الحاضرة تخسر وتُغلَب أمامَ دساتير القرآن المتعلقة بحياة الإنسان الاجتماعية، فيَظهَرُ إفلاسُها -من زاوية الحقيقة- إزاء إعجاز القرآن المعنوي، كذلك فإن فلسفة أوربا وحكمة البشر (التي هي روح المدنية) عند الموازنة بينها وبين حكمة القرآن بموازين الكلمات الخمس والعشرين السابقة، ظهرتْ عاجزةً وحكمةُ القرآن معجزة، وإن شئت فراجع "الكلمة الحادية عشرة" و"الثانية عشرة" لتلمس عجزَ حكمة الفلسفة وإفلاسَها وإعجاز حكمة القرآن وغناها.
وأيضا، فكما أن المدنيةَ الحاضرة غُلبتْ أمام إعجاز حكمة القرآن العلمي والعملي، كذلك آدابُ المدنية وبلاغتُها فهي مغلوبة أمام الأدب القرآنیي وبلاغته. والنسبة بينهما أشبهُ ما يكون ببكاء يتيم فَقَد أبوَيه بكاءً ملؤه الحزنُ القاتم واليأسُ المرير، إلى إنشاد عاشق عفيف حزينٍ على فراق قصيرِ الأمد غناءً ملؤه الشوقُ والأمل.. أو نسبة صراخِ سكيرٍ يتخبط في وضع سافل، إلى قصائدَ حماسية تحضّ على بذل الغوالي من الأنفس والأموال وبلوغ النصر. لأن الأدب والبلاغة من حيث تأثير الأسلوب، إما يورثان الحُزن وإما الفرح. والحزنُ نفسه قسمان:
إما أنه حزن منبعث من فَقْد الأحبة، أي من عدم وجود الأحبة والأخلاء، وهو حزن مظلم كئيب تورثه المدنيةُ الملوثة بالضلالة والمشوبة بالغفلة والمعتقدة بالطبيعة. وإما أنه ناشئ من فراق الأحبة، بمعنى أن الأحبةَ موجودون، ولكن فراقَهم يبعث على حزن ينمّ عن لوعة الاشتياق. فهذا الحزن هو الذي يورثه القرآن الهادي المنير.
— 473 —
أما الفرح والسرور فهو أيضا قسمان:
الأول: يدفع النفسَ إلى شهواتها، هذا هو شأن آداب المدنية من أدب مسرحي وسينمائي وروائي.
أما الثاني: فهو فرح لطيف بريء نیزيه، يكبحُ جماح النفس ويُلجمها ويحث الروحَ والقلب والعقل والسر على المعالي وعلى موطنهم الأصلي، على مقرهم الأبدي، على أحبتهم الأخرويين. وهذا الفرح هو الذي يمنحه القرآنُ المعجز البيان الذي يحضّ البشر ويشوّقه للجنّة والسعادة الأبدية وعلى رؤية جمال اللّٰه تعالى.
ولقد توهم بعضُ قاصري الفهم وممن لا يكلفون أنفسهم دقةَ النظر أن المعنى العظيم والحقيقة الكبرى التي تفيدها الآية الكريمة:
قل لئن اجتمعت الانس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بیعیضهم لبعیض ظهيرًا
(الإسراء:٨٨) ظنّوها صورة محالة ومبالغة بلاغية! حاشَ للّٰه! بل إنها بلاغة هي عين الحقيقة، وصورة ممكنة وواقعة وليست محالة قط.
فأحَد وجوه تلك الصورة هو أنه لو اجتمع أجمل ما يقوله الإنس والجن الذي لم يترشح من القرآن ولا هو من متاعه، فلا يماثل القرآنَ قط ولن يماثله. لذا لم يظهر مثيله.
والوجه الآخر: أن المدنية وحكمة الفلسفة والآداب الأجنبية التي هي نتائج أفكار الجن والإنس وحتى الشياطين وحصيلة أعمالهم، هي في دركات العجز أمام أحكام القرآن وحكمته وبلاغته. كما قد بيّنا أمثلة منها.
الجلوة الثالثة
خطابه كل طبقة من طبقات الناس
إنّ القرآن الحكيم يخاطب كلَّ طبقة من طبقات البشر في كل عصر من العصور، وكأنه متوجّه توجها خاصا إلى تلك الطبقة بالذات. إذ لمّا كان القرآن يدعو جميع بني آدم بطوائفهم كافة إلى الإيمان الذي هو أسمى العلوم وأدقُّها، وإلى معرفة اللّٰه التي هي أوسعُ العلوم وأنورُها، والى الأحكام الإسلامية التي هي أهمُّ المعارف وأكثرُها تنوعا، فمن الألزم إذن أن يكون الدرس الذي يُلقيه على تلك الطوائف من الناس، درسا يوائم فهْم كلٍّ منها. والحال أن
— 474 —
الدرس واحد، وليس مختلفا، فلابد إذن من وجود طبقات من الفهم في الدرس نفسه، فكل طائفةٍ من الناس -حسب درجاتها- تأخذ حظَّها من الدرس من مشهد من مشاهد القرآن.
ولقد وافينا بأمثلة كثيرة لهذه الحقيقة، يمكن مراجعتها، أما هنا فنكتفي بالإشارة إلى بضع أجزاء منها، وإلى حظِّ طبقة أو طبقتين منها من الفهم فحسب.
فمثلا: قوله تعالى:
لم يلد ولم يولد٭ ولم يكن له كفوًا أحد
(الاخلاص:٣-٤)
فإن حظَّ فهْم طبقة العوام التي تشكل الأكثرية المطلقة هو "أنّ اللّٰه منیزّه عن الوالد والولد وعن الزوجة والأقرآن".
وحظ طبقة أخرى متوسطة من الفهم هو "نفيُ ألوهية عيسى عليه السلام والملائكة، وكلِّ ما هو من شأنه التولد" لأن نفي المحال لا فائدة منه في الظاهر؛ لذا فلابد أن يكون المرادُ إذن ما هو لازم الحُكم كما هو مقرر في البلاغة. فالمراد من نفي الولد والوالدية اللذين لهما خصائص الجسمانية هو نفي الألوهية عن كل مَن له ولد ووالد وكفؤ، وبيان عدم لياقتهم للألوهية. فمن هذا السر تبين أن سورة الإخلاص يمكن أن تفيد كل إنسان في كل وقت.
وحظ فهم طبقة أكثر تقدما هو أنّ اللّٰه منیزّه عن كل رابطة تتعلق بالموجودات تُشَم منها رائحةُ التوليد والتولد، وهو مقدّس عن كل شريك ومعين ومجانس. وإنما علاقته بالموجودات هي الخلاقيیة. فهو يخلق الموجودات بأمر كن فيكون بإرادته الأزلية وباختياره. وهو منیزّه عن كل رابطة تنافي الكمالَ، كالإيجاب والاضطرار والصدور بغير اختيار.
وحظ فهم طبقة أعلى من هذه هو: أنّ اللّٰه أزلي، أبدي، أول وآخر، لا نظيرَ له ولا كفؤَ، ولا شبيهَ، ولا مثيلَ ولا مثالَ في أية جهة كانت، لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله. وإنما هناك "المَثَل" -وللّٰه المثل الأعلى- الذي يفيد التشبيه في أفعاله وشؤونه فحسب.
فلك أن تقيس على هذه الطبقات أصحابَ الحظوظ المختلفة في الإدراك، من أمثال طبقة العارفين وطبقة العاشقين وطبقة الصديقين وغيرهم..
المثال الثاني: قوله تعالى: ما كان محمد أبا احدٍ من رجالكم (الأحزاب:٤٠)
— 475 —
فحظُّ فهم الطبقة الأولى من هذه الآية هو: أنّ زيدا خادمَ الرسول (ص) ومتبناه ومخاطبَه بی: "يا بُني"، قد طلّق زوجتَه العزيزة بعدما أحسّ أنه ليس كفوا لها. فتزوجَها الرسول (ص) بأمر اللّٰه تعالى. فالآية (النازلة بهذه المناسبة) تقول: إن النبي (ص) إذا خاطبَكم مخاطبة الأب لابنه، فإنه يخاطبكم من حيث الرسالة، إذ هو ليس أبا لأحدٍ منكم باعتباره الشخصي حتى لا تليقَ به زوجاتُه.
وحظ فهم الطبقة الثانية هو أنّ الأمير العظيم ينظر إلى رعاياه نظرَ الأب الرحيم، فإن كان سلطانا روحانيا في الظاهر والباطن فإن رحمته ستفوق رحمةَ الأب وشفقتَه أضعافا مضاعفة. حتى تنظر إليه أفرادُ الرعية نظرَهم للأب وكأنهم أولادُه الحقيقيون. وحيث إن النظرة إلى الأب لا يمكن أن تنقلب إلى النظر إلى الزوج، والنظرَ إلى البنت لا يتحول بسهولة إلى النظر إلى الزوجة، فلا يوافق في فكر العامة تزوّج الرسول (ص) ببنات المؤمنين استنادا إلى هذا السر. لذا فالقرآنُ يخاطبهم قائلا: إن الرسول (ص) ينظر إليكم نظرَ الرحمة والشفقة من زاوية الرحمة الإلهية، ويعاملُكم معاملةَ الأب الحنون من حيث النبوة، ولكنه ليس أبا لكم من حيث الشخصية الإنسانية حتى لا يلائمَ تزوجَه من بناتكم ويحرُم عليه.
القسم الثالث يفهم الآية هكذا: ينبغي عليكم ألّا ترتكبوا السيئات والذنوب اعتمادا على رأفة الرسول الكريم (ص) عليكم وانتسابكم إليه. إذ إن هناك الكثيرين يعتمدون على ساداتهم ومرشديهم فيتكاسلون عن العبادة والعمل، بل يقولون أحيانا: "قد أُدِّيتْ صلاتُنا" (كما هو الحال لدى بعض الشيعة).
النكتة الرابعة: إنّ قسما آخر يفهم إشارة غيبية من الآية وهي أنّ أبناء الرسول (ص) لا يبلغون مبلغَ الرجال، وإنما يتوفاهم اللّٰه قبل ذلك، فلا يدوم نسلُه من حيث كونهم رجالا، لحكمة يراها سبحانه وتعالى. فإن لفظ "رجال" يشير إلى أنه سيدوم نسلُه من النساء دون الرجال. فللّه الحمد والمنة فإن النسل الطيب المبارك من فاطمة الزهراء رضي اللّٰه عنها كالحسن والحسين رضي اللّٰه عنهما وهما البدران المنوّران لسلسلتين نورانيتين، يديمان ذلك النسل المبارك (المادي والمعنوي) لشمس النبوة.
اللّٰهم صلِّ عليه وعلى آله.
(تمت الشعلة الأولى بأشعتها الثلاثة).
— 476 —

الشعلة الثانية

هذه الشعلة لها ثلاثة أنوار
النور الأول
إن القرآن الكريم قد جمع السلاسةَ الرائقة والسلامةَ الفائقة والتساندَ المتين والتناسبَ الرصين والتعاونَ القوي بين الجمل وهيئاتها، والتجاوبَ الرفيع بين الآيات ومقاصدها، بشهادة علم البيان وعلم المعاني وشهادة ألوف من أئمة هذه العلوم كالزمخشري والسكاكي وعبد القاهر الجرجاني، مع أن هناك ما يقارب تسعةَ أسباب مهمة تخل بذلك التجاوب والتعاون والتساند والسلاسة والسلامة. فلم تؤثر تلك الأسبابُ في الإفساد والإخلال، بل مدّت وعضّدت سلاستَه وسلامته وتسانده. إلّا ما أجرتْه بشيء من حكمها في إخراج رؤوسها من وراء ستار النظام والسلاسة، وذلك لتدلّ على معان جليلة من سلاسة نظم القرآن، بمثل ما تُخرج البراعمُ بعض البروزات والنُدب في جذع الشجرة المنسقة. فهذه البروزات ليست لإخلال تناسق الشجرة وتناسبها وإنما لإعطاء ثمرات يتم بها جمالُ الشجرة وكمالُ زينتها.
إذ إنّ ذلك القرآن المبين نیزل في ثلاث وعشرين سنة نجما نجما لمواقع الحاجات نیزولا متفرقا متقطعا، مع أنه يُظهر من التلاؤم الكامل كأنه نیزل دفعة واحدة.
وأيضا إنّ ذلك القرآن المبين نیزل في ثلاث وعشرين سنة لأسباب نیزول مختلفة متباينة، مع أنه يُظهر من التساند التام كأنه نیزل لسبب واحد... وأيضا إنّ ذلك القرآن جاء جوابا لأسئلة مكررة متفاوتة، مع أنه يُظهر من الامتزاج التام والاتحاد الكامل كأنه جواب عن سؤال واحد... وأيضا إنّ ذلك القرآن جاء بيانا لأحكام حوادث متعددة متغايرة، مع أنه يبين من الانتظام الكامل كأنه بيان لحادثة واحدة... وأيضا إنّ ذلك القرآن نیزل متضمنا لتنیزلات كلامية إلهية في أساليب تُناسب أفهامَ مخاطبين لا يُحصرون، وحالات من التلقي متخالفة متنوعة، مع أنه يبين من السلاسة اللطيفة والتماثل الجميل، كأن الحالةَ واحدة والفهمَ واحد، حتى تجري السلاسة كالماء السلسبيل... وأيضا إنّ ذلك القرآن جاء مكلِّما متوجها إلى أصناف
— 477 —
متعددة متباعدة من المخاطبين، مع أنه يُظهر من سهولة البيان وجزالة النظام ووضوح الإفهام كأن المخاطبين صنف واحد بحيث يظن كلُّ صنف أنه المخاطب وحدَه بالأصالة... وأيضا إنّ ذلك القرآن نیزل هاديا وموصلا إلى غايات إرشادية متدرجة متفاوتة، مع أنه يبين من الاستقامة الكاملة والموازنة الدقيقة والانتظام الجميل كأن المقصد واحد.
فهذه الأسباب مع أنها أسباب للتشويش واختلال المعنى والمبنى، إلّا أنها استُخدمت في إظهار إعجاز بيان القرآن وسلاسته وتناسبه.
نعم، من كان ذا قلبٍ غيرَ سقيم، وعقل مستقيم، ووجدان غيرِ مريض، وذوق سليم، يرى في بيان القرآن سلاسةً جميلة وتناسقا لطيفا ونغمة لذيذة وفصاحة فريدة. فمن كانت له عين سليمة في بصيرته، فلا ريب أنه يرى في القرآن عينا ترى كل الكائنات ظاهرا وباطنا بوضوح تام كأنها صحيفة واحدة، يقلّبها كيف يشاء، فيعرّف معانيَها على ما يشاء من أسلوب.
فلو أردنا توضيح حقيقة هذا النور الأول بأمثلة، لاحتجنا إلى بضعة مجلدات. لذا نكتفي بالإيضاحات التي تخص هذه الحقيقة في كل من "الرسائل العربية" [٭]: وهي اثنتا عشرة رسالة ضمن كتاب "المثنوي العربي النوري". و"إشارات الإعجاز" والكلمات الخمس والعشرين السابقة. بل القرآنُ الكريم بكامله مثال لهذه الحقيقة. أبيّنه كله دفعة واحدة.
النور الثاني
يبحث هذا النور عن مزية الإعجاز في الأسلوب البديع للقرآن في الخلاصات (الفذلكات) والأسماء الحسنى التي تنتهي بها الآياتُ الكريمة:
تنبيه
سترد آيات كثيرة في هذا النور الثاني، وهي ليست خاصة به وحدَه بل تكون أمثلةً أيضا لما ذُكر من المسائل والأشعة. ولو أردنا أن نوفي هذه الأمثلة حقها من الإيضاح لطال بنا البحث، بيد أني أراني مضطرًّا في الوقت الحاضر إلى الاختصار والإجمال، لذا فقد أشرنا إشارة في غاية الاختصار والإجمال إلى الآيات التي أوردناها مثالا لبيان هذا السر العظيم للإعجاز مؤجِّلين تفصيلاتِها إلى وقت آخر.
— 478 —
فالقرآن الكريم يذكر في أكثر الأحيان قسما من الخلاصات والفذلكات في خاتمة الآيات. فتلك الخلاصات إما أنها تتضمن الأسماء الحسنى أو معناها، وإما أنها تحيل قضاياها إلى العقل وتحثه على التفكر والتدبر فيها.. أو تتضمن قاعدةً كلية من مقاصد القرآن فتؤيد بها الآية وتؤكدها.
ففي تلك الفذلكات بعضُ إشارات من حكمة القرآن العالية، وبعض رشاشات من ماء الحياة للهداية الإلهية، وبعض شرارات من بوارق إعجاز القرآن.
ونحن الآن نذكر إجمالا "عشر إشارات" فقط من تلك الإشارات الكثيرة جدّا، كما نشير إلى مثال واحد فقط من كثير من أمثلتها، وإلى معنى إجمالي لحقيقة واحدة فقط من بين الحقائق الكثيرة لكل مثال.
هذا وإن أكثر هذه الإشارات العشر تجتمع في أكثر الآيات معا مكونة نقشا إعجازيا حقيقيا. وإن أكثر الآيات التي نأتي بها مثالا هي أمثلة لأكثر الإشارات. فنبين من كل آية إشارة واحدة مشيرين إشارة خفيفة إلى معاني تلك الآيات التي ذكرناها في "كلمات" سابقة.
مزية الجزالة الأولى
إن القرآن الكريم -ببياناته المعجزة- يبسط أفعال الصانع الجليل ويفرش آثاره أمام النظر، ثم يستخرج من تلك الأفعال والآثار الأسماءَ الإلهية، أو يثبت مقصدا من مقاصد القرآن الأساسية كالحشر والتوحيد.
فمن أمثلة المعنى الأول: قوله تعالى:
هو الذي خلقَ لكُم ما في الارض جميعًا ثم استوى الى السماء فسويهنّ سبعَ سمواتٍ وهو بكل شيء عليم
(البقرة:٢٩). ومن أمثلة المعنى الثاني: قوله تعالى:
ألم نجعل الارض مهادًا٭ والجبال اوتادًا٭ وخلقناكم ازواجًا
إلى قوله تعالى: إن يوم الفصل كان ميقاتًا (النبأ). ففي الآية الأولى: يعرض القرآن الآثار الإلهية العظيمة التي تدل بغاياتها ونظمها على علم اللّٰه وقدرته، يذكرها مقدّمةً لنتيجة مهمة وقصدٍ جليل ثم يستخرج اسم اللّٰه "العليم". وفي الآية الثانية: يذكر أفعال اللّٰه الكبرى وآثاره العظمى، ويستنتج منها الحشر الذي هو يوم الفصل، كما وُضّح في النقطة الثالثة من الشعاع الأول من الشعلة الأولى.
— 479 —

النكتة البلاغية الثانية

إنّ القرآن الكريم ينشر منسوجات الصنعة الإلهية ويعرضها على أنظار البشر ثم يلفّها ويطويها في الخلاصة ضمن الأسماء الإلهية، أو يحيلها إلى العقل.
فمن أمثلة الأول: قل من يرزقكم من السماء والارض، أمّن يملك السمعَ والابصار، ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي، ومَن يدّبر الأمر فسيقولون اللّٰه، فقل أفلا تتقون٭ فذلكم اللّٰه ربكم الحق
(يونس:٣١-٣٢)
فيقول أولا: "مَن الذي هَيَّأ السماء والأرض وجعلهما مخازن ومستودعاتٍ لرزقكم، فأنیزل من هناك المطر ويُخرج من هنا الحبوب ؟ ومَن غيرُ اللّٰه يستطيع أن يجعل السماء والأرض العظيمتين في حكم خازنين مطيعين لحكمه؟ فالشكر والحمد إذن له وحده".
ويقول في الفقرة الثانية: "أمّن هو مالك أسماعكم وأبصاركم التي هي أثمن ما في أعضائكم؟ من أي مصنع أو محل ابتعتموها؟ فالذي منحكم هذه الحواس اللطيفة من عين وسمع إنما هو ربُّكم! وهو الذي خلقكم وربّاكم، ومنحها لكم، فالرب إذن إنما هو وحده المستحق للعبادة ولا يستحقها غيره".
ويقول في الفقرة الثالثة: "أمّن يحيى مئات الآلاف من الطوائف الميتة كما يحيى الأرض؟ فمن غيرُ الحق سبحانه وخالقُ الكون يَقْدِر أن يفعل هذا الأمر؟ فلا ريب أنه هو الذي يفعل وهو الذي يحيى الأرض الميتة. فما دام هو الحق فلن تضيع عنده الحقوق، وسيبعثكم إلى محكمة كبرى وسيحييكم كما يحيى الأرض".
ويقول في الفقرة الرابعة: "مَن غيرُ اللّٰه يستطيع أن يدبّر شؤون هذا الكون العظيم ويدير أمره إدارةً منسقة منظمة بسهولة إدارة قصر أو مدينة؟ فما دام ليس هناك غير اللّٰه، فلا نقص إذن في القدرة القادرة على إدارة هذا الكون العظيم، بكل أجرامهِ، بيسر وسهولة، ولا حاجة لها إلى شريك ولا إلى معين، فهي مطلقة لا يحدها حدود. ولا يدع مَن يدبّر أمور الكون العظيم إدارة مخلوقات صغيرة إلى غيره. فأنتم إذن مضطرون لأن تقولوا: اللّٰه".
فترى أن الفقرة الأولى والرابعة تقول: "اللّٰه"، وتقول الثانية: "رب". وتقول الثالثة: "الحق". فافهم مدى الإعجاز في موقع جملة
فذلكم اللّٰه ربكم الحق
— 480 —
وهكذا يذكر القرآن عظيم تصرفات اللّٰه سبحانه وعظيم منسوجاته ثم يذكر اليد المدبّرة لتلك الآثار الجليلة والمنسوجات العظيمة: فذلكم اللّٰه ربكم الحق ، أي إنه يُري منبعَ تلك التصرفات العظيمة ومصدرَها بذكر الأسماء الإلهية: اللّٰه، الرب، الحق.
ومن أمثلة الثاني: ان في خلق السموات والارض واختلاف الّيل والنهار والفُلك التي تجري في البحر بما يَنفعُ الناس وما انزل اللّٰه من السماء من ماءٍ فأحيا به الارضَ بعد موتها وبثَّ فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والارض لايات لقوم يعقلون
(البقرة:١٦٤)
يذكر القرآن في هذه الآيات ما في خلق السماوات والأرض من تجلي سلطنة الألوهية الذي يُظهر كمال قدرته سبحانه وعظمة ربوبيته، ويَشهد على وحدانيته.. ويذكر تجلي الربوبية في اختلاف الليل والنهار، وتجلي الرحمة بتسخير السفينة وجريانها في البحر التي هي من الوسائل العظمى للحياة الاجتماعية، وتجلي عظمة القدرة في إنزال الماء الباعث على الحياة من السماء إلى الأرض الميتة وإحيائها مع طوائفها التي تزيد على مئات الآلاف، وجعلها في صورة معرض للعجائب والغرائب.. كما يذكر تجلِّي الرحمة والقدرة في خلق ما لا يُحد من الحيوانات المختلفة من تراب بسيط.. كما يذكر تجلِّي الرحمة والحكمة من توظيف الرياح بوظائف جليلة كتلقيح النباتات وتنفسها، وجعلها صالحةً في ترديد أنفاس الأحياء بتحريكها وإدارتها.. كما يذكر تجلِّي الربوبية في تسخير السُحب وجمعها وتفريقها وهي معلقة بين السماء والأرض كأنها جنود منصاعون للأوامر يتفرقون للراحة ثم يجمّعون لتلقي الأوامر في عرض عظيم.
وهكذا بعد سرد منسوجات الصنعة الإلهية يسوق العقلَ إلى اكتناه حقائقها تفصيلا فيقول: لايات لقوم يعقلون آخذا بزمام العقل إلى التدبّر موقظا إياه إلى التفكّر.
— 481 —

مزيّة الجزالة الثالثة

إنّ القرآن الكريم قد يذكر أفعال اللّٰه سبحانه بالتفصيل، ثم بعد ذلك يوجزها ويجمِلها بخلاصة. فهو بتفصيلها يورث القناعة والاطمئنان، وبإيجازها وإجمالها يسهّل حفظها وتقييدها.
فمثلا: وكذلك يَجتَبيك ربُّك ويعلّمك من تأويل الاحاديث ويُتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب كما اتمها على أبَويك من قبلُ ابراهيم واسحق ان ربك عليمٌ حكيمٌ
(يوسف:٦).
يشير بهذه الآية إلى النعم التي أنعمها اللّٰه على سيدنا يوسف وعلى آبائه من قبل، فيقول: إن اللّٰه تعالى هو الذي اصطفاكم من بنى آدم لمقام النبوة وجعل سلسلة جميع الأنبياء مرتبطة بسلسلتكم وسوّدها على سائر سلاسل بني البشر، كما جعل أسرتكم موضع تعليم وهداية، تلقّن العلوم الإلهية والحكمة الربانية، فجمَع فيكم سلطنة الدنيا السعيدة وسعادة الآخرة الخالدة، وجعلك بالعلم والحكمة عزيزا لمصر ونبيا عظيما ومرشدا حكيما.. فبعد أن يذكر تلك النعم ويعدّدها وكيف أن اللّٰه قد جعله هو وآباءه ممتازِين بالعلم والحكمة، يقول: إِنّ رَبَّكَ عَلِيم حَكِيم أي اقتضت ربوبيته وحكمته أن يجعلك وآباءك تحظَون بنور اسم "العليم الحكيم". وهكذا أجمل تلك النعم المفصّلة بهذه الخلاصة.
ومثلا: قوله تعالى: قل اللّٰهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء (آل عمران:٢٦) إلى قوله تعالى: وترزق من تشاء بغير حساب (آل عمران:٢٧).
تعرض هذه الآية أفعال اللّٰه سبحانه في المجتمع الإنساني وتفيد بأن العزة والذلة والفقر والغنى مربوطة مباشرة بمشيئة اللّٰه وإرادته تعالى. أي "إن التصرف في أكثر طبقات الكثرة تشتتا إنما هو بمشيئة اللّٰه وتقديره فلا دخل للمصادفة قط".
فبعد أن أعطت الآية هذا الحكم، تقول: إن أعظم شيء في الحياة الإنسانية هو رزقُه. فتثبت ببضع مقدّمات أن الرزق إنما يُرسل مباشرة من خزينة الرزاق الحقيقي؛ إذ إن رزقَكم منوط بحياة الأرض، وحياة الأرض منوطة بالربيع، والربيع إنما هو بيد من يسخّر الشمس والقمر ويكوّر الليل والنهار. إذن فإن منح تفاحة لإنسان رزقا حقيقيا، إنما هو من فعل مَن
— 482 —
يملأ الأرض بأنواع الثمرات، وهو الرزاق الحقيقي. وبعد ذلك يُجمِل القرآن ويثبت تلك الأفعال المفصّلة بهذه الخلاصة: وترزق من تشاء بغير حساب.
النكتة البلاغية الرابعة
إنّ القرآن قد يذكر المخلوقات الإلهية مرتبةً بترتيب معين، ثم يبين به أن في المخلوقات نظاما وميزانا، يُريان ثمرة المخلوقات. وكأنه يُضفي نوعا من الشفافية والسطوع على المخلوقات التي تظهر منها الأسماءُ الإلهية المتجلية فيها، فكأن تلك المخلوقات المذكورة ألفاظ، وهذه الأسماء معانيها، أو أنها ثمرات وهذه الأسماء نواها أو لبابُها.
فمثلا: ولقد خلقنا الانسان من سلالةٍ من طين ٭ ثم جعلناهُ نطفةً في قرارٍ مكين٭ ثم خلقنا النطفةَ عَلَقةً فخلقنا العلقة مُیضغةً فخلقنا الیمُیضغة عظامًا فكسونا العظام لحمًا ثم انشأناهُ خلقًا آخر فتبارك اللّٰه احسن الخالقين
(المؤمنون:١٢-١٤).
يذكر القرآنُ خلق الإنسان وأطواره العجيبة الغريبة البديعة المنتظمة الموزونة ذكرا مرتبا يبيّن كالمرآة فتبارك اللّٰه احسن الخالقين، حتى كأن كلَّ طور يبين نفسَه ويوحي بنفسه هذه الآية، بل حتى قالها قبل مجيئها أحدُ كتّاب الوحي حينما كان يكتب هیذه الآية، فذهب به الظن إلى أن يقول: أ أوحي إليّ أيضا؟ [٭]: انظر: الألوسي، روح المعاني ١٨/١٦. والحال أنّ كمال نظام الكلام الأول وشفافيته الرائقة وانسجامه التام يُظهر نفسه قبل مجيء هذه الكلمة.
وكذا قوله تعالى: ان ربكم اللّٰه الذي خلق السموات والارض في ستة ايامٍ ثم استوى على العرش يُغشي الّيل النهار يطلبه حثيثًا والشمس والقمر والنجوم مسخّراتٍ بأمره ألا له الخلقُ والامرُ تبارك اللّٰه ربُ العالمين (الأعراف:٥٤).
يبين القرآن في هذه الآية عظمةَ القدرة الإلهية وسلطنةَ الربوبية، بوجه يدلّ على قدير ذي جلال استوى على عرش ربوبيته ويسطّر آيات ربوبيته على صحائف الكون، ويحوّل الليل والنهار كأنهما شريطان يعقب أحدهما الآخر. والشمس والقمر والنجوم متهيئة لتلقي الأوامر كجنود مطيعين. لذا فكل روح ما إن تسمع هذه الآية إلّا وتقول: "تبارك اللّٰه ربُّ العالمين.. بارك اللّٰه.. ما شاء اللّٰه". أي إن جملة: تبارك اللّٰه ربُ العالمين تجري مجرى الخلاصة لما سبق من الجمل، وهي بحكم نواتِها وثمرتِها وماء حياتها.
— 483 —

مزية الجزالة الخامسة

إنّ القرآن قد يذكر الجزئيات المادية المعرَّضة للتغير والتي تكون مناط مختلف الكيفيات والأحوال، ثم لأجل تحويلها إلى حقائقَ ثابتة يقيّدها ويُجْمِلها بالأسماء الإلهية التي هي نورانية وكلية وثابتة. أو يأتي بخلاصة تسوق العقلَ إلى التفكر والاعتبار.
ومن أمثلة المعنى الأول: وعلّم ادمَ الاسماءَ كلّها ثم عرضهم على الملائكةِ فقال أنبئوني باسماء هؤلاء إن كنتم صادقين٭ قالوا سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا اِلّا ما عَلَّمْتَنا اِنَّكَ اَنْتَ الْعَليمُ الْحَكيم
(البقرة:٣١-٣٢).
هذه الآية تذكر أولا حادثة جزئية هي أن سبب تفضيل آدم في الخلافة على الملائكة هو "العلم". ومن بعد ذلك تذكر حادثة مغلوبية الملائكة أمام سيدنا آدم في قضية العلم. ثم تعقّب ذلك بإجمال هاتين الحادثتين بذكر اسمين كليين من الأسماء الحسنى: اَنْتَ الْعَليمُ الْحَكيم . بمعنى أن الملائكة يقولون: أنت العليم يا رب فعلّمتَ آدم فغَلَبنا وأنت الحكيم فتمنحنا كلَّ ما هو ملائم لاستعدادنا، وتفضّله علينا باستعداداته.
ومن أمثلة المعنى الثاني: وإنّ لكم في الأنعام لعبرةً نسقيكُم مما في بطونه من بين فرثٍ ودمٍ لَبَنًا خالصًا سائغًا للشاربين٭ ومن ثمرات النخيل والاعناب تتخذون منه سَكرًَا ورزقًا حسنًا ان في ذلك لاية لقومٍ يعقلون٭ واوحى ربُّك الى النحل ان اتخذي من الجبال بيوتًا ومن الشجر ومما يَعرشُون٭ ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سُبُلَ ربّكِ ذُلُلًا يخرج من بطونها شراب مختلفٌ الوانهُ فيه شفاءٌ للناس ان في ذلك لاية لقومٍ يتفكرون
(النحل: ٦٦-٦٩).
تعرض هذه الآيات الكريمة أن اللّٰه تعالى جعل الشاة، والمعزى، والبقر، والإبل وأمثالها من المخلوقات ينابيعَ خالصةً زكية لذيذة تدفق الحليب، وجعل سبحانه العنب والتمر وأمثالهما أطباقا من النعمة وجِفانا لطيفة لذيذة.. كما جعل من أمثال النحل -التي هي معجزة من معجزات القدرة- العسل الذي فيه شفاء للناس، إلى جانب لذته وحلاوته.. وفي خاتمة المطاف تحث الآيات على التفكر والاعتبار وقياس غيرها عليها بی ان في ذلك لاية لقومٍ يتفكرون.
— 484 —

النكتة البلاغية السادسة

إنّ القرآن الكريم قد يَنشر أحكام الربوبية على الكثرة الواسعة المنتشرة، ثم يضع عليها مظاهرَ الوحدة، ويجمعُها في نقطة توحّدها كجهة وحدة بينها، أو يمكّنها في قاعدة كلية.
فمثلا: قوله تعالى:
وسع كرسيه السموات والارض ولا يؤده حفظهما وهو العلي العظيم
(البقرة:٢٥٥).
فهذه الآية (أي آيةُ الكرسي) تأتي بعشر جُمل تمثل عشر طبقات من التوحيد في أشكال مختلفة، وتثبتها. وبعد ذلك تقطع قطعا كليا بقوة صارمة عِرق الشرك ومداخلة غير اللّٰه بی مَن ذا الذي يشفع عنده إلّا بإذنه . فهذه الآية لأنها قد تجلّى فيها الاسمُ الأعظم فإن معانيها من حيث الحقائق الإلهية هي في الدرجة العظمى والمقام الأسمى. إذ تبين تصرفات الربوبية في الدرجة العظمى. وبعد ذكر تدبير الألوهية الموجّه للسماوات والأرض كافة توجها في أعلى مقام وأعظم درجة، تذكر الحفيظية الشاملة المطلقة بكل معانيها. ثم تلخص منابع تلك التجليات العظمى في رابطة وحدة اتحادٍ، وجهة وحدة بقوله تعالى: وهو العلي العظيم.
ومثلا: اللّٰه الذي خلق السموات والارض وانزل من السماء ماءً فأخرج به من الثمرات رزقًا لكم وسخّر لكم الفُلك لتجري في البحر بأمره وسخّر لكم الأنهار٭ وسخّر لكم الشمس والقمر دائبين وسخّر لكم الّيل والنهار٭ وآتاكم من كل ما سألتموه وان تعدّوا نعمة اللّٰه لا تحصوها
(إبراهيم:٣٢-٣٤).
تبين هذه الآيات كيف أن اللّٰه تعالى قد خلق هذا الكون للإنسان في حُكم قصر، وأرسل ماء الحياة من السماء إلى الأرض، فجعل السماء والأرض مسخّرتين كأنّهما خادمان عاملان على إيصال الرزق إلى الناس كافة، كما سخّر له السفينة ليمنح الفرصة لكل أحد، ليستفيد من ثمار الأرض كافة، ليضمن له العيش فيتبادل الأفراد فيما بينهم ثمارَ سعيهم وأعمالهم. أي جعل لكلٍّ من البحر والشجر والريح أوضاعا خاصة بحيث تكون الريحُ كالسوط والسفينةُ كالفرس والبحرُ كالصحراء الواسعة تحتها. كما أنه سبحانه جعل الإنسان يرتبط مع كل ما في
— 485 —
أنحاء المعمورة بالسفينة وبوسائطِ نقلٍ فطرية في الأنهار والروافد وسيّر له الشمس والقمر وجعلهما ملاحين مأمورين لإدارة دولاب الكائنات الكبير وإحضار الفصول المختلفة وإعداد ما فيها من نِعم إلهية. كما سخّر الليل والنهار جاعلا الليلَ لباسا وغطاءً ليخلد الإنسانُ إلى الراحة والنهارَ معاشا ليتّجر فيه.
وبعد تعداد هذه النعم الإلهية تأتي الآية بخلاصة
وآتاكم من كل ما سألتموه وان تعدّوا نعمة اللّٰه لا تحصوها
لبيان مدى سعة دائرة إنعام اللّٰه تعالى على الإنسان وكيف أنها مملوءة بأنواع النعم، أي إن كل ما سأله الإنسانُ بحاجته الفطرية وبلسان استعداده قد منَحه اللّٰه تعالى إياه. فتلك النعم لا تدخل في الحصر ولا تنفد ولا تنقضي بالتعداد.
نعم، إن كانت السماوات والأرض مائدةً من موائد نعَمه العظيمة وكانت الشمسُ والقمر والليل والنهار بعضا من تلك النِعم التي احتوتها تلك المائدة، فلا شك أن النعم المتوجهة إلى الإنسان لا تعدّ ولا تحصى.
سر البلاغة السابعة
قد تبين الآيةُ غايات المسَبَّب وثمراته لتعزل السببَ الظاهري وتسلب منه قدرةَ الخلق والإيجاد. وليُعلَم أن السببَ ما هو إلّا ستار ظاهري؛ ذلك لأن إرادة الغايات الحكيمة والثمرات الجليلة يلزم أن يكون من شأن مَن هو عليم مطلق العلم وحكيم مطلق الحكمة، بينما سببُها جامد من غير شعور. فالآية تفيد بذكر الثمرات والغايات أن الأسباب وإن بدتْ في الظاهر والوجود متصلةً مع المسببَّات إلّا أن بينهما في الحقيقة وواقع الأمر بونا شاسعا جدّا.
نعم، إن المسافة بين السبب وإيجاد المسبَّب مسافة شاسعة بحيث لا طاقة لأعظم الأسباب أن تنال إيجاد أدنى مسبَّب، ففي هذا البُعد بين السبب والمسبَّب تشرق الأسماءُ الإلهية كالنجوم الساطعة. فمطالعُ تلك الأسماء هي في تلك المسافة المعنوية، إذ كما يُشاهد اتصال أذيال السماء بالجبال المحيطة بالأفق وتبدو مقرونةً بها، بينما هناك مسافة عظيمة جدّا بين دائرة الأفق والسماء هي مطلع لجميع النجوم، كذلك فإن ما بين الأسباب والمسبَّبات مسافة معنوية عظيمة جدّا لا تُرى إلّا بمنظار الإيمان ونور القرآن.
فمثلا: فلينظر الانسانُ الى طعامهِ٭ أنّا صَببنا الماء صبًّا٭ ثم شققنا الارض شقًّا٭
— 486 —
فانبتنا فيها حبًّا٭ وعنبًا وقیضبًا٭ وزيتونًا ونخلًا٭ وحدائقَ غُلبًا٭ وفاكهة وأبًّا٭ متاعًا لكم ولأنعامكم
(عبس:٢٤-٣٢).
هذه الآيات الكريمة تذكر معجزات القدرة الإلهية ذكرا مرتبا حكيما تربط الأسبابَ بالمسبَّبات، ثم في خاتمة المطاف تبيّن الغاية بلفظ: متاعًا لكم ولأنعامكم فتثبت في تلك الغاية أن متصرفا مستترا وراء جميع تلك الأسباب والمسببات المتسلسلة يرى تلك الغايات ويراعيها. وتؤكد أن تلك الأسباب ما هي إلّا حجاب دونه.
نعم، إن عبارة: متاعًا لكم ولأنعامكم تسلب جميعَ الأسباب من القدرة على الإيجاد والخلق. إذ تقول معنًى: أنّ الماء الذي ينیزل من السماء لتهيئة الأرزاق لكم ولأنعامكم لا ينیزل بنفسه، لأنه ليس له قابلية الرحمة والحنان عليكم وعلى أنعامكم كي يرأف بحالكم؛ فإذن يُرسَل إرسالا. وإن التراب الذي لا شعُور له، لأنه بعيد كل البعد من أن يرأف بحالكم فيهيئ لكم الرزق، فلا ينشقّ إذن بنفسه، بل هناك مَن يشقّه ويفتح أبوابه، ويناولكم النِعَم منه. وكذا الأشجار والنباتات، فهي بعيدة كل البعد عن تهيئة الثمرات والحبوب رأفةً بكم وتفكرا برزقكم، فما هي إلّا حبال وشرائط ممتدة من وراء ستار الغيب يمدها حكيم رحيم علّق تلك النعم بها وأرسلها إلى ذوي الحياة.
وهكذا فمن هذه البيانات تظهر مطالع أسماء حسنى كثيرة كالرحيم والرزاق والمنعم والكريم.
ومثلا: ألم ترَ أن اللّٰه يُزجى سحابًا ثم يؤلّف بينه ثم يجعله ركامًا فترى الودْقَ يخرج من خلاله ويُنزّل من السماء من جبالٍ فيها من بَرَد فيصيب به من يشاء ويصرفه عن من يشاء يكاد سنا برقه يذهب بالابصار٭ يقلبُ اللّٰه الّيل والنهار ان في ذلك لعبرةً لاولي الابصار٭ واللّٰه خلَق كلَّ دابة من ماءٍ فمنهم مَن يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم مَن يمشي على أربع يخلق اللّٰه ما يشاء ان اللّٰه على كل شيء قدير
(النور:٤٣-٤٥).
فهذه الآية الكريمة حينما تبين التصرفات العجيبة في إنیزال المطر وتشكّل السحاب الذي يمثل ستار خزينة الرحمة الإلهية وأهم معجزة من معجزات الربوبية، تبيّنها كأن أجزاء السحاب كانت منتشرة ومختفية في جو السماء -كالجنود المنتشرين للراحة- فتجتمع بأمر اللّٰه
— 487 —
وتتألف تلك الأجزاء الصغيرة مشكّلةً السحاب كما تجتمع الجنود بصوت بوق عسكري، فيرسل الماء الباعث على الحياة إلى ذوي الحياة كافة، من تلك القطع من السحاب التي هي في جسامة الجبال السيارة في القيامة وعلى صورتها. وهي في بياض الثلج والبَرَد وفي رطوبتها.. فيُشاهَد في ذلك الإرسال إرادةٌ وقصد لأنه يأتي حسب الحاجة، أي يُرسَل المطرُ إرسالا، ولا يمكن أن تجتمع تلك الأجزاء الضخمة من السحاب وكأنها جبال بنفسها في الوقت الذي نرى الجو براقا صحوا لا شيء يعكّره، بل يرسلها مَن يعرف ذوي الحياة ويعلم بحالهم.
ففي هذه المسافة المعنوية تظهر مطالعُ الأسماء الحسنى كالقدير والعليم والمتصرف والمدبّر والمربي والمغيث والمحيي.
مزية الجزالة الثامنة
إنّ القرآن الكريم قد يذكر من أفعال اللّٰه الدنيوية العجيبة والبديعة كي يُعدّ الأذهان للتصديق ويُحضر القلوب للإيمان بأفعاله المعجزة في الآخرة. أو إنه يصوّر الأفعالَ الإلهية العجيبة التي ستحدث في المستقبل والآخرة بشكل يجعلنا نقتنع ونطمئن إليه بما نشاهده من نظائرها العديدة.
فمثلا: أوَ لم يَرَ الانسانُ أنّا خَلقناه مِن نطفةٍ فاذا هو خصيمٌ مبينٌ..
إلى آخر سورة "يس".. هنا في قضية الحشر، يثبت القرآن الكريم ويسوق البراهين عليها، بسبع أو ثماني صور مختلفة متنوعة:
إنه يقدّم النشأة الأولى أولا، ويعرضها للأنظار قائلا: إنكم ترون نشأتكم من النطفة إلى العلقة ومن العلقة إلى المضغة ومن المضغة إلى خلق الإنسان، فكيف تنكرون إذن النشأة الأخرى التي هي مثل هذا بل أهونُ منه؟ ثم يشير بی الذي جعل لكم من الشجَر الأخضر نارًا إلى تلك الآلاء وذلك الإحسان والإنعام الذي أنعمه الحق سبحانه على الإنسان، قائلًا "الذي ينعم عليكم مثل هذه النعم، لن يترككم سدًى ولا عبثا، لتدخلوا القبر وتناموا دون قيام". ثم إنه يقول رمزا: إنكم ترون إحياء واخضرار الأشجار الميتة، فكيف تستبعدون اكتساب العظام الشبيهة بالحطب للحياة ولا تقيسون عليها؟ ثم هل يمكن أن يعجز مَن خلق السماوات والأرض عن إحياء الإنسان وإماتته وهو ثمرة السماوات والأرض؟ وهل يمكن
— 488 —
من يدير أمرَ الشجرة ويرعاها أن يهمل ثمرتها ويتركها للآخرين؟! فهل تظنون أن تُترك للعبث "شجرة الخلقة" التي عُجنت جميع أجزائها بالحكمة، بأن يهمل ثمرتَها ونتيجتها؟ وهكذا فإن الذي سيحييكم في الحشر مَن بيده مقاليد السماوات والأرض، وتخضع له الكائنات خضوع الجنود المطيعين لأمره فيسخرهم بأمر كن فيكون تسخيرا كاملا.. ومَن عنده خلق الربيع يسيیر وهيّن كخلق زهرة واحدة، وإيجاد جميع الحيوانات سهل على قدرته كإيجاد ذبابة واحدة.. فلا ولن يُسأل للتعجيز صاحب هذه القدرة: مَنْ يُحيْىِ الْعِظَامَ ؟
ثم إنه بعبارة فَسُبْحَانَ الَّذى بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِ شَيْء يبين أنه سبحانه بيده مقاليد كل شيء، وعنده مفاتيح كل شيء، يقلّب الليل والنهار، والشتاء والصيف بكل سهولة ويسر كأنها صفحات كتاب، والدنيا والآخرة هما عنده كمنیزلين يغلق هذا ويفتح ذاك. فما دام الأمر هكذا فإن نتيجة جميع الدلائل هي واَلَيْهِ تُرْجَعُونَ أي إنه يحييكم من القبر، ويسوقكم إلى الحشر، ويوفّي حسابَكم عند ديوانه المقدس.
وهكذا ترى أن هذه الآيات قد هَيأت الأذهان، وأحضرت القلوب لقبول قضية الحشر، بما أظهرت من نظائرها بأفعالٍ في الدنيا.
هذا، وقد يذكر القرآن أيضا أفعالا أخروية بشكل يحسس ويشير إلى نظائرها الدنيوية، ليمنع الإنكار والاستبعاد.
فمثلا: بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
اذا الشمسُ كُوِّرتْ ٭ واذا النجومُ انكدَرتْ ٭ واذا الجبالُ سُيرتْ٭ واذا العشارُ عطلتْ٭ واذا الوحوشُ حُیشِرتْ٭ واذا البحارُ سُجّرتْ٭ واذا النفوسُ زُوّجتْ٭ واذا الموؤدة سُئلتْ٭ بأيّ ذنبٍ قُتلَتْ٭ واذا الصُحُفُ نُشرت٭ واذا السماء كُشطتْ٭ واذا الجحيمُ سُعّرتْ٭ واذا الجنةُ ازلفتْ٭ علمتْ نفسٌ ما احییضرتْ...
إلى آخر السورة.
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
اذا السماءُ انفطرتْ٭ واذا الكواكبُ انتثرتْ٭ واذا البحار فُجرتْ٭ واذا القبورُ بُعثرتْ٭ علمتْ نفسٌ ما قدّمتْ واخّرت...
إلى آخر السورة.
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
اذا السماءُ انشقّتْ٭ واذنتْ لربّها وحُیقّتْ ٭ واذا الارضُ مُدّت٭ والقتْ ما فيها وتخلّتْ٭ واذنتْ لربّها وحُیقّتْ...
إلى آخر السورة.
— 489 —
فترى أن هذه السوَر تذكر الانقلابات العظيمة والتصرفات الربانية الهائلة في القيامة والحشر بأسلوب يجعل الإنسان يرى نظائرها في الخريف والربيع فيقبلها بكل سهولة ويسر مع أنها كانت تجعل القلب أسير دهشة هائلة يضيق العقل دونها ويبقى في حيرة.
ولما كان تفسير السور الثلاث هذه يطول، لذا سنأخذ كلمة واحدة نموذجا، فمثلا: واذا الصُحُفُ نُشرت تفيد هذه الآية: "ستُنشر في الحشر جميعُ أعمال الفرد مكتوبةً على صحيفة". وحيث إن هذه المسألة عجيبة بذاتها فلا يرى العقلُ إليها سبيلا، إلّا أن السورة كما تشير إلى الحشر الربيعي وكما أن للنقاط الأخرى نظائرَها وأمثلتها كذلك نظير نشر الصحف ومثالها واضح جليّ، فلكل ثمر ولكل عشب ولكل شجر، أعمال وله أفعال، وله وظائف. وله عبودية وتسبيحات بالشكل الذي تَظهر به الأسماءُ الإلهية الحسنى. فجميع هذه الأعمال مندرجة مع تاريخ حياته في بذوره ونواه كلها. وستظهر جميعُها في ربيع آخر ومكان آخر. أي إنه كما يذكر بفصاحة بالغة أعمال أمهاته وأصوله بالصورة والشكل الظاهر، فإنه ينشر كذلك صحائف أعماله بنشر الأغصان وتفتح الأوراق والأثمار.
نعم، إن الذي يفعل هذا أمام أعيننا بكل حكمة وحفظ وتدبير وتربية ولطف هو الذي يقول واذا الصُحُفُ نُشرت
... وهكذا قس النقاط الأخرى على هذا المنوال. وإن كانت لديك قوة استنباط فاستنبط.
ولأجل مساعدتك ومعاونتك سنذكر اذا الشمسُ كُوِّرتْ أيضا. فإن لفظ كُوِّرتْ الذي يرد في هذا الكلام هو بمعنى: لُفّت وجُمعت. فهو مثال رائع ساطع فوق أنه يومئ إلى نظيره ومثيله في الدنيا:
أولا: إن اللّٰه سبحانه وتعالى قد رفع ستائر العدم والأثير والسماء، عن جوهرة الشمس التي تضيء الدنيا كالمصباح، فأخرجها من خزينة رحمته وأظهرها إلى الدنيا. وسيلفّ تلك الجوهرة بأغلفتها عندما تنتهي هذه الدنيا وتنسد أبوابُها.
ثانيا: إن الشمس موظفة ومأمورة بنشر غلالات الضوء في الأسحار ولفّها في الأماسي. وهكذا يتناوب الليلُ والنهار هامة الأرض، وهي تجمع متاعها مقللةً من تعاملها، أو يكون القمر -إلى حدٍّ ما- نقابا لأخذها وعطائها ذلك، أي كما أن هذه الموظفة تجمع متاعها وتطوي
— 490 —
دفاتر أعمالها بهذه الأسباب، فلابد من أن يأتي يوم تُعفى من مهامها، وتُفصَل من وظيفتها، حتى إن لم يكن هناك سبب للإعفاء والعزل، ولعلّ توسّع ما يشاهده الفلكيون على وجهها من البقعتين الصغيرتين الآن اللتين تتوسعان وتتضخمان رويدا رويدا، تسترجع الشمس -بهذا التوسع- وبأمر رباني ما لفّته ونشرَته على رأس الأرض بإذن إلهي من الضوء، فتلف به نفسها. فيقول ربّ العزة: "إلى هنا انتهت مهمتك مع الأرض، فهيّا إلى جهنم لتحرقي الذين عبدوك وأهانوا موظفة مسخرة مثلك وحقروها متهمين إياها بالخيانة وعدم الوفاء". بهذا تقرأ الشمسُ الأمر الرباني: اذا الشمسُ كُوِّرتْ على وجهها المبقع.
نكتة البلاغة التاسعة
إنّ القرآن الكريم قد يذكر بعضا من المقاصد الجزئية، ثم لأجل أن يحوّل تلك الجزئيات إلى قاعدة كلية ويجيلَ الأذهان فيها يثبّت ذلك المقصد الجزئي ويقرره ويؤكده بالأسماء الحسنى التي هي قاعدة كلية.
فمثلا: قد سمعَ اللّٰه قولَ التي تُجادلك في زوجها وتشتكي الى اللّٰه واللّٰه يسمعُ تحاوركما ان اللّٰه سميعٌ بصير
(المجادلة:١). يقول القرآن: إن اللّٰه سميع مطلق السمع يسمع كل شيء، حتى إنه ليسمع باسمه "الحق" حادثة جزئية، حادثة لمرأة -المرأة التي حظيت بألطف تجلٍ من تجليات الرحمة الإلهية وهي التي تمثل أعظم كنیز لحقيقة الرأفة والحنان- هذه الدعوى المقدمة من امرأة وهي محقة في دعواها على زوجها وشكواها إلى اللّٰه منه يسمعها برحمة بالغة كأي أمر عظيم باسم "الرحيم" وينظر إليها بكل شفقة ويراها باسم "الحق".
فلأجل جعل هذا المقصد الجزئي كليا تفيد الآية بأن الذي يسمع أدنى حادثة من المخلوقات ويراها، يلزم أن يكون ذلك الذي يسمع كل شيء ويراه، وهو المنیزّه عن الممكنات. والذي يكون ربا للكون لابد أن يرى ما في الكون أجمع من مظالم ويسمع شكوى المظلومين، فالذي لا يرى مصائبهم ولا يسمع استغاثاتهم لا يمكن أن يكون ربا لهم. لذا فإن جملة: ان اللّٰه سميعٌ بصير تبين حقيقتين عظيمتين. كما جعلت المقصد الجزئي أمرا كليا.
ومثل ثان: سبحانَ الذي اسرى بعبدهِ ليلًا من المسجدِ الحرام الى المسجد الاقصا الذي باركنا حوله لنُريهُ من آياتنا انه هو السميعُ البصير
(الإسراء:١).
— 491 —
إنّ القرآن الكريم يختم هذه الآية بی انه هو السميعُ البصير وذلك بعد ذكره إسراء الرسول الحبيب (ص) من مبدأ المعراج، أي من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى.
فالضمير في انه إما أن يرجع إلى اللّٰه تعالى، أو إلى الرسول الكريم (ص). فإذا كان راجعا إلى الرسول (ص)، فإن قوانين البلاغة ومناسبة سياق الكلام تفيدان أنّ هذه السياحة الجزئية، فيها من السير العمومي والعروج الكلي ما قد سَمِع وشاهَدَ كلَّ ما لاقى بَصَره وسمعَه من الآيات الربانية، وبدائع الصنعة الإلهية في أثناء ارتقائه المراتب الكلية للأسماء الإلهية الحسنى البالغة إلى سدرة المنتهى، حتى كان قاب قوسين أو أدنى. مما يدل على أن هذه السياحة الجزئية هي في حُكم مفتاحٍ لسياحةٍ كليةٍ جامعة لعجائب الصنعة الإلهية. [٭]: جاء في تفسير روح المعاني للعلامة الآلوسي (١٥/١٤) ما يأتي: "وأما على تقدير كون الضمير للنبي (ص)، كما نقله أبو البقاء عن بعضهم وقال: أي السميع لكلامنا البصير لذاتنا، وقال الجلبي: إنه لا يبعد، والمعنى عليه: إن عبدي الذي شرّفته بهذا التشريف هو المستأهل له فإنه السميع لأوامري ونواهي، العامل بهما، البصير الذي ينظر بنظر العبرة في مخلوقاتي فيعتبر، أو البصير بالآيات التي أريناه إياه". وانظر أيضا تفسير إسماعيل القنوي على البيضاوي (٤/٢٢٤).
وإذا كان الضمير راجعا إلى اللّٰه سبحانه وتعالى، فالمعنى يكون عندئذٍ هكذا: إنه سبحانه وتعالى دعا عبدَه إلى حضوره والمثول بين يديه، لينيط به مهمةً ويكلّفه بوظيفة؛ فأسرى به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي هو مجمع الأنبياء. وبعد إجراء اللقاء معهم وإظهاره بأنه الوارث المطلق لأصول أديان جميع الأنبياء، سَيَّره في جولةٍ ضمن مُلكه وسياحةٍ ضمن ملكوته، حتى أبلغه سدرة المنتهى فكان قاب قوسين أو أدنى. وهكذا فإن تلك السياحة أو السير، وإن كانت معراجا جزئيّا وأن الذي عُرج به عبد، إلّا أن هذا العبد يحمل أمانةً عظيمة تتعلق بجميع الكائنات، ومعه نور مبين ينير الكائنات ويبدل من ملامحها ويصبغها بصبغته. فضلا عن أن لديه مفتاحا يستطيع أن يفتح به باب السعادة الأبدية والنعيم المقيم.
فلأجل كل هذا يصف اللّٰه سبحانه وتعالى نفسَه بی انه هو السميعُ البصير كي يُظهِر أن في تلك الأمانة وفي ذلك النور وفي ذلك المفتاح، من الحِكم السامية ما يشمل عموم الكائنات، ويعم جميع المخلوقات، ويحيط بالكون أجمع.
— 492 —
ومثال آخر: الحمد للّٰه فاطرِ السموات والارض جاعلِ الملئكةِ رسلًا اولي اجنحةٍ مثنى وثلثَ ورباعَ يزيدُ في الخلقِ ما يشاءُ ان اللّٰه على كل شئٍ قدير
(فاطر:١).
ففي هذه السورة يقول تعالى: إنّ فاطر السماوات والأرض ذا الجلال قد زيّن السماوات والأرض وبيّن آثار كماله على ما لا يعد من المشاهدين وجعلهم يرفعون إليه ما لا نهاية له من الحمد والثناء. وإنه تعالى زيّن الأرض والسماء بما لا يحد من النعم والآلاء. فتحمد السماواتُ والأرض بلسان نعمها وبلسان المنعَمين عليهم جميعا وتثنى على فاطرها "الرحمن". وبعد ذلك يقول: إنّ اللّٰه سبحانه الذي منح الإنسانَ والحيوانات والطيور من سكان الأرض أجهزة وأجنحة يتمكنون بها من الطيران والسياحة بين مدن الأرض وممالكها، والذي منح سكان النجوم وقصور السماوات، وهم الملائكة، كي تسيح وتطير بين ممالكها العلوية وأبراجها السماوية لابد أن يكون قادرا على كل شيء. فالذي أعطى الذبابة الجناح لتطير من ثمرة إلى أخرى، والعصفور ليطير من شجرة إلى أخرى، هو الذي جعل الملائكة أولي أجنحة لتطير من الزُهَرة إلى المشتري ومن المشتري إلى زُحَل.
ثم إن عبارة: مثنى وثلثَ ورباعَ تشير إلى أن الملائكة ليسوا منحصرين بجزئية ولا يقيدهم مكان معين، كما هو الحال في سكان الأرض بل يمكن أن يكونوا في آن واحد في أربع نجوم أو أكثر.
فهذه الحادثة الجزئية، أي تجهيز الملائكة بالأجنحة تشير إلى عظمة القدرة الإلهية المطلقة العامة وتؤكدها بخلاصة
ان اللّٰه على كل شئٍ قدير
نكتة البلاغة العاشرة
قد تذكر الآية ما اقترفه الإنسانُ من سيئات، فتزجره زجرا عنيفا، ثم تختمها ببعض من الأسماء الحسنى التي تشير إلى الرحمة الإلهية لئلا يلقيه الزجر العنيف في اليأس والقنوط.
فمثلا: قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذًا لابتغوا الى ذي العرش سبيلًا٭ سبحانه وتعالى عمّا يقولون علوًا كبيرًا٭ تسبح له السموات السبع والارض ومَن فيهن وإن من شيء إلّا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم انه كان حليمًا غفورًا
(الإسراء:٤٢-٤٤).
— 493 —
تقول هذه الآية: قل لهم لو كان في مُلك اللّٰه شريك كما تقولون لامتدّت أيديهم إلى عرش ربوبيته ولظهرت علائمُ المداخلة باختلال النظام، ولكن جميع المخلوقات من السماوات السبع الطباق إلى الأحياء المجهرية، جزئيَّها وكليَّها، صغيرَها وكبيرها، تسبّح بلسان ما يظهر عليها من تجليات الأسماء الحسنى ونقوشها، وتقدّس مسمّى تلك الأسماء ذا الجلال والإكرام، وتنیزّهه عن الشريك والنظير.
نعم، إنّ السماء تقدّسه وتشهد على وحدته بكلماتها النيّرة من شموس ونجوم، وبحكمتها وانتظامها.. وإنّ جو الهواء يسبّحه ويقدّسه ويشهد على وحدانيته بصوت السحاب وكلمات الرعد والبرق والقطرات.. والأرض تسبّح خالقها الجليل وتوحدهّ بكلماتها الحية من حيوانات ونباتات وموجودات.. وكذا تسبّحه وتشهد على وحدانيته كلُّ شجرة من أشجارها بكلمات أوراقها وأزاهيرها وثمراتها.. وكلُّ مخلوق صغير ومصنوع جزئي مع صغره وجزئيیته يسبّح بإشارات ما يحمله من نقوش وكيفيات وما يظهره من أسماء حسنى كثيرة ويقدس مسمى تلك الأسماء ذا الجلال ويشهد على وحدانيته تعالى. وهكذا فالكون برمّته معا وبلسان واحد، يسبّح خالقَه الجليل متفقا ويشهد على وحدانيته، مؤديا بكمال الطاعة ما أنيط به من وظائف العبودية. إلّا الإنسانَ الذي هو خلاصةُ الكون ونتيجتُه وخليفته المكرم وثمرته اليانعة، يقییوم بخلاف جميع ما في الكون وبضده، فيكفر باللّٰه ويشرك به. فكم هو قبيیح صنيعُه هذا؟ وكم يا ترى يستحق عقابا على ما قدمت يداه؟ ولكن لئلا يقع الإنسانُ في هاوية اليأس والقنوط ولتبيين حكمة عدم هدم القهار الجليل الكونَ على رأسه بما يجترحه من سيئات شنيعة كهذه الجناية العظمى، تقول الآية الكريمة: انه كان حليمًا غفورًا مبيِّنة حكمةَ الإمهال وفتح باب الأمل بهذه الخاتمة.
فافهم من هذه الإشارات العشر الإعجازية، أن في الخلاصات والفذلكات التي في ختام الآيات لمعات إعجازية كثيرة فضلا عما تترشح منها من رشحات الهداية الغزيرة، حتى بلغ بدهاة البلغاء أنهم لم يتمالكوا أنفسهم من الحيرة والإعجاب أمام هذه الأساليب البديعة فقالوا: ما هذا كلام البشر، وآمنوا بحق اليقين بقوله تعالى: ان هو الّا وحي يوحى (النجم:٤).
هذا وإن بعض الآيات -إلى جانب جميع الإشارات المذكورة- تتضمن مزايا أخرى
— 494 —
عديدة لم نتطرق إليها في بحثنا، فيُشاهَد من إجماع تلك المزايا نقش إعجازي بديع يراه حتى العميان.
النور الثالث
وهو أن القرآن الكريم لا يمكن أن يُقاس بأي كلام آخر، إذ إن منابعَ علو طبقة الكلام وقوتِه وحسنِه وجمالِه أربعة:
الأول: المتكلم. الثاني: المخاطَب. الثالث: المقصد. الرابع: المقام. وليس المقام وحده كما ضل فيه الأدباء. فلابد من أن تنظر في الكلام إلى: مَن قال؟ ولمن قال؟ ولِمَ قال؟ وفيمَ قال؟ فلا تقف عند الكلام وحدَه وتنظر إليه.
ولما كان الكلامُ يستمد قوتَه وجمالَه من هذه المنابع الأربعة، فبإنعام النظر في منابع القرآن تُدرك درجة بلاغته وحسنه وسموه وعلوّه.
نعم، إن الكلام يستمد القوة من المتكلم، فإذا كان الكلام أمرا ونهيا يتضمن إرادةَ المتكلم وقدرتَه حسب درجته، وعند ذاك يكون الكلام مؤثرا نافذا يسري سريان الكهرباء من دون إعاقة أو مقاومة. وتتضاعف قوةُ الكلام وعلوّه حسب تلك النسبة.
فمثلا: يا ارضُ ابلعي ماءكِ ويا سماءُ أقلعي
(هود:٤٤) و
فقال لها وللارض ائتيا طوعًا أو كرهًا قالتا أتينا طائعين
(فصلت:١١).
فانظر إلى قوة وعلوّ هذه الأوامر الحقيقية النافذة التي تتضمن القوة والإرادة. ثم انظرْ إلى كلام إنسان وأمره الجمادات الشبيه بهذيان المحموم: اسكني يا أرض وانشقي يا سماء وقومي أيتُها القيامة!
فهل يمكن مقايسة هذا الكلام مع الأمرين النافذين السابقين؟ نعم أين الأوامر الناشئة من فضول الإنسان والنابعة من رغباته والمتولدة من أمانيّه.. وأين الأوامر الصادرة ممن هو متصف بالآمرية الحقة يأمر وهو مهيمن على عمله؟! نعم، أين أمر أمير عظيم مُطاع نافذ الكلام يأمر جنوده بی: "تقدَّم". وأين هذا الأمر إذا صدر من جندي بسيط لا يُبالى به؟ فهذان الأمران وإن كانا صورةً واحدة إلّا أن بينهما معنًى بونا شاسعا،كما بين القائد العام والجندي.
— 495 —
ومثلا: انما امره اذا اراد شيئًا ان يقول له كن فيكون (يس:٨٢) و واذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم (البقرة:٣٤) انظر إلى قوة وعلوّ الأمرين في هاتين الآيتين. ثم انظر إلى كلام البشر من قبيل الأمر. ألا تكون النسبة بينهما كضوء اليراع أمام نور الشمس الساطعة؟.
نعم، أين تصوير عامل يمارس عمله، وبيان صانع وهو يصنع، وكلام مُحسن في آن إحسانه، كل يصوّر أفاعيله، ويطابق فعلُه قولَه، أي يقول: انظروا فقد فعلت كذا لكذا، أفعل هذا لذاك، وهذا يكون كذا وذاك كذا.. وهكذا يبين فعلَه للعين والأذن معا.
فمثلا: أفلم ينظروا الى السماءِ فوقَهم كيف بنيناها وزيّناها ومالَها من فروج٭ والارضَ مددناها وألقينا فيها رواسيَ وانبتنا فيها من كل زوج بهيج٭ تَبصرةً وذكرى لكل عبدٍ منيب٭ ونزّلنا من السماء ماءً مباركًا فانبتنا به جناتٍ وحبّ الحصيد٭ والنخلَ باسقاتٍ لها طلعٌ نیضيد٭ رزقًا للعباد وأحيينا به بلدةً ميتًا كذلك الخروج
(ق:٦-١١).
أين هذا التصوير الذي يتلألأ كالنجم في برج هذه السورة في سماء القرآن؛ كأنه ثمار الجنة -وقد ذكر كثيرا من الدلائل ضمن هذه الأفعال مع انتظام البلاغة وأثبت الحشر الذي هو نتيجتها بتعبير: كذلك الخروج ليلزم به الذين ينكرون الحشر في مستهل السورة- فأين هذا وأين كلام الناس على وجه الفضول عن أفعال لا تمسهم إلّا قليلا؟ فلا تكون نسبته إليه إلّا كنسبة صورة الزهرة إلى الزهرة الحقيقية التي تنبض بالحياة.
إن بيان معنى هذه الآيات من قوله تعالى: أفلم ينظروا إلى كذلك الخروج على وجه أفضل يتطلب منا وقتا طويلا فنكتفي بالإشارة إليه ونمضي إلى شأننا:
إنّ القرآن يبسط مقدّمات ليُرغم الكفار على قبول الحشر، لإنكارهم إياه في مستهل السورة. فيقول: أفلا تنظرون إلى السماء فوقكم كيف بنيناها، بناءً مهيبا منتظما.. أوَلا ترون كيف زيّناها بالنجوم وبالشمس والقمر دون نقص أو فطور..؟ أوَلا ترون كيف بسطنا الأرض وفرشناها لكم بالحكمة، وثبتنا فيها الجبال لتقيَها من مّد البحار واستيلائها؟ أوَلا ترون أنا خلقنا فيها أزواجا جميلة متنوعة من كل جنس من الخضراوات والنباتات، وزيّنا بها أرجاء الأرض كافة؟ أوَلا ترون كيف أرسلُ ماءً مباركا من السماء فأنبتُ به البساتين والزرع
— 496 —
والثمرات اللذيذة من تمر ونحوه وأجعله رزقا لعبادي؟ أوَلا ترون أنني أحيي الأرض الميتة، بذلك الماء. وآتي ألوفا من الحشر الدنيوي. فكما أخرج بقدرتي هذه النباتات من هذه الأرض الميتة، كذلك خروجكم يوم الحشر؛ إذ تموت الأرض في القيامة وتُبعثون أنتم أحياء. فأين ما أظهرته الآيةُ في إثبات الحشر من جزالة البيان -التي ما أشرنا إلّا إلى واحدة من الألف منها- وأين الكلمات التي يسردها الناس لدعوى من الدعاوى؟.
لقد انتهجنا من أول هذه الرسالة إلى هنا نهجَ المحايد الموضوعي في تحقيق قضية الإعجاز، وقد أبقينا كثيرا من حقوق القرآن مطوية مخفية مستورة، فكنا نعقد موازنة نُنیزل تلك الشمس منیزلةَ الشموع، وذلك كله لكي نُخضع خصما عاتيا لقبول إعجاز القرآن.
والآن وقد وفَّى التحقيقُ العلمي مهمته، وأُثبت إعجاز القرآن إثباتا ساطعا. فنشير ببعض القول باسم الحقيقة لا باسم التحقيق العلمي، إلى مقام القرآن، ذلك المقام العظيم الذي لا تسعه موازنة ولا ميزان.
نعم، إنّ نسبة سائر الكلام إلى آيات القرآن، كنسبة صور النجوم المتناهية في الصغر التي تتراءى في المرايا، إلى النجوم نفسها.
نعم، أين كلماتُ القرآن التي كل منها تصوّر الحقائق الثابتة وتبيّنها، وأين المعاني التي يرسمها البشر بكلماته على مرايا صغيرة لفكره ومشاعره؟ أين الكلمات الحية حياةَ الملائكة الأطهار.. كلمات القرآن الذي يفيض بأنوار الهداية وهو كلامُ خالق الشمس والقمر.. وأين كلمات البشر اللاذعة الخادعة بدقائقها الساحرة بنفثاتها التي تثير أهواء النفس.
نعم، كم هي النسبة بين الحشرات السامة والملائكة الأطهار والروحانيين المنوّرين؟ إنها هي النسبة نفسها بين كلمات البشر وكلمات القرآن الكريم. وقد أثبتتْ هذه الحقيقة مع "الكلمة الخامسة والعشرين" جميعُ الكلمات الأربع والعشرين السابقة. فدعوانا هذه ليست ادعاء وإنما هي نتيجة لبرهان سبَقها.
نعم، أين ألفاظ القرآن التي كل منها صدفُ درر الهداية ومنبعُ حقائق الإيمان، ومعدن أسس الإسلام، والتي تتنیزل من عرش الرحمن وتتوجه من فوق الكون ومن خارجه إلى
— 497 —
الإنسان، فأين هذا الخطاب الأزلي المتضمن للعلم والقدرة والإرادة، من ألفاظ الإنسان الواهية المليئة بالأهواء؟
نعم، إن القرآن يمثل شجرة طوبى طيبة نشرت أغصانها في جميع أرجاء العالم الإسلامي، فأورقت جميعَ معنوياته وشعائره وكمالاته ودساتيره وأحكامه، وأبرزت أولياءَه وأصفياءه كزهور نضرة جميلة تستمد حسنها ونداوتها من ماء حياة تلك الشجرة، وأثمرت جميعَ الكمالات والحقائق الكونية والإلهية حتى غدت كل نواة من نوى ثمارها دستورَ عمل ومنهج حياة.. نعم، أين هذه الحقائق المتسلسلة التي يطالعنا بها القرآن بمثابة شجرة مثمرة وارفة الظلال وأين منها كلام البشر المعهود. أين الثرى من الثريا ؟
إن القرآن الحكيم ينشر جميع حقائقه في سوق الكون ويعرضها على الملأ أجمعين منذ أكثر من ألف وثلاث مائة سنة وإن كل فرد وكل أمة وكل بلد قد أخذ من جواهره ومن حقائقه، وما زال يأخذ.. على الرغم من هذا فلم تخل تلك الإلفة، ولا تلك الوفرة، ولا مرور الزمان، ولا التحولات الهائلة، بحقائقه القيمة ولا بأسلوبه الجميل، ولم تشيّبه ولم تتمكن من أن تفقِدهُ طراوته أو تسقط من قيمته أو تطفئ سنا جماله وحسنه. إن هذه الحالة وحدَها إعجاز أيّ إعجاز.
والآن إذا ما قام أحد ونظم قسما من الحقائق التي أتى بها القرآن حسب أهوائه وتصرفاته الصبيانية، ثم أراد أن يوازن بين كلامه وكلام القرآن، بغية الاعتراض على بعض آياته، وقال: "لقد قلت كلاما شبيها بالقرآن". فلا شك أن كلامه هذا يحمل من السخف والحماقة ما يشبه هذا المثال:
إن بنّاءً شيد قصرا فخما، أحجارُه من جواهرَ مختلفة، ووضع تلك الأحجار في أوضاع وزيّنها بزينة ونقوش موزونة تتعلق بجميع نقوش القصر الرفيعة، ثم دخل ذلك القصر من يقصر فهمُه عن تلك النقوش البديعة، ويجهل قيمة جواهره وزينته. وبدأ يبدّل نقوش الأحجار وأوضاعها، ويجعلها في نظام حسب أهوائه حتى غدا بيتا اعتياديا. ثم جمّله بما يعجب الصبيان من خرز تافه، ثم بدأ يقول: انظروا إن لي من المهارة في فن البناء ما يفوق مهارة باني ذلك القصر الفخم، ولي ثروة أكثر من بنّاء القصر! فانظروا إلى جواهري الثمينة! لا شك أن كلامه هذا هذيان بل هذيان مجنون ليس إلا.
— 498 —

الشعلة الثالثة

هذه الشعلة لها ثلاثة أضواء
الضياء الأول
لقد وضّح في "الكلمة الثالثة عشرة" وجه عظيم من وجوه إعجاز القرآن المعجز البيان، فأخذ هنا وأدرج مع سائر إخوته من وجوه الإعجاز: إذا شئت أن تشاهد وتتذوق كيف تنشر كلُّ آية من القرآن الكريم نورَ إعجازها وهدايتها وتبدّد ظلماتِ الكفر كالنجم الثاقب؛ فتصوَّر نفسَك في ذلك العصر الجاهلي وفي صحراء تلك البداوة والجهل. فبينا تجد كلَّ شيء قد أُسدِل عليه ستارُ الغفلة وغشيَه ظلامُ الجهل ولُفّ بغلاف الجمود والطبيعة، إذا بك تشاهد وقد دّبت الحياة في تلك الموجودات الهامدة أو الميتة في أذهان السامعين فتنهض مسبّحةً ذاكرةً اللّٰه بصدى قوله تعالى
يسبّح للّٰه ما في السموات وما في الارض الملك القدوس العزيز الحكيم
(الجمعة:١) وما شابهها من الآيات الجليلة.
ثم إن وجه السماء المظلمة التي تستعر فيها نجوم جامدة، تتحول في نظر السامعين، بصدى قوله تعالى تسبّح له السمواتُ السبعُ والارضُ (الإسراء:٤٤) إلى فمٍ ذاكرٍ للّٰه، كل نجم يُرسل شعاع الحقيقة ويبث حكمة حكيمة بليغة.
وكذا تتحول وجهُ الأرض التي تضم المخلوقات الضعيفة العاجزة بذلك الصدى السماوي إلى رأس عظيم، والبرُّ والبحر لسانين يلهجان بالتسبيح والتقديس وجميعُ النباتات والحيوانات كلمات ذاكرة مسبّحة؛ حتى لكأن الأرض كلها تنبض بالحياة. وهكذا بانتقالك الشعوريِّ إلى ذلك العصر تتذوق دقائق الإعجاز في تلك الآية الكريمة. وبخلاف ذلك تُحرَم من تذوق تلك الدقائق اللطيفة في الآية الكريمة.
نعم، إنك إذا نظرت إلى الآيات الكريمة من خلال وضعك الحاضر الذي استنار بنور القرآن منذ ذلك العصر حتى غدا معروفا، وإضاءته سائر العلوم الإسلامية، حتى أخذت
— 499 —
صورة النهار بشمس القرآن. أو إذا نظرت إلى الآيات من خلال ستار الإلفة، فإنك -بلا شك- لا ترى رؤية حقيقية مدى الجمال المعجز في كل آية، وكيف أنها تبدد الظلمات الدامسة بنورها الوهاج، ومن بعد ذلك لا تتذوق وجه المذكور من إعجاز القرآن من بين وجوهه الكثيرة.
وإذا أردت مشاهدة أعظم درجة لإعجاز القرآن الكثيرة، فاستمع إلى هذا المثال وتأمل فيه: لنفرض شجرة عجيبة في منتهى العلو والغرابة وفي غاية الانتشار والسعة؛ قد أسدل عليها غطاء الغيب، فاستترت طيَّ طبقات الغيب. فمن المعلوم أن هناك توازنا وتناسبا وعلاقاتِ ارتباط بين أغصان الشجرة وثمراتها وأوراقها وأزاهيرها -كما هو موجود بين أعضاء جسم الإنسان- فكلُّ جزء من أجزائها يأخذ شكلا معينا وصورة معينة حسب ماهية تلك الشجرة.
فإذا قام أحد -من قِبل تلك الشجرة التي لم تُشاهَد قط ولا تُشاهد- وَرَسَمَ على شاشةٍ صورةً لكل عضو من أعضاء تلك الشجرة، وحدّ له، بأن وضع خطوطا تمثل العلاقات بين أغصانها وثمراتها وأوراقها، وملأ ما بين مبدئها ومنتهاها -البعيدين عن بعضهما بما لا يحد- بصورٍ وخطوطٍ تمثل أشكال أعضائها تماما وتبرز صورها كاملة.. فلا يبقى أدنى شك في أن ذلك الرسّام يشاهد تلك الشجرة الغيبية بنظره المطّلع على الغيب ويحيط بها علما، ومن بعد ذلك يصوّرها.
فالقرآن المبين -كهذا المثال- أيضا فإن بياناته المعجزة التي تخص حقيقة الموجودات (تلك الحقيقة التي تعود إلى شجرة الخلق الممتدة من بَدءِ الدنيا إلى نهاية الآخرة والمنتشرة من الفرش إلى العرش ومن الذرات إلى الشموس) قد حافظت -تلك البيانات الفرقانية- على الموازنة والتناسب وأعطتْ لكل عضو من الأعضاء ولكل ثمرة من الثمرات صورةً تليق بها، بحيث خَلُص العلماء المحققون -لدى إجراء تحقيقاتهم وأبحاثهم- إلى الانبهار والانشداه قائِلين: "ما شاء اللّٰه.. بارك اللّٰه، إن الذي يحل طلسم الكون ويكشف معمّى الخلق إنما هو أنت وحدك أيها القرآن الحكيم"!
فلنمثل -وللّٰه المثل الأعلى- أسماء اللّٰه تعالى وصفاته الجليلة وشؤون الربانية وأفعال الحكيمة كأنها شجرة طوبى من نور تمتد دائرة عظمتها من الأزل إلى الأبد، وتسع
— 500 —
حدود كبريائها الفضاء المطلق غير المحدود وتحيط به، ويمتد مدى إجراءاتها من حدود فالق الحب والنوى (الأنعام:٩٥) ويحوُل بين المرء وقلبه (الأنفال:٢٤) وهو الذي يصوركم في الارحام كيف يشاء (آل عمران:٦) إلى خلق السموات والارض في ستة أيام (هود:٧) والى والسموات مطويات بيمينه (الزمر:٦٧) وسخّر الشمس والقمر (الرعدكأن فنرى أن القرآن الكريم يبين تلك الحقيقة النورانية بجميع فروعها وأغصانها وبجميع غاياتها وثمراتها بيانا في منتهى التوافق والانسجام بحيث لا تعيق حقيقة حقيقةً أخرى ولا يفسد حكمُ حقيقةٍ حُكْما لأخرى، ولا تستوحش حقيقةٌ من غيرها. وعلى هذه الصورة المتجانسة المتناسقة بيّنَ القرآن الكريم حقائق الأسماء الإلهية والصفات الجليلة والشؤون الربانية والأفعال الحكيمة بيانا معجزا بحيث جعل جميع أهل الكشف والحقيقة وجميع أولي المعرفة والحكمة الذين يجولون في عالم الملكوت، يصدّقونه قائلين أمام جمال بيانه المعجز والإعجابُ يغمرهم: "سبحان اللّٰه! ما أصوبَ هذا! وما أكثر انسجامه وتوافقه وتطابقه مع الحقيقة وما أجمله وأليَقه".
فلو أخذنا مثلا أركان الإيمان الستة التي تتوجه إلى جميع دائرة الموجودات المختلفة ودائرة الوجوب الإلهي والتي تعد غصنا من تلكما الشجرتين العظيمتين، يصورها القرآن الكريم بجميع فروعها وأغصانها وثمراتها وأزاهيرها مراعيا في تصويره انسجاما بديعا بين ثمراتها وأزاهيرها معرّفا طرز التناسب في منتهى التوازن والاتساق بحيث يجعل عقل الإنسان عاجزا عن إدراك أبعاده ومبهوتا أمام حسن جماله.
ثم إن الإسلام الذي هو فرع من غصن الإيمان، أبدع القرآن الكريم وأتى بالرائع المعجب في تصوير أدق فروع أركانه الخمسة وحافظ على جمال التناسب وكمال التوازن فيما بينها، بل حافظ على التناسب فيما بين أبسط آدابها ومنتهى غاياتها وأعمق حِكَمها وأصغر فوائدها وثمراتها.. وأبهر دليل على ذلك هو كمال انتظام الشريعة العظمى النابعة من نصوص ذلك القرآن الجامع ومن إشاراته ورموزه.. فكمال انتظام هذه الشريعة الغراء وجمال توازنها الدقيق وحسن تناسب أحكامها ورصانتها كل منها شاهِدُ عدلٍ لا يجرح وبرهان قاطع باهر لا يدنو منه الريب أبدا على هذه الحقيقة.. بمعنى أن البيانات القرآنية لا يمكن أن تستند إلى علم
— 501 —
جزئي لبشر، ولاسيما إنسان أميّ، بل لابد أن تستند إلى علم واسع محيط بكل شيء والبصير بجميع الأشياء معا..
فهو كلام ذات اللّٰه الجليل البصير بالأزل والأبد معا والشاهد على جميع الحقائق في آن واحد.. آمنا.
الضياء الثاني
إنّ فلسفة البشر التي تحاول أن تتصدى لحكمة القرآن الكريم وتسعى لمعارضتها، قد سقطتْ وهوت أمام حكمة القرآن السامية.. كما أوضحنا ذلك في "الكلمة الثانية عشرة" في أسلوب حكاية تمثيلية، وأثبتناه إثباتا قاطعا في كلمات أخرى.
لذا نحيل إلى تلك الرسائل، إلّا أننا سنعقد هنا موازنة جزئية بسيطة بينهما من جانب آخر وهو جانب نظرتهما إلى الدنيا؛ كالآتي:
إنّ فلسفة البشر وحكمتَه تنظر إلى الدنيا على أنها ثابتة دائمة، فتذكر ماهية الموجودات وخواصها ذكرا مفصلا مسهبا، بينما لو ذَكرتْ وظائف تلك الموجودات الدالة على صانعها فإنها تذكرها ذكرا مجملا مقتضبا. أي إنها تفصّل في ذكر نقوش كتاب الكون وحروفه، في حين لا تعير معناه ومغزاه اهتماما كبیيرا.
أما القرآن الكريم فإنه ينظر إلى الدنيا، على أنها عابرة سيّالة، خدّاعة سيّارة، متقلبة لا قرار لها ولا ثبات، لذا يذكر خواص الموجودات وماهياتها المادية الظاهرة ذكرا مجملا مقتضبا، بينما يفصّل تفصيلا كاملا لدى بيانه وظائفها التي تنمّ عن عبوديتها التي أناطها بها الصانع الجليل، ولدى بيانه مدى انقياد الموجودات للأوامر التكوينية الإلهية، وكيف وبأي وجه من وجوهها تدل على أسماء صانعها الحسنى.
ففي بحثنا هذا، سنلقي نظرة عَجلَى على الفرق بين نظرة الفلسفة ونظرة القرآن (إلى الدنيا والموجودات) من حيث هذا الإجمال والتفصيل؛ لنرى أين يقف الحق الأبلج والحقيقة الساطعة.
إنّ ساعتنا اليدوية التي يبدو عليها الاستقرارُ والثبات تنطوي على تغيرات وتبدلات
— 502 —
واهتزازات عديدة، سواء في حركات التروس الدائمة أو في اهتزازات الدواليب والآلات الدقيقة. فكما أن الساعة هكذا، فالدنيا كذلك، كأنها ساعة عظيمة أبدعَتها القدرةُ الإلهية، فعلى الرغم من أنها تبدو ثابتة مستقرة، فهي تتقلب وتتدحرج في تغيّر واضطراب دائمين، ضمن تيار الزوال والفناء؛ إذ لما حلّ "الزمان" في الدنيا، أصبح "الليل والنهار" كعقرب الثواني ذي الرأس المزدوج لتلك الساعة العظمى، تتبدل بسرعة.. وصارت "السنة" كأنها عقرب الدقائق لتلك الساعة.. وغدا "العصر" كأنه عقرب الساعات لها.. وهكذا ألقى "الزمانُ" الدنيا على ظهر أمواج الزوال والفناء، مستبقيا الحاضر وحدَه للوجود مسلّما الماضي والمستقبل إلى العدم.
فالدنيا -علاوة على هذه الصورة التي يمنحها الزمان- هي كالساعة أيضا متغيرة وغير ثابتة، من حيث "المكان"؛ إذ إن "الجو" -كمكان- في تبدل سريع وفي تغيّر دائم، وفي تحول مستمر، حتى إنه قد يحدث في اليوم الواحد مراتٍ عدة امتلاءُ الغيوم بالأمطار ثم انقشاعها عن صحو باسم. أي كأن الجو بسرعة تغيّره وتحوله يمثل عقرب الثواني لتلك الساعة العظمى.
و"الأرض" التي هي ركيزة دار الدنيا، فإن "وجهها" كمكان في تبدل مستمر، من حيث الموت والحياة، ومن حيث ما عليه من نبات وحيوان، لذا فهو كعقرب الدقائق تبين لنا أن هذه الجهة من الدنيا عابرة سائرة زائلة. وكما أن الأرض من حيث وجهها في تبدل وتغير، فإن ما في "باطنها" من تغيرات وزلازل وانقلابات تنتهي إلى بروز الجبال وخسف الأرض، جعلها كعقرب الساعات التي تسير ببطء نوعا ما إلّا أنها تبين لنا أن هذه الجهة من الدنيا أيضا تمضي إلى زوال.
أما "السماء" التي هي سقف دار الدنيا، فإن التغيرات الحاصلة فيها -كمكان- سواء بحركات الأجرام السماوية، أو بظهور المذنّبات وحدوث الكسوف والخسوف، وسقوط النجوم والشُهب وأمثالها من التغيرات تبين أن السماء ليست ثابتةً ولا مستقرة، بل تسير نحو الهرم والدمار. فتغيراتُها كعقرب الساعة العادَّة للأسابيع، الدالة على مضيها نحو الخراب والزوال رغم سيرها البطيء.
وهكذا، فالدنيا -من حيث إنها دنيا (أي باعتبار نفسها)- قد شُيّدت على هذه الأركان السبعة، هذه الأركان تهدّها في كل وقت وتزلزلها كل حين، إلّا أن هذه الدنيا المتزلزلة المتغيرة
— 503 —
المتبدلة باستمرار عندما تتوجه إلى صانعها الجليل، فإن تلك التغيرات والحركات تغدو حركات قلم القدرة الإلهية لدى كتابتها رسائلَ صمدانية على صفحة الوجود وتُصبح تبدلات الأحوال مرايا متجددة تعكس أنوار تجليات الأسماء الإلهية الحسنى، وتبين شؤونَها الحكيمة وتصفها بأوصاف متنوعة مختلفة لائقة بها.
وهكذا فالدنيا -من حيث إنها دنيا- متوجهة نحو الفناء والزوال، وساعية سعيا حثيثا نحو الموت والخراب، ومتزلزلة متبدلة باستمرار. فهي عابرة راحلة كالماء الجاري في حقيقة أمرها. إلّا أن الغفلة عن اللّٰه أظهرت ذلك الماء جامدا ثابتا، وبمفهوم "الطبيعة" الماديّ تعكّر صفوه وتلوّث نقاءَهُ، حتى غدت الدنيا ستارا كثيفا يحجُب الآخرةَ.
فالفلسفة السقيمة؛ بتدقيقاتها الفلسفية وتحرياتها، وبمفهوم الطبيعة المادي، وبمغريات المدنية السفيهة الفاتنة، وهوساتها وعربدتها.. كثّفت تلك الدنيا وزادتها صلابة وتجمدا، وعمّقت الغفلةَ في الإنسان، وضاعفت من لوثاتها وشوائبها حتى أنستْه الصانعَ الجليل والآخرةَ البهيجة.
أما القرآن الكريم، فإنه يهزّ هذه الدنيا -وتلك حقيقتها- هیزَّا عنيفا -من حيث إنها دنيا- حتى يجعلها كالعهن المنفوش، وذلك في قوله تعالى: القارعة ما القارعة.. و اذا وقعت الواقعة.. و والطور٭ وكتاب مسطور.. وأمثالها من الآيات الجليلة.
ثم إنه يمنح الدنيا شفافية وصفاءً رائقا مزيلا عنها الشوائب والأكدار، وذلك ببياناتها الرائعة في قوله تعالى: أوَ لم ينظروا في ملكوت السموات والارض.. (الأعراف:١٨٥) أفلم ينظروا الى السماء فوقهم كيف بنيناها.. (ق:٦) أوَلم ير الذين كفروا ان السموات والارض كانتا رتقًا... (الأنبياء:٣٠) وأمثالها من الآيات الحكيمة.
ثم إنه يذيب تلك الدنيا الجامدة بنظر الغفلة عن اللّٰه بعباراته النورانية اللامعة في قوله تعالى: اللّٰه نورُ السموات والارض... وما الحياة الدنيا إلّا لعبٌ ولهو وأمثالها من الآيات العظيمة.
ثم إنه يزيل توهم الأبدية والخلود في الدنيا بعباراته التي تنمّ عن زوال الدنيا وموتها في قوله تعالى:
اذا السماء انفطرت... ٭ اذا الشمس كوّرت.. ٭ اذا السماء انشقت...
— 504 —
ونفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الارض إلّا مَن شاء اللّٰه..
(الزمر:٦٨) وأمثالها من الآيات الكريمة.
ثم إنه يبدد الغفلة المولّدة لمفهوم "الطبيعة" المادي، ويشتتها بنداءاته المدوية كالصاعقة في قوله تعالى:
يعلم ما يلجُ في الارض وما يخرجُ منها وما ينزل من السماء وما يعرُج فيها وهو معكم اينما كنتم واللّٰه بما تعملون بصير
(الحديد:٤)،
وقل الحمد للّٰه سيريكم آياته فتعرفونها وما ربّك بِغافل عمّا تعملون
(النمل:٩٣).. وأمثالها من الآيات النيرة.
وهكذا فإن القرآن الكريم بجميع آياته المتوجهة للكون يمضي على هذا الأساس، فيكشف عن حقيقة الدنيا كما هي، ويبيّنها للأنظار. ويصرف نظرَ الإنسان ببيانه إلى مدى دمامة وجه الدنيا القبيح -بتلك الآيات- ليتوجه إلى الوجه الصبوح الجميل للدنيا الجميلة، ذلك الوجه المتوجه إلى الصانع الجليل. فيوجّه نظرَ الإنسان إلى هذا الوجه، ملقنا إياه الحكمة الصائبة والفلسفة الحقّة بما يعلّمه من معاني كتاب الكون الكبير مع التفاته إلى حروفه ونقوشه نادرا كي لا يبدّد جهودَه فيما لا يعنيه من أمور نقوش الحروف الزائلة كما تفعله الفلسفةُ الثملة العاشقة للقبيح، حيث أنسَتْه النظر إلى المعنى والمغزى.
الضياء الثالث
لقد أشرنا في "الضياء الثاني" إلى انهزام حكمة البشر وسقوطها أمام حكمة القرآن، فأشرنا إلى إعجاز حكمة القرآن. وفي هذا الضياء سنبين درجة حكمة تلاميذ القرآن، وهم العلماء الأصفياء والأولياء الصالحون والمنوّرون من حكماء الإشراقيين [٭]: الإشراقية: مدرسة ترى أن المعرفة تتم عن طريق ظهور الأنوار العقلية ولمعانها وفيضانها بالإشراقات على النفوس عند تجردها. أمام حكمة القرآن مشيرين من هذا الجانب إلى إعجاز القرآن إشارة مختصرة.
إنّ أصدق دليل على سموّ القرآن الحكيم وعلوّه، وأوضح برهان على كونه صدقا وعدلا وأقوى علامة وحجة على إعجازه هو أنّ القرآن الكريم قد حافظ على التوازن في بيانه التوحيد بجميع أقسامه مع جميع مراتب تلك الأقسام وجميع لوازمه، ولم يخلّ باتزان أيٍّ منها.. ثم إنه قد حافظ على الموازنة الموجودة بين الحقائق الإلهية السامية كلها.. وجمَع
— 505 —
الأحكام التي تقتضيها الأسماء الإلهية الحسنى جميعُها مع الحفاظ على التناسب والتناسق بين تلك الأحكام.. ثم إنه قد جمع بموازنة كاملة شؤون الربوبية والألوهية.
فهذه "المحافظة والموازنة والجمع" خاصية لا توجد قطعا في أي أثر كان من آثار البشر، ولا في نتاج أفكار أعاظم المفكرين كافة، ولا توجد قط في آثار الأولياء الصالحين النافذين إلى عالم الملكوت، ولا في كتب الإشراقيين الموغلين في بواطن الأمور، ولا في معارف الروحانيين الماضين إلى عالم الغيب؛ بل كلُّ قسم من أولئك قد تشبث بغصن أو غصنين فحسب من أغصان الشجرة العظمى للحقيقة، فانشغل كليا مع ثمرة ذلك الغصن وورقه، دون أن يلتفت إلى غيره من الأغصان؛ إما لجهله به أو لعدم التفاته إليه. وكأن هناك نوعا من تقسيم الأعمال فيما بينهم.
نعم، إنّ الحقيقة المطلقة لا تحيط بها أنظار محدودة مقيدة. إذ تتطلب نظرا كليا كنظر القرآن الكريم ليحيط بها. فكل ما سوى القرآن الكريم -ولو تَلَقَّى الدرس منه- لا يرى تماما بعقله الجزئي المحدود إلّا طرفا أو طرفين من الحقيقة الكاملة فينهمك بذلك الجانب ويعكف عليه، وينحصر فيه، فيخلّ بالموازنة التي بين الحقائق ويزيل تناسقها إما بالإفراط أو بالتفريط.
ولقد بينا هذه الحقيقة بتمثيل عجيب في "الغصن الثاني من الكلمة الرابعة والعشرين". أما هنا فسنورد مثالا آخر يشير إلى المسألة نفسها، هو لنفرض أن كنیزا عظيما يضم ما لا يحد من الجواهر الثمينة في قعر بحر واسع. وقد غاص غواصون مهرة في أعماق ذلك البحر بحثا عن جواهر ذلك الكنیز الثمين. ولكن لأن عيونهم معصوبة فلا يتمكنون من معرفة أنواع تلك الجواهر الثمينة إلّا بأيديهم.. ولقد لقيت يدُ بعضهم ألماسا طويلا نسبيا، فيقضي ذلك الغواص ويحكم أن الكنیز عبارة عن قضبان من ألماس. وعندما يسمع من أصدقائه أوصافا لجواهر غيرها يحسب أن تلك الجواهر التي يذكرونها ما هي إلّا توابع ما وجده من قضبان الألماس وما هي إلّا فصوصه ونقوشه. ولنفرض أن آخرين لقوا شيئا كرويا من الياقوت، وآخرين وجدوا كهربا مربعا.. وهكذا.. فكل واحد من هؤلاء الذين رأوا تلك الجواهر والأحجار الكريمة بأيديهم -دون عيونهم- يعتقد أن ما وجده من جوهر نفيس هو الأصل في ذلك الكنیز ومعظمه. ويزعم أن ما يسمعه من أصدقائه زوائدُه وتفرعاتُه، وليس أصلا للكنیز.
— 506 —
وهكذا تختل موازنةُ الحقائق، ويضمحل التناسق أيضا، ويتبدل لونُ كثير من الحقائق، إذ يضطر مَن يريد أن يرى اللون الحقيقي للحقيقة إلى تأويلات وتكلفات، حتى قد ينجر بعضُهم إلى الإنكار والتعطيل. فمن يتأمل في كتب حكماء الإشراقيين، وكتب المتصوفة الذين اعتمدوا على مشهوداتهم وكشفياتهم دون أن يزنوها بموازين السنة المطهرة يصدّق حكمَنا هذا دون تردد. إذن فعلى الرغم من أنهم يسترشدون بالقرآن، ويؤلفون في جنس حقائق القرآن إلّا أن النقص يلازم آثارهم، لأنها ليست قرآنا.
فالقرآن الكريم الذي هو بحر الحقائق، آياتُه الجليلة غوّاصة كذلك في البحر تكشف عن الكنیز، إلّا أن عيونَها مفتحة بصيرة تحيط بالكنیز كله، وتبصر كل ما فيه، لذا يصف القرآن الكريم بآياته الجليلة ذلك الكنیز العظيم وصفا متوازنا يلائمه وينسجم معه فيظهر حُسنَه الحقيقي وجمالَه الأخاذ.
فمثلا: إنّ القرآن الكريم يرى عظمة الربوبية الجليلة ويصفها بما تفيده الآيات الكريمة: والارض جميعًا قبیضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه (الزمر:٦٧) يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب (الأنبياء:١٠٤) وفي الوقت نفسه يرى شمول رحمته تعالى ويدل عليها بما تفصح عنه الآيات الكريمة: ان اللّٰه لا يخفى عليه شيء في الارض ولا في السماء٭ هو الذي يصوركم في الارحام كيف يشاء (آل عمران:٥-٦) ما من دابة إلّا هو آخذ بناصيتها (هود:٥٦) وكأين من دابة لا تحمل رزقها اللّٰه يرزقها واياكم (العنكبوت:٦٠).
ثم إنه مثلما يرى سعةَ الخلّاقية الإلهية ويدل عليها بما تعبّر عنها الآيةُ الكريمة: خلق السموات والارض وجعل الظلمات والنور (الأنعام:١) فإنه يرى شمول تصرفه تعالى في الكون وإحاطة ربوبيته بكل شيء ويدلّ عليها بما تبينه الآية الكريمة: خلقكم وما تعملون (الصافات:٩٦).
ثم إنه مثلما يرى الحقيقة العظمى التي تدل عليها الآية الكريمة: يحيى الارض بعد موتها (الروم:٥٠) فإنه يرى حقيقة الكرم الواسع التي تعبر عنها الآية الكريمة: واوحى ربك الى النحل.. (النحل:٦٨) ويدل عليها، ويرى في الوقت نفسه حقيقة الحاكمية المهيمنة ويدل
— 507 —
عليها بی والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره (الأعراف:٥٤) ومثلما يرى الحقيقة الرحيمة المدبرة التي تفيدها الآية الكريمة: أوَلم يروا الى الطير فوقهم صافات ويقیبیضن ما يمسكهن إلّا الرحمن انه بكل شيء بصير (الملك:١٩) يرى الحقيقة العظمى التي تفيدها الآية الكريمة: وسع كرسيه السموات والارض ولا يؤده حفظهما.. (البقرة:٢٥٥) في الوقت الذي يرى حقيقة الرقابة الإلهية في تعبير الآية: وهو معكم اين ما كنتم (الحديد:٤) كالحقيقة المحيطة التي تفصح عنها الآية: هو الاول والاخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم (الحديد:٣) ويرى أقربيته سبحانه التي يعبر عنها قوله تعالى: ولقد خلقنا الانسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن اقرب اليه من حبل الوريد (ق:١٦) مع ما تشير إليه من حقيقة سامية الآية الكريمة: تعرج الملائكة والروح اليه في يوم كان مقداره خمسين الف سنة (المعارج:٤) كالحقيقة الجامعة التي تدل عليها وتفيدها الآية الكريمة: ان اللّٰه يأمر بالعدل والاحسان وايتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي (النحل:٩٠) وأمثالها من الآيات الكريمة التي تضم الدساتير الدنيوية والأخروية والعلمية والعملية.
فالقرآن يرى جميع الدساتير التي تحقق سعادة الدارين ويبيّنها مع بيانه كل ركن من أركان الإيمان الستة بالتفصيل، وكلّ ركن من أركان الإسلام الخمسة بقصدٍ وجدّ محافظا على الموازنة فيما بينها جميعا مديما تناسبها، فينشأ من منبع الجمال والحسن البديع الحاصل من تناسب مجموع تلك الحقائق وتوازنها إعجاز معنوي رائع للقرآن.
فمن هذا السر العظيم يتبين أن علماء الكلام، وإن تتلمذوا على القرآن الكريم وألّفوا ألوف الكتب -بعضها عشرات المجلدات- إلّا أنهم لترجيحهم العقلَ على النقل كالمعتزلة، عجزوا عن أن يوضّحوا ما تفيده عشرُ آيات من القرآن الكريم وتثبته إثباتا قاطعا بما يورث القناعة والاطمئنان، ذلك لأنهم يحفرون عيونا في سفوح جبال بعيدة ليأتوا منها بالماء إلى أقصى العالم بوساطة أنابيب، أي بسلسلة الأسباب، ثم يقطعون تلك السلسلة هناك، فيثبتون وجودَ واجب الوجود والمعرفة الإلهية التي هي كالماء الباعث على الحياة!! أما الآيات الكريمة فكلُّ واحدة منها كعصا موسى تستطيع أن تفجّر الماء أينما ضربت، وتفتح من كل شيء نافذةً تدل على
— 508 —
الصانع الجليل وتعرّفه. وقد أثبتت هذه الحقيقة بوضوح في سائر الكلمات وفي الرسالة العربية "قطرة" المترشحة من بحر القرآن.
ومن هذا السر أيضا نجد أن جميع أئمة الفرق الضالة الذين توغلوا في بواطن الأمور واعتمدوا على مشهوداتهم من دون اتباع السنة النبوية، فرجعوا من أثناء الطريق، وترأسوا جماعة وشكَّلوا لهم فرقةً ضالة.. هؤلاء قد زلّوا إلى مثل هذه البدع والضلالة وساقوا البشرية إلى مثل هذه السبل الضالة لأنهم لم يستطيعوا أن يحافظوا على تناسق الحقائق وموازنتها. إنّ عجزَ جميع هؤلاء يبين إعجازا للآيات القرآنية.
الخاتمة
لقد مضت لمعتان إعجازيتان من لمعات إعجاز القرآن، في "الرشحة الرابعة عشرة من الكلمة التاسعة عشرة" وهما حكمة التكرار في القرآن، وحكمة إجماله في مضمار العلوم الكونية، وتبينَ بوضوح هناك أن كلّا منهما منبع من منابع الإعجاز بخلاف ما يظن بعضُ الناس أنهما سببُ نقص وقصور. كما قد وُضحت بجلاء لمعة من إعجاز القرآن التي تتلألأ على وجه معجزات الأنبياء عليهم السلام، وذلك في "المقام الثاني من الكلمة العشرين"، وذُكرت كذلك أمثالُ هذه اللمعات في سائر "الكلمات" وفي رسائلي العربية. فنكتفي بها،
ولكن نقول: إن معجزة قرآنية أخرى هي: كما أن معجزات الأنبياء بمجموعها أظهرت نقشا من نقوش إعجاز القرآن، فإن القرآن كذلك بجميع معجزاته معجزة للرسول عليه الصلاة والسلام، وإن معجزاته (ص) جميعَها أيضا هي معجزة قرآنية. إذ إنها تشير إلى نسبة القرآن إلى اللّٰه سبحانه وتعالى، أي أنه كلام اللّٰه. وبظهور هذه النسبة تكون كلُّ كلمة من كلمات القرآن معجزةً، لأن الكلمة الواحدة آنذاك يمكن أن تتضمن بمعناها شجرة من الحقائق فهي بمثابة النواة.. ويمكن أن تكون ذات علاقة مع جميع أعضاء الحقيقة العظمى، بمثابة مركز القلب.. ويمكن أن تنظر وتتوجه بحروفها وهيئتها وكيفيتها وموقعها إلى مالا يحد من الأمور وذلك لاستنادها إلى علم محيط وإرادة غير متناهية.
ومن هنا يدّعى علماءُ علم الحروف أنهم استخرجوا من حرفٍ من القرآن أسرارا كثيرة تسع صفحة كاملة، ويثبتون دعواهم لأهل ذلك الفن.
— 509 —
والآن تَذكّر ما مضى في هذه الرسالة من أولها إلى هنا وانظر بمنظار مجموع ما فيها من الشُعَل والأشعة واللمعات والأنوار والأضواء إلى نتيجة الدعوى المذكورة في أول الرسالة، تجدْها تعلنها إعلانا بأعلى صوتها وتقرأها، تلك هي:
قل لئن اجتمعت الانس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعیضهم لبعضٍ ظهيیرًا
(الإسراء:٨٨).
سبحانك لا علم لنا إلّا ما علمتنا انك انت العليم الحكيم
ربنا لا تؤاخذنا ان نسينا أو أخطأنا
رب اشرح لي صدري٭ ويسر لي امرى٭ واحلل عقدة من لساني٭ يفقهوا قولي
اَللّٰهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ أفْضَلَ وَأجْمَلَ وَأنبَلَ، وَأظْهَرَ وَأطْهَرَ، وَأحْسَنَ وَأبَرَّ، وَأكْرَمَ وَأعَیزَّ، وَأعْظَمَ وَأشْرَفَ، وَأعْلَى وَأزْكَى، وَأبْرَكَ وَألْطَفَ صَلَوَاتِكَ، وَأوْفَى وَأكْثَرَ وَأزْيَدَ، وَأرْقَى وَاَرْفَعَ وَأدْوَمَ سَلاَمِكَ، صَلاَةً وَسَلاَما، وَرَحْمَةً وَرِضْوَانا، وَعَفوا وَغُفرَانا تَمْتَدُّ وَتَزِيدُ بِوَابِلِ سَحَائِبِ مَوَاهِبِ جُودِكَ وَكَرَمِكَ، وَتَنمُو وَتَزْكُو بِنَفَائِسِ شَرَائِفِ لَطَائِفِ جُودِكَ وَمِنَنِكَ، أزَلِيَّةً بِأزَلِيَّتِكَ لاَ تَزُولُ، أبَدِيَّةً بِأبَدِيَّتِكَ لاَ تَحُولُ، عَلَى عَبْدِكَ وَحَبِيبِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ خَيرِ خَلقِكَ، النُّورِ الْبَاهِرِ الَّلاَمِعِ، وَالْبُرْهَانِ الظَّاهِرِ الْقَاطِعِ، وَالْبَحْرِ الزَّاخِرِ، وَالنُّورِ الْغَامِرِ، وَالْجَمَالِ الزَّاهِرِ، وَالْجَلاَلِ الْقَاهِرِ، وَالْكَمَالِ الْفَاخِرِ، صَلاَتَكَ الَّتِي صَلَّيْتَ بِعَظَمَةِ ذَاتِكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَأصْحَابِهِ كَذَلِكَ، صَلاَةً تَغْفِرُ بِهَا ذُنُوبَنَا، وَتَشْرَحُ بِهَا صُدُورَنَا، وَتُطَهِّرُ بِهَا قُلُوبَنَا وَتُرَوِّحُ بِهَا أرْوَاحَنَا وَتُقَدِّسُ بِهَا أسْرَارَنَا، وَتُنَیزِّهُ بِهَا خَوَاطِرَنَا وَأفْكَارَنَا، وَتُصَفِّي بِهَا كُدُورَاتِ مَا فِي أسْرَارِنَا وَتَشْفِي بِهَا أمْرَاضَنَا، وَتَفْتَحُ بِهَا أقْفَالَ قُلُوبِنَا.
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد اذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة انك انت الوهاب وآخر دعويهم أن الحمد للّٰه رب العالمين آمِينَ .. آمِينَ .. آمِينَ
— 510 —

الذيل الأول

المرتبة السابعة عشرة من الشعاع السابع "رسالة الآية الكبرى" ألحقت ذيلا بالكلمة الخامسة والعشرين "المعجزات القرآنية".
إنّ السائح الذي لا يناله تعب ولا شبع والذي علِم أن غاية الحياة في هذه الدنيا، بل حياةُ الحياة إنما هو الإيمانُ، حاور هذا السائح قلبَه قائلا: "إنّ كلام من نبحث عنه الذي هو أشهر كلام في هذا الوجود وأصدقُه وأحكمُه، وقد تحدى في كل عصر مَن لا ينقاد إليه. ذلك القرآن الكريم ذو البيان المعجز.. فلنراجع إذن هذا الكتاب الكريم، ولنفهم ماذا يقول.. ولكن لنقف لحظة قبل دخولنا هذا العالم الجميل، لنبحث فيما يجعلنا نستيقن أنه كتابُ خالقنا نحن..". وهكذا باشر بالتدقيق والبحث.
وحيث إن هذا السائح من المعاصرين فقد نظر أولا إلى "رسائل النور" التي هي لمعات الإعجاز المعنوي للقرآن الكريم، فرأى أنّ هذه الرسائل البالغة مائة وثلاثين رسالة هي بذاتها تفسير قيّم للآيات الفرقانية، إذ إنها تكشف عن نكاتها الدقيقة وأنوارها الزاهية.
ورغم أنّ رسائل النور نشرت الحقائق القرآنية بجهاد متواصل إلى الآفاق كافة، في هذا العصر العنيد الملحد، لم يستطع أحد أن يعارضها أو ينقدها، مما يثبت أن القرآن الكريم الذي هو رائدُها ومنبعُها، ومرجعها، وشمسها، إنما هو سماوي من كلام اللّٰه رب العالمين، وليس بكلام بشر، حتى إن "الكلمة الخامسة والعشرين" وختام "المكتوب التاسع عشر" وهما حجة واحدة من بين مئات الحجج، تقيمها "رسائل النور" لبيان إعجاز القرآن، فتثبته بأربعين وجها إثباتا حيّر كلَّ من نظر إليها، فقدّرها وأعجب بها -ناهيك عن أنهم لم ينقدوها ولم يعترضوا عليها قط- بل أثنوا عليها كثيرا. هذا، وقد أحال السائح إثبات وجه الإعجاز للقرآن الكريم، وأنه كلام اللّٰه سبحانه حقا إلى رسائل النور، إلّا أنه أنعم النظر في بضع نقاط تبين بإشارة مختصرة:
— 511 —
عظمة القرآن الكريم
النقطة الأولى: مثلما أن القرآن الكريم بكل معجزاته وحقائقه الدالة على أحقيته هو معجزة لمحمد عليه الصلاة والسلام، فإن محمدا عليه الصلاة والسلام بكل معجزاته ودلائل نبوته وكمالاته العلمية معجزة أيضا للقرآن الكريم وحجة قاطعة على أن القرآن الكريم كلامُ اللّٰه رب العالمين.
النقطة الثانية: إن القرآن الكريم قد بدّل الحياة الاجتماعية تبديلا هائلا نوّر الآفاق وملأها بالسعادة والحقائق، وأحدث انقلابا عظيما سواء في نفوس البشر وفي قلوبهم، أو في أرواحهم وفي عقولهم، أو في حياتهم الشخصية والاجتماعية والسياسية، وأدام هذا الانقلاب وأداره، بحيث إن آياته البالغة ستة آلاف وستمائة وستا وستين آية [٭]: ألف آية أمر، كقوله تعالى (وأقيموا الصلاة) . وألف آية نهي، كقوله تعالى (ولا تقربوا الزنا) . وألف آية وعد، كقوله تعالى (ومن يطع اللّٰه ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا) . وألف وعيد، كقوله تعالى (ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم) الآية. وألف خبر، كقوله تعالى (وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدًا ءامنًا) الآية. وألف قصص، كقصة يوسف عليه السلام مع إخوته. و(ستمائة) فيها أحكام من حلال وحرام.و(ست وستون) ناسخ ومنسوخ.
(من تفسير أبدع البيان لجميع آي القرآن للشيخ محمد بدر الدين التلوي ص ٣، دار النيل/إزمير ١٩٩٢ ورواه ابن خزيمة في كتابه "الناسخ والمنسوخ"). تتُلى منذ أربعة عشر قرنا في كل آن بألسنة أكثر من مائة مليون شخص في الأقل بكل إجلال واحترام، فيربّي الناس ويزكّي نفوسهم، ويصفّي قلوبهم، ويمنح الأرواحَ انكشافا ورُقِيّا، والعقولَ استقامة ونورا، والحياةَ حياةً وسعادةً. فلا شك أنه لا نظير لمثل هذا الكتاب ولا شبيه له ولا مثيل. فهو خارق، وهو معجز.
النقطة الثالثة: إن القرآن الكريم قد أظهر بلاغة -أيّما بلاغة- منذ ذلك العصر إلى زماننا هذا، حتى إنه حطّ من قيمة "المعلقات السبع" المشهورة وهي قصائد أبلغ الشعراء، كُتبت بالذهب وعُلّقت على جدران الكعبة، حتى إن ابنة "لبيد" أنیزلت قصيدةَ أبيها من على جدار الكعبة قائلة: "أمَا وقد جاءت الآياتُ فليس لمثلك هنا مقام".
وكذا عندما سمع أعرابي الآية الكريمة: فاصْدَع بما تُؤمَر (الحجر:٩٤) خَرَّ ساجدا. فقيل له: "أ أسلمیت؟" قال: "لا، بل سجدتُ لبلاغة هذه الآية ".
— 512 —
وكذا، فإن آلافا من أئمة البلاغة وفحول الأدب، أمثال عبد القاهر الجرجاني، والسكاكي، والزمخشري، قد أقرّوا بالإجماع والاتفاق: أن بلاغة القرآن فوق طاقة البشر ولا يمكن أن تُدرك.
وكذا، فإن القرآن الكريم منذ نیزوله كان -وما زال كذلك- يتحدى كلَّ مغرور ومتعنت من الأدباء والبلغاء، وينال من عتوّهم وتعاليهم، تحداهم بأن يأتوا بسورة من مثله.. أو أن يرضوا بالهلاك والذل في الدنيا والآخرة.
وبينما يعلن القرآن تحدّيه هذا، إذا ببلغاء ذلك العصر العنيدين قد تركوا السبيل القصيرة وهي المضاهاة والمعارضة والإتيان بسورة من مثله، سالكين السبيل الطويلة، سبيل الحرب التي تأتي بالويل والدمار على الأرواح والأموال، مما يثبت اختيارُهم هذا أنه لا يمكن المسير في تلك السبيل القصيرة.
وكذا، ففي متناول الأيدي ملايين الكتب العربية التي كتبها أولياءُ القرآن بشغف اقتباس أسلوبه وتقليده، أو كتبها أعداؤه لأجل معارضته ونقده، فكلّ ما كتب، ويكتب، مع التقدم والرقي في الأسلوب الناشئ من تلاحق الأفكار -ومنذ ذلك الوقت إلى الآن- لا يمكن أن يضاهي أو يداني أيّ منها أسلوبَ القرآن، حتى لو استمع رجل عامي لما يتلى من القرآن الكريم لاضطر إلى القول: إن هذا القرآن لا يشبه أيّا من هذه الكتب، ولا في مرتبتها. فإما أن بلاغته تحت الجميع، أو أنها فوق الجميع. ولن يستطيع إنسان كائنا من كان، ولا كافر، ولا أحمق أن يقول: إنه أسفل الجميع. فلابد إذن أن مرتبة بلاغته فوق الجميع. حتى قد تلا أحدهم الآية الكريمة: سَبّح للّٰه ما في السموات والارض (الحديد:١) ثم قال: "إني لا أرى الوجهَ المعجز الذي ترونه في بلاغة هذه الآية الكريمة".
فقيل له: عد بخيالك -كهذا السائح- إلى ذلك العصر واستمع إليها هناك.
وبينما هو يتخيل نفسه هناك فيما قبل نیزول القرآن الكريم، إذا به يرى: أنّ موجوداتِ العالم ملقاة في فضاء خالٍ شاسع دون حدود، في دنيا فانية زائلة، وهي في حالة يائسة مضطربة تتخبط في ظلمة قاتمة، وهي جامدة دون حياة وشعور، وعاطلة دون وظيفة ومهام، ولكن حالما أنصتَ إلى هذه الآية الكريمة وتدبّرها إذا به يرى: أنّ هذه الآية قد كشفتْ حجابا مسدلا عن
— 513 —
وجه الكون وعن وجه العالم كله حتى بانَ ذلك الوجه مشرقا ساطعا، فألقى هذا الكلام الأزلي والأمر السرمدي درسا على جميع أرباب المشاعر المصطفّين حسب العصور كلها مُظهرا لهم: أنّ هذا الكون هو بحكم مسجد كبير، وأن جميع المخلوقات -ولاسيما السماوات والأرض- منهمكة في ذكر وتهليل وتسبيح ينبض بالحيوية. وقد تسنّم الكلّ وظائفهم بكل شوق ونشوة، وهم ينجزونها بكل سعادة وامتنان.
هكذا شاهد السائح سرَيان مفعول هذه الآية الكريمة في الكون، فتذوّق مدى سمو بلاغتها، وقاسَ عليها سائر الآيات الكريمة. فأدرك السر في هيمنة بلاغة القرآن الفريدة على نصف الأرض وخُمس البشرية، وعَلِم حكمةً واحدة من آلاف الحكم لديیمومة جلال سلطان القرآن الكريم بكل توقير وتعظيم على مدى أربعة عشر قرنا من الزمان دون انقطاع.
النقطة الرابعة: إنّ القرآن الكريم قد أظهر عذوبةً وحلاوة ذات أصالة وحقيقة بحيث إن التكرار الكثير -المسبب للسآمة حتى من أطيب الأشياء- لا يورث الملال عند مَن لم يفسد قلبُه ويبلد ذوقُه، بل يزيد تكرار تلاوته من عذوبتِهِ وحلاوته. وهذا أمر مسلّم به عند الجميع منذ ذلك العصر، حتى غدا مضرب الأمثال.
وكذا فقد احتفظ القرآن الكريم بطراوته وفتوته ونضارته وجدّته وكأنه قد نیزل الآن، رغم مرور أربعة عشر قرنا من الزمان عليه، ورغم تيسر الحصول عليه للجميع. فكل عصر قد تلقاه شابا نضرا وكأنه يخاطبه. وكل طائفة علمية -مع أنهم يجدونه في متناول أيديهم وينهلون منه كل حين، ويقتفون أثر أسلوب بيانه- يرونه محافظا دائما على الجدة نفسها في أسلوبه، والفتوة عينها في طُرز بيانه.
النقطة الخامسة: إنّ القرآن الكريم قد بسط أحدَ جناحيه نحو الماضي والآخر نحو المستقبل. فالحقيقة التي اتفق عليها الأنبياء السابقون هي جذرُ القرآن وأحدُ جناحيه، فهو يصدّقهم ويؤيّدهم، وهم بدورهم يؤيدونه ويصدقونه بلسان حال التوافق.
وكذلك فإن الأولياء الصالحين، والعلماءَ الأصفياء هم ثمار استمدت الحياةَ من شجرة القرآن الكريم، فتكامُلهم الحيوي يدل على أن شجرتهم المباركة هي ذاتُ حياة وعطاء، وذات فيض دائم وذات حقيقة وأصالة، فالذين انضووا تحت حماية جناحه الثاني، وعاشوا في ظلاله
— 514 —
من أصحاب جميع طرق الولاية الحقة، وأرباب جميع العلوم الإسلامية الحقة يشهدون أنّ القرآن هو عين الحق، ومجمع الحقائق، ولا مثيل له في جامعيته وشموليته، فهو معجزة باهرة.
النقطة السادسة: إن الجهات الست للقرآن الكريم منورة مضيئة، مما يُبين صدقَه وعدلَه.
نعم، فمن تحته أعمدةُ الحجج والبراهين، وعليه تتألق سكةُ الإعجاز، وبين يديه (هدفه) هدايا سعادة الدارين، ومن خلفه (أي نقطة استناده) حقائقُ الوحي السماوي، وعن يمينه تصديق ما لا يحد من أدلة العقول المستقيمة، وعن يساره الاطمئنان الجاد والانجذاب الخالص والاستسلام التام للقلوب السليمة والضمائر الطاهرة.
وإذ تثبت -تلك الجهات الست- أن القرآن الكريم حصن سماوي حصين في الأرض لا يقوى على خرقه خارق ولا ينفذ من جداره نافذ، فهناك أيضا ستة "مقامات" تؤكد أنه الصدق بذاته والحق بعينه، وأنه ليس بكلام بشر قط، وأنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. وأول تلك المقامات: تأييدُ مصرّف هذا الكون ومدبره، الذي اتخذ إظهار الجميل وحماية البر والصدق ومَحق الخداعين وإزالة المفترين، سُنّة جارية لفعاليته سبحانه، فأيَّد سبحانه وصدّق هذا القرآن بما منحه من مقام احترام وتعظيم وأولاه من مرتبة توفيق وفلاح هو أكثر قبولا وأعلى مرتبة وأعظم هيمنة في العالم.
ومن ثم فإن الاعتقاد الراسخ والتوقير اللائق من الذات المباركة للرسول الكريم (ص) نحو القرآن الكريم يفوق الجميع، وهو منبع الإسلام وترجمان القرآن، وكونه بين اليقظة والنوم حينما يتنیزل عليه الوحي فيتنیزل عليه دون إرادته، وعدم بلوغ سائر كلامه شأوه، بل عدم مشابهته له إلى حدّ رغم أنه أفصح الناس، وبيانه -بهذا القرآن- بيانا غيبيا لما مضى من الحوادث الكونية الواقعة ولما سيأتي منها مع أميّته، من دون تردد وبكل اطمئنان. وعدم ظهور أية حيلة أو خطأ أو ما شابهها من الأوضاع منه مهما صغُرت رغم أنه بين أنظار أشد الناس إنعاما للنظر في تصرفاته.. فإيمان هذا الترجمان الكريم والمبلغ العظيم (ص) وتصديقه بكل قوته لكل حكم من أحكام القرآن الكريم، وعدم زعزعة أي شيء له مهما عظم يؤيد ويؤكد أن القرآن سماوي وكله صدق وعدل وكلام مبارك للرب الرحيم.
— 515 —
وكذا فإن ارتباط خمس البشرية، بل الشطر الأعظم منهم بذلك القرآن الكريم المشاهَد أمامهم، ارتباط انجذاب وتديّن، واستماعهم إليه بجد وشوق ولهفة، وتوافد الجن والملائكة والروحانيين إليه والتفافهم حوله عند تلاوته التفاف الفراشة العاشقة للنور بشهادة أمارات ووقائع وكشفيات صادقة كثيرة، كلُّ ذلك تصديق بأن هذا القرآن هو محل رضى الكون وإعجابه، وأن له فيه أسمى مقام وأعلاه.
وكذا فإنّ أخْذَ كلِّ طبقة من طبقات البشر -ابتداءً من الغبي الشديد الغباء والعامي، إلى الذكي الحاد الذكاء والعالِم- نصيبَها كاملا من الدروس التي يلقيها القرآن الكريم، وفَهْمَهم منه أعمقَ الحقائق، واستنباطَ جميع الطوائف من علماء مئات العلوم والفنون الإسلامية، وبخاصة مجتهدي الشريعة السمحة ومحققي أصول الدين وعباقرة علم الكلام وأمثالهم، واستخراجهم الأجوبة الشافية لما يحتاجونه من المسائل التي تخص علومهم من القرآن الكريم، إنما هو تصديق بأن القرآن الكريم هو منبعُ الحق ومعدن الحقيقة.
وكذا فإن عدم معارضة أدباء العرب الذين هم في المقدمة في الأدب، ولاسيما الذين لم يدخلوا في الإسلام مع رغبتهم الملحّة في المعارضة، وعَجزهم عجزا تاما أمام وجه واحد، -وهو الوجه البلاغي- من بين وجوه الإعجاز السبعة الكبرى للقرآن، وعجزهم عن الإتيان بسورة واحدة فقط من مثله، وصدودهم عن ذلك. وعدم معارضته ممن أتى من مشاهير البلغاء وعباقرة العلماء لحدّ الآن لأي وجه من وجوه الإعجاز -مع رغبتهم في ذيوع صيتهم بالمعارضة- وسكوتهم بعجز وإحجامهم عن ذلك، لهو حجة قاطعة على أن القرآن الكريم معجزة فوق طاقة البشر.
نعم، إن قيمة الكلام وعلوه وبلاغته تتوضح في بيانِ: "مَن قاله؟ ولمِن قاله؟ ولِمَ قاله؟".
وبناء على هذا فإن القرآنَ الكريم لم يأت ولن يأتي مثلُه ولن يدانيه شيء قط؛ ذلك لأن القرآن الكريم إنما هو خطاب من رب العوالم جميعا وكلام من خالقها، وهو مكالمة لا يمكن تقليدها -بأي جانب كان من الجوانب- وليس فيه أمارة تومئ بالتصنع.
ثم إن المخاطَب هو مبعوث باسم البشرية قاطبة، بل باسم المخلوقات جميعا، وهو
— 516 —
أكرمُ من أصبح مخاطبا وأرفعهم ذكرا، وهو الذي ترشح الإسلامُ العظيم من قوة إيمانه وسعته، حتى عرج به إلى قاب قوسين أو أدنى فنیزل مكللا بالمخاطبة الصمدانية.
ثم إن القرآن الكريم المعجز البيان قد بيّن سبيل سعادة الدارين، ووضّح غايات خلق الكون، وما فيه من المقاصد الربانية موضحا ما يحمله ذلك المخاطب الكريم من الإيمان السامي الواسع الذي يضم الحقائق الإسلامية كلها عارضا كل ناحية من نواحي هذا الكون الهائل ومقلّبا إياه كمن يقلب خارطة أو ساعة أمامه، معلِّما الإنسان صانعَه الخالق سبحانه من خلال أطوار الكون وتقلباته. فلا ريب ولابد أنه لا يمكن الإتيان بمثل هذا القرآن أبدا، ولا يمكن مطلقا أن تُنال درجة إعجازه.
وكذا فإن الآلاف من العلماء الأفذاذ الذين قام كلّ منهم بكتابة تفسير للقرآن الكريم في مجلدات بلغ قسم منها ثلاثين أو أربعين مجلدا بل سبعين مجلدا، وبيانهم بأسانيدهم ودلائلهم لما في القرآن الكريم مما لا يحد من المزايا السامية والنكات البليغة والخواص الدقيقة والأسرار اللطيفة والمعاني الرفيعة والإخبارات الغيبية الكثيرة بأنواعها المختلفة، وإظهار كل هؤلاء لتلك المزايا وإثباتهم لها دليل قاطع أن القرآن الكريم معجزة إلهية خارقة. وبخاصة إثبات كل كتاب من كتب رسائل النور البالغة مائة وثلاثين كتابا لِمزية من مزايا القرآن الكريم ولنكتة من نكاته البديعة إثباتا قاطعا بالبراهين الدامغة، ولاسيما رسالة "المعجزات القرآنية"، و"المقام الثاني من الكلمة العشرين" الذي يستخرج كثيرا من خوارق الحضارة من القرآن الكريم أمثال القطار والطائرة. و"الشعاع الأول" المسمى بی"الإشارات القرآنية" الذي يبين إشارات آيات إلى رسائل النور وإلى الكهرباء، والرسائل الصغيرة الثمانية المسماة بی"الرموز الثمانية" التي تبين مدى الانتظام الدقيق في حروف القرآن الكريم، وكم هي ذات أسرار ومعان غزيرة، والرسالة الصغيرة التي تبين خواتيم سورة الفتح وتثبت إعجازها بخمسة وجوه من حيث الإخبار الغيبي، وأمثالها من الرسائل.. فإن إظهار كل جزء من أجزاء رسائل النور لحقيقة من حقائق القرآن الكريم، ولنور من أنواره، كل ذلك تصديق وتأكيد بأن القرآن الكريم ليس له مثيل، وأنه معجزة وخارقة، وأنه لسان الغيب في عالم الشهادة هذا، وأنه كلام علّام الغيوب.
وهكذا، لأجل مزايا وخواص القرآن الكريم هذه التي أشير إليها في ست نقاط، وفي
— 517 —
ست جهات، وفي ستة مقامات، دامت حاكميتُه النورانية الجليلة وسلطانُه المقدس المعظم، بكمال الوقار والاحترام مضيئةً وجوهَ العصور ومنورةً وجه الأرض أيضا، طوال ألف وثلاثمائة سنة. ولأجل تلك الخواص أيضا نال القرآن الكريم ميزات قدسية حيث إن لكل حرف من حروفه عشرةَ أثوبةٍ وعشرَ حسنات في الأقل، وعشر ثمار خالدة، بل إن كل حرف من حروف قسم من الآيات والسور يثمر مائة أو ألفا أو أكثر، من ثمار الآخرة، ويتصاعد نورُ كل حرف وثوابُه وقيمته في الأوقات المباركة من عشرة إلى المئات.. وأمثالها من المزايا القدسية قد فهمها سائح العالم،
فخاطب قلبه قائلا: حقا إن هذا القرآن الكريم المعجز في كل ناحية من نواحيه، قد شهِد بإجماع سوره وباتفاق آياته، وبتوافق أسراره وأنواره، وبتطابق ثماره وآثاره، شهادةً ثابتة بالدلائل على وجود واجب الوجود، وعلى وحدانيته سبحانه، وعلى صفاته الجليلة، وعلى أسمائه الحسنى، حتى ترشحت الشهاداتُ غير المحدودة لجميع أهل الإيمان من تلك الشهادة.
وهكذا، فقد ذُكرت في "المرتبة السابعة عشرة من المقام الأول" إشارة قصيرة لما تلقاه السائح هذا، من درس التوحيد والإيمان من القرآن الكريم:
لاَ إِلَهَ إِلَّا اللّٰه الْوَاجِبُ الْوُجُود الْوَاحِدُ الْأحَدُ الَّذِي دَلَّ عَلَى وُجُوبِ وُجُودِهِ فِي وَحْدَتِهِ: الْقُرآنُ الْمُعجِز الْبَيَانِ، الْمَقبُولُ الْمَرغُوبُ لِأجْنَاسِ الْمَلَكِ وَالْإنسِ والجَانِّ، الْمَقرُوءُ كُلّ آيَاته فِي كُلّ دَقِيقَةٍ بِكَمَالِ الْاحتِرَامِ، بِألْسِنَةِ مِئَاتِ الْمَلاَيِينِ مِن نَوعِ الْإِنسَانِ، الدَّائِمِ سَلطَنَتهُ الْقُدسِيَّةُ عَیلَى أقْطَارِ الْأرْضِ وَالْأكْوَانِ، وَعَلَى وُجُوهِ الْأعْصَارِ وَالزَّمَانِ، وَالْجَارِي حَاكِمِيَّتهُ الْمَعنَوِية النُّورَانيَّة عَلَى نِصفِ الْأرْضِ وَخُمُسِ الْبَشَرِ فِي أربَعَة عَشَر عَصرا بِكَمَالِ الْاحتِشَام.. وَكَذَا شَهِدَ وَبَرهَنَ بإجمَاعِ سُورِهِ الْقدسِيّة السَّمَاوِيَّة، وَباتِّفَاقِ آيَاتِهِ النُّورَانِيَّة الْإِلَهِيَّةِ وَبِتَوَافُقِ أسْرَارِهِ وَأنوَارِهِ وَبِتَطَابُقِ حَقَائِقِهِ وَثَمَراتِهِ وَآثارِهِ بِالمُشَاهَدَةِ وَالْعيَانِ.
— 518 —

الذيل الثاني

"المسألة العاشرة" من الشعاع الحادي عشر "رسالة الثمرة"
زهرة أميرداغ
(رد شاف ومقنع على اعتراضات ترِدُ حول التكرار في القرآن الكريم)
إخواني الأعزاء الأوفياء! كنت أعاني من حالة مضطربة بائسة حينما تناولت هذه المسألة بالكتابة، لذا اكتنفها شيء من الغموض لكونها بقيت كما جاءت عفو الخاطر. ولكني أدركتُ أن تلك العبارات المشوشة تنطوي على إعجاز رائع. فيا أسفى إذ لم أستطع أن أوفي حقَّ هذا الإعجاز من الأداء والتعبير. فعبارات الرسالة مهما كانت خافتة الأنوار إلّا أنها تعدّ -من حيث تعلقها بالقرآن الكريم- "عبادة فكرية" و"صَدَفَة" تضم لآلئ نفيسة سامية، فالرجاء أن تصرفوا النظر عن قشرتها وتنعمیوا النظر بما فيها من لآلئ ساطعة. فإن وجدتموها جديرة حقا فاجعلوها "المسألة العاشرة" لرسالة الثمرة، وإلّا فاقبلوها رسالة جوابية عن تهانيكم.
ولقد اضطررت إلى كتابتها في غاية الإجمال والاقتضاب، لِما كنت أكابد من سوء التغذية وأوجاع الأمراض، حتى إنني أدرجتُ في جملة واحدة منها حقائق وحججا غزيرة، وأتممتها -بفضل اللّٰه- في يومين من أيام شهر رمضان المبارك. فأرجو المعذرة عما بدر مني من تقصير.
(٭): هذه المسألة زهيرة لطيفة وضاءة لهذا الشهر الكريم ولمدينة "أميرداغ" ألحقت بی"ثمرة" سجن دنيزلي على أنها "المسألة العاشرة". فهي تزيل بإذن اللّٰه ما ينفثه أهلُ الضلالة من سموم الأوهام العفنة حول ظاهرة التكرار في القرآن. وذلك ببيانها حكمةً من حكمها الكثيرة. (المؤلف)
إخوتي الأوفياء الصادقين! حينما كنت أتلو القرآن -المعجز البيان- في الشهر المبارك (رمضان)، تدبّرت في معاني الآيات الثلاث والثلاثين -التي وردت إشاراتُها إلى رسائل النور في "الشعاع الأول"- فرأيتُ أن كل آية منها -بل آيات تلك الصفحة في المصحف وموضوعها- كأنها تطل على رسائل النور وطلابها من جهة نيلهم غيضا من فيضها وحظا من معانيها لاسيما آية النور في سورة النور فهي تشير بالأصابع العشر إلى رسائل النور، كما
— 519 —
أن الآيات التي تعقبها -وهي آية الظلمات- تطل على معارضي الرسائل وأعدائها بل تعطيهم حصة كبرى، إذ لا يخفى أن مقام تلك الآيات وأبعادها ومراميها غير قاصرة على زمان ومكان معينين بل تشمل الأزمنة والأمكنة جميعها، أي تخرج من جزئية الأمكنة والأزمنة إلى كلّيتهما الشاملة، لذا شعرتُ أن رسائل النور وطلابها إنما يمثلون في عصرنا هذا -حق التمثيل- فردا واحدا من أفراد تلك الكلية الشاملة.
إنّ خطاب القرآن الكريم قد اكتسب الصفة الكلية والسعة المطلقة والرفعة السامية والإحاطة الشاملة؛ لصدوره مباشرة من المقام الواسع المطلق للربوبية العامة الشاملة للمتكلم الأزلي سبحانه.. ويكتسبها من المقام الواسع العظيم لمن أنیزل عليه هذا الكتاب، ذلكم النبي الكريم (ص) الممثِّل للنوع البشري والمخاطَب باسم الإنسانية قاطبة، بل باسیم الكائنات جميعا.. ويكتسبها أيضا من توجّه الخطاب إلى المقام الواسع الفسيح لطبقات البشرية كافة وللعصور كافة.. ويكتسبها أيضا من المقام الرفيع المحيط النابع من البيان الشافي لقوانين اللّٰه سبحانه المتعلقة بالدنيا والآخرة، بالأرض والسماء، بالأزل والأبد، تلك القوانين التي تخص ربوبيته وتشمل أمور المخلوقات كافة.
فهذا الخطاب الجليل الذي اكتسب من السعة والسمو والإحاطة والشمول ما اكتسب، يبرز إعجازا رائعا وإحاطة شاملة، بحيث: إنّ مراتبه الفطرية والظاهرية التي تلاطف أفهام العوام البسيطة -وهم معظم المخاطبين- تمنح في الوقت نفسه حصةً وافرة لأعلى المستويات الفكرية ولأرقى الطبقات العقلية، فلا يهب لمخاطبيه شيئا من إرشاداته وحدها، ولا يخصّهم بعبرة من حكاية تاريخية فقط، بل يخاطب مع ذلك كل طبقة في كل عصر -لكونها فردا من أفراد دستور كلّي- خطابا نَدِيّا طريا جديدا كأنه الآن ينیزل عليهم.
ولا سيما كثرة تكراره: الظالمين ٭ الظالمين وزجره العنيف لهم وإنذاره الرهيب من نیزول مصائب سماوية وأرضية بذنوبهم ومظالمهم، فيلفت الأنظار -بهذا التكرار- إلى مظالم لا نظير لها في هذا العصر، بعرضه أنواعا من العذاب والمصائب النازلة على قوم عاد وثمود وفرعون. وفي الوقت نفسه يبعث السلوانَ والطمأنينة إلى قلوب المؤمنين المظلومين، بذكره نجاةَ رسل كرام أمثال إبراهيم وموسى عليهما السلام.
— 520 —
ثم إن هذا القرآن العظيم يرشد كل طبقة من كل عصر إرشادا واضحا بإعجاز رائع مبينا: أنّ "الأزمنة الغابرة" والعصور المندثرة التي هي في نظر الغافلين الضالين وادٍ من عدم سحيق موحش رهيب، ومقبرة مندرسة أليمة كئيبة، يعرضها صحيفة حيّة تطفح عبرا ودروسا، وعالَما عجيبا ينبض بالحياة ويتدفق بالحيوية من أقصاه إلى أقصاه، ومملكة ربانية ترتبط معنًى بوشائج وأواصر فيبينها -بإعجازه البديع- واضحة جلية كأنها مشهودة تعرض أمامنا على شاشة، فتارة يأتي بتلك العصور ماثلة شاخصة أمامنا، وتارة يأخذنا إلى تلك العصور.
ويبين بالإعجاز نفسه "الكون" الذي يراه الغافلون فضاء موحشا بلا نهاية، وجمادات مضطربة بلا روح تتدحرج في دوامة الفراق والآلام، يبينه القرآن كتابا بليغا، كتبه الأحدُ الصمد، ومدينةً منسقة عمّرها الرحمن الرحيم، ومَعرضا بديعا أقامه الرب الكريم لإشهار مصنوعاته. فيبعث بهذا البيان حياةً في تلك الجمادات، ويجعل بعضها يسعى لإمداد الآخر، وكل جزء يغيث الآخر ويعينه، كأنه يحاوره محاورة ودّية صميمة، فكل شيء مسخّر وكل شيء أنيط به وظيفة وواجب.. وهكذا يلقي القرآن دروسَ الحكمة الحقيقية والعلم المنور إلى الإنس والجن والملائكة كافة. فلا ريب أن هذا القرآن العظيم -الذي له هذا الإعجاز في البيان- قَمِينٌ بأن يحوز خواص راقية عالية، وميزات مقدسة سامية، أمثال:
في كل حرف منه عشرُ حسنات، بل ألفُ حسنة أحيانا، بل ألوف الحسنات في أحيان أخرى.. وعجز الجن والأنس عن الإتيان بمثله ولو اجتمعوا له.. ومخاطبتُه بني آدم جميعَهم بل الكائنات برمتها مخاطبة بليغة حكيمة.. وحرصُ الملايين من الناس في كل عصر على حفظه عن ظهر قلب بشوق ومتعة.. وعدم السأم من تلاوته الكثيرة رغم تكراراته.. واستقرارُه التام في أذهان الصغار اللطيفة البسيطة مع كثرة ما فيه من جُمل ومواضع تلتبس عليهم.. وتلذذُ المرضى والمحتضرين -الذين يتألمون حتى من أدنى كلام- بسماعه، وجريانُه في أسماعهم عذبا طيبا.. وغيرها من الخواص السامية والمزايا المقدسة التي يحوزها القرآن الكريم، فيمنح قرّاءه وتلاميذه أنواعا من سعادة الدارين.
ويُظهر إعجازه الجميل أيضا في "أسلوب إرشاده البليغ" حيث راعى أحسن الرعاية أميةَ مبلّغه الكريم (ص) باحتفاظه التام على سلاسته الفطرية، فهو أجلّ من أن يدنو منه تكلف
— 521 —
أو تصنع أو رياء -مهما كان نوعه- فجاء أسلوبُه مستساغا لدى العوام الذين هم أكثرية المخاطبين ملاطفا بساطة أذهانهم بتنیزلاته الكلامية القريبة من أفهامهم.. باسطا أمامهم صحائف ظاهرة ظهورا بديهيا كالسماوات والأرض.. موجها الأنظار إلى معجزات القدرة الإلهية وسطور حكمته البالغة المضمرتين تحت العاديات من الأمور والأشياء.
ثم إنّ القرآن الكريم يظهر نوعا من إعجازه البديع أيضا في "تكراره البليغ" لجملة واحدة، أو لقصة واحدة، وذلك عند إرشاده طبقات متباينة من المخاطبين إلى معان عدة وعِبَر كثيرة في تلك الآية أو القصة، فاقتضى التكرار حيث إنه كتاب دعاء ودعوة كما أنه كتاب ذكر وتوحيد، وكل من هذا يقتضي التكرار، فكل ما كرر في القرآن الكريم إذن من آية أو قصة إنما تشتمل على معنى جديد وعبرة جديدة.
ويظهر إعجازه أيضا عند تناوله "حوادث جزئية" وقعت في حياة الصحابة الكرام أثناء نیزوله وإرسائه بناء الإسلام وقواعد الشريعة، فتراه يأخذ تلك الحوادث بنظر الاهتمام البالغ، مبينا بها أن أدق الأمور لأصغر الحوادث جزئيةً، إنما هي تحت نظر رحمته سبحانه، وضمن دائرة تدبيره وإرادته، فضلا عن أنه يُظهر بها سننا إلهية جارية في الكون ودساتير كلية شاملة. زد على ذلك أن تلك الحوادث -التي هي بمثابة النَّوَيَات عند تأسيس الإسلام والشريعة- ستثمر فيما يأتي من الأزمان ثمارا يانعة من الأحكام والفوائد.
إنّ تكرُّر الحاجة يستلزم التكرار، هذه قاعدة ثابتة، لذا فقد أجاب القرآن الكريم عن أسئلة مكررة كثيرة خلال عشرين سنة فأرشدَ بإجاباته المكررة طبقات كثيرة متباينة من المخاطبين؛ فهو يكرر جملا تملك ألوفَ النتائج، ويكرر إرشادات هي نتيجة لأدلة لا حدّ لها، وذلك عند ترسيخه في الأذهان وتقريره في القلوب ما سيحدث من انقلاب عظيم وتبدّل رهيب في العالم وما سيصيبه من دمار وتفتت الأجزاء، وما سيعقبه من بناء الآخرة الخالدة الرائعة بدلا من هذا العالم الفاني.
ثم إنه يكرر تلك الجمل والآيات أيضا عند إثباته أن جميع الجزئيات والكليات ابتداء من الذرات إلى النجوم إنما هي في قبضة واحد أحد سبحانه وضمن تصرفه جلّ شأنه.
ويكررها أيضا عند بيانه الغضب الإلهي والسخط الرباني على الإنسان المرتكب للمظالم
— 522 —
عند خرقه الغاية من الخلق، تلك المظالم التي تثير هيجان الكائنات والأرض والسماء والعناصر وتؤجّج غضبَها على مقترفيها.
لذا فإن تكرار تلك الجمل والآيات عند بيان أمثال هذه الأمور العظيمة الهائلة لا يعد نقصا في البلاغة قط، بل هو إعجاز في غاية الروعة والإبداع، وبلاغة في غاية العلو والرفعة، وجزالة -بل فصاحة- مطابقة تطابقا تاما لمقتضى الحال.
فعلى سبيل المثال: إن جملةَ
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
هي آية واحدة تتكرر مائةً وأربعَ عشرة مرة في القرآن الكريم ذلك لأنها حقيقة كبرى تملأ الكون نورا وضياء، وتشد الفرش بالعرش برباط وثيق -كما بيناها في اللمعة الرابعة عشرة- فما من أحد إلّا وهو بحاجة مسيسة إلى هذه الحقيقة في كل حين، فلو تكررت هذه الحقيقة العظمى ملايين المرات، فالحاجة ما زالت قائمةً باقيةً لا ترتوي. إذ ليست هي حاجة يومية كالخبز، بل هي أيضا كالهواء والضياء الذي يُضطر ويُشتاق إليه كل دقيقة.
وإن الآية الكريمة: وان ربك لهو العزيز الرحيم تتكرر ثماني مرات في سورة "الشعراء". فتكرار هذه الآية العظيمة التي تنطوي على ألوف الحقائق في سورة تذكُر نجاة الأنبياء عليهم السلام وعذاب أقوامهم، إنما هو لبيان أنّ مظالم أقوامهم تمس الغاية من الخلق، وتتعرض إلى عظمة الربوبية المطلقة، فتقتضي العزةُ الربانية عذابَ تلك الأقوام الظالمة مثلما تقتضي الرحمة الإلهية نجاة الأنبياء عليهم السلام. فلو تكررت هذه الآية ألوف المرات لما انقضت الحاجة والشوق إليها، فالتكرار هنا بلاغة راقية ذات إعجاز وإيجاز.
وكذلك الآية الكريمة: فبأي آلاء ربكما تكذبان المكررة في سورة "الرحمن" والآية الكريمة: ويل يومئذ للمكذبين المكررة في سورة "المرسلات" تصرخ كلُّ منهما في وجه العصور قاطبة وتعلن إعلانا صريحا في أقطار السماوات والأرض أن كفرَ الجن والأنس وجحودَهم بالنعم الإلهية، ومظالمهم الشنيعة، يثير غضب الكائنات ويجعل الأرض والسماوات في حنق وغيظ عليهم.. ويخل بحكمة خلق العالم والقصد منه.. ويتجاوز حقوق المخلوقات كافة ويتعدى عليها.. ويستخف بعظمة الألوهية وينكرها، لذا فهاتان الآيتان ترتبطان بألوف من أمثال هذه الحقائق، ولهما من الأهمية ما لألوف المسائل وقوتها، لو تكررتا ألوف المرات
— 523 —
في خطاب عام موجّه إلى الجن والإنس لكانت الضرورة قائمة بعد، والحاجة إليها ما زالت موجودة باقية. فالتكرار هنا بلاغة موجزة جليلة ومعجزة جميلة.
ومثال آخر (نسوقه حول حكمة التكرار في الحديث النبوي (ص)) فالمناجاة النبوية المسماة بی"الجوشن الكبير" مناجاة رائعة مطابقة لحقيقة القرآن الكريم ونموذج مستخلص منه. نرى فيها جملة: "سبحانك يا لا إله إلّا أنت الأمان الأمان خلصنا من النار.. أجرنا من النار.. نجّنا من النار"، هذه الجمل تتكرر مائة مرة، فلو تكررت ألوف المرات لما ولّدت السأم، إذ إنها تنطوي على أجلّ حقيقة في الكون وهي التوحيد. وأجلّ وظيفة للمخلوقات تجاه ربهم الجليل وهي التسبيح والتحميد والتقديس، وأعظم قضية مصيرية للبشرية وهي النجاة من النار والخلاص من الشقاء الخالد. وألزم غاية للعبودية وللعجز البشري وهي الدعاء.
وهكذا نرى أمثال هذه الأسس فيما تشتمل عليه أنواع التكرار في القرآن الكريم. حتى نرى أنه يعبر أكثر من عشرين مرة عن حقيقة التوحيد -صراحة أو ضمنا- في صحيفة واحدة من المصحف وذلك حسب اقتضاء المقام، ولزوم الحاجة إلى الإفهام، وبلاغة البيان، فيهيّج بالتكرار الشوقَ إلى تكرار التلاوة، ويمد به البلاغة قوة وسموا من دون أن يورث سأما أو مللا.
ولقد أوضحتْ أجزاءُ رسائل النور حكمةَ التكرار في القرآن الكريم وبيّنت حججها وأثبتت مدى ملاءمة التكرار وانسجامه مع البلاغة، ومدى حسنه وجماله الرائع.
أما حكمة اختلاف السور المكية عن المدنية من حيث البلاغة، ومن جهة الإعجاز ومن حيث التفصيل والإجمال فهي كما يأتي:
إنّ الصف الأول من المخاطبين والمعارضين في مكة كانوا مشركي قريش وهم أميون لا كتاب لهم، فاقتضت البلاغة أسلوبا عاليا قويا وإجمالا معجزا مقنعا، وتكرارا يستلزمه التثبيت في الإفهام؛ لذا تناولت أغلبُ السور المكية أركانَ الإيمان ومراتب التوحيد بأسلوب في غاية القوة والعلو، وبإيجاز في غاية الإعجاز، وكررت الإيمانَ باللّٰه والآخرة والمبدأ والمعاد كثيرا، بل قد عبّرت عن تلك الأركان الإيمانية في كل صحيفة أو آية، أو في جملة واحدة، أو كلمة واحدة، بل ربما عبّرت عنها في حرف واحد، في تقديم وتأخير، في تعريف وتنكير، في
— 524 —
حذف وذكر. فأثبتت أركان الإيمان في أمثال تلك الحالات والهيئات البلاغية إثباتا جعل علماء البلاغة وأئمتها يقفون حيارى مبهوتين أمام هذا الأسلوب المعجز. ولقد وضّحت رسائل النور ولاسيما "الكلمة الخامسة والعشرون "المعجزات القرآنية" -مع ذيولها- إعجازَ القرآن في أربعين وجها من وجوهها، وكذلك تفسير "إشارات الإعجاز في مظان الإيجاز" باللغة العربية الذي يبين بيانا رائعا إعجاز القرآن من حيث وجه النظم بين الآيات الكريمة. فأثبتت كلتا الرسالتين فعلا علو الأسلوب البلاغي الفذ وسمو الإيجاز المعجز في الآيات المكية وسوَرها.
أما الآيات المدنية وسوَرها فالصف الأول من مخاطبيها ومعارضيها كانوا من اليهود والنصارى وهم أهلُ كتاب مؤمنون باللّٰه. فاقتضت قواعد البلاغة وأساليب الإرشاد وأسس التبليغ أن يكون الخطاب الموجه لأهل الكتاب مطابقا لواقع حالهم، فجاء بأسلوب سهل واضح سلس، مع بيان وتوضيح في الجزئيات -دون الأصول والأركان (الإيمانية)- لأن تلك الجزئيات هي منشأ الأحكام الفرعية والقوانين الكلية، ومدار الاختلافات في الشرائع والأحكام. لذا فغالبا ما نجد الآيات المدنية واضحة سلسة بأسلوب بياني معجز خاص بالقرآن الكريم. ولكن ذكرُ القرآن فذلكة قوية أو نتيجة ملخصة أو خاتمة رصينة أو حجة دامغة تعقيبا على حادثة جزئية فرعية، يجعل تلك الحادثة الجزئية قاعدة كلية عامة، ومن بعد ذلك يضمن الامتثال بها بترسيخ الإيمان باللّٰه الذي يحققه ذكر تلك الفواصل الختامية الملخّصة للتوحيد والإيمان والآخرة. فترى أن ذلك المقام الواضح السلس يتنور ويسمو بتلك الفواصل الختامية. -ولقد بينت "رسائل النور" وأثبتت حتى للمعاندين مدى البلاغة العالية والميزات الراقية وأنواع الجزالة السامية الدقيقة الرفيعة في تلك الفذلكات والفواصل وذلك في عشر مميزات ونكت في النور الثاني من الشعلة الثانية للكلمة الخامسة والعشرين الخاصة بإعجاز القرآن-. فإن شئت فانظر إلى
ان اللّٰه على كل شيء قدير، ان اللّٰه بكل شيء عليم، وهوالعزيز الحكيم، وهو العزيز الرحيم
وأمثالها من الآيات التي تفيد التوحيد وتذكر بالآخرة، والتي تنتهي بها أغلب الآيات الكريمة، ترَ أن القرآن الكريم عند بيانه الأحكام الشرعية الفرعية والقوانين الاجتماعية يرفع نظرَ المخاطب إلى آفاق كلية سامية، فيبدل -بهذه الفواصل الختامية- ذلك الأسلوب السهل الواضح السلس أسلوبا عاليا رفيعا،
— 525 —
كأنه ينقل القارئ من درس الشريعة إلى درس التوحيد. فيثبت أن القرآن كتابُ شريعة وأحكام وحكمة، كما هو كتاب عقيدة وإيمان، وهو كتاب ذكر وفكر، كما هو كتاب دعاء ودعوة.
وهكذا ترى أن هناك نمطا من جزالة معجزة ساطعة في الآيات المدنية هو غير بلاغة الآيات المكية، حسب اختلاف المقام وتنوع مقاصد الإرشاد والتبليغ.
فقد ترى هذا النمط في كلمتين فقط: ربك و رب العالمين إذ يعلّم الأحدية بتعبير ربك ويعلّم الواحدية بی رب العالمين ، فيفيد الواحدية ضمن الأحدية.
بل قد ترى ذلك النمط من البلاغة في جملة واحدة فيريك في آية واحدة مثلا نفوذَ علمه إلى موضع الذرة في بؤبؤ العين وموقعَ الشمس في كبد السماء، وإحاطة قدرته التي تضع بالآلة الواحدة كلّا في مكانه، جاعلةً من الشمس كأنها عين السماء فيعقب: وَهُوَ عَلِيم بِذَاتِ الصُّدُورِ بعد آية يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النّهَارِ وَيُولِجُ النّهَارَ فِي اللَّيْلِ (الحديد:٦) أي يعقب نفوذَ علمه سبحانه إلى خفايا الصدور بعد ذكره عظمةَ الخلق في السماوات والأرض وبسطها أمام الأنظار. فيقرّ في الأذهان أنه يعلم خواطر القلوب وخوافي شؤونها ضمن جلال خلّاقيته للسماوات والأرض وتدبيره لشؤونها. فهذا التعقيب: وَهُوَ عَلِيم بِذَاتِ الصُّدُورِ لون من البيان يحول ذلك الأسلوب السهل الواضح الفطري -القريب إلى أفهام العوام- إلى إرشاد سامٍ وتبليغ عام جذاب.
سؤال: إن النظرة السطحية العابرة لا تستطيع أن ترى ما يورده القرآن الكريم من حقائق ذات أهمية، فلا تعرف نوع المناسبة والعلاقة بين فذلكة سامية تعبّر عن التوحيد أو تفيد دستورا كليا، وبين حادثة جزئية معتادة؛ لذا يتوهم البعضُ أن هناك شيئا من قصورٍ في البلاغة، فمثلا لا تظهر المناسبةُ البلاغية في ذكر دستور عظيم: وفوق كل ذي علم عليم تعقيبا على حادثة جزئية وهي إيواء يوسف عليه السلام أخاه إليه بتدبير ذكي. فيرجى بيان السر في ذلك وكشف الحجاب عن حكمته؟
الجواب: إنّ أغلب السور المطولة والمتوسطة -التي كلّ منها كأنها قرآن على حدة- لا تكتفي بمقصدين أو ثلاثة من مقاصد القرآن الأربعة (وهي: التوحيد، النبوة، الحشر، العدل
— 526 —
مع العبودية) بل كل منها يتضمن ماهية القرآن كلها، والمقاصد الأربعة معا، أي كل منها: كتابُ ذكر وإيمان وفكر، كما أنه كتاب شريعة وحكمة وهداية. فكل سورة من تلك السُوَر تتضمن كُتبا عدة، وترشد إلى دروس مختلفة متنوعة. فتجد أن كل مقام -بل حتى الصحيفة الواحدة- يفتح أمامَ الإنسان أبوابا للإيمان يحقق بها إقرار مقاصد أخرى، حيث إن القرآن يذكر ما هو مسطور في كتاب الكون الكبير ويبينه بوضوح، فيرسّخ في أعماق المؤمن إحاطة ربوبيته سبحانه بكل شيء، ويريه تجلياتها المهيبة في الآفاق والأنفس. لذا فإن ما يبدو من مناسبة ضعيفة، يبنى عليها مقاصد كلية فتتلاحق مناسبات وثيقة وعلاقات قوية بتلك المناسبة الضعيفة ظاهرا، فيكون الأسلوب مطابقا تماما لمقتضى ذلك المقام، فتتعالى مرتبته البلاغية.
سؤال آخر: ما حكمة سَوق القرآن ألوف الدلائل لإثبات أمور الآخرة وتلقين التوحيد وإثابة البشر؟ وما السر في لفته الأنظار إلى تلك الأمور صراحةً وضمنا وإشارةً في كل سورة بل في كل صحيفة من المصحف وفي كل مقام؟
الجواب: لأن القرآن الكريم ينبّه الإنسان إلى أعظم انقلاب يحدث ضمن المخلوقات ودائرة الممكنات في تاريخ العالم.. وهو الآخرة. ويرشده إلى أعظم مسألة تخصه وهو الحامل للأمانة الكبرى وخلافة الأرض.. تلك هي مسألة التوحيد الذي تدور عليه سعادتُه وشقاوتُه الأبديتان. وفي الوقت نفسه يزيل القرآن سيلَ الشبهات الواردة دون انقطاع، ويحطم أشدّ أنواع الجحود والإنكار المقيت.
لذا لو قام القرآنُ بتوجيه الأنظار إلى الإيمان بتلك الانقلابییییات المدهشة وحملِ الآخرين على تصديق تلك المسألة العظيمة الضرورية للبشر.. نعم، لو قام به آلافَ المرات وكرر تلك المسائل ملايين المرات، لا يعدّ ذلك منییه إسیییرافا في البلاغة قط، كما أنه لا يولد سیییأما ولا مللا البیتیة، بییییل لا تنقطع الحیییاجیییة إلى تكرار تلاوتها في القرآن الكريم، حيث ليس هناك أهم ولا أعظم مسألة في الوجود من التوحيد والآخرة.
فمثلا: إن حقيقة الآية الكريمة:
ان الذين امنوا وعملوا الصالحات لهم جنات تجري من تحتها الانهار ذلك الفوز الكبير
(البروج:١١) هي بشرى السعادة الخالدة تزفّها هذه الآية الكريمة إلى الإنسان المسكين الذي يلاقي حقيقةَ الموت كل حين، فتنقذه هذه البشرى من
— 527 —
تصور الموت إعداما أبديا، وتنجيه -وعالَمه وجميعَ أحبته- من قبضة الفناء، بل تمنحه سلطنة أبدية، وتكسبه سعادة دائمة.. فلو تكررت هذه الآية الكريمة مليارا من المرات لا يعد تكرارُها من الإسراف قط، ولا يمس بلاغتَها شيء.
وهكذا ترى أن القرآن الكريم الذي يعالج أمثال هذه المسائل القيمة ويسعى لإقناع المخاطبين بها بإقامة الحجج الدامغة، يعمّق في الأذهان والقلوب تلك التحولات العظيمة والتبدلات الضخمة في الكون، ويجعلها أمامهم سهلة واضحة كتبدل المنیزل وتغير شكله. فلابد أن لفت الأنظار إلى أمثال هذه المسائل -صراحة وضمنا وإشارة- بألوف المرات ضروري جدّا بل هو كضرورة الإنسان إلى نعمة الخبز والهواء والضياء التي تتكرر حاجته إليها دائما.
ومثلا: إن حكمة تكرار القرآن الكريم: والذين كفروا لهم نار جهنم (فاطر:٣٦) ان الظالمين لهم عذاب أليم (إبراهيم:٢٢) وأمثالها من آيات الإنذار والتهديد. وسَوقها بأسلوب في غاية الشدة والعنف، هي -مثلما أثبتناها في "رسائل النور" إثباتا قاطعا-: أنّ كفرَ الإنسان إنما هو تجاوز -أيّ تجاوز- على حقوق الكائنات وأغلب المخلوقات، مما يثير غضبَ السماوات والأرض، ويملأ صدورَ العناصر حنقا وغيظا على الكافرين، حتى تقوم تلك العناصر بصفع أولئك الظالمين بالطوفان وغيره. بل حتى الجحيم تغضب عليهم غضبا تكاد تتفجر من شدته كما هو صريح الآية الكريمة:
اذا القوا فيها سمعوا لها شهيقًا وهي تفور٭ تكاد تميز من الغيظ..
(الملك:٧-٨). فلو كَرَّرَ سلطانُ الكون في أوامره تلك الجناية العظمى "الكفر" وعقوبتَها بأسلوب في غاية الزجر والشدة ألوف المرات، بل ملايين المرات، بل مليارات المرات لما عُدّ ذلك إسرافا مطلقا ولا نقصا في البلاغة، نظرا لضخامة تلك الجناية العامة والتجاوز غير المحدود على الحقوق، وبناء على حكمة إظهار أهمية حقوق رعيته سبحانه وإبراز القبح غير المتناهي في كفر المنكرين وظلمهم الشنيع. إذ لا يكرر ذلك لضآلة الإنسان وحقارته بل لهول تجاوز الكافر وعظم ظلمه.
ثم إننا نرى أن مئات الملايين من الناس منذ ألف ومئات من السنين يتْلون القرآن الكريم بلهفة وشوق وبحاجة ماسة إليه دون ملل ولا سأم.
— 528 —
نعم، إن كل وقت وكل يوم إنما هو عالَم يمضي وباب ينفتح لعالم جديد، لذا فإن تكرار: "لا إله إلّا اللّٰه" بشوق الحاجة إليها ألوف المرات لأجل إضاءة تلك العوالم السيارة كلها وإنارتها بنور الإيمان، يجعل تلك الجملة التوحيدية كأنها سراج منير في سماء تلك العوالم والأيام. فكما أن الأمر هكذا في: "لا إله إلّا اللّٰه" كذلك تلاوة القرآن الكريم فهي تبدد الظلام المخيم على تلك الكثرة الكاثرة من المشاهد السارية، وعلى تلك العوالم السيارة المتجددة، وتزيل التشوه والقبح عن صورها المنعكسة في مرآة الحياة، وتجعل تلك الأوضاع الزائلة شهودا له يوم القيامة لا شهودا عليه. وترقّيه إلى مرتبة معرفة عِظَم جزاء الجنايات، وتجعله يدرك قيمة النُّذُر المخيفة لسلطان الأزل والأبد التي تشتت عناد الظالمين الطغاة، وتشوّقه إلى الخلاص من طغيان النفس الأمارة بالسوء.. فلأجل هذه الحِكَم كلها يكرر القرآن الكريم ما يكرر في غاية الحكمة، مظهرا أن النذر القرآنية الكثيرة إلى هذا القدر، وبهذه القوة والشدة والتكرار حقيقة عظمى، ينهزم الشيطانُ من توهمها باطلا، ويهرب من تخيلها عبثا. نعم، إنّ عذاب جهنم لهو عينُ العدالة لأولئك الكفار الذين لا يعيرون للنذر سمعا.
ومن المكررات القرآنية "قصص الأنبياء" عليهم السلام، فالحكمة في تكرار قصة موسى عليه السلام -مثلا- التي لها من الحِكم والفوائد ما لعصا موسى، وكذا الحكمةُ في تكرار قصص الأنبياء إنما هي لإثبات الرسالة الأحمدية، وذلك بإظهار نبوة الأنبياء جميعهم حجةً على أحقية الرسالة الأحمدية وصدقها؛ حيث لا يمكن أن ينكرها إلّا من ينكر نبوتهم جميعا، فذكرُها إذن دليل على الرسالة.
ثم إن كثيرا من الناس لا يستطيعون كل حين ولا يوفّقون إلى تلاوة القرآن الكريم كله، بل يكتفون بما يتيسر لهم منه. ومن هنا تبدو الحكمة واضحة في جعل كل سورة مطولة ومتوسطة بمثابة قرآن مصغر، ومن ثم تكرار القصص فيها بمثل تكرار أركان الإيمان الضرورية. أي إن تكرار هذه القصص هو مقتضى البلاغة وليس فيه إسراف قط. زد على ذلك فإن فيه تعليما بأن حادثة ظهور محمد (ص) أعظم حادثة للبشرية وأجلّ مسألة من مسائل الكوب ا نعم، إنّ منحَ ذات الرسول الكريم (ص) أعظم مقام وأسماه في القرآن الكريم، وجعل "محمد رسول اللّٰه" -الذي يتضمن أربعة من أركان الإيمان- مقرونا بی"لا إله إلّا اللّٰه" دليل -وأي دليل- على أن الرسالة المحمدية هي أكبر حقيقة في الكون، وأن محمدا (ص) لهو أشرف
— 529 —
المخلوقات طرا. وأن الحقيقة المحمدية التي تمثل الشخصية المعنوية الكلية لمحمد (ص) هي السراج المنير للعالمين كليهما، وأنه (ص) أهل لهذا المقام الخارق، كما قد أثبت ذلك في أجزاء رسائل النور بحجج وبراهين عديدة إثباتا قاطعا. نورد هنا واحدا من ألف منها. كما يأتي:
إنّ كل ما قام به جميعُ أمة محمد (ص) من حسنات في الأزمنة قاطبة يُكتب مثلها في صحيفة حسناته (ص)، وذلك حسب قاعدة: "السبب كالفاعل"... وإنّ تنويره لجميع حقائق الكائنات بالنور الذي أتى به لا يجعل الجنّ والأنس والملائكة وذوي الحياة في امتنان ورضى وحدهم، بل يجعل الكونَ برمّته والسماوات والأرض جميعا راضية عنه محدّثةً بفضائله... وإنّ ما يبعثه صالحو الأمة يوميًّا من ملايين الأدعية ومع الروحانيين من مليارات الأدعية الفطرية المستجابة التي لا تُرد -بدلالة القبول الفعلي المشاهَد لأدعية النباتات بلسان الاستعداد، وأدعية الحيوانات بلسان حاجة الفطرة- ومن أدعية الرحمة بالصلاة والسلام عليه، وما يرسلونه بما ظفروا من مكاسب معنوية وحسنات هدايا، إنما تقدم إليه أولا. فضلا عما يدخل في دفتر حسناته (ص) من أنوار لا حدود لها بما تتلوه أمتُه -بمجرد التلاوة- من القرآن الكريم الذي في كل حرف من حروفه -التي تزيد على ثلاثمائة ألف حرف- عشر حسنات وعشر ثمار أخروية، بل مائة بل ألف من الحسنات..
نعم، إنّ علام الغيوب سبحانه قد سبق علمه وشاهد أن الحقيقة المحمدية التي هي الشخصية المعنوية لتلك الذات المباركة (ص) ستكون كمثال شجرة طوبى الجنة، لذا أولاه في قرآنه تلك الأهمية العظمى حيث هو المستحق لذلك المقام الرفيع. وبيّن في أوامره بأن نيل شفاعته إنما هو باتباعه والاقتداء بسنته الشريفة وهو أعظم مسألة من مسائل الإنسان. بل أخذ بنظر الاعتبار -بين حين وآخر- أوضاعه الإنسانية البشرية التي هي بمثابة بذرة شجرة طوبى الجنة.
وهكذا فلأن حقائق القرآن المكررة تملك هذه القيمة الراقية وفيها من الحِكم ما فيها، فالفطرة السليمة تشهد أن في تكراره معجزةً معنويةً قوية وواسعة، إلّا مَن مرض قلبُه وسَقم وجدانُه بطاعون المادية، فتشمله القاعدة المشهورة:
قد ينكر المرءُ ضوءَ الشمس من رَمدٍ وينكر الفمُ طعمَ الماءِ من سَقَم
[٭]: البيت للشاعر شرف الدين البوصيري في قصيدة البردة:
قد تُنكِرُ العيْنُ ضَوْءَ الشَّمْسِ من رَمَدٍ ويُنكِرُ الفَمُ طَعْمَ الماءِ من سَقَمٍ
— 530 —
خاتمة هذه المسألة العاشرة في حاشيتين
الحاشية الأولى: طَرَق سمعي قبل اثنتي عشرة سنة، أن زنديقا عنيدا، قد فضح سوءَ طويته وخبثَ قصده بإقدامه على ترجمة القرآن الكريم، فحاك خطةً رهيبة، للتهوين من شأنه بمحاولة ترجمته. وصرح قائلا: ليُترجم القرآن لتظهر قيمته! أي ليرى الناس تكراراته غير الضرورية! ولتُتلى ترجمتُه بدلا منه! إلى آخره من الأفكار السامة. إلّا أن رسائل النور -بفضل اللّٰه- قد شلّت تلك الفكرة وأجهضت تلك الخطة بحججها الدامغة وبانتشارها الواسع في كل مكان، فأثبتت إثباتا قاطعا أنه لا يمكن قطعا ترجمةُ القرآن الكريم ترجمةً حقيقية.. وأن أية لغة غير اللغة العربية الفصحى عاجزة عن الحفاظ على مزايا القرآن الكريم ونُكته البلاغية اللطيفة.. وإن الترجمات العادية الجزئية التي يقوم بها البشر لن تَحُل -بأي حال- محلَّ التعابير الجامعة المعجزة للكلمات القرآنية التي في كل حرف من حروفها حسنات تتصاعد من العشرة إلى الألف، لذا لا يمكن مطلقا تلاوة الترجمة بدلا منه.
بيد أن المنافقين الذين تتلمذوا على يد ذلك الزنديق، سعوا بمحاولات هوجاء في سبيل الشيطان ليطفئوا نورَ القرآن الكريم بأفواههم. ولكن لما كنتُ لا ألتقي أحدا، فلا علم لي بحقيقة ما يدور من أوضاع، إلّا أن أغلب ظني أن ما أوردتُه آنفا هو السبب الذي دعا إلى إملاء هذه "المسألة العاشرة" عليّ، رغم ما يحيط بي من ضيق.
الحاشية الثانية: كنت جالسا ذات يوم في الطابق العلوي من فندق "شهر" عقب إطلاق سراحنا من سجن "دنيزلي" أتأمل فيما حوالي من أشجار الحَوَر (الصفصاف) الكثيرة في الحدائق الغنّاء والبساتين الجميلة، رأيتُها جذلانة بحركاتها الراقصة الجذابة، تتمايل بجذوعها وأغصانها، وتهتز أوراقها بأدنى لمسة من نسيم. فبدت أمامي بأبهى صورة وأحلاها، وكأنها تسبّح للّٰه في حلقات ذكر وتهليل.

مسّت هذه الحركات اللطيفة أوتارَ قلبي المحزون من فراق إخواني، وأنا مغموم لانفرادي وبقائي وحيدا.. فخطر على البیال -فجأة- موسیمَا الخريف والشتاء وانتابتني غفلة، إذ ستتناثر الأوراق وسيذه.9Oلرواء والجمال.. وبدأتُ أتألم على تلك الحَوَر الجميلة، وأتحسر على سائر الأحياء التي تتجلى فيها تلك النشوة الفائقة تألما شديدا حتى اغرورقت

— 531 —
عيناي واحتشدت على رأسي أحزان تدفقت من الزوال والفراق تملأ هذا الستار المزركش البهيج للكائنات!.
وبينما أنا في هذه الحالة المحزنة إذا بالنور الذي أتت به الحقيقةُ المحمدية (ص) يغيثني -مثلما يغيث كل مؤمن ويسعفه- فبدّل تلك الأحزانَ والغموم التي لا حدود لها مسراتٍ وأفراحا لا حدّ لها، فبتّ في امتنان أبدي ورضى دائم من الحقيقة المحمدية التي أنقذني فيض واحد من فيوضات أنوارها غير المحدودة، فنشر ذلك الفيض السلوان في أرجاء نفسي وأعماق وجداني، وكان ذلك كالآتي:
إن تلك النظرة الغافلة أظهرت تلك الأوراق الرقيقة والأشجار الفارعة الهيفاء من دون وظيفة ولا مهمة، لا نفعَ لها ولا جدوى، وأنها لا تهتز اهتزازها اللطيف من شدة الشوق والنشوة بل ترتعد من هول العدم والفراق.. فتبّا لها من نظرة غافلة أصابت صميمَ ما هو مغروز فيّ -كما هو عند غيري- من عشق للبقاء، وحب الحياة، والافتتان بالمحاسن، والشفقة على بني الجنس.. فحولت الدنيا إلى جهنم معنوية، والعقلَ إلى عضو للشقاء والتعذيب. فبينما كنتُ أقاسي هذا الوضع المؤلم، إذا بالنور الذي أنار به محمد (ص) البشريةَ جمعاء يرفع الغطاء ويزيل الغشاوة ويبرز حِكَما ومعاني ووظائف ومهمات غزيرة جدّا تبلغ عدد أوراق الحَوَر. وقد أثبتت رسائل النور أن تلك الوظائف والحكم تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: وهو المتوجّه إلى الأسماء الحسنى للصانع الجليل. فكما أن صانعا ماهرا إذا ما قام بصنع ماكنة بديعة، يثني عليه الجميعُ ويقدرون صنعته ويباركون إبداعه، فإن تلك الماكنة هي بدورها كذلك تبارك صانعَها وتثني عليه بلسان حالها، وذلك بإراءتها النتائج المقصودة منها إراءة تامة.
أما القسم الثاني: فهو المتوجه إلى أنظار ذوي الحياة وذوي الشعیور من المخلوقات أي يكون موضعَ مطالعةٍ حلوة وتأمل لذيذ، فيكون كلُّ شيء كأنه كتاب معرفة وعلم، ولا يغادر هذا العالَم -عالم الشهادة- إلّا بعد وضع معانيه في أذهان ذوي الشعور، وطبع صوَره في حافظتهم، وانطباع صورته في الألواح المثالية لسجلات علم الغيب، أي لا ينسحب من عالَم
— 532 —
الشهادة إلى عالم الغيب إلّا بعد دخوله ضمن دوائرِ وجودٍ كثيرة ويكسب أنواعا من الوجود المعنوي والغيبي والعلمي.
نعم ما دام اللّٰه موجودا، وعلمُه يحيط بكل شيء، فلابد أن لا يكون هناك في عالم المؤمن عدم، وإعدام، وانعدام، وعبث، ومحو، وفناء، من زاوية الحقيقة.. بينما دنيا الكفار زاخرة بالعدم والفراق والانعدام ومليئة بالعبث والفناء. ومما يوضح هذه الحقيقة ما يدور على الألسنة من قول مشهور هو: "مَن كان له اللّٰه، كان له كل شيء، ومَن لم يكن له اللّٰه لم يكن له شيء".
الخلاصة: إنّ الإيمان مثلما ينقذ الإنسان من الإعدام الأبدي أثناء الموت، فهو ينقذ دنيا كل شخص أيضا من ظلمات العدم والانعدام والعبث. بينما الكفر -ولاسيما الكفر المطلق- فإنه يُعدم ذلك الإنسان، ويعدم دنياه الخاصة به بالموت. ويلقيه في ظلمات جهنم معنوية محوّلا لذائذ حياته آلاما وغصصا.
فلْترنّ آذان الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة، وليأتوا بعلاج لهذا الأمر إن كانوا صادقين، أو ليدخلوا حظيرة الإيمان ويخلصوا أنفسهم من هذه الخسارة الفادحة.
سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا اِلّا ما عَلَّمْتَنا اِنَّكَ اَنْتَ الْعَليمُ الْحَكيم
أخوكم الراجي دعواتِكم والمشتاق إليكم
سعيد النورسي
— 533 —

الكلمة السادسة والعشرون

رسالة القدر
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم ٭ واِنْ مِنْ شيءٍ الّا عندنا خزائنُهُ وما نُنَزّله اِلّا بِقَدَرٍ مَعْلومٍ
(الحجر:٢١)
وكلّ شيءٍ اَحْصَيناه في إمامٍ مُبينٍ
(يس:١٢)
القدَرُ الإلهي والجزءُ الاختياري مسألتان مهمتان. نحاول حلّ بعض أسرارهما في أربعة مباحثَ تخص القدر.
المبحث الأول
إنّ القدر والجزء الاختياري جزءان من إيمانٍ حاليّ ووجداني، يبيّن نهايةَ حدود الإيمان والإسلام، وليسا مباحثَ علميةً ونظريةً. أي إنّ المؤمن يُعطي للّٰه كلَّ شيء، ويحيلُ إليه كلَّ أمر، وما يزال هكذا حتى يحيلَ فعلَه ونفسَه إليه. ولكي لا ينجو في النهاية من التكليف والمسؤولية يبرزُ أمامَه الجزءُ الاختياري قائلا له: "أنت مسؤول، أنت مكلّف"! ثم إنه لكي لا يغترّ بما صدرَ عنه من حسنات وفضائل، يواجهه القدرُ، قائلا له: "اعرف حدّك، فلستَ أنت الفاعل".
أجل، إنّ القدرَ والجزءَ الاختياري هما في أعلى مراتب الإيمان والإسلام، قد دخلا ضمن المسائل الإيمانية، لأنهما ينقذان النفسَ الإنسانية.. فالقدرُ يُنقذها من الغرور، والجزءُ الاختياري يُنجيها من الشعور بعدم المسؤولية. وليسا من المسائل العلمية والنظرية التي تُفضي إلى ما يناقض سرَّ القدر وحكمةَ الجزء الاختياري كليا؛ بالتشبث بالقدر للتبرئة من مسؤولية
— 534 —
السيئات التي اقترفتها النفوسُ الأمارة بالسوء، والافتخارِ بالفضائل التي أنعمتْ عليها والاغترارِ بها وإسنادِها إلى الجزء الاختياري.
أجل، إنّ العوام الذين لم يبلغوا مرتبةَ إدراك سر القدر لهم مواضعُ لاستعماله، ولكن هذه المواضع تنحصر في الماضيات من الأمور وبخصوص المصائب والبلايا والذي هو علاج اليأس والحزن، وليس في أمور المعاصي أو في المُقْبِلات من الأيام، مما يؤدي أن يكون مساعدًا على اقتراف الذنوب والتهاون في التكاليف. بمعنى أنّ مسألة القدر ليست للفرار من التكليف والمسؤولية، بل هي لإنقاذ الإنسان من الفخر والغرور، ولهذا دخلتْ ضمن مسائل الإيمان. أمَّا الجزء الاختياري، فقد دخل ضمن مباحث العقيدة ليكون مرجِعا للسيئات، لا ليكون مصدرا للمحاسن والفضائل التي تسوق إلى الطغيان والتفرعن.
نعم، إنّ القرآن الكريم يبين أنّ الإنسان مسؤول عن سيئاته مسؤولية كاملة. لأن الإنسان هو الذي أراد السيئات. ولمّا كانت السيئاتُ من قبيل التخريبات، لذا يستطيع الإنسان أن يوقِع دمارا هائلا بسيئة واحدة، كإحراق بيت كامل بعود ثقاب، وبذلك يستحق إنیزال عقاب عظيم به.
أمَّا في الحسنات، فليس له الحق في الفخر والمباهاة، لأن حصتَه فيها ضئيلة جدّا، لأن الرحمة الإلهية هي التي أرادت الحسنات، واقتضتها. والقدرةُ الربانية هي التي أوجدَتْها، فالسؤال والجواب والسبب والداعي كلاهما من الحق سبحانه وتعالى. ولا يكون الإنسانُ مالكا لهذه الحسنات وصاحبا لها إلّا بالدعاء والتضرع، وبالإيمان، وبالشعور بالرضى عنها. بينما الذي أراد السيئات هو النفسُ الإنسانية، إمَّا بالاستعداد أو بالاختيار. مثلما تكتسب بعضُ الموادِّ التعفنَ والأسوداد من ضياء الشمس الجميل اللامع، فذلك الاسوداد إنما يعود إلى استعداد تلك المادة، ولكن الذي يوجِد تلك السيئات بقانون إلهي متضمن لمصالح كثيرة إنما هو اللّٰه سبحانه أيضا. أي إن التسبب والسؤال هما من النفس الإنسانية بحيث تتحمل المسؤولية عنها. أما الخلق والإيجاد الخاص به سبحانه وتعالى فهو جميل، لأن له ثمرات أخرى جميلة، ونتائج شتى جميلة، فهو خير.
ومن هذا السر يكون خلقُ الشرِّ ليس شرا، وإنما كسبُ الشر شر، إذ لا يحق لكسلانَ قد تأذّى من المطر -المتضمن لمصالحَ غزيرة- أن يقول: المطرُ ليس رحمة.
— 535 —
نعم، إنّ في الخلق والإيجاد خيرا كثيرا مع تضمُّنه لشرٍ جزئي، وإنّ تركَ خيرٍ كثير لأجل شرٍ جزئي يُحدث شرا كثيرا، لذا فإن ذلك الشرَّ الجزئي يُعدّ خيرا وفي حُكمه. فليس في الخلق الإلهي شر ولا قبح، بل يعود الشرُّ إلى كسبِ العبد وإلى استعداده.
وكما أنّ القدر الإلهي منیزّه عن القبح والظلم، من حيث النتيجة والثمرات، كذلك فهو مقدّس عن القبح والظلم من حيث العلة والسبب؛ لأن القدرَ الإلهي ينظرُ إلى العلل الحقيقية، فيَعدِل، بينما الناس يبنون أحكامَهم على ما يشاهدونه من علل ظاهرة فيرتكبون ظلما ضمن عدالة القدر نفسه.
فمثلا: هَبْ أنّ حاكما قد حَكم عليك بالسجن بتهمة السرقة، وأنت بريء منها، ولكن لك قضيةُ قتلٍ مستورةٌ لا يعرفُها إلّا اللّٰه. فالقدر الإلهي قد حكَم عليك بذلك السجن، وقد عَدَل من أجل ذلك القتل المستورِ عن الناس. أما الحاكمُ فقد ظلمَك، حيث حكمَ عليك بالسجن بتُهمة السرقة وأنت بريء منها.
وهكذا ففي الشيء الواحد تَظهر جهتان، جهةُ عدالةِ القدر والإيجاد الإلهي، وجهةُ ظُلم البشر وكَسبه. قس بقية الأمور على هذا. أي إنّ القدر والإيجاد الإلهيّ منیزّهان عن الشرّ والقُبح والظلم، باعتبار المبدأ والمنتهى والأصول والفروع والعلل والنتائج.
وإذا قيل: ما دام الجزءُ الاختياري لا قابلية له في الإيجاد، ولا يوجد في يد الإنسان غيرُ الكسب الذي هو في حُكم أمرٍ اعتباري، فكيف يكون إذن شكوى القرآن المعجز البيان من هذا الإنسانِ شكاوى عظيمة تجاه عصيانه خالقَ السماوات والأرض؛ حتى كأنه أعطي له وضعُ العدو العاصي، بل يُرسل سبحانه جنودَه الملائكة لإمداد العبد المؤمن تجاه ذلك العاصي، بل يُمدّه خالقُ السماوات والأرض بنفسه.. فِلمَ هذه الأهمية البالغة؟
الجواب: لأنّ الكفر والعصيان والسيئة كلَّها تخريب وعدم، ويمكن أن تترتب تخريبات هائلة وعدمات غير محدودة على أمرٍ اعتباري وعدمي واحد. إذ كما أنّ عدم إيفاء ملّاحِ سفينة ضخمة بوظيفته يُغرق السفينةَ، ويُفسد نتائج أعمال جميع العاملين فيها؛ لترتّب جميع تلك التخريبات الجسيمة على عدمٍ واحد، كذلك الكفرُ والمعصية، لكونهما نوعا من العدم والتخريب، فيمكن أن يحرّكهما الجزء الاختياري بأمر اعتباري، فيسببان نتائجَ مريعة.
— 536 —
لأن الكفر وإن كان سيئةً واحدة؛ إلّا أنه تحقير لجميع الكائنات بوصمها بالتَّفاهة والعبثية، وتكذيبٍ لجميع الموجودات الدالة على الوحدانية، وتزييف لجميع تجليات الأسماء الحسنى. فإن تهديدَه سبحانه وتعالى، وشكواه باسم الكائنات قاطبة، والموجوداتِ كافة، والأسماءِ الإلهية الحسنى كلها، من الكافر شكاوى عنيفة وتهديدات مريعة، هو عينُ الحكمة، وإنّ تعذيبه بعذاب خالد هو عينُ العدالة.
وحيث إنّ الإنسان لدى انحيازه إلى جانب التخريب بالكفر والعصيان، يسبب دمارا رهيبا بعمل جزئي، فإن أهل الإيمان محتاجون إذن -تجاه هؤلاء المخرّبين- إلى عناية إلهية عظيمة، لأنه إذا تعهّد عشرةٌ من الرجال الأقوياء بالحفاظ على بيت وتعميره، فإن طفلا شريرا في محاولته إحراق البيت، يُلجئ أولئك الرجال إلى الذهاب إلى وليّه بل التوسل إلى السلطان. لذا فالمؤمنون محتاجون أشد الحاجة إلى عنايته سبحانه وتعالى للصمود تجاه هؤلاء العصاة الفاجرين.
نحصل مما سبق: أن الذي يتحدث عن القدر والجزء الاختياري، إن كان ذا إيمان كامل، مطمئنَّ القلب، فإنه يفوّض أمرَ الكائنات كلِّها -ونفسَه كذلك- إلى اللّٰه سبحانه وتعالى، ويعتقد بأن الأمور تجري تحت تصرفه سبحانه وتدبيره. فهذا الشخص يحقُّ له الكلام في القدر والجزء الاختياري؛ لأنه يعرف أن نفسَه وكلَّ شيء، منه سبحانه وتعالى. فيتحمل المسؤولية، مستندا إلى الجزء الاختياري الذي يعتبره مرجِعا للسيئات، فيقدّس ربَّه وينیزّهه، ويظل في دائرة العبودية ويرضخ للتكليف الإلهي ويأخذه على عاتقه. وينظر إلى القدر في الحسنات والفضائل الصادرة عنه، لئلا يأخذه الغرورُ، فيشكرُ ربَّه بدَل الفخر، ويرى القدر في المصائب التي تنیزل به فيصبر.
ولكن إن كان الذي يتحدث في القدر الإلهي والجزء الاختياري من أهل الغفلة، فلا يحق له الخوض فيهما؛ لأن نفسَه الأمّارة بالسوء -بدافعٍ من الغفلة أو الضلالة- تحيل الكائناتِ إلى الأسباب، فتجعل ما للّٰه إليها، وترى نفسَها مالكةً لنفسها، وتُرجِع أفعالَها إلى نفسها وتسندها إلى الأسباب، بينما تُحمِّل القدرَ المسؤوليةَ والتقصيرات. وحينئذٍ يكون الخوض في القدر والجزء الاختياري باطلا لا أساس له -بهذا المفهوم- ولا يعنى سوى دسيسةٍ نفسيةٍ تحاول التملص من المسؤولية، مما ينافي حكمةَ القدر وسر الجزء الاختياري.
— 537 —

المبحث الثاني

هذا المبحث بحث علمي دقيق خاص للعلماء.
(٭): هذا المبحث الثاني هو أعمق وأعضل مسألة في القدر، وهو مسألة عقائدية كلامية ذات أهمية جليلة لدى العلماء المحققين، وقد حیلّتها رسائل النور حلا تاما. (المؤلف)
إذا قلت: كيف يمكن التوفيق بين القدَر والجزء الاختياري؟
الجواب: بسبعة وجوه:
الأول: إنّ العادل الحكيم الذي تشهد لحكمتِه وعدالتِه الكائناتُ كلُّها، بلسان الانتظام والميزان، قد أعطى للإنسان جزءا اختياريا مجهولَ الماهية، ليكون مدارَ ثوابٍ وعقاب. فكما أن للحكيم العادل حِكَما كثيرة خفية عنا، كذلك كيفية التوفيق بين القدر والجزء الاختياري خافية علينا. ولكن عدمَ عِلمنا بكيفية التوفيق لا يدلّ على عدمِ وجودِه.
الثاني: إنّ كل إنسان يشعر بالضرورة أنّ له إرادةً واختيارا في نفسه، فيعرف وجودَ ذلك الاختيار وجدانا. وإن العلم بماهية الموجودات شيء والعلمَ بوجودها شيء آخر. فكثير من الأشياء وجودُها بديهي لدينا إلّا أن ماهيتَها مجهولة بالنسبة إلينا. فهذا الجزء الاختياري يمكن أن يدخل ضمن تلك السلسلة، فلا ينحصر كلُّ شيء في نطاق معلوماتنا، وإنّ عدمَ علمِنا لا يدل على عدمه.
الثالث: إن الجزء الاختياري لا ينافي القدرَ، بل القدرُ يؤيد الجزء الاختياري؛ لأن القدر نوع من العلم الإلهي، وقد تعلّق العلمُ الإلهي باختيارنا، ولهذا يؤيّد الاختيارَ ولا يُبطله.
الرابع: القدرُ نوع من العلم، والعلمُ تابع للمعلوم، أي على أية كيفية يكون المعلومُ يحيط به العلمُ ويتعلق به، فلا يكون المعلومُ تابعا للعلم، أي إن دساتير العلم ليست أساسا لإدارة المعلوم من حيث الوجود الخارجي، لأن ذاتَ المعلوم ووجودَه الخارجي ينظر إلى الإرادة ويستند إلى القدرة.
ثم إن الأزل ليس طرفا لسلسلة الماضي كي يُتّخذ أساسا في وجود الأشياء ويُتصوّر اضطرارا بحسبه، بل الأزلُ يحيط بالماضي والحاضر والمستقبل -كإحاطة السماء بالأرض- كالمرآة الناظرة من الأعلى. لذا ليس من الحقيقة في شيء تخيّل طرفٍ ومبدإٍ في جهة الماضي
— 538 —
للزمان الممتد في دائرة الممكنات وإطلاق اسم الأزل عليه، ودخول الأشياء بالترتيب في ذلك العلم الأزلي، وتوهّم المرء نفسَه في خارجه، ومن ثم القيام بمحاكمة عقلية في ضوء ذلك.
فانظر إلى هذا المثال لكشف هذا السر: إذا وُجدتْ في يدك مرآة، وفرضتَ المسافةَ التي في يمينها الماضي، والمسافةَ التي في يسارها المستقبلَ. فتلك المرآةُ لا تعكس إلّا ما يقابلُها، وتضم الطرفين بترتيب معين، حيث لا تستوعب أغلبَهما، لأن المرآة كلما كانت واطئة عكست القليلَ، بينما إذا رُفعتْ إلى الأعلى فإن الدائرة التي تقابلها تتوسع، وهكذا بالصعود تدريجيا تستوعب المرآةُ المسافةَ في الطرفين معا في نفسها في آن واحد. وهكذا يرتسم في المرآة في وضعها هذا كلُّ ما يجري من حالات في كلتا المسافتين. فلا يُقال أن الحالات الجارية في إحداها مقدمة على الأخرى، أو مؤخَّرة عنها، أو توافقُها، أو تخالفُها.
وهكذا فالقدرُ الإلهي لكونه من العلم الأزلي، والعلمُ الأزلي "في مقام رفيع يضم كلَّ ما كان وما يكون، ويحيط به" كما يُعبّر عنه في الحديث الشريف؛ لذا لا نكونُ نحن ولا محاكماتُنا العقلية خارجَين عن هذا العلم قطعا، حتى نتصورَه مرآةً تقع في مسافة الماضي.
الخامس: أنّ القدر يتعلق تعلقا واحدا بالسبب وبالمسبَّب معا. أي إن هذا المسبب سيقع بهذا السبب. فالإرادة لا تتعلق مرة بالمسبَّب ثم بالسبب مرة أخرى. لذا يجب ألّا يقال: ما دام موتُ الشخص الفلاني مقدَّرا في الوقت الفلاني، فما ذنبُ من يرميه ببندقية بإرادته الجزئية؛ إذ لو لم يرمِه لمات أيضا؟
سؤال: لِمَ يجب ألّا يقال؟
الجواب: لأنّ القدر قد عّين موتَه ببندقية ذاك، فإذا فرضتَ عدم رميِه، عندئذٍ تفرض عدمَ تعلق القدر. فبِمَ تحكم إذن على موته؟ إلّا إذا تركتَ مسلك أهل السنة والجماعة ودخلتَ ضمن الفرق الضالة التي تتصور قدَرا للسبب وقدَرا للمسبّب، كما هو عند الجبرية. أو تنكر القدَر كالمعتزلة. أما نحن أهلَ الحق فنقول: لو لم يرمِه فإن موتَه مجهول عندنا. أما الجبرية فيقولون: لو لم يرمِه لمات أيضا. بينما المعتزلة يقولون: لو لم يرمِه لم يمت.
السادس: (٭): حقيقة خاصة للعلماء المدققين غاية التدقيق. (المؤلف)
إنّ الميلان الذي هو أس أساس الجزء الاختياري، أمر اعتباري عند
— 539 —
الماتريدية، فيمكن أن يكون بيد العبد، ولكن الميلان أمر موجود لدى الأشعريين، فليس هو بيد العبد، إلّا أن التصرف عندَهم أمر اعتباري بيد العبد. ولهذا فذلك الميلان وذلك التصرف فيه، أمران نسبيان، ليس لهما وجود خارجي محقَّق. أما الأمر الاعتباري فلا يحتاج ثبوتُه إلى علةٍ تامة، والتي تستلزم الضرورة الموجِبة لرفع الاختيار، بل إذا اتّخَذت علةُ ذلك الأمر الاعتباري وضعا بدرجةٍ من الرجحان، فإنه يمكن أن يثبت، ويمكن أن يتركه في تلك اللحظة، فيقول له القرآن آنئذٍ: هذا شر! لا تفعل.
نعم، لو كان العبدُ خالقا لأفعاله وقادرا على الإيجاد، لَرُفع الاختيار؛ لأن القاعدة المقرَّرة في علم الأصول والحكمة أنه: "ما لم يَجبْ لم يُوجَد" أي لا يأتي إلى الوجود شيء ما لم يكن وجودُه واجبا، أي لابد من وجود علةٍ تامة ثم يوجد. أما العلةُ التامة فتقتضي المعلول بالضرورة وبالوجوب، وعندها لا اختيار.
إذا قلت: الترجيح بلا مُرجّحٍ محال، بينما كسبُ الإنسان الذي تسمونه أمرا اعتباريا، بالعمل أحيانا وبعدمه أخرى، يلزمُ الترجيحَ بلا مرجّح، إن لم يوجد مرجّح موجِب، وهذا يهدم أعظمَ أصل من أصول الكلام!
الجواب: إن الترجّحَ بلا مرجّح محال -أي الرجحان بلا سبب ولا مُرجِّح- دون الترجيح بلا مرجّح الذي يجوز وهو واقع، فالإرادة صفة وشأنُها القيام بمثل هذا العمل (أي اختياره تعالى هو المرجّح).
إذا قلت: ما دام الذي خلق القتلَ هو اللّٰه سبحانه وتعالى، فلماذا يُقال لي: القاتل؟
الجواب: إنّ اسم الفاعل مشتق من المصدر الذي هو أمر نسبي -حسب قواعد علم الصرف-، ولا يُشتق من الحاصل بالمصدر الذي هو أمر ثابت. فالمصدر هو كسبُنا، ونتحمل عنوان القاتل نحن، والحاصل بالمصدر مخلوقُ اللّٰه سبحانه، وما يشمّ منه المسؤولية لا يشتق من الحاصل بالمصدر.
السابع: إنّ إرادة الإنسان الجزئية وجزأه الاختياري، ضعيف وأمر اعتباري. إلّا أن اللّٰه سبحانه -وهو الحكيم المطلق- قد جعل تلك الإرادة الجزئية الضعيفة شرطا عاديا لإرادته الكلية. أي كأنه يقول -معنًى-: يا عبدي أيُّ طريق تختاره للسلوك، فأنا أسوقُك إليه. ولهذا
— 540 —
فالمسؤوليةُ تقع عليك، فمثلا -ولا مشاحة في الأمثال-: إذا أخذتَ طفلا عاجزا ضعيفا على عاتقك وخيّرتَه قائلا: إلى أين تريد الذهاب فسآخذك إليه، وطلب الطفلُ الصعودَ على جبلٍ عالٍ، وأنت أخذتَه إلى هناك، ولكن الطفل تمرّض أو سقط. فلا شك ستقول له: أنت الذي طلبتَ! وتعاتبُه، وتزيدُه لطمةَ تأديب. وهكذا -وللّٰه المثل الأعلى- فهو سبحانه أحكمُ الحاكمين جعل إرادةَ عبده الذي هو في منتهى الضعف شرطا عاديا لإرادته الكلية.
حاصل الكلام: أيها الإنسان! إنّ لك إرادةً في منتهى الضعف، إلّا أنّ يدَها طويلة في السيئات والتخريبات وقاصرة في الحسنات. هذه الإرادة هي التي تسمى بالجزء الاختياري، فسلِّم لإحدى يدي تلك الإرادة الدعاءَ، كي تمتد وتطال الجنة التي هي ثمرة من ثمار سلسلة الحسنات وتبلغ السعادة الأبدية التي هي زهرة من أزاهيرها.. وسلِّم لليد الأخرى الاستغفارَ كي تقصرَ يدُها عن السيئات، ولا تبلغ ثمرةَ الشجرة الملعونة زقوم جهنم. أي إن الدعاء والتوكل يمدّان ميلان الخير بقوة عظيمة، كما أن الاستغفار والتوبة يكسران ميلان الشر ويحدّان من تجاوزه.
المبحث الثالث
إنّ الإيمان بالقدر من أركان الإيمان، أي إنّ كل شيء بتقدير اللّٰه، والدلائلُ القاطعة على القدر كثيرة جدّا لا تُعد ولا تحصى. ونحن سنبين هنا مدى قوة هذا الركن الإيماني وسعتِه بأسلوبٍ بسيطٍ وظاهرٍ في مقدمة.
المقدمة
إنّ كل شيء قبل كَونه وبعد كونه مكتوب في كتاب، يصرّح بهذا القرآنُ الكريم في كثير من آياته الكريمة أمثال:
ولا رطب ولا يابس الّا في كتاب مبين
(الأنعام:٥٩) وتُصدّق هذا الحكمَ القرآني الكائناتُ قاطبة، التي هي قرآنُ القدرة الإلهية الكبيرُ، بآياتِ النظام والميزان والانتظام والامتياز والتصوير والتزيين وأمثالها من الآيات التكوينية.
نعم، إنّ كتابات كتاب الكائنات المنظومة وموزونات آياتِها تشهد على أنّ كلَّ شيء مكتوب. أما الدليل على أنّ كل شيء مكتوب ومقدّر قبل وجوده وكَونه، فهو جميعُ المبادئ
— 541 —
والبذور وجميعُ المقادير والصور، شواهدُ صدقٍ. إذ ما البذور إلّا صنيديقات لطيفة أبدعها معمل "ك.ن" أودع فيها القدَر فُهَيرسَ رسمه، وتَبْني القُدرةُ -حسب هندسة القدَر- معجزاتِها العظيمة على تلك البُذيرات، مستخدمةً الذرات. بمعنى أنّ كلَّ ما سيجري على الشجرة من أمورٍ مع جميع وقائعها، في حُكم المكتوب في بذرتها. لأن البذور بسيطة ومتشابهة مادةً، فلا اختلاف بينها.
ثم إنّ المقدار المنظم لكل شيء يبيّن القَدر بوضوح. فلو دُقّق النظرُ إلى كائن حي لتبيّن أنّ له شكلا ومقدارا، كأنه قد خرج من قالبٍ في غاية الحكمة والإتقان، بحيث إن اتخاذ ذلك المقدار والشكل والصورة، إما أنه يتأتى من وجود قالبٍ مادي خارق في منتهى الانثناءات والانحناءات.. أو أن القدرة الإلهية تُفصّل تلك الصورة وذلك الشكل وتُلبسها إياه بقالب معنوي علمي موزون أتى من القدر.
تأمّل الآن في هذه الشجرة، وهذا الحيوان، فالذرات الصُمّ العُمي الجامدة التي لا شعور لها والمتشابهة بعضُها ببعض، تتحرك في نمو الأشياء، ثم تتوقف عند حدود معينة تَوَقُّفَ عارفٍ عالِم بمظانّ الفوائد والثمرات. ثم تُبدّل مواضعَها وكأنها تستهدف غاية كبرى، أي إن الذرات تتحرك على وفق المقدار المعنوي الآتي من القدر، وحسب الأمر المعنوي لذلك المقدار.
فما دامت تجلياتُ القَدر موجودة في الأشياء المادية المشهودة إلى هذه الدرجة، فلابد أن أوضاع الأشياءِ الحاصلة والصوَر التي تلبسها والحركات التي تؤديها بمرور الزمان تابعة أيضا لانتظام القدر.
نعم، إنّ في البذرة تجليين للقدر:
الأول: "بديهي" يخبر ويشير إلى الكتاب المبين الذي هو عنوان الإرادة والأوامر التكوينية.
والآخر: تجلٍ نظري "معقول" يُخبر ويرمز إلى الإمام المبين الذي هو عنوان الأمرِ والعلم الإلهي.
فی"القدر البديهي" هو ما تتضمن تلك البذرة من أوضاع وكيفيات وهيئات مادية للشجرة، والتي ستشاهَد فيما بعد.
— 542 —
و"القدر النظري" هو ما سيُخلَق من تلك البذرة من أوضاع وأشكال وحركات وتسبيحات طَوالَ حياة الشجرة، وهي التي يُعبّر عنها بتاريخ حياة الشجرة. فتلك الأوضاع والأشكال والأفعال تتبدل حينا بعد حين إلّا أن لها مقدارا قدَريا منتظما، كما هو الظاهر في أغصان الشجرة وأوراقها. فلئن كان للقدر تجلٍ كهذا في الأشياء الاعتيادية والبسيطة، فلابد أنّ هذا يفيد أن الأشياء كلَّها قبل كونِها ووجودِها مكتوبةٌ في كتاب، ويمكن أن يُفهَم ذلك بشيء من التدبر.
أما الدليل على أن تاريخ حياة كل شيء، بعد وجوده وكونهِ مكتوبٌ؛ فهو جميعُ الثمرات التي تخبر عن الكتاب المبين والإمام المبين، والقوةُ الحافظة للإنسان التي تشير إلى اللوح المحفوظ وتخبر عنه. كلّ منها شاهد صادق، وأمارة وعلامة على ذلك. نعم، إن كل ثمرة تُكتب في نواتها -التي هي في حُكم قلبها- مقدّراتُ حياة الشجرة ومستقبلُها أيضا.
والقوة الحافظة للإنسان -التي هي كحبة خردل في الصغر- تَكتب فيها يدُ القدرة بقلم القدر تاريخَ حياة الإنسان وقسما من حوادث العالم الماضية كتابةً دقيقة، كأنها وثيقة وعهد صغير من صحيفة الأعمال أعطته تلك القدرةُ للإنسان ووضعَتها في زاوية من دماغه، ليذكره بها وقتَ المحاسبة، وليطمئنّ أنّ خلف هذا الهرج والمرج والفناء والزوال، مرايا للبقاء، رسَمَ فيها القديرُ هوياتِ الزائلاتِ، وألواحٌ يَكتب فيها الحفيظ العليم معاني الفانيات.
نحصل مما سبق: أنّ حياة النباتات، إن كانت منقادةً إلى هذا الحد لنظام القدر مع أنها أدنى حياةٍ وأبسطُها، فإنّ حياة الإنسان التي هي في أعلى مرتبة من مراتب الحياة، لابد أنها رُسِمت بجميع تفرعاتها بمقياس القدر وكُتبت بقلمِه.
نعم، كما أن القطراتِ تُخبر عن السحاب، والرشحاتِ تدل على نبع الماء، والمستنداتِ والوثائق تشير إلى وجود السجل الكبير. كذلك الثمراتُ والنُطف والبذور والنوى والصور والأشكال الماثلة أمامَنا، وهي في حكم رشحاتِ القدر البديهي، أي الانتظام المادي في الأحياء، وقطراتِ القدر النظري -أي الانتظام المعنوي والحياتي- وبمثابة مستنداتِهما ووثائِقهما.. تدل بالبداهة على الكتاب المبين، وهو سجلُّ الإرادة والأوامر التكوينية، وعلى اللوح المحفوظ، الذي هو ديوان العلم الإلهي، الإمام المبين.
— 543 —
النتيجة: ما دمنا نرى أنّ ذراتِ كل كائن حي، في أثناء نموه ونشوئه ترحل إلى حدودٍ ونهاياتٍ ملتوية منثنية وتقف عندها. وتغيّر طريقَها لتُثمر في تلك النهايات حكمةً وفائدة ومصلحة. فبالبداهة أن المقدار الظاهري لذلك الشيء قد رُسم بقلم القدر.
وهكذا، فإن القدر البديهي المشهود يدل على ما في الحالات المعنوية أيضا لذلك الكائن الحي من حدود منتظمة ومثمرة ونهايات مفيدة قد رُسمت بقلم القدر أيضا. فالقدرةُ مصدر، والقَدرُ مِسْطَر، تُسطِّر القدرةُ على مسطر القدر، ذلك الكتابَ للمعاني.
فما دمنا ندرك إدراكا جازما أن ما رُسم من حدود وثمرات ونهايات حكيمة، إنما هو بقلم القدر المادي والمعنوي، فلابد أن ما يجريه الكائنُ الحي طوال حياته من أحوال وأطوار قد رُسم أيضا بقلم ذلك القدر. إذ إن تاريخ حياته يجري على وفق نظام وانتظام، مع تغييره الصور واتخاذه الأشكال. فما دام قلمُ القدر مهيمنا على جميع ذوي الحياة، فلاشك أن تاريخ حياة الإنسان -الذي هو أكملُ ثمرة من ثمرات العالم وخليفةُ الأرض الحامل للأمانة الكبرى- أكثر انقيادا لقانون القدر من أي شيء آخر.
فإن قال: إنّ القدر قد كبّلنا وسَلبَ حريتنا، ألاَ ترى أن الإيمان بالقدر يورث ثقلا على القلب ويولد ضيقا في الروح، وهما المشتاقان إلى الانبساط والجولان؟
والجواب: كلّا، حاشَ للّٰه! فكما أن القدر لا يورث ضيقا، فإنه يمنح خفةً بلا نهاية وراحة بلا غاية وسرورا ونورا يحقق الأمن والأمان والرَّوح والريحان؛ لأنّ الإنسان إن لم يؤمن بالقدر يضطر لأن يحمل ثقلا بقدْر الدنيا على كاهل روحه الضعيف، ضمن دائرة ضيقة وحرية جزئية وتحرر مؤقت. لأنّ الإنسان له علاقات مع الكائنات قاطبة، وله مقاصدُ ومطالب لا تنتهيان، إلّا أنّ قدرتَه وإرادتَه وحريتَه لا تكفي لإيفاء واحدٍ من مليون من تلك المطالب والمقاصد. ومن هنا يُفهم مدى ما يقاسيه الإنسان من ثقل معنوي في عدم الإيمان بالقدر، وكم هو مخيف وموحش.
بينما الإيمان بالقدر يحمل الإنسان على أن يضع جميعَ تلك الأثقال في سفينة القدر، مما يمنحه راحةً تامة، إذ ينفتح أمامَ الروح والقلب ميدانُ تجوال واسع، فيسيران في طريق كمالاتهما بحرية تامة. بيد أنّ هذا الإيمان يسلب من النفس الأمارة بالسوء حريتَها الجزئية ويكسر فرعونيتَها ويحطّم ربوبيتَها ويحدّ من حركاتها السائبة.
— 544 —
ألاَ إنّ الإيمان بالقدر لذيذ ما بعده لذة، وسعادة ما بعدها سعادة. وحيث لا نستطيع تعريف تلك اللذة والسعادة، نشير إليهما بالمثال الآتي:
رجلان يسافران معا إلى عاصمة سلطان عظيم، ويدخلان إلى قصر السلطان العامر بالعجائب والغرائب. أحدهما لا يعرف السلطان ويريد أن يسكن في القصر خلسة ويُمضيَ حياته بغصب الأموال، فيعمل في حديقة القصر. ولكن إدارة تلك الحديقة وتدبيرها وتنظيم وارداتها وتشغيل مكائنها وإعطاء أرزاق حيواناتها الغريبة وأمثالها من أمورها المرهقة دفعَته إلى الاضطراب الدائم والقلق المستمر، حتى أصبحت تلك الحديقة الزاهية الشبيهة بالجنة جحيما لا يطاق، إذ يتألم لكل شيء يعجز عن إدارته، فيقضي وقته بالآهات والحسرات. وأخيرا يُلقى به في السجن عقابا وتأديبا له على سوء تصرفه وأدبه.
أما الشخص الثاني فإنه يعرف السلطان، ويعدّ نفسَه ضيفا عليه، ويعتقد أنّ جميع الأعمال في القصر والحديقة تُدار بسهولة تامة، بنظام وقانون وعلى وفق برنامج ومخطط. فيلقي الصعوبات والتكاليف إلى قانون السلطان، مستفيدا بانشراح تام وصفاء كامل من متع تلك الحديقة الزاهرة كالجنة. ويرى كل شيء جميلا حقا، استنادا إلى عطف السلطان ورحمته، واعتمادا على جمال قوانينه الإدارية.. فيقضي حياته في لذة كاملة وسعادة تامة.
فافهم من هذا سرَّ: "من آمن بالقدر أمِنَ من الكَدر".
المبحث الرابع
إذا قلت: لقد أثبت في المبحث الأول أنّ كل ما للقدر جميل وخير، بل حتى الشر الآتي منه خير، والقبحُ الوارد منه جميل؛ بينما المصائبُ والبلايا التي تنیزل في دار الدنيا هذه تجرح هذا الحُكم وتقدحُ بهذا الإثبات.
الجواب: يا نفسي، ويا صاحبي! يا من تتألمان كثيرا لشدة ما تحملان من شفقة ورأفة، اعلما أن الوجود خيرٌ محض والعدمَ شر محض. والدليلُ هو رجوعُ جميع المحاسن والكمالات والفضائل إلى الوجود، وكونُ العدم أساسَ جميع المعاصي والمصائب والنقائص.
ولما كان العدمُ شرا محضا، فالحالات التي تنجرّ إلى العدم أو يُشمُّ منها العدمُ تتضمن
— 545 —
الشر أيضا؛ لذا فالحياة التي هي أسطعُ نور للوجود، تتقوى بتقلّبها ضمن أحوال مختلفة، وتتصفّى بدخولها أوضاعا متباينة، وتثمر ثمراتٍ مطلوبة باتخاذها كيفيات متعددة، وتبين نقوشَ أسماءِ واهبِ الحياة بيانا لطيفا وجميلا بتحولها في أطوار متنوعة.
وبناءً على هذه الحقيقة تُعرض حالات على الأحياء في صور الآلام والمصائب والمشقات والبليات، فتتجدد بتلك الحالات أنوارُ الوجود في حياتهم وتتباعد عنها ظلماتُ العدم، وإذا بحياتهم تتطهر وتتصفى، ذلك لأن التوقفَ والسكون والسكوت والعطالة والدعة والرتابة، كل منها عدم في الكيفيات والأحوال، حتى إن أعظم لذة من اللذائذ تتناقص بل تزول في الحالات الرتيبة.
حاصل الكلام: لما كانت الحياةُ تبيّن نقوشَ الأسماء الحسنى، فكلُّ ما ينیزل بالحياة إذن جميل وحسن.
فمثلا: إن صانعا ثريّا ماهرا يكلّف رجلا فقيرا لقاء أجرةٍ معينة ليقوم له في ظرف ساعة بدور النموذج (موديل)، لأجل إظهار آثار صنعته الجميلة وإبراز مدى ثرواته القيّمة. فيُلبسه ما نسجَه من حُلة قشيبة في غاية الجمال والإبداع، ويُجرى عليه أعمالا ويُظهر أوضاعا وأشكالا شتى لإظهار خوارق صنائعه وبدائع مهاراته، فيقصّ ويبدّل ويطوّل ويقصّر، وهكذا..
تُرى أَيَحِقُّ لذلك الفقير الأجير أن يقول لذلك الصانع الماهر: "إنك تتعبني وترهقني بطلبك منّي الانحناء مرة والاعتدال أخرى.. وإنك تشوّه بقصّك وتقصيرك هذا القميص الذي يجمّلني ويزينني؟" تُرى أيقدر أن يقول له: "لقد ظلمتَ وما أنصفتَ؟!".
وكذلك الأمر في الصانع الجليل الفاطر الجميل -وللّٰه المثل الأعلى- إذ يبدّل قميص الوجود الذي ألبسه ذوي الحياة، ويقلّبه في حالات كثيرة، ذلك القميصُ المرصع باللطائف والحواس كالعين والأذن والعقل والقلب وأمثالها، يبدّله ويقلّبه إظهارا لنقوش أسمائه الحسنى.
ففي الأوضاع التي تتّسم بالآلام والمصائب أنوارُ جمالٍ لطيف تشفّ عن أشعة رحمةٍ ضمن لمعات الحكمة الإلهية، إظهارا لأحكام بعض الأسماء الحسنى.
— 546 —

الخاتمة

هذه فقرات خمس أسكتت النفسَ الأمارة بالسوء لسعيد القديم، تلك النفس الجاهلة المتفاخرة المغرورة المرائية المعجبة بنفسها.
الفقرة الأولى ما دامت الأشياءُ موجودةً ومتقنةَ الصُنع، فلابد أن صانعا ماهرا قد صنعها. فلقد أثبتنا في "الكلمة الثانية والعشرين" إثباتا قاطعا أنه إن لم تُسنَد كلُّ الأشياء إلى الواحد الأحد، يتعسّر كلُّ شيء كتعسر الأشياء كلها، وإن أسند كل شيء إلى الواحد الأحد، تسهُل الأشياءُ كلها كسهولة شيء واحد.
ولما كان الذي خلق الأرض والسماوات هو الواحد الأحد، فلابد أن ذلك البديع الحكيم لا يُعطي ثمرات الأرض والسماوات ونتائجَهما وغاياتِهما -وهم ذوو الحياة- إلى غيره فيفسدَ الأمور، ولا يمكن أن يسلّمها إلى أيدي الآخرين فيعبثَ بجميع أعماله الحكيمة، ولا يمكن أن يبيدَها.. ولا يسلّمُ أيضا شكرَها وعباداتها إلى غيره.
الفقرة الثانية يا نفسي المغرورة! إنكِ تشبهين ساق العنب، لا تغترّي ولا تفتخري، فتلك الساق لم تعلّق العناقيدَ على نفسها، بل علّقها عليها غيرُها.
الفقرة الثالثة يا نفسي المرائية! لا تغتري قائلة: "إنني خدمتُ الدين". فإن الحديث الشريف صريح بی"أن اللّٰه ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر". [٭]: البخاري، الجهاد ١٨٢. فعليك أن تعُدّي نفسكِ ذلك الرجل الفاجر، لأنكِ غير مزكاة. واعلمي أن خدمتك للدين وعباداتك ما هي إلّا شكرُ ما أنعم اللّٰه عليك، وهي أداء لوظيفة الفطرة وفريضة الخلق ونتيجة الصنعة الإلهية.. اعلمي هذا وأنقذي نفسك من العُجب والرياء.
— 547 —
الفقرة الرابعة إن كنتِ ترومين الحصول على علم الحقيقة، والحكمة الحقة، فاظفري بمعرفة اللّٰه؛ إذ حقائق الموجودات كلُّها، إنما هي أشعةُ اسم اللّٰه الحق، ومظاهرُ أسمائه الحسنى، وتجلياتُ صفاته الجليلة. واعلمي أن حقيقة كل شيء ماديا كان أو معنويّا وجوهريا أو عرضيا، وحقيقة الإنسان نفسه، إنما تستند إلى نور من أنوار أسمائه تعالى وترتكز على حقيقته. وإلّا فهي صورة تافهة لا حقيقة لها. ولقد ذكرنا في ختام "الكلمة العشرين" شيئا من هذا البحث.
يا نفسي! إن كنت مشتاقة إلى هذه الدنيا، وتفرين من الموت، فاعلمي يقينا أنّ ما تظنينَه حياةً، ما هو إلّا الدقيقة التي أنت فيها. فما قبل تلك الدقيقة من زمان وما فيه من أشياء دنيوية كلّه ميت، وما بعد تلك الدقيقة من زمان وما فيه كله عدم، لاشيء. بمعنى أنّ ما تفتخرين به وتغترين به من حياة فانية ليس إلّا دقيقة واحدة، حتى إن قسما من أهل التدقيق قالوا: إن الحياة عاشرة عشر من الدقيقة، بل آنٌ سيّالٌ.. من هنا حَكَم قسم من أهل الولاية والصلاح بعدمية الدنيا من حيث إنها دنيا.
فما دام الأمر، هكذا فدعي الحياة المادية النفسية، واصعدي إلى درجات حياة القلب والروح والسر، وانظري، ما أوسع دائرة حياتها، فالماضي والمستقبل الميتان بالنسبة لك حيّان بالنسبة لها وموجودان.
فيا نفسي: ما دام الأمر هكذا، ابكي كما يبكي قلبي واستغيثي وقولي:
أنا فانٍ، مَن كان فانيا لا أريد
أنا عاجز، مَن كان عاجزا لا أريد..
سلّمتُ روحي للرحمن، سواه لا أريد..
بل أريد، ولكن حبيبا باقيا أريد..
أنا ذرة..
ولكنْ شمسا سرمدا أريد.
أنا لاشيء ومن غير شيء، ولكنْ الموجوداتِ كلَّها أريد.
— 548 —
الفقرة الخامسة هذه الفقرة خطرت باللغة العربية وكُتبت كما وردتْ. وهي إشارة إلى مرتبة من المراتب الثلاث والثلاثين في ذكر "اللّٰه أكبر":
اللّٰه أكبر؛ إذ هو القديرُ العليم الحكيم الكريم الرحيم الجميل النقّاش الأزلي الذي ما حقيقةُ هذه الكائناتِ كلّا وجزءا وصحائفَ وطبقاتٍ وما حقائقُ هذه الموجودات كليا وجزئيا ووجودا وبقاءً إلّا خطوطُ قلمِ قضائِه وقَدَره وتنظيمه وتقديرِه بعلمٍ وحكمةٍ... ونقوشُ بركار علمِه وحكمته وتصويره وتدبيره بصنعٍ وعنايةٍ... وتزييناتُ يدِ بيضاء صُنعِه وعنايته وتزيينه وتنويره بلطف وكرمٍ... وأزاهيرُ لطائفِ لطفه وكرمه وتودده وتعرُّفه برحمةٍ ونعمةٍ... وثمراتُ فيّاضِ رحمته ونعمته وترحمه وتحنّنه بجمال وكمال... ولمعاتُ وتجلياتُ جمالِه وكماله بشهادات تفانيةِ المرايا وسياليةِ المظاهر مع بقاء الجمال المجرد السرمدي، الدائمِ التجلي والظهور، على مرّ الفصول والعصور والدهور، ودائمِ الإنعام على مرّ الأنام والأيام والأعوام.
نعم، فالأثرُ المكمَّل يدل ذا عقل على الفعل المكمَّل، ثم الفعلُ المكمَّل يدل ذا فهم على الاسم المكمَّل، ثم الاسم المكمَّل يدل بالبداهة على الوصف المكمَّل، ثم الوصفُ المكمَّل يدل بالضرورة على الشأن المكمَّل ثم الشأن المكمَّل يدل باليقين على كمال الذات بما يليق بالذات وهو الحق اليقين.
نعم، تفاني المرآة، زوالُ الموجودات، مع التجلي الدائم، مع الفيض الملازم.. من أظْهرِ الظواهر أن الجمال الظاهر، ليس مُلكَ المظاهر.. من أفصح تبيانٍ.. من أوضح برهان للجمال المجرد للإحسان المجدد للواجب الوجود.. للباقي الودود..
اللّٰهمَّ صَلِّ عَلى سَيّدنا مُحَمَّدٍ مِنَ الأزلِ إلَى الأبَدِ عَدد مَا فِي عِلم اللّٰه وعَلى آلهِ وصَحبهِ وَسلِّمْ.
— 549 —

ذيل

هذا الذيلُ القصير جدّا له أهمية عظيمة ومنافعُ للجميع
للوصول إلى اللّٰه سبحانه وتعالى طرائقُ كثيرة، وسبُل عديدة. وموردُ جميع الطرق الحقة ومنهلُ السبل الصائبة هو القرآن الكريم. إلّا أن بعضَ هذه الطرق أقربُ من بعض وأسلمُ وأعمُّ.
وقد استفدتُ من فيض القرآن الكريم -بالرغم من فهمي القاصر- طريقا قصيرا وسبيلا سويا هو: طريقُ العَجز، الفقر، الشفقة، التفكر.
نعم، إنّ العجز كالعشق طريق موصل إلى اللّٰه، بل أقربُ وأسلم، إذ هو يوصِل إلى المحبوبية بطريق العبودية... والفقر مثلُه يوصل إلى اسم اللّٰه "الرحمن"... وكذلك الشفقة كالعشق موصل إلى اللّٰه إلّا أنه أنفذُ منه في السير وأوسعُ منه مدى، إذ هو يوصل إلى اسم اللّٰه "الرحيم"... والتفكر أيضا كالعشق إلّا أنه أغنى منه وأسطعُ نورا وأرحبُ سبيلا، إذ هو يوصل السالكَ إلى اسم اللّٰه "الحكيم".
وهذا الطريق يختلف عما سلكه أهلُ السلوك في طرق الخفاء ذات الخطوات العشر -كاللطائف العشر- وفي طرق الجهر ذات الخطوات السبع -حسب النفوس السبعة- فهذا الطريقُ عبارة عن أربع خطوات فحسب، وهو حقيقة شرعية أكثر مما هو طريقة صوفية.
ولا يذهبنّ بكم سوءُ الفهم إلى الخطأ. فالمقصودُ بالعَجز والفقر والتقصير إنما هو إظهارُ ذلك كلِّه أمام اللّٰه سبحانه وليس إظهارَه أمام الناس.
أما أورادُ هذا الطريق القصير وأذكارُه فتنحصر في اتباعِ السنة النبوية، والعملِ بالفرائض، ولا سيما إقامة الصلاة باعتدال الأركان، والعملِ بالأذكار عقبها، وتركِ الكبائر.
أما منابع هذه الخطوات من القرآن الكريم فهي: فلا تُزكّوا انفُسَكم (النجم:٣٢) تشير إلى الخطوة الأولى... ولا تكونوا كالذين
— 550 —
نَسُوا اللّٰه فأنساهُم أنفُسَهم (الحشر:١٩) تشير إلى الخطوة الثانية... ما اصابكَ مِن حسنةٍ فمن اللّٰه، ومَا اصابكَ مِن سيئةٍ فِمن نفسِك (النساء:٧٩) تشير إلى الخطوة الثالثة... كلُّ شيءٍ هالكٌ الّا وجْهَه (القصص:٨٨) تشير إلى الخطوة الرابعة.
وإيضاح هذه الخطوات الأربع بإيجاز شديد كالآتي:
الخطوة الأولى كما تشير إليها الآيةُ الكريمة: فلا تُزكّوا انفُسَكم وهي عدمُ تزكيةِ النفس. ذلك لأن الإنسان حسب جبلّته، وبمقتضى فطرته، محب لنفسه بالذات، بل لا يحبّ إلّا ذاتَه في المقدمة. ويضحّي بكل شيء من أجل نفسه، ويمدح نفسَه مدحا لا يليق إلّا بالمعبود وحدَه، وينیزّه شخصَه ويبرئ ساحةَ نفسه، بل لا يقبل التقصير لنفسِه أصلا ويدافع عنها دفاعا قويا بما يشبه العبادة، حتى كأنه يصرف ما أودعَه اللّٰه فيه من أجهزةٍ لحمده سبحانه وتقديسه إلى نفسه، فيصيبُه وصفُ الآية الكريمة: من اتّخذ الهَه هَواه (الفرقان:٤٣) فيعجَبُ بنفسه ويعتدّ بها.. فلابد إذن من تزكيتها. فتزكيتُها في هذه الخطوة وتطهيرُها هي بعدم تزكيتها.
الخطوة الثانية كما تلقّنه الآيةُ الكريمة من درسِ ولا تكونوا كالذين نَسُوا اللّٰه فأنساهُم أنفُسَهم . وذلك: أن الإنسان ينسى نفسَه ويغفل عنها، فإذا ما فكّر في الموت صرفَه إلى غيره، وإذا ما رأى الفناءَ والزوال دفعَه إلى الآخرين، وكأنه لا يعنيه بشيء، إذ مقتضى النفسِ الأمارة أنها تذكُر ذاتَها في مقام أخذ الأجرة والحظوظ وتلتزم بها بشدة، بينما تتناسى ذاتَها في مقام الخدمة والعمل والتكليف. فتزكيتُها وتطهيرُها وتربيتُها في هذه الخطوة هي العملُ بعكس هذه الحالة، أي عدمُ النسيان في عين النسيان، أي نسيانُ النفس في الحظوظ والأجرة، والتفكرُ فيها عند الخدمات والموت.
والخطوة الثالثة هي ما ترشد إليه الآيةُ الكريمة:
ما اصابكَ مِن حسنةٍ فمن اللّٰه، ومَا اصابكَ مِن سيئةٍ فِمن نفسِك
وذلك: أنّ ما تقتضيه النفسُ دائما أنها تنسب الخيرَ إلى ذاتها، مما يسوقُها هذا إلى
— 551 —
الفخر والعجب. فعلى المرء في هذه الخطوة أن لا يرى من نفسه إلّا القصورَ والنقصَ والعجزَ والفقرَ، وأن يرى كلَّ محاسنه وكمالاته إحسانا من فاطره الجليل، ويتقبَّلها نِعما منه سبحانه، فيشكر عندئذ بدلَ الفخر، ويحمدُ بدل المدح والمباهاة. فتزكيةُ النفس في هذه المرتبة هي في سر هذه الآية الكريمة: قَد أفلَحَ مَنْ زَكّاها (الشمس:٩). وهي أنْ تعلم بأن كمالَها في عدم كمالِها، وقدرتَها في عجزِها، وغناها في فقرِها، (أي كمالُ النفس في معرفة عدم كمالِها، وقدرتُها في عجزها أمام اللّٰه، وغناها في فقرها إليه).
الخطوة الرابعة هي ما تعلّمُه الآية الكريمة: كلُّ شيءٍ هالكٌ الّا وجْهَه . ذلك لأنّ النفسَ تتوهم نفسَها حرةً مستقلة بذاتها، لذا تدّعى نوعا من الربوبية، وتُضمِر عصيانا حيال معبودها الحق. فبإدراك الحقيقة الآتية ينجو الإنسانُ من ذلك وهي أنّ كلَّ شيء بحدّ ذاته، وبمعناه الاسمي: زائل، مفقود، حادث، معدوم. إلّا أنه في معناه الحرفي، وبجهة قيامه بدور المرآةِ العاكسةِ لأسماء الصانع الجليل، وباعتبار مهامّه ووظائفه: شاهد، مشهود، واجد، موجود.
فتزكيتُها في هذه الخطوة هي معرفةُ أنّ عدمَها في وجودها ووجودَها في عدمها، أي إذا رأت ذاتَها وأعطت لوجودها وجودا، فإنها تغرق في ظلماتِ عدمٍ يسع الكائنات كلَّها. يعني إذا غفلتْ عن مُوجِدها الحقيقي وهو اللّٰه، مغترةً بوجودها الشخصي، فإنها تجد نفسَها وحيدة غريقة في ظلمات الفراق والعدم غير المتناهية، كأنها اليراعةُ في ضيائها الفردي الباهت في ظلمات الليل البهيم. ولكن عندما تترك الأنانيةَ والغرور وترى نفسَها حقا أنها لا شيء بالذات، وإنما هي مرآة تعكس تجليات مُوجِدِها الحقيقي، فتظفر بوجودٍ غير متناهٍ وتربح وجودَ جميع المخلوقات.
نعم، من يجد اللّٰه فقد وجدَ كلَّ شيء، فما الموجوداتُ جميعُها إلَّا تجلياتُ أسمائه الحسنى جلّ جلالُه.
— 552 —
خاتمة
إنّ ما في هذا الطريق، طريق العجز والفقر والشفقة والتفكّر من أربع خطوات قد سبق إيضاحاتها في "الكلمات الست والعشرين" السابقة من كتاب "الكلمات" الذي يبحث عن علمِ الحقيقة، حقيقةِ الشريعة، حكمةِ القرآن الكريم.
إلّا أننا نشير هنا إشارة قصيرة إلى بضع نقاط وهي: أن هذا الطريق هو أقصرُ وأقربُ من غيره، لأنه عبارة عن أربع خطوات. فالعجزُ إذا ما نفض يده من النفس يسلّمها مباشرة إلى "القدير" ذي الجلال؛ بينما العشقُ إذا نفض يده من النفس - في طريق العشق الذي هو أنفذُ الطرق الموصلة إلى اللّٰه - فإنه يتشبث بالمعشوق المجازي، وعندما يرى زوالَه يصل إلى المحبوبَ الحقيقي.
ثم إنّ هذا الطريق أسلمُ من غيره، لأن ليس للنفس فيه شطحاتٌ أو ادعاءات فوق طاقتها، إذ المرءُ لا يجد في نفسه غير العجز والفقر والتقصير فيتجاوزُ حدَّه.
ثم إنّ هذا الطريق طريق عام وجادة كبرى، لأنه لا يضطر إلى إعدام الكائنات ولا إلى سَجنها، حيث إن أهل "وحدة الوجود" توهموا الكائنات عدما، فقالوا: "لا موجود إلّا هو" لأجل الوصول إلى الاطمئنان والحضور القلبي. وكذا أهل "وحدة الشهود"، حيث سجنوا الكائنات في سجن النسيان، فقالوا: "لا مشهود إلّا هو" للوصول إلى الاطمئنان القلبي. بينما القرآنُ الكريم يعفو الكائنات بكل وضوح عن الإعدام ويطلق سراحَها من السجن.
فهذا الطريق على نهج القرآن ينظر إلى الكائنات على أنها مسخرة لفاطرها الجليل وخادمة في سبيله، وأنها مظاهرُ لتجليات الأسماء الحسنى كأنها مرايا تعكس تلك التجليات. أي إنه يستخدمها بالمعنى الحرفي ويعزلها عن المعنى الاسمي من أن تكون خادمة ومسخرة بنفسها. وعندها ينجو المرءُ من الغفلة، ويبلغ الحضورَ الدائم على نهج القرآن الكريم. فيجد إلى الحق سبحانه طريقا من كل شيء.
وزبدة الكلام: إن هذا الطريق لا ينظر إلى الموجودات بالمعنى الاسمي، أي لا ينظر إليها أنها مسخرة لنفسِها ولذاتِها، بل يعزلُها من هذا ويقلدها وظيفةَ أنها مسخرة للّٰه سبحانه.
— 553 —

الكلمة السابعة والعشرون

رسالة الاجتهاد
قبل حوالي خمس سنوات أو أكثر كتبتُ بحثا حول "الاجتهاد" في رسالة بالعربية. [٭]: وهي "حباب من عمان القرآن الكريم" من المثنوي العربي النوري.
واستجابةً لرغبة أخوين عزيزين كتبت هذه "الكلمة" إرشادا لمن لا يعرف حدَّه في هذه المسألة، ليدرك ما يجب أن يقف عنده.
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم ٭ وَلَو رَدّوه الى الرسول والى أولي الامرِ منهُم لَعَلِمه الذين يَستنبطونَه منهم
(النساء:٨٣)
إنّ باب الاجتهاد مفتوح، إلّا أنّ هناك ستةَ موانع في هذا الزمان تحُول دون الدخول فيه.
أولها
كما تُسَدّ المنافذُ حتى الصغيرةُ منها عند اشتداد العواصف في الشتاء، ولا يُستصوَب فتحُ أبواب جديدة، وكما لا تُفتح ثغورٌ لترميم الجدران وتعمير السدود عند اكتساح السيول، لأنه يُفضي إلى الغرق والهلاك.. كذلك من الجناية في حق الإسلام فتحُ أبوابٍ جديدة في قصره المنيف، وشقُّ ثغرات في جدرانه، مما يمهّد السبيلَ للمتسللين والمخرّبين باسم الاجتهاد، ولاسيما في زمن المنكرات، ووقتِ هجوم العادات الأجنبية واستيلائها، وأثناءِ كثرةِ البدع وتزاحم الضلالة ودمارها.
— 554 —

ثانيها

إنّ الضروريات الدينيةَ التي لا مجال فيها للاجتهاد لقطعيتها وثبوتها، والتي هي في حُكم القوت والغذاء، قد أهملت في العصر الحاضر وأخذت بالتصدع. فالواجبُ يحتّم صرفَ الجهود وبذلَ الهمم جميعا لإحياء هذه الضروريات وإقامتها، حيث إن الجوانبَ النظرية للإسلام قد استَثرتْ بأفكار السلف الصالحين وتوسعت باجتهاداتهم الخالصة، حتى لم تعُد تضيق بالعصور جميعا؛ لذا فإن تركَ تلك الاجتهادات الزكيّة والانصراف عنها إلى اجتهادات جديدة اتّباعا للهوى إنما هو خيانة مبتدَعة.
ثالثها
مثلما يُروَّج لمتاعٍ في السوق حسب المواسم ويُرغَّب فيه، كذلك أسواقُ الحياة الاجتماعية ومَعارضُ الحضارة البشرية في العالم، فترى متاعا يُرغَّب فيه في عصر، فيكون له رواج، فتُوجَّه إليه الأنظار، وتُجذَب نحوه الأفكار، فتحوم حولَه الرغبات.
فمثلا: إنّ المتاع الذي تُلْفَتُ إليه الأنظارُ في عصرنا الحاضر ويرغّب فيه هو الانشغالُ بالأمور السياسية وأحداثها، وتأمينُ الراحة في الحياة الدنيا وحصرُ الهمّ بها، ونشرُ الأفكار المادية وترويجُها. بينما نرى أن السلعةَ الغالية النفيسة، والبضاعةَ الرائجة المقبولة في عصر السلف الصالح وأكثرَ ما يرغَّب فيه في سوق زمانهم هو إرضاءُ رب السماوات والأرض والوقوفُ عند حدوده، واستنباطُ أوامره ونواهيه من كلامه الجليل، والسعيُ لنيل وسائل الوصول إلى السعادة الخالدة التي فَتَح أبوابَها إلى الأبد القرآنُ الكريم ونورُ النبوة الساطع. فكانت الأذهانُ والقلوبُ والأرواحُ كلُّها متوجهةً -في ذلك العصر- وبكل قواها إلى معرفة مرضاة اللّٰه سبحانه وإدراكِ مرامي كلامِه، حتى باتت وجهةُ حياتهم وأحوالُهم المختلفة وروابطُهم فيما بينهم وحوادثُهم وأحاديثُهم مقبلةً كلُّها إلى مرضاة رب السماوات والأرضين؛ لذا ففي مثل هذه الحياة التي تجري بشتى جوانبها وفقَ مرضاة رب العالمين سبحانه تصبح الحوادثُ بالنسبة لصاحب الاستعداد والقابليات الفطرية دروسا وعِبَرا له من حيث لا يشعر، وكأن قلبَه وفطرتَه يتلقيان الدروس والإرشاد من كل ما حوله، ويستفيدان من كل حادثة وظرفٍ وطور، وكأن كلَّ شيء يقوم بدور معلّم مُرشد يعلّم فطرتَه ويلقّنها ويرشدها ويهيؤها
— 555 —
للاجتهاد، حتى يكاد زيتُ ذكائه يضيء ولو لم تمسَسه نارُ الاكتساب. فإذا ما شرع مثلُ هذا الشخصِ المستعد في مثل هذا المجتمع، بالاجتهاد في أوانه، فإن استعدادَه ينال سرًّا من أسرارِ نور على نور ويُصبح في أقرب وقت وأسرعِه مجتهدا.
بينما في العصر الحاضر؛ فإن تحكّمَ الحضارةِ الأوروبية، وتسلّطَ الفلسفة المادية وأفكارِها، وتعقّد متطلبات الحياة اليومية.. كلَّها تؤدي إلى تشتت الأفكار وحيرةِ القلوب وتبعثر الهمم وتفتت الاهتمامات، حتى أضحت الأمورُ المعنوية غريبةً عن الأذهان.
لذا، لو وجِدَ الآن مَن هو بذكاء "سفيان بن عُيينة" الذي حفِظ القرآن الكريم وجالس العلماء وهو لا يزال في الرابعة من عمره، لاحتاج إلى عشرة أمثال ما احتاجه ابن عيينة ليبلغَ درجةَ الاجتهاد، أي إنه لو كان قد تيسر لسفيان بن عيينة الاجتهادُ في عشر سنوات فإنّ الذي في زماننا هذا قد يحصل عليه في مائة سنة، ذلك لأنّ مبدأ تَعلُّم "سفيان" الفطري للاجتهاد يبدأ من سنّ التمييز ويتهيأ استعدادُه تدريجا كاستعداد الكبريت للنار. أما نظيرُه في الوقت الحاضر فقد غرق فكرُه في مستنقع الفلسفة المادية وسرح عقلُه في أحداث السياسة، وحار قلبُه أمام متطلبات الحياة المعاشية، وابتعدت استعداداتُه وقابلياتُه عن الاجتهاد، فلا جرم قد ابتعد استعدادُه عن القدرة على الاجتهادات الشرعية بمقدار تفنّنه في العلوم الأرضية الحاضرة، وقصُر عن نيل درجة الاجتهاد بمقدار تبحّره في العلوم الأرضية، لذا لا يمكنه أن يقول لِمَ لا أستطيع أن أبلغَ درجة سفيان بن عيينة وأنا مثلُه في الذكاء؟ نعم، لا يحق له هذا القول، كما أنه لن يلحق به ولن يبلغ شأوَه أبدا.
رابعها
إنّ ميلَ الجسم إلى التوسع لأجل النمو إن كان داخليا فهو دليل التكامل، بينما إن كان من الخارج فهو سببُ تمزّق الغلاف والجلد، أي إنه سببُ الهدم والتخريب لا النمو والتوسع.
وهكذا، فإن وجودَ إرادة الاجتهاد والرغبة في التوسع في الدين عند الذين يدورون في فلك الإسلام ويأتون إليه من باب التقوى والورع الكاملَين، وعن طريق الامتثال بالضروريات الدينية، فهو دليلُ الكمال والتكامل، وخيرُ شاهد عليه السلفُ الصالح. أما التطلّع إلى الاجتهاد والرغبة في التوسع في الدين إن كان ناشئا لدى الذين تركوا الضروريات الدينية واستحبّوا
— 556 —
الحياة الدنيا، وتلوّثوا بالفلسفة المادية، فهو وسيلة إلى تخريب الوجود الإسلامي وحل ربقة الإسلام من الأعناق.
خامسها
هناك ثلاثُ نقاط تدعو إلى التأمل والنظر، تجعل اجتهادات هذا العصر أرضية وتسلب منها روحَها السماوي. بينما الشريعةُ سماوية والاجتهاداتُ بدورها سماوية، لإظهارها خفايا أحكامها. والنقاطُ هي الآتية:
أولا: إن "علّة" كلِّ حُكم تختلف عن "حكمته". فالحكمةُ والمصلحة سببُ الترجيح وليست مناطَ الوجود ولا مدارَ الإيجاد، بينما "العلةُ" هي مدارُ وجود الحُكم.
ولنوضح هذا بمثال: تُقصَر الصلاةُ في السفر، فتُصلّى ركعتان. فعلّةُ هذه الرخصة الشرعية السفرُ. أما حكمتُها فهي المشقةُ. فإذا وُجدَ السفرُ ولم تكن هناك مشقة فالصلاة تُقصَر، لأن العلة قائمة وهي السفر. في حين إن لم يكن هناك سفر وكانت هناك أضعاف أضعاف المشقة، فلن تكون تلك المشقات علةَ القصر.
وخلافا لهذه الحقيقة يتوجه نظرُ الاجتهاد في هذا العصر، إلى إقامة المصلحةِ والحكمةِ بدل العلة، وفي ضوئها يصدر حُكمُه، فلا شك أن اجتهادا كهذا أرضي وليس بسماوي.
ثانيا: إنّ نظر هذا العصر متوجه أولا وبالذات إلى تأمين سعادة الدنيا، ويُوَجّه الأحكامَ نحوها، والحال أن قصد الشريعة متوجه أولا وبالذات إلى سعادة الآخرة، وينظر إلى سعادة الدنيا بالدرجة الثانية، ويتخذها وسيلةً للحياة الأخرى، أي إن وجهة هذا العصر غريبة عن روح الشريعة ومقاصدها، فلا تستطيع أن تجتهد باسم الشريعة.
ثالثا: إنّ القاعدة الشرعية: "الضرورات تبيح المحظورات" ليست كليةً، لأن الضرورة إن لم تكن ناشئة عن طريق الحرام تكون سببا لإباحة الحرام. وإلّا فالضرورة التي نشأت عن سوء اختيار الفرد، أو عن وسائل غير مشروعة لن تكون حجةً ولا سببا لإباحة المحظورات ولا مدارا لأحكام الرُخَص.
فمثلا: لو أسكر أحد نفسَه -بسوء اختياره- فتصرفاتُه لدى علماء الشرع حجة عليه،
— 557 —
أي لا يُعذَر. وإن طلّق زوجته فطلاقُه واقع، وإن ارتكب جريمة يعاقَب عليها، ولكن إن كانت من دون اختيار منه، فلا يقع طلاقُه، ولا يعاقَب على ما جنى. فليس لمدمن خمر - مثلا- أن يقول إنها ضرورة لي، فهي إذن حلال لي، حتى لو كان مبتلًى بها إلى حدّ الضرورة بالنسبة له.
فانطلاقا من هذا المفهوم فإن هناك كثيرا من الأمور في الوقت الحاضر ابتلي بها الناس وباتت ضروريةً بالنسبة لهم، حتى أخذت شكل "البلوى العامة". فهذه التي تسمى ضرورةً، لن تكون حجةً لأحكام الرُخَص، ولا تُباح لأجلها المحظورات، لأنها نجمت من سوء اختيار الفرد ومن رغبات غير مشروعة ومن معاملات محرّمة.
وحيث إنّ أهل اجتهاد هذا الزمان قد جعلوا تلك الضرورات مدارا للأحكام الشرعية، لذا أصبحت اجتهاداتُهم أرضيةً وتابعةً للهوى ومشوبة بالفلسفة المادية، فهي إذن ليست سماوية، ولا تصحّ تسميتها اجتهادات شرعية قطعا؛ ذلك لأن أي تصرف في أحكام خالق السماوات والأرض وأي تدخل في عبادة عباده دونما رخصة أو إذن معنوي فهو مردود.
ولنضرب لذلك مثالا: يستحسن بعضُ الغافلين إلقاء خطبة الجمعة وأمثالِها من الشعائر الإسلامية باللغة المحلية لكل قوم دون العربية، ويبررون استحسانهم هذا بسببين:
الأول: "ليتمكن عوام المسلمين من فهم الأحداث السياسية!" مع أنها قد دخلها من الأكاذيب والدسائس والخداع ما جعلها في حُكم وسوسة الشياطين! بينما المنبر مقامُ تبليغ الوحي الإلهي، وهو أرفع وأجلّ من أن ترتقى إليه الوسوسةُ الشيطانية.
الثاني: "الخطبة هي لفهم ما يرشد إليه بعضُ السور القرآنية من نصائح".
نعم؛ لو كان معظم المسلمين يطبقون المسلّمات الشرعية والأحكام المعلومة من الدين بالضرورة، ويمتثلون بها، فلربما كان يُستحسن عند ذاك إيراد الخطبة باللغة المعروفة لديهم، ولكانت ترجمةُ سور من القرآن لها مبرر -إن كانت الترجمة ممكنةً- (٭): لقد أثبتت الكلمة الخامسة والعشرون "المعجزات القرآنية" أنه لا يمكن ترجمة القرآن ترجمة حقيقية. (المؤلف). وذلك ليفهموا النظريات الشرعية والمسائل الدقيقة والنصائح الخفية. أما وقد أهملت في زماننا هذا الأحكامُ الواضحةُ المعلومةُ؛ كوجوب الصلاة والزكاة والصيام وحرمة القتل والزنا والخمر، وأن عوام المسلمين ليسوا بحاجة إلى دروس في معرفة هذا الوجوب وتلك الحرمة بقدر ما هم
— 558 —
بحاجة إلى الامتثال بتلك الأحكام واتّباعها في حياتهم. ولا يتم ذلك إلّا بتذكيرهم وحثّهم على العمل وشحذ الهمم وإثارة غيرة الإسلام في عروقهم، وتحريك شعور الإيمان لديهم كي ينهضوا بامتثال واتّباع تلك الأحكام المطهرة.
فالمسلم العامي -مهما بلغ جهلُه- يدرك هذا المعنى الإجمالي من القرآن الكريم، ومن الخطبة العربية، ويعلم في قرارة نفسه بأن الخطيب أو القاريء للقرآن الكريم يذكّره ويذكّر الآخرين معه، بأركان الإيمان وأسس الإسلام التي هي معلومة من الدين بالضرورة. وعندها يفعم قلبُه بالأشواق إلى تطبيق تلك الأحكام.
ليت شعري أي تعبير في الكون كلّه يمكنه أن يقف على قدميه حيال الإعجاز الرائع في القرآن الكريم الموصول بالعرش العظيم.. وأي ترغيب وترهيب وبيان وتذكير يمكن أن يكون أفضل منه؟!
سادسها
إنّ قربَ عهد المجتهدين العظام من السلف الصالحين لعصر الصحابة الكرام الذي هو عصر الحقيقة وعصر النور يسَّر لهم أن يأخذوا النور الصافي من أقرب مصادره، فتمكّنوا من القيام باجتهاداتهم الخالصة. في حين أن مجتهدي العصر الحديث ينظرون إلى كتاب الحقيقة من مسافة بعيدة جدّا ومن وراء كثير جدّا من الأستار والحُجب حتى ليصعب عليهم رؤية أوضح حرف فيه.
فإن قلتَ: إن مدار الاجتهادات ومصدرَ الأحكام الشرعية هو عدالةُ الصحابة وصدقهم، حتى اتفقت الأمةُ على أنهم عدول صادقون، علما أنهم بشر مثلنا، لا يخلون من خطأ!
الجواب: إنّ الصحابة رضوان اللّٰه عليهم أجمعين هم روّاد الحق وعشاقُه، وهم التواقون إلى الصدق والعدل، لأنه قد تبين في عصرهم قبحُ الكذب ومساوئه، وجمالُ الصدق ومحاسنه بوضوح تام، بحيث أصبح البَون شاسعا بين الصدق والكذب، كالبعد بين الثريا والثرى وبين العرش والفرش!! إذ يوضح ذلك الفارق الكبير بين الرسول الأعظم (ص) الواقف على قمة درجات الصدق وفي أعلى عليين، وبين مسيلمة الكذاب الذي كان في أسفل سافلين وفي أوطأ
— 559 —
دركات الكذب. فالذي أهوى بمسيلمة إلى تلك الدركات الهابطة الدنيئة هو الكذب، والذي رفع محمدا الأمين (ص) إلى تلك الدرجات الرفيعة هو الصدقُ والاستقامة.
لذا فالصحابة الكرام رضوان اللّٰه عليهم الذين كانوا يملكون الهمم العالية والخُلق الرفيع واستناروا بنور صحبة شمس النبوة، لا ريب أنهم ترفّعوا عن الكذب الممقوت القبيح الموجود في بضاعة مسيلمة الكذاب ونجاساتها الموجبة للذلة والهوان -كما هو ثابت- وتجنّبوا الكذبَ كتجنبهم الكفر الذي هو صنوُه، وسعوا سعيا حثيثا في طلب الصدق والاستقامة والحق، وتحرّوه بكل ما أوتوا من قوة وعزم، فشغفوا به ولا سيما في رواية الأحكام الشرعية وتبليغها، تلك الأحكام المتسمة بالحسن وبالجمال القمينة بالمباهاة والفخر، والتي هي وسيلة للعروج صعدا إلى الرقي والكمال، والموصولة السبب بعظمة الرسول (ص) الذي تنورت بنور شعاعه الحياة البشرية.
أمَّا الآن، فقد ضاقت المسافةُ بين الكذب والصدق، وقصُرت حتى صارا متقاربَين بل متكاتفَين، وبات الانتقال من الصدق إلى الكذب سهلا وهينا جدّا بل غدا الكذبُ يفضُل على الصدق في الدعايات السياسية. فإن كان أجملُ شيء يباع مع أقبحه في حانوت واحد جنبا إلى جنب وبالثمن نفسه، فلا ينبغي على مشتري لؤلؤة الصدق الغالي أن يعتمد على كلام صاحب الحانوت ومعرفته دون فحص وتمحيص.
الخاتمة
تتبدل الشرائعُ بتبدل العصور، وقد تأتي شرائعُ مختلفة، وتُرسل رسل كرام في عصر واحد، حسب الأقوام. وقد حدث هذا فعلا.
أما بعد ختم النبوة، وبعثة خاتم الأنبياء والمرسلين عليه أفضل الصلاة والسلام، فلم تعد هناك حاجة إلى شريعة أخرى، لأن شريعته العظمى كافية ووافية لكل قوم في كل عصر.
أمَّا جزئيات الأحكام غير المنصوص عليها التي تقتضي التبديل تبعا للظروف، فإن اجتهادات فقهاء المذاهب كفيلة بمعالجة التبديل. فكما تُبدّل الملابسُ باختلاف المواسم، وتُغيّر الأدوية حسب حاجة المرضى، كذلك تُبدل الشرائعُ حسب العصور، وتدور الأحكام
— 560 —
وفق استعدادات الأمم الفطرية، لأن الأحكام الشرعية الفرعية تتبع الأحوال البشرية، وتأتي منسجمة معها وتصبح دواء لدائها.
ففي زمن الأنبياء السابقين عليهم السلام كانت الطبقات البشرية متباعدةً بعضُها عن بعض، مع ما فيهم من جفاء وشدة في السجايا، فكانوا أقرب ما يكونون إلى البداوة في الأفكار، لذا أتت الشرائعُ في تلك الأزمنة متباينة مختلفة، مع موافقتها لأحوالهم وانسجامها على أوضاعهم، حتى لقد أتى أنبياء متعددون بشرائع مختلفة في منطقة واحدة وفي عصر واحد.
ولكن بمجيء خاتمِ النبيين وهو نبيّ آخر الزمان (ص) تكاملت البشريةُ وكأنها ترقّت من مرحلة الدراسة الابتدائية إلى مرحلة الدراسة الثانوية وأصبحت أهلا لأن تتلقى درسا واحدا، وتنصتَ إلى معلم واحد، وتعمل بشريعة واحدة، لم تعد هناك حاجة إلى شرائع عدة ولا ضرورة إلى معلمين عديدين.
ولكن لعجز البشرية من أن تصل جميعا إلى مستوى واحد، وعدم تمكّنها من السير على نمط واحد في حياتها الاجتماعية فقد تعددت المذاهبُ الفقهية في الفروع. فلو تمكنت البشرية -بأكثريتها المطلقة- أن تحيا حياة اجتماعية واحدة، وأصبحت في مستوى واحد مثل طلاب الدراسة العالية، فحينئذ يمكن أن تتوحد المذاهب. ولكن مثلما لا تسمح أحوالُ العالم، وطبائعُ الناس لبلوغ تلك الحالة، فإن المذاهب كذلك لا تكون واحدة.
فإن قلت: إن الحق واحد، فكيف يمكن أن تكون الأحكام المختلفة للمذاهب الأربعة والاثني عشرَ حقا؟
الجواب: يأخذ الماءُ أحكاما خمسة مختلفة حسب أذواق المرضى المختلفة وحالاتهم: فهو دواء لمريض على حسب مزاجه، أي تناولُه واجب عليه طبّا. وقد يسبب ضررا لمريض آخر فهو كالسمّ له، أي يُحرم عليه طبا، وقد يولّد ضررا أقل لمريض آخر فهو إذن مكروه له طبا، وقد يكون نافعا لآخر من دون أن يضره، فيسنّ له طبا، وقد لا يضر آخر ولا ينفعه، فهو له مباح طبا فليهنأ بشربه.
— 561 —
فنرى من الأمثلة السابقة أنّ الحق قد تعدد هنا، فالأقسام الخمسة كلُّها حق، فهل لك أن تقول: إنّ الماء علاج لا غير، أو واجب فحسب، وليس له حكم آخر؟.
وهكذا -بمثل ما سبق- تتغير الأحكامُ الإلهية بسَوْقٍ من الحكمة الإلهية وحسب التابعين لها. فهي تتبدل حقا، وتبقى حقا ويكون كلُّ حكم منها حقا ويصبح مصلحة.
فمثلا: نجد أن أكثرية الذين يتبعون الإمام الشافعي رضي اللّٰه عنه هم أقرب من الأحناف إلى البداوة وحياة الريف. تلك الحياة القاصرة عن حياة اجتماعية توحّد الجماعة. فيرغب كلُّ فرد في بث ما يجده في نفسه إلى قاضي الحاجات بكل اطمئنان وحضور قلب، ويطلب حاجته الخاصة بنفسه ويلتجئ إليه، فيقرأ "سورة الفاتحة" بنفسه رغم أنه تابع للإمام. وهذا هو عين الحق، وحكمة محضة في الوقت نفسه. أمَّا الذين يتبعون الإمامَ الأعظمَ "أبا حنيفة النعمان" رضي اللّٰه عنه، فهم بأكثريتهم المطلقة أقرب إلى الحضارة وحياة المدن المؤهلة لحياة اجتماعية، وذلك بحكم التزام أغلب الحكومات الإسلامية بهذا المذهب. فصارت الجماعة الواحدة في الصلاة كأنها فرد واحد، وأصبح الفرد الواحد يتكلم باسم الجميع، وحيث إن الجميع يصدقونه ويرتبطون به قلبا، فإن قوله يكون في حكم قول الجميع. فعدمُ قراءة الفرد وراء الإمام بی"الفاتحة" هو عين الحق وذات الحكمة.
ومثلا: لما كانت الشريعة تضع حواجزَ لتحُول دون تجاوز طبائع البشر حدودَها، فتقوّمها بها وتؤدبها، وتُربي النفس الأمارة بالسوء. فلابد أن ينتقض الوضوءُ بمسِّ المرأة، ويضر قليل من النجاسة، حسب المذهب الشافعي الذي أكثر أتباعه من أهل القرى وأنصاف البدو والمنهمكين بالعمل. أما حسب المذهب الحنفي الذين هم بأكثريتهم المطلقة قد دخلوا الحياة الاجتماعية، واتخذوا طور أنصاف متحضرين فلا ينتقض الوضوء بمسِّ المرأة، ويُسمَح بقَدر درهم من النجاسة.
ولننظر الآن إلى عامل وإلى موظف، فالعامل بحكم معيشته في القرية معرّض للاختلاط والتّماس بالنساء الأجنبيات والجلوس معا حول موقد واحد، والولوج في أماكن ملوثة، فهو مبتلًى بكل هذا بحكم مهنته ومعيشته، وقد تجد نفسُه الأمارة بالسوء مجالا أمامَها لتتجاوز حدودَها؛ لذا تُلقي الشريعة في روع هذا صدًى سماويا فتمنع تلك التجاوزات بأمرها له:
— 562 —
لا تمسّ، فينتقض الوضوء. لا تتلوث، فتبطل صلاتُك. أما ذلك الموظف، فهو حسب عادته الاجتماعية لا يتعرض للاختلاط بالنساء الأجنبيات -بشرط أن يكون نبيلا- ولا يلوث نفسه كثيرا بالنجاسات، آخذا بأسباب النظافة المدنية. لذا لم تشدّد عليه الشريعة، بل أظهرت له جانب الرخصة -دون العزيمة- باسم المذهب الحنفي، وخففت عنه قائلة: إن مسّت يدُك امرأة أجنبية فلا ينقض وضوءك، ولا ضرر عليك إن لم تستنج بالماء حياء من الحاضرين، فهناك سماح بقدر درهم من النجاسة، فتخلصه بهذا من الوسوسة، وتنجّيه من التردد.
فهاتان قطرتان من البحر نسوقهما مثالا، قِسْ عليهما، وإذا استطعت أن تَزِنَ موازين الشريعة بميزان "الشعراني" على هذا المنوال فافعل.
سبحانك لا علم لنا إلّا ما علمتنا انك انت العليم الحكيم
اَللّٰهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى مَن تَمثَّلَ فِيهِ أنوَارُ محبَّتِكَ لِجَمَالِ صِفَاتِكَ وَأسمَائِكَ، بِكَونِهِ مِرآةً جَامِعَةً لِتَجَلِّيَاتِ أسمَائِكَ الْحُسنَى.. وَمَن تَمَركَزَ فِيهِ شُعَاعَاتُ محَبَّتِكَ لِصَنعَتِكَ فِي مَصنُوعَاتِكَ بِكَونِهِ أكمَلَ وَأبدَعَ مَصنُوعَاتِكَ، وَصَيرُورَتِهِ أنمُوذَجَ كَمَالاَتِ صَنعَتِكَ، وَفهرستةَ محَاسِنِ نُقُوشِكَ.. وَمَن تَظَاهَرَ فيهِ لَطَائفُ محبَّتِكَ وَرَغبتِكَ لِاستِحْسَانِ صَنعَتِكَ بِكَونِهِ أعلَى دَلّالِي مَحَاسِنِ صَنعَتِكَ وَارفَعَ الْمُستَحسِنِينَ صَوتا فِي إعلاَنِ حُسنِ نُقُوشِكَ وَأبدَعَهُم نَعتا لِكَمَالاَتِ صَنعَتِكَ.. وَمَن تَجَمَّعَ فِيهِ أقسَامُ محبَّتك وَاستِحسَانِكَ لِمَحَاسِنِ أخْلاَقِ مَخلُوقَاتِكَ وَلَطَائِفِ أوصَافِ مَصنُوعَاتِكَ، بِكَونِهِ جَامِعا لِمَحَاسِنِ الْأخْلاَقِ كَافَّةً بِإِحسَانِكَ وَلِلَطَائِفِ الْأوصَافِ قَاطِبةً بِفَیضْلِكَ.. وَمَن صَارَ مصداقًا صادقًا وَمِقْيَاسا فَائقا لِجَمِيعِ مَن ذكرتَ فِي فُرقَانِكَ أنّكَ تُحبُّهُم مِنَ الْمُحسِنِينَ وَالصَّابِرِينَ وَالْمُؤمِنِينَ وَالْمُتَّقينَ وَالتَّوَّابِينَ وَالْأوَّابِينَ وَجَمِيع الْأصْنَافِ الَّذِينَ أحبَبتَهُم وَشَرَّفْتَهُم بِمحَبتِكَ، فِي فُرقَانِكَ حتَّى صَارَ إِمَامَ الحَبِيبِينَ لَكَ، وَسَيدَ الْمَحبُوبِينَ لَكَ وَرَئِيسَ أوِدَّائِكَ وَعَلَى آلِهِ وَأصْحَابِهِ وَإخْوَانِهِ أجمَعِينَ
آمِينَ بِرَحمَتِكَ يَا أرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.
— 563 —

ذيل رسالة الاجتهاد

يخص الصحابة الكرام رضوان اللّٰه تعالى عليهم أجمعين
أقول كما قال مولانا جامي:
يَا رَسُولَ اللّٰهِ چِه بَاشَدْ چُونْ سَگِ اَصْحَابِ كَهْف
دَاخِلِ جَنَّتْ شَوَمْ دَرْ زُمْرَهِٔ اَصْحَابِ تُو
اُو رَوَدْ دَرْ جَنَّتْ وَمَنْ دَرْ جَهَنَّمْ كَىْ رَوَاسْت
اُو سَگِ اَصْحَابِ كَهْف وَمَنْ سَگِ اَصْحَابِ تُو
[٭]: ترجمة الأبيات الفارسية المتصدرة بما يشبه الشعر:
يا رسول اللّٰه ما ضر لو دخلتُ الجنة مع الداخلين،
ككلب أصحاب الكهف في زمرة أصحابك الأولين.
أيُّنا أليَق بالجنة أنا أم مَن حرس الكهف سنين
هو كلب أصحاب الرقيم وأنا كلب أصحاب الأمين.
بِاسمِهِ سُبْحَانَهُ
وان من شيء إلّا يسبح بحمده
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللّٰه وَالذِينَ مَعَهُ أشدّاءُ على الكفّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُم تَراهُمْ رُكَّعًا سُجّدًا يَبْتَغُونَ فیَضْلًا مِن اللّٰهِ وَرِضْوَانًا سيمَاهُمْ فى وُجُوهِهِمْ مِن اَثَرِ السُّجُودِ ذلِكَ مَثَلُهُمْ فى التَّوراةِ وَمَثَلُهُمْ فىِ الانْجِيلِ كَزَرعٍ اَخْرَجَ شَطْئهُ فَآزَرَهُ فَاستَغلَظَ فَاسْتَوى علَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغيظَ بِهِمُ الكُفّار وَعَدَ اللّٰه الّذينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات مِنْهُمْ مَغْفِرةً واَجْرًا عَظيمًا
(الفتح:٢٩).
— 564 —
تسأل يا أخي: أن هناك روايات تفيد أنه عند انتشار البدع يمكن أن يبلغَ مؤمنون صادقون درجة الصحابة الكرام رضوان اللّٰه عليهم وربما يسبقونَهم، فهل هذه الروايات صحيحة؟ وإن كانت كذلك، فما حقيقتُها؟
الجواب: إنّ إجماع أهل السنة والجماعة على أن الصحابة الكرام هم أفضل البشر بعد الأنبياء عليهم السلام، لهو حجة قاطعة بأنّ هذه الروايات هو في حق الفضيلة الجزئية وليس الفضائل الكلية، إذ قد يترجّح المرجوحُ على الراجح في الفضائل الجزئية وفي كمالٍ خاص معين، وإلّا فلا يبلُغ أحد من حيث الفضائل الكلية منیزلةَ الصحابة الكرام الذين أثنى اللّٰه تعالى عليهم في قرآنه المبين ووصفَهم في التوراة والإنجيل، كما هو في ختام سورة الفتح.
وسنبين ثلاثا من الحِكَم المنطوية على أسباب ثلاثة من بين الكثير من الأسباب والحِكم.
الحكمة الأولى
إنّ الصحبة النبوية إكسير عظيم، لها من التأثير الخارق ما يجعل الذين يتشرّفون بها لدقيقة واحدة ينالون من أنوار الحقيقة ما لا ينالُه من يصرف سنينَ من عمره في السير والسلوك؛ ذلك لأن في الصُحبة انصباغا وانعكاسا لأنوارها. إذ يستطيع المرءُ بانعكاس ذلك النور الأعظم أن يرقى إلى مراتب سامية ودرجات رفيعة، وأن يحظى بالتبعية والانتساب بأرفع المقامات. مَثلُه في هذا مثلُ خادم السلطان، الذي يستطيع أن يصل إلى مواقع رفيعة لا يقدر على بلوغها قواد السلطان وأمراؤه.
ومن هذا السر نرى أنه لا يستطيع أن يرقى أعظمُ وليٍّ من أولياء اللّٰه الصالحين إلى مرتبة صحابي كريم للرسول الأعظم (ص)، بل حتى لو تَشرّف أولياء صالحون مرارا بصحبة النبي (ص) في الصحوة، كجلال الدين السيوطي مثلا، وأُكرموا بلقائه يقظةً في هذا العالم، فلا يبلغون أيضا درجةَ الصحابة. لأن صحبة الصحابة الكرام للنبي (ص) كانت بنور النبوة، إذ كانوا يصحبونه في حالة كونه نبيا رسولا. أما الأولياءُ الصالحون فإن رؤيتَهم له (ص) إنما هي بعد وفاته، أي بعد انقطاع الوحي، فهي صحبة بنور الولاية، أي إنّ تمثلَ الرسول (ص) وظهورَه لنظرهم إنما هو من حيث الولاية الأحمدية، وليس باعتبار النبوة. فما دام الأمر هكذا، فلا بد أن تتفاوت الصحبتان بمقدار سموّ درجة النبوة وعلوّها على مرتبة الولاية.
— 565 —
ولكي يتوضح ما للصحبة النبوية من تأثير خارق ونور عظيم، يكفي ملاحظة ما يأتي:
بينما أعرابي غليظُ القلب يئد بنتَه بيده، إذا به يكسب خلال حضوره مجلس الرسول (ص) ومن صحبته ساعة من الزمان، رقةَ قلب وسعةَ صدر وشفافيةَ روح ما يجعله يتحاشى قتل نملة صغيرة... أو آخرُ يجهل شرائعَ الحضارة وعلومَها، يحضر مجلسَ الرسول الكريم (ص) يومًا واحدًا فيُصبح مُعلِّما لأرقى الأمم المتحضرة، كالهند والصين. ويحكُم بينهم بالقسطاس المستقيم، ويغدو لهم مثلا أعلى وقدوةً طيبة.
السبب الثاني
لقد أثبتنا في رسالة "الاجتهاد" أنّ الصحابة الكرام هم في قمة الكمال الإنساني، حيث إنّ التحول العظيم الذي أحدثه الإسلامُ في مجرى الحياة في ذلك الوقت، سواء في المجتمع أو في الفرد، قد أبرز جمالَ الخير والحق وأظهر نصاعتَهما الباهرة، وكشف عن خُبث الشر والباطل وبيّن سماجتَهما وقبحَهما، حتى انجلى كلّ من الحق والباطل والصدق والكذب بوضوح تام، يكاد المرءُ يلمسه لمس اليد، وانفرجت المسافةُ بين الخير والشر وبين الصدق والكذب، ما بين الإيمان والكفر، بل ما بين الجنة والنار.
لذا فالصحابة الكرام رضى اللّٰه عنهم الذين وُهبوا فِطَرا سليمة ومشاعرَ سامية، وهم التواقون لمعالي الأمور ومحاسن الأخلاق شدّوا أنظارهم إلى الذي تسنّم قمة أعلى عِلِّيي الكمال والداعي إلى الخير والصدق والحق، بل هو المثال الأكمل والنموذج الأتم، ذلكم الرسول الكريم حبيب رب العالمين محمد (ص)، فبذلوا كل ما وهبهم اللّٰه سبحانه من قوة للانضواء تحت لوائه، بمقتضى سجيّتهم الطاهرة وجبلّتهم النقية، ولم يُر منهم أيُّ ميل كان إلى أباطيل مسيلمة الكذاب الذي هو مثال الكذب والشر والباطل والخرافات.
ولتوضيح الأمر نسوق هذا المثال: تُعرض أحيانا في سوق الحضارة البشرية ومعرض الحياة الاجتماعية أشياء لها من الآثار السيئة المرعبة والنتائج الشريرة الخبيثة ما للسمّ الزعاف للمجتمع. فكل من كانت له فطرة سليمة ينفر منها بشدة ويتجنبها ولا يقربُها.. وتُعرض كذلك أشياء أخرى وأمتعة معنوية في السوق نفسها، لها من النتائج الطيبة والآثار الحسنة ما
— 566 —
يستقطب الأنظارَ إليها، وكأنها الدواء الناجع لأمراض المجتمع، لذا يسعى نحوها المفطورون على الخير والصلاح.
وهكذا، ففي عصر النبوة السعيد وخير القرون على الإطلاق، عُرضَت في سوق الحياة الاجتماعية أمور. فبديهي أن يسعى الصحابة الكرام نحو الصدق والخير والحق لما يملكون من فطر صافية وسجايا سامية، وبديهي كذلك أن ينفروا ويتجنّبوا كلَّ ماله نتائجُ وخيمة وشقاءُ الدنيا والآخرة كالكذب والشر والكفر، فالتفوا حول راية الرسول الكريم (ص) وتجنبوا مهازل مسيلمة الكذاب الذي يمثل الكذب والشر والباطل.
بيد أنّ الأمور تغيرت تدريجيا وبمرور الزمن فلم تبق على حالها كما هي في خير القرون، فتقلصت المسافةُ بين الكذب والصدق رويدا رويدا كلّما اقتربنا إلى عصورنا الحاضرة حتى أصبحا مترادفَين متكاتفين في العصر الحاضر، فصار الصدقُ والكذب يُعرضان معا في معرض واحد، ويصدران معا من مصدر واحد ففسدت الأخلاقُ الاجتماعية واختلت موازينُها. وزادت الدعايات السياسية إخفاءَ قبح الكذب المرعب وسترَ جمال الصدق الباهر.
فهل يقوى أحد على الجرأة في عصر كهذا ويدّعي: أستطيع أن أدنو من مرتبة أولئك الكرام العظام الذين بلغوا من اليقين والتقوى والعدالة والصدق وبذل النفس والنفيس في سبيل الحق ما لم يبلغه أحد، فضلا عن أن يسبقهم؟
سأورد حالة مرّت عليّ توضّح جانبا من هذه المسألة: لقد خطر على قلبي ذات يوم سؤال وهو: لِمَ لا يبلغ أشخاص أمثال محي الدين بن عربي مرتبةَ الصحابة الكرام؟ ثم لاحظتُ في أثناء قولي في سجودٍ في صلاة: "سبحان ربي الأعلى" أن شيئا من الحقائق الجليلة لمعاني هذه الكلمة الطيبة قد انكشف لي، لا أقول كلها، بل انكشف شيء منها. فقلت في قلبي: ليتني أحظى بصلاةٍ كاملة تنكشف لي من معانيها ما انكشف من معاني هذه الكلمة المباركة، فهي خير من عبادة سنةٍ كاملة من النوافل. ثم أدركتُ عقب الصلاة أن تلك الخاطرة وتلك الحال كانت جوابا على سؤالي، وإرشادا إلى استحالة إدراكِ أحدٍ من الناس درجةَ الصحابة الكرام في العبادة؛ ذلك أن التغيير الاجتماعي العظيم الذي أحدثه القرآنُ الكريم بأنواره الساطعة قد ميَّز الأضداد بعضَها عن البعض الآخر، فالشرورُ بجميع توابعها وظلماتها أصبحت في مجابهة
— 567 —
الخير والكمالات مع جميع أنوارها ونتائجها. ففي هذه الحالة المحفّزة لانطلاق نوازع الخير والشر من عقالها، تنبّهت لدى أهل الخير نوازعه، فغدا كلُّ ذكر وتسبيح وتحميد يفيد لديهم معانيَه كاملةً ويعبّر عنها تعبيرا نَدِيّا نضرا، فارتشفتْ مشاعرُهم المرهفة ولطائفُهم الطاهرة بل حتى خيالُهم وسرُّهم رحيقَ المعاني السامية العديدة لتلك الأذكار ارتشافا صافيا يقظا حسب أذواقها الرقيقة. وبناء على هذه الحكمة، فإن الصحابة الكرام الذين كانوا يملكون مشاعر حساسة مرهفة وحواس منتبهة ولطائف يقظة، عندما يذكرون تلك الكلمات المباركة الجامعة لأنوار الإيمان والتسبيح والتحميد يشعرون بجميع معانيها ويأخذون حظهم منها بجميع لطائفهم الزكية.
بيد أن الأمور لم تبق على ذلك الوضع الندي والطراوة والجدّة، فتبدلت تدريجيا بمرور الزمن حتى غطَّت اللطائفُ في نوم عميق، وغفلت المشاعرُ والحواسُّ وانصرفتْ عن الحقائق، ففقدتْ الأجيالُ اللاحقة شيئا فشيئا قدرتَهم على تذوق طراوة تلك الكلمات الطيبة والتلذذ بطعومها ونداوتها، فغدت لديهم كالثمار الفاقدة لطراواتها ونضارتها، حتى لكأنها جفّت ويبست ولم تعد تحمل لهم إلا نیزرا يسيرا من الطراوة، لا تعود إلى حالها الأوّل إلّا بعد إعمال الذهن والتفكر العميق، وبذلِ الجهد وصرف الطاقة. لذا فالصحابي الجليل الذي ينال مقاما وفضيلةً في أربعين دقيقة لا ينالُه غيرُه إلا في أربعين يوما، بل في أربعين سنة. وذلك بفضل الصحبة النبوية الشريفة.
السبب الثالث
لقد أثبتنا في كل من الكلمات "الثانية عشرة والرابعة والعشرين والخامسة والعشرين": أنّ نسبةَ النبوة إلى الولاية كنسبة الشمس المشهودة بذاتِها إلى صورتها المثالية الظاهرة في المرايا، لذا فإن سموَّ منیزلة العاملين في دائرة النبوة وهم الصحابة الكرام الذين كانوا أقربَ النجوم إلى تلك الشمس الساطعة، وعلوَّ مرتبتهم على الأولياء الصالحين، هو بنسبة سموِّ دائرة النبوة وعلوِّها على دائرة الولاية، بل حتى لو كسب أحدُ الأولياء مرتبة الولاية الكبرى، وهي مرتبة ورثة الأنبياء والصديقين وولاية الصحابة، فإنه لا يبلغ مقامَ أولئك الصفوة المتقدمين في الصف الأول، رضوان اللّٰه تعالى عليهم أجمعين.
— 568 —
سنبين ثلاثة أوجه فقط من بين الوجوه العديدة لهذا السبب الثالث:
الوجه الأول: لا يمكن اللحاق بالصحابة الكرام في الاجتهاد، أي في استنباط الأحكام، أي إدراك مرضاة اللّٰه سبحانه من خلال كلامه؛ لأنّ محور ذلك الانقلاب الإلهي العظيم الذي حدث في ذلك الوقت كان يدور على مرضاة الرب من خلال فَهم أحكامه الإلهية. فالأذهانُ كلُّها كانت مفتوحةً متوجهةً إلى استنباط الأحكام، والقلوبُ كلها كانت متلهفةً إلى معرفة: ماذا يريد منا ربُّنا؟ فالمحادثات والمحاورات كانت تتضمن هذه المعاني، والظروف والأحداث تجري في ضوئها.
وحيث إنّ كل شيء في ذلك الوقت وكلَّ حال وكلَّ محاورة ومجالسة ومحادثة وحكاية تجري بما يرشد إلى تلك المعاني ويدل عليها، لذا كانت -تلك الظروف- تكمّل قابليات الصحابة الكرام وتنوّر أفكارَهم وتُهيئ استعداداتِهم لقدح زنادها للاجتهاد واستنباط الأحكام، إذ كانوا يكسبون من المَلَكة على الاستنباط والاجتهاد في يوم واحد أو في شهر واحد ما لا يمكن أن يحصل عليه في هذا الوقت مَن هو في مستوى ذكائهم واستعدادهم في عشر سنوات، بل في مائة سنة، لأن الأنظار في الوقت الحاضر متوجهة إلى نيل حياة دنيوية رغيدة دون سعادة الآخرة الأبدية وحياة النعيم المقيم فيها، فالأنظارُ مصروفة عنها. فهمومُ العيش التي تتضاعف بعدم التوكل على اللّٰه تلقي ثقلَها على روح الإنسان وتجعلها في اضطراب وقلق، والفلسفةُ المادية والطبيعية تكلّ العقلَ وتعمي البصيرة. فترى المحيط الاجتماعي الحاضر مثلما لا يمدّ ذهنَ ذلك الشخص "الذكي" لا يؤازر استعدادَه الفطري نحو الاجتهاد فضلا عن أنه يشتته ويرهقه أكثر.
ولقد عقدنا موازنة في رسالة "الاجتهاد" بين سفيان ابن عيينة ومَن هو في مستوى ذكائه في هذا العصر، وخلُصنا من الموازنة إلى: "أن ما حصل عليه سفيان في عصره من القدرة على الاستنباط في عشر سنوات لا يمكن أن يحصل عليه من هو بمستوى ذكائه في هذا العصر في مائة سنة".
الوجه الثاني: لا يمكن اللحاق بالصحابة الكرام في قربهم من اللّٰه بخطى الولاية؛ ذلك
— 569 —
لأن اللّٰه سبحانه وتعالى هو أقربُ إلينا من حبل الوريد، أما نحن فبعيدون عنه بُعدا مطلقا. والإنسان يمكنه أن ينال القربَ منه بالصورتين الآتيتين:
الصورة الأولى: من حيث انكشاف أقربيته سبحانه وتعالى للعبد. فقربُ النبوة إليه تعالى هو من هذا الانكشاف. والصحابة الكرام من حيث الصحبة النبوية وأنهم ورثةُ النبوة يحظَون بهذا الانكشاف.
الصورة الثانية: من حيث بُعدنا عنه سبحانه، فالتشرف بشيء من قُربه سبحانه يكون بقطع المراتب إليه. وأغلبُ طرق الولاية، وما فيها من سيرٍ وسلوك تجري على هذه الصورة، سواء منها السيرُ الأنفسي أو الآفاقي.
فالصورة الأولى التي هي انكشافُ أقربيته سبحانه -أي قربُه سبحانه من العبد- هبة محضة منه تعالى وليس كسبا قط، بل هو انجذاب إلهي وجذب رحماني، ومحبوبية خالصة. فالطريق قصير، إلّا أنه ثابت رصين، وهو عال رفيع سام جدّا، وخالص طاهر لا ظلَّ فيه ولا كدر.
أما الصورة الأخرى من التقرب إلى اللّٰه، فهي كسبية، طويلة، فيها شوائب وظلال، ورغم أن خوارقها كثيرة فإنها لا تبلغ الصورةَ الأولى من حيث الأهمية والقرب منه تعالى.
ولنوضح ذلك بمثال: لأجل إدراك أمس من هذا اليوم هناك طريقان:
الأول: الانسلاخ من وقائع الزمن وجريانه بقوة قدسية، والعروج إلى ما فوق الزمان، ورؤية أمس حاضرا كاليوم.
أما الثاني: فهو قطعُ مسافة سنة كاملة لملاقاة الأمس من جديد، ومع ذلك لا يمكن أن تمسك به، لأنه يدَعك ويمضي.
وهكذا الأمر في النفوذ من الظاهر إلى الحقيقة، فإنه بصورتين:
الأولى: الانجذاب إلى الحقيقة مباشرةً ووجدان الحقيقة في عين الظاهر المشاهَد، من دون الدخول إلى برزخ الطريقة.
الثانية: قطعُ مراتب كثيرة بالسير والسلوك.
— 570 —
فأهلُ الولاية رغم أنهم يوفّقون إلى فناء النفس الأمارة بالسوء ويقتلونها، فإنهم لا يبلغون مرتبة الصحابة الكرام، لأن نفوس الصحابة كانت مزكاة ومطهّرة، فنالوا كثيرا من أنواع العبادة وضروبا مختلفة من ألوان الشكر والحمد بأجهزة النفس العديدة، بينما عبادةُ الأولياء -بعد فناء النفس- تصبح يسيرة وسهلة.
الوجه الثالث: لا يمكن إدراك الصحابة الكرام في فضائل الأعمال وثواب الأفعال وجزاء الآخرة، لأن الجندي المرابط لساعةٍ من الزمن في ظروف صعبة تحيطُه، وفي موقع مهم مخيف، يكسب فضيلةً وثوابا يقابل سنة من العبادة، وإذا أصيب بطلقة واحدة في دقيقة واحدة، فإنه يسمو إلى مرتبةٍ لا يمكن بلوغُها في مراتب الولاية إلّا في أربعين يوما على أقل تقدير. كذلك الأمر في جهاد الصحابة الكرام عند إرساء دعائم الإسلام، ونشر أحكام القرآن، وإعلانهم الحرب على العالم أجمع باسم الإسلام، فهو مرتبة عظيمة وخدمة جليلة لا ترقى سنةٌ كاملة من العمل لدى غيرهم إلى دقيقة واحدة من عملهم، بل يصح أن يقال:
إنّ دقائق عمر الصحابة الكرام جميعها -في تلك الخدمة المقدسة- إنما هي بمثل الدقيقة التي استشهد فيها الجندي، وإنّ ساعات عمرهم كلّها هي بمثل الساعة لذلك الجندي الفدائي المرابط في موقع خطر مرعب. فالعملُ قليل، إلّا أن الأجر عظيیم والثواب جزيل، والأهمية جليلة.
نعم، إنّ الصحابة الكرام إنما يمثّلون اللبنة الأولى في تأسيس صرح الإسلام، وهم الصف الأول في نشر أنوار القرآن، فلهم إذن قسط وافر من جميع حسنات الأمة، حسب قاعدة "السبب كالفاعل". فالأمة الإسلامية في أثناء ترديدها: "اللّٰهمَّ صلِّ على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وسلّم" إنما تبين ما للآلِ والصحب الكرام من حظٍّ وافر في حسنات الأمة جميعها.
ولكي نوضح ما يترتب من نتائج عظيمة على أثرٍ ضئيل في البداية نسوق الأمثلة الآتية: خاصية صغيرة مهمة في جذر النبات تأخذ صورةً عظيمة في أغصانها، فتلك الخاصيةُ في الجذر إذن هي أعظمُ من أعظم غصن.. وارتفاع ضئيل في البداية يكون تدريجيا عظيما في النهاية.. وإنّ الزيادة الطفيفة في نقطة المركز، ولو بمقدار أنملة، تكون أحيانا بمقدار متر كامل في الدائرة المحيطة.
— 571 —
وهكذا فلأن الصحابة الكرام هم مؤسسو الإسلام، وجذورُ شجرة الإسلام المنيرة، وبداية الخطوط الأساسية لبناء الإسلام، وركيزةُ المجتمع الإسلامي وأئمتُه، وأقرب الناس إلى شمس النبوة المنيرة وسراج الحقيقة.. فعمل قليل منهم هو عظيم جليل، وخدمة ضئيلة يقدمونها هي جسيمة كثيرة، فلا يمكن اللحاقُ بهم وإدراكُهم إلّا أن يكون المرءُ صحابيا مثلهم.
اللّٰهم صلِّ على سيدنا محمد الذي قال: "أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم"
[٭]: العجلوني، كشف الخفاء ١/١٣٢؛ المناوي، فيض القدير ٦/٢٩٧.
و"خير القرون قرني.."
[٭]: حديث "خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم". البخاري، فضائل أصحاب النبي (ص) ١، الشهادة ٩، الرقاق ٧، الإيمان ١٠، ٢٧؛ الترمذي، الفتن ٤٥، الشهادة ٤، المناقب ٥٦؛ أحمد بن حنبل، المسند ١/٣٧٨، ٤١٧، ٤٣٧، ٤٣٨، ٤٤٢.
وعلى آله وأصحابه وسلم.
سبحانك لا علم لنا إلّا ما علمتنا انك انت العليم الحكيم
سؤال: يُقال إن الصحابة الكرام قد رأوا الرسول (ص) عيانا ثم آمنوا به وصدّقوه، أما نحن فقد آمنا به من دون أن نراه، فإيمانُنا إذن أقوى من إيمانهم، فضلا عن أن هناك رواياتٍ تؤيد ما نذهب إليه!!
الجواب: إنّ الصحابة الكرام رضوان اللّٰه تعالى عليهم أجمعين، قد وقفوا أمامَ جميع التيارات الفكرية في العالم أجمع والتي كانت تعادي حقائقَ الإسلام وتصدّها. فآمنوا إيمانا راسخا صادقا خالصا مع أنهم لم يروا من الرسول الكريم (ص) بعدُ إلّا ظاهرَ صورته الإنسانية، بل آمنوا به أحيانا من دون أن يروا منه معجزةً، وأصبح إيمانُهم من الرسوخ والمتانة ما لا تزعزعه جميعُ تلك الأفكار العامة المناهضة للإسلام، بل لم تؤثر ولو بأدنى شبهة أو وسوسة.
أما أنتم فمَع أنكم لم تروا صورتَه الظاهرة وشخصيتَه البشرية التي هي بمثابة نواةٍ لشجرة طوبى النبوة، فإن أفكارَ عالَم الإسلام تشدّ من إيمانكم وتمدّه وتعززه، فضلا عن أنكم ترَون بعين العقل، شخصية الرسول الكريم المعنوية (ص) المنوّرة بأنوار الإسلام وحقائق القرآن، تلك الشخصية المهيبة بألفٍ من معجزاته الثابتة.. أفيوازَن إيمانُكم هذا مع إيمانهم
— 572 —
العظيم؟. فأين إيمانُیكم الذي يهوي في شِراك الشبهات بمجرد كلام يُطلقه فيلسوف مادي أوربي، من إيمانهم الذي كان كالطود الشامخ لا يتزعزع أمام الأعاصير التي يثيرها جميعُ أهل الكفر والإلحاد واليهود والنصارى والحكماء؟
فيا أيها المدّعي! أين إيمانُك الواهي الذي قد لا يقوى لأداء الفرائض على وجهها من صلابةِ وقوة إيمانهم وعظيمِ تقواهم وصلاحهم الذي بلغ مرتبةَ الإحسان؟
أما ما ورد في الحديث الشريف بما معناه: أنّ الذين لم يروني وآمنوا بي هم أفضل منكم.. [٭]: انظر: أحمد بن حنبل، المسند ٥/٢٤٨، ٢٥٧، ٢٦٤. فهو يخصّ الفضائل الخاصة، وهو بحق بعض الأشخاص. بينما بحثُنا هذا هو في الفضائل الكلية وما يعود إلى الأكثرية المطلقة.
السؤال الثاني: يقولون: إنّ الأولياء الصالحين وأصحابَ الكمال قد تركوا الدنيا وعافوا ما فيها، بمضمون ما ورد في حديث شريف: "حبُّ الدنيا رأسُ كل خطيئة"، [٭]: انظر: البيهقي، شعب الإيمان ٧/ ٣٣٨؛ ابن أبي عاصم، الزهد ٩؛ أبو نعيم، حلية الأولياء ٦/٣٨٨؛ العجلوني، كشف الخفاء ١/٤١٢. بينما الصحابة الكرام قد أخذوا بأمور الدنيا وأقبَلوا عليها ولم يدَعوها، بل قد سبق قسم منهم أهل الحضارة في أخذهم بمتطلبات الدنيا. فكيف تقول: إن أصغرَ صحابيّ من أمثال هؤلاء هو كأعظم وليّ من أولياء اللّٰه الصالحين؟
الجواب: لقد أثبتنا إثباتا قاطعا في "الموقف الثاني والثالث من الكلمة الثانية والثلاثين":
أن للدنيا ثلاثة وجوه: فإبداءُ المحبة إلى وجهَي الدنيا المتطلعَين إلى الأسماء الحسنى والآخرة، ليس نقصا في العبودية، بل هو مناطُ كمال الإنسان وسموّ إيمانه، إذ كلما جهد الإنسانُ في محبته لذَينك الوجهَين كسبَ مزيدا من العبادة ومزيدا من معرفة اللّٰه سبحانه. ومن هنا كانت دنيا الصحابة الكرام متوجهةً إلى ذَينك الوجهين، فعدّوها مزرعةَ الآخرة وزرعوا الحسنات وجَنوا الثمرات اليانعة من الثواب الجزيل والأجر العظيم، واعتبروا الدنيا وما فيها كأنها مرايا تعكس أنوار تجليات الأسماء الحسنى، فتأملوا فيها وفكروا في جنباتها بلهفة وشوق، فتقربوا إلى اللّٰه أكثر. وفي الوقت نفسه تركوا الوجهَ الثالث من الدنيا وهو وجهها الفاني المتطلّع إلى شهوات الإنسان وهواه.
— 573 —
السؤال الثالث: إن الطرق الصوفية هي سُبل الوصول إلى الحقائق، وأشهرُها وأسماها هي الطريقة النقشبندية التي تعدّ الجادة الكبرى. وقد لخّص قواعدَها بعضُ أقطابها هكذا:
دَرْ طَرِيقِ نَقْشبَنْدِى لَازِمْ آمَدْ چَارِ تَرْك: تَرْكِ دُنْيَا، تَرْكِ عُقْبَى، تَرْكِ هَسْتِى، تَرْكِ تَرْكْ
أي يلزم في الطريقة النقشبندية ترك أربعةِ أشياء: تركُ الدنيا بأن لا تجعلها مقصودا بالذات. وتركُ الآخرة بحساب النفس. وتركُ النفس، أي أن تنساها، ثم ترك الترك. أي أن لا تتفكر بهذا الترك، لئلا تقع في العجب والفخر. بمعنى أن معرفة اللّٰه والكمالات الإنسانية الحقيقيتين إنما تحصل في ترك ما سواه تعالى..
الجواب: لو كان الإنسان مجردَ قلب فقط، لكان عليه أن يترك كل ما سواه تعالى، بل يترك حتى الأسماء والصفات ويرتبط قلبُه بذاته سبحانه. ولكن للإنسان لطائفُ كثيرة جدّا كالقلب، منها العقل والروح والسر والنفس، كلُّ لطيفة منها مكلفة بوظيفة ومأمورة للقيام بعمل خاص بها.
فالإنسان الكامل هو كالصحابة الكرام، يسوق جميعَ تلك اللطائف إلى مقصوده الأساس وهو عبادة اللّٰه. فيسوق القلبُ كالقائد كلّ لطيفة منها ويوجّهها نحو الحقيقة بطريق عبودية خاص بها. عند ذلك تسير الكثرةُ الكاثرة من اللطائف جنودا في ركب عظيم وفي ميدان واسع فسيح، كما هو لدى الصحابة الكرام رضوان اللّٰه عليهم. وإلّا فإنّ تركَ القلبِ جنودَه دارجا وحدَه لإنقاذ نفسه، ليس من الفخر والاعتزاز، بل هو نتيجة اضطرار ليس إلّا.
السؤال الرابع: من أين ينشأ ادعاء الأفضلية تجاه الصحابة الكرام؟ ومَن هم الذين يثيرون هذا الادعاء؟ ولماذا تُثار هذه المسائل في الوقت الحاضر؟ ومن أين ينبعث ادعاءُ بلوغ المجتهدين العظام؟
الجواب: إنّ الذين يقولون بهذه المسائل هم قسمان:
قسم منهم: رأوا بعض الأحاديث الشريفة ونشروها كي يحفّزوا الشوقَ لدى المتقين وأهل الصلاح في هذا الوقت ويرغّبوهم في الدين.. فهؤلاء هم أهلُ دين وعلم، وهم مخلصون. وليس لنا ما نعلّق به عليهم، وهم قلة وينتبهون بسرعة.
— 574 —
أما القسم الآخر: فهم أناس مغرورون جدّا، ومعجَبون بأنفسهم أيّما إعجاب، يريدون أن يبثوا انسلاخهم من المذاهب الفقهية تحت ادعاء أنهم في مستوى المجتهدين العظام، بل يحاولون إمرار إلحادهم وانسلاخهم من الدين بادعاء أنهم في مستوى الصحب الكرام، فهؤلاء الضالون قد وقعوا:
أولا: في هاوية السفاهة حتى غدوا معتادين عليها، ولا يستطيعون أن يتركوا ما اعتادوه، وينهضوا بتكاليف الشرع التي تردعهم عن السفاهة. فترى أحدَهم يبرّر نفسه قائلا: "إن هذه المسائل إنما هي مسائل اجتهادية، والمذاهب الفقهية متباينة في أمثال هذه المسائل، وهم رجال قد اجتهدوا ونحن أيضا رجال أمثالُهم، يمكننا أن نجتهد مثلهم، فلربما يخطئون مثلنا، لذا نؤدي العبادات بالشكل الذي يروق لنا نحن، أي لسنا مضطرين إلى اتّباعهم!!". فهؤلاء التعساء يحلُّون ربقةَ المذاهب عن أنفسهم بهذه الدسيسة الشيطانية. فما أوهاها من دسيسة وما أرخصَها من تبرير! وقد أثبتنا ذلك في رسالة "الاجتهاد".
ثانيا: إنهم عندما رأوا أنّ دسيستهم لا تكمل حلقاتُها عند حدّ التعرض للمجتهدين العظام، بدؤوا يتعرضون للصحابة الكرام رضوان اللّٰه تعالى عليهم، حيث إن المجتهدين يحملون النظريات الدينية وحدَها، وهؤلاء الضالون يرومون هدمَ الضروريات الدينية وتغييرها، فلو قالوا: "نحن أفضل من المجتهدين" لم تنته قضيتُهم، حيث إنّ ميدان المجتهدين النظرُ في المسائل الفرعية، دون النصوص الشرعية، لذا تراهم وهم منسلخون من المذاهب يبدؤون بمسّ الصحابة الأجلاء الذين هم حاملو الضروريات الدينية. ولكن هيهات! فليس أمثالُ هؤلاء الأنعام الذين هم في صورة إنسان، بل حتى الإنسانُ الحقيقي، بل الكاملون منهم وهم أعاظم الأولياء الصالحين، لا يمكنهم أن يكسبوا دعوى المماثلة مع أصغر صحابي جليل. كما أثبتناه في رسالة "الاجتهاد".
اللّٰهمَّ صلِّ وسلم على رسولك الذي قال: "لا تسبّوا أصحابي لا تسبّوا أصحابي فو الذي نفسي بيده لو أنّ أحدَكم أنفق مثلَ أحدٍ ذهبا ما أدرك مُدَّ أحدهم ولا نَصيفه"
[٭]: البخاري، فضائل أصحاب النبي (ص) ٥؛ مسلم، فضائل الصحابة ٢٢١، ٢٢٢. صدق رسول اللّٰه
سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنآ اِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا انّكَ اَنْتَ العَليمُ الحَكيمُ
— 575 —

الكلمة الثامنة والعشرون

هذه الكلمة تخیصّ الجنة، وهي عبارة عن مقامين؛ المقام الأول يشیير إلى عیدد من لطائف الجنة. والمقامُ الثاني قد جاء باللغة الیعربية. [٭]: رسالة "لاسيما" المنشورة ضمن المثنوي العربي النوري.
وهو خلاصة الكلمة العاشرة وأساسُها. أثبیت فيه وجود الجنة باثنتي عشرة حقيقة قاطعة متسلسلة إثباتا ساطعا، لذا لا نبحث هنا عن إثبات وجود الجنة، وإنما نقصر الكلام على أسئلة وأجوبة حول بعض أحوال الجنة، التي تتعرض إلى النقد وسوف تُكتب إن شاء اللّٰه كلمة جليلة حول تلك الحقيقة العظمى.
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
وبشّر الذين آمنوا وعملوا الصالحات اَنّ لَهم جنّاتٍ تجري من تحتها الأنهارُ كلّما رُزقُوا منها من ثمرةٍ رزقًا قالوا هذا الذي رُزقنا من قبلُ واُتوا به مُتشابهًا ولهم فيها أزواجٌ مطهّرةٌ وهم فيها خالدون
(البقرة:٢٥)
هذه أجوبة قصيرة عن عدد من أسئلة تدور حول الجنة الخالدة
إنّ آيات القرآن الكريم التي تخصّ الجنة، هي أجملُ من الجنة، وألطفُ من حورها، وأحلى من سلسبيلها. هذه الآيات البيّنات لم تدَع مزيدا لكلام. لذا نضع درجاتِ سُلّمٍ، تقريبا لتلك الآيات الساطعة الأزلية الرفيعة الجميلة للفهم. فنذكر باقةً من مسائل لطيفة هي نماذج أزاهيرَ من جنة القرآن. ونشير إليها في خمسة رموز ضمن أسئلة وأجوبة.
— 576 —
نعم، إنّ الجنة شاملة جميعَ اللذائذ المعنوية، كما هي شاملة جميعَ اللذائذ "المادية" الجسمانية أيضا.
سؤال: ما علاقةُ الجسمانية "المادية" القاصرة الناقصة المتغيرة القلقة المؤلمة، بالأبدية والجنة؟ فما دامت الروحُ تكتفي بلذائذها العلوية في الجنة، فلِمَ يلزم حشر جسماني للتلذذ بلذائذ جسمانية؟
الجواب: على الرغم من كثافة التراب وظلمتِه، نسبةً إلى الماء والهواء والضياء، فهو منشأ لجميع أنواع المصنوعات الإلهية؛ لذا يسمو ويرتفع معنًى فوق سائر العناصر.. وكذا النفسُ الإنسانية على الرغم من كثافتها، فإنها ترتفع وتسمو على جميع اللطائف الإنسانية بجامعيتها، بشرط تزكيتها.
فالجسمانية كذلك هي أجمعُ مرآة لتجليات الأسماء الإلهية، وأكثرُها إحاطة وأغناها.. فالآلاتُ التي لها القدرة على وزن جميع مدخرات خزائن الرحمة الإلهية وتقديرها، إنما هي في الجسمانية، إذ لو لم تكن حاسةُ الذوق التي في اللسان مثلا حاويةً على آلاتٍ لتذوّق الرزقِ بعدد أنواع المطعومات كلِّها، لَما كانت تحسّ بكلٍّ منها، وتتعرف على الاختلاف فيما بينها، ولَما كانت تستطيع أن تحسَّ وتميز بعضَها عن بعض.
وكذا فإن أجهزة معرفة أغلب الأسماء الإلهية المتجلية، والشعورَ بها وتذوقها وإدراكها، إنما هي في الجسمانية. وكذا فإن الاستعدادات والقابليات القادرة على الشعورِ والإحساس بلذائذ لا منتهى لها، وبأنواع لا حدود لها، إنما هي في الجسمانية.
يُفهم من هذا فهما قاطعا -كما أثبتناه في الكلمة الحادية عشرة- أن صانع هذه الكائنات، قد أراد أن يُعرّف بهذه الكائنات جميعَ خزائن رحمته، ويعلّم بها جميعَ تجليات أسمائه الحسنى، ويذيق بها جميعَ أنواع نِعَمه وآلائه؛ وذلك من خلال مجرى حوادث هذه الكائنات وأنماط التصرف فيها، ومن خلال جامعية استعدادات الإنسان.. فلابد إذن من حوض عظيم يُصبّ فيه سيلُ الكائنات العظيم هذا.. ولابد من معرض عظيم يُعرض فيه ما صُنع في مصنع الكائنات هذا.. ولابد من مخزن أبدي تُخزن فيه محاصيل مزرعة الدنيا هذه.. أي لابد من دارِ سعادة تشبه هذه الكائنات إلى حدٍّ ما، وتحافظ على جميع أسسها الجسمانية والروحانية.. ولابد
— 577 —
أنّ ذلك الصانع الحكيم والعیادل الرحيم، قد خصّ لذائذَ تليق بتلك الآلات الجسمانية أجرةً لوظائفها، ومثوبةً لخدماتها، وأجیرا لعباداتها الخاصة. وإلّا (أي بخلاف هذا) تحصل حالة منافية تماما لحكمته سبحانه وعدالته ورحمته، مما لا ينسجم ولا يَليق بجمال رحمته وكمال عدالته مطلقا، تعالى اللّٰه عن ذلك علوا كبيرا.
سؤال: إنّ أجزاء الكائن الحي في تركيب وتحلّل دائمَين، وهي معرّضة للانقراض ولا تنال صفةَ الأبدية، وإن الأكل والشرب لبقاء الشخص نفسِه ومعاشرةَ الزوجة لبقاء النوع، فصارت -هذه الأمور- أمورا أساسية في هذا العالم. أما في العالم الأبدي والأخروي فلا حاجة إليها، فلِمَ إذن دُرجت ضمن لذائذ الجنة العظيمة؟
الجواب:
أولا: إنّ تعرّض جسم حي للانقراض والموت في هذا العالم، ناجم من اختلال موازنة الواردات والصرفيات (أي بين ما يَرد وما يُستهلك) فالواردات كثيرة منذ الطفولة إلى سن الكمال، وبعد ذلك يزداد الاستهلاك، فتضيع الموازنة، ويموت الكائن الحي..
أما في عالم الأبدية، فإن الذرات تبقى ثابتةً لا تتعرض للتركيب والتحلل، أو تستقر الموازنیة، فهي تامة ومستمرة بين الواردات والصرفيات،
(٭): إن جسم الإنسان والحيوان في هذه الدنيا، كأنه مضيف للذرات، وثكنة عسكرية لها، ومدرسة تعليم لها، حيث تدخل فيه الذرات الجامدة فتكتسب لياقة تؤهلها لتكون ذراتٍ لعالم البقاء الحي، ثم تخرج منه، أما في الآخرة فإن نور الحياة هناك عام شامل لكل شيء لقوله تعالى: (وان الدار الاخرة لهي الحيوان) (العنكبوت:٦٤)، فلا حاجة إلى ذلك السير والسفر والتعليمات، ولا إلى تلك التعليمات والتدريبات لأجل التنور. فالذرات تبقى ثابتة مستقرة. (المؤلف)
ويصبح الجسم أبديا مع اشتغال مصنع الحياة الجسمانية لاستمرار تذوق اللذائذ. فعلى الرغم من أن الأكل والشرب والعلاقات الزوجية، ناشئة عن حاجة في هذه الدنيا وتُفضي إلى أداء وظيفة، فقد أودعت فيها لذائذُ حلوة ومتنوعة ترجح على سائر اللذائذ، أجرةً معجلة لتلك الوظيفة.
فما دام الأكلُ والنكاح مدار لذائذ عجيبة ومتنوعة إلى هذا الحد، في دار الألم هذه، فلاشك أن تلك اللذائذ تتخذ صورا رفيعة جدّا وسامية جدّا، في دار اللذة والسعادة، وهي الجنة فضلا عن لذة الأجرة الأخروية للوظيفة الدنيوية، التي تزيدها لذةً. وعلاوة على لذة الشهية الأخروية اللطيفة نفسها، بدلا عن الحاجة الدنيوية -التي تزيدها لذة أخرى- حتى تزداد تلك اللذائذُ لطافةً وذوقا بحيث تكون لذة جامعة لجميع اللذائذ، ونَبعا حيًّا فياضا لِلَذائذَ
— 578 —
لائقة بالجنة وملائمة للأبدية. إذ المواد الجامدة التي لا شعور لها ولا حياة، في دار الدنيا هذه، تصبح هناك ذات شعور وحياة بدلالة الآية الكريمة:
وما هذه الحياة الدنيا الّا لهو ولعبٌ وان الدار الاخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون
(العنكبوت:٦٤).
فالأشجار هناك كالإنسان هنا، تُدرك الأوامر وتنفّذها، والأحجارُ هناك كالحيوانات هنا، تُطيع ما تُؤمر. فإذا قلتَ لشجرة: أعطيني ثمرةَ كذا تعطيك حالا، وإن قلتَ لحجر: تعالَ هنا، يأتيك.
فما دامت الأشجارُ والأحجار تتخذ مثل هذه الدرجات العالية من الصفات، فلاشك أن الأكل والشرب والنكاح مع محافظتها على حقيقتها الجسمانية تتخذ صورة عالية رفيعة أعلى من درجتها الدنيوية بنسبة سموّ درجة الجنة على الدنيا.
سؤال: يحضر أعرابي مجلس الرسول (ص) لدقيقة واحدة، فيكسب محبةً للّٰه. ويكون معه (ص) في الجنة حسب ما ورد في الحديث الشريف: "المرءُ مع من أحب"، [٭]: البخاري، الأدب ٩٦؛ مسلم، البر ١٦٥؛ الترمذي، الزهد ٥٠؛ الدارمي، الرقاق ٧١؛ أحمد بن حنبل، المسند ١/٣٩٢؛ الدارقطني، السنن ١/١٣١؛ ابن أبي شيبة، المصنف ٧/٥٠٧. فكيف يعادلُ فيض غير متناهٍ ينالُه الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام مع فيض هذا الأعرابي؟
الجواب: نشير إلى هذه الحقيقة السامية بمثال: رجلٌ عظيم أعدّ ضيافة فاخرة جدّا، في بستان مزهر رائع الجمال، وهيأ معرضا في منتهى الزينة والإبداع، جامعا لجميع أنواع المطعومات التي تحسّ بها حاسةُ الذوق، شاملا جميعَ المحاسن التي ترتاح إليها حاسةُ البصر، ومشتملا على جميع الغرائب التي تبهج قوةَ الخيال. وهكذا وضع فيه كلَّ ما يُرضي ويُطَمْئن كلَّ حاسة من الحواس الظاهرة والباطنة.
والآن يذهب صديقان معا إلى تلك الضيافة ويجلسان جنبا إلى جنب على مائدة واحدة في مكان مخصص، ولكن لكَون أحدهما يملك حاسةَ ذوق ضعيفة، لا يتذوق إلّا شيئا قليلا من تلك الضيافة، ولا يرى كثيرا من الأشياء، لأن بصرَه ضعيف، ولا يشم الروائحَ الطيبة، لأنه فاقد لحاسة الشم، ولا يفهم خوارق الأشياء، لعَجزه عن إدراك غرائب الصنعة.. أي لا يستفيد من تلك الروضة الرائعة، ولا يذوق من تلك الضيافة العامرة إلّا واحدا من ألف، بل من مليون مما فيها، وذلك حسب قابلياته الضعيفة. أما الآخر، فلأن جميعَ حواسه الظاهرة
— 579 —
والباطنة، وجميعَ لطائفه من عقل وقلب وحسّ، كاملة مكتملة، متفتحة منكشفة بحيث يحسّ بجميع دقائق الصنعة من ذلك المعرض البهيج، وجميع ما فيه من جمال ولطائف وغرائب، يحسّ بكلٍّ منها ويتذوقها، مع أنه جالس مع الرجل الأول.
فلئن كان هیذا حاصلا في هذه الدنيا المضطربة المؤلمة الضيقة، ويكون الفرقُ بينهما كالفرق بين الثرى والثريا، فلابد -بالطريق الأولى- أن يأخذ كل امرئٍ حظَّه من سُفرة الرحمن الرحيم، فیي دار السعادة والخلود، ويحسّ بما فيهیا على وفیق استعداداته، رغم كونه مع مَن يحب. فالجنانُ لا تمنع أن يكونا معا بالرغم من تفاوتهما، لأن طبقات الجنة الثماني، كلّ منها أعلى من الأخرى، إلّا أن عرش الرحمن سقفُ الكل. [٭]: البخاري، التوحيد ٢٢؛ الترمذي، صفة الجنة ٤. إذ لو بُنيَت بيوت متداخلة حول جبل مخروطي، كلّ منها أعلى من الآخر، كالدوائر المحيطة بالجبل، فإن تلك الدوائر تعلو الواحدةُ على الأخرى، ولكن لا تمنع الواحدةُ الأخرى عن رؤية الشمس، فنورُ الشمس ينفذ في البيوت كلها. كذلك الجنانُ شبيهة بهذا المثال إلى حدٍّ، كما يفهم من الأحاديث الشريفة.
سؤال: ورد في أحاديث شريفة ما معناه: أن المرأة من نساء أهل الجنة يُرى مُخُ سُوقها من وراء سبعين حُلّة، [٭]: الترمذي، صفة الجنة ٥. وانظر: مسلم، الجنة ١٤، ١٧. ما معنى هذا وما المراد منه؟ وكيف يُعدّ هذا جمالا؟
الجواب: إنّ معناه جميل جدّا، بل جمالُه في منتهى الحسن واللطف. وذلك: أنه في هذه الدنيا القبيحة الميتة التي أغلبُها قشر، يكفي للجمال والحسن أن يبدو جميلا للبصر، ولا يكون مانعا للألفة. بينما في الجنة التي هي جميلة وحيّة ورائعة وكلُّها لبّ محض لا قشرَ فيها تطلب حواسُّ الإنسان كلّها، كالبصر، ولطائفُه كلُّها، أَخْذَ حظوظِ أذواقها المختلفة، ولذائذها المتباينة من الجنس اللطيف، وهنّ الحور العين، ومن نساء الدنيا لأهل الجنة، وهنّ يفضُلن الحور العين بجمالهن، بمعنى أن الحديث الشريف يشير إلى أنه ابتداء من أعلى طبقة من جمال الحُلل حتى مخ السيقان في داخل العظام، كلّ منها مدار ذوق لحسّ معيّن وللطيفة خاصة.
نعم؛ إنّ الحديث الشريف يشير بتعبيرِ "على كل زوجة سبعون حُلَّة، يُرى مخ سوقها". أنّ الحور العين جامعة لكل نوع من أنواع الزينة والحسن والجمال المادية والمعنوية، التي تُشبع وتُرضي كلَّ ما في الإنسان من مشاعر وحواس وقوى ولطائف عاشقةٍ للحسن، ومحبةٍ للذوق،
— 580 —
ومفتونةٍ بالزينة، ومشتاقة إلى الجمال.. بمعنى أن الحور يلبسن سبعين طرزا من أقسام زينة الجنة، دون أن يستر أحدُها الآخر، إذ ليس من جنسه، بل يبدين جميعَ مراتب الحسن والجمال المتنوعة بأجسادهن وأنفسهن وأجسامهن بأكثر من سبعين مرتبة حتى يُظهرن حقيقةَ إشارة الآية الكريمة: وفيها ما تَشتهيه الأنفسُ وتَلذّ الأعينُ (الزخرف:٧١).
ثم إنّ الحديث الشريف يبين أنّه ليس لأهل الجنة فضلات بعد الأكل والشرب، إذ ليس في الجنة ما لا يحتاج إليه من مواد قشرية زائدة. [٭]: انظر: البخاري، بدء الخلق ٨؛ مسلم، الجنة ١٧-١٩. نعم، ما دامت الأشجارُ في هذه الدنيا السفلية، وهي في أدنى مرتبة من ذوات الحياة، لا تترك فضلات مع تغذيتها الكثيرة، فلِمَ لا يكون أهلُ الطبقات العليا، وهم أهل الجنة دون فضلات؟
سؤال: لقد ورد في أحاديث نبوية هذا المعنى؛ أنه يُنعَم على بعض أهل الجنة بمُلك بقدر الدنيا كلها، ومئات الآلاف من القصور ومئات الآلاف من الحور العين، فما حاجةُ رجل واحد إلى هذه الكثرة من الأشياء؟ وماذا يلزمه منها؟ وكيف يكون ذلك؟ وماذا تعني هذه الأحاديث؟
الجواب: لو كان الإنسان جسدا جامدا فحسب، أو كان مخلوقا نباتيا، وعبارة عن معدة فقط، أو عبارة عن جسم حيواني، وكائن جسماني مؤقت بسيط مقيد ثقيل، لما كان يملك تلك الكثرة الكاثرة من القصور والحور، ولا كانت تليق به. ولكن الإنسان معجزة من المعجزات الإلهية الباهرة، بحيث لو يُعطى له مُلك الدنيا كلها وثروتها ولذائذها في هذه الدنيا الفانية وفي هذا العمر القصير فلا يُشبع حرصَه، من حيث حاجات قسم من لطائف غيرا المنكشفة.
بينما الإنسان في دار السعادة الأبدية، وهو المالك لاستعدادات غير متناهية، يطرُقُ باب رحمة غير متناهية، بلسان احتياجات غير متناهية، وبيَد رغبات غير متناهية، فلاشك أن نيلَه لإحسانات إلهية كما ورد في الأحاديث الشريفة معقول وحقّ وحقيقة قطعا.
وسنرصد هذه الحقيقة السامية بمنظار تمثيلي على النحو الآتي: إنّ لكل بستان من البساتين الموجودة في "بارلا" صاحبَه ومالكَه كما هو الحال في بستان هذا الوادي، (٭): هو بستان سليمان الذي خدم هذا الفقير ثماني سنوات بوفاء تام، وقد كتب هذا البحث هناك في غضون ما يقرب من ساعتين. (المؤلف). إلّا أن كلّ
— 581 —
نحل وطير وعصفور في "بارلا" يستطيع القول: إن جميعَ بساتين "بارلا" ورياضَها متنیزهاتي وميدان جولاني، بالرغم من أنه تكفيه حَفْنة من قوت. أي إنه يضم "بارلا" كلها في ملكه. ولا يجرح حُكمَه هذا اشتراكُ الآخرين معه.
وكذلك الإنسان -الذي هو حقا إنسان- يصحّ له أن يقول: إن خالقي قد جعل لي هذه الدنيا كلها بيتا، والشمس سراجا، والنجوم مصابيح، والأرض مهدا مفروشا بزرابي مبثوثة مزهرة. يقول هذا ويشكر ربه. ولا ينقض حكمَه هذا اشتراك المخلوقات الأخرى معه في الدنيا، بل المخلوقات تزيّن داره وتجمّلها.
تُرى لو أدّعى إنسان أو طير نوعا من التصرف، في مثل هذه الدوائر العظمى، ونال نعَما جسيمة في هذه الدنيا الضيقة جدّا، فكيف يُستبعد إذن الإحسانُ إليه بمُلك عظيم عرضه خمسمائة عام في دار سعادة واسعة أبدية؟.
ثم إننا نشاهد ونعلم في هذه الدنيا الكثيفة المظلمة الضيقة وجودَ الشمس بعينها في مرايا كثيرة جدّا في آن واحد.. ووجود ذاتٍ نورانية في أماكن كثيرة في آن واحد.. وحضور جبرائيل عليه السلام في ألف نجم ونجم وأمام العرش الأعظم، وفي الحضرة النبوية وفي الحضرة الإلهية في آن واحد.. ولقاء الرسول (ص) أتقياءَ أمته في الحشر الأعظم في آن واحد.. وظهورَه (ص) في الدنيا في مقامات لا تحد فیي آن واحد.. ومشاهدة الأبدال -وهم نوع غريب من الأولياء- في أماكن كثيرة في وقت واحد.. وإنجاز العوام من الناس في الرؤيا ومشاهدتهم عملَ سنةٍ كاملة في دقيقة واحدة.. ووجود كل إنسان بالقلب والروح والخيال في أماكن كثيرة، وتكوين علاقات معها في آن واحد.. كل ذلك معلوم ومشهود لدى الناس.
فلاشك أن وجود أهل الجنة -الذين تكون أجسامُهم في قوة الروح وخفتها وفي سرعة الخيال- في مائة ألف مكان ومعاشرتهم مائةَ ألف من الحور العين، وتلذذهم بمائة ألف نوع من أنواع اللذائذ، في وقت واحد. لائق بتلك الجنة الأبدية، الجنةِ النورانية، غير المقيدة، الواسعة، وملائمٌ تماما مع الرحمة الإلهية المطلقة، ومنطبق تماما مع ما أخبر به الرسول الكريم (ص) فهو حق وحقيقة. ومع كل هذا فإن تلك الحقائق العظيمة السامية جدّا لا توزَن بموازين عقولنا الصغيرة.
— 582 —
نعم، لا يلزم العقولَ الصغيرة إدراكُ تلك المعاني. لأن هذا الميزان لا يتحمل ثقلا بهذا القدر.
سبحانك لا علم لنا إلّا ما علمتنا انك انت العليم الحكيم
ربنا لا تؤاخذنا ان نسينا أو أخطأنا
اَللّٰهمَّ صَلِّ عَلَى حَبِيبِكَ الَّذِي فَتَحَ أبْوَابَ الْجَنّةِ بِحَبِيبِيَّتِهِ وَبِصَلَاتِهِ، وَأَيَّدَتْهُ أمَّتُهُ عَلَى فَتحِهَا بِصَلَوَاتِهِمْ عَلَيهِ، عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.
اَللّٰهمَّ أدْخِلنَا الْجَنّةَ مَعَ الْأبْرَارِ بِشَفَاعَةِ حَبِيبِكَ الْمُخْتَار آمِينَ.
ذيل صغير
يخص جهنم
إنّ الإيمان يضمّ بذرةَ جنة معنوية، كما أنّ الكفر يُخفي نواةَ زقوم جهنم معنوية، كما أثبتنا ذلك في الكلمة الثانية والثامنة.
إذ كما أنّ الكفر بذرة لجهنم، فجهنمُ كذلك ثمرة له. وكما أن الكفر سبب لدخول جهنم، كذلك سبب لوجودها وإيجادها، لأنه لو كان هناك حاكم صغير ذو عزة وغيرة وجلال بسيط، وقال له رجل فاسد الخلق متحديا: إنك لا تقدر على تأديبي، ولن تقدر عليه. فلاشك أنه سيبني سجنا لذلك الشقي ويلقيه فيه ولو لم يكن هناك سجن.
بينما الكافرُ بإنكاره وجودَ جهنم، يُكَذّب مَن له العزةُ المطلقة والغيرةُ المطلقة والجلالُ المطلق، ويسند إلى القدير المطلق العجزَ، ويتّهمه بالكذب والعَجز. فهو بكُفره يتعرض لعزّتِه بشدة، ويمسّ غيرتَه بقوة، ويطعن في جلاله بعصيان. فلاشك أنه لو لم يكن لوجود جهنم أيُّ سبب كان -وهو فرض محال- فإنه سبحانه يخلق جهنمَ لذلك الكافر الذي يتضمن كفرُه هذا الحدَّ من التكذيبِ وإسنادِ العجزِ، ويلقيه فيها.
ربنا ما خلقتَ هذا باطلًا سُبحانكَ فقنا عذاب النار
— 583 —

الكلمة التاسعة والعشرون

تخص بقاء الروح والملائكة والحشر
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم ٭ تَنَزَّلُ الْملئكَةُ وَالرّوُحُ فيهَا بِاذِنِ رَبِّهِمْ
(القدر:٤)
قُلِ الروحُ مِنْ أمرِ رَبى
(الإسراء:٨٥)
هذا المقام عبارة عن مقصدين أساسين مع مقدمة
المقدمة
يصحّ القول بأن وجودَ الملائكة والعالم الروحاني ثابت كثبوت وجود الإنسان والحيوان، فكما بَيّنا في المرتبة الأولى من "الكلمة الخامسة عشرة": أنّ الحقيقةَ تقتضي قطعا، والحكمةَ تستدعي يقينا أن تكون للسماوات -كما هي للأرض- من ساكنين. ولا بدّ أنهم ذوو شعور، وهم متلائمون معها كل التلاؤم. وفي مصطلح الدين يسمّى أولئك الساكنون من ذوي الأجناس المختلفة بی"الملائكة" و"الروحانيات".
نعم، إنّ الحقيقة تقتضي هكذا.. فرغم ضآلة كرتِنا الأرضية وصغرِها قياسا إلى السماء فإن ملأها بمخلوقات ذوات مشاعر، بين حين وآخر، وإخلاءها منهم وتزيينها بآخرين جُدد يشير، بل يصرّح: أنّ السماواتِ ذاتَ البروج المشيدة وكأنها قصور مزيّنة، لابد أنها ملآى أيضا، بذوي حياةٍ مُدركين واعين، الذين هم نورُ الوجود، ومن ذوي الشعور الذين
— 584 —
هم ضياءُ الأحياء، وأن تلك المخلوقات -كالأنس والجن- هم كذلك، مشاهدو قصرِ هذا العالم الفخم.. ومطالعو كتابِ الكون هذا.. والداعون الأدلّاء إلى سلطان الربوبية.. ويمثِلون بعبوديتهم الكلية الشاملة، تسابيحَ الكائنات، وأورادَ الموجودات الضخمة.
أجل، إن كيفية هذه الكائنات تدل على وجود الملائكة؛ لأن تزيينَ الكائنات بدقائق الصنعة المبدعة التي لا تعدّ ولا تحصى، وبمحاسنَ ذاتِ معانٍ ونقوش حكيمة، يتطلب بالبداهة، أنظار متفكرين ومستحسِنين، ومعجَبين مقدّرين.. أي يستدعي وجودَهم.
نعم، كما أنّ الجمال يطلب العاشقَ.. والطعامَ يُعطى للجائع.. فلابد أنّ غذاءَ الأرواح وقوتَ القلوب في هذه الصنعة الإلهية الجميلة الرائعة يدل على وجود الملائكة والعالم الروحاني ويتوجّه إليهم. ولما كانت هذه التزيينات غير النهائية في الكون تتطلب تأملا وعبودية غير محدودة، وأن الأنس والجن لا يمكنهما القيامُ إلّا بقسط ضئيل جدّا -واحد من مليون- من هذه الوظيفة غير النهائية، ومن هذه الرؤية الحكيمة، ومن هذه العبودية الواسعة.. فلابد أن تكون لهذه الوظائف غير النهائية والعبادات المتنوعة، أنواع غير نهائية أيضا من "الملائكة" وأجناس غير محدودة من "الروحانيات"، كي يعمّروا بصفوفهم المتراصّة ويملؤوا هذا المسجد الكبير.. هذا العالم.. هذا الكون..
أجل، ففي كل جهةٍ من هذا الكون، وفي كل دائرةٍ من دوائره، هناك "موظفون" من طبقة "الملائكة والروحانيات" قد أسند إليهم واجبُ القيام بعبوديةٍ مخصوصة.. فاستنادا إلى إشارات بعض الأحاديث النبوية الشريفة من جهة، واستلهاما من حكمةِ انتظام هذا العالم من جهة أخرى، يصح القول: إنّ بعضا من الأجسام الجامدة السيّارة، ابتداءا من النجوم وانتهاءً بقطرات المطر، إنما هي سُفن ومراكبُ لقسم من الملائكة، فهم يركبونَها بإذن إلهي، ويشاهدون عالَم الشهادة سائحين فيه.. ويمثّلون "تسبيحات" تلك المراكب.. وحيث إنّ الشهداء "أرواحهم في جوف طير خضر تسرح من الجنّة"، [٭]: تقدم تخريجه في الذيل الأول للكلمة العاشرة. كما جاء في حديث نبوي شريف، لذا يصح القول: إنه ابتداءً مما أشار الحديث الشريف من "طير خضر" إلى النحل من الأجسام الحية، هي طائرات لأجناسٍ من الأرواح، فهي تحلّ في أجساد تلك الأحياء، بأمر اللّٰه الحق،
— 585 —
وتشاهد العالَم المادي من خلال حواسها كالأعين والآذان، وتتفرج على روائع المعجزات الفطرية فيه، وبذلك تؤدي تسبيحاتِها المخصوصة..
وهكذا، فكما اقتضت الحقيقة وجود الملائكة والروحانيات، كذلك تقتضيه الحكمة:
لأنّ الفاطر الحكيم الذي يخلق باستمرار وبفعالية جادة حياةً لطيفةً ذات إدراك متنّور، من هذا التراب الكثيف على ضآلة علاقته بالروح، ومن الماء العكر على جزئية تعلّقه بنور الحياة. لابدّ أن يكون له أيضا مخلوقات كثيرة جدّا ذوات شعور، قد خُلقت من بحر النور، وحتى من محيط الظلمة، ومن الهواء، ومن الكهرباء ومن سائر المواد اللطيفة التي هي أليقُ بالروح وأنسبُ للحياة وأقربُ إليها.
— 586 —

المقصد الأول

"التصديق بالملائكة ركن من أركان الإيمان"
في هذا المقصد أربع نكات أساسية
الأساس الأوّل
إنّ كمالَ الوجود مع الحياة، بل إن الوجودَ الحقيقي للوجود كائن مع الحياة. فالحياة نورُ الوجود، والشعور ضياءُ الحياة.. والحياة رأسُ كل شيء وأساسُه.. وهي التي تجعل كلَّ شيء ملكا لكل كائن حيّ، فتجعل الشيءَ الحيّ الواحدَ بحُكم المالك لجميع الأشياء. فبالحياة يتمكن الشيءُ الحيّ أن يقول: "إنّ هذه الأشياء مُلكي، والدنيا مسكني، والكائنات كلَّها مُلك أعطانيه مالكي".. وكما أن الضوء سبب لرؤية الأجسام وسبب لظهور الألوان -على قول- كذلك الحياةُ هي كشّافة للموجودات، وسبب لظهورها، وسبب لتحقق النوعيات.. وهي التي تجعل جزءَ الجزئي بحُكم الكلّ والكلّي، وسبب لحَصر الأشياء الكلية في الجزء، وسبب لجميع كمالات الوجود؛ كإشراكها وتوحيدها الأشياءَ الوفيرة، وجعلها مدارا لوحدة واحدة ومَظهرا لروح واحدة.. حتى إن الحياة نوع من تجلّي الوحدة في طبقات الكثرة من المخلوقات، فهي مرآة للأحدية في الكثرة..
والآن لنوضح: انظر إلى الجسم الجامد، وإن كان جبلا شاهقا، فهو غريب.. يتيم.. وحيد.. إذ تنحصر علاقتُه وصلتُه بمكانه، وما يتصل به من أشياء فقط، وما يوجد في الكائنات الأخرى معدوم بالنسبة إليه، وذلك لأنه ليس له "حياة" حتى يتصل بها، ولا "شعور" حتى يتعلق به.
ثم انظر إلى جسم صغير حيّ كالنحل مثلا، ففي الوقت الذي تدخل فيه "الحياةُ" فإنه يقيم عقدا تجاريا وصِلةً مع جميع الكائنات والموجودات، وخاصةً مع نباتات الأرض وأزهارِها بحيث يمكنه القول: "إن جميع الأرض هي حديقتي ومتجري.".. فهناك إذن، عدا
— 587 —
الحواسِّ المعروفة الظاهرة والباطنة في الأحياء، دوافعُ فطرية أخرى غير معروفة كأحاسيسَ سائقةٍ ومشوّقةٍ تُعطي للنحل فرصةَ التصرف وإمكانية الإحساس والأنس والتبادل مع أكثر أنواع الموجودات في الدنيا.
ولئن كانت الحياةُ تُظهر تأثيرَها هكذا في كائن حيّ صغير، فلابد أنها كلّما عَلَتْ وارتقتْ إلى مرتبة عليا وهي المرتبة الإنسانية، فإن تأثيرها يتسعُ ويكبرُ ويتنوّر، بحيث يجول هذا الإنسانُ بعقله وشعوره -الذي هو ضياء الحياة- في العوالم العلوية والروحية والمادية كما يجول في غرف داره. وهذا يعني أنه مثلما يسافر ذلك الكائنُ الحيّ ذو الشعور إلى تلك العوالم معنويّا، فإن تلك العوالم تأتي وتكون ضحسنا على مرآة روحه بارتسامها وتمثّلها فيها.
والحياة بحدّ ذاتها أسطعُ برهانٍ لوحدانية اللّٰه سبحانه وتعالى، وأوسعُ مجال لنعمته العظيمة، وألطفُ تجلٍّ من تجليات رحمته، وأدقُّ نقش من نقوش صنعته الخفية النیزيهة.
نعم، إنها خفية ودقيقة؛ لأن تنبّه "العقدة الحياتية" أي تفتحَها ونموَّها في البذرة -التي هي أولى مراتب الحياة في النبات الذي يمثل أدنى أنواع الحياة- بقي مستورا عن أنظار علم البشر منذ زمن آدم عليه السلام، رغمَ شدة ظهورِه وكثرته والإلفة به. ولم تنكشف حقيقتُه الصائبة لعقل البشر لحدّ الآن بجلاء.
والحياة نزيهیة نقية بحيث إن وجهَيها -الیمُلك والملكوت- صافيان وشفافان؛ إذ إن يدَ القدرة تباشر أعمالَها فيها دون وضعٍ لستار الأسباب، في حين أنها جعلت الأسبابَ الظاهرية حجابا لتصرّفها في سائر الأمور الأخرى. كي تكون منشأً للأمور الخسيسة وللكيفيات غير النیزيهة التي تنافي عزةَ القدرة في ظاهر الأمر.
والخلاصة: يصح القول: إن لم تكن هناك حياة فالوجودُ ليس بوجود، ولا يختلف عن العدم، فالحياةُ ضياءُ الروح والشعورُ نور الحياة.
ولما كانت الحياةُ والشعور لهما هذه الأهمية، وما دمنا نشاهد كل هذا النظام المُتقن في هذا العالم، ونرى هذه الدقة والإتقان والإحكام التام والانسجام الكامل في الكون، وما دامت كرتُنا الأرضية -وهي كذرة بالنسبة إلى الكون- تزخرُ بما لا يُعدّ ولا يحصى من ذوي الأرواح وذوي المشاعر والإدراك، فلابد أن يُحكم بحَدسٍ صادق ويُقرَّر بيقين قاطع أنّ جوانب هذه
— 588 —
القصور السماوية والبروج الشاهقة تدبّ فيها سَكَنةٌ من الأحياء وذوي المشاعر بما يلائمها ويتجاوب معها، إذ كما أن السمك يعيش في الماء، كذلك من الممكن أن يوجد سكنة نورانيون في لهيب الشمس ممن يتلاءمون معها، لأن النار لا تُحرق النور بل تمدّه وتديمه.
وما دامت القدرةُ الإلهية تخلق أحياءً وذوي أرواح لا تعدّ ولا تحصى من مواد عادية جدّا، بل من أكثف العناصر، وتبدّل المادة الكثيفة الغليظة بالحياة إلى مادةٍ لطيفة بكلِّ عناية وإتقان، وتنشُرُ نورَ الحياة في كل شيء بغزارة، وترصّع أغلبَ الأشياء بضياءِ الشعور، فلابد أن ذلك القدير الحكيم لن يهمل بقدرته الكاملة وبحكمته التامة، النورَ والأثيرَ وأمثالَهما من السيالات اللطيفة والقريبة، بل الملائمة للروح، دون حياة. ولن يتركه جامدا ولن يدعه دون شعور. وإنما الأَولى أن يَخلق جلّت قدرتُه وحكمتُه أحياءً وذوي شعور من تلك المواد السيّالة اللطيفة، من مادة النور وحتى من الظلام وحتى من مادة الأثير وحتى من المعاني وحتى من الهواء وحتى من الكلمات، فيَخلق كثرةً كاثرة من المخلوقات ذوات الأرواح المختلفة -كالأجناس الكثيرة المختلفة للحيوانات- فيصير قسم منها الملائكة وقسم آخر أجناس الجنّ والروحانيات.
وفي المثال الآتي يتبيّن لك؛ كم تكونُ فكرةُ وجود الملائكة والروحانيات بكثرة، كما بيّنه القرآنُ الكريم، حقيقةً وبداهة وأمرا معقولا، وكم يكون الرفضُ وعدمُ القبول خلافا للحقيقة والحكمة، بل خرافةً وضلالة وهذيانا وبلاهة:
يتصادق اثنان أحدهما بدوي وآخرُ حضري، كانا يسيران معا إلى مدينة عظيمة -كإسطنبول - وقبل دخولهما المدينةَ وفي زاوية من زواياها يصادفان مبنًى صغيرا وورشةً قذرة، فيبصران المبنى مملوءًا برجال مساكين يعملون منهوكين في هذا المعمل الغريب، ويلاحظان حولَ المعمل حيواناتٍ وأحياءً أخرى أيضا تقتات كلّ بطريقتها الخاصة حسب شرائط حياتها. فمنها ما يأكل النبات وأخرى تأكل الأسماك فقط، وهكذا.. وفيما هما يراقبان أحوالَ هؤلاء إذا بهما يريان على بُعدٍ منهما آلافا من العمارات المزيّنة والقصور العالية تفصل بينها ميادينُ وفسحُ واسعة، إلّا أن سكان تلك العمارات الرائعة لا يَظهرون لهما، إما لبُعدهما عنهم، أو لضعف نظرهما، أو لاختفاء سكنةِ تلك القصور أنفسهم، ولا توجد شرائطُ الحياة التي في هذه الورشة القذرة في تلك القصور العالية.
— 589 —
فالبدوي الذي لم يرَ المدينة في حياته قال: "إن تلك العمارات خالية من أهلها ولا أحدَ فيها من الأحياء، إذ إنني لا أراهم، وليس هناك ما يشير إلى الحياة كحياتنا أصلًا "، فأظهرَ بهذيانه هذا حماقتَه الشديدة.
أجابه صديقُه العاقل الرزين: يا هذا! أما ترى أن هذا المسكنَ البسيط الحقير مليء بالأحياء وليس هناك شبر من فراغ حولَنا لم يُملأ بالأحياء والعاملين، فهناك من يبدّلهم ويجدّدهم دائما ويستخدمهم أبدا. فانظر الآن هل من الممكن أن تكون تلك العماراتُ الرائعة المنتظمة والتزييناتُ الحكيمة، والقصور الباذخة على بُعدها عنّا خاليةً من أهلها المتلائمين معها؟. إنها لابدّ قد مُلئت جميعا بذوي أرواح، لهم شرائطُ حياة أخرى خاصة بهم، فلربما يأكلون -بدلا من الأعشاب والأسماك- شيئا آخر، فإنّ عدمَ رؤيتهم -لبُعدهم أو لقِصَر النظر أو اختفائهم- لا يقيم دليلا أبدا على عدم وجودهم، إذ إن عدم الرؤية لا يدل مطلقا على عدم الوجود. وليس عدم الظهور بحجةٍ قطعا على عدم الوجود.
وقياسا على هذا المثال البسيط الواضح؛ إنّ الكرة الأرضية وهي واحدة من الأجرام السماوية، على كثافتها وضآلة حجمها، قد أصبحت موطنا لما لا يحدّ من الأحياء وذوي المشاعر، حتى لقد أصبحتْ أقذرُ وأخسُّ الأماكن فيها منابعَ ومواطنَ لكثير من الأحياء، ومحشرا ومعرضا للكائنات الدقيقة. فالضرورة والبداهة والحدس الصادق واليقين القاطع جميعا تدل وتشهد بل تعلن أنّ هذا الفضاءَ الواسع والسماوات ذات البروج والأنجمَ والكواكب كلَّها مليئة بالأحياء وبذوي الإدراك والشعور. ويطلق القرآن الكريم والشريعةُ الغرّاء على أولئك الأحياء الشاعرين والذين خُلقوا من النور والنار ومن الضوء والظلام والهواء ومن الصوت والرائحة ومن الكلمات والأثير وحتى من الكهرباء وسائر السيالات اللطيفة الأخرى بأنهم: ملائكة.. وجان.. وروحانيات. ولكن كما أن الأجسام أجناس مختلفة كذلك الملائكة؛ إذ ليس المَلَك الموكّل على قطرة المطر من جنس المَلَك الموكّل على الشمس. وكذلك الجن والروحانيات لهم أجناس مختلفة كثيرة.
— 590 —
خاتمة هذه النكتة الأساس
لقد ثبت بالتجربة أن المادة ليست أساسا وأصلا ليبقى الوجودُ مسخّرا من أجلها وتابعا لها، بل هي قائمة بی"معنى"، وهذا المعنى هو الحياة.. هو الروح..
وتُرينا المشاهدة والملاحظة كذلك أن المادة لا تكون مُطاعةً حتى يُرجَّع إليها كلُّ شيء، وإنما هي وسيلة مطيعة خادمة لإكمال حقيقة معينة.. هذه الحقيقة هي الحياة.. وأساسها.. هو الروح.
ومن البديهي أن المادة ليست هي الحاكمة حتى يُستجدى على بابها وتُطلبَ أو تُنتَظرَ منها الكمالات والیمُثُل، بل هي محكومة تسير وفق أساس معيّن وتتحرك بإشارته.. هذا الأساس هو الحياة، هو الروح، هو الشعور.
وتقتضي الضرورة كذلك أن لا ترتبط بالمادة الأعمالُ والیمُثُل ولا تُبنى على ضوئها، إذ إنها ليست لبّا ولا أصلا ولا أساسا ولا ثابتا مستقرا. وإنما هي قشرة وغلاف وزَبَد وصورة مهيأة للتشقّق والذوبان والتمزق.
ألا يُشاهَد كيف أن الحيوانات الدقيقة التي لا يمكن رؤيتُها بالعين المجردة تملك إحساسات حادّة وقوية حتى إنها تسمع همسات بنى جنسها وترى موادَّ رزقها!!. إن هذا يبيّن لنا بوضوح أنّ المادة كلّما صغُرت ودقّت ازداد انطباعُ ملامح الحياة وآثارها عليها، واشتدّ نورُ الروح فيها، أي إن المادة كلما دقت وابتعدت عن ماديتها كأنها تقترب أكثر من عالم الروح، وعالم الحياة، وعالم الشعور، فيتجلّى نورُ الحياة وحرارةُ الروح بشدّة أكثر..
فهل من الممكن أن يترشح كلُّ ما نرى من ترشحات الحياة والمشاعر والروح وتنسابُ رقراقةً من أغطية المادّة، ولا يكون العالمُ الباطن الكائن تحت ستار المادة مملوءا بذوي المشاعر وبذوي الأرواح؟ وهل من الممكن أن يرجع إلى المادة ويُسند إليها وإلى حركتها كلُّ ما في عالم الشهادة من ترشحات غير محدودة للمعاني والروح والحقيقة ومنابع لمعاتها وثمراتها، وتتوضحَ بها وحدها!؟.. كلّا ثم كلّا.. بل إن هذه المظاهر غير المحدودة المترشحة، ولمعاتها تُظهر لنا أنّ عالم الشهادة المادي هذا إنما هو ستار منقّش مزركش ملقًى على عالم الملكوت والأرواح.
— 591 —

الأساس الثاني

يصح القول بأن هناك إجماعا ضمنيا -مع تباين التعبير- على وجود حقيقة الملائكة وثبوت العالم الروحاني، بين أهل العقل والنقل كافةً سواء علموا أم لم يعلَموا.. فلم يُنكر "معنى" الملائكة حتى المشّاؤون من الفلاسفة الإشراقيين الذين أوغلوا في الماديات؛ إذ عبّروا عن "معنى" الملائكة بقولهم: "إن هناك ماهية مجردة روحية لكل نوع". والآخرون من الإشراقيين عندما اضطروا لقبول معنى الملائكة أطلقوا عليهم خطأً: "العقول العشرة وأرباب الأنواع".
ومن المعلوم أنّ جميع أهل الأديان بإلهام الوحي الإلٰهي وإرشاده مؤمنون أن لكل نوع مَلَكا موكَّلا به، فيعبرون عنهم بأسماء: مَلَك الجبال، ومَلك البحار، ومَلَك الأمطار..
وحتى المادّيون والطبيعيون، الذين تحدّرت عقولُهم إلى عيونهم، والمتجرّدون معنويا من الإنسانية، الساقطون إلى درجة الجمادات، لم يَسَعْهم إنكارُ "معنى" الملائكة وحقيقية الروح. فأطلقوا عليها اسم "القوى السارية" فكان هذا تصديقا اضطراريا منهم -ولو بصورة مشوّهة- لمعنى الملائكة.
فيا أيها الإنسان المسكين المتردد في قبول وجود الملائكة والعالَم الروحاني! علاَمَ تستند؟ وبأيّ حقيقةٍ تفتخر؟ حتى تواجه ما اتفق عليه جميعُ أهل العقل، سواء علموا أم لم يعلموا، من ثبوت معنى وحقيقة وجود الملائكة وتحقق العالم الروحاني؟
فما دامت الحياةُ -كما أثبتنا في الأساس الأول- كشافةً للموجودات بل نتيجتَها وزبدتَها.. وإن جميعَ أهل العقل قد اتفقوا ضمنيا، وإن اختلفوا في التعبير، على معنى الملائكة.. وأن أرضنا هذه معمورة بكل هذه الأحياء وذوي الأرواح، فكيف يمكن إذن أن يخلو هذا الفضاءُ الواسع من ساكنيه، وتلك السماواتُ البديعة اللطيفة من عامريها؟!.
ولا يخطرنّ ببالك أنّ النواميسَ والقوانينَ الجارية في العالم كافية أن تجعل الكائنات ذات حياة.. لأن تلك النواميس الجارية والقوانين الحاكمة أوامرُ اعتبارية، ودساتيرُ وهمية، لا يُعتدّ بها، ولا تُعدّ شيئا أصلا.
— 592 —
فإن لم يكن هناك عبادُ اللّٰه المسمّون بی"الملائكة" يأخذون بزمام هذه القوانين ويظهرونَها ويمثلونها، فلا يتعين لتلك القوانين والنواميس أيُّ وجود كان، ولا تُعرف لها هوية. فهي ليست حقيقةً خارجيةً قط، والحال أن الحياة حقيقة خارجية. والأمرُ الوهمي لا يمكن أن تُحمل عليه حقيقة خارجية.
نخلص من هذا أنه: مادام أهلُ الحكمة وأهل الدين وأصحاب العقل والنقل متفقين ضمنيا على أن الموجودات لا تنحصر في عالم الشهادة هذا، وأن عالم الشهادة الظاهر الجامد الذي لا يكاد يتفق مع إقامة الأرواح وتشكّلها قد تزين بهذا العدد الهائل من ذوي الأرواح والأنسام؛ لذا فالوجود لا يمكن أن يكونَ منحصرا فيه. بل هناك طبقات أخرى كثيرة من الوجود، بحيث يُصبح عالمُ الشهادة بالنسبة لها ستارا مزركشا. وما دام عالمُ الغيب وعالم المعنى ملائمَين للأرواح -كملاءمة البحار للأسماك- فلابدّ أنهما يزخران بأرواح ملائمةٍ لهما.
ولما كانت جميعُ الأمور قد شهدت على وجود معنى الملائكة، لذلك فلا ريب أنّ أحسنَ صورة لوجود الملائكة، ولحقيقة الروحانيات، وأفضلَ حال وكيفيةٍ لها، بحيث تستسيغها العقولُ السليمة وتستحسنها، هو بلا شك ما شرَحه القرآنُ الكريم وبيّنه بوضوح.
فالقیرآن الكیريیم يذكر المیلائكیة بأنیهم: ...عبادٌ مُكْرَمون (الأنبياء:٢٦) ..لا يَعصُییونَ اللّٰه مییا أمَیییرهییم ويفییعلون مییا يُؤمَرون (التحريم:٦).
فهم أجسام نورانية لطيفة تنقسم إلى أنواع مختلفة.
نعم، فكما أن البشر هم أمة يحملون ويمثّلون وينفّذون الشريعة الإلهية الآتية من صفة "الكلام"، كذلك الملائكةُ أمة عظيمة جدّا بحيث إن قسم العاملين منهم يحملون ويمثّلون وينفّذون الشريعة التكوينية الآتية من صفة "الإرادة". وهم نوع من عباد اللّٰه الطائعين لأوامر المؤثّر الحقيقي الذي هو القدرةُ الفاطرة والإرادةُ الإلهية طاعةً كاملةً، حتى جعلوا كل جرم من الأجرام السماوية العلوية بمثابة مسجدٍ ومعبدٍ لهم.
— 593 —

الأساس الثالث

إنّ مسألة ثبوت الملائكة والعالَم الروحاني من المسائل التي تنطبق عليها القاعدة المنطقية: " يُدرَك تحقق الكلّ بثبوت جزء واحد". أي إنه برؤية شخصٍ واحد للملائكة يُعرَف وجود النوع عامةً؛ لأن الذي ينكر الملائكة ينكرها كليًا. فإذا ما قَبِل فردا واحدا من ذلك النوع، فعليه أن يقبل النوعَ جميعا، إذن تأمّل:
ألَا ترى وتسمع بأنّ جميعَ أهل الأديان، في جميع العصور، منذ زمن سيدنا آدم عليه السلام إلى يومنا هذا، قد اتفقوا على وجود الملائكة وثبوت العالم الروحاني، وأن طوائف من البشر قد أجمعوا على وقوع محادثة الملائكة ومشاهدَتهم والرواية عنهم مثلما يتحاورون ويشاهدون ويروون الروايات فيما بينهم. فيا تُرى هل يمكن أن يحصل مثلُ هذا الإجماع، ويدومَ هذا الاتفاق، بهذا الشكل المتواتر المستمر في أمر وجوديّ، إيجابي، مستند إلى الشهود، إن لم يكن قد شوهد أحد من الملائكة عيانا وبداهةً؟ أو لم يُعرف وجودُ شخص أو أشخاص منهم بصورة قاطعة بالمشاهدة؟ أو لم يُشعر بوجودهم بالبداهة والمشاهدة؟. وهل من الممكن ألّا يكون منشأ هذا الاعتقاد العام مبادئَ ضروريةً وأمورا بديهية؟ وهل من الممكن أن يستمر ويبقى وَهْم لا حقيقةَ له في جميع العقائد الإنسانية وفي خضم التقلبات البشرية؟. وهل من الممكن أن الإجماع العظيم لأهل الأديان هذا، لا يستند إلى حدسٍ قطعي وعلى يقين شهودي؟. وهل من الممكن أنّ هذا الحدسَ القطعي واليقينَ الشهودي لا يستندان إلى ما لا يعدّ ولا يحصى من الأمارات والعلامات؟ وأن هذه الأمارات لا تستند على مشاهدات واقعية؟ وأن هذه المشاهدات الواقعية لا تستند إلى مبادئ ضرورية لا شك فيها ولا شبهة؟
ولما كان الأمر كذلك، فإن أسس ومستندات الاعتقادات العامة في أهل الأديان هي مبادئ ضرورية، نتجت بالتواتر المعنوي النابع من رؤية الروحانيات ومشاهدة الملائكة مرارا وتكرارا، فهي أسس قطعية الثبوت.
وهل من الممكن أو المعقول أن تدخل الشبهةُ في وجود الملائكة وعالَم الروح ومشاهدتهم الذي أخبر عنه وشهدَ به الأنبياءُ والأولياءُ، شهودا متواترا وبقوة الإجماع المعنوي. وهم شموسُ الحياة الاجتماعية البشرية ونجومُها وأقمارُها، وبخاصةٍ أنهم "أهلُ الاختصاص" في
— 594 —
هذه المسألة؛ إذ من المعلوم أن اثنين من أهل الاختصاص يرجَّحان على آلاف من غيرهم. وهم كذلك "أهلُ الإثبات" في هذه المسألة، ومن المعلوم أن اثنين من أهل الإثبات يرجَّحان كذلك على آلافٍ من "أهل النفي".
وهل من الممكن أن تدخل أيةُ شبهة وبخاصة فيما ذكره القرآنُ الحكيم المعجِز الذي يتلألأ في سماء الكائنات دائما دون أفول، فهو شمسُ شموسِ عالم الحقيقة، وبما شهده وشاهده النبيُ الكريم عليه الصلاة والسلام وهو شمسُ الرسالة؟.
ولما كان تحقق وجود كائن روحاني واحد -في وقت ما- يُظهر حقيقةَ وجودِ جميع نوعه، وقد تحقق هذا فعلا. فلابدّ أن أفضلَ صورةٍ معقولة ومقبولة لحقيقة وجودهم هو مثلما شرحتْها الشريعةُ الغرّاء، وأظهرَها القرآنُ الكريم، وشاهدها صاحبُ المعراج عليه أفضل الصلاة والسلام.
الأساس الرابع
إذا أمعنا النظر في موجودات الكون نلاحظ أن: "للكلّیيّات، كما هي للجزئيات، شخصيةً معنوية، بحيث تُظهر لها وظيفةً كليّةً".
فكما أنّ الزهرة -مثلا- بإظهارها دقةَ الصنعة فيها تسبّح بلسان حالها بأسماء فاطرها، فرياضُ الأرض كلُّها أيضا هي بحُكم تلك الزهرة، لها وظيفة تسبيحية كلّية في غاية الانتظام.
وكما أنّ الثمرة تعبّر وتُعلن بنظامها البديع المنسق عن تسبيحاتها، كذلك الشجرةُ الباسقة بكليتها، لها عبادة ووظيفة فطرية في أتمّ نظام.
وكما أن للشجرة الباسقة تسابيحَ بحَمد ربِّها بكلماتِ أوراقِها وأزهارها وأثمارها، فإن لآفاق السماوات الشاسعة تسابيحَها للفاطر الحكيم بكلماتِ شموسها ونجومها وأقمارها، وهي تحمد وتمجّد صانعَها جلّ جلالُه.
وهكذا الموجودات الخارجية كلها -رغم أنها جامدة ودون شعورٍ ظاهرا- فلها واجبات وتسابيح بحمد ربّها في منتهى الإحساس والحيوية.
— 595 —
فالملائكة إذ يمثلون الموجودات ويعبّرون عن تسبيحاتها في عالم المَلكوت، فالموجوداتُ بدورها هي بحكم المساكن والمساجد للملائكة في عالم المُلك والشهادة. ولقد بيّنا في "الكلمة الرابعة والعشرين" في الغصن الرابع منها أن مالكَ قصرِ هذا العالم الفخم وصانعَه جلّ جلالُه يستخدم في إعمار مملكته أربعةَ أقسام من العاملين، وفي مقدمتهم الملائكةُ والروحانيات.
"فالنباتات والجمادات" تقوم بعملها دون درايةٍ لقصدِ الصانع الحكيم، ودون أن تأخذ أجرةً لقاء خدماتها العظيمة، ولكن تقوم بها بإمرةِ عليم بقصد المالك. و"الحيوانات" تقوم بخدمات عظيمة كلّية دون دراية أيضا، ولكن بأجرةٍ جزئية. و"الإنسان" يُستخدم في أعمال موافقة لما يعلم من مقاصد الصانع ذي الجلال مقابل أجرتين: آجلة وعاجلة، مع أخذٍ لنصيب نفسه أيضا من كل شيء، ورعايتِه العمالَ الآخرين: النباتات والحيوانات..
نعم، فما دام استخدام هذه الأنواع مشاهَدا عيانا، فلابدّ أن هناك قسما رابعا. بل هم مقدمةُ صفوف الخَدَمة والعمال، فهم يتشابهون مع الإنسان من ناحية، حيث يعلَمون المقاصد العامة للصانع ذي الجلال، فيعبدونَه بحركاتهم المنسجمة مع أوامره، ولكنهم يختلفون عن الإنسان من ناحية أخرى وهي أنهم مجرّدون من حظوظ النفس وأخذ الأجرة الجزئية، إذ يكتفون بما يحصلونه من اللذة والذوق والكمال والسعادة بمجرّد نظره سبحانه إليهم، ومن أوامره لهم، وتوجّهه إليهم، وقُربهم منه، وانتسابهم إليه. فيسْعون لأجله، وباسمه، فيما يخصهم من أعمال بكل إخلاص.. وأولئك هم الملائكة، فتتنوع وظائفُ عبوديتهم حسب أجناسهم، وحسب أنواع الموجودات في الكون؛ إذ كما أن للحكومة موظفِين مختلفين حسب اختلاف وتنوع دوائرها، كذلك تتنوع تسبيحاتُ ووظائفُ العبودية باختلاف الدوائر في سلطنة الربوبية.
فمثلا: سيدُنا ميكائيل عليه السلام بأمر من اللّٰه ولأجله، وبحَوله وقوته، هو كالمشرِف العام -إذا جاز التعبير- على جميع المخلوقات الإلهية المزروعة في حقل الأرض، أي هو رئيسُ جميع مَن هم بحكم المُزارع من الملائكة. وللفاطر الحكيم جلّ جلالُه كذلك مَلَك موكّل عظيم يتولّى بإذنه وأمره وبقوّته وحكمته رئاسة جميع الرعاة المعنويين للحيوانات جميعا.
— 596 —
فما دام على كل موجود من الموجودات الظاهرة مَلَك موكّل، يمثل ما تُظهر تلك الموجوداتُ من وظائف العبودية والتسبيح في عالم الملكوت ويقدّمه بعلمٍ، إلى الحضرة الإلهية المقدّسة الجليلة. فلابدّ أن نفهم أن ما رُوي عن المُخبر الصادق (ص) حول الملائكة من صوَر هي أحسنُ تصويرٍ وأقربُ إلى العقل وبشكل جدّ مناسب ولائق.
فمثلا: روي أن الرسول (ص) قال: "إن للّٰه ملائكة لها أربعون -أو أربعون ألف- رأسٍ، في كل رأس أربعون ألف فمٍ، وفي كل فم أربعون ألف لسانٍ يُسبّح أربعين ألف تسبيحة" [٭]: سبق تخريجه في الكلمة الرابعة عشرة. أو كمال قال.. فحقيقة هذا الحديث لها معنى، ولها صورة.
أما معناها فهي: أن عبادة الملائكة في غاية الانتظام والكمال، وهي في منتهى السعة والكليّة أيضا.
وأما صورتُها فهي: أنّ هناك بعض الموجودات الجسمانية الضخمة تُنجز وظائفَ عبوديتها بأربعين ألف رأس وبأربعين ألف نمط وشكل. فالسماءُ مثلا تسبّح بالشموس والنجوم، والأرضُ أيضا مع أنها واحدة من المخلوقات، فإنها تقوم بوظائف عبوديتها وتسبيحاتها لربّها بمائةِ ألف رأس، وفي كل رأس مئاتُ الألوف من الأفواه، وفي كل فم مئاتُ الألوف من الألسنة، فلأجل أن يُظهر المَلك الموكّل بكرة الأرض هذا المعنى في عالم الملكوت، لابدّ أن يَظهر هو الآخر بتلك الهيئة والصورة. حتى إنني رأيت ما يقارب الأربعين غصنا -بما يشبه الرأس- لشجرة متوسطة من أشجار اللوز، ومن ثم نظرت إلى أحد أغصانِها فكان له ما يقارب الأربعين من الأغصان الصغيرة بمثابة الألسنة، ورأيت هناك أربعين زهرة قد تفتحتْ من أحد تلك الألسنة. فنظرتُ بدقة وأمعنت بحكمة إلى تلك الأزهار، فإذا في كل زهرة ما يقارب الأربعين من الخيوط الدقيقة المنتظمة ذات الألوان البديعة والدقة الرائعة، بحيث إن كلّ خيط من تلك الخيوط يُظهر تجلّيا من تجلّيات أسماء الصانع ذي الجلال ويستنطق اسما من أسمائه الحسنى.
فهل من الممكن أن صانع شجرة اللوز ذا الجلال، وهو الحكيم ذو الجمال، الذي حمّل تلك الشجرة الجامدة جميعَ تلك الوظائف ثم لا يركّب عليها مَلَكا موكلا، يناسبها، وبمثابة
— 597 —
الروح لها، ويفهم معنى وجودها، ويعبّر عن ذلك المعنى ويعلنه للكائنات ويرفعه إلى الحضرة المقدسة؟.
أيها الصديق! إنّ ما بينّاه حتى الآن، إنما كان تمهيدا كي يُحضر القلبَ للقبول، ويلزم النفسَ بالتسليم، ويهيیئ العقلَ إلى الإذعان. فإن كنتَ قد فهمتَه، وكنت ترغب في مقابلة الملائكة حقا، فتهيأ وتطهّر من الأوهام الرديئة. فدونَك عالَم القرآن الكريم مفتّحةً أبوابه. فإن جنّة القرآن مفتّحةُ الأبواب دائما.. فادخل.. وانظر إلى أجمل صورة للملائكة في فردوس القرآن.. فكل آية من آيات التنزيل شُرفة.. ومن هذه الشُرفات.. قف.. وانظر.. وتمتع:
والیمُرسَلاتِ عُرفًَا٭ فَالعَاصِفَاتِ عَصْفًَا٭ والنّاشِراتِ نَشرا٭ فالفَارِقاتِ فَرقاَ٭ فالملقيات ذِكْرًا
(المرسلات:١-٥).
والنیازعیات غیرقًا٭ والیناشیطات نشیطیًا٭ والسیابحیات سبحًا٭ فالسابقات سبقا ٭ فالمدبرات أمرًا
(النازعات:١-٥).
تنزل الملئكة والروح فيها باذن ربهم ..
(القدر:٤).
عليها ملئكة غیلاظ شداد لا يعیصون اللّٰه ما أمیرهیم ويفعلون ما يؤمرون
(التحريم:٦).
ثم أنصت إلى الثناء عليهم:
بل عباد مكرمیون٭ لا يسبیقونه بالیقول وهم بامره يعملون
(الأنبياء:٢٦-٢٧)
وإن كنت ترغب في مقابلة الجن فادخل حصن سورة:
قل أوحي اليَّ أنه استمع نفر من الجن...
(الجن:١).
ثم أنصت إليهم ماذا يقولون.. واعتبر.. إنهم يقولون:
إنّا سمعنا قیرآنًا عجبًا٭ يهدى الى الیرشد فآمینا به ولین نشرك بربنا أحدًا
(الجن:١-٢).
— 598 —

المقصد الثاني

القيامة ودمار الدنيا والحياة الآخرة
فيه أربعةُ أسس مع مقدمة
المقدمة
إذا ادّعى أحد أن هذه المدينة أو القصر سيُدمَّر، ويُبنى ويُعمَّر من جديد عمرانا مُحكما رصينا، فلاشك أنه يترتب على دعواه هذه ستةُ أسئلة:
الأول: لماذا يدمَّر؟. وهل هناك من مبرّر؟ فإذا أثبتَ أنْ نعم، فهنا يردُ:
السؤال الثاني: هل الذي يهدم ثم يبنى ويُعمِّر قادر على عمله؟ وإذا أثبتَ هذا أيضا، فسيلي:
السؤال الثالث هكذا: وهل يمكن هدمُها؟
وسؤال آخر: وهل يهدم فعلا؟ فإذا أثبتَ أنه يمكن هدمه وأنه سوف يهدمه فعلا فسيَرِدُ هنا سؤالان؟.
هل يمكن إعمارُ هذه المدينة الرائعة أو القصر من جديد؟ فإن كان الجواب: نعم، إنه ممكن،
فسيرد السؤال: وهل يعمرّه فعلا ؟.
فإذا كان الجواب: نعم وأثبتَ كل ذلك، عندئذ لا تبقى أيةُ ثغرةٍ في جميع جوانب هذه المسألة لدخول أيَّیةِ شبهة أو شك أو وهم فيها.
وهكذا على غرار هذا المثال، فهناك مبرّر لهدم قصر الدنيا ومدينةِ هذه الكائنات وتخريبِها وتدميرها، ومن ثم تعميرها وبناؤها، وأن هناك مَن هو قادر ومهيمن على ذلك، وبالتالي فهو يمكنه هدمُها، وسيهدمُها فعلا، ومن ثم فهو يمكنه تعميرُها، وسيعمّرها فعلا من جديد. وستثبُت لدينا هذه المسائل بعد الأساس الأول.
— 599 —

الأساس الأول

إنّ الروحَ باقية قطعا. إذ إن الدلائل التي دلّت على وجود الملائكة والروحانيات في "المقصد الأول" هي نفسُها دلائل مسألتنا (بقاء الروح) هذه. وعندي أن هذه المسألة ثابتة إلى درجة بحيث يكون من العبث أن نخوض في توضيحها.
نعم، إنها قصيرة ودقيقة تلك المسافة التي بيننا وبين القوافل التي لا تعدّ ولا تحصى من الأرواح الباقية في عالم البرزخ وعالم الأرواح والمنتظرة للرحيل إلى الآخرة، بحيث لا نحتاج إلى برهان لإيضاحها؛ فاللقاءات التي بينها وبين ما لا يعدّون من أهل الكشف والشهود، ورؤيةُ أهل كشف القبور لهم، وعلاقات عامة الناس وارتباطهم معهم في الرؤى الصادقة، ومحاورات قسم من العوام معهم.. كلُّ ذلك جعل الروح وبقاءها -لكثرة التواتر- من المفاهيم المعروفة للبشرية.
بيد أن الفكرَ المادي في عصرنا هذا قد أسكر كثيرا من الناس فأوغل الوهمَ والشبهةَ في أبسط الأمور البديهية. فلأجل إزالة هذه الأوهام والوساوس، سنشير إلى "أربعة منابع" فقط، من بين تلك المنابع الغزيرة للحدس القلبي والإذعان العقلي ممهّدين لها "بمقدمة".
المقدمة
كما أثبت في الحقيقة الرابعة من "الكلمة العاشرة" أنّ الجمالَ البديع الخالد الأبدي الذي ليس له مثيل يطلب خلودَ مشتاقيه وبقاءهم وهم كالمرآة العاكسة لذلك الجمال. وأن الصنعة الكاملة الخالدة غير الناقصة تستدعي دوام مناديها المتفكرين. وأن الرحمة والإحسان غير النهائي يقتضيان دوامَ تنعّم شاكريهما المحتاجين.. فذلك المشتاق الذي هو كالمرآة المصقولة.. وذلك المنادي المتفكر.. وذلك الشاكر المحتاج، إنْ هو إلّا روحُ الإنسان أولا؛ لذا فالروح باقية بصحبة ذلك الجمال وذلك الكمال وتلك الرحمة.. في طريق الخلود والأبدية.
وأثبتنا كذلك في الحقيقة السادسة من "الكلمة العاشرة" أنه ليست الروحُ البشرية وحدَها لم تُخلَق للفناء، بل حتى أبسییطُ المخییلوقیات كذلك لم تُخلق للفناء بل لها نوع من البقاء. فالزهرةُ البسيطة -مثلا- التي لا تملك روحا مثلنا، هي أيضا عندما ترحل من الوجود
— 600 —
الظاهري تبقى صورتُها محفوظةً في كثير من الأذهان، كما يدوم قانونُ تراكيبها في مئات من بُذيراتها المتناهية في الصغر، فتمثّل بذلك نموذجا لنوع من البقاء بآلاف من الأوجه.
وما دام نموذجُ صورة الزهرة وقانونُ تركيبها، الشبيه جزئيّا بالروح، باقيا ومحفوظا من قبل الحفيظ الحكيم في بُذيراتها الدقيقة بكل انتظام في خضم التقلبات الكثيرة، فلاشك أن روحَ البشر -التي هي قانون أمري نوراني تملك ماهيةً ساميةً، وهي ذاتُ حياةٍ وشعور، وخصائصَ جامعة شاملة جدّا وعالية جدّا، وقد ألبست وجودا خارجيًّا- لابدّ أنها باقية للأبد، ومشدودة بالسرمدية، وذات ارتباط مع الخلود دون أدنى شك. وكيف تدّعي إن لم تفهم هذا: إنني إنسان واعٍ..؟.
فهل يمكن أن يُسأل الحكيمُ ذو الجلال والحفيظُ الباقي الذي أدرج تصميمَ الشجرة الباسقة وحفِظَ قانونَ تركيبها الشبيه بالروح في بذرة متناهية في الصغر: كيف يُحافظ على أرواح البشر بعد موتهم؟.
المنبع الأول: أنفسيّ
أي إنّ كلَّ من يدقّق النظر في حياته ويفكّر مليّا في نفسه يُدرك أن هناك روحا باقيةً.
نعم، إنه بديهي أن كلَّ روحٍ رغم التبدل والتغير الجاري على الجسم عبرَ سني العمر تظلُّ باقيةً بعينها دون أن تتأثر، لذا فما دام الجسدُ يزول ويستحدث، مع ثبات الروح، فلابدّ أنّ الروح حتى عند انسلاخِها بالموت انسلاخا تاما، وزوال الجسد كلّه، لا يتأثر بقاؤها ولا تتغير ماهيتُها.. أي إنها باقية ثابتة رغم هذه التغيرات الجسدية. وكل ما هنالك أن الجسد يبدّل أزياءه تدريجيا طوال حياته مع بقاء الروح، أما عند الموت فيُجرَّدُ نهائيا وتثبت الروحُ. فبالحدس القطعي بل بالمشاهدة نرى أن الجسد قائم بالروح، أي ليست الروحُ قائمةً بالجسد، وإنما الروح قائمة ومسيطرة بنفسها. ومن ثم فتفرّق الجسدِ وتبعثرُه بأي شكل من الأشكال وتجمّعُه لا يضرّ باستقلالية الروح ولا يخیل بها أصلا. فالجسد عشّ الروح ومسكنُها وليس بردائها. وإنما رداءُ الروح غلاف لطيف وبدن مثالي ثابت إلى حدٍّ ما ومتناسب بلطافته معها. لذا لا تتعرّى الروحُ تماما حتى في حالة الموت، بل تخرج من عشّها لابسةً بدنَها المثالي وأرديتَها الخاصة بها.
— 601 —

المنبع الثاني: آفاقي

وهو حُكم نابع من المشاهدات المتكررة والوقائع المتعددة ومن التجارب الكثيرة.
نعم، إذا ما فُهم بقاءُ روحٍ واحدة بعد الممات، يستلزم ذلك بقاءَ "نوع" تلك الروح عامة. إذ المعلوم في علم المنطق أنه إذا ظهرت خاصّة "ذاتية" في فردٍ واحد، يُحكَم على وجود تلك الخاصة في جميع الأفراد؛ لأنها خاصة ذاتية، فلابدّ من وجودها في كل فرد. والحال أنّ بقاءَ الروح لم يظهر في فرد واحد فحسب، بل إن الآثار التي تستند إلى المشاهدات التي لا تعدّ ولا تحصى والأمارات التي تدل على بقائها ثابتة بصورة قطعية إلى درجة أنه كما لا يساورنا الشكُّ ولا يأخذنا الريبُ أبدا في وجود القارة الأمريكية المكتشَفة حديثا واستيطانها بالسكان، كذلك لا يمكن الشكّ أن في عالم الملكوت والأرواح الآن أرواحا غفيرة للأموات، لها علاقات معنا، إذ إن هدايانا المعنوية تمضي إليها، وتأتينا منها فيوضاتُها النورانية.
وكذا يمكن الإحساس -وجدانا بالحدس القطعي- بأن ركنا أساسا في كيان الإنسان يظلُّ باقيا بعد موته. وهذا الركن الأساس هو الروح، حيث إن الروح ليست معرَّضة للانحلال والخراب؛ لأنها بسيطة ولها صفة الوحدة. إذ الانحلال والفساد هما من شأن الكثرة والأشياء المركّبة. وكما بيّنا سابقا فإن الحياة تؤمّن طرزا من الوحدة في الكثرة، فتكون سببا لنوعٍ من البقاء. أي إنّ الوحدةَ والبقاء هما أساسا الروح حيث تسري منها إلى الكثرة. لذلك فإن فناءَ الروح إما أن يكون بالهدم والتحلّل أو بالإعدام؛ فأما الهدم والتحلّل فلا تسمح لهما الوحدةُ والتفردُ بالولوج، ولا تتركهما البساطةُ للإفساد، وأما الإعدام فلا تسمح به الرحمةُ الواسعة للجواد المطلق، ويأبى جُودُه غير المحدود أن يستردّ ما أعطى من نعمةِ الوجود لروح الإنسان اللائقة والمشتاقة إلى ذلك الوجود.
المنبع الثالث
الروح قانون أمري، حيّ، ذو شعور، نوراني، وذات حقيقة جامعة، مُعدّة لاكتساب الكلية والماهية الشاملة، وقد ألبست وجودا خارجيًّا؛ إذ من المعلوم أن أضعفَ الأوامر القانونية يظهر عليها الثباتُ والبقاء، لأنه إذا أمعنا النظر نرى بأن هناك "حقيقة ثابتة" في جميع الأنواع المعرّضة للتغيّر، حيث تتدحرج ضمن التغيرات والتحولات وأطوار الحياة مُبدِّلةً
— 602 —
صورا وأشكالا مختلفة، ولكنها تظل هي باقيةً حيةً ولا تموت أبدا. فالقانون الذي يسري على "نوعٍ" من الأحياء الأخرى يكون جاريا أيضا على الشخص "الفرد" للإنسان؛ إذ الإنسان "الفرد" حسب شمولِ ماهيته، وكلّيةِ مشاعره وأحاسيسه، وعموم تصوّراته، قد أصبح في حُكم "النوع" وإن كان بعدُ فردا واحدا؛ لأن الفاطر الجليل قد خلق هذا الإنسان مرآةً جامعة، وشاملة، مع عبوديةٍ تامة، وماهيةٍ راقية. فحقيقتُه الروحية في كل فرد لا تموت أبدا -بإذن اللّٰه- وإن بدّلت مئاتِ الآلاف من الصور، فتستمر روحُه حيةً كما بدأت حيةً؛ لذا فإن الروح التي هي حقيقةُ شعورِ ذلك الشخص وعنصرُ حياتِه باقية دائما وأبدا بإبقاء اللّٰه لها وبأمره وإذنه تبارك وتعالى.
المنبع الرابع
إنّ القوانين المتحكّمة والسارية في الأنواع تتشابه مع الروح إلى حدّ ما، إذ إن كليهما آتيان من عالم "الأمر والإرادة". فهي تتوافق مع الروح بدرجة جزئية معيّنة لصدورهما من المصدر نفسه. فلو دققنا النظر في تلك النواميس والقوانين النافذة في الأنواع التي ليس لها إحساس ظاهر، يظهر لنا أنه لو ألبسَت هذه القوانينُ الأمرية وجودا خارجيًّا لكانت إذن بمثابة الروح لهذه الأنواع، إذ إن هذه القوانينَ ثابتة ومستمرة وباقية دائما. فلا تؤثر في وحدتها التغيراتُ ولا تُفسدُها الانقلابات. فمثلا: إذا ماتت شجرةُ تينٍ وتبعثرت، فإن قانون تركيبها ونشأتها الذي هو بمثابة روحِها يبقى حيّا في بذرتها المتناهية في الصغر. أي إنّ وحدة تلك القوانين لا تفسد ولا تتأثر ضمن جميع التغيرات والتقلبات.
وطالما أن أبسط الأوامر القانونية السارية وأضعفَها مرتبطة بالدوام والبقاء، فيلزم أنّ الروحَ الإنسانية لا ترتبط مع البقاء فحسب بل مع أبدِ الآباد؛ لأن الروح بنص القرآن الكريم: مِنْ أمرِ ربّى آتٍ من عالَم الأمر، فهو قانون ذو شعورٍ وناموسٌ ذو حياة، قد ألبسته القدرةُ الإلهية وجودا خارجيًّا. إذن فكما أن القوانين غيرَ ذات الشعور الآتية من عالم "الأمر" وصفة "الإرادة" تظلُّ باقيةً دائما أو غالبا، فكذلك الروحُ، التي هي صنوُها، آتية من عالم "الأمر". وهي تجلٍّ لصفة "الإرادة". فهي أليقُ بالبقاء وأصلحُ له. أي إنّ بقاءها أولى بالثبوت والقطعية؛ لأن لها وجودا وامتلاكا للحقيقة الخارجية، وهي أقوى من جميع القوانين وأعلى مرتبةً منها، ذلك لأن لها شعورا، وهي أدوَم وأثمنُ قيمةً منها لأنها تمتلك الحياة.
— 603 —

الأساس الثاني

إنّ هناك ضرورةً ومقتضًى للسعادة الأبدية.. وإن الذي يهب تلك الحياة والسعادة الأبدية قادر مقتدر.. وإن دمارَ العالم وموتَ الدنيا ممكن.. وإنه سيقع فعلا.. وإن الحشرَ وبعثَ العالم من جديد ممكن أيضا.. وإنه ستقع هذه الواقعة فعلا.
فهذه ستُّ مسائل. سنبيّنها بالتعاقب باختصار يقنع العقلَ، علما أننا قد سقنا في "الكلمة العاشرة" براهينَ جعلت القلوبَ ترقى إلى مرتبة الإيمان الكامل. ولكننا هنا نتناولها فحسب بما يقنع العقل ويبهتُه، كما فعل "سعيد القديم" في رسالة "نقطة من نور معرفة اللّٰه جلّ جلالُه".
نعم، إن هناك ما يقتضي الحياةَ الأخرى، وإن هناك مبررا للسعادة الأبدية، وإن البرهان القاطع الدّال على هذه الضرورة حدس يترشح من عشرة ينابيعَ ومداراتٍ:
المدار الأول
إذا تأملنا في أرجاء الكون نرى أن هناك نظاما كاملا وتناسقا بديعا مقصودا في جميع أجزائه. فنشاهد رشحاتِ الإرادة والاختيار، ولمعاتِ القصد في كل جهة.. حتى نبصر نورَ "القصد" في كل شيء، وضياءَ "الإرادة" في كل شأن، ولمعانَ "الاختيار" في كل حركة، وشعلةَ "الحكمة" في كل تركيب.
فكل ما سبق تلفتُ الأنظار بشهادة ثمراتها. وهكذا إن لم يكن هناك حياة أخرى وسعادة خالدة، فماذا يعنى هذا النظام الرصين؟ إنه سيبقى مجرّدَ صورةٍ ضعيفة باهتة واهية، وسيكون نظاما كاذبا دون أساس، وستذهب المعنوياتُ والروابط والنِّسب -التي هي روح ذلك النظام والتناسق البديع- هباءً منثورا.. أي إن الحياةَ الأخرى والسعادةَ الأبدية، هي التي جعلت هذا "النظام" نظاما فعلا وأعطت له معنًى، لذا فنظامُ العالم هذا يشير إلى تلك السعادة الأبدية وحياة الخلود.

المدار الثاني

إنّ في خلق الكائنات تتضح حكمة جليّة. نعم، إن الحكمة الإلهية التي ترمز إلى عنايته الأزلية واضحة وضوحا تاما؛ فرعايةُ مصالح كل كائن، والتزامُ الفوائد والحِكَم فيها ظاهرة
— 604 —
جلية في الجميع، وهي تعلن، بلسان حالها، أنّ السعادة الأبدية موجودة؛ ذلك إن لم تكن هناك حياة أخرى أبدية فيجب أن ننكر -مكابرين ومعاندين- كلَّ ما في هذه الكائنات من الحِكَم والفوائد الثابتة البديهية.
نقتصر على هذا مكتفين بالحقيقة العاشرة "للكلمة العاشرة" فقد أظهرت هذه الحقيقةَ كالشمس.
المدار الثالث
لقد ثبت عقلا وحكمةً واستقراءً وتجربةً: أنه لا عبثيةَ ولا إسرافَ في خلق الموجودات، وأنّ عدمَهما يشير إلى السعادة الأبدية والدار الآخرة. والدليلُ على أنه ليس في الفطرة إسراف ولا في الخلق عبث، هو أن الخالقَ سبحانه وتعالى قد اختار لخلق كلِّ شيء أقربَ طريق، وأدنى جهةٍ، وأرقَّ صورة، وأجملَ كيفية. فقد يسند إلى شيء واحد مائةَ وظيفة، وقد يعلّق على شيء دقيق واحد ألفا من الغايات والنتائج. فما دام ليس هناك إسراف، ولا يمكن أن يكون هناك عبث، فلابدّ أن تتحقق تلك الحياةُ الأخرى الأبدية. وذلك إن لم يكن هناك رجوع إلى الحياة من جديد، فإنّ العدمَ يحوّل كلَّ شيء إلى عبث، بمعنى أنّ كلَّ شيء كان إسرافا وهدرا. إلّا أن عدمَ الإسراف الثابت حسب علم وظائف الأعضاء في الفطرة جميعِها، ومنها الإنسان، لَيبيّن لنا أنه لا يمكن أن تذهب هباءً، فيكون إسرافا جميعُ الاستعداداتِ المعنوية، والآمالِ غير النهائية، والأفكارِ والميول.. حيث إن الميلَ الأصيل إلى التكامل المغروس في أعماق الإنسان يُفصح عن وجودِ كمالٍ معين، وأن ميلَه وتطلّعه إلى السعادة يعلن إعلانا قاطعا عن وجودِ سعادة خالدة وأنه المرشّح لهذه السعادة.
فإن لم يكن الأمر هكذا، فالمعنوياتُ الرصينة والآمالُ الراقية السامية التي تؤسس ماهيةَ الإنسان الحقيقية تكون كلُّها -حاشَ للّٰه- إسرافا وعبثا وتذهبُ هباءً، خلافا للحكمة الموجودة في جميع الخلق.
نكتفي هنا بهذا القدر لأننا قد أثبتناها سابقا في الحقيقة الحادية عشرة من "الكلمة العاشرة".
— 605 —

المدار الرابع

إنّ التبدلات والتحولات التي تحدث في كثير من الأنواع، حتى في الليل والنهار، وفي الشتاء والربيع، وفي الهواء، وحتى في جسد الإنسان خلال حياته، والنومِ الذي هو أخو الموت.. تشابه الحشر والنشر، وهي نوع من القيامة لكلٍّ منها، تشعر بحدوث القيامة الكبرى وتُخبر عنها رمزا. فمثلما ساعاتُنا تعدُّ اليوم، والساعة، والدقيقة، والثانية بحركة تروسها فتُخبر عقاربُها بحركتها عن كل واحدة منها، وبالتي تليها -أي إنّ كلّ واحدة منها مقدمة للتي تليها- كذلك هذه الدنيا فهي كساعة إلهيةٍ عظيمة، تعمل بدورانِها وتعاقبها على عدّ الأيام والسنين وعمر البشر وعمر العالم فتُخبر كلّ منها عن التي تليها وهي مقدمة لها. فكما أنها تُحدث الصبحَ بعد الليل، والربيعَ بعد الشتاء، كذلك تُخبرنا رمزا عن حدوث صبحِ القيامة بعد الموت وصدورِها من تلك الساعة العظمى.
وهناك أشكال مختلفة كثيرة من أنواع القيامة يیمرّ بها الإنسانُ في فترة حياته، ففي كل ليلة هناك نوع من الموت وفي الصباح يرى نوعا من البعث، أي إنه يرى أمارات الحشر، بل إنه يرى كيف تتبدّل جميعُ ذرات جسمه في بضع سنين، حتى إنه يرى نموذجَ قيامةٍ وحشرٍ تدريجيين مرتين في السنة الواحدة من تلك التبدلات التي تحصل في أجزاء جسمه جميعها. ويشاهد كذلك الحشرَ والنشور والقيامة النوعية في كلِّ ربيع في أكثر من ثلاثمائة ألف من أنواع النباتات والحيوانات.. فهذا الحشدُ من الأمارات والإشارات التي لا تحدّ على الحشر، وهذا الحدّ من العلامات والرموز التي لا تحصى على النشور.. ما هو إلّا بمثابة ترشحات للقيامة الكبرى تشير إلى الحشر الأكبر. فحدوث مثل هذه القيامة النوعية وما يشبه الحشر والنشور في الأنواع، من قِبَل الخالق الحكيم، بإحيائه جميعَ الجذور وقسما من الحيوانات بعينِها، وإعادته سبحانه سائرَ الأشياء والأوراق والأزهار والأثمار بمثلِها، يمكن أن يكون دليلا على القيامة الشخصية لكلِّ فردٍ إنساني ضمن القيامة العامة. حيث إن "الفرد" الإنساني يقیابل "النوع" من الكائنات الأخرى؛ لأن نورَ الفكر أعطى من السعة العظيمة لآماله وأفكاره بحيث يتمكن أن يحيطَ بالماضي والمستقبل، بل إذا ابتلع الدنيا لا يشبعُ.. أما في الأنواع الأخرى فماهيّة الفرد جزئية، وقيمتُه شخصية، ونظرُه محدود، وكماله محصور، وألمُه آني، ولذته وقتية، بينما البشر ماهيتُه سامية، وميزاتُه راقية وقيمته غالية، ونظره شامل عام، وكماله لا يحدّه شيء، وقسم
— 606 —
من آلامه ولذاته المعنوية دائمة؛ ولهذا فإن ما يشاهَد من تكرار أشكال القيامة والحشر في سائر الأنواع يُخبر ويرمز إلى أن كلَّ فرد إنساني يُعاد بعينه ويُحشَر في القيامة الكبرى العامة.
ولما كنا قد أثبتنا هذا في الحقيقة التاسعة من "الكلمة العاشرة" بشكل قطعي كمن يثبت حاصل ضرب الاثنين في اثنين يساوي أربعا فقد أوجزناه هنا.
المدار الخامس
يرى العلماء المحققون أن أفكار البشر وتصوراتِه الإنسانيةَ التي لا تتناهى المتولّدةَ من آماله غير المتناهية، الحاصلةَ من ميوله التي لا تُحد، الناشئةَ من قابلياته غير المحصورة، المندمجةَ في استعداداته الفطرية غير المحدودة، المندرجةَ في جوهر روحه، كلٌّ منها تمدّ أصابعَها فتشير وتحدُق ببصرِها فتتوجّه إلى عالم السعادة الأبدية وراء عالم الشهادة هذا. فالفطرةُ التي لا تكذب أبدا والتي فيها ما فيها من ميلٍ شديد قطعي لا يتزحزحُ إلى السعادة الأخروية الخالدة تعطي للوجدان حدسا قطعيّا على تحقق الحياةِ الأخرى والسعادة الأبدية.
نكتفي هنا بهذا القدر حيث أظهرت الحقيقةُ الحادية عشرة من "الكلمة العاشرة" هذه الحقيقة واضحة كالنهار.
المدار السادس
إنّ رحمة خالق الكون وهو الرحمنُ الرحيم تدل على السعادة الأبدية، نعم، إنّ التي جعلت النعمةَ نعمةً فعلا وأنقذَتها من النقمة، ونجَّت الموجودات من نحيب الفراق الأبدي.. هي السعادةُ الخالدة ودارُ الخلود. فمن شأن الرحمة أن لا تحرم البشر منها، إذ لو لم توهَب تلك السعادةُ ودارُ الخلود التي هي رأسُ كل نعمة وغايتُها ونتيجتُها الأساس، أي إن لم تُبعَث الدنيا بعد موتها بصورة " آخرة ".. لتحولت جميعُ النِّعَم إلى نقَم.. وهذا يستلزم إنكارَ الرحمة الإلهية المشهودة الظاهرة بداهة وبالضرورة في الكون، والثابتةِ بشهادة جميع الكائنات والتي هي الحقيقةُ الثابتة الواضحة وضوحا أسطعَ من الشمس.
فإذا ما افترضتَ أنّ نهايةَ الحياة الإنسانية تصيرُ إلى الفراق الأبدي وإلى العدم، ثم دققّتَ النظر في بعض الآثار اللطيفة لتلك "الرحمة" وأنوارِها في نعمة الحب والحنان والعقل.. فإنك
— 607 —
ترى أن تلك المحبةَ تُصبح مصيبةً كبرى.. وذلك الحنانَ اللذيذ يكون داءً وبيلا.. وذلك العقلَ النوراني يكون بلاءً عظيما..
فالرحمةُ إذن -لأنها رحمةٌ- لا يمكن أن تقابِل المحبةَ الحقيقية بذلك الفراق الأبدي والعدم. أي لابد من حياة أخرى..
لخّصنا هذه الحقيقة هنا حيث إن الحقيقة الثانية من "الكلمة العاشرة" قد أوضحتها بكل جمال ووضوح.
المدار السابع
إنّ جميعَ المحاسن وجميع الكمالات وجميع الأشواق واللطائف وجميع الانجذابات والترحّمات التي نعلمها ونراها في هذه الكائنات ما هي إلّا معانٍ، ومضامينُ، وكلمات معنوية، تبيّن للقلب بكل وضوح وتُظهر للعقل بكل جلاء، أنها تجلياتُ كرمِ الخالق الجليل وإحسانِه، وأنها تجلياتُ رحمتِه الخالدة ولطفه الدائم سبحانه. ولما كانت هناك "حقيقة" ثابتة في عالمنا، ورحمة حقيقية واضحة بالبداهة، فلابد أن ستكون السعادةُ الأبدية. وقد أوضحت الحقيقة الرابعة مع الثانية من "الكلمة العاشرة" هذه الحقيقة كالشمس.

المدار الثامن

إنّ الوجدان الشاعر للإنسان الذي هو فطرتُه، يدلّ على الحياة الأخرى ويرنو إلى السعادة الأبدية.
نعم، إنّ الذي يصغي إلى وجدانه اليقظ فإنه يسمع حتما صوت "الأبد.. الأبد" حتى إذا ما أعطي كلُّ ما في الكائنات لذلك الوجدان فإنه لا يسدّ حاجتَه إلى الأبد. بمعنى أن ذلك الوجدان مخلوق لذلك الأبد، وأن هذا الجذب والانجذاب الوجداني لا يكون إلّا بجذبٍ من غاية حقيقية وبجاذب حقيقي.
وقد أظهرت خاتمةُ الحقيقة الحادية عشرة من "الكلمة العاشرة" هذه الحقيقة.

المدار التاسع

إنّ كلام النبي الصادق المصدَّق المصدوق محمد العربي الهاشمي عليه أفضل الصلاة والسلام قد فتح أبوابَ السعادة الأبدية، وإن أحاديثَه الشريفة نوافذُ مفتّحة على تلك السعادة
— 608 —
الخالدة تطلّ عليها، وهو إذ يملك قوةَ إجماع الأنبياء عليهم السلام جميعهِم وتواترَ الأولياء الصادقين كلّهِم، فقد رَكّز بيقين راسخ كلَّ دعواه، بكل ما أوتي من قوة بعد توحيد اللّٰه، على هذه النقطة الأساس، وهي الحشرُ والحياةُ الآخرة. فهل هناك شيء يمكن أن يزحزح هذه القوة الصامدة؟.
وقد أوضحت الحقيقة الثانية عشرة من "الكلمة العاشرة" هذه الحقيقة بوضوح تام.
المدار العاشر
وهو البلاغ المُبين للقرآن الكريم الذي حافظ على إعجازه -بسبعة أوجه- طوال ثلاثة عشر قرنا وما زال، كما أثبتنا أربعين نوعا من إعجازه في "الكلمة الخامسة والعشرين".
نعم، إنّ إخبارَ القرآن نفسِه عن الحشر الجسماني هو تنوير كافٍ وكشف بيّن له، فهو المفتاح للحكمة المُودَعة في الكائنات وللسرّ المغلق للعالم. ولقد دعا هذا القرآنُ العظيم مرارا إلى التفكر ولَفت الأنظار إلى آلافٍ من البراهين العقلية القطعية. فالآيات الكريمة مثلا: وَقَدْ خَلقَكُم أطْوارًا (نوح:١٤) قل يُحييهَا الییذي أنْشَییییاهَا أوَّلَ مَرَّةٍ... (يس:٧٩) إنما هي نماذج للقياس التمثيلي. وإن وَمَا رَبُّكَ بظَلّامٍ لِلْعَبيدِ (فصلت:٤٦) نموذج آخر يشير إلى دليل العدالة في الكون، وآيات كثيرة أخرى قد وضعت فيها نظاراتُ "مراصد" ذات عدسات مكبّرة كثيرة كي تنظر بإمعان من خلالها إلى السعادة الأبدية في الحشر الجسماني.
وقد أوضحنا في رسالة "النقطة" القياس التمثيلي الموجود في الآيتين الأوليين مع سائر الآيات الأخرى، وخلاصته: أنّ الإنسان كلّما انتقل من طورٍ إلى طور مرّ بانقلاباتٍ منتظمة عجيبة، فمن النطفة إلى العلقة ومن العلقة إلى المضغة ومن المضغة إلى العظم ثم اللحم، ومن ثم إلى خلق جديد، أي إن انقلابه إلى صورةِ إنسان يتبَع دساتيرَ دقيقة. فكلُّ طور منها له من القوانين الخاصة والأنظمة المعيّنة والحركات المطّردة، بحيث يشفّ عما تحته من أنوار القصد والإرادة والاختيار والحكمة.
وعلى الطريقة نفسها فإن الخالق الحكيم يُبدّل هذا الجسد سنويا كتبديل الثياب، فيكون هذا الجسدُ بحاجة إلى تركيب جديد كي يتبدّل ويبقى حيّا، وبحاجة إلى إحلال ذراتٍ فعّالة جديدة محلَّ ما انحلّ من الأجزاء؛ لذا فكما أن الجسد تنهدم حجيراتُه بقانون إلهي منتظم،
— 609 —
كذلك يحتاج إلى مادة لطيفةٍ باسم "الرزق" كي يعمر من جديد بقانون إلهي ربّاني دقيق.. فالرزّاق الحقيقي يوزع ويقسم، بقانون خاص، لكل عضو من أعضاء الجسد المختلفة، وبنسبة معينة، ما يحتاجه من المواد المتباينة.
والآن انظر إلى أطوار تلك المادة اللطيفة المرسَلة من قِبل الرزاق الحكيم تَرَ أن ذرّات تلك المادة هي كقافلةٍ منتشرة في الغلاف الجوّي.. في الأرض.. في الماء.. فبينما هي مبعثرة هنا وهناك، إذا بها تُستَنفر فتتجمع بكيفيةٍ خاصة، وكأن كلَّ ذرة منها هي مسؤولة عن وظيفة أرسلت إلى مكان معيّن بواجب رسمي، فتجتمع مع بعضها في غاية الانتظام، مما يوحي بأنها حركة مقصودة، فسلوكُها هذا يبيّن:
أنّ فاعلا ذا إرادة يسوق تلك الذرات، بقانونه الخاص، من عالم الجمادات إلى عالم الأحياء. وهنا بعد أن دخلت جسما معينا، رزقا له، تسير وفقَ نُظُم معينةٍ وحركات مطردةٍ وحسب دساتيرَ خاصة، إذ بعد أن تنضج في أربعة مطابخ وتُمرّر بأربعة انقلابات عجيبة وتصفّى بأربعة مصاف، تُهيّأ للتوزيع إلى أقطار الجسم وأعضائه المختلفة حسب الحاجات المتباينة لكل عضو، وتحت رعاية الرزاق الحقيقي وعنايته وبقوانينه المنتظمة. فإذا تأملت بعين الحكمة أية ذرّةٍ من تلك الذرات فإنك سترى أن الذي يسوق تلك الذرّة ويسيّرُها إنما يسوقُها بكل بصيرة، وبكل نظام، وبملء السمع والعلم المحيط.. فلا يمكن بحال من الأحوال أن يتدخل فيه "الاتفاقُ الأعمى" و"الصدفةُ العشواء" و"الطبيعة الصمّاء" و"الأسباب غير الواعية"؛ لأن كل ذرة من الذرات عندما دخلت إلى أي طور من الأطوار، ابتداءً من كونها عنصرا في المحيط الخارجي وانتهاءً إلى داخل الخلية الصغيرة من الجسم، كأنما تعمل بإرادة وباختيار حسب القوانين المعيّنة في كل طور من تلك الأطوار. إذ هي حينما تدخل فإنها تدخل بنظام، وعندما تسير في أية مرتبة من المراتب فإنها تسير بخطواتٍ منتظمة إلى درجة تظهر جليا كأن أمرَ سائقٍ حكيمٍ يسوقها.
وهكذا وبكل انتظام، كلّما سارت الذرةُ من طور إلى طور ومن مرتبة إلى أخرى لا تحيد عن الهدف المقصود، حتى تصل إلى المقام المخصّص لها بأمرٍ ربّاني في قزحيةِ عين "توفيق" [٭]: من تلاميذ الأستاذ النورسي الأوائل، وأحد كتّاب رسائل النور. مثلا.. وهناك تقف لتُنجز وظائفَها الخاصة وتؤدي ما أنيط بها من أعمال. وهكذا فإن تجلّى
— 610 —
الربوبية في الأرزاق، يبيّن أن تلك الذرات، منذ البداية، كانت معيّنةً ومأمورةً، وكانت مسؤولةً عن وظيفة، وكانت مهيّأةً مستعدةً للوصول إلى تلك المراتب المخصصة لها. وكأن كلّ ذرة مكتوب على جبينها ما ستؤولُ إليها، أي أنها ستكون رزقا للخلية الفلانية. مما يشير لنا هذا النظامُ الرائع إلى أن اسمَ كلِّ إنسان مكتوب على رزقه، كما أن رزقَه مكتوب على جبينه بقلم القدر. فهل من الممكن أنّ الربّ الرحيم ذا القدرةِ المطلقة والحكمةِ المحيطة ألّا يُنشئ "النشأةَ الأخرى"؟ أو يعجِز عنها؟ وهو الذي له مُلك السماوات والأرض وهنّ مطويات بيمينه من الذرات إلى المجرات ويديرُها جميعا ضمن نظام مُحكم وميزان دقيق.. فسبحان اللّٰه عما يصفون.
لذلك فإن كثيرا من آيات القرآن الكريم تُلفت نظرَ الإنسان إلى "النشأة الأولى" الحكيمة كمَثَلٍ قياسي لی"لنشأة الأخرى" في الحشر والقيامة، وذلك كي تستبعد إنكارَها من ذهن الإنسان فتقول: قل يُحييهَا الییذي أنْشَییییاهَا أوَّلَ مَرَّةٍ... (يس:٧٩) أي إن الذي أنشأكم -ولم تكونوا شيئا يذكر- على هذه الصورة الحكيمة هو الذي يحييكم في الآخرة.
وتقول: وهوَ الذي يَبدَؤا الخَلْقَ ثُمَّ يُعيدُهُ وَهوَ اهونُ عليه... (الروم:٢٧) أي إنّ إعادَتكم وإحياءَكم في الآخرة هي أسهلُ من خلقكم في الدنيا، إذ كما أن الجنود إذا ما انتشروا وتفرّقوا للاستراحة، يمكن إرجاعهم إلى أماكنهم تحت راية الفرقة بنفخةٍ من البوق العسكري، فجَمعُهم هكذا من الاستراحة في مكان معين أسهلُ بكثير من تكوين فرقةٍ جديدة من الجنود. كذلك فإن الذرات الأساس التي استَأنستْ وارتبط بعضُها بالبعض الآخر بامتزاجها في جسم معين عندما ينفخُ إسرافيل عليه السّلام في صُورِهِ نفخةً واحدةً تهبّ قائلةً: لبّيك لأمر الخالق العظيم، وتجتمع. فاجتماعها بعضها مع البعض الآخر مرة أخرى لا ريب أسهل وأهون عقلا، من إيجاد تلك الذرات أول مرَّةٍ.
هذا وقد لا يكون ضروريا اجتماع جميعِ الذرات، وإنما تكفي الذراتُ الأساسُ التي هي بمثابة البذور والنوى للأجسام. كما عبّر عنها الحديثُ الشريف "عَجْب الذنب" [٭]: انظر: البخاري، تفسير سورة الزمر ٣؛ مسلم، الفتن ١٤١-١٤٣؛ أبو داود، السنن ٢٢؛ النسائي، الجنائز ١١٧؛ ابن ماجه، الزهد ٣٢؛ الإمام مالك، الموطأ، الجنائز ٤٨؛ أحمد بن حنبل، المسند ٢/٣٢٢. الذي هو الجزء الأساس والذرة الأصيلة الكافية وحدها أن تكون أساسا لإنشاء النشأة الآخرة عليها، فالخالق الحكيم يبني من جديد جسدَ الإنسان على ذلك الأساس.
— 611 —
وأما القياس العدلي الذي تشير إليه الآية الكريمة: وما ربُّك بظلّامٍ للعَبيد (فصلت:٤٦) فخلاصته: أننا نرى كثيرا في عالمنا، أن الظالمينَ والفجّار يقضون حياتَهم في رفاه وراحة تامة، أما المظلومون والمتدينون فيقضونها في شظفٍ من العيش بكل مشقة وإرهاق.. ومن ثم يأتي الموتُ فيحصد الاثنين معا دون تمييز، فلو لم تكن هناك نهاية مقصودة ومعينة لظهر الظلم إذن في المسألة؛ لذا فلابدّ من الاجتماع الأخروي بينهما حتى ينال الأولُ عقابَه وينال الثاني ثوابَه؛ إذ المنیزّه عن الظلم سبحانه وتعالى وهو العادل الحكيم، بشهادة الكائنات قاطبةً، لا يمكن بحال من الأحوال أن تقبل عدالتُه وحكمتُه هذا الظلم ولا يمكن أن ترضَيا به. فالنهايةُ المقصودة إذن حتميّیة؛ لأن رؤيةَ هذا الإنسان الكادح المنهوك جزاءه وثوابه -حسب استعداده- يجعله رمزا للعدالة المحضة ومدارا لها، ومظهرا للحكمة الربّانية، ومنسجما مع الموجودات الحكيمة في الكون وأخا كبيرا لها.
نعم، إنّ دارَ الدنيا القصيرة هذه لا تكفي لإظهار ما لا يحدّ من الاستعدادات المندمجة في روح الإنسان وإثمارِها، فلابدّ أن يُرسَل هذا الإنسان إلى عالم آخر.. نعم، إنّ جوهر الإنسان عظيم، لذا فهو رمز للأبدية ومرشّح لها. وإنّ ماهيتَه عالية وراقية؛ لذا أصبحت جنايتُه عظيمة؛ فلا يشبه الكائنات الأخرى، وإن نظامَه دقيق ورائع، فلن تكونَ نهايتُه دون نظام، ولن يُهمَل ويذهب عبثا، ولن يُحكم عليه بالفناء المطلق ويهرب إلى العدم.
وإنما تفتح جهنمُ أفواهَها فاغرةً.. تنتظره..
والجنة تبسط ذراعيها لاحتضانه..
أوجزنا هنا حيث إن الحقيقة الثالثة من "الكلمة العاشرة" قد أوضحت هذه الحقيقة بجلاء.
وهكذا، أوردنا هاتين الآيتين مثالا، وعليك أن تقيس وتتتبع مثلها في سائر الآيات الكريمة التي تتضمن براهين عقلية لطيفة كثيرة.
فتلك عشرة كاملة من المنابع والمدارات التي تنتج حدسا صادقا وبرهانا قاطعا على الحشر. وكما أن هذا الحدس الثابت والبرهان القوي دليل قطعي على حدوث القيامة والحشر الجسماني ويقتضيه، كذلك الأسماءُ الإلهية الحسنى: الحكيم، الرحيم، الحفيظ، العادل، وأغلب
— 612 —
الأسماء الحسنى تقتضي يومَ القيامة والسعادة الخالدة، وتدلّ على تحققها ووقوعها قطعا، كما أثبتناها في "الكلمة العاشرة". لذا فمقتضياتُ الحشر والقيامة أصبحت لدينا قويةً ومتينةً إلى درجة لا يمكن أن تنفُذ إليها شبهة ولا شكٌّ مطلقا.
الأساس الثالث
نعم، كما أنه لاشك مطلقا في مقتضيات الحشر، كذلك لا ريب أبدا في القدرة المطلقة للذي يحدث الحشر، فلا نقصَ في قدرته، إذ يستوي عنده كلُّ عظيمٍ وصغير، وسواء عنده خلقُ ربيع كامل وخلقُ زهرة واحدة.
نعم، إن قديرا يشهد بعظمته وقدرته هذا الكونُ بألسنةِ شموسِه ونجومِه وعوالمه حتى بألسنة ذرّاته وما فيها، هل يحق لأيّ وَهمٍ أو وسوسة أن يستبعد عن تلك القدرة المطلقة الحشرَ الجسماني؟.
إن قديرا ذا جلال يخلق أكوانا جديدةً منتظمة في كل عصر ضمن هذا الكون الهائل، بل يخلق في كلّ سنة دنًى سيارةً جديدة منتظمة، بل يخلق في كلّ يوم عوالمَ جديدة منتظمة، فيخلق باستمرار عوالمَ ودنًى وأكوانا زائلة متعاقبة، ويبدّلها بكل حكمة على وجه الأرض والسماوات، ناشرا ومعلقا على مسار الزمن عوالمَ منتظمة بعدد العصور والسنين بل بعدد الأيام. فيُري بها عظمةَ قدرته جلّ وعلا، وهو الذي زيّن زهرة الربيع العظيم الواسع بمئات الآلاف من نقوش الحشر يتوّج بها هامةَ الكرة الأرضية كأنها زهرة واحدة، فيُظهر لنا جمالَ صنعته وكمالَ حكمته. فهل يمكن أن يجرؤ أحد ليقول لهذا القدير ذي الجلال: كيف يُحدِث القيامة؟ أو كيف يبدّل هذه الدنيا بآخرة؟ فالآية الكريمة: ما خَلقُكُم ولا بَعثُكم إلّا كَنَفْسٍ واحدة (لقمان:٢٨) تعلن أن هذا القدير جل وعلا لا يصعب عليه شيء، فكل شيء أعظمهُ وأصغرُه يسير عنده، والجموعُ الهائلة بأعدادها غير المتناهية كفردٍ واحد عنده..
وقد أوضحنا حقيقة هذه الآية في خاتمة "الكلمة العاشرة" مجملةً، وفي رسالة "نقطة من نور معرفة اللّٰه جل جلاله" و"المكتوب العشرين" تفصيلًا، أمّا هنا فسنوضحها بإيجاز في ثلاث مسائل:
— 613 —
إن القدرة الإلهية ذاتية؛ فلا يمكن أن يتخللها العجزُ..
وإنها تتعلّق بملكوتية الأشياء، فلا تتداخل الموانعُ فيها مطلقا..
وإن نسبتَها قانونية؛ فالجزءُ يتساوى مع الكل والجزئي يصبح بحكم الكلّي..
وسنثبت ونوضح هذه المسائل الثلاث:
المسألة الأولى: إن القدرة الإلهية الأزلية ضرورية للذات الجليلة المقدسة. أي إنها بالضرورة لازمة للذات المقدسة، فلا يمكن أن يكون للقدرة منها فكاك مطلقا، لذا فمن البديهي أن العجز الذي هو ضدُّ القدرة لا يمكن أن يَعرِض للذات الجليلة التي استلزمت القدرةَ، لأنه عندئذ سيجتمع الضدان، وهذا محال.
فما دام العجزُ لا يمكن أن يكون عارضا للذات، فمن البديهي أنه لا يمكن أن يتخلل القدرةَ اللازمةَ للذات أيضا، ومادام العجزُ لا يمكنه أن يدخل في القدرة قطعا، فبديهي إذن أن القدرة الذاتية ليست فيها مراتب، لأن وجود المراتب في كل شيء يكون بتداخُل أضدادِه معه، كما هو في مراتب الحرارة التي تكون بتخلل البرودة، ودرجات الحُسن التي تكون بتداخل القُبح.. وهكذا فقس.
أما في الممكنات فلأنه ليس هناك لزوم ذاتي حقيقي وطبيعي؛ أصبحت الأضدادُ متداخلةً بعضُها مع البعض الآخر، فتولّدت المراتبُ ونتجت عنها الاختلافات، فنشأت منها تغيرات العالم. وحيث إنه ليست هناك مراتب قط في القدرة الإلهية الأزلية، لذا فالمَقدوراتُ هي حتما واحدة بالنسبة إلى تلك القدرة، فيتساوى العظيمُ جدّا مع المتناهي في الصغر، وتتماثل النجومُ مع الذرات، وحشرُ جميع البشر كبعث نفس واحدة.. وكذا خلق الربيع كخلق زهرة واحدة سهل هيّن أمام تلك القدرة.. ولو أسند الخلقُ إلى الأسباب المادية دون القدرة المطلقة عند ذاك يكون إحياءُ زهرة واحدة عسيرا وصعبا مثل إحياء الربيع.
وقد أثبتنا بالبراهين الدامغة في حاشية الفقرة الأخيرة من المرتبة الرابعة لمراتب "اللّٰه أكبر" من المقام الثاني لهذه الكلمة، وفي "الكلمة الثانية والعشرين" و"المكتوب العشرين
— 614 —
وذيله"، أنه عند إسناد خلقِ الأشياء إلى الواحدِ الأحد يسهل خلقُ الجميع كخلق شيء واحد، وإذا أسند خلق شيءٍ واحد إلى الأسباب المادية فيكون صعبا جدّا ومعضلا كخلق الجميع.
المسألة الثانية: إن القدرة الإلهية تتعلق بملكوتية الأشياء نعم، إن لكل شيء في الكون وجهَين كالمرآة: أحدهما: جهةُ الیمُلك وهي كالوجه المطلي الملوّن من المرآة. والآخر هي جهة المَلكوت وهي كالوجه الصقيل للمرآة.
فجهة الملك، هي مجالُ وميدان تجوّل الأضداد ومحل ورود أمور الحُسن والقُبح والخير والشر والصغير والكبير والصعب والسهل وأمثالها.. لذا وضعَ الخالقُ الحكيم الأسبابَ الظاهرة ستارا لتصرفات قدرته، لئلا تظهر مباشرةُ يد القدرة الحكيمة بالذات على الأمور الجزئية التي تظهر للعقول القاصرة التي ترى الظاهر، كأنها خسيسة غير لائقة، إذ العظمةُ والعزّة تتطلب هكذا.. إلّا أنه سبحانه لم يعطِ التأثير الحقيقي لتلك الأسباب والوسائط؛ إذ وحدةُ الأحدية تقتضي هكذا أيضا.
أما جهة الملكوت، فهي شفافة، صافية، نزيهة، في كل شيء، فلا تختلط معها ألوان ومزخرفاتُ التشخصات.. هذه الجهة متوجهة إلى بارئها دون وساطة، فليس فيها ترتّب الأسباب والمسبّبات ولا تسلسل العلل، ولا تدخل فيها العليّة والمعلولية، ولا تتداخل الموانع. فالذرةُ فيها تكون شقيقةَ الشمس.
نخلص مما سبق: أن تلك القدرة هي مجردة، أي ليست مؤلّفة ومركّبة، وهي مطلقة غير محدودة، وهي ذاتية أيضا. أما محل تعلّقها بالأشياء فهي دون وساطة، صافية دون تعكر، ودون ستار ودون تأخير، لذا لا يستكبر أمامَها الكبيرُ على الصغير، ولا تُرجّح الجماعةُ على الفرد، ولا يتبجّح الكلّ أمام الجزء ضمن تلك القدرة.
المسألة الثالثة: نسبة القدرة قانونية أي إنها تنظر إلى القليل والكثير والصغير والكبير نظرةً واحدةً متساويةً. فهذه المسألة الغامضة سنقرّبها إلى الذهن ببعض الأمثلة. فالشفافية، والمقابلة، والموازنة، والانتظام،
— 615 —
والتجرّد، والطاعة.. كلّ منها أمر في هذا الكون يجعل الكثيرَ مساويا للقليل، والكبيرَ مساويا للصغير.
المثال الأول: الشفافية إنّ تجلّي ضوء الشمس يُظهر الهويةَ نفسَها على سطح البحر أو على كل قطرة من البحر. فلو كانت الكرةُ الأرضية مركّبةً من قطع زجاجية صغيرة شفافة مختلفة تقابل الشمس دون حاجز يحجزها، فضوءُ الشمس المتجلي على كل قطعة وعلى سطح الأرض كلها يتشابه ويكون مساويا دون مزاحمة ودون تجزؤ ودون تناقص.. فإذا افترضنا أن الشمس فاعل ذو إرادة وأعطت فيضَ نورها وإشعاعَ صورتها بإرادتها على الأرض، فلا يكون عندئذٍ نشرُ فيضِ نورها على جميع الأرض أكثَر صعوبة من إعطائها على ذرة واحدة.
المثال الثاني: المقابلة هب أنه كانت هناك حلقة واسعة من البشر يحمل كلُّ واحد منهم مرآةً بيده، وفي مركز الدائرة رجل يحمل شمعةً مشتعلة، فإن الضوء الذي يرسله المركزُ إلى المرايا في المحيط واحد، ويكون بنسبة واحدة، دون تناقص ودون مزاحمة ودون تشتّت.
المثال الثالث: الموازنة إن كان لدينا ميزان حقيقي عظيم وحساس جدّا وفي كفتيه شمسان أو نجمان، أو جبلان، أو بيضتان، أو ذرتان.. فالجهدُ المبذول هو نفسُه الذي يمكن أن يرفع إحدى كفتيه إلى السماء ويخفض الأخرى إلى الأرض.
المثال الرابع: الانتظام يمكن إدارةُ أعظم سفينةٍ لأنها منتظمة جدّا، كأصغر دمية للأطفال.
المثال الخامس: التجرد إنّ الميكروب مثلا كالكركدن يحمل الماهية الحيوانية وميزاتِها، والسمكُ الصغير جدّا يملك تلك الميزة والماهية المجردة كالحوت الضخم، لأن الماهية المجرَّدة من الشكل والتجسّم تدخل في جميع جزئيات الجسم من أصغر الصغير إلى أكبر الكبير، وتتوجه إليها دون تناقص
— 616 —
ودون تجزؤ. فخواص التشخصات والصفات الظاهرية للجسم لا تشوّش ولا تتداخل مع الماهيّة والخاصة المجرّدة، ولا تغيّر نظرة تلك الخاصة المجردة.
المثال السادس: الطاعة إنّ قائد الجيش بأمره " تَقَدّمْ " مثلما يحرّك الجنديَّ الواحد فإنه يحرّك الجيشَ بأكمله كذلك بالأمر نفسه. فحقيقةُ سر الطاعة هي أنّ لكل شيء في الكون -كما يشاهد بالتجربة- نقطةَ كمالٍ، وله ميل إليها، فتَضاعُفُ الميل يولّد الحاجةَ، وتضاعفُ الحاجة يتحول إلى شوقٍ، وتضاعفُ الشوق يكوّن الانجذاب، فالانجذاب والشوق والحاجة والميل.. كلُّها نوًى لامتثال الأوامر التكوينية الرّبانية وبذورها من قبل ماهية الأشياء.
فالكمال المطلق لماهيات الممكنات هو الوجود المطلق، ولكن الكمالَ الخاص بها هو وجود خاص لها، يُخرِج كوامنَ استعداداتها الفطرية من طور القوة إلى طور الفعل. فإطاعة الكائنات لأمر "كُن" كإطاعةِ ذرةٍ واحدة التي هي بحكم جندي مطيع. وعند امتثال الممكنات وطاعتِها للأمر الأزلي "كُن" الصادر عن الإرادة الإلهية تندمج كليّا الميولُ والأشواق والانجذابات والحاجاتُ جميعها، وكلّ منها هو تجلٍّ من تجلّيات تلك الإرادة أيضا. حتى إن الماء الرقراق عندما يأخذ -بميل لطيف منه- أمرا بالانجماد، يُظهر سرَّ قوةِ الطاعة بتحطيمه الحديد.
فإن كانت هذه الأمثلة الستة تظهر لنا في قوة الممكنات المخلوقات وفي فعلها وهي ناقصة ومتناهية وضعيفة وليست ذاتَ تأثير حقيقى، فينبغي إذن أن تتساوى جميعُ الأشياء أمام القدرة الإلهية المتجلّية بآثار عظمتها.. وهي غير متناهية وأزلية وهي التي أوجدتْ جميعَ الكائنات من العدم البحت وحيّرت العقول جميعها، فلا يصعب عليها شيء إذن.
ولا ننسى أنّ القدرة الإلهية العظمى لا توزَن بموازيننا الضعيفة الهزيلة هذه، ولا تتناسب معها، ولكنها تُذكَر تقريبا للأذهان وإزالةً للاستبعاد ليس إلَّا.
نتيجة الأساس الثالث وخلاصته: ما دامت القدرةُ الإلهية مطلقة غير متناهية، وهي لازمة ضرورية للذات الجليلة المقدسة، وأن جهةَ الملكوت لكل شيء تقابلها ومتوجهة إليها دون ستار ودون شائبة، وأنها متوازنة باعتبار الإمكان الذي هو تساوي الطرفين، وأنّ كل شيء مطيع لنظام الفطرة ولنواميس عادة اللّٰه التي هي الشريعة الفطرية الكبرى، وأن جهةَ الملكوت
— 617 —
مجرّدة وصافية من الموانع والخواص المختلفة. لذا فإن أكبر شيء كأصغره أمام تلك القدرة. فلا يمكن أن يحجم شيء أيّا كان أو يتمرّد عليها. فإحياءُ جميع الأحياء يومَ الحشر هينّ عليه كإحياء ذبابة في الربيع. ولهذا فالآية الكريمة:
ما خَلقكم ولا بَعثُكُم إلّا كَنَفْسٍ واحدة
(لقمان:٢٨) أمر حق وصدق جليّ لا مبالغة فيه أبدا.
وهكذا تحققت قضيتنا التي نحن بصددها "أنّ الفاعل مقتدر لا يمنعه شيء".
الأساس الرابع
كما أن هناك مقتضى ومبرّرا للقيامة والحشر، وأن الفاعل الذي يُحدث الحشرَ قادر مقتدر، كذلك فإن هذه الدنيا لها القابليةُ على القيامة والحشر أيضا، فدعوانا "قابلية الدنيا" هذه فيها أربع مسائل:
الأولى: إن موتَ هذا العالم ممكن وليس ذلك محالا.
الثانية: وقوعُ ذلك الموت فعلا.
الثالثة: من الممكن بعثُ الدنيا المندثرة وعمارتُها بصورة "آخرة".
الرابعة: وقوع هذا البعث وهذه العمارة فعلا.
المسألة الأولى
من الممكن أن يموت هذا العالمُ وتندثر هذه الكائناتُ. ذلك لأنّه إن كان الشيءُ داخلا في قانون التكامل، ففي كل حالة إذن له نشوء ونماء، وإن النشوء والنماء هذا يعني أن له عمرا فطريًّا في كل حالة، وأن العمر الفطري يعني أنّ له على كل حالةٍ أجلا فطريًّا، وهذا يعنى أنّ هذه الأشياء لا يمكن أن تنجو من الموت، وهذا ثابت بالاستقراء العام والتتبع الواسع.
نعم، فكما أن الإنسان هو عالم مصغّر لا خلاص له من الانهيار، كذلك العالمُ فإنّه إنسان كبير لا فكاك له من قبضةِ الموت، فلابدّ أنه سيموت، ثم يُبعَث، أو ينام ويفتح عينيه فجرَ الحشر.
وكما أن الشجرة وهي نسخة مصغرة للكائنات لا يمكنها النجاةُ من التلاشي والتهدم،
— 618 —
كذلك سلسلةُ الكائنات المتشعبة من شجرة الخليقة لا يمكنها أن تنجو من التمزّق والاندثار لأجل التعمير والتجديد.
ولئن لم تحدث للدنيا قبلَ أجلها الفطري، وبإذن إلهي، حادثة مدمرّة أو مرض خارجي، أو لم يُخِلَّ بنظامها خالقُها الحكيم، فلاشك -بحساب علمي- أنه سيأتي يوم يتردد فيه صدى:
اذا الشمس كُوّرَتْ٭ واذا النُّجومُ انكَدَرَتْ٭ واذا الجِبالُ سُيِّرت
(التكوير:١-٣)
اذا السَّمَیاءُ انْفَطَیرَتْ٭ واذا الكَواكیبُ انْتَیثَرَتْ٭ واذا البحار فجِّرتْ
(الانفطار:١-٣).
عندئذ تظهر معاني هذه الآيات وأسرارُها بإذن القدير الأزلي. وإن هذه الدنيا، التي هي كإنسان ضخم، ستبدأ بالسكَرات وتتمَلمل وتشخرُ بصوت غريب وتحشرج ثم تصيح بصوت مدوٍ هائل يملأ الفضاء.. ثم تموت ثم تُبعث بأمر إلهي..
مسألة رمزية دقيقة كما أنّ اللفظَ يغلظ مضرا بالمعنى، واللبَّ على حساب القشر يقوى، والروحَ تضعف لأجل الجسد، والجسدَ يضعف ويهزُل لأجل قوة الروح.. كذلك عالَمُنا الكثيف هذا كلما عملتْ فيه دواليبُ الحياة شفّ ورقّ في سبيل العالم اللطيف.. وهو الآخرة..
فالقدرة الفاطرة بفعاليتها المحيّرة تنشر نورَ الحياة على الأجزاء الميتة الجامدة الكثيفة المنطفئة فتُذَوِّب وتُلَيّن وتضيء وتنير تلك الأجزاءَ بنور تلك الحياة لتتقوى حقيقتُها وتكون جاهزةً للعالم اللطيف الرائع.. أعني الآخرة.
نعم، فالحقيقةُ مهما كانت ضعيفة فإنها لا تموت أبدا ولا يمكن أن تُمحى كالصورة، بل تسير وتجول في الصوَر والتشخّصات والأشكال المختلفة، إذ تكبُر وتظهر كلّما تقدمت، بعكس القشر والصورة، فإنها تته& Nوتهزُل وتتمزّق وتتجدد لتظهر بحلّةٍ جميلة جديدة تلائم قوامَ الحقيقة الثابتة النامية الكبيرة.
فالحقيقةُ والصورة تتناسبان إذن عكسيا زيادةً ونقصانا. أي كلما اخشوشنت الصورةُ رقّت الحقيقةُ، وكلما ضعُفَت الصورة تقوّت الحقيقةُ بالنسبة نفسها. وهذا قانون شامل لجميع الأشياء الداخلة في قانون التكامل. فلَيأتينّ ذلك الزمن الذي يتمزّق فيه
— 619 —
-بإذن الفاطر الجليل- عالمُ الشهادة الذي هو صورة لحقيقة الكائنات العظمى وقشر لها، ومن ثم يتجدد بصورةٍ أجمل، وعندئذ تتحقق حكمةُ الآية الكريمة: يَومَ تُبَدَّلُ الأرضُ غيرَ الأرض... (إبراهيم:٤٨).
نخلص مما سبق: أنّ موت الدنيا وخرابَها ممكن، ولا شك فيه مطلقا.
المسألة الثانية
وقوعُ موت الدنيا فعلا. والدليلُ على هذه المسألة: إجماعُ جميع الأديان السماوية، وشهادةُ كلِّ فطرةٍ سليمة، وما يشير إليه تبدلاتُ هذه الكائنات وتحولاتُها وتغيراتُها، وموت عوالم سيارة ذات حياة، وهي بعدد العصور والسنين، في دار ضيافة الدنيا هذه.. كلُّ ذلك إشارات ودلالات على موت دنيانا نفسها.
وإن شئت أن تتصور سكرات الدنيا، كما تشير إليها الآياتُ الكريمة، فتأمل في أجزاء هذا الكون التي هي مرتبطة بعضُها بالبعض الآخَر بنظام علوي دقيق، ومتماسكة برابطة لطيفة خفية رقيقة، فهي مُحكَمة النظام بحيث إنّ جرما واحدا إن تسلَّمَ أمرَ "كُن" أو "اخرجْ من محوَرك" فالعالَم كلُّه يعاني السكرات، فتتصادم النجومُ وتتلاطم الأجرامُ وتدوّي وترعد بأصداء ملايين المدافع، وترمي بشَرَر كأرضنا هذه، بل أكبر منها في الفضاء الواسع وتتطاير الجبالُ وتُسجَّر البحار.. فتستوي الأرضُ. وهكذا يرجّ القادر الأزلي ويحرك الكونَ بهذا الموات، ويمزجُه بهذه السكرات فتتمخّض الخلقةُ كلُّها وتتميز الكائناتُ بعضُها عن بعض.. فتمتاز جهنمُ وتسعّر بعشيرتها ومادتِها. وتتجلى الجنةُ وتُزلَفُ جامعةً لطائفها مستمدةً من عناصرها الملائمة لها.. ويبرز عالمُ الآخرة للوجود الأبدي.
المسألة الثالثة
إمكانُ بعثِ العالَم الذي سيموت. فكما أثبتنا آنفا في الأساس الثاني أنه لا نقص مطلقا في القدرة الإلهية، وأن المبرّر قويّ جدّا للآخرة، وأن المسألة بحدّ ذاتها من الممكنات. فإذا كان للمسألة الممكنة مبرر قوي، وأن الفاعلَ قادر مقتدر مطلقُ القدرة، فلا يُنظر إليها بأنها في حدود الإمكان، وإنما هي أمر واقع.
— 620 —
نكتة رمزية إذا نظرنا بتدبر وإمعان إلى هذا الكون، نلاحظ أنّ فيه عنصرين ممتدَّين إلى جميع الجهات، بجذور متشعبة؛ كالخير والشر، والحُسن والقبح، والنفع والضرّ، والكمال والنقص، والضياء والظلمة، والهداية والضلال، والنور والنار، والإيمان والكفر، والطاعة والعصيان، والخوف والمحبة.. فتصطدم هذه الأضدادُ بعضُها بالبعض الآخر، بنتائجها وآثارها مظهرةً التغيرات والتبدلات باستمرار وكأنما تستعد وتتهيّأ لعالم آخر. فلابدّ أن نتائج ونهايات هذين العنصرَين المتضادَّين سوف تصل إلى الأبد وتتميز فيفترق بعضُها عن بعضٍ هناك. وعندئذ تظهر على شكل جنةٍ ونار.. ولمّا كان عالمُ البقاء سيُبنى من عالم الفناء هذا، فالعناصرُ الأساسية لعالَمنا إذن ستُساق وتُرسل حتما إلى البقاء والأبد.
نعم، إن النار والجنة هما ثمرتا الغصن المتدلي الممتد إلى الأبد من شجرة الخليقة، وهما نتيجتا سلسلة الكائنات هذه، وهما مخزنا سيل الشؤون الإلهية، وهما حوضا أمواج الموجودات المتلاطمة الجارية إلى الأبد، وهما تجلّيان من تجليات اللُّطف والقهر.
فعندما ترجُّ يدُ القُدرة وتمخِّض بحركة عنيفة هذا الكونَ، يمتلئ الحوضان بما يناسب كلّا منهما من مواد وعناصر..
إيضاح هذه النكتة الرمزية: إنّ الحكيم الأزلي بمقتضى حكمته الأزلية وعنايته السرمدية، خلقَ هذا العالم ليكون محلا للاختبار وميدانا للامتحان، ومرآةً لأسمائه الحسنى وصحيفةً لقلم قُدرته وقَدَره.
فالابتلاء والامتحان سببُ النشوء والنماء، والنشوءُ والنماء سبب لانكشاف الاستعدادات الفطرية، وتكشّف الاستعدادات سبب لظهور القابليات، وظهورُ القابليات سبب لظهور الحقائق النسبيّة، وهذه الحقائق النسبية سبب لإظهار تجلّيات نقوش الأسماء الحسنى للخالق الجليل وتحويل الكائنات إلى صورة كتابات صمدانيّة ربّانية.
وهكذا فإنّ سرّ التكليف هذا وحكمةَ الامتحان يؤدي إلى تصفية جواهر الأرواح العالية التي هي كالماس، من مواد الأرواح السافلة التي هي كالفحم، وتمييزِها بعضها عن بعض.
— 621 —
فبمثل هذه الأسرار السابقة، ومما لا نعلم من الحِكَم الدقيقة الرائعة، أوجدَ الحكيمُ القدير العالَمَ بصورته هذه، وأراد تغيّره وتحوّله، لتلك الحِكَم والأسباب. ولأجل التحوّل والتغيّر مزجَ الأضداد بحكمةٍ بعضها مع البعض الآخر، وجعلها تتقابل ببعضها، فالمضارُّ ممزوجة بالمنافع والشرورُ متداخلة بالخيرات، والقبائحُ مجتمعة مع المحاسن.. وهكذا عَجَنَتْ يدُ القُدرة الأضدادَ، وصيّرت الكائنات تابعةً لقانون التبدل والتغيّر ودستورِ التحوّل والتكامل.
ثم لیمّا انقضى مجلسُ الامتحان، وانتهى وقتُ الاختبار، وأظهرت الأسماءُ الحسنى حُكمَها، وأتمّ قلمُ القَدَر كتابتَه، وأكملت القدرةُ نقوشَ إبداعها، ووفّت الموجوداتُ وظائفَها، وأنهت المخلوقاتُ مهامّها، وعبّر كلُّ شيءٍ عن معناه ومغزاه، وأنبتت الدنيا غراسَ الآخرة، وكشفت الأرضُ جميعَ معجزات القدرة وخوارق الصنعة للخالق القدير، وثبّت هذا العالمُ الفاني لوحاتِ المناظر الخالدة على شريط الزمان.. عندئذٍ تقتضي الحكمةُ السرمدية والعنايةُ الأزلية لذي الجلال والإكرام أن تَظهَر حقائقُ نتائج ذلك الامتحان ونتائجُ ذلك الاختبار، وحقائقُ تجلّيات تلك الأسماء الحسنى، وحقائقُ كتابات قلم القدر تلك، وأصولُ تلك النماذج لإبداعات صنعتِه سبحانه، وفوائدُ وغاياتُ تلك الوظائف للموجودات، وجزاءُ تلك الخدمات والمهام للمخلوقات، وحقائقُ معاني تلك الكلمات التي أفادها كتابُ الكون، وظهورُ سنابل بذور الاستعدادات الفطرية، وفتحُ أبواب محكمة كبرى، وإظهار المناظر المثالية التي التُقطت في الدنيا، وتمزيقُ ستار الأسباب الظاهرة، واستسلامُ كلِّ شيء إلى أمر خالقه ذي الجلال مباشرة..
ويومَ تتوجّه إرادتُه لإظهار تلك الحقائق المذكورة لِتُنَجِّيَ الكائناتِ من تقلّبات التغيّر والتحوّل والفناء وتهبَ لها الخلود، ولتميّز بين تلك الأضداد وتُفرِّقَ بين أسباب التغيّر ومواد الاختلاف، سيقيمُ سبحانه القيامةَ حتما مقضيّا، وسيصفّي الأمورَ لإظهار تلك النتائج، وستأخذ جهنمُ في ختامها صورةً أبدية بشعةً مريعة وسيُهدِّد روّادَها بی وامْتازوا اليَومَ أيُّها المُجرِمون. (يس:٥٩).
وتتجلى الجنةُ بروعتها وأبّهتها الجمالية الخالدة ويقول خزَنتُها لأهلها وأصحابِها: سَلامٌ عَلَيْكُم طِبْتُمْ فادْخُلوها خَالِدين (الزمر:٧٣) وسيمنح القديرُ الحكيم بقدرته
— 622 —
الكاملة أهلَ هذين الدارين الخالدين وجودا ثابتا أبديا خالدا لا يعتريه تغيّر ولا انحلال ولا شيب ولا انقراض. فليس هناك أسباب ومبررات للتغير المؤدي إلى الانقراض، كما بُرهن ذلك في "الكلمة الثامنة والعشرين، المقام الأول، السؤال الثاني".
المسألة الرابعة إنّ البعثَ سيقع حتما. نعم، إن الدنيا بعد دمارها وموتها ستُبعث " آخرة "، وإن الخالق القدير الذي بناها لأول مرة سيعمّرها تعميرا أجملَ من عمارتها الأولى بعد هدمها، وسيجعلُها منیزلا من منازل الآخرة. وأدلّ دليل على هذا هو القرآنُ الكريم أولا، بجميع آياته التي تضمّ آلافا من البراهين العقلية، وجميعُ الكتب السماوية المتفقة مع القرآن الكريم في هذه المسألة، وكذا أوصافُ الجلال والجمال الإلهية وجميعُ الأسماء الحسنى للذات الجليلة، تدلّ كلُّها دلالةً قاطعة على وقوع البعث هذا، وكذا جميعُ أوامره سبحانه الموحَى بها إلى جميع الأنبياء والمرسلين عليهم السلام والتي وَعد بها وقوعَ البعث والقيامة. فلأنه وعَدَ فسيَفي بالوعد حتما. (راجع الحقيقة الثامنة من الكلمة العاشرة)، وكذا جميعُ ما أخبر به النبيُّ الأمي محمد (ص) ومعه آلافُ المعجزات، عن حدوث البعث ويتفق معه جميعُ الأنبياءِ والمرسلين والأصفياء والأولياء والصديقين في وقوع هذا البعث. هذا فضلا عمّا تُخبرنا به جميعُ الآيات التكوينية في هذا الكون العظيم عن وقوع البعث هذا.
الحاصل: إن جميعَ حقائق "الكلمة العاشرة"، وجميعَ براهين "لاسيما" في "المقام الثاني من الكلمة الثامنة والعشرين" الذي كُتب باللغة العربية في "المثنوي العربي النوري"؛ أظهرتا بكل ثبوت وقطعية، كبزوغ الشمس بعد غروبها، أن ستشرق شمسُ الحقيقة بصورةِ حياةٍ أخروية بعد غروب الحياة الدنيوية.
وهكذا فإن كلَّ ما بيّناه منذ البداية في الأسس الأربعة، إنما كان استمدادا من اسم "الحكيم" واستفادةً من فيض القرآن الكريم، كي تُعدّ القلبَ للقبول وتُهَيِّءَ النفسَ للتسليم وتُحضرَ العقل للإقناع.
ومَن نكون نحن حتى نتكلم في أمر كهذا، فالقولُ الفصل هو ما يقولُه مالكُ هذه الدنيا، وخالقُ هذا الكون، وربُّ هذه الموجودات؟! أما نحن فلا يسعنا إلّا الخضوعُ والإنصاتُ
— 623 —
والإذعان.. فحينما يتكلم ربُّ السماوات والأرض، فمَن ذا أحقُّ منه بالكلام سبحانه وتعالى؟! فهذا الخالقُ الكريم يوجّه خطابا أزليا إلى جميع صفوف طوائف الكائنات في باحة مسجد الدنيا ومدرسة الأرض القابعين وراء العصور والذي يزلزل الكون بأجمعه:
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
اذا زلزلییت الارض زلزالییها٭ واخرجت الارض اثقالها٭ وقال الانسان مالها٭ يومئذ تحدث اخبارها٭ بان ربك اوحى لها٭ يومئذ يصدر الناس اشتاتًا ليروا اعمالهم٭ فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره٭ ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يره
(سورة الزلزلة)
وخطابا أبهجَ جميعَ المخلوقات وأثارَ فيهم الشوق:
وبشر الذين امنوا وعملوا الصالحات ان لهم جنات تجري من تحتها الانهار كلما رزقوا منها من ثمرة رزقًا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل واتوا به متشابهًا ولهم فيها ازواج مطهرة وهم فيها خالدون
(البقرة:٢٥).
فعلينا السمعُ والإنصاتُ إلى ذلك الخطاب الصادر من مالك الملك وربّ الدنيا والآخرة ونقول: آمنّا وصدّقنا.
سبحانك لا علم لنا إلّا ما علمتنا انك انت العليم الحكيم
ربنا لا تؤاخذنا ان نسينا أو أخطأنا
اَللّٰهمَّ صَلِّ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى سَيِّدِنَا إبرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا إبرَاهِيمَ اِنّكَ حَمِيد مَجِيد.
— 624 —
الكلمة التي كشفتْ عن لغز الكون وطلسمه
وحلّت سرًّا عظيما من أسرار القرآن الحكيم
الكلمة الثلاثون
حرف من كتاب " أنا " الكبير
نقطة من بحر "الذرة" العظيم
هذه الكلمة عبارة عن مقصدين:
المقصد الأول: يبحث في ماهية " أنا " ونتائجِها.
المقصد الثاني: يبحث في حركة "الذرة" ووظائفِها.
المقصد الأول
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
إنّا عرضنا الامانةَ على السموات والأرض والجبال فأبَيْنَ أن يحملْنَهاوأشفَقنَ منها وَحَمَلها الانسانُ إنه كان ظلومًا جهولًا
(الأحزاب:٧٢)
من الخزينة العظمى لهذه الآية الجليلة، سنشير إلى جوهرةٍ واحدة من جواهرها، وهي: أنّ الأمانة التي أبَت السماواتُ والأرضُ والجبالُ أن يحملنَها، لها معانٍ عدة، ولها وجوه كثيرة. فمعنًى من تلك المعاني، ووجه من تلك الوجوه، هو: " أنا ".
— 625 —
نعم، إنّ " أنا " بذرة، نشأت منها شجرةُ طُوبى نورانية عظيمة، وشجرةُ زقوم رهيبة، تمدّان أغصانَهما وتنشران فروعَهما في أرجاء عالم الإنسان من لدن آدم عليه السلام إلى الوقت الحاضر.
وقبل أن نخوض في هذه الحقيقة الواسعة نبيّن بين يديها "مقدمة" تيسِّر فهمَها.
المقدمة
إنّ " أنا " مفتاح يفتح الكنوز المخفية للأسماء الإلهية الحسنى، كما يفتح مغاليقَ الكون. فهو بحدّ ذاته طلسم عجيب، ومعمًّى غريب. ولكن بمعرفة ماهية " أنا " ينحَلّ ذلك الطلسم العجيب وينكشف ذلك المعمى الغريب، وينفتح بدوره لغزُ الكون، وكنوزُ عالم الوجوب.
وقد ذكرنا ما يخصّ هذه المسألة في رسالة "شمة من نسيم هداية القرآن" كالأتي:
"اعلم أنّ مفتاح العالَم بيد الإنسان، وفي نفسه. فالكائناتُ مع أنها مفتّحةُ الأبواب ظاهرا، إلّا أنها منغلقة حقيقةً. فالحقُّ سبحانه وتعالى أودَع من جهة الأمانة في الإنسان مفتاحا يفتح كلَّ أبواب العالم، وطلسما يفتح به الكنوزَ المخفية لخلّاق الكون، والمفتاح هو، ما فيك من " أنا ". إلّا أن " أنا " أيضا معمًّى مغلق وطلسم منغلق. فإذا فتحتَ " أنا " بمعرفة ماهيتِه الموهومة وسرِّ خلقته، انفتح لك طلسمُ الكائنات كالآتي":
إن اللّٰه جلّ جلالُه وضعَ بيد الإنسان أمانةً هي: "أنا" الذي ينطوي على إشارات ونماذجَ يستدل بها على أوصاف ربوبيته وحقائق شؤونه المقدسة. أي يكون "أنا" وحدةً قياسيةً تُعرَف بها أوصافُ الربوبية وشؤونُ الألوهية.
ومن المعلوم أنه لا يلزم أن يكون للوحدة القياسية وجود حقيقي، بل يمكن أن تركَّب وحدة قياسية بالفرض والخيال، كالخطوطِ الافتراضية في علم الهندسة. أي لا يلزم لی" أنا " أن يكون له وجود حقيقي بالعلم والتحقيق.
سؤال: لِمَ ارتبطتْ معرفةُ صفات اللّٰه جلّ جلاله وأسمائه الحسنى "بأنانية" [٭]: ليس المقصود من "الأنانية" تلك الصفة المذمومة في الإنسان، وإنما الذات الإنسانية والاشتقاق من " أنا". الإنسان؟
الجواب: إنّ الشيء المطلق والمحيط، لا يكون له حدود ولانهاية؛ فلا يُعطى له شكل ولا يُحكَم عليه بحُكم، وذلك لعدم وجودِ وجه تعيّنٍ وصورةٍ له؛ لذا لا تُفهم حقيقةُ ماهيته.
— 626 —
فمثلا: الضياءُ الدائم الذي لا يتخلله ظلام لا يُشعَر به ولا يُعرَف وجودُه إلّا إذا حُدّد بظلمةٍ حقيقية أو موهومة.
وهكذا، فإنّ صفات اللّٰه سبحانه وتعالى، كالعلم والقدرة، وأسماءَه الحسنى، كالحكيم والرحيم، لأنها مطلقة لا حدودَ لها ومحيطة بكل شيء، لا شريك لها ولا نِدّ، لا يمكن الإحاطةُ بها أو تقييدُها بشيء، فلا تُعرَف ماهيتُها، ولا يُشعَر بها؛ لذا لابد من وضعِ حدٍّ فَرضي وخيالي لتلك الصفات والأسماء المطلقة، ليكون وسيلةً لفهمها، حيث لا حدودَ ولا نهاية حقيقية لها. وهذا ما تفعلُه "الأنانيةُ" أي ما يقوم به " أنا "؛ إذ يتصوّرُ في نفسه ربوبيةً موهومةً، ومالكيةً مفترضة وقدرة وعلما، فيَحدُّ حدودا معينة، ويضعُ بها حدا موهوما لصفاتٍ محيطةٍ وأسماء مطلقة. فيقول مثلا: من هنا إلى هناك لي، ومن بعده يعود إلى تلك الصفات. أي يضع نوعا من تقسيم الأمور، ويستعدّ بهذا إلى فهم ماهية تلك الصفات غير المحدودة شيئا فشيئا، وذلك بما لديه من موازينَ صغيرة ومقاييسَ بسيطة.
فمثلا: يَفهم بربوبيته الموهومة التي يتصوّرها في دائرة مُلكه، ربوبيةَ خالقِه المطلقة سبحانه وتعالى في دائرة الممكنات. ويدرك بمالكيته الظاهرية، مالكيةَ خالقه الحقيقية، فيقول: كما أنني مالك لهذا البيت فالخالقُ سبحانه كذلك مالك لهذا الكون... ويعلم بعِلمه الجزئي، علمَ اللّٰه المطلق... ويعرف بمهارتِه المكتسبة الجزئية، بدائعَ الصانع الجليل، فيقول مثلا: كما أنني شيدتُ هذه الدار ونظّمتُها، كذلك لابد من منشئٍ لدار الدنيا ومنظّمٍ لها.
وهكذا.. فقد اندرجت في " أنا " آلافُ الأحوال والصفاتُ والمشاعر المنطوية على آلاف الأسرار المغلقة التي تستطيع أن تدلّ وتبيّن -إلى حدٍّ ما- الصفاتِ الإلهية وشؤونَها الحكيمة كلَّها. أي إن " أنا " لا يحمل في ذاته معنًى، بل يدلّ على معنًى في غيره ؛ كالمرآة العاكسة، والوحدةِ القياسية، وآلةِ الانكشاف، والمعنى الحرفي، فهو شعرة حساسة من حبل وجود الإنسان الجسيم . وهو خيط رفيع من نسيج ثوب ماهية البشر.. وهو حرفُ " ألفٍ " في كتاب شخصية بنى آدم، بحيث إنّ ذلك الحرف له وجهان:
وجه متوجّه إلى الخير والوجود؛ فهو في هذا الوجه يتلقى الفيضَ ويقبَله فحسب، أي يقبل الإفاضة عليه فقط؛ إذ هو عاجز عن إيجاد شيء في هذا الوجه، أي ليس فاعلا فيه، لأن
— 627 —
يده قصيرة لا تملك قدرة الإيجاد. والوجهُ الآخر متوجّه إلى الشر، ويُفضي إلى العدم؛ فهو في هذا الوجه فاعل، وصاحبُ فعل.
ثم إنّ ماهية " أنا " حرفية، أي يدل على معنًى في غيره، فربوبيتُه خيالية، ووجودُه ضعيف وهزيل إلى حدٍّ لا يطيق أن يحمل بذاته أيَّ شيء كان، ولا يطيق أن يُحمَل عليه شيء، بل هو ميزان ليس إلّا؛ يبيّن صفات اللّٰه تعالى التي هي مطلقة ومحيطة بكل شيء، بمثل ما يبيّن ميزانُ الحرارة وميزانُ الهواء والموازين الأخرى مقاديرَ الأشياء ودرجاتِها.
فالذي يَعرف ماهية " أنا " على هذا الوجه، ويذعن له، ثم يعمل وفق ذلك وبمقتضاه، يدخل ضمن بشارة قوله تعالى: قد أفلح مَن زكّيها (الشمس:٩) ويكون قد أدّى الأمانةَ حقَّها، فيدرك بمنظار " أنا " حقيقةَ الكائنات والوظائفَ التي تؤديها. وعندما تَرد المعلوماتُ من الآفاق الخارجية إلى النفس تجد في "أنا" ما يصدّقُها، فتستقر تلك المعلوماتُ رأ ما نورانية وحكمةً صائبة في النفس، ولا تنقلب إلى ظلمات العبثية.
وحينما يؤدي " أنا " وظيفتَه على هذه الصورة، يترك ربوبيتَه الموهومة ومالكيتَه المفترضة -التي هي وحدةُ قياس ليس إلّا- ويفوّض المُلكَ للّٰه وحدَه قائلا: "له الملكُ، وله الحمدُ، وله الحكمُ وإليه تُرجعون ". فيلبس لباسَ عبوديتِه الحقّة، ويرتقي إلى مقامِ "أحسن تقويم".
ولكن إذا نسي " أنا " حكمةَ خلقه، ونظر إلى نفسه بالمعنى الاسمي، تاركا وظيفتَه الفطرية، معتقدا بنفسه أنه المالكُ، فقد خان الأمانةَ، ودخل ضمن النذير الإلهي: وقد خَابَ مَن دسّيها (الشمس:١٠).
وهكذا فإن إشفاقَ السماوات والأرض والجبال من حمل الأمانة، ورهبَتهن من شركٍ موهوم مفتَرض، إنما هو من هذا الوجه من "الأنانية" التي تُولِّد جميعَ أنواع الشرك والشرور والضلالات.
أجل، إنّ " أنا " مع أنه ألف رقيق، خيط دقيق، خط مفترض، إلّا أنه إن لم تُعرف ماهيتُه ينمو في الخفاء، كنمو البذرة تحت التراب، ويكبُر شيئا فشيئا، حتى ينتشر في جميع أنحاء وجود الإنسان، فيبتلعَه ابتلاع الثعبان الضخم، فيكون ذلك الإنسانُ بكامله وبجميع لطائفه ومشاعره عبارة عن " أنا ". ثم تمدّه " أنانية " النوع نافخةً فيه روحَ العصبية النوعية والقومية، فيستغلظ
— 628 —
بالاستناد على هذه "الأنانية" حتى يصيرَ كالشيطان الرجيم يتحدى أوامرَ اللّٰه ويعارضها. ثم يبدأ بقياسِ كلِّ الناس، بل كلِّ الأشياء على نفسه، فيقسّم مُلكَ اللّٰه سبحانه على تلك الأشياء، وعلى الأسباب فيتردّى في شرك عظيم، يتبيّن فيه معنى الآية الكريمة: إن الشرك لظلم عظيم (لقمان:١٣). إذ كما أن الذي يسرق أربعين دينارا من أموال الدولة لابد أن يُرضِي أصدقاءه الحاضرين معه بأخذ كلٍّ منهم درهما منه كي تُسوَّغ له السرقةُ، كذلك الذي يقول: إنني مالك لنفسي، لابد من أن يقول ويعتقد أنّ كل شيء مالك لنفسه!
وهكذا، فی"أنا" في وضعه هذا، المتلبسِ بالخيانة للأمانة، إنما هو في جهلٍ مطبَق بل هو أجهلُ الجهلاء، يتخبّط في دَرَك جهالةٍ مركبة حتى لو علِمَ آلافَ العلوم والفنون، ذلك لأن ما تتلقّفه حواسُّه وأفكارُه من أنوار المعرفة المبثوثة في رحاب الكون، لا يجد في نفسِه مادةً تصدّقُه وتنوّره وتديمُه، لذا تنطفئ كلُّ تلك المعارف، وتغدو ظلاما دامسا؛ إذ ينصبغ كلُّ ما يرِد إليه بصبغة نفسِه المظلمة القاتمة، حتى لو وردتْ حكمة محضة باهرة فإنها تلبس في نفسه لبوسَ العبث المطلق؛ لأن لونَ "أنا" في هذه الحالة هو الشركُ وتعطيلُ الخالق من صفاته الجليلة وإنكار وجوده تعالى. بل لو امتلأ الكونُ كله بآيات ساطعات ومصابيح هدًى فإن النقطة المظلمة الموجودة في "أنا" تكسف جميعَ تلك الأنوار القادمة، وتحجبُها عن الظهور.
ولقد فصّلنا القول في "الكلمة الحادية عشرة" عن الماهية الإنسانية و"الأنانية" التي فيها من حيث المعنى الحرفي. وأثبتنا هناك إثباتا قاطعا كيف أنها ميزان حساس للكون، ومقياس صائب دقيق، وفهرس شامل محيط، وخريطة كاملة، ومرآة جامعة، وتقويم جامع. فمن شاء فليراجع تلك الرسالة.
إلى هنا نختم المقدمة، مكتفين بما في تلك الرسالة من تفصيل.
فيا أخي القارئ، إذا استوعبتَ هذه المقدمة، فهيا لندخل معا إلى الحقيقة نفسها.
إنّ في تاريخ البشرية، منذ زمن سيدنا آدم عليه السلام إلى الوقت الحاضر، تيارين عظيمين وسلسلتين للأفكار، يجريان عبرَ الأزمنة والعصور، كأنهما شجرتان ضخمتان أرسلتا أغصانَهما وفروعَهما في كل صَوب، وفي كل طبقة من طبقات الإنسانية.
إحداهما: سلسلة النبوة والدين.
— 629 —
والأخرى: سلسلة الفلسفة والحكمة.
فمتى كانت هاتان السلسلتان متّحدتين وممتزجتين، أي في أي وقت أو عصر استجارت الفلسفةُ بالدين وانقادت إليه وأصبحت في طاعته، انتعشت الإنسانيةُ بالسعادة وعاشت حياةً اجتماعية هنيئة. ومتى ما انفرجت الشقةُ بينهما وافترقتا، احتشد النورُ والخير كلُّه حول سلسلة النبوة والدين، وتجمعت الشرورُ والضلالات كلُّها حول سلسلة الفلسفة.
والآن لنجد منشأ كلٍّ من تلكما السلسلتين وأساسَهما:
فإن سلسلة الفلسفة التي عصت الدين، اتخذت صورةَ شجرةِ زقوم خبيثةٍ تنشر ظلماتِ الشرك وتنثرُ الضلالةَ حولها. حتى إنها سلّمت إلى يد عقولِ البشر، في غصن القوة العقلية، ثمراتِ الدهريين والماديين والطبيعيين. وألقت على رأس البشرية، في غصن القوة الغضبية، ثمراتِ النماريد والفراعنة والشدّادين..
(٭): نعم، إن الفلسفة القديمة لمصر وبابل، التي بلغت مبلغ السحر، أو تُوهّمت سحرا -لاقتصارها على فئة معينة- هي التي أرضعت الفراعنة والنماريد وربّتهم في أحضانها، كما أن حمأة الفلسفة الطبيعية ومستنقعها مكّنت الآلهة في عقول فلاسفة اليونان القدماء، وولدت الأصنام والأوثان. حقا إن المحجوب عن نور اللّٰه بستار "الطبيعة" يمنح كلَّ شيء ألوهيةً، ثم يسلّطه على نفسه. (المؤلف).
وربّت، في غصن القوة الشهوية البهيمية، ثمراتِ الآلهة والأصنام ومدّعي الألوهية.
وبجانب هذه الشجرةِ الخبيثة، شجرةِ الزقوم، نشأت شجرةُ طوبى العبوديةِ للّٰه، تلك هي سلسلةُ النبوة، فأثمرت ثمراتٍ يانعةً طيبة في بستان الكرة الأرضية، ومَدّتها إلى البشرية، فتدلّت قطوفا دانيةً من غصن القوة العقلية: أنبياءُ ومرسلون وصديقون وأولياء صالحون.. كما أثمرت في غصن القوة الدافعة: حكاما عادلين وملوكا طاهرين طهرَ الملائكة.. وأثمرت في غصن القوة الجاذبة: كُرَماء وأسخياء ذوي مروءة وشهامة في حُسن سيرةٍ وجمالِ صورة ذات عفة وبراءة.. حتى أظهرت تلك الشجرة المباركة، أن الإنسان هو حقا أكرم ثمرة لشجرة الكون.
وهكذا فمنشأ هذه الشجرة المباركة، ومنشأ تلك الشجرة الخبيثة، هما جهتا "أنا" ووجهاه، أي إن "أنا" الذي أصبح بذرةً أصلية لتلكما الشجرتين، صار وجهاه منشأ كلٍّ منهما.
وسنبين ذلك بالآتي: إنّ النبوةَ تمضي آخذة وجها لی"أنا". والفلسفة تُقبل آخذةً الوجه
— 630 —
الآخر لی"أنا". فالوجه الأول الذي يتطلّع إلى حقائق النبوة. هذا الوجه منشأ العبودية الخالصة للّٰه. أي إن "أنا"؛ يعرف أنه عبد للّٰه، ومطيع لمعبوده.. ويفهم أنّ ماهيتَه حرفية، أي دال على معنًى في غيره.. ويعتقد أن وجودَه تَبَعي، أي قائم بوجود غيره وثابت بإجاده.. ويعلم أن مالكيتَه للأشياء وهميّة، أي أن له مالكية مؤقتة ظاهرية بإذن مالكه الحقيقي.. وحقيقتُه ظلية -ليست أصيلة- أي أنه ممكن مخلوق هزيل، وظل ضعيف يعكس تجليا لحقيقة واجبة حقة.. أما وظيفته فهي القيام بطاعة مولاه، طاعةً شعوريةً كاملة، لكونه ميزانا لمعرفة صفات خالقه، ومقياسا للتعرف على شؤونه سبحانه.
هكذا نَظرَ الأنبياء والمرسلون عليهم السلام، ومَن تبعهم من الأصفياء والأولياء، إلى "أنا" بهذا الوجه. وشاهدوه على حقيقته هكذا. فأدركوا الحقيقةَ الصائبة، وفوّضوا المُلكَ كلَّه إلى مالك المُلك ذي الجلال، وأقرّوا جميعا أنّ ذلك المالك جل وعلا لا شريك له ولا نظير، لا في ملكه ولا في ربوبيته ولا في ألوهيته، وهو المتعال الذي لا يحتاج إلى شيء، فلا مُعين له ولا وزير، بيده مقاليدُ كل شيء وهو على كل شيء قدير. وما "الأسباب" إلّا أستار وحُجب ظاهرية تدل على قدرته وعظمته.. وما "الطبيعة" إلّا شريعتُه الفطرية، ومجموعةُ قوانينه الجارية في الكون، مسطرًا لقدرته جل جلاله.
فهذا الوجه الوضيء المنوّر الجميل، قد أخذ حكم بذرة حية ذات مغزًى وحكمة. خلق اللّٰه جل وعلا منها شجرة طوبى العبودية، امتدت أغصانُها المباركة إلى أنحاء عالم البشرية كافة وزيّنته بثمراتٍ طيبةٍ ساطعة، بدّدت ظلمات الماضي كلها، وأثبتت بحق أنّ ذلك الزمن الغابر المديد ليس كما تراه الفلسفةُ مقبرةً شاسعة موحشة، وميدانَ إعدامات مخيفة، بل هو روضة من رياض النور، للأرواح التي ألقت عبئَها الثقيل لتغادر الدنيا طليقة، وهو مدارُ أنوارٍ ومعراج منّور متفاوتة الدرجات لتلك الأرواح الآفلة لتتنقل إلى الآخرة وإلى المستقبل الزاهر والسعادة الأبدية.
أما الوجه الثاني: فقد اتخذته الفلسفةُ، وقد نظرت إلى "أنا" بالمعنى الاسمي. أي تقول: إنّ "أنا" يدلّ على نفسه بنفسه.. وتقضي أنّ معناه في ذاته، ويعمل لأجل نفسه.. وتتلقى أنّ وجوده أصيل ذاتي -وليس ظلًّا- أي له ذاتية خاصة به.. وتزعم أنّ له حقا في الحياة، وأنه
— 631 —
مالك حقيقي في دائرة تصرفه، وتزعمه حقيقة ثابتة.. وتفهم أن وظيفته هي الرقي والتكامل الذاتي الناشئ من حب ذاته. وهكذا أسندوا مسلكهم إلى أسس فاسدة كثيرة وبنَوها على تلك الأسس المنهارة الواهية. وقد أثبتنا بقطعية تامة مدى تفاهة تلك الأسس ومدى فسادها في رسائل كثيرة ولا سيما في "الكلمات" وبالأخص في "الكلمة الثانية عشرة" و"الخامسة والعشرين" الخاصة بالمعجزات القرآنية.
ولقد اعتقد عظماءُ الفلسفة وروادُها ودهاتُها، أمثال: أفلاطون وأرسطو وابن سينا والفارابي -بناء على تلك الأسس الفاسدة- بأن الغاية القصوى لكمال الإنسانية هي "التشبّه بالواجب"! أي بالخالق جلّ وعلا، فأطلقوه حُكما فرعونيا طاغيا، ومهّدوا الطريقَ لكثير من الطوائف المتلبسة بأنواع من الشرك، أمثال: عَبدة الأسباب وعَبدة الأصنام وعبدة الطبيعة وعبدة النجوم، وذلك بتهييجهم "الأنانية" لتجري طليقة في أودية الشرك والضلالة. فسدّوا سبيل العبودية إلى اللّٰه، وغلّقوا أبواب العجز والضعف والفقر والحاجة والقصور والنقص المندرجة في فطرة الإنسان، فَضلُّوا في أوحال الطبيعة ولم يَنجُوْا من حمأةِ الشرك كليا ولا اهتدوا إلى باب الشكر الواسع.
بينما الذين هم في مسار النبوة؛ فقد حكموا حُكما مِلؤُه العبودية الخالصة للّٰه وحده، وقَضَوا أنّ الغاية القصوى للإنسانية والوظيفةَ الأساسية للبشرية هي التخلق بالأخلاق الإلهية، أي التحلّي بالسجايا السامية والخصال الحميدة -التي يأمر بها اللّٰه سبحانه- وأن يعلم الإنسانُ عجزَه فيلتجئ إلى قدرته تعالى، ويرى ضعفَه فيحتمي بقوته تعالى، ويشاهد فقرَه فيلوذ برحمته تعالى، وينظر إلى حاجته فيستمد من غناه تعالى، ويعرف قصورَه فيستغفر ربه تعالى، ويلمس نقصَه فيسبّح ويقدّس كماله تعالى.
وهكذا فلأن الفلسفة العاصية للدين قد ضَلَّتْ ضَلالا بعيدا، صار "أنا" ماسكا بزمام نفسه، مسارعا إلى كل نوع من أنواع الضلالة.
وهكذا نبتت شجرةُ زقیوم على قمة هییذا الوجه من "أنا" غطّت بضلالها نصفَ البشرية وحادَت بهم عن سواء السبيل. أما الثمراتُ التي قدمَتها تلك الشییجرةُ الخبيثة، شجرةُ زقوم، إلى أنظار البشیر فهي الأصنام والآلهة في غصن القوة البهيمية الشهويیة؛ إذ الفلسفة تحبذ أصلا
— 632 —
القوةَ، وتتخذها أساسا وقاعدة مقررة لنهجها، حتى إن مبدأ "الحكم للغالب" دستور من دساتيرها، وتیأخیذ بمبدأ «الحیق في القوة» (٭): أما النبوة فهي تقرر أن القوةَ في الحق وليس الحقُ في القوة، فتقطع بهذا دابر الظلم وتحقق العدل. (المؤلف). فأعجبتْ ضمنا بالظلم والعدوان، وحثَّتْ الطغاةَ والظلمة والجبابرة العتاة حتى ساقتهم إلى دعوى الألوهية.
ثم إنها ملّكت الجمالَ في المخلوقات والحُسنَ في صورها، إلى المخلوق نفسه، وإلى الصورة نفسها، متناسيةً نسبة ذلك الجمال إلى تجلي الجمال المقدس للخالق الجميل والحُسن المنیزّه للمصوّر البديع، فتقول: "ما أجملَ هذا!" بدلا من أن تقول: "ما أجملَ خلقَ هذا"! أي جعلتْ ذلك الجمال في حُكم صنم جدير بالعبادة!
ثم إنها استحسنت مظاهرَ الشهرة، والحُسن الظاهر للرياء والسمعة.. لذا حبّذت المرائين، ودفعَتهم إلى التمادي في غيّهم جاعلة من أمثال الأصنام عابدةً لعبّادها.
(٭): أي إن أولئك الشبيهين بالأصنام، يُظهرون أوضاعا شبيهة بالعبادة أمام المعجبين بهم، كسبا لإقبالهم وتوجههم إليهم، وتلبية لرغبات هواهم، فيكونون عابدين من جهة ومعبودين من جهة أخرى. (المؤلف).
وربّت في غصن القوة الغضبية على رؤوس البشر المساكين، الفراعنةَ والنماريدَ والطغاة صغارا وكبارا. أما في غصن القوة العقلية، فقد وضعت الدهريين والماديين والطبيعيين، وأمثالَهم من الثمرات الخبيثة في عقل الإنسانية، فشتّتت عقلَ الإنسان أيَّ تشتيت.
وبعد.. فلأجل توضيح هذه الحقيقة، نعقد مقارنةً بين نتائجَ نشأت من الأسس الفاسدة لمسلك الفلسفة، ونتائجَ تولدت من الأسس الصائبة لمسار النبوة. وسنقصر الكلام في بضعة أمثلة فقط من بين آلاف المقارنات بينهما.
المثال الأول: من القواعد المقررة للنبوة في حياة الإنسان الشخصية، التخلّق بأخلاق اللّٰه. أي كونوا عبادَ اللّٰه المخلِصين، متحلّين بأخلاق اللّٰه محتمين بحماه معترفين في قرارة أنفسكم بعَجزكم وفَقركم وقصوركم.
فأين هذه القاعدة الجليلة من قول الفلسفة: "تشبّهوا بالواجب"! التي تقررها غايةً قصوى للإنسانية!
أين ماهيةُ الإنسان التي عُجِنت بالعجز والضعف والفقر والحاجة غير المحدودة من ماهية واجب الوجود، وهو اللّٰه القديرُ القويُّ الغني المتعال!!
— 633 —
المثال الثاني: من القواعد الثابتة للنبوة في الحياة الاجتماعية، أن "التعاون" دستور مهيمن على الكون، ابتداءً من الشمس والقمر إلى النباتات والحيوانات، فترى النباتاتِ تمدّ الحيوانات، والحيوانات تمدّ الإنسانَ، بل ذرات الطعام تمدّ خلايا الجسم وتعاونُها.
فأين هذا الدستورُ القويم دستورُ التعاون وقانونُ الكرم وناموس الإكرام من دستور "الصراع" الذي تقول به الفلسفة من أنه الحاكمُ على الحياة الاجتماعية، علما أن "الصراع" ناشئ فقط لدى بعض الظلمة والوحوش الكاسرة من جراء سوء استعمال فطرتهم، بل أوغلت الفلسفةُ في ضلالها حتى اتخذت دستور "الصراع" هذا حاكما مهيمنا على الموجودات كافة، فقررت ببلاهة متناهية: "إن الحياة جدال وصراع".
المثال الثالث: من النتائج المثلى للنبوة ومن قواعدها السامية في التوحيد، أن "الواحد لا يصدر إلّا عن الواحد"، أي أن كلَّ مالَه وحدة لا يصدر إلّا عن الواحد؛ إذ ما دامت في كل شيء -وفي الأشياء كلِّها- وحدةٌ ظاهرة، فلابد أنها من إيجاد ذاتٍ واحدةٍ. بينما دستورُ الفلسفة القديمة وعقيدتُها هو " أن الواحد لا يصدر عنه إلّا الواحد" أي لا يصدر عن ذاتٍ واحدة إلّا شيء واحد، ثم الأشياءُ الأخرى تصدر بتوسط الوسائط. هذه القاعدة للفلسفة القديمة تعطي للأسباب القائمة والوسائطِ نوعا من الشراكة في الربوبية، وتُظهر أنّ القديرَ على كل شيء والغنيَ المطلق والمستغني عن كل شيء بحاجةٍ إلى وسائط عاجزة! بل ضلوا ضلالا بعيدا فأعطَو للخالق جل وعلا مخلوق واحد وهو "العقل الأول" وقسّموا سائر مُلكه بين الوسائط، ففتحوا الطريق إلى شرك عظيم.
فأين ذلك الدستورُ التوحيدي للنبوة من هذه القاعدة -للفلسفة القديمة السقيمة- الملوّثة بالشرك والملطخة بالضلالة؟ فإن كان الاشراقيون الذين هم أرقى الفلاسفة والحكماء فهما يتفوّهون بهذا السخف من الكلام، فكيف يكون -يا ترى- كلام مَن هم دونَهم في الفلسفة والحكمة من ماديين وطبيعيين؟.
المثال الرابع: إنه من الدساتير الحكيمة للنبوة، أنّ لكل شيء حِكَما كثيرة ومنافعَ شتى حتى إن للثمرة من الحِكَمِ ما يُعدّ بعدد ثمرات الشجرة، كما يُفهم من الآية الكريمة: وان من شيءٍ إلّا يسبّح بحمده (الإسراء:٤٤) فإن كانت هناك نتيجة واحدة -لخلقِ ذي
— 634 —
حياةٍ- متوجهة إلى المخلوق نفسه، وحكمة واحدة من وجوده تعود إليه، فإن آلافا من النتائج تعود إلى خالقه الحكيم وآلافا من الحِكَم تتوجه إلى فاطره الجليل.
أما دستورُ الفلسفة فهو: "أن حكمة خلقِ كلِّ كائن حي وفائدتَه متوجهة إلى نفسه، أو تعود إلى منافع الإنسان ومصالحه" هذه القاعدة تسلب من الموجودات حِكَما كثيرة أنيطت بها، وتعطي ثمرةً جزئية كحبة من خردل إلى شجرةٍ ضخمة هائلة، فتحوّل الموجودات إلى عبث لا طائل من ورائه.
فأين تلك الحكمةُ الصائبة من هذه القواعد الفاسدة للفلسفة -الفارغة من الحكمة- التي تصبغ الوجود كله بالعبث!.
ولقد قصرنا الكلام هنا على هذا القدر، حيث إننا قد بحثنا هذه الحقيقة في الحقيقة العاشرة من الكلمة العاشرة بشيء من التفصيل.
وبعد.. فيمكنك أن تقيس على منوال هذه الأمثلة الأربعة آلافا من النماذج والأمثلة وقد أشرنا إلى قسمٍ منها في رسالة "اللوامع".
ونظرا لاستناد الفلسفة إلى مثل هذه الأسس السقيمة ولنتائجها الوخيمة فإن فلاسفة الإسلام الدهاة، الذين غرَّهم مظهرُ الفلسفة البراق، فانساقوا إلى طريقها كابن سينا والفارابي، لم ينالوا إلّا أدنى درجات الإيمان، درجةِ المؤمن العادي، بل لم يمنحهم حجةُ الإسلام الإمام الغزالي حتى تلك الدرجة. وكذا أئمة المعتزلة، وهم من علماء الكلام المتبحرين، فلأنهم افتتنوا بالفلسفة وزينتِها وأوثقوا صلتهم بها، وحكّموا العقل، لم يظفروا بسوى درجةِ المؤمن المبتدع الفاسق. وكذا أبو العلاء المعَرِّي الذي هو من أعلام أدباء المسلمين والمعروفُ بتشاؤمه، وعمرُ الخيام الموصوف بنحيبه اليتمي، وأمثالُهما من الأدباء الأعلام ممن استهوَتهم الفلسفةُ، وانبهرت نفوسُهم الأمارة بها.. فهؤلاء قد تلقَّوا صفعةَ تأديبٍ ولطمةَ تحقير وتكفير من قِبل أهل الحقيقة والكمال، فزَجروهم قائلين: "أيها السفهاء أنتم تمارسون السفَه وسوءَ الأدب، وتسلكون سبيل الزندقة، وتربّون الزنادقة في أحضان أدَبكم!".
ثم إن من نتائج الأسس الفاسدة للفلسفة أن "أنا" الذي ليس له في ذاته إلّا ماهية ضعيفة كأنه هواء أو بخار، لكن بشؤم نظر الفلسفة، ورؤيتِها الأشياء بالمعنى الاسمي، يتميّع.
— 635 —
ثم بسبب الإلفة والتوغل في الماديات والشهوات كأنه يتصلب، ثم تعتريه الغفلةُ والإنكار فتتجمد تلك "الأنانية". ثم بالعصيان لأوامر اللّٰه يتكدر "أنا" ويفقد شفافيتَه ويصبح قاتما. ثم يستغلظ شيئا فشيئا حتى يبتلع صاحبَه. بل لا يقف "أنا" عند هذا الحد وإنما ينتفخ ويتوسع بأفكار الإنسان ويبدأ بقياس الناس -وحتى الأسباب- على نفسه، فيمنحُها فرعونيةً طاغية -رغم رفضها واستعاذتها منها- وعند ذلك يأخذ طورَ الخصم للأوامر الإلهية فيقول: من يحي العظام وهي رميم (يس:٧٨) وكأنه يتحدّى اللّٰه عز وجل، ويتهم القديرَ على كل شيء بالعجز، ثم يبلغ به الأمر أن يتدخل في أوصاف اللّٰه الجليلة، فينكر أو يحرّف أو يردّ كلَّ ما لا يلائم هواه، أو لا يعجب فرعونيةَ نفسه.
فمثلا: أطلقت طائفة من الفلاسفة على اللّٰه سبحانه وتعالى: اسم "الموجِب بالذات" فنَفَوا الإرادةَ والاختيار منه تعالى، مكذّبين شهادةَ جميع الكون على إرادته الطليقة. فيا سبحان اللّٰه! ما أعجبَ هذا الإنسان! إنّ الموجودات قاطبةً من الذرات إلى الشموس لتدلّ دلالة واضحة على إرادة الخالق الحكيم؛ بتعيّناتها، وانتظامها، وحِكَمها، وموازينِها، كيف لا تراها عينُ الفلسفة؟ أعمى اللّٰه أبصارَهم!
وادّعت طائفة أخرى من الفلاسفة: "أن العلم الإلهي لا يتعلق بالجزئيات" نافين إحاطةَ علم اللّٰه سبحانه بكل شيء، رافضين شهادةَ الموجودات الصادقة على علمه المحيط بكل شيء.
ثم إن الفلسفة تمنح الأسبابَ التأثير، وتعطي الطبيعة الإيجادَ والإبداع، فلا ترى الآيات المتلألئة على كل موجود، الدالة على الخالق العظيم -كما أثبتناه في "الكلمة الثانية والعشرين"- فضلا عن أنها تُسند خلقَ قسم من الموجودات -التي هي مكاتيب إلهية صمدانية- إلى الطبيعة العاجزة الجامدة الفاقدة للشعور، والتي ليست في يديها إلّا المصادفةُ العشواء والقوةُ العمياء، جاعلةً لها -أي للطبيعة- مصدريةً في خلق الأشياء، وفاعليةً في التأثير! فحجبَت آلافَ الحِكم المندرجة في الموجودات.
ثم إنّ الفلسفة لم تهتد إلى باب الآخرة الواسع، فأنكرت الحشرَ وادّعت أزلية الأرواح، علما أن اللّٰه عزَّ وجلَّ بجميع أسمائه الحسنى، والكونَ بجميع حقائقه والأنبياءَ والرسل الكرام
— 636 —
عليهم السلام بجميع ما جاءوا به من الحقائق، والكتبَ السماوية بجميع آياتها الكريمة.. تبيّن الحشرَ والآخرة، كما أثبتناه في "الكلمة العاشرة".
وهكذا يمكنك أن تقيس سائر مسائل الفلسفة على هذه الخرافات السخيفة.
أجل، لكأن الشياطينَ اختطفوا عقولَ الفلاسفة الملحدين بمنقار "أنا" ومخاليبِه وألقوها في أودية الضلالة، ومزقوها شرَّ ممزق.
فی"أنا" في العالم الصغير (الإنسان) كالطبيعة في العالم الكبير، كلاهما من الطواغيت:
فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن باللّٰه فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها واللّٰه سميع عليم
(البقرة:٢٥٦).
ولقد رأيتُ حادثة مثالية قبل الشروع بتأليف هذه الرسالة بثماني سنوات، عندما كنت في إسطنبول في شهر رمضان المبارك، وكان آنئذٍ سعيد القديم -الذي انشغل بالفلسفة- على وشك أن ينقلب إلى سعيد الجديد.. في هذه الفترة بالذات وحينما كنت أتأمل في المسالك الثلاثة المشار إليها في ختام سورة الفاتحة بی
صراط الذين انعمت عليهم غير المغیضوب عليهم ولا الیضالين
(الفاتحة:٧) رأيت تلك الحادثة الخيالية وهي حادثة أشبه ما تكون بالرؤيا. سجّلتها في حينها في كتابي "اللوامع" على صورة سياحة خيالية وبما يشبه النظم. وقد حان الآن وقتُ ذكرِ معناها وشرحها، حيث إنها تسلّط الأضواء على الحقيقة المذكورة.
كنت أرى نفسي وسط صحراء شاسعة عظيمة، وقد تلبّدت السماء بسُحب قاتمة مظلمة، حتى لتكاد الأنفاس تختنق على الأرض كافة. فلا نسيم ولا ضياء ولا ماء. كل ذلك مفقود.
توهمت أن الأرض ملآى بالوحوش والضوارى والحيوانات الضارة. فخطر على قلبي أن في الجهة الأخرى من الأرض يوجد نسيم عليل وماء عذب وضياء جميل، فلا مناص إذن من العبور إلى هناك.. ثم وجدتُنى وأنا أساق إلى هناك دون إرادتي.. دخلت كهفا تحت الأرض، أشبهَ ما يكون بأنفاق الجبال، سرتُ في جوف الأرض خطوةً خطوة وأنا أشاهد أن كثيرين قد سبقوني في المُضي من هذا الطريق تحت الأرض، دون أن يُكملوا السيرَ إذ ظلوا في
— 637 —
أماكنهم مختنقين، فكنت أرى آثار أقدامهم، وأسمع -حينا- أصواتَ عددٍ منهم.. ثم تنقطع الأصواتُ.
فيا صديقي الذي يرافقني بخياله في سياحتي الخيالية هذه!
إنّ تلك الأرض هي "الطبيعة" و"الفلسفة الطبيعية". أما النفق فهو المسلك الذي شقّه أهلُ الفلسفة بأفكارهم لبلوغ الحقيقة. أما آثارُ الأقدام التي رأيتها فهي لمشاهير الفلاسفة كأفلاطون وأرسطو.
(٭): وإن قلت: فما تكون أنت حتى تنازل هؤلاء المشاهير؟ فهل أصبحت نظير ذبابة حتى تتدخل في طيران الصقور؟ فأنا أقول: لما كان لي أستاذ أزلي وهو القرآن العظيم، فلا أراني مضطرًّا أن أبالي -ولو بقدر جناح ذبابة- في طريق الحقيقة والمعرفة، بأولئك الصقور الذين هم تلاميذ الفلسفة الملوثة بالضلالة والعقل المبتلى بالأوهام. فمهما كنت أدنى منهم درجة إلّا أن أستاذهم أدنى بدرجات لا حدّ لها من أستاذي، فبفضل أستاذي وهمّته لم تستطع المادةُ التي أغرقتهم أن تبلل قدمي. نعم، إن الجندي البسيط الحامل لأوامر سلطان عظيم وقوانينه، يمكنه أن ينجز من الأعمال مالا ينجزه مشير لدى ملك صغير. (المؤلف).
وما سمعتُه من أصوات هي أصواتُ الدهاة كابن سينا والفارابي.. نعم، كنت أجد أقوالا لابن سينا وقوانينَ له في عدد من الأماكن، ولكن كانت الأصواتُ تنقطع كليا، بمعنى أنه لم يستطع أن يتقدم، أي إنه اختنق.. وعلى كل حال فقد بينت لك بعض الحقائق الكامنة تحت الخيال لأخفف عنك تلهّفك وتشوّقك.. والآن أعود إلى ذكر سياحتي:
استمرَّ بي السير، وإذا بشيئين يُجعَلان بيديَّ.
الأول: مصباح كهربائي، يبدد ظلماتٍ كثيفة للطبيعة تحت الأرض.
والآخر: آلة عظيمة، تفتّت صخورا ضخمة هائلة أمثال الجبال.. فينفتح لي الطريق.
وهُمِس في أذني آنذاك: إن هذا المصباح والآلة، قد مُنحتا لك من خزينة القرآن الكريم.. وهكذا فقد سرت مدةً على هذا المنوال، حتى رأيت نفسي قد وصلتُ إلى الجهة الأخرى، فإذا الشمسُ مشرقة في سماء صافية جميلة لا سحاب فيها، واليومُ يوم ربيع بهيج، والنسيمُ يهبّ هبوبَ الروح، والماء السلسبيل العذب يجري. فقد رأيت عالَما عمّته البهجةُ ودبّ الفرحُ في كل مكان، فحمدتُ اللّٰه.
ثم نظرت إلى نفسي، فرأيت أنى لا أملكها ولا أستطيع السيطرة عليها، وكأنّ أحدهم يضعني موضع الاختبار، وعلى حين غرة رأيت نفسي مرة أخرى في تلك الصحراء الشاسعة، وقد أطبقت السُحب القاتمة أيضا فأظلمت السماءُ، والأنفاسُ تكاد تختنق من الضيق..
— 638 —
أحسست سائقا يسوقني إلى طريق آخر، إذ رأيت أني أسير في هذه المرة على الأرض وليس في جوفها، في طريقي إلى الجهة الأخرى.. فرأيت في سيرى هذا أمورا عجيبة ومشاهدَ غريبة لا تكاد توصف؛ فالبحرُ غاضب عليّ، والعاصفةُ تهددني، وكلُّ شيء يلقي أمامي العوائقَ والمصاعب. إلّا أن تلك المشاكل تُذلَّل بفضل ما وُهب لي من القرآن الكريم من وسيلةٍ سياحية. فكنت أتغلب عليها بتلك الوسيلة.. وبدأت أقطع السير خطوةً خطوة، شاهدت أشلاءَ السائحين وجنائزَهم ملقاةً على طرفي الطريق، هنا وهناك فلم يُنهِ إلّا واحد من ألفٍ هذه السياحة.. وعلى كل حال فقد نجوتُ من ظلمات تلك السُحب الخانقة، ووصلت إلى الجهة الأخرى من الأرض، وقابلتُ الشمس الجميلة، وتنفستُ النسيمَ العليل، وبدأت أجول في ذلك العالم البهيج كالجنة، وأنا أردد: الحمد للّٰه.
ثم رأيت أنني لن أُترَك هنا، فهناك مَن كأنه يريد أن يريَنى طريقا آخر، فأرجَعَني في الحال إلى ما كنت عليه.. تلك الصحراء الشاسعة.. فنظرت فإذا أشياء نازلة من الأعلى كنیزول المصاعد (الكهربائية) بأشكال متباينة وأنماط مختلفة بعضُها يشبه الطائرات وبعضُها شبيه بالسيارات، وأخرى كالسلال المتدلية.. وهكذا، فأيّما إنسان يمكن أن يتعلق بإحدى تلك الأشياء، حسب قابليته وقوته، فإنه يُعرَج به إلى الأعلى.. فركبت إحداها، وإذا أنا في دقيقة واحدة فوق السُحب وعلى جبال جميلة مخضوضرة، بل لا تبلغ السُحب منتصف تلك الجبال الشاهقة.. ويُشاهَد في كل مكان أجملُ ضياء، وأعذبُ ماء وألطف نسيم.. وحينما سرحتُ نظري إلى الجهات كلِّها رأيت أن تلك المنازل النورانية -الشبيهة بالمصاعد- منتشرة في كل مكان. ولقد كنت شاهدت مثلَها في الجهة الأخرى من الأرض في تلكما السياحتين السابقتين.. ولكن لم أفهم منها شيئا، بيد أني الآن أفهم أن هذه المنازل إنما هي تجليات لآيات القرآن الحكيم.
وهكذا فالطريق الأول: هو طريق الضالين المشیار إليه بی الیضالين وهو مسلك الذين زلّوا إلى مفهوم "الطبيعة" وتبنّوا أفكار الطبيعيين.. وقد لمستُم مدى صعوبة الوصول إلى الحقيقة من خلال هذا السير المليء بالمشكلات والعوائق.
والطريق الثاني: المشار إليه بی المغیضوب عليهم فهو مسلك عَبَدة الأسباب
— 639 —
والذين يحيلون الخَلق والإيجاد إلى الوسائط، ويسندون إليها التأثير، ويريدون بلوغَ حقيقة الحقائق، ومعرفة اللّٰه جل جلاله عن طريق العقل والفكر وحده، كالحكماء المشّائيين.
أما الطريق الثالث: المشار إليه بی الذين انعمت عليهم فهو الصراط المستقيم والجادة النورانية لأهل القرآن، وهو أقصرُ الطرق وأسلمُه وأيسرُه، ومفتوح أمام الناس كافة ليسلكوه، وهو مسلك سماوي رحماني نوراني.
— 640 —

المقصد الثاني

يخص تحولات الذرات
يشير إلى ذرة من خزينة هذه الآية الكريمة:
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
وقال الذين كفروا لاتأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينّیكم عالِمِ الغيب لا يعزب عنه مثقالُ ذرّة في السموات ولا في الارض ولا اصغرُ من ذلك ولا اكبرُ إلا في كتابٍ مبين
(سبأ:٣)
يبين هذا المقصد مثقالَ ذرة من الخزينة العظمى لهذه الآية الكريمة، أي يبينُ الجوهرَ الذي تنطوي عليه صنُيديقة الذرة، ويتناول جزءا ضئيلا جدّا من حركة الذرة ووظيفتِها؛ وذلك في نقاط ثلاث مع مقدمة.
المقدمة
إنّ تحولات الذرات وجولانَها عبارة عن اهتزازات الذرات وتنقُّلَها في أثناء كتابةِ قلم القدرة الإلهية للآيات التكوينية في كتاب الكون. فهي ليست كما يتوهّمه الماديون والطبيعيون من أنها ألعوبةُ المصادفة في حركةٍ عشوائية لا معنى لها ولا مغزى؛ ذلك لأن كلَّ ذرة، وكلَّ الذرات تقول في مبدأ حركتها: "بسم اللّٰه" -كما تقوله جميعُ الموجودات- حيث إنها تحمل أثقالا هائلة تفوق كثيرا طاقتَها المتناهية، كحمل بذرة الصنوبر على أكتافها شجرتَها الضخمة. ثم عند انتهاء وظيفتِها تقول: "الحمد للّٰه" حيث إنها أظهرت أثرا بديعا، كأنه يُنشد قصيدةً رائعة في الثناء على الصانع الجليل، لما فيه من جمالِ الإتقان الحكيم، وروعةِ صورةٍ تنمّ عن مغزى عميق تتحير منه العقول.. فإن شئت فانظر بإنعام إلى الرمّان والذُرة.
نعم، إن تحولات الذرات وتنقلاتها، عبارة عن حركاتٍ واهتزازاتٍ ذات مغزى عميق، ناشئةٍ من كتابة كلمات القدرة الإلهية ومحوِ تلك الكلمات في لوح "المحو والإثبات" الذي هو حقيقةُ الزمان السيال وصحيفتُه المثالية، استنساخا من الكتاب المبين الذي هو عنوان للقدرة الإلٰهية وإرادة الربانية، ومحورُ التصرف في إيجاد الأشياء وتشكيلِها من عالم الشهادة والزمان
— 641 —
الحاضر، وفقا لدساتير الإمام المبين الذي هو جماعُ مقومات الأشياء في أصولِها وفروعها -أي أصلُ كل شيء مضى وكل نسلٍ آتٍ- التي طواها الغيب، مع مميزاتها، وعنوان للعلم الإلهي وأمره.
(٭): لقد ذُكر في القرآن: "إمام مبين" و"كتاب مبين" في عدة مواضع. وقال قسم من المفسرين: إنهما بمعنى واحد. وقال آخرون: معناهما مختلف. وفسّروا حقيقتهما بوجوه متضاربة. وخلاصةُ ما قالوه: أنهما عنوانان للعلم الإلهي. ولقد حصل لي الاطمئنان التام والقناعة التامة بفيض القرآن الكريم أن: "الإمام المبين" عنوان لنوعٍ من العلم الإلهي وأمره، بحيث يتوجّه إلى عالم الغيب أكثر مما يتوجه إلى عالم الشهادة. أي إنه يتوجه إلى الماضي والمستقبل أكثر من توجهه إلى الحال والزمن الحاضر. وبعبارة أخرى: إنه سجیلّ للقدر الإلهي ينظر إلى أصل كل شيء وإلى نسله، إلى عروقه وإلى بذوره، أكثر مما ينظر إلى وجوده الظاهري. وقد أثبت وجودُ هذا السجل في "الكلمة السادسة والعشرين" وفي "حاشية الكلمة العاشرة". نعم، إن هذا الإمام المبين عنوان لنوع من العلم الإلهي وأمره، وهذا يعني: أن إنتاج مبادئ الأشياء وجذورها وأصولها، للأشياء، في غاية الإبداع والإتقان، يدل على أن ذلك التنظيم والإتقان إنما يتمان وفق سجل دساتير للعلم الإلهي. كما أن نتائج الأشياء وأنسالها وبذورها، سجل صغير للأوامر الإلهية لكونها تتضمن برامج ما سيأتي من الموجودات وفهارسه، فيصح أن يقال: إن البذرة -مثلا- عبارة عن برامج وفهارس مجسّمة مصغرة لجميع ما ينظِّم تركيب الشجرة الضخمة، وللأوامر التكوينية التي تعيّن تلك التصاميم والفهارس وتحدّدها.
الحاصل: أن "الإمام المبين" هو في حكم فهرس وبرنامج شجرة الخلق، الممتدة عروقُها وأغصانها وفروعها حول الماضي والمستقبل وعالم الغيب. فی"الإمام المبين" بهذا المعنى سجل للقدر الإلهي، وكراسُ دساتيره. والذرات تُساق إلى حركاتها ووظائفها في الأشياء بإملاء من تلك الدساتير وبحكمها.
أما "الكتاب المبين" فهو يتوجه إلى عالم الشهادة أكثر من توجهه إلى عالم الغيب، أي ينظر إلى الزمان الحاضر أكثر مما ينظر إلى الماضي والمستقبل. فهو عنوان للقدرة الإلٰهية والإرادة الربانية، وسجل لهما وكتاب، أكثر مما هو عنوان لعلم اللّٰه وأمره. وبتعبير آخر: إنه إذا كان "الإمام المبين" سجلا للقَدَر الإلهي فی"الكتاب المبين" سجل للقُدرة الإلهية. أي إن الانتظام والإتقان في كل شيء، سواء في وجوده، في هويته، في صفاته، في شؤونه يدلان على أن الوجود يُضفى على الشيء وتُعيَّن له صوَره، ويشخَّص مقداره، ويعطى له شكله الخاص، بدساتير قدرةٍ كاملة وقوانين إرادة نافذة. فتلك القدرة الإلهية والإرادة الإلهية إذن لهما قوانين كلية وعمومية محفوظة في سجل عظيم، بحيث يُفصَّل ويُخاط ثوبُ أنماط الوجود الخاص لكل شيء ويُلبَس عليه ويُعطى له صوره المخصوصة، وفق تلك القوانين. وقد أثبت وجود هذا السجل في رسالة "القدر الإلهي والجزء الاختياري" كما أثبت فيها "الإمام المبين".
فانظر إلى حماقة الفلاسفة وأرباب الضلالة والغفلة! فلقد شعروا بوجود اللوح المحفوظ للقدرة الإلهية الفاطرة، وأحسّوا بمظاهر ذلك الكتاب البصير الحكمة الربانية والإرادة الإلٰهية النافذة في الأشياء، ولمسوا صُوَره ونماذجه، إلّا أنهم أطلقوا عليه اسم "الطبيعة" -حاش للّٰه- فأخمدوا نورَه.
وهكذا، بإملاءٍ من الإمام المبين، أي بحُكم القَدَر الإلهي ودستوره النافذ، تكتب القدرةُ الإلهية -في إيجادها- سلسلةَ الموجودات -التي كل منها آية- وتوجِد وتحرِك الذرات في لوح "المحو والإثبات" الذي هو الصحيفة المثالية للزمان.
أي إن حركات الذرات إنما هي اهتزازات وحركات في أثناء عبور الموجودات، من تلك الكتابة، ومن ذلك الاستنساخ، ومن عالم الغيب، إلى عالم الشهادة، أي من العلم إلى القدرة. أما "لوح المحو والإثبات" فهو سجل متبدل للّوح المحفوظ الأعظم الثابت الدائم، ولوحة "كتابة ومحو" في دائرة الممكنات أي هو سجل للأشياء المعرضة دوما إلى الموت والحياة، إلى الفناء والوجود. بحيث إن حقيقة الزمان هو هذا. نعم، فكما أن لكل شيء حقيقة، فحقيقة ما نسميه بالزمان الذي يجري جريان النهر العظيم في الكون هي في حكم صحيفة ومداد لكتابات القدرة الإلهية في لوح المحو والإثبات. ولا يعلم الغيب إلا اللّٰه. (المؤلف).
— 642 —

النقطة الأولى

وهي مبحثان
المبحث الأول
إنّ في حركة كل ذرة وفي سكونِها، يتلمّع نوران للتوحيد، كأنهما شمسان ساطعتان. ولقد أثبتنا بيقين إثباتا مجملا في الإشارة الأولى من "الكلمة العاشرة" وفصلناه في "الكلمة الثانية والعشرين" أن كل ذرة من الذرات إن لم تكن مأمورةً بأوامر اللّٰه تعالى، وإن لم تتحرك بإذنه وفِعله، وإن لم تتحول بعِلمه وقدرته، فلابد أن يكونَ لكلِّ ذرة علم لا نهاية له، وقدرة لا حدّ لها، وبصر يرى كل شيء، ووجه يتوجه إلى كل شيء، وأمر نافذ في كل شيء.
لأن كلَّ ذرة من ذرات العناصر، تعمل -أو يمكن أن تعمل- عملا منتظما في جسم كلّ كائن حي، علما أن أنظمة الأشياء وقوانينَ تراكيبها مخالف بعضها بعضا، ولا يمكن عملُ شيء ما لم تُعلَم أنظمتُه، وحتى لو قامت الذرةُ بعمل فلا يخلو من خطأ. والحال أن الأعمال تُنجَز من دون خطأ. فإذن إما أن تلك الذرات العاملة تعمل وفق أوامر مَن يملِك علما محيطا بكل شيء، وبإذنه، وبعلمه، وبإرادته.. أو ينبغي أن يكون لها مثلُ ذلك العلم المحيط والقدرة المطلقة!
ثم إنّ كلّ ذرة من ذرات الهواء، تستطيع أن تدخل في جسم كل كائن حي، وفي ثمرةِ كل زهرة، وفي بناء كل ورقة، وتعمل في كلٍّ منها. علما أن بناءَ كلٍّ منها يخالف الآخر ونظامَه يباين الآخر، فلو كان معمل ثمرة التين -مثلا- شبيها بمعمل النسيج، لكان معمل ثمرة الرمان شبيها بمعمل السكر. فتصاميم كل منهما، وبناء كل منهما مخالف للآخر.
فهذه الذرات الهوائية تدخل في كلٍّ منها -أو تستطيع الدخول- وتعمل بمهارة فائقة وبحكمة تامة، وتتخذ فيها أوضاعا معينة، ثم حالما تنتهي وظيفتُها تتركها ماضيةً إلى شأنها.
وهكذا فالذرة المتحركة في الهواء المتحرك؛ إما أنها تعلمُ الصوَر التي ألبستْ على الحيوانات والنباتات، وعلى ثمراتها وأزاهيرها، وتعلم أيضا مقاديرَ كلٍّ منها وأنماط تصاميمها! أو أن تلك الذرة مأمورة بأمرِ مَن يعلم ذلك كلّه وعاملة بإرادته.
وكذا كلُّ ذرة ساكنةٍ في التراب الساكن الهادئ، فهي متهيئة لتكون منبتا لجميع بذور
— 643 —
النباتات المزهرة والأشجار المثمرة؛ إذ لو ألقيت تلك البذور في حفنةِ تراب -المتكونة من ذرات متماثلة كأنها ذرة واحدة- ولاقت ما فيها من الذرات؛ فإما أنها تجد مصنعا خاصا بها، مع ما يحتاجُه بناؤها من لوازم ومعدّات، أي أن تكون في تلك الحفنة من التراب معاملُ معنوية دقيقة عديدة، عددَ أنواع النباتات والأشجار والأثمار.! أو أن يكون هناك علم واسع وقدرة محيطة بكل شيء، تبدعُ كلَّ شيء من العدم.. أو أن تلك الأعمال إنما تتم بحول وقوة اللّٰه القدير على كل شيء والعليم بكل شيء.
لو سافر شخص إلى أوروبا، وهو جاهل بوسائل الحضارة جهلا مطبقا، وعلاوة على ذلك فهو أعمى لا يبصر، ولو دخل هناك إلى جميع المعامل والمصانع، وأنجز أعمالا بديعة في كل صنوف الصناعة وفي أنواع الأبنية، بانتظام كامل وحكمة فائقة ومهارة بارعة تحيرت منها العقول.. فلا شك أنّ مَن له ذرة من الشعور يعرف يقينا أن ذلك الرجل لا يعمل ما يعمل من تلقاء نفسه، بل هناك أستاذ عليم يلقّنه ويستخدمه.
وأيضا لو كان هناك عاجز، أعمى، مقعد، قابع في كوخه الصغير، لا يحرك ساكنا. أدخل عليه قليل من حصو، وقطعٍ من عظم، وشيء يسير من قطن، وإذا بالكوخ الصغير تصدر منه أطنان من السكر، وأطوال من النسيج، وآلاف من قطع الجواهر، مع ملابس في أبهى زينة وأفخر نوع، مع أطعمة طيبة في منتهى اللذة.. أفلا يقول مَن له ذرة من العقل: إن ذلك الأعمى المقعد ما هو إلّا حارس ضعيف لمصنع معجِز، وخادم لدى صاحبه ذي المعجزات؟
كذلك الأمر في حركات ذرات الهواء ووظائفِها في النباتات والأشجار والأزهار والأثمار، التي كلّ منها كتابة إلهية صمدانية، ورائعة من روائع الصنعة الربانية، ومعجزة من معجزات القدرة الإلهية، وخارقة من خوارق الحكمة الإلهية. فلا تتحرك تلك الذرات ولا تنتقل من مكان إلى آخر إلّا بأمر الصانع الحكيم ذي الجلال وبإرادة الفاطر الكريم ذي الجمال.
وقِس على هذا ذراتِ التراب الذي هو منبت لسنابل البذور والنوى، التي كلّ منها في حُكم ماكنةٍ عجيبة تختلف عن الأخرى، ومطبعةٍ مغايرة للأخرى، وخزينة متباينة عن الأخرى، ولوحةِ إعلان تُعلن أسماء اللّٰه الحسنى متميزةً عن الأخرى، وقصيدةٍ عصماء تثني على كمالاته جلّ وعلا. ولا شك أن هذه البذور البديعة ما أصبحت منشأً لتلك الأشجار
— 644 —
والنباتات إلّا بأمر اللّٰه المالك لأمر: كن فيكون وكل شيء مسخّر لأمره، ولا يعمل إلّا بإذنه وإرادته وقوته.. وهذا يقين وثابت قطعا.. آمنا.
المبحث الثاني
هذا المبحث عبارة عن إشارة بسيطة إلى ما في حركات الذرات من وظائفَ وحِكَم.
إن الماديين الذين انحدرت عقولُهم إلى عيونهم، فلا يرون إلّا المادة، يرون بحِكمتهم الخالية من الحكمة وبفلسفتهم المبنية على أساس العبث في الوجود، أنّ تحولات الذرات مربوطة بالمصادفة. حتى اتخذوها قاعدة مقررة لدساتيرهم كلها، جاعلين منها مصدر إيجادٍ للمخلوقات الربانية!
فالذي يملك ذرة من الشعور يعلم يقينا مدى بُعدهم عن منطق العقل، في إسنادهم هذه المخلوقات المزدانة بحِكَمٍ غزيرة، إلى شيء مختلط عشوائي لا حكمةَ فيه ولا معنى.
أما المنظور القرآني وحكمتُه، فإنه يرى أنّ تحولات الذرات لها حِكَم كثيرة جدّا وغايات لا تحصى ووظائفُ لاتحد، تشير إليها الآية الكريمة: وان من شيءٍ إلّا يسبّح بحمده (الإسراء:٤٤) وأمثالُها من الآيات الكثيرة.
ونحن هنا نشير إلى بضعٍ منها فقط، على سبيل المثال:
أولاها: إنّ اللّٰه سبحانه وتعالى، لأجل تجديد تجليات الإيجاد في الوجود، يحرّك الذرات ويسخّرها بقدرته، جاعلا من كل روحٍ واحدة "نموذجا"، يُلبسها جسدا جديدا من معجزات قدرته في كل سنة، ويستنسخ من كلِّ كتابٍ فردٍ بحكمته التامة آلافَ الكتب المتنوعة، ويُظهر حقيقةً واحدة في أنماط مختلفة وصوَر شتى، ويفسح المجال ويعدّ المكان لورود أكوانٍ جديدة وعوالمَ جديدة وموجوداتٍ جديدة، طائفةً إثر طائفة.
ثانيتها: إن مالك الملك ذا الجلال، قد خلق هذه الدنيا، ولا سيما وجه الأرض، على هيئة مزرعة واسعة، أي مهّدها لتكون قابلةً لنمو محاصيل الموجوادت ونشوئها، وظهورِها بجدّتها وطراوتها، أي ليَزرع فيها معجزاتِ قدرته غير المتناهية ويحصدَها. ففي مزرعته الشاسعة هذه التي هي بسعة سطح الأرض، يُبرز سبحانه من معجزات قدرته كائناتٍ جديدة، في كل عصر،
— 645 —
في كل فصل، في كل شهر، في كل يوم، بل في كل ساعة، فيعطي ساحةَ الأرض محاصيلَ متنوعة جديدة، بتحريك الذرات بحكمةٍ تامة وتوظيفِها بنظام متقن، مُبيّنا سبحانه وتعالى، بحركات الذرات هذه هدايا رحمته الصادرة من خزينته التي لا تنضُب، ونماذجَ معجزات قدرته التي لا تنفد.
ثالثتها: إنه سبحانه وتعالى يُحرّك الذرات بحكمة تامة ويسخّرها في وظائفَ منظمةٍ لأجل إظهار بدائع الموجودات كي تفيد الأسماءُ الحسنى عن معاني تجلياتِها غير المتناهية. فيُخرج سبحانه في مكانٍ محدود ما لا يُحد من بدائع الصور الدالة على تلك التجليات غير المحدودة، ويكتبُ في صحيفة ضيقة آياتٍ تكوينية لا حدّ لها، تعبّر عن معانٍ سامية غير محدودة.
نعم، إن محاصيل السنة الماضية ونتائجَها من الموجودات، ومحاصيلَ هذه السنة ونتائجها، من حيث الماهية، في حُكمٍ واحد، إلّا أن معانيَها ومدلولاتها متباينة جدّا، إذ بتبدل التعينات الاعتبارية تتبدل معانيها وتكثر وتزداد. ومع أن التعينات الاعتبارية والتشخّصات المؤقتة تُبدَّلان، وهما فانيتان في الظاهر، إلّا أن معانيها الجميلة يحافَظُ عليها وتستمر وتبقى وتثبت. فأوراقُ هذه الشجرة وأزاهيرُها وثمراتُها التي كانت في الربيع الماضي -لأنها لا تحمل روحا كالإنسان- هي عينُ أمثالِها في هذا الربيع، إذا نُظر إليها من زاوية الحقيقة، إلّا أن الفرق هو في التشخصات الاعتبارية. هذه التشخصات أتت إلى هذا الربيع، لتحل محل تشخصات سابقتِها، وذلك للإفادة عن معاني شؤون الأسماء الإلهية التي تتجدد تجلياتُها باستمرار.
رابعتها: إن الحكيم ذا الجلال يحرّك الذراتِ في مزرعة هذه الدنيا الضيقة وينسجُها في مصنع الأرض، جاعلا الكائناتِ سيالةً والموجوداتِ سيارةً، وذلك لأجل إعداد ما يناسب من لوازمَ أو تزييناتٍ أو محاصيلَ لعوالم واسعة لا حدّ لها، كعالم المثال وعالم الملكوت الواسع جدّا وسائرِ عوالم الآخرة غير المحدودة. فيهيئ سبحانه في هذه الأرض الصغيرة، محاصيلَ ونتائجَ معنوية كثيرة جدّا، لتلك العوالم الكبيرة الواسعة جدّا. ويُجري من الدنيا سيلا لا نهاية له ينبع من خزينة قدرته المطلقة ويصبّه في عالم الغيب، ويصبُّ قسما منه في عوالم الآخرة.
خامستها: يحرّك سبحانه وتعالى الذرات بقدرته في حكمة تامة ويسخّرُها في وظائف منتظمة إظهارا لكمالات إلهية لا نهاية لها، وجلواتٍ جمالية لا حدّ لها، وتجليات جلالية لا منتهى
— 646 —
لها، وتسبيحات ربانية لا عدّ لها، في هذه الأرض الضيقة المحدودة، وفي زمان قليل متناهٍ. فيجعل سبحانه وتعالى الموجودات تسبّح تسبيحاتٍ غير متناهية في زمانٍ متناهٍ وفي مكان محدود، مبينا بذلك تجلياتِه الجماليةَ والكماليةَ والجلاليةَ المطلقة، موجِدا كثيرا من الحقائق الغيبية، وكثيرا من الثمرات الأخروية، وكثيرا من البدائع المثالية -لصور الفانين وهوياتهم الباقية- وكثيرا من نسائجَ لوحيةٍ حكيمة. فالذي يحرك الذرات، ويبرز هذه المقاصد العظيمة، وهذه الحكم الجسيمة، إنما هو الواحد الأحد، وإلّا فيجب أن تكونَ لكلِّ ذرةٍ عقل بكبر الشمس!.
وهكذا فهناك أمثلة كثيرة جدّا على تحولات الذرات التي تُحرَّك بحكمة بالغة، كهذه النماذج الخمسة، بل ربما تربو على خمسة آلاف مثال. إلّا أن أولئك الفلاسفة الحمقى قد ظنوها خالية من الحكمة! فقد زعموا أن الذرات في حركتَيها التي تتحرك بهما في نشوة وجذب رباني - في الحقيقة - أحدهما آفاقي والآخر أنفسي، والمستغرقة في ذكر وتسبيح إلهي كالمريد المولوي- إنما تقوم بها من تلقاء نفسها، وترقص ذاهلةً وتدور.
نخلص من هذا: أن علم أولئك الفلاسفة ليس علما، بل جهل. وأن حكمتَهم سخافة وخالية من الحكمة!
(سنذكر في النقطة الثالثة حكمةً أخرى مطولة هي السادسة).
النقطة الثانية
إنّ في كل ذرة شاهدَين صادقين على وجود اللّٰه سبحانه، وعلى وحدانيته.
أجل، إن الذرة بقيامها بوظائفَ جسيمةٍ جدّا، وحملِها لأعباء ثقيلة جدّا تفوق طاقتها، في منتهى الشعور، رغم عَجزها وجمودِها، تشهد شهادةً قاطعة على وجود اللّٰه سبحانه. وإنها تشهد شهادة صادقة أيضا على وحدانية اللّٰه وأحديةِ مالك الملك والملكوت؛ بتنسيق حركاتِها وانسجامِها مع النظام العام الجاري في الكون ومراعاتِها النظام حيثما حلّت، وتوطّنها هناك كأنه موطنها. أي لمَن تعود ملكية الذرة وبيَد مَن زمام الذرة؟ فمواضعُ جولانِها مُلكُه وتعود إليه، بمعنى أن من كانت الذرةُ له فإن جميع الأماكن التي تسير فيها له أيضا. أي إن الذرة لكونها عاجزةً، وعبئها ثقيل جدّا، ووظائفها كثيرة لاتحد، يدل ذلك على أنها قائمة ومتحركة باسم قدير مطلق القدرة وبأمره.
— 647 —
ثم إنّ توفيقَ حركتِها وجعلها منسجمةً مع الأنظمة العامة الكلية في الكون، وكأنها على علمٍ بها، ودخولَها إلى كل مكان دون مانع يمنعها، يدل على أنها تعمل ما تعمل بقدرةِ واحدٍ عليم مطلق العلم وبحكمته الواسعة.
نعم، إن الجندي له علاقة وانتساب مع كلٍّ من فصيله، وسريته، وفَوجه، ولوائه، وفرقته، كما أن له في كلٍّ منها وظيفةً معينةً على قدر تلك العلاقة، وأن تنسيق الحركة والانسجام مع كل هذه العلاقات والارتباطات بمعرفتِها ومعرفةِ وظائفِها في كل دائرة، مع القيام بواجبات عسكرية من تدريب وأخذٍ للتعليمات حسب أنظمتها.. كلُّ ذلك إنما يكون بالانقياد إلى أوامر القائد الأعظم الذي يقود تلك الدوائر كلّها واتّباع قوانينه.
فكما أن الأمر هكذا في الجندي الفرد، كذلك كلُّ ذرة من الذرات الداخلة في المركبات المتداخل بعضُها في بعض، لها أوضاع ملائمة في كلٍّ منها، ومواقعُ متناسبة تنبني عليها مصالحُ متنوعة، ووظائفُ منتظمة شتى، ونتائجُ متباينة ذات حكمة، فلابد أن توطين تلك الذرة بين تلك المركبات، توطينا لا يخلّ بالنتائج والحِكَم الناشئة من تلك النسب والوظائف، مع الحفاظ على جميع النسب والوظائف، خاص بمالك الملك الذي بيده مقاليد كل شيء.
فمثلا: إن الذرة المستقرة في بؤبؤ عين "توفيق" (٭): أحد طلاب النور. لها علاقة مع أعصاب العين الحركية والحسية، ومع الشرايين والأوردة التي فيها، ومع الوجه، والرأس، ثم مع الجسم، ومع الإنسان ككل. فضلا عن أن لها في كلٍّ منها وظيفة وفائدة.
فوجود تلك النِسبِ، في كلٍّ منها، والعلاقاتُ والفوائد، مع الحكمة الكاملة والإتقان التام يبين أن الذي خلق ذلك الجسد بجميع أعضائه، هو الذي يمكنه أن يمكّن تلك الذرةَ في ذلك المكان، ولا سيما الذرات الآتية للرزق. فتلك الذراتُ التي تسير مع قافلة الرزق وتسافر معها، إنما تسير بانتظام وتسيحُ بحكمةٍ تحيّر العقول. ثم تدخل في أطوار مختلفة، وتجول في طبقات متنوعة بنظام دقيق، فتخطو خطوات ذات شعور، من دون أن تخطئ، حتى تأتي تدريجيا إلى الجسم الحي، وتُصفّى هناك في أربع مصافٍ فيه، إلى أن تصل إلى الأعضاء
— 648 —
والحجيرات المحتاجة إلى الرزق، فتمدها به، وتسعفها بقانون الكرَم محمولةً على الكريات الحمراء في الدم.
يُفهم من هذا بداهة أن الذي أمَر هذه الذرات من خلال آلاف المنازل المختلفة والطبقات المتباينة، وساقَها هكذا بحكمة، لابد وبلا أدنى شك هو رزّاق كريم، خلّاق رحيم، تتساوى أمامَ قدرته النجومُ والذرات.
ثم إنّ كل ذرة من الذرات تقوم بعملِ صورةٍ بديعة ونقش رائع في المخلوق بحيث إما أنها في موقع حاكمٍ مسيطرٍ على كل ذرة من الذرات وعلى مجموعها، ومحكومة في الوقت نفسه تحت أمر كلّ ذرة من الذرات وأمر مجموعها، وأنها تعرف معرفةً كاملة، بالصورة البديعة المحيرة للألباب والنقش الرائع المليء بالحكمة، فتوجِدها! وهذا محال بألف محال.. أو أنها نقطة مأمورة بالحركة نابعة من قلم قدرة اللّٰه سبحانه وقانون قَدَره.
فمثلا: إن الأحجار الموجودة في قبة "آيا صوفيا" إن لم تكن مطيعةً لأمر بنّائها، ينبغي أن يكون كلُّ حجر منها ماهرا في صنعة البناء كی"المعماري سنان" نفسه، ويكون حاكما على الأحجار الأخرى ومحكوما بأمرها في الوقت نفسه، أي يمكنه أن يحكم الأحجارَ الأخرى فيقول لها: "هيا أيتها الأحجار لنتحدْ حتى نَحول دون سقوطنا"! وكذلك الأمر في الذرات الموجودة في المخلوقات، التي هي أكثر إبداعا، وأكثر إتقانا وأكثر روعة وأكثر إثارة للإعجاب، وأكثر حكمة من قبة آيا صوفيا بآلاف المرات. إن لم تكن هذه الذرات منقادة لأمر الخالق العظيم، خالقِ الكون، فينبغي إذن أن يُعطى لكلٍّ منها أوصافُ الكمال التي لا تليق إلّا باللّٰه سبحانه.
فيا سبحان اللّٰه! ويا للعجب! إن الماديين الزنادقة الكفرة لمّا أنكروا اللّٰه الواجب الوجود، اضطروا حسب مذهبهم للاعتقاد بآلهة باطلة بعدد الذرات. ومن هذه الجهة ترى أن الكافر المنكِر لوجود اللّٰه سبحانه وتعالى مهما كان فيلسوفا وعالما فهو في جهل عظيم، وهو جاهل جهلا مطلقا.
— 649 —

النقطة الثالثة

هذه النقطة إشارة إلى الحكمة السادسة العظيمة التي وُعد بها في ختام النقطة الأولى، وهي: لقد ذُكر في حاشية السؤال الثاني من "الكلمة الثامنة والعشرين": أنّ حكمةً أخرى من آلاف الحِكم التي تتضمنُها تحولاتُ الذرات وحركاتُها في أجسام ذوي الحياة، هي تنويرُ الذرات بالحياة وكسبُها المعنى والمغزى، لتُصبح ذراتٍ لائقةً في بناء العالم الأخروي.
نعم، إن الكائن الحيواني والإنسان وحتى النبات في حُكم مضيفٍ لتلك الذرات ومعسكر تدريب لها، ومدرسة تربوية تتلقى فيها الإرشادات؛ بحيث إن تلك الذرات الجامدة تدخل هناك فتتنوّر، وكأنها تنال التدريب وتتلقى الأوامرَ والتعليمات، فتتلطّف، وتكسب بأداء كلٍّ منها لوظيفةٍ لياقةً وجدارةً، لتُصبح ذراتٍ لعالم البقاء والدار الآخرة الحية حياةً شاملة لجميع أجزائها.
سؤال: بماذا يُعرف وجودُ هذه الحكمة في حركات الذرات؟
الجواب:
أولا: يُعرف وجودُها، بحكمة اللّٰه الحكيم سبحانه، تلك الحكمة الثابتة بالأنظمة الجارية في الموجودات كافة وبالحِكَم التي تنطوي عليها؛ إذ الحكمةُ الإلهية التي أناطت حِكما كليةً كثيرة جدّا بأصغر شيء جزئي، لا يمكن أن تترك حركاتِ الذرات سدًى من دون حكمة! تلك الحركات الجارية في سيل الكائنات، والتي تبدي فعاليةً عظمى في الوجود، والتي هي سبب لإبراز البدائع الحكيمة.
ثم إن الحكمة والحاكمية الإلٰهية، التي لا تهمل أصغر مخلوق دون أجر، أو دون كمال، أو دون مقام، لما يقوم به من وظيفة، كيف تُهمل مأموريها ومستخدميها الكثيرين جدّا، الذرات.. دون نور، أو دون أجر.
ثانيا: إن الحكيم العليم يحرّك العناصرَ ويستخدمُها لأداء وظائفَ جليلةٍ، فيرقيها إلى درجة المعدنيات، أجرا لها في طريق الكمال.. ويحرّك ذرات المعدنيات ويسخّرها في وظائف ويعلّمها تسبيحاتِها الخاصة بها فيمنحُها المرتبة الحية للنباتات.. ويحرّك ذرات النباتات
— 650 —
ويوظّفها، ويجعلها رزقا للآخرين، فيُنعم عليها برَفعِها إلى المرتبة اللطيفة للحيوانات.. ويستخدم ذرات الحيوانات -عن طريق الرزق- فيرفَعُها إلى درجة الحياة الإنسانية.. وبإمرار ذرات جسم الإنسان من خلال مصافٍ عدة مراتٍ ومرات، وتنقيتِها وجعلها لطيفة، يرقيها إلى ألطف مكان وأعزّ موقع في الجسم وهو الدماغ والقلب.
يُفهم مما ذُكر أن حركات الذرات ليست سدًى وليست حركتها خاليةً من الحكمة، بل تُهرع الذراتُ وتُساق إلى نوع من الكمال اللائق بها.
ثالثا: إن قسما من ذرات الكائن الحي -كذرات البذور والنوى- ينال نورا معنويّا، ولطافةً ومزيّة، بحيث يكون بمثابة روحٍ وسلطانٍ على سائر الذرات، وعلى الشجرة الضخمة نفسها.
فاعتلاءُ هذه الذرات -من بين مجموع ذرات الشجرة العظيمة- هذه المرتبة، إنما هو حصيلةُ أدائها وظائفَ دقيقةً ومهماتٍ جليلةً في أثناء مراحل نمو الشجرة، مما يدل على أن تلك الذرات حينما تؤدي وظيفتَها الفطرية بأمر الخالق الحكيم، تنال لطافةً معنوية ونورا معنويّا ومقاما رفيعا وإرشادا ساميا، حسب أنواع حركاتها على حساب وسموّ ما يتجل عليها من الأسماء الحسنى.
الخلاصة: إن الخالق الحكيم قد عيّن لكلِّ شيء نقطةَ كمالٍ يناسب ذلك الشيء، وحدّد نورَ وجودٍ يليق به، فيسوق ذلك الشيء إلى نقطة الكمال تلك، باستعداد يمنحُه إياه. فهذا القانون للربوبية مثلما هو جارٍ في جميع النباتات والحيوانات، جارٍ أيضا في الجمادات، حتى يمنح سبحانه الترابَ العادي رقيا يبلغ به درجة الألماس ومرتبة الأحجار الكريمة.
من هذه الحقيقة ينكشف طرف من قانون عظيم هو: "قانون الربوبية".
وإن ذلك الخالق الكريم، في أثناء تسخيره الحيوانات لإنفاذ قانونِ التناسل العظيم، يمنحها لذةً جزئية، أجرةً لأدائها الوظيفة. ويهَب للحيوانات المستخدمة لإنفاذِ أوامرَ ربانية -كالبلبل والنحل- أجرةَ كمالٍ راقية، مقاما يبث الشوق والمتعة..
من هذه الحقيقة ينكشف طرف من قانون عظيم هو: "قانون الكرم".
— 651 —
ثم إن حقيقة كل شيء تتوجّه إلى تجلي اسمٍ من الأسماء الإلهية الحسنى، ومرتبطة بها، وهي كالمرآة العاكسة لأنواره. فذلك الشيء مهما اتخذ من أوضاع جميلة، فالجمالُ يعود إلى شرف ذلك الاسم وسموّه؛ إذ يقتضيه ذلك الاسم. فسواء أَعَلِم ذلك الشيء أم لم يَعلم، فذلك الوضعُ الجميل مطلوب في نظر الحقيقة.
من هذه الحقيقة يظهر طرف من قانون عظيم هو: "قانون التحسين والجمال".
ثم إن ما أعطاه الفاطرُ الحكيم من مقامٍ وكمالٍ، إلى شيء ما، بمقتضى دستور الكرم، لا يستردّه منه عند انقضاء مدة ذلك الشيء وانتهاء عمره، بل يُبقي ثمراتِه، ونتائجَه، وهويتَه المعنوية، ومعناه، وروحَه إن كان ذا روح. فمثلا: يُبقي سبحانه وتعالى معانيَ الكمالات التي ينالُها الإنسان وثمراتِها، حتى إن شكرَ المؤمن الشاكرِ وحمدَه على ما يأكله من فواكه زائلة، يعيدُها سبحانه إليه مرة أخرى على صورة فاكهةٍ مجسّمة طيبة من فواكه الجنة.
من هذه الحقيقة ينكشف طرف من قانون عظيم هو: "قانون الرحمة".
ثم إن الخالق الحكيم سبحانه لا يسرف في شيء قط، ولا يعمل عبثا مطلقا، إذ يستعمل حتى الأنقاض المادية للمخلوقات الميتة -التي انتهت مهماتُها- في الخريف، في بناء مخلوقاتٍ جديدة في الربيع. لذا، فمن مقتضى الحكمة الإلهية، إدراجُ هذه الذرات الأرضية الجامدة، وغيرِ الشاعرة، والتي أنجزت وظائفَ جليلةً في الأرض في قسم من أبنية الآخرة التي هي حية وذاتُ شعور بكلِّ ما فيها، بأحجارِها وأشجارِها بدلالة الآية الكريمة:
يوم تبدل الارض غير الارض
(إبراهيم:٤٨) وبإشارة الآية الكريمة:
وان الدار الاخرة لهي الحيوان
(العنكبوت:٦٤) لأنّ تركَ ذراتِ الدنيا المتهدمة في الدنيا نفسِها، أو رميَها إلى العدم إسراف وعبث.
من هذه الحقيقة ينكشف طرف من قانون عظيم هو: "قانون الحكمة".
ثم إن كثيرا جدّا من آثار هذه الدنيا ومعنوياتِها وثمراتِها، ومنسوجاتِ أعمال المكلفين -كالجن والإنس- وصحائفِ أفعالهم، وأرواحهم، وأجسادهم، تُرسل إلى سوق الآخرة ومعرضها. فمن مقتضى العدل والحكمة أن تُرسل أيضا الذراتُ الأرضية التي رافقت تلك الثمرات والمعاني وخَدَمَتها مع أنقاض هذه الدنيا التي ستُدمّر، إلى العالم الأخروي وتستعمل
— 652 —
في بنائه. وذلك بعد تكاملها تكاملا يخصّها من حيث الوظيفة، أي بعد أن نالت نور الحياة كثيرا وخدمَتها، وأصبحت وسيلة لتسبيحات حياتية.
من هذه الحقيقة ينكشف طرف من قانون عظيم هو: "قانون العدل".
ثم إن الروح مثلما أنها مهيمنة على الجسم، فالأوامر التكوينية للمواد الجامدة التي كتبها القدرُ الإلهي، لها سلطان أيضا على تلك المواد. فتتخذ تلك المواد مواقعَها، وتسير بنظام معين وفق ما تمليه الكتابة المعنوية للقدر الإلهي.
فمثلا: في أنواع البيض، وأقسام النطف، وأصناف النوى، وأجناس البذور، تنال الموادُّ أنوارا مختلفة، مقامات متباينة، حسب تباين الأوامر التكوينية التي سطّرها القدرُ الإلهي بأنماط متنوعة وأشكال متغايرة؛ إذ إن تلك المواد -من حيث هي مادة- في ماهية واحدة،
(٭): نعم، إن جميع تلك المواد مركبة من عناصر أربعة هي: مولد الحموضة ومولد الماء (الأوكسجين والهيدروجين) والآزوت والكربون، وأمثالها. لذا تعتبر المواد من حيث التركيب المادي متشابهة إلّا أن الفرق في كتابة القدر المعنوي. (المؤلف).
إلّا أنها تصبح وسيلةً لنشوء مالا يحد من الموجودات، فتكون صاحبةَ مقاماتٍ مختلفةٍ وأنوار متنوعة، فلابد إذن لو وجِدت ذرة في خدمات حياتية، ودخلت ضمن التسبيحات الربانية التي تسبّح بها الحياةُ مرات ومرات، وأدّت مهماتِها هناك، فلاشك أن يُكتب في جبهتها المعنوية حِكَمُ تلك المعاني، ويسجّلها قلمُ القدر الإلهي الذي لا يعزُب عنه شيء، وذلك بمقتضى العلم المحيط الإلهي.
من هذه الحقيقة ينكشف طرف من قانون عظيم هو: "قانون العلم المحيط".
فبناء على ما سبق: فإن الذرات إذن ليست سائبةً ولا منفلتةً. (٭): جواب الفقرات السبع التي مرت. (المؤلف).
النتيجة: إن القوانينَ السبعة السابقة، أي قانونَ الربوبية، وقانونَ الكرم، وقانونَ الجمال، وقانون الرحمة، وقانون الحكمة وقانون العدل، وقانون العلم المحيط.. وأمثالها من القوانين العظمى، يلوّح كلّ منها من طرفٍ ما ينكشف منه، اسمَ اللّٰه الأعظم، وتجليا أعظم لذلك الاسم الأعظم. ويُفهم من ذلك التجلي: أن تحولات الذرات أيضا في هذه الدنيا -كسائر الموجودات- تجول حسب ما خطّه القدرُ الإلهي من حدود ووفق ما تعطيه القدرةُ الإلهية من
— 653 —
أوامر تكوينية، وعلى أساس ميزان علمي حساس، لأجل حِكَمٍ سامية، وكأنها تتهيأ للرحيل إلى عالم آخر أسمى!
(٭): لأنه ماثل أمامنا أن نشر نور الحياة بغزارة في هذا العالم الكثيف السفلي، وإيقاده بفعالية دائمة في منتهى الجود، حتى بث نور الحياة بكثرة هائلة في أخس المواد وأكثرها تعفنا، وصقل تلك المواد الكثيفة والخسيسة بنور الحياة وجعلها لطيفة.. تشير بما يقرب من الصراحة أن اللّٰه سبحانه وتعالى يذيب هذا العالم الكثيف الجامد ويجمّله ويلمّعه بحركات الذرات ونور الحياة ليهيئه إلى العالم الآخر الحي اللطيف السامي الطاهر، وكأنه يزيّنه للرحيل إلى عالم لطيف. فالذين لا يستوعبون بعقولهم الضيقة حشر البشر، لو نظروا بنور القرآن وبمرصاده لرأوا أن "قانون قيومية محيط" واضح رأي العين، يحشر جميع الذرات كحشر الجنود في الجيش ويتصرف فيها، كما هو مشاهد. (المؤلف).
ومن هنا عُدّت الأجسامُ الحية كأنها مدرسة، تتعلم فيها الذراتُ السائحة، ومعسكرُ تدريب، ومضيف تربوي لها، ويصح أن نحكم بحدس صادق أنها كذلك.
الحاصل: مثلما ذُكر في "الكلمة الأولى" وأثبت هناك: أن كل شيء يقول "بسم اللّٰه". فالذرة أيضا كجميع الموجودات وكل طائفة منها وكل جماعة من جماعاتها تقول بلسان الحال: "بسم اللّٰه" وتتحرك وفقها.
نعم، إن كل ذرة -بدلالة النقاط الثلاث المذكورة- تقول بلسان حالِها في مبدأ حركتها: بسم اللّٰه الرحمن الرحيم أي أتحرك باسم اللّٰه وبقوتِه وبحولِه وبإذنه وفي سبيله، ثم تقول -وكل طائفة منها- بعد إنهاء حركتها بمثل ما يقوله أي مخلوق كان بلسان حاله: الحمد للّٰه رب العالمين. فكلُّ ذرة تبدي نفسَها في حكم ريشة صغيرة لقلم القدرة الإلٰهية في تصويرِ كلِّ مخلوق بديع الذي هو بمثابة قصيدةِ ثناءٍ وحمدٍ للّٰه تعالى. بل كلّ ذرة تبين نفسَها في صورةِ طرفِ إبرةٍ لأذرع معنوية لا حدّ لها لحاكٍ رباني معظم، تدور الإبرة على اسطوانات -وهي المصنوعات الربانية- فتُنطقُها بقصائد ثناءٍ وحمدٍ ربانية، وتُنشدها أناشيدَ تسبيحات إلهية..
دعواهم فيها سبحانك اللّٰهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم ان الحمد للّٰه رب العالمين
سبحانك لا علم لنا إلّا ما علمتنا انك انت العليم الحكيم
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد اذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة انك انت الوهاب
اَللّٰهمَّ صَلِّ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلاَةً تَكُونُ لَكَ رِضَاءً وَلِحَقِّهِ أدَاءً وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَإِخْوَانِهِ وَسَلّم، وَسَلِّمْنَا وَسَلِّمْ دِينَنَا آمِينَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.
— 654 —

الكلمة الحادية والثلاثون

المعراج النبوي
نبيه:
إن مسألة المعراج نتيجة تترتب على أصولِ الإيمان وأركانه، فهي نور يستمد ضوءه من أنوار الأركان الإيمانية. فلا تُقام الحججُ لإثبات المعراج بالذات للملحدين المنكرين لأركان الإيمان، بل لا يُذكَر أصلا لمن لا يؤمن باللّٰه جلّ وعلا ولا يصدِّق بالرسول الكريم (ص) أو ينكر الملائكة والسماوات، إلّا بعد إثبات تلك الأركان لهم مُقَدما؛ لذا سنجعل المؤمنَ الذي ساوَرَتْه الشكوكُ والأوهامُ فاستبعد المعراجَ، موضعَ خطابنا، فنبيّن له ما يفيده ويشفيه بإذن اللّٰه. ولكن نلحظُ بين آونةٍ وأخرى ذلك الملحد الذي يترقّب في موضع الاستماع ونسرد له من الكلام أيضا ما يفيده.
ولقد ذُكِرَت لمعات من حقيقة المعراج في رسائل أخرى، فاستمددنا العنايةَ من اللّٰه سبحانه وتعالى -مع إصرار إخوتي الأحبة- على جمع تلك اللمعات المتفرقة وربطها مع أصل الحقيقة نفسِها لجعلها مرآةً تعكس دفعةً واحدة جمال كمالات الرسول الكريم (ص).
— 655 —
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
سُبحانَ الذي أسرى بعَبْده، ليلًا منَ المَسجِدِ الحَرَامِ اِلى المَسْجدِ الأقصا الذي باركْنَا حَولهُ لِنُريَهُ مِنْ اياتنا إنَّهُ هُوَ السَّمِيْعُ البَصِيرُ
(الإسراء:١)
إنْ هُوَ إلّا وَحْي يُوحَى٭ عَلَّمَهُ شَديدُ القُوى٭ ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى٭ وهو بالأفُقِ الأعلى٭ ثُمَّ دَنَا فَتَدَلّى٭ فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدنَى٭ فأوْحى إلى عَبْدِه مَا أوْحَى٭ ما كَذَبَ الفُؤادُ ما رأى٭ أفَتُمارونَهُ عَلَى مَا يَرى٭ وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةً اُخْرَى٭ عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهَى٭ عِندها جَنَّةُ المَأوَى٭ اِذْ يَغشى السّدْرَةَ ما يَغْشَى٭ ما زَاغَ البَصَرُ وَمَا طَغَى٭ لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبّهِ الكُبْرَى
(النجم:٤-١٨)
نذكر من الخزينة العظمى للآية الكريمة المتصدرة، رمزَين اثنين فقط، وهما رمزان يستندان إلى دستور بلاغي في ضمير إنَّهُ وذلك لعلاقتهما بمسألتنا هذه، بمثل ما بينّاهما في رسالة "المعجزات القرآنية".
إن القرآن الكريم يُختِم الآية المذكورة أعلاه بی إنَّهُ هُوَ السَّمِيْعُ البَصِيرُ وذلك بعد ذكره إسراء الرسول الحبيب (ص) من مبدأ المعراج، أي من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ومنتهاه الذي تشير إليه سورةُ النجم.
فالضميرُ في إنَّهُ إما أن يرجع إلى اللّٰه تعالى، أو إلى الرسول الكريم (ص). [٭]: انظر: هامش نكتة البلاغة التاسعة للنور الثاني من الشعلة الثانية للكلمة الخامسة والعشرين.
فإذا كان راجعا إلى الرسول (ص)، فإن قوانين البلاغة ومناسبة سياق الكلام تفيدان، بأن هذه السياحة الجزئية، فيها من السير العمومي والعروج الكلي بحيث إنه (ص) قد سَمِع وشاهَدَ كلَّ ما لاقى بَصَرُه وسمعُه من الآيات الربانية، وبدائعِ الصنعة الإلهية في أثناء ارتقائه في المراتب الكلية للأسماء الإلهية الحسنى البالغة إلى سدرة المنتهى، حتى كان قابَ قوسين أو أدنى. مما يدلّ على أن هذه السياحة الجزئية هي في حُكم مفتاحٍ لسياحةٍ كلّيةٍ جامعة لعجائب الصنعة الإلهية.
وإذا كان الضمير راجعا إلى اللّٰه سبحانه وتعالى، فالمعنى يكون عندئذٍ هكذا: إنه سبحانه وتعالى دعا عبدَه إلى حضوره والمثولِ بين يديه لينيطَ به مهمةً ويكلّفه بوظيفة، فأسريَ به من
— 656 —
المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي هو مجمعُ الأنبياء، وبعد إجراء اللقاء معهم وإظهاره بأنه الوارثُ المطلق لأصول أديانِ جميع الأنبياء. سَيَّره في جولةٍ ضمن مُلكه وسياحةٍ ضمن ملكوته، حتى أبلَغه سدرةَ المنتهى فكان قاب قوسين أو أدنى.
وهكذا فإن تلك السياحة أو السير، وإن كانت معراجا جزئيّا وأن الذي عُرِج به عبد، إلّا أن هذا العبد يحمل أمانةً عظيمةً تتعلق بجميع الكائنات، ومعه نور مبين يُنير الكائنات ويبدّل معنى ملامِحَها ويصبغها بصبغته، فضلا عن أن لديه مفتاحا يستطيع أن يفتح به باب السعادة الأبدية والنعيم المقيم.
فلأجل كلّ هذا يصف اللّٰه سبحانه وتعالى نفسَه بی إنَّهُ هُوَ السَّمِيْعُ البَصِيرُ كي يُظهِر أن في تلك الأمانة وفي ذلك النور وفي ذلك المفتاح، من الحِكَم السامية ما يشمل عمومَ الكائنات، ويعمّ جميعَ المخلوقات، ويحيط بالكون أجمع.
هذا وإن لهذا السر العظيم أربعة أسس:
أولها: ما سرُّ لزوم المعراج؟ ثانيها: ما حقيیقةُ المعراج؟ ثالثها: ما حیكمةُ المعراج؟ رابعها: ما ثمیراتُ المعراج وفوائده؟
الأساس الأول
سرُّ لزوم المعراج
يُقال مثلا: إنّ اللّٰه سبحانه وتعالى وهو المنیزّه عن الجسم والمكان أقربُ إلى كل شيءٍ من كل شيءٍ، كما تنصُّ عليه الآيةُ الكريمة:
ونحنُ أقربُ اليهِ من حَبلِ الوَريدِ
(ق:١٦) حتى يستطيع كلُّ وليّ من أولياء اللّٰه الصالحين أن يقابل ربَّه ويناجيه في قلبه... فلِمَ يوفَّق كلُّ وليٍّ إلى مناجاته سبحانه في قلبه بينما الولايةُ الأحمدية تُوفّق إليها بعد سيرٍ مديد وسياحة طويلة بالمعراج؟
الجواب: نقرّب هذا السرَّ الغامض إلى الفهم بذكرِ مثالَين اثنين، فاستمع إليهما، وهما مذكوران في الكلمة الثانية عشرة لدى بيان سرّ إعجاز القرآن وحكمة المعراج.
— 657 —
المثال الأول إن للسلطان نوعَين من المكالمة والمقابلة، وطرازين من الخطاب والكلام والتكريم والالتفات.
الأول: مكالمة خاصة بوساطة هاتفٍ خاص، مع أحد رعاياه من العوام، في أمرٍ جزئي يعود إلى حاجة خاصة له.
والآخر: مكالمة باسم السلطنة العظمى وبعنوان الخلافة الكبرى، وبصفة الحاكمية العامة؛ بأمرٍ رفيع كريم يُظهر عظمتَه ويبيّن هيبتَه، يقصد منها نشرَ أوامره السلطانية في الآفاق. فهي مكالمة تجري مع أحد مبعوثيه ممّن له علاقة مع تلك الأمور، أو مع أحدِ كبار موظفيه ممن له علاقة مع تلك الأوامر.
وهكذا بمثل هذا المثال -وللّٰه المثل الأعلى- فإن خلاق الكون ومالكَ الملك والملكوت، والحاكمَ الأزلي المطلق، له طرازان من المكالمة والالتفات والتكريم:
الأول: جزئي وخاص والآخر: كلّي وعام.
فالمعراج النبوي مظهر رفيع سامٍ للولاية الأحمدية ظهرَ بكليةٍ تفوقُ جميعَ الولايات وبرفعةٍ وعلوٍ يسمو عليها جميعا؛ إذ إنه تشرّف بمكالمةِ اللّٰه سبحانه وتعالى ومناجاتِه باسم رب العالمين وبعنوانِ خالق الموجودات.
المثال الثاني رجل يُمسك مرآةً تجاه الشمس. فالمرآة تلتقط، حسب سَعَتها، نورا وضياءً يحمل الألوان السبعة من الشمس. فيكون الرجل ذا علاقة مع الشمس بنسبة تلك المرآة، ويُمكنه أن يستفيد منها فيما إذا وجّهها إلى غرفته المظلمة أو إلى مَشتله الخاص الصغير المسقّف، بيدَ أن استفادته من الضوء تنحصر بمقدار قابلية المرآة على ما تعكسه من نور الشمس وليست بمقدار عِظَم الشمس.
بينما رجل آخر يَدَع المرآةَ، ويجابه الشمسَ مباشرة، ويشاهد هيبتَها ويُدرك عظمتها، ثم يصعد على جبل عال جدّا وينظر إلى شعشعة سلطانِها الواسع المهيب، ويقابلها بالذات دون
— 658 —
حجاب. ثم يیرجع ويفتح من بيته الصغير أو من مشتله المسقّف الخاص نوافذَ واسعةً نحو الشمس وهي في أعالي السماء، فيُجري حوارا مع الضياء الدائم للشمس الحقيقية، ويناجيها.
وهكذا يستطيع هذا الرجل أن يقوم بهذه المقابلة والمحاورة المؤنسة المكللة بالشكر والامتنان، ويناجي الشمس قائلا: "إيهِ يا شمسُ! يا من تربعتِ على عرش جمال العالم! يا لطيفةَ السماء وزهراءها! يا من أضفَيت على الأرض بهجةً ونورا ومنحتِ الأزهارَ ابتسامةً وسرورا! لقد منحتِ الدفء والنور معا لبيتي ومشتلي الصغير كما وهبتِ النورَ للدنيا والدفء للأرض" بينما صاحبُ المرآة السابق لا يستطيع أن يناجي الشمسَ ويحاورَها بمثل هذه المحاورة، إذ إنّ آثار ضوء الشمس محددة بحدود المرآة وقيودِها، ومحصورة بحسب قابلية المرآة واستيعابِها للضوء.
وهكذا يَظهر تجلي ذات اللّٰه الأحد الصمد جلّ جلالُه، وهو نورُ السماوات والأرض وسلطانُ الأزل والأبد على الماهية الإنسانية بصورتين، تتضمنان مراتبَ لا حدّ لها.
الصورة الأولى: ظهور في مرآة القلب برباط رباني وانتسابٍ إليه، بحيث إن لكلِّ إنسان حظوة مع ذلك النور الأزلي، وله محاورة ومناجاة معه، سواء كانت جزئيةً أم كليةً، حسب استعداده ووفقَ تجليات الأسماء والصفات، وذلك في سيره وسلوكه لدى طيِّه المراتب. فدرجاتُ الغالبية العظمى للولايات السائرة في ظلال الأسماء الحسنى والصفات الجليلة ومراتبها نابعة من هذا القسم.
الصورة الثانية: تجلٍّ أعظم للّٰه سبحانه لأسمى فردٍ في نوع البشر وأفضلِهم طرا، تجليا بذاته جلّ وعلا وبأعظم مرتبةٍ من مراتب أسمائه الحسنى؛ لكون الإنسان قادرا على إظهار تجليات الأسماء الحسنى المتظاهرة في الوجود كافة دفعةً واحدة في مرآةِ روحِه، إذ هو أنورُ ثمرات شجرةِ الكائنات وأجمعُها من حيث الصفات والاستعدادات.
إن هذا التجلي هو سرُّ المعراج الأحمدي، بحيث تكون ولايتُه مبدأً لرسالته. الولايةُ التي تسير في الظل وتمضي فيه، كالرجل الأول في المثال الثاني، بينما لا ظلَّ في الرسالة، بل تتوجه إلى أحدية الذات الجليلة مباشرةً، كالرجل الثاني في المثال الثاني. أما المعراجُ فلأنه كرامة كبرى للولاية الأحمدية ومرتبتُها العليا، فقد ارتقت وانقلبت إلى مرتبة الرسالة.
— 659 —
فباطنُ المعراج ولاية؛ إذ قد عرج من الخَلق إلى الحق سبحانه وتعالى. وظاهرُ المعراج رسالة؛ إذ يأتي من الحق سبحانه وتعالى إلى الخَلق أجمعين. فالولايةُ سلوك في مراتب القربِ إلى اللّٰه، وهي بحاجة إلى زمانٍ وإلى طيّ مراتبَ كثيرة. أما الرسالةُ التي هي أعظمُ نور، فهي متوجهة إلى انكشاف سر الأقربية الإلهية؛ الذي تكفيه لحظة خاطفة وآن سيّال. ولهذا وردَ في الحديث الشريف ما يفيد أنه رجع في الحال.
والآن نوجّه كلامَنا إلى ذلك الملحد الجالس في مقام الاستماع، فنقول: مادام هذا العالمُ شبيها بمملكةٍ في غاية الانتظام، وبمدينةٍ في غاية التناسق، وبقصرٍ في غاية الزينة والجمال، فلابد أنّ له حاكما، مالكا، صانعا. وحيث إن ذلك المالكَ الجليل والحاكم الكامل والصانع الجميل موجود، وهناك إنسان ذو نظرٍ كلّي وذو علاقة عامة بحواسِّه ومشاعِره مع ذلك العالم، وتلك المملكة وذلك القصر.. فلابد أنّ ذلك الصانع الجليل ستكون له علاقة سامية قوية، مع هذا الإنسان المالك للنظر الكلي والمشاعر العامة، ولاشك أنه سيكون له معه خطاب قدسي وتوجّه علوي.
وحيث إن محمدا النبي الأمين (ص) قد أظهر تلك العلاقة السامية، من بين مَن تشرّفوا بها منذ زمن سيدنا آدم عليه السلام، بأعظم صورة وأجلاها، بشهادة آثاره، أي بحاكميته على نصف المعمورة وخُمس البشر، وتبديله الملامح المعنوية للكائنات وتنويره لها.. لذا فهو أليَقُ وأجدرُ مَن يتشرف بالمعراج الذي يمثل أعظمَ مرتبةٍ من مراتب تلك العلاقة.
الأساس الثاني
ما حقيقة المعراج؟
الجواب: إنها عبارة عن سير الذات الأحمدي وسلوكه (ص) في مراتب الكمالات.
وهذا يعنى أن آياتِ الربوبية وآثارَها التي جلّاها سبحانه وتعالى في تنظيم المخلوقات، بأسماءٍ وعناوينَ مختلفة، وأظهرَ عظمةَ ربوبيته بالإيجاد والتدبير في سماء كل دائرة من الدوائر التي أبدعها، كلُّ سماءٍ مدار عظيم لعرشِ الربوبية ومركز جليل لتصرف الألوهية.. هذه
— 660 —
الآيات الكبرى والآثار الجليلة أطْلعَها سبحانه وتعالى واحدةً واحدةً لذلك العبد المخصّص المختار، فَعَلا به البُراق وقطعَ به المراتبَ كالبرق من دائرةٍ إلى دائرة، ومن منیزلٍ إلى منیزل، كمنازل القمر، ليُريَه ربوبيةَ ألوهيته في السماوات، ويقابله بإخوانه الأنبياء فردا فردا، كلّا في مقامه في تلك السماوات، حتى عَرج به إلى مقام "قابَ قوسییییين"، فشرّفَه بالأحديییة، بكلامه وبرؤيته؛ ليجعل ذلك العبدَ عبدا جامعا لجميع الكمالات الإنسانية، نائلا جميعَ التجليات الإلهية، شاهدا على جميع طبقات الكائنات، داعيا إلى سلطان الربوبية، مبلّغا للمرضيات الإلهية، كشّافا لطلسم الكائنات.
هذه الحقيقة الرفيعة يمكن رؤيتُها من خلال مثالين اثنين:
المثال الأول: وقد أوضحناه في "الكلمة الرابعة والعشرين"، وهو أن للسلطان عناوينَ مختلفةً في دوائر حكومته، وأوصافا متباينةً ضمن طبقات رعاياه، وأسماءً وعلاماتٍ متنوعة في مراتب سلطنته، فمثلا: له اسمُ الحاكم العادل في دوائر العدل، وعنوانُ السلطان في الدوائر المدنية، بينما له اسمُ القائد العام في الدوائر العسكرية وعنوانُ الخليفة في الدوائر الشرعية.. وهكذا له سائرُ الأسماء والعناوين.. فله في كلِّ دائرة من دوائر دولته مقام وكرسي بمثابة عرشٍ معنوي له؛ وعليه يمكن أن يكون ذلك السلطانُ الفرد مالكا لألف اسمٍ واسم في دوائر تلك السلطنة وفي مراتب طبقات الحكومة؛ أي يمكن أن يكونَ له ألفُ عرشٍ وعرش من العروش المتداخل بعضُها في بعض، حتى كأن ذلك الحاكمَ موجود وحاضر في كل دائرة من دوائر دولته.. ويعلمُ ما يجري فيها بشخصيته المعنوية، وهاتِفه الخاص. ويُشاهَد ويَشْهَد في كل طبقةٍ من الطبقات بقانونِه ونظامِه وبممثليه.. ويراقبُ ويديرُ من وراء الحجاب كلَّ مرتبةٍ من المراتب بحكمتِه وبعلمِه وبقوته.. فلكلِّ دائرةٍ مركز يخصّها وموقع خاص بها، أحكامُه مختلفة، طبقاتُه متغايرة.
فمثل هذا السلطان يُسَيّیرُ مَن يريدُه ويختاره في جولةٍ واسعة يجوبُ فيها جميعَ دوائر تلك السلطنة مُشْهِدا إياه هيبةَ دولته وعظمةَ سلطانه في كل دائرة منها، مُطْلِعا إياه على أوامره الحكيمة التي تخص كلَّ دائرة، سائرا به من دائرةٍ إلى دائرة من طبقةٍ إلى طبقة، حتى يُبلغه مقامَ حضوره، ومن بعد ذلك يُرسِلُه مبعوثا إلى الناس، مُودِعا إياه بعضَ أوامره الكلية العامة المتعلقة بجميع تلك الدوائر.
— 661 —
وهكذا ننظر بمنظار هذا المثال فنقول: إنّ رب العالمين وهو سلطانُ الأزل والأبد، له ضمن مراتبِ ربوبيته شؤون وعناوينُ مختلفة، لكن يتناظر بعضُها مع بعض.. وله ضمن دوائر ألوهيته علامات وأسماء متغايرة، لكن يُشاهَد بعضُها في بعضٍ.. وله ضمن إجراءاته العظيمة تجليات وجلوات متباينة، لكن يشابه بعضُها بعضا.. وله ضمن تصرفات قدرته عناوينُ متنوعة، لكن يُشعر بعضها ببعض.. وله ضمن تجليات صفاته مظاهرُ مقدسة متفاوته، لكن يُظهر بعضُها بعضا.. وله ضمن تجليات أفعاله تصرفات متباينة، لكن تكمّل الواحدةُ الأخرى.. وله ضمن صنعته ومصنوعاته ربوبية مهيبة متغايرة، لكن تلحظُ إحداها الأخرى.
فبناءً على هذا السر العظيم، فقد نظّم سبحانه الكونَ وفق ترتيبٍ مُذهل يبعث على الحيرةِ والإعجاب؛ إذ من الذرات التي تُعَدُّ أصغر طبقات المخلوقات إلى السماوات.. ومن أولى طبقاتِها إلى العرش الأعظم، سماواتٌ مبنيّة بعضُها فوق بعض، كلُّ سماءٍ هي في حكم سقفٍ لعالَم آخر، وبمثابة عرشٍ للربوبية ومركز للتصّرفات الإلهية.
ومع أنه يمكن أن تتجلى جميعُ الأسماء بجميع العناوين في تلك الدوائر وفي الطبقات باعتبار الأحدية، إلّا أنه مثلما يكون عنوانُ الحاكم العادل هو المستوليَ والأصلَ في دائرة العدلية، وسائرُ العناوين تابعةً له ناظرةً إلى أمره، كذلك -وللّٰه المثل الأعلى- هناك اسم إلهي وعنوان إلهي هو الحاكم المهيمن في كل طبقة من طبقات المخلوقات وفي كل سماء منها، وتكون سائرُ العناوين ضمنه.
فمثلا: في أي سماءٍ قابلَ سيدُنا عيسى عليه السلام المتشرفُ باسم "القدير"، سيدَنا الرسول (ص)، فاللّٰه سبحانه وتعالى متجلٍّ في دائرة تلك السماء بالذات بعنوان "القدير".
ومثلا: إن عنوان "المتكلم" الذي تشرّف به سيدُنا موسى عليه السلام هو المهيمن على دائرة السماء التي هي مقام سيدنا موسى عليه السلام.
وهكذا فالرسول الأعظم (ص)، لأنهُ قد حظيَ بالاسم الأعظم، ولأن نبوتَه عامة شاملة، وقد نال جميعَ تجليات الأسماء الحسنى، فإن له علاقة إذن مع جميع دوائر الربوبية..فلابد أنّ حقيقة معراجِه تقتضي مقابلتَه الأنبياءَ وهم ذوو مقام في تلك الدوائر، ومرورَه من جميع الطبقات.
— 662 —
المثال الثاني: إنّ عنوان "القائد الأعظم" الذي هو من عناوين السلطان، له ظهور وجلوة في كلِّ دائرة من الدوائر العسكرية ابتداءً من دائرة القائد العام ورئاسة الأركان -تلك الدائرة الواسعة الكلية- إلى دائرة العريف، وهي الدائرة الجزئية الخاصة.
فمثلا: إن الجنديَّ الفرد يرى نموذجَ القيادة العظمى ومثالَها في شخص العريف، فيتوجّه إليه ويتلقى الأوامر منه. وحالما يكون عريفا يجد عنوانَ تلك القيادة في دائرة رئيسه، رئيس العرفاء فيتوجه إليها. ثم إذا أصبح رئيسا للعرفاء يرى نموذجَ القيادة العامة وجلوتَها في دائرة الملازم. فلها كرسي خاص في ذلك المقام.. وهكذا يَرى عنوان تلك القيادة العظمى في كل دائرة من دوائر النقيب والرائد والفريق والمشير حسب سعة الدائرة وضيقها.
والآن إذا أراد ذلك القائد الأعظم إناطةَ وظيفةٍ تتعلق بجميع الدوائر العسكرية بجندي فرد، وأراد ترقيته إلى مقامٍ رفيع، يشاهَد من قِبَل كلِّ تلك الدوائر ويشهَدها جميعا، كأنه الناظرُ والمشرفُ عليها، فإنه، (أي القائد الأعظم) سيُسلك بلا شك ذلك الجندي الفرد ويسيّرُه ضمن تلك الدوائر كلِّها ابتداءً من دائرة العريف وانتهاء إلى دائرته العظمى، دائرةً فدائرة، كي يشهَدها ويشاهَد منها. ثم يقبَله في مقامِ حضوره ويشرّفه بكلامه ويُكرمه بأوامره وأوسمته، ثم يرسله إلى حيث جاء منه في آنٍ واحد وفي اللحظة نفسها.
ينبغي أن نلفت النظر إلى نقطة في هذا المثال وهي: إن لم يكن السلطانُ عاجزا، له مقدرة روحية معنوية كما له قوة ظاهرة، فإنه لا يوكّل أشخاصا أمثال الفريق والمشير والملازم، وإنما يحضُر بذاته في كل مكان، فيُصدر الأوامر بنفسه مباشرةً متسترا ببعض الأستار، ومن وراء أشخاص ذوي مقام، كما يروى أن سلاطين كانوا أولياء كاملين قد نفّذوا أوامرَهم في دوائر كثيرة في صورة بعض الأشخاص.
أما الحقيقةُ التي ننظر إليها بمنظار هذا المثال فهي أن الأمرَ والحُكم يأتي مباشرةً من القائد العام إلى كل دائرة من الدوائر، وينفَّذ هناك بأمرِه وإرادتِه وقوته؛ حيث لا عجز فيه.
وهكذا على غرار هذا المثال: ففي كل طبقةٍ من طبقات المخلوقات وطوائفِ الموجودات، من الذرات إلى السيارات ومن الحشرات إلى السماوات، التي تجري فيها وتنفَّذ بكمال الطاعة
— 663 —
والامتثال أوامرَ سلطان الأزل والأبد وشؤون حاكم الأرض والسماوات، الآمر المطلق المالك لأمرِ كن فيكون .. تُشاهَد، في كل منها، دائرةُ ربوبيةٍ جليلة وطبقةُ حاكمية مهيمنة، بطبقاتٍ متنوعة وطوائفَ متباينة، صغيرةٍ وكبيرة، جزئيةٍ وكلية، متوجهة كل منها إلى الأخرى.
فلأجل فهم جميعِ المقاصد الإلهية العليا والنتائجِ العظمى المندرجة في الكون.. من خلال مشاهدة وظائفِ عبوديةٍ متنوعة لجميع الطبقات.. ولإدراكِ ما يُرضي ذا العظمة والكبرياء، برؤيةِ سلطان ربوبيته الجليلة وهيبةِ حاكميته العزيزة.. ولأجل أن يكون داعيا إلى اللّٰه سبحانه تعالى.. لابد أن يكون هناك سير في تلك الطبقات، وسلوك في تلك الدوائر، إلى أن يدخل في العرش الأعظم الذي هو عنوانُ دائرته العظمى سبحانه وتعالى، ويدخل في قاب قوسين أي يدخل في مقامٍ بين "الإمكان والوجوب" المشار إليه بی"قاب قوسين"، ويقابل الذات الجليلة الجميلة.
فهذا السير والسلوك والمقابلة هو حقيقةُ المعراج.
وكما يحصل لكل إنسان سَرَيان بعقله في سرعة الخيال، ولكلِّ وليّ جَوَلان بقلبه في سرعة البرق، ولكل مَلَكٍ دَوَران بجسمه النوراني في سرعة الروح، من العرش إلى الفرش ومن الفرش إلى العرش، ولأهل الجنة عروج في سرعة البُراق، من ميدان الحشر إلى الجنة والى ما يزيد على بُعد خمسمائة سنة.. فإن الجسمَ المحمدي (ص) الذي هو مخزنُ أجهزته السامية ومدارُ وظائفَ لا تحدّ لروحه العالية، سيرافق تلك الروحَ المحمدية التي هي نور، وفي قابلية النور، وألطفُ من قلوب الأولياء، وأرقُّ من أرواح الأموات، وأشفُّ من أجسام الملائكة، وأكثرُ ظرافة من الجسد النجمي والبدن المثالي.. سيرافقها حتما وسيعرُج معها إلى العرش الأعظم..
والآن لننظر إلى الملحد الذي هو في مقام الاستماع..
فيرد على البال أن ذلك الملحد يقول في قلبه: أنا لا أؤمن باللّٰه، ولا أعرف الرسول، فكيف أصدّق بالمعراج؟
ونحن نقول له: ما دامت هذه الكائناتُ موجودةً فعلا، وتُشاهَد فيها أفعال وإيجاد.. وأن الفعلَ المنتظم لا يكون بلا فاعل، والكتابَ البليغ لا يكون بلا كاتب، والنقشَ البديع
— 664 —
لا يكون بلا نقّاش.. فلابد من فاعلٍ لهذه الأفعال الحكيمة المالئة للكائنات، ولابد من نقاشٍ وكاتبٍ لهذه النقوش البديعة والرسائل البليغة التي تملأ وجه الأرض وتتجدد كلَّ موسم وموسم.. وحيث إن وجودَ حاكمَين في أمرٍ ما يُفسد نظامَ ذلك الشيء.. وأنّ هناك انتظاما كاملا وتناسقا تاما، من جناح الذباب إلى قناديل السماوات.. إذن فإن ذلك الحاكم واحد أحد؛ لأن الصنعةَ والحكمةَ في كل شيء هما من الإبداع والإتقان بحيث يلزم أن يكون صانعُ ذلك الشيء قديرا مطلقا، مقتدرا على كل شيء وعليما بكل شيء. إذ لو لم يكن واحدا لَلَزم وجودُ آلهة بعدد الموجودات، ولغدا كلُّ إلهٍ ضد الآخر ومثلَه! وعندئذٍ يكون بقاءُ هذا النظام دون فساد محالا في ألف محال!
ثم إن طبقات هذه الموجودات لما كانت أكثر انتظاما وطاعةً للأوامر بألف مرة من جيش منظّم، كما هو مشاهَد بالبداهة؛ إذ إن كل انتظام من انتظام حركات النجوم والشمس والقمر إلى انتظام أزهار اللوز.. يبدي انتظاما بديعا وكاملا فيما منحه القديرُ الأزلي من شارات وأوسمة وألبَسها من لباس قشيب، وعيّن لها من حركات وأعمال، يفوق ما يبديه الجيشُ من نظام وطاعة ألف ألف مرة.. لذا فلهذه الكائنات حاكم مطلق الحكمة محتجب وراء الغيب، تترقبُ موجوداتُها أوامرَه لتمتثل بها.
ومادام ذلك الحاكمُ المطلق سلطانا ذا جلال، بشهادة جميع إجراءاته الحكيمة، وبما يُظهره من آثار جليلة.. وربا رحيما واسع الرحمة، بما يُبديه من آلاء وإحسانات.. وصانعا بديعا يحبّ صنعتَه كثيرا، بما عرضه من مصنوعات بديعة.. وخالقا حكيما يريد إثارة إعجاب ذوي الشعور وجلب استحسانهم، بما نشره من تزيينات جميلة وصنائع رائعة.. ويُفهم مما أبدعه من جمال يأخذ بالألباب في خلق العالم أنه يريد إعلامَ ذوي الشعور من مخلوقاته: ما المقصود من هذه التزيينات؟ ومن أين تأتي المخلوقات وإلى أين المصير؟.. فلا ريب أن هذا الحاكم الحكيم والصانع العليم سيُظهر ربوبيته الجليلة.
وحيث إنه يريد تعريف نفسِه ويحبّبها إلى ذوي الشعور؛ بما أظهره من آثار اللطف والرحمة، وبما بثّ من بدائع الصنعة.. فلا شك أنه سيُخبر بوساطة مبلّغ أمين، ما يُريده من ذوي الشعور، وبمَ يرضى عنهم؟ وعليه فيُعلن حتما ربوبيتَه بوساطة مَن يخصصه من ذوي
— 665 —
الشعور.. ويشرّف داعيا منهم بقرب حضوره، جاعلا منه واسطة إعلان عن مصنوعاته المحبوبة لديه.. وسيعيّن معلّما يُظهر كمالاتِه بتعليم مقاصده العليا إلى سائر ذوي الشعور.. وسيعيّن مرشدا يدلّ على مغزى الموجودات كيلا يبقى ما أدرج في هذا الكون من طلسم دون كشف، وما أخفى في هذه الموجودات من شؤون الربوبية دون معنى.. وسيعيّن رائدا يُعَلِّمُ مقاصدَهُ كيلا يبقى عبثا دون نفع ما أظهره من محاسن الصنعة، أو نشره أمام الأنظار.. وسيَرفع أحدَهم ويعرُجُ به إلى مقامٍ أعلى من جميع ذوي الشعور ويُعَلّمُهُ مرضياتِهِ ويُرْسِلُهُ إليهم.
فما دامت الحقيقة والحكمة تقتضيان هذا، فإن أليَقَ وأجدرَ مَن يوفي حقَّ هذه الوظائف هو محمد (ص) فلقد أدّى تلك الوظائف فعلا بأكمل صورة.. والشاهدُ العدل الصادق على ذلك هو ما أسس من عالم الإسلام وما أظهره من نور الإسلام المبين. لذا فلأجل ما سبق يلزم أن يعرجَ ويعلوَ بهذا النبي الكريم (ص) علوا مباشرا إلى مقام رفيع يسمو على جميع الكائنات ويتجاوز جميع الموجودات، كي يحظى بالمثول بين يدي رب العالمين.
فالمعراج يفيد هذه الحقيقة.
حاصل الكلام: إنّ الحكيم المطلق قد زيّن هذه الكائنات العظيمة ونظّمها إظهارا لأمثال هذه المقاصد العظمى والغايات الجليلة.. وإن في هذه الموجودات نوعَ الإنسان الذي يستطيع أن يشاهِد هذه الربوبية العامة بجميعِ دقائقها، وهذه الألوهية الجليلة بجميع حقائقها.. فلا ريب أن ذلك الحكيم المطلق سيتكلم مع الإنسان وسيُعْلِمُه مقاصدَه.
وحيث إن كلَّ إنسان لا يستطيع أن يرقى إلى أعلى مقام كلّي متجردا من الجزئية والسفلية، فلا جرم أن بعضا من أفرادٍ خواص من بين أولئك الناس سيكلَّف بتلك الوظيفة، ليكون ذا علاقة مع جهتين معا، أي يكون إنسانا ليعلِّم الناس، وفي الوقت نفسه يكون ذا روحٍ في غاية السمو ليحظى بشرف الخطاب الإلهي مباشرة.
وبعد، فلأن أفضل مَن بلّغ مقاصدَ رب العالمين من بين البشر، وكشف طلسمَها وحلّ لغزَ الخلق، وأكملَ مَن دعا إلى عظمة محاسن الربوبية هو محمد (ص)، فلا ريب أن سيكون له من بين البشر سير وسلوك معنوي سام، بحيث يكون له معراجا في صورة سير وسياحة في العالم
— 666 —
الجسماني، وسيقطع المراتب إلى ما وراء طبقات الموجودات وبرزخ الأسماء وتجلى الصفات والأفعال المعبّر عنها بسبعين ألف حجاب. [٭]: سبق تخريجه في الأساس الرابع من الكلمة الثانية عشرة.
فهذا هو المعراج.
ويرد على البال أيضا أنك أيها المستمع تقول من أعماق قلبك: إن ربا هو أقرب إلينا من كل شيء، ماذا يعني المثول بين يديه بعد قطع مسافة ألوف السنين والمرور من سبعين ألف حجاب؟ كيف أعتقد بهذا؟
ونحن نقول: إن اللّٰه سبحانه وتعالى أقربُ إلى كل شيء من كل شيء، إلّا أن كلَّ شيء بعيد عنه بُعدا مطلقا؛ فلو فرضنا أن للشمس شعورا وكلاما، فإنها تستطيع أن تتكلم معك بالمرآة التي في يدك، وتتصرف فيك بما تشاء. فبينما هي أقربُ إليك من بؤبؤ عينك الشبيهة بالمرآة، فأنت بعيد عنها بأربعة آلاف سنة تقريبا. ولا يمكنك التقرب إليها بحال من الأحوال. حتى لو ترقّيت إلى مقام القمر، وعلوتَ إلى نقطة مقابلة لها مباشرة، فلا تكون سوى ما يشبه مرآة عاكسة لها.
وهكذا فإن اللّٰه جل جلالُه وهو شمسُ الأزل والأبد -وللّٰه المثل الأعلى- أقربُ إلى كل شيء من كل شيء، مع أن كلَّ شيءٍ بعيد عنه بعدا مطلقا. إلّا مَن يقطع جميع الموجودات، ويتخلص من الجزئية ويرتقى في مراتب الكلية متدرجا في مرتبة من بعد مرتبة ويمضي عبر آلاف الحجب ويتقرب إلى اسمٍ محيط بالموجودات كلها، فيقطع مراتب كثيرة أمامه، ثم بعد ذلك يتشرف بنوع من القرب.
ومثال آخر: إن الجندي الفرد بعيد جدّا عن الشخصية المعنوية للقائد الأعظم، فهو ينظر إلى قائده من مسافة في غاية البُعد ومن خلال حُجب معنوية كثيرة، فيراه في نموذج مصغّر في مرتبة العريف. أما الرغبة بالقرب الحقيقي من الشخصية المعنوية للقائد الأعظم، فيلزمه ذلك المضي في مراتبَ كلّية كثيرة كمراتب الملازم والنقيب والرائد وهكذا. بينما القائد الأعظم موجود عنده ويراه بأمره وقانونه ومراقبته وحكمه وعلمه، وهو موجود بذاته إزاءه إن كان قائدا في المعنى -والروح- كما هو في الصورة والظاهر.
— 667 —
ولما كانت هذه الحقيقة قد أثبتت إثباتا قاطعا في "الكلمة السادسة عشرة" نكتفي هنا بهذا القدر المختصر.
ويرد على البال أيضا أنك تقول من قلبك: إنني أنكر وجود السماوات ولا أؤمن بالملائكة، فكيف أصدّق سيرَ إنسان وتجواله في السماوات ومقابلته الملائكة؟
نعم، لا شك أن إراءة شيء وإفهامَ أمرٍ إلى مَن كان مثلك وقد أُسدلَت الغشاوةُ على بصره وانحدر عقلُه إلى عينه فلم يعُد يرى إلّا المادة، شيء صعب وعسير. ولكن لشدة نصاعةِ الحق ووضوحه يراه حتى العميان.
لذا نقول: إنه من المتفق عليه أن الفضاء العلوي مملوء بی"الأثير". فالضوء والكهرباء والحرارة وأمثالُها من السيالات اللطيفة دليل على وجود مادة مالئة للفضاء.
فكما تدل الثمراتُ على شجرتها، والأزهارُ على روضتها، والسنابل على مزرعتها، والأسماك على بحرها بالبداهة، فهذه النجومُ أيضا تقتحم عيونَ العقول دالةً بالضرورة على وجود روضتِها ومَنشَئِها ومزرعتها وبحرها.
فما دام العالم العلوي مبنيا بأشكال متنوعة، كل منها يبين أحكاما مختلفة في أوضاع مختلفة، فإنّ منشأ تلك الأحكام، أي السماوات، مختلفة أيضا بعضُها عن بعض؛ إذ كما أن في الإنسان أنماطا من وجود معنوي، عدا الجسم المادي، كالعقل والقلب والروح والخيال والحافظة وغيرها، ففي العالم أيضا الذي هو على صورة إنسان أكبر، وفي الكائنات التي هي شجرةُ ثمرة الإنسان، عوالمُ أخرى سوى العالم الجسماني، فضلا عن أن لكل عالَمٍ من العوالم سماءه ابتداءً من عالم الأرض حتى عالم الجنة.
ونقول بمناسبة الملائكة: إن الأرض وهي من السيارات المتوسطة الحجم وصغيرة وكثيفة بالنسبة للنجوم، إن كانت مليئةً بما لا يعد ولا يحصى من أنماط الحياة والشعور، وهما أثمن شيء في الموجودات وأنورها، فكيف بالسماوات التي هي بحار واسعة تسبح فيها نجوم كأنها عمارات مزدانة وقصور شاهقة بالنسبة للأرض التي هي بيت مظلم صغير؟
إذن فالسماواتُ مساكنُ ذوي شعورٍ وذوي حياةٍ، وبأجناس متنوعة وبأعداد لا
— 668 —
تعد ولا تحصى، وهم الملائكة والروحانيات. وحيث إننا أثبتنا إثباتا قاطعا وجود السماوات وتعددها في تفسيرنا المسمى بی"إشارات الإعجاز في مظان الإيجاز" وذلك في تفسير قوله تعالى: ثم استوى الى السماء فَسوّيهُن سَبْعَ سمواتٍ (البقرة:٢٩) وكذا أثبتنا وجود الملائكة إثباتا لا يدنو منه الشك في "الكلمة التاسعة والعشرين"، نوجز هنا البحث ونحيله إلى تلكما الرسالتين.
الحاصل: إن وجود السماوات التي قد سوّيت من الأثير وأصبحت مسَار الضوء والحرارة والجاذبية وأمثالِها من السيالات اللطيفة، وظلت ملائمةً لحركات النجوم والكواكب السيارة كما أشار إليها الحديث الشريف "السماء موج مكفوف" [٭]: أحمد بن حنبل، المسند ٢/٣٧٠؛ الترمذي، تفسير سورة الحديد ١؛ الطبراني، المعجم الأوسط ٦/١٥. قد أخذت أوضاعا مختلفة وأشكالا متباينة، من درب التبانة (المسمى بمجرة السماء) إلى أقرب كوكب سيار إلينا، في سبع طبقات، كلّ منها بحكم سقف لعالم آخر، من عالم الأرض إلى عالم البرزخ إلى عالم المثال، وإلى عالم الآخرة.. هكذا تقتضي الحكمة ومنطق العقل.
ويرد على البال أيضا: أيها الملحد! أنت تقول: إننا لا نصعد بالطائرة إلى الأعالي إلّا بشق الأنفس ونصل بصعوبة بالغة إلى مسافة بضع كيلومترات، فكيف يمكن لإنسان أن يقطع بجسمه مسافةَ ألوف السنين ثم يعود إلى حيث أتى في بضع دقائق؟!
ونحن نقول: إن جسما ثقيلا كالأرض يقطع في الدقيقة الواحدة مسافةَ ثمانٍ وثمانينَ ومائة ساعة تقريبا بحركته السنوية، حسب ما توصلتم إليه من علم. أي تقطع الأرضُ مسافة خمسٍ وعشرين ألف سنة في السنة الواحدة! أليس قادرا يا ترى ذلك القديرُ ذو الجلال الذي يسيّر هذه الأرض بهذه الحركات المنتظمة الدقيقة على أن يأتي بإنسان إلى العرش؟ وألا تستطيع تلك الحكمةُ التي تُجري الأرض الثقيلة -كالمريد المولوي- بقانون رباني يُطلَق عليه اسم جاذبية الشمس، أن ترقى بجسم إنسانٍ إلى عرش الرحمن كالبرق، بجاذبة رحمةِ الرحمن وبانجذاب محبةِ نور السماوات والأرض؟
ويرد على البال أيضا أنك تقول: هب أنه يستطيع أن يرقى ويعرج إلى السماء، ولكن لماذا عُرج به؟ وأي ضرورة للعروج؟ أما كان يكفيه أن يعرج بقلبِه وروحِه كما يفعله الأولياء الصالحون؟
— 669 —
ونحن نقول: ما دام الصانع الجليل قد أراد إظهار آياته الكبرى له (ص) في مُلكه وملكوته، وأراد إطْلاعه على منابع ومصانع هذا العالم، وأراد إراءته النتائج الأخروية لأعمال البشر.. فلا شك في أن يصحب معه إلى العرش، بصَرَه الذي هو في حُكم مفتاح لعالم الیمُبصرات، وسمعَه الذي يطّلع به على آيات عالم المسموعات. كما أنّ من مقتضى العقل والحكمة أن يصحب معه إلى العرش جسمَه المبارك أيضا الذي هو في حكم ماكنة آلاتٍ وأجهزةٍ تدور عليها وظائفُ روحه التي لا تحد. إذ كما تجعل الحكمةُ الإلهية الجسمَ رفيقا للروح في الجنة، حيث الجسد مناطُ كثيرٍ من وظائف العبودية وما لا يحد من اللذائذ والآلام، فلابد أن ذلك الجسد المبارك سيرافق الروحَ. وحيث إن الجسم يدخل الجنة مع الروح، فإنه من محض الحكمة أيضا جعل جسدِه المبارك رفيقا للذات المحمدي (ص) الذي عُرج به إلى سدرة المنتهى التي هي جسدُ جنةِ المأوى.
ويرد على البال أيضا أنك تقول: إنه محال عقلا قطعُ مسافة ألوف السنين، في بضع دقائق؟
ونحن نقول: إن الحركات فيما صنعه الصانع الجليل في غاية الاختلاف والتباين؛ فمثلا: إن مدى اختلاف سرعة الصوت والضوء والكهرباء والروح والخيال معلوم لدينا. فسرعةُ الكواكب السيارة أيضا -كما هو معلوم علميا- فيها من الاختلاف ما يحير العقول. فكيف تبدو حركةُ جسمِه اللطيف (ص) الذي اكتسب بالعروج سرعةً، فتبع روحَه السامية، تلك الحركة السريعة سرعةَ الروح مخالفة للعقل؟
فأنت بنفسك إذا نمتَ عشر دقائق، تتعرض إلى حالات قد لا تتعرض لها في اليقظة في سنة. حتى إن ما يراه الإنسانُ في الرؤيا في دقيقة واحدة وما يسمع فيها من كلام وما ينطق به من أقوال إذا ما جُمِعَ وضُم بعضُه إلى بعض فإنه يلزمه مدة يوم أو أكثر في عالم اليقظة. فالزمان الواحد إذن بالنسبة لشخصين، يمكن أن يكون في حكم يومٍ واحد لأحدهما وسنةٍ واحدة للآخر.
فانظر إلى هذا المعنى بمنظار هذا المثال: لنفترض وجودَ ساعةٍ لقياس سرعة حركات الإنسان والطلقة والصوت والضوء والكهرباء والروح والخيال. وفي هذه الساعة عقارب،
— 670 —
عقرب يعدّ الساعات، وآخرُ يعدّ الدقائق في دائرة أوسع من الأولى ستين مرة، وعقرب آخر يعدّ الثواني في دائرة أوسع من هذه ستين مرة، وآخر يعدّ الثوالث في دائرة أوسع من هذه ستين مرة.. وهكذا عقاربُ الروابع والخوامس والسوادس والسوابع والثوامن والتواسع والعواشر. أي تكون للساعة عقارب عجيبة كلّ منها يدور في دائرة أوسع من التي قبلها بستين ضعفا. فلو كانت دائرةُ العقرب العادّ للساعات بقدر ساعتنا اليدوية الصغيرة، فيلزم أن تكونَ دائرةُ العقرب العادّ للعواشر بمقدار المدار السنوي للأرض أو أكبر منه.
والآن لنفترض أن هناك شخصين: أحدهما: كأنه قد ركب عقرب الساعات فيراقب ويطّلع على ما حوله. والآخر: كأنه قد ركب عقرب العواشر ويشاهد ما حوله. فالفرق بين ما يشاهده الشخصان من أشياء في زمان واحد، هو نسبة الفرق بين ساعتنا اليدوية ومدار الأرض السنوي، أي إن الفرق هائل جدّا، وهكذا فلأن الزمان عبارة عن لونٍ من ألوان الحركة وصبغتِها أو شريطٍ لها، فالحُكم الجاري في الحركات جارٍ أيضا في الزمان؛ إذ بينا نشاهد في ساعة واحدة بقدر ما يشاهده الراكبُ ذو الشعور على عقرب الساعات، وحقيقةُ عمره هي بالقدر نفسه، فإن الرسول الأعظم (ص) في الزمان نفسه -كالراكب على عقرب العواشر- في تلك الساعة المعينة يركب براق التوفيق الإلهي ويقطع جميعَ دوائر الممكنات كالبرق ويرى آيات الیمُلك والملكوت ويرتقي إلى نقطة دائرة الوجوب، ويتشرف باللقاء والكلام، ويحظى برؤية الجمال الإلهي ويتلقى العهد والأمر الإلهي لأداء وظيفة ثم يعود. وقد عاد فعلا.. وهو كذلك.
ويرد على البال أيضا: أنكم تقولون: نعم، يجوز، ولربما يمكن أن يحدث! ولكن لا يقع فعلا كل ما هو محتمل الوقوع وممكن، إذ كيف يصح أن يُحكَم على شيء ليس له مثيل، بمجرد احتمال وقوعه؟
ونحن نقول: إن أمثال المعراج كثيرة لا تحصى. فكل ذي نظر مثلا يرقى بنظره من الأرض إلى كوكب "نبتون" في ثانية واحدة.. وكلُّ ذي علم يذهب بعقله راكبا قوانين الفلك إلى ما وراء النجوم والكواكب في دقيقة واحدة.. وكل ذي إيمان يُركب فكرَه على أفعال الصلاة وأركانها مودعا الكائنات وراء ظهره فيذهب إلى الحضور الإلهي بما يشبه المعراج.. وكل ذي
— 671 —
قلب ووليٍّ كامل يستطيع أن يمضي بالسير والسلوك من العرش ومن دائرة الأسماء والصفات في أربعين يوما.. حتى إن الشيخ الكيلاني والإمام الرباني وأمثالهما من الأفذاذ قد حصل لهم عروج روحي إلى العرش في دقيقة واحدة، كما يخبرون بروايات صادقة.. وإن الملائكة الذين هم أجسام نورانية يحصل لهم ذهاب وإياب من العرش إلى الفرش ومن الفرش إلى العرش في زمن قصير جدّا.. وإن أهل الجنة يعرجون من المحشر إلى روضات الجنات في زمان قصير.
فهذا القدر من الأمثلة الكثيرة يبيّن قطعا أن سلطانَ جميع الأولياء والمرسلين وإمامَ جميع المؤمنين وسيدَ جميع أهل الجنة ومقبولَ جميع الملائكة، ذلكم الرسول الكريم (ص) بلا شك يحصل له معراج يكون مدارُ سيره وسلوكِه إلى اللّٰه بما يليق بمقامِه الرفيع.
فهذه هي الحكمة بعينها، وفي غاية المعقولية، وهي واقعة فعلا دون أدنى ريب.
الأساس الثالث
ما حكمةُ المعراج؟
الجواب: أن حكمة المعراج هي من الرفعةِ والسمو بحيث يَعجز الفكرُ البشري عن إدراكها، وهي من العمق والغور بما يقصر عن تناولها، وهي من الدقة واللطف بما يدقّ عن أن يراها العقلُ بمفرده..
ولكن على الرغم من عدم القدرة على إدراك حقائق هذه الحكمة واستيعابها، فإنه يمكن أن يُعرَف وجودُها ببعض الإشارات كما يأتي:
لأجل إظهار نور وحدته سبحانه وتعالى وتجلّي أحديته في طبقات المخلوقات، اصطفى خالقُ الكائنات وربُّ العالمين فردا متميزا بمعراجٍ، هو كخيطِ اتصال نوراني بين منیتهى طبقات كثرة الموجودات إلى مبدأ الوحدة، متخذا إياه موضعَ خطابه، باسم جميع المخلوقات.. معلِّما إياه، وبه، مقاصدَه الإلهية باسم ذوي الشعور.. ليشهدَ بنظرهِ جمالَ صنعته وكمالَ ربوبيته في مرآةِ مخلوقاته، ويُشهِد الآخرين آثارَ الجمال والكمال.
إذ ما دام ربُّ العالمين له جمال مطلق وكمال مطلق -بشهادة آثاره ومصنوعاته- وأن الجمال والكمال محبوبان لذاتَيهما، فمالكُ ذلك الجمال والكمال إذن له محبة بلا نهاية لجماله وكماله،
— 672 —
وتلك المحبةُ تَظهر بوجوهٍ عدة وأنماط كثيرة في المصنوعات؛ فيُولي سبحانه مصنوعاتِه حبَّه، لما يرى فيها من أثر جماله وكماله..
ولما كان أحبُّ المصنوعات وأسماها لديه ذوي الحياة.. وأحبُّ ذوي الحياة وأسماهم ذوي الشعور.. وأحبُّ ذوي الشعور -باعتبار جامعية الاستعدادت- هو ضمن الإنسان.. فأحبُّ إنسان إذن هو ذلك الفرد الذي انكشفت استعداداتُه انكشافا تاما فأظهر إظهارا كاملا نماذجَ كمالاته سبحانه المنتشرة في المصنوعات والمتجلية فيها.
وهكذا، فصانعُ الموجودات لأجل مشاهدة جميع أنواع تجلي المحبة المبثوثة في جميع الموجودات، في نقطةٍ، في مرآة.. ولأجل إظهار جميع أنواع جماله -بسرّ الأحدية- اصطفى مَن هو ثمرة منوّرة من شجرة الخلق، ومَن قلبُه في حُكم نواةٍ قادرةٍ على استيعاب حقائق تلك الشجرة الأساسية.. اصطفاه بمعراج، هو كخيط اتصال نوراني بين النواة والثمرة، أي من المبدأ الأول إلى المنتهى، مُظهرا محبوبيةَ ذلك الفرد الفذ أمام الكائنات؛ فرقاه إلى حضوره، وشرّفه برؤية جماله، وأكرَمه بأمره، وأناط به وظيفةً جعل ما عنده من حالة قدسية تسري إلى الآخرين.
سنرصد هذه الحكمة الإلهية من خلال مثالين اثنين:
الأول: وهو ما بيناه مفصلا في "الكلمة الحادية عشرة" وكما يأتي:
إذا ما وُجدت لسلطان عظيم خزائنُ كثيرة جدّا ملآى بأنواع لا تعد ولا تحصى من الجواهر النفيسة والألماسات الفريدة، وكانت له مهارة فائقة في بدائع الصنعة، وله معرفة واسعة بفنون عجيبة لا تحصر، وإحاطة تامة بها، مع اطلاع شامل على علوم بديعة لا حدّ لها، وعِلم كیامل بها.. فلاشیك أن ذلك السلطان ذا البدائع والفنون سيريد فتحَ معرض عام، يعرض فيه معروضاته القيمة -حيث إن كل ذي جمال وكمال يريد مشاهدة وإشهاد جماله وكماله- وذلك ليصرفَ أنظار الأهلين إلى رؤيةِ عظمةِ سلطنته ويُشهِدهم شعشعةَ ثروته وخوارقَ صنعته وعجائبَ معرفته، وذلك ليشاهِد جمالَه وكمالَه المعنويين على وجهين:
— 673 —
وجه: بنظره الثاقب الدقيق، وآخر: بنظر الآخرين.
وبناء على هذه الحكمة؛ سيشرع هذا السلطان العظيم حتما بتشييد قصرٍ عظيم واسع مهيب، ويقسّمه تقسيما بارعا إلى دوائر وطوابق ومنازل فخمة، موشّحا كل قسم بجواهر ومرصعات خزائنه المتنوعة، مجمّلا إياه بأجمل ما أبدعته يدُ صنعته وألطفها، منظّما إياه بأدقّ دقائق فنونه وحكمته. وبعد ذلك سيبسط موائدَ واسعةً عامرة، بما يليق بكل طائفة، مُعدّا بها ضيافة عامة سخية تزخر بأنواع نعمه وأنماط أطعمته اللذيذة.
ثم يدعو رعاياه إلى هذه الضيافة الكريمة، ومشاهدةِ كمالاته البديعة، ويجعل أحدَهم رسولا بينَه وبينهم، فيدعوه إليه، مرورا من أدنى الطبقات إلى أعلاها، ويسيّره دائرةً فدائرة، وطبقةً فوق طبقة.. مُشهدا إياه معاملَ تلك الصنعة البديعة، ومخازنَ ما يَرِدُ من الطبقات الدنيا من محاصيل، حتى يُبلغَه دائرتَه الخاصة، فيشرّفَه بقبوله إلى حضرته، مُظهرا له ذاتَه المباركة، التي هي أصل جميع كمالاته.. فيعلّمَه كمالاتِه الذاتية ويرشدَه إلى حقائق القصر. ويسنّمَه وظيفةَ مرشدٍ رائد للمتفرجين ويرسلَه إليهم ليعرّف الأهلين بصانع القصر؛ بما في القصر مین أركانِ نقیوشه وعجائب صنعته، ويعلّم ما فیي النقوش من رموز، وما في الصنائع من إشارات.. ويعرّف الداخلين إلى القصر؛ ما هذه المرصعات المنظومة والنقوش الموزونة؟ وكيف أنها تدل على كمالات مالك القصر وإبداعه؟ ويرشدهم إلى آداب السير والتفرج ويلقّنهم مراسيمَ التشريفات للمثول أمام السلطان العظيم الذي لا يُرى.. كل ذلك وفق ما يرضيه ويطلبه.
وهكذا -وللّٰه المثل الأعلى- فإن الصانع الجليل، سلطانَ الأزل والأبد، قد أراد رؤية وإراءة جمالِه المطلق، وكمالِه المطلق، فبنى قصرَ العالم هذا في أبدع ما يكون، بحيث إن كلَّ موجود فيه يذكرُ كمالاته بألسنة كثيرة، ويدلّ على جماله بإشارات عديدة، حتى إن الكائنات تُظهِر بكلِّ موجود فيها؛ كم مِن كنوزٍ معنوية مخفية ضمن كلِّ اسم من أسماء اللّٰه الحسنى، وكم من لطائفَ مستترة ضمن كل عنوان مقدس!. بل إنّ دلالتَها هذه هي من الوضوح والجلاء ما جعل جميعَ الفنون والعلوم بجميع دساتيرها تقرأ ما في كتاب الكون من بدائع الأدلة منذ زمن آدم عليه السلام، إلا أنها لم تقرأ بعد عُشرِ معشار ما يعبَّر ذلك الكتاب من معاني الأسماء والكمالات الإلهية.
— 674 —
وهكذا فالصانع ذو الجلال والجمال والكمال الذي شيّد هذا القصر البديع مَعرِضا لرؤية جماله وكماله المعنوي وإراءته، تقتضي حكمتُه، أن يعلِّم أحدَ ذوي الشعور في الأرض معاني آيات ذلك القصر، لئلا تبقى معانيه عبثا لا نفعَ لهم منها.. وأن يرقيَه إلى العوالم العلوية التي هي منابع ما في ذلك القصر من أعاجيب، ومخازن ما فيه من محاصيل.. وأن يرفعه إلى درجة عالية هي فوق جميع مخلوقاته ويشرّفه بقرب حضوره، ويسيّره في عوالم الآخرة، مكلّفا إياه بوظائفَ ومهماتٍ، ليكون معلّما لعموم عباده.. داعيا إياهم إلى سلطان ربوبيته.. مُبلّغا إيّاهم بمرضياته الإلٰهية.. مفسّرا لهم آياته التكوينية في القصر.. وأمثالَها من الوظائف الأخرى التي يبين بها سبحانه للعالمين أجمع فضلَ هذا المختار وعظمةَ منیزلته بما قلّده من أوسمة المعجزات، ويُعَیلِّمهم، بالقرآن الكريم، أنه المبلّغ الصادق والترجمان الأمين.
وهكذا، فقد بينّا بضع حِكَمٍ للمعراج من بين حِكَمه الكثيرة، وذلك في ضوء هذا المثال وعليك أن تقيس بقية الحِكَم على منواله.
المثال الثاني: إذا ما ألّف شخص عليم كتابا معجِزا بحيث إن كلّ صحيفة منه تزخر بحقائق ما في مائة كتاب، كلّ سطر منه يحوي معانيَ لطيفةً لما في مائة صحيفة، كلّ كلمة منه تنطوي على حقائق ما في مائة سطر، وكلّ حرف منه يُعبّر عن معاني ما في مائة كلمة.. وكانت جميعُ معاني ذلك الكتاب وجميعُ حقائقه تشير إلى الكمالات المعنوية لذلك الكاتب البديع المعجز وتتوجه نحوها..
فإذا كان الأمر هكذا، فلا ريب أن ذلك الكاتبَ المعجِز لا يترك كتابَه المعجِز هذا دون فائدة، ولا يغلق أبواب هذه الخزينة التي لا تنفَد، بل محال أن يدَعها معطلةً لا طائل وراءها.. لذا سيعلّم أفرادا معينين معاني ذلك الكتاب لئلا يبقى ذلك الكتابُ القيّم مهملا دون معنى.. ولتظهر كمالاتهُ المخفية، وتجد طريقَها إلى الكمال، ويُشاهد جمالَه المعنوي، ليفرح وليُحبّب نفسه للآخرين، أي إنه سيعلّم أحدا مفردات ذلك الكتاب، بجميع معانيه وحقائقه، ملقنا إياه درسا درسا من أول صحيفة فيه إلى آخر صحيفة، حتى يمنحه الشهادة عليه.
وهكذا، فالمصوّر الجميل سبحانه وتعالى الذي كتب هذه الكائنات إظهارا لكمالاته،
— 675 —
وإبرازا لجماله وحقائقِ أسمائه المقدسة.. كتبها كتابةً بديعة، لا أبدعَ منها؛ إذ تدل جميع الموجودات بما لا يحد من الجهات، على أسمائه الحسنى وعلى صفاته الجليلة وعلى كمالاته المطلقة وتعبّر عنها.
ومن المعلوم أن كتابا، مهما كان، إن لم يُعْرَف معناه، فسيذهب هباءً منثورا، وستسقط قيمتُه إلى العدم، فكيف بكتابٍ كهذا الذي يتضمن كلُّ حرف فيه ألوفَ المعاني؟ فلا يمكن أن تسقط قيمتُه قطعا ولا يمكن أن يذهب هباءً قط! فكاتبُ ذلك الكتاب المعجِز سيعلّمه حتما، ويفهّم أقسامه حسب استعدادات كل طائفة. ويعلّم كل الكتاب من هو أعمّ نظرًا.
ولأجل تدريس مثل هذا الكتاب وتعليمه تعليما كليا وشاملا جميعَ حقائقه، تقتضي الحكمةُ سيرا وسلوكا في غاية السمو والرفعة، أي يلزم مشاهدةً وسيرا ابتداءً من نهاية طبقات الموجودات الكثيرة، التي هي أولى صفحات هذا الكتاب، وانتهاء إلى دائرة الأحدية التي هي منتهى صفحاته.
وهكذا يمكنك مشاهدة شيء من الحِكم السامية للمعراج في ضوء هذا المثال.
والآن نلتفت إلى الملحد القابع في مقام الاستماع، وننصت إلى ما يجول في قلبه لنشاهد أي طور من الأطوار قد تلبّس..
فالذي يرد إلى الخاطر أنّ قلبه يقول: لقد بدأتُ أخطو خطوات في طريق الإيمان، ولكن هناك ثلاثة إشكالات ومعضلات لا أستطيع حلّها واستيعابها!
الأول: لِمَ اختُصَّ بهذا المعراج العظيم محمد (ص).
الثاني: كيف يكون ذلك النبيُّ الكريم (ص) نواةَ هذه الكائنات؟ حيث تقولون: إن الكائنات قد خُلقت من نوره. وفي الوقت نفسه هو آخرُ ثمرة من ثمرات الكائنات وأنورُها!. ماذا يفيد هذا الكلام؟
الثالث: تقولون فيما بينتموه سابقا: إن العروج إلى العالم العلوي إنما كان لأجل مشاهدة المعامل والمصانع الأساس لما في العالم من آثار، ولرؤية مخازنِ ومستودعات نتائج الآثار.. ماذا يعني هذا الكلام؟
— 676 —

الإشكال الأول

الجواب: إن إشكالكم الأول هذا، قد حُلَّ مفصلا في الكلمات الثلاثين ضمن كتاب "الكلمات"، إلّا أننا نشير هنا مجرد إشارة مجملة على صورة فهرس موجز إلى كمالات النبي الكريم (ص)، ودلائل نبوته، وأنه هو الأحرى بهذا المعراج العظيم.
أولا: إن الكتب المقدسة، التوراة والإنجيل والزبور تضم بشاراتٍ بنبوة الرسول الكريم (ص) وإشارات إليه، رغم تعرّضها إلى التحريفات طوال العصور. وقد استنبط في عصرنا هذا العالمُ المحقق حسين الجسر عشرا ومائةَ بشارة منها، وأثبتها في كتابه الموسوم "الرسالة الحميدية".
ثانيا: إنه ثابت تاريخيا، ورويت بروايات صحيحة، بشارات كثيرة بشّر بها الكهانُ من أمثال الكاهنين المشهورين: شِق وسطيح، قبيل بعثته (ص) وأخبرا أنه نبي آخر الزمان.
ثالثا: ما حدث ليلةَ مولده (ص) من سقوط الأصنام في الكعبة وانشقاق إيوان كسرى وأمثالِها من مئات الإرهاصات والخوارق المشهورة في كتب التاريخ.
رابعا: نبعانُ الماء من بين أصابعه الشريفة وسقيه الجيش به، وحنينُ الجذع اليابس الموجود في المسجد النبوي إلى رسول اللّٰه (ص) لفراقه عنه وأنينُه أمام جماعة غفيرة من الصحب الكرام، وانشقاق القمر كما نصت عليه الآية الكريمة: وانشق القمر (القمر:١) وأمثالُها من المعجزات الثابتة لدى العلماء المحققين والتي تبلغ الألف قد أثبتتها كتب السير والتاريخ.
خامسا: لقد اتفق الأعداء والأولياء بما لا ريب فيه أن ما يتحلى به (ص) من الأخلاق الفاضلة هو في أسمى الدرجات، وأن ما يتصف به من سجايا حميدة في دعوته هو في أعلى المراتب، تشهد بذلك معاملاتُه وسلوكُه مع الناس. وأن شريعته الغراء تضم أكمل الخصال الحسنة، تشهد بذلك محاسنُ الأخلاق في دينه القويم.
سادسا: لقد أشرنا في الإشارة الثانية من "الكلمة العاشرة" إلى أن الرسول الكريم (ص) هو الذي أظهر أعلى مراتب العبودية وأسماها بالعبودية العظيمة في دينه تلبيةً لإرادة اللّٰه في ظهور ألوهيته بمقتضى الحكمة.
— 677 —
وأنه هو كذلك -كما هو بديهي- أكرمُ دالّ على جمالٍ في كمالٍ مطلق لخالق العالم وأفضلُ معرّف لبّى إرادةَ اللّٰه سبحانه في إظهار ذلك الجمال بوساطة مبعوثٍ كما تقتضيه الحكمة والحقيقة.
وأنه هو كذلك -كما هو مشاهد- أعظمُ دالّ على كمال صنعةٍ في جمال مطلق لصانع العالم، وبأعظم دعوة وأندى صوت، فلبّى إرادةَ اللّٰه جل وعلا في جلب الأنظار إلى كمال صنعته والإعلان عنها.
وأنه هو كذلك -بالضرورة- أكملُ مَن أعلن عن جميع مراتب التوحيد بأعظم درجته، فلبّى إرادة رب العالمين في إعلان الوحدانية على طبقات كثرة المخلوقات.
وأنه هو كذلك -بالضرورة- أجلى مرآة وأصفاها لعكس محاسنِ جمال مالك العالم ولطائفِ حُسنه المنیزّه -كما تشير إليه آثاره البديعة- وهو أفضلُ مَن أحبَّه وحببَّه، فلبّى إرادته سبحانه في رؤية ذلك الجمال المقدس وإراءته في المرايا بمقتضى الحقيقة والحكمة.
وأنه هو كذلك -بالبداهة- أعظمُ مَن عرَّف ما في خزائن الغيب لصانع هذا العالم، تلك الخزائن الملآى بأبدع المعجزات وأثمن الجواهر، وهو أفضلُ مَن أعلن عنها ووصفها، فلبّى إرادته سبحانه في إظهار تلك الكنوز المخفية وتعريف كمالاته بذلك.
وأنه هو كذلك -بالبداهة- أكملُ مرشد بالقرآن الكريم للجن والإنس بل للروحانيين والملائكة، وأعظمُ مَن بيّن معاني آثار صانع هذه الكائنات التي زيّنها بأروع زينة ومكّن فيها أرباب الشعور من مخلوقاته لينعموا بالنظر والتفكر والاعتبار، فلبّى إرادته سبحانه في بيان معاني تلك الآثار وتقدير قيمتها لأهل الفكر والمشاهدة.
وأنه هو كذلك -بالبداهة- أحسنُ من كشف بحقائق القرآن عن مغزى القصد من تحولات الكائنات والغاية منها، وأكملُ مَن حلّ اللغز المحير في الموجودات. وهو أسئلة ثلاثة معضلة: مَن أنت؟ ومن أين؟ والى أين؟ فلبّى إرادته سبحانه في كشف ذلك الطلسم المغلق لذوي الشعور بوساطة مبعوث.
وأنه هو كذلك -بالبداهة- أكملُ مَن بيّن المقاصد الإلهية بالقرآن الكريم وأحسنُ
— 678 —
مَن وضّح السبيل إلى مرضاة رب العالمين، فلبّى إرادته سبحانه في تعريف ما يريده من ذوي الشعور وما يرضاه لهم بوساطة مبعوث، بعدما عرّف نفسَه لهم بجميع مصنوعاته البديعة وحبَّبها إليهم بما أسبغ عليهم من نِعَمه الغالية.
وأنه هو كذلك - بالبداهة- أعظمُ من استوفى مهمةَ الرسالة بالقرآن الكريم وأدّاها أفضلَ أداء في أسمى مرتبة وأبلغِ صورةٍ وأحسنِ طرازٍ، فلبّى إرادة رب العالمين في صرفِ وجهِ هذا الإنسان من الكثرة إلى الوحدة ومن الفاني إلى الباقي، ذلك الإنسان الذي خلَقه سبحانه ثمرةً للعالم ووهبَ له من الاستعدادات ما يسعُ العالمَ كله وهيأه للعبودية الكلية وابتلاه بمشاعرَ متوجهةٍ إلى الكثرة والدنيا.
وحيث إنّ أشرفَ الموجودات هم ذوو الحياة، وأنبلَ الأحياء هم ذوو الشعور، وأكرمَ ذوي الشعور هم بنو آدم الحقيقيون الكاملون، لذا فالذي أدّى من بين بني الإنسان المكرم تلك الوظائف المذكورة آنفا وأعطى حقَّها من الأداء في أفضل صورةٍ وأعظمِ مرتبةٍ من مراتب الأداء، لا ريب أنه سيعرج -بالمعراج العظيم- فيكونُ قابَ قوسين أو أدنى، وسيطرق بابَ السعادة الأبدية وسيفتح خزائنَ الرحمة الواسعة، وسيرى حقائقَ الإيمان الغيبية رؤيةَ شهودٍ، ومن ذا يكون غير ذلكم النبي الكريم (ص)؟
سابعا: يجد المتأمل في هذه المصنوعات المبثوثة في الكون أن فيها فعلَ التحسين في منتهى الجمال وفعلَ التزيين في منتهى الروعة، فبديهي أن مثل هذا التحسين والتزيين يدلان على وجود إرادةِ التحسين وقصدِ التزيين لدى صانع تلك المصنوعات. فتلك الإرادة الشديدة تدل بالضرورة على وجود رغبةٍ قويةٍ سامية، ومحبةٍ مقدسةٍ لدى ذلك الصانع نحو صنعته..
لذا فمن البديهي أن يكون أحبُّ مخلوق لدى الخالق الكريم الذي يحبّ مصنوعاته هو مَن يتصف بأجمعِ تلك الصفات، ومَن يُظهر في ذاته لطائفَ الصنعة إظهارا كاملا، ومن يعرفُها ويعرِّفُها، ومَن يحبِّب نفسَه ويستحسن -بإعجاب وتقدير- جمالَ المصنوعات الأخرى.
فمَن الذي جعل السماوات والأرض ترنّ بصدى "سبحان اللّٰه.. ما شاء اللّٰه.. اللّٰه أكبر" من أذكار الإعجاب والتسبيح والتكبير تجاه ما يرصّع المصنوعات من مزايا تُزيّنُها ومحاسنَ تجمِّلُها ولطائفَ وكمالات تنوّرها؟ ومَن الذي هزّ الكائنات بنغمات القرآن الكريم فانجذب
— 679 —
البرُّ والبحرُ إليها في شوق عارم من الاستحسان والتقدير في تفكر وإعلان وتشهير، في ذكر وتهليل؟ من ذا يكون تلك الذات المباركة غيرَ محمد الأمين (ص)؟!
فمثلُ هذا النبي الكريم (ص) الذي يضافُ إلى كفة حسناته في الميزان مثلُ ما قامت به أمتُه من حسنات بسر: "السبب كالفاعل".. والذي تُضاف إلى كمالاته المعنوية الصلواتُ التي تؤديها الأمة جميعا.. والذي يُفاض عليه من الرحمة والمحبة الإلهية ما لا يحدهما حدود، فضلا عما يناله من ثمراتِ ما أدّاه من مهمة رسالته من ثواب معنوي عظيم.. نعم، فمثلُ هذا النبي العظيم (ص) لا ريب أن ذهابه إلى الجنة، وإلى سدرة المنتهى، وإلى العرش الأعظم، فيكون قاب قوسين أو أدنى، إنما هو عينُ الحق، وذاتُ الحقيقة ومحضُ الحكمة.
الإشكال الثاني
أيها القاعد في مقام الاستماع! إن هذه الحقيقة التي استشكلتَها هي عميقَةُ الغور في ذاتها، وهي عالية سامية إلى حدّ لا يبلغها العقلُ، بل لا يقترب منها، ومع هذا فإنها تُرى بنور الإيمان.
ونحن هنا سنحاول أن نقرّب إلى الأفهام شيئا من تلك الحقيقة العالية ببعض الأمثلة، التي تساعد على ذلك، وهي على النحو الآتي: إذا ما نُظر إلى هذه الكائنات نَظر الحكمة، بدت كأنها شجرة عظيمة وفي معناها، فكما أن الشجرة لها أغصان وأوراق وأزاهير وثمرات، ففي العالم السفلي، الذي هو شقّ من شجرة الخلقة، تُشاهَد أيضا أنّ العناصرَ بمثابة أغصانه، والنباتات والأشجار في حُكم أوراقِه، والحيوانات كأنها أزاهیيره، والأنیاسيَّ كأنهم ثمراتُه. فالقانون الإلهي الجاري على الأشجار يلزم أن يكون جاريا أيضا على هذه الشجرة العظمى، وذلك بمقتضى اسم اللّٰه "الحكيم". لذا فمن مقتضى الحكمة أن تكون شجرةُ الخلقة هذه ناشئةً أيضا من نواة، وأن تكون النواةُ جامعةً نمیاذجَ وأسسَ سائر العوالم فضلا عن احتوائها على العالَم الجسماني؛ لأن النواةَ الأصلية للكائنات المتضمنة لألوف العوالِم ومنشأها لا يمكن أن تكون مادةً جامدة قط. وحيث إنه ليست هناك شجرة أخرى من نوع شجرة الكائنات قد سبقتها، فإن المعنى والنور الذي هو بحكم المنشأ والنواة لها لابد أن يتجسد كثمرة في شجرة الكائنات، وأن يلبس لباس الثمرة وهذا هو مقتضى اسم اللّٰه الحكيم، وذلك لأن النواة لا تكون مجرّدةً عاريةً دائما، إذ ما دامت لم تلبس لباسَ الثمرة في أول الفطرة، فستلبسها في الأخير.
— 680 —
وما دام الإنسانُ هو تلك الثمرة، وأن أفضلَ ثمرات نوع البشر وأنورَها وأحسنَها وأعظمَها وأشرفَها وألطفها وأجملها وأنفعها هو محمد (ص)، كما أُثبِتَ سابقا، الذي جلب نظرَ عموم المخلوقات بفضائله، وحَصَرَ نظرَ نصفِ الأرض وخُمس البشرية في ذاته المباركة واستقطب أنظار العالمين إلى محاسنِه المعنوية بالمحبة والتبجيل والإعجاب.. فلابد أن النور الذي هو نواةُ تَشَكّلِ الكائنات سيتجسّدُ في ذاته (ص) وسيظهر بصورة ثمرةِ الختام.
أيها المستمع! لا تستبعد خلقَ هذه الكائنات البديعة العظيمة من ماهيةٍ جزئيةٍ لإنسان. فإن القدير ذا الجلال الذي يخلق شجرةَ صنوبر ضخمة، وكأنها عالم بذاته، من نواة صغيرة لها، كيف لا يخلق، أو يعجز عن خلق الكائنات من نور محمد (ص)؟
نعم، إن شجرة الكائنات شبيهة بشجرة طوبى الجنة؛ جذعُها وجذورُها متوغلة في العالم العلوي، وأغصانُها وثمراتُها متدلية إلى العالم السفلي؛ لذا فإن هناك خيطا ذا علاقة نورانية ابتداءً من مقام الثمرة في الأسفل إلى مقام النواة الأصلية.
فالمعراجُ النبوي صورة وغلاف لخيط العلاقة النورانية ذاك، حيث فتح الرسول الكريم (ص) ذلك الطريق ودرج فيه بولايته، وعاد برسالته، وترك البابَ مفتوحا، ليسلكه أولياءُ أمته الذين يتبعونه سلوكا بالروح والقلب، فيدرجوا في تلك الجادة النورانية تحت ظلال المعراج النبوي، ويعرجوا فيها إلى مقامات عالية كلّ حسب استعداداته وقابلياته.
ولقد أثبتنا سابقا أن الصانع الجليل قد أنشأ هذه الكائنات وزيّنها وكأنها قصر بديع لأجل مقاصد وغايات جليلة.. فالرسول الكريم (ص) الذي هو محورُ تلك المقاصد ومدارُها لابد أن يكون موضعَ عنايته سبحانه قبل خلق الكائنات، وأن يكون أول مَن حظيَ بتجليه جلّ جلالُه. ذلك لأن أول ما يلاحظ في شيء هو نتيجته وثمرته. إذن فهو الأول معنًى، والآخر وجودا.
وحيث إنّ الرسول الكريم (ص) أكملُ ثمرات الخلق، ومدارُ قيمة جميع الثمرات، ومحورُ ظهور جميع المقاصد، يلزم أن يكون نورُه أولَ من نال تجلي الإيجاد.
— 681 —

الإشكال الثالث

هذه الحقيقة لها من السعة ما لا تستطيع أذهانُنا البشرية الضيقة الإحاطةَ بها واستيعابَها. ولكن نستطيع النظر إليها من بعيد.
نعم، إن المعامل المعنوية للعالَم السفلي، وقوانينَه الكلية، إنما هي في العوالم العلوية. وإن نتائج أعمال ما لا يُحد من المخلوقات التي تعمّر الأرض، وهي بذاتها محشر المصنوعات، وكذا ثمرات الأفعال التي يقوم بها الجن والإنس.. كلها تتمثل في العوالم العلوية أيضا. حتى إن إشارات القرآن الكريم، ومقتضى اسم اللّٰه "الحكيم" والحكمةَ المندرجة في الكائنات مع شهادات الروايات الكثيرة وأماراتٍ لا حدّ لها.. تدلّ على أن الحسنات تتمثل بصورة ثمرات الجنة والسيئات تتشكل بصورة زقوم جهنم.
نعم، إن الموجودات الكثيرة قد انتشرت على وجه الأرض انتشارا عظيما.. وأنماطَ الخلقة قد تشعبت عليه إلى درجة كبيرة.. بحيث إن أجناسَ المخلوقات وأصنافَ المصنوعات التي تتبدل وتُملأ وتخلَّى منها الأرض تفوق كثيرا المصنوعات المنتشرة في الكون كله.
وهكذا فمنابعُ هذه الكثرة والجزئيات ومعادنُها الأساس لابد أنها قوانين كلية، وتجليات كلّية للأسماء الحسنى، بحيث إن مظاهرَ تلك القوانين الكلية وتلك التجليات الكلية وتلك الأسماء المحيطة، هي السماواتُ، التي هي بسيطة (غير مركبة) وصافية إلى حدٍّ ما، والتي كلُّ واحدة منها في حُكم عرشٍ لعالَمٍ، وسقفٍ له، ومركزِ تصرف. حتى إن إحدى تلك العوالم هي جنةُ المأوى التي هي عند سدرة المنتهى.
ولقد أخبر المخبرُ الصادق (ص) بما معناه: إن التسبيحات والتحميدات التي تُذكر في الأرض تتجسد بصورة ثمرات الجنة. [٭]: انظر: ابن حبان، الصحيح ٣/١٠٩؛ الحاكم، المستدرك ١/٦٨٠؛ البيهقي، السنن الكبرى ٦/٢٠٧؛ أبو يعلى، المسند ٤/١٦٥.
فهذه النقاط الثلاث تبين لنا أن مخازن ما في الأرض من النتائج والثمرات الحاصلة إنما هي هناك، وأن محاصيلها متوجهة ومُساقة إلى هناك. فلا تقل -أيها المستمع- كيف تصبح: "الحمد للّٰه" التي أتلفظها في الهواء ثمرةً مجسمة في الجنة؟ لأنك عندما تلفظ كلمةً طيبةً وأنت
— 682 —
يقظ في النهار قد تتراءى لك في الرؤيا بصورة تفاحٍ لذيذ فتأكله. وكذلك كلامُك القبيح نهارا قد تبلعُه في الرؤيا شيئا مُرّا علقما. فإن اغتبتَ أحدا فإذا بك تُجبَر على أكل ميت!.
إذن فكلماتُك الطيبة أو الخبيثة التي تتلفظها في عالم الدنيا الذي هو عالمُ منام، تأكلها ثمراتٍ في عالم الآخرة الذي هو عالم اليقظة، وهكذا لا ينبغي أن تستبعد أكلك هذا!
الأساس الرابع
ما ثمراتُ المعراج وفوائده؟
الجواب: إن لهذا المعراج العظيم الذي هو شجرةُ طوبى معنوية يتدلى منها ما يزيد على خمسمائة ثمرةٍ وفائدة، إلّا أننا سنذكر هنا خمسا منها فقط على سبيل المثال:
الثمرة الأولى
هي رؤيةُ حقائق الأركان الإيمانية، رؤية عين وبصر، أي رؤيةُ الملائكةِ والجنة والآخرة، بل حتى رؤيةُ الذات الجليلة، فهذه الرؤية والمشاهَدة الحقة وهَبَت للكائنات أجمع وللبشريةِ خاصةً خزينةً عظيمة لا تنفد، ونورا أزليا لا يخبو، وهديةً أبدية ثمينة لا تُقدّر بثمن؛ إذ أخرج ذلك النورُ الكائناتِ قاطبةً مما يُتوَهم أنها تتردى في أوضاع فانية زائلة مضطربة أليمة.. وأظهرَها على حقيقتها أنها كتابات صمدانية، ورسائلُ ربانية قدسية، ومرايا جميلة تعكس جمال الأحدية. مما أدخل السرورَ والفرح في قلوب جميع ذوي الشعور بل أبهج الكائناتِ كلَّها..
ومثلما أخرج ذلك النورُ الكائناتِ من أوضاعٍ أليمة موهومة، أخرجَ الإنسانَ العاجزَ أمام أعداءٍ لا حدّ لهم، الفقيرَ إلى حیاجات لا نیهاية لها من أوضاع فانية ضالة يتخبط فيها. فكشف عن صورته الحقيقية بأنه معجزة من معجزات قدرة اللّٰه سبحانه، ومخلوقُه الذي هو في أحسن تقويم، ونسخة جامعة من رسائله الصمدانية، ومخاطَب مُدرِكٌ لسلطان الأزل والأبد وعبدُه الخاص، ومستحسِنُ كمالاته وخليلُه المحبوب، والمعجَبُ بجمالِه المقدس وحبيبُه، والضيفُ المكرّم لديه والمرشّحُ لجنته الباقية.
فيا له من سرورٍ بالغ لا منتهى له، وشوقٍ عارم لا غايةَ له يمنحُه هذا النور لكل من يعتبر نفسه إنسانا!
— 683 —

الثمرة الثانية

وهي أنه أتى بأسس الإسلام، وفي مقدمتها "الصلاة". تلك الأسس التي تُمثّل مرضيات رب العالمين، حاكم الأزل والأبد.. وقد أتى بها هديةً قيّمة وتحفةً طيبة إلى الجن والإنس كافة.
إن معرفة تلك المرضيات الربانية وحدَها لَتثير لدى الإنسان من الرغبة والشوق والتطلّع إلى فهمِها ما لا يمكن وصفُه، فضلا عما تورث من سعادة وانشراح وسرور؛ إذ لا جرم أنّ كلَّ إنسان يرغب رغبةً جادةً أن يعرف، ولو من بعيد، ما يَطلب منه سلطانُه الذي أنعمَ عليه، ويشتاق بلهفة أن يعرِف ماذا يريد منه مَن أولاه نِعَمه وأحسنَ إليه؟ وحتى إذا ما عرَف مرضياتِه يغمرُه سرور بالغ ويشيع فيه الرضى والاطمئنان، بل حتى إنه يتمنى من قلبه كلِّه قائلا: "يا ليت هناك واسطةً بيني وبين مولاي لأعرف ما يريد مني، وماذا يرغب أن أكون عليه؟".
نعم، إن الإنسان الذي هو في أشدِّ الفاقة إلى مولاه سبحانه وتعالى في كل آن، وفي كلِّ أحوالِه وشؤونه، وقد نال من أفضاله الكريمة، ونعَمه السابغة ما لا يعد ولا يحصى، وهو على يقين من أنّ الموجودات كلَّها في قبضة تصرفه سبحانه، وما يتألق من سنا الجمال والكمالات على الموجودات، ما هو إلّا ظل ضعيف بالنسبة لجماله وكماله سبحانه.. أقول: تُرى كم يكون هذا الإنسان مشتاقا ومتلهفا لمعرفة ما يُرضي هذا الرب الجليل، وإدراك ما يطلبه منه!. لعلك تقدّر هذا!
فها هو ذا الرسول الكريم (ص) قد أتى بمرضيات رب العالمين وقد سمعَها سماعا مباشرا بحق اليقين من وراء سبعين ألف حجاب، أتى بها ثمرةً من ثمرات المعراج وقدّمَها هدية طيبة إلى البشرية جمعاء. [٭]: انظر: البخاري، مناقب الأنصار ٤٢؛ مسلم، الإيمان ٢٧٩، المسافرين ٢٥٣؛ الترمذي، تفسير سورة النجم ١؛ النسائي، الصلاة ١، الافتتاح ٢٥؛ أحمد بن حنبل، المسند ١/٣٨٧، ٤٢٢.
نعم، إن الإنسان الذي يتطلّع إلى معرفة ماذا يحدث في القمر؟ وإذا ما ذهب أحدُهم إلى هناك وعاد فأخبر بما فيه ربما يضحي بالكثير لأجل ذلك الخبر، وتأخذُه الحيرةُ والإعجابُ كلما عرف أخبار ما هنالك..!!
— 684 —
أقول إن كان وضع الإنسان هكذا مع أخبار مَن ذهب إلى القمر، فكيف تكونُ لهفتُه وشوقُه لتلقّي أخبار مَن يأتي عن مالك الملك ذي الجلال الذي ليس القمرُ في مُلكه إلّا كذبابٍ يطير حول فَراش، يطير ذلك الفراشُ حول سراجٍ من ألوف السُّرج التي تضيء مَضيفَه..
نعم، لقد رأى الرسول الكريم (ص) شؤون هذا المَلك العظيم ذي الجلال وشاهَد بدائعَ صنعته وخزائن رحمته في عالم البقاء. وعاد بعد رؤيته لها وحدّث البشر بما رآه وشاهده.
فإن لم ينصت البشرُ إلى هذا الرسول الكريم (ص) إنصاتَ شوقٍ ورغبةٍ وبكلّ تبجيل وإعجاب، فافهم مدى مجافاتهم العقلَ ومجانبتهم الحكمة.
الثمرة الثالثة
إنه شاهد كنوزَ السعادة الأبدية ودفائنَ النعيم المقيم، وتسلّم مفتاحَها، وأتى به هديةً للإنس والجن.
نعم، إنه شاهد ببصره بالمعراج الجنةَ الخالدة، ورأى التجليات الأبدية لرحمة الرحمن ذي الجلال، وأدرك إدراكا بحق اليقين السعادةَ الأبدية، فزفّ بشرى وجودِ السعادة الأبدية إلى الجن والإنس.. تلك البشرى العظيمة التي يعجَز الإنسانُ عن وصفها. إذ بينما الأوضاعُ الموهومةُ تحيط بالجن والإنس حيث تُصفَع الموجوداتُ كلُّها بصفعات الزوال والفراق في دنيا لا قرار لها، وسیيلُ الزمان وحركاتُ الذرات تجرُفها إلى بحر العیدم والفراق الأبدي.. نعم، فبينا هذه الأوضاعُ المؤلمة التي تزهق روحَ الجن والإنس تحيط بهما من كیل جانب، إذا بتلك البیشرى السارة تُیزَفّ إليهما.. فقس، في ضوء هذا، مدى ما تورثه تلك البیشرى من سعادةٍ وانشراح وسرورٍ لدى الجن والإنس اللذين يظنان أنهما محكوم عليهما بالإعدام الأبدي، وأنهما فانيیان فناءً مطلقا! ثم افهم بعد ذلك قيمةَ تلك البشرى! فلو قيل لمحكومٍ عليه بالإعدام وهو يخطو خطواتِه نحیو المشنیقة: "إن السلطان قد تكرّم بالعفو عنك فضلا عن أنه منحك قصرا عنده". فلك أن تتصور مدى ما يفتحُ هذا الكلام من آفاق السرور والفرح لدى ذلك المحكومُ عليه بالإعدام. ولكي تستطيع أن تتصور قيمةَ هذه الثمرة وهذه البشرى العظيمة، أجمع جميعَ ذلك السرور والفرح بعدد الجن والإنس لِتقدّر مدى قيمة تلك البشرى!
— 685 —

الثمرة الرابعة

هي رؤيةُ جمال اللّٰه سبحانه وتعالى.. فكما حَظيَ بها (ص) فقد أتى بأنه يمكن لكلِّ مؤمن أن يحظى بتلك الثمرة الباقية أيضا. فأهدى بهذا هديةً عظيمةً للجن والإنس. ولعلك تتمكن من أن تقدّر مدى اللذةِ الكامنة في تلك الثمرة المهداة ومدى حلاوتِها وجمالِها ونفاستها من خلال هذا المثال:
إن كل مَن يحمل قلبا حيًّا، لا شك أنه يحبُّ من كان ذا جمالٍ وكمال وإحسان، وهذه المحبةُ تتزايد وفق درجات ذلك الجمال والكمال والإحسان، حتى تبلغ درجةَ العشق والتعبد. فيضحي الإنسانُ بما يملك في سبيل رؤية ذلك الجميل، بل قد يضحّي بدنياه كلِّها لأجل رؤيته مرة واحدة. وإذا علمنا أن نسبةَ ما في الموجودات من جمالٍ وكمال وإحسان إلى جمالِه وكمالِه وإحسانه سبحانه وتعالى لا يبلغ أن يكون لُميعات ضئيلة بالنسبة للشمس الساطعة. فإذن تستطيع أن تدرك -إن كنت إنسانا حقا- مدى ما يورثه من سعادةٍ دائمةٍ ومدى ما يبعث من سرور ولذة ونعمة، التوفيقُ إلى رؤيیةِ مَن هو الأهلُ لمحبةٍ بلا نهاية وشوقٍ بلا نهاية ورؤية بلا نهاية في سعادة بلا نهاية.
الثمرة الخامسة
وهي أنّ الإنسان -كما فُهم من المعراج- ثمرة قيمة من ثمرات الكائنات جليلُ القدر، ومخلوقٌ مكرمٌ محبوبٌ لدى الصانع الجليل. هذه الثمرة الطيبة أتى بها الرسول الكريم (ص) بالمعراج، هديةً إلى الجن والإنس، فرفعتْ تلك الثمرةُ الإنسان من كونه مخلوقا صغيرا وحيوانا ضعيفا وذا شعور عاجزٍ إلى مقام رفيع ومرتبیةٍ عالية، بل إلى أرقى مقام عزيز مكرّم على جميع المخلوقات. فمنحتْ هذه الثمرةُ الإنسانَ من الفرح والسرور والسعادة الخالصة ما يُعْجَز عن وصفه.
لأنه إذا قيل لجندي فردٍ: لقد أصبحتَ مشيرا في الجيش، كم يكون امتنانُه وحمدُه وسروره وفرحه ورضاه؟ لا يُقدَّر حتما؛ بينما الإنسانُ المخلوقُ الضعيف والحيوان الناطق.. والعاجز الفاني، الذليلُ أمام ضربات الزوال والفراق، لو قيل له: إنك ستدخل جنةً خالدة وتتنعّم برحمةِ الرحمن الواسعة الباقية، وتتنیزّه في مُلكه ومَلكوته الذي يسع السماوات
— 686 —
والأرض، وتتمتع بها بجميع رغباتِ القلب في سرعة الخيال وفي سعة الروح وجولان العقل وسرَيانه.. وفوق كل هذا ستحظى برؤية جمالِه سبحانه في السعادة الأبدية. فكلُّ إنسان، لم تنحط إنسانيتُه يستطيع أن يُدرك مدى الفرح والسرور اللذين يغمران ذلك الذي يُقال له مثل هذا الكلام.
والآن نتوجه إلى ذلك القاعد في مقام الاستماع، فنقول له: مزِّق عنك قميصَ الإلحاد، وارمِه بعيدا، واستمع بأُذُن المؤمن، وتقلّدْ نظرَ المسلم، فسأبيّن لك قيمةَ بضعِ ثمرات ضمن مثالين صغيرين:
المثال الأول: هب أننا معك في مملكة واسعة. أينما تتوجّه فيها بالنظر فلا ترى إلّا العداء، فكلُّ شيء عدوّ لنا، وكلُّ شيءٍ يضمر عداوةً للآخر، وكلُّ ما فيها غريب عنا لا نعرفه، وكلُّ زاوية منها ملآى بجنائزَ تثير الرعبَ والدهشة. وتتعالى أصوات من هنا وهناك وهي أصواتُ نياحِ واستغاثاتِ اليتامى والمظلومين. فبينما نحن في مثل هذه المآسي والآلام، إذا بأحدٍ يذهب إلى سلطان المملكة ويأتي منه ببشرى سارة للجميع.
فإذا ما بدّلتْ تلك البشرى ما كان غريبا عنا أحبابا أودّاء.. وإذا ما غيّرتْ شكلَ مَن كنّا نراه عدوّا إلى صورةِ إخوانٍ أحبّاء.. وإذا ما أظهرتْ لنا الجنائزَ الميتة المخيفة على صورة عبادٍ خاشعين قانتين ذاكرين اللّٰه مسبّحين بحمده.. وإذا ما حوّلت تلك الصياحات والنواحات إلى ما يشبه الحمد والثناء والشكر.. وإذا ما بدّلت تلك الأموات والغصب والنهب إلى ترخيص وتسريح من أعباء الوظيفة.. وإذا كنا نحن نشارك الآخرين في سرورهم فضلا عن سرورنا.. عند ذلك يمكنك أن تقدّر مدى السرور الذي يعمّنا بتلك البشرى العظيمة.
وهكذا فإحدى ثمراتِ المعراج هي نور الإيمان، فلو خلَت الدنيا من هذه الثمرة، أي إذا ما نُظر إلى الكائنات بنظر الضلالة، فلا ترى الموجوداتِ إلّا غريبةً، متوحشة، مزعجة، مضرة، والأجسامَ الضخمة -كالجبال- جنائزَ تثير الدهشة والخوف. والأجلَ جلادًا يضرب أعناق الموجودات ويرميها إلى بئر العدم. وجميعَ الأصوات والأصداء ما هي إلّا صراخ ونعي ناشئان من الفراق والزوال..
فبينما تُصوِّر لك الضلالةُ الموجوداتِ هكذا، إذا بثمرة المعراج التي هي حقائقُ الإيمان
— 687 —
تنوّر الموجودات كلَّها وتبيّنها أنها أحبّاءُ متآخية، في تسبيح وذكر لربِّها الجليل، والموتُ والزوال تسريح من الوظيفة وراحة منها. وتلك الأصواتُ تسبيحات وتحميدات.. وهكذا، فإن شئتَ أن ترى هذه الحقيقة بأوضح صورتها فراجع "الكلمة الثانية" و"الكلمة الثامنة"..
المثال الثاني: هب أننا معك في صحراء كبرى. تحيط بنا عواصفُ رملية من كل جانب، وظلمةُ الليل تحجُب عنا كلَّ شيء حتى لا نكاد نرى أيدينا. والجوعُ يفتك بنا والعطشُ يلهبُ أفئدتَنا، ولا معينَ لنا ولا ملجأ.. تصوَّر هذه الحالة التي نضطربُ فيها، وإذا بشخصٍ كريم يمزّق حجابَ الظلام ثم يأتي إلينا، وفي معيّته مركبة فارهة هديةً لنا، فيقلّنا بها إلى مكان أشبه ما يكون بالجنة. كلُّ شيء فيه على ما يرام، كلُّ شيء مهيأ ومضمون لنا.. يتولانا مَن هو في منتهى الرحمة والشفقة والرأفة، وقد أعدّ لنا كلَّ ما نحتاجه من وسائل الأكل والشرب... أظنك تقدّر الآن كم نكون شاكرين لفضل ذلك الشخص الكريم، الذي أخذَنا من موضع اليأس والقنوط إلى مكان كله أمل وسرور.
فتلك الصحراءُ الكبرى هي هذه الدنيا، وتلك العواصفُ الرملية هي حركاتُ الذرات وسيولُ الزمان التي تضطرب بها الموجودات وهذا الإنسان المسكين.. كلُّ إنسان قلق ومضطرب يتوجس خيفةً مما يخفيه له مقبلُ أيامِه المظلمةُ المُخيفةُ.. هكذا تريه الضلالةُ فلا يعرف بمَن يستغيث، وهو يتضوّر جوعا وعطشا..
وهكذا، فمعرفةُ مرضيات اللّٰه سبحانه، وهي ثمرة من ثمرات المعراج، تجعل هذه الدنيا مَضيفا لمُضيف جوادٍ كريم. وتجعل الأناسيَّ ضيوفَه المكرّمين، ومأموريه في الوقت نفسه، وضَمِن له مستقبلا زاهيا كالجنة ومُمتِعا ولذيذا كالرحمة، وساطعا باهرا كالسعادة الأبدية.
فإذا تصورت هذا وذاك فعندئذ يمكنك أن تقيسَ مدى لذةِ تلك الثمرة وجمالِها وحلاوتها!
إنّ من كان في مقام الاستماع يقول: حمدا للّٰه وشكرا ألف شكرٍ فقد نجوتُ بفضلِه من الإلحاد، فسلكتُ طريقَ الإيمان والتوحيد. وغنِمتُ الإيمانَ.. والحمدُ للّٰه.
ونحن نقول له: أيها الأخ! نهنئك بالإيمان، ونسأله تعالى أن يجعلنا ممَّن ينالون شفاعةَ الرسول الكريم (ص).
— 688 —
اللّٰهم صل على من انشق بإشارته القمرُ، ونَبع من أصابعه الماءُ كالكوثرِ صاحبِ المعراج وما زاغ البصرُ، سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. من أول الدنيا إلى آخر المحشر.
سبحانك لا علَم لنا الّا ما عَلّمتنا إنك انتَ العليمُ الحكيمُ
ربَّنا تقبَّل منّا انك انت السميعُ العليمُ ٭ ربنّا لا تؤاخذْنا ان نسينا أو أخطأنا ٭ ربنّا لا تُزِغ قلوبنَا بعدَ إذْ هَدَيْتَنا ٭ ربنَّا أتمم لنا نورَنا واغفر لَنا إنك على كل شيءٍ قديرٌ
واخِرُ دَعْويهم أن الحمدُ للّٰه رَبِّ العَالمينَ
— 689 —

ذيل

الكلمة التاسعة عشرة والحادية والثلاثين
معجزة انشقاق القمر
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
اقتَرَبت الساعةُ وانشق القَمَر٭ وإنْ يَرَوا آيةً يُعرِضوا ويقولوا سحرٌ مستمرٌ
(القمر:١-٢)
إن فلاسفةً ماديیين، ومن يقلّدونهم تقليدا أعمى، يريدون أن يطمسوا ويخسفوا معجزةَ انشقاق القمر الساطع كالبدر، فيثيروا حولَها أوهاما فاسدة، إذ يقولون: "لو كان الانشقاق قد حدث فعلا لعَرفَه العالمُ، ولذكرتْه كتبُ التاريخ كُلُّها!".
الجواب: إن انشقاق القمر معجزة لإثبات النبوة، وقعَت أمام الذين سمعوا بدعوى النبوة وأنكروها، وحدثتْ ليلا، في وقتٍ تسود فيه الغفلةُ، وأظهِرت آنيا، فضلا عن أن اختلافَ المطالع ووجودَ السحاب والغمام وأمثالَها من الموانع تحُول دونَ رؤية القمر. علما أن أعمالَ الرصد ووسائلَ الحضارة لم تكن في ذلك الوقت منتشرةً؛ لذا لا يلزم أن يرى الانشقاقَ كلُّ الناس، في كل مكان، ولا يلزم أيضا أن يدخل كتبَ التاريخ.
فاستمع الآن إلى نقاط خمسٍ فقط من بين الكثير منها، تبدّد بإذن اللّٰه سُحبَ الأوهام التي تلبّدت على وجهِ هذه المعجزة الباهرة:
النقطة الأولى: إن تعنّت الكفار في ذلك الزمان معلوم ومشهور تاريخا، فعندما أعلن القرآن الكريم: وانشق القَمَر وبلغ صداه الآفاقَ، لم يجرؤ أحد من الكفار، وهم يجحدون بالقرآن، أن يكذّب بهذه الآية الكريمة. أي ينكر وقوعَ الحادثة. إذ لو لم تكن الحادثةُ قد وقعت فعلا في
— 690 —
ذلك الوقت، ولم تكن ثابتةً لدى أولئك الكفار، لاندفعوا بشدّة ليُبطلوا دعوى النبوة، ويكذّبوا الرسولَ (ص). بينما لم تنقل كتبُ التاريخ والسير شيئا من أقوال الكفار حول إنكارهم حدوثَ الانشقاق، إلّا ما بيّنته الآية الكريمة: ويقولوا سحرٌ مستمرٌ . وهو أن الذين شاهدوا المعجزةَ من الكفار قالوا: هذا سحر فابعثوا إلى أهل الآفاق حتى تنظروا أرأوا ذلك أم لا؟. ولمّا حان الصباحُ أتت القوافلُ من اليمن وغيرها فسألوهم، فأخبروهم: أنهم رأوا مثل ذلك. فقالوا: "إنّ سحرَ يتيمِ أبى طالب قد بلغ السماءَ!" [٭]: انظر: الترمذي، تفسير القرآن ٥٤؛ أحمد بن حنبل، المسند ٣/١٦٥؛ الطبري، جامع البيان ٢٧/٨٤-٨٥؛ القرطبي، الجامع لأحكام القرآن ١٧/١٢٦؛ البيهقي، دلائل النبوة ٢/٢٦٨؛ السيوطي، الخصائص الكبرى ١/٢٠٩.
النقطة الثانية: لقد قال معظمُ أئمة علم الكلام، من أمثال سعد التفتازاني: "إنّ انشقاقَ القمر متواتر، مثل فورانِ الماء من بين أصابعه الشريفة (ص) وارتواءِ الجيش منه، ومثل حنينِ الجذع من فراقه (ص) الذي كان يستند إليه أثناء الخطبة، وسماعِ جماعةٍ المسجد لأنينه. أي إن الحادثة نقلته جماعة غفيرة عن جماعةٍ غفيرة يستحيل تواطؤهم على الكذب، فالحادثة متواترة تواترا قطعيّا كظهور المذنّب قبل ألف سنة وكوجود جزيرة سرنديب التي لم نرها".
وهكذا ترى أن إثارةَ الشكوكِ حول هذه المسألة القاطعة وأمثالِها من المسائل المشاهَدة شهودا عيانا إنما هي بلاهة وحماقة، إذ يكفي فيها أنها من الممكنات وليست مستحيلا. علما أن انشقاق القمر ممكن كانفلاق الجبل ببركان.
النقطة الثالثة: إنّ المعجزة تأتي لإثبات دعوى النبوة عن طريق إقناع المنكرين، وليس إرغامهم على الإيمان. لذا يلزم إظهارها للذين سمعوا دعوى النبوة، بما يوصلهم إلى القناعة والاطمئنان إلى صدق النبوة. أما إظهارُها في جميع الأماكن، أو إظهارُها إظهارا بديهيا بحيث يضطر الناسُ إلى القبول والرضوخ فهو منافٍ لحكمة اللّٰه الحكيم ذي الجلال، ومخالف أيضا لسرّ التكليف الإلهي. ذلك لأن سرَّ التكليف الإلهي يقتضي فتحَ المجال أمام العقل دون سلب الاختيار منه.
فلو كان الخالقُ الكريم قد ترك معجزةَ الانشقاق باقيةً لساعتين من الزمان، وأظهرَها
— 691 —
للعالَم أجمع ودخلت بطونَ التاريخ كما يريدُها الفلاسفةُ لكان الكفار يقولون إنها ظاهرة فلكية معتادة. وما كانت حجةً عیلى صدق النبوة، ولا میعجزةً تخص الرسول الأعظم (ص). أو لكانت تصبح معجزةً بديهية تُرغم العقلَ على الإيمان وتسلبُ منه الاختيار، وعندئذٍ تتساوى أرواح سافلة كالفحم الخسيس من أمثال أبي جهل، مع الأرواحِ العالية الصافية كالألماس من أمثال أبي بكر الصديق رضي اللّٰه عنه، أي لكان يضيع سرُّ التكليف الإلهي.
ولأجل هذا فقد وقعت المعجزةُ آنيا، وفي الليل، وحين تسود الغفلةُ، وغدا اختلاف المطالع والغمام وأمثالُها حُجُبا أمام رؤية الناس لها. فلم تدخل بطونَ كتب التاريخ.
النقطة الرابعة: إنّ هذه المعجزة التي وقعت ليلا، وآنيا، وعلى حين غفلة، لا يراها كلُّ الناس دون شك في كل مكان. بل حتى لو ظهرتْ لبعضهم، فلا يصدِّق عينَه، ولو صدّقها، فإن حادثةً كهذه مرويةً من شخص واحد لا تكون ذات قيمة للتاريخ.
ولقد ردّ العلماءُ المحققون ما زيدَ في رواية المعجزة من أن القمرَ بعد انشقاقه قد هبط إلى الأرض! قالوا: ربما أدخل هذه الزيادة بعضُ المنافقين ليُسقطوا الرواية من قيمتها ويهوّنوا من شأنها.
ثم إن في ذلك الوقت كانت سُحُب الجهل تغطى سماءَ إنكلترا، والوقتُ على وشك الغروب في إسبانيا، وأمريكا في وضح النهار، والصباحُ قد تنفّس في الصين و اليابان.. وفي غيرها من البلدان هناك موانع أخرى للرؤية، فلا تشاهَد هذه المعجزة العظيمة فيها.
فإذا علمتَ هذا فتأمل في كلام الذي يقول: "إنّ تاريخ إنكلترا و الصين و اليابان وأمريكا وأمثالِها من البلدان لا تذكر هذه الحادثة، إذن لم تقع!". أيُّ هذرٍ هذا.. ألاَ تبًّا للذين يقتاتون على فتات أوربا..
النقطة الخامسة: إنّ انشقاق القمر ليس حادثةً حدثت من تلقاء نفسها، بناءً على أسباب طبيعية وعن طريق المصادفة! بل أوقعها الخالقُ الحكيم، ربُّ الشمس والقمر، حدثا خارقا للسنن الكونية،
— 692 —
تصديقا لرسالة رسوله الحبيب (ص)، وإعلانا عن صدقِ دعوتِه، فأبرزه سبحانه وتعالى وفقَ حكمته وبمقتضى سرِّ الإرشاد والتكیليف وحكمة تبليغ الرسالة، وليقيم الحجةَ على من شاء من المشاهدين له، بينما أخفاه، اقتضاءً لحكمته سبحانه ومشيئته، عمن لم تبلغهم دعوةُ نبيه (ص) من الساكنين في أقطار العالم، وحَجَبه عنهم بالغيوم والسحاب وباختلاف المطالع وعدم طلوع القمر، أو شروق الشمس في بعض البلدان وانجلاء النهار في أخرى، وغروب الشمس في غيرها.. وأمثالها من الأسباب الداعية إلى حَجب رؤيةِ الانشقاق.
فلو أُظهرت المعجزةُ إلى جميع الناس في العالم كلِّه، فإما أنها كانت تبرز لهم نتيجةَ إشارة الرسول الأعظم (ص) وإظهارا لمعجزة نبوية، وعندها تصل إلى البداهة، أي يضطرُّ الناسُ كلُّهم إلى التصديق، أي يُسلَب منهم الاختيار، فيضيع سرُّ التكليف. بينما الإيمانُ يحافظ على حرية العقل في الاختيار ولا يسلبها منه.. أو أنها تبرز لهم كحادثةٍ سماوية محضة، وعندها تنقطع صلتُها بالرسالة الأحمدية ولا تبقى لها مزيّة خاصة.
الخلاصة: إن إمكان انشقاق القمر لا ريب فيه. فلقد أثبت إثباتا قاطعا. وسنشير هنا إلى وقوعه بستة براهينَ قاطعة (٭): أي إن هناك ست حجج قاطعة على وقوع انشقاق القمر في ستة أنواعٍ من الإجماع. ولكن للأسف لم نوف هذا المقام حقّه من البحث فظل مقتضبا. (المؤلف). من بين الكثير منها، وهي: إجماعُ الصحابة الكرام رضوان اللّٰه عليهم أجمعين وهم العدول. واتفاقُ العلماء المحققين من المفسرين لدى تفسيرهم: وانشق لقَمَر . ونقلُ جميع المحدّثين الصادقين في رواياتهم وقوعَه بأسانيد كثيرة وبطرق عديدة. [٭]: نذكر ثلاثة أحاديث متفق عليها: ١. عن عبد اللّٰه بن مسعود رضي اللّٰه عنه قال: انشق القمر على عهد رسول اللّٰه (ص) شقين فقال النبي (ص): "اشهدوا". (متفق عليه). ٢. وعن انس رضي اللّٰه عنه: أن أهل مكة سألوا رسول اللّٰه (ص) أن يريهم آية فأراهم انشقاق القمر. (متفق عليه). ٣. وعن ابن عباس رضي اللّٰه عنهما أن القمر انشق في زمان النبي (ص). (متفق عليه). راجع: مسند الإمام أحمد ١/ ٣٧٧، ٤١٣، ٤٤٧، ٤٥٦، ٣/٢٠٧، ٢٢٠، ٢٧٥، ٢٧٨، ٤/٨١ ورواه الطيالسي برقم ٢٩٥، ١٨٩١، ١٩٦٠. وتفسير ابن كثير (٦/٤٦٩) لمعرفة تواتر الحادثة. وشهادةُ جميع أهل الكشف والإلهام من الأولياء والصديقين الصالحين. وتصديقُ أئمة علم الكلام المتبحرين رغم تباين مسالكهم ومشاربهم. وقبول الأمة التي لا تجتمع على ضلالة كما نص عليه الحديث الشريف. [٭]: قال رسول اللّٰه (ص): "لا تجتمع أمتي على ضلالة" (كشف الخفاء ٢/٣٥٠: أبو داود، الفتن والملاحم ١؛ الترمذي، الفتن ٧؛ ابن ماجه، الفتن ٧؛ الدارمي، المقدمة ٨؛ أحمد بن حنبل، المسند ٦/٣٩٦؛ الحاكم، المستدرك ١/٢٠).
كل ذلك يبيّن انشقاق القمر ويثبته إثباتا قاطعا يضاهي الشمسَ في وضوحها.
— 693 —
حاصل الكلام كان البحث إلى هنا باسم التحقيق العلمي، إلزاما للخصم. أما بعد هذا فسيكون الكلامُ باسم الحقيقة ولأجل الإيمان. فقد نطق التحقيقُ العلمي هكذا. أما الحقيقةُ فتقول:
إنّ خاتمَ ديوان النبوة (ص) وهو القمرُ المنير لسماء الرسالة، وقد سمَتْ ولايةُ عبوديته إلى مرتبة المحبوبية، فأظهرت الكرامةُ العظمى والمعجزةُ الكبرى بالمعراج. أي بجولان جسمٍ أرضي في آفاق السماوات العلى، وتعريفِ أهل السماوات به، فأثبتت بتلك المعجزة ولايتُه العظمى للّٰه ومحبوبيتُه الخالصة له وسموُّه على أهل السماوات والملأ الأعلى.. كذلك فقد شقّ سبحانه القمرَ المعلّق في السماء والمرتبط مع الأرض بإشارةٍ من عبده في الأرض، فأظهر معجزتَه هذه، إثباتًا لرسالة ذلك العبد الحبيب، حتى أصبح (ص) كالفلقين المنيرين للقمر، فعرجَ إلى أوج الكمالات بجناحَي الولاية والرسالة النورانيين. حتى بلغ قابَ قوسين أو أدنى وأصبح فخرا لأهل السماوات كما هو فخر لأهل الأرض.
عليه وعلى آله وصحبه الصلاةُ والتسليمات ملء الأرض والسماوات.
سبحانك لا علم لنا إلّا ما علمتنا انك انت العليم الحكيم
اَللّٰهمَّ بِحَقِّ مَن انشَقَّ الْقَمَر بِإِشَارَتِهِ اجْعَل قَلبِي وَقُلُوبَ طَلَبَةِ رَسَائلِ النُّورِ الصَّادِقِينَ كَالْقَمَرِ فِي مُقَابَلَةِ شَمْسِ الْقُرآنِ.. آمِينَ. آمِينَ.
— 694 —

الكلمة الثانية والثلاثون

هذه الكلمة ذيل يوضح اللمعة الثامنة من "الكلمة الثانية والعشرين". وهي تفسير لأول لسان من خمسة وخمسين لسانا من ألسنة الموجودات الشاهدة على وحدانية اللّٰه سبحانه وتعالى، والتي أشير إليها في رسالة "قطرة من بحر التوحيد" [٭]: منشورة ضمن رسائل المثنوي العربي النوري. وهي في الوقت نفسه حقيقة من الحقائق الزاخرة للآية الكريمة: لو كانَ فيهما آلهةٌ إلّا اللّٰه لفسدتا (الأنبياء:٢٢) لبسَت ثوبَ التمثيل.
الموقف الأول
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
لو كانَ فيهما آلهةٌ إلّا اللّٰه لفسدتا
(الأنبياء:٢٢)
"لاَ إِلَهَ إِلَّا اللّٰه وَحدَهُ لاَ شَريكَ لَهُ لَهُ الْمُلكُ وَلَهُ الْحَمدُ يُحيِي وَيُمِيتُ
وَهُوَ حَيّ لاَ يَمُوتُ بِيَدِهِ الْخَير وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير وَإلَيهِ الْمَصِيرُ".
[٭]: الترمذي، الدعوات ٣٦؛ النسائي، المناسك ١٦٣؛ ابن ماجه، المناسك ٨٤؛ الدارمي، المناسك ٣٤؛ أحمد بن حنبل، المسند ١/٤٧.
كنت قد بَيَّنتُ في إحدى ليالي رمضان المبارك؛ أنّ في كلٍّ من الجمل الإحدى عشرة من هذا الكلام التوحيدي بشارة سارة، ومرتبة من مراتب التوحيد. وقد بسطت الكلام بسطا
— 695 —
يقرب من فهم العوام لتوضيح ما في جملة "لا شريك له" وحدَها من معانٍ جميلة؛ وذلك على صورة محاورة تمثيلية ومناظرة افتراضية، واتخاذ لسانِ الحال على هيئة لسان المقال. وأدرجُ الآن تلك المحاورة إسعافا لطلب إخوتي الأعزاء الذين يعينونني في شؤوني، ونیزولا عند رغبة رفقائي في المسجد ونظرا لطلبهم. وهي على النحو الآتي:
نفترض شخصا يمثل الشركاءَ الذين يتوهمُهم جميعُ أنواع أهل الشرك والكفر والضلال من أمثال عبَدة الطبيعة والمعتقدين بتأثير الأسباب والمشركين. ونفرض أن ذلك الشخص المفترَض يريد أن يكون ربا لشيء من موجودات العالم، ويدّعي التملّك الحقيقي له!
وهكذا فقد قابل ذلك المدَّعي أولا ما هو أصغر شيء في الموجودات وهو الذرة، فقال لها بلسان الطبيعة وبلغة الفلسفة المادية إنه ربّها ومالكها الحقيقي!
فأجابته تلك الذرةُ بلسان الحقيقة وبلُغةِ الحكمة الربانية المودَعة فيها: إنني أؤدي وظائفَ وأعمالا لا يحصرها العدّ. فأدخلُ في كل مصنوع على اختلاف أنواعه، فإن كنت أيها المدَّعي مالكا علما واسعا يحيط بجميع تلك الوظائف وصاحبَ قدرةٍ شاملة توجّه جميعَها، ولك حكم نافذ وهيمنة كاملة على تسخيري وتوجيهي مع أمثالي
(٭): نعم، كما أن كل شيء متحرك ابتداءً من الذرات إلى الكواكب السيارة يدل على الوحدانية، بما فيه من سكة الصمدانية وطابعها، فإنه يضم جميع الأماكن التي يجول فيها ضمن مُلك مالكه الواحد.. أما المصنوعات الساكنة ابتداءً من النباتات إلى النجوم الثابتة فهي بمثابة أختام الوحدانية حيث يظهر كل منها أن موضعه بمثابة رسالة من صانعه ومكتوب منه. أي إن كل نبات، وكل ثمر، هو ختم وحدانية، وسكة وحدة، بحيث يدل على أن مواضعه وأوطانه رسالة لصانعه البديع.
والخلاصة: أن كل شيء يسيطر بحركته على جميع الأشياء باسم الوحدانية، أي إن الذي لا يقبض زمام جميع النجوم بيده لن يكون ربا على الذرة. (المؤلف).
من الذرات العاملة والمتجولة في الوجود.. وكذا لو كنت تتمكن من أن تكون مالكا حقيقيا للموجودات التي أنا جزء منها، كالكريات الحمر، وتتصرفَ فيها بانتظام تام.. فلكَ أن تدّعيَ المالكية عليّ، وتُسند أمري إلى غير خالقي سبحانه.. وإلّا فاسكت! إذ لا تقدر على أن تتدخلَ في شؤوني فضلا عن أنك لا تستطيع أن تكون ربا لي؛ لأن ما في وظائفنا وأعمالنا وحركاتنا من النظام المتقن الكامل بحيث لن يقدر عليه مَن لم يكن ذا حكمةٍ مطلقةٍ وعلم محيط، فلو تدخّل غيرُه لأفسد. فأنّى لك أيها المدَّعي أن تمدّ إصبعك في شؤوننا وأنت العاجز الجامد الأعمى الأسيرُ بيد الطبيعة والمصادفة العمياويين!
— 696 —
فقال المدَّعي ما يقوله الماديون: "إذن كُوني مالكةً لنفسك، فَلِمَ تقولين إنك تعملين في سبيل غيرك؟"
فأجابته الذرة: "لو كان لي عقل جبار كالشمس وعلم محيط كضوئها وقدرة شاملة كحرارتها وحواس ومشاعرُ واسعة كالألوان السبعة في ضيائها ووجه متوجّه إلى كل مكان أسيح فيه وعين ناظرة وكلام نافذ إلى كل موجود أتوجه إليه.. ربما كنتُ أتغابى مثلَك فأدّعي الحاكمية لنفسي!. تنحَّ عني فليس لك موضع فينا".
وعندما يئس داعيةُ الشرك من الذرة. قابل كريةً حمراء من الدم، علّه يظفر منها بشيء. فقال لها بلسان الأسباب ولغةِ الطبيعة ومنطقِ الفلسفة: "أنا لكِ رب ومالك!"
فردّت عليه الكريةُ الحمراء بلسان الحقيقة وبلغة الحكمة الربانية: "إنني لستُ وحيدةً منفردة، فأنا وأمثالي جميعا في جيش الدم الكثيف، نظامُنا واحد ووظائفُنا موحدة، نسير تحت إمرة آمرٍ واحد. فإن كنت تقدر على أن تملك زمامَ جميع ما في الدم من أمثالي، ولك حكمة دقيقة وقدرة عظيمة تحكمان سيطرتَهما على جميع خلايا الجسم التي نجول فيها ونُستخدَم لإنجاز مهماتٍ فيها بكل حكمة وانتظام، فهاتها. فلربما يكون عندئذٍ لدعواك معنى. ولكنك أيها المدَّعي لا تملك سوى قوةٍ عمياء وطبيعةٍ صماء، فلا تقدِرُ على أن تتدخل في شؤوننا ولو بمقدار ذرة، فضلا عن ادّعاء التملّك علينا؛ لأن النظام الذي يهيمن علينا دقيق وصارم إلى حدّ لا يمكن أن يحكُمنا إلّا من يرى كلَّ شيء ويسمعُ كلَّ شيء ويعلمُ كلَّ شيء ويفعلُ ما يشاء. ولهذا فاسكت. إذ لا تدعُ وظائفُنا الجليلةُ ودقتُها ونظامُها مجالا لنا لنسمع هذرَك.." وهكذا تطرده الكريةُ الحمراء.
ولمّا لم يجد ذلك المدَّعي بغيتَه فيها. ذهب فقابل خليةً في الجسم فقال لها بمنطق الفلسفة ولسان الطبيعة: "لم أتمكن من أن أُسمعَ دعواي إلى الذرة، ولا إلى الكرية الحمراء، فلعلّي أجد منك أذنا صاغية؛ لأنك لستِ إلّا حُجيرة صغيرة حاوية على أشياء متفرقة! ولهذا فإنني قادر على صنعك. فكوني مصنوعتي ومملوكتي حقا!"
فقالت له الخلية بلغة الحكمة والحقيقة: "إنني صغيرة جدّا حقا، ولكنْ لي وظائفُ جليلةٌ وجسيمة، ولي علاقات وروابط وثيقة ودقيقة جدّا مع جميع خلايا الجسم. فلي وظائف متقنة
— 697 —
مع جميع الأوعية الدموية من شرايين وأوردة وأعصاب محرّكة وحسية، ومع جميع القوى التي تنظّم الجسم كالقوة الجاذبة والدافعة والمولّدة والمصوّرة وأمثالها. فإن كان لك أيها المدَّعي علم واسع وقدرة شاملة تنشئ تلك العروق والأعصاب والقوى المودَعة في الجسم وتنسّقها وتستخدمُها في مهماتها.. وكذا إن كانت لديك حكمة شاملة وقدرة نافذة تستطيع أن تتصرف في شؤون أخواتي من خلايا الجسم كلِّها، والتي تتشابه في الإتقان والروعة النوعية، فهيا أظهرها. ثم ادّع بأنك تتمكن من صنعي. وإلّا فاغرب عنا. فإن الكريات الحمر تزودني بالأرزاق، والكريات البيض تدافع عني تجاه الأمراض المهاجمة. فليَ أعمال جسام، لا تشغلني عنها. فإنّ عاجزا قاصرا أعمى مثلَك ليس له حقُّ التدخل في شؤوننا الدقيقة أبدا؛ لأن فينا من النظام المُحكم الكامل
(٭): إن الصانع الحكيم قد خلق جسم الإنسان على هيئة مدينة منسقة ومنتظمة جدّا. فقسم من العروق يقوم بمهمة التلغراف والتلفون، وقسم منها بمثابة الأنابيب التي تأتي بالماء من الينابيع فيسير فيها الدم، ذلك السائل الباعث على الحياة.. والدم نفسه قد خلق فيه قسمان من الكريات، يطلق على إحداهما الكريات الحمر التي تقوم بتوزيع الأرزاق إلى حجيرات البدن، فتوصل إليها أرزاقها بقانون إلهي مثلما يقوم موظفو الأرزاق وتجّارها بالتوزيع. والقسم الآخر هو الكريات البيض التي هي أقل عددا من الأولى، وتقوم بالدفاع عن الجسم تجاه الأمراض متخذة وضعا سريعا عجيبا بنوعين من الدوران والحركة -كالمريد المولوي- حالما تدخل حومة المعركة.. أما مجموع الدم فله وظيفتان عامتان: الأولى: تعمير الحجيرات المتهدمة في الجسم وترميمها.. والأخرى: تنظيف الجسم بجمع النفايات وأنقاض الخلايا.
وهناك قسمان من العروق أيضا، يطلق على أحدهما الشرايين التي تقوم بنقل الدم الصافي وتوزيعه، فهي بحكم مجاري الدم النقي الصافي.. والآخر: هو مجاري الدم الفاسد الذي يجمع النفايات الضارة والأنقاض، ويأتي بها إلى الرئة التي هي مركز التنفس.
إن الصانع الحكيم قد خلق عنصرين في الهواء أحدهما: الآزوت، والآخر: مولد الحموضة (الأوكسجين) فهذا الأخير ما إن يلامس الدم في أثناء التنفس حتى يجذب إليه الكربون الكثيف الذي لوّث الدم محولا إياه إلى مادة سامة يطلق عليها "حامض الكربون البخاري" (ثنائي أوكسيد الكربون) وبهذا يقوم بتنقية الدم وتصفيته، فضلا عن أنه يضمن الحرارة الغريزية للجسم. ذلك لأن الصانع الحكيم قد وهب لمولد الحموضة والكربون علاقة شديدة تلك التي يطلق عليها (الألفة الكيمياوية) بحيث ما إن يقتربان حتى يمتزجا معا بقانون إلهي، فتتولد الحرارة من هذا الامتزاج كما هو ثابت علما، إذ الامتزاج نوع من احتراق.
وحكمة هذا السر هي ما يأتي: إن لذرات كل عنصر من العناصر حركات مختلفة، فأثناء الامتزاج، تمتزج الحركتان معا وتتحرك الذرتان حركة واحدة، وتظل حركة واحدة معلقة، سائبة، فتنطلق، بقانون الصانع الحكيم، على صورة حرارة. ومعلوم أن الحركة تولد الحرارة، كما هو ثابت ومقرر. وبناء على هذا السر، فكما تتحقق حرارة الجسم الغريزية بهذا الامتزاج الكيمياوي، يتصفى الدم أيضا عندما يُسلب منه الكربون.
وهكذا ينقي الشهيق ماء حياة الجسم ويشعل نار الحياة. أما الزفير فإنه يثمر الكلمات المنطوقة من الفم، التي هي معجزات القدرة الإلهية، فسبحان من تحير في صنعه العقول. (المؤلف)
ما لو يحكمنا غيرُ الحكيم المطلق والقديیییر المطلق والعليم المطلق لیفیسد نظامُنا وانفرط عقدُنا".
— 698 —
وهكذا يئس المدَّعي من الخلية كذلك، ولكنه قابل جسمَ الإنسان، فقال له كما يقول الماديون، بلسان الطبيعة العمياء والفلسفة الضالة: "أنت مُلكي. فأنا الذي صنعتُك، أو في الأقل لي حظّ فيك!"
فردّ عليه ذلك الجسمُ الإنساني بحقيقة النظام الحكيم الذي فيه: "إن كان لك أيها المدعي علم واسع وقدرة شاملة لها التصرف المطلق في جميع أجسام البشر من أمثالي، لوضعِ العلامات الفارقة الظاهرة في وجوهنا، والتي هي طابعُ القدرة وختمُ الفطرة.. وكذا لو كانت لك ثروة طائلة وحاكمية مهيمینة تتحكم في مخازن أرزاقي الممتدة من الهواء والماء إلى النباتات والحيوانات.. وكذا لو كانت لك حكمة لا حدّ لها وقدرةٌ لا منتهى لها بحيث تمكّن اللطائفَ المعنوية الراقية الواسعة من روحٍ وقلبٍ وعقل في بودقة صغيرة مثلي، وتسيّرها بحكمة بالغة إلى العبودية، فأرنيها ثم ادّع الربوبية لي، وإلّا فاسكت. فإن صانعي الجليل قادر على كل شيء، عليم بكل شيء، بصير بكل شيء، سميع لكل شيء، بشهادةِ النظام الأكمل الذي يسيّرني، وبدلالةِ طابع الوحدانية الموجود في وجهي، فلا يقدرُ عاجز وضال مثلُك أن يمدّ إصبعه إلى صنعته البديعة أبدا ولا أن يتدخّل فيها ولو بمقدار ذرة".
فانصرف داعيةُ الشرك حيث لم يستطع أن يجد موضعا للتدخل في الجسم، فقابلَ نوعَ الإنسان، فحاور نفسه قائلا: "ربما أجد في هذه الجماعة المتشابكة المتفرقة موضعا، فأتدخل في أحوال فطرتهم ووجودهم مثلما يتدخل الشيطانُ بضلاله في أفعالهم الاختيارية وشؤونِهم الاجتماعية. وعندها أتمكن من أن أجري حُكمي على جسم الإنسان الذي طردني هو وما فيه من خلايا".
ولهذا خاطب نوعَ الإنسان بلسان الطبيعة الصماء والفلسفة الضالة أيضا: "أنتم أيها البشر تبدون في فوضى، فلا أرى نظاما ينظّمكم، فأنا لكم رب ومالك، أو في الأقل لي حصة فيكم".
فردّ عليه حالا نوعُ الإنسان بلسان الحق والحقيقة وبلغة الحكمة والانتظام: "إن كنت -أيها المدَّعي- مالكا قدرةً تتمكن من أن تُلبس الكرةَ الأرضية حلّة قشيبةً ملونة بألوانٍ زاهية منسوجةٍ بكمال الحكمة بخيوط أنواع النباتات والحيوانات التي تنوف على مائة ألف نوع،
— 699 —
الشبيهة بنوعنا الإنساني، وتكون بوسعِها نسجُ ذلك البساط البديع المفروش على الأرض من خيوط مئات الألوف من أنواع الكائنات الحية، والتي هي في أبدع نقشٍ وأجملِه.. وفضلا عن خلق هذا البساط الرائع، وتجدّده دوما وبحكمة تامة! فإن كانت لديك قدرة محيطة وحكمة شاملة كهذه، بحيث تتصرف في كرة الأرض التي نحن من ثمارها، وتدبِّر شؤونَ العالم الذي نحن بذورُه، فترسلُ بميزان الحكمة لوازمَ حياتنا إلينا من أقطار العالم كله.. وإن كنت -أيها المدَّعي- تنطوي على اقتدار يخلق علاماتِ القدرة الإلهية المميّزة الموحدة في وجوهنا، وفي أمثالنا من السالفين والآتين.. فإن كنتَ مالكا لما ذكیرنا فلربما يكون لك حقُّ ادّعاء الربوبية عليّ. وإلّا فاخرس! ولا تقل إنني أتمكن من أن أتدخل في شؤون هیؤلاء الذين يبدون في اختلاط وتشابك، إذ الانتظامُ عندنا على أتمِّه. وتلك الأوضاعُ التي تظنها فوضى إنما هي استنساخ للقدرة الإلهية بكمال الانتظام على وفق القَدر الإلهي. فلئن كان النظامُ دقيقا في أدنى درجات الحياة كالنباتات والحيوانات وهي تحت نظرتنا ويرفض أيَّ تدخّلٍ كان، فكيف بنا ونحن في قمة مراتب الحياة؟ أليس الذي يبدو اختلاطا وفوضى هو نوع من كتابة ربانية حكيمة؟ أفيمكن للذي مكّن خيوطَ النقوش البديعة لهذا البساط، كل في موضعه المناسب، وفي أي جزءٍ وطرف كان، أن يكون غيرَ صانعِه، غيرَ خالقِه الحقيقي، فهل يمكن أن يكونَ خالقُ النواة غيرَ خالقِ ثمرتِها؟ وهل يمكن أن يكون خالقُ الثمرة غيرَ خالق شجرتها؟ ولكنك أعمى لا تبصر! ألا ترى معجزاتِ القدرة في وجهي وخوارق الصنعة في فطرتي؟ فإن استطعتَ أن تشاهدها، فستدرك أن خالقي لا يخفى عليه شيء ولا يصعب عليه أمر، ولا يعجزه شيء، يدير النجومَ بيُسر إدارة الذرات، ويخلق الربيعَ الشاسع بسهولة خلق زهرة واحدة، وهو الذي أدرج فهرسَ الكون العظيم في ماهيتي بانتظام دقيق، أفيمكن لعاجزٍ أعمى مثلِك أن يحشر نفسه فيتدخل في إبداع هذا الخالق العظيم والصانع الجليل.. ولهذا فاسكتْ واصرفْ وجهَك عني.. فيمضى مطرودا.
ثم يذهبُ ذلك المدَّعي إلى البساط الزاهي المفروش على وجه الأرض والحُلّة القشيبة المزيّنة التي ألبست، فخاطبَه باسم الأسباب وبلغة الطبيعة ولسان الفلسفة: "إنني أتمكن من التصرف في شؤونك، فأنا إذن مالك لك ولي حظّ فيك في الأقل".
وعند ذلك تكلم ذلك البساطُ المزركش، تلك الحلة القشيبة (٭): ولكن مثلما أن هذا النسيج ذو حيوية، فهو كذلك في اهتزاز منتظم إذ تتبدل نقوشه باستمرار وبحكمة كاملة وتناسق تام، وذلك إظهارا لتجليات الأسماء الحسنى المختلفة لنسّاجه البديع في تجليات متنوعة مختلفة. (المؤلف). وخاطب ذلك المدعي
— 700 —
بلغة الحقيقة وبلسان الحكمة المودَعة فيه: "إن كانت لك قدرة نافذة وإتقان بديع يجعلانك تنسج جميعَ هذه البُسط المفروشة والحُلل البهية التي تخلعُ على الأرض بعدد القرون والسنين ثم تنیزعها عنها بنظام تام وتنشرها على حبل الزمان الماضي، ومن بعد ذلك تخيط ما تُخلع عليها من حُلل زاهرة بنقوشها وتفصّل تصاميمَها في دائرة القَدر.. وكذا إن كنت مالكا ليَدٍ معنوية ذات قدرة وحكمة بحيث تمتد إلى كل شيءٍ ابتداءً من خلق الأرض إلى دمارها، بل من الأزل إلى الأبد، فتجدّد وتبدّل أفراد لُحمة بساطي هذا وسداه.. وكذا إن كنت تستطيع أن تقبض على زمام الأرض التي تلبسنا وتكتسي بنا وتتستر.. نعم، إن كنت هكذا فادّع الربوبية عليَّ.. وإلّا فاخرج مذموما مدحورا من الأرض. فليس لك مقام هنا؛ إذ فينا من تجليات الوحدانية وأختام الأحدية بحيث مَن لم يكن جميعُ الكائنات في قبضة تصرفه ولم يرَ جميع الأشياء بجميع شؤونِها دفعةً واحدة، ولم يستطع أن يعمل أمورا لا تُحد في آن واحد، ولم يكن حاضرا ورقيبا في كل مكان ومنیزّها عن المكان والزمان.. لا يتمكن أن يكون مالكا لنا أبدا، بل لا يمكن أن يتدخل في أمورنا مطلقا. أي مَن لم يكن مالكا لقدرةٍ مطلقة وحكمةٍ مطلقة وعلم مطلق، لا يمكن أن يتحكم فينا ويدَّعي المالكيةَ علينا".
وهكذا يذهب المدَّعي مخاطبا نفسَه: "لأذهبْ إلى الكرة الأرضية علَّني أستغفلُها وأجدُ فيها موضعا.." فتوجَّهَ إليها قائلا لها
(٭): الحاصل: إن الذرة تحيل ذلك المدّعي إلى الكرية الحمراء، وهذه تحيله إلى الخلية، وهذه إلى الجسم، والجسم يحيله إلى النوع الإنساني، والنوع إلى الحلّة المنسوجة من الأحياء التي يلبسها سطح الأرض، وتحيله حلّة سطح الأرض إلى الأرض نفسها، وهذه إلى الشمس، والشمس إلى النجوم.. وهكذا يقول كل منها: انصرف عنّا.. فلو استطعت أن تسيطر على من هو فوقي فحاول السيطرة عليّ، وإلّا فأنت عاجز عن التحكم عليّ. فإذن من لم ينفذ أمره على النجوم كافة لا يمكنه أن ينفذه على ذرة واحدة. (المؤلف)
باسم الأسباب وبلسان الطبيعة مرة أخرى: "إنّ دورانكِ هكذا دون قصد يشفُّ عن أنّك سائبة دون مالك. ولهذا يمكن أن تكوني طوعَ أمري!"
فردَّتْ عليه الأرضُ بصيحة كالصاعقة منكرةً دعواه بلسان الحق والحقيقة المضمَرة فيها: "لا تهذرْ أيها الأحمق الأبله!. كيف أكون هملا بلا مالك ومولى! فهل رأيت في ثوبي الذي ألبسُه خيطا واحدا فقط نشازا بغير حكمةٍ ومن دون إتقان! حتى تزعم أنّ حبلي على غاربي وأنني بلا مولى ولا مالك؟ انظر إلى حركاتي فحسب، ومنها حركتي السنوية (٭): إذا كان نصف قطر دائرة مائة وثمانين مليون كيلومترا، فتلك الدائرة تكون بمسافة خمس وعشرين ألف سنة تقريبا. (المؤلف). التي
— 701 —
أسير فيها مسافةَ خمسٍ وعشرين ألف سنةً في سنة واحدة فقط، منجِزةً وظائفي المُلْقاة عليَّ بكمال الميزان والحكمة.. فإن كانت لديك حكمة مطلقة وقدرة مطلقة فتُسيّر وتُجري معي رفقائي من السيارات العشر من أمثالي في أفلاكها العظمى، وتخلقُ الشمسَ المنيرة التي هي قائدُنا وإمامُنا والتي تربطنا وإياها جاذبةُ الرحمة فتديرُنا وتجري بنا أنا والسيارات جميعا حول الشمس بنظام تام وحكمة كاملة. نعم، أيها المدَّعي إن كانت لديك قدرة مطلقة وحكمة مطلقة على إدارة هذه الأمور الجسام وتدبيرها فادّع بدعواك. وإلّا فاتركْ هذا الهذيان المفرط، وسُحقا لك في جهنم وبئس المصير، فلا تشغلني عن مهماتي العظيمة. إذ إنّ ما فينا من الانتظام الرائع والتناسق المهيب والتسخير الحكيم يدل بوضوح على أن جميع الموجودات من الذرات إلى النجوم والى الشموس طوعَ أمر صانعنا ومسخّرة له. إذ مثلما ينظّم الشجرةَ بسهولة ويزّين ثمراتِها فإنّه بالسهولة نفسها ينظّم الشمس بسياراتها. فهو الحكيم ذو الجلال والحاكم المطلق ذو الكمال".
ثم يتوجّه ذلك المدَّعي إلى الشمس بعد أن لم يجد له موضعَ قدم في الأرض فَحَاورَ نفسَه قائلا: "إنّ هذه الشمس شيء عظيم، لعلّي أجد فيها ثغرةً أمرر فيها دعواي وأسخّر بدوري الأرض كذلك".
فقال للشمس بلسان الشرك وأضاليل الفلسفة الشيطانية، وكما يقوله المجوس: "أنتِ يا شمسُ سلطانةُ العالم، وأنت حتما مالكة لنفسك، وتتصرفين في العالم كيف تشائين".
وعلى الفور أجابَته الشمسُ باسم الحق وبلسان الحقيقة والحكمة الإلهية: "كلّا وألف مرة كلّا.. بل لستُ إلّا مأمورةً مطيعة مسخرة بوظيفةِ تنوير مستضاف سيدي. فلست مالكةً لنفسي أبدا بل لستُ مالكةً حتى لجناح ذبابة مُلكا حقيقيا، لأن في جسم الذباب من الجواهر المعنوية النفيسة، كالعين والأذن ومن بدائع الصنعة، ما لا أملكه قط وما هو خارج عن طوقي" وهكذا توبّخ المدَّعي.
فينبرى ذلك المدَّعي قائلا بلسان الفلسفة المتغطرسة المتفرعنة: "ما دمتِ لستِ مالكةً لنفسك، بل خادمة، فإذن أنت مملوكة لي وتحت تصرفي باسم الأسباب".
— 702 —
فردّت عليه الشمسُ ردا قويا باسم الحق والحقيقة وبلسان العبودية قائلة: "إنما أنا أكون مملوكةً لمن خلق نجوما عالية من أمثالي، وأسكنَها في سمائه بكمال حكمة، وأدارها بكمال هيبة، وزيّنها بكمال زينة".
ثم إن ذلك المدَّعي بدأ يحدّث نفسَه: "إن النجوم مختلطة مزدحمة، وهي مشتَّتة متباعدة بعضُها عن بعض، فلعلّي أجد منها موضعا باسم موكلي فأظفر منها بشيء..". فيدخل بين النجوم.
فقال لها كما يقول الصابئة عُبّاد النجوم باسم الأسباب وفي سبيل شركائه وبلسان الفلسفة الطاغية: "أيتها النجوم! إنّ حُكاما كثيرين يتحكمون فيكم لشدة تشتتكم وتبعثركم".
فأجابته نجمة واحدة نيابة عن النجوم: ما أشدَّ بلاهتَك أيها المدَّعي الأحمق. ألا ترى علامةَ التوحيد وطغراء الأحدية على وجوهنا، ألا تفهمها؟. ألا تعلم أنظمتنا الراقية وقوانينَ عبوديتنا الصارمة؟ أتظننا بلا نظام؟
فنحن مخلوقون عبيدا لواحدٍ أحدٍ يمسك في قبضته أمورَنا وأمور السماوات التي هي بحرُنا، والكائناتِ التي هي شجرتُنا، وفضاءَ العالم الواسع الذي هو مسيرُنا. فنحن شواهدُ نورانية كالمصابيح المنيرة أيام المهرجانات نبيّن كمال ربوبيته سبحانه، ونحن براهينُ ساطعة نعلن عن سلطنة ربوبيته، فكل طائفة منا خَدَمَة عاملون نورانيون ندلّ على عظمة سلطنته، في منازل علوية سفلية دنيوية برزخية أخروية.
نعم، إننا معجزة باهرة من معجزات قدرة الواحد الأحد.. وثمرة يانعة لشجرة الخلقة.. وبرهان منور للوحدانية.. فنحن للملائكة منیزل وطائرة ومسجد.. وللعوالِم العلوية مصباح وشمس.. وعلى سلطنة الربوبية شاهد.. ولفضاء العالم قصر وزينة وزهرة.. و2 Wنا أسماك نورانية تسبح في بحر السماء.. وعين جميلة لوجه السماء.
(٭): فنحن مشاهدو مصنوعات الخالق البديعة، والمشيرون إليها، بل نجعل الآخرين يشاهدونها بإعجاب.. أي كأن السماء تنظر إلى عجائب الصنعة الإلهية في الأرض بما لا يحدّ لها من عيون.. فالنجوم كملائكة السماء تنظر إلى الأرض التي هي محشر العجائب، ومعرض الغرائب، بل تستقطب أنظار ذوي الشعور إليها. (المؤلف)
فكما أن كلّا منّا هكذا فإن في مجموعنا سكوتا في سكون.. وحركةً في حكمة.. وزينةً في هيبة.. واستواءَ خلقةٍ في انتظام.. وإتقانَ صنعةٍ في موزونية. لهییذا نشهد بألسنةٍ غير محدودة على وحدانية صانعنا الجليل وعلى
— 703 —
أحديته وصمدانيته وعلى أوصاف جمیاله وكماله وجییلاله ونُعییلن هذه الشهادة على أشهاد الكائنات جميعها.. أفَبعد هذا تتهمنا ونحن العبيد الطاهرون المطيعون المسخَّرون بأننا في فوضى واختلاط وعبث، بل بلا مولى ومالك؟ فإنك لا شك تستحق التأديب على اتهامك هذا.. فترجُم نجمة واحدة ذلك المدَّعي فتطرحُه من هناك إلى قعر جهنمَ وبئس المصير. وتقذفُ معه الطبيعةَ إلى وادي الأوهام
(٭): وبعد ما هوت الطبيعةُ ندمت عمّا فعلت فتابت، وعلمت أن وظيفتها الحقيقية القبولُ والانفعال، لا التأثير والفعل، وأنها تعمل وفقا لقدرة اللّٰه ومشيئته فهي كدفتر للقدر الإلهي، دفتر قابل للتبديل والتغيير، وبما يشبه منهج القدرة الربانية. ونوعا من شريعة فطرية للقدير ذي الجلال. ومجموعة قوانينه.. فقبلت الطبيعةُ وظيفتها وهي العبوديةُ بكمال العجز والانقياد، وتسمّت باسم الفطرة الإلهية والصنعة الربانية. (المؤلف).
وتلقي المصادفةَ إلى بئر العدم، والشركاءَ إلى ظلمات الامتناع والمحال، والفلسفةَ المعادية للدين إلى أسفل سافلين.
فترتّل تلك النجمة مع النجوم كلِّها قوله تعالى: لو كانَ فيهما آلهةٌ إلّا اللّٰه لفسدتا (الأنبياء:٢٢) معلنة أن لا مجال لشريك قط ولا حدّ له أن يتدخل حتى في أدنى شيء اعتبارا من جناح ذبابة إلى قناديل السماء.
سبحانك لا علم لنا إلّا ما علمتنا انك انت العليم الحكيم
اَللّٰهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ سِرَاج وَحدَتِكَ فِي كَثرَةِ مَخْلُوقَاتِكَ وَدَلّال وَحدَانِيَّتِكَ فِي مَشهَرِ كَائِنَاتِكَ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ اَجْمَعِينَ.
— 704 —
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
فَانْظُر اِلى آثَارِ رَحْمتِ اللّٰه كَيْفَ يُحيْىِ الاَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها
(الروم:٥٠)
هذه الفقرة العربية تشير إلى زهرة واحدة من البستان الأزلي لهذه الآية الكريمة
حَتَّى كَأنّ الشَّجَرَ الْمُزَهَّرَةَ قَصِيدَةٌ مَنظُومَةٌ مُحَرَّرَةٌ..
وَتُنشِدُ لِلْفَاطِرِ الْمَدَائِحَ الْمُبْهِرَةَ أوْ فَتَحَتْ بكَثْرَةٍ عُيُونَهَا الْمُبْصِرَةَ..
لِتُنظِرَ لِلصَّانِعِ الْعَجَائِبَ الْمُنَشَّرَةَ أوْ زَيَّنَتْ لِعِيدِهَا أعْضَاءَهَا الْمُخْضَرَّةَ..
لِيَشْهَدَ سُلْطَانُهَا آثارَهُ الْمُنَوَّرَة َ وَتُشْهِرَ فِي الْمَحْضَرِ مُرَصَّعَاتِ الْجَوْهَرِ..
وَتُعْلِنَ لِلْبَشَرِ حِكْمَةَ خَلْقِ الشَّجَرِ بكَنزِهَا الْمُدَّخَرِ مِن جُودِ رَبِّ الثَّمَرِ..
سُبْحَانَهُ مَا أحْسَنَ إِحْسَانَهُ مَا أزْيَنَ بُرْهَانَهُ مَا أبْيَنَ تِبْيَانَهُ..
خَيَالْ بِينَدْ اَزْ اِينْ اَشْجَارْ مَلاَئِكْ رَا جَسَدْ آمَدْ سَمَاوِى بَاهَزَارَانْ نَىْ
اَزْ اِينْ نَيْهَا شُنِيدَتْ هُوشْ سِتَايِشْهَاىِ ذَاتِ حَىْ
وَرَقْیهَارَا زَبَانْ دَارَنْد هَمَه هُو هُو ذِكْرْ آرَنْد بَدَرْ مَعْینَاىِ حَىُّ حَىْ
چُو لَآاِلٰهَ اِلَّاهُوَ بَرَابَرْ مِى زَنَدْ هَرْ شَىْ
دَمَادَمْ جُويَدَنْد يَا حَقْ سَرَاسَرْ گُويَدَنْد يَا حَىْ بَرَابَرْ مِى زَنَینْدْ اَللّٰه
ونزّلنا من السماءِ ماءً مُباركًا
(ق:٩).
— 705 —

ذيل صغير للموقف الأول

فاستمع للآية الكريمة:
أفلم ينظروا الى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيّناها...
إلى آخر الآية (ق: ٦).
ثُمَّ انظُرْ إلَى وَجهِ السَّمَاءِ! كَيفَ تَرَى سُكُوتا فِي سُكُونَةٍ، حَرَكَةً في حِكْمَةٍ، تَلَأْلُؤا في حِشْمَةٍ، تَبَسُّما فِي زِينَةٍ، مَعَ انتِظَامِ الْخِلْقَةِ، مَعَ اتِّزَانِ الصَّنعَةِ. تَشَعْشُعُ سِرَاجِهَا، تَهَلْهُلُ مِصْبَاحِهَا تَلَأْلُؤُ نُجُومِهَا، تُعْلِنُ لِأهْلِ النُّهَى، سَلطَنةً بِلاَ انتِهَاءٍ.
هذه الفقرات "العربية" إنما هي ترجمةُ بعض معاني الآية الكريمة المتصدرة، وهي تعني أن الآية الكريمة تلفت نظرَ الإنسان إلى وجه السماء الجميل المزيّن. ليرى بتلك الملاحظة وإنعام النظر؛ سكوتا وصمتا في سكونٍ وهدوء. وليعلم أن السماء قد اتخذت ذلك الوضعَ الهادئ، بأمر قديرٍ مطلق القدرة وبتسخيره. إذ لولا تلك القدرةُ المطلقة، أي لو كانت السماءُ مفلتةَ الزمام، طليقةً في حركاتها وسكناتها، لكانت تلك الأجرام الهائلة، المتداخلُ بعضها في البعض، وتلك الكرات الضخمة، تُحدِث بحركاتها الرهيبة أصواتا مدوية مخيفة تصمّ سمعَ الكائنات قاطبة، ولحَدثَ من الاختلاط والاضطراب ما تتلاشى من شدته الكائناتُ كلها. إذ من المعلوم أنه لو ثار عشرون جاموسا في حقل لاختلط الحابلُ بالنابل، ولتسبب الدمار والهرج والمرج، فكيف بأجرام سماوية أضخمَ من أرضنا بألف مرة، تنطلق في سرعةٍ هي أسرع من القذيفة بسبعين مرة، كما هو ثابت في علم الفلك! فافهم من هذا أنّ الهدوء الذي يعمّ الأجرام ويخيّم على السماء إنما يبيّن مدى سعة قدرة القدير ذي الكمال ومدى هيمنة تسخير الصانع الجليل لها، ومدى انقياد النجوم وخضوعها لأوامره تعالى.
"حَرَكَةً في حِكْمَةٍ": ثم إن الآية الكريمة تأمر أيضا بمشاهدة ما في وجهِ السماء من حركةٍ ضمن حكمة. إذ إنها حركات عظيمة تسير ضمن حكمةٍ دقيقة واسعةٍ تتحير منها الألبابُ ويقف أمامَها الإنسانُ بإعجاب وإكبار.. فكما أن صَنّاعا ماهرا يدير دواليب معملٍ وتروسه على وفق حكمةٍ محددة، إنما يبين بعمله هذا درجةَ مهارته ودقةَ صنعته ضمن عظمة المعمل
— 706 —
وانتظامه. كذلك القديرُ المطلق الجليل "وله المثل الأعلى" الذي يعطى للشمس وسياراتها وضعا خاصا شبيها بوضع معمل عظيم. فيدير تلك الكرات الهائلة، كأنها أحجار مقلاع صغيرة، ودواليب معمل بسيط، يديرها حول الشمس، أمام الأنظار ليدرك الإنسان بتلك النسبة طلاقة قدرته وسعة حكمته.
"تَلَألُؤا في حِشمَةٍ، تَبَسُّما في زِينَةٍ": أي إنّ في وجه السماء أيضا سطوعا باهرا وتهللا مهيبا، وتبسّما وبشاشةً في زينة وجمال، مما يبيّن عظمةَ سلطنة الصانع الجليل، ومدى الدقة في صنعته الجميلة. إذ كما أن إضاءة مصابيحَ وأنوارٍ وإظهارَ مظاهرِ الفرح والبهجة في يوم اعتلاء السلطان العرشَ، إنما هو لبيان درجة كماله في مضمار الرقي الحضاري. كذلك السماواتُ العظيمة بنجومها المهيبة تُظهر لنظر المتأمل كمالَ سلطنة الصانع الجليل وجمالَ صنعته البديعة.
"مَعَ انتِظَامِ الخِلْقَةِ، مَعَ اتِّزَانِ الصَّنعَةِ": تقول العبارة: انظر إلى انتظام المخلوقات في وجه السماء، وافهم وِزانَ المصنوعات بموازين دقيقة، وأدركْ من هذا: ما أوسعَ قدرةَ صانع هذه المخلوقات وما أعمّ حكمتَه!
نعم، إنّ إدارة موادَّ صغيرةٍ أو أجرام وحيوانات، وتدويرها وتسخيرها، وسَوق كلٍّ منها إلى طريق خاص يعيَّن بميزان مخصص، تبيّن مدى قدرة القائم بها ومدى حكمتِه ومدى طاعةِ تلك المواد والحيوانات وانقيادها لأوامره. كذلك الأمر في السماوات الواسعة جدّا. فإنها تبيّن بعظمتِها المحيرة، وبنجومها الجسيمة التي لا يحصرها العد وبحركاتها الفائقة، مع عدم تجاوزها عمّا قُدّر لها من حدود ولو قيد أنملة وعدم تخلّفها عنها ولو بلحظة، وعدم توانيها عن أداء ما وكّل بها من واجب ولو بعُشر معشار الدقيقة.. أقول إنها تبين للأنظار أن صانعَها وخالقها الجليل يُظهر ربوبيتَه الجليلة بإجرائه هذه الأمور بميزان دقيق خاص.
"تَشَعْشُعُ سِرَاجِهَا، تَهلُّیلُ مِصبَاحِهَا تَلَألُؤ نُجُومِهَا، تُعلِنُ لِأهْلِ النُّهَى، سَلطَنةً بِلاَ انتِهَاءٍ". أي إنّ تسخير الشمس والقمر والنجوم الواردَ في آيات كثيرة أمثال هذه الآية المتصدرة، وما ورد في سورة "النبأ" وغيرها، كلُّها تبيّن أن تعليق سراجٍ كالشمس في سقف السماء المزيّن، وهو السراج الوهاج الذي يشع النور وينشر الدفء وجعلُ ذلك النور كأنّه حبر لكتابة مكاتيب اللّٰه الصمدانية على صحيفة الصيف والشتاء بخطوط الليل والنهار.. وكذا
— 707 —
جعلُ القمر مِيلا لساعة زمانية كبرى، وآلةً لقياس المواقيت وتعليقه في الأعالي شبيها بالساعات المنصوبة على الأبراج، وذلك بجعله في منازل أهلّةٍ متفاوتة، حتى لكأنّ اللّٰه سبحانه يضع في كل ليلةٍ هلالا جديدا غير السابق على وجه السماء، ثم يعيد ويجمع تلك الأهلة ويحرّكها في منازلها بميزان كامل وحساب دقيق. ثم إن تزيين وجه السماء وتجميله بالنجوم الملألئة المبتسمة في قبة السماء، لا شك أنه من شعائر ربوبية لا منتهى لعظمتها، وهي في الوقت نفسه إشارات إلى ألوهية جليلة لا منتهى لكمالها. كل ذلك يدعو أرباب الفكر والعقل إلى الإيمان والتوحيد.
انظر إلى الصحيفة الملونة الزاهية لكتاب الكون.
كيف صوَّرها قلمُ القُدرة المذهَّب.
لم تبقَ نقطة مظلمة لأبصار أربابِ القلوب.
فكأنه سبحانه قد حرّر آياتِه من نور.
انظر! ما أعظمَها من معجزة حكمةٍ، تقود إلى الإذعان!
وما أسماها من مشاهدَ بديعة في فضاء الكون!
واستمع إلى النجوم أيضا، إلى حُلْو خطابها الطيب اللذيذ.
لترى ما قرّره ختمُ الحكمةِ النيّر على الوجود.
إنها جميعا تهتف وتقول معا بلسان الحق:
نحن براهينُ ساطعة على هيبة القدير ذي الجلال
نحن شواهدُ صدق على وجود الصانع الجليل وعلى وحدانيته وقدرته.
نتفرج كالملائكة على تلك المعجزات اللطيفة التي جمّلت وجهَ الأرض.
فنحن ألوف العيون الباصرة تطلّ من السماء إلى الأرض وترنو إلى الجنة.
نحن ألوف الثمرات الجميلة لشجرة الخلقة، علّقتنا يدُ حكمةِ الجميل ذي الجلال على شطر السماء وعلى أغصان درب التبانة.
فنحن لأهل السماوات مساجدُ سيارة، ومساكنُ دوّارة، وأوكار سامية عالية، ومصابيحُ نوّارة، وسفائنُ جبارة، وطائرات هائلة!
— 708 —
نحن معجزاتُ قدرةِ قدير ذي كمال، وخوارقُ صنعةِ حكيم ذي جلال، ونوادرُ حكمةٍ ودواهي خلقة وعوالم نور.
هكذا نبيّن مائة ألفِ برهان وبرهان، بمائة ألفِ لسان ولسان، ونُسمِعُها إلى مَن هو إنسان حقا.
عَمِيَتْ عينُ الملحد لا يرى وجوهَنا النيّرة، ولا يسمع أقوالَنا البيّنة، فنحن آيات ناطقة بالحق.
سِكَّتُنا واحدة، طُرَّتُنا واحدة، مسبّحات نحن عابدات لربنا، مسخّرات تحت أمره.
نَذكره تعالى ونحن مجذوبات بحبّه، منسوبات إلى حلقةِ ذكر درب التَّبانة.
— 709 —

الموقف الثاني

بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
قل هو اللّٰه أحد٭ اللّٰه الصمد
(الإخلاص:١-٢)
(لهذا الموقف ثلاثة مقاصد)

المقصد الأول

إن داعية أهل الشرك والضلال الذي هوى إلى الأرض برَجمٍ من نجمة، تخلَّى عن ذلك النمط من الدعوى، لأنه عجَز عن أن يجد في أي موضع كان، مثقالَ ذرة من الشرك، ابتداءً من الذرات إلى المجرات، إلّا أنه عاد -كالشيطان- وحاول تشكيك أهلِ التوحيد في التوحيد، وذلك بإلقاء الشبهات فيما يخص الأحدية والوحدانية من خلال ثلاثة أسئلة مهمة.
السؤال الأول: إنه يقول بلسان الزندقة: يا أهلَ التوحيد! إنني لم أتمكّن من أن أجد شيئا باسم موكلي، وعجزتُ عن أن أقع على شيء أتشبث به يؤيّد دعاويّ في الموجودات كافة، فلم أتمكن من أن أُثبِتَ صوابَ مسلكي. ولكن كيف تُثبتون أنتم وجودَ واحدٍ أحدٍ قديرٍ مطلق القدرة؟ فلِمَ ترون أنه لا يمكن قطعا أن تَدخل أيدٍ أخرى مع قدرته.
الجواب: لقد أثبت في "الكلمة الثانية والعشرين" إثباتا قاطعا أن جميعَ الموجودات من الذرات إلى السيارات، كلّ منها برهان نيّر على وجوب وجوده سبحانه، وهو الواجب الوجود والقدير المطلق، فكل سلسلة من السلاسل الموجودة في العالم دليل قاطع على وحدانيته، وقد أثبت القرآن الكريم هذا، بما لا يحد من البراهين، إلّا أنه يزيد من ذكر البراهين الظاهرة لعموم المخاطبين.
— 710 —
ففي قوله تعالى:
ولَئن سألتَهم مَن خَلَقَ السموات والارضَ لَيقولُنّ اللّٰه
(لقمان:٢٥). وقوله تعالى:
ومِن آياته خَلقُ السموات والارض واختلافُ ألسِنَتِكُم وألوانِكُم
(الروم:٢٢) وأمثالها من الآيات العديدة يعرض القرآن الكريم خلقَ السماوات والأرض برهانا على الوحدانية بدرجة البداهة. فكلّ مَن يملك شعورا مضطر إلى تصديق خالقه في خلقه السماوات والأرض كما في قوله تعالى: لَيقولُنّ اللّٰه
ولقد بيَّنا في الموقف الأول بوضوح خَتمَ التوحيد وسكّته على الموجودات، ابتداءً من ذرة واحدة إلى السيارات وإلى السماوات. فالقرآن الكريم يطرد الشرك وينفيه ابتداءً من النجوم والسماوات وانتهاءً إلى الذرات، بمثل هذه الآيات الجليلة، فيشير ويومئ إلى أن القدير المطلق الذي خلق السماوات والأرض في نظام بديع لابد وأن تكون المنظومة الشمسية، التي هي من دوائر مصنوعاته، في قبضته بالبداهة.
وما دام ذلك القدير المطلق يمسك الشمسَ وسياراتها في قبضته وينظّمها ويسخّرها، ويديرها. فلابد أن الأرض التي هي جزء من تلك المنظومة ومرتبطة بالشمس في قبضته سبحانه وضمن إدارته وتدبيره أيضا.
وما دامت الكرةُ الأرضية ضمن تدبيره سبحانه وضمن إدارته، فمن البداهة أن تكون المصنوعاتُ التي تُخلَق وتُكتب على وجه الأرض التي هي بمثابة ثمرات الأرض وغاياتِها في قبضة ربوبيته سبحانه.
وما دامت جميعُ المصنوعات المنشورة والمنثورة على وجه الأرض والتي تجمّلها وتزيّنها وتملؤها وتُفرغ منها كل حين في قبضة قدرته وعلمه، وأنها توزَن وتُنظَّم بميزان عدله وحكمته، وأن جميع الأنواع في قبضة قدرته سبحانه. فلابد أن أفرادَها المنتظمة المتقنة، التي كل منها بمثابة مثالٍ مصغر للعالم وكشاف سجلات ميزانية أنواع الكائنات وفهارس مصغرة لكتاب العالم، تكون بالبداهة في قبضة ربوبيته سبحانه وإيجاده وضمن إدارته وتربيته.
ومادام كلُّ ذي حياة في قبضة تدبيره وتربيته، فلابدَّ أن الحُجيرات والكريات والأعضاء والأعصاب، التي تشكل وجود ذلك الكائن الحي، في قبضة علمِه وقدرته بالبداهة.
— 711 —
وما دامت كل حجيرةٍ وكل كُريَّةٍ دموية منقادةً لأوامره سبحانه، وضمن تدبيره وتصريفه الأمور، وتتحرك وفق قانونه. فلابد أن جميع موادها الأساسية، وجميعَ ذراتها التي تُنسج منها نقوشُ صنعها، في قبضة قدرته، وضمن دائرة علمه بالضرورة، ولابد أنها تتحرك بانتظام وتُؤَدي الوظائف على أتمِّ وجه بأمره وإذنه وقوته.
وما دامت حركة كلِّ ذرة وأداؤها الوظائف، بقانونه وإذنه وأمره، فلابد أنّ تشخّصات الوجه وملامحَه ووجودَ العلامات الفارقة المميزة لكلِّ فرد عن الآخر، سواء في الملامح أو في الأصوات أو في الألسنة، إنما هو بعلمه وحكمته بالبداهة.
فتدبّر في هذه الآية الكريمة التي تبين مبدأ هذه السلسلة (المذكورة) ومنتهاها
ومِن آياته خَلقُ السموات والارض واختلافُ ألسِنَتِكُم وألوانِكُم
(الروم:٢٢).
فيا داعية أهل الشرك! إن البراهين التي تثبت مسلك التوحيد، وتدل على قدير مطلق القدرة، قوية كثيرة بقوة سلسلة الكائنات؛ إذ مادام خلقُ السماوات والأرض يدل على صانع قدير، ويدل على قدرته المطلقة، وعلى كمال تلك القدرة لديه، فلابد من استغناءٍ مطلقٍ عن الشركاء، أي لا حاجة إلى شركاء في أية جهة كانت. فإذ لا احتياج -كما ترى- فَلِمَ إذن تنساق في هذا المسلك المُظلم؟ ما الذي يدفعُك إلى الدخول هناك؟ وحيث لا حاجة إلى شركاء، والكائنات كلُّها مستغنية عن الشركاء استغناءً مطلقا، فلا شك أن وجود شريك للربوبية وفي الايجاد أيضًا ممتنع محال كمحالية شريك الألوهية؛ لأن القدرة التي يملكها صانعُ السماوات والأرض قدرة لا منتهى لها وهي في غاية الكمال -كما أثبتنا- ولو وجِد شريك يلزم أن تكون قدرة أخرى متناهية تغلب تلك القدرة غير المتناهية، والتي هي في غاية الكمال، وتستولي على موضعٍ منها فتمنع لاتناهيها وتجعلها في وضع عَجز معنوي، وتحدّها وهي غير محدودة بالذات. بمعنى أن شيئا متناهيا يُنهي ما لا يتناهى وهو في كمال لاتناهيه ويجعله متناهيا!! وهذا هو أبعدُ المحالات وأبعدُ الممتنعات عن العقل والمنطق.
ثم إنّ الشركاء مستغنًى عنها، وممتنعة بالذات، كما أنّ وجودها محال، فادّعاء الشركاء إذن ادعاء تحكّمى ليس إلّا. إذ لعدم وجود سبب لادعاء تلك الدعوى عقلا ومنطقا وفكرا
— 712 —
يُعدّ كلاما لا معنى له، ويطلق على مثل هذه الدعاوى في علم الأصول مصطلح: "تحكّمي"، بمعنى أنه دعوًى مجردة لا معنى لها.
ومن الدساتير المقررة في علم الكلام والأصول: "لا عبرة للاحتمال غير الناشئ عن دليل، ولا ينافي الإمكانُ الذاتي اليقينَ العلمي".
مثال ذلك: من الممكن والمحتمل أن تتحول بحيرة "بارلا" إلى دبس وتنقلب إلى دهن، وهذا احتمال. ولكن هذا الاحتمال لا ينشأ من أمارة، فلا يؤثر ولا يلقي شكًّا ولا شبهة في يقيننا العلمي بأن البحيرة من ماء.
وعلى غرار هذا فقد سألنا من كل ناحية من نواحي الموجودات، ومن كل زاوية من زوايا الكائنات، ومن كل شيء ابتداءً من الذرات إلى السيارات -كما في الموقف الأول- ومن خلق السماوات والأرض إلى اختلاف ألوان الإنسان وألسنته -كما يشاهد في هذا الموقف الثاني- فكان الجواب: شهادةَ صدقٍ للوحدانية بلسان الحال، ودلالةً قاطعة بوجود ختم التوحيد المضروب على كل شيء. وقد شاهدتَه بنفسك أيضا.
لذا فلا توجد أيةُ أمارة في موجودات الكائنات يمكن أن يُبنى عليها احتمال الشرك. بمعنى أن دعوى الشرك دعوى تحكمية بحتة، أو كلام لا معنى له، ودعوى مجردة عن الحقيقة، لذا فإنّ من ادّعى الشرك بعد هذا فهو إذن في جهالة جهلاء وبلاهة بلهاء.
فأمام هذه الحجج الدامغة يبقى داعيةُ أهل الضلالة مبهوتا لا يتمكن من النطق بشيء، إلّا أنه يقول: إن ما في الكائنات من ترتيب الأشياء، أمارة على الشرك، إذ كلُّ شيء مربوط بسبب، بمعنى أن للأسباب تأثيرا حقيقيا، وإذ لها تأثير، فيمكن أن تكون شركاء!.
الجواب: إن المسبَّبات قد رُبطت بالأسباب بمقتضى المشيئة الإلٰهية والحكمة الربانية. ولاستلزام ظهور كثير من الأسماء الحسنى، يُربط كلُّ شيء بسبب. ولقد أثبتنا في كثير من المواضع، وفي كلمات متعددة إثباتا قاطعا أنه ليس للأسباب تأثير حقيقي في الإيجاد والخلق، ونقول هنا: إن الإنسان بالبداهة هو أشرفُ الأسباب وأوسعُها اختيارا وأشملُها تصرفا في الأمور، وهو في أظهر أفعاله الاختيارية، كالأكل والكلام والفكر -التي كل منها عبارة عن
— 713 —
سلسلة عجيبة وفي غاية الانتظام والحكمة- ليس له نصيب منها إلّا واحدا من مائة جزء من السلسلة.
فمثلا: سلسلة الأفعال التي تبدأ من الأكل وتغذية الحجيرات حتى تبلغ تشكل الثمرات -ليس للإنسان- ضمن هذه السلسلة الطويلة، إلّا مضغُه للطعام. ومن سلسلة التكلم ليس له إلّا إدخالُ الهواء إلى قوالب مخارج الحروف وإخراجُه منها. علما أن كلمة واحدة في فمه مع كونها كالبذرة، إلّا أنها في حكم شجرة حيث إنها تثمر ملايين الكلمات نفسها في الهواء وتدخل إلى أسماع ملايين المستمعين. بينما لا تصل إلى هذه الشجرة المثالية والسنبل المثالي إلّا يدُ خيال الإنسان.. فأنّى لليد القصيرة للاختيار أن تصل إليه.
فإن كان الإنسان وهو أشرفُ الموجودات وأكثرُها اختيارا، مغلولَ اليد عن الإيجاد الحقيقي، فكيف بالجمادات والبهائم والعناصر والطبيعة، كيف تكون متصرفةً تصرفا حقيقيا؟!. فتلك الأسبابُ ما هي إلّا أغلفةُ المصنوعات الربانية، وظروفُ الهدايا الرحمانية، وخَدمة لتقديمها. فلاشك أن الصحونَ التي تُقدَّم فيها هدايا السلطان، أو القماشَ المغلَّف للهدية، أو الجنديَّ الذي سُیلّمت بيده هديةُ السلطان، لن يكون شريكا للسلطان قطعا. فمَن توهم ذلك فقد تَفوَّه بهذيان ما بعده هذيان.
وهكذا ليست للأسباب الظاهرية والوسائط الصورية حصة في الربوبية الإلهية قطعا، وليست لها إلّا القيام بخدمات العبودية.
المقصد الثاني
بعد أن عجَز داعية أهل الشرك عن إثبات مسلك الشرك، ويئس من إثباته في أية جهة كانت، رغب في محاولة إلقاء شكوكِه وشبهاته لهدم مسلك أهل التوحيد.
فسأل السؤال الثاني قائلا: "يا أهل التوحيد! أنتم تقولون:
قل هو اللّٰه أحد٭ اللّٰه الصمد
(الإخلاص:١-٢) أي إن خالق العالم واحد، أحد، صمد، وهو خالق كل شيء، بيده مقاليدُ كل شيء، وهو الأحد الفرد، بيده مفاتيح كل شيء، آخذ بناصية كل شيء، يتصرف في الأشياء كلها في آن واحد، بأحوالها كافة دون أن يمنع شيء شيئا.. كيف يمكن
— 714 —
تصديقُ حقيقة عجيبة كهذه؟ فهل يمكن لواحد مشخّص أن يقوم بأعمالٍ غير متناهية في أماكن غير متناهية وبلا صعوبة؟".
الجواب: يُجاب عن هذا السؤال ببيان سر من أسرار الأحدية والصمدانية، الذي هو في غاية العمق ومنتهى الرفعة ونهاية السعة، حتى إنّ فكر الإنسان يقصر عن فهم ذلك السر العظيم إلّا بمنظار التمثيل ورصد المَثَل. وحيث إنه لا مِثل ولا مثيل لذات اللّٰه سبحانه ولا لصفاته الجليلة، إلّا ما كان من المَثَل والتمثيل في شؤونه الحكيمة. لذا نشير إلى ذلك السر بأمثلة مادية:
المثال الأول: كما أثبتنا في "الكلمة السادسة عشرة" أن شخصا واحدا يكسب صفةً كلية بوساطة المرايا، ومع كونه جزئيّا حقيقيا يُصبح في حكم كلّي مالكٍ لشؤون كثيرة.
وكما أن الزجاج والماء وأمثالَهما من المواد تكون مرايا للأشياء الجسمانية (المادية) وتُكسب الشيءَ المادي صفةً كلية، كذلك الهواءُ والأثير وبعض موجوداتِ عالم المثال يصبح في حكم مرايا النورانيين والروحانيين ويتحول إلى صورة وسائط للسير والسياحة، في سرعة البرق والخيال، بحيث يتجول أولئك النورانيون والروحانيون في تلك المرايا الطاهرة، وفي تلك المنازل اللطيفة في سرعة الخيال، فيدخلون في آن واحد ألوف الأماكن والمواضع. وحيث إنهم نورانيون وصورهم في المرايا هي عينُهم ومالكة لصفاتهم -بخلاف الجسمانيين- فإنهم يسيطرون على تلك الأماكن كأنهم موجودون فيها بذواتهم. بينما صور الجسمانيين الكثيفة، ليست عينَها، كما أنها ليست مالكةً لصفاتها، فهي ميتة.
مثلا: الشمس، مع أنها جزئي مشخّص، إلّا أنها تصبح في حكم كلّي بوساطة المواد اللماعة، إذ تعطي صورتَها ومثالَها إلى كل مادة لمّاعة على سطح الأرض، وإلى كل قطرة ماء، وإلى كل قطعة زجاج، كل حسب قابليته، فتكون حرارةُ الشمس وضياؤها وما فيه من ألوان سبعة، مع نوع من صورة ذاتها المثالية، موجودةً في كل جسم لیمّاع.
فلو فُرض أن للشمس علما وشعورا، لكانت كلُّ مرآة شبيهةً بمنیزلها وبمثابة عرشها وكرسيّها. وتلتقي بذاتها كلَّ شيء، وتتصل -كما في الهاتف- مع كل ذي شعور بوساطة المرايا، بل حتى ببؤبؤ عينه. فما يمنع شيء شيئا ولا تحجُب مخابرة بالهاتف مخابرةً أخرى. فمع أنها موجودة في كل مكان إلّا أنها لا يحدّها مكان.
— 715 —
فالشمس التي هي في حكم مرآةٍ مادية وجزئية وجامدة لاسمٍ واحدٍ من ألف اسم واسم من الأسماء الإلهية الحسنى وهو "النور"، إن كانت مع تشخّصها تنال إلى هذه الدرجة من الأفعال الكلية وتكون في أماكن كلية، أفلا يستطيع ذلك الجليلُ ذو الجلال بأحديته الذاتية أن يفعل ما لا يتناهى من الأفعال في آن واحد؟!
المثال الثاني: لما كانت الكائنات في حُكم شجرة، يمكن اتخاذها إذن مثالا لإظهار حقائق الكائنات. فنأخذ هذه الشجرة الضخمة التي أمام غرفتنا، وهي شجرة الدُلب العظيمة، بوصفها مثالا مصغرا للكائنات. وسنبين تجلي الأحدية في الكائنات بوساطتها، على النحو الآتي:
إنّ لهذه الشجرة ما لا يقل عن عشرة آلاف ثمرة، ولكل ثمرةٍ ما لا يقل عن مئات من البذور المجنّحة، أي إن كل هذه الأثمار العشرة آلاف والمليون من البذور تكون موضع الإيجاد والإتقان في آن واحد. بينما توجد العقدةُ الحياتية في البذرة الأصلية لهذه الشجرة، وفي جذرها وفي جذعها، وهي شيء جزئي ومشخّص من تجلي الإرادة الإلهية ونواة من الأمر الرباني. وبهذا التجلي الجزئي تتكون مركزيةُ قوانين تشكيل الشجرة، الموجودةُ في بداية كل غصن وداخلَ كل ثمرة وجنبَ كل بذرة، بحيث لا تدع شيئا ناقصا لأي جزء من أجزاء الشجرة
ولا يمنعها مانع.
ثم إن ذلك التجلي الواحد للإرادة الإلهية والأمر الرباني، لا ينتشر إلى كل مكان، كانتشار الضياء والحرارة والهواء، لأنه لا يترك أثرا في تلك المسافات البعيدة للأماكن التي يذهب إليها، وفي المصنوعات المختلفة، بل لا يُرى له أثر قط. إذ لو كان ذلك بالانتشار لبَانَ الأثر. وإنما يكون جنب كل جزء من الأجزاء دون تجزئة ولا انتشار. ولا تنافي تلك الأفعال الكلية أحديته وذاتيته.
لذا يصح أن يقال: إن ذلك التجليَ للإرادة وذلك القانونَ الأمري، وتلك العقدةَ الحياتية موجودة جنب كل جزء من الأجزاء، ولا ينحصر في أي مكان أصلا. حتى كأن في هذه الشجرة المهيبة عيونا وآذانا لذلك القانون الأمري، بعدد الأثمار والبذور، بل إن كلَّ جزء من أجزاء الشجرة في حكم مركزٍ لحواس ذلك القانون الأمري، بحيث لا تكون
— 716 —
المسافات البعيدة مانعا بل وسيلةَ تسهيلٍ وتقريب -كأسلاك الهاتف- فالأبعدُ كالأقرب سواء بسواء.
فما دمنا نشاهد تجليا جزئيّا واحدا من تجليات صفة الإرادة للأحد الصمد، في مليونٍ من الأمكنة، ويكون مبعث ملايين الأفعال، دون داع إلى وساطة، فلابد من لزوم اليقين بدرجة الشهود، بقدرة الذات الجليلة على التصرف في شجرة الخلق، بجميع أجزائها وذراتها معا، بتجلٍّ من تجليات قدرته وإرادته سبحانه وتعالى.
وكما أثبتنا وأوضحنا في "الكلمة السادسة عشرة"، نقول هنا: إنّ مخلوقاتٍ عاجزة ومسخرة كالشمس، ومصنوعات شبه نورانية مقيدة بالمادة كالروحاني إن كان يمكن أن يوجد في عدة مواضع مع أنه في موضع واحد، بسر النورانية؛ إذ بينما هو جزئي مقيّد، يكسب حكما كليا مطلقا، يفعل باختيار جزئي أعمالا كثيرة في آن واحد.. فكيف إذن بمن هو مجرد عن المادة، ومقدّس عنها، ومَن هو منیزّه عن التحديد بالقيد وظلمةِ الكثافة ومبرأ عنها، بل ما هذه الأنوار والنورانيات كلُّها إلّا ظلال كثيفة لأنوار أسمائه الحسنى، وما جميعُ الوجود والحياة كلها وعالم الأرواح وعالم المثال إلّا مرايا شبه شفافة لإظهار جمال ذلك القدوس الجليل الذي صفاتُه محيطة بكل شيء وشؤونُه شاملة كل شيء.
تُرى أيُّ شيء يستطيع أن يتستر عن توجّه أحديته في تجلي صفاته المحيطة، وتجلي أفعاله بإرادته الكلية وقدرته المطلقة وعلمه المحيط بكل شيء؟ وأي شيء يصعب عليه؟ وأي مكان يستطيع أن يختفي عنه؟ وأي فرد يستطيع أن يبتعد عنه؟ وأي شخص أن يتقرب منه دون أن يكتسب الكلية؟ أوَ يمكن أن يتخفى منه شيء؟
أوَ يمكن أن يمنع شيء شيئا؟ أفيمكن أن يخلو موضع من حضوره؟ ألا يكون له بصر معنوي يبصر كل موجود وسمع معنوي يسمع كل موجود، كما قال ابن عباس رضي اللّٰه عنه؟
أوَلا تكون سلسلة الأشياء كالأسلاك والعروق لجريان أوامره وقوانينِه بسرعة؟ أفلا تكون الموانع والعوائق وسائلَ ووسائطَ لتصرفه؟ أوَلا تكون الأسباب والوسائط حجبا ظاهرية بحتة؟
ألا يكون في كل مكان وهو المنیزّه عن المكان؟ أيمكن أن يكون محتاجا إلى التحيز والتمكّن؟ أيمكن أن يكون البُعد والصغَر وحُجُب طبقات الوجود موانعَ لقُربه وتصرفه
— 717 —
وشهوده؟ وهل يمكن أن تلحق بالذات المقدسة للّٰه سبحانه المجرّدِ عن المادة، الواجبِ الوجود، نورِ الأنوار الواحدِ الأحد، المنیزّهِ عن القيود، المبرأ عن الحدود، المقدسِ عن القصور، والمعلّى عن النقصان.. خواصُّ الماديات والممكنات والكثيفات والكثيرات والمقيدات، وما يلزم المادةَ والإمكان والكثافة والكثرة والتقيد والمحدودية من أمور، أمثال التغيّر والتبدل والتحيز والتجزؤ؟ أيليق به العَجز؟ أيقربُ القصورُ من طرف عزّته الجليلة جل جلاله.؟! حاشَ للّٰه، وكلا. وتعالى عن ذلك علوا كبيرا.
خاتمة المقصد الثاني
بينما كنتُ متأملا ومستغرقا في تفكر يخص الأحدية، نظرت إلى ثمرات شجرة الدلب القريبة من غرفتي، فخطر إلى القلب تفكر متسلسل بعبارات عربية، فكتبتُه كما ورد بالعربية وسأذكر توضيحا مختصرا له.
نَعَمْ فَاْلأَثْمَارُ وَالْبُذُورُ مُعْجِزَاتُ الْحِكْمَةِ خَوَارِقُ الصَّنْعَةِ هَدَايَا الرَّحْمَةِ بَرَاهِينُ الْوَحْدَةِ بَشَائِرُ لُطْفِهِ فِي دَارِ اْلآخِرَة، شَوَاهِدُ صَادِقَة بأنّ خَلَّاقَهَا عَلى كُلِّ شَيءٍ قَدِير، وَبِكُلِّ شَيءٍ عَلِيم، قَدْ وَسِیعَ كُلَّ شَيءٍ بِالرَّحْمَةِ وَالعِلْمِ وَالخَلْقِ وَالتَّدْبيرِ وَالصُّنعِ وَالتَّصْوِيرِ، فَالشَّمسُ كَالبَذرَةِ وَالنّجْمُ كَالزَّهْرَةِ وَالأرضُ كَالحَبَّةِ لا تَثْقُلُ عَلَيهِ بِالخَلْقِ وَالتَّدْبيرِ وَالصُّنعِ وَالتَّصْويرِ، فَالبُذُورُ وَالأثْمَارُ مَرَايا الوَحْدَةِ في أقْطَارِ الكَثْرَةِ، إشَاراتُ القَدَرِ، رُمُوزَاتُ القُدْرَةِ بِأنّ تِلكَ الكَثْرَةَ مِن مَنبَعِ الوَحْدَةِ، تَصْدُرُ شَاهِدَةً لِوَحْدَةِ الفَاطِرِ في الصُّنعِ وَالتَصْويرِ. ثُمَّ إلى الوَحْدَةِ تَنتَهي ذَاكِرَةً لِحِكمَةِ الصَّانِعِ في الخَلْقِ وَالتَّدْبيِرِ. وَتَلْوِيحاتُ الحِكْمَةِ بأنّ خَالِقَ الكُلِّ بِكُلِّيَّةِ النّظَرِ إلى الجُزْئيِّ يَنظُرُ، ثَمَّ إلى جُزْئِهِ، إذْ إن كانَ ثَمَرًا فَهُوَ المَقْصُودُ الأظهَرُ مِن خَلقِ هَذا الشَّجَرِ.
فَالبَشَرُ ثَمَر لِهَذِهِ الكَائِنَاتِ، فَهُوَ المَقْصُودُ الأظْهَرُ لِخَالِقِ المَوْجُودَاتِ. والقَلبُ كالنَّواة، فَهُوَ المِرآةُ الأنوَرُ لِصَانِعِ المَخْلُوقَاتِ. وَمِن هذِهِ الحِكْمَةِ فَالإنسَانُ الأصْغَرُ في هذِهِ الكَائِناتِ هُوَ المَدَارُ الأظْهَرُ للنّشْرِ والمحْشَرِ في هذِهِ المَوجُوداتِ، وَالتَّخْريبِ والتَّبْديلِ وَالتَّحويلِ وَالتَّجْديدِ لِهَذِهِ الكَائِناتِ.
— 718 —
ومبدأ هذه الفقرة العربية هو: فَسُبْحانَ مَن جَعَلَ حَديقَةَ أرضِهِ مَشْهَرَ صَنعَتِهِ، مَحْشرَ فِطْرَتِهِ، مَظْهَرَ قُدرَتِهِ، مَدَارَ حِكْمَتِهِ، مَزْهَرَ رَحْمَتِهِ، مَزْرَعَ جَنّتِهِ، مَمَرَّ المَخْلُوقَاتِ، مَسِيلَ المَوجُودَاتِ، مَكيلَ المَصْنُوعَاتِ.
فَمُزَيَّنُ الحَيَوَانَاتِ، مُنَقَّشُ الطُّيوراتِ، مُثَمَّرُ الشَّجَراتِ، مُزَهَّرُ النَّبَاتَاتِ، مُعْجِزَاتُ عِلمِهِ، خَوَارِقُ صُنعِهِ، هَدايَا جُودِهِ، بَراهِينُ لُطْفِهِ.
تَبَسُّمُ الأزهَارِ مِن زينَةِ الأثْمَارِ، تَسَجُّعُ الأطيَارِ في نَسْمَةِ الأسْحَارِ، تَهَزُّجُ الأمطَار عَلى خُدُودِ الأزهَارِ، تَرَحُّمُ الوَالِدَاتِ عَلى الأطفَالِ الصِّغَارِ.. تَعَرُّفُ وَدُودٍ، تَوَدُّدُ رَحمنٍ، تَرَحُّمُ حَنّانٍ، تَحَنُّنُ مَنّانٍ للِجِنّ وَالإنسَانِ وَالرُّوحِ وَالحَيوَانِ وَالمَلَكِ وَالجَانِّ.
وتوضيح هذا التفكر الذي ورد باللغة العربية هو: أنّ جميع الأثمار وما فيها من بُذيرات، معجزاتُ الحكمة الإلهية.. خوارقُ الصنعة الإلهية.. هدايا الرحمة الإلهية.. براهين مادية للوحدانية.. بشائرُ الألطاف الإلهية في الدار الآخرة.. شواهدُ صادقة بأن خلّاقها على كل شيء قدير، وبكل شيء عليم.. فالبذورُ والأثمار، مرايا الوحدة في أقطار عالَم الكثرة، وفي أطراف هذه الشجرة المتشعبة كالعالم، تَصرِف الأنظارَ من الكثرة إلى الوحدة.
فكلُّ ثمر وبذر يقول بلسان الحال: لا تتشتت في هذه الشجرة الضخمة الممتدة الأعضاء والعروق فكل ما فيها فينا، كثرتُها داخلة ضمن وحدتنا، حتى إن البذرة -وهي كقلب الثمرة- هي الأخرى مرآة مادية للوحدانية، فهي تذكُر الأسماءَ الحسنى ذكرا قلبيا خفيا بمثل ما تذكرها الشجرةُ ذكرا جهريا.
فكما أن تلك الأثمار والبذور مرايا للوحدانية، فهي إشارات مشهودات للقدر، رموزات مجسّمات للقدرة، بحيث إن القَدر يشير بها، والقُدرة تقول بها رمزا: إن هذه الشجرة بأغصانها المتشابكة قد نمت من بذرة، فهي تدل على وحدانية صانعِها في الإيجاد والتصوير، ثم تُجمع حقيقتُها في ثمرةٍ بعد تشعب أغصانها وفروعها وتُدرج معانيها كلها في بذرة. فتدل على حكمة خالقها الجليل في الخلق والتدبير.
وكذلك شجرةُ الكائنات هذه، فهي تأخذ وجودَها من منبع الوحدانية وتتربى بها،
— 719 —
وتثمر ثمرة الإنسان الدال على الوحدانية في هذه الكثرة من الموجودات. وقلبه يرى سرّ الوحدانية بعين الإيمان في هذه الكثرة.
وكذا، فإن تلك الأثمار والبذور؛ تلويحاتُ الحكمة الربانية، فالحكمة تَنطق بها وتُشعِر أهلَ الشعور بما يأتي: إنّ النظر الكلي والتدبير الكلي في هذه الشجرة، بكل شموليتهما وسعتهما، يتوجهان إلى هذه الثمرة؛ لأنّ تلك الثمرة مثال مصغر لتلك الشجرة، وهي المقصودُ منها. وذلك النظر الكلي والتدبير العمومي ينظر إلى ما في داخل الثمرة من بذر أيضا. إذ البذرةُ تحمل معاني الشجرة وفهرسها. بمعنى أنّ الذي يدبّر أمور الشجرة، بأسمائه التي لها علاقة بتدبيرها متوجه إلى كل ثمرة من ثمرات الشجرة، التي هي المقصودة من إيجاد الشجرة..
وهذه الشجرة الضخمة قد تقلّم وتكسّر بعضُ أغصانها، للتجديد، لأجل تلك الثمرات الصغيرة، وتُطعّم لتثمر ثمرات باقية، أبهى جمالا وأزهى لطافة. كذلك الإنسان الذي هو ثمرةُ شجرة الكائنات؛ إذ المقصود من إيجادها إنما هو الإنسان، وغايةُ إيجاد الموجودات هي الإنسان. وبذرةُ تلك الثمرة، قلبُ الإنسان، فهو أنورُ مرآة للصانع الجليل وأجمعها.
وهكذا بناء على هذه الحكمة، أصبح الإنسان الصغير هذا محورَ انقلابات عظيمة للحشر والنشور، وسببا لدمار الكائنات وتبديلها، إذ ينسد بابُ الدنيا لأجل محاكمته ويُفتح بابُ الآخرة لأجله.
وإذ ورد بحث في الآخرة، فقد آن أوان ذكر حقيقة بليغة تبيّن جانبا من جزالة بيان القرآن الكريم وقوة تعابيره في معرض إثبات الحشر وهي: أنّ نتيجة هذا التفكر تُبيّن أنه لأجل محاكمةِ الإنسان وفوزه بالسعادة الأبدية، يُدمّر الكونُ كله إذا لزم الأمر. فالقوة القادرة على التدمير والتبديل موجودة فعلا وهي ظاهرة ومشهودة، إلّا أن للحشر مراتب:
منها ما يلزم معرفتُه، والإيمانُ به فرض. وقسم آخر يظهر حسب درجات الترقيات الروحية والفكرية ويكون علمُه والمعرفةُ به ضروريا.
فالقرآن الكريم لأجل إثبات أبسط وأسهل مرتبة من مراتب الحشر إثباتا قاطعا يبين قدرةً قادرة على فتح أوسع دائرة من دوائر الحشر وأعظمها.
— 720 —
فمرتبة الحشر، الذي يلزم العمومَ الإيمانُ به، هي أن الناس بعد الموت، تذهب أرواحُهم إلى مقامات أخرى وأجسادهم تَرمُّ إلّا عَجْبَ الذَنب -الذي هو جزء صغير لا يندثر من جسم الإنسان وهو في حكم بذرة- وإن اللّٰه سبحانه ينشئ من هذا الجزء الصغير جسد الإنسان يوم الحشر ويبعث إليه روحَه. [٭]: تقدم تخريجه في الكلمة التاسعة والعشرين.
فهذه المرتبة من الحشر سهلة إلى درجة أن لها الملايينَ من الأمثلة في كل ربيع. إلّا أن القرآن الكريم لأجل إثبات هذه المرتبة السهلة، يبيّن أحيانا قدرةً قادرة على حشر جميع الذرات ونشرها. وأحيانا يبين آثار قدرةٍ وحكمة تتمكن من إرسال المخلوقات كافة إلى الفناء والعدم ثم إعادتها من هناك.. ويبين في بعض آياته آثارَ وتدابيرَ قدرةٍ وحكمة لها من المقدرة على نثر النجوم وشق السماوات وفطرها.. وتبين آيات أخرى تدابيرَ قدرةٍ وحكمة قادرة على إماتة جميع ذوي الحياة وبعثهم بصيحة واحدة، دفعةً واحدة.. ويبين في أخرى تجلياتِ قدرةٍ وحكمة قادرة على حشر ما على الأرض من ذوي الحياة، ونشره كل على انفراد.. ويبين أحيانا آثارَ قدرة وحكمة قادرة على بعثرة الأرض كلها ونسف الجبال وتبديلها إلى صورة أجملَ منها. بمعنى أنه مما سوى مرتبة الحشر الذي هو مفروض على الجميع الإيمانُ به ومعرفتُه، فإن كثيرا من مراتبه يمكن أن تتحقق بتلك القدرة والحكمة. فإذا ما اقتضت الحكمةُ الربانية قيامَها، فلابد أنه سيقيمها جميعا مع حشر الإنسان ونشره، أو سيقيم بعضا مهمّا منها.
سؤال: تقولون: إنك تستعمل في "الكلمات" القياسَ التمثيلي كثيرا. بينما القياسُ التمثيلي لا يفيد اليقين حسب "علم المنطق"؛ إذ يلزم البرهانُ المنطقي في المسائل اليقينية، أما القياسُ التمثيلي فيستعمل في المطالب التي يكفيها الظنُّ الغالب، كما هو لدى علماء أصول الفقه.
فضلا عن أنك تذكر التمثيلات في أسلوب الحكاية. والحكايةُ تكون خيالية، لا حقيقية وقد تكون مخالفةً للواقع.
الجواب: نعم، لقد ورد في علم المنطق: أن القياس التمثيلي لا يفيد اليقين العلمي. إلّا أن للقياس التمثيلي نوعا هو أقوى بكثير من البرهان اليقيني للمنطق. بل هو أكثر يقينا من الضرب الأول من الشكل الأول للمنطق. وذلك القسم هو إظهارُ جزءٍ وطرفٍ من حقيقةٍ
— 721 —
كلية بتمثيلٍ جزئي، ثم بناءُ الحُكم على تلك الحقيقة، وبيانُ قانونِ تلك الحقيقة في مادة خاصة، كي تُعرَف منها تلك الحقيقة العظمى، وتُرجَع إليها المواد الجزئية.
فمثلا: الشمسُ توجد قريبةً من كل شيء لیمّاع -بوساطة النورانية- مع أنها ذاتٌ واحدة. فبهذا المثال يُبيَّن قانونُ حقيقةٍ هي: أنه لا قيدَ للنور والنوراني، فالبعيدُ والقريب سواء، القليل والكثير يتساوى، فلا يحدّه مكان.
ومثلا: إن تشكيلَ أثمار الشجرة وأوراقِها وتصويرَها في آن واحد، بطراز واحد، بسهولة تامة، وعلى أكمل وجه، من مركز واحد، بقانون أمري واحد. إنما هو مثال لإراءة جزءٍ من حقيقة عظمى وطرفٍ من قانون كلي. فتلك الحقيقة وقانونُها يثبتان إثباتا قاطعا أن تلك الكائنات الهائلةَ، كهذه الشجرة، يجري عليها قانونُ الحقيقة هذا، فهي كالشجرة ميدانُ جولان سر الأحدية ذاك.
فالقياساتُ التمثيلية في "الكلمات" كلُّها من هذا الطراز بحيث تكون أقوى من البرهان القاطع المنطقي وأكثر يقينا منه.
الجواب عن السؤال الثاني: من المعلوم في فن البلاغة، أنه إذا كان المعنى المقصودُ للّفظ والكلام يرادُ لقصد آخر يُعرف بی"اللفظ الكنائي" ولا يكون المعنى الأصلي في اللفظ الكنائي مناطَ صدقٍ وكذب. بل المعنى الكنائي هو الذي يكون مدارَ الصدق والكذب. فلو كان المعنى الكنائي صدقا، فالكلامُ صدق، وإن كان المعنى الأصلي كذبا، فلا يُفسد كذبُ هذا صدقَ ذاك. ولكن لو لم يكن المعنى الكنائي صدقا، وكان المعنى الأصلي صدقا، فالكلام كذب.
مثلا: "طويلُ النِّجاد" أي شخصٌ حمالةُ سيفه طويلة. هذا الكلام كناية عن طول قامة ذلك الشخص، فإن كان طويلا حقا، فالكلام صدق وصواب وإن لم يكن له سيف ولا نجاد، ولكن إن لم يكن الرجل طويل القامة وله سيف ونجاد طويل فالكلام كذب، لأن المعنى الأصلي غير مقصود.
فالحكايات الواردة في "الكلمة العاشرة" و"الكلمة الثانية والعشرين" وأمثالِهما، هي من الكنايات بحيث إن الحقائق التي تُختم بها الحكايات، وهي في منتهى الصدق والصواب
— 722 —
والمطابقة مع الواقع، هي المعاني الكنائية لتلك الحكايات، فمعانيها الأصلية إنما هي منظار تمثيلي. فكيفما كان لا يفسد صدقُها وصوابُها. فضلا عن أن تلك الحكايات إنما هي تمثيلات أظهر فيها لسانُ الحال في صورة لسان المقال، وأبرز فيها الشخصُ المعنوي في صورة شخص مادي وذلك لأجل إفهام العامة.
المقصد الثالث
إن داعية أهل الضلالة، بعدما أخذ الجواب القاطع المقنع الملزم، عن سؤاله الثاني (٭): المقصود السؤال الوارد في بداية المقصد الثاني، وليس هذا السؤال الذي هو في نهاية الخاتمة. (المؤلف). يسأل هذا السؤال، وهو الثالث فيقول: إن في القرآن: احسن الخالقين، ارحم الراحمين وأمثالَهما من الكلمات القرآنية التي تُشعر بوجود خالقِين وراحمين آخرين. ثم إنكم تقولون: إن رب العالمين له كمال لا منتهى له، فهو جامع لأقصى نهاية مراتب أنواع الكمالات كلها، بينما كمالاتُ الأشياء تُعرف بأضدادها؛ إذ لولا الألم لما كانت اللذةُ كمالا، ولولا الظلام لما تحقق الضياء، ولولا الفراق لما أورث الوصالُ لذةً، وهكذا؟
الجواب: نجيب عن الشق الأول من السؤال بخمس إشارات:
الإشارة الأولى
إنّ القرآن الكريم يبين التوحيد من أوله إلى آخره، ويثبته إثباتا قاطعا، وهذا بحدّ ذاته دليل على أن تلك الأنواع من الكلمات القرآنية ليست كما تفهمونها. بل قوله تعالى: احسن الخالقين يعني: هو في أحسن مراتب الخالقية، فليس له أية دلالة على وجود خالق آخر، إذ الخالقية لها مراتب كثيرة كسائر الصفات فقوله تعالى: احسن الخالقين يعني أن الخالق الجليل هو في أحسن مراتب الخالقية وأقصى منتهاها.
الإشارة الثانية
إنّ احسن الخالقين وأمثالَها من التعابير القرآنية لا تنظر إلى تعدد الخالقين، بل تنظر إلى أنواع المخلوقية. أي إن الخالق الذي يخلق كل شيء، يخلقه بأفضل طراز وأجمل مرتبة. وقد بيّن هذا المعنى قوله تعالى: احسن كل شيء خَلَقه (السجدة:٧) وأمثالُه من الآيات الكريمة.
— 723 —
الإشارة الثالثة
إنّ الموازنة الموجودة في تعابير:
احسن الخالقين ٭ اللّٰه أكْبَیرُ ٭ خير الفاصلين ٭ خَيرُ المحسِنين
وأمثالِها، ليست موازنة وتفضيلا بين صفات وأفعال واقعية للّٰه سبحانه وتعالى، والمالكين لنماذجَ تلك الصفات والأفعال، لأن جميع الكمالات الموجودة في الكون قاطبة في الجن والإنس والملَك، ظل ضعيف بالنسبة لكماله جل وعلا، فكيف يمكن عقدُ موازنة بينهما؟ وإنما الموازنة هي بالنسبة لنظر الناس ولاسيما لأهل الغفلة.
نورد مثالا للتوضيح: جندي يقدّم أتم الولاء والطاعة لعريفه في الجيش، ويرى الإحسانات والخيرات منه، وقد لا يخطر بباله السلطانُ إلّا نادرا، بل لو خطر بباله، فإنه يقدم امتنانَه وشكرَه أيضا إلى العريف، فيقال لمثل هذا الجندي: إنّ السلطانَ أكبرُ من عريفك، فقدّم شكرك إليه وحده. فهذا الكلام ليس موازنة بين القيادة المهيبة للسلطان في الواقع، وقيادة العريف الجزئية الصورية، لأنّ موازنةً كهذه، وتفضيلا من هذا النوع، لا معنى لهما أصلا. وإنما الموازنة معقودة حسب ما لدى الجندي من أهمية وارتباط بعريفه، بحيث يفضّله على غيره، فيقدم شكرَه وثناءه إليه، ويحبه وحده.
ومثل هذا، فالأسبابُ الظاهرية التي هي في وَهْمِ أهل الغفلة في حُكم خالقٍ، ومُنعمٍ، والتي تكون حجابا دون المنعم الحقيقي، إذ يتشبثون بها ويرون ورود النعمة والإحسان من تلك الحُجب والأسباب، فيقدمون ثناءهم ومدحهم إليها. يقول القرآن الكريم لهم: "اللّٰه أكْبَرُ". احسن الخالقين ٭ ارحم الراحمين فتوجهوا إليه وحده واشكروه وحده.
الإشارة الرابعة
تُعقد الموازنةُ والتفضيل بين الموجودات الفرضية والإمكانية مثلما تُعقد بين الأشياء الحقيقية . إذ كما أنّ أكثر ماهيات الأشياء فيها مراتب متعددة، كذلك في ماهيات الأسماء الإلهية الحسنى والصفات الجليلة المقدسة يمكن أن توجد مراتب كثيرة. فاللّٰه سبحانه في أكمل تلك المراتب للصفات والأسماء من المراتب المتصوَّرة والممكنة، وفي أحسنها. والكون كلُّه وما فيه من كمالات شاهد صدق لهذه الحقيقة، وقوله تعالى: له الاسماء الحسنى (الحشر:٢٤) وصف لأسمائه كلِّها يعبّر عن هذا المعنى.
— 724 —
الإشارة الخامسة
هذه الموازنة والمفاضَلة لا تقابل ما سواه تعالى، بل له جلّ وعلا نوعان من التجليات والصفات.
الأولى: تدبيرُه وتصريفه الأمور على صورة قانون عام، يجري تحت ستار الأسباب وحجاب الوسائط، بسر الواحدية.
الثانية: تدبيرُه وتصريفه الأمور تدبيرا مباشرا خاصا، دون حجاب الأسباب، بسر الأحدية. فإحسانه المباشر وإيجادُه المباشر وتجلي كبريائه المباشر - بسر الأحدية - هو أعظم وأجمل وأعلى من إحسانه وإيجاده وكبريائه المشاهَدةِ آثارُها بالأسباب والوسائط.
فمثلا: إنّ جميع موظفي السلطان، وقوّادَه إنما هم حُجب لا غير، لو كان السلطان من الأولياء، وكان الحُكم والإجراءات كلُّها بيده.
فتدبير الأمور وتصريفها، لدى هذا السلطان نوعان:
الأول: الأوامر التي يصدرها، والإجراءاتُ التي ينجزها بقانون عام من خلال وسائط الموظفين والقواد الظاهريين، وحسب قابلية المقام.
الثاني: إحساناتُه المباشرة وإجراءاتُه المباشرة التي لا تتم من خلال قانون عام ولم يتخذ فيها الموظفين الظاهريين حجبا، فهذه أجملُ وأرفع من تلك التي تتم بصورة غير مباشرة.
وهكذا -وللّٰه المثل الأعلى- فهو سبحانه سلطانُ الأزل والأبد، وهو ربُّ العالمين، قد جعل الأسبابَ حجبا لإجراءاته، إظهارا لعزة ربوبيته وعظمتها، فضلا عن أنه وضع في قلوب عباده هاتفا خاصا وأمرهم بقوله تعالى: اياك نعبد واياك نستعين (الفاتحة:٥) أي بعبوديةٍ خاصة ليتوجهوا إليه مباشرةً تاركين الأسباب وراءهم ظهريّا، وبهذا يصرف سبحانه وجوهَ عباده من الكائنات إليه تعالى.
ففي قوله تعالى احسن الخالقين ٭ ارحم الراحمين ٭ اللّٰه أكْبیرُ هذا المعنى المذكور.
أما الشق الثاني من سؤال داعية أهل الضلال، فجوابُه في خمسة رموز:
— 725 —
الرمز الأول
يقول في السؤال: كيف يكون للشيء كمال ما لم يكن له ضد؟
الجواب: صاحب هذا السؤال يجهل الكمال الحقيقي، إذ يظنه نسبيا، بينما المزايا والفضائل والتقدم على الآخرين، الحاصلةُ كلُّها نتيجة النظر إلى الأشياء الأخرى والمفاضلة معها، ليست فضائلَ حقيقية وكمالا حقيقيا بل هي فضائلُ نسبية، فهي ضعيفة واهية تسقط من الاعتبار بإهمال الغير.
مثلا: لذة الحرارة وميزتُها هي بتأثير البرودة، واللذة النسبية للطعام بتأثير ألَم الجوع.
فإذا ما انتفت تلك التأثيرات، قلّت اللذةُ وتضاءلت. بينما اللذة والمحبة والكمال والفضيلة الحقيقية هي التي لا تُبنى على تصور الغير، بل تكون موجودةً في ذاتها. وتكون حقيقيةً مقررة بالذات كلذة الوجود ولذة الحياة ولذة المحبة ولذة المعرفة ولذة الإيمان ولذة البقاء ولذة الرحمة ولذة الشفقة.. وحُسن النور وحُسن البصر وحسن الكلام وحسن الكرم وحسن السيرة وحسن الصورة.. وكمال الذات وكمال الصفات وكمال الأفعال.. وأمثالها من المزايا الذاتية التي لا تتبدل بوجود غيرها أو عدمه.
فكمالاتُ الصانع الجليل والفاطر الجميل والخالق ذي الكمال كمالات حقيقية، ذاتية، لا يؤثر فيها ما سواه تعالى. بل ما سواه مظاهر ليس إلّا.
الرمز الثاني لقد قال السيد الشريف الجرجاني في كتابه "شرح المواقف": إنّ سبب المحبة إما اللذة أو المنفعة أو المشاكلة، بين بني الجنس، أو الكمال، لأن الكمال محبوب لذاته. أي أيّما شيء تحبه، فإما أنك تحبّه للذّة، أو للمنفعة أو للمشاكلة الجنسية -كالميل إلى الأولاد- أو كونه كمالا. فإن كان السبب كمالا فلا يلزم أي سبب آخر أو غرض آخر، فهو محبوب لذاته.
مثلا: محبة الناس لأصحاب الفضائل من الأقدمين، فهم يولون لهم محبَّتَهم وإعجابَهم على الرغم من عدم وجود رابطة وعلاقة تربطهم بهم. فكمال اللّٰه سبحانه وكمالُ مراتب أسمائه الحسنى كمال حقيقي، لذا فهو محبوب لذاته. واللّٰه سبحانه وتعالى الذي هو محبوب بالحق،
— 726 —
وحبيب حقيقي يحب كمالَه الحقيقي وجمالَ صفاته وأسمائه الحسنى بمحبة لائقة به جلّ وعلا، ويحب أيضا محاسنَ مخلوقاته وصنعتَه ومصنوعاتِه التي هي مظاهر ذلك الكمال ومراياه، فيحب أنبياءه وأولياءه ولاسيما سيدَ المرسلين وسلطانَ الأولياء حبيب رب العالمين.
أي لمحبته سبحانه لجمالِه يحب حبيبَه (ص) إذ هو مرآةُ ذلك الجمال.. ولمحبته لأسمائه الحسنى يحب حبيبَه (ص) وإخوانَه، إذ هو المدرِكُ الشاعر بتلك الأسماء.. ولمحبته لصنعته سبحانه يحب حبيبَه (ص) وأمثالَه، إذ هو الدال على صنعته والمعلنُ عنها.. ولمحبته لمصنوعاته سبحانه يحب حبيبَه (ص) ومَن هم خلفَه من المقتدين بهديِه، إذ هو الذي يقدّر قيمةَ المصنوعات ويباركها بی"ما أجمل صنعتَها!".. ولمحبته لمحاسن مخلوقاته يحب حبيبَه (ص) ومن تبعَه وإخوانه، إذ هو الجامع لمكارم الأخلاق.
الرمز الثالث إنّ جميع أنواع الكمال الموجودة في الكون كلِّه آيات لكمال ذات جليلة وإشارات إلى جماله سبحانه بل جميعُ الحُسن والكمال والجمال ما هو إلّا ظل ضعيف بالنسبة لكماله الحقيقي. نشير إلى خمس حجج لهذه الحقيقة:
الحجة الأولى: كما أن قصرا فخما منقّشا مزيَّنا مكمّلا يدل بالبداهة على صنعةٍ ماهرة. وهذه الصنعة الماهرة، وهي فعل مكمّل رائع، يدل بالضرورة على فاعلٍ وصنّاع ومهندس مع عناوينه وأسمائه كی"النقاش والمصوّر". وتلك الأسماء الكاملة أيضا تدل بلا شك على صفة الصنعة المكملة لدى ذلك الصنّاع. وذلك الكمال في الصنعة والصفات يدل بالبداهة على كمال استعداد ذلك الصنّاع وكمال قابليته. وذلك الاستعداد الكامل والقابلية الكاملة يدلان بالضرورة على كمال ذاتِ الصنّاع نفسه وعلى سموّ ماهيته.
وعلى غرار هذا، فقصرُ العالم -هذا الأثرُ المزيّن المكمل- يدل بالبداهة على أفعالٍ في غايیة الكمال، لأن أنواع الكمال التي في الأثر نابعة من كمال تلك الأفعال، وكمالُ الأفعال يدل بالضرورة على فاعلٍ كامل وعلى كمالِ أسمائه، كالمدبّر والمصوّر والحكيم الرحيم والمزيّن وأمثالها من الأسماء المتعلقة بالآثار. أما كمالُ الأسماء والعناوين فإنه يدل بلا ريب على كمال أوصاف ذلك الفاعل؛ لأن الصفات إن لم تكن كاملةً فالأسماءُ الناشئة منها لن تكون كاملة. وكمالُ
— 727 —
تلك الأوصاف يدل بالبداهة على كمال الشؤون الذاتية، لأن مبادئ الصفات هي تلك الشؤون الذاتية. أما كمالُ الشؤون الذاتية فإنه يدل بعلم اليقين على كمال ذاتٍ جليلة ذي شؤون، ويدل عليه دلالة قاطعة بحيث إن ضياء ذلك الكمال قد أظهر حسنَ الجمال والكمال في هذا الكون على الرغم من مروره من حجب الشؤون والصفات والأسماء والأفعال والآثار.
تُرى ما أهمية كمال نسبي ينظر إلى الغير وإلى الأمثال وإلى التفوق على الأضداد، بعد ثبوت وجود كمال ذاتي حقيقي ثبوتا إلى هذا الحد؟ ألا يكون خافتا منطفئا؟!
الحجة الثانية: عندما يُنظر إلى هذا الكون بنظر العِبرة، يشعر الوجدانُ والقلب، بحدسٍ صادق، أن الذي يجمّل هذه الكائنات ويزيّنها بأنواع المحاسن لا شك أنّ له جمالا وكمالا لا منتهى لهما، ولهذا يظهر الجمالُ والكمالُ في فعله.
الحجة الثالثة: من المعلوم أن الصنائع الموزونة المنتظمة الجميلة تستند إلى برنامج في غاية الحسن والإتقان، والبرنامج الكامل المتقن الجميل يستند إلى علمٍ جميل وإلى ذهنٍ حسن، وإلى قابليةٍ روحية كاملة، وهذا يعنى أن الجمال المعنوي للروح يظهر في الصنعة بالعلم.
فهذه الكائنات وما فيها، مع جميع محاسنها المادية التي لا تعد ولا تحصى، ما هي إلّا ترشحات محاسنَ معنويةٍ وعلمية، وتلك المحاسنُ والكمال العلمي والمعنوي لاشك أنها جلواتُ حُسنٍ وجمال وكمال سرمدي.
الحجة الرابعة: من المعلوم أنّ المشعّ للنور يستلزم أن يكون متنورا، وكل مضيء يستلزم أن يكون ذا ضوء، والإحسانُ يَرِدُ من الغني، واللطفُ يظهر من اللطيف. لذا فإضفاءُ الحُسن والجمال على الكائنات ومنحُ الموجودات أنواعا من الكمالات المختلفة، يدل على جمالٍ سرمدي، كدلالة الضوء على الشمس.
ولما كانت الموجوداتُ تجري جريان النهر العظيم وتلتمع بالكمال ثم تمضي. فمثلما يلتمع ذلك النهرُ بجلوات الشمس، فإنّ سيلَ الموجودات هذا يلتمع مؤقتا بلمعات الحسن والجمال والكمال ثم يمضي إلى شأنه. ويُفهم من تعاقب اللمعات، بأنّ جلواتِ حباباتِ النهر الجاري وجمالَها ليست ذاتية، بل هو جمالُ ضياءِ شمسٍ منوّرة وجلواتها. فالمحاسنُ
— 728 —
والكمالات التي تلتمع مؤقتا على سيل الكائنات إنما هي لمعاتُ جمالِ أسماءِ مَن هو نور سرمدي.
"نعم، تفاني المرآةِ زوالُ الموجوداتِ مع التجلّي الدائم مع الفيیض الملازمِ، مِن أظهرِ الظواهر من أبهرِ البواهر على أنّ الجمال الظاهر، أنّ الكمال الزاهر، ليسا مُلْكَ المظاهر.. مِن أفصح تبيانٍ من أوضحِ برهانٍ، للجمال المجرَّدِ للإحسان المجَدَّدِ، للواجب الوجودِ للباقي الودود".
الحجة الخامسة: من المعلوم أنه إذا روى أشخاص مختلفون أتوا من طرقٍ متباينة وقوعَ حادثة معينة بالذات، فإن هذا يدل بالتواتر الذي يفيد اليقين على وقوع الحادثة قطعا.
فلقد اتفق جميعُ أهل الكشف والذوق والشهود والمشاهدة من جميع الطبقات المختلفة للمحققين، والطرق المختلفة للأولياء، والمسالك المختلفة للأصفياء، والمذاهب المختلفة للحكماء الحقيقيين.. اتفق هؤلاء المختلفون في المشرب والمسلك والاستعداد والعصر، بالكشف والذوق والشهود على أن ما يظهر على الكائنات ومرايا الموجودات من المحاسن والكمالات إنما هو تجليات كمال ذاتٍ جليلةٍ وتجلياتُ جمالِ أسمائه الحسنى جل جلاله.. أقول: إنّ اتفاق هؤلاء جميعا حجة قاطعة لا تتزعزع، وإجماعٌ عظيم لا يُجرَح.
أظن أن داعية الضلال مضطر إلى الفرار، سادًّا أذنَيه، لئلا يسمع حقائق هذا الرمز.
نعم، إن الرؤوس المظلمة لا تتحمل -كالخفاش- رؤيةَ هذه الأنوار، ولهذا نحن بدورنا لا نعير لها أهمية تذكر.
الرمز الرابع إنّ لذة الشيء وحسنَه وجمالَه يرجع إلى مظاهره أكثر من رجوعه إلى أضداده وأمثاله.
فمثلا: الكرمُ صفة جميلة لطيفة، فالكريم يتلذذ لذةً ممتعة من تلذذ مَن يُكرمُهم، ويستمتع بفرحِهم أكثر ألف مرة من لذة نسبية يحصل عليها من تفوّقه على أقرانه من المكرمين. وكذا الشفيقُ والرحيم، يتلذذ لذةً حقيقية بقدر راحةِ من يشفق عليهم من المخلوقات.
— 729 —
فاللذة التي تحصل عليها الوالدةُ من راحة أولادها ومن سعادتهم قويةٌ راسخة إلى حدٍّ تُضَحي بروحها لأجل راحتهم، حتى إنّ لذة تلك الشفقة تدفع الدجاجةَ إلى الهجوم على الأسد حمايةً لأفراخها.
فاللذة والحُسن والكمال والسعادة الحقيقية في الأوصاف الراقية الرفيعة إذن لا ترجع إلى الأقران ولا تنظر إلى الأضداد، بل إلى مظاهرها ومتعلقاتها، فإن جمالَ رحمة ذي الجمال والكمال، الحي القيوم، الحنان المنان، الرحمن الرحيم، ينظر ويتوجه إلى المرحومين الذين نالوا رحمته، ولا سيما إلى أولئك الذين نالوا أنواعَ رحمته الواسعة وشفقته الرؤوفة في الجنة الخالدة. وله جلّ وعلا ما يشبه المحبة، تليق بذاته سبحانه، بمقدار سعادة مخلوقاته وبمدى تنعّمهم وفرحهم، وله شؤون سامية مقدّسة جميلة منیزّهة ذات معانٍ تليق به سبحانه وتعالى، ما لا نستطيع أن نذكرها، لعدم وجود إذنٍ شرعي، من التعابير المنیزّهة للغاية والمقدّسة الجليلة والتي يُعبّر عنها باللذة المقدسة والعشق المقدس والفرح المنیزّه والسرور القدسي، بحيث إن كلّا منها هي أسمى وأرفع وأنیزه بما لا يتناهى من درجات العلو والسمو والنیزاهة مما يظهر في الكائنات وما نشعر به من العشق والسرور بين الموجودات.. كما أثبتناه في مواضع كثيرة.
وإن شئت أن تنظر إلى لمعة من لمعات تلك المعاني الجليلة فانظر إليها بمنظار هذا المثال: شخص سخي كريم ذو شفقة ورأفة، أعدّ ضيافةً جميلة للفقراء المحتاجين، فبسط ضيافتَه الفخمة على إحدى سفنه الجوالة، واطلع عليهم وهم يتنعمون بإنعامه تنعّما بامتنان. تُرى كم يكون ذلك الشخص الكريم مسرورا فرحا، وكم يبتهج بتنعّم هؤلاء الفقراء وتلذذ الجياع منهم، ورِضَى المحتاجين منهم، وثنائهم جميعا عليه.. يمكنك أن تقيسه بنفسك.
وهكذا، فالإنسان الذي لا يملك ملكا حقيقيا لضيافة صغيرة، وليس له من هذه الضيافة إلّا إعدادُها وبسطها، إن كان يستمتع وينشرح إلى هذا القَدر لدى إكرامه الآخرين في ضيافة جزئية. فكيف بالذي تنطلق له آياتُ الحمد والشكر، وتُرفع إليه أكفُّ الثناء والرضى بالدعاء والتضرع، من الجن والإنس والأحياء كافة، الذين حمّلهم في سفينة ربانية جبارة، تلك هي الكرة الأرضية، ويسيّرها فيسيح بهم في عباب فضاء العالم، وأسبغ عليهم نِعَمه ظاهرةً وباطنة داعيا جميع ذوي الحياة إلى تلك الضيافة التي هي من قبيل فطورٍ بسيط بالنسبة
— 730 —
لما بسط في دار البقاء التي كل جنةٍ من جنانه كسفرةٍ مفروشة أمامهم مشحونةٍ بكل ما تشتهيه الأنفس وتلذّ الأعين، أعدّها لعباده الذين لا يُحصَون وهم في منتهى الحاجة وغاية الشوق إلى لذائذ لا تحد إشباعا للطائف لاتحد، ليتناولوا من تلك الضيافة الحقيقية وليتنعموا تنعما حقيقيا في زمن خالد أبدي. فقس بنفسك على هذا ما نعجَز عن التعبير عنه من المعاني المقدسة للمحبة والتعابير المنیزّهة لنتائج الرحمة المتوجهة إلى الرحمن الرحيم.
ومثلا: إذا قام صَنّاع ماهر بصنع حاكٍ جميل ينطق من دون حاجة إلى أسطوانة، ووضعَه موضع التجربة والعرض للآخرين. فعبّر الجهازُ عما يريده منه وعمل على أفضل وجهٍ يرغب فيه. فكم يكون مفتخرا متلذذا برؤية صنعته على هذه الصورة، وكم يكون مسرورا، حتى إنه يُردد في نفسه: بارك اللّٰه..
وهكذا، فإن كان إنسان صغير عاجز عن الإيجاد والخلق يغمره السرورُ إلى هذه الدرجة بمجرد صُنعه صنعة صغيرة، فكيف بالصانع الجليل الذي خلق هذا الكون على صورة موسيقى وحَاكٍ عظيم، وبخاصة صدى تسبيحات الأحياء على الأرض، ولاسيما ما وضع في رأس الإنسان من حاكٍ رباني وموسيقى إلهية، حتى تقف حكمةُ البشر وعلومُه أمامه في ذهول وحيرة.
نعم، إنّ جميع المصنوعات تُظهر ما يُطلب منها من نتائج، تُظهرها في منتهى الجمال والكمال، بانقيادها للأوامر التكوينية، التي تُعبّر عنها بالعبادات المخصوصة والتسبيحات الخصوصية والتحيات المعينة، وتحقق بهذا المقاصد الربانية المطلوبة منها، فيحصل من الافتخار والامتنان والسرور وغيرها من المعاني المقدسة والشؤون المنیزّهة التي نعجَز عن التعبير عنها، وهي سامية مقدسة بحيث إذا اتحدت جميعُ عقول البشر في عقل واحد عجَز عن بلوغ كُنهها والإحاطة بها.
ومثلا: إنّ حاكما عادلا يجد لذة ومتعة عندما يأخذ حقَّ المظلوم من الظالم، ويجعل الحقَّ يأخذ نصابه، ويفتخر لدى صيانته الضعفاءَ من شرور الأقوياء، وينسرّ لدى منحِه كلَّ فرد ما يستحقه من حقوق. فلَك أن تقيسَ على هذا المعانيَ المقدسة الواردة من إحقاق الحكيم المطلق والعادل المطلق والقهار الجليل، الحقَّ في الموجودات كافة، وليس على الجن والإنس وحدهم.
— 731 —
أي الحاصلة من منحِه سبحانه وتعالى شروطَ الحياة في صورة حقوق الحياة للمخلوقات قاطبة، ولاسيما الأحياء بإحسانه إليهم بأجهزة تحافِظ على حياتهم وبحمايتهم من اعتداء المعتدين، وبإيقافه الموجودات الرهيبة عند حدّها، ولاسيما المعاني المقدسة المنبعثة من التجلي الأعظم للعدالة الكاملة والحكمة التامة في الحشر الأعظم في الدار الآخرة على الأحياء كافة فضلا عن الجن والإنس.
وهكذا على غرار هذه الأمثلة الثلاثة، ففي كل اسم من ألف اسم من الأسماء الإلهية الحسنى طبقاتُ حُسنٍ وجمالٍ وفضلٍ وكمالٍ كثيرة جدّا. كما أنّ فيها مراتبَ محبةٍ وفخر وعزة وكبرياء كثيرة جدّا. ومن هنا قال الأولياء المحققون الذين حظَوا باسم الودود: إنّ جوهر الكون كلِّه هو المحبة وإن حركة الموجودات بالمحبة. فقوانينُ الانجذاب والجذب والجاذبية التي تجرى في الموجودات إنما هي آتية من المحبة.
وقد قال أحدهم:
فَلَكْ مَسْتْ، مَلَكْ مَسْتْ، نُجومْ مَسْتْ، سَمَوَاتْ مَسْتْ
شَمْسْ مَسْتْ، قَمَرْ مَسْتْ، زَمِينْ مَسْت، عَنَاصِرْ مَسْتْ
نَبَاتْ مَسْتْ، شَجَرْ مَسْتْ، بَشَرْ مَسْت، سَرَاسَرْ ذِى حَيَاتْ مَسْت
هَمَه ذَرَّاتِ مَوْجُودَاتْ بَرَابَرْ مَسْت، دَرْمَسْتَسْت
[٭]: كلُّ ذرات الوجود في نشوةِ المحبة.
الفَلَكُ نشوان والمَلَك نشوان
النجومُ والسماوات نشاوى
القمر والشمس والأرض نشاوى
والعناصر والنباتات والأشجار نشاوى.
بمعنى أن كل شيء نشوان من شراب المحبة بتجلي المحبة الإلهية، كلّ حسب استعداده. من المعلوم أن كل قلب يُحب مَن يُحسن إليه، ويُحب الكمال الحقيقي ويَعشق الجمال السامي ويزيد حبّه لمن يحسن على من يحبّهم ويشفق عليهم.
ترى ما مدى العشق والمحبة التي تليق بمَن له في كل اسم من أسمائه ألفُ كنیزٍ وكنیز من الإحسان والإنعام.. ومن يُسعد كلَّ مَن نُحبُّهم.. ومن هو منبعُ ألوف أنواع الكمالات.. ومن هو مبعثُ ألوف طبقات الجمال.. ومن هو مسمَّى ألف اسم واسم.. وهو الجميل ذو الجلال والمحبوب ذو الكمال.
ألا يُفهم من هذا مدى الأحقية في نشوة الكون طرا بمحبّته؟
— 732 —
ولأجل هذا السر قال قسم من الأولياء الذين نالوا شرف الحظوة باسم "الودود": "لمعة من محبة اللّٰه تغنينا عن الجنة". ومن ذلك السر أيضا، ورد في الحديث الشريف ما معناه: إن رؤية جمال اللّٰه في الجنة تفوق جميع لذائذ الجنة. [٭]: انظر: مسلم، الإيمان ٢٩٧؛ ابن ماجه، المقدمة ١٣؛ أحمد بن حنبل، المسند ٤/٣٣٣؛ الديلمي، المسند ٤/٣٥٦؛ الشافعي المسند ٢/٣٨٩.
فكمالات المحبة ومزاياها هذه، إنما تحصل ضمن دائرة الواحدية والأحدية بأسمائه سبحانه وبمخلوقاته. بمعنى: أن ما يُتوهم من كمالات خارج تلك الدائرة ليست كمالات قطعا.
الرمز الخامس خمس نقاط:
النقطة الأولى: يقول داعية أهل الضلال: لقد لُعنَت الدنيا في أحاديثكم، [٭]: قال رسول اللّٰه (ص): "الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلّا ذكر اللّٰه وما والاه وعالما ومتعلما" (انظر: الترمذي، الزهد ١٤؛ ابن ماجه، الزهد ٣؛ الدارمي، المقدمة ٣٢؛ عبد الرزاق، المصنف ٧/٢٠١؛ الطبراني، المعجم الأوسط ٤/٢٣٦). وذُكرت أنها جيفة، [٭]: انظر: الديلمي، المسند ١/١٤١-١٤٢؛ العجلوني، كشف الخفاء ١/٤٩٢؛ أبو نعيم، حلية الأولياء ٨/٢٣٨. ونرى أن أهل الولاية وأهل الحقيقة يحقرون الدنيا ويستهينون بها ويقولون: إنها فاسدة، قذرة. بينما تبينها أنت: أنها مبعثُ كمالٍ إلهي وحجة له، وتذكرها ذكرَ عاشقٍ لها.
الجواب: الدنيا لها ثلاثة وجوه:
الوجه الأول: ينظر إلى أسماء اللّٰه الحسنى ويبين آثار تلك الأسماء ونقوشها، وتؤدي الدنيا، بهذا الوجه، وظيفة مرآة لتلك الأسماء بالمعنى الحرفي، فهذا الوجه مكاتيب صمدانية لا تحد. لذا يستحق العشقَ لا النفور، لأنه في غاية الجمال.
الوجه الثاني: وجه ينظر إلى الآخرة، فهو مزرعة الآخرة، مزرعة الجنة، موضعُ إزهار أزاهير الرحمة الإلهية. وهذا الوجه جميل كالوجه الأول يستحق المحبةَ لا التحقير.
الوجه الثالث: وجه ينظر إلى أهواء الإنسان، ويكون ستارَ الغافلين، وموضع لعب أهل الدنيا وأهوائهم. فهذا الوجه قبيح دميم، لأنه فانٍ، زائل، مؤلم، خداع.
فالتحقير الوارد في الحديث الشريف، والنفور الذي لدى أهل الحقيقة هو من هذا الوجه. أما ذكرُ القرآن الكريم للموجودات بأهمية بالغة وإعجاب وإطراء فهو متوجه إلى
— 733 —
لوجهين الأولين، وإن الدنيا المرغوبة فيها لدى الصحابة الكرام وسائر أولياء اللّٰه في الوجهين الأولين.
والآن نذكر أولئك الذين يحقرون الدنيا وهم أربعةُ أصناف:
الأول: هم أهل المعرفة الإلهية، فهم يحقرونها لأنها تحجُب عن معرفة اللّٰه سبحانه وتستر عن محبتِه والعبادةِ له.
الثاني: هم أهل الآخرة. فإما أن ضرورات الحياة الدنيوية ومشاغلَها تمنعهم عن الأعمال الأخروية، أو أنهم يرون الدنيا قبيحةً بالنسبة لكمالات الجنة وجمالها ومحاسنها التي يشاهدونَها بإيمان شهودي.
نعم، فكما إذا قورن رجل جميل مع سيدنا يوسف عليه السلام يبدو قبيحا بلا شك. كذلك تبدو جميعُ مفاتن الدنيا القيّمة تافهة بالنسبة لنعيم الجنة.
الثالث: يحقّر الدنيا لأنه لا يحصل عليها، وهذا التحقير ناتج من محبة الدنيا لا من النفور منها.
الرابع: يحقّر الدنيا لأنه يحصل عليها إلّا أنها لا تظل عنده، بل ترحل عنه، فهو بدوره يغضب، ولا يجد غيرَ تحقير الدنيا ليسلّي نفسه فيقول: إنها قذرة. فهذا التحقير أيضا ناتج من محبة الدنيا. بينما التحقيرُ المطلوب هو الناتج من حب الآخرة ومن حب معرفة اللّٰه. بمعنى أن التحقير المقبول هو القسمان الأولان. اللّٰهم اجعلنا منهم آمين بحرمة سيد المرسلين (ص).
— 734 —

الموقف الثالث

بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
وان من شيءٍ إلّا يسبّح بحمده
(الإسراء:٤٤)
هذا الموقف عبارة عن نقطتين وهي مبحثان
المبحث الأول
إن في كل شيء وجوها كثيرة جدّا متوجهة -كالنوافذ- إلى اللّٰه سبحانه وتعالى، بمضمون الآية الكريمة:
وان من شيءٍ إلّا يسبّح بحمده
إذ إن حقائقَ الموجودات وحقيقةَ الكائنات تستند إلى الأسماء الإلهية الحسنى، فحقيقةُ كل شيء تستند إلى اسم من الأسماء أو إلى كثيرٍ من الأسماء. وإن الأوصاف والصنائع الموجودة في الأشياء يستند كل واحد منها إلى اسم من الأسماء، حتى إن علمَ الحكمة الحقيقي يستند إلى اسم اللّٰه "الحكيم" وعلمَ الطب يستند إلى اسم اللّٰه "الشافي" وعلمَ الهندسة يستند إلى اسم اللّٰه "المقدّر".. وهكذا كلُّ علم من العلوم يستند إلى اسم من الأسماء الحسنى وينتهي إليه، كما أن حقيقةَ جميع العلوم وحقيقةَ الكمالات البشرية وطبقات الكمّل من البشر، تستند كلها إلى الأسماء الإلهية الحسنى. حتى قال أولياء محققون إن "الحقائق الحقيقية للأشياء، إنما هي الأسماء الإلهية الحسنى، أما ماهية الأشياء فهي ظلال تلك الحقائق" بل يمكن مشاهدةُ آثار تجلي عشرين اسما من الأسماء على ظاهر كل ذي حياة فحسب.
نحاول تقريب هذه الحقيقة الدقيقة والعظيمة الواسعة في الوقت نفسه إلى الأذهان بمثال، نصفّيه بمصافٍ ونحلله بمحلِّلات مختلفة، ومهما يطل البحث بنا فإنه يعدّ قصيرا، فينبغي عدم السأم:
إذا أراد فنان بارع في التصوير والنحت، رسمَ صورةِ زهرة فائقة الجمال، وعملَ تمثالِ حسناءَ رائعة الحسن، فإنه يبدأ أولَ ما يبدأ بتعيين بعضِ خطوطِ الشكل العام لكل منهما..
— 735 —
فتعيينُه هذا إنما يتم بتنظيم، ويعملُه بتقديرٍ يستند فيه إلى علم الهندسة، فيعيّن الحدودَ وفقَه.. فهذا التنظيمُ والتقدير يدلان على أنهما فُعِلا بعلمٍ وبحكمة. أي إنّ فعلَي التنظيم والتحديد يتمّان وفق "بركار" العلم والحكمة، لذا تَحكُم معانِي العلم والحكمة وراءَ التنظيم والتحديد، إذن ستبيّن ضوابطُ العلم والحكمةِ نفسَها.. نعم، وها هي تبيّن نفسَها، إذ نشاهد الفنانَ قد بدأ بتصويرِ العين والأذن والأنف للحسناء وأوراقِ الزهرة وخيوطِها اللطيفة الدقيقة داخل تلك الحدود التي حدّدها.
والآن نشاهد أن تلك الأعضاء التي عُيّنت وفق "بركار" العلم والحكمة أخذت صيغةَ الصنعة المتقنة والعناية الدقيقة، لذا تحكمُ معانِي الصُّنع والعناية وراء "بركار" العلم والحكمة.. إذن ستبين نفسَها.. نعم، وها قد بدأت قابليةُ الحسن والزينة في الظهور مما يدل على أن الذي يحرّك الصنعةَ والعناية هو إرادةُ التجميل والتحسين وقصدُ التزيين، لذا يحكمان من وراء الصنعة والعناية؛ وها قد بدأ " الفنانُ " بإضفاء حالة التبسّم لتمثال الحسناء، وشرَع بمنح أوضاعٍ حياتية لصورة الزهرة، أي بدأ بفعلَي التزيين والتنوير. لذا فالذي يحرّك معنى التحسين والتنوير هما معنَيا اللطف والكرم.. نعم، إن هذين المعنيين يحكمان، بل يهيمنان إلى درجة كأن تلك الزهرةَ لطف مجسّم وذلك التمثالَ كرم متجّسد. تُرى ما الذي يحرك معانيَ الكرم واللطف، وما وراءهما غيرُ معاني التودد والتعرف. أي تعريف نفسه بمهارته وفنّه وتحبيبها إلى الآخرين.. وهذا التعريفُ والتحبيب آتيان من الميل إلى الرحمة وإرادة النعمة.. وحيث إن الرحمةَ وإرادةَ النعمة من وراء التودد والتعرّف، فستملآن إذن نواحي التمثال بأنواع الزينة والنعم، وستعلّقان على الصورة، صورة الزهرة الجميلة هديةً ثمينة.. وها نحن نشاهد أن "الفنان" قد بدأ بملء يدي التمثال وصدره بنعمٍ قيّمة ويعلّق على صورة الزهرة دررا ثمينة.. بمعنى أن معاني الترحم والتحنن والإشفاق قد حرّكت الرحمةَ وإرادةَ النعمة.. وما الذي يحرك معاني الترحم والتحنن هذه، وما الذي يسوقهما إلى الظهور لدى ذلك المستغنى عن الناس، غيرُ ما في ذاته من جمال معنوي وكمال معنوي يريدان الظهور؟! إذ إن أجملَ ما في ذلك الجمال، وهو المحبة، وألذَّ ما فيه وهو الرحمة، كلّ منهما -أي المحبة والرحمة- يريدان إراءة نفسيهما بمرآة الصنعة، ويريد -أي الجمال- رؤية نفسِه بعيون المشتاقين، لأن الجمال -وكذا الكمال- محبوب لذاته، يحب نفسَه أكثر من أي شيء آخر، حيث إنه حُسن وعشق في الوقت
— 736 —
نفسه، فاتحاد الحسن والعشق آتٍ من هذه النقطة.. ولما كان الجمال يحب نفسَه، فلابد أنه يريد رؤية نفسه في المرايا، فالنِّعم الموضوعة على التمثال، والثمرات اللطيفة المعلقة على الصورة، تحمل لمعةً براقة من ذلك الجمال المعنوي -كلّ حسب قابليته- فتُظهر تلك اللمعات الساطعة نفسَها إلى صاحب الجمال، وإلى الآخرين معا.
وعلى غرار هذا المثال ينظّم الصانعُ الحكيم -وللّٰه المثل الأعلى- الجنةَ والدنيا والسماوات والأرض والنباتات والحيوانات والجن والإنس والملك والروحانيات. أي بتعبير موجز ينظم سبحانه جميعَ الأشياء كليّها وجزئيها.. ينظمها جميعا بتجليات أسمائه الحسنى ويعطي لكلٍّ منها مقدارا معينا حتى يجعله يستقرئ اسم "المقدر، المنظم، المصور".
وهكذا بتعيينه سبحانه وتعالى حدودَ الشكل العام لكل شيء تعيينا دقيقا يُظهر اسمَي "العليم، الحكيم". ثم يرسم بمسطرة العلم والحكمة ذلك الشيء ضمن الحدود المعينة، رسما متقنا إلى حدّ يُظهر معاني الصنع والعناية، أي اسمَي: "الصانع، الكريم".. ثم يضفي على تلك الصورة جمالا وزينة، بفرشاة العناية وباليد الكريمة للصنعة، فإن كانت الصورة إنسانا أضفى على أعضائه كالعين والأنف والأذن ألوانا من الحسن والجمال.. وإن كانت الصورةُ زهرةً أضفى سبحانه إلى أوراقها وأعضائها وخيوطها الرقيقة ألوانا من الجمال والرواء والحسن.. وإن كانت الصورة أرضا منح معادنَها ونباتاتها وحيواناتها ألوانا من الزينة وضروبا من الجمال والحسن.. وإن كانت الصورة جنة النعيم أسبغ على قصورها ألوانا من الحسن وعلى حورها أنواعا من الزينة.. وهكذا قس على هذا المنوال.
ثم يزّين ذلك الشيءَ وينوره بطرازٍ بديع من الزينة والنور حتى تحكُم عليه معاني اللطف والكرم فتجعل ذلك الموجود المزيَّن وذلك المصنوع المنوَّر لطفا مجسما وكرما متجسدا يذكّر باسمَي "اللطيف، الكريم". والذي يسوق ذلك اللطف والكرم إلى هذا التجلي إنما هو التودد والتعرّف، أي شؤون تحبيب ذاته الجليلة إلى ذوي الحياة وتعريفِ ذاته إلى ذوي الشعیور حتى يُقرأ على ذلك الشيء اسما "الودود والمعروف" اللذان هما وراء اسمَي "اللطيف، الكريم" بل يُسمعان قراءته لذينك الاسمَين من حال المصنوع نفسه. ثم يجمّل سبحانه ذلك الموجود المزيّن، وذلك المخلوق الجميل، بثمرات لذيذة، بنتائج محبوبة، فيحوّل جل وعلا
— 737 —
الزينةَ إلى نعمةٍ، واللطفَ إلى رحمةٍ، حتى يدفع كل مشاهد يقرأ اسمَي "المنعم، الرحيم" حيث تشف تجليات ذينك الاسمَين من وراء الحجب الظاهرية. ثم إن الذي يسوق اسمي "الرحيم والكريم" -وهو المستغني المطلق- إلى هذا التجلي إنما هو شؤون "الترحّم والتحنن" مما يجعل المشاهد يقرأ على الشيء اسمَي "الحنان، الرحمن". والذي يسوق معاني الترحم والتحنن إلى التجلي، جمال وكمال ذاتيان، يريدان الظهور، مما يدفع المشاهد إلى قراءة اسم "الجميل"، واسمَي "الودود، الرحيم" المندرجين فيه؛ إذ الجمال محبوب لذاته. والجمال وذو الجمال يحب نفسَه بالذات فهو حُسن وهو محبة. وكذا الكمال محبوب لذاته، أي محبوب بلا داعٍ ولا سبب، فهو مُحبّ وهو محبوب.
فما دام جمال في كمال لا نهاية له، وكذا كمال في جمال لا نهاية له، يُحَبُّ كل منهما غايةَ الحب ومنتهاه، وهما يستحقان المحبة والعشق، فلابد أنهما يريدان الظهور في مرايا، ويريدان شهود لمعاتهما وتجلياتهما -حسب قابلية المرايا- وإشهادها الآخرين.
وهذا يعني أن الجمال الذاتي والكمال الذاتي للصانع ذي الجلال، والحكيم ذي الجمال، والقدير ذي الكمال، يريدان الترحم والتحنن، فيسوقان اسمَي "الرحمن، الحنان" إلى التجلي. والترحم والتحنن يسوقان اسمَي "الرحيم والمنعم" إلى التجلي، وذلك بإظهار الرحمة والنعمة معا. والرحمة والنعمة تقتضيان شؤون التودد والتعرف وتسوقان اسمَي "الودود والمعروف" إلى التجلي فيظهران على المصنوع. والتودد والتعرف يحركان معنى اللطف والكرم ويستقرآن اسمَي "اللطيف والكريم"، في بعض نواحي المصنوع. وشؤون اللطف والكرم تحرك فعلَي التزيين والتنوير فتستقرىء اسمَي "المزيّن المنور" بلسان حُسن المصنوع ونورانيته. وشؤون التزيين والتحسين تقتضي معاني الصنع والعناية وتستقرىء اسمَي "الصانع والمحسن" في السيماء الجميل لذلك المصنوع. وذلك الصنع والعناية تقتضيان العلم والحكمة فيستقرئ المصنوعُ اسمَي "العليم والحكيم" في أعضائه المنتظمة الحكيمة. ولاشك أن ذلك العلم والحكمة تقتضيان أفعال التنظيم والتصوير والتشكيل، فيستقرئ المصنوعُ بشكله وبهيئته، اسمَي "المصوّر المقدّر".
وهكذا خلق الصانع الجليل مصنوعاته كلّها، حتى يستقرئ القسم الغالب منها ولا
— 738 —
سيما ذوي الحياة، كثيرا جدّا من الأسماء الحسنى، وكأنه سبحانه قد ألبس كل مصنوع عشرين حلّة متباينة متراكبة، أو كأنه لف مصنوعَه ذلك بعشرين غطاء وستَره بعشرين ستارا، وكتب على كل حُلة، وعلى كل ستار أسماءه المختلفة.
ففي زهرة واحدة جميلة، وفي حسناء لطيفة، مثلا في ظاهر خلقهما صحائفُ كثيرة جدّا -كما في المثال- يمكنك أن تأخذهما مثالا تقيس عليهما المصنوعات الأخرى العظيمة.
الصحيفة الأولى: هيئةُ الشيء التي تبين شكلَه العام ومقدارَه، والتي تذكّر بأسماء: يا مصوّر يا مقدّر يا منظّم.
الصحيفة الثانية: صوَر الأعضاء المتباينة المنكشفة ضمن تلك الهيئة البسيطة للزهرة والإنسان، التي تُسطر في تلك الصحيفة أسماء كثيرة أمثال: العليم، الحكيم.
الصحيفة الثالثة: إضفاء الحسن والزينة على الأعضاء المتباينة لذينك المخلوقَين بأنماط متنوعة من الحسن والزينة حتى تُیكتب في تلك الصحيفة أسماء كثيرة من أمثال: الصانع، البارئ.
الصحيفة الرابعة: الزينةُ والحسن البديع الموهوبان إلى ذينك المصنوعَين، حتى كأن اللطفَ والكرم قد تجسّما فيهما، فتلك الصحيفة تُذكّر وتقرأ أسماءً كثيرة أمثال: يا لطيف. يا كريم.
الصحيفة الخامسة: تعليقُ ثمرات لذيذة على تلك الزهرة، ومنحُ الأولادِ المحبوبين والأخلاقِ الفاضلة لتلك الحسناء، يجعلان تلك الصحيفة، تستقرئ أسماءً كثيرةً أمثال: يا ودود يا رحيم يا منعم.
الصحيفة السادسة: صحيفةُ الإنعام والإحسان التي تقرأ أسماءً أمثال: يا رحمن يا حنان.
الصحيفة السابعة: ظهورُ لمعات حُسنٍ وجمال واضحة في تلك النعم وتلك النتائج حتى تكون أهلا لشكرٍ خالص عُجن بشوق وشفقة حقيقيين، ومستحقا لمحبة خالصة طاهرة، فتُكتَب في تلك الصحيفة وتقرأ أسماء: يا جميل ذا الكمال، يا كامل ذا الجمال.
— 739 —
نعم، إن كانت زهرة جميلة واحدة، وإنسية حسناء جميلة، يُظهران إلى هذا الحد من الأسماء الحسنى في صورتهما الظاهرية المادية فقط، فإلى أيّ حدّ من السمو والكلية تستقرئ جميعُ الأزهار، وجميعُ ذوي الحياة والموجودات العظيمة الكلية، الأسماءَ الحسنى الإلهية. يمكنك أن تقيس ذلك بنفسك.
ويمكنك في ضوء ذلك أن تقيس أيضا مدى ما يقرأه الإنسان وما يستقرؤه من الأسماء الحسنى القدسية النورانية أمثال: الحي، القيوم، المحيي، في كلٍّ من صحائف الحياة واللطائف الإنسانية كالروح والقلب والعقل.
وهكذا.. فالجنةُ زهرة. والحورُ زهرة، وسطحُ الأرض زهرة، والربيع زهرة، والسماء زهرة، نقوشها البديعة هي النجوم. والشمس زهرة، وألوان ضيائها السبعة أصباغ نقوش تلك الزهرة.
والعالمُ إنسان جميل عظيم، مثلما أن الإنسان عالم مصغر، فنوعُ الحور، وجماعةُ الروحانيات، وجنس الملك، وطائفة الجن، ونوع الإنسان، كلّ من هؤلاء قد صُوّر ونُظّم وأُوجد في حُكم إنسان جميل. كما أن كلّا منهم مرايا متنوعة متباينة لإظهار جماله سبحانه وكماله ورحمته ومحبته.. وكلّ منهم شاهدُ صدقٍ لجمالٍ وكمال ورحمة ومحبة لا منتهى لها.. وكلّ منهم آيات جمال وكمال ورحمة ومحبة.
فهذه الأنواع من الكمالات التي لا نهاية لها، حاصلة ضمن دائرة الواحدية والأحدية، وهذا يعني أن ما يُتوهم من كمالات خارج تلك الدائرة ليست كمالاتٍ قطعا.
فافهم من هذا: استنادَ حقائق الأشياء إلى الأسماء الحسنى، بل الحقائق الحقيقية إنما هي تجليات تلك الأسماء. وأن كل شيء بجهات كثيرة وبألسنةٍ كثيرة يذكُر صانعَه ويسبّحه ويقدّسه. وافهم من هذا معنًى واحدا من معاني الآية الكريمة:
وان من شيءٍ إلّا يسبّح بحمده
(الإسراء: ٤٤). وقل: سبحان من اختفى بشدّة ظهوره. وافهم سرًّا من أسرار خواتيم الآيات وحكمة تكرار أمثال:
وهو العليم القدير ٭ وهو الغفور الرحيم ٭ وهو العزيز الحكيم
فإن لم تستطع أن تقرأ في زهرةٍ واحدة الأسماء الحسنى وتعجَز عن رؤيتها بوضوح،
— 740 —
فانظر إلى الجنة وتأمّل في الربيع وشَاهِد سطحَ الأرض، عند ذلك يمكنك أن تقرأ بوضوح الأسماءَ المكتوبة على الجنة وعلى الربيع وعلى سطح الأرض، التي هي أزاهير كبيرة جدّا لرحمة اللّٰه الواسعة.
المبحث الثاني
من الموقف الثالث من "الكلمة الثانية والثلاثين"
إنّ ممثل أهل الضلالة والداعية لها، إذ لم يجد ما يبني عليه ضلالتَه، وعندما تفوتُه البيّنة وتلزمه الحجة يقول: إني أرى أن سعادة الدنيا، والتمتع بلذة الحياة، والرقي والحضارة، والتقدم الصناعي هي في عدم تذكّر الآخرة وفي عدم الإيمان باللّٰه وفي حب الدنيا وفي التحرر من القيود وفي الاعتداد بالنفس والإعجاب بها.. لذا سقتُ أكثر الناس ولا زلت أسوقهم -بهمة الشيطان- إلى هذا الطريق.
الجواب: ونحن بدورنا نقول -باسم القرآن الكريم-: أيها الإنسان البائس! عُد إلى رُشدك، لا تصغ إلى داعية أهل الضلالة. ولئن ألقيتَ السمع إليه ليكونن خسرانُك من الفداحة ما يقشعر من هول تصوّره الروحُ والعقلُ والقلبُ. فأمامك طريقان:
الأول: هو طريق ذو شقاء يريك إياه داعيةُ الضلالة.
الثاني: هو الطريق ذو السعادة الذي يبيّنه لك القرآن الحكيم.
ولقد رأيتَ كثيرا من الموازنات بين ذينك الطريقين في كثير من "الكلمات" ولاسيما في "الكلمات الصغيرة" والآن انسجاما مع البحث تأمّل في واحدةٍ من ألفٍ من المقارنات والموازنات وتدبَّرها، وهي:
إن طريق الشرك والضلالة والسفاهة والفسوق يهوي بالإنسان إلى منتهى السقوط وإلى أسفل سافلين، ويُلقي على كاهِله الضعيف العاجز في غمرة آلام غير محدودة عبئا ثقيلا لا نهاية لثقله، ذلك لأن الإنسان إن لم يعرف اللّٰه سبحانه وتعالى وإن لم يتوكل عليه، يكون بمثابة حيوانٍ فانٍ؛ يتألم دوما ويحزَن باستمرار، ويتقلب في عَجز وضعف لا نهاية لهما، ويتلوّى في حاجةٍ وفقر لا نهاية لهما، ويتعرض لمصائبَ لا حدّ لها، ويتجرّع آلامَ الفراق من التي استهواها
— 741 —
ونسجَ بينه وبينها خيوط العلاقات، فيقاسي -وما زال يقاسي- حتى يغادرَ ما بقي من أحبائه نهايةَ المطاف ويفارقهم جزِعا وحيدا غريبا إلى ظلمات القبر.
وسيجد نفسَه طوال حياته أمامَ آلام وآمال لا نهاية لهما، مع أنه لا يملك سوى إرادة جزئية، وقدرة محدودة، وحياةٍ قصيرة، وعمرٍ زائل، وفكر آفل.. فتذهب جهودُه في تطمينها سدًى؛ ويسعى هباء وراء رغباته التي لا تُحد. وهكذا تمضي حياتُه دون أن يجني ثمرا. وبينما تجده عاجزا عن حمل أعباء نفسه، تراه يحمّل عاتقَه وهامَته المسكينة أعباءَ الدنيا الضخمة، فيتعذب بعذاب محرق أليم قبل الوصول إلى عذاب الجحيم.
إن أهل الضلالة لا يشعرون بهذا الألم المرير والعذاب الروحي الرهيب، إذ يلقون أنفسَهم في أحضان الغفلة ليُبطلوا شعورَهم ويخدّروا إحساسَهم مؤقتا بسُكرها.. ولكن ما إن يدنو أحدُهم من شفير القبر حتى يرهفَ إحساسُه ويضاعَف شعورُه بهذه الآلام دفعةً واحدة؛ ذلك لأنه إن لم يكن عبدا خالصا للّٰه تعالى فسيظن أنه مالك نفسَه، مع أنه عاجز بإرادته الجزئية وقدرته الضئيلة حتى عن إدارة كيانه وحده أمام أحوال هذه الدنيا العاصفة، إذ يرى عالما من الأعداء يحيط به ابتداءً من أدق الميكروبات وانتهاءً بالزلازل المدمرة، على أتم استعداد للانقضاض عليه والإجهاز على حياته، فترتعد فرائصُه ويرتجف قلبُه رعبا وهلَعا كلما تخيّل القبرَ ونظر إليه.
وبينما يقاسي هذا الإنسانُ ما يقاسي من وضعه إذا بأحوال الدنيا التي يتعلق بها ترهقه دوما، وإذا بأوضاع بني الإنسان الذي يرتبط بهم تنهكه باستمرار، ذلك لظنه أن هذه الأحداث والوقائع ناشئة من لعب الطبيعة وعبث المصادفة، وليست من تصرف واحدٍ أحد حكيمٍ عليمٍ، ولا من تقديرِ قادرٍ رحيمٍ كريمٍ، فيعاني مع آلامه هو آلامَ الناس كذلك، فتُصبح الزلازل والطاعون والطوفان والقحط والغلاء والفناء والزوال وما شابهها مصائبَ قاتمةً وبلايا مزعجة معذِّبة!
فهذا الإنسان الذي اختار بنفسه هذا الوضع المفجع، لا يثير إشفاقا عليه، ولا رثاءً على حاله.. مثَله في هذا كمثل الذي ذُكر في الموازنة بين الشقيقين في "الكلمة الثامنة" من أن رجلا لم يقنع بلذةٍ بريئة ونشوةٍ نیزيهة وتسلية حلوة ونیزهة شريفة مشروعة، بين أحبّة لطفاء في روضة
— 742 —
فيحاء وسط ضيافة كريمة، فراح يتعاطى الخمرَ النجسة ليكسب لذة غير مشروعة، فَسَكر حتى بدأ يُخيّل إليه أنه في مكان قذرٍ، وبين ضوارٍ مفترسة، تصيبه الرعشةُ كأنه في شتاء، وبدأ يستصرخ ويستنجد، فلا يستحق الإشفاق عليه أحد؛ لأنه تصوّر أصدقاءه الطيبين حيواناتٍ شرسةً، فحقّرهم وأهانهم.. وتوهم الأطعمةَ اللذيذة والأواني النظيفة التي في صالة الضيافة أحجارا ملوثة، فباشر بتحطيمها.. وظن الكتبَ القيمة والرسائل النفيسة في المجلس نقوشا عادية وزخارفَ لا معنى لها، وشرع بتمزيقها ورميها تحت الأقدام.. وهكذا.
فكما لا يكون هذا الشخصُ وأمثالُه، أهلا للرحمة ولا يستحق الرأفة، بل يستوجب التأديب والتأنيب، كذلك الحال مع مَن يتوهم بسُكر الكفر وجنونِ الضلالة الناشئين من سوء اختياره أن الدنيا التي هي مضيف الصانع الحكيم لعبةَ المصادفة العمياء، وألعوبة الطبيعة الصماء.. ويتصور تجديدَ المصنوعات لتجليات الأسماء الحسنى وعبورَها إلى عالم الغيب مع تيار الزمن، بعد أن أنهت مهامَّها واستنفدت أغراضَها، كأنها تصبّ في بحر العدم ووادي الانعدام وتغيب في شواطئ الفناء.. ويتخيل أصواتَ التسبيح والتحميد التي تملأ الأكوان والعوالم أنينا ونواحا يطلقه الزائلون الفانون في فراقهم الأبدي.. ويحسب صحائفَ هذه الموجودات التي هي رسائل صمدانية رائعة خليطا لا معنى له ولا مغزى.. ويخال بابَ القبر الذي يفتح الطريق إلى عالم الرحمة الفسيح نفقا يؤدي إلى ظلمات العدم.. ويتصور الأجَلَ الذي هو دعوة الوصال واللقاء بالأحباب الحقيقيين أوانَ فراق الأحبة جميعِهم!.
نعم، إن الذي يعيش في دوّامة هذه التصورات والأوهام يُلقي نفسَه في أتون عذاب دنيوي أليم، ففضلا عن أنه لا يكون أهلا لرحمة ولا لرأفة، يستحق عذابا شديدا، لتحقيره الموجودات، باتهامها بالعبثية، وتزييفه الأسماءَ الحسنى، بإنكار تجلياتها، وإنكاره الرسائلَ الربانية بردّه شهاداتِها على الوحدانية.
فيا أيها الضالون السفهاء، ويا أيها التعساء الأشقياء! تُرى هل يُجدي أعظمُ علومكم، وأعلى صروح حضارتكم وأرقى مراتب نبوغكم وأنفذُ خطط دهائكم شيئا أمام هذا السقوط المخيف المريع للإنسان؟ وهل يستطيع الصمودَ حيال هذا اليأس المدمّر للروح البشرية التواقة إلى السلوان؟ وهل يقدر ما تطلقون من "طبيعة" لكم، وما تسندون إليه الآثار الإلهية
— 743 —
من "أسباب" عندكم، وما تنسبون إليه الإحسانات الربانية من "شريك" لديكم، وما تتباهَون به من "كشوفاتكم" وما تعتزون به من "قومِكم"، وما تعبدون من "معبودكم" الباطل.. هل يستطيع كلُّ أولئك إنقاذَكم من ظلمات الموت الذي هو إعدام أبدي لديكم؟ وهل يستطيع كلُّ أولئك إمرارَكم من حدود القبر بسلامة، ومن تخوم البرزخ بأمان، ومن ميدان الحشر باطمئنان، ويتمكن من أن يعينكم على عبور جسر الصراط بحكمه، ويجعلكم أهلا للسعادة الأبدية والحياة الخالدة؟.
إنكم لا محالة ماضون في هذا الطريق، إذ ليس بمقدوركم أن توصدوا باب القبر دون أحد. فأنتم مسافرو هذا الطريق لا مناص. ولابد لمن يمضي في هذا الطريق من أن يستند ويتكل على مَن له علم محيط شامل بكل دروبه وشعابه وحدوده الشاسعة، بل تكون جميع تلك الدوائر العظيمة تحت تصرفه وضمن أمره وحكمه.
فيا أيها الضالون الغافلون! إن ما أُودع في فطرتكم من استعداد المحبة والمعرفة، ومن وسائط الشكر ووسائل العبادة التي يلزم أن تُبذل إلى ذات اللّٰه تبارك وتعالى، وينبغي أن تتوجه إلى صفاته الجليلة وأسمائه الحسنى، قد بذلتموها -بذلا غيرَ مشروع- لأنفسكم وللدنيا، فتعانون مستحقين عقابَها، وذلك بسر القاعدة: "إن نتيجة محبةٍ غير مشروعة مقاساةُ عذاب أليمٍ بلا رحمة". لأنكم وهبتم لأنفسكم المحبة التي تخص اللّٰه سبحانه وتعالى، فتعانون من محبوبتكم بلايا لا تعد، إذ لم تمنحوها راحتها الحقيقة.. وكذا لا تسلّمون أمرَها بالتوكل إلى المحبوب الحق وهو اللّٰه القدير المطلق، فتقاسون الألم دائما.. وكذا فقد أوليتم الدنيا المحبةَ التي تعود إلى أسماء اللّٰه الحسنى وصفاته الجليلة المقدسة، ووزعتم آثارَ صنعته البديعة وقسمتموها بين الأسباب المادية، فتذوقون وبال عملكم؛ لأن قسما من أحبّائكم الكثيرين يغادرونكم مُدبرين دون توديع، ومنهم مَن لا يعرفونكم أصلا، وحتى إذا عرفوكم لا يحبونكم، وحتى إذا أحبوكم لا ينفعونكم، فتظلون في عذابٍ مقيم من أَعْذِبَةِ فراقٍ لا حدّ له ومن آلامِ زوال يائس من العودة.
فهذه هي حقيقة ما يدّعيه أهل الضلالة، وماهيةُ ما يدعون إليه من "سعادة الحياة" و"كمال الإنسان" و"محاسن الحضارة" و"لذة التحرر"!!
— 744 —
ألا ما أكثفَ حجابُ السفاهة والسُّكر الذي يُخَدِّر الشعور والإحساس!
ألا قل: تبًّا لعقل أولئك الضالين!.
أما الصراط المستقيم أو الجادة المنوّرة للقرآن الكريم، فإنه يداوي جميعَ تلك الجروح التي يعاني منها أهلُ الضلالة ويضمدها بالحقائق الإيمانية، ويبدد كلَّ تلك الظلمات السابقة في ذلك الطريق، ويسد جميع أبواب الضلالة والهلاك، بالآتي:
إنه يداوي ضعفَ الإنسان، وعجزَه، وفقره، واحتياجَه بالتوكل على القدير الرحيم، مُسلّما أثقال الحياة وأعباء الوجود إلى قدرته سبحانه وإلى رحمته الواسعة دون أن يحمّلها على كاهل الإنسان. بل يجعله مالكا لزمام نفسه وحياته، واجدا له بذلك مقاما مريحا، ويعرّفه بأنه ليس بحيوانٍ ناطق، بل هو إنسان بحق وضيف عزيز مكرّم عند الملك الرحمن.
ويداوي أيضا تلك الجروح الإنسانية الناشئة من فناء الدنيا وزوال الأشياء، ومن حب الفانيات، يداويها بلطف وحنان بإظهاره الدنيا دارَ ضيافة الرحمن ومبينا أن ما فيها من الموجودات هي مرايا الأسماء الحسنى، وموضحا أن مصنوعاتها رسائلُ ربانية تتجدد كل حين بإذن ربها، فينقذ الإنسان من قبضة ظلمات الأوهام.
ويداوي أيضا تلك الجروح التي يتركها الموتُ، الذي يتلقاه أهلُ الضلالة فراقا أبديا عن الأحبة جميعا، ببيانه أن الموت مقدمةُ الوصال واللقاء مع الأحباء الذين رحلوا إلى عالم البرزخ والذين هم الآن في عالم البقاء، ويثبت أن ذلك الفراقَ هو عينُ اللقاء.
ويزيل كذلك أعظمَ خوف للإنسان بإثباته أن القبر باب مفتوح إلى عالم الرحمة الواسعة، وإلى دار السعادة الأبدية، وإلى رياض الجنان، وإلى بلاد النور للرحمن الرحيم، مبينا أنّ سياحة البرزخ التي هي أشدُّ ألما وأشقى سياحة عند أهل الضلالة، هي أمتعُ سياحةٍ وآنسُها وأسرُّها إذ ليس القبر فم ثعبان مرعب، بل هو باب إلى روضة من رياض الجنة.
ويقول للمؤمن: إن كانت إرادتُك واختيارُك جزئية، ففوّض أمرك لإرادة مولاك الكلية.. وإن كان اقتدارُك ضعيفا فاعتمد على قدرة القادر المطلق.. وإن كانت حياتُك فانيةً وقصيرة ففكّر بالحياة الباقية الأبدية.. وإن كان عمرُك قصيرا فلا تحزن فإن لك عمرا مديدا..
— 745 —
وإن كان فكرُك خافتا فادخل تحت نور شمس القرآن الكريم، وانظر بنور الإيمان كي تمنَحك كلُّ آية من الآيات القرآنية نورا كالنجوم المتلألئة الساطعة بدلا من ضوء فكرك الباهت.. وإن كانت لك آمال وآلام غير محدودة فإن ثوابا لا نهاية له ورحمةً لا حدّ لها ينتظرانك.. وإن كانت لك غايات ومقاصد لا تحد، فلا تقلق متفكرا بها فهي لا تتسع في هذه الدنيا، بل مواضعها ديار أخرى، ومانحها جواد كريم واسعُ العطاء.
ويخاطب الإنسان أيضا ويقول: أيها الإنسان! أنت لستَ مالكا لنفسك.. بل أنت مملوك للقادر المطلق القدرة، والرحيم المطلق الرحمة، فلا تُرهق نفسَك بتحميلها مشقةَ حياتك، فإن الذي وهَب الحياة هو الذي يديرها.
ثم إن الدنيا ليست سائبةً دون مالك، حتى تقلق عليها وتكلفَ نفسك حملَ أعبائها وترهق فكرك في أهوالها. ذلك لأن مالكَها حكيم ومولاها عليم، وأنت لستَ إلّا ضيفا لديه، فلا تتدخل بفضولٍ في الأمور، ولا تخلطها من غير فهم.
ثم إن الإنسان والحيوان ليسوا موجودات مهملة، بل موظفون مأمورون تحت هيمنة حكيم رحيم وتحت إشرافه. فلا تجرّع روحَك ألما بالتفكر في مشاق أولئك وآلامهم ولا تقدّم رأفتك عليهم بين يدي رحمة خالقهم الرحيم.
ثم إن زمام أولئك الذين اتخذوا طورَ العداء معك ابتداء من الميكروبات إلى الطاعون والطوفان والقحط والزلازل، بل زمام كل شيء بيد ذلك الرحيم الكريم سبحانه، فهو حكيم لا يصدر منه عبث، وهو رحيم واسع الرحمة، فكل ما يعمله فيه أثر من لطف ورأفة.
ويقول أيضا: إنّ هذا العالَم مع أنه فانٍ فإنه يهيئ لوازم العالم الأبدي.. ومع أنه زائل ومؤقت إلّا أنه يؤتي ثمرات باقية، ويُظهر تجليات رائعة من تجليات الأسماء الحسنى الخالدة.. ومع أن لذائذه قليلة وآلامَه كثيرة، إلا أن توجه الرحمن الرحيم وتَكَیرُّمه وتفضّلَه هي بذاتها لذّات حقيقية لا تزول، أما الآلامُ فهي الأخرى تولّد لذّاتٍ معنوية من جهة الثواب الأخروي. فما دامت الدائرةُ المشروعة كافيةً ليأخذ كلٌّ من الروح والقلب والنفس لذّاتِها ونشواتها جميعا، فلا داعي إذن أن تلج في الدائرة غير المشروعة، لأن لذةً واحدة من هذه الدائرة قد يكون لها
— 746 —
ألفُ ألمٍ وألم، فضلا عن أنها سببُ الحرمان من لذةِ تكريم الرحمن الكريم، تلك اللذة الخالصة الزكية الدائمة الخالدة.
هكذا تَبيّن مما سبق: بأن طريق الضلالة يردي الإنسان إلى أسفل سافلين، إلى حدّ تَعجز أيةُ مدنية كانت وأية فلسفة كانت عن إيجاد حل له، بل يَعجز الرقيُّ البشري وما بلغه من مراتب العلم عن إخراجه من تلك الظلمات السحيقة التي في الضلالة.
بينما القرآن الكريم يأخذ بيد الإنسان، بالإيمان والعمل الصالح، ويرفعه من أسفل سافلين إلى أعلى عليين، ويبين له الدلائل القاطعة ويبسط أمامَه البراهين الدامغة على ذلك، فيردم تلك الأغوار العميقة بمراتب رقيٍّ معنوي وبأجهزة تكامل روحي.. وكذا ييسر له، بسهولة مطلقة، رحلتَه الطويلة المضنية العاصفة نحو الأبدية، ويهوّنها عليه؛ وذلك بإبرازه الوسائط والوسائل التي يمكن أن يقطع بها مسافة ألف سنة، بل خمسين ألف سنة في يوم واحد.
وكذا يضفي على الإنسان جلبابَ العبودية ويكسبه طورَ عبدٍ مأمور، وضيفٍ موظفٍ لدى الذات الجليلة، وذلك بتعريفه أن اللّٰه سبحانه هو مالك الأزل والأبد، فيضمن له راحة تامة في سياحته في الدنيا المضياف أو في منازل البرزخ في ديار الآخرة.. فكما أن الموظف المخلص للسلطان يتجول بيُسر تام في دائرة مملكة سلطانه، ويتنقل من تخوم ولاياته بوسائط سريعة كالطائرة والباخرة والقطار، كذلك الإنسان المنتسب بالإيمان إلى المالك الأزلي والمطيع بالعمل الصالح فإنه يمر من منازل الدنيا المضياف ومن دوائر عالَمي البرزخ والحشر ومن حدودهما الواسعة الشاسعة بسرعة البَرق والبُراق حتى يجد السعادة الأبدية.. فيُثبت القرآن الكريم هذه الحقائق إثباتا قاطعا ويبرزها عيانا للأصفياء والأولياء.
ثم تستأنف حقيقتُه قائلة: أيها المؤمن لا تبذلْ ما تملكه من قابلية غير محدودة للمحبة إلى نفسك التي هي أمّارة بالسوء وهي قبيحة ناقصة، وشريرة مضرة لك، ولا تتخذْها محبوبتك ومعشوقتك، ولا تجعل هواها معبودك، بل اجعل محبوبك مَن هو أهل لمحبة غير متناهية.. ذلكم القادر على الإحسان إليك إحسانا لا نهاية له، والقادر على إسعادك سعادة لا منتهى لها، بل يسعدك كذلك بما يجزل من إحساناته على جميع مَن ترتبط معهم بعلاقات، فهو الذي
— 747 —
له الكمال المطلق والجمال المقدس والمنیزّه عن كل نقص وقصور وزوال وفناء.. فجمالُه لا حدود له وجميعُ أسمائه جميلة وحسنى.
نعم، إنّ في كل اسم من أسمائه أنوار حُسنٍ وجمال لا نهاية لها؛ فالجنة بجميع لطائفها وجمالها ونعيمها إنما هي تجلٍّ لإظهار جمال رحمته ورحمة جماله، وجميع الحسن والجمال والمحاسن والكمالات المحبوبة والمحببة في الكون كله ما هي إلّا إشارة إلى جماله ودلالة على كماله سبحانه.
ويقول أيضا: أيها الإنسان! إن ينابيع المحبة المتفجرة في أعماقك والمتوجهة إلى اللّٰه سبحانه والمتعلقة بأسمائه الحسنى والمولّهة بصفاته الجليلة لا تجعلها مبتذلة بتشبثها بالموجودات الفانية، ولا تهدرها دون فائدة على المخلوقات الزائلة؛ ذلك لأن الآثار والمخلوقات فانيتان، بينما الأسماء الحسنى الباديةُ تجلياتُها وجمالُها على تلك الآثار وعلى تلك المصنوعات باقية دائمة.. ففي كل اسم من الأسماء الحسنى وفي كل صفة من الصفات المقدسة آلافٌ من مراتب الإحسان والجمال وآلاف من طبقات الكمال والمحبة.
فانظر إلى اسم "الرحمن" فحسب لترى أن الجنة إحدى تجلياته، والسعادةَ الأبدية إحدى لمعاته، وجميعَ الأرزاق والنعم المبثوثة في أرجاء الدنيا كافة إحدى قطراته.
فأنعم النظر وتدبر في الآيات الكريمة التي تشير إلى هذه الموازنة بين ماهية أهل الضلالة وأهل الإيمان من حيث الحياة ومن حيث الوظيفة:
لقد خَلَقنا الانسانَ في أحسنِ تقْويم٭ ثم رَدَدْناه أسفلَ سافلين٭ إلّا الذينَ آمَنوا وَعَمِلوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون
(التين:٤-٦) والآية الأخرى التي تشير إلى عقبى كل منهما وهي:
فما بَكَتْ عليهم السماءُ والارضُ
(الدخان:٢٩) تأمل فيهما لتجد مدى سموهما وإعجازهما في بيان ما عقدناه من الموازنة والمقارنة.
أما الآيات الأولى فنحيل بيان حقيقة ما تتضمنه من إعجاز في إيجاز إلى الكلمة "الحادية عشرة" التي تبينها بيانا مفصلا. وأما الآية الثانية، فسنشير -إشارة فحسب- إلى مدى إفادتها عن حقيقة سامية وهي كالآتي:
إنها تخاطب قائلة: إن السماوات والأرض لا تبكيان على موت أهل الضلالة. وتدل بالمفهوم المخالف أن السماوات والأرض تبكيان على رحيل أهل الإيمان عن الدنيا. أي لما كان أهلُ الضلالة ينكرون وظائف السماوات والأرض ويتهمونهما بالعبثية ولا يدركون معانيَ
— 748 —
ما يؤديانه من مهام، فيبخسون حقهما، بل لا يعرفون خالقَهما ولا دلالاتهما على صانعهما، فيستهينون بهما، ويتخذون منهما موقفَ العداء والإهانة والاستخفاف، فلابد ألّا تكتفي السماواتُ والأرض بعدم البكاء عليهم، بل تدعوان عليهم بل ترتاحان لهلاكهم.
وتقول كذلك بالمفهوم المخالف: إن السماوات والأرض تبكيان على موت أهل الإيمان، لأنهم يعرفون وظائفهما، ويقدّرونهما حق قدرهما، ويصدّقون حقائقهما الحقة، ويفهمون بالإيمان ما تفيدان من معانٍ، حيث إنهم كلما تأملوا فيهما قالوا بإعجاب: "ما أجملَ خلقَهما! وما أحسن ما تؤديان من وظائف!". فيمنحونهما ما يستحقان من القيمة والاحترام، حيث يبثون حبهم لهما بحبهم للّٰه، أي لأجل اللّٰه، باعتبارهما مرايا عاكسة لتجليات أسمائه الحسنى. ولهذا تهتز السماواتُ وتحزن الأرض، لموت أهل الإيمان وكأنهما تبكيان على زوالهم.
سؤال مهم
تقولون: إن المحبة ليست اختيارية، لا تقع تحت إرادتنا، فأنا بمقتضى حاجتي الفطرية أحب الأطعمة اللذيذة والفواكه الطيبة، وأحب والديّ وأولادي وزوجتي التي هي رفيقة حياتي، وأحب الأنبياء المكرمين والأولياء الصالحين، وأحب شبابي وحياتي، وأحب الأصدقاء والأحباب وأحب الربيع وكل شيء جميل، وبعبارة أوجز أنا أحب الدنيا، ولِمَ لا أحب كل هذه؟.. ولكن كيف أستطيع أن أقدّم جميع هذه الأنواع من المحبة للّٰه، وأجعل محبتي لأسمائه الحسنى ولصفاته الجليلة ولذاته المقدسة سبحانه؟ ماذا يعني هذا؟.
الجواب: عليك أن تستمع إلى النكات الأربع الآتية:
النكتة الأولى: إنّ المحبة وإن لم تكن اختيارية، إلّا أنها يمكن أن يُحوَّل وجهُها بالإرادة من محبوب إلى آخر؛ كأن يظهرَ قبحُ المحبوب وحقيقتُه مثلا، أو يُعرَف أنه حجاب وستار لمحبوب حقيقي يستحق المحبة، أو مرآة عاكسة لجمال ذلك المحبوب الحقيقي، فعندها يمكن أن يُصرَف وجهُ المحبة من المحبوب المجازي إلى المحبوب الحقيقي.
— 749 —
النكتة الثانية: نحن لا نقول لك: لا تحمل ودّا ولا حبّا لكل ما ذكرتَه آنفا. وإنما نقول اجعل محبتك لما ذكرتَه في سبيل اللّٰه ولوجهه الكريم.
فالتلذذ بالأطعمة الشهية وتذّوق الفواكه الطيبة مع التذكر بأنها إحسان من اللّٰه سبحانه وإنعام من الرحمن الرحيم، يعني المحبة لاسم "الرحمن" واسم "المنعم" من الأسماء الحسنى، علاوة على أنه شكر معنوي. والذي يدلنا على أن هذه المحبة لم تكن للنفس والهوى بل لاسم "الرحمن" هو كسب الرزق الحلال مع القناعة التامة ضمن الدائرة المشروعة، وتناوله بالتفكر في أنه نعمة من اللّٰه مع الشكر له.
ثم إنّ محبتك للوالدين واحترامهما، إنما يعودان إلى محبتك للّٰه سبحانه؛ إذ هو الذي غرس فيهما الرحمة والشفقة حتى قاما برعايتك وتربيتك بكل رحمة وحكمة. وعلامة كونها محبة لوجه اللّٰه تعالى، هي المبالغة في محبتهما واحترامهما عندما يبلغان الكبر، ولا يبقى لك فيهما من مطمَع. فتُكثر من الشفقة عليهما والرحمة لهما رغم ما يشغلانك بالمشاكل ويثقلان كاهلك بالمشقة. فالآية الكريمة:
إمّا يَبْلُغَنّ عِندَكَ الكِبَرَ أحدُهما أو كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما اُفٍّ وَلاَ تَنْهَرهُما وَقُلْ لَهُما قَولًا كَريمًا٭ وَاخْفیِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِن الرَحمةِ وَقُلْ رَبِّ اِرحَمْهُما كَما رَبياني صَغيرًا
(الإسراء:٢٣-٢٤) تدعو الأولاد إلى رعاية حقوق الوالدين في خمس مراتب، وتبين مدى أهمية برّهما وشناعة عقوقهما..
وحيث إنّ الوالد لا يقبل أن يتقدمَه أحد سوى ابنه إذ لا يحمل في فطرته حسدا إليه مما يسدّ على الولد طريق مطالبة حقِّه من الوالد؛ لأن الخصام إما ينشأ من الحسد والمنافسة بين اثنين أو ينشأ من غمط الحق، فالوالدُ سليم معافى منهما فطرة، لذا لا يحق للولد إقامةُ الدعوى على والده، بل حتى لو رأى منه بغيا فليس له أن يعصيه ويعقّه. بمعنى أن من يعقّ والده ويؤذيه ما هو إلّا إنسان ممسوخ حيوانا مفترسا.
أما محبةُ الأولاد فهي كذلك محبة للّٰه تعالى وتعود إليه، وذلك بالقيام برعايتهم بكمال الشفقة والرحمة بكونهم هبةً من الرحيم الكريم. أما العلامة الدالة على كون تلك المحبةِ للّٰه وفي سبيله فهي الصبرُ مع الشكر عند البلاء، ولا سيّما عند الموت والترفّع عن اليأس والقنوط
— 750 —
وهدر الدعاء، بل يجب التسليم بالحمد عند القضاء. كأن يقول: إن هذا المخلوق محبوب لدى الخالق الكريم، ومملوك له، وقد أمَّنَنِي عليه لفترة من الزمن، فالآن اقتضت حكمتُه سبحانه أن يأخذه مني إلى مكان آمَن وأفضل. فإن تكُ لي حصة واحدة ظاهرية فيه، فله سبحانه ألفُ حصة حقيقية فيه. فلا مناص إذن من التسليم لحكم اللّٰه.
أما محبة الأصدقاء وودّهم، فإن كانوا من أصحاب الإيمان والتقوى فإن محبتهم هي في سبيل اللّٰه وتعود إليه سبحانه بمقتضى "الحب في اللّٰه".
ثم إن محبة الزوجة وهي رفيقةُ حياتك، فعليك بمحبتها على أنها هدية أنيسة لطيفة من هدايا الرحمة الإلهية. وإياك أن تربط محبتَك لها برباط الجمال الظاهري السريع الزوال، بل أوثقها بالجمال الذي لا يزول ويزداد تألقا يوما بعد يوم، وهو جمالُ الأخلاق والسيرة الطيبة المنغرزة في أنوثتها ورقّتها. وإن أحلى ما فيها من جمال وأسماه هو في شفقتها الخالصة النورانية. فجمال الشفقة هذا، وحُسن السيرة يدومان ويزدادان إلى نهاية العمر. وبمحبتهما تُصان حقوقُ هذه المخلوقة اللطيفة الضعيفة، وإلّا تفقدْ حقوقَها في وقت هي أحوج ما تكونُ إليها، بزوال الجمال الظاهري.
أما محبة الأنبياء عليهم السلام والأولياء الصالحين فهي أيضا لوجه اللّٰه وفي سبيله من حيث إنهم عباد اللّٰه المخلصون المقبولون لديه جل وعلا. فمن هذه الزاوية تصبح تلك المحبة للّٰه.
والحياة أيضا التي وهبها اللّٰه سبحانه وتعالى لك وللإنسان، هي رأس مال عظيم تستطيع أن تكسب به الحياة الأخروية الباقية. وهي كنیز عظيم يحوي أجهزةً وكمالاتٍ خالدة.. من هنا فالمحافظة عليها ومحبتها من هذه الزاوية، وتسخيرها في سبيل المولى عز وجل تعود إلى اللّٰه سبحانه أيضا.
ثم إن محبة الشباب وجماله ولطافته، وتقديره من حيث إنه نعمة ربانية جميلة، ثم العمل على حسن استخدامه، هي محبة مشروعة، بل مشكورة.
ثم محبة الربيع والشوق إليه تكون في سبيل اللّٰه ومتوجهةً إلى أسمائه الحسنى، من حيث
— 751 —
كونه أجملَ صحيفةٍ لظهور نقوش الأسماء الحسنى النورانية وأعظمَ معرضٍ لعرض دقائق الصنعة الربانية البديعة.. فالتفكر في الربيع من هذه الزاوية محبة متوجهة إلى الأسماء الحسنى.
وحتى حبُّ الدنيا والشغفُ بها ينقلب إلى محبةٍ لوجه اللّٰه تعالى فيما إذا كان النظر إليها من زاوية كونها مزرعةَ الآخرة، ومرآةَ الأسماء الحسنى، ورسائلَ ربانية إلى الوجود، ودار ضيافة مؤقتة -وعلى شرط عدم تدخل النفس الأمارة في تلك المحبة-.
ومجمل القول: اجعل حبك للدنيا وما فيها من مخلوقات بالمعنى "الحرفي" وليس بالمعنى "الاسمي" أي لمعنى ما فيها وليس لذاتها. ولا تقل لشيء: "ما أجملَ هذا" بل قل: "ما أجملَه خَلقا" أو "ما أجمل خَلقه"! وإياك أن تترك ثغرة يدخل منها حب لغير اللّٰه في باطن قلبك، فإن باطنه مرآة الصمد، وخاص به سبحانه وتعالى. وقل: اللّٰهم ارزقنا حبَّك وحبَّ ما يقرّبنا إليك.
وهكذا فإن جميع ما ذكرناه من أنواع المحبة، إن وجِّهَت الوجهة الصائبة على الصورة المذكورة آنفا، أي عندما تكون للّٰه وفي سبيله، فإنها تورث لذة حقيقية بلا ألم. وتكون وصالا حقا بلا زوال، بل تزيد محبة اللّٰه سبحانه وتعالى، فضلا عن أنها محبة مشروعة وشكر للّٰه في اللذة نفسها، وفكر في آلائه في المحبة عينها.
مثال للتوضيح: إذا أهدى إليك سلطان عظيم [٭]: لقد وقعت هذه الحادثة فعلا فيما مضى، عندما دخل رئيسا عشيرتين إلى سلطانٍ عظيم وقاما بمثل ما ذكر أعلاه. (المؤلف) تفاحةً - مثلا- فإنك ستكنّ لها نوعين من المحبة، وستلتذ بها بشكلين من اللذة:
الأولى: المحبة التي تعود إلى التفاحة، من حيث إنها فاكهة طيبة فيها لذة بقدر ما فيها من خصائص، هذه المحبة لا تعود إلى السلطان. بل مَن يأكلها بشراهة أمامه يبدي محبتَه للتفاحة وليس للسلطان، وقد لا يعجب السلطان ذلك التصرف منه، وينفر من تلك المحبة الشديدة للنفس. علاوة على أن لذة التفاحة جزئية وهي في زوال. إذ بمجرد الانتهاء من أكلها تزول اللذةُ وتورث الأسف.
أما المحبة الثانية: فهي للتكرمة السلطانية والتفاتته اللطيفة التي ظهرت بالتفاحة.. فكأن تلك التفاحة نموذج للتوجه السلطاني، أو هي تكرم مجسّم منه. فالذي يتسلم هديةَ السلطان
— 752 —
حبّا وكرامةً يبدي محبتَه للسلطان وليس للتفاحة. علما أن في تلك التفاحة التي صارت مظهرا للتكرمة لذةً تفوق وتسمو على ألف تفاحة أخرى. فهذه اللذة هي الشكران بعينه، وهذه المحبة هي محبةٌ ذاتُ احترام وتوقيرٍ يليق بالسلطان.
وهكذا فإذا ما وجّه الإنسانُ محبتَه إلى النِّعم والفواكه بالذات وتلذذ عن غفلةٍ بلذاتها المادية وحدها، فتلك محبة نفسانية تعود إلى هوى النفس، وتلك اللذات زائلة مؤلمة. أما إذا كانت المحبةُ متوجهة إلى جهة التكرمة الربانية ونحوَ ألطاف رحمته سبحانه وثمرات إحسانه، مقدّرا درجات الإحسان واللطف ومتلذذا بها بشهية كاملة، فهي شكر معنوي، وهي لذة لا تورث ألما.
النكتة الثالثة: إنّ المحبة المتوجهة إلى الأسماء الحسنى لها طبقات: فقد يتوجه بالمحبة إلى الأسماء الحسنى بمحبة الآثار الإلهية المبثوثة في الكون -كما بيناه سابقا- وقد يتوجه بالمحبة إلى الأسماء الحسنى لكونها عناوينَ كمالات إلهية سامية، وقد يكون الإنسان مشتاقا إلى الأسماء الحسنى لحاجته الماسة إليها، وذلك لجامعية ماهيته وعمومها وحاجاته غير محدودة، فيحب تلك الأسماء بدافع الحاجة إليها.
ولنوضح ذلك بمثال: تصور وأنت تستشعر عجزَك وحاجتَك الشديدة إلى مَن يساعدك ويعينك لإنقاذ مَن تحنّ عليهم وتشفق على أوضاعهم من الأقارب والفقراء، وحتى المخلوقات الضعيفة المحتاجة، إذا بأحدهم يبرز في الميدان، ويُحسن لأولئك ويتفضل عليهم ويسبغ عليهم نِعَمه بما تريده وترغبه.. فكم تطيب نفسُك وكم ترتاح إلى اسمه "المنعم" و"الكريم".. وكم تنبسط أساريرُك وتنشرح من هذين الاسمين، بل كم يأخذ ذلك الشخص من إعجابك وتقديرك، وكم تتوجه إليه بالحب بذينك الاسمَين والعنوانَين!.
ففي ضوء هذا المثال تدبّر في اسمين فقط من الأسماء الحسنى وهما: "الرحمن" و"الرحيم" تجد أن جميع المؤمنين من الآباء والأجداد السالفين وجميعَ الأحبة والأقارب والأصدقاء، هؤلاء الذين تحبهم وتحن إليهم وتشفق عليهم، يُنعَمون في الدنيا بأنواعٍ من النعم اللذيذة، ثم يُسعَدون في الآخرة بما لذّ وطاب من النعم، بل يزيدهم سبحانه وهو الرحمن الرحيم
— 753 —
سعادةً ونعيما بلقاء بعضهم بعضا وبرؤية الجمال السرمدي هناك.. فكم يكون اسما "الرحمن" و"الرحيم" جديرَين إذن بالمحبة؟ وكم تكون روح الإنسان توّاقة إليهما؟ قس بنفسك ذلك لتدرك مدى صواب قولنا: الحمد للّٰه على رحمانيته ورحيميته.
ثم إنك تتعلق بالموجودات المبثوثة على الأرض وتتألم بشقائها، حتى لكأن الأرض برمّتها مسكنُك الجميل وبيتك المأنوس؛ فإذا ما أنعمتَ النظر تجد في روحك شوقا عارما وحاجةً شديدة إلى اسم "الحكيم" وعنوان "المربي" للذي ينظم هذه المخلوقات كافة بحكمة تامة وتنظيم دقيق وتدبير فائق وتربية رحيمة.
ثم إذا أنعمتَ النظر في البشرية جمعاء تجدك تتعلق بهم وتتألم لحالهم البائسة وتتألم أشد الألم بزوالهم وموتهم، وإذا بروحك تشتاق إلى اسم "الوارث الباعث" وتحتاج إلى عنوان "الباقي، الكريم، المحيي، المحسن" للخالق الكريم الذي ينقذهم من ظلمات العدم ويسكنهم في مسكن أجمل من الدنيا وأفضل منها.
وهكذا فلأن ماهية الإنسان عالية وفطرتَه جامعة فهو محتاج بألف حاجة وحاجة إلى ألف اسم واسم من الأسماء الحسنى وإلى كثير جدّا من مراتب كل اسم. فالحاجة المضاعَفة هي الشوقُ، والشوق المضاعَف هو المحبة، والمحبة المضاعفة كذلك هي العشق. فحسبَ تكمّل روحِ الإنسان تنكشف مراتبُ المحبة وفق مراتب الأسماء. ومحبةُ جميع الأسماء أيضا تتحول إلى محبة ذاته الجليلة سبحانه، إذ إن تلك الأسماء عناوينُ وتجليات ذاته جلّ وعلا.
والآن سنبين من بين ألف اسم واسم من الأسماء الحسنى مرتبةً واحدة فقط وعلى سبيل المثال من بين ألف مرتبة ومرتبة لاسم "العدل والحكم والحق والرحيم" على النحو الآتي: إن شئت أن تشاهد ما في نطاق الحكمة والعدل من اسم "الرحمن الرحيم، الحق" ضمن دائرة واسعة عظمى فتأمل في هذا المثال:
جيش يضم أربعمائة طائفة متنوعة من الجنود، كل منها تختلف عن الأخرى فيما يعجبها من ملابس، وتتباين فيما تشتهيه من أطعمة وتتغاير فيما تستعمله بيُسر من أسلحة، وتتنوع فيما تتناوله من علاجات تناسبها.. فعلى الرغم من هذا التباين والاختلاف في كل شيء، فإن تلك الطوائف الأربعمائة لا تتميز إلى فرق وأفواج، بل يتشابك بعضُها في بعض من دون تمييز.. فإذا
— 754 —
ما وُجد سلطان واحد يعطي لكل طائفة ما يليق بها من ملابس، وما يلائمها من أرزاق، وما يناسبها من علاج، وما يوافقها من سلاح، بلا نسيانٍ لأحد ولا التباس ولا اختلاط، ومن دون أن يكون له مساعد ومعين، بل يوزعها كلَّها عليهم بذاته، بما يتصف به من رحمة ورأفة وقدرة وعلم معجِز وإحاطة تامة بالأمور كلها، مع عدالة فائقة وحكمة تامة.. نعم، إذا ما وُجد سلطان كهذا الذي لا نظير له، وشاهدتَ بنفسك أعماله المعجزة الباهرة، تدرك عندئذٍ مدى قدرتِه ورأفته وعدلِه. ذلك لأن تجهيز كتيبة واحدة تضم عشرة أقوام مختلفين بأعتدةٍ متباينة وألبسةٍ متنوعة أمر عسير جدّا، حتى يُلجأ إلى تجهيز الجيش بطراز معيّن ثابت من الألبسة والأعتدة مهما اختلفت الأجناس والأقوام.
فإذا شئت -في ضوء هذا المثال- أن ترى تجلي اسم اللّٰه "الحق" و"الرحمن الرحيم" ضمن نطاق العدل والحكمة، فسرّح نَظَرَك في الربيع إلى تلك الخيام المنصوبة على بساط الأرض لأربعمائة ألف من الأمم المتنوعة، الذين يمثلون جيش النباتات والحيوانات، أنعِم النظر فيها تجد أن جميع تلك الأمم والطوائف، مع أنها متداخلة، وألبستُهم مختلفة وأرزاقهم متفاوتة وأسلحتُهم متنوعة وطرق معيشتهم متباينة وتدريبهم وتعليماتهم متغايرة، وتسريحاتهم وإجازاتهم متميزة.. وهم لا يملكون قدرة لتأمين حاجاتهم ولا ألسنة يطالبون بها رغباتهم.. مع كل هذا فإن كلّا منها تُدار وتُربى وتراعى باسم "الحق والرحمن والرزاق والرحيم والكريم" دون التباسٍ ولا نسيان ضمن نطاق الحكمة والعدل بميزان دقيق وانتظام فائق.. فشَاهِد هذا التجلي وتأمّل فيه؛ فهل يمكن أن يتدخل أحد غيرُ اللّٰه سبحانه وتعالى في هذا العمل الذي يُدار بمثل هذا النظام البديع والميزان الدقيق؟ وهل يمكن لأي سبب مهما كان أن يمدّ يدَه ليتدخل في هذه الصنعة الباهرة والتدبير الحكيم والربوبية الرحيمة والإدارة الشاملة غيرُ الواحد الأحد الحكيم القدير على كل شيء؟..
النكتة الرابعة: تقول إنني أحمل أنواعا متباينة من المحبة في نفسي، تتعلق بالأطعمة اللذيذة، وبنفسي وزوجتي وبأولادي ووالديّ وبأحبابي وأصدقائي، وبالأولياء الصالحين والأنبياء المكرمين، بل يتعلق حبي بكل ما هو جميل، وبالربيع الزاهي خاصة وبالدنيییا عامة.. فلو سارت هذه الأنواع المختلفة من المحبة وفق ما يأمر بییه القرآن الكريم، فما تكون نتائجُها ومییا فوائدُها ؟.
— 755 —
الجواب: إنّ بيان تلك النتائج وتوضيح تلك الفوائد كلِّها يحتاج إلى تأليف كتاب ضخم في هذا الشأن، لذا سنشير هنا إلى نتيجة واحدة أو نتيجتين منها إشارة مجملة. وسنبين أولا النتائج التي تحصل في الدنيا، ثم بعد ذلك نبين النتائج التي ستظهر في الآخرة. وهي كالآتي:
لقد ذكرنا سابقا: أن أنواع المحبة التي لدى أرباب الغفلة والدنيا والتي لا تنبعث إلّا لإشباع رغبات النفس، لها نتائج أليمة وعواقب وخيمة من بلايا ومشقات، مع ما فيها من نشوة ضئيلة وراحة قليلة. فمثلا: الشفقة تصبح بلاءً مؤلما بسبب العجز، والحب يغدو حُرقة مفجعة بسبب الفراق، واللذة تكون شرابا مسموما بسبب الزوال.. أما في الآخرة فستبقى دون جدوى ولا نفع، لأنها لم تكن في سبيل اللّٰه تعالى، أو تكون عذابا أليما إن ساقت إلى الوقوع في الحرام.
سؤال: كيف يظل حب الأنبياء الكرام والأولياء الصالحين دون نفع أو فائدة؟
الجواب: مثلما لا ينتفع النصارى المعتقدون بالتثليث من حبهم لسيدنا عيسى عليه السلام، وكذا الروافض من حبهم لسيدنا علي رضي اللّٰه عنه!
أما ما ذكرتَه من أنواع المحبة فإن كانت وفق إرشاد القرآن الكريم وفي سبيل اللّٰه سبحانه وتعالى ومحبة الرحمن الرحيم، فإن نتائج جميلة تثمر في الدنيا، فضلا عن نتائجها الطيبة الخالدة في الآخرة.
أما نتائجها في الدنيا: فإن محبتك للأطعمة اللذيذة والفواكه الطيبة فهي نعمة إلهية لا يشوبها ألم، ولذة لطيفة في الشكر بعينه.
أما محبتُك لنفسك أي إشفاقك عليها، والجهدُ في تربيتها وتزكيتها، ومنعها عن الأهواء الرذيلة، تجعلها منقادة إليك، فلا تسيّرك ولا تقيدك بأهوائها بل تسوقُها أنت إلى حيث الهدى دون الهوى.
أما محبتك لزوجتك وهي رفيقة حياتك، فلأنها قد أسست على حُسن سيرتها وطيب شفقتها، وكونها هبةً من الرحمة الإلهية، فستوليها حبّا خالصا ورأفة جادة، وهي بدورها تبادلك هذه المحبة مع الاحترام والتوقير، وهذه الحالة تزداد بينكما كلما تقدمتما في العمر،
— 756 —
فتقضيان حياة سعيدة هنيئة بإذن اللّٰه.. ولكن لو كان ذلك الحب مبنيا على جمال الصورة الذي تهواه النفس، فإنه سرعان ما يخبو ويذبل، وتفسد الحياة الزوجية أيضا.
أما محبتك للوالد والوالدة، فهي عبادة تُثاب عليها ما دامت في سبيل اللّٰه، ولا شك أنك ستزيد الحب والاحترام لهما عندما يبلغان الكِبَر، وتكسب لذة روحية خالصة وراحة قلبية تامة لدى القيام بخدمتهما وتقبيل أيديهما وتبجيلهما بإخلاص، فتتوجه إلى المولى القدير، وأنت تشعر هذا الشعور السامي والهمة الجادة، بأن يطيلَ عمرَهما لتحصل على مزيد من الثواب.. ولكن لو كان ذلك الحب والاحترام لأجل كسب حطام الدنيا ونابعا من هوى النفس، فإنه يولد ألما روحيا قاتما ينبعث من شعور سافل منحط وإحساس دنيء وضيع هو النفور من ذينك الموقّرَين اللذين كانا السبب لحياتكَ أنت، واستثقالهما وقد بلغا الكِبر وباتا عبئا عليك، ثم الأدهى من ذلك تمنّي موتهما وترقّب زوالهما!
أما محبتك لأولادك، أي حُبكَ لمَن استودعك اللّٰه إياهم أمانةً، لتقوم بتربيتهم ورعايتهم.. فحب أولئك المؤنسين المحبوبين من خلق اللّٰه، إنما هو حب مكلل بالسعادة والبهجة، وهو نعمة إلهية في الوقت نفسه، فإذا شعرت بهذا فلا ينتابُك الحزن على مصابهم ولا تصرخ متحسرا على وفاتهم. إذ -كما ذكرنا سابقا- إن خالقهم رحيم بهم حكيم في تدبير أمورهم وعند ذلك تقول إن الموت بحق هؤلاء لهو سعادة لهم. فتنجو بهذا من ألم الفراق وتتفكر أن تستدر رحمته تعالى عليك.
أما محبتك للأصدقاء والأقرباء، فلأنها لوجه اللّٰه تعالى، فلا يُحول فراقُهم ولا موتهم عن دوام الصحبة معهم، ودوام أخوتكم ومحبتكم ومؤانستكم؛ إذ تدوم تلك الرابطة الروحية والحب المعنوي الخالص، فتدوم بدورهما لذةُ اللقاء ومتعةُ الوصال.. ولكن إن لم يكن ذلك الحب لأجله تعالى ولا في سبيله، فإن لذة لقاء يوم واحد يورث آلامَ الفراق لمائة يوم.
(٭): إن ثانية واحدة من لقاء في سبيل اللّٰه تعالى تعد سنة من العمر، بينما سنة من لقاء لأجل الدنيا الفانية لا تساوي ثانية. (المؤلف).
أما محبتك للأنبياء عليهم السلام والأولياء الصالحين، فإن عالم البرزخ الذي هو عالم مظلم موحش في نظر أرباب الضلالة والغفلة تراه منازلَ من نور تنورت بأولئك المنورين، وعندها لا تستوحش من اللحاق بهم، ولا تجفل من عالم البرزخ، بل تشتاق إليه، وتحن إليه
— 757 —
من دون أن يعكر ذلك تمتعك بالحياة الدنيا.. ولكن لو كان حبُّهم شبيها بحب أرباب المدنية لمشاهير الإنسانية، فإن مجرد التفكر في فناء أولئك الكاملين، وترمّم عظامهم في مقبرة الماضي الكبرى، يزيد ألما على آلام الحياة، ويدفع المرء إلى تصور موته وزواله حيث يقول: سأدخل يوما هذه المقبرة التي ترمّم عظام العظماء! يقوله بكل مرارة وحسرة وقلق.. بينما في المنظور الأول يراهم يقيمون براحة وهناء في عالم البرزخ الذي هو قاعة المستقبل ورواقُه، بعد أن تركوا ملابسهم الجسدية في الماضي.. فينظر إلى المقبرة نظرة شوق وأنس.
ثم إن محبتك للأشياء الجميلة والأمور الطيبة، لما كانت محبة في سبيل اللّٰه، وفي سبيل معرفة صانعها الجليل بحيث يجعلك تقول: ما أجمل خلقَه!. فإن هذه المحبة في حدّ ذاتها تفكُّر ذو لذة ومتعة، فضلا عن أنها تفتح السبيل أمام أذواقِ حب الجمال والشوق إلى الحسن لتتطلع إلى مراتب أذواق أسمى وأرفع وأقدس وأجمل من ذلك الجمال بآلاف المرات، وتريه هناك كنوز تلك الخزائن النفيسة فيتملاها المرءُ في نشوة سامية عالية؛ ذلك لأن هذه المحبة تفتح آفاقا أمام القلب ليحوّل نظرَه من آثار الصانع الجليل إلى جمال أفعاله البديعة، ومن جمال الأفعال إلى جمال أسمائه الحسنى، ومن جمال الأسماء الحسنى إلى جمال صفاته الجليلة، ومن جمال الصفات الجليلة إلى جمال ذاته المقدسة.. فهذه المحبة وبهذا السبيل إنما هي عبادة لذيذة وتفكر رفيع ممتع في الوقت نفسه.
أما محبتك للشباب، فلأنك قد أحببتَ عهد شبابك لكونه نعمة جميلة للّٰه سبحانه، فلا شك أنك ستصرفه في عبادته تعالى ولا تقتله غرقا في السَفه وتماديا في الغي؛ إذ العبادات التي تكسبها في عهد الشباب إنما هي ثمرات يانعة باقية خالدة أثمرها ذلك العهدُ الفاني، فكلما جاوزت ذلك العهد وطعنت في السن حصلت على مزيد من ثمراته الباقية، ونجوت تدريجيا من آفات النفس الأمارة بالسوء وسيئات طيش الشباب. فترجو من المولى القدير أن يوفقك إلى كسب المزيد من العبادة في الشيخوخة، لتكون أهلا لرحمته الواسعة. وتربأ بنفسك أن تكون مثل أولئك الغافلين الذين يقضون خمسين سنة من عمر شيخوختهم وشيبهم أسفا وندما على ما فقدوه من متاع الشباب في خمس أو عشر سنوات. حتى عبّر أحد الشعراء عن ذلك الندم والأسف بقوله:
فيالَيتَ الشَبابَ يعودُ يوما فأخبرَه بِمَا فَعَلَ المَشِيبُ
[٭]: لأبي العتاهية. الإبشهي، المستطرف في كل فن مستظرف ٢/٧١؛ الجاحظ، البيان والتبيين ١/٤٢٩.
— 758 —
أما محبتك للمناظر البهيجة ولا سيّما مناظر الربيع، فحيث إنها مشاهدة لبدائع صُنع اللّٰه والاطلاع عليها، فذهاب ذلك الربيع لا يزيل لذةَ المشاهدة ومتعة التفرج، إذ يترك وراءه معانيَه الجميلة، حيث الربيع أشبه ما يكون برسالة ربانية زاهية تُفتح للمخلوقات. فخيالك والزمن شبيهان بالشريط السينمائي يديمان لك لذة المشاهدة هذه، ويجددان دوما تلك المعاني التي تحملها رسالةُ الربيع. فلا يكون حبُّك إذن مؤقتا ولا مغمورا بالأسف والأسى، بل صافيا خالصا لذيذا ممتعا.
أما حبك للدنيا، فلأنه حب للّٰه ولأجله سبحانه، فإن موجوداتها المثيرة للرعب والدهشة تصبح لك أصدقاء مؤنسين، ولأنك تتوجه إليها بالحب من حيث كونها مزرعة الآخرة، تستطيع أن تجني من كل شيء فيها ما يمكن أن يكون ثمرة من ثمار الآخرة، أو تغنم منها ما يمكن أن يكون رأس مال للآخرة. فمصائبُها إذن لا تخيفك وزوالُها وفناؤها لا يضايقك. وهكذا تقضي مدة إقامتك فيها، وأنت ضيف مكرم.. ولكن لو كان حبك لها كحب أرباب الغفلة، فقد قلنا لك مرارا: ستغرق نفسَك وتفنى بحب ساحقٍ، خانق، زائل، لا طائل وراءه ولا نفع!.
وهكذا فقد حاولنا أن نُري لطيفةً واحدة من مئات اللطائف التي تعود لكلٍ مما ذكرتَه، عندما يكون حبك له وفق إرشاد القرآن الكريم، وأشرنا في الوقت نفسه إلى واحد من مئات أضرار ذلك الحب إن لم يكن وفق ما يأمر به القرآن الكريم.
فإن كنت تريد أن تدرك نتائج هذه الأنواع المختلفة من المحبة في دار البقاء وعالم الآخرة، مثلما أشارت إليها الآيات البينات للقرآن الكريم، فسنبين لك بيانا مجملا فائدة واحدة أخروية من فوائد تلك الأنواع المشروعة من المحبة، وذلك في تسع إشارات، بعد أن نقدم بين يديها مقدمة:
— 759 —

المقدمة

إن اللّٰه سبحانه وتعالى -بألوهيته الجليلة، ورحمته الجميلة، وربوبيته الكبيرة، ورأفته الكريمة، وقدرته العظيمة، وحكمته اللطيفة- قد زيّن هذا الإنسان الصغير بحواسَّ ومشاعرَ كثيرة جدّا، وجمّله بجوارحَ وأعضاء وآلات مختلفة عديدة، وجهزه بلطائف ومعنويات متنوعة؛ ليُشعره بطبقات رحمته الواسعة ويذيقَه أنواع آلائه التي لا تعد، ويعرّفه أقسام إحساناته التي لا تحصى، ويُطلعه عبر تلك الأجهزة والأعضاء الكثيرة على أنواع تجلياته التي لا تُحد لألف اسم واسم من أسمائه الحسنى، ويحببها إليه، ويجعله يُحسن تقديرَها حق قدرها.
فلكل عضو من تلك الأعضاء الكثيرة، ولكل جهاز وآلة منها، وظائفُها المتنوعة وعباداتُها المتباينة كما أن لذائذها مختلفة وآلامَها متغايرة وثوابَها متميز.
فمثلا: العين، تشاهد الجمال في الصور، وترى معجزات القدرة الإلهية الجميلة في عالم الشهود، فتؤدي وظيفتها بتقديم الشكر للّٰه من خلال نظرتها ذات العبرة. ولا يخفى على أحد مدى ما يتعلق بالرؤية من لذة وألم. لذا لا داعي للتعريف لذة الرؤية وألَم فقدانها... ومثلا: الأذن، تشعر بلطائف الرحمة الإلهية السارية في عالم المسموعات، بسماعها أنواع الأصوات ونغماتها اللطيفة المختلفة. فلها عبادة خاصة بها، ولذة تخصها، وثواب يعود إليها... ومثلا: حاسة الشم التي تشعر بلطائف الرحمة الإلهية الفوّاحة من شذى أنواع العطور والروائح، فإن لها لذتها الخاصة بها ضمن أدائها شكرها الخاص، ولا شك أن لها ثوابا خاصا بها... ومثلا: حاسة الذوق التي في الفم. فهي تؤدي وظيفتها وتُقدم بشكرها المعنوي بأنماط شتى من خلال إدراكها مذاقات أنواع الأطعمة ولذائذها.
وهكذا فلكل جهاز من أجهزة الإنسان ولكل حاسة وجارحة، ولكل لطيفة من لطائفه المهمة -كالقلب والروح والعقل وغيرها- وظائفُها المختلفة، ولذائذُها المتنوعة الخاصة بها. فمما لا ريب فيه أن الخالق الحكيم الذي سخّر هذه الأجهزة لتلك الوظائف سيجزى كلّا منها بما يلائمها ويستحقها من جزاء.
— 760 —
إنّ النتائج العاجلة للأنواع المتعددة من المحبة -المذكورة سابقا- يشعر بها كل إنسان شعورا وجدانيًّا، ويستدل على شییعوره هذا ويتيقن منه بحدس صادق. أما نتائجها الأخروية فقد أثبتتها إجمالًا اثنتا عشرة حقيقة من الحقائق الساطعة للكلمة العاشرة والأسس الستة الباهرة للكلمة التاسعة والعشرين.
أما تفصيلها فهو ثابت قطعا بالقرآن الكريم الذي هو أصدقُ كلام وأبلغُ نظام وهو كلام اللّٰه الملك العزيز العلام، في تصريح آياته البينات وتلويحها وفي رموزها وإشاراتها.. لذا لا نرى داعيا لإيراد براهين مطولة في هذا الشأن، علما أننا سردنا براهين كثيرة جدّا في "كلمات" أخرى وفي المقام الثاني العربي من "الكلمة الثامنة والعشرين" الخاصة بالجنة وفي "الكلمة التاسعة والعشرين".
الإشارة الأولى: إنّ النتيجة الأخروية للمحبة المشروعة المكللة بالشكر للّٰه، نحو الأطعمة اللذيذة والفواكه الطيبة في الدنيا، هي تلك الأطعمة والفواكه الطيبة اللائقة بالجنة الخالدة.. كما ينص عليه القرآن الكريم. هذه المحبة، محبة ذات اشتياق واشتهاء لتلك الجنة وفواكهها. حتى إن الفاكهة التي تأكلها في الدنيا وتذكر عليها "الحمد للّٰه" تتجسم في الجنة فاكهةً خاصة بها وتقدَّم إليك طيبةً من طيبات الجنة. فأنت تأكل هنا فاكهةً، وهناك "الحمد للّٰه" مجسّمة في فاكهة من فواكه الجنة.. وحيث إنك تقدّم شكرا معنويّا لذيذا برؤيتك الإنعام الإلهي والالتفات الرباني في الأطعمة والفواكه التي تتناولها هنا، فستسلّم إليك هناك في الجنة أطعمة لذيذة وفواكه طيبة، كما هو ثابت في الحديث الشريف وبإشارات القرآن الكريم، وبمقتضى الحكمة الإلٰهية ورحمة اللّٰه الواسعة.
الإشارة الثانية: إن نتيجة المحبة المشروعة في الدنيا نحو النفس، أي محبتها المبنية على رؤية نقائصها دون محاسنها، ومحاولة إكمالها، وتزكيتها ورعايتها بالشفقة والرأفة، ودفعها إلى سبيل الخير، هي إعطاء البارئ عز وجلّ محبوبين يليقون بها وبالجنة، فالنفس التي عافت في الدنيا هواها وشهواتها وتركت رغباتها في سبيل اللّٰه، واستعملت ما فيها من أجهزة
— 761 —
متنوعة على أفضل وجه وأتمه، سيمنحها البارئ الكريم سبحانه، مكأفاة على هذه المحبة المشروعة المُكللة بالعبودية للّٰه، الحورَ العين المترفلات بسبعين حُلّة من حُلل الجنة المتنوعة بأنواع لطائفها وزينتها، والمتجملات بسبعين نوعا من أنواع الحسن والجمال، حتى كأنهن جنة مجسمة مصغرة تنبض بالروح والحياة، لتقرّ بها عينُ النفس التي أطاعت اللّٰه وتهدأ بها المشاعر التي اطمأنت إلى أوامر اللّٰه.. فهذه النتيجة لا ريب فيها، إذ الآيات الكريمة تصرح بها يقينا.
ثم إن نتيجة المحبة المتوجهة نحو الشباب في الدنيا، أي صرف قوة الشباب ونضارتِه في العبادة والتقوى، هي شباب دائم خالد في دار البقاء والنعيم المقيم.
الإشارة الثالثة: أما النتيجة الأخروية لمحبة الزوجة المؤسسَة على حُسن سيرتها وجميلِ خصلتها ولطيف شفقتها، والتي تصونها عن النشوز وتُجنّبها الخطايا والذنوب، فهي جعلُ تلك الزوجة الصالحة محبوبةً ومُحبةً وصديقة صدوقة وأنيسة مؤنسة، في الجنة، جمالُها أبهى من الحور العين، زينتُها أزهى من زينتهن، حُسنها يفوق حُسنهن.. تتجاذب مع زوجها أطراف الحديث، يستذكران أحداث أيام خلَت.. هكذا وعد الرحيم الكريم. فما دام قد وعد فسيفي بوعده حتما.
الإشارة الرابعة: أما نتيجة محبة الوالدين والأولاد فهي أن الرحمن الرحيم جل وعلا يُحسن إلى تلك العائلة السعيدة المحظوظة، رغم تفاوت مراتبهم في الجنة بلقاء بعضهم البعض والمعاشرة والمجالسة والمحادثة فيما بينهم بما يليق بالجنة ودار البقاء، كما هو ثابت بنص القرآن الكريم. ويُنعم على أولئك الآباء بملاطفة أولادهم الذين توفّوا في دار الدنيا قبل سن البلوغ، ويجعلُهم لهم ولدانا مخلّدين، في ألطف وضعٍ وأحبّه إلى نفوسهم، وبهذا تُطمئَن رغبةُ مداعبة الأطفال المغروزة في فطرة الإنسان، فيستمتعون بمتعة خالدة وذوق دائم في الجنة، حيث خُلّد لهم أطفالُهم الصغار -الذين لم يبلغوا سن التكليف- ولقد كان يُظَن أن ليس في الجنة مداعبةُ الأطفال، لأنها ليست محلا للتوالد. ولكن الجنة لأنها تحوى أفضل لذائذ الدنيا وأجودَها، فملاطفة الأولاد ومداعبة
— 762 —
الأطفال لابد أنها موجودة فيها بأفضل صوَرها وأجملِ أشكالها.. [٭]: انظر: الترمذي، صفة الجنة ٢٣؛ ابن ماجه، الزهد ٣٩؛ الدارمي، الرقاق ١١٠؛ أحمد بن حنبل، المسند ٣/٨٠؛ ابن حبان، الصحيح ١٦/٤١٧؛ أبو يعلى، المسند ٢/٣١٧. فيا بشرى أولئك الآباء الذين فقدوا أطفالهم في دار الدنيا!.
الإشارة الخامسة: إن نتيجة محبتك لصالح الأصدقاء والأقرباء التي يتطلبها "الحب في اللّٰه"، إنما هي في مجالستكم دون فراق على سُرُر متقابلين ومؤانستكم بلطائف الذكريات، ذكريات أيام الدنيا وخواطرها الجميلة، وقضاء وقت ممتع وجميل بهذه المحاورة والمجالسة. كما هو ثابت بنص القرآن الكريم.
الإشارة السادسة: أما نتيجة محبة الأنبياء عليهم السلام والأولياء الصالحين حسب ما بينه القرآن الكريم، فهي كسبُ شفاعة أولئك الأنبياء الكرام والأولياء الصالحين في عالم البرزخ، وفي الحشر الأعظم فضلا عن الاستفاضة -بتلك المحبة- من فيوضات مقاماتهم الرفيعة ومراتبهم العالية اللائقة بهم.
نعم، إن الحديث الشريف ينص على أن "المرء مع من أحب" [٭]: تقدم تخريجه في الكلمة الثامنة والعشرين. فالإنسان إذن يستطيع أن يرتفع إلى أعلى مقام وأرفعِه بما نسج مع صاحبه من أواصر المحبة وبانتمائه إليه واتباعه له.
الإشارة السابعة: إن محبتك للأشياء الجميلة وللربيع، أي نظرك إليها من زاوية قولك: "ما أجملَ خلقَه!" وتوجيه محبتك إلى ما وراء ذلك الشيء الجميل من جمال الأفعال وانتظامها، وإلى ما وراء تلك الأفعال المنسقة من جمال تجليات الأسماء الحسنى، وإلى ما وراء تلك الأسماء الحسنى من تجليات الصفات الجليلة.. وهكذا.. إن نتيجة هذه المحبة المشروعة هي مشاهدةُ جمالٍ أسمى من ذلك الجمال الذي شاهدتَه في المصنوعات بألوف ألوف المرات. أي مشاهدة تجليات الأسماء الحسنى وجمالِ الصفات الجليلة بما يليق بالجنة ودار البقاء. حتى قال الإمام الرباني السرهندي رضي اللّٰه عنه: "إن لطائف الجنة إنما هي تمثلات الأسماء الحسنى" فتأمل!.
— 763 —
الإشارة الثامنة: أما محبتك للدنيا محبةً مشروعة، أي محبتك لها مع التأمل والتفكر في وجهَيها الجميلين اللذين هما: مزرعةُ الآخرة، ومرآةُ التجليات للأسماء الحسنى، فإن نتيجتها الأخروية هي أنه سيوهَب لك جنة تسع الدنيا كلَّها، ولكنها لا تزول مثلها، بل هي خالدة دائمة. وستُظهَر لك في مرايا تلك الجنة تجلياتُ الأسماء الحسنى بأزهى شعشعتها وبهائها، تلك التي رأيت بعض ظلالها الضعيفة في الدنيا.
ثم إن محبة الدنيا في وجهها الذي هو مزرعة للآخرة، أي باعتبار كون الدنيا مشتلا صغيرا جدّا لاستنبات البذور لتتسنبل في الآخرة وتثمر هناك، فإن نتيجتها هي أثمارُ جنة واسعة تسع الدنيا كلها، تنكشف فيها جميعُ الحواس والمشاعر الإنسانية التي يحملها الإنسان في الدنيا كبُذيرات صغيرة، انكشافا تاما ونموا كاملا، وتتسنبل فيها بُذيرات الاستعدادات الفطرية حاملةً جميع أنواع اللذائذ والكمالات.. هذه النتيجة ثابتة بمقتضى رحمة اللّٰه الواسعة وحكمته المطلقة. وهي ثابتة كذلك بنص الحديث [٭]: البخاري، بدء الخلق ٨، التوحيد ٣٥؛ مسلم، الإيمان ٣١٢، الجنة ٢-٥؛ الترمذي، تفسير القرآن ٣٢/٢؛ ابن ماجه، الزهد ٣٩. الشريف وإشارات القرآن الكريم.
ولما كانت محبتُك للدنيا ليست لذلك الوجه المذموم الذي هو رأسُ كل خطيئة، وإنما هي محبة متوجهة إلى وجهَيها الآخرين أي إلى الأسماء الحسنى والآخرة، وقد عقدتَ لأجلهما أواصر المحبة معها وعمّرت ذينك الوجهين بالعبادة الفكرية، حتى كأنك قمت بالعبادة بدنياك كلِّها.. فلابد أن الثواب الحاصل من هذه المحبة يكون ثوابا أوسع من الدنيا كلها، وهذا هو مقتضى الرحمة الإلٰهية وحكمة الربانية.
ثم لأن تلك المحبة قد حصلت بمحبة الآخرة وكونها مزرعة لها، وبمحبة اللّٰه سبحانه، وكونها مرآة لإظهار أسمائه الحسنى.. فلاشك أنها تقابل بمحبوب أوسع من الدنيا كلها، وما هو إلّا الجنة التي عرضها السماوات والأرض.
سؤال: ما فائدة جنة خالية وواسعة سعة الدنيا؟
الجواب: لو كان من الممكن أن تتجول بسرعة الخيال في أقطار الأرض كلها، وتزور
— 764 —
أغلبَ النجوم التي في السماء، لكنت تقول عندئذٍ: إن العالم كلَّه لي. فلا يزاحم حكمَك هذا ولا ينافيه وجودُ الملائكة والناس الآخرين والحيوانات معك في هذا العالم الواسع.
وكذلك يمكنك أن تقول: إن تلك الجنة لي، حتى لو كانت مليئةً بالقادمين إليها.
وقد بينا في رسالة "الجنة" -وهي "الكلمة الثامنة والعشرون"- معنى الحديث الوارد من أنه يُعطى لبعض أهل الجنة جنةٌ سعتُها خمسمائة سنة، [٭]: انظر: البغوي، شرح السنن ١٥/٢٣٢؛ السيوطي، الفتح الكبير ١/٦٢، ٣/٤٢٢؛ الهيثمي، مسند الحارث ٢/٦٥٥. وكذا بيناه في رسالة "الإخلاص".
الإشارة التاسعة: إن نتيجة الإيمان باللّٰه ومحبتِه سبحانه هي رؤيةُ جمال مقدّس وكمال منیزّه للذات الجليلة سبحانه وتعالى، كما هي ثابتة بالحديث الصحيح [٭]: عن أبي هريرة رضي اللّٰه عنه أن ناسا قالوا: "يا رسول اللّٰه هل نرى ربّنا يوم القيامة؟" فقال رسول اللّٰه (ص): "هل تُضارون في رؤية القمر ليلة البدر؟" قالوا: لا يا رسول اللّٰه، قال: "هل تُضارون في الشمس ليس دونها سحاب؟" قالوا: لا، قال: "فإنكم ترونه كذا". والحديث بطوله رواه البخاري، المواقيت ١٦، ٢٦، الأذان ١٢٩؛ مسلم، المساجد ٢١١-٢١٢؛ أبو داود، السنة ١٩؛ الترمذي، الجنة ١٦؛ أحمد بن حنبل، المسند ٤/٣٦٠؛ ابن حبان، الصحيح ١٦/٤٧٣. والقرآن الكريم. هذه الرؤية التي تساوي ساعة منها ألف سنة من نعيم الجنة،
(٭): فقد ورد في الحديث الشريف: "... قال: فيكشف اللّٰه تبارك وتعالى تلك الحجب، ويتجلى لهم فيغشاهم من نوره شيء لولا أنه قضى عليهم أن لا يحترقوا لاحترقوا مما غشيهم من نوره. قال: ثم يقال لهم: ارجعوا إلى منازلكم. قال: فيرجعون إلى منازلهم وقد خَفُوا على أزواجهم وخَفينَ عليهم مما غشيهم من نوره تبارك وتعالى، فإذا صاروا إلى منازلهم ترادّ النور وأمسكنَ حتى يرجعوا إلى صورهم التي كانوا عليها. قال: فتقول لهم أزواجهم: لقد خرجتم من عندنا على صورة، ورجعتم على غيرها؟ قال: فيقولون: ذلك بأن اللّٰه تبارك وتعالى تجلى لنا فنظرنا منه ما خفينا به عليكم..." رواه البزار - انظر الترغيب والترهيب للحافظ المنذري ٤/٥٥٦.
ذلك النعيم الذي ساعة منه تفوق ألف سنة من حياة الدنيا الهنيئة، كما هو ثابت لدى أهل العلم والكشف بالاتفاق.
ويمكنك قياس مدى الشوق واللهفة التي تنطوي عليهما فطرةُ الإنسان لرؤية ذلك الجمال المقدس والكمال المنیزّه، ومدى ما فيها من رغبة جياشة وتَوق شديد والتياع لشهودهما، بالمثال الآتي:
كل إنسان يشعر في وجدانه بلهفة شديدة لرؤية سيدنا سليمان عليه السلام الذي أوتي الكمال، ويشعر أيضا بشوقٍ عظيم نحو رؤية سيدنا يوسف عليه السلام الذي أوتي شطرَ
— 765 —
الجمال. فيا ترى كم يكون مدى الشوق واللهفة لدى الإنسان لرؤية جمال مقدّس وكمال منیزّه، الذي من تجليات ذلك الجمال والكمال، الجنةُ الخالدة بجميع محاسنها ونعيمها وكمالاتها التي تفوق بما لا يحد من المرات جميعَ محاسن الدنيا وكمالاتها..
اَللّٰهمَّ ارزُقنَا فِي الدُّنيَا حُبَّكَ وَحُبَّ مَا يُقَرِّبُنَا إِلَيكَ، وَالاِستِقَامَةَ كمَا أمَرتَ، وَفِي الْآخِرَةِ رَحمَتَكَ وَرُؤيَتَكَ.
سبحانك لا علم لنا إلّا ما علمتنا انك انت العليم الحكيم
اَللّٰهمَّ صَلِّ وَسَلِّم عَلَى مَن أرسَلتَهُ رَحمَةً لِلعَالَمِينَ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أجْمَعِينَ. آمِينَ
تنبيه
لا تعدّ التفصيلات الواردة في ختام هذه الكلمة طويلة، بل هي مختصرة بالنسبة لأهميتها، إذ تحتاج إلى إطناب أكثر.
والمتكلم في "الكلمات" كلِّها، ليس أنا، فلست المتكلم فيها، بل الحقيقةُ هي التي تتكلم باسم "الإشارات القرآنية" وإن الحقيقة تنطق بالحق وتقول الصدق.
لذا إن رأيتم خطأً فاعلموا يقينا أن فكري قد خالط البحث وعكّر صفوه وأخطأ دون إرادتي.
— 766 —

مناجاة

يا رب! إن من لا يُفتح له باب قصر عظيم، يدقّ ذلك الباب بصدى صوتِ
مَن هو مقبول مأنوس لدى البواب.
فأنا الضعيف المسكين أدقّ باب رحمتك بنداء عبدك المحبوب لديك "أويس القرني" وبمناجاته، فكما فتحتَ له باب رحمتك يا إلهي، افتحه لي يا رب كذلك.
أقول كما قال:
إلهي أنتَ رَبّي وَأنَا العَبْدُ وَأنتَ الخَالِقُ وَأنَا المَخلُوقُ
وَأنتَ الرَّزّاقُ وَأنَیا المَرزُوقُ وَأنتَ المَالِكُ وَأنَیا المَملُوكُ
وَأنتَ العَزيزُ وَأنَا الذَّليلُ وَأنتَ الغَنيُّ وَأنَیا الفَقيرُ
وَأنتَ الحَيُّ وَأنَا المَيِّیتُ وَأنتَ البَاقي وَأنَیا الفَاني
وأنتَ الكَريمُ وَأنَا اللَّئيمُ وأنتَ المُحسِنُ وَأنَا المُسيءُ
وَأنتَ الغَفُورُ وَأنَا المُذنِبُ وَأنتَ العَظيمُ وَأنَا الحَقيرُ
وَأنتَ القَويُّ وَأنَا الضَّعيفُ وأنتَ المُعطِي وَأنَیییییا السَّآئلُ
وأنتَ الاَمينُ وَأنَا الخآئِیفُ وَأنتَ الجَوَادُ وَأنَیا المِسكينُ
وأنتَ المُجيبُ وَأنَا الدَّاعي وَأنتَ الشَّافي وَأنَا المَريضُ
فَاغْفرلي ذُنُوبي وتَجَاوَز عَنّي وَاشفِ أمراضي يَا اللّٰه يَا كَافِي . يَا رَبُّ يَا وافي . يَا رَحيمُ يَا شَافي . يَا كَريمُ يا مُعافي. فَاعفُ عَنِّي مِن كُلِّ ذَنبٍ وَعافِني مِن كُلِّ دَاءٍ وارْضَ عَنّي أَبَدا بِرَحمَتِكَ يَا أرْحَمَ الرَّاحِمينَ .
وآخر دعويهم أن الحمد للّٰه رب العالمين
— 767 —

الكلمة الثالثة والثلاثون

وهي عبارة عن ثلاث وثلاثين نافذة
هذه الكلمة هي "الكلمة الثالثة والثلاثون" من جهة وهي
"المكتوب الثالث والثلاثون" من جهة أخرى.
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
سَنُريهِمْ آيَاتِنَا فىِ الافَاقِ وَفى اَنْفُسِهِمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ اَنَّهُ الْحَقُّ اَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ اَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهيدٌ
(فصلت:٥٣)
سؤال: نرجو أن توضح لنا توضيحا مجملا ومختصرا، ما في هاتين الآيتين الجامعتين من دلائل على وجوب وجود اللّٰه سبحانه، وعلى وحدانيته وأوصافه الجليلة وشؤونه الربانية، سواء أكان وجه الدلائل في العالم الأصغر أو الأكبر، أي في الإنسان أو الكون. فلقد أفرط الملحدون وتمادوا في غيّهم حتى بدؤوا يجاهرون بقولهم: إلى متى نرفع أكفّنا وندعو: "وهو على كل شيء قدير"؟.
الجواب: إن ما كُتِبَ في كتاب "الكلمات" من ثلاث وثلاثين "كلمة"، ما هي إلّا ثلاث وثلاثون قطرة تقطّرت من فيض هذه الآية الكريمة. يمكنكم أن تجدوا ما يُقنعكم بمراجعتها. أما هنا فسنشير مجرد إشارة إلى رشحاتِ قطرةٍ من ذلك البحر العظيم. فنمهّد لها بمثال:
إن الذي يملك قدرة معجزة ومهارة فائقة إذا ما أراد أن يبني قصرا عظيما فلا شك أنه
— 768 —
قبل كل شيء يرسي أسُسَه بنظام متقن، ويضع قواعدَه بحكمة كاملة، وينسّقه تنسيقا يلائم لما يُبنى لأجله من غايات وما يُرجى منه من نتائج. ثم يبدأ بتقسيمه وتفصيله بما لديه من مهارة وإبداع إلى أقسام ودوائر وحُجرات، ثم نراه ينظم تلك الحجرات ويزيّنها بروائع النقوش الجميلة، ثم ينوّر كل ركن من أركان القصر بمصابيح كهربائية عظيمة، ثم لأجل تجديد إحسانه وإظهار مهارته نراه يجدد ما فيه من الأشياء ويبدّلها ويحوّلها. ثم يربط بكل حُجرة من الحجرات هاتفا خاصا يتصل بمقامه، ويفتح من كلٍّ منها نافذةً يُرى منها مقامُه الرفيع.
وعلى غرار هذا المثال -وللّٰه المثل الأعلى- فالصانع الجليل، الذي له ألف اسم واسم من الأسماء الحسنى، أمثال: الحاكم الحكيم، والعدل الحَكَم، والفاطر الجليل، الذي ليس كمثله شيء. أراد، وإرادته نافذة، خلقَ شجرةِ الكائنات العظيمة، وإيجادَ قصر الكون البديع.. هذا العالم الأكبر.. فوضع أسسَ ذلك القصر وأصول تلك الشجرة في ستة أيام بدساتيرِ حكمته المحيطة وقوانين علمه الأزلي. ثم صوَّره وأحسنَ صُوَرته بدساتير القضاء والقدر وفصّله تفصيلا دقيقا إلى طبقات وفروع علوية وسفلية. ثم نظّم كل طائفة من المخلوقات وكل طبقة منها بدساتير الصنع و العناية. ثم زيّن كلَّ شيء وكل عالم، بما يليق به من جمال -فزيّن السماء مثلا بالنجوم وجمّل الأرض بالأزاهير- ثم نوّر ميادين تلك القوانين الكلية وآفاق تلك الدساتير العامة بتجليات أسمائه الحسنى، ثم أمدّ الذين يستغيثون به مما يلاقونه من مضايقات تلك القوانين الكلية، فتَوجَّه إليهم باسم "الرحمن الرحيم"، أي إنه وضع في ثنايا قوانينه الكلية ودساتيره العامة من الإحسانات الخاصة والإغاثات الخاصة والتجليات الخاصة ما يمكّن كل شيء أن يتوجَّه إليه سبحانه في كل حين ويسأله كل ما يحتاجه. وفَتَح من كل منیزل، ومن كل طبقة، ومن كل عالم، ومن كل طائفة، ومن كل فرد، ومن كل شيء نوافذ تتطلع إليه وتظهره، أي تُبين وجوده الحق ووحدانيته، فأودع في كل قلب هاتفا يتصل به.
وبعد، فسوف لا نقحم أنفسنا فيما لا طاقة لنا به من بحث هذه النوافذ التي لا تعد ولا تحصى، بل نحيلها إلى علم اللّٰه المحيط بكل شيء، إلّا ما نشير من إشارات مجملة فقط إلى ثلاث وثلاثين نافذة منها، تألّقت من لمعات آيات القرآن الكريم فأصبحت "المكتوب الثالث والثلاثين" من "الكلمة الثالثة والثلاثين" وقد حصرناها في ثلاثٍ وثلاثين نافذة تبركا بالأذكار التي تأتي عقب الصلوات الخمس. وندع إيضاحاتِها المفصّلة إلى الرسائل الأخرى.
— 769 —

النافذة الأولى

نشاهد في الموجودات جميعها ولاسيما الأحياء منها افتقارا إلى حاجاتٍ مختلفة ومطالب متنوعة لا تحصى.. وإن تلك الحاجات تُساقُ إليها من حيث لا تحتسب، وتلك المطالب تترى عليها كل في وقته المناسب.. علما بأنّ أيدي ذوي الحاجة تقصر عن بلوغ أدنى حاجاتها فضلا عن أوسع غاياتها ومقاصدها.. فإن شئتَ فتأمل في نفسك تجدْها مغلولةَ اليدين إزاء كثير مما يلزم حواسَّك الظاهرة، أو يشبع رغباتك الباطنة.. فقس على نفسك نفوسَ جميع الأحياء، وتأمل فيها تجد أن كل كائن منها يشهد بفَقره وحاجاته المقضيّة من غير حول منه ولا قوة على الواجب الوجود، ويشير بهما إلى وحدانيته سبحانه وتعالى، كما يدل عليه بمجموعه كدلالة ضوء الشمس على الشمس نفسها ويبيّن للعقل المنصف أنه سبحانه في منتهى الكرم والرحمة والربوبية والتدبير.
فما أبغضَ جهلَك.. وألعنَ غفلتَك.. أيها الجاهل الغافل المكابر.. كيف تفسر هذه الفعالية الحكيمة والبصيرة والرحيمة؟! أبالطبيعة الصماء؟ أم بالقوة العمياء؟ أم بالمصادفة العشواء؟ أم بالأسباب الجامدة العاجزة؟
النافذة الثانية
بينما تتردد الأشياء وتحار في وجودها و تشخصها بين طرق الإمكانات والاحتمالات غير المتناهية، إذا بها تُمنح صورةً مميزة لها، غايةً في الانتظام والحكمة..
تأمل في العلامات الفارقة الموجودة في وجه كُلِّ إنسان، تلك العلامات التي تميّزه عن كل واحد من أبناء جنسه، وأمعن النظر فيما أودع فيه بحكمة بديعة من حَوَاسَّ ظاهرةٍ ومشاعر باطنة.. ألا يثبت ذلك أن هذا الوجه الصغير آية ساطعة للأحدية؟
فكما أن كل وجه يدل -بمئات الدلائل- على وجود صانعٍ حكيم، ويشهد على وحدانيته، فمجموعُ الأوجه أيضا، وفي الأحياء كافة تبيّن للبصيرة النافذة أنها آية كبرى جليلة للخالق الواحد الأحد.
فيا أيها المنكِر.. أتقدِر أن تحيلَ هذه العلامات والأختام التي لا تقلَّد، أو أن تسند الآية الكبرى للأحد الصمد الساطعة في مجموعها.. إلى غير بارئها المصور؟
— 770 —

النافذة الثالثة

إنّ أنواع النبات، وطوائف الحيوان، المنتشرة على الأرض هي أكثرُ من أربعمائة ألف نوع وطائفة، (٭): بل إن عدد أفراد قسم من تلك الطوائف -خلال سنة واحدة- هو أكثر من عدد البشرية منذ آدم عليه السلام إلى قيام الساعة. (المؤلف). وكأنها جيش هائل عظيم، فنرى أن كل نوع من هذا الجيش له رزقُه المختلف عن الآخر وصورتُه المتباينة، وأسلحتُه المتنوعة وملابسه المتميزة، وتدريبه الخاص وتسريحه المتفاوت من الخدمة.. وتجري هذه كلُّها في نظام متقن، ووفق تقدير دقيق. فإدارةُ هذا الجيش العظيم، وتربية أفراده، دونما نسيان لأحدٍ ولا التباس، لهي آية ساطعة كالشمس للواحد الأحد.
فمن ذا يستطيع أن يمدَّ يدَ المداخلة في هذه الإدارة المعجزة من دون مالكها القدير الذي لا حدّ لقدرته، ولا حدودَ لعلمه، ولا نهايةَ لحكمته! ذلك لأن الذي يعجز عن إدارة وتربية هذه الأنواع المتداخلة ببعضها والأمم المكتنفة بعضها في بعض، دفعةً واحدة وفي آن واحد، يعجز كليا عن مباشرة خلق واحد منها، إذ لو حصلت مداخلته في أي منها لظَهَر أثرُه، وبان النقصُ والقصور
فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُور
(الملك:٣)
فلا فطور ولا نقص، إذن فلا شريك.
النافذة الرابعة
هي استجابةُ الخالق لجميع الأدعية المنطلقة بلسان استعدادات البذور، وبلسان احتياجات الحيوانات، وبلسان اضطرار المستغيثين من بني الإنسان..
نعم، إنّ الاستجابة لجميع هذه الأدعية غير المحدودة استجابة فعليةً، بادية أمامنا، نشاهدها رأيَ العين.
فكما يشير كُلّ منها إلى "الواجب الوجود" وإلى الوحدانية، فإن مجموع تلك الاستجابات تدل بالبداهة وبمقياس أوسع وأعظم على خالق رحيم كريم مجيب، وتوجِّه الأنظار إليه سبحانه.
— 771 —

النافذة الخامسة

إذا أمعنا النظر في الأشياء، ولاسيما الأحياء، نشاهدها وكأنها قد خرجت من يد الخلق لتوّها، وبرزت إلى الوجود بروزا فجائيا.. فبينما ينبغي أن تكون الأشياء المركبة آنيا وعلى عَجلٍ بسيطةَ التركيب ومشوّهة الشكل، ومن دون إتقان، نراها تُخلَقُ في أتقن صنعة وأبدعِها؛ هذا الإتقان والإبداع الذي يتطلب مهارة فائقةً. ونراها في أروع نقش وأدق صورة؛ هذه الروعة والدقة التي تحتاج إلى صبر عظيم وزمن مديد. ونراها في زينة فاخرة وجمال أخّاذ؛ هذه الزينة وهذا الجمال اللذان يستدعيان آلات تجميل متنوعة، ووسائل زينة كثيرة.
فهذا الإتقانُ المعجِز، والصورةُ البديعة، والهيأة المنسقة، والإبداع الآني، كلّ منه يشهد على وجود الصانع الحكيم، ويشير إلى وحدانية ربوبيته. كما أن مجموعه يبيّن بوضوح "الواجب الوجود" القدير الحكيم، ويبين وحدانيته سبحانه.
فيا أيها الغافل عن ربّه، الحائرُ في أمر الموجودات..هيَّا.. بماذا توضِّح هذا الأمر وتفسره؟ أفتفسره بالطبيعة العاجزة البليدة الجاهلة؟ أم تريد أن تقترف بجهلك خطأ لا حدود له، فتقلد الطبيعةَ صفات الألوهية، وتنسب إليها بهذه الحجة معجزاتِ قدرةِ ذلك الصانع الجليل المنیزّه عن كل نقص وعيب، فترتكب ألفَ محالٍ ومحال.
النافذة السادسة
اِنّ في خَلْقِ السَّمواتِ والاْرضِ وَاخْتِلافِ الَّيْل وَالنَّهارِ وَالفُلْكِ الّتى تَجْرى في البَحرِ بمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمآ اَنَزَلَ اللّٰه مِنَ السَّمآءِ مِنْ مآءٍ فَاحيا بِهِ الارضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فيها من كُلِّ دَآبةٍ وَتَصْريفِ الرِّياحِ وَالسّحَابِ الیمُسخَّرِ بَيْنَ السَمَآءِ والارضِ لاياتٍ لِقَوْمٍ يَعقِلوُنَ
(البقرة:١٦٤)
هذه الآية الكريمة كما أنها تبين وجود اللّٰه سبحانه وتعالى وتدل على وحدانيته، فهي في الحقيقة نافذة عظيمة جدّا تطل على الاسم الأعظم من الأسماء الحسنى. وزبدة خلاصتها: أن جميع عوالم الكون علويّها وسفليّها، تدل بألسنة مختلفة على نتيجة واحدة، أي على ربوبية صانعٍ حكيمٍ واحد، وكما يأتي:
— 772 —
إن جريان الأجرام في "السماوات" بمنتهى النظام لبلوغ غايات جليلة، ونتائجَ سامية -بتقرير علم الفلك نفسه- إنما يدل على وجود إلهٍ قدير ذي جلال ويشهد على وحدانيته وربوبيته الكاملة.
كما أن التحولات المنتظمة في "الأرض" والمشاهَدة في المواسم لحصول منافع عظيمة ومصالح شتى -بتقرير الجغرافية- إنما تدل دلالة واضحة على ذلكم القدير ذي الجلال، وتشهد على وحدانيته وربوبيته الكاملة.
ثم إن جميع "الحيوانات" التي تملأ البر والبحر والتي يُرسل رزقُ كُلٍّ منها برحمة واسعة، وتُكسى بأثواب متنوعة، بحكمة تامة، وتُجهّز بحواس مختلفة، بربوبية كاملة.. يشير كل منها إلى ذلك القدير ذي الجلال، ويشهد على وحدانيته، كما أن مجموعها ككل يدل معا وبمقياس واسع جدّا على عظمة الألوهية وكمال الربوبية.
وكذا الحال في "النباتات" الموزونة المنتظمة التي تفرش الأرض والبساتين والزروع، كل منها يدل على ذلك الصانع الحكيم، ويشير إلى وحدانيته بما تحمل من أزاهير جميلة، وما تنتج هذه الأزاهير من ثمار موزونة، وما على هذه الثمار من نقوش رائعة، فكما أن كلّا منها على حدة يدل على الصانع فإن مجموعَها يظهر جمال رحمته سبحانه، وكمال ربوبيته.
ثم إن "القطرات" المسخرة لحِكَمٍ غزيرة، ولغايات سامية، ومنافعَ جليلة، وفوائد جمّةً، والتي تُرسل من السُّحب الثقال المعلقة بين السماء والأرض، تدل بعدد القطرات على ذلك الصانع الحكيم، وتشهد على وحدانيته وكمال ربوبيته.
كما أن "الجبال" الراسيات، وما في أجوافها من معادن، وما لكلٍّ منها من خواص، وما ادّخر فيها من غايات شتى، والمعدّة لمصالح عدة، كل منها على حدة وبمجموعها معا، تدل دلالة أقوى من الشمّ الرواسي على ذلك الصانع الحكيم وعلى وحدانيته وكمال ربوبيته.
ثم إن أنواع "الأزاهير" الجميلة اللطيفة المنثورة على التلال والروابي والصحارى، وقد أضفى عليها البهاء والجمال، كُلّ منها يدل على ذلك الصانع الحكيم ويشهد على وحدانيته، مثلما أن مجموعها العام يدل على عظيم سلطانه وكمال ربوبيته.
— 773 —
ثم إن أنواع "الأوراق" وأشكالها المنسقة، واهتزازاتها اللطيفة الجذابة في النباتات والأشجار والأعشاب كافة تشهد بعدد الأوراق على ذلك الصانع الحكيم، وعلى وحدانيته وكمال ربوبيته.
ثم إن "نمو الأجسام" بخطوات هادفة مطردة، وتجهيز كل منها بأنواع من الأجهزة المتوجهة معا إلى تكوين الثمار، وكأنه توجُّه شعوري، يجعل كل جسم نامٍ بأجزائه ومجموعه، يشهد لذلك الصانع الحكيم ويشير إلى وحدانيته، ويدل دلالة أعظم على قدرته المحيطة، وحكمته الشاملة، وصنعته الجميلة، وربوبيته الكاملة.
ثم إن إيداعَ "النفس" في الجسد، وتمكينَ "الروح" من كل كائن حيواني بحكمة تامة، وتسليحَه بأسلحة متنوعة، وتزويدَه بأعتدة مختلفة بنظام كامل، وتوجيهَه إلى مهمات جليلة، واستخدامه في وظائف متنوعة بحكمة تامة، يشير إشارات بعدد الحيوانات بل بعدد أجهزتها وأعضائها إلى وجود ذلك الصانع الحكيم، ويشهد على وحدانيته، مثلما أن مجموعها الكلي يدل دلالة ساطعة على جمال رحمته وكمال ربوبيته.
ثم إن جميع "الإلهامات" الغيبية التي تُرشد قلوبَ الناس وتُفقِّهها بالعلوم والحقائق، وتُعلّم الحيوان الاهتداء إلى توفير ما يحتاجه من حاجات.. هذه الإلهامات الغيبية بأنواعها المختلفة تُشعِرُ كُلَّ ذي بصيرة بوجود رب رحيم وتشير إلى ربوبيته.
ثم إن جميع "المشاعر" المتنوعة والحواس المختلفة -الظاهرة منها والباطنة مثل شعاعات الأعين - التي تجني الأزاهيرَ المعنوية من بستان الكون، وكونَ كل حاسة منها مفتاحا لعالم من العوالم المختلفة في الكون الواسع، تدل كالشمس على وجود صانع حكيم عليم، وخالق رحيم، ورزاق كريم، وتشهد على واحديته وأحديته وكمال ربوبيته.
فهذه النوافذ الاثنتا عشرة، كل منها تمثل وجها لنافذة واسعة، فتدل باثني عشر لونا من ألوان الحقيقة على أحدية اللّٰه سبحانه، ووحدانيته وكمال ربوبيته.
فيا أيها المكذّب الشقي!.. كيف تستطيع أن تسدَّ هذه النافذة الواسعة سَعَةَ الأرض.. بل الواسعة سعةَ مدارها السنوي.؟! وبأي شيء يمكنك أن تطفئ منبع هذا النور الساطع كالشمس؟. وبأي ستار من ستائر الغفلة يمكنك أن تخفيه..؟!
— 774 —

النافذة السابعة

إن ما يبدو عيانا في جميع المصنوعات المبثوثة على صفحات الكون من مظاهر النظام والموازنة التامة، وما تتشكل فيه من صور الزينة والجمال، وما يشاهَد من سهولة متناهية في انبعاثها إلى الوجود وتملكها للحياة، وما هي عليه من تشابه بعضها للبعض الآخر في المظاهر أو الماهيات فضلا عن استجاباتها الفطرية الواحدة للأحداث الكونية.. كلّ من هذه المظاهر والخصائص دليل واسع سعة الكون على الخالق القدير، وشهادة صادقة قاطعة على وحدانيته سبحانه وقدرته المطلقة.
وكذا إن "إيجاد مركبات" منتظمة لا تعد ولا تحصى من عناصر جامدة بسيطة التركيب، يشهد شهادة قاطعة بعدد المركبات على ذلك الخالق القدير الواجب الوجود سبحانه، ويشير إشارة صريحة إلى وحدانيته، فضلا عن أن مجموعها العام يبين بيانا باهرا كمال قدرته ووحدانيته.
وكذا إن ما يشاهد من "تمايز" واضح و"افتراق" كامل أثناء تجدد الموجودات -بالتحليل والتركيب- رغم كونها في منتهى الاختلاط والامتزاج يدل دلالة واضحة على ذلك الحكيم المطلق الحكمة، والعليم المطلق العلم، والقدير المطلق القدرة، ويشير إلى وجوب وجوده سبحانه وكمال قدرته.
فخذ مثلا: تسنبل الحبوبِ المدفونة في جوف الأرض، ونمو أصول الأشجار إلى نباتات مختلفة وأشجار متباينة، رغم الاختلاط والتشابك، وكذلك تميُّز المواد المختلفة الداخلة في النباتات والأشجار المتنوعة إلى أوراق زاهية وألوان جميلة، وثمار لطيفة رغم الامتزاج الشديد. بل حتى تمايز وتجزؤ المواد الغذائية الدقيقة الداخلة في حجيرات الجسم بحكمة كاملة وبميزان دقيق رغم الامتزاج والاختلاط.
وكذا إن تسخير "ذرات" جامدة عاجزة جاهلة للقيام بمهام في غاية الانتظام والشعور والقدرة والحكمة، وجعل "عالم الذرات" ما يشبه مزرعة عظيمة هائلة تزرع فيها كل حين عوالم، وتحصد أخرى بحكمة تامة.. كلها دلائل واضحة على وجوب وجود ذلكم القدير ذي الجلال، وذلكم الخالق ذي الكمال، وتشهد شهادة قوية على كمال قدرته، وعظيم ربوبيته، وعلى وحدانيته وكمال ربوبيته.
— 775 —
وهكذا تؤدي بنا هذه الطرق الأربع الواسعة إلى نافذة عظيمة جدّا تنفتح على المعرفة الإلهية، حيث يطل منها نظر العقل الحاد على وجود الخالق الحكيم.
فيا أيها الغافل الشقي بغفلته! إن لم تُرِد بعد هذا كلِّه رؤيتَه ومعرفتَه عدّ نفسك من الأنعام!
النافذة الثامنة
إنّ جميع الأنبياء عليهم السلام الذين هم أصحاب الأرواح النيّرة في النوع الإنساني مستندين إلى معجزاتهم الظاهرة الباهرة، وجميعَ الأولياء الذين يمثلون أقطاب القلوب المنورة معتمدين على كشفياتهم وكراماتهم، وجميع الأصفياء العلماء الذين يمثلون أرباب العقول النورانية مستندين إلى تحقيقاتهم العلمية.. يشهدون جميعا على وجوب وجود الواحد الأحد الخالق لكل شيء، ويدلون على كمال ربوبيته ووحدانيته.
هذه النافذة واسعة جدّا ومنورة مضيئة ساطعة، وهي مفتوحة أبدا لإظهار ذلك المقام الرفيع للربوبية.
فيا أيها المنكر الحيران!.. بِمَ تَعْتَدّ وتفتخر، حتى لا تلقي لهؤلاء سمعا؟! لعلّك تظن أنك بإطباق جفنيك تستطيع أن تجعل نهار الدنيا ليلا.. ألا هيهات..!
النافذة التاسعة
إنّ "العبادات" التي تؤديها الكائنات بأسرها تدل بالبداهة على معبود مطلق..
نعم، إن العبودية الخالصة التي تؤديها الملائكةُ والروحانيات عموما، والثابتة بشهادة الذين عَبَروا إلى عالم الأرواح من البشر، واستبطنوا بواطن الوجود. والتقوا هناك الملائكة والروحانيات، وشاهدوهم في عباداتهم وتسابيحهم.. وقيام جميع ذوي الحياة -مهما كانوا- بمهامهم التي خلقوا لها على أتم نظام، وامتثالهم للأوامر الإلهية امتثالَ عبد مأمور.. وأداء جميع الجمادات خدماتها المتسمة بعبودية كاملة على أتم طاعة.. إن جميع هذه العبادات المشاهدة تشير إلى المعبود الحق الواجب الوجود وإلى وحدانيته.
— 776 —
وإن جميع "المعارف" الحقة التي يحملها جميعُ العارفين نتيجة إخلاصهم في عبوديتهم للّٰه.. والشكرَ المثمر النابع من صميم قلوب الشاكرين.. والأذكارَ المنورة التي ترطب ألسنة الذاكرين.. والحمدَ المزيد للنعمة الذي يلهج به الحامدون.. والتوحيدَ الحقيقي المصدَّق بآيات جميع الموجودات الذي يبثه الموحّدون.. والحبَّ الإلهي وعشقه الصادق الذي يشيعه المحبون والواجدون.. ورغبات المريدين الخالصة في اللّٰه، وحزم إرادتهم في السير إليه.. والإنابة الصادقة، والتوسل الحزين لدى المنيبين.. كل هذه الظواهر المنبعثة من جميع هؤلاء الذين يحمل كلّ منهم قوةَ التواتر والإجماع، تدل دلالة قوية على وجوب وجود ذلكم المعبود الأزلي؛ المعروف، المذكور، المشكور، المحمود، الواحد، المحبوب، المرغوب، المقصود، وتدل على كمال ربوبيته ووحدانيته.
ثم إن جميع العبادات المقبولة التي يتعبّد بها الكاملون من الناس، وما ينبعث من تلك العبادات المُرضية من فيوضات ومناجاة ومشاهدات وكشفيات، جميعها تدل دلالة قوية جدّا على ذلك الموجود الباقي، وذلك المعبود الأبدي وعلى أحديته وكمال ربوبيته.
فهذه النافذة المضيئة والواسعة جدّا، تنفتح من ثلاث جهات انفتاحا على الوحدانية.
النافذة العاشرة
وَاَنْزَلَ مِنَ السَّمآءِ مَآءً فَاَخْرَجَ بِه مِنَ الثَّمراتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِىَ في الْبَحْرِ بِاَمْرِهِ وَسَخَّر لَكُمُ الاَنْهَارَ٭ وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمسَ وَالقَمَرَ دآئِبَيْنِ وَسَخّرَ لَكُمُ الّيلَ والنَّهارَ٭ وَآتيكمُ مِنْ كُلِّ مَا سَألتُمُوهُ وَاِنْ تَعدّوا نِعْمَتَ اللّٰه لاَ تُحْصُوهَا
(إبراهيم:٣٢-٣٤)
إن معاونة الموجودات بعضها للبعض الآخر وتجاوبَها فيما بينها، وتساندَها في الوظائف والواجبات.. تدل على أن كل المخلوقات تحت تربية ورعاية مُربٍّ واحد أحد. وأن الكل تحت أمر مدبر واحد أحد.. وأن الكل تحت تصرف واحد أحد.. ذلك لأن "دستور التعاون" بين الموجودات، يجري ابتداءً من الشمس، التي تهيئ بأمر اللّٰه لوازم الحياة للأحياء، ومن القمر الذي يعلمنا المواقيت، وانتهاءً إلى إمداد الضوء والهواء والماء والغذاء لذوي الحياة، وإمداد
— 777 —
النباتات للحيوانات، وإمیداد الحيوانات للإنسان، بل حتى إمداد كل عضو من أعضاء الجسم للآخر، وإمداد ذرات الغذاء لحجيرات الجسم.. فخضوعُ هذه الموجودات الجامدة الفاقدة للشعور وانقيادها لدستور التعاون وارتباطها معا ارتباط تفاهم وتجاوب في منتهى الحكمة، وفي منتهى الإيثار والكرم، وجعل كل منها يسیعى لإغاثة الآخر وإمداده بلوازم حياته، ويهرع لقضاء حاجياته وإسعافه، تحت ظل قانون الكرم وناموس الرأفة، ودستور الرحمة.. كل ذلك يدل بداهة على أن جميعها مخلوقات مأمورات ومسخرات عاملات للواحد الأحد، الفرد الصمد، القدير المطلق القدرة، والعليم المطلق العلم، والكريم المطلق الكرم.
فيا أيها المتفلسف المفلس! ما تقول في هذه النافذة العظيمة؟ أيمكن للمصادفة التي تعتقد بها أن تتدخل في هذه الأمور..؟
النافذة الحادية عشرة
اَلا بِذِكْرِ اللّٰه تَطْمَئِنُ الْقُلُوبُ
(الرعد:٢٨)
إنه لا خلاص للقلوب والأرواح من قبضة القلق الرهيب، ومن دوامات الاضطراب والخوف، ومن ظمأ الضلالة وحرقة نار البُعد عن اللّٰه إلّا بمعرفة خالق واحد أحد.. إذ ما إن يُسلَّم أمرُ القلوب والأرواح، وأمرُ كلِّ الموجودات إلى خالق واحد أحد حتى تجد راحتَها، وتحظى بخلاصها من عناء تلك الزلازل النفسية المدمّرة وتسكنَ من ذلك القلق وتستقر وتطمئن.
لأنه إن لم يُسنَد أمرُ الموجودات كافة إلى واحد أحد، فسَيُحالُ خلقُ كلِّ شيء إذن إلى ما لا يُحدُّ من الأسباب.. وعندها يكون إيجادُ شيء واحدٍ مشكلا وعويصا كخلق الموجودات كلها، ولقد أثبتنا في الكلمة الثانية والعشرين أنه إن فُوِّض أمرُ الخلق إلى اللّٰه، فقد فوّض إذن ما لا يحدُّ من الأشياء إلى الواحد الأحد، وإلّا فسيكون أمر كل شيء بيد ما لا يحدُّ من الأسباب، وفي هذه الحالة يكون خلق ثمرة واحدة مثلا فيه من المشكلات والصعوبات بقدر الكون كله، بل أكثر.
ولنوضح ذلك بمثال: فكما أن تفويض إدارة جندي واحد إلى أمراء عديدين فيه مشاكل
— 778 —
عديدة جدّا، بينما تفويضُ إدارة مائة جندي إلى ضابط واحد فيه سهولة بالغة كإدارة جندي واحد، كذلك اتفاق ما لا يحد من الأسباب في إيجاد شيء واحد فيه مئات الأضعاف من الإشكالات. بينما في إيجاد الواحد الأحد للأشياء العديدة، فيه مئات الأضعاف من السهولة.
وهكذا فما يستشعره الإنسانُ من لهفة إلى الحقيقة وتَوقٍ إليها، يجعله دائم القلق والاضطراب ما لم يبلغها. فلا يجد الاطمئنان والسكون إلّا بتوحيد الخالق ومعرفة اللّٰه سبحانه ذلك لأن سلوك سبيل الكفر الذي فيه ما لا يحد من الاضطرابات والمشاكل محال، ولا حقيقة له أصلا. بينما التوحيدُ فيه من السهولة المطلقة في خلق الموجودات بهذه الكثرة والإبداع بحيث لا يدع للإنسان مجالا إلّا سلوكه، ولا غرو لأنه أصيل وحقيقي.
فيا مَن يتبع الضلالة.. ويا أيها الشقي المسكين!.. تأمل طريق الضلالة ما أظلمه وما أشدّه إيلاما لوجدان الإنسان، فما الذي حملك لتقحم نفسك فيه.. ثم تأمل في طريق التوحيد فما أصفاه وما أبسمَه فاسلكه وانجُ بنفسك!
النافذة الثانية عشرة
سَبِّحْ اِسْمَ رَبِّكَ الاَعلى٭ اَلذَّى خَلَقَ فَسَوّى٭ وَالّذىِ قَدَّرَ فَهَدى
(الأعلى:١-٣)
هذه الآيات الكريمة ترشدنا إلى أن جميع الأشياء ولاسيما الأحياء تظهر إلى الوجود وكأنها خرجت من قالبٍ مصمَّمٍ تصميما حكيما يَهَبُ لكلّ شيء مقدارا منتظما وصورةً بديعة يشفّان عن حكمة واضحة. فنرى في الجسم خطوطا متعرجة، وانحناءات وانعطافات تنشأ عنها فوائدُ شتى للجسم، ومنافعُ عديدة تسهل له أمر أداء وظيفته التي خلق من أجلها على أتم وجه.
فالموجودُ له صورة معنوية في علم اللّٰه تمثّل مقدراتِه الحياتية، وهي تلازم الصورةَ المادية وتنتقل معها في مراحل نموها، ثم تتبدل تلك الصورة والمقادير في مسيرة حياته تبدلا يلائم الحكمة في خلقه وينسجم كليا مع المصالح المركبة عليه، مما يدل بالبداهة على أن صوَر تلك الأجسام ومقاديرَها تُفصَّل وتُقدَّر تقديرا معينا في دائرة قدر اللّٰه، الجليل الحكيم ذي الكمال، وتُنظَّم تلك الصور وتُنسَّق بيد القدرة الإلهية وتمنحها الوجود المعيّن المقدّر.
— 779 —
فتلك الموجودات غيرُ المحدودة تدل على الواجب الوجود، وتشهد بألسنةٍ لا تحد على وحدانيته وكمال قدرته.
تأمّل فيما يحويه جسمُك وأعضاؤك أيها الإنسان من حدود متعرجة والتواءات دقيقة.. وتأمل في فوائدها ونتائج خدماتها وشاهد كمال القدرة في كمال الحكمة.
النافذة الثالثة عشرة
وان من شيءٍ إلّا يسبّح بحمده
(الإسراء:٤٤)
إن كل شيء يذكر خالقَه ويسبّحه بلسانه الخاص، كما هو المفهوم من هذه الآية الكريمة. نعم، إن التسبيحات المرفوعة من قبل الموجودات سواء بلسان الحال أو المقال، تدل دلالة واضحة على وجود ذات مقدسة لواحد أحد.. نعم، إن دلالة الفطرة صادقة، وشهادتَها لا تُردّ. ولا سيما إذا كانت الشهادةُ صادرةً عن دلالة الحال، وبخاصة إذا توافرت الدلالات من جهات عدة، فهي شهادة صادقة لا تقبل الشك قطعا.
فتأمل الآن في صور الموجودات المتناسقة، تَرَها قد اتفقت كما تتفق الدوائر المتداخلة في توجهها نحو نقطة المركز؛ لذا فهي تنطوي على دلالات بلسان الحال وبأنماط لا حدَّ لها وعلى شهادات الفطرة بأنواع لا حدّ لها، إذ كل صورة منها لسان شاهد بحد ذاته. وهيئتُها المتناسقة هي الأخرى لسان شاهد صادق، بل حياةُ الموجود كلُّها لسان ذاكر بالتسبيح.
ولقد أثبتنا في "الكلمة الرابعة والعشرين"؛ أن جميع هذه التسبيحات البادية للمتأمل، والمنبعثة بألسنة الحال أو المقال من جميع الموجودات وتحياتها وشهاداتها الدالة على ذات مقدسة، تُظهر بوضوح ذلك الواحد الأحد الواجب الوجود، وتدل على كمال ألوهيته سبحانه.
النافذة الرابعة عشرة
قُلْ مَنْ بيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيءٍ
(المؤمنون:٨٨)
وَاِنْ مِنْ شَيْءٍ اِلاَ عِنْدَنَا خَزَآئِنُهُ
(الحجر:٢١)
مَا مِنْ دَآبَّةٍ اِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِها
(هود:٥٦)
ان ربي على كل شيء حَفيظ
(هود:٥٧)
— 780 —
يُفهم من هذه الآيات الكريمة أن كل شيء، في كل شأنٍ من شؤونه، مفتقر إلى الخالق الواحد الأحد ذي الجلال.
فبإلقاء نظرة فاحصة على ما هو منبسط بين أيدينا من موجودات الكون، نشاهد مظاهرَ قوةٍ مطلقة تنضحُ من خلال ضعفٍ مطلقٍ مشاهَدٍ.. ونشاهد آثارَ قدرة مطلقة تَبين من بين ثنايا عجز مطلقٍ ملموس. كالحالات الخارقة التي تظهرها بذور النباتات وأصولها في أثناء نموها وانتباه العقد الحياتية فيها. ونرى أيضا مظاهرَ غنًى مطلق تتظاهر ضمن فقر مطلق وجدب تامّ. كما في الثروة الطافحة، وأوضاعِ الخصب الغامر للأرض والنباتات في الربيع بعد أن كانت في يبوسة وجدب في الشتاء. ونرى ترشحات حياة مطلقة في بواطن جمود مطلق، وخمود تام، كما هو في انقلاب العناصر الجامدة -كالتراب والماء- إلى مواد تنبض بالحياة في الكائنات الحية. ونرى مظاهر شعور كامل طَي جهل مطبق، كما هو في حركات كل شيء وجريانه -ابتداءً من الذرات إلى المجرات- تلك الحركات المتسمة بالشعور الكامل والانسجام التام مع نظام الكون كله، والملائمة ملائمة تامة مع مقتضيات الحياة ومطاليب الحكمة المقصودة من الوجود.
فالقدرةُ الكامنة في الضعف والعجز.. والقوةُ التي تتراءى ضمن معدن الضعف.. والثروةُ والغنى الموجودان في ذات الفقر.. وأنوارُ الحياة والشعور المحيط المشعَّان من خلال الجمود والجهل..
فكلُّ مظهرٍ من هذه المظاهر يفتح من جانبه نوافذَ تظهر بالبداهة والضرورة وجوب وجود ووحدانية ذات مقدسة لقدير مطلق القدرة. وغني مطلق الغنى، لقوي مطلق القوة وعليم مطلق العلم. وحيّ قيوم.. فضلا عن أنّ مجموعَها يشهد على وحدته، ويبين الصراط السوي بيانا واضحا وبمقياس أعظم.
فيا أيها الغافل المتردي في مستنقع الطبيعة! إن لم تعرف عظمة القدرة الربانية، ولم تنبذ مفهوم خلاقية الطبيعة، فما عليك إلّا أن تسند إلى كل شيء في الوجود، بل حتى إلى ذرة، قوة هائلة لا حدود لها، وقدرة عظيمة لا منتهى لها، وحكمة بالغة لا حَدَّ لحدودها، ومهارة فائقة بلا نهاية. بل عليك أن تسند إلى كل شيء اقتدارًا يبصر ويعلم ويدير أكثر الأشياء!!.
— 781 —

النافذة الخامسة عشرة

اَلذَّي اَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ
(السجدة:٧)
إن كُلَّ شيء قد فُصّل على قدِّ قامة ماهيته، تفصيلا متقنا، ووُزنَ بميزان دقيق كامل الوزن عليها، ونُظّم تنظيما تاما فيها، ونُسّق تنسيقا بارعا، وصُنع بمهارة، وألبس أجملَ صورةٍ، وألطفَ ثوبٍ، وأبهى طراز، من أقرب طريق إليه، وأسهل شكل يُعينُه على أداء مهمته، ووُهب له وجود ينضح حكمةً، لا عبث فيه ولا إسراف.
فخذ مثلا، الطيور؛ لباسُها الريش الناعم اللطيف. فهل يمكن أن تلبس ثوبا أنسبَ لها ولحكمة خلقها من هذا اللباس الناعم. أيّ لطفٍ وجمال حين تنظّفه! وأيّ يُسر وسهولة حين تحرّكه وتستخدمه في شتى أمورها الحياتية والمعاشية!.
وهكذا، كلُّ ما في الوجود شاهد ناطق، كهذا المثال، على الخالق الحكيم. وكلّ منه إشارة واضحة إلى قدير عليم مطلق القدرة والعلم.
النافذة السادسة عشرة
إن ما يُشاهَد على سطح الأرض من انتظامٍ واطراد في خلق المخلوقات، وتدبير أمورها، وتجديدِها باستمرار في كل موسم، يدل بالبداهة على حكمة عامة تغمر الموجودات. هذه الحكمةُ العامة تدل بالضرورة على حكيم مطلق الحكمة، إذ لا صفةَ دون موصوف.
ثم إن أنواع الزينة البديعة التي تؤطر ستارَ الحكمة العامة الذي يتلفع الوجودُ به، تدل بالبداهة على عناية فائقة عامة، وهذه العناية تدل بالضرورة على خالق كريم... وإن أنواع اللطف والكرم، وألوانَ الرفق والإحسان المرسومة على ستار العناية الذي يغطي الوجود كله، تدل بالبداهة على رحمة واسعة، وهذه الرحمة الواسعة تدل بالضرورة على "الرحمن الرحيم"... ثم إن أنواع الرزق، وأنماطَ الإعاشة، المزهرةَ على أغصان الرحمة التي تظلل بأفنانها كُلَّ شيء، والمعدَّة للأحياء المحتاجة إلى الرزق، وإعاشتَها إعاشة تلائمها تماما، يدل بالبداهة على رزاقية ذات تربية ورعاية.. وربوبية ذات رأفة ورحمة.. وهذه التربية والإدارة تدلان بالضرورة على رزّاق كريم.
— 782 —
نعم، ما على الأرض من مخلوقات تُربّى بحكمة كاملة، وتُزيَّن بعناية كاملة، وتُسبغ عليها النعَم برحمة كاملة، وتُمدُّ بوسائل عيشها برأفة كاملة، فكُلّ منها لسان ناطق ومشير إلى اللّٰه الحكيم، الكريم، الرحيم، الرزّاق. وكُلّ منها أيضا يشير إلى وحدانيته.
كما أن ما على الأرض من حكمة ظاهرة يُستَشَفّ منها القصد والإرادة.. وما عليها من عناية عامة التي تتضمن تلك الحكمة.. وما عليها من رحمة تسع الوجود والتي تتضمن العناية والحكمة.. وما عليها من رزق شامل عام للأحياء وإعاشة كريمة لطيفة، والتي تتضمن الرحمة والعناية والحكمة.. فكلّ من هذه المظاهر وبمجموعها تدل دلالة عظيمة جدّا على الحكيم، الكريم، الرحيم، الرزاق، وتدل على وجوب وجوده سبحانه وعلى وحدانيته وكمال ربوبيته. إذ إن ما في الحكمة من عناية، وما في العناية من رحمة، وما في الرحمة من إعاشة وإرزاق دلالات قاطعة وبمقياس واسع جدّا على الواجب الوجود، بمثل دلالة الألوان السبعة على ضوء الشمس الذي يملأ النهار نورا.
فيا أيها الغافل الحائر الجاحد! كيف تفسر هذه التربية المكللة بالحكمة البالغة، والكرم الشامل، والرحمة الواسعة، والرزق الوفير، وبِمَ توضّح هذه المظاهر المعجزة؟
أفيمكن تفسيرُها بالمصادفة العشواء؟ أم يمكن توضيحُها بالقوة الميتة موات قلبك؟ أم يمكن ذلك بالطبيعة الصمَّاء صمَم عقلك؟ أم بالأسباب العاجزة الجامدة الجاهلة مثلك؟ أم تريد أن ترتكب خطأً جسيما -ما بعده خطأ- وهو إطلاقك على البارئ الجليل المنیزّه المتعال والقدير العليم السميع البصير، اسم "الطبيعة" العاجزة الجاهلة الصمَّاء العمياء؟
فبأيّ قوة يمكنك أن تطفئ سراجَ هذه الحقيقة الساطعة سطوع الشمس؟ وتحت أي ستار من أستار الغفلة يمكنك أن تسترها؟
النافذة السابعة عشرة
إنَّ في السّمواتِ والاَرْضِ لايَاتٍ لِلْمؤمِنينَ
(الجاثية:٣)
إذا تأملنا وجه الأرض المبسوط أمامنا نَرى أن سخاءً مطلقا يتجلى في إيجاد الأشياء. فبينما يقتضي السخاءُ أن تكون الأشياء في فوضى وعدم انتظام، إذا بنا نشاهدها في غاية الانسجام ومنتهى الانتظام. شاهدْ جميعَ النباتات التي تزيّن وجه الأرض تَرَ هذه الحقيقة.
— 783 —
ونرى أيضا سرعةً مطلقة تتبين في إيجاد الأشياء. فبينما تقتضي السرعةُ أن تكون الأشياء مشوّهة الصورة، مختلة المادة، ومضطربة الميزان، وينقصها الإتقان، إذا بنا نشاهدها في غاية التقدير والضبط والسبك، ومنتهى الدقة والموازنة. لاحظْ جميع الأثمار التي تجمّل وجه الأرض حيث تبدو هذه الحقيقة فيها على أحسن وجه.
ونرى أيضا وفرةً وغزارةً مطلقة في إيجاد الأشياء، فبينما تقتضي الكثرةُ أن تكون الأشياء تافهة ومبتذلة بل قبيحة، إذا بنا نشاهدها في إتقان رائع، وصنعة بديعة وجمال أخَّاذ. انظر وتأمل في جميع الأزهار التي ترصّع وجه الأرض. ألا يبدو ذلك فيها تماما!.
ونرى أيضا سهولةً مطلقة تبدو في إيجاد الأشياء. فبينما تقتضي السهولةُ أن تكون الأشياء بسيطة ومفتقرة إلى الإتقان والمهارة. إذا بنا نشاهدها في كمال الإبداع وروعة المهارة. شاهد البذور وأمعن النظر في النوى، تلك العلب الدقيقة الحاملة في مادّة تركيبها فهارس أجهزة الشجر وخرائط أجسام النبات.
ونرى أيضا بُعدا مطلقا يفصِل بين أزمنة وأمكنة إيجاد الأشياء، فبينما تقتضي هذه الأبعاد المهولة أن تأتي الأشياء مختلفة ومتباينة، إذا بنا نشاهدها في اتفاق تام في الصفات والخواص. شاهد أنواع الحبوب المزروعة في أقطار الأرض كافة رغم البُعد الزماني والمكاني الذي يفصل بينها.
ونرى أيضا اختلاطا مطلقا، وتشابكا متينا في إيجاد الأشياء. فبينما يقتضي هذا الاختلاطُ تداخل المواد بعضها في البعض الآخر وتشابكها، إذا بنا نشاهدها في تمايز كامل، وتخصص منتظم. شَاهِدْ البذور المنثورة المدفونة تحت التراب، وأمعن النظر في تمايزها في أثناء نموها وتسنبلها، رغم تشابه تراكيبها. وتأمل في المواد المختلفة الداخلة في بنية الأشجار، وتحوّلها إلى مختلف الأشكال من الأوراق الرقيقة، والأزهار الزاهية، والثمار اللطيفة. وتأمل في أنواع الطعام والأغذية المختلفة الداخلة في المعدة، وتمايز بعضها عن البعض، ودخول كل منها إلى العضو الذي يناسبها بل إلى الحجيرة التي تلائمها بتمايز واضح.. شَاهِدْ آثار القدرة المطلقة، من خلال الحكمة المطلقة.
ونرى أيضا وفرةً متناهية في الأشياء، وكثرةً كاثرة من أنواعها وأشكالها. فبينما تقتضي
— 784 —
هذه الوفرةُ أن تكون الأشياء رخيصة بسيطة، إذا بنا نشاهدها في غاية النفاسة ومنتهى الجودة. شَاهِدْ الآثار البديعة المعدَّة لمائدة الأرض، وأمعن النظر في ثمرة واحدة، ولتكن ثمرة التوت مثلا. ألا تمثل هذه الثمرة نموذجا رائعا لحلوى مصنوعة بيد القدرة الإلهية؟ شاهد كمالَ الرحمة، من ثنايا كمالِ الإبداع.
وهكذا نشاهد على وجه الأرض جميعِه؛ جودةً ونفاسة في المصنوعات رغم وفرتها غير المتناهية..ونرى ضمن هذه الوفرة تميّزا للموجودات رغم اختلاطها وتشابكها.. ونجد في هذا الاختلاط والتشابك اتفاقا وتشابها في الموجودات رغم البُعد فيما بينها.. ونبصر من ثنايا هذا التوافق جمالا رائعا في الموجودات ورعاية بالغة بها رغم السهولة المتناهية في إيجادها. ونلمح ضمن هذه الرعاية التامة تقديرا دقيقا بلا إسراف وموازنة حسَّاسة رغم السرعة في إيجادها.. ونلاحظ ضمن هذا التقدير والموازنة وعدم الإسراف إبداعا في الصنعة وروعة فيها رغم كثرتها المتناهية. ونشاهد ضمن هذه الروعة في الصنعة انتظاما بديعا رغم السخاء المطلق في إيجادها..
فإذا تأملنا في هذه الأمور كلها، نراها تدل دلالةً واضحةً أوضح من دلالة النهار على الضياء، وأسطع من دلالة الضياء على الشمس؛ على وجوب وجود قدير ذي جلال، وحكيم ذي كمال، ورحيم ذي جمال، وتشهد على وحدانيته، وأحديته وكمال قدرته وجمال ربوبيته، وتبين بجلاء سرًّا من أسرار الآية الكريمة: لَهُ الاَسْمَآءُ الْحُسْنى (طه:٨).
وبعد، فيا أيها الغافل العنيد، ويا أيها الجاهل المسكين! بماذا تفسر هذه الحقيقة العظمى التي تراها رأي العين؟ وبماذا توضح هذه الأوضاع الخارقة المعروضة أمامك؟ وإلى مَن تسند أمر هذه المصنوعات البديعة العجيبة؟ وبأيّ ستار من ستائر الغفلة يمكنك أن تستر هذه النافذة الواسعة سعةَ الأرض نفسها؟.
أين المصادفةُ التي تعتقد بها والطبيعةُ التي تعتمد عليها وهي بلا شعور؟ بل أين أوهامُ الضلالة التي تستند إليها، وتلازمها وترافقها وتصادقها؟! أين جميعُها أمام هذه الحقائق المحيرة والأحوال البديعة المذهلة؟ أليس محالا في مائة محال أن تدخل المصادفةُ في أمثال هذه الأمور؟ أوَ ليس محالا في ألف محال أن يُسنَد واحد من هذه الأمور إلى الطبيعة ناهيك عن
— 785 —
جميعها؟! أم أنك تعتقد في الطبيعة الجامدة العاجزة إمكان امتلاكها لمكائن معنوية في كل شيء؟ وبعدد الأشياء كلها؟ فيا للضلالة!
النافذة الثامنة عشرة
اَوَلَم يَنْظُروُا في مَلكُوتِ السَّموَاتِ وَالاَرْضِ
(الأعراف:١٨٥)
تأمل في هذا المثال الذي سبق وأن ذكرناه في "الكلمة الثانية والعشرين":
إنّ أثرا رائعا كالقصر الفخم، كامل الأجزاء، منتظم الأركان، متقن البناء، يدل بالبداهة على فعلٍ مُتقَنٍ. أي إن البِنَاءَ يدُلُّ على صنعة البنّاء وفِعله. والفعل الكامل المتقن يدل بالضرورة على فاعلٍ حاذقٍ، ومعماري ماهر. وهذه العناوين؛ فاعل حاذق معماري ماهر بَنّاء مُتْقِن، تدل بالبداهة على صفات كاملة لا نقصَ فيها يتصف بها ذلك الفاعل، أي تدل على مَلَكة الإبداع عنده. وإن الصفات الكاملة ومَلَكة الإبداع الكاملة، تدل بالبداهة على وجود استعدادٍ كامل وقابلية تامة. والاستعدادُ الكامل هذا يدل على ذات رفيعة، وروح عالية.
وهكذا -وللّٰه المثل الأعلى- فهذه الآثار المتجددة البادية للعيان والتي تملأ الأرض بل الكون، تدل بالبداهة على أفعالٍ في منتهى الكمال. وإن هذه الأفعال الظاهرة من خلال منتهى الإتقان وغاية الحكمة تدل بالبداهة على فاعل كاملٍ منیزّهٍ عن النقص في عناوينه وأسمائه. لأن الأفعال المتقنة والحكيمة معلوم بداهةً أنهیا لا تحصل دونما فاعل. وإن العناوين التي هي في منتهى الكمال تدل على صفات هي في منتهى الكمال لذلك الفاعل لأنه كما يشتق اسم الفاعل من المصدر حسب علم الصرف، فإن منشأ العناوين ومصادر الأسماء هي الصفات. والصفات التي هي في منتهى الكمال، لا شك أنها تدل على شؤونٍ ذاتية هي في منتهى الكمال. والقابليةُ الذاتية أو تلك الشؤون الذاتية التي نعجز عن التعبير عنها، تدل بحق اليقين على ذات منیزّهة في كمال مطلق.
وحيث إن كل أثر من الآثار البديعة الماثلة أمامنا في الكون وفي جميع المخلوقات هو كامل بديع بحد ذاته.. وإن هذا الأثرَ البديع يشهد على فعل.. والفعلُ يشهد على اسم.
— 786 —
والاسمُ يشهد على صفة.. والصفةُ تشهد على شأن.. والشأنُ يشهد على ذات. لذا فإنّ كلّا منها مثلما يشهد شهادة صادقة على صانع جليل واحد أحد واجب الوجود، ويشير إلى أحديته.. أي مثلما أن هناك شهادات وإشارات بعدد المخلوقات إلى التوحيد، فإن كلّا منها أيضا مع مجموع الآثار والمخلوقات في الكون إنما هو معراج عظيم لمعرفة اللّٰه سبحانه، له من القوة ما للمخلوقات جميعا.. فضلا عن أنه برهان دامغ على الحقيقة، لا يمكن أن تدنو منه أيةُ شبهة مهما كانت.
والآن أيها الغافل الجاحد! بماذا تستطيع أن تجرح هذا البرهانَ القوي قوة الكون؟ وبماذا تستر هذه النافذة الواسعة التي تبين شعاعات الحقيقة من ألف نافذة ونافذة، بل من نوافذ بعدد المخلوقات؛ وبأي غطاء الغفلة يمكنك أن تسترها؟!
النافذة التاسعة عشرة
تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَواتُ السَّبْعُ وَالارضُ وَمَنْ فيهِنَّ وَاِنْ مِنْ شَيءٍ اِلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِه
(الإسراء:٤٤)
نعم، مثلما أودعَ الصانعُ الجليل حِكَما لا تُعَدُّ، ومعانيَ ساميةً لا تحصى في الأجرام السماوية، فزيَّن تلك السماوات بكلمات الشموس والأقمار والنجوم لتعبّر عن جلاله وجماله سبحانه.. كذلك ركّب جلَّ وعلا في موجودات جو السماء حِكَما عالية، وعلّق عليها معاني سامية، ومقاصد عظمى، وأنطقَ جوَّ السماء بكلمات الرعود والبروق وقطرات الأمطار ليُعَلِّمَ بها، ويُعَرِّفَ عن طريقها كمالَ حكمته، وجمالَ رحمته.
ومثلما جعل سبحانه وتعالى كرةَ الأرض تتكلم بكلماتٍ ذات مغزى، وأنطَقَها بما بث فيها من الحيوانات والنباتات التي هي كلمات بليغة، مبيّنا بذلك كمالَ صنعته للوجود.. كذلك جعل النباتات والأشجار نفسَها تنطق بلسان أوراقها وأزهارها وثمارها، معلنةً كمالَ صنعته سبحانه، وجمال رحمته جل جلاله.. وجعل الزهرةَ أيضا، والثمرةَ كذلك وهي كلمة واحدة من تلك الكلمات.. جعلها البارئ المصوّر تتكلم بلسان بُذيراتها الدقيقة، فأشار بها سبحانه إلى دقائق صنعته، وكمال ربوبيته، لمن يُحسن الرؤية من ذوي الإحساس والشعور.
فدونك -إن شئتَ- الاستماع إلى ما لا يحدّ من كلمات التسبيح والأذكار في الكون.
— 787 —
وسنستمع الآن إلى ذلك النمط من الكلام متمثلا في كلام زهرةٍ واحدةٍ من بين أزهار العالم، وسنصغي إلى إفادة سنبلة واحدة من بين سنابل الأرض، لنیزداد يقينا كيف أن هذا كلّه يشهد شهادة صادقة على مصداقية التوحيد.
نعم، إن كل نبات وكل شجر، دليل واضح على صانعه، وشاهِدُ صدقٍ على وحدانية خالقه بمختلف الألسنة، بحيث إن تلك الشهادةَ تجعل المدقق المتمعن فيها في حيرة وذهول، فيقول: يا سبحان اللّٰه.. ما أجملَ شهادة هذا على أحقية التوحيد!
نعم، إنه واضح جليّ كوضوح النبات نفسه، وجميل كذلك كجمال النبات نفسه، تلك التسبيحات التي يهمس بها كلُّ نبات في إشراق تبسمه، عند تفتّح زهره، ونُضج ثمره، وتسنبل سنبله، لأنه بالثغر الباسم لكل زهرة، وباللسان الدقيق للسنبل المنتظم، وبكلمات البذور الموزونة، والحبوب المنسقة، يظهر "النظامُ" الذي يدل على "الحكمة"..
وهذا النظام كما هو مشاهَد، في ثنايا "ميزانٍ" دقيق حسّاس، يیدل على "العِلم" ويبينه ويبرزه. وذلك "الميزانُ" هو ضمن "الصنعة الدقيقة" التي تدل على "المهارة الفائقة". وتلك الصنعة الدقيقة والنقوش البديعة هي الأخرى ضمن الزينة الرائعة التي تبين "اللطف والكرم". وتلك الزينةُ البهيجة هي بدورها معبّقة بالروائح الطيبة الفواحة، والعطور الزكية اللطيفة التي تظهر "الرحمة والإحسان".
فتلك الأوضاع والحالات، التي لها معانٍ عميقة متداخلة، ومكتنفة بعضها ببعض، لسانُ شهادة عظمى للتوحيد، بحيث تعرِّف الصانعَ ذا الجمال بأسمائه المقدسة الحسنى، وتصفه بأوصافه الجليلة السامية، وتشرح وتفسر أنوار تجليات أسمائه الحسنى، وتعبّر عن تودّده وتحبّبه سبحانه وتعالى.
فلئن استمعتَ إلى شهادةٍ كهذه من زهرة واحدة فقط، وتمكنتَ من الإصغاء إلى الشهادة العظمى الصادرة من جميع الأزهار في جميع البساتين الربانية على سطح الأرض، واستمعت إلى ذلك الإعلان المدوي الهائل الذي تعلنه تلك الأزهار في وجوب وجوده سبحانه ووحدانيته، فهل تبقى لديك ثمةَ غفلة! أو أية شبهة؟ وإن بقيتْ لديك غفلة، فهل يمكن أن يطلق عليك بأنك إنسان ذو شعور سامٍ متجاوب مع مشاعر الكون وأحاسيسه؟!.
— 788 —
فتعالَ لنتأمل شجرة.. نحن أمام نشوء الأوراق ونموها في الربيع بانتظام ودقة متناهية، وأمام تفتح الأزهار وخروجها من أكمامها بشكل موزون، وأمام نمو الثمار بحكمة ورحمة.. فهلَّا أمعنت النظر في منظر ملاعبة النسيم للأوراق برقةٍ وبراءة كبراءةِ الطفولة النقية الرقيقة.
وشاهد من فم الشجرة، كيف تنطق هذه الألسنُ وتفصح عن حالها؛ لسانُ الأوراق المخضرة بيد الكرم.. ولسانُ الأزهار المبتسمة بنشوة اللطف.. ولسانُ الثمار الفرحة بتجلي الرحمة.. كُل منها يعبّر عن ذلك "الميزان" الدقيق العادل الذي هو ضمن "النظام" البديع الحكيم، وفي هذا الميزان الدقيق الذي يدل على "العدل" نقوشُ صنعةٍ دقيقة بديعة، وزينة فائقة تضم مذاقات متنوعة، وروائحَ مختلفة طيبة لطيفة، تدل على الرحمة والإحسان، وفي تلك المذاقات اللطيفة بذور ونوًى هي بحد ذاتها معجزة من معجزات القدرة الإلهية، ألا يدل ذلك بوضوح، ويظهر بجلاء وجوب وجود خالق كريم ورحيم، محسن، مُنعم، مُجمِّل، مُفضِّلٍ، واحد، أحد، ويشهد كذلك على جمال رحمته سبحانه وكمال ربوبيته؟
فإن استطعت أن تسمع هذا من لسان حال جميع الأشجار على سطح الأرض معا، فستفهم، بل سترى؛ كم من الجواهر الجميلة النفيسة الرائعة في خزينة الآية الكريمة: يُسَبِّحُ لِلّٰهِ مَا فىِ السّمواتِ وَالاَرضِ (الحشر:٢٤).
فيا أيها الغافل المسكين، ويا مَن يظن نفسَه هملا دون حساب، ويا مَن يغرق في نكران الجميل والكفران! إنّ الكريم ذا الجمال يعرّف نفسَه ويحبّبُها إليك بهذا الحشد من الألسنة التي لا تعد ولا تحصى، إن أردت أن تصرف نفسك عن ذلك التعريف، فما عليك إلّا أن تكمّم جميعَ هذه الأفواه، وتُسكت تلك الألسنة كافة، وأنّى لك هذا!!
فما دام إسكاتُ تلك الألسنة الناطقة بالتوحيد غيرَ ممكن، فما عليك إلّا الإصغاء والإنصات إليها. وإلّا فلن تنجو بمجرد سدّ الأذن بأصابع الغفلة، لأن عملك هذا لا يُسكت الكونَ. فالكونُ جميعا، والموجوداتُ كافةً ناطقة بالتوحيد. فدلائل التوحيد وأصداؤه شواهد عدل لا تنقطع ولا تنتهي أبدا. فلا بد أنها ستُدينك.
— 789 —

النافذة العشرون

(٭): إن حقيقة النافذة العشرين هذه وردت إلى القلب ذات يوم باللغة العربية كما يأتي:

تلألؤُ الضياء من تنويرك، تشهيرك. تموجُ الأعصارِ من تصريفك، توظيفك.. سبحانك ما أعظمَ سلطانَك. تفجُّرُ الأنهارِ من تدخيرك، تسخيرك. تزيّنُ الأحجارِ من تدبيرك، تصويرك.. سبحانك ما أبدعَ حكمتَك. تبسُّم الأزهارِ من تزيينك، تحسينك. تبرّجُ الأثمارِ من إنعامك، إكرامك.. سبحانك ما أ"5Wَ صنعتَك. تسجُّعُ الأطيارِ من إنطاقك، إرفاقك. تهزُّجُ الأمطارِ من إنزالك، إفضالك.. سبحانك ما أوسعَ رحمتَك. تحرُّك الأقمار، من تقديرك، تدبيرك، تدويرك، تنويرك.. سبحانك ما أنورَ برهانك و أبهر سلطانك. (المؤلف).

فَسُبْحَانَ الّذى بِيَدهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ
(يس:٨٣)
وَاِنْ مِنْ شَيءٍ اِلّا عِنْدَنا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إلّا بَقَدرٍ مَعْلُومٍ٭وَاَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَاَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَآءِ ماءً فَاَسْقَيْنَاكُمُوُهُ وَمَآ اَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنينَ
(الحجر:٢١-٢٢)
كما يُشاهَدُ كمالُ الحكمة، وجمالُ الإتقان في الجزئيات والفرعيات، وفي النتائج والفوائد، فإن العناصر الكلية، والمخلوقات العظيمة التي تبدو مختلطةً ومتشابكة، وتُوهِمُ أنها لعبةُ المصادفة، تتخذ أيضا أوضاعا تتّسم بالحكمة والإتقان، رغم الاختلاط الظاهر عليها.
فمثلا: النور أو الضوء، بدلالة وظائفه الحكيمة الأخرى إنما هو للإعلان عن مصنوعات اللّٰه سبحانه، وعرضِها بإذنه أمام الأنظار. أي إن الضوء مسخّر من لدن خالق حكيم، ليُظِهر به سبحانه عجائبَ مخلوقاته، ويَعرضَ تحت شعاعه بدائعَ مصنوعاته، في معارضِ سوق العالم.
وانظر الآن إلى الرياح؛ تَرَ أنها تجري لإنجاز وظائف مهمة وخدمات جليلة، يشهد بهذا ما يُحَمَّلُ على وظائفها الحكيمة من منافعَ كريمة. فموجاتُ الأعاصير إذن، هي توظيف وتصريف وتسخير من لدن الخالق الحكيم. وما يُشَاهَدُ من عصفها وشدّةِ هبوبها، فلإسراعها في تنفيذ الأوامر الربانية وامتثالها لِحُكمها.
وانظر الآن إلى الينابيع والجداول والأنهار، وتأمل في تفجّرها من الأرض أو الجبال، تجد أنه لا مصادفةَ فيها ولا عبثَ قط. إذ تترتب عليها الفوائدُ والمصالح التي هي آثار رحمة إلهية واضحة، أما النتائجُ الحاصلة منها فهي موزونة محسوبة. وكذلك ادخارها وخزنها في الجبال إنما يجري ضمن حساب دقيق، ووفقَ حاجات الأحياء، ومن بعد ذلك تفجيرها وإرسالها بميزان هو الغاية في الحكمة.. كلُّ ذلك دلالات وشواهدُ ناطقة أن ذلك التسخير والادخار
— 790 —
إنما يتم من لدن ربّ حكيم.. وما نراه من شدة فورانها وتفجّرها من الأرض إنما هو تَوقُها العظيم لامتثال الأوامر الربانية حال صدورها.
وانظر الآن إلى أنواع الأحجار، وأشكال الصخور، ودقائق الجواهر، وصفات المعادن، وتأمل في تزييناتها ومزاياها التي تترتب عليها منافعُ شتَّى، تجد أن ما يتعلق بها من فوائدَ حكيمة، ومن انسجامٍ تام بين نتائجها التي تصير إليها، ومقتضيات الحياة، ومن ثم ملاءمتها لمتطلبات الإنسان، وقضاؤها لحاجاته وحاجاتٍ أخرى للأحياء.. كلُّ ذلك دلالات على أن ذلك التزيين والتنظيم والتدبير والتصوير، إنما هو من لدن رب حكيم.
وانظر الآن إلى الأزهار والأثمار، تجد أن بِشْرَ وجوهِها، وحلاوةَ مطعوماتها، وجمالَها الأخاذ، ونقوشَها البديعة، وشذى عطرها الطيب، كلُّها بمثابة دعاةٍ وأدلّاء إلى ضيافة الرب الكريم، والمنعم الرحيم. وهي رسائلُ تعريف به بين يدي موائده المنصوبة على الأرض كافَّة. فكلُّ لون من الألوان المختلفة، وكلُّ رائحة من الروائح المتنوعة، وكلُّ طعم من الطعوم المتباينة، يدل على ذلك الخالق الكريم، ويعرّف ذلك المنعم الرحيم بلسانه الخاص.
وانظر الآن إلى الطيور.. فمناجاةُ بعضها بعضا، وما تسكبه في لحونها من أشجان مما يأخذ بالألباب. يدل على أن هديلَها وتغريدَها وزقزقتَها، ليس إلّا من إنطاق خالقٍ حكيم.
وانظر الآن إلى السحُب الثقال، تجد أن صوت أهازيج الأمطار المنسكبة منها، وجلجلة رعود السماء ليس عبثا قط. إذ إن إحداثَ تلك الأصوات العجيبة في فضاء واسع، وإنیزالَ قطرات باعثة على الحياة، وعصرَها من السحب الثقال، وإرضاعَ الأحياء بها، وإغاثة المتلهفين عليها، تبين بوضوح أن تلك الأهازيج والجلجلة تحمل من الحِكَم البليغة والمغزى العميق، حتى لكأنّ تلك القطرات تهتف بأمر الرب الكريم بأولئك العطاش المستغيثين قائلة: بشراكم.. ها نحن مقبلون إليكم من رب رحيم.
وانظر الآن إلى السماء، وتمعن في القمر وحده، من بين أجرام السماء التي لا حصر لها، تجد أن حركاتیها جميعا ومن ضمنها القمر منسقة أجملَ تنسيق وأحكمَه، ومقدّرة أعظیمَ تقدير بيد قدير حكيم، إذ تتعلق عليها حِكم غزيرة، وثيقةُ الصلة بالأرض. وحيث إننا قید فصلنا هذا في موضع آخر، نكتفي هنا بهذا القدر.
— 791 —
وهكذا يفتح كُل ممیا ذكرناه من العناصر الكلية، ابتداءً من الضوء وانتهاءً بالقمر، نافذة واسعة جدّا تبين وجودَ اللّٰه سبحانه، وتُظهر وحدانيته، وتعلن عین كمال قدرته وعظمة سلطنته، بمقياس أعظم وأكبر وبألوان شتى، وأنواع مختلفة.
فيا أيها الغافل! إن كنت تقدِر على إسكات هذه الأصوات المدوية كرعود السماء، وإن كنت تستطيع أن تطفئ هذه الأضواء الساطعة. فيمكنك عندئذ أن تنسى الخالق الكريم. وإلّا فعُد إلى رشدك، وتوجَّه إلى شطر عقلك وقل: سبحان من
تُسَبِّحُ لَهُ السَّمواتُ السَّبْعُ وَالاَرضُ وَمَنْ فيهِنَّ
(الإسراء:٤٤).
النافذة الحادية والعشرون
وَالشّمْسُ تَجْرى لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذلِكَ تَقْديرُ الْعَزيزِ الْعَليم
(يس:٣٨)
إنّ الشمس التي هي سراجُ هذه الكائنات، إنما هي نافذة مضيئة ساطعة كنورها، تتطلع منها المخلوقاتُ إلى وجود خالق الكون ووحدانيته.
فالسيارات الاثنتا عشرة -مع كرتنا الأرضية- والتي يطلق عليها اسم "المنظومة الشمسية" تجري بنظام متقن، وَفْقَ حكمةٍ تامَّة، وحسبَ ميزانٍ دقيق، رغم الاختلاف الشديد فيما بينها، من حيث كُتَلها وأجرامها ومن حيث صغرها وكبرها، ورغم التفاوت الواسع فيما بينها من حيث قربُها وبُعدها من الشمس، ورغم التنوع الهائل في حركاتها وسرعاتها.
نعم، فرغم هذا كلّه تجري السيارات في أفلاكها سابحةً مشدودةَ الوثاق بالشمس، مرتبطة معها بقانون إلهي، هذا القانون هو الذي يطلق عليه علماءُ الفلك اسم "الجاذبية".. فهي تجري بنظام دقيق دون خطأ، ولو بمقدار ثانية واحدة، وتنقاد انقيادا تاما، وبطاعة مطلقة لهذا القانون، كانقياد المصلين المأمومين لإمامهم.. وهذا دليل وأيّ دليل، بأوسع مقياس وأعظمِه، على عظمة القدرة الربانية ووحدانية الربوبية.. فإن استطعت أن تقدّر عظمة هذا الأمر بنفسك فافعل، لترى مدى العظمة والحكمة في جعل تلك الأجرام الجامدة، وتلك الكتل الهائلة وهي بلا شعور تجري في منتهى النظام وكمال الميزان، وفي غاية الحكمة، وعلى صور متباينة، وضمن مسافات مختلفة، وبحركات متنوعة، ومن بعد ذلك تسخيرها جميعا وَفْقَ نظام بديع رائع!
— 792 —
فلو كان للمصادفة أيُّ تدخل، مهما كان ضئيلا، في مثل هذه الأمور الجسام، لتوقعنا حدوث أخطاءٍ تنجم عنها انفلاقات كونية عظيمة، واصطدامات هائلة، تدمّر الكون وتجعله هباءً منثورا. لأنه لو سُمِحَ للمصادفة أن تلعب لعبتها، فلربما تُوقِفُ أحدَ هذه الأجرام الهائلة وتخرجه عن محوره، وبذلك تمهّد السبيل لاصطدامات لا حدَّ لها بين أجرام لا يحصرها العدّ. فقدِّر إذن مدى الهول المريع الناجم من اصطدام أجرام أضخم من كرتنا الأرضية بآلاف الأضعاف.
سنفوّض عجائبَ أمور المنظومة الشمسية وغرائبَها إلى العلم الإلهي، المحيط بكل شيء، ونحصر ذهننا في تأمل كرتنا الأرضية، التي هي مأمورة واحدة من تلك السيارات الاثنتي عشرة، وثمرة من الثمار اليانعة لشجرة الشمس، فنرى: أنّ سيارتنا هذه تُسخَّر بأمر ربَّاني، كما بيناه في "المكتوب الثالث"، لأجل أن تنهض بخدمات جليلة، ومهامّ جسيمة خلال سيرٍ وتجوال طويل، فتدور حول الشمس لتُظهِر بجريها ودورانها هذا عظمةَ الربوبية وكبرياءَ الألوهية، وكمالَ الرحمة والحكمة. فكأن الأرضَ سفينة عظيمة لرب العالمين مشحونة بعجائب مخلوقاته سبحانه، أو هي كمسكن متجول لذوي الحياة والشعور من عباده، أسكَنهم فيها، ويُجريهم بها للنیزهة والتفرج في أرجاء الفضاء هذا.
والقمر أيضا كأنه عقاربُ ساعة، مشدودة بالأرض تدلنا على الزمن والأوقات، وقد أعطيتْ له مهام أخرى -عدا مهمة كونه ساعة للأرض- في منازل أخرى من هذا الفضاء.
وهكذا يتبين أن سيارتنا المباركة هذه، قد أعطي لها من الحِكَم الدقيقة، والوظائف الجليلة في سياحتها هذه، مما يُثبت ويدل بأوضاعها، ويشهد شهادة قوية كقوة الأرض وعظمتها على القدير المطلق القدرة، وعلى وحدانيته سبحانه. وقِس البقية على أرضنا.
ثم إنّ جعلَ السيارات تدور دورانا حكيما حول محور الشمس، وشدَّها بعرًى معنوية -يطلق عليها اسم الجاذبية- بالشمس، ومن بعد ذلك تنظيم إدارتها، وتنسيق أمرها جميعا، لا يتم إلّا بتقدير القدير الحكيم، فضلا عن أن سَوق الشمس لتجري بسرعة مذهلة فتقطع مسافة خمس ساعات في ثانية واحدة إلى برج "هرقل" أو نحو "شمس الشموس"، حسب تقدير العلماء، ليس إلّا بأمر سلطان الأزل والأبد، وبقدرته المطلقة، وكأنه سبحانه يستعرض
— 793 —
بجيش المنظومة الشمسية وجنودِها المنقادين لأمره مناورةً عسكرية إظهارا لعظمة ربوبيته للعالمين أجمع.
فيا مَن يرى نفسه أنه قد تعلَّم شيئا من الفلك! قل لي بربك أيمكن لمصادفةٍ أن يكون لها شأن في أمور عظيمة كهذه؟ أم يمكن لسبب من الأسباب التي تراها ذا تأثير في حوادث الأكوان أن يصل بيده إليها؟! أو لقوةٍ أيا كانت أن تدنو منها؟
هل تعتقد أن سلطانا ذا عزّةٍ وجلال يسمح لشريك أيا كان أن يتدخل في أمر مُلكه العظيم، مُظهرا بذلك عَجزه وقصوره؟! حاش للّٰه وكلّا. أو هل يمكن أن يُسلِّمَ سبحانه أمورَ ذوي الحياة الذين هم ثمرةُ الكون ونتيجتُه وغايته وخلاصته إلى الأغيار؟! أو يسمح ولو بمقدار ضئيل بمداخلة هذه الأغيار في شؤونه الحكيمة؟ وهل يترك سدًى خلاصةَ تلك الثمرات، وأكملَ نتائجها وخليفةَ الأرض، والضيفَ المكرم للسلطان؟ ألا وهو الإنسان.. وهل يُسلمَ أمره إلى الطبيعة والمصادفة فيسقط بذلك عظمة سلطنته، وكمال حكمته؟! حاشَ للّٰه وكلّا.. وتعالى اللّٰه عن ذلك علوا كبيرا.
النافذة الثانية والعشرون
اَلَمْ نَجْعَلِ الاَرْضَ مِهَادًا٭ وَالْجِبَالَ اَوْتَادًا٭ وَخَلَقْنَاكُمْ اَزْوَاجًا..
(النبأ:٦-٨)
فَاْنْظُرْ اِلى آثارِ رَحْمَتِ اللّٰه كَيْفَ يُحىْىِ الاَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا اِنَّ ذَلِكَ لَمُحيىِ الْمَوْتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَديرٌ..
(الروم:٥٠)
لو تصورنا أن الكرة الأرضية رأسُ مخلوق عظيم، فإننا نجد في هذا الرأس الهائل في الكبر مائةَ ألف فم، وكلُّ فم له مائة ألف لسان، وكلُّ لسان يبين بمائة ألف برهان الواجبَ الوجود، الواحدَ الأحد، القدير على كل شيء، والعليم بكل شيء. وكلُّ لسان ينطق بمائة ألف شهادة صادقة على وحدانيته سبحانه، وأوصافِه المقدسة وأسمائه الحسنى.
فها ننظر إلى الأرض في بداية خلقها، فهي في حالة من السيولة والميوعة، فخُلقَت منها الصخور الصماء، وخُلق منها التراب.. فلو كانت الأرض باقيةً على حالتها الأولى من الميوعة لتعذرت الحياةُ عليها، ولتعذر اتخاذها مسكنا صالحا لأي نوع من أنواع السكنى. ولو كانت
— 794 —
تلك الصخرة المهولة الصلدة -المتحولة من الميوعة- باقيةً على صلابتها لتعسرت الاستفادة منها. إذن فالذي منح الأرض وضعا ملائما للعيش لابد أن يكون ذلك الخالق الحكيم الذي يرى بحكمته المطلقة مَن في الأرض جميعا، ويهيء لهم حاجاتهم كافةً.
ثم نتأمل الجبال الشامخات التي تسند الأرض وتمسكها وتشدُّ كيانها في أثناء دورانها. فنرى أن انقلابات هائلة تحدث في جوف الأرض، وهذه الانقلابات يتولد عنها الكثير من الغازات والأبخرة فتنفثها وتزفرها من خلال الجبال على صورة زلازلَ وبراكين. كيلا يصرفها عن القيام بحركتها المنتظمة وأداء مهماتها الأساسية ما يحدث في جوفها من أحداث. كما أنها تشكّل بارتفاعات سفوحها سدودا أمام طغيان البحار على ترابها، ولتصبح خزائنَ احتياطية لحاجات الأحياء، ولتمشيط الهواء وتصفيته من الغازات المضرة ليصبح صالحا للتنفس، ولتجمع شتات الماء من كل مكان وتدخره للأحياء، ولتكون كنوزا لمعادن متنوعة تتوقف عليها إدامةُ حياة الكائنات.
فهذه الأوضاع وكثير غيرها، تَشهدُ شهادة ناطقة على القدير المطلق والحكيم والرحيم وعلى وحدانيته سبحانه.
فيا أيها المتباهي بعلم الجغرافيا! قل لي كيف تفسر هذه الأمور؟ أية مصادفةٍ يمكنها أن تمسك بزمام الأرض المشحونة بالمصنوعات العجيبة، وتجعلها تسبح في فضاء تقطع فيه مسافة أربع وعشرين ألف سنة في سنة واحدة، دون أن يتبعثر ما عليها من معارض العجائب؟!
ثم أمعن النظر فيما على الأرض من بديع الصنائع، وكيف أن العناصر كلَّها قد سُخِّرت لمهام حكيمةٍ، حتى تراها كأنها تنظر نظرةَ إجلال واحترام إلى ضيوف القدير الحكيم، الجالسين حول مائدة الأرض، فتهرع إلى خدمتهم جميعا.
ثم أمعن النظر في ملامح الأرض وسيمائها، وفي مطرزات تعاريجها، ونقوشِ انحناءات سطحها، والتواءات جسمها، ولاحظ شكلَها وألوانَها الزاهية المتنوعة بتنوع تربتها، والتي تتسم بالحكمة والإبداع، وتثير الحيرة والإعجاب.. فدونك الأنهارَ والسواقي والبحار والجداول وسفوح الجبال، فإنها كلها قد هُيئت ومُهّدت لتكون سكنا للمخلوقات، ووسائط نقلهم من مكان إلى آخر.
— 795 —
ثم ألا ترى أن مَلأها -يعني الأرض- بكمال الحكمة والنظام البديع بمئات الألوف من أجناس النباتات وأنواع الحيوانات وبعث الحياة البهيجة فيها، ثُمَّ إعفاءَها بالموت من وظائفها التي كانت تقوم بها.. هذه الظاهرة تتوالى وتترى بانتظام دقيق. حتى إذا أفرِغَتِ الأرضُ منها بُوشر مجددا بملئها.. ألا يعني هذا أن "البعث بعد الموت" حق لا ريب فيه.
أوَ ليست كلُّ هذه الظواهر شهادات صادقة ناطقة بمئات الآلاف من الألسنة على القدير ذي الجلال، الحكيم ذي الكمال، وعلى وحدانيته سبحانه؟!
والخلاصة: أنّ الأرض التي هي بمثابة قلب الكون، قد أصبحت مَشْهَرا لعجائب مصنوعات اللّٰه البديعة، ومحشرا لغرائب مخلوقاته الجميلة، وممرا لقافلة موجوداته الوفيرة، ومسجدا لعباده المتراصين صفوفا عليها، ومقرا لأداء عباداتهم.. هذه الأرض تُظهر من شعاع التوحيد ما يملأ الكون نورا وضياءً.
فيا أيها المعتدّ بعلم الجغرافيا! إذا كان رأس الأرض هذه يُعرِّف ربَّ العالمين بمائة ألف فَمٍ، وفي كل فَمٍ مائة ألف لسان، وأنت تعرض عن هذا التعريف، وتغمس رأسك في مستنقع الطبيعة، ففكّر إذن في مصير جريمتك. إلى أي عقاب يسوقك هذا الإعراضُ والإنكار؟. احذر وانتبه وارفع رأسك من المستنقع الآسن وقل: آمنت باللّٰه الذي بيده ملكوتُ كل شيء.
النافذة الثالثة والعشرون
اَلّذى خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيوٰة
(الملك:٢)
إنّ الحياة هي أسطعُ معجزة من معجزات القدرة الربانية وأجملُها، وأقوى برهان من براهين الوحدانية وأبهرُها، وأجمعُ مرآة من مرايا تجليات الصمدانية وألمعُها.
نعم، إن الحياة وحدَها تبيّن الحي القيوم بأسمائه الحسنى وصفاته الجليلة وشؤونه الحكيمة.
فالحياة كالنور.. فكما أن نور الشمس يحصل من امتزاج الألوان السبعة لطَيف الشمس، كذلك "الحياة" تحصل من امتزاج صفات كثيرة امتزاجا دقيقا.. وهي -أي الحياة- كدواء ناتج من امتزاج موادَّ كثيرة متنوعة امتزاجا مقدّرا تقديرا محكما.
— 796 —
فالحياة إذن حقيقة مركبة من صفات كثيرة جدّا. فقسم من صفات تلك الحقيقة تنبسط وتنكشف ويظهر تمايزُها واختلافُها بعضُها عن البعض الآخر، من خلال مسيلها في قنوات الحواس، التي تأخذ كلُّ حاسة منها لونا من ألوان هذه الصفات. أما القسم الأعظم منها فإنه يعلن عن نفسه من خلال الأحاسيس المفعَمة "بالحياة".
ثم إن " الحياة " تتضمن الرزق والرحمة والعناية والحكمة، التي كلٌّ منها سارية في الكائنات ومهيمنة على أمرها وخلقها وتدبيرها، فكأنّ الحياة تقود أولئك جميعا معها أينما حلَّت. إذ حالما تحل " الحياةُ " في أيّ جسم، إذا باسم "الحكيم" يتجلى فيه أيضا حيث يشرع ببناء عشه بناءً متقنا وينظمه تنظيما حكيما. وفي الوقت نفسه يتجلّى اسم "الكريم" أيضا حيث يرتّب مسكنه وينسقه ويزيّنه وفق حاجاته، ويظهر آنئذٍ اسم "الرحيم" متجليا أيضا فيسبغ أفضاله وألطاف إنعامه لإدامة الحياة وبلوغ كمالها، وفي الوقت نفسه يتجلى اسم "الرزاق" باديا للعيان حيث يهيئ المقومات الغذائية -المادية والمعنوية- لبقاء تلك الحياة وانبساطها، بل يدخر قسما منها في الجسم.
أي إن الحياة كالبؤرة التي تتجمع فيها الأشعة الضوئية المختلفة، فتتداخل الصفاتُ المتنوعة في الحياة بعضها في بعض تداخلا يجعل كلَّ صفة منها عين الأخرى، فكأن الحياة بكاملها "علم" كما أنها "قدرة" في الوقت نفسه، وهي "حكمة" و"رحمة" سواء بسواء..
وهكذا أصبحت "الحياة" بناءً على ماهياتها الجامعة هذه، مرآةً تعكس "الصمدانية" التي تتمثل فيها شؤون الذات الربانية. ومن هذا السر أيضا نجد أن "الحي القيّوم" جلَّ وعلا، قد خلق الحياة بكثرة هائلة، ووفرة شاملة، وبثها في أرجاء الوجود كافة، جاعلا كل شيء يحوم حول الحياة، ويُسخَّر لأجلها، فلا غرو أنّ وظيفة الحياة جليلة.
نعم، إن القيام بأداء مهمة "المرآة العاكسة" لتجليات "الصمدانية" ليس أمرا سهلا ولا وظيفةً هيّنة، إذ نرى أمامنا ماثلةً للعيان أنواعا لا تعد ولا تحصى من "الحياة" تُخلق كل حين، وإن أرواحها، التي هي أصولُها وذواتها، تُخلَق دفعةً واحدةً من العدم، وترسل أنواعا غفيرة من الأحياء إلى ميدان الحياة مباشرةً.
ألا يدل كل هذا على وجوب وجود ذات الجليل الأقدس و"الحي القيوم" الذي له
— 797 —
الصفاتُ القدسية والأسماء الحسنى أوضحَ من دلالةِ لمعان أشياءِ الأرض على الشمس؟ فكما أن الذي لا يعتقد بوجود الشمس، ويتجاهل صفاتِها المشاهَدة على الأشياء، لا شك أنه مضطر إلى إنكار النهار المليء بنور الشمس، كذلك الذي لا يعتقد بوجود ذلكم "الحي القيوم، المحيي والمميت" الذي هو شمس الأحدية على الوجود كله، فهو مضطر أيضا إلى إنكار وجود الأحياء التي تملأ الأرض، بل تملأ الماضي والمستقبل معا.. وعندها لا يرى لنفسه موقعا إلّا بين الأنعام أو أضلّ منها، فيكون بمستوى الجمادات.
النافذة الرابعة والعشرون
لا اِلهَ اِلّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ اِلاَ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَالَيْهِ تُرْجَعُونَ
(القصص:٨٨)
إن الموت كالحياة برهان ساطع للربوبية، وهو حجة في غاية القوة على الوحدانية، مثل الحياة، إذ بدلالة الآية الكريمة: اَلّذى خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيوٰة (الملك:٢). إن الموت ليس عدما، ولا إعداما، ولا فناءً، ولا لعبةَ العبث، ولا انقراضا بالذات من غير فاعل، بل هو تسريح من العمل، من لدن فاعل حكيم، وهو استبدالُ مكان بمكان، وتبديلُ جسم بجسم، وانتهاء من وظيفة، وانطلاق من سجن الجسم، وخلق منتظم جديد وَفْقَ الحكمة الإلهية. كما بيّنا في "المكتوب الأول".
نعم، كما أن الموجودات الحية المبثوثة في الأرض كافة، تشير بحياتها إلى الخالق الحكيم وإلى وحدانيته. فتلك الأحياء تشهد بموتها أيضا على سرمدية ذلك الحي الباقي، وتشير إلى وحدانيته جلَّ شأنه. وحيث إننا بحثنا في "الكلمة الثانية والعشرين" أنّ الموت برهان قاطع على الوحدانية، وحجة دامغة على السرمدية، لذا نحيل البحث إليها. إلّا أننا نبين هنا نكتة مهمة فقط وهي: أنّ الأحياء مثلما تدل بوجودها على الخالق الحي فإنها تَشهد بموتها على سرمدية الحي الباقي وعلى وحدانيته. ولنأخذ شاهدا على ذلك سطحَ الأرض، فإن النظام الرائع الباسط هيمنتَه على الأرض بأسرها والذي يبدو لنا من خلال مظاهره عيانا يشهد شهادة صادقة على الصانع القدير.
فعندما يسدل الشتاءُ كفنَه الثلجي الأبيض على وجه الأرض الربيعي، وتموت الأحياء
— 798 —
التي كانت تزخر بالحياة فوقها؛ فإن منظر هذا الموت ينقل نظرَ الإنسان إلى أبعد من اللحظة الراهنة، فيركب متنَ الخيال ليذهب بعيدا إلى الماضي الذي درجت إليه جنائزُ كلِّ ربيع راحل، فتتفتح عندئذ أمام النظر مشاهد من الموت والحياة أوسع من هذا المنظر المحصور في الحاضر الراهن. لأنّ كل ربيع راحل مما لا يُحصى من الأربِعَةِ، كان مشحونا ملء الأرض بمعجزات القدرة الإلهية، وهو يُشعِرُ الإنسان بمجيء موجوداتٍ تتدفق بالحياة وتملأ الأرض كلَّها في ربيع مُقبِل.
فنجد بهذا أن موت الربيع يشهد شهادة بمقياس عظيم جدّا، وبصورة رائعة جدّا وبدرجة من القوة أكثر، على الخالق ذي الجلال، والقدير ذي الكمال، والحي القيوم، والنور السرمدي، ويشير إلى وحدانيته، وسرمديته تبارك وتعالى. فيبين هذا الموت دلائلَ باهرة إلى حدّ يرغمك معه على القول بداهةً: "آمنت باللّٰه الواحد الأحد".
الخلاصة: إنه حسب الحكمة التي تتضمنها الآيةُ الكريمة: وَيُحْيْىِ الاَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا (الروم:١٩) فإن الأرض الحية هذه كما أنها تشهد على الخالق الحكيم سبحانه بحياتها، فإنها بموتها تلفت النظر إلى التأمل في معجزات القدرة الإلهية التي تطرز جناحَي الزمن؛ الماضي والمستقبل، فيعرض اللّٰه سبحانه بهذا الموت أمام نظر الإنسان ألوفا من الأربِعَةِ بدلا من ربيع واحد، فبدلا من أن تشهد على قدرته سبحانه معجزةٌ واحدة وهي هنا "الربيع الحاضر" تشهد عليها بهذا الموت الذي حلَّ في الربيع الحاضر ألوفُ المعجزات.
فكل ربيع من تلك الألوف من الأربِعَةِ، يشهد شهادة أقوى على الوحدانية من الربيع الحاضر، لأن الذي ارتحل إلى جهة الماضي قد ارتحل إليه بأسباب قدومه الظاهرة التي ليس لها صفةُ البقاء، فالأسباب التي تذهب وتأتي ليس لها إذن تأثير قط في إحلال ربيع جديد عقب الربيع الراحل، بل القديرُ ذو الجلال الذي لا يحول ولا يزول هو الذي خلقه من جديد وربطه بحكمته بالأسباب الظاهرة، وأرسله على الصورة الرائعة إلى ميدان الشهود.
أما وجوه الأرض التي ستأتي في المستقبل، والمُزهرة بالربيع النابض بالحياة، فهي تشهد شهادةً أقوى من شهادة هذا الربيع الحاضر، لأن كل ربيع يأتي في المستقبل إنما يأتي إليها من العدم، ومن غير شيء، ويُبعث إلى المكان المعين، ومن ثمة تُحمَّلُ عليه وظيفة خاصة.
— 799 —
فيا أيها الغافل المطموس في أوحال الطبيعة، والغارق فيها! إنّ مَن لا تظهر يدُ حكمته وقدرته في المستقبل الآتي كله، ومَن لا يترك بصمات هذه اليد على الماضي الذاهب كله، كيف يستطيع -وأنّى له ذلك- أن يتدخل في حياة هذه الأرض؟ فهل يمكن للمصادفة والطبيعة اللتين هما من غير شيء أن يتدخلا في أمر الحياة على الأرض؟
إن كنت صادقا وراغبا في نجاة نفسك من هذه الورطة، فادنُ من الحقيقة وقل: إن الطبيعة إن كانت شيئا موجودا فهي كُرَّاس القدرة الإلهية ليس إلّا. أما المصادفةُ فهي ليست إلّا ستار الحكمة الإلهية الخفية الذي يسترُ جهلَنا.
النافذة الخامسة والعشرون
إن المضروب يدل بالضرورة على فاعل، وهو الضارب، والمصنوع المُتْقَنُ يستوجب الصانِعَ المتقِنَ، ووجود الولد يقتضي الوالد، والتحت يستلزم الفوق.. وهكذا..
وقد أطلق العلماء على أمثال هذه الصفات مصطلح "الأمور الإضافية" أي النسبية، أي لا يحصل الواحد دون الآخر.
فجميع ما في هذه الأمور من "إمكان" سواء في جزئيات الكون أو كلياته، تدل على "الوجوب". وما يُشَاهدُ في الجميع من انفعالات تدل على فعل، وما يُشَاهدُ في جميعها من مخلوقية تدل على الخالقية، وما يُشَاهدُ فيها من كثرة وتركيب يستلزم الوحدة... فالوجوب، والفعل، والخالقية، والوحدة، تستلزم بالبداهة والضرورة مَن هو الموصوف بی"الواجب، الفاعل، الخالق، الواحد" الذي هو ليس ممكنا ولا منفعلا ولا مخلوقا ولا كثيرا ولا مركّبا.
وعلى هذا الأساس فإن ما في الكون من إمكان، وما فيه من انفعال، وما فيه من مخلوقية، وما فيه من كثرة، وما فيه من تركيب، يشهد شهادة واضحة على ذاتِ واجب الوجود، الواحد الأحد، خالق كل شيء الفعّال لما يريد.
الخلاصة: كما يُشاهَدُ "الوجوب" من خلال "الإمكان" ويُشَاهَدُ "الفعل" من خلال "الانفعال" وتُشاهَدُ "الوحدة" من خلال "الكثرة"، وكما يدل وجود كل منها على وجود الآخر دلالة قاطعة، كذلك الصفات المشاهَدة على الموجودات كی"المخلوقية، والمرزوقية" (أي كون
— 800 —
الموجود مخلوقا ومرزوقا) تدل على شؤون "الخالقية والرزاقية" دلالة قاطعة.. فوجود هذه الصفات أيضا يدل بالضرورة وبالبداهة على "الخلّاق الرزّاق، والصانع الرحيم".. أي إن كل موجود يشهد على "الذات الأقدس لواجب الوجود" وعلى مئات من أسمائه الحسنى بما يحمل من مئاتٍ من أمثال تلك الصفات.
فإن لم تقبل أيها الإنسان بجميع هذه الشهادات فينبغي لك إذن إنكار أمثال تلك الصفات كلها.
النافذة السادسة والعشرون
(٭): مفتوحة لمن يريد أن يطل منها، وبالأخص لأهل القلب والمحبة. (المؤلف).
إنّ أنواع الجمال الزاهر، وأشكالَ الحسن الباهر، التي تتلألأ على وجوه الكائنات السريعةِ الأفول، ثم تتابعَ هذا الجمال وتجددَه بتجدد هذه الكائنات، واستمرارَه باستمرار تعاقبها.. إنما يُظهر أنه ظِل من ظلال تجليات جمال سرمدي لا يحول ولا يزول. نعم كما أن تلألؤ الحباب على وجه الماء الرقراق، وتتابعَ هذا اللمعان في تتابع الحباب يدل على أن الحباب والزبد والتموجات التي تطفو على سطح الماء إنما تمثل مرايا عاكسة لأشعة شمسٍ باقية.. فتلمّع أنواعِ الجمال أيضا على الموجودات السيالة في نهر الزمان الجاري يشير إلى جمال سرمدي خالد، ويدل على أن تلك الموجودات إنما تمثل إشارات وعلامات على ذلك الجمال.
ثم إن ما يخفق به قلب الكون من حُبٍّ جاد وعشق صادق يدل على معشوق دائمٍ باقٍ.. إذ كما لا يظهر شيء في الثمرة ما لم يوجد في الشجرة نفسها، فكذلك العشقُ الإلهي العَذْب الذي يستحوذ على قلب الإنسان، وهو ثمرة شجرة الكون، يبين أن عشقا خالصا ومحبةً صادقة بأشكال شتّى، مغروزةٌ في كيان الكون كله، وتتظاهر بأشكال شتّى. هذا الحب المالكُ قلبَ الكون يُفصح عن محبوب خالد سرمدي.
ثم إن ما تمور به قلوبُ اليقظين الراشدين من أصفياء الناس، وما يشعرون به من انجذاب، وما يؤرقهم من وَجْد، وما يحسون به من جذبات، وما تتدفق به صدورُهم من تَوق وحنين، إنما يدل على أن حنايا ضلوع الكون تعاني ما يعاني الإنسان، وتكاد تتمزق من شدة انجذابها وعظيم جذباتها، التي تتظاهر بصور متنوعة. وهذا الجذب لا ينشأ إلّا من جاذب حقيقي، وجاذبية باقية أبدية.
— 801 —
ثم إنّ أرقَّ الناس طبعا وألطفَهم شعورا، وأنورَهم قلبا، وهم الأولياء الصالحون من أهل الكشف والشهود قد أعلنوا متفقين على أنهم قد تبددت ظلماتُ نفوسهم بإشراق أنوار تجليات ذي الجلال، وذاقوا حلاوة تعريف الجميل ذي الجلال، وتودّده إليهم. فإعلانُهم هذا شهادة ناطقة على "الواجب الوجود" وتعريف نفسه عن طريقهم للإنسان.
ثم إن قلمَ التجميل والتحسين الذي يبدع نقوشه في وجه الكائنات، يدل بوضوح على جمال أسماءِ مالكِ ذلك القلم المبدع.
وهكذا فالجمالُ الذي يشع من وجه الكون.. والعشقُ الذي يخفق به قلبُه.. والانجذاب الذي يمتلئ به صدرُه.. والكشف والشهود الذي تبصره عينُه.. والروعة والإبداع في مجموع الكون كلِّه.. يفتح نافذة لطيفة جدّا ونورانية ساطعة أمام العقول والقلوب اليقظة، يتجلى منها ذلك الجميل ذو الجلال، الذي له الأسماء الحسنى، وذلك المحبوب الباقي والمعبود الأزلي.
فيا أيها المغرور التائه في ظلمات المادية! ويا أيها الغافل المتقلب في ظلمات الأوهام والمختنق بحبال الشبهات! عُدْ إلى رُشدك، واسمُ سموا لائقا بالإنسان، انظر من خلال هذه المنافذ الأربعة، وشَاهد جمالَ الوحدانية، واظفر بكمال الإيمان، وكُن إنسانا حقيقيا.
النافذة السابعة والعشرون
اللّٰه خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكيلٌ
(الزمر:٦٢)
سَنطلُّ من هذه النافذة على ما في موجودات الكون من "أسباب ومسبَّبات" فینرى أن أسمى الأسباب وأشرَفها قاصرةٌ يدُها على بلوغ أدنى المسبَّبات وعاجزة عن إدراك ما ينجم عنها. فالأسباب إذن ليست إلّا ستائرَ وحجبا، فالذي يوجِد "المسبَّبات" هو غيرُ الأسباب. ولنوضح الكلام بمثال:
القوة الحافظة في ذهن الإنسان، وهي بحجم حبة من خردل موضوعةٍ في زاوية من زوايا دماغه، نراها وكأنها كتاب جامع شامل، بل مكتبة وثائقية لحياة الإنسان، حيث تضم مستندات جميع أحداث حياته من دون اختلاط ولا سهو. تُرى أيّ سبب من الأسباب يمكن أن يبرز لتوضيح وتفسير هذه المعجزة الظاهرة للقدرة الإلهية؟ أهوَ تلافيف الدماغ؟
— 802 —
أم إن ذرّات حجيرات الدماغ التى هي بلا شعور تستطيع الحفظ والتسجيل؟ أم رياح المصادفات العشوائية؟
فلا يمكن أن تكون هذه المعجزة الباهرة إلّا من إبداع "صانعٍ حكيمٍ" جعلَ تلك "القوة الحافظة" مكتبة أو سجلا يضم صحائف أعمال الإنسان، ليذكّره بأن ربَّه لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلّا أحصاها، وليعرضَه أمام المشهد الأعظم يوم الحساب.. خُذْ "القوة الحافظة" في ذهن الإنسان، وقِسْ عليها سائرَ المسبّبات من بيوض ونوى وبذور وأمثالها من المعجزات البديعة المصغرة، تَرَ أينما وليتَ نظرك وفي أي مصنوع كان، فإنك أمام خوارق إبداع لا يقوى عليها سبب من الأسباب، بل حتى لو اجتمعت الأسباب جميعُها لإيجاد تلك الصنعة الخارقة لأظهرت عجزَها عجزا تاما ولو كان بعضها لبعض ظهيرا.
ولنأخذ الشمس مثلا، التي يُظَنّ أنها سبب عظيم، فلو قيل لها مفترضين فيها الشعور والاختيار: "أيتها الشمس العظيمة! هل تستطيعين إيجاد جسم ذبابة واحدة؟" فلاشك أنها ستردُّ قائلة: "إنّ ما وهبني ربي من ضياء، وأغدق عليَّ من حرارة وألوان، لا يؤهلني للخلق، ولا يمنحني ما يتطلبه إيجاد ذبابة من عيون وسمع وحياة، لستُ مالكةً لشيء منها قط، فهذا الأمر هو فوق طاقتي كليا".
نعم، كما أن الإبداع الظاهر على "المسبَّبات" وروعةَ جمالها قد عَزَلت الأسباب وسلبَتها قدرةَ الخلق، ودلَّتنا بلسان حالها على مسبِّب الأسباب، وسلَّمتْ الأمورَ كلها بيد اللّٰه كما جاء في الآية الكريمة: وَالَيه يُرْجَعُ الاَمْرُ كُلُّهُ (هود:١٢٣) كذلك النتائج التي نيطت بالمسبَّبات، والغايات الناشئة والفوائد الحاصلة منها، تُظهر جميعا بداهةً أن وراء حجاب الأسباب رَبّا كريما، حكيما، رحيما، وأن ما نراه من أشياء ليست إلّا من صنعه وإبداعه سبحانه.
ذلك لأن "الأسباب" التي هي بلا شعور عاجزة كليا عن ملاحظة، مجرد ملاحظة، غاية لشيءٍ مُسَبّبٍ، بينما أيُّ مخلوق يرِد الوجودَ لا تُناط به حكمة واحدة بل حكم عديدة جدّا وفوائدُ جمَّة وغايات شتى. أي إن الرب الحكيم والكريم هو الذي يُوجِد الأشياء ثم يرسلها إلى هذا العالم ويجعل تلك الفوائد غاية وجودها. فمثلا: إنّ الأسباب الظاهرة لتكوين المطر، عاجزة عجزا مطلقا، وبعيدة كل البعد عن أن تشفق على الحيوانات، أو تلاحظ أمورها
— 803 —
وترحمها وتنیزل لأجلها. إذن فالذي يرسل المطر ويغيثها بحكمته هو الخالق الرحيم الذي خلقها وتكفل برزقها، وكأنه، أي المطر، رحمة متجسمة لكثرة ما فيه من آثار الرحمة والفوائد الجمة. ومن هنا أطلق على المطر اسم "الرحمة".
ثم إن التزيينات البديعة والجمال المبتسم على النباتات والحيوانات التي تملأ وجه المخلوقات قاطبة، وجميعَ المظاهر الجمالية عليها، تدل على أن وراء ستار الغيب مدبّرا يريد أن يعرِّف نفسَه ويحبّبها بهذه المخلوقات الجميلة البديعة وتدل على وجوب وجوده ووحدانيته.
إذن فالتزييناتُ الرائعة في الأشياء، وما في مظاهرها من جمال بديع، وكيفياتها المتسمة بالحسن، كلُّها تدل قطعا على صفتَي التعريف والتوّدد. وهاتان الصفتان (التعرف والتودّد) تشهدان بالبداهة على صانع قدير معروف ودود، فضلا عن شهادتهما على وحدانيته سبحانه.
وزبدة الكلام: إن السبب الذي نراه شيئا عاديا جدّا، وعاجزا عجزا تاما، قد استند إليه مسبَّب في منتهى الإتقان والنفاسة. فهذا "المسبَّب" المتقَن لا بد أنه يعزل ذلك السببَ العاجز عن القيام بإيجاده... ثم إن غاية "المسبَّب" وفوائده ترفع الأسباب الجاهلة والجامدة فيما بينها وتسلّمها إلى يد الصانع الحكيم... ثم إن التزيينات المنقوشة على ملامح "المسبَّب" وما يتجلى عليها من عجائب الرحمة تشير إلى صانع حكيم يريد أن يُعرِّف قدرتَه إلى ذوي الشعور من مخلوقاته، ويحبّب نفسه إليهم.
فيا عابد الأسباب. أيها المسكين!. ما تفسير هذه الحقائق المهمة الثلاث التي وضعناها بين يديك؟ وكيف يمكنك أن تقنع نفسك بأوهامك؟ إن كنت راشدا فمزّق حجابَ الأسباب وقل: "هو اللّٰه وحده لا شريك له" وتحرّر من الأوهام المضلّة.
النافذة الثامنة والعشرون
وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمواتِ وَالاَرْضِ وَاخْتِلافُ اَلْسِنَتِكُم وَالْوَانِكُمْ اِنَّ في ذلِكَ لاياتٍ لِلْعَالمينَ
(الروم:٢٢)
إذا تأملنا في هذه الكائنات فسنشاهد أنّ في كل شيء ابتداءً من حجيرات الجسم وانتهاءً بمجموع العالم كلِّه، حكمةً شاملة، ونظاما متقنا.
— 804 —
فلدى فحصنا لحجيرات الجسم نجد أن تدبيرا بالغ الأهمية ينظّم شؤون تلك الحجيرات المتناهية في الصغر؛ ينظمها حسبَ أوامر مَن يرى مصالح الجسم كلِّه، ويدير أموره. فكما أن قسما من الأغذية يُدَّخر في الجسم على صورة شحوم داخلية تُصرف عند الحاجة، كذلك نجد في كلٍّ من تلك الحجيرات الصغيرة قابلية ادِّخار دقيقة. ثم ننظر إلى النباتات فنجد أنها مشمولة بتدبير حكيم. وننظر إلى الحيوانات فنجد أنها تعيش في بحبوحة من الكرم العميم. وننظر إلى أركان الكون العظيمة فنجد أن تدويرًا وتنويرا في منتهى العظمة يكتنفانه من كل جوانبه ويفضيان به إلى غايات عظيمة وجليلة. وننظر إلى مجموع الكون كله، فإذا به يتجلى أمامنا وكأنه مملكة منسّقةُ الأرجاء، أو مدينة رائعةُ الجمال، أو قصر منيف باذخ، وإذا بنا أمام أنظمة دقيقة ترقى به لبلوغ حِكَم عالية وغايات سامية.
فكما أثبتنا في "الموقف الأول" من "الكلمة الثانية والثلاثين": أنّ الموجودات مرتبطة ببعضها ارتباطا معنويّا وثيقا إلى حدّ لا يدع مجالا قط لمداخلة أي شريك، حتى بمقدار ذرة واحدة من المداخلة، ابتداءً من الذّرات وانتهاءً بالمجرات. فَمَن لم يكن مسخِّرا لحُكمِه جميعَ المجرّات والنجوم والسيارات ويملك زمام أمورها ويتصرف بمقاليد شؤونها، لا يمكنه أن يُوقِعَ حُكمَهُ، ويُمْضي أمرَهُ على ذرة واحدة. أي بعبارة أخرى، مَن يكون ربا حقيقيا على ذرة واحدة ينبغي أيضا أن يكون مالكا لمقاليد الكون كلِّه.
وفي ضوء ما أوضحنا وأثبتنا في "الموقف الثاني" من "الكلمة الثانية والثلاثين": أنه من يعجز عن الهيمنة على السماوات كلها يعجز عن رسم خطوط سيماء الإنسان، أي من لم يكن ربًا للسموات جميعا، لا يستطيع أن يخط ملامح وجه إنسان، ويضع عليه علاماته الفارقة.
وهكذا تجد أمامك نافذة واسعة سعة الكون كله فإذا ما أطْلَلْتَ منها تجد -حتى بعين العقل- أن الآيات الكريمة الآتية، قد كُتبت بحروف كبيرة واضحة على صفحات الكون كله:
اللّٰه خَالِقُ كُلِّ شیَيْءٍ وَهُوَ عَلىَ كُلِّ شيء وكيلٌ ٭ لَهُ مَقَیالیيدُ السَّمواتِ وَالاَرْضِ
(الزمر: ٦٢-٦٣) لذا فَمَن لا يستطيع رؤيةَ هذه الحروف البارزة العظيمة المسطّرة على صحيفة الكائنات، فما هو إلّا واحد من ثلاثة: إما فاقد عقلَه.. أو فاقد قلبَه. أو آدمي الصورة بهيمي التطلعات.
— 805 —

النافذة التاسعة والعشرون

وان من شيءٍ إلّا يسبّح بحمده
(الإسراء:٤٤)
كنتُ سارحا في رفقة غربتي، أسوح مع الفكر، وأجول مع الخيال والتأمل، فقادتني قدماي إلى سفح رابية مزدانة بالخضرة، فرنت إليَّ -على استحياء- من وسط هذا البساط الأخضر، زهرةٌ صفراء ساطعة الصفرة، وألوَت بجيدِها إليَّ تناغيني بودّ ومحبَّة، فأثارت مشاعري وأشواقي إلى زهراتٍ مثلها كنتُ التقيها في ربوع بلدتي "وان" وفي سائر المدن الأخرى التي كانت تحتضن غربتي مرةً بعد أخرى، فانثال هذا المعنى فجأةً على قلبي، وها أنذا أسرده كما ورد:
هذه الزهرة الرقيقة ليست إلّا طغراء على صفحة الجمال، وختما يختم به خالقُ الجمال رسالتَه الخضراء إلى العالم. فَمَن كانت هذه الزهرة طغراءه ونقشَه على البساط الأخضر فإن جميع الأنواع من هذه الزهرة إذن هي أختامُه على بسط الأرض جميعا، وعلاماتُ وحدة صنعه.
وعقب هذه الصورة المتخيلة ورد إلى القلب هذا التصور؛ إن الختم المختومَ به أية رسالة كانت، إنما يدل على صاحب الرسالة. فهذه الزهرة إنما هي ختم رحماني على رسالة الرحمن. وهذه الرسالة هي سفح التل الصغير المسطور فيها الكلمات البليغة للنباتات والأعشاب، والمحفور فوقها أنواع الزخارف الحكيمة الإتقان. فهذه الرسالة إذن تعود لصاحب الختم هذا.
ثم أوغلتُ في التأمل أكثر فأكثر، فإذا بهذا السفح الجميل يتحول في نظري ويأخذ صورةَ ختمٍ كبير وواضحٍ على رسالة هذه الفلاة الممتدة بعيدا. وانتصب السهل المنبسط أمام خيالي رسالةً رحمانيةً رائعةً، ختمُها هذا السفح الجميل. وقد أفضى بي هذا التصور إلى هذه الحقيقة:
كما أن كلّ ختم على أية رسالة يشير إلى صاحبها، فكل شيء كالختم يُسنِد جميعَ الأشياء التي تحيط به إلى خالقه الرحيم، وكأنه ختم رحماني. فكل شيء من حوله يمثل رسالةً لخالقه الرحيم. وهكذا، فما من شيء إلّا ويغدو نافذةَ توحيدٍ عظيمة إلى حدّ يسلّم جميعَ الأشياء إلى الواحد الأحد.. كل شيء ولا سيما الأحياء يملك من النقوش الحكيمة والإتقان البديع بحيث إن الذي خلقه على هذه الصورة البديعة قادر على خلق جميع الأشياء، أي إن الذي لا يستطيع أن يخلق جميع الأشياء لا يمكن أن يخلق شيئا واحدا.
— 806 —
أيها الغافل! تأمل في وجه الكائنات تجد أن صحائف الموجودات ما هي إلّا بمثابة رسائلَ متداخلة بعضها في البعض الآخر، مبعوثةٍ من قبل الأحد الصمد. وأن كل رسالة منها قد خُتِمَتْ بما لا يُعدُّ من أختام التوحيد. تُرى مَن يجرؤ على تكذيب شهادات هذه الأختام غير المتناهية؟ أية قوة يمكنها أن تكتم أصوات هذه الشهادات الصادقة؟ وأنت إذا ما أنصتَّ بأذن القلب لأيٍ منها تسمعها تردد: أشْهَدُ أن لآ إلهَ إلَّا اللّٰه.
النافذة الثلاثون
لو كانَ فيهما آلهةٌ إلّا اللّٰه لفسدتا
(الأنبياء:٢٢)
كُلَّ شَيْءٍ هَالِكٌ إلّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَاِلَيْهِ تُرجْعَوُنَ
(القصص:٨٨)
هذه نافذة يطل منها علماء الكلام الذين سلكوا في سبيل إثبات وجود اللّٰه سبحانه طريقا مدعما بأدلة "الإمكان" و"الحدوث". ونحن إذ نحيل تفاصيل تلك الأدلة إلى مظانها من أمهات كتب العلماء الأعلام كی"شرح المواقف" و"شرح المقاصد" نذكر هنا شعاعات من فيض نور القرآن غمرت القلبَ، ونفذَتْ إليه من خلال هذه النافذة.
إنّ الآمِريَّةَ و الحاكمية تقتضي رفضَ المنافسة، وردَّ المشاركة، ودفعَ المداخلة أيا كانت. ومن هنا نرى أنه إذا وجِد مختاران في قرية اختلَّ نظام القرية، واضطرب أمنُ الناس وراحتُهم، وإذا ما كان هناك مديران في ناحية، أو محافظان في محافظة واحدة، فإن الحابل يختلط بالنابل، وإذا ما وجد سلطانان في بلاد فإن الفوضى تضرب أطنابها في أركان البلاد كلها، ويسببان من القلاقل والاضطرابات ما لا يُحمد عقباها.
فلئن كان الإنسان الذي هو عاجز ومحتاج إلى معاونة الآخرين، والذي يحمل ظلًّا جزئيّا ضعيفا من الآمرية والحاكمية، لا يقبل مداخلة أحدٍ من مثيله في شؤونه، ويردُّ المنافس رداًّ شديدا. نعم، لئن كان الإنسان العاجز هذا شأنه فكيف بآمرية القدير المطلق وحاكمية السلطان الأعظم ربّ العالمين.؟
قِسْ بنفسك كيف سيسود قانون ردّ المداخلة ويهيمن على الكون كله. أي إن الوحدة أو الانفراد من لوازم الألوهية، ومقتضى الربوبية، التي لا تنفك عنها. فإن رُمْتَ برهانا قاطعا على هذا، وشاهدا صادقا عليه، فدونك النظامَ الأكمل، والانسجام الأجمل المشاهدين في الكون.
— 807 —
فتلمس النظام البديع سائدا في كل شيء ابتداءً من جناح ذبابة وانتهاءً بقناديل السماء، حتى يجعل هذا النظامُ المتقنُ العقلَ مشدوها أمامه ويردّد من إعجابه: "سبحان اللّٰه.. ما شاء اللّٰه كان.. تبارك اللّٰه.." ويهوي ساجدا لعظمة مُبدعه. فلو كان هناك موضع ولو بمقدار ذرةٍ لشريكٍ مهما كان، أو مداخلة في شؤون الكون مهما كان نوعها، لَفَسد نظامُ السماوات والأرض ولبدت آثارُ الفساد عيانا، ولَمَا كانت هذه الصورة البديعة الماثلة أمامنا.. وصدق اللّٰه العظيم الذي يقول:
لو كانَ فيهما آلهةٌ إلّا اللّٰه لفسدتا
(الأنبياء:٢٢) علما أن الآية الكريمة الآتية:
فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ٭ ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ اِلَيكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسيرٌ
(الملك:٣-٤).
تفيد أنه مهما كان الإنسان جادا في تحرّيه القصور، فسيرجع خائبا، مما يدلنا أن النظام والانتظام هما في غاية الكمال. أي إن انتظام الكائنات شاهد قاطع على الوحدانية.
أما بصدد "الحدوث" فقد قال علماء الكلام: إنّ العالَم متغير، وكلُّ متغير حادث، وكل مُحْدَثٍ لابد له من مُحْدِث، أي موجِد، لذا فالكونُ لابد له من "موجِدٍ قديم"..
ونحن نقول: نعم، إنّ الكون حادث، حيث نُشاهد في كل عصر وفي كل سنة بل في كل موسم عالَما يرحل ويحطُّ آخرُ مكانَه، تمضي كائنات، وتأتي أخرى. فالقدير ذو الجلال هو الذي يوجِد هذا العالم من العدم في كل سنة، بل في كل موسم، بل في كل يوم، ويعرضه أمام أرباب الشعور ثم يأخذه إلى الغيب، ويأتي مكانه بآخر، وهكذا ينشر الواحدَ تلو الآخر في تعاقب مستمر، معلقا تلك العوالم بشكل متسلسل على شريط الزمان.
فترى الربيعَ معجزةً باهرة من معجزات القدير الجليل، يُوجِدُ فيه الأشياء من "العدم" ويجدد تلك العوالم الشاسعة من غير شيء مذكور. فالذي يبدل تلك العوالم، ويجددها ضمن العالم الأكبر، لا شك هو الذي قد خلق هذا العالم وجعله وسطح الأرض مائدةً عامرةً لضيوفه الكرام.
أما موضوع "الإمكان" فقد قال المتكلمون: إنّ "الإمكان" متساوي الطرفين، أي إذا تساوى العدمُ والوجودُ بالنسبة إلى شيء ما، فلابُدَّ من مخصّص ومرجّح وموجد. لأن الممكن لا يمكنه بداهةً أن يُوجدَ ممكنا آخرَ مثله. أو لا يمكن أن يوجد هذا لذاك وذاك لهذا أيضا، لأن وجودَه يكونُ سلسلةً دائرةً مغلوقةً من "الممكنات". فلابدَّ إذن من "واجب الوجود" يوجِدُ الأشياء كلها..
— 808 —
ولقد فنّد علماءُ الكلام فكرة "الدّور والتسلسل" وأثبتوا بطلانها باثني عشر برهانا سُميت بالبراهين "العرشية والسُلَّمية" وقطعوا سلسلة الأسباب والمسبَّبات وأثبتوا بذلك "الواجب الوجود".
ونحن نقول: إنّ إظهار الختم الخاص للخالق الجليل على كل شيء المختوم به كل شيء لهو أسهل وأقوى وضوحا من برهان "انقطاع سلسلة الأسباب" ثم بلوغ إثبات الخالق جلَّ وعلا.
ولقد درجتْ بفيض القرآن جميعُ "الكلمات" و"النوافذ" على هذا المدرج السهل القاطع. ومع ذلك فإن بحث "الإمكان" واسع جدّا، إذ يبينُ الخالقَ من جهات لا حصر لها، وليس منحصرا بما سلكه المتكلمون من طريقٍ لإثبات الصانع بإثبات انقطاع التسلسل، فالطريق واسعة بلا حدود، إذ تؤدي إلى معرفة لا حدود لها لمعرفة واجب الوجود.
وتوضيح ذلك كالآتي: بينما نرى كُلَّ شيءٍ، في وجوده وفي صفاته وفي مدة بقائه وحياته، مترددا ضمن طرق إمكانات واحتمالات لا حدَّ لها، إذا بنا نشاهده قد سلك من بين تلك الجهات التي لا حدَّ لها طريقا منتظما خاصا به، وتُمنح كل صفة من صفاته كذلك بهذا الطراز المخصَّص، بل تُوهَبُ له بتخصيص معين صفات وأحوال يبدّلها باستمرار ضمن حياته وبقائه..
إذن فَسَوقُ كل شيء إلى طريق معينة، واختيار الطريق المؤدية إلى حِكَم معينة، من بين طرق غير متناهية. إنما هو بإرادة مخصِّص، وبترجيح مُرجِّح، وبإيجاد موجِدٍ حكيم. إذ ترى الشيء يُلبَس لباسَ صفات منتظمة، وأحوالٍ منسقة معينة مخصصة له، ثم تراه يُساق -أي هذا الشيء- ليكون جزءا من جسم مركب، فيخرج بهذا من الانفراد، وعندئذٍ تزداد طرقُ الإمكانات أكثر، لأن هذا الجزء يمكن أن يتخذ ألوفا من الأشكال والأنماط في ذلك الجسم المركب، والحال أننا نرى أنه يُمنح له وضع معين ذو فوائد ومصالح، ويُختارُ له هذا الوضع من بين ما لا يُحدّ من الأوضاع التي لا جدوى له فيها. أي يُساق إلى أداء وظائف مهمة وبلوغ منافع شتى لذلك الجسم المركب.
ثم نراه قد جُعل جزءا من جسم مركب آخر، فتزداد طرقُ الإمكانات أكثر، لأن هذا
— 809 —
الجسم كذلك يمكن أن يتشكل بألوف الأنماط، بينما نراه قد اختير له وضع معين ضمن الألوف المؤلفة من الطرز والأنماط، فيُساق إلى أداء وظائف أخرى.. وهكذا كلما أوغلتَ في الإمكانات تبيّن لك بجلاء أن جميعَ هذه الطرق توصلك إلى مدبّر حكيم، وتجعلك تقتنع اقتناعا تاما بأن كل شيء يُساق إلى وظيفةٍ بأمر آمر عليم. حيث إن جميع المركبات مركبة من أجزاء، وهذه مركبة من أجزاء أخرى.. وهكذا فكل جزء موضوع في موضع معين من المركب، وله وظائفه المخصصة في ذلك المكان. يشبه ذلك علاقة الجندي مع فصيله وسريته ولوائه وفرقته والجيش كله. فله علاقات معينة ذات حكمة مع جميع تلك التشكيلات العسكرية المتداخلة، وله مهمات ذات تناسق معين مع كل منها.. وبمثل الخلية التي في بؤبؤ عينك، لها علاقة وظيفية مع عينك، ولها وظيفة ذات حكمة ومصالح مع الرأس ككل، حتى لو اختلط شيء جزئي بتلك الخلية لاختلت إدارة الجسم وصحته، ولها علاقة خاصة مع الشرايين والأوردة والأعصاب، بل علاقة وظيفية مع الجسم كله، مما يثبت لنا أن تلك الخلية قد أعطيَ لها ذلك الموضعُ المعين في بؤبؤ العين واختير لها ذلك المكان من بين ألوف الأمكنة، للقيام بتلك المهام. وليس ذلك إلّا بحكمة صانع حكيم.
فكل موجودات الكون على هذا الغرار، فكلّ منها يعلن بذاته، بصفاته، عن صانعه بلسانه الخاص، ويشهد على حكمته بسلوكه في طريق معينة ضمن طرق إمكانات لا حدّ لها. وكلما دخل إلى جسم مركب أعلن بلسانٍ آخر عن صانعه ضمن تلك الطرق التي لا تحد من الإمكانات. وهكذا يشهد كل شيء على صانعه الحكيم وإرادته واختياره، شهادةً بعدد تلك الطرق من طرق الإمكانات التي لا تحد، وبعدد المركبات وإمكاناتها وعلاقاتها التي فيها، إلى أن تصل إلى أعظم مركب. لأن الذي يضع شيئا ما بحكمة تامة في جميع المركبات، ويحافظ على تلك العلاقات فيما بينها لا يمكن أن يكون إلّا خالقَ جميع المركبات.
أي إن شيئا واحدا بمثابة شاهد بألوف الألسنة عليه سبحانه وتعالى. بل ليس هناك ألوف الشهادات على وجوده سبحانه وحكمته واختياره وحدَها، بل الشهاداتُ موجودة أيضا بعدد الكائنات، بل بعدد صفات كل موجود وبعدد مركباته. وهكذا ترد من زاوية "الإمكان" شهادات لا تحدّ على "الواجب الوجود".
— 810 —
فيا أيها الغافل! قل لي بربّك، أليس صمّ الأذان عن جميع هذه الشهادات التي يملأ صداها الكون كله لهو صمم ما بعده صمم، وجهل ما بعده جهل؟
النافذة الحادية والثلاثون
لَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ فى اَحْسَنِ تَقْويمٍ
(التين:٤)
وَفىِ الاْرضِ آيَاتٌ لِلْموُقنينَ٭ وَفى اَنْفُسِكُمْ اَفَلاَ تُبْصِرونَ
(الذاريات:٢٠-٢١)
نحنُ هنا أمام نافذة الإنسان، نتطلع من خلال نفس الإنسان إلى نور التوحيد، ونحن إذ نحيل تفاصيل ذلك إلى الكتب والأسفار المدونة من قِبل ألوف الأولياء الصالحين الذين بحثوا في نفس الإنسان بإسهاب، نودّ أن نشير إلى بضع إشارات مستلهمة من فيض نور القرآن الكريم، وهي كما يأتي:
إنّ الإنسان هو نسخة جامعة لما في الوجود من خواص، حتى يُشعِرَه الحقُّ سبحانه وتعالى جميعَ أسمائه الحسنى المتجلية بما أودع في نفس الإنسان من مزايا جامعة.
نكتفي في بيان هذا بما ذكرناه في "الكلمة الحادية عشرة" وفي رسائل أخرى، غير أننا نبين هنا ثلاث نقاط فقط:
النقطة الأولى: إنّ "الإنسان" مرآة عاكسة لتجليات الأسماء الإلهية الحسنى، وهو مرآة لها بثلاثة أوجه:
الوجه الأول: كما أن الظلام سبب لرؤية النور، أي إنّ ظلامَ الليل وشدّتَه يبيّن النورَ ويظهره بشكل أكثر وضوحا.. فالإنسان أيضا يُعرِّف بضَعفِه وعَجزِه وبفقره وحاجاته، وبنقصه وقصوره، قدرةَ القدير ذي الجلال، وقوتَهُ العظيمة، وغناه المطلق، ورحمته الواسعة.
فيكون الإنسان بهذا كأنه مرآة عاكسة لكثير من تجليات الصفات الإلهية الجليلة. بل حتى إن ما يحمله من ضعف شديد، وما يكتنفه من أعداء لا حدّ لهم، يجعله يتحرى دائما عن مرتَكز يرتكز عليه، ومستَند يستند إليه. فلا يجد وجدانُه الملهوف إلّا اللّٰه سبحانه.
وهو مضطر أيضا إلى تحرّي نقطةِ استمداد يستمد منها حاجاته التي لا تتناهى، ويسدّ
— 811 —
بها فقرَه غير المتناهي، ويشبع آمالَه التي لا نهاية لها، فلا يجد في غمرة تحرّيه إلّا الاستناد، من هذه الجهة، إلى بابِ غنيٍّ رحيم، فيتضرع إليه بالدعاء والتوسل.
أي إنّ في كل وجدانٍ نافذتين صغيرتين من جهة نقطة الاستناد والاستمداد، فيتطلع الإنسانُ منهما دوما إلى ديوان رحمة القدير الرحيم.
أما الوجه الثاني: فهو أن الإنسان مرآة لتجليات الأسماء الحسنى، إذ إن ما وُهِبَ من نماذج جزئية من "العلم، والقدرة، والبصر، والسمع، والتملك، والحاكمية" وأمثالها من الصفات الجزئية، يُصبح مرآة عاكسة يُعرَف منها الصفاتُ المطلقة للّٰه سبحانه وتعالى، يدرك علمه وقدرته وبصره وسمعه وحاكميته وربوبيته، فيفهم تلك الصفات المطلقة للربوبية بالنسبة لمحدوديتها عنده.. ولا شك أنه بعد ذلك سيحاور نفسه ويقول مثلا:
كما أنني قد قمت ببناء هذا البيت، وأعلمُ تفاصيلَه، وأشاهد جميع جوانبه وأجزائه، وأديره بنفسي، فأنا مالكُه، كذلك لابد لهذا الكون العظيم من مُبدعٍ ومالكٍ يعرف أجزاءه معرفة كاملة، ويبصر كل صغيرة وكبيرة فيه، ويديره.
الوجه الثالث: لكون الإنسان مرآةً عاكسة للأسماء الحسنى، فهو أيضا مرآة عاكسة لها من حيث نقوشها الظاهرة عليه. ولقد وُضحَ هذا بشيء من التفصيل في مستهل "الموقف الثالث" من الكلمة "الثانية والثلاثين" أن "الماهية" الجامعة للإنسان، فيها أكثر من سبعين نقشا ظاهرا من نقوش الأسماء الإلهية الحسنى.
فمثلا: يبيّن الإنسانُ من كونه مخلوقا، اسما "الصانع" و"الخالق"، ويُظهر من حُسن تقويمه اسمَ "الرحمن الرحيم"، ويُدلّ من كيفية تربيته ورعايته على اسم "الكريم" واسم "اللطيف". وهكذا يُبرز الإنسانُ نقوشا متنوعة ومختلفة للأسماء الحسنى المتنوعة بجميع أعضائه وأجهزته، وجوارحه وبجميع لطائفه ومعنوياته، وبجميع حواسه ومشاعره. أي كما أن في الأسماء الحسنى اسما أعظمَ للّٰه تعالى، فهناك نقش أعظم في نقوش تلك الأسماء وذلك هو الإنسان.
فيا مَن يعدّ نفسه إنسانا حقا، اقرأ نفسَك بنفسك، وإن لم تفعل فلربما تهبط من مرتبة الإنسانية إلى مرتبة الأنعام.
— 812 —
النقطة الثانية: تشير هذه النقطة إلى سرٍّ مهمٍ من أسرار الأحدية، وتوضيحُه كما يأتي:
كما أن روحَ الإنسان، ترتبط بعلاقات وأواصر مع جميع أنحاء جسم الإنسان، حتى تجعل جميعَ أعضائه وجميع أجزائه، في تعاون تامٍّ فيما بينها. أي إن الروح، التي هي لطيفة ربانية وقانون أمري ألبس الوجودَ الخارجي بالأوامر التكوينية التي هي تجلي الإرادة الإلهية، لا يحجبها شيء عن إدارة شؤون كل جزء من أجزاء الجسم، ولا يشغلها شيء عن تفقّدها وإيفاء حاجات الجسم بكل جزء من أجزائه؛ فالبعيد والقريب إزاءها سواء، ولا يمنع شيء شيئا قط، إذ تقدر على مدّ عضوٍ واحد بإمداد من سائر الأعضاء، وتستطيع أن تسوق إلى خدمته الأعضاء الأخرى. بل تقدر أن تعرف جميعَ الحاجات بكل جزء من أجزاء الجسم، وتُحِسُّ من خلال هذا الجزء بجميع الإحساسات، وتدير من هذا الجزء الواحد الجسمَ بأكمله، بل تتمكن الروح أن ترى وتسمع بكل جزء من أجزاء الجسم إن كانت قد اكتسبت نورانية أكثر..
فما دامت الروحُ التي هي قانون أمري من قوانين اللّٰه سبحانه، لها هذه القدرة لإظهار أمثال هذه الإجراءات في العالم الصغير وهو الإنسان، فكيف يصعب على الإرادة المطلقة -وللّٰه المثل الأعلى-، وعلى قدرته المطلقة القيامُ بأفعالٍ لا حدَّ لها في العالم الأكبر، وهو الكون، وسماعُ أصوات لا حدّ لها فيه، وإجابةُ دعواتٍ لا نهاية لها تنطلق من موجوداته؟ فهو سبحانه يفعل ما يشاء في آن واحد، فلا يؤودُه شيء ولا يحتجب عنه شيء، ولا يمنع منه شيء شيئا، ولا يُشغله شيء عن شيء. يرى الكلَّ في آن واحد، ويسمع الكلَّ في آن واحد. فالقريب والبعيد لديه سواء، إذا أراد يسوق كلَ شيء لشيء واحد. يبصر كُلَّ شيء من أي شيء كان، يسمع أصوات كل شيء، ويعرف كلَّ شيء بكل شيء، فهو ربُّ كل شيء.
النقطة الثالثة: إن للحياة ماهية عظيمة مهمة، ووظيفةً ذات أهمية بالغة، وحيث إن هذا البحث قد فُصِّل في "نافذة الحياة" التي هي "النافذة الثالثة والعشرين" وفي المكتوب العشرين، الكلمة الثامنة منه، نحيل البحث إليهما، وننبه هنا إلى ما يأتي:
— 813 —
إنّ النقوش الممزوجة في الحياة والتي تظهر على صورة حواسَّ ومشاعرَ، هذه النقوش تشير إلى أسماء إلهية حسنى كثيرة، وإلى شؤون ذاتية للّٰه سبحانه وتعالى. فتكونُ الحياة من هذه الوجهة مرآةً عاكسة ساطعة لتجليات الشؤون الذاتية للحي القيوم.
ولما كان وقتُنا لا يتسع لإيضاح هذا السر لأولئك الذين لم يرتضوا باللّٰه ربّا، والذين لم يبلغوا بعدُ مرتبةَ الإيمان اليقين، لذا سنغلق هذا الباب.
النافذة الثانية والثلاثون
هُوَ الّذى اَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدينِ الحَقِّ ليُظْهِرَهُ عَلَى الدّينِ كُلِّه وكَفى بِاللّٰهِ شَهيدًا٭ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللّٰه..
(الفتح:٢٨-٢٩)
قُلْ يَآ اَيُّها النَّاسُ اِنّى رَسُولُ اللّٰه اِلَيْكُمْ جَميعًا الَّذى لَهُ مُلْكُ السَّموَاتِ وَالاَرْضِ لا إلهَ اِلّا هُوَ يُحْيي وَيُميتُ..
(الأعراف:١٥٨)
هذه النافذة هي نافذة تخص شمسَ سماء الرسالة، بل شمس شموس النبوة، حبيب رب العالمين، محمدا عليه أفضل الصلاة والتسليم.
إنّ هذه النافذة ساطعة سطوعَ الشمس، وواسعة سعةَ الكون، ومنورة نورانية النهار. وحيث إننا قد أثبتنا "النبوة" إثباتا قاطعا في "الكلمة الحادية والثلاثين"، رسالة "المعراج" وفي الكلمة التاسعة عشرة، رسالة "نبوة الأحمدية" وفي "المكتوب التاسع عشر"، رسالة "المعجزات الأحمدية" لذا فنحن نستعيد هنا بذاكرتنا بعضَ ما هو مذكور في تلك الرسائل، ونحيل إليها، إلّا أننا نقول:
إنّ الرسول الأكرم عليه أفضل الصلاة والسلام، الذي هو برهانُ التوحيد الناطق، قد أعلن التوحيد وأظهره بجلاء، وبيّنه للبشرية أبلغَ بيان، في جميع سيرته العطرة، وبكل ما وهبه اللّٰه من قوة، فهو الذي يملك بجناحَي الرسالة والولاية قوةَ إجماعِ وتواترِ جميع الأنبياء الذين أتوا قبله، وقوةَ تواتر وإجماع جميع الأولياء والأصفياء الذين أتوا بعده. وفتح بهذه القوة الهائلة نافذةً واسعة عظيمة سعةَ العالم الإسلامي إزاء معرفة اللّٰه سبحانه، فبدأ يتطلع منها ملايينُ العلماء المحققين والأصفياء والصديقين أمثال: الإمام الغزالي والإمام الرباني ومحي الدين
— 814 —
بن عربي والشيخ الكيلاني، فهؤلاء وغيرهم يتطلعون من هذه النافذة المفتوحة، ويبيّنونها للآخرين.
فهل هناك من ستار -يا تُرى- يمكن إسدالُه على هذه النافذة العظيمة! وهل أنّ مَن لا ينظر من هذه النافذة يملك شيئا من العقل، فاحكم أنت!
النافذة الثالثة والثلاثون
اَلْحَمْدُ لِلّٰهِ الَّذى اَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا
(الكهف:١)
الر كِتَابٌ اَنْزَلْنَاهُ اِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ اِلىَ النّورِ
(إبراهيم:١)
تأمل واعلم أنّ ما ذُكر في جميع "النوافذ" السابقة ما هو إلّا بضعُ قطرات من بحر "القرآن الكريم". فإذا كان الأمر هكذا فإنك تستطيع الآن قياس الأمداء العظيمة لأنوار التوحيد التي تفيض من بحر الحياة في القرآن الكريم، ولو أننا نظرنا -مجرد نظرة بسيطة ومجملة- إلى منبع جميع تلك النوافذ، وكنیزِها وأصلها، وهو القرآن العظيم، لوَجدناه نافذةً جامعة ساطعة تشع نورا فياضا لا حدَّ له، وحيث إن "الكلمة الخامسة والعشرين" (رسالة إعجاز القرآن) والإشارة الثامنة عشرة من "المكتوب التاسع عشر"، قد تَناوَلَتا سعةَ هذه النافذة وسطوعها، بما فيه الكفاية، لذا نحيل البحث إليهما.
وختاما نرفع أكفّنا ضارعين أمام عرش الرحمن جلّ جلالُه الذي أنیزل علينا هذا القرآن الكريم رحمةً ونورا وهدايةً وشفاءً ونقول:
رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَآ اِنْ نَسِينآ اَوْ اَخْطَاْنَا ٭ رَبَّنَا لاَ تُزغْ قُلوُبَنَا بَعْدَ اِذْ هَدَيْتَنَا ٭ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنّآ اِنّكَ اَنْتَ السّميعُ الْعَليمُ ٭ وَتُب عَلَيْنَآ اِنَّكَ اَنْتَ التَّوّابُ الرَّحيمُ
— 815 —
تنبيه
هذا المكتوب "الثالث والثلاثون" الذي يضم ثلاثا وثلاثين نافذة، نسأل اللّٰه تعالى أن يكون زادا لمن لا إيمان له، فيدعوَه إلى حظيرة الإيمان.. ويشدَّ من إيمان الذي يجد في إيمانه ضعفا فيقوّيه.. ويجعل الإيمانَ القوي التقليدي إيمانا تحقيقيا راسخا.. ويوسّع من آفاق الإيمان التحقيقي الراسخ.. ويهب لمن كان إيمانُه واسعا مدارجَ الرقي في المعرفة الإلهية التي هي الأساس في الكمال الحقيقي، ويفتح أمامه مَشاهدَ أكثرَ نورانيةً وأشدّ سطوعا.
لأجل هذا، فليس لك أن تقول: أكتفي بنافذة واحدة دون الأخرى، ذلك لأن القلبَ يطلب حظَّه رغم أن العقل قد انتفع، والروح هي الأخرى تطالب بحظها، بل حتى الخيال يطالب بقبَسٍ من ذلك النور. أي إن كل نافذة من النوافذ لها فوائد متنوعة، ومنافع شتى. ولقد كان المخاطَب الأساس في رسالة "المعراج" السابقة، هو المؤمن، وكان الملحد في موضع الاستماع، أما هذه الرسالة فالمخاطب الأساس فيها هو المنكِر الجاحد، والمؤمنُ هو في موضع الاستماع.
ولما كنت قد كتبتُ هذا المكتوب في غاية السرعة -بناءً على سبب مهم- لذا فقد بقي على حاله، ولم أراجع مسودته، ولم أُدخل عليها أيَّ تعديل، فلا جرم أن سيكونُ فيه شيء من القصور والتشوش في بعض العبارات، وفي طريقة العرض. فأرجو من إخواني أن ينظروا إليه بعين الصفح والسماح، ويصححوا -إن استطاعوا- ما بدر مني من خطأ، ويدعوا لي بالمغفرة. والسلام على مَن اتبع الهدى.. والمَلامُ على من اتبع الهوى.
سبحانك لا علم لنا إلّا ما علمتنا انك انت العليم الحكيم
اَللّٰهمَّ صَلِّ عَلَى مَن أرْسَلْتَهُ رَحمَةً لِلعَالَمِينَ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ.. آمِينَ
— 816 —

اللوامع

من بين هلال صوم وهلال العيد
أزاهير تفتحت عن نوى الحقائق وديوان شعر إيماني لطلاب النور
— 817 —
تنبيه
إنّ هذا الديوان الموسوم بی"اللوامع" لا يجري مجرى الدواوين الأخرى على نمط واحد متناولا عددا من المواضيع؛ ذلك لأن المؤلف المحترم قد وضح فيه المقولات البليغة المختصرة جدّا لأحد مؤلفاته القديمة "نوى الحقائق"، ولأنه قد كتب على أسلوب النثرِ، زد على ذلك لا يجنح إلى الخيالات والانطلاق من أحاسيس غير موزونة، كما هو في سائر الدواوين. فلا يضم هذا الديوان بين دفتيه إلّا ما هو موزون بميزان المنطق وحقائق القرآن والإيمان. فهو درس علمي بل قرآني وإيماني ألقاه المؤلف على مسامع ابن أخيه وأمثاله من الطلاب الذين لازموه. ولقد اقتدى أستاذنا واستفاض من نور وما علّمناه الشعر فما كان له ميل إلى النظم والشعر ولم يشغل نفسه بهما أبدا، كما بيّنه في التنبيه المتصدر للأثر وأدركنا نحن أيضا منه هذا الأمر.
وقد تمَّ تأليف هذا الديوان الشبيه بالمنظوم خلال عشرين يوما، بعد سعي متواصل لساعتين أو زيادة نصف ساعة من الزمان يوميًّا، مع كثرة المشاغل والمَهام الجليلة لی"دار الحكمة الإسلامية".
إن تأليفا كهذا ضمن هذا الوقت القصير جدّا، مع ما في كتابة صحيفة واحدة من المنظوم صعوبة تفوق عشر صفحات من غيره، ومع وروده فطريًّا وطبعه كما ورد دون أن يطرأ عليه تصحيح أو تشذيب أو تدقيق.. يجعلنا نراه خارقة من خوارق رسائل النور، فلا نعلم ديوان شعر مثل هذا يسهل قراءته نثرا دون تكلّف .
نسأل اللّٰه أن يجعل هذا المؤلَّف النفيس بمثابة المثنوي (الرومي) لطلاب النور، إذ هو خلاصة قيمة لرسائل النور وفي حكم فهرس يبشر بقدومها ويشير إشارة مستقبلية إليها، تلك الرسائل التي ظهرت بعد عشر سنوات واكتملت في غضون ثلاث وعشرين سنة.
صنغور، محمد فيضي، خسرو
من طلاب النور
— 818 —
تنبيه
[٭]: ملاحظة: هذا الديوان الشبيه بالمنظوم هو آخر ما ألّفه "سعيد القديم" وطبعه ونشره في سنة ١٣٣٧ (١٩٢١م) وبعد تأليفه لرسائل النور وانتشارها، أوصى تلاميذه أن يلحقوه بمجموعة "الكلمات" بعد حذفه أبحاثًا وفقرات منه. وفي أوائل الخمسينات وضع هوامش جديدة وأمر بنشره على هذه الصورة النهائية.
لم أقدر النظم والقافية قدرهما، لعدم معرفتي بهما، فالمرء عدوّ لما جهل.
ولم أشأ قط تغيير صورة الحقيقة لتوافِق أهواء القافية، نظير "التضحية بصافية فداء للقافية" [٭]: مثل تركي: يُحكى أن رجلا كان يقرض الشعر ضحّى بزوجته المسماة "صافية" وطلقها كي تستقيم قافية شعره. ولأجل هذا فقد ألبستُ أسمى الحقائق أردأ الملابس في هذا الكتاب الخالي من القافية والنظم. وذلك:
أولا: لأنني لا أعلم أفضل من هذا. فكنت أحصر فكري في المعنى وحده، دون اللفظ.
ثانيا: أردت أن أبين بهذا الأسلوب نقدي لأولئك الشعراء الذين ينحتون الجسد ليوافق اللباس!
ثالثا: أردت إشغال النفس أيضا بالحقائق العالية مع انشغال القلب بها في هذا الشهر المبارك، شهر رمضان.
ولأجل هذه الأسباب اُختيرَ هذا الأسلوب الشبيه بأساليب المبتدئين.
ولكن أيها القارئ الكريم!
لئن كنت قد أخطأت -وأنا أعترف به- فإياك أن تخطئ فتنظرَ إلى الأسلوب المتهرئ ولا تنعم النظر في تلك الحقائق الرفيعة، ومن ثم تهوّن من شأنها.
— 819 —
إيضاح
أيها القارئ الكريم! إنني أعترف سلفا بضجري من فقر قابليتي في صنعة الخطّ وفن النظم، إذ لا أستطيع الآن حتى كتابة اسمي كتابة جيدة، ولم أتمكن طوال حياتي من نظم بيتٍ واحد أو من وزنه. ولكن، وعلى حين غرّة ألحّتْ على فكري رغبةٌ قوية في النظم، وقد كانت روحي ترتاح لما في كتاب "قَوْلِ نَوَالَاسِيسَبَانْ" [٭]: قصيدة طويلة تنوف على أربعمائة بيت في وصف غزوات الصحابة الكرام، باللغة الكردية الكرمانجية الشمالية، نظَمها الملا خالد آغا الزيباري المعروف بزهده وتقواه. من نظمٍ فطري عفوي على نمط مدائح تصف غزوات الصحابة الكرام رضوان اللّٰه عليهم. فاخترتُ لنفسي طراز نظمه، وكتبتُ نثرا شبيها بالنظم. ولم أتكلف للوزن قطعا. فليقرأه مَن شاء نثرا قراءة سهلة دون تذكّر النظم والاهتمام به، بل عليه أن يعدّه نثرا ليفهم المعنى، إذ هناك ارتباط في المعنى بين القِطعَ، وعليه ألّا يتوقف في القافية. [٭]: ولقد وفّقنا اللّٰه لترجمة هذا الديوان الرائع نثرا أيضا مكتفين بالمعنى دون القافية أو اللفظ. فكما تكون الطاقية والطربوش بلا شُرّابة كذلك يكون الوزن أيضا بلا قافية، والنظم بلا قاعدة. بل اعتقد انه لو كان اللفظ والنظم جذابين صنعةً يُشغلان فكر الإنسان بهما ويشدّانه إليهما، فالأولى إذن أن يكون اللفظ بسيطا من غير تزويق لئلا يصرف النظر إليه.
إن أستاذي ومرشدي في هذا الكتاب: القرآن الكريم.. وكتابي الذي أقرأه: الحياة.. ومخاطبي الذي أوجّه له الكلام: نفسي..أما أنت أيها القارئ العزيز، فمستمع ليس إلّا، والمستمع لا يحق له الانتقاد، بل يأخذ ما يعجبه ولا يتعرض لما لا يعجبه.
ولما كان كتابي هذا نابعا من فيض الشهر الكريم، شهر رمضان المبارك، (٭): حتى إن تاريخ تأليفه ظهر في العبارة الآتية: "نجم أدب وُلِد لهلالَي رمضان" مجموع أرقامه:١٣٣٧ (المؤلف). فإنني آمل أن يؤثر في قلب أخي في الدين، فيهدي لي بظهر الغيب دعاءً بالمغفرة أو قراءة سورة الفاتحة.
— 820 —
الداعي
(٭): هذه القطعة توقيعه. (المؤلف).
قبري المهدّم [٭]: فلقد أخرجت السلطات آنذاك جثمانه ودفنته في مكان مجهول، وذلك بعد مرور أربعة أشهر على وفاته ١٩٦٠م.
يضم تسعا وسبعين جثة (٭): يعني أن سعيدين يموتان في السنة الواحدة، حيث يتجدد الجسم في السنة مرتين. فضلا عن أن سعيدا سيعيش إلى هذا التاريخ، أي إلى هذه السنة، التاسعة والسبعين، إذ يموت في كل سنة سعيد. (المؤلف).
لسعيد ذي الآثام والآلام
وقد غدا الثمانين شاهد قبري
والكل يبكي (٭): فلقد أحس قبل الوقوع بهذه الأحوال قبل عشرين سنة من وقوعها. (المؤلف).
لهزيمة عالم الإسلامي.
فيئن ذلك القبر المليء بالأموات مع شاهده.
وغدا أنطلقُ مسرعا إلى ساحة عقباي
وأنا على يقينٍ: أن مستقبل آسيا بأرضها وسمائها
يستسلم ليد الإسلام البيضاء
إذ يمينه يمن الإيمان
يمنح الطمأنينة والأمان للأنام. [٭]: هذه الفقرات المنتهية بعلامة أضافها المؤلف نفسه إلى الكتاب بعد سنة ١٩٥١.
— 821 —
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
الحمد للّٰه رب العالمين
والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
برهانان عظيمان للتوحيد
هذا الكون بذاته برهان عظيم.
إذ لسان الغيب ولسان الشهادة يسبّحان بالتوحيد، توحيد الرحمن. ويذكُران بصوت هائل: "لا إله إلّا هو".
فكل ذرات الكون، وحجيراته، وأركانه، وأعضائه؛ لسان ذاكر يلهج مع ذلك الصوت الداوي بی:"لا إله إلّا هو".
في تلك الألسنة تنوّع، وفي تلك الأصوات مراتب، إلّا أنها تنطلق معا بی:"لا إله إلّا هو".
هذا الكون إنسان أكبر.. يذكر ربَّه بصوت عالٍ، والأصوات الرقيقة لأجزائه وذراته كلها تدوي مع ذلك الصوت الهادر: "لا إله إلّا هو".
نعم، إن هذا العالم يتلو آيات القرآن في حلقة ذكر عظيمة. وهذا القرآن المشرق المنور يترنم مع ذوي الأرواح كلها بی:"لا إله إلّا هو".
هذا الفرقان الحكيم، برهان ناطق لذلك التوحيد. آياتُه كلها ألسنة صادقة.. وأشعة ساطعة بالإيمان.. فالجميع يذكر معا: "لا إله إلّا هو".
فإذا ما ألصقتَ الأذن بصدر هذا الفرقان، ستسمع من أعمق الأعماق صدًى سماويا صريحا ينبعث: "لا إله إلّا هو".
فذلك الصوت اللطيف، صوت رفيع عالٍ، في منتهى الجدية وغاية الإيناس، ونهاية الصدق والإخلاص. ومدعم بالبرهان القاطع المقنع.. يقول مكررا: "لا إله إلّا هو".
— 822 —
هذا البرهان المنور، جهاتُه الست شفافة رائقة إذ:
عليه نقش الإعجاز الزاهر.
وبداخله يلمع نور الهداية، ويقول: "لا إله إلّا هو".
تحته نسيج البرهان والمنطق... في يمينه استنطاق العقل، ويصدّقه بی: "لا إله إلّا هو".
وفي شماله -الذي هو يمين- استشهاد الوجدان... أمامه الحسن والخير... وهدفه السعادة... مفتاحه دائما: "لا إله إلّا هو".
ومن ورائه الذي هو أمام. أي استناده؛ سماوي وهو: الوحي المحض. فهذه الجهات الست منيرة مضيئة، يتجلى في بروجها: "لا إله إلّا هو".
فأنّى للوهم أن يسترق منها السمع، وأنّى للشبهة أن تطرق بابها.
أفيمكن أن يدخل ذلك المارق هذا الصرح البارق الشارق!!
فأسوار سوره شاهقة، وكل كلمة منه مَلَك ناطق بی: "لا إله إلّا هو".
فذلك القرآن العظيم بحر ناطق للتوحيد.
لنأخذ قطرة منه مثالا؛ "سورة الإخلاص". نتناولها رمزا قصيرا مما لا يعد من الرموز. إنها تردّ الشرك بجميع أنواعه ردّا قاطعا. وتثبت سبعة أنواع من التوحيد في جملها الست: ثلاث جملٍ منها مثبتة وثلاث منها منفية.
الجملة الأولى: قل هو : إشارة بلا قرينة، أي هو تعيين بالإطلاق، ففي ذلك التعيين تعيّن. أي لا هو إلّا هو.
وهذا إشارة إلى توحيد الشهود. فلو استغرقت البصيرةُ النافذة إلى الحق في التوحيد، لقالت: "لا مشهود إلّا هو".
الجملة الثانية: اللّٰه أحد تصريح بتوحيد الألوهية، إذ الحقيقة تقول بلسان الحق: "لا معبود إلّا هو".
— 823 —
الجملة الثالثة: اللّٰه الصمد صدف لدرّين من درر التوحيد.
الأول: توحيد الربوبية: فلسان نظام الكون يقول: "لا خالق إلّا هو".
الثاني: توحيد القيومية: أي إن لسان الحاجة إلى مؤثر حقيقي في الكون كله وجودا وبقاءً يقول: "لا قيوم إلّا هو".
الجملة الرابعة: لم يلد يستتر فيها توحيد الجلال، ويردّ أنواع الشرك، ويقطع دابر الكفر: لأن الذي يتغير ويتناسل ويتجزأ لاشك أنه ليس بخالق ولا قيوم ولا إله.
و لم يلد : يردّ مفهوم البنوة والتولد، إذ يقطع قطعا شركَ بنوة عيسى وعزير "عليهما السلام" والملائكة أو العقول. فلقد ضل كثير من الناس، وهووا في غياهب الضلال من هذا الشرك.
خامستها: لم يولد توحيد سرمدي يشير إلى إثبات الأحدية. فمن لم يكن واجبا قديما أزليا لا يكون إلها، أي إن كان حادثا زمانيا، أو متولدا مادةً، أو منفصلا عن أصل، لا يمكن أن يكون إلها لهذا الكون. هذه الجملة تردّ شرك عبادة الأسباب، وعبادة النجوم، وعبادة الأصنام، وعبادة الطبيعة.
سادستها: ولم يكن توحيد جامع، أي لا نظير له في ذاته، ولا شريك له في أفعاله. ولا شبيه له في صفاته. كل ذلك مندمج معا يوجه النظر إلى "لم".
فهذه الجمل الست متضمنة سبع مراتب من مراتب التوحيد، كل منها نتيجة للأخرى، وبرهان لها في الوقت نفسه. أي إن "سورة الإخلاص" تشتمل على ثلاثين سورة من سور الإخلاص سورٍ منتظمة مركبة من دلائل يثبت بعضها بعضا. لا يعلم الغيب إلّا اللّٰه.
السبب ظاهري بحت
تقتضي عزة الألوهية وعظمتها، أن تكون الأسباب الطبيعية أستارا بين يدي قدرته تعالى أمام نظر العقل.
— 824 —
ويقتضي التوحيد والجلال، أن تسحب الأسباب الطبيعية يدَها عن التأثير الحقيقي في آثار القدرة الإلهية.
(٭): أي ألّا تتدخل في الإيجاد والتأثير الحقيقي قطعا. (المؤلف).
الوجود غير منحصر في العالم الجسماني
إنّ أنواع الوجود المختلفة التي لا تحصى، لا تنحصر في هذا العالم، عالم الشهادة.
فالعالم الجسماني (المادي) شبيه بستار مزركش ملقًى على عوالم الغيب المنورة.
الاتحاد في قلم القدرة يعلن التوحيد
إنّ ظهور أثر الإبداع في كل زاوية من زوايا الفطرة يردّ بالبداهة إيجاد الأسباب لها.
إنّ نقش القلم نفسه والقدرة عينها، في كل نقطة في الخلقة، يرفض -بالضرورة- وجود الوسائط.
لا شيء دون الأشياء كلها
إنّ سر التساند والترابط، المستتر في الكائنات كلها، المنتشر فيها.. وكذا انبعاث روح التجاوب والتعاون من كل جانب.. يبين أنه ليست إلّا قدرة محيطة بالعالم كله، تخلق الذرة وتضعها في موضعها المناسب.
فكل حرف وكل سطر من كتاب العالم، حيّ، تسوقه الحاجة، وتعرّف الواحد الآخر، فيُلبي النداء أينما انطلق.
وبسر التوحيد تتجاوب الآفاق كلها، إذ توجّه القدرة كل حرف حي إلى كل جملة من جمل الكتاب وتبصّرها.
— 825 —
حركة الشمس للجاذبية، وهي لشدّ منظومتها
الشمس شجرة مثمرة، تنتفض لئلا تسقط ثمارها السيارات المنتشية المنجذبة إليها.. ولو سكنتْ بِصَمتها وسكونها لزالت الجذبةُ، وتبخرت النشوةُ، وبكتْ -شوقا إليها- مجاذيبُها السيارات المنتظمة في الفضاء الوسيع.
الأشياء الصغيرة مربوطة بالكبيرة
إنّ الذي خلق عين البعوضة، هو الذي خلق الشمس ودرب التبانة.. والذي نظّم معدة البرغوث هو الذي نظّم المنظومة الشمسية.. والذي أدرج الرؤية في العين وغرز الحاجة في المعدة هو الذي كَحّل عين السماء بإثمد النور وبسط سُفرة الأطعمة على وجه الأرض.
في نظم الكون إعجاز عظيم
شَاهِد الإعجاز في تأليف الكون؛ فلو أصبح كلُ سببٍ من الأسباب الطبيعية فاعلا مختارا مقتدرا -بفرضِ محالٍ- لسجدتْ تلك الأسباب عاجزةً ذليلةً أمام ذلك الإعجاز قائلة: سبحانك.. لا قدرة فينا.. ربنا أنت القدير الأزلي ذو الجلال.
كل شيء أمام القدرة سواء
ما خَلقُكُم ولا بَعثُكم إلّا كَنَفْسٍ واحدة
(لقمان:٢٨)
القدرة الإلهية ذاتية وأزلية لا يتخللها العجز أصلا، فلا مراتب فيها، ولا تداخلها العوائق قطعا، فالكل والجزء إزاءها سواء، لا يتفاوتان؛ لأن كل شيء مرتبط بالأشياء كلها. فمن لا يقدر على خلق كل الأشياء لا يقدر على خلق شيء واحد.
— 826 —
مَن لم يقبض على زمام الكون كلّه لا يقدر على خلق ذرة
إن من لا يملك قبضة قوية يرفع بها أرضنا والشموس والنجوم التي لا تحصى، ويضعها على هامة الفضاء، وفوق صدره، بانتظام وإتقان، ليس له أن يدّعي الخلق والإيجاد قطعا.
إحياء النوع كإحياء الفرد
كما أن إحياء ذبابة غطت في نومٍ شبيه بالموت في الشتاء، ليس عسيرا على القدرة الإلهية، كذلك إحياء هذه الدنيا بعد موتها، بل إحياء ذوي الأرواح قاطبة، سهل ويسير عليها.
الطبيعة صنعة إلهية
الطبيعة ليست طابعة، بل مطبع.. ولا نقاشة بل نقش، ولا فاعلة بل قابلة للفعل.. ولا مصدرا، بل مسطر.. ولا ناظما بل نظام.. ولا قدرة بل قانون.
فهي شريعة إرادية، وليست حقيقة خارجية.
الوجدان يعرف اللّٰه بوَجْده ونَشوته
في الوجدان انجذاب وجذب، مندمجان فيه دوما، لذا ينجذب، والانجذاب إنما يحصل بجذبِ جاذبٍ.
وذو الشعور ينجذب انجذابا، إذا ما بدا ذو الجمال وتجلّى ببهاء دون حُجُب.
هذه الفطرة الشاعرة تشهد شهادة قاطعة على الواجب الوجود ذي الجلال والجمال. شاهِدُها الأول ذلك الجذب.. والآخر ذلك الانجذاب.