لاحقة أمير داغ
— 134 —

إلى مدير أمن أفيون

حين رأيتُكم لأول مرةٍ یی ولم أكن أعرفكم یی رأيتُ فيكم شخصًا عادلًا منصِفًا، وإني لأجل هذا أُبيِّن لكم حقيقةً أنتم على علاقةٍ بها قبل أيِّ شخصٍ آخر، وأترك لكم یی بحكم وظيفتكم یی إبلاغَها للجهات المَعنيَّة.
تلك الحقيقةُ هي أن وضعي الحاليَّ لم يَسبِق له مثيلٌ في التاريخ.. إذْ إني فضلًا عما أقاسيه من الشيخوخة والمرض والعَوَز.. جُرِّدتُ من كلِّ شيء، ووُضِعتُ في عزلٍ مطلق، ومُنِعتُ من التواصل مع أيِّ شخصٍ حتى مع جماعة المصلين في المسجد.. وبرغم هذا كلِّه خَطَرَ بقلبي خاطرٌ يقول: ما دمتُ أحدَ أبناء هذا الوطن، فمن الواجب عليَّ خدمةُ ما يُحقِّق سعادتَه؛ لكنْ لَمَّا لم يكن يتأتَّى لي تقديمُ شيءٍ من الناحية المادية، لم أجد ما أُقدِّمه سوى رسالتَين وَعَيتُهما من القرآن وألَّفتُهما بقلمي، هما رسالتا "الثمرة" و"حجة الله البالغة"، فأَذِنْتُ لبعض إخواني بطباعتِهما بالحرف اللاتيني المُستحدَث.
وكان سَبَق لهاتين الرسالتين أن دَقَّقتْهما الجهاتُ المَعنيَّة ولجنةُ الخبراء بأنقرة ومحكمةُ "دَنِزْلي" مدةً تَقرُب من سنتَين، فلم يجدوا فيهما شيئًا يستوجب المسؤولية، فأعادوهما إلينا بشكلٍ رسمي؛ وكنتُ فضلًا عن ذلك كتبتُ إلى إخواني أنِ اعرضوا الرسالتَين على الرقابة وكبار المحررين، ثم اطبعوهما، وبيَّنتُ لهم أنَّ من الأصول المتَّبعة بعد الطبع تسليمَ اثنتي عشرةَ نسخةً إلى الجهات الحكومية؛ ثم طلبتُ منهم أن يُلحِقوا بالرسالتَين رسالتَي "الإخلاص" و"الاقتصاد"، تُطبعان بالحرف اللاتيني المُستحدَث.
وأؤكد لكم بشكلٍ قطعيٍّ أن ليس لي مَقصَدٌ من طبع هذه الرسائل إلا الحفاظَ على هذا الوطن المبارَك وشعبِه المبارَكِ من "الفوضوية" الهدَّامة بصورتَيها المادية والمعنوية، والمساهمةَ في ترسيخ الأمنِ والاستقرارِ والانضباطِ المعنوي، وإقامةَ سدٍّ معنويٍّ في وجه تيارٍ خارجيٍّ يثير الفوضوية والتمرُّد، والعملَ على إزالةِ الاتهامات والاعتراضات الموجَّهةِ إلينا من العالَم الإسلامي، وإعادةَ ما كان بيننا وبينه من محبةٍ
— 135 —
وأُخوَّة.. أجل، هذا هو مقصَدي، ولكنْ أقولها بكلِّ أسف: ثمة أناسٌ يُضمِرون لي العداء منذ القديم، يستغلُّون حالةَ انقطاعي عن الدنيا، وعدمَ صلتي بأهل الحكم والإدارة، وعدمَ معرفتي بأحوال العالَم، وما ألاقي من تعرُّضٍ غيرِ قانوني، فيثيرون هواجسَ جهات الأمن والقضاء مني.
فمن ذلك ما سمِعتُه عَرَضًا من أن رجال المباحث صادروا في قطارٍ أربع رسائل من مؤلفاتي، إضافةً إلى نسخةٍ من مراسلاتي التي جَرَت في العامَين الأخيرَين، علمًا بأن اثنتَين من تلك الرسائل هما رسالتا "الإخلاص"، وهما رسالتان خصوصيتان بدرجةٍ ما، وقد سَبَق أن اطلع عليهما رجالُ المحكمة وأعضاءُ لجنة الخبراء بأنقرة، ودقَّقوا فيهما فلم يجدوا فيهما ضررًا، فأعادوهما إلينا. أما "رسالة الاقتصاد" التي أُرسِلتْ إلى إسطنبول لعرضها على الرقابة وكبار المحرِّرين، فهي رسالةٌ لازمةٌ لكلِّ شخصٍ في هذا الزمان.
وأما "رسالة الكرامة العَلَوية" الموسومةُ بی"اللمعة الثامنة عَشْرة"، فقد أُرسِلتْ مع الرسائل الأخرى خطأً، علمًا بأني لا أسمح لأحدٍ بقراءتها إلا لأَخَصِّ إخواني فكيف بطبعها؟! ومع هذا فهي رسالةٌ لا علاقة لها بشؤون الدنيا، وقد دققتْ فيها المحكمةُ ولجنةُ الخبراء ثم أعادوها إلينا، فضلًا عن أني كتبتُها قبل عشر سنوات، وكنتُ حينئذٍ في حاجةٍ ماسَّةٍ إلى السُّلوان لِما أعانيه من كربٍ شديدٍ في سجن "أسكي شَهِر"، فوَرَدَت على قلبي بِشارةٌ معنويةٌ فكتبتُها.
وأما نُسخةُ مراسلاتي التي جرَتْ في العامَين الأخيرَين، بل في الأعوام الأربعة أو الخمسة الأخيرة، فلم تُرسَل لتُطبَع وتُنشَر مع هذه الرسائل المذكورة، وإنما أُرسِلَتْ بناءً على طلبِ واحدٍ أو اثنين من خواصِّ أصحابي رغبوا في قراءتها والاطِّلاع عليها، وكان سببُ كتابتي لها رغبتي في الحديثِ إلى مَن عانوا مِحنةَ السجن بسببي، والتسريةِ عنهم وبثِّهم السُّلوان، وتداولِ الآراء معهم حول رسائل النور التي عادتْ على هذا الوطن وأبنائه بالنفع العظيم في دنياهم وأُخراهم كما هو مشاهَدٌ منذ عشرين سنة.. وربما وُجِد بين هذه المراسلات عرائضُ شكوى كتبتُها إلى الجهات العليا بأنقرة.
— 136 —
فهذه هي ماهيةُ الرسائل والمراسلات التي صادرها رجالُ المباحث، أبيِّن لكم حقيقتَها، لاحتمالِ أن تَصِلَكم أو لعلَّها وَصَلتْكم.
وإني لأرجو یی بما تتحلَّون به من جِدِّيةٍ والتزامٍ بوظيفتكم یی أن تمنعوا التضييقَ الشديدَ الذي تمارسُه معي بعضُ الجهات، وما ألقاه من تعرُّضٍ غيرِ قانونيٍّ مبناهُ ظنونٌ وأوهام.
٭٭٭