Risale-i Nur

لاحقة أمير داغ
— 93 —
كلِّها، بل كنت دائمًا أتعجب منها في حيرة! إذ لم أجد في نفسي كفاءةً لتدبُّر أموري وتسوية علاقاتي بالحياة الاجتماعية، ناهيك عن عبقريةٍ خارقةٍ أو ولايةٍ فوق العادة!
صحيحٌ أنه ظهَرَت في حياتي حالاتُ تكلُّفٍ تَلفِتُ الأنظار، إلا أنها كانت خارجَ إرادتي واختياري، كيلا أُخيِّبَ في الناس حُسنَ ظنِّهم بي؛ وكنت أرى في نفسي أنْ لا حقيقةَ لما يبادرُني الناسُ به من حسن الظنِّ، وأني لا أصلُح للدُّنيا في شيء، وأن كوني مظهرًا لإقبالٍ يفوقُ حدِّي بألف درجة أمرٌ خلافُ الحقيقة.. غير أني أدركتُ بإحسانٍ إلٰهيٍّ حكمةَ ذلك الأمر في نهاية حياتي البالغةِ سبعين أو ثمانين عامًا، فلِلَّه الحمدُ بغير حدٍّ؛ وسأُشير باختصار إلى قسمٍ منها، وأُبيِّن بعضًا من نماذجِها الكثيرة:
النموذج الأول: أنه حسَبَ أصول المدارس الدينية التقليدية، يلزمُ دراسةُ العلم خمسةَ عشرَ عامًا على الأقلّ، حتى يتمكَّن المرء من تحصيل الحقائق الدينية والعلوم الإسلامية بتمامها، فظهرت في سعيدٍ آنَئذٍ حالةٌ عجيبة خارجَ نطاقِ قابليَّته واستعدادِه بكثير، فبعد أن تلقَّى دروسًا في مباحث الصرف والنحو سنةً أو سنتين، بدا كأنه درس أربعين أو خمسين كتابًا وأُجيز بها خلالَ ثلاثة أشهر، فضلًا عن الذكاء الخارق أو القوّة المعنوية.
ولقد أظهرت هذه الحالةُ بعد ستِّين سنةً بوضوح: أنها إشارةٌ إلى أنَّ تفسيرًا قرآنيًّا سيظهر، يمكنُه أن يمنحَ المرءَ العلوم الإيمانية في مدة وجيزة لا تتجاوز بضعةَ أشهر، وأن سعيدًا المسكين هذا سيقوم بخدمة ذلك التفسير.. كما تواردت على الذِّهن خواطرُ كأنها إشاراتٌ غيبية، بأنه سيُظلُّنا زمانٌ يندُرُ فيه وجود المدارس الدينية، ولن يتمكَّن أحدٌ من إيجاد مدرسةٍ تقرِّرُ العلوم الإيمانية ولو لسنةٍ واحدة، ناهيك عن خمسَ عشْرةَ سنةً.
النموذج الثاني: إن قيام سعيدٍ في الماضي یی زمنَ صِباه یی بمناظرة عُلماءَ أجِلّاءَ، وإجابته على أسئلتهم، خاصةً إجاباتِه السديدة على أعقد مسائلِهم وأشدِّها غموضًا، دون أن يُراجِع أحدًا.. أعترف اعترافًا قاطعًا وأجزم أنها ما كانت نابعةً من ذكائي الخارق أو من استعدادي العجيب.
فبينما كنت صبيًّا مسكينًا مبتلًى، ومبتدِئًا لتوِّي في الطلب، سارحَ الفكر، مثيرًا للَّغَط، ما كان بمقدوري إجابةُ علماءَ أفذاذٍ، بل كنت أُهزَم أمامَ أبسط الأساتذة بل
— 94 —
حتى أمامَ صغارِ الطلاب؛ وإنني على اقتناعٍ قطعيٍّ أنَّ إجاباتي السديدةَ ما كانت تَنبُع من ذكائي واستعدادي، وكنتُ طَوالَ سبعين عامًا مضت في حيرةٍ من هذا الأمر! لكني أدركتُ الآن یی بإحسان إلٰهيٍّ یی حكمةَ ذلك، وهي أنَّ عُلومَ المدارس الدينية التي هي بحكم نواة ستُمنَح شجرةً، وأنَّ القائمَ بخدمة تلك الشجرة سيكون له معارضون ومنافسون كُثْر.
وجريًا على عادةٍ ساريةٍ بين أصحاب المسالك والمشارب الإسلامية المختلفة، من انتقادِ بعضهم بعضًا، ونشرِ مؤلَّفاتٍ لتفنيدِ آرائهم، بل حتى تسفيههم وتحطيمهم والظهور عليهم، كما كان دأْبُ المعتزلة وأهل السُّنة.. كان يلزم بروزُ علماءِ المدارس في هذا الزمان ليوجِّهوا الصَّفَعاتِ القويّةَ لخادم شجرة النور تلك، لِما يحملون من روح المنافسة والغَيرة الناجمة عن اختلاف المشارب، إلا أنه لم يَتَصدَّ أيٌّ منهم لنشرِ تصانيفَ تَنتَقِدُ الأنوارَ، رغم سرَيانِ تلك العادة فينا منذ القديم، ورغم إثارةِ رسائل النور حفيظةَ أولئك العلماء وتحطيمِها غرورَهم! فلِلَّه تعالى مئاتُ آلاف الحمد.
والسببُ في هذا: إجابةُ "سعيدٍ الصغير" على أسئلة العلماء إجاباتٍ سديدةً في الماضي، ممّا حطَّم جُرأَتَهم، ومع مخالفة "سعيدٍ" لمشاربهم لم يتجرَّأ أحدٌ من العلماء في أيِّ مكان على التصدِّي لرسائل النور؛ فتولَّدت لديَّ قناعةٌ تامّة أن هذا الأمر أحدُ مظاهر تلك الحِكمة، وإلا فلو أبدى أصحابُ المدارس الدِّينية الاعتراضَ في مثل هذا الزمن العجيب، لَاستغلَّ الأمرَ أعداؤنا الموالون للإلحاد، وجعلوه ذريعةً للطعن في الأنوار وانتقاصِ العلماء.. فلِلَّه الحمدُ بلا حدٍّ أنَّ العلماء ذوي المناصب الرسمية لم يتَّخذوا موقفًا ضدَّ الأنوار، رغمَ تعرُّض الأنوار لهم كثيرًا.
النموذج الثالث: إن "سعيدًا القديم" كان فقيرَ الحال منذ صباه، ووالدُه كان أيضًا يعاني الفقرَ، ومع ذلك لم يكن يقبلُ الصَّدقات أو الهدايا من أحد رغمَ حاجته الشديدة، وما كان يستطيع تقبُّلَها دون مقابل؛ وكانت العادةُ في "كردستان" قد جرت بصرفِ مخصَّصاتِ الطلاب من بيوت الأهالي، وتغطيةِ مصاريفِهم من أموال الزكاة، إلا أن سعيدًا لم يذهب يومًا لتلقِّي مخصَّصاتٍ من أحد، ولم يأخذ يومًا زكاةً على علم؛ وقد
— 95 —
بتُّ على قناعةٍ قطعيّةٍ أن الحكمة في عدم أخذِ "سعيدٍ" الصَّدقاتِ والهدايا من أحدٍ حتى اليومِ هي: ألّا أجعلَ خدمةً ساميةً إيمانيةً وأخرويةً خالصةً كی"رسائل النور" أداةً لمغانمَ دنيويةٍ، ووسيلةً لمنافعَ شخصيةٍ؛ لذا تشكَّلت لديَّ حالةُ نُفورٍ من تلك العادة المقبولة والسَّجِيّة غير الضارّة، فآثرتُ عدمَ مدِّ اليد للناس، واستغنيتُ بالرضى بالفقر والكفاف وشدّة الفقر والعوَز، كيلا تَفسُد قوّةُ "رسائل النور" الحقيقية، التي هي الإخلاص.. وإنني أشعر بإشارة معنوية: أن هزيمة أهل العلم في المستقبل ستَنشَأُ من هذه الحاجة التي ستشغلُهم بهموم العيش.
النموذج الرابع: لقد عمل "سعيدٌ الجديد" في شيخوخته على إبعاد نفسه تمامًا عن السياسة والدنيا، إلا أنَّ أهل الدنيا سامُوه طَوالَ ثمانيةٍ وعشرين عامًا شتَّى أنواع الظلم، خلافًا للقانون والإنصاف والوجدان، بل بصورة منافيةٍ للإنسانية، وانهالوا عليه إساءةً وإيذاءً وهو الذي لشدّة بُؤسه ما كان يحتمل لَسْعةَ ذُباب، ومارسوا معه أشنعَ صنوفِ الإهانة والإذلال؛ غيرَ أنه مُنِح مقابلَ هذا كلِّه تحمُّلًا وصبرًا منعدِمَ النَّظير.
ورغم أنه إنسان عصبيُّ المزاج، ولا تَعرِفُ فطرتُه الخوفَ، ويحملُ جرأةً عظيمة بما يملكُ من إيمانٍ بحقيقةِ أنَّ الأجل واحدٌ لا يعتريه تغيير؛ إلا أنه بدا رجلًا متصبِّرًا كأنَّه مسكينٌ خوّافٌ، بل وُهِبت روحُه بعدَ حينٍ انشراحًا عقبَ التعرُّض للإهانة والتعذيب.
وإني لَعلَى قناعةٍ قطعيةٍ أن حكمة صبره وتحمُّله وانشراحه تتجلَّى في عدم اتِّخاذه "رسائلَ النُّور" التي تفسِّر الحقائقَ الإيمانيةَ للقرآن الحكيم أداةً لأيِّ شيء، أو وسيلةً لمَنافعِه الشخصية أو كمالاته المعنوية، إذ قام أربابُ السِّياسة ببثِّ شُبَهٍ وهواجسَ في حقِّه من قبيل استغلاله الدِّين لأجل السياسة، فسُجِن لذلك وعُذِّب، بينما وجَّه له القدَرُ الإلٰهيُّ یی تحت ستارِ تلك الأحكام الظالمة لأهل الدنيا یی صَفَعاتِ الرحمة والشفقة كيلا يَفسُد الإخلاصُ الكامن في ثنايا النور، قائلًا له: "حَذارِ حَذارِ أن تجعل رسائل النور التي تفسِّر الحقائقَ الإيمانية أداةً لمنافعك الشخصية بل لكمالاتك المعنوية، ومطيّةً لنجاتِك من البلايا والأضرار التي تصيبُك، وذلك كي تصون الإخلاصَ الحقيقي الذي هو أعظم قوّة للنُّور من الفساد".
— 96 —
كما بتُّ على يقين جازم بأنني في الوقت الذي أتوجَّهُ فيه لشؤون آخرتي وأَنشَغِلُ بعباداتي الشخصية، منصرِفًا عن خدمة النور، يتسلَّط عليَّ أهلُ الدنيا ويُذيقونني صنوفَ أنواع العذاب.
ونُحيل إيضاحَ هذا النموذج الرابع إلى الرسالة التي أُلِّفت مؤخَّرًا، والتي تتحدَّث عن زجِّ أهل الدنيا لی"سعيدٍ" في السجون بدعوى استغلالِه الدِّينَ لأغراضٍ سياسيّة، وإدراكِ "سعيد" حكمةَ الأمر لاحقًا بأنها صَفَعاتُ رحمةٍ من القدَر الإلٰهي، وحكمةَ صَفحِه عنهم، وحكمةَ تحمُّله وصبره كذلك.
النموذج الخامس: رغم شدّة احتياجِ سعيدٍ المسكين إلى الخطِّ الجميل، وانشغاله بصنعة الكتابة منذ سبعين عامًا، واضطراره إلى تصحيح أكثرَ من مِئَتَيْ صحيفةٍ في اليوم الواحد أحيانًا.. إلّا أنه لم يُفلِح في الحصول على خطٍّ جميلٍ يتحصَّل عليه خلالَ عشَرةِ أيام طفلٌ ذكيٌّ في العاشرة من عُمُره! إنه لَأمرٌ يدعو إلى الحَيرة والعَجَب، إذ ما كان "سعيدٌ" فاقدَ الاستعداد والقابلية كُلِّيًّا، إضافةً إلى أن أشِقّاءَه كانوا يُجيدون الكتابة، وخطوطهم جميلة!
وإنني على قناعة تامّة أن الحكمة في رداءةِ خطِّي وبقائي به شِبهَ أُمِّيٍّ مع شدّة حاجتي إليه: أنه سيأتي زمانٌ لن تتمكن فيه الطاقاتُ والقُدُراتُ الجزئية والشخصيّة وحدَها من مجابهة أعداءٍ رهيبين معنويِّين لا يُقاوَمون، فدَعَتِ الحاجةُ للبحث الجادِّ عن أصحاب الخطوط الجميلة وإشراكِهم في الخدمة، ليشكِّلوا معًا آلافَ الأقلام التي تُحوِّل تلك الخدمة الجزئية الشخصية والقلمَ الواحد إلى خدمةٍ كُلِّيةٍ عموميةٍ قوية، تخدُم تلك الشجرة المعنوية، تمامًا كاجتماع الماء والهواء والضياء حول النَّواة..
وإنَّ إذابة أنانيَّته كقِطَع الثلج في ذلكم الحوضِ المبارك بغيةَ تحصيلِ الإخلاص الحقيقيِّ، هي حكمةٌ أخرى تدفع لخدمة الإيمان بهذه الصورة.
الباقي هو الباقي
٭٭٭
— 97 —
إخواني الأعزاء الأوفياء..
نبارك عيدَكم من صميم أرواحنا وقلوبنا، وستُدرِكون بإذن الله تعالى العيدَ العظيم للعالم الإسلاميّ، فثمّةَ أماراتٌ كثيرة تُشيرُ إلى أن القرآن الحكيم الذي هو منبع الدَّساتير القدسية للجمهوريات الإسلامية المتَّحِدة، سيَبسُط هيمنتَه وحُكمَه في المستقبل، ويجلُب عيدًا تامًّا للبشرية.
ثانيًا: لم تبقَ شبهةٌ في أن رسائل النور وطُلّابَها مظهرٌ للحفظ والعناية الإلٰهية، فرغم الظروف الدقيقة الحسّاسة لهذه المرحلة، ورغم القوانين المِزاجية، ورغم التعصُّب الشديد، إلا أن القوم لم يتمكَّنوا طوالَ زمن مديدٍ من إلحاق الضررِ بطلاب النور سوى بنسبةِ واحدٍ في المئة.
فمعَ المخطَّط الرهيب لإشغالِ ستِّ مئةِ طالبٍ من طلّاب النور النَّشِطين بالمُحاكمات، إلا أنه لم يُمكِنْهم التعرُّض سوى لسِتّةِ طُلّابٍ وبشكلٍ بسيط..
حتى إنَّ خمسًا وعشرين جهةً قضائية لم تستطع محاكمُها العثورَ على موضع تهمة في مئات الآلاف من نُسخِ رسائل النور، وفي مئات الآلاف من طلابها یی كما كتب بطلُ النور یی؛ والدليل القاطع على ذلك هو ما تُردِّده الجهات القضائية على الدوام: "ليس في الأنوار موضع جُرم، ولا نستطيع إيجاد ذلك فيها"..
فضلًا عن أنني تحدَّثت في محكمتَيِ "إسطنبول" و"أفيون" بحديثٍ يُناقض تمامًا قوانينَهم الحساسة، والتي يمكن إساءةُ استعمالِها، إلا أنهم لم يوجِّهوا لي أيَّ إدانة..
ناهيك عن أن الأنوار قد قلَبَت قوانين المدنيّة الظالمة رأسًا على عقب، وما استطاعوا الوقوفَ على موضع تهمة؛ مما يؤكِّد بوضوح أن الحقائق التي في الأنوار قد هزمت المعارضين لها، وأعادت الجهاتِ القضائيةَ إلى جادّة الإنصاف.
إن العناية الإلٰهية تتكفَّلُ بحفظ معجزة القرآن المعنوية: "رسائل النور" من يد معارضيها، بل تحوَّلت هجَماتُ المعارضين وسيلةً لسطوع الأنوار وسببًا لانتشارها.
٭٭٭
— 98 —

يقول أستاذنا:

إن جميع من زامنَني من مسؤولي الدولة منذُ ثمانٍ وعشرين عامًا قد ضيَّقوا عليَّ كثيرًا، ما خلا الشرطةَ، فإنهم لم يُضايقوني بشيء، بل لقد وقف بعضُ أهل النخوة منهم مُدافِعًا عني، وها أنا اليوم أبيِّن حكمةَ تصرُّفهم هذا: لقد تحقَّق أن رسائل النور وطلابها هم بمثابة رجالِ أمنٍ معنويِّين، يَسعَون بكامل الهيبة والشعور بالمسؤولية لأجل الحفاظ على الأمن والاستقرار، وقد أيقظوا بنصائحهم في قلب كلِّ شخصٍ رقيبًا إيمانيًّا، فلاحظَتْ أجهزةُ الأمن هذه المعاني، فكانوا على الدوام أصدقاءَ لرسائل النور وطلابها.
والسِّرُّ في ذلك: أنها تقضي یی حسَبَ أحد دساتير القرآن الأساسية یی بإيقافِ عشرةٍ بالمئة من جُناةٍ يُحاوِلون الإخلالَ بالأمن، حتى لا يَلحق الضرر تسعين بالمئة من الأبرياء نتيجةَ ذلك، إذ لا يُدان أحدٌ بجريرة الآخر؛ وبناءً على هذا السِّرّ: فإنه بالرَّغم من وجود قوًى معنويةٍ رهيبة تَسعى حاليًّا للإخلال بالأمن والاستقرار، وبالرغم من أن هذه المساعيَ في هذا الوطن المبارك أشدُّ نشاطًا منها في فرنسا ومصر والمغرب وإيران، إلا أنهم لم يتمكَّنوا من الإخلال بالأمن، والسببُ الأعظم في ذلك هو: أن ستَّ مئة ألفٍ من نُسَخ النور وخمسَ مئةِ ألفٍ من طلاب النُّور تصدَّوا لتلك التخريبات المعنوية كقوّةٍ معنويةٍ مساندةٍ للأمن، وقد لاحظَت قُوى الأمن هذا الأمرَ، لذا فهم يقِفُون تجاهَنا مَوقِفَ الإنصاف والشَّفقة منذ ثمانيةٍ وعشرين عامًا، خلافًا لِما يفعلُه المسؤولون الرسميُّون.
ويقول أستاذنا أيضًا:
إنَّ على أفراد الأمن في هذا الزمان أن يكونوا على جانبٍ من التقوى أكثر من العلماء والمتصوِّفة، وأن يجتنبوا الكبائر ويؤدُّوا الفرائض، وهم بحسَبِ مقتَضَيات وظيفتهم في حاجةٍ شديدةٍ لذلك، كي يتمكَّنوا من أداءِ وظائفِهم في الحفاظ على الأمن العامِّ للبلاد، في مواجهة المخرِّبين المعنويِّين.
مَن في خِدمته من طلاب النور
٭٭٭
— 99 —

هذه الرسالة كتبها الأستاذ سابقًا، ولأنها جوابٌ شافٍ لتُهَم

"كسب النفوذ وجعل الدِّين أداة للسياسة" أُلحقت في لائحة القرارات..
الحقيقة وحدَها هي التي تتكلم
سبق أن بُيِّن في رسائل النور أن بعض الظلم ربما انطوى على عدالةٍ بالغة؛ وذلك أن الإنسان قد يتعرَّض للظلم لسببٍ ما وبغيرِ وجهِ حقٍّ، كأنْ تَنزِلَ به مصيبةٌ أو يُدانَ ويُزجَّ به في غياهب السجن، فيكون هذا السبب على غير حق ويكون هذا ظلمًا في ظاهر الأمر، إلا أن الحدث نفسَه قد يكون في حقيقته مَظهرَ عدالةٍ، إذْ يجازي القدَرُ الإلٰهيُّ هذا الإنسانَ الذي استحق العقاب على أمرٍ ما، فيَسوق له العقابَ على يد ظالمٍ، أو يزُجُّ به في مصيبة.
إنني أفكر اليوم في أمري، فأجدني منذ ثمانٍ وعشرين سنةً أُنفى من ولايةٍ إلى ولاية، وأُشَرَّدُ من بلدةٍ إلى بلدة، وأُساقُ من محكمةٍ إلى محكمة!! فأيُّ جُرمٍ يتَّهمني به مَن يعاملونني بهذا الظلم والأذى؟ أليس هو تهمةَ اتِّخاذ الدين أداةً للسياسة؟ فلماذا يَعجِزون عن إثباتها إذًا؟! بلى، لأنه لا وجود لها في واقع الأمر.
فهذه محكمةٌ تقضي الشهور والسنوات بحثًا عن جرمٍ تُدينُني به فلا تجده، فتتركني لتأخذَني محكمةٌ أخرى فتسوقَني للمحاكمة من جديدٍ حول القضية نفسها وتنشغلَ بها زمنًا، وتُضيِّق عليَّ وتُذيقني ألوانًا من الأذى، ثم لا تخرج من ذلك بطائل، فتتركني لتتلقَّفني محكمةٌ ثالثةٌ وتأخذَ بخناقي؛ وهكذا أتقلَّب بين مصيبةٍ وأخرى، وأتنقَّل بين محنةٍ وأخرى، حتَّى انقضَى من حياتي ثمانيةٌ وعشرون سنةً على هذه الحال، ليتبيَّن لهم في نهاية المطاف أن جميع التُّهم التي وجَّهوها ضِدِّي لا وجودَ لها ولا أساس لها من الصِّحّة.
إنني أفكِّر وأتساءل: أكانت هذه الاتِّهامات صنيعةَ افتراءٍ وتَجَنٍّ؟ أم كان مردُّها مخاوفَ وهواجسَ تجاهي؟ أيًّا كان السبب فإني أعلم علمَ اليقين أنْ لا علاقةَ لي
— 100 —
بها ولا صلةَ لي بها من قريبٍ أو من بعيد، ويعلم جميعُ أهل الإنصاف في الدنيا أنني لستُ بالرجل الذي يتَّخِذُ الدِّين أداةً للسياسة، بل حتى الذين يوجِّهون إليَّ هذه التهمة يعلمون أني بريءٌ منها، فلماذا يُصِرُّون على ظلمهم لي؟ ولماذا أظلُّ عرضةً للظلم والأذى المستمرِّ رغم براءتي وسلامة ذِمَّتي؟ ولماذا لم أستطع الخَلاص من كلِّ هذه المصائب والمحن؟ ألا يُعدُّ هذا مخالِفًا للعدالة الإلٰهية؟
لقد ظلَّت هذه التساؤلات محلَّ تفكيري طَوالَ رُبُعِ قرن، ولم أكن أهتدي إلى جوابٍ لها، لكنني اليوم عرفتُ السبب الحقيقيَّ من وراء ظلمهم إيَّاي وإيذائهم لي، وإنني أقولها بكلِّ أسف: لقد كان ذنبي أنني أردتُ اتِّخاذَ خدمتي القرآنية أداةً لترقِّياتي وكمالاتي المادِّية والمعنوية، وهذا أمرٌ أَعِيه وأشعرُ به اليوم تمامًا، لكنني أحمدُ الله تعالى وأشكرُه بلا حدٍّ أنْ قامَتْ موانِعُ معنويةٌ قويةٌ لا يَدَ لي فيها، كانت تمنعُني طَوالَ هذه السنين من اتِّخاذ خدمتي الإيمانية أداةً لترقِّياتي وكمالاتي المادية والمعنوية، أو وسيلةً للنجاة من العذاب والجحيم، أو حتى وسيلةً لنيل السعادة الأبدية، أو سوى ذلك من المقاصد.
لقد أثارت هذه الخواطر والمشاعر العميقة عَجَبي وحَيرتي، فمع أن كل إنسانٍ يرنو لنيل المقامات المعنوية، ويسعى بالعمل الصالح للفوز بالسعادة الأُخروية، ومع أن التوجُّه لهذه الغايات حقٌّ مشروعٌ لكلِّ أحد، ولا ضررَ منه على أحد، إلا أني لطالما مُنِعتُ من هذه الأحوال قلبًا وروحًا، وأُريتُ أنْ لا مطلبَ أسعى إليه بعد مرضاة الله تعالى سوى تأدية الخدمة الإيمانية بدافع من وظيفتي العِلمية الفطرية؛ ذلك أن الحقائق الإيمانية یی وهي التي ما ينبغي أن تُتَّخَذ أداةً لشيء، أو تكون تابعةً لشيء، بل هي تسمو على كلِّ غايةٍ ومَقصَد یی لا بدَّ أن تُلَقَّنَ في هذا الزمان بعُبوديةٍ فِطريةٍ لِمَن هو بحاجة إلى مَعرِفتها، ولِمَن لم يَتوصَّل إلى مَعرِفتها، تلقينًا يترك بالغَ الأثر، ولا بدَّ لحقائق القرآن أن تُعلَّم على نحوٍ لا تكون معه أداةً لشيء، بل تُعلَّمَ بحيث تُنقِذ إيمان المرء في هذه الدنيا المتقلِّبة المضطربة، وتورِث المعانِدَ اليقينَ القطعيّ، وحقيقٌ بمثل هذا المَسلَك أن يَقصِم ظهرَ الكفر المطلق، ويقطع دابِرَ الضلالة المتمرِّدة المعاندة، ويورِث كلَّ إنسانٍ اقتناعًا قاطعًا.
— 101 —
ولا يمكن لهذه القناعة أن تتحقَّق في هذا الزمان وهذه الظروف إلا بتَيَقُّنِ أن الدِّين لا يُتَّخَذُ أداةً لأيِّ غرضٍ شخصيٍّ، دنيويًّا كان أو أُخرويًّا، ماديًّا كان أو معنويًّا، وإلا فإن مَن يتصدى لمواجهة شخصيةِ الكفرِ والإلحادِ المعنويةِ الناشئةِ عن المنظمات والجمعيات السِّرِّية، لن يقدر على إزالة جميع شبُهات الناس ووساوسِهم وإن حاز أكبر مرتبةٍ معنوية، لأن المعاند الذي يريد الدُّخول في الإيمان يمكن أن تُحدِّثَه نفسُه وأناهُ فتقول: "لقد خدَعَنا هذا الرجلُ بذكائه ومقامه المعنوي المُدهِش"؛ فيبقى تُراوِدُه الوساوسُ والشكوك.
وأحمد الله وأشكره آلافَ المرّاتِ أن القدَر الإلٰهي ما فتئ منذ ثمانٍ وعشرين سنةً ينبِّهني ويوجِّه إليَّ لَطَماتٍ بأيدٍ ظالمةٍ ممَّن اتهموني بأنني أتَّخِذ الدِّين أداةً للسياسة، فكان هذا منه عدالةً محضة، وكان بهذا يُجنِّبني یی دون علمٍ مني یی أن أتَّخذ الدِّينَ أداةً لغرضٍ شخصي، ويقول لي: حَذارِ حَذارِ.. لا تجعل حقائقَ الإيمان أداةً لشخصك.. حتى يفهم المحتاجون إلى الإيمان أن الحقيقة وحدَها هي التي تتكلَّم.. وحتى تتبدَّد أوهامُ النفس وتَسكُت دسائسُ الشيطان.
فهذا هو السرُّ الكامن وراء تأثير رسائل النور الذي يَعتَمِلُ في القلوب والأرواح كأمواج البحار الهادرة.. أجل، هذا هو السرُّ ولا شيء سواه؛ ومع أن الحقائق التي عرَضَتْ لها رسائلُ النور هي نفسُها الحقائق التي عرَضَ لها آلافُ العلماء ونشروها بأسلوبٍ أبلغَ في مئات آلاف الكتب، إلا أن هذه الكتب لم تستطع وقفَ الكفر المطلق، وإذا كانت رسائل النُّور قد وُفِّقَت بدرجةٍ مّا في مقارعة الكفر المطلَق في ظلِّ هذه الظروف العصيبة فإنَّما هو لأجل هذا السر، وإلا فلا وجود لسعيدٍ في هذا الأمر ولا أهليةَ ولا قدرةَ له عليه، وإنما هي الحقيقة.. الحقيقةُ الإيمانية وحدَها هي التي تتكلَّم.
فما دامت أنوار الحقيقة هي التي تفعل فِعلَها في قلوب المحتاجين إلى الإيمان، فَلْيَفدِها ليس سعيدٌ واحد، بل ألفُ سعيدٍ وسعيد، ولْيَهُنْ في سبيلها جميعُ ما قاسيتُه طَوالَ الثماني والعشرين سنةً من الأذى والضَّنك، وما عانَيتُه فيها من الشدائد، وما تعرَّضتُ له من المِحَن، وإنِّي قد أَحلَلْتُ جميعَ الذين ظلموني أو شرَّدوني من مدينةٍ
— 102 —
لأخرى، أو أساؤوا إليَّ، أو سَعَوا لإدانتي بشتَّى أنواع التُّهَم، أو زَجُّوا بي في السُّجون.. أَحْللتُهم جميعًا حقي.
وأقول للقدَر العادل: لقد كنتُ مستحِقًّا لِلَطماتك الرحيمة هذه، وإلا فلو كنتُ سلكتُ السبيل الآخَر كسائر الناس یی وهو سبيلٌ مشروعٌ ولا يتأتَّى منه ضرر یی فقَصَرتُ اهتمامي على نفسي ولم أتخلَّ عن أذواقي من الفيوضات المادية والمعنوية، لخَسِرتُ هذه القوةَ المعنويةَ الكبيرةَ في خدمة الإيمان.
لقد ضحَّيتُ بكلِّ شيءٍ لديَّ ماديًّا كان أو معنويًّا، وتحمَّلتُ كلَّ مصيبة، وصبرتُ على كلِّ أذًى، وبهذا انتشَرَت الحقيقة الإيمانية في كلِّ مكان، وبهذا أيضًا خرَّجَتْ مدارسُ النور یی وهي مدارس علمٍ وعرفان یی مئاتِ الآلاف بل الملايينَ من الطلاب، وهؤلاء هم الذين سيُواصلون العملَ في الخدمة الإيمانية على هذا النهج، ولن يحيدوا عن مسلكي الذي اتَّبعتُه في الاستغناء عن كلِّ شيءٍ ماديًّا كان أو معنويًّا، وسيَعمَلون لا يبتغون بعملهم شيئًا سوى مرضاةِ الله وحدَه.
ولقد تعرَّض معي أيضًا كثيرٌ من طلابي لشتَّى أنواع الأذى والعسف والاضطهاد، وقاسُوا شدائدَ عصيبة، فأطلُب منهم أيضًا أن يحذُوا حَذْوي في الصَّفح عمَّن ظلموهم واضطهدوهم، فهؤلاء الذين أذاقونا الأذى والشدائد قد أَسْدَوا خدمةً جليلةً لنشر الحقائق الإيمانية من حيث لا يعلمون، ومن حيث لم تُدرِك عقولُهم أسرارَ القدَر الإلٰهي، ووظيفتُنا تجاه هؤلاء هي أن نرجُوَ لهم الهداية.
وأُوصي ألّا يَحمِلَ أحدٌ من طُلّابي في قلبه ولو مِقدارَ ذَرّة من هاجِسِ الانتقام إزاءَهم، بل يُبادِرُوا عِوضًا من ذلك بالسَّعي لأجل "رسائل النُّور" بثَباتٍ ووَفاءٍ.
إنني جِدُّ مريض، ولا طاقةَ لي على الكتابة ولا الكلام، وربَّما كان هذا آخرَ كلامي، فلا يَنسَ طلابُ النور في المدرسة الزهراء وصيَّتي هذه.
٭٭٭
— 103 —

إخواني، هذه حقيقةٌ في غاية الأهمية، كُتبت بناءً على إخطارٍ وَرَد، فلتُقدَّم لرئيس الوزراء والنُّواب المتديِّنين إن رأيتم الأمرَ مناسبًا:

المقدِّمة:
لقد أمضيتُ قُرابةَ أربعين عامًا تاركًا السِّياسة، وقضيتُ معظم حياتي مُنزوِيًا فيما يُشبه الخلوة، ولعدم انهماكي في الحياة السياسية والاجتماعية ما كنتُ أُبصرُ خطرًا عظيمًا داهمًا، لكن شعرتُ هذه الأيامَ أن هذا الخطر العظيم يقوم بتهيئة الأسباب لإلحاق عظيم الضرر بالأمة الإسلامية وبهذه البلاد وبالحكومة الإسلامية التي تُدير شؤونَه.
فأجدُني مضطرًّا لبيان ثلاثِ نِقاطٍ وردَت على قلبي بإخطارٍ معنويٍّ، أُخاطبُ بها أربابَ السِّياسة العاملين بهِمّةٍ في مصالح الأُمّة الإسلامية والحاكميّة الإسلامية، والسّاعين بحَمِيّةٍ وغَيرةٍ لصلاح المجتمع وضمان سلامة البلاد.
النقطة الأولى:
رغم أنني لا أُصغي إلى الصُّحف، إلا أنَّه تتكرر على مسمعي منذ سنةٍ أو سنتين عبارة "الاتِّهام بالرجعية"، وقد دقَّقتُ فيها بعقليّة "سعيدٍ القديم"، فأيقنتُ أن أعداء الإسلام المتستِّرين الذين يتَّخِذون السِّياسة أداةً للإلحاد، ويَسعَون لإقرارِ أكثرِ قانونٍ بشريٍّ وحشيةً وبدائيةً، مُتقنِّعين بقناع الحَمِيّة والغَيرة، يقومون بإلصاق هذه التهمة الجائرة بالذين يعملون لخدمة أهل الإسلام بحَميّةٍ دينيةٍ وهمّةٍ إيمانيةٍ، بجعلِ السياسة أداةً للدِّين وتابعةً له، لا جعلِ الدِّين أداةً للسياسة، والذين يَسْعَون لإمداد هذه الحكومة الإسلامية وتقويتِها بقوّة الإسلام المعنوية، وتشكيل قوّةٍ احتياطيةٍ تقِفُ خلفَها قوامُها أربعُ مئة مليونِ أخٍ حقيقيٍّ، للنَّجاةِ من التسوُّل على أبواب الظَّلَمة من الدُّوَل الأوروبّية.
— 104 —
فيَصِمُونهم ظُلمًا بالرجعية، ويتوجَّسون منهم خيفةً، ويتَّهِمونهم بالإضرار بالوطن، وذلك ظلمٌ عظيمٌ يتجاوز مداه الأرضَ ليبلُغَ عنانَ السماوات!
وفي النقطة الثانية توضيحُ أوَّلِ نماذجه، وقد آن أوانُه، ليكون سدًّا منيعًا في مواجهة ظُلم هذا العصر الرهيب؛ فثمّةَ مفهومَا رجعيّةٍ يستند كلٌّ منهما بمنشئه إلى دستورٍ أساسٍ:
الأول: سياسيٌّ واجتماعيٌّ، وهو الرجعية الحقيقية، فلقد أصبح قانونُها الأساسي مبعثًا لكثيرٍ من الظلم وسوء الاستخدام.
الثاني: أساس العدالة والرُّقيِّ الحقيقيّ، لكن أُطلق عليه اسمُ الرجعية.
النقطة الثانية:
إن الذين يَشنُّون هجومًا على الدِّين باسم المدنيّة، يريدون العودة إلى عهود التخلُّف والوحشية والبداوة، من خلال إقرار أحدِ الدساتير التي كانت سائدةً زمنَ بداوة البشرية وهمجيَّتها، وهو دستورٌ وحشيٌّ رهيبٌ يدمِّر سلامة البشر، ويقضي على العدالة والسِّلم العامِّ بينهم؛ إنه الآنَ يُحاول دخولَ وطنِنا المُستَضعَف، والعملَ على تلقيح بذور الحقد والعناد تحت شعارِ التيّارات الحزبية، وها هي بوادر الاختلاف تظهرُ نتائجُها.
ذلكم هو دستور مؤاخذة المجموع بجريرة الفرد.. أن يُدان بجريرةِ فردٍ واحدٍ جميعُ أفرادِ طائفته أو تيّارِه أو عشيرتِه، فيُحمَّلوا المسؤولية كاملةً، وتُسلَّطُ نحوَهم مشاعرُ العَداء، ويضخَّم الخطأُ الواحد ليغدوَ بحُكم الآلاف؛ ممّا يقضي على التآخي والمواطنة والمحبة، التي هي ركائزُ الاتِّفاق والاتِّحاد.
أجل، إن القوى المعاندة والمعارضة التي يُجابِه بعضُها بعضًا تَفقِدُ من قوَّتها، فتغدو عاجزةً عن القيام بخدمة الشعب والوطن والبلاد بصورة عادلة، لذا تُضطَرُّ إلى دفع نوعٍ من الرَّشاوي المادِّية والمعنوية لكسبِ موالاةِ الملحدين ووقوفهم في صفِّها، عبر إقرار قانونٍ ظالم ووحشي وبِدائي، شبيهٍ بقوانين محاكم التفتيش، بدلًا من القانون
— 105 —
السماويِّ المقدَّسِ العادل، الذي ينصُّ على أنه: وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى، هذا القانون الذي يُرسي دعائمَ المحبة والأُخوّة الحقيقية، ويُنقِذ هذا الشَّعب المسلم وهذا الوطن من مخاطرَ عظيمة، إذ ينصُّ على أنه لا يُؤاخذ أحدٌ بجريرة آخَرَ، ولا يُعَدُّ شَريكًا في جنايةٍ ارتكبها، سواءٌ كان أخاه أو عشيرتَه أو طائفتَه أو حزبَه، إلا إن كان مؤيِّدًا لها مُقِرًّا بها، فيكون حينئذٍ مسؤولًا عنها كذنبٍ معنويٍّ لا في الدنيا، بل في الآخرة فقط.
فإن لم يُتَّخذ هذا القانون الأساسيُّ دستورًا أساسيًّا وعاجِلًا، فإن حياةَ المجتمع البشريّ ستتردَّى في مهاوي الرجعية الوحشية إلى أسفلِ دركاتِ السّافلين، مخلِّفةً أضعافَ ما لَحِقَها في الحربَينِ العالميَّتينِ من أضرار.
إن هؤلاء السّاسةَ الأشقياء الذين يطلقون على القانون القرآني القدسيّ اسمَ الرجعية، قد ارتَضَوا قانونَ وحشيّةٍ وبدائيّةٍ فظيعًا، فجعلوه دستورًا لهم ونقطةَ استِنادهم، وهو يَنُصُّ على أن يُضحَّى بالفرد في سبيل سلامة الجماعة، وألّا تُؤخَذ حقوقُ الأشخاص بالاعتبار في سبيل سلامة الوطن، وألّا يُكتَرَثُ للمظالم الجُزئية أمامَ سلامة سياسة الدولة.
وبموجَب هذا تُبادُ قريةٌ بأكملها بجنايةِ مجرمٍ واحد، دون اكتراثٍ بحقوق ألف بريءٍ فيها؛ وتُباحُ تصفيةُ ألف رجلٍ لأجل جانٍ واحد؛ ويُضيَّق على مئة بريءٍ لجُرحٍ أصاب رجلًا؛ وبهذه الذريعة لا يُلتَفَت إلى إعدام مئتَي رجلٍ رميًا بالرَّصاص؛ ويَلقى ثلاثون مليونًا من الأبرياء المساكين حتفَهم في الحرب العالمية الأولى نتيجةَ سياساتٍ خاطئةٍ ارتكبها ثلاثةُ آلاف.. والأمثلة على هذا تُعَدُّ بالآلاف.
إن تلاميذ القرآن يجابهون ظلمَ الرجعية والوحشية هذا، ويعملون على تكريسِ العدالة الحقيقية والاتِّحاد والأُخوّة من خلال الدستور الأساسي التي تُلقِّنه الآيةُ: وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى، وهو واحدٌ من مئاتِ دساتيرِ القرآن الأساسية؛ وإن الذين يُطلقون على فدائيي أهل الإيمان لقب "الرجعيِّين"، ويحاولون إدانتَهم، مَثَلُهم كمثل الذي يُفضِّل ظلمَ يزيدَ الملعون على عدالة عُمرَ، ويُفضِّل قانونَ محاكم التفتيش الظالم الوحشيّ على دستور القرآن الأساسي الذي هو مبعثُ رُقيٍّ وعدالةٍ للبشر.
— 106 —
فالواجب على أهل السِّياسة في الحكومة الإسلامية الحريصين على سلامة هذا الوطن، أن يأخذوا هذه الحقيقة بنظر الاعتبار، وبخلاف ذلك فستضعُف تلك القوة بسبب معارضة ثلاثةِ أو أربعةِ تياراتٍ لها وبإصرار، ولن تَقوَى هذه القوّة الضعيفة التي تُصرَف لمنافع البلاد وأَمْنِها واستقرارها على الحفاظ على حاكميَّتها وسُلطتها ولو بالاستبداد المُطلَق، ولن تتمكَّن كذلك من الحفاظ على الاستقرار والسِّلم والأمن العام، ممّا يُنذِرُ باحتمالية تمهيد السُّبُل أمامَ زرع بُذُور ثورةٍ فرنسيةٍ كبرى على أرض هذا الوطن الإسلامي المبارك.
وما دامت الرَّشاوى المعنوية العجيبة تُقدَّمُ مقابلَ إقرارِ السياسة الأجنبية، وتلقِّي المساعدات المؤقَّتة التافهة نتيجةَ الضَّعف وفِقدان القوّة الناجم من عدم الاتِّفاق؛ ولا تَلقَى أُخوّةُ أربع مئة مليونِ أخٍ أدنى اهتمامٍ، ولا يُكتَرَثُ لمَسلَك ملياراتِ الأجداد..
وما دامت معانٍ كهذه هي التي تَحكُم..
وما دامت الرَّشاوى تُعطى في صورة رواتبَ ضخمة، وتُهدَرُ مصاريفُ كبيرةٌ بإسرافٍ وتبذير، حرصًا على الأمن والسياسة من أن ينالَها الضَّرر، وشعورًا بالاضطرار لتوفير تلك القوّة؛ ولا يُؤخَذ فقرُ الشعب ومُعاناتُه بعين الاعتبار..
فاللازم یی بل الألزمُ یی في حقِّ أرباب السياسة القائمين بإدارة شؤون البلاد حاليًّا: أن يَهَبُوا عشَرةَ أضعاف الرِّشوة السياسية والمعنوية التي يقدِّمونها للغرب والأجانب، لأربعِ مئة مليونِ أخٍ مسلم في العالم الإسلامي، ممَّن سيَغدُون في المستقبل بحُكم جمهورياتٍ إسلامية متَّحِدة، كمِنحة عظيمة ورِشوةٍ غير مُضِرّة، من أجل سلامة هذا الوطن والشعب والحكومة الإسلامية.
وتلك الرِّشوة المقبولة والنافعة جدًّا، والمباحة والواجبة، إنَّما هي اتِّخاذُ القوانين القدسية الأساسية منهجًا للعمل وخارطةَ طريق، تلكم القوانين التي هي أُسُس التعاون الإسلامي، والدستور السَّماوي لهديّة القرآن، وروابطُه وقوانينُه الأساسيّة القدسية، والمُتمثِّلة في الآيات:
— 107 —
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ، وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا، وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى، وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ
النقطة الثالثة:
أُرجِئت في الوقت الحاضر.
سعيدٌ النُّورْسِيّ
حاشية:
إخواني..
ثمّةَ ثلاثةُ أمور تستدعي تخفيفَ حِدّة الخطاب الذي أرسلتُ إليكم سابقًا:
أولها: إقرارُ خمسٍ وعشرين محكمةً عدليّةً بعدم وجود أيِّ جرمٍ في "رسائل النُّور"، كما وَضَّح ذلك بطلُ النُّور "خسرو".
ثانيها: ما طالب به محامي النُّور البطل: "بما أن حكومة أنقرة ليست ضد "سعيد"، فيُفضَّلُ تعديلُ الكلمات الخشنة".
ثالثها: حسَبَ ما ورَدَنا من أخبارٍ قطعيةٍ بأنَّ محكمة "أفيون" حين صرَّحت بأن للنُّور ستَّ مئة ألفِ طالبٍ مُضَحٍّ، كان هنالك مُخطَّطٌ لسَوق ستِّ مئةٍ یی على الأقل یی من طلاب النُّور النُّشَطاء الأقوياء إلى المحكمة بذريعة حادثة "ملاطية"، بَيْدَ أنهم لم يعتقلوا سوى ستةَ عشَرَ رجلًا، ولم تَصدُر عقوبةٌ إلا في ستةٍ منهم، وكانت عقوبةُ أحدِ هؤلاء السِّتّة عامًا واحدًا فحسب؛ وفي هذا كُلِّه إشارةٌ إلى تخفيف التضييق الجائر ضدَّ النُّوريِّين وزوالِه.. لأجل هذا تمَّ تعديلُ بعض الكلمات الخشنة.
٭٭٭
— 108 —

الدرسُ الذي أعطاه الأستاذ في أميرداغ من "إشارات الإعجاز"

المؤلَّفِ بالعربية لكلٍّ من مرسالِ النُّور صبري، والصِّدِّيق سُلَيمان:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمدُ لله ربِّ العالَمين، والصَّلاةُ والسَّلام على سيِّدِنا محمَّد،
وعلى آلِه وأصحابِه أبدًا دائمًا..
كان مقرَّرًا لی"إشارات الإعجاز" في جزئه الأول أن يَبلُغ سبعين جزءًا، إلا أنه لمَّا كانت "رسائل النور" تفسيرًا معنويًّا للقرآن، انبَرَت قائلةً: إن الحاجة إليَّ في هذا الزمان أشدُّ! فأُلِّفَت هي عوضًا عن بقية الأجزاء.
أجل، تَظهرُ "إشارات الإعجاز" كفِهرِسٍ ومخطَّطٍ لجميع رسائل النور، ومَغرِسٍ لبستان النور، ومنبعٍ لسِرِّ إعجاز القرآن؛ ولكون الكتاب دقيقَ المعاني عميقَها، لم يتمكَّن العلماءُ حتى اليوم من فهمِ سوى جزءٍ يسيرٍ منه، بيدَ أنه ما وقفَ عليه أحدٌ إلا نال استحسانَه وتقديرَه، وصرَّح أنْ لا نظيرَ له.
وإن مشاهدةَ أدقِّ مناسبات الإيجاز في الإعجاز، في غمار الحرب العالمية الرهيبة، وعلى خطِّ التَّماسِّ مع العدو، وعلى صهوة الجواد أحيانًا؛ والانصرافَ إليها بشكل تامٍّ؛ وعدمَ تشوُّشِ الذهن بالمخاطر الهائلة للحرب العالمية، ووَضْعَ مناسبات الإيجاز الدقيقة ضمنَ الأولويات على جبهة القتال وفي برودةٍ تَبلُغ درجةَ التجمُّد.. ما هي إلا تضحيةٌ خارقة قدَّمها "سعيدٌ القديم" في سبيل خدمة القرآن.
وإننا نَعُدُّ التضحياتِ العِلميةَ والمعنوية التي بذلها "سعيدٌ القديم" أثناء كتابته نِكاتِ "إشارات الإعجاز" دون الاكتراثِ بالمخاطر في ذلك الزمن العجيب، أمرًا أعظمَ من التضحيات التي قام بها "سعيدٌ الجديد" خلالَ ثلاثين عامًا في هذا الزمن العجيب، من قبيل إعراضه عن مطالعة الجرائد خمسةً وثلاثين عامًا، وعُزوفِه عن
— 109 —
متابعة أخبارِ الحرب العالمية الثانية یی وحتى السؤالِ عنها یی عشَرةَ أعوام، وعدم تخلِّيه عن كتابة أسرار القرآن في السُّجون التي زُجَّ بها بغرض تقديمه للإعدام، وتجاهلِه لعموم المخاطر المُحدِقة به.
ثانيًا: في النسخة المطبوعة من "إشارات الإعجاز" كرامةٌ لا يَشوبُها أيُّ احتمالٍ للمُصادفة، لذا استُحسِنَ طباعتُها مرّةً أخرى بذات الشكل والقَطعِ ذي الكرامات، ومن ثمَّ إرسالُها إلى أماكن عدّةٍ كالبلاد العربية وباكستان.. غيرَ أن "سعيدًا القديم" بيَّن الإيجاز الذي في الإعجاز، وعبَّر عن أدقِّ المناسبات البلاغية بجُملٍ دقيقةٍ وجيزة، ممّا يستدعي إيضاحَ تلك الجمل وترجمتَها إلى اللغة التركية.
وإحدى خوارق "إشارات الإعجاز": أنها تكشفُ مناسبةَ كلِّ آية للآيات الأخرى، وكذا مناسبةَ جُملِ كلِّ آية بعضِها مع بعض، ونظامَها، ونسبةَ حروف كلِّ جملة وهيئاتِها وتوجُّهَها تجاه المعنى المقصود، فتَظهَر بذلك لَمْعةٌ إعجازيةٌ لانتظام الآيات، ونظام الجمل، ونَظْم هيئة كلِّ جملة.
وكأنه يبيِّن النِّكات التي في ذلك النظم والحقائقَ التي فيه بالبراهين، حتى إنه يعبِّر أحيانًا عن حقيقةٍ عظيمةٍ في ثنايا الحرف الواحد، مَثلُها كمَثَل المِيل الذي يَعُدُّ ثوانيَ الساعة، وعقربِ الدقائق الذي يُحصي دقائقَها، وعقربِ الساعة الذي يَضبطُ ساعاتها.
كما يُثبت حقيقةَ كلِّ آية على نحوٍ في غاية الإيجاز، وبحُججٍ قطعية، حتى بات اليومَ بحُكم نُوًى وخلاصة لمئةٍ وثلاثين رسالةً.
إنه يعرِض بلا استثناءٍ نِكاتَ الجملة، ونكاتَ الهيئات والحروف الموجودة فيها، والأحكامَ الضِّمنية التي تُعبِّر عنها.. يعرض ذلك كلَّه وَفقَ القواعد الدقيقة لعلم البلاغة، ووَفق قواعد علم النحو والصرف، وقوانين علم المنطق وأصول الدين، وغيرها من العلوم؛ حتى إنه يسلِّط الضوء بآلة معنوية على المناسبات البلاغية الدقيقة الخفية، ويُظهر أَماراتِها.
— 110 —
ولمّا كان نظَرُ القرآن كُلِّيًّا، فبالإمكان القول: إن الألفاظ القرآنية القُدسية ستُشير إشاراتٍ ضِمنيةً ورمزيةً، وسترشدُ إلى جميع النِّكات والمعاني الحقّة التي تمَّ إيضاحُها.
خسرو، صونغُر، خيري،
صادق، صبري، صدِّيق سليمان
٭٭٭

إفادة المرام

أقول: لمّا كان القرآنُ جامعًا لأشتات العلوم، وخُطبةً لعامَّةِ الطبقات في كل الأعصار، لا يتحصَّل له تفسيرٌ لائقٌ من فهم الفرد الذي قلَّما يَخْلُص من التعصُّب لمَسلَكِه ومَشرَبِه؛ إذ فَهْمُه يَخُصُّه، ليس له دعوة الغير إليه إلا أن يُعدِّيَه قَبولُ الجمهور؛ واستنباطُه یی لا بالتشهِّي یی له العمل لنفسه فقط، ولا يكون حجةً على الغير إلا أن يُصَدِّقَه نوعُ إجماع.
فكما لا بدَّ لتنظيم الأحكام واطِّرادِها، ورفعِ الفوضى الناشئةِ من حريّة الفِكر مع إهمال الإجماع، من وجودِ هيئةٍ عاليةٍ من العلماء المحقِّقين الذين بمظهريَّتهم لأَمْنيَّةِ العُموم واعتمادِ الجمهور يتقلَّدون كفالةً ضِمنيَّةً للأمة، فيصيرون مَظهرَ سرِّ حُجِّيةِ الإجماع الذي لا تصير نتيجةُ الاجتهاد شرعًا ودستورًا إلا بتصديقه وسِكَّتِه؛ كذلك لا بدَّ لكشفِ معاني القرآن، وجمعِ المحاسن المتفرِّقة في التفاسير، وتثبيتِ حقائقه المتجلِّية بكشفِ الفنِّ وتمخيضِ الزمان، من انتهاضِ هيئةٍ عاليةٍ من العلماء المتخصِّصين المختلفين في وجوه الاختصاص، ولهم مع دقَّةِ نظرٍ سَعَةُ فكرٍ لتفسيره.
نتيجة المرام: إنه لا بدَّ أن يكون مفسِّرُ القرآن ذا دهاءٍ عالٍ، واجتهادٍ نافذ، وولايةٍ كاملة؛ وما هو الآن إلا الشخصُ المعنويُّ المتولِّدُ من امتزاج الأرواح وتسانُدِها، وتلاحُقِ الأفكار وتعاونِها، وتضافُرِ القلوب وإخلاصها وصَميميَّتِها، من بين تلك الهيئة.
— 111 —
فبِسِرِّ «للكلِّ حُكْمٌ ليس لِكُلٍّ» كثيرًا ما يُرى آثارُ الاجتهاد وخاصّةُ الولاية ونورُه وضياؤها من جماعةٍ خَلَت منها أفرادُها.
ثم إني بينما كنتُ منتظِرًا ومتوجِّهًا لهذا المَقصَد بتظاهرِ هيئةٍ كذلك یی وقد كان هذا غايةَ خيالي من زمان مديد یی إذ سَنَح لقلبي من قبيلِ الحسِّ قبل الوقوع تَقرُّبُ زلزلةٍ عظيمةٍ،
(حاشية): أجل، قبل وقوع الحرب العالمية الأولى كان أستاذنا يكرِّر دومًا أثناء دروسه لنا في علوم العربية، ويؤكِّد بشكل قطعي قائلًا: "ثمّة زلزال كبير وعامٌّ قادم، فاستعِدُّوا له، وفي ذلك الوقت سيغبِط الجميعُ العُزّابَ أمثالي"؛ وتحقَّق هذا الأمر بعد زمنٍ يسيرٍ كما أخبر.
باسم طلاب مدرسة الخورخور القدامى ومن خريجي مدرسة الواعظين:
محمد صادق، صبري، محمد شفيق، محمد مِهْري، حمزة...
فشرَعتُ یی مع عجزي وقصوري والإغلاق في كلامي یی في تقييد ما سَنَح لي من إشاراتِ إعجازِ القرآن في نظمِه وبيانِ بعض حقائقه، ولم يتيسَّر لي مراجعةُ التفاسير، فإن وافقَها فبها ونِعْمَت، وإلا فالعُهدة علَيَّ.
فوقعَت هذه الطامَّةُ الكبرى، ففي أثناء أداء فريضة الجهاد، كلما انتهزتُ فرصةً في خطِّ الحرب قيَّدتُ ما لاحَ لي في الأودية والجبال بعباراتٍ متفاوتةٍ باختلاف الحالات، فمع احتياجها إلى التصحيح والإصلاح لايرضى قلبي بتغييرها وتبديلها، إذ ظَهَرَت في حالةٍ من خُلوصِ النيَّة لا تُوجَد الآن، فأعرِضُها لأنظارِ أهل الكمال لا لأنه تفسيرٌ للتنزيل، بل ليصير یی لو ظَفِر بالقبول یی نوعَ مأخَذٍ لبعضِ وجوهِ التفسير.
وقد ساقني شَوقي إلى ما هو فوق طَوقي، فإن استحسنوه شجَّعوني على الدوام.
ومن الله التوفيق
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭
— 112 —
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الرَّحْمَنُ ٭ عَلَّمَ الْقُرْآَنَ ٭ خَلَقَ الْإِنْسَانَ ٭ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ
(هذه قطعةٌ من صدر تفسير إشارات الإعجاز تُنقَل بحرفيتها من أصلها العربي)
نَحمَدُ ذاتَ ذي الجلال في تجلِّيه الأكبر باسم "الرحمٰن"، الذي خلق الإنسان وعلَّمه القرآن، ونُثني عليه بعدد تجلِّيات الرحمة؛ ونُصلِّي ونُسلِّم صلاةً وسلامًا دائمَينِ بلا حدٍّ، على سيِّد البشر محمَّد (ص)، الذي أرسَلَه رحمةً للعالمين، وعلى آله وأصحابه بعدد ثمرات رسالة هذا الرسول الأكرم..
نَحمَدُه حمدًا لا نهاية له أن جعل معجزَتَه الكبرى الجامعةَ یی القرآنَ العظيم یی برموزها وإشاراتها لحقائق الكائنات، مُرشدًا دائمًا باقيًا للنوع البشريِّ على مرِّ العصور، ووهبه البقاءَ حتى يوم القيامة، وجعل الرسول الأكرم (ص) أستاذًا عليه.
أما بعد، فاعلم..
أولًا: أن مَقصَدنا من كتابة هذه الإشارات والرموز هو: تفسير بعض رموزِ نظم القرآن، لأن ما يتجلَّى من نظم القرآن هو أدقُّ أنواع الإعجاز السبعة، غير أنه قوي، وهو لفظيّ إلا أنه ذو حقيقة.
أجل، إن الإعجاز الزاهر يَنبُع من نَقْش النظم.
ثانيًا: إن مقاصد القرآن الأساسية وعناصره الأصلية أربعة حقائق: "التوحيد، والنبوة، والحشر، والعدالة"، لأن بني آدم على هيئة قافلة عجيبة وركبٍ كبير، صافِّين والطوائفَ الأخرى بعضَهم خلف بعضٍ، راحلين عبرَ عصور الزمان الماضي وأوديته وبلدانه ومَعارِضه، مسافرين في صحراء الوجود والحياة، عابرين شواهقَ جبال المستقبل وبساتينَه، متوجِّهين إلى جنّاته.
— 113 —
وبمظهرية النوع البشريِّ لخلافة الأرض، وبصلاحية تصرُّفهم بكلِّ ذي حياة، وبمقتضى علاقة عمومِ الأشياء على وجه الأرض بهم.. أثار هذا الأمر مشاعرَ الكائنات فتوجَّهت نحو النوع البشري، وباتت مهتمّةً به.
ومع أنَّ بني آدم طائفةٌ واحدة، إلا أنهم باختلاطهم مع مئات آلاف الطوائف، بات الكونُ مثلَ الأرض ينظر إليهم باعتبارهم ثمرةَ خلقة العالم.
وكأن حكومة خلقة الكون أرسلَت فنَّ الحكمة التي هي بحكم شرطيِّ تلك الحكومة إلى قافلة الضيوف تلك محقِّقًا ومُستنطِقًا يسألُهم: يا بني آدم، من أين أتيتم؟ وإلى أين ماضون؟ وماذا أنتم فاعلون؟ إنكم تتدخَّلون بكل شيء، وتَخلِطون أحيانًا الأمور! مَن سلطانكم وخطيبُكم ورئيسكم ووجيهُكم كي يجيبَ على أسئلتي هذه؟
وفي أثناء تلك المحاورات قام من بين قافلة بني آدم أمثلُهم، نبيٌّ من أُولي العزم، محمدٌ الهاشمي (ص)، الذي وقف أمام فنِّ الحكمة، ونادى بلسان القرآن: "أيتُها الحكمة المستجوِبة، إننا معاشرَ الموجودات قد خرجنا من ظُلُمات العدم إلى ضياء الوجود بقدرة سلطان الأزلِ، وبلَغنا نُورَ الوجود، وشَرَعت كلُّ طائفة مِنّا في وظيفة.
أما نحن یی معاشرَ بني آدم یی فقد بُعِثنا إلى محشر الكائنات هذا مُقلَّدين رُتبةَ الأمانة الكبرى، وحائزين وظيفةَ خِلافة الأرض، ومُمتَّعين بامتياز حمل الأمانة عن إخواننا من سائر الموجودات؛ ومتأهِّبين للسفر في أيِّ لحظة، ومنهمكين بتداركِ طريق الحشر ونيلِ السعادة الأبدية؛ ونعمل على رعاية بذور استعداداتنا وتنمية سُنبُلها الذي هو رأسُ مالنا، من خلال ترقيتها بالإيمان والقرآن.
إنني رئيسُ تلك القافلة وخطيبُها، وهذا المنشور "الفرمان" الذي بين يديَّ يقوم الهواء الماديُّ والمعنوي بمضاعفة كلِّ كلمة منه إلى مليارات الكلمات وإسماعِها لجميع أفراد الكون في الوقت ذاته كأنها لسانٌ واحد؛ وذلك المنشورُ هو كلام السلطان الأزليِّ والأبدي؛ وإذا أردت الدليلَ على أنه أوامرُه وحديثُه فانظر إلى السِّكّة السُّلطانية والطُّرّة السَّرمدية التي خُتم بها، وانطلق لتتحدَّث عن مُشاهداتك.
— 114 —
أجل، إن الذي أجاب إجاباتٍ صائبةً تامّة على الأسئلة الثلاثة أو الأربعة الأكثرِ صعوبةً وشُموليةً، والتي سُئِلَها عمومُ الموجودات، ليس سوى القرآنِ المُعجِزِ البيانِ، إذ أعلن عنها في مقدِّمته بمنشورِ: ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ
فما دُمتَ قد أدركتَ حقيقةَ ما تقدَّم، فيلزمُك بهذا أن تُدركَ أن عناصر القرآن الأساسية هي تلك الحقائقُ الأربعة : "التوحيد، والنبوّة، والحشر، والعدالة".
وكما تتراءى هذه المقاصدُ أربعةَ أركانٍ في مجموع القرآن، كذلك تتجلَّى في معظم السُّوَر، إذ تغدو كلُّ سورة قرآنًا صغيرًا، وقد تُلمَحُ إشاراتُ تلك المقاصد الأربعة في كثيرٍ من جُمَله، بل ربما ظهرت رموزُها في الكلمة الواحدة، لأن أجزاء القرآن وكلماتِه وآياتِه تصبح جميعًا في حُكم مرآةٍ أمام مجموعِه، ويتراءى الكلُّ في كلِّ جزءٍ منها.. وكأن القرآن يَمنَح آياتِه وجُمَلَه وكلماتِه نُورَ تلك المقاصد بشكل متسلسِل، فربما بَدَت قرآنًا صغيرًا في كلمة أو جملة، كالشمس في المرآة.
لأجل هذه النكتة الخاصّة بالقرآن یی أي: كون الجزء كالكلِّ یی يَظهَر المَقصَدُ نفسُه رغم أن القرآن فردٌ مشخَّص ومجسَّدٌ به، فيُعرَّف في علم المنطق بأنه كلِّيٌّ له أفرادٌ كثيرة، ما يعني أن في القرآن آلافَ المصاحف، حتى انتظم شخصًا كلِّيًّا، ويلزم أن يكون كذلك، فبما أنه درسٌ لطوائفَ مختلفةٍ لا تُحدُّ، لزم أن يكون في ذلك الدرس دروسٌ بعدد تلك الطوائف غيرِ المحدودة.
فإن قيل: أرني هذه المقاصدَ الأصليةَ الأربعة في جُملِ: "بسم الله" و"الحمدلله".
قلنا جوابًا: لمّا كانت "بسم الله" قد أُنزِلت تعليمًا لعباد الله، تضمَّنت یی بطبيعة الحال یی الأمرَ: "قُل"، ويُعبَّر عنها لغويًّا بی(المقدَّر)؛ فتكون "قل" المقدَّرةُ في "بسم الله" أصلَ وأساسَ جميعِ ألفاظ: "قل" المقدَّرةِ في القرآن؛ وبناءً على هذا فإن في "بسم الله" رمزًا إلى الألوهية، كما أن في كلمة "قُل" إشارةً إلى الرسالة.. وفي تقديم الباء في "بسم"، وتقديرِ "قُل" نهايتَها ما يُفيد معنى الحصر والانفراد، في إشارةٍ إلى محضِ التوحيد، أي: ابدأْ باسمه فقط، وتَلَقَّ منه المدد.
— 115 —
وفي اسم «الرحمٰن» إرشادٌ إلى نظام العدالة وجَلَواتِ الرحمة، إذ تزيَّنت جميعُ الموجودات المختلفة المختلطة وتجمَّلت بالانتظام، لتكون باستحقاقٍ مظهرًا لجلَوات الرحمة.
وفي «الرحيم» إشارةٌ إلى الحشر، لأن كلًّا من معاني العفو والرحمة والشفقة داخلةٌ في معناه؛ ولأن تلكم المعانيَ الحقيقية لا تظهر عامّةً في هذه الدنيا الفانية، فلا بدَّ من ظهورها تامّةً في ديارٍ أُخرى؛ وكذا حقائقُ الرحمة والشفقة لا يمكن أن تنسجمَ مع الفَناء، ممّا يُومِئُ إلى أن الشفقة التي في "الرحيم" قد انبسطت لتمتدَّ بنصيبٍ إلى الجنة.
وتأمَّلوا الآن قولَه تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، ففي "الحمد لله" إشارةٌ ظاهرة إلى الأُلوهيّة، لأن جميع المحامد لله خاصةً، ومثلَما تُظهِر الألوهية، تُظهر كذلك التوحيد.
أجل، إن اللام في "لله" تُفيد لُغةً معنى الاختصاص والاستحقاق، و"ال" في "الحمد لله" تفيد یی في أحد معانيها یی الاستغراقَ، ما يعني أن جميع المحامد خاصةٌ بالله، وأنها تفيد التوحيد بشكل قطعيّ.
وفي لفظ: "ربِّ العالمين" إشارةٌ إلى العدالة والنُّبوّة أيضًا، لأن القيام بمُوازنةٍ وانتظامٍ مُكمَّلين لثمانيةَ عشَرَ ألفَ عالَمٍ، بدءًا من الذرّة والذَّرّات والذُّبابات، ووصولًا إلى السَّيارات والكواكب التي تفوقُ حجمَ الأرض ألفَ مرّة، وتربيتَها بشكل مُكمَّل، تُظهر عدالةً كبرى في غاية الكمال.
أما إشارتُها إلى النُّبوّة: فما دامت القُوّة الفطرية في النوع البشري غيرَ مقيَّدة بحدود كحال سائر الحيوانات، وقد بدرت منهم التجاوزات.. وما دام الإنسانُ على صلةٍ بجميع الكون من الجهتين المادِّية والمعنوية؛ لذا فإن النُّبوّة ضرورية من جهة قيام الإنسان بحَملِ الأمانة الكبرى في سبيل رُقيِّ الحِكمة العالية البشرية المتجلِّية في خِلقة الكائنات، ورقيِّ استعداداته التي هي بحُكم البذور، وخضوعه للنظام والانتظام
— 116 —
كي يحتلَّ مكانته بين "العالمين" من رَبِّ الْعَالَمِينَ، ويكونَ خليفةَ الأرض، ويُثبتَ أَرْجحيَّتَه على الملائكة.
وفي جملة: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ تصريحٌ بالحشر، لأن يَوْمِ الدِّينِ يعني يوم الإدانة، ويوم الجزاء، ويوم المعنويات.
وكما تُفيد أن الدنيا يومُ الأعمال والتحرُّكات المادِّيّات، كذلك تُفيد أنَّ يومًا سيأتي تُنشَر فيه نتائجُ تلك التحرُّكات، وتُسلَّمُ مكافأةُ تلك الخِدمات، وتُؤدَّى ثمَراتُ تلك المعنويات، بل تُعرَضُ فيه الآثار الدائمة والباقية لتلك الفانيات الزائلات، وصحائفُ أعمالها جميعًا المُلتَقطةُ بواسطة آلة تصوير وسينما عالَمِ المِثال.
وعلى غرار جملتي "بسم الله" و"الحمد لله"، يُمكنُنا أن نشاهد في مواضعَ كثيرة من القرآن جُمَلًا تحتوي على العناصر الأربعة الأساسية تلك..
فمثلًا: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ صَدَفٌ يتضمَّن هذه الجواهر الأربعة، وإنك إن أمعنت النظر ستجد ذلك.
إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ أي: مثلَما شرَّفك صاحبُ الجلال بالنُّبوّة وإرساء العدالة المادِّية والمعنوية، كذلك أحسن إليك بكوثر الجنة.
أيُّها السّائل، نختصر هذه الحقيقة الواسعة، فاجعل هذه الأمثلةَ الثلاثة معيارًا تَنسُجُ على منواله، واشرع بنفسك في نسج تلك المناسبات والإشارات بحَسَبه.
ونبدأ نحن بی"بسم الله"، ونُومئ إيماءً موجَزًا من جهة النَّظم، محيلين الإيضاحَ والتفصيل إلى "رسائل النور" و"الكلمة الأولى" و"لَمْعة البسملة".. وإلى سائر حُجج رسائل النُّور التي تدور حول "بسم الله".
"بسم الله" كالشمس، فكما تُنوِّر غيرها تُظهِر نفسَها كذلك، وتحتاجُها الأرواحُ في كلِّ نفَسٍ وفي كلِّ لحظة حاجَتَها إلى الهواء والماء، لذا فإنَّ روحَ كلِّ فردٍ تَستشعِرُ
— 117 —
حقيقتَها؛ ولا ضيرَ إن لم يدرك ذلك القلبُ والخيالُ، ولهذا هي مستغنيةٌ عن البيان والتعريف، فأحدُ أجزائها وحروفها أوَّلًا حرفُ الباء، وأحد معانيه اللُّغوية: الاستعانة.
كما أنَّ أحدَ معانيه العُرفية التبَیرُّك، لذا تعلَّق عائدُ هذه الباء بأفعال "أستعين" و"أتيمَّن" الصادرة من معناها ذاته؛ أو وإ "قل" المستتر تحت حجاب "بسم الله" يتوجَّه إلى فعلِ "أقرأ"، أي: يا ربِّ، إنني سأقرأ بمعونة اسمِك وبركتِه، فكما أن كلَّ شيء يتمُّ بقدرتك وإيجادك وتوفيقك، فإنني أبدأ باسمك وحدَه فقط.
مما يعني أن تقدير لفظ: "أقرأ" بعد "بسم الله" يفيد كلًّا من الإخلاص والتوحيد.
أما كلمة "اسم" فاعلموا أنَّ أسماء ذات الواجب الوجود البالغة ألفَ اسم، يُطلَق على قسم منها "الأسماء الذاتية"، إذ تُظهِر الذاتَ المقدَّسة من جميع الجهات، وهي اسمه وعنوانه، مثل: "الله، الأحد، الصمد، واجب الوجود.." وغير ذلك كثير.
ويُطلَق على قسم منها: "الأسماء الفعلية"، ولها أنواع كثيرة، من مثل: "الغفّار، الرزّاق، المُحيي، المُميت، المُنعم، المُحسِن".
٭٭٭
— 118 —
باسمه سبحانه
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أبدًا دائمًا
إخواني الأعزاء الأوفياء...
أولًا: أبارك من صميم روحي أعيادَكم الماديِّة والمعنويِّة السابقة واللاحقة، ولياليَكم المباركة، ونتضرَّع إلى الله تعالى من أعماقِ قلوبنا أن يتقبَّل برحمته عباداتِكم ودَعَواتكم، ونؤمِّن على أدعيتكم المبارَكة: آمين.
ثانيًا: اضطُرِرتُ أن أجيب إجاباتٍ خاصةً على سؤالين مُهِمَّينِ لوُرودِهما یی معنًى یی غيرَ مرّةٍ، ومن جهات عِدّة.
سؤالُهم الأول: كنتَ قديمًا یی في بداية عهد الحُرِّية یی مُنهَمِكًا في العمل بالسِّياسة ومتلهِّفًا لها، أما الآن فقد مضى عليك قُرابةُ أربعين عامًا وأنت متخلٍّ عنها تمامًا؟!
الجواب: إن أحد أهمِّ الدساتير الأساسية المتجذِّرة في السياسة البشرية هو التضحيةُ بالأفراد لأجل سلامة الأُمّة.. والافتداءُ بالأشخاص لأجل سلامة الجماعة.. وجعلُ كلِّ شيءٍ فداءً للوطن.
ولقد علمتُ يقينًا أن جميع الجرائم العظمى التي ارتُكبت في تاريخ النوع البشريِّ حتى يومنا هذا، إنما نشأت نتيجةَ سوء استعمال هذا القانون؛ فإنه لما لم يكن لهذا الدستور البشري حدٌّ معيَّنٌ يقف عندَه، فُتِح الباب على مصراعَيه لسوء استعماله، فمن سوء استعمال هذا القانون الوحشي نشبت حربان عالميتان أتتا على الرقي البشري في ألفَي سنةٍ فخلَّفتاه قاعًا صفصفًا، وبفتوى هذا القانون الغادر أُبيح قتلُ تسعين بريئًا بجريرةِ عشَرة مجرمين، وأمكن للأحقاد الشخصية أن تتلفع برداء المصلحة العامة فتدمِّر بلدةً بأكملها لأجل مجرمٍ واحد.. وقد أثبَتَت رسائل النُّور هذه الحقيقةَ في بعض المجموعات و"الدِّفاعات"، فنُحيل إليها.
وفي مُواجهةِ قانونِ سياسات البشرية الغادرِ ذاك، وجدتُ الدستورَ الأساسيَّ الواردَ في القرآنِ المُعجِزِ البيانِ الصّادرِ من العرش الأعظم، والمُعبَّرَ عنه بهاتين الآيتين:
— 119 —
وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى، و مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا، بمعنى أن هاتين الآيتَينِ تُرسِيانِ العدالةَ البشرية الحقَّةَ، وتُقرِّران أنه لا تُحمَّلُ الجماعةُ مسؤوليةَ جنايةِ شخصٍ واحد.. ولا يُفتدى ببريءٍ واحدٍ البشريةُ جمعاءُ دونَ رِضاه.. فإن ضحَّى بنفسه راضيًا مختارًا فتلك مرتبةُ الشَّهادة؛ وهذا موضوع آخر، ونُحِيلُ تفاصيلَ هذا الأمر إلى رسائل النُّور.
السؤال الثاني: كنتَ فيما مضى حينما كنتَ تتجوَّل بين العشائر البدوية في الشرق، تحثُّهم وتشجِّعهم على المدنية والرُّقيِّ الحضاريّ، لكنك منذ قُرابة أربعين عامًا انصرفتَ عن الحياة الاجتماعية والمدنية الحاضرة، وصِرتَ تتلفَّظُ بها دون ميم، وآثرتَ العُزلة، فلم ذلك؟
الجواب: لقد سلكَتِ المدنيةُ الغربيةُ الحاضرةُ مسلكًا مخالفًا لأُسس القوانين السماوية، لذا رَجَحت سيِّئاتُها على حسناتها، وأخطاؤها وأضرارُها على منافعها، وفسَدَت المقاصدُ الأصلية المرجوّةُ منها، والمتمثِّلةُ في توفير أمنِ العامة وسعادةِ الحياة الدنيوية؛ ولمَّا حلَّ الإسرافُ والسفاهة محلَّ الاقتصاد والقناعة، وتغلَّب ميلُ الكسل والدَّعة على دافع السَّعي والخدمة، غَدَت البشريّة البائسة في غاية الفقر والكسل.
أما القرآنُ السماويُّ فدستورُه الأساسيُّ يقول: وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى، وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا، أي: أن سعادة الحياة البشرية تكمُنُ في الاقتصاد وعدم الإسراف، وفي صرف الهِمّة إلى السعي والعمل؛ ومن خلال ذلك يمكن عقدُ مصالحة بين طبقتي البشرية: الخواصِّ والعوامّ.. وبما أن رسائل النور قد أوضحت هذا الأساسَ، فإنَّنا نذكُر هاهنا نُكتةً أو نكتتَينِ منه باختصارٍ:
الأُولى: كان البشر في عهد البداوة تُعوِزُهم ثلاثةُ أو أربعة أشياء، وكان يمكنُ لثمانيةٍ من كلِّ عشَرةٍ توفيرُ هذه الحاجات المعدودة؛ بينما قامت المدنية الغربية الجائرة في الوقت الحاضر بإشاعة الإسراف وسوءِ الاستخدام وإثارة الغرائز، فجعلَت الحوائجَ غيرَ الضرورية في مستوى الضرورية، ما أدَّى لِجَعلِ الإنسان المدني في هذا العصر مفتقِرًا یی بواقع العادات والإدمان یی إلى عشرين حاجةً، مكانَ حاجته إلى الأربعة الضرورية فقط.
— 120 —
والذين بإمكانهم توفيرُ تلك الحاجاتِ العشرين بطريقِ الحلال لا يتعدَّون الاثنين من عشرين، بينما يظلُّ الثمانيةَ عشر الباقون في عدادِ المحتاجين، وهذا يوكِّد أن المدنية الحاضرة قد أدخلت الإنسان في فقر مُدقِع، ودفعت البشر بسبب تلك الحاجة إلى ارتكاب الظلم ومزاولة الكسب الحرام، وشجَّعت على الصراع الدائم والخصام بين طبقة الخواصِّ وطبقة العوامِّ المساكين.
لقد دفعت المدنيةُ المعاصرة البشريةَ إلى التخلِّي عن دستورٍ قرآني أساسيٍّ ومقدَّس، هو: "وجوب الزكاة وحُرمة الربا"، الذي يتحقَّق من خلاله انصياعُ العوام للخواصِّ، وشفقةُ الخواصِّ على العوامِّ؛ فكان أن حَمَلَت البُرجوازيِّين على ارتكاب الظلم، وأرغَمَت الفقراء على التمرُّد عليهم، فأَتَت على راحة البشرية.
النُّكتة الثانية: إن ما أنجزته المدنية الحاضرة من خوارقَ هو نعمةٌ إلٰهيةٌ للبشرية، تستدعي شكرًا حقيقيًّا، وتستلزمُ استخدامًا لمنفعة البشر؛ بيدَ أننا نَجِدُها اليوم قد دفعَت قِسمًا بالغَ الأهمِّيّة من الناس إلى الكسل والسفاهة وترك السَّعي والتقاعس عن العمل، وهيَّجت یی في ظلِّ الراحة وترك العمل یی الغرائزَ النفسيّة، فصَرفَتْهم عن الرغبة في السَّعي، وألقَت بهم یی بفقد القناعة وانعدام الاقتصاد یی في مهاوي السفاهة والإسراف، والظلم والوقوع في الحرام.
وقد أوردنا مثالًا في "مفتاح النور" من رسائل النور، نَعرِضُه هنا، وهو «المذياع» ، فبينما كان نعمةً عظيمة تستدعي شكرًا معنويًّا بصرفه لمنفعة البشرية، إذا بنا نجدُ أربعة أخماس استخداماته تُصرَفُ لإثارة الغرائز النفسية ولأمورٍ تافهة لا تعني الإنسانَ ولا تلزمه في شيء! بل أدَّى الاستماعُ إليه إلى الكسل والركون، وحطَّم فيه الهِمّة والرغبة في السعي، ما أدى به إلى التخلِّي عن وظيفته الحقيقية. وكذلك أمرُ بعض الوسائط ذات المنافع الكبيرة، فبينما كان ينبغي استخدامُها في السعي والعمل وتيسير المصالح والحاجات البشرية الحقيقية، إذا بنا نجدُ ثمانيةَ أعشارها تُصرَفُ لأجل التسلية واللهو والمتعة والتنزُّه، مقابلَ واحدٍ أو اثنان من عشَرة تُستخدمُ في تلبية الحاجات الضرورية، فدفعت بالناس إلى التكاسل! ولهذين النموذجَينِ الصغيرَينِ آلافُ الأمثلة.
— 121 —
الحاصل: إن المدنية الغربية الحاضرة لم تُصغِ تمامَ الإصغاء إلى الأديان السماوية، فأفقَرَت البشرية وضاعفت من حاجاتها الضرورية، وقوَّضت أساسات الاقتصاد والقناعة، فشرَّعت سبُلَ الإسراف والحرص والطمع، وأفسحت طريقَ الظلم وارتكاب الحرام، وأشعلَت شوقَ البشر وميلَهم إلى وسائط السفاهة، ممّا دفع بأولئك البائسين المحتاجين نحوَ الكسل، وبدَّدت فيهم رغبةَ السَّعي والعمل، وصرفتهم إلى المُتَع واللهو والسفاهة، فضيَّعت عُمُرَ البشر وصيَّرته هباءً منثورًا.
إضافةً إلى هذا فقد أمرضت هذه المدنيةُ البشر المحتاج الكسول، وغدت بالإسراف وسُوء الاستعمال وسيلةً لسريانِ الأوبئة وانتشارِ مئة نوعٍ من الأمراض.
وبتفشِّي تيّارات الإلحاد في بواطن تلك المدنية، وبانتشار الأمراض الكثيرة المذكِّرة بالموت على الدوام، إضافة إلى تلكم الحاجات الضرورية، والميول نحو الرَّذيلة الخُلُقية.. أظهرت تلك المدنيةُ الموتَ في صورة الإعدام الأبدي أمامَ البشرية التي أفاقت من رقدَتها، وأخذت تُهدِّدُها به باستمرار، فجَرَّعَتها في الدنيا لونًا من عذاب جهنم.
ولا علاجَ لهذا المُصاب البشريِّ الرهيب، والجراحات البشرية الغائرة الثلاث، سوى القرآن الحكيم بما تضمَّنه من قوانينَ سماويةٍ قدسية أساسية، وبتيقُّظِ أربعِ مئة مليونٍ من طلابه وصحوتهم، مثلَما فعل قبل ألفٍ وثلاث مئة سنة، وسيَكفُل للبشرية تحقيقَ السعادة في الحياة الدنيوية والحياة الأُخروية ما لم تقم القيامةُ عن قريب، وسيُغيِّر صورةَ الموت من إعدامٍ أبديٍّ إلى بطاقةِ تسريحٍ إلى عالم النور، وستتغلَّب محاسنُ المدنية الصادرة عنه على سيِّئاتها، وسيجعل من تلك المدنية خادمةً لقوانينه السماوية ومعينةً لها، بدلًا من تقديم تنازلاتٍ من الدِّين رشوةً لكسب بعض المدنية مثلَما يحصل الآن.
يُفهَم هذا كلَّه من إشارات القرآن المعجِزِ البيان ومن رموزِه، وهو ما تسألُه اليومَ تلك البشريّةُ المستيقِظةُ من رُقادها، من الرحمةِ الإلٰهية بتضرُّعٍ ومناشدة.
الباقي هو الباقي
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭
— 122 —
باسمه سبحانه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أبدًا دائمًا
إخواني الأعزاءَ الأوفياءَ المضحِّين..
تلقَّيتُ تهنئاتٍ بالعيد من أماكنَ عديدة، عبر الرسائل والبرقيات، وإني لسوء حالتي الصِّحِّية أُحيل إلى وَرَثَتي یی أركان المدرسة الزهراء یی القيامَ بردِّ التهنئة نيابةً عني، والمباركة بعيدهم وأعياد إخواننا الخواصّ.
كما نبارك للدول الإسلامية التي تأسَّست حديثًا، تشكيلَ نواةِ الوحدة الإسلامية فيما بينها، تلك الوحدةِ التي هي بمثابة يومِ عَرَفةَ لِعِيدِ العالم الإسلاميّ الأكبر، وقد أخذت ملامحُها تظهر حاليًّا في آسيا وأفريقيا، وبفضلها سيغدو أربعُ مئةِ مليونِ مسلم إخوةً وأعوانًا لبعضهم مادِّيًّا ومعنويًّا.
فلقد أصبحت القوانينُ القدسيةُ للقرآن الحكيم دساتيرَ أساسية في تلك الدول الحديثة، وبرزت أماراتٌ كثيرة على قيام القرآن الحكيم وحدَه بنقضِ الكُفرِ المطلَق الذي ظهر؛ بما تتمتَّع به أحكامُه وحقائقُه من بين سائر الأديان من الاعتماد على الحُجّة والعقل والبرهان، لذا نباركُ عيدَ الإسلام الكبير.. ونباركُ لمُستقبلِ البشرية عيدَه القادم.
ونبارك من صميم أرواحنا وقلوبنا سعيَ المدرسة الزهراء وجميعِ طلاب النور لنشر الأنوار باللغة العربية والتركية داخلَ البلاد وخارجَها، ووقوفَ معظم الديمقراطيِّين المتديِّنين مع فكرة تحرُّر الأنوار.
ورغم الأسباب الكثيرة لتناقصِ عدد الحُجّاج هذا العامَ، إلا أن أكثرَ من مئةٍ وثمانين ألفَ حاجٍّ أدَّوْا فريضةَ الحجِّ الأكبر، الذي يُمثِّل مؤتمرًا قدسيًّا سماويًّا للدِّين الإسلامي، ويُعتبَرُ مُنطلَقًا لعَرَفةِ عيدٍ أكبر.. فنُبارك لهم ذلك من صميم أرواحنا وقلوبنا.
الباقي هو الباقي
أخوكم المريض
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭
— 123 —

ذكرى ذاتُ مغزًى من ذكريات "أميراداغ"

منذ خمس سنوات، وكلَّما تجوَّلت بالعربة في ضواحي "أميرداغ" لأستنشقَ الهواء العليل، أُفاجَأ بأطفالٍ صغارٍ لم يبلغوا السابعة، يتراكضون نحو العربة لمصافحتي والتسليم عليَّ، ويُظهرون اهتمامًا خاصًّا تجاهي أكثر ممّا يُبدونه لآبائهم وأمهاتهم! ولقد حصل ذاتَ مرّةٍ أنِ ارتمى بعضهم تحت العربة، ونَجَوا بأعجوبة دون أن يُصيبَهم أيُّ ضرر.
حتى الأطفال الصغار الذين لم يزالوا في أعوامِهم الأولى، ولم يروني أو يعرفوني من قبل، يُسارعون نحو العربة حُفاةً غيرَ آبِهين بالأشواك التي تعترض طريقَهم، ليُبادلُوني التحيّةَ كما يفعلُ الكبار، ويُبادروا بتقبيل يدي!
كنت أنا وإخواني نتعجَّب من هذا الأمر، إذ لم يكن خاصًّا بمنطقةٍ واحدةٍ فحسبُ، بل كان ظاهرةً عامةً في جميع الأنحاء، حتى في القرى.
إلا أني وأصحابي بِتنا مقتنِعين اليومَ تمامَ الاقتناع، من خلال خاطرة يقينية لا تحتمل الخداع، أن تلكم الطائفةَ من الأبرياء قد شعروا بحسٍّ قبلَ الوقوع أن رسائل النور ستُحقِّق منافعَ جَمّةً لهم ولأمثالهم من الأطفال الأبرياء في هذا الوطن، فقاموا بالالتفاف حولَ تَرجُمانه بدافع فِطريٍّ وحسٍّ بريءٍ، وبشوقٍ ولهفةٍ تفوقُ ما يظهرونه لأُمَّهاتهم، رغمَ أن عقولهم وأفكارهم لم تُدرِك هذا الأمرَ بعدُ.
وإننا كذلك نَشعُر بحسٍّ قبل الوقوع أن من بين هؤلاء الأطفال الصغار سيَبرُزُ نوريُّون كبارٌ، وسيكونون خواصَّ تلاميذ النور، لذا بَدَر منهم هذا التصرُّف.
وإنني أدخلتُ هؤلاء الأطفالَ الصغار ضمن دعواتي العامّة كأولادٍ معنويِّين لي إذ ليس لديَّ أولادٌ، وأدرَجتُهم ضِمنَ أدعيتي مع طلاب النور في كلِّ صباح.
كما أنني أفضِّل أحدَهم یی ولو كان ابنَ سنةٍ یی على رجل غافِلٍ ابنِ أربعين سنة، ذلك أن هؤلاء لا ذنوبَ لهم، وثمّة حقيقة تَشُدُّهم نحوي وتدفعُهم للاهتمام بي بطبيعة الحال.. فلهذا أبادلُهم التحيّةَ أكثر من الكبار، وأَقبَلُ تَحيّاتِهم بشكل جادٍّ.
— 124 —
ونظرًا لبراءَتهم، وباعتبارهم من طُلّاب النُّور مستقبلًا، وأملًا في إجابة دعواتهم بحقي، كنت أقول لهم: "أنتم أبرِياءُ ليس بذمَّتِكم آثامٌ، وأنا جِدُّ مريض، فادعُوا لي فإنَّ دعاءَكم مقبولٌ، وقد أشركتُكم بدوري في دعائي باعتبارِكم أبنائي المعنويِّين".
وفي مرحلةٍ مّا تمَّ افتتاحُ مدارسَ يُربَّى فيها الشبابُ على الطراز البلشفي، وحاولوا إفسادَ الشباب في هذه المدارس التي طرأ عليها تغييرٌ فيما بعدُ، وفي مقابل ذلك نهض أبناءُ حاملي لواء الإسلام الأبطال یی أي: الشعب التركي یی لمواجهة تلك المصيبة التي حلَّت بالشباب من خلال يقظةٍ نورانيةٍ وحسٍّ قبل الوقوع وبالتعلُّم من دروس النور.. وهذه إشارة لنجاة هؤلاء الأطفال والشباب من شرور الماسونيِّين والزنادقة إن شاء الله، ولذا ظهرت منهم هذه الأطوار.
إني وإخواني من حولي على قناعةٍ تامّةٍ بذلك.
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭

١٨/١١/١٩٥١

باسمه سبحانه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أبدًا دائمًا
إخواني الأعزاء الأوفياءَ، وتلاميذَ النورِ في "المدرسة الزهراء" المعنوية..
حين وصلتُ "إسبارطة" بلغَني نبأُ افتتاح مدرسةٍ فيها للأئمّة والخطباء والوُعّاظ، وبما أن معظم الطلاب الذين سيلتحقون بهذه المدرسة الحكومية من النوريِّين، فقد ورد إلى القلب خاطرٌ بافتتاح مدرسةٍ نُوريةٍ غيرِ رسمية بجوار تلك المدرسة، حتى نجعل منها مدرسةً نورية نوعًا ما.
وبعد يوم أو يومين من قدومي شاعَت في النواحي أخبارٌ بأنني سأُلقي درسًا، فتقاطَرَت قوافلُ الرجال والنساء من جميع الأرجاء رغبةً في حضور هذا الدرس، فأَدرَكْنا بذلك أنه لو تمَّ افتتاحُ مدرسة نوريةٍ عامّةٍ شبهِ رسمية، فسوف تَشهَدُ حينَها
— 125 —

إقبالًا غير مسبوق وازدحامًا غير مألوف، وثمّة احتمالٌ لحصول تجمُّعاتٍ لغير حاجة، مثلَما حصل ف59hثناء ذهابنا إلى محكمة "أفيون"، فلذا تخلَّينا عن هذه الخاطرة.. غيرَ أن حقيقةً أخرى أُخطِرَت على القلب على النحو التالي:

أيُّ واحدٍ منكم لديه عائلة مكوَّنة من أربعةِ أو خمسةِ أفرادٍ، فليَجْعل بيتَه مدرسةً نورية مصغَّرة؛ ومن كان وحيدًا لا عائلةَ لديه، فليَجتَمع مع ثلاثة أو أربعة من جيرانه المقرَّبين في غير أوقات العمل والانشغال، وليَجعَلوا المكانَ الذي هم فيه مدرسةً نورية، يتدارسون فيها رسائل النور أو يستمعون إليها أو يقومون بكتابتها ولو لخمسِ أو عشَرةِ دقائقَ على الأقل، لِيَغدُوا بذلك أهلًا لمقام طلب العلم بحقٍّ، ونَيلِ شرفِه وثوابه، فضلًا عن تحصيلهم لخمسة أنواع من العبادة كما ذُكر في "رسالة الإخلاص"، وبهذا تغدو أعمالُهم الاعتيادية في أسباب معاشِهم ومتطلَّباته نوعًا من العبادة كحال طالبِ العلم حقًّا.. هكذا أُخطر إلى القلب، وأنا بدوري أُبيِّنه لإخواني.
الباقي هو الباقي
أخوكم المريض
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭

أسكي شهر ٢٩/١١/١٩٥١

باسمه سبحانه
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أبدًا دائمًا
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
أولًا: أُهنِّئكم من صميم روحي على خدمتكم القرآنية والإيمانية التي تؤدُّون.
وفي رسالتنا هذه إليكم مسألةٌ دقيقة تتطلَّبُ مَشُورتَكم وإبداءَ رأيِكم فيما إذا كانت مناسبة، فإن لم تكن كذلك فأصلحوها.
ثانيًا: لقد أُثبت في رسائل النور أن القدر الإلٰهي يُجري عدالتَه في ثنايا المظالم ذاتِها، وذلك أن الناس ربما تعرَّضوا للظلم لسببٍ مّا وبغيرِ وجهِ حقٍّ، ويُزجُّ بأحدهم
— 126 —
في غياهب السجن، إلا أن القَدَر الإلٰهيَّ يُجري عدالتَه في السَّجن ذاته لاستحقاقٍ آخَر، فيُجازيه بهذا السجن لقاءَ تُهمةٍ حقيقية.
ولبيان هذه الحقيقة أعرضُ عليكم الآن أحدَ أمثلتها العجيبة التي جرت معي، وهي أني منذ ثمانٍ وعشرين عامًا أعاني العذاب والعقابَ الجائرَ، إذ أُعرَّض للمُساءلة والإدانة في عدةِ محاكم وولايات، ويُزجُّ بي في السِّجن، والتُّهمة المتوهَّمة التي لم يعثروا على أية أمارةٍ عليها هي حسَبَ قولهم: "يرغب سعيدٌ أن يجعل الدِّينَ أداةً للسياسة، بل إنه يقوم بذلك"، مع أنهم لم يتمكَّنوا یی في الواقع یی من إثبات هذه التهمة، ولا إقامةِ دليلٍ على دعواهم من بين ثلاثين مجموعةً من مجموعاتي الكبيرة، طوالَ ثلاثين عامًا من حياتي الجديدة التي قاسيتُ فيها الويلات والمصائب.
وما لم تعثر محكمةٌ واحدة في مثل هذه القضايا على أيِّ دليلِ إدانة، ولم تتمكَّن من وضعي ضمنَ دائرة الاتِّهام، فإن إصرار محاكمَ أخرى على إثارةِ القضية عينِها لَهو تصرُّفٌ مخالف للقانون والعقل والعدالة؛ ولا أستبعد أن يكون الدافعُ وراءَ توجيه هذه التهمة إلي ممَّن يجعلون السياسة أداةً بيد الإلحاد هو التغطيةَ على فعالِهم.
وفضلًا عن ذلك، فإن حياتي العلميةَ القديمة المرتبطة بخدمة الدِّين على مدار ستين عامًا، لَهي حجةٌ قطعيةٌ وبرهانٌ يقينيٌّ على أني سلكتُ بالسياسة والدنيا وبجميع التيارات الاجتماعية التي عايشتُها، مَسلَكَ تسخيرِها أدواتٍ تابعةً لهذا الدين، وخادمةً له.
بل لقد ادَّعيتُ في المحاكم وأثبتُّ بأدلةٍ قطعيةٍ أنني لا أستبدل بحقيقةٍ إيمانيةٍ واحدةٍ مُلْكَ الدنيا بأسرِها، ناهيك عن جعل الدِّين أداةً للسياسة! وقد عدُّوا هذا السببَ حقيقةً رغمَ مُخالفته لها من عشرين وجهًا، بل هو أقربُ إلى الجنون وأشبهُ بالخُرافة.
وقد اهتديتُ في هذه الأيام إلى معرفة السبب الحقيقي وراءَ تعرُّضي للظلم من بعض موظَّفي القضاء وبعض السياسيِّين من ذوي المناصبِ الرفيعة، وهو أنني جعلت من خدمتي القرآنية في هذا الزمان أداةً لترقِّياتي وكمالاتي المادِّية والمعنوية، والعائدةِ إلى شخصي.. كان هذا هو الخطرَ الأعظم والجِناية الأخطر والتُّهمة المعنوية التي ارتكبتُها على مدارِ خدمتي الإيمانية التي أدَّيتُها في زمن الأنانيّة.
— 127 —
وإنِّي لَأَحمَدُ الله تعالى وأشكرُه بلا حدٍّ أنْ قامَتْ موانِعُ معنويةٌ قويةٌ وقطعيّةٌ لا يَدَ لي فيها، تحجُزُني طَوالَ هذه السنين عن اتِّخاذ خدمتي الإيمانية أداةً لترقِّياتي وكمالاتي المادية والمعنوية، أو وسيلةً للنجاة من العذاب والجحيم، أو حتى وسيلةً لنيل السعادة الأبدية، أو سوى ذلك من المقاصد.
كانت هذه المعاني تُثيرُ عَجَبي وحَيرتي، إذ إنَّ توجُّهَ الإنسانِ لنيل المقامات المعنوية التي تستطيبُها النفس، وسعيَه بالأعمال الصالحة للفوز بالسعادة الأُخروية، حقٌّ مشروعٌ لكلِّ أحد، وليس دونه ضررٌ على أحد، فلماذا أُمنَع رُوحيًّا من هذه الأحوال يا تُرى؟!
فأُريتُ أنْ لا مطلبَ أسعى إليه بعد مرضاة الله تعالى سوى تأدية الخدمة الإيمانية بدافعٍ من الوظيفة العِلمية الفطرية؛ ذلك أن الحقائق الإيمانية یی وهي التي ما ينبغي أن تُتَّخَذ أداةً لشيء، أو تكون تابعةً لشيء، بل هي تسمو على كلِّ غايةٍ ومَقصَد یی لا بدَّ أن تُلَقَّنَ في هذا الزمان الرهيب بأسلوب مؤثِّر، وبعُبوديةٍ فِطريةٍ لِمَن يحتاج إلى مَعرِفتها، ولِمَن لم يَتحصَّل على مَعرِفتها.
ولا بدَّ لحقائق القرآن أن تُعلَّم لتُنقِذَ إيمان المرء في هذه الدنيا المتقلِّبة المضطربة، وتورِثَ المُعانِدَ اليقينَ القطعيّ، دون أيِّ غرض آخر؛ وحقيقٌ بمثل هذا المَسلَك أن يَقصِم ظهرَ الكفر المطلق، ويَقطَعَ دابِرَ الضلالة المتمرِّدة المعاندة، ويورِث كلَّ إنسانٍ اقتناعًا قاطعًا.
ولا يمكن لهذه القناعة القطعية أن تتحقَّق في هذا الزمان وهذه الظروف إلا بتَيَقُّنِ أن الدِّين لا يُتَّخَذُ أداةً لأيِّ غرضٍ شخصيٍّ، دنيويًّا كان أو أُخرويًّا، ماديًّا كان أو معنويًّا، وإلا فإن مَن يتصدَّى لمواجهة الشخصية المعنوية للكفر والإلحاد المتولِّدةِ من الفكر التنظيمي والتحزُّبي، لن يقدر على إزالة جميع شبُهات الناس وتبديد وساوسِهم وإن بلغ أعلى مرتبةٍ معنوية، لأن المعاند الذي يريد الدُّخول في الإيمان يمكن أن تُحدِّثَه نفسُه وأنانيتُه فتقول: "لقد خدَعَنا هذا الرجلُ بذكائه ومقامه المعنوي الرَّفيع"؛ فيبقى تُراوِدُه الوساوسُ والشكوك.
— 128 —
وأحمدُ الله وأشكرُه آلافَ المرّاتِ أن القدَر الإلٰهيَّ ما فتئ منذ ثمانٍ وعشرين سنةً ينبِّهني ويوجِّه إليَّ لَطَماتٍ بأيدٍ ظالمةٍ ممَّن اتَّهمني أصحابُها باتِّخاذ الدِّين أداةً للسياسة، فكان هذا منه عدالةً محضة، يُجنِّبني بها یی دون علمٍ مني یی أن أتَّخذ الدِّينَ أداةً لغرضٍ شخصي، ويُخاطبني بالقول: حَذارِ حَذارِ.. لا تجعل حقائقَ الإيمان أداةً لشخصك.. كي يُدركَ المحتاجون إلى الإيمان أن الحقيقة وحدَها هي التي تتكلَّم.. وحتى تَخنَس وتَسكُت أوهامُ النفس ودسائسُ الشيطان.
ومع أن الحقائق التي عرَضَتْها رسائلُ النور هي نفسُها الحقائق التي عرَضَها آلافُ العلماء الحقيقيُّون، ونشروها بأسلوبٍ أبلغَ في مئاتِ آلافِ الكتب، إلا أن هذه الكتب لم تستطع وقفَ الكفر المطلق في هذه البلاد؛ في حين أقرَّ حتى أعداءُ الأنوار أنها بوجهٍ مّا قد انتصرت على الكفر المطلق؛ وبناءً على السِّر المذكور: فإذا كانت رسائل النور قد حَظِيَت ببعض التوفيق في مقارعة الكفر المطلق في ظلِّ هذه الظروف العصيبة، فبقوّة ذلك السِّر، وأنا بدوري رضيتُ من أعماق روحي بجميعِ ما قاسيتُه طَوالَ الثماني والعشرين سنةً من الأذى والضَّنك، وأَحلَلتُهم من حقِّي.
وأقول للقدَر العادل: لقد كنتُ مستحِقًّا لِلَطماتك الرحيمة هذه، وإلا فلو كنتُ سلكتُ السبيلَ الآخَر كسائر الناس فلم أتخلَّ تمامًا عن جميع أذواقي المادِّية والمعنوية یی وهو سبيلٌ مشروعٌ يُبتغَى به وجهُ الله تعالى ولا يتأتَّى منه أيُّ ضرر یی لخَسِرتُ هذه القوّةَ المعنوية الكبيرة في خدمة الإيمان.
وأَحَدُ مظاهر هذه القوة أن أَحَد الأشخاص قرأ كتابًا لعالِمٍ جليلٍ يتحدَّث فيه عن الحقائق الإيمانية، فلمّا قرأ صحيفة واحدةً من رسائل النور أقرَّ بأنها أكثرُ إنقاذًا للإيمان، رغمَ أني إزاءَ ذلك العالِمِ كأحدِ طُلّابه.
الباقي هو الباقي
أخوكم المحتاج لدُعائكم
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭
— 129 —

يقول أستاذُنا:

إن في تأجيل المُحاكمة خيرًا، تَشهَدُ بذلك المِحنُ التي كانت تَمُرُّ على النور والنوريِّين فتَنقلبُ إلى مِنحٍ، والحادثة التالية إحدى مظاهرها في الأغلب:
إن تأثير الأنوار آخذٌ في التوسُّع والانتشار، وخاصةً في الخارج یی أعني العالم الإسلاميّ یی وإن تقديمَ سياسيِّي هذه البلاد رِشوةً لأوروبّا عبر إظهار الميول للتغرُّب، بالتزامنِ مع صدورِ قرار الحرية التامّة للأنوار من قِبَل المحاكم، كاد يُولِّد شبهةً في الخارج حول مدى إخلاص الأنوار، مُفادها: "إما أن النوريِّين قد اضطرُّوا للتصنُّع وأُجبِروا على المُحاباة، وإما أنهم لا يتعرضون لمن لديهم أفكارٌ للتحضُّر كهذه، ويُظهرون الضعفَ أمامهم".
كانت هذه الشبهة ستُلحِقُ بالأنوار ضررًا بالغًا، إلا أنَّ تأجيلَ المُحاكمة قضى عليها، وأثبت أنهم منذ ثلاثين عامًا، ولا يتهاونون إزاء التصرفات المنافية للشعائر الإسلامية.
باسمه سبحانه
تحدَّث إلينا الأستاذ على شكل ملاحظات، وقمنا بدورنا بتدوينها، وقد اضطُررنا لبيان ماهيّة محكمتين في هذا العام:
أما المحكمة التي هنا:
فإنني قبل خمسين عامًا أوَّلتُ حديثًا حول السفيانيّ والقبعة الإفرنجية، فاعتبَرَت المحاكمُ هذا الأمر اعتداءً على أحد القادة، وقد صرَّحَت محكمةُ "أفيون" بأن هذا الاعتداء وذلك التأويل هما سببُ إنزالها العقوبةَ الشديدة بي؛ فلنفترض أنني كتبتُ هذا الكلامَ حديثًا، وأن ذلك القائد ما زال على قيد الحياة، فإن الإنكليز المتعصِّبين لدينهم والمتشدِّدين في نظام حكمهم، يخضع لحكمهم ملايينُ المسلمين الذين ما فتئوا منذ مئة عام يُنكرون عقائدَ الإنكليز ونُظُمَهم ويرفضونها، إلا أن قوانينهم لم تجعل هذا الأمر مدارَ اتِّهامٍ لهم..
— 130 —
كما تقوم الجرائد والصُّحُف اليومَ بتوجيه صفَعاتٍ للقادة السابقين في الحزب السابق، تَفُوق عشرين ضعفًا تلك التي وجَّهتُها لذلك القائد عبر تأويل الأحاديث، وهم يُؤَدُّون بمجموعهم دَوْرَ الثُّلث من ذلك القائد على أقلِّ تقدير، بل كان كلٌّ منهم قائدًا مثلَه؛ ورغم ذلك كلِّه ظلَّت تلك الصُّحف تنتشرُ بحُرِّية دون أن تُوَجَّه لأيٍّ منها أصابعُ الاتِّهام!!
والحال أني قبل خمسين عامًا رميتُ بحجرةِ حديثٍ، وبعد عشرين عامًا مَدَّ ذلك القائد رأسَه أمامه فانكسر، وقد مات ورحل وانقطعت صلتُه بالحكومة والدنيا؛ كما أن قادة الحزب السابق حينما كانوا أعضاءً في مجلس الشعب أو كانوا يَشغَلُون مناصبَ إدارية، وهم على صلة بالحكومة، كانت الصُّحُف تَنتَقِدُهم بأشدَّ ممّا كانت توجِّهه إليه رسائلُ النور بعشرة أضعاف بل بمئة ضعف، ومع ذلك ظلَّت هذه الصحف تنتشر بحرية تامّة.
أما ماهية قرار مصادرة الكتب: فلقد تحدَّثتُ عن تلك الصفعة الموجَّهة لذلك القائد في صحيفة أو صحيفتين فقط من كتاب واحدٍ من أصل مئة وثلاثة وثلاثين كتابًا من كتب رسائل النور، وبالتالي فإن مصادرة (١٣٠) كتابًا يُشبه معاقبة (١٣٠) رجلًا بجريرة رجل واحد، وهذا ظلم شنيع!
ومن جانب آخر: فإن ظلمًا عظيمًا وجنايةً شنيعةً يبلغُ مداها عَنانَ السماء، أن تُصادرَ رسائل النور في الوقت الذي تَعرِضُ فيه المكتباتُ كتُبَ اللادينيِّين والملاحدة والزنادقة والشيوعيِّين رغم عَدائهم للدِّين والوطن، ويتمُّ تداولُها بحُرِّيّة تامّة، وعلى وجه الخصوص كتاب الدكتور "دُوزي" الطافح بالتهجُّم على الإسلام من بدايته حتى نهايته!
ولقد تداوَلَت رسائلَ النورُ أيدي العلماء في شتَّى مراكز العالم الإسلامي المُهِمّة، وكذا علماء هذه البلاد منذ ثمانية وعشرين عامًا، فلم يصدُر اعتراضٌ عليها من أيِّ عالم أو فيلسوف، سوى ما اعترضت عليه المحاكم والطبقة السياسيّة من مسألة الحجاب، وكذا الإخبار بأن من علامات آخر الزمان أن يظهر رجل يعتمرُ القبعة الإفرنجية ويُجبر
— 131 —
الآخرين على اعتمارِها، ومع ذلك فقد صدر لاحقًا من محاكمَ عدّةٍ قرارُ البراءة بحقِّ رسائل النور بما في ذلك هاتان المسألتان.
إن مصادرة عشرين ألفَ صحيفةٍ یی أعني رسائل النور یی لأجل صحيفةٍ أو صحيفتين هو بمثابة اتِّهامِ عشرين ألفَ رجلٍ نتيجةَ اعتداء شخصٍ على شخصٍ آخر، وبوجه حقٍّ لا بظلم، بل أنكر آخرون عدَّها موضعَ تُهمة، ولم تعتبرها خمسُ محاكم جرمًا؛ غير أنَّ الاعتداء الأشدَّ من ذلك هو مصادرةُ رسائل النور واحتجازُها في "أفيون" أربعةَ أعوام، وهذا التصرُّف خطأٌ شنيع، وجناية كُبرى، ومَكِيدة مدبَّرة ضدَّ هذا الوطن.
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭
باسمه سبحانه
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أبدًا دائمًا
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
أولًا: أُقدِّمُ بين يدي الحقِّ سبحانه مئةَ ألفِ شُكرٍ أن أَظهر بكم أنتم أركانَ "المدرسة الزهراء" حقيقتَها المعنوية تامّةً، تلك المدرسة التي كانت غايةَ أُمنياتي وثمرةَ حياتي على مدى خمسٍ وخمسين سنة.
ثانيًا: حُرِمتُ من محادثةِ إخواني النوريِّين ومجالستِهم نتيجةَ تأثيرِ المرض وأسبابٍ أخرى، لذا فإني أُوكِّلكم وأوكِّل الدروسَ التي تلقّاها سعيدٌ الجديد من رسائل النور في مدرسة القرآن، وكذا الدروس والخطب الذي تعلَّمها سعيدٌ القديم في مدرسة الحياة الاجتماعية كالخطبة الشامية وذيولها.. لتنوب عن أخيكم البائس المشتاق بالتحدُّث إلى إخواني المشتاقين.
ثالثًا: أُقدِّم عزائي لناشر النور الخاصِّ الخالص "طاهري" بوفاة والده الذي وهَبَه إلى الدائرة النورية، والذي اتَّخذ من بيته مدرسةً نورية صغيرة.. أُعزِّيه وأقاربَه
— 132 —
وكذا "إسبارطة" ودائرة النور، سائلًا الحقَّ سبحانه أن ينزل على رُوحِه الرَّحَمات بعدد حروف النور.. آمين.
رابعًا: لقد خصَّصَت لي "إينه بولو" ثلاث مئة نسخة من "زهرة النور"، وقد طلبتُ منهم إرسال (١٥٠) نسخة إلى "إسبارطة"، وإرسال الباقي إليَّ، وقد استلمتُ نسخي، أما ما سيصلُكم منها فهي مقابل ما ستُقدِّمونه لي من مجموعات "المكتوبات"، فأحصُوا ما تَرتَّب عليَّ من ديون.
خامسًا: بلِّغوا سلامي لإخواني في أنحاء العراق وخاصة القائم على تربة "الأستاذ الأعظم" ببغداد، وأَخبِروهم باشتياقي ورغبتي بزيارة تلك الأماكن إن سَمَح العمر.
الباقي هو الباقي
أخوكم المريض
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭
— 133 —
باسمه سبحانه
إخواني الأعزاء..
وقع في يدي أحدُ مؤلَّفات سعيدٍ القديم المطبوعة، فطالعتُه بلهفةٍ وتمعُّن، ووَرَد على قلبي الفِقرةُ التالية، فلْتُدرَج في نهايةِ "المكتوبات" إن كان ذلك مناسبًا:
أولًا: إن هذا المؤلَّف عبارة عن الدرس الذي ألقيتُه في السَّنة الثالثة من عهدِ "إعلان الحرية" بين عشائر "أرتوش" خاصةً، وعلى وجه التحديد عشيرتي "كَوْدان" و"مَامْخُوران"، كي أعرِّفهم بالمشروطية المشروعة وأُقنعَهم بقبولِها؛ وتمَّت طباعتُه في مطبعة "أبو الضيا" قبل واحدٍ وأربعين عامًا سنة (١٣٢٩)، إلا أني لم أقف عليه حتى اليوم رغم بحثي عنه منذ قرابةِ عشرين أو ثلاثين عامًا، حتى عثر أحدُهم مؤخَّرًا على نسخةٍ منه فبعث بها إليّ.
تناولتُ عقليّةَ سعيدٍ القديم، وقمتُ بمطالعة الكتاب بإمعانٍ وبسانحات سعيدٍ الجديد، فأدركتُ أن سعيدًا القديم قد استشعر بإحساس مسبقٍ الحوادثَ التي ستقع بعد ثلاثين أو أربعين عامًا، وهي التي تَحدُثُ اليوم، إذ شاهد خلفَ العشائر الكردية البدوية حقيقةَ الخونةِ المتستِّرين ممَّن ارتدَوْا قِناعَ المدنية في العصر الحاضر، وهم في حقيقة أمرهم مُلحِدون ومتخلِّفُون ورجعيُّون، يحاولون إرجاعَ الشعب تحت شعارِ الوطنية إلى عاداته التي كان عليها قبل الإسلام، فكأن سعيدًا القديم شاهدهم وتحدَّث إليهم بعنفٍ وأسكتَهم.
ثانيًا: طالعتُ بدقّةٍ فِقرةً موجودةً في ذلك المؤلَّف القديم، وهي في الصفحات (١٠٥-١٠٩) المتضمِّنة للأسئلة والأجوبة التي خاطبتُ بها تلك العشائرَ، فظهر لي أنَّ بينهم وليًّا كبيرًا ما كنتُ أعرفه، إذ عارضني بشِدّة قائلًا: "إنك تُفرِط برؤيتك الخيالَ حقيقةً، وتُهينُنا بتَجهيلِنا كذلك! هذا آخِرُ الزمان، ولَسوف يَسُوءُ الزمانُ أكثرَ فأكثرَ!"، وكنتُ قد أجبتُه آنئذٍ یی بحسَب الكتاب یی كالتالي:
— 134 —
لماذا ينبغي أن تكون الدنيا دنيا التَرَقِّي للجميع؛ وتكونَ لنا وحدَنا دنيا التدنِّي؟! أهو كذلك؟! لن أخاطبكم إذًا، هاأنَذا ألتفِتُ إلى الناحية الأخرى فأخاطِب مَن في المستقبَل:
أيها المُتَوارُون خلفَ عصرٍ شاهقٍ بدءًا من مئة سنةٍ حتى الثلاث مئة، تستمعون إلى كلماتي بصمت، وتشاهدوننا بِطَرْفٍ خفيٍّ غيبيٍّ؛ يا مَن يُسَمَّى سعيدًا وحمزةَ وعُمرَ وعثمانَ ويوسفَ وأحمدَ وغيرهم.. إياكم أُخاطِب.. إنني أتحدَّثُ إليكم عبر أمواج الأثير اللاسلكيّ الممتدِّ من أودية الماضي المسمَّى "التاريخ" إلى ذُرى مستقبلكم الرفيع.
ما حيلتي؟ لقد استعجلتُ فجئتُ في الشتاء، وأمّا أنتم ستأتون في ربيعٍ كالجنة إن شاء الله؛ إنَّ بذورَ النور التي تُستنبَتُ الآن ستَتَفتَّح أزهارًا يانعةً في أرضكم؛ وإن الأجرةَ التي ننتظرها منكم إن هممتُم بالعبُور إلى حِقْبةِ الماضي أن تَعُوجُوا على قبري، وتُقلِّدوا بعضًا من هدايا ذلك الربيع رأس بوَّاب الثرى المُضِيفِ لأَعظُمي، والمسمَّى بشاهد القبر (أي: كما أُشير في الرجاء الثالث عشر من "رسالة الشيوخ" أنَّ وفاة مدرسة "خورخور" القابعة تحت قلعة "وان" وقطعتها الصخريّة، والتي تُعَدُّ المرحلةَ الابتدائية من المدرسة الزهراء، دلالةٌ على إغلاق جميع مدارس الأناضول الدينية ووفاتها؛ فكأن هذه المدرسة غدت بمثابة مقبرةٍ كبرى لجميع تلك المدارس، وقلعة "وان" العظيمة شاهِدَ هذه المقبرة العظيمة.. فيا أيُّها القادمون بعد مئة عام.. اغرسوا في قمة تلكم القلعة زهرةَ مدرسةٍ نورية).
أي: أقيموا بنيانَ المدرسة الزهراء الجسماني، فهي وإن لم تُبعث جسمًا إلا أنها عاشت روحًا في هيئةٍ واسعةٍ باقية؛ فلقد أمضى سعيدٌ القديم مُعظَمَ حياته يسعى لتحقيق تلك الأُمنيّة؛ وقد دَوَّن في تلك الرِّسالة المطبوعة (الصفحات ١٤٧ حتى ١٥٧) حقائقَ مُهِمّة حولَ تأسيس المدرسة الزهراء ومنافعِها.
وإنه لَفألُ خيرٍ عظيمٌ یی بعد تحطُّم الاستبداد المُروِّع الذي دام خمسًا وعشرين عامًا، وأباد المدارس الدينية یی قيامُ وزير المعارف "توفيق" باتِّخاذ قرارِ إنشاء المدرسة
— 135 —
الزهراء في "وان" تحت مُسمَّى "جامعة الشرق"، وموافقةُ الرئيس "جلال" على هذا القرار وإدراجه ضمن القضايا المُهِمّة خلافَ ما كان متوقَّعًا.. كل ذلك يُظهر أن الوعد الذي أطلقَه والرجاء الذي تمنّاه سعيدٌ القديم قبل أربعين عامًا، أخذ يتحقَّق شيئًا فشيئًا.
وفيما يلي بيانُ ثلاثِ حقائق لتوضيح الجواب الصادر قبل خمسة وأربعين عامًا:
أولُها: إن سعيدًا القديم استشعر بإحساسٍ مُسبَقٍ وقوعَ حادثتين عجيبتين، إلا أن هذا الشعور كان كالرُّؤيا الصادقة، بحاجة إلى التعبير والتأويل؛ فكما أن النّاظر إلى شيءٍ أبيض أو أسود من خلال ستارٍ أحمر يراهما مَشوبَين بلونِ الحُمرة، كذلك هو لمّا نظر إلى تلك الحقيقة من خلال ستار السياسة الإسلامية، غيَّرت صورةُ الحقيقة من شكلها نوعًا مّا، وإن ذلك الوليَّ الحاضرَ حينَها أدرك خطأَه هذا، فاعترض عليه من تلك الجهة بشدة.. وتلك الحقيقة على قسمين:
أولاهما: سيطلُع نورٌ عظيمٌ ساطعٌ في هذه الدولة العثمانية؛ وكثيرًا ما كان يُبشِّر به طلابه قبل عهد "الحرِّية"، ويبعث فيهم السُّلوانَ قائلًا: سيحقِّقُ ذلك النورُ السعادةَ لهذا الوطن في مواجهة جميع المساوئ التي عشناها؛ وها قد أظهَرَتْ رسائلُ النور بعد أربعين عامًا تلك الحقيقةَ للجميع حتى العُميان.
ودون الالتفات إلى الجانب الظاهريّ للنور والذي يبدو ضيِّقَ الكمِّيّة، أفاد بأنه سيَعُمُّ جميع أرجاء البلاد العثمانية، بما استشعره من منافع النور الجليلة الخارقة من حيث المزيّة، وعبَّر عن ذلك بمنظورٍ سياسيّ.. وقد عارضه حينها ذلك الوليُّ الفاضل لتصوُّره الدائرةَ الضيقة واسعةً جدًّا، فكان بذلك محِقًّا، مثلَما كان سعيدٌ القديم مصيبًا من جهةٍ أخرى.
فبما أن رسائل النور على ضيق دائرتها تُنقذ بالإيمان الحياةَ الباقية والأبدية، فإن مليونًا من طلابها هم في حُكم المليار، إذ إن العمل على تأمين الحياة الأبدية لألفِ إنسان یی فضلًا عن مليونٍ یی أثمنُ وأوسعُ معنًى من العمل على توفيرِ الحياة الفانية الدنيوية والمدنيّة لمليارِ إنسان، وهذا ما أدركه سعيدٌ القديم بإحساسٍ
— 136 —
مُسبَقٍ شبيهٍ بالرؤيا الصادقة، من أن تلك الدائرة الضيِّقة ستَعُمُّ جميعَ أرجاء الدولة العثمانية.
وستكون تلك الدائرةُ الواسعة بإذن المولى سبحانه دائرةَ النور، بعد أن تتسنبلَ وتنموَ البذورُ التي زرعها النُّور، وعندئذٍ يتَّضحُ صوابُ التأويل الخطأ الذي عبَّر به سعيدٌ القديم.
الحقيقة الثانية: كان سعيدٌ القديم منذ أربعين عامًا يكرِّر لطلابه بإصرارٍ في "إفادة المرام" من مقدِّمة "إشارات الإعجاز" وسائر تصانيفه المطبوعة قولَه: ستَحدُث زلزلةٌ اجتماعيّةٌ بشريّةٌ ماديةٌ ومعنويةٌ معًا، وسيَغبطُني الناس لانزوائي بترك الدنيا وبقائي عَزَبًا.
حتى إن أحدِ أبرزِ علماء الأزهر الشيخ بخيت رحمه الله سأل سعيدًا القديم في إسطنبول في السنة الأولى من عهد "الحرية" قائلًا: "ما تقول في حقِّ هذه الحرية العثمانية والمدنية الأوروبائية؟"، فأجابه: «إنَّ أورُوبّا حاملةٌ بالإسلاميّة، فستَلِدُ يومًا مّا؛ وإنَّ العثمانية حاملةٌ بالأورُوبّائيّة، فستَلِدُ يومًا مّا».
والمعنى: ما قولك في الحرية الموجودة في الحكومة العثمانية، وما رأيك في أوروبا؟ فقال سعيد القديم حينَها: إن الحكومة العثمانية حاملة بأوروبا فستلدُ دولةً شبيهة بأوروبا، وأوروبا حاملة بالإسلام فستلدُ كذلك دولةً إسلامية.
فقال له العلامة: وأنا أوافقك الرأيَ. وقال لمن كان معه من العلماء: هذا الشخص لا يُناظَر ولا يُهزمُ!
فلقد شاهدنا الولادةَ الأولى بأُمِّ أعيننا، إذ ظهرتْ حكومةٌ سبقت أوروبّا نفسَها في البُعد عن الدِّين طوالَ ربع قرن؛ أما الولادة الأخرى فستكون إن شاء الله بعد عشرين أو ثلاثين عامًا، إذ ستظهر في شرق أوروبا وغربها دولةٌ إسلامية، وثمّة أماراتٌ كثيرة لذلك.
— 137 —
الحقيقة الثالثة: كان سعيدٌ القديم والجديد يُخبِران معًا عن وقوع حادثةٍ ماديةٍ ومعنويةٍ كبيرة، وكان سعيدٌ القديم يخبر بحسٍّ قبل الوقوع عن قُرب وقوع زلزالٍ بشريٍّ عظيمٍ رهيبٍ مُدمِّرٍ في الدولة العثمانية، ويكرِّر قولَه هذا ويُصِرُّ عليه كثيرًا؛ والحالُ أنه بذلك الحسِّ رأى الدائرةَ الواسعة جدًّا ضيقةً، بعكس ما في مسألة النور؛ ولقد صدَّق الزمانُ رؤيتَه هذه بوقوع الحرب العالمية الثانية؛ وها هو يعبِّر عن مشاهدته لتلك الدائرة الواسعة في الدولة العثمانية قائلًا:
صحيحٌ أن الدمار الذي ألحقته الحرب العالمية الثانية بالبشرية كبيرٌ وواسعٌ جدًّا، إلا أنه باعتبار توجُّهه إلى الحياة الدنيوية والمدنية الزائلة ضئيلٌ قياسًا على ما حصل في الدولة العثمانية، لأن الزلزلة الإسلامية المعنوية التي وقعت في الدولة العثمانية والدمار المعنوي الذي أصاب الحياة الأبدية والسعادة الباقية، قد ألحقا ضررًا معنويًّا يفوق بكثير ما أَلحَقَتْه الحربُ العالمية الثانية؛ وهذا الأمر يصحِّح السهو الذي وقع به سعيد القديم، ويعبِّر رُؤياه الصادقةَ تعبيرًا تامًّا، ويُجلِّي إدراكَه المسبَق أمام الجميع.
صحيحٌ أن ذلك الولي الذي عارضه على حقٍّ، إلا أن حسَّ سعيد القديم كان أحقَّ منه، وبإثبات ذلك الحسِّ يَرُدُّ اعتراضَ ذلك الولي تمامًا.
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭
— 138 —
باسمه سبحانه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أبدًا دائمًا
إخواني الأعزاءَ الأوفياءَ المباركين..
أولًا: ارتأينا من المناسب أن نرسل إليكم خلاصةَ درسٍ تمَّ إلقاؤُه على أركان المدرسة الزهراء نزولًا عند رغبتهم؛ وموضوع هذا الدرس هو أنَّ فخرَ الكائنات وثمرةَ خِلقة العالم (ص) توجَّه في الحضرة الإلٰهية ليلةَ المعراج، باسم جميع موجوداتِ العالم، وعموم النوع البشريّ، بل باسم جميع ذوي الحياة، بل عموم الكائنات بالقول بدلَ إلقائه السلامَ: «التحيات المباركات، الصلوات الطيبات لله».
ولِما تتضمَّنُه هذه الجملة من معانٍ كلِّيّة، أضحى جميع أفرادِ الأمة يردِّدونها في صلواتهم اليومية عدّةَ مراتٍ، ولكلٍّ من أهل الإيمان حظُّه منها على اختلاف مراتبهم؛ وكما تحدَّثنا سابقًا في حاشية "نكتة هو" حول إظهار عنصر الهواء خوارقَ معجزاتِ القدرة بواسطة المذياع، فقد أُخطِر إلى القلب ما يلي:
يُفهم من الإشارات القرآنية أنَّ كل فردٍ من أهل الإيمان يَكسِبُ بالعبادة التي يؤدِّيها في الحياة الدنيا القصيرة عبادةً كلية، ويُثابُ عليها سعادةً أبدية، وملكًا باقيًا بقدر الدنيا، فكأن دنياه الخاصَّة بكاملها تؤدِّي هذه العبادةَ معه، لذا ينالُ مكافأةً بقدر دنياه الخاصَّة.
لقد ورد إلى روحي المعاني الكلية لی «التحيات المباركات..» المذكورة في المقام الثاني لرسالة "الحُجّة الزهراء" في مبحث العلم الإلٰهي، وحين نطقتُ بها في أثناء التشهد تحوَّلَت في خيالي فجأةً عناصرُ دنياي الخاصّةُ الأربعة "التراب، الماء، الهواء، النور" إلى أربعة ألسُنٍ، وتخيَّلتُ كلًّا منها ينطِقُ بلسان حاله عبارات: «التحيات المباركات، الصلوات الطيبات لله» ملياراتِ بل بليونات بل بليارات.. المرّات.
— 139 —
ولنتحدَّث عن أحدِ ألسنةِ هذه العناصر، وليكن "الترابَ" على سبيل المثال، فإن كلَّ ذي حياةٍ يُصبح كلمةً حيّة تنطقُ بی «التحيات» ، فحفنةُ ترابٍ واحدة تمتلك قابليةَ أن تكون أصيصًا ومَنبِتًا للكثير من النباتات؛ وبناءً عليه فإما أن يكون في تلك الحفنة مصانعُ معنويةٌ مصغَّرة بعدد المصانع التي أوجَدَتها البشرية جمعاءَ، وهذا أمرٌ في غاية المُحال؛ أو أن هذا الاستنبات يحصل بقدرةِ قديرٍ مُطلَقِ القدرة، وبعلمه اللامتناهي وإرادته اللامحدودة.
فعنصرُ «التراب» لأجلِ مَظهَريَّته هذه: تنطق جميع أجزائه وذرَّاتِه بما لا يُحدُّ من «التحيات لله» ، كأنه يُصرِّح قائلًا: إن هدايا جميع ذوي الحياة التي تقدِّمها بحياتها من الأزل إلى الأبد خاصةٌ بذات الواجب الوجود سبحانه.
وكذا العنصر الثاني لدنياي الخاصة ودنيا كلِّ أحدٍ الخاصة، وهو «الماء» ، غدا لسانًا كلِّيًّا يَلهَجُ بأحواله وبجميع ذرّاته بالكلمة المباركة: «المباركات» ، وينشرُها في العالم مرّاتٍ بعدد البليونات بل البليارات.. ولا سيَّما من جانب خدمته في نموِّ جميع ذوي الحياة وإعاشتهم، حيث الوظائفُ التي تؤدِّيها قطَرات الماء وخاصةً في إنماء النِّطاف والبُذور والنُّوى وإيقاظِها وتنبيهِها ومظهريَّتها للقيام بوظائفها الفطرية.. وقيام تلك المخلوقات البديعة الجميلة، وهذه الصغار الخارقة ذاتِ المظهر اللطيف، بوظائفَ عظيمة ومنتظِمة ومُكمَّلة غايةَ الانتظام والإتقان.. وإنطاقَها لجميع ذوي الشعور بما لا يُحَدُّ من كلمات الإعجاب: «ما شاء الله! بارك الله!»..
كل ذلك يتطلَّب أن يتوفر في كلِّ ذرة من ذرّات عنصر الماء هذا من العلم آلافُ ما يملكه أفلاطون، ومن الحكمة والإرادة آلافُ ما لدى لُقمانَ الحكيم.. وهذا مُحالٌ بعدد ذرّات الماء!
لذا فإن هذه الأمور لا تتمُّ إلا بقُدرة قديرٍ ذي جلال وإرادته، وبرحمةِ رحمنٍ رحيم وحكمته، لا حَدَّ لقُدرته وإرادته، ولا منتهى لرحمته وحكمته.
وباعتبارها یی أي: ذرّاتِ الماء یی مظهرًا لجميع تلك المعجزات، فإنها تنطق بعددها كلمة «المباركات لله» بكلِّيتها؛ ولذا فإن ثمرة خلقِ العالم یی النبيَّ (ص) یی نطق
— 140 —
في ليلة المعراج بلسان جميع الموجودات: «المباركات لله» ، أي: لأن جميع الحالات والمصنوعات التي تَحمِلُ كلَّ ناظر على نُطق كلماتِ التبريك: «ما شاء الله، بارك الله!» خاصةٌ بقدرة ذي الجلال، لذا يُهدي إلى الحق سبحانه بكمال الحضور جميعَ «المباركات» التي لا تَنحصِر.
وكذا العنصر الثالث في دُنيا كلِّ أحد، وهو «الهواء».. فإن كل ذَرّة من ذرّات حفنة واحدة منه ولو كانت بقدر كلمة "هو"، تَذكُرُ بلسان حالها یی كمظهرٍ لوظائف النقل والاستقبال والإرسال یی جُملةَ: «الصَّلَوات لله» المُعبَّرِ بها عن جميع الأدعية والصلوات والتضرُّعات والعبادات؛ فيغدو الهواءُ حينَها لسانًا كلِّيًّا يُردِّد تلك الكلمات التي لا تُحدُّ بأعدادِ "البليارات بل التريليونات"، ويُقدِّمها إلى صانعها وخالقها؛ فلذا قام الرسول الأكرم (ص) بتقديمها للحقِّ سبحانه باسمها ومعانيها الكلِّيّة قائلًا: «الصَّلَوات لله» ، أي: إن جميع الأدعية والتضرُّعات النابعةِ من الحاجة، والشكرَ المنبعثَ من النعمة، وجميع العبادات والصلوات.. خاصةٌ بخالق كلِّ شيء وحدَه، لأنه كما سلَف في حاشية "نكتة هو":
إمّا أن يكون في كلِّ ذرة من ذرّات حفنة هواءٍ بقدر (هو) قدرةٌ مطلقة وإرادة تامّة، وعلم محيط بجميع الألسُنِ ولَهَجاتها المتنوِّعة، وأشكال نطقها للحروف، ومعرفةٌ بمواضع الناطقين بها، وسَمْعٌ يمكنُه سماعُ كلِّ شيء بعيدًا كان أو قريبًا، مع طاقةٍ للقيام بأعمال عديدة معًا دون الإخلال بأيٍّ منها.. وهذا مُحالٌ بعدد ذرّات الهواء!
أو أنَّ كلَّ ذرّة من تلك الذرّات تُشيرُ دونما شكٍّ أو شبهةٍ إلى الصانع الحكيم بجميع صفاته، وتَشهَد بضرورةٍ قطعيةٍ على وجوده؛ فكأنها تمتلك بمقياسٍ مصغَّرٍ شهادةً كبيرةً مُكتنِفةً جميعَ شهادات الكون.. ما يعني أن الصلوات المقدَّمةَ بعدد ذرّات الهواء، والمعبَّرَ عنها بی «الصلوات لله» ، قدَّمها النبيُّ (ص) إلى ربِّ العزّة في المعراج الأحمدي بهذا المعنى الكُلِّيّ.
ثم لدى ذِكرِ الكلمةِ الطيبة: «الطيِّبات» ، غدا فجأةً عنصرا «النور» و «النار» یی أي: عنصرُ النور المادِّي والمعنويِّ، الحراري وغير الحراري یی لسانًا كلِّيًّا ينطق
— 141 —
بلسان الحال وبما لا منتهى له من الألسنة وبغير ما حصرٍ: «الطيِّبات لله» ؛ أي: إن جميع الكلمات الطيبة، والمعاني الزكية، وبدائعَ الحسن والجمال، وتجلِّيات الأسماء الحسنى الأزلية المشاهدِ جمالُها في مُحَيّا عموم الكائنات، وبهاءاتِ سَنا الكائنات والمخلوقات المتهلِّل في إيمان عامّة أهل الإيمان وفي طليعتهم الأنبياءُ والأولياء والأصفياء، وسائرَ الكلماتِ الطيِّبة الصاعدة نحو العرش الأعظم بسرِّ: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ من تكبيرٍ وتسبيحٍ وتهليلٍ وتوحيدٍ وحَمدٍ وشُكرٍ..
وكذا الكلماتُ الجميلةُ النابعة من إيمان أهل الإيمان، والطيباتُ والجمالات غير المحدودة، والمتألِّقةُ في أجمل وجوه الدنيا الثلاثة، وهو كون الدنيا مرآةً للأسماء الإلٰهية، مع ما لا يُحَدُّ من الحسنات والخيرات والثمرات والجمالات المعنوية المتجلِّية في وجه الدنيا الثاني یی وهي مزرعة الآخرة یی.. مخصوصةٌ بكلِّيَّتها وبتمامها بالقدير ذي الجلال، سلطان الأزل والأبد.
فأفاد ذِكرُ فخرِ الكائنات (ص) بلسان عموم المخلوقات: «الطيِّبات لله» معنى تقديمِ عنصرَيِ النار والنور هذه العبوديةَ الكُلِّيّة عبر ألسنتهما الجامعة للمعبود ذي الجلال؛ إذ تشهد مليارات الوظائف بدَلالاتها المتجلِّية في عنصر النور المادِّي والمعنوي، وبنماذجها مجتمعةً ومتفرِّقة، على ذات الواجب الوجود.
أجل، إن النار والنور یی كسائر عناصر التراب والهواء والماء یی يدلّان بداهةً وضرورةً بدرجة القطعية وبتلك النماذج على أن جميع الأسباب ليست سوى حُجُبٍ، وأن الإيجاد والتأثير جملةً بيد القدير ذي الجلال سبحانه.
فالنُّور لائقٌ بنيلِ الوجود بمباشرة القدرة الإلٰهية بالذات دونما حُجُب، تمامًا مثلَ الوجود والحياة، ولأنَّ الأسباب الظاهرة لا تكونُ حُجبًا بأي جهة كانت، فإنَّه يُظهِر الأحَدية ضمنَ الواحدية، ويشير بوظيفةٍ جزئيةٍ وصغيرةٍ جدًّا إلى دليلِ أحَديةٍ كلِّيّةٍ واسعة؛ وقد أثبتَتْها بإيجازٍ "نكتة هو" مع حاشيتها.. وها نحن نُبيِّن نموذجين صغيرين من بين مليارات أمثلته:
— 142 —
الأول: أحد مفردات جَلْوة النور المعنوي ما يبدو على صورة عِلْمٍ في أدمغة البشر، وذلك في إدراج كلمات تسعين كتابًا في ذاكرة رجل يملك قوّةً حافظةً بحَجْم ظُفُر صغير، وأن ملْءَ صحيفة حافظتِه تلك تطلَّب یی بالكاد یی الاشتغالَ بالقراءة ثلاثَ ساعات يوميًّا ولثلاثةِ أشهر، وبإمكان ذلك الرجلِ استرجاعُ جميع المعاني والكلمات والصُّور والأصوات التي شاهدها وسمعها وآثارت فضولَه وإعجابَه خلال ثمانين عامًا من حياته التي قضاها، وفي الوقت الذي يشاء، عبر تلك القوّة الحافظة الصغيرة بقدر الظُّفر، فكأنها مكتبة ضخمة يَجِدُ فيها جميعَ ما يطلبه وعمومَ الأشياء الذي حفظها بذاتها، مدوَّنةً مصنَّفةً بانتظام.
ولا يمكن حصولُ هذا الأمر لو لم تحتوِ قوة الحافظة الصغيرة تلك مساحةَ بحرٍ لا ساحلَ له، ونورًا محيطًا وضياءً معنويًّا كالشمس، وصَحائفَ واسعةً كسطح الأرض؛ وهذا الأمر مُحالٌ بمئات آلافِ الدرجات، وغير ممكنٍ بحالٍ من الأحوال.
وعليه، فلا بدَّ لهذه الحافظة المصغَّرة أن تشهد شهادةً قدسيةً على خلق العلِيمِ المُطلَقِ عِلمُه وحِكمتُه وقُدرتُه لأدمغة البشر أُنموذجًا للَّوْح المحفوظ الذي يمثِّلُ صحيفةَ قدَرِه وقُدرتِه.
الأنموذج الجزئيُّ المصغَّر الثاني: هو الكهرَباء، فلقد قام رجلٌ بتدقيق الحالة العجيبة للمصباح الكهربائي، فوجد أن الذرّاتِ والموادَّ الموجودةَ في مئات مفاتيح الكهرباء ومراكزِها وأسلاكها الحديدية رغم أنها جامدةٌ لا تمتلك شعورًا، ولا تقومُ بحركةٍ ذاتية، إلا أنه بمجرَّدِ احتكاكٍ جزئي بسيط يتبدَّدُ ظلامٌ يَعُمُّ الأرجاءَ لعشَرة كيلومترات، ويَحُلُّ محلَّه النُّورُ خلال نصفِ ثانية!
وهذا الزوالُ المُفاجئ لتلك الظُّلمة المشاهَدة رأيَ العين، وحلولُ ذلك النُّور المشاهَدِ رأيَ العين محلَّها وبحجمها، ليس خيالًا دون شكٍّ؛ فإمّا أن ذلكم الاحتكاكَ الحاصلَ في تلك الذَّرّاتِ الجامدةِ العديمةِ الشُّعور يدلُّ على قوّةٍ ونورٍ عظيمٍ تحملُه في نفسها، بحيث تَمُدُّ يدَها فجأةً إلى أبعدَ من مئة كيلومتر، وتَكنُس الظلامَ المخيِّمَ ثمّةَ وتُنظِّفه وتملأُ مكانَه النُّورَ، وهذا أمرٌ محالٌ لا يقتنعُ به حتى السُّوفسطائيّ، ولو اجتمعت
— 143 —
عليه الشياطينُ والملاحدة والمادِّيُّون قاطبةً؛
(حاشية): إلا أنهم لأجل الخداع فقط يطلقون على بعض الحقائق العميقة المُهمة أسماءً ليُظهروها مألوفةً مفهومة، فمثلًا: يقولون: "هذه قوة الكهرباء"، ليُهوِّنوا بذلك من شأن تلك الحقيقة الدقيقة ويظهروها عاديةً بسيطة؛ والحالُ أن معجزة القُدرة تلك يستدعي شرحُ حِكَمها صُحفًا، فهم بمجرَّد وضعهم اسمًا لها يُخفون تلك الحقيقة ويسترونَ تلك الحكمة الكُلِّية، ويُقيمون مكانَها حجابًا صغيرًا ومظهرًا بسيطًا، ومن ثمَّ يُسندون ذلك الصُّنعَ المُعجِز إلى قوةٍ عمياءَ ومصادفةٍ عشواءَ وطبيعة موهومة، فينحدرون بذلك إلى دركِ جهلٍ أجهلَ من أبي جهل.
فإن القوانين هي السُّننُ الإلٰهية وعناوينُ نواميس الإرادة الربانيّة، ولعجز البشر عن إدراك ماهيّة تلك القوانين، فهم يُطلقون على ماهيَّتِها اسمَ "الكهرباء"، ليُهوِّنوا بذلك من شأن معجزة القدرة الخارقة في الإنارة، ويُظهِروها كأنها أمرٌ بديهيٌّ معلوم باستعمالهم تعبيرَ: "قوة الكهرباء".. وبمثل ذلك يهوِّنون من شأن الكثير من معجزات القدرة الإلٰهية البديعة.
أو أن هذا الأمر حدث بقُدرة القديرِ ذي الجلال، وحكمةِ علّام الغيوب العليم المُطلَق النّافِذ حُكمُه في الكون كلِّه، ومن مَعِينِ اسمِه "النور" تَرشُف الأنوارُ كافّةً فيضَها، فهو نورُ النُّور وخالق النُّور ومدبِّر النور.
وثمّةَ نماذجُ وأمثلةٌ لا تُحَدُّ على غرارِ هذين النموذجَين.
فمثلَما قدَّمت الكائناتُ بلسان حالِ عُنصرِ النُّور جميعَ ما لديها من الأنوار والمحاسن والطيِّبات والخيرات والكمالات والكلمِ الطيِّب لِذات ذي الجلال، كذلك ثمرة خلق الكائنات وسببُ إيجاد الكون محمدٌ (ص) نطق بمثل ذلك المعنى الكُلِّيّ في ليلة المعراج، وباسم عموم الموجودات في العوالم التي بُعث باسمها: «الطيِّبات لله».
وبعد أن قدَّم الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام بعدد ذرّات الأنام هذه الكلمات الجميلة الأربعة بدلَ السلام، قابلَه الحقُّ سبحانه بقوله: «السَّلامُ عليك أيُّها النبيُّ» دلالةً على قبولها، وإشارةً إلى جميع أفراد أُمَّته ليقوموا بترديدها بأمرٍ وتشريعٍ معنويّ، كما هو موضَّح في رسائل النور.
ثمَّ حين قال النبي (ص): «السَّلام علينا وعلى عباد الله الصّالحين» ، جعل من ذلك السلام القدسيِّ سلامًا عامًّا شاملًا لنفسه ولأُمَّته ولأمثاله من جميع سابقيه، وأظهرَه سلامًا كُلِّيًّا مَشمُولًا على جميع المخلوقات، إذ هو مبعوثٌ إليهم جميعًا.
— 144 —
فقولُ أُمَّتِه في كلِّ صلاة: «السَّلامُ عليك أيُّها النبيُّ» إنَّما هو امتثالٌ لما تضمَّنه السَّلامُ الإلٰهيُّ من الأمر والتشريع؛ وهو في الوقت ذاته بيعةٌ له (ص)، وتجديدٌ وتأكيدٌ لهذه البيعة، بمعنى الإقرار برسالته ووظفيته، والخضوع للقوانين والتشريعات التي أُرسل بها؛ كما أنها تهنئةٌ وتبريكٌ لرسالته؛ إضافةً لكونها شكرًا يوميًّا بلسان عموم العالم الإسلامي لقاءَ بُشرى السعادة الأبدية التي جاءهم بها.
أجل، فكما يتألَّم كل إنسان لهلاك جسده، كذلك يتألم لخرابِ منزله، ويَحزُن أشدَّ الحزن لدمار وطنه، بل يتجرَّعُ من أعماق قلبِه ألمَ فراقِ أحبّائه ووفاتِهم؛ بينما يُلهِب روحَه ووِجدانَه مثلَ جهنَّمَ معنويةٍ مجرَّدُ تفكيره بزوال دنياه الخاصَّة التي يراها كبيرةً بحجم الدنيا، وبفراقِها ودمارها نهائيًّا في خاتمة المطاف.
سيُدرك كلُّ عاقل یی ما لم يكن فاقدَ الرُّوح والقلب والعقل یی: أن ترديدَ العالم الإسلامي كلَّ يوم وبكثرة: «السَّلام عليك أيُّها النبيُّ» ، إنما هو مقابلَ الهدية المعنوية المُبهِجة التي جاء بها محمدٌ العربيُّ عليه الصلاة والسلام، ممّا شاهده ليلة المعراج رأيَ العين، من البشارة بالسعادة الأبدية، وبالحياة الخالدة لأهل الإيمان في الجنة، وأن العدمَ لم يُغيِّب أحِبّة الإنسان الذين تعلَّق بهم، وأنه مُلاقيهم حتمًا بعد زوالهم.
وسيُدرك أيضًا أن ترديدَ جميع المخلوقات معنًى وبلسان هذه الحقيقة: «السَّلام عليك أيُّها النبيُّ» ، هو مقابلَ تحوُّل صحائفِ الكون وطبَقاته بتلك الهدية المعنوية التي جاء بها إلى مكتوباتٍ صَمَدانية، وتجلِّي القيمة الحقيقية للمخلوقات وكمالاتها برسالته.
وما سُنِّيّةُ تحيّةِ: «السَّلام عليكم» التي يُلقيها أفرادُ الأُمّة فيما بينهم كإحدى الشعائر الإسلامية، إلا لكونها شُعاعًا من تلك الحقيقة العظمى.
الباقي هو الباقي
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭
— 145 —
باسمه سبحانه
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أبدًا دائمًا
إخواني الأعزّاءَ الأوفياء..
أولًا: نُبارك من أعماق أرواحنا هذه الشُّهورَ الثلاثة، ولياليَكم القدسية المباركة، وليلة الرغائب، وليلة المعراج، وليلة البراءة، وليلة القدر.. التي يَكسِب بها الإنسانُ عمُرًا معنويًّا مديدًا يُقدَّر بثمانين سنةً، ونسألُ الحقَّ سبحانه أن يتقبَّل من كلِّ نُوريٍّ دعاءَه ومكاسبَه المعنويّة بحقِّ جميع إخوانه، كما نُبارك نجاحَكم الذي حقَّقتموه في الخدمة النورية.
ثانيًا: أودُّ أن أُطَمئِنَكم بأن مرض النسيان العامِّ الناتج عن التسمُّم قد انقلبت مصيبتُه في حقِّي نعمةً ورحمة، وأضحت مفتاحًا لكشف بعض الحقائق؛ فلا تغتمُّوا لأجلي، لكنِّي بكلِّ صدقٍ بحاجة لدعائكم.
أجل، فلدى قراءتي الآن للمناجاة التي في مقدِّمة «سراج النور» ، رأيتُ أن حقائقَ خارقة تتخفَّى تحت حُجُب الألفة والاعتياد والإجراء المُنتَظِم بنَسَقٍ واحد؛ ولا سيما عند غير المتديِّنين من أصحاب الغفلة وأهل الطبيعة وأرباب الفلسفة، فهم لا يُبصرون الكثيرَ من معجزات القدرة المتلفِّعة بحُجُب النواميس الربانية، فيُسندون حقيقةً بحجم جبل إلى سبب بسيط بحجم ذرّة، ويَسُدُّون بابَ معرفة القدير المطلَق المتجلِّي في كلِّ شيء، ويَتعامَون عن رؤية النِّعم المُودَعة في كل شيء، فيُغلقون بذلك بابَ الشكر والحمد.
فمثلًا: مثلَما تَستنسِخُ جلوةُ القُدرة في صحيفة الهواء وفي آنٍ واحدٍ من كلمةٍ واحدة مليونَ بل ملياراتِ الكلمات.. ومثلَما تُستَنسَخ كلُّ كلمة طيِّبة في كرة الهواء بقلم القدرة فجأةً كأنها بدون زمن، وذلك بسرِّ آية: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ ومثلَما اختفت لدى أهلِ الغفلة تحت ستار الأُلفة منذ زمن آدمَ إلى اليوم في كرة الهواء معجزةٌ عجيبةٌ للقدرة هي في حكم لوحِ محوٍ وإثباتٍ للحقائق المعنوية والمقبولة..
— 146 —
فكذلك ثَبَت بالحقيقة نفسها التي أَطلَقُوا عليها اليومَ اسمَ "المِذياع": أن جلوة قدرةٍ أزليةٍ غيرِ متناهية، تَحمِلُ في ثناياها علمًا وحكمة وإرادة غيرَ متناهية، حاضرةٌ وناظرة في كلِّ ذرة من ذرّات الهواء، حتى أن الكلمات على تنوُّعها غيرِ المحدودِ تَدخُل في الأذن الصغيرة لكلٍّ مِن ذرّات الهواء، وتُلفظ من لسانها الدقيق دون أن تَختَلِط أو تَفسُد أو يَتغيَّر هدفُها.
ومُفادُ ذلك: أنه لو اجتمعت جميعُ الأسباب لَما أمكنها بأيِّ طريقةٍ فعلُ جلوةِ القدرة القدسية في الوظيفة الفطرية لذَرّةٍ واحدة فقط، وأنه لا يمكن لأيِّ يدٍ أن تبلُغَ بأيِّ حالٍ تلك الصَّنعةَ الخارقةَ المتوفِّرةَ في اللسان والأذن الصغيرة لكلِّ ذرّةٍ من الذرّات، ممّا اضطَرَّ أربابَ الضلالة وأهلَ الغفلة إلى سَتر ذلك بسِتارِ الألفة والاعتياد والإجراء المُنتَظِم بنسَقٍ واحد؛ وأطلقوا عليها اسمًا سطحيًّا، وخدعوا بذلك أنفُسَهم بشكل مؤقَّت.
فمثلًا: لو قام صانعٌ مُعجِز بصنع مئة أُوقيّة من الطعام المتنوِّع، ومئةِ ذراع من الأقمشة المختلفة، من قطعة حطب صغيرة بحجم ظُفُرٍ، فقام شخصٌ آخرُ بالتهوين من شأن تلك الصَّنعة الخارقة التي أبدعها ذلك الصانع الماهر، وجعلها بحُكمِ العدم؛ بل أشار إلى قطعة الحطب تلك قائلًا: "لقد حصلت هذه الأعمالُ اتِّفاقًا ومصادَفةً من هذه"، كم يكون ذلك حماقةً وخرافةً وهذَيانًا في أَتُون الضلالة؟! مثلَما وَرَد في حاشية "ذيل الكلمة الرابعة عشرة".
أو قيل في معجزةِ قدرةٍ كشجرتي الصنوبر والتِّين مثلًا المتضمِّنتَينِ آلافَ الفنون الخارقة: "إنما صُنِعا من هذه" إشارةً إلى بِذرةٍ بحجم حِمِّصة!!
أو أُلقي حجابُ الكُفران والنُّكران على مئاتِ آلافِ النِّعم بإطلاقِ اسم "المِذياع" والموجات الهوائية والكَهرَبائية على النموذج (حاشية): توجد في هذه الكلمة إشارة إلى مفتاح خزينة حقيقة عظيمة. المُعجَّل للإحسانات الإلٰهيّة المدَّخرة لسعادة البشر الأبدية، وهو دون أدنى شكٍّ أو شُبهةٍ هديّةٌ رحمانيةٌ جاءت إحسانًا من خزينة الرحمة مباشرةً، تَضمُّ نِعَمًا لا تُحصَر، إذ جعل الكرةَ الهوائية بمثابة ساحةِ اجتماعاتٍ، وجعل وجهَ الأرض بحُكم مدرسةِ معرفةٍ..
— 147 —
إنَّ تلقِّيَ هذه النعمة بهذا الأسلوب من النُّكران في الوقت الذي كان يَلزَم فيه مُقابلَتُها بآلافِ معاني الحمد والشُّكر، يُعتبَر جنونًا كجنون الماديِّين وأهلِ الضلالة المذكور في المثال، وجنايةً لا حدودَ لها، يستحقُّ فاعلُها عذابًا غيرَ محدود.
فيا إخواني، لقد قُمت اليوم بقراءة المناجاة في مقدِّمة «سراج النُّور» بُغيةَ تصحيحها، إلا أنَّ قوّة حافظتي قد خَفَتَت جَذوتُها، فكأنِّي جِئتُ إلى الدنيا حديثًا رغم بلوغي الثمانين، وكأني لا أعرف شيئًا من الألفة والاعتياد، فانسدلَ عني حجابُ تلك المألوفات، فوقفتُ على الحقائق في تلك المناجاة، وقرأتُها مستفيدًا منها تمامَ الاستفادة، وألفَيتُها في غاية الرَّوعة، وتشكَّلَت لديَّ قناعةٌ تامّة أن سعيَ أعدائنا الأخفياءِ لخداع بعض المسؤولين الرسميِّين من أجل مُصادرة «سراج النور» بحُجّة خاتمته، كانت بهدف منع انتشار المناجاة التي في مقدِّمته؛ فكما كانت "نكتة هو" في «المرشد» سببًا لهجوم المُلحِدين عليه، كذلك أصبحت المناجاةُ في مقدِّمة «سراج النُّور» سببًا للأمر ذاته.
ثالثًا: أُبشِّرُكم بكامل الاطمئنان النفسيّ والقلبيّ أن جميع المصائب التي ألَمَّت بنا قد تحوَّلَت في ميدان خدمتنا الإيمانية إلى نِعَمٍ عظيمة، وذلك لِما يتحلَّى به النُّوريُّون من الإخلاص التامِّ والصداقة الحقيقية والتسانُد المتين؛ وثمّةَ فتوحاتٌ للنُّور مخبَّأة خلف الأستار لا تَخطُر بالبال ولا على الخيال.
فمثلًا: قُمنا بدفع مئة ورقة نقدية أُجرةَ السيّارة التي أقلَّتنا من "إسبارطة" إلى "إسطنبول" لحضور المحكمة، وإنني أُقسِم أن ما ظهر وما بدأ يظهرُ من ثمارِ الخدمة في هذه المسألة وفي "المرشد" وفي شخصي خاصةً، لو دفعتُ لأجله ألفي ورقةٍ نقدية لَمَا أدَّيتُ حقَّه! ولكم أن تقيسوا ذلك أيضًا بالنتائج التي تعود على العموم.
الباقي هو الباقي
أخوكم المريض المحتاج إلى دعائكم
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭
— 148 —

حاشية "مفتاح عالم النور"

حول مبحث "المِذياع" في "مفتاح النور"
خرجتُ ذات يومٍ مع اثنين من الطلاب الجامعيِّين في جولةٍ بالسيّارة، وفي أثناء التَّجوال استمعنا عبر مِذياعِها اللاسلكيّ لمولدٍ شريفٍ مُقامٍ في منطقة بعيدة، فقلت لطالبَيِ النُّور:
إنَّ أحد مظاهر تجلِّياتِ القدرة الإلٰهية في النور، بصورةٍ مباشرةٍ وبشكلٍ بَدَهيٍّ ودونما حُجُب كما هي الحياة والوجود: أن الهواء اليسير الذي لا يُجاوز حجمَ الظُّفر، وكذا النور المعنويُّ القليل في هذه الآلة الصغيرة لا تُسمِع الكلمات الآتيةَ من هذا المَوْلد وتنطق بها فقط، بل إنها تُسمع في نفس اللحظة وتُفصحُ عن آلاف بل ملايينِ الكلمات الواردةِ إليها، فهي تَسمَع یی مثلَما نَسمَع نحن الآنَ یی الكلماتِ المختلفةَ المنتشرةَ في آلاف مراكز البثِّ، وتستطيع نقلَه إلينا وإسماعَنا إيّاه؛ ما يعني أن أصغر جزئيٍّ يغدو أكبر كُلِّيّ، كمثل ما تؤدِّيه حفنةُ الهواء الصغيرة تلك من مهامَّ بحجم كرة الهواء؛ ويكبُر حينها الصَّغيرُ فيغدو كبيرًا بحجم تلك الكرة الهوائية.
فلو لم يُنسَب هذا الأمر لِجَلْوة القدرة الأزلية، لحصل حينها تضادٌّ مُثير للسُّخرية والعَجَب لا يَقبلُه عقلٌ ولا خيال؛ إذ يستلزم أن يكون (أصغرُ جزئيٍّ) مثلَ ضِدِّه (أكبر كُلِّيٍّ)، وأن يكون أصغر شيء كأكبر شيء، وأشدُّ الأشياء وَهْنًا وجهلًا وعجزًا وانعدامَ شعورٍ، كأقدرِها وأكثرِها درايةً وإرادةً وشعورًا؛ وما هذا سوى خُرافةٍ لا مثيلَ لها، فانقلاب الشيء إلى ضدِّه محالٌ ضمن تضادٍّ ومحالاتٍ وخرافاتٍ تُعَدُّ بالمئات!
فثبت بهذا مظهريّةُ الأمر للقدرة الإلٰهية بداهةً، ويجسِّدُ مثالَ كرةِ الهواء ما ورد في الحديث الشريف: أنَّ مِن الملائكة مَن له أربعون ألفَ رأسٍ، في كلِّ رأس أربعون ألفَ لسانٍ، كلُّ لسان يُسبِّحُ أربعين ألفَ تسبيحٍ، ما يعني أنها تسبِّح أربعًا
— 149 —
وستِّين بليون تسبيحةٍ في نفس اللحظة؛ فكانت كرةُ الهواء كهؤلاء الملائكة، بمعنى أن كلَّ كلمة طيبة تُكتب في صحيفة الهواء بعدد تسبيحات هذه الملائكة.
تقول كرة الهواء: إن هذا الحديث يُخبر عني أو عن الملَك الذي أُمر بالإشراف على عملي، فجميع الأحاديث والأصوات غير المحدودة الصادرةِ من الإنسان بحروفها ولَهَجات ناطقيها وأصواتهم المخصوصة، وتمايزها عن بعضها رغمَ اختلاطها.. كلُّ ذلك يؤكِّد أن هذا العمل الذي يتمُّ بشعور كُلِّيٍّ، والذي هو مُهِمّة ذرَّة واحدة فقط، لا يمكن بحالٍ إحالتُه إليَّ، ولا إلى جميع الأسبابِ قاطبةً.
ممّا يعني أنها جَلْوةُ أحَديّة حاضرة وناظرة في كل مكان، وجلوة قدرة أزلية تتضمَّن في ثناياها إرادةً شاملةً وعلمًا محيطًا.. وأحد ملايين الشواهد لهذا الأمر: المذياع.
إن شرح المسألة التي ذُكرت في مبحث الموازنة بين الحكمة القرآنية والحكمة الفلسفية الواردة في "الكلمة الثالثة عَشْرةَ" هي:
تقومُ الفلسفة الإنسانية بإسدال ستار المألوفات والمُعتادات أمام معجزات القدرة الإلٰهية الخارقة للعادة، ولا تُبصرُ ما في ثناياها من دلائل الوحدانية والنعم الخارقة بل تُخفيها، وتوجِّه الأنظارَ إلى بعض جزئياتها الخصوصية التي شذَّت خارج نطاق المُعتاد، وتُوليها الأهمِّيةَ فحَسْبُ.
فعلى سبيل المثال: لا ترى معجزاتِ القدرة في الخلقة الإنسانية الكاملة السليمة ولا توليها أهمِّية، لكنَّها ترى إنسانًا ذا رأسين أو ذا ثلاثة أرجل شذَّ بها عن القاعدة، وتلفِتُ الأنظار إليه باستغراب وحَيرة، فهي تُخفي المعجزات الكلِّيّةَ العمومية تحتَ ستار العادة، وتجعل من الموادِّ الجزئية والشاذّة عن القانون والشّاردة عن طائفتها مدارَ العبرة!
مثالٌ آخر: ترى الإعاشةَ المُعجِزة الخارقة لصغار الحَيَوانات والبشر أمرًا بسيطًا، ولا تُوليها الأهمِّيةَ اللازمة، إلا أنها تسلِّط الضوءَ على حشرة ابتعدت عن طائفتها وفارقت أُمَّتها، ودخلت في أعماق البحر وعاشت على ورقة خضراء كانت
— 150 —
تُقِلُّها یی كما نشَرَت يومًا إحدى الصُّحف الأمريكية یی فشاهدها الصيّادون وبكَوا أمامَ هذا المشهد، وأعلنوا عن ذلك في جَلَبة وصخب.
والحال أن ثمّةَ آلافَ النماذج من معجزات الرحمة والإحسان في أصغر الصِّغار وفي أرزاقهم الشبيهةِ بماء الكوثر المخزونة في الأثداء، غير أنَّ الفلسفة البشرية لا تلتفت إلى هذه المعاني، كيلا تتعرَّف على الرحمٰن الرحيم وتقابلَه بالشُّكر.
أما الحكمة القرآنية فإنها تمزِّق ستارَ المألوفات هذا، وتعطي البشر درسًا في تلك المعجزات الكلِّية العمومية الفائقة، وفي تلك النعم الخارقة للعادة، وتعرِّفُهم بالله، وتدفعهم إلى العبودية تحت مسمَّى الشُّكر الكلِّي.
وإن أحد أغربِ أخطاء الفلسفة البشرية وأعجبِها: أن جُزأَها الاختياريَّ وإرادتها لا تَفي للقيام بأصغر أفعالها وأكثرها ظهورًا، ألا وهو: التحدُّث؛ ولا يمكنها إيجادُه، فهي تقوم فقط بإدخال الهواء في مخارج الحروف، بينما يَخلقُ الحقُّ سبحانه تلك الكلمات بناءً على الكسب الجزئي، وتُكتَبُ في الهواء آلافَ النُّسَخ.
وإن إطلاق تعبير "اختراع البشر" على معجزةِ قدرةٍ كُلِّية خارقة، رغمَ عجز جميع أسباب الكائنات أمامَها، ورغم قِصَر يد الإنسان أمام هذا القَدْر من الإيجاد، لَيُعدُّ خطأً شنيعًا، يَدرِيه من يمتلك ذرّةً من الشعور.
ومثال ذلك: أن يُنسَب لإنسانٍ مسكين في مُطلَق العجز قانونٌ إلٰهيٌّ ضمَّ مئاتِ الآلاف من الخوارق یی وهو المِذياع یی كيما يكون وسيلةً لإفادة البشر، وكان اكتشافُه إلهامًا إلٰهيٍّا، ومظهرًا من مظاهرِ الاستجابةِ لأدعيةِ البشر الفعلية.. وأن يُقالَ عنه: لقد قام المُكتَشِفُ الفلاني باختراعِ المِذياع، واكتشافِ قوّة الكهرَباء؛ بينما يعملُ بعض المُكتشِفين على إيجاد مادّة يُمكنها قراءة عقول البشر!!
أجل، لقد خلق الحقُّ سبحانه هذا العالَمَ على هيئة دارِ ضيافة، وبداخلها كلُّ ما يَلزَم الإنسانَ ويليقُ به ويَحسُن، ووضع بين أيديهم في بعض الأزمنة والعصور بعضَ نعمه المخفيّة ثمرةً لتحرِّياتهم النابعةِ من تلاحُقِ الأفكار، والتي هي دعاؤهم الفعلي.
— 151 —
وبينما كان الواجبُ أن يُقابَل هذا بالشُّكر والامتنان، إذا به يُقابَل بأحدِ مظاهرِ كُفرانِ النعمة، بأن نُظِرَ إليه على أنه شيء بسيط اعتياديّ من صُنعِ إنسانٍ عاجز وبمهارتِه، وأُغفِلت تلك الخوارقُ المصنوعةُ بمحض إدراكٍ وعلم وإرادة ورحمة وإحسان كلِّيّ، وأُظهِر فقط حِجابٌ رقيقٌ من حُجُبها، وأُحِيل أمرُه إلى المُصادفة والطبيعة العديمةِ الشعورِ، وإلى الموادِّ الجامدة! وهذا الفعل لا يعدو أن يكون وُلُوجًا إلى بابِ جهلٍ مُطلَقٍ يُعارِض ماهيّةَ الإنسان المخلوق في أحسن تقويم! وما دام الأمر كذلك، فإنه بدستور:
وفي كل شيء له آيةٌ تدلُّ على أنَّه واحدُ
يَلزَمُ النظر إلى المخلوقات بالمعنى الحرفِيِّ، حتى يكون الإنسان إنسانًا.
سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
٭٭٭
— 152 —
باسمه سبحانه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
وبه نستعين
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أبدًا دائمًا
إخواني الأعزّاءَ الأوفياء..
أوَّلًا: كنتُ أقرأُ في هذه الأيام آيةَ:
مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ
الوارد ذِكرُها في سورة العنكبوت، ومُفادُها: لو علم رؤساءُ قريشٍ من المُشركين الذين لم يؤمنوا بعدُ أنَّ أوهنَ البيوت هو بيتُ العنكبوت.. فوَرَد عليَّ فجأةً وهمٌ شديد، إذ لم أَهتَدِ فيها إلى تدبُّرٍ مُناسب رغمَ بلاغتها.
وتزامنًا مع ذلك الوهم فتحتُ رسالة "ذو الفَقار، المعجزات الأحمدية" بُغيةَ تصحيحها، فلَفَتت انتباهي هذه السطور:
الحادثة الأولى: ورد في حديث مشهور بلغ درجة التواتر المعنويّ أن الرسول الأكرم (ص) تحصَّن مع أبي بكر في الغار للنجاة من طلب الكُفّار، فرَقَدت على باب الغار حمامتان كأنهما حارِسان، وقامت عنكبوتٌ بنسجِ خيوطٍ سميكة بشكل خارق على باب الغار، ليكون بمثابة السِّتارِ لهما؛ حتى إن أحدَ صناديدِ قريشٍ "أُميّةَ بنَ خلفٍ" نَظَر إلى الغار وقال مخاطبًا أصحابَه وقد همُّوا بدخوله: "ما أربُكم فيه! إنَّ عليه من شِباك العنكبوت ما أرى أنه نُسجَ قبلَ ولادة محمَّد (ص)، فعلامَ ندخل؟!".
وفجأة رأيتُ معجزةً في حرفَينِ من هذه الآية الكريمة: لَوْ، فأدركتُ أنها لمعةُ إعجازٍ عظيمةٌ حلَّت محلَّ ذاك الوهم، وهذا بيانُها:
— 153 —
بما أن سورة العنكبوت نزلت في مكة، فإنها تُخبِر بأن زُعَماء قريش الذين لم يؤمنوا سيَسعَون لاغتيال النبيِّ (ص)، وسيقوم أصغرُ حَيَوان وأضعفُه وهو "العنكبوت" بمواجهة هذا الهجوم العنيف الذي سيَشُنُّه أولئك الزُّعماء، وسيتغلَّب عليهم؛ بمعنى: أن الشَّبكة التي هي بيتُ العنكبوت بينما كانت أضعفَ حِجاب، إذا بها تَنتَصِر على أقوى الرُّؤساء والقادة؛ فلذا تُخبر الآية بأنهم لو علموا یی على سبيل الافتراض یی أنهم سيُهزَمون أمامَ أضعفِ حَيَوان، لَمَا سَعَوا للقيامِ بهذه الجناية ومحاولة الاغتيال.
فمثلَما أَظهَرَت كلمةٌ واحدة في آية: فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ معجزةً تاريخية،
(حاشية): ورد في "المعجزات القرآنية" أنَّ قوله تعالى: فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ خطابٌ موجَّهٌ لفرعون الذي غرق، وفي الوقت نفسِه تُعبِّر عمّا كان للفراعِنة من دُستُور حياةٍ مَليءٍ بالعِبَر، وهو نقلُ أجسادِ موتاهم بالتَّحنيط من الماضي إلى الأجيال المُقبِلة لِعرضِها أمامَهم، وَفقَ اعتقادهم بتَناسُخِ الأرواح؛ كما تُفيد الآيةُ الكريمة بأسلوبٍ مُعجِز إشارةً غيبيّةً إلى أنَّ الجسد الذي اكتُشِف في العصر الأخيرِ هو نفسُه جسدُ فرعونَ الغارق، فكما ألقَت به الأمواجُ إلى السّاحل الذي غَرِق فيه، فسيُلقَى به كذلك من بحرِ الماضي، فوقَ أمواجِ العُصُور، إلى ساحِل هذا العصرِ.
(حاشية الحاشية): لقد وجد الأجانب في هذا العصر جسدَ فرعون بعينه، ونَشَرت الصُّحف أنهم قاموا بنقله إلى متاحفهم.
فكذلك هذه السورة المكيَّة، أَظهَرَت لَمعةَ إعجازٍ بالرمز المشاهد في آية: لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ، وبالإشارة إلى المعجزة النبوية التي هي نوعٌ من الحفظ الإلٰهيِّ والإخبار الغيبيّ.. لذا كان من المناسب جدًّا تسميةُ هذه السورة بی"العنكبوت"، والنظرُ باهتمامٍ إلى شِباكها البسيطة.
فنقَضَت هذه الآيةُ الأوهامَ والشُّبُهاتِ الواردةَ إلى ذهني من أساسها، فشكرتُ اللهَ كثيرًا أن أظهر في حروف القرآن لَمَعاتِ إعجازٍ، تمامًا كالتي في سُوَره وآياته، وحتى جُمَلِه وكلماته.
الباقي هو الباقي
أخوكم المريض
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭
— 154 —
باسمه سبحانه
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أبدًا دائمًا
إخواني الأعزّاءَ الأوفياءَ المُضحِّين الثابتين الذين لا يُزعزِعُهم شيء..
أوَّلًا: نُبارك من صميم قلوبنا وأرواحنا عيدكم والليالي التي هي مَظهَرٌ لسِرِّ: وَالْفَجْرِ ٭ وَلَيَالٍ عَشْرٍ، وأَسألُكم الدعاء لي بالشفاء من مرضي الشديد.
ثانيًا: يُحاول بعض المُلحِدين العاملين في الخفاء التعرُّضَ لنا والتصدِّيَ لفتوحات الأنوار الساطعة، باستخدام القوانين المِزاجية، واستغلال بعض الموظَّفين الرسميِّين لتمرير هذا الأمر، وذلك لِبَثِّ الوهن في نفوس بعض خواصِّ النوريِّين.
فمن ذلك: أنهم أرسلوا إليَّ في هذه الأيام المباركة من إسطنبول تقريرَ لجنة الخُبراء (حاشية): سيُرسَل إليكم لاحقًا للاطِّلاع. حول رسالة "المرشد" مكتوبًا بنزعة إلحادية، وإنني أُحيل إليكم الإجابة عليه لشِدّة مرضي الناجِم عن التَّسمُّم.
هذا الكتاب أُلِّف قبل اثنتي عشرة سنةً، ومرَّ بالكثير من قرارات العفو والبراءة، ولم تعترض عليه خمسُ محاكم بل أَمرَت بإعادته بعد الاطِّلاع عليه، وأسدى لعَشَرة آلاف رجلٍ یی خاصّةً الشباب یی منافعَ جمّةً دون أيِّ ضرر، وأثبتُّ في دفاعي الكبير أنه يقدِّم مع ذيوله خِدماتٍ جليلةً لهذا الوطن.. لذا فإنِّي أُحيل إلى أصحابي النوريِّين في المدرسة الزهراء وفروعها أمرَ الدِّفاع عنه كي يُخرِسوا لَجنة الخبراء تلك، ويُثبتوا بالأدلّة أنهم يُخالفون القانونَ باسم القانون، وأنهم يُمارسون على حساب العدالة ظُلمًا قضائيًّا شديدًا، وأنَّ مقابلَ حكمهم بأنَّ "المُرشد" يَستغِلُّ الدِّينَ لأغراضٍ سياسية، يجبُ الإعلانُ أن هذه اللَّجنة العديمةَ الخبرة تُحاوِلُ استغلالَ السياسة ومهامِّها القضائية لخدمةِ الإلحاد.
الباقي هو الباقي
أخوكم المريض
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭
— 155 —

بيانٌ يتضمن اعتراضًا خفيفًا على تقرير لجنة الخبراء

أقول لهم ردًّا على اتِّهامهم لي بجعل الشعائرِ الدينية أداةً للسِّياسة:
مثلَما أُشهِدُ جميعَ مراحل حياتي وجميعَ معارفي أنِّي لم أسعَ لجعل الدِّين أداةً للسياسة، تَشهَدُ لي بالأمر نفسِه سيرةُ حياتي وجميعُ أصحابي، فحينما كنتُ أمارس السياسة كنت أبذُل كلَّ ما بوُسعي لتوظيفها لخدمة الدِّين وجعلِها تابعةً له.
وكذلك كان الأمر في بداية عهد "الحُرِّية"، وفي زمنٍ عُلِّق فيه المُطالِبون بتطبيق الشريعة الإسلامية على أعواد المَشانق، وفي المحكمة العُرفية التي أقامها جيشُ الحركة، وعَلَّق يومَها على أعواد المشانق خمسةَ عشرَ شخصًا في يومٍ واحد، وخاطبني يومئذٍ رئيسُها وأعضاؤها بالقول: وأنت أيضًا تُطالب بتطبيق الشريعة؟! إنَّك رَجعيّ! فأجبتُهم: "إنني مستعدٌّ لأن أُضحِّيَ بروحي فداءً لمسألة واحدة من مسائل الشريعة.. وإذا كانت المشروطيّةُ استبدادَ حزبٍ وحركةً تخالف الشريعة، فلْتَشهدِ الدنيا أنني رجعيٌّ".
أجل، أيمكن لرجلٍ كهذا لم يُبالِ بالإعدام، وضحَّى بدنياه وبكلِّ ما لديه في سبيل الشريعة، أن يجعل من الدِّين والشريعة أداةً لشيء ما؟! هذا احتمال يأباه حتى السُّوفسطائيُّ.
أرأيتُم إلى رجلٍ عُرِف عنه أنه يرفضُ التعرُّض یی عبر السياسة یی لعشَرةِ ظلَمةٍ مراعاةً لخاطر بريءٍ واحد، ويَعُدُّ ذلك خطأً كبيرًا، ولم يقابل بالمثل عشَرةً من الظلمة الجُناة أذاقوه صنوف العذاب، بل حتى لم يدعُ عليهم، وجعل "عدم التدخُّل في الأمن والاستقرار" دستُورَ حياته، فمن ذا يتَّهِم رجلًا كهذا بأنه يجعل الدِّينَ أداةً للسِّياسة، ويتعرَّض بالتالي لأمنِ البلاد واستقرارِها؟! إنَّ اتِّهامه يدلُّ بداهةً على سوءِ طويّةٍ وحقدٍ دفين.
وإن رجلًا تعرَّض خلال ثمانيةٍ وعشرين عامًا لشتَّى صنوف الظلم والاضطهاد والتعذيب، ولديه یی بحَسَب تقارير بعض المحاكمِ یی مئاتُ الآلاف من الأصحابِ
— 156 —
المُضحِّين، ورغم ذلك لم تقع من أحدٍ من طُلّابه حادثةٌ واحدة تخلُّ بالأمن كما أكَّدت ذلك تحقيقاتُ ستِّ ولايات وستِّ محاكم..
أيُقال في حقِّ رجلٍ هذه حاله: إنَّه يُخلُّ بالأمن ويُضِرُّ بالوطنِ وبالسِّياسة؟! هذا لا شكَّ ظلمٌ عظيم لا تَسَعُه الأرض ولا السماء.
لا تُساوِرنَّهم الظُّنونُ أني أقول هذا كي أُنقِذ نفسي من الإدانة والمسؤولية حيالَ هذا الاتِّهام الظالم، فإنني أُؤكِّد لكم مُقسِمًا یی ويُصدِّق ذلك من يعرفُني من أصحابي عن كثب یی: أنِّي على اقتناعٍ جازمٍ أن الموت أفضلُ لي من الحياة، وأنَّ القبر مَبعَثُ راحةٍ لي أكثرَ من السجن بعشَرات المَرّات، وأن السجن أهنأُ لنفسي أضعافًا من حُرِّيةٍ كهذه؛ ولولا حزنُ بعض أصحابي لآثرتُ البقاءَ في السجن بشكل دائم.
ولو كان الانتحار جائزًا شرعًا، لكان أحبَّ من الحياة إلى رجلٍ ترفَّع عن التذلُّل أمام قرارات إعدامِ القائد الرُّوسي وقائد القُوّات التي احتلَّت إسطنبول، أو أمام غضب رئيس الجمهورية الأول في ديوان الرئاسة، وبحضور خمسين نائبًا من البرلمان؛ ثمَّ هو يتعرَّض في الوقت ذاته للإهانة والتحقير والافتراء والتعذيب والتعجيز من شُرطيٍّ وحارسٍ وموظَّفٍ بسيط!! لا جرم أن الموتَ أحبُّ إليه مئةَ مرةٍ من هذه الحياة.
وبما أنني أتعرَّضُ لاتِّهامٍ مبنيٍّ على هواجسَ لا تخطُر على بالٍ ولا خيال، بحُجّة رسالة "المرشد"، فإنني أقول: لقد أنقذتُ أنا وإخواني إيمانَنا وأخلاقَنا من المخاطر المُحدِقة من خلال الحقائق التي تضمَّنها "المرشد" الذي أُلِّف قبل خمسةَ عشر عامًا، وطُبع ثلاثَ مِرارٍ، وانتشر في هذا الوطن الآلافُ من نُسَخِه المطبوعة، وعشَراتُ الآلاف من نُسَخِه المكتوبة بخطِّ اليد، وقُرِئ بكمال الشَّوق واللَّهفة من قِبَل مئات الآلاف؛ ولم يَبرز أحدٌ مطلقًا یی مواليًا كان للحكومة أم معارضًا لها، متديِّنًا كان أم مُلحِدًا یی ليقولَ: لقد وجدناه مُضِرًّا، أو بلغَنا أنَّه أضرَّ بالوطن أو الشعب! ولو كان فيه أدنى ضررٍ لانتشر خبَرُه حالًا لأنها قضيةٌ مُهِمّة؛ والحقُّ أننا نستطيع إظهارَ ما يقرُب من مئة ألف شاهدٍ أننا أنقذنا به إيمانَنا، وأصلحنا من خلاله سَجايانا الاجتماعيّة، وحقَّقنا منه الإفادة، ولدينا إن استدعى الأمرُ مئةُ ألفِ شاهدٍ على دعوانا هذه.
— 157 —
إن الرجل الذي له عشرُ حَسَنات، ينبغي غضُّ الطرف عن خطيئةٍ له بسيطة وعدمُ وضعِها في الاعتبار، فكيف بكتاب له مئاتُ آلافِ المآثر والفوائد؟ أيَصِحُّ أن يُجعَل موضعَ التُّهمة والمسؤولية لمُجرَّد عيبٍ متوهَّمٍ فيه لا حقيقةَ له؟! وهل يُمكن لأيِّ قانونٍ اجتماعيٍّ في العالم أن يَحكُم على هذه الحالة بالإجرام؟!
وقد أفادت لجنةُ الخبراء التي لا تعي شيئًا عن العلوم الدِّينية والإسلامية یی بعد أن دقَّقت ذلك المؤلَّف یی بأن مواضعَ التُّهَم هي:
أولها: (أنه يعارضُ العَلْمانية، ويستغلُّ الدِّين لمكاسبَ سِياسيّة).
والواقع أن مؤلِّفَه ترك السِّياسة قبلَ خمسة وثلاثين عامًا، حتى إنه لم يقرأ جريدةً واحدة مُنذُئِذٍ، ويؤكِّد على تلاميذه بشكل دائم ألّا ينشغلوا بالسِّياسة، وهذا الأمر يستأصلُ تلك التُّهمة من جذورها.
ثانيها: جُعِل من (تأييدي للتدريس الدِّيني) مأخذًا لتوجيه التُّهمة لي.
ونقول في ذلك: ليس في الدنيا أحدٌ من أهل الإيمان يَصِف هذا الأمرَ بأنه جُرم! لا سيَّما وقد ألقى على الأبرياء في السِّجن دروسًا كانت بمثابة سُلوانٍ لهم، وصرَّح بتأييده للدُّروس الدِّينية في ذلك الوقت، ممّا يؤكِّد أن هذه التهمة لا معنى لها أساسًا؛ بل إنه أصلح في مُدّةٍ وجيزةٍ حالَ ثلاث مئة سجينٍ بواسطة رسائل النور، فأعلنوا توبتَهم من الجرائم التي ارتكبوها، والتزم جميعُهم بأداء الصلاة.. الأمرُ الذي لَفَت أنظار المسؤولين المعنيِّين بهم، حتى قال بعضهم للشخص الذي قام باستنساخ "المرشد" في السِّجن: "لقد حقَّقَت رسائلُ النور من المنافع في خمسةَ عشرَ أسبوعًا ما يحقِّقه السِّجنُ في خمسةَ عشرَ عامًا"، ومؤلِّفه يقول عنه: "إن من يقرأ جزءًا من "المرشد" الذي هو واحدٌ من مئة وثلاثين كتابًا من رسائل النور، فإنه يَصلُح حالُه، ويتوب عن المساوئ، ويُحصِّلُ استفادةً تفوقُ ما يتلقّاه من الدُّروس في المدارس الشرعية الترتيدية مدّةَ خمسة عشرَ عامًا، وخيرٌ له من الزجِّ به في السجن".
— 158 —
فيا تُرى! هل يُعَدُّ جُرمًا إظهارُ مثل هذه الأُمنِية، وتشجيعُ مَن أقرَّ بها، وصدَّقها حتى الذين زجُّوا بي في السجن؟!
ثالثها: أنهم اعتبروا مناصرتي لی(الحجاب والتربية الإسلامية) عُنصرَ اتِّهامٍ لي.
وأقول: أمّا هذا فقد نُشر في "أسكي شَهِر" و"دَنِزْلي" و"أفيون"، وورد في لائحة القرارات الصادرة من محكمة "أفيون"، ولم تتعرَّض لي محكمة "أسكي شَهِر" قبل خمسة عشرَ عامًا بدعوى مناصرتي للحجاب! وأنا بدوري قدَّمتُ لهذه المحكمة ولمحكمة التمييز الجوابَ التالي:
مَن يتَّهِمُ رجلًا لتَفسيرِه آيةً كريمةً تُمثِّلُ دستورَ الحياة الاجتماعية لثلاثِ مئةِ وخمسين مليونِ مسلمٍ في كل عصر على مدى ألف وثلاث مئةٍ وخمسين عامًا، فسَّرها استنادًا إلى اتِّفاقِ معاني ثلاث مئة وخمسين ألف تفسيرٍ وتصديقِهم، واقتداءً بعقيدة أسلافنا السَّابقين طوالَ ألف وثلاث مئة وخمسين عامًا؟!
فلَئن كان للعدالة وجودٌ على وجه الأرض، فلا جَرَمَ أنها سترفض هذه الدعوى، وستَنقُض أيَّ حكمٍ قضائيٍّ يَصدُر بناءً على هذه التُّهمة.
وقد أثبَتَت رسائلُ النور أن الأمر بالحجاب الوارد في هذه الآية الكريمة هو مظهرُ رحمةٍ عظيمةٍ للمرأة، وأنه يحميها من الانحدار إلى الوضاعة؛ وقد أثبتُّ ذلك أيضًا في مقالة لي تحت عنوان "إلى أخوات الآخرة من أهل الإيمان" نُشِرت في العدد (١١٥) من جريدة "سبيل الرشاد".
رابعها: وجَّهوا إليَّ تهمةَ "توسيع دائرة النفوذ الشخصي"، وسببها أن لجنة الخبراء صنَّفت بعض العبارات التي أَستَخدِمُها محلَّ تهمة، مثلَ قولي: "أتحدَّثُ باسم الشخص المعنويِّ لرسائل النور"، و"أُخطِر إلى قلبي"، و"أُخطِر إليَّ"، و"ورد على قلبي"، و"إن رسائل النور تَمنحُ فوائد عموم المدارس وكذا المدارس الشرعية التقليدية والتَّكايا.." وغيرها من الصِّيغ.
وأقول جوابًا على ذلك: إن رجلًا على باب القبر، قد تجاوز الثمانين من عمره،
— 159 —
وعوَّد نفسه الانزواءَ منذ أربعين سنة، ويعيش في تجريد مطلق وسجن ونفيٍ منذ ثمانية وعشرين عامًا حتى سَخِط الدنيا تمامًا، ولم يقرأ الجرائد منذ خمس وثلاثين سنة ولم يستمع إليها، ولم يقبل طَوالَ حياته هديةً من أحدٍ دون مقابل، حتى من أقرب أقربائه بل حتى من أخيه، واتخذ لنفسه دستورَ تجنُّبَ اللِّقاء بأحدٍ من الخلق دون ضرورة، بهدف التقليل من إقبال الناس عليه واحتفائهم به، وأبى أن يَنسُب إلى نفسه ما يتلقّاه من مدحِ النوريِّين وثنائهم، مُحِيلًا له دومًا إلى هيئة النوريِّين أو إلى الشخص المعنويِّ لرسائل النور، وكان يقول: "إنني لست لائقًا بهذا المقام.. وهذا يفوقُ حدِّي.. وإنما أنا مجرَّد خادم.. ومَثَلي مَثَلُ البِذرة فَنِيَت وبَلِيَت، أما رسائل النُّور فهي تفسيرٌ للقرآن الحكيم ومعانيه"، وكان يستخدم العبارات التي يستعملُها الجميع: "ورد على خاطري، ورد على قلبي، أو أُخطر إليَّ"، لبيانِ أن الوارد ليس من مهارته وذكائه، بل من السُّنوحات القلبية، وهذه تعابيرُ يستخدمها الجميع.
حتى لو كانت هذه الجملُ إلهامًا كما ترى لجنة الخبراء عديمةُ الخبرة، فما من شيءٍ إلا هو مظهرٌ لنوع من الإلهامات والسُّنوحات، بدءًا من الحَيَوانات وصولًا إلى الملائكة والبشر، وعلى هذا اتِّفاقُ أهل الفن وأهل العلم عامةً، وعلى من يزعمُ أنه جُرمٌ عليه أن يُنكِر الفنَّ والعلم أوَّلًا.
خامسها: " يعتقدُ المؤلِّف أنه سيُنقذ جيلًا شارف على السقوط في إسارِ الفتنة المُغرية، وذلك من خلال الإجابات التي يُقدِّمُها لطالبي العونِ والنَّجدة من رسائل النور وهذا أيضًا عنصر اتِّهامٍ لي بحسَبِ لَجنة الخُبراء! وإن من يُمعِن النظرَ قليلًا يُدرك كم هي تهمةٌ تافهةٌ إزاءَ حقيقة ظاهرة أُثبتت بمئة ألف شاهد، وغدت ظاهرةً للعِيان!
سادسها: جعلوا من جملة: "فلتُقرَع أسماعُ السِّياسيِّين والاجتماعيِّين والأخلاقيِّين" عنصرَ اتِّهامٍ لي! والواقع أنَّ "سعيدًا" أعلن أنه أَوجَد حلًّا يسيرًا ومريحًا لإنقاذ الشباب من المخاطر، ونادى قائلًا: "فلتُقرَع أسماعُهم" كي يقوم السياسيُّون والأخلاقيُّون بإشهارِه ولفتِ الأنظار إليه؛ فمن يعتبر مثل هذا تهمةً، فإنه یی في ميزان الإنسانية یی يواجهُ تُهَمًا كثيرة.
— 160 —
سابعها: «يدَّعي أن شخصًا معنويًّا مرتدًّا يُوقِد نار الفتنة ويُذكيها، وأنه قرأ خيالًا ملامحَ هذا الشخص في إنسانٍ بعينه، إلا أنه لم يُفصح عنه على وجه التحديد» ، هذا أيضًا أحد عناصر اتِّهامي من قِبَل لجنة الخُبَراء!
فهل يتوقَّف یی يا تُرى یی شياطينُ الإنس والجن في الدنيا دون أن يفعلوا شيئًا؟! وهم المُنهمِكُون دومًا في فعل المساوئ وتسهيل القيام بها، أليست لجنةُ الخبراء العديمةُ الخبرة تعي هذا الأمرَ حتى إنها تتعرَّض لنا دون أيِّ مبَرِّر؟!
وما دام يقول بأنه معنويّ، وما دام أخفى شخصه ولم يُعلِن عنه، فلا توجد في العالم محكمة تقول: سنوقفُك بذريعة إهانة رجلٍ معنويٍّ یی أي: شيطانٍ كهذا یی! إنَّ محكمةً كهذه من الطبيعي جدًّا ألا تستحقُّ قراراتُها أيَّ اهتمام ولو بمقدار ذرّة، فهي بمثابة الهذيان.
ثامنها: "يدَّعي المؤلِّف ويكرِّر بإصرارٍ أنه يرتكِزُ إلى مُنطلَقات رسائل النور المترشِّحة مباشرةً من الإعجاز المعنوي للقرآن المُعجزِ البيانِ، والنابعةِ من مَعينِه، وهذه دِعاية دينية تستند إلى دلائِلَ وإلهاماتٍ دينية"، جعلت لجنةُ الخبراء هذا الأمرَ عنصرَ اتِّهام لي.
يُصادِق على هذا الأمر جميعُ من قرؤوا رسائل النور، وخاصةً مشاهير العلماءِ في مصر والشام وبغداد والباكستان ورئاسة الشؤون الدينية، ويُقرُّ جميعُهم بأن رسائل النور هي تفسيرٌ قرآني مباشر، وأنها بضاعةُ القرآن ولَمَعاتُه؛ وبناءً على إقرار هؤلاء العلماء بهذا، فإنَّ مَن جعلوا هذه الجملة عنصرَ اتِّهام لي سيحاسَبُون عن خطئهم هذا في محكمة الحشر الكبرى.
حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ
المريض
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭
— 161 —

الاعتراض على تقرير لجنة الخبراء

بخصوص قضية "مرشد الشباب" المُقامة في إسطنبول عام ١٩٥٢
إلى محكمة الجزاء الأولى..
قرأنا تقرير لجنة الخبراء التي اطَّلعت على أحد أجزاء رسائل النور المُسمَّى "مرشد الشباب"، فحرَّفت الحقائق بتمامها، واستخرجت منها نقاطَ اتِّهام، مُتقمِّصةً شخصيّة المُلحِدين وأعداء الدِّين؛ وقد أُحِيلت إليها هذه القضية بمناسبة طبع كتاب "مرشد الشباب" ونشرِه، وإحالة مؤلِّفه بديع الزمان سعيد النُّورْسِيّ إلى المحكمة بغية التدقيق في ماهية الكتاب.
إن "مرشد الشباب" جزءٌ صغير من خزينة إيمانٍ وعلمٍ وفضيلةٍ، وهي "رسائل النور" المُكوَّنة من مئةٍ وثلاثين رسالة، وإننا ارتبطنا بجميع كياننا بما تضمَّنته من حقائقَ سامية، وإن خزينة المؤلفات هذه لَهي مرشدٌ ودليلٌ لسعادة هذا الشعب ماديًّا ومعنويًّا، وقد أثبتنا هذا الأمر سابقًا بكامل الثِّقة واليقين؛ لذا فإننا نرفض رفضًا كلِّيًّا التُّهمَ التي ساقتها لجنة الخبراء ضد "المرشد"، ونضرب بها وجوه أفراد تلك اللجنة، ونَعرِض لهيئة المحكمة ما يلي:
إن تقرير لجنة الخبراء يُخالفُ تمامًا تاريخَ هذا الوطن والشعب وأعرافَه ومقدَّساتِه وقوانينَه وأسلوبَ حياته، ويفتري على القوانين الحالية، ويُعطي مثالًا واضحًا لسوءِ النوايا المؤدِّي لإهانة الحكومة وتزوير تاريخ هذا الشعب المُمتدِّ لأكثر من ألف عام، وهذا يُعدُّ تحقيرًا لأسلاف هذه الأُمّة، واعتداءً على معنويات عشرين مليون أخٍ لنا يعيشون اليومَ في ربوع هذا الوطن؛ ومن المستحيل أن تكترثَ المحكمةُ العادلة بهذا الأمرَ أو تلقيَ له بالًا.
ونحن نسأل أولئك المُتقلِّدين اسمَ "الخبراء" والمُوقِّعين على هذه الجريمة: هل هذا الشعب شعبٌ مُلحِدٌ؟ یی حاشاه یی هل هذا الشَّعب شعبٌ بائسٌ يعيش منذ مئات الأعوام محرومًا من الدِّين والإيمان؟ یی حاشاه یی هل هذا الشعب وأجدادُه الذين
— 162 —
سطَّروا التاريخَ بحروفٍ من ذهب، بذلُوا حياتَهم في سبِيل الكُفر الذي يَنثُر على العالم برُمَّته بُذورَ الرَّذيلة والضلالة؟
إن السلاطين "يلدرم بايزيد" و"الفاتح" و"سليم" و"سليمان" والشَّعبَ الذي ينتسبُ إليهم قد شادُوا في هذا العالم عهدًا جديدًا بعد فتح "إسطنبول"، ونشروا في الشرق والغرب نُورَ الهداية والعلم والفضيلة بحملهم لراية القرآن، ولقَّنوا أَورُوبّا دروسًا حقيقيةً في المدنية والحضارة، وأناروا البشرية بضياءِ حضارة الإسلام، وسطَّروا تاريخًا عظيمًا مليئًا بالبطولات التي قدَّموها.. إلا أنكم قرَّرتُم عكسَ ذلك، فكذَّبتُم التاريخَ حين عبَّرتُم بأنه شعبٌ انطفأت جَذوةُ معنويّاته، مُهمِلٌ لدينه، وأن ذلك الشعب الذي نشر الإسلام هو غيرُه، وأن أولئك الأبطال من أُممٍ أخرى مغايرة، وأنَّ من الكذب أن يُصَنَّفَ الأتراكُ كبطل من أبطال الإسلام، حملوا على كواهلهم لواءَ القرآن، ورفعوه خفّاقًا فوق هامات الشعوب والأمم؛ فهل هذا صحيحٌ؟!
وهل من الكذب أن يُقال: لقد زيَّن هذا الشَّعبُ نساءَه وبناتِه بزينة الآداب القرآنية، وذلك من خلال الدرس الذي تلقّاه من الحقيقة الإسلامية، وصان شرفَ المرأة وعِفَّتَها من أن تُتَّخَذَ بضاعةً رخيصة؛ أليس الأمرُ كذلك؟!
وأنَّ أجدادنا وأُمَّهاتِنا الذين نفخَرُ بهم، ونُوقنُ ببلوغهم أَوْجَ الكمال في الأخلاق والشرف والمكانة والنزاهة، والذين اشتَهَروا عبر العصور بأبطال المسلمين الأتراك.. قاموا بعكس ما نفتخر به، إذ لم يتَّبعوا الأوامر القرآنية، ولم يَرَوا حقيقةَ الجمال في دائرة التربية الإسلامية، وفي التحلِّي بزينة الآداب القرآنية، بل وجدوها في التعرِّي والتبذُّل وعرضِ المفاتنِ؛ صحيحٌ ذلك؟!
فيا أهل الإنصاف، ويا أيها الجيل المُفتخِر بتاريخه ومقدَّساته وبأجداده الأبطال المباركين.. تعالَوا وتأمَّلوا في حال هؤلاء الذين أهانوا تاريخَكم وإسلامَكم، ودوَّنوا افتراءاتٍ كاذبةً ووقَّعوا تحتها.. بلِّغوهم تأسُّفَكم وانتقادَكم واعتراضكم باسم إسلامكم الذي ألفَيتُم فيه حياةَ حياتكم ورُوحَ روحِكم، وباسم قُرآنكم الذي أضاء العالَم على مدى أربعةَ عشَرَ قرنًا، وأنار بدساتيره القدسية الإلٰهية سبيلَ الملايين من
— 163 —
أسلافنا لألفِ عام وبلَّغَهم السَّعادة الأبدية، وباسم مئات الملايين من أجدادنا الذين اتَّبعوا ذلك الدستورَ القرآني، وباسم أُمَّهاتنا وجدَّاتنا وأخَواتِنا اللواتي تنوَّرْنَ وتربَّينَ في رباط حِراسة العِفّة والأخلاق الحسنة في ضوء التربية الإسلامية، وأظهرنَ مفهومَ الجمال الحقيقي ومعانيَه باحتشامهنَّ ونظامِ حياتهنَّ وعيشهنَّ.
أمّا كتاب "مرشد الشباب" الذي أملى على الشباب دروسَ الأخلاق الحسنة والشرف والعِفّة والفضيلة والإيمان، ليُحصِّنَهم من مخاطر سوء الخلق والرذيلة التي يعاني من جرّائها عمومُ المثقَّفين والأدباء والمربِّين ومحبِّي الشعب والوطن، ويؤهِّلَ هؤلاء الشباب لأن يصبحوا عنصرًا نافعًا للوطن والشعب، ويعمل على تحقيق سعادةِ الوطن والشعب كقوّة أُولى تُساند العدالة والأمن والاستقرار.
فلِكَي يحصُل أولئك المُفرِّطون على ذريعة ليُصادروه، ويَسُوقوا إلى المحاكم مؤلِّفَه الموقَّر، بطلَ الإسلام، البالغ من العمر ثمانين عامًا، والمصاب بأمراض شديدة نتيجةَ التسمُّم، والذي أمضى مُعظمَ عُمُره في السُّجون بسبب الخِدمات الدينية.. قالوا: إن بديع الزمان مُؤيِّدٌ للحِجاب، ويَصِف النِّساء المُتبرِّجات وشبهَ العاريات بالفِرَقِ التي يقودها الشيطان في معركته ضدَّ الإسلام، ويَعُدُّ سُفورَ النساء وكشفَ مَفاتنِهنَّ في الحياة الاجتماعية ذنبًا ومعصيةً، ويرى أنَّ هذا الفعل يؤدِّي إلى العزوف عن الزواج الشرعي، ويشجِّعُ على الزِّنى وارتكاب المُحرَّمات، وأنَّ جمال المرأة الحقيقيَّ الدائم وما يجمِّلُها یی في نظر بديع الزمان یی ليس هو تزيُّنَها وعرضَ مفاتنها، وإنما التزيُّن بزينة الآداب القرآنية في دائرة التربية الإسلامية.
كما أنَّ بديع الزمان مُؤيِّد لتدريس المناهج الدينية، ويَعتَبِرُ منهاجَه الدِّيني الذي أَطلَق عليه اسمَ: "رسائل النور" سبيلًا لإصلاح حال المساجين خلال خمسة عشر أسبوعًا، ويؤكِّدُ ذلك بالقول: "وقد ثبت ذلك بشهادة قضاء: دَنِزْلي وأَفيون، وبشهادة إدارة سجنَيْها، وكذلك الحَرَس".
وهو على قناعة تامّة بأنه سيُنقذ الشبابَ الذين وقعوا في إسارِ الفتنة وسُحِروا بها، وذلك من خلال حقائق الدِّين ودُروس النُّور الإيمانية.
— 164 —
فهو إذًا مجرمٌ لِحَملِه هذه الأفكار، وبمُوجَب القوانين يجب أن يُحاكَم.. والقائلون بذلك هم الذين أُطلق عليهم اسمُ "لجنة الخبراء"، وهم دكاترة في الحقوق أو أساتذة جامعيُّون، مهمَّتُهم تعليم شبيبة هذا البلد دروسَ العدالة والحقِّ والحُرِّية!
فيا أيُّها القضاة المحافظون على الحقوق العامة وتراث الشعب، باعتباركم القائمين بأمر العدالة الحقيقية.. إن كانت دروس "مرشد الشباب" الإيمانية وتعاليمُه الأخلاقية تُعَدُّ جُرمًا بحسَب تقرير لجنة الخبراء، وإن كان مؤلِّفه يستحقُّ أن يُودَع قفصَ الاتِّهام لأجل خِدمته هذه، فيجب عليكم إذًا أن تَقبَلُوا الإهانة والتزييف والضَّرَبات النازلةَ والافتراءات الشنيعةَ التي تُطلَق على هذا الشعب الذي وصَفْنا آنفًا، وعلى تاريخه الممتدِّ لألف عام، وعلى قوانينه الإدارية والعُرفية، وعلى دينه المقدَّس الذي هو مبعَثُ فخرٍ له، وعلى حقائق الإسلام المقدَّسة، ودروس القرآن القدسية، وعلى أجدادنا الذين تمسَّكوا بتلك الحقائق المقدَّسة، وأعلنوا للعالَم أَجمَعَ حضارةَ الإسلام العريقةَ، وعلى كرامة أولئك الأجداد ومكانتهم وحقوقهم ومعنوياتهم.
وباستحسان هذه الجنايات المعنوية العظيمة وقبولها، يُمكِن اعتبارُ ما تدَّعيه لجنةُ الخبراء بحقِّ "مرشد الشباب" جُرمًا، وبغير هذا السبيل لا يمكن محاكمةُ مؤلِّفه واتِّهامُ الطلاب الذين قاموا بطبعه ونشره، فمن غير المُمكنِ قطعًا أن تتَّهموه وتُحاكموه وفقَ قوانين العدالة ودساتير حُرِّية الاعتقاد والتعبير عن الرأي؛ بل لا يتوافق أصلًا مع قوانين الدِّيمقراطية التي اعتمدَتها إدارةُ الجمهورية، وطبَّقت دستورَ حُرِّية الاعتقاد وحُرِّية الفكر بأوسع نطاق.
فإن كان تعليم التربية الدينية من خلال نشر "مرشد الشباب" تُهمةً ومخالَفةً للنظام العَلمانِيّ، فإننا نسألكم: ما معنى العَلمانية؟ هل هي عداوة الإسلام؟ هل هي الإلحاد؟ هل هي إعطاء الحُرِّية التامّة لمن اتَّخذ الإلحاد دينًا بالتعرُّض للدين والاعتداء عليه؟ هل هي دستور استبدادٍ مُطلَق يُكمِّم الأفواه ويقيِّد بالأغلال معاصمَ من يوضِّح حقائق الدِّين وينشر دروسَ الإيمان؟
— 165 —
وعملًا بمفهوم العَلمانية الذي هو عبارة عن حُرِّيةِ الفكر والاعتقاد، يَشُنُّ الملحدون وأعداء الدِّين شتَّى أنواع الهجمات والاعتداءات ضدَّ الإسلام، وينشُرون بداعي هذه الحُرِّية فكرَ "الفوضوية"، لكن في المقابل لا يُسمَح لعالمٍ من علماء المسلمين أن يقرِّرَ یی استنادًا إلى دستور حُرِّية التعبير عن الرأي هذا یی درسًا دينيًّا على شعبٍ قاد المسلمين ألفَ عامٍ، وبموجَبِ أعرافهم وقوانينهم التي امتدَّت لألف عام، وفي سبيل سعادتهم والحفاظ على أخلاقهم وعِفَّتهم، بل يُعَدُّ ذلك مخالفًا للعَلمانية، فيُوضَع ناشرُه داخلَ قفص الاتِّهام، ويتعرَّض للإهانة، بحُجّة أنه يُحاول أن يغيِّر قوانين الدَّولة إلى المعتقدات الدينية!! مُحالٌ اعتبارُ هذا الأمر مُمكِنًا، وكلُّنا يقينٌ أن العدالة لن تسمح به.
وحقيقة الأمر أن "مرشد الشباب" أحدُ أهمِّ وسائل سعادة هذا الوطن وشعبِه، وهو في الحقيقة جزءٌ من (١٣٠) رسالة من رسائل النُّور التي نالت البراءة من المحاكم، وأُعيدت إلى أصحابها؛ وبناءً عليه فإننا نحن المئاتِ من طلاب النُّور الذين قرأنا هذه المؤلَّفات، وصرَّحنا في المحاكم بأننا نَجَونا بدروسها من دوّامة الرَّذيلة والضلالة.. وإننا نحن آلاف الشباب الأتراك الذين أثبتنا بنظام حياتنا وبخِدماتنا أنَّنا أصبحنا بفضلِ ما استفدناه من تلك الكتب عناصرَ نافعين للوطن والشعب.. نضربُ بتلك الافتراءات وُجُوهَ أولئك المتشدِّدين.
كم هي حقيقةٌ مُرَّةٌ أن يُودَع في هذا الوقت قفصَ الاتِّهام، ويُتوهَّمَ الضررُ من مؤلِّفٍ غدا وسيلةً لتوفير الأمن والاستقرار، وللحفاظ على الأخلاق والفضيلة، وله خِدماتٌ للأمن تُعَدُّ بالمئات! وإنَّنا أمام هذا التَّضادِّ البدَهيّ نُحيل الأمرَ إلى ضمائر أرباب الضمير والوِجدان، وفي مقابل ما تدَّعيه لجنةُ الخبراء بحقِّ أستاذنا من جعلِه الدِّينَ مطيّةً للسِّياسة نقول: "إن لجنة الخبراء تلك تجعلُ القضاءَ مطيّةً للإلحاد".
وأحد الادِّعاءات المتذرَّع بها في تقرير الخبراء هو: "أن المؤلِّف يتحدَّث باسم الشَّخص المعنويِّ لرسائل النُّور، ويتحدَّث بجُملٍ مثلِ: أُخطِر إلى القلب.. مسألة مُهِمّة وردت على القلب في ليلة القدر.." ما يعني أنه يسعى لتوسيع دائرة نفوذه الشخصيّ.
— 166 —
وإنَّ المرء لَيَحارُ أمامَ هذا الادِّعاء الذي لا أصل له ولا معنَى، ويَحكُم بأن من يُطلِقون على أنفسهم "لجنة الخبراء" بعيدون كلَّ البُعد عن ماهية الخبراء، ويَعجَب من جهلهم وعدم خبرتهم!! كان يتوجَّب على لجنة الخبراء أن يُطالعوا یی احترامًا على الأقلِّ یی هذا المفهومَ بدِقّة، كي يُنقِذوا أنفسهم شيئًا مّا من السقوط في دَرَكِ الجهل.
إننا أمام هذا الادِّعاء الباطل نَعرِضُ جميع رسائل النُّور وكتبه وكذا حياةَ أستاذنا دليلًا قاطعًا على أن هذا الشخصَ المُبارك قد صرف جلَّ عمره في سبيل الحقِّ ولأجل الحقِّ، وأنه لم يَنطِق بشيء إلا مراعاةً للحقِّ؛ ولهذا فإن لجنة الخبراء هذه الخبيرةَ ظاهرًا فقط لم تَقُم سوى بمطالعة جزءٍ صغيرٍ من "كلِّيّات رسائل النور"، فأظهََرَت تعصُّبَها للإلحاد، وعَمَدت لرَميِ أستاذنا بتلك الفِرية حتى تَلصَق به التهمةُ بأيِّ حال، وهو القائل في شرحه لدرس رسائل النُّور: "إن أعظم دُرُوسِنا هي: العجز، والفقر، والشَّفقة، والتفكُّر".
والحقُّ أن صاحب تلك الشخصية المباركة أدَّى خِدماتٍ شاملةً عظيمة، وتحمَّل أقسى صنوف العذاب والأذى وصبر عليها، واستمرَّ في جهاده المعنوي، وقاوم بحقائق النُّور التي استمدَّها من حقائق القرآن الإيمانية هَجَماتِ الكفر والضلالة اللذَينِ لا يُؤمَن جانبُهما، ومزَّق مسالك الماديِّين والطبيعيِّين الكُفرية، ونشر مع مئاتِ الآلاف من طلابه الميامين الذين ارتبطوا به من خلال دروس النور مئاتِ الآلاف من رسائل النور المئة والثلاثين في شتَّى الأنحاء، وأثبت حقائقَ الإيمان ببراهينَ وأدلّةٍ دامغة، تلكم الحقائقَ التي صدَّت هَجَماتِ الإلحاد یی وخصوصًا الشيوعية یی على هذه البلاد، فمزَّق بسيف القرآن الألماسي یی وهي حججُ الإيمان بالله والوحدانية الإلٰهية یی مسالكَ الكفر والضلالة الباطلة إربًا إربًا.
ومؤلَّفات النُّور منتشرةٌ حاليًّا في شتَّى حواضر العالم الإسلامي الكبرى، وتَلقَى كمالَ التقدير والاستحسان، حتى إنَّ أحدَ وُزَراء الباكستان حين زار تركيا في العام الماضي، خاطب حوالي أربعين أو خمسين طالبًا جامعيًّا بالقول:
"إخواني، إنَّني وجدت في تركيا ما كنتُ أبحث عنه في العالم الإسلامي، إن بديع الزمان لا يخصُّكم وحدَكم، بل يَخُصُّ عُموم العالم الإسلامي، وسيتعرَّفُ عليه العالمُ
— 167 —
الإسلامي كلُّه، فأرجو منكم الحفاظ على هذه المؤلَّفات النورية، وسأقوم بنشرها بين تسعين مليون مسلم قريبًا إن شاء الله.
كنتُ قلقًا من أمور كثيرة تجري في العالم الإسلامي، ولديَّ أسئلة كثيرة كنت أنوي طرحَها على الأستاذ، وما إن جالستُه ساعةً واستمعتُ إلى حديثه فقط، حتى تبدَّد جميعُ ما كان ينتابُني من قلق، وتلقَّيتُ الجوابَ الشافِيَ لجميع أسئلتي، وها أنا اليوم أعود إلى باكستان حاملًا بشائرَ كبيرةً حول واقعِ العالَم الإسلاميّ ومستقبلِه.
لقد دقَّقتُ في تاريخ تركيا والعالم الإسلامي، أجل، كان ثمّةَ قادةٌ وفدائيُّو إسلامٍ ومحبُّو أوطانٍ كُثْر، وقدَّم جميعُهم تضحياتٍ وخِدماتٍ جليلةً للشعب والوطن، ونالوا مُقابلَ ذلك المكافآتِ التي يستحقُّونها، وحظي كلٌّ منهم بمظهرٍ من مظاهر الإكرام؛ إلا أن الأستاذ لا يملك لغاية اليوم حتى مصباحًا في منزله، وهو الذي ألَّف هذه التصانيفَ منذ عشرين عامًا ونيِّفٍ في خضمِّ صعوبات ومشاقَّ لا يمكن وصفُها، في سبيل سعادة هذا الشعب الدنيوية والأُخروية، ونشَرَها بين الناس لِتَحُدَّ من انتشار التيّارات المعادية للدِّين.. لقد تخلَّى عن كلِّ شيء، وسعى لخدمة الدِّين فقط، فبالطبع سيتعرَّف العالم الإسلامي على هذه الشخصية المباركة عمّا قريب، وها قد بدأ يَعرِفُه"، فأضحى بذلك مظهرَ تقديرٍ واستحسانٍ من عالِمٍ ومفكِّر إسلاميٍّ جليل كعلي أكبر شاه.
وتقديرًا لخِدماته الجليلة قال أحد نُوّابُ الحزب الديمقراطيِّ: "إن طلاب النُّور الذين يقرؤون تآليفَ بديع الزمان "رسائل النور"، ويتعلمون منها وينشرونها، يُشكِّلون بعملهم هذا سدًّا منيعًا حيالَ انتشار الشُّيوعية في هذه البلاد؛ وما دامت حكومتُنا تقفُ نقيضَ الشُّيوعية، فيتوجَّب عليها شُكرُ النوريِّين لقاءَ خِدماتهم تلك".
وتَشهَدُ "رسائل النور" بمجموع أجزائها وبكلِّ نسخة منها، وتُفصح عبر آلاف كلماتها وجملها عن ماهية صاحب هذه الشخصية وخِدماته وفوائد منشوراته، ونشاطه الذي قام به على مدى خمسةٍ وعشرين عامًا.. أجل، إنه الرجل الذي جعل من دائرتَيِ "العجز" و"الفقر" مسلكًا له، وعلَّم ذلك طلابه.
— 168 —
والحقيقة أن هذا الشخصَ الذي أَوْرَدْنا هنا نُبذةً من خدماته العامة، في الوقت الذي كان يستحقُّ فيه المدحَ والثناء والاحترام والمحبة من طلّابِه وجميع أهل الإيمان، وهو جديرٌ بذلك، إذا بنا نجدُ هذا الرجل العزيز قد تحاشى تمامًا كلَّ مظاهر التبجيل والمديح من زُوّاره وقُرّاء رسائل النُّور الذين وَجَدُوا في دروس حقائق العلم والإيمان ما يفوق جميعَ ما يحويه هذا العصر من علوم وبراهين؛ ويقول في رسائله: "إنني مثلكم أيضًا، زميلٌ لكم في درس القرآن، وقد أُحسِنَ إليَّ أوَّلًا بهذه الحقائق القدسية لأنني أكثرُكم افتقارًا إليها واحتياجًا لها.. إنني لا أملك مقامًا، ولا أستحسن من يَستَحسنُني، ولا أتحدَّث إليكم عن عيوب نفسي الكثيرة كيلا أُنفِّركم منِّي"، وبذلك رفض المدحَ والثناء الموجَّه إليه، وجعلَ خدمةَ نشر الحقائق الإيمانية غايةَ حياته.
لقد قام أولئك الأشخاصُ الذين يُسمُّون أنفسهم بلجنة الخبراء بما لم يقم به حتى الظلمة، فألصَقُوا تلك التُّهمة بهذا الشخص الذي تَشهدُ سيرةُ حياته على هذه الحقيقة التي قدَّمنا، حيث التقطوا كلمة "أُخطِرت" الواردة في جملة: "مسألة مُهِمّة أُخطِرت في ليلة القدر" دون أن يدقِّقوا في تلك الحقيقة المُهمّة التي تضمَّنتها رسالة "المرشد"، وجعلوها دليلًا على سعيه لتأمين نُفُوذٍ شخصيّ! والحال أن كلمة "أُخطِرت" هذه لها إحاطةٌ واسعةٌ بأهمِّية تلك الحقائق السامية، ولا يُمكن فهمُها إلا بمطالعة تلك الحقيقة.
إن تلك الرسالة بعد أن تصوِّر العذابَ الوجدانِيَّ واليأسَ الذي حلَّ بالبشرية في نهاية الحرب العالمية الثانية، وما خلَّفَته هذه الحرب من ظلمٍ وتخريب.. تصفُ الجراحاتِ الغائرةَ التي أصابت الاستعداداتِ والقابليات الموجودةَ في الفطرة البشرية بعد أن ظهر للجميع حقيقةُ كونِ الحياة الدنيا مؤقَّتةً فانية، وأن زُخرُف المدنيّة مخدِّرٌ مُنوِّم.. وتكشفُ تمزُّقَ الغفلة والضلالة تحت صَوْلة سيف القرآن الألماسي؛ وستُدرِكُ البشريّةُ بذلك أنَّ الحياة الدنيوية مؤقَّتةٌ زائلة، وستبحث عن الحياة الباقية، وستوقنُ أن الحياة الأبدية والسعادة الدائمة لا يُبشِّر بها سوى القرآن..
وبعدَ ذلك تُكمِلُ قائلةً: إنَّ البشرية إن لم تفقِد صوابَها بالكلِّيّة، ولم تقم عليها
— 169 —
قيامةٌ مادِّيةٌ ولا معنوية، فإن قارَّاتِ الأرض وحكوماتِها ستَنشُد القرآنَ المُعجِز البيانِ، كما فعلت منظَّماتٌ دينيةٌ كثيرةٌ مرموقةٌ في أمريكا تبحث عن الدِّين الحقّ، وكما فعل مشاهير أهل الفكر في السويد والنرويج وفنلندا وبريطانيا من العاملين بجِدٍّ لتلقِّي القرآن الكريم، وستتمسَّك به من صميم رُوحها بعد أن تعيَ حقائقه؛ لأنه لا مثيل له في نقطة الحقيقة هذه بالذات، بل لا يمكن أن يكون له مثيل، ولا يمكن لشيءٍ أن يقوم مقامَ هذه المعجزة الكبرى.
أيُّها القضاة المحترمون، عَرَضْنا عليكم مثالًا الجملةَ الأخيرة فقط من تلك الفقرة المُهِمّة؛ فهل تعدُّ كلمة "أُخطِرت" الواردة في بدايتها سببًا للاتِّهام؟ وهل كُتبت هذه الفقرة بغرض توفيرِ النفوذ الشخصيّ؟ أم أنها تُخبِر وتُثبت أن النوع البشريَّ شرع في البحث عن حقائق القرآن، وأن القرآن سيكون حاكمَ البشرية في المُستقبَل؟ نُحيل الأمرَ إلى تقديركم الجليل.
أجل، إن قيام مؤلِّف رسائل النور بشرح هذه الخواطر التي استفادها من دَرسِ القرآن والتي هي عين الحقيقة، إنما كان بهدف أن تكون حُجّةً لأحقِّية الدروس والموضوعات التي يبيِّنُها ويثبتُها؛ ويمكنُ لمن أمعن النظرَ قليلًا أن يرى أنها عين الحق والحقيقة، ويُدركَ كيف يمكن لخارقة تَهيجُ كنهرٍ للإيمان وخزينة للتوحيد وبحر للحكمة أن تحيا في أجيال المستقبل وفي ملايين القلوب والضمائر بكمال البهاء والاحتفاء، ويُوقنَ أنها ستكون ممثِّلَ مفاخر الشعب التركي المقدَّسة التي لها ألفُ عام، وأنها ستنهضُ مجدَّدًا بمُهِمّة حملِ لواء القرآن، وستكون الحاكمَ المعنوي في قارّات المُستقبَل عبر التمسك بحقائق الإسلام، وأنه سيَحُلُّ محلَّ أجداده الأبطال المُقتدَى بهم في العالم.
وللإحاطة الكاملة بهذه الحقائق العظيمة المُهِمّة يتوجَّب قراءة كتاب "الخطبة الشامية"، وهي خطبةٌ ألقاها بديع الزمان قبل حوالي أربعين عامًا یی سنة ١٣٢٧یی في الجامع الأموي بالشام، على جمعٍ غفير يُقارب العشَرةَ آلاف، فيهم أكثرُ من مئةِ رجل من أهل العلم.
— 170 —
وقد قام هذا الشخص المبارك مؤخَّرًا بترجمة هذا الكتاب الذي يبشِّر فيه العالمَ الإسلاميَّ المضطهَد الأسير في ذلك الحين ببشاراتٍ عظيمة، وأنه في مقابل رُجحان سيئات المدنية على محاسنها، ستنتصر المحاسنُ في المستقبل بقوّة الإسلام، ويخبر بالأدلة والبراهين أن شمس الحاكمية الإسلامية ستُشرقُ على الأُمم والقارّات الكبرى.
وما لم يتمكَّن أولئك الذين أَسمَوا أنفُسَهم "لجنة الخبراء" من بلوغ الحقيقة التي تتضمَّنُها جملة "مسألة أُخطِرت إلى القلب"، والتي استخرجوا منها معانِيَ مغالطة، فإننا نَعرِض لكم ترجمةَ بعض الجمل المكتوبة في نهاية المسائل المبرهنة الواردة في كتاب "الخطبة الشامية"، والتي تبحث في حال العالم الإسلاميِّ وواقعه بين الأعوام الممتدّة بين (١٣٢٧) و(١٣٧١)، إذ تُظهِر الحقائقَ التي تتضمَّنُها المعنى الواسعَ والمشتملَ على حقيقةٍ رفيعة وسامية لكلمة "أُخطِر" التي لم يفهمها الخبراءُ أو أَعطَوها معنًى خطأً:
"بِناءً على الدَّرسِ الَّذي تَعَلَّمتُه، فإنَّني أَزُفُّ إليكمُ البُشرَى مَعشرَ المُسلِمين بأنَّه قد لاحَت أَماراتُ الفَجرِ الصّادِقِ، ودَنا وَقتُ شُروقُ شَمسِ السَّعادةِ الدُّنيويّةِ لِعالَمِ الإسلامِ اليَومَ؛ وأَخُصُّ بالذِّكرِ سَعادةَ العُثمانيِّين، خُصوصًا سَعادةَ مَن بصَحْوَتِهم ويَقَظَتِهم يَترقَّى الإسلامُ، أَعني العَرَبَ .
وإنَّني أُعلِنُ بقَناعةٍ جازِمةٍ وأَصرُخُ مُسْمِعًا العالَمَ كُلَّه رَغمَ أَنفِ اليَأْسِ: إنَّ المُستقبَلَ سيَكُون للإسلامِ.. للإسلامِ وَحدَه؛ وسيَكُون الحُكمُ لِحَقائقِ القُرآنِ والإيمانِ؛ لِذا علَيْنا الرِّضَى بما اختارَه لَنا القَدَرُ الإلٰهيُّ، إذ كان مِن نَصِيبِنا المُستَقبَلُ السّاطِعُ، ولِلأَجانِبِ الماضِي المُشَوَّشُ.
ولو أنَّنا أَظهَرنا بأَفعالِنا مَكارِمَ الأَخلاقِ الإسلاميّةِ وكَمالاتِ الحَقائقِ الإيمانيّةِ، لَدَخَل أَتباعُ الأَديانِ الأُخرَى في الإسلام أَفواجًا، بل لَدَخلَت فيه دُوَلُ الأَرضِ وقارّاتُها.
يا إِخواني في الجامِعِ الأُموِيِّ هذا، ويا إِخواني في جامِعِ العالَمِ الإسلاميِّ الكَبِيرِ، اعتَبِرُوا، وخُذُوا العِبرةَ مِنَ الحَوادِثِ الَّتي وقَعَت في غُضُونِ خَمسٍ وأَربَعِين عامًا، وعُودُوا إلى رُشدِكُم.
— 171 —
أيُّها المفكِّرون وأَصحابُ العُقُولِ، ويا مَن يَظُنُّون أَنفُسَهُم مُثقَّفِين.. حاصِلُ الكَلامِ: نحنُ مَعاشِرَ المُسلِمين تَلامِيذُ القُرآنِ، نَتَّبعُ البُرهانَ، ونَدخُلُ بعَقلِنا وفِكرِنا وقَلبِنا في حَقائقِ الإيمانِ، ولا نَدَعُ البُرهانَ تَقليدًا للرُّهبانِ كما يَفعلُ بَعضُ أَفرادِ سائرِ الأَديانِ؛ وبِناءً على هذا فإنَّ الحاكِمَ في المُستقبَلِ الَّذي سيَسُودُه حُكمُ العَقلِ والعِلمِ والمَعرفةِ هو القُرآنُ بلا رَيبٍ؛ إذْ هو الَّذي يُصَدِّقُه البُرهانُ العَقليُّ، ويُؤيِّدُ العَقلُ جَميعَ أَحكامِه.
أجل، إنْ لَم يَحدُثْ ذلك الآنَ فسيَكُونُ بعدَ ثلاثين أو أَربعينَ سَنةً؛ فتِلكُم هي القُوَى الثّلاثُ یی العُلومُ، والمَعرِفةُ الحَقيقيةُ، ومَحاسِنُ المَدَنيّةِ یی قد جَهَّزَت مَيلَ تَحَرِّي الحَقيقةِ والإنصافَ ومَحبّةَ الإنسانيةِ بكامِلِ جَهازِها، وأَعَدَّت لها عَتادَها اللّازِمَ لهَزيمةِ تلك المَوانعِ الثَّمانيةِ وتَفريقِها، وأَرْسَلَتها إلى جَبَهاتِ الأَعداءِ الثّمانيةِ، فشَرَعَت تُلحِقُ بها الهَزيمةَ، وستُفرِّقُها شَذَرَ مَذَرَ بعدَ نِصفِ قَرنٍ مِنَ الزَّمانِ بإذنِ الله.
إنَّني استِنادًا إلى ما أَنتَجَتْه حُقولُ الذَّكاءِ في أَمريكا وأَورُوبّا مِن عَباقرةِ المُحقِّقين أَمثالِ مِستِر "كارْلِيل" و"بِسْمارْك"، أَقولُ جازِمًا:
«إنَّ أَورُوبّا وأَمريكا حُبْلَيَانِ بالإسلامِ، وستَلِدان دَولةً إسلاميّةً يَومًا مّا»
وها هي الحُجُبُ الَّتي تَسَبَّبت بكُسُوفِ شَمسِ الإسلامِ ومَنعِها مِن إِنارةِ البَشَرِ أَخَذَت تَنزاحُ وتَنقَشِعُ، وشَرَع أُولَئِك المُمانِعُون بالِانسِحابِ، وها قد بَدَأَت تَباشِيرُ ذلك الفَجرِ مُنذُ خَمسةٍ وأَربَعِين عامًا بالظُّهُورِ، وها قد بَزَغ فَجرُها الصّادِقُ سنةَ إِحدَى وسَبعِين)، أو أَوْشَك.
يا إخواني في الجامِعِ الأُمَوِيِّ، ويا إخواني في الجامِعِ الإسلاميِّ بعدَ نِصفِ قَرْنٍ.. ألا تُنتِجُ المُقدِّماتُ الَّتي سَرَدْناها حتَّى الآنَ: أنَّ الحاكِمَ الحَقِيقيَّ والمَعنَوِيَّ في قارّاتِ المُستَقبَلِ هو الإسلامُ وَحْدَه؟ وأنَّ الَّذي سيَقُودُ البَشَرِيّةَ إلى السَّعادةِ الدُّنيَوِيّةِ والأُخرَوِيّةِ ليس إلّا الإسلامَ، وكذا الدِّينُ العِيسَوِيُّ الحَقُّ المُفضِي إلى الإسلامِ والمُتَّفِقُ معَه، والمُتَّبعُ للقُرآنِ بعدَ تَحَرُّرِه وتَجَرُّدِه مِنَ التَّحرِيفاتِ والخُرافاتِ؟".
— 172 —
ونُقدِّم إليكم یی أعضاءَ هيئةِ المحكمة المُوقَّرة یی جوابًا قانونيًّا وقطعيًّا حيالَ جميع التُّهَم والادِّعاءات المُوجَّهة ضدَّ مؤلِّف رسائل النور، وهو ما قضت به ثلاثُ محاكم وثلاثٌ من لِجان الخبراء من إعادة تلك المؤلَّفات بعد تدقيقها، وكذا ما قامت به المحاكم والحكومات الثلاث من التحرِّي والتدقيق في سبع وعشرين عامًا من حياة أستاذنا وفي مئةٍ وثلاثين من كتبه ومُراسلاته، وفي أحلك الظروف وأحرج أوقات تآمُرِ الظالمين والمرتدِّين والمنافقين العاملين ضدَّه، بل حتى في الحقبة التي صدرت فيها الأوامرُ الخفيّة بإعدامه، لم يجدوا منه أيَّ أمارة لجعل الدِّين أداةً للسِّياسة، وهذا دليل قطعيٌّ على بُطلان هذه الدعوى.
وإننا نحن تلاميذَ النور الذين عاينَّا حياتَه عن كثب، لَنقِفُ بحَيرةٍ وعَجَب أمام هذه الحالة، ونَعُدُّها دليلًا على الإخلاص الحقيقيِّ المُتمثِّل في دائرة رسائل النور.
ولأجل ما تقدَّم، فالمأمُول منكم ومن ضمائركم أن تقضوا بحُكمِكم العادلِ على خُطط الأعداء الظالمين العاملين في الخفاء، والساعين لإضعاف هذه الشخصية المباركة والطعن فيها ببعض الادِّعاءات، والكائدين لخدماته المبذولة في سبيل سعادةِ الوطن والشعب؛ وأن ترموا بدعاوى المُفترين الكاذبة على وجوههم.
مع كامل الاحترام والتقدير.
طلاب النور في "أسكي شَهِر"
ياشار، عثمان طوپراق، أحمد، عثمان، جيلان، شُكري، بَيرام، صونغُر، حُسني
٭٭٭
— 173 —

إلى اللجنة الطبِّية

قبل خمسة عشَرَ عامًا جاءَني بعضُ الشباب يبحثون عن سبيل لإنقاذ حياتهم الدنيوية والأخروية، فبلَّغتُهم درسَ "المرشد" راجيًا بذلك مرضاةَ الله وحده، وقد بيَّنتُ في مقدِّمة هذه الرسالة التي ظلَّت یی باستثناء حاشيةٍ أو حاشيتَينِ یی لدى حكومة "إسبارطة" وفي محكمة "دَنِزْلي" وفي محكمتي الجزاء والتمييز في "أنقرة" عامين كاملين، ونالت في النهاية حُكمَ البراءة، وأُعيدت إلينا "كُلِّيّات رسائل النور" كاملةً بما فيها "المرشد"؛ ووَقَعتْ نسخةٌ منه بيدِ مدير أمنِ "أنقرة" یی كما ورد في مقدِّمة المرشد یی فتوقَّف عند جملة واحدة، إلا أنه ما لبث أن أدرك الحقيقةَ بعد قراءته الجملةَ التي تليها، فلم يُعارض نشرَه.
وعلى الرغم من انتشار آلاف النسخ منه، إلا أنه لم يتسبَّب بأيِّ ضرر، ولم يَرِد تجاهَه أيُّ اعتراضٍ من أية جهة.. كما صُودرت بعض مؤلَّفات النُّور یی ومن بينها "المرشد" یی في قضاء "طَرَسُوس" التابعة لی"مرسين"، وأُرسِلت إلى "أنقرة" للتدقيق، ثم صدرت الأوامرُ من ولاية "مرسين" إلى القضاء بأنها مؤلَّفاتٌ مُطلَقةُ الحُرِّية، وصدر بيانٌ رسميٌّ بذلك.. وأثناء طباعته في "إسطنبول" أُرسِلَت نُسَخٌ منه یی حَسَب الأنظمة والقوانين یی إلى خمسِ أو ستِّ جهاتٍ رسمية، وبقي لديهم قرابةَ سِتة أشهر، ولم يُعتَرَض على شيء منه.. كلُّ ذلك يُثبت أهمِّية "المرشد"، وأنه مطلَقُ الحُرِّية بشكل قانونِيّ.
ورغم استفادةِ أكثرَ من ألف شابٍّ في مدارس "أنقرة" والولايات الأخرى منه على الصعيد الخُلُقيّ والوطنيّ والشَّعبيّ، وعدم حصول أيِّ ضرر منه، إلا أن القوم لجؤوا فجأةً إلى تلفيق معنًى محرَّف، كإطلاق اسم "مرشد الشباب" عليه، لأجل افتعالِ تهمة.
كما عملوا على تلفيق تهمة "توسيع النفوذ الشخصي" لمؤلِّفه المُلازِم للفراش تحت وطأةِ المرض، فقاموا باعتقاله واقتياده جبْرًا، وأنزلوا عقوبات في حقِّه، دون النظر إلى من قام بطبعه یی وهم بعضُ الشباب یی مع أنه مضى على تأليفه خمسةَ عشَرَ
— 174 —
عامًا، وشُمِل بقوانينِ العفو والبراءة والتقادُم.. وكلُّ ذلك يؤكِّد أنَّ تعرُّضَهم لمؤلِّفه أمرٌ غيرُ قانوني، وأنه مبنيٌّ على أحقادٍ دفينة.
وإنني أقول: إن الدافعَ وراءَ سوقي جبْرًا إلى المحاكم بشكلٍ غير قانوني رغم مرضي وبكلِّ إصرار، هو ما حقَّقه "المرشد" من نفعٍ جليل للوطن والشعب والأمن؛ ولا أُعفي نوايا الفوضوية والإلحاد من المسؤولية تجاهَ التعرُّض لي.
وهم الآن باسم القانون وبظلمٍ حاقدٍ يحاولون إحضاري إلى "إسطنبول" وسوقي إلى المحاكمة، رغم أن شيخوختي وضعفي ومرضي النّاجِمَ عن التَّسمُّم عذرٌ صِحِّيٌّ بلا ريب، وقد أرسلتُ إليهم تقريرًا طِبيًّا أربع مرات؛ إلا أنهم أَصرُّوا على حضوري جبْرًا، فأثَّر ذلك في نفسي وعافيتي، ولم أعُد قادرًا على التحدُّث أمام المحكمة والإدارة؛ ولو أنني تحدَّثتُ لَصَفَعتُ بكلماتي وُجُوهَ من يَسعَوْن لإلحاق الضَّرر بالوطن والشعب والأمن، ويصرُّون على محاكمتي خلافًا للقانون، وما عُدتُ أحتملُ ظلمًا أكثر، هذا إضافةً إلى ما يُسبِّبُه هذا الإجراءُ من نوعٍ آخرَ من المرض، ومن المحتمل أن يُلحق هذا المرضُ المعنويُّ الضررَ بالوطن.
كما يُرجَى من اللَّجنة الطبِّية أن تضع بعين الاعتبار ما قام به أعدائي العاملون في الخفاء من دسِّ السُّم في طعامي مراتٍ عدةً، ما أدَّى إلى انهيار قُواي، حتى بِتُّ عاجزًا عن تناول الطعام، ولم أعد أقوى على التحدُّث إلى من يقوم برعايتي لأكثر من خمس دقائق.. يعلم ذلك جميع من لهم صلة أو معرفة بي، وكذا القائمون على رعايتي.
إضافةً إلى ذلك: فإني أُعاني صُداعًا شديدًا ومُزمنًا جرّاءَ الزُّكام، ممّا تسبَّب لي بألم وسيلان في العين، وآلامًا مُزمِنة في ظهري ومغصًا حادًّا؛ وزاد من ضعفي ما أعيشُه عيشَ بُلغةٍ وغُربةٍ منذ ثمانيةٍ وعشرين عامًا، مع رفضي تقبُّلَ العونِ من الآخرين، وبالكاد أستطيع صعودَ السَّلالم، وبات يُرهقني حتى الكلام.
أيَّامَ المُحاكمات السابقة كنت أصبر وأحتمل لأجل رسائل النور وطلاب النور، وحرصًا مني ألّا يلحق الأبرياءَ والأمنَ ضرر، فكنت أتغاضى عن ظلمهم وأتحمَّل شتَّى
— 175 —
أنواع المشاق والأذى إلى حدٍّ كبير، ولم أكن أبالي أن أُظهِر الحقيقةَ كما هي أو أَصفع بها وجوهَهم؛ أما الآن فإن رسائل النور أصبحت في عهدة العالم الإسلامي، ولم يعُد يَضيرُ طلابَ النُّور انتقادي لأعدائي أو عدمُ سكوتي أو صفحي عن ظلمهم؛ وبما أنهم أثاروا غضبي كثيرًا فسأُعلنُ الحقيقةَ بكل وضوح في وجه أولئك الذين يَسعَوْن لإدانتي، فقد أضحَوْا اليومَ أداةً في يد الأعداء المُتستِّرين لإلحاق الضرر بي، وما عاد السُّكوت يُجدي.
وما دامت هذه هي الحقيقة، فيتوجَّب على اللجنة الطبِّية أن تضع بعين الاعتبار ما أعانيه من أمراضٍ مادِّيةٍ ومعنوية، وأمراضِ العَصَب والقلب والزكام والمَغْص، والعجز عن المثول في المحاكم والإدلاء بالأقوال فيها، إضافةً إلى حضورِ وكلائي القانونيِّين وكذا من قاموا بنشره؛ لذا نرجو منهم تحريرَ تقريرٍ طبِّيٍّ يوضِّح حالتي النفسية والجسدية الخطيرة، ويسمح باستجوابي هنا بدلَ الحضور إلى المحكمة.
في أميرداغ
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭

أستاذي العزيز المبارك الشفيق...

أبعثُ إليكم برسالتي هذه مع أخي ورفيق دربي في الحج: الحاج صبري، الذي له صلةٌ وطيدةٌ بالأنوار:
أوَّلًا: أقبِّلُ يدَيكُم بكمال الاحترام والتوقير، وأرجو منكم أن تُدخِلوا أخاكم العاجزَ المقصِّر هذا ضمن دعواتكم المستجابةِ المباركة.
ثانيًا: أرجو منكم إدراجَ أخيكم "الحاج صبري" والملتزمين الجُدُدَ كذلك ضمن دعواتكم.
ثالثًا: ما زال الأخُ "خسرو" يُزوِّدُنا برسائلِه ورسائل الإخوان الآخرين كما أمرتُم، وإننا بحمد الله على متابعةٍ تامةٍ للأوضاع الحالية.
— 176 —
رابعًا: سلَّمتُ الكتبَ التي أرسلها كلٌّ من الأخوين "خسرو" و"جيلان" للإخوة، وأرسلتُ إليهما ثمنها؛ كما طلبت المزيدَ من "أورفة"، وسأوصلُها للطلاب فورَ وصولها؛ وقد اقتنى الحاج صبري مجموعة كاملة من المؤلَّفات.
خامسًا: نسأل الله بلُطفه أن يحقِّق بشارتكم التي قرأتُموها في خطاب رئيس الجمهورية.
سادسًا: ما زلنا نسير بحمد الله في خدمة فتوحات الأنوار ونشرِها بقَدْرِ التوفيق الذي نلقاه من ربنا الرحيم الكريم، وما زالت دروس النور الليلية مستمرّةً في منزلي مع جماعة النور.
أثناء زيارتي إلى "ملاطيا" تحدَّثتُ عن طريقة عمل الملتزمين هناك، فعَرض أنصار صحيفة "بيوك دوغو" على هذا الفقير الانضمامَ إليهم، فسألتُهم: هل "بيوك دغو" جماعة سياسية؟ فأجابوا: نعم؛ فقلت لهم: بإمكاني حلُّ مشاكلِكم الإيمانية والقرآنية وجميع النِّقاط الأخرى التي ترغبون بحلِّها وتوضيحِها لكم بالاستعانة برسائل النور؛ وإن مسلكي واختياري ورغبتي تتمثَّل في الخدمة ضمن دائرة النور، دون التعلُّق بهدفٍ آخر؛ وأُوافقُكم الرأيَ في مسائلكم حول الإيمان والقرآن، إلا أنني لا يمكنني الاشتغالُ بالسياسة.
لكن ثمّة أمرٌ هو: أنَّ بين هذه الجماعة مَن يهتمُّون بالأنوار، فطلبتُ منهم أن يضعوا أيديهم في أيدي بعض وأن يقرؤوا المؤلَّفات، ويسألوا عن المواضع التي يَعسُر عليهم فهمُها، وأن يَحرِصوا على تعلُّم الخطِّ القرآني.. وأعملُ من خلال رسائلي على تحفيز الإخوة في "ملاطيا" و"أورفة" و"عين تاب" وتشجيعهم على الاستماع للمؤلَّفات والاهتمام بها أكثر.. هذه هي وظيفتي النوريّة حاليًّا.
حمدًا لله وشكرًا لا منتهى لهما أن سخَّرني وأهَّلني للقيام بهذه الخدمة القرآنية والإيمانية رغم عيوبي التي لا تُعَدُّ ولا تُحصى، وإنني بفضل الدعوات المباركة من أستاذنا المبارك الشفوق سأظلُّ مستمرًّا في مهمَّتي كفردٍ عاجزٍ من أفراد الزُّمرة النورية، وبالتالي من الذين فازوا بالاجتماع تحت اللواء الأحمدي (ص).
— 177 —
أُقبِّل يدَيكم المباركتين مرةً أخرى، وأبلِّغُكم سلامَ إخواني المُرتبطين بالرسائل وأدعيتهم وتقديرَهم، كما أبعث بتقديري واحترامي إلى جميع الإخوة العاملين حولكم والمقرَّبين منكم مادّةً ومعنًى؛ ورجائي الوحيد من ربِّنا أرحمِ الرّاحمين أن يرضى عن أُستاذنا العزيز الشفوق المُوقَّر دائمًا أبدًا، وأن يبلِّغه جميعَ مقاصده.. آمين.
الباقي الحبُّ في الله
محبُّكم المخلص
خلوصي
٭٭٭
أستاذي وسيِّدي الحبيبَ الشفيق..
أولًا: أبارك لكم من صميم روحي وقلبي حلولَ ليالي العشر والعيد المبارك، وأقبِّلُ بكمال الإجلال أيديَكم الناشرةَ للأنوار، وآمُل منكم الصَّفحَ عن تقصيري.
ثانيًا: أحمدُ الله أرحم الراحمين بغير حدٍّ أن جعل من تلميذكم هذا المذنبِ البسيط العاجز ذي العيوب، والمسكينِ الكسول وغير اللائق، مظهرًا لحقائقِ "رسائل النُّور" الإيمانية والقرآنية العالية، ومظهرًا لتربية الأستاذ الحبيب المادِّية والمعنوية؛ فللَّه الحمد، هذا من فضل ربي.
أستاذي الحبيب، مهما أُقدِّم من حَمْدٍ لربِّي الرحيم الذي يبصِّرُني كلَّ وقت وحينٍ بآثار تربيتكم المعنوية فإني لا أُوفي حقَّه؛ ومن قَبِيل التحدُّث بالنِّعمة أرغبُ في بيان أمرٍ لكم:
إنني لا أتشكَّى من مرضي لأنه أصبح بحمد الله سببًا وتجرِبةً عملية لتعلُّمي حقائقَ رسائل النور، تلك الرسائل التي هي نورُ عيني ومتعةُ روحي وغذاءُ قلبي.
فی"رسالة الشيوخ" نثرت في كلِّ رجاءٍ من رجاءاتها آلافَ أنوارِ التوحيد وضياء سُلوانٍ للرُّوح والقلب، ولأمراضي المادِّية والمعنوية التي تعرَّضتُ لها في عقد الأربعين من عمري.
— 178 —
و"رسالةُ المرضى" في كلِّ دواء من أدويتها شفاءٌ معنويٌّ غيرُ متناهٍ.
أما "المكتوب العشرون" فكَشَف طلاسمَ كلمات التوحيد القدسية الإحدى عشرة على نحوٍ خارقٍ لا مثيل له، والذي يتدفَّق نورُ التوحيد في كلِّ جملة من جُمَله.
وأبان "المكتوب الرابع والعشرون" مُعمَّياتٍ مُهِمّةً لأبعد الحقائق الإيمانية وأكثرِها استشكالًا وعمقًا، وقد حيَّرت جميع الفلاسفة حتى حُكَماءَ المسلمين.
وجاءت "الكلمة السابعة عشرة" ترياقًا قدسيًّا لجميع جراحات القلب المعنوية.
وأمثالها كثيرٌ من الرسائل الأخرى التي هبَّت لنجدتي، وغدت علاجًا لي.
وأيقنتُ أن القدَر الإلٰهي الرحيم ساق إليَّ المرض حتى أتعلَّم ويتعلَّم مني مَن يَعُودني دُروسَ رسائل النور كالتي ذكرتُ.
أجل؛ لَكَأنَّ أستاذَنا الحبيب الشفوق كتب "رسالة الشيوخ" للشباب، و"رسالة المرضى" لمن هم في صِحّة جيدة.
ثالثًا: أبلِّغ سلامي لأصحابي الأفاضلِ هنالك فردًا فردًا، وأخصُّ منهم القائمين على خدمة أستاذنا، وأُبارك عيدَهم.
أُقبِّل يدَي أستاذي وبين عينَيْ إخواني.
الباقي هو الباقي
طالبكم المريض المذنب
محمد فيضي
٭٭٭
— 179 —
باسمه سبحانه
إخواني الأعزّاءَ الأوفياء..
كتب إليَّ أحدُهم رسالةً طويلةً بالحرف اللاتيني المستحدَث، ولم يُعرِّف بنفسه، يُشكِّك فيها بثلاث نقاط، ويفسِّرها تفسيرًا خطأً بما يُشبِهُ الاعتراض، كأنه يُريدُ أن ينبِّهنا؛ ولِأن مشربنا بعيدٌ عن النِّقاش والجَدَل، ولِأنَّنا نُسَرُّ إن أبدى أحدٌ لنا عُيُوبَنا بحقٍّ، فمن ذلك أحببتُ أن أُظهِر حقائقَ ثلاثة أُسُس وردت في رسالة هذا الفاضل المجهول، أُصحِّحُ بها خطَأَه:
الأساس الأوَّل: إن بعض الآيات التي هي أستاذُ رسائل النور ومأخَذُها ووِردُ "سعيدٍ" منذ زمن بعيد، جُمعت على هيئة حزبٍ قرآني تلبيةً لرغبة بعض الطلاب، ثم طُبِعت؛ ولم تلقَ اعتراضًا من أيٍّ من علماء لجنة الخبراء الذين عيَّنتهم أربع محاكم، أو علماء دائرة الشؤون الدينية، أو علماء هيئة تدقيق الكتب الدينية التابعة لدائرة إفتاء "إسطنبول"، بل على العكس من ذلك، نالت ثناءهم واستحسانهم.
وما الحزبُ القرآني المنسوبُ لسيدنا أسامة رضي الله عنه وللصحابة من قبله، والمُدرَج في "مجموعة الأحزاب" المطبوعة، إلا دليلٌ على ذلك، إذ قاموا بتقسيمه أجزاءً لتُقرَأ كلَّ يوم؛ كما قام الإمام الغزالي رضي الله عنه بوضع حزبٍ قرآنيٍّ خاصٍّ لنفسه، وهو مُدرَجٌ في مجلَّد "مجموعة الأحزاب" أيضًا؛ وقد جمعَ كثيرٌ من أهل الولاية الآياتِ والسُّورَ المتوافقة مع مسالكِهم واتَّخَذُوها حزبًا قرآنيًّا مخصوصًا.. فالأمر واضح.
وقبل عشَرةِ أَعوامٍ رَغِب بعضُ أبطال النُّور یی من أمثال المرحوم الحافظ "علي" المتوفَّى شهيدًا یی بجمع أورادي الخاصة والآيات المُهِمّة التي هي أساتذة رسائل النور ومنابعُها، فأرسلتُها إليهم ليقوموا بطباعتها؛ وكان الدافعُ وراءَ هذه الفكرة أنه ليس كلُّ أحدٍ يجدُ وقتًا لقراءة كامل القرآن، فإذا ما وقع في يده حزبٌ قرآني كهذا، أمكنه الاستفادةُ منه في كلِّ وقت، وبهذه النيّة أُدرِجَت فيه الآيات والسُّور المخصوصةُ بالثواب الجزيل.
— 180 —
وإحدى معجزات القرآن الحكيم: أن كلَّ صاحبِ مسلكٍ من أهل الحقيقة والكمال يجدُ في القرآن قُرآنًا وحزبًا خاصًّا به، وأُستاذًا موافقًا لمشرَبِه، كأنَّ في المصحف الواحد آلافُ المصاحف.
والسِّرُّ في هذه المعجزة: أن مُناسباتِ آياتِ القرآن الحكيم وكلماته لا تختصُّ بما يُجاورُها من كلماتٍ وآياتٍ فقط، بل تَتَعدّاها إلى الكثير من الكلمات والآيات وتتوجَّه إليها؛ وقد وُضِّحَ هذا السِّرُّ نوعًا ما في التفسير النُّوري المُسمَّى "إشارات الإعجاز"، ما يعني أن القرآن لا يُشبِه سائرَ الكلِم، بل لكلِّ آية وجوهٌ وأنظارٌ متوجِّهةٌ وناظِرةٌ إلى آلاف الآيات؛ وبهذا الوضع يغدو القرآنُ منبعًا للكثير من الخوارق والحقائق؛ ولكلٍّ من أهل الطريقة وأربابِ الحقيقة حسَبَ مسلكه حزبٌ مخصوصٌ ومناسبٌ ضمن ذلك القرآن والكتاب الكُلِّيّ.
ومن هذا القبيل "حزب رسائل النور القرآني"، وقد سارع المرحوم الوليُّ الحافظ علي لطباعته ونشره بهذا الشكل ليكون مقدِّمة وبشرى بطباعة القرآن بتمامه، مُشتمِلًا على معجزة التوافق في الرسم القرآني التي اكتشَفَتْها رسائل النور.
أجل؛ إننا نجتهد منذ خمسة عشر عامًا لطباعة مصحف التوافقات ذي المعجزات الذي خطَّه خسرو، إلا أن معظم النوريِّين فقراءُ، وتبلُغ تكلفةُ طباعته مصوَّرًا خمسةً وعشرين ألفَ ليرةٍ ورقية، فلهذا قمنا بدايةً بطباعة الحزب القرآني ليكون مقدِّمة وبشارةً بطباعة هذا القرآن المُعجِز.
وقد قامت كلٌّ من دائرة الشؤون الدينية واللجنة العلمية في هيئة تدقيق المصاحف التابع لدار الفتوى بإسطنبول بتدقيق مصحفِنا ذي المُعجِزات، فنال إعجابَهم جميعًا، وأعادوه إلينا مصحَّحًا، وسيُطبع عما قريبٍ إن شاء الله، وسيقدَّم إلى العالم الإسلامي هديةً نُوريّة.
الأساس الثاني الذي شكَّك فيه ذلك الرجل الذي لم يُعلِن عن نفسه: أنني رفضتُ عمومَ الأوصاف التي هي مدارُ الفَخر والعُجْب ممّا نسبه إليَّ الكثيرُ من النوريِّين بحُسن ظنِّهم الزائد وبما يفوق حدِّي مئةَ درجة، وكسرتُ بذلك خواطرَهم
— 181 —
مرّاتٍ كثيرة؛ وفي المقابل حين وجد السِّياسيُّون منذ ثمانيةٍ وعشرين عامًا أنَّ مسلك رسائل النور الإيماني والأخروي الصِّرفَ لا يُوافقُ أفكارَ التمدُّن والتحضُّر لديهم، حاولوا منذُئذٍ منعَ انتشار رسائل النور عبر اضطهادي بالسجون والمحاكم والترصُّد، وتنفير النوريِّين مني وترهيبهم، وإبعادهم عنِّي بادِّعاءاتٍ وافتراءاتٍ باطلةٍ لإضعاف شخصي والطعن فيَّ؛ فأصبحتُ في حالةٍ يُرثى لها!
ولكيلا أنفِّر تلاميذَ النور مني تمامًا رَدَدتُ مدحهم الموجَّه إليَّ بالقول: إن هذا المدح حقُّه أن يعود للأنوار، وإن المزايا التي تشاهدونها لا يَدَ لي فيها، بل هي حقٌّ لرسائل النور التي هي تفسيرٌ لحقيقة من حقائق القرآن الحكيم.

ولئن كان في كلِّ عصرٍ مجدِّدٌ يُبعَث لخدمة الدِّين والإيمان، فإنَّ مجدِّد هذا العصر العجيب الذي أخَذَت فيه الضلالةُ شكلَ الشخص المعنويّ في تكتُّل أصحابها واعتداءاتهم، يلزم أن يكون شخصًا معنويًّا، فهذا الزمان لا يُشبه العهد السالف، ومهما كان الفردُ قويًّا فإنه يُمكن أن يُهزَم في مواجهة الشخص المعنويّ؛ وقابليّةُ رسائل النور لأن تكون مجدِّدًا من هذا النوع احتمالٌ قويّ، وتلكم الصفاتُ تَفُوقُ حدِّي وحاشا أن ترجع إليّ، بل إن حياتي تصلُح أن تكون بحُكم نواةٍ لرسائل النُّور، وقد تحوَّلَتْ رسائلُ النور بالإيجاد الإلٰهي من تلك النواة إلى شجرةٍ ثمينةٍ مثمرة، بفيض القرآن وإحسان الحقِّ سبحانه؛(&jني كنت بِذرةً تفتَّتت تحت التراب وفَنيَت، وعادت جميعُ القِيَم إلى معاني القرآن الحكيم وتفسيره ذي الحقائق المتجلِّية في رسائل النور.

الأساس الثالث الذي يشكِّكُ فيه ذلك الرجل الذي لم يعرِّف بنفسه: هو ما صرَّحت به جريدتا "بيوك جهاد" و"سبيل الرشاد" من أنني لا يمكن أن أجعلَ رسائل النور وخدمةَ الدِّين والإيمان أداةً للسِّياسات الدنيوية، ولا لبلوغ الكمالات المعنوية والمقامات الرفيعة؛ وصونًا لسِرِّ الإخلاص الحقيقي الذي هو منبع قوّةٍ عظيمةٍ للنُّور في هذا الزمان، حرَصتُ ألّا أجعل رسائل النور وسيلةً لما يبتغيه الجميعُ من تحصيل السعادة الأخروية والنجاة من النار، سوى نيل مرضاةِ الله وتنفيذِ أمرِه، ولعلِّي بذلك أحظى بِذَرَّةٍ من التضحية السّامية التي تحلَّى بها الصِّدِّيق الأكبر رضي الله عنه يومَ قال: "أسأل
— 182 —
الحقَّ سبحانه أن يضاعف حجمَ جسمي لِيَملَأ جهنم، حتى لا يبقى موضعٌ لمُؤمن يُعذَّب فيها، وأن أُعذَّب عوضًا عنهم"، واقتداءً به أقول: "أرضى بدخول جهنم لأُنقِذ بالإيمان بضعة أشخاص من دخولها".
والحقيقة أن العبادة إنَّما تؤدَّى امتثالًا للأمر الإلٰهي وابتغاءً للرِّضى الربّاني، لا لأجل دخول الجنة والنجاة من النار، خشية أن يعتريَها الفساد.
نعود مجدَّدًا إلى موضوع حزبنا القرآني: لقد قام سيدنا أسامة رضي الله عنه أحدُ القادة العظام لدى الرسول الأكرم (ص) بجمع حزبٍ قرآني خاصٍّ بنفسه، استخرجه من سُور القرآن المتفرِّقة وجعله وردًا لنفسه، فيومًا يقرأ آياتِ الحمد، ويومًا آيات الاستغفار، ويومًا آيات التسبيح، ويومًا آيات التوكل، ويومًا الآيات العائدة إلى لفظ السلام، ويومًا الآيات المتعلِّقة بالتوحيد و"لا إلٰه إلا الله"، ويومًا الآيات العائدة إلى كلمة الربّ.. ما يعني أن ثمّة إذنًا نبويًّا بمثل هذه الأحزاب.
وكذلك حزبُنا القرآني، إذ جمع الآيات التي تدور حول حقائق الإيمان، وخصوصًا الآيات التي في أوائل السُّور، فلذا كُتِب في بدايتها: "بسم الله الرحمٰن الرحيم"، ولعل الحزبَ يشكِّلُ حافِزًا على إتمام قراءة القرآن، ولا يُورِث النقصان؛ كما أنَّ بعضَ الآيات القرآنية التي يُرغَبُ في قراءتها تستغرِقُ قراءتُها عشرين يومًا، أما في هذا الحزب فتُقرأ في يوم أو يومين، ومن ذلك أني اتَّخذتُ لنفسي في بعض الأوقات وِردًا يضمُّ قسمًا من الآيات التي في أوائل السُّوَر، مع بعض الآيات الإيمانية التي هي أُسُسُ رسائل النور، فظهر هذا الوِردُ بعد حينٍ على شكلِ حزب.
لقد توهَّم ذلك الشخص المجهول حِفاظي على عِزَّتي العِلمية في مواجهة صغارِ الفراعنة أنانيةً، وتخيَّل عدمَ رفضي التامِّ لحُسنِ ظنِّ طلاب النور في حقِّي أنانيةً، واعتبر من الرياء توضيحي لبعض خواصِّ إخواني قسمًا من أماراتِ أهل الولاية وإشاراتِ بعض الآيات التي تبلغُ الآلاف والتي بتُّ منها على يقينٍ جازم، وقد اضطررتُ لإظهارها حتى أُورِث الطلابَ الاقتناعَ التامَّ والاطمئنان الكامل حول بياناتي التي تعود لحقائق الإيمان، فظنَّ ذلك الشخص المجهول إفصاحي هذا رياءً وتسويقًا للذات.
— 183 —
أجل، إن من الجناية والخيانة العظمى في هذا الزمان إظهارَ التواضع والفناء في وضعنا الدِّفاعي أمام أولئك الذين تفرعَنَت أنانيَّتُهم، في حين يشنُّون هجومَهم على الإيمان ورسائل النور لصالح الإلحاد؛ وما هذا التواضع سوى تذلُّلٍ وخُلُقٍ رذيل.. فيا تُرى! هل يُعدُّ تسويقًا للذات بأيِّ وجهٍ من الوجوه، وهل يُصنَّفُ وَلَهًا للشُّهرة والأنانية، إظهارُ الثباتِ والقوّة المعنوية بشكل بطوليّ في وجه هؤلاء، حفاظًا على عزّة الدِّين وشرفِ العلم.. كما تخيَّل ذلك الفاضلُ الأمرَ؟!
وهل يُعدُّ أنانيةً يا تُرى! إسدالُ السِّتر على معايبي الشخصية الخفية إزاءَ المُحتاجين لرسائل النور والباحثين عن الأنوار بُغيةَ تقوية إيمانهم وإنقاذه؟! وهم الذين لا يلتفتُ ثلاثةٌ أو أربعةٌ من عشرةٍ منهم إلى شخصي، بل ينصرفون إلى الحُجج القاطعة التي في الأنوار، أما الخمسة أو السِّتة الباقون فلعدم معرفتِهم بقيمة الحُجج يتوجَّهون إلى شخصي متسائلين: تُرى هل خدَعَنا هذا الرجل أم ينطقُ بالحقيقة؟! فاضطُررت إلى عدم نقض حُسنِ ظنِّهم بي خشيةَ تشكيكهم.
إنني بسِرِّ الآية الكريمة: وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي لا أعتمد على نفسي الأمّارة، فليست تَخلُو من العيوب والتقصير؛ غيرَ أنَّ إظهار نقائصي التافهةِ المشهودةِ في نفسي والتي هي مقدارُ جناحِ بعوضة، في أثناء دفاعي وتصدِّيَّ لِهجماتِ مَن هم بمثابة التَّنانين والعفاريت، وفي زمنٍ نتعرَّض فيه لأشدِّ هجَمات جمعيات الإلحاد تخريبًا، لَيُعدُّ بمثابة تقديمِ يدِ العون لأولئك المُهاجمين، وحِرمانًا لخمسةِ أو سِتّة مساكينَ من أصل عشَرةٍ مُحتاجين لأنوارِ أدوية النُّور!
ولأجل هذه النقطة، فإنَّني أُعلِن للعالم أجمَعَ، مُستنِدًا إلى قوّة الحقيقة القرآنية وتفسيرِها بالحقائق الإيمانية، ودون الاعتماد أصلًا على قوَّتي ومزيَّتي الشخصية: أن لو اجتمع عليَّ المُلحِدون جميعًا فإنَّني أتحدّاهم دون تردُّد أو تحفُّظ، ولستُ أنحني أمامهم، ولا أكسِر صفوةَ عِزَّتي العلمية حِيالَهم؛ فإن كانت هذه أنانيةً، فليست عائدةً إليَّ، ولا يُمكِن أن تكون أنانيةً بأيِّ وجهٍ من الوجوه، إنما هي الصَّلابة الإيمانية.
— 184 —
ومثلَما أُنكِرُ الطبيعةَ من ناحية الإيجاد یی وقد أُثبتَ هذا في رسائل النور بصورة قطعيّة یی أُنكِرُ أيضًا ذلك الاقتدارَ الذي يسوقُ البشر إلى الغرور والأنانيّة والفرعنة؛ غير أنَّ دعاء البشر وكسبَه الجزئي المنطويَ على نوعٍ من الدعاء الفعليّ والاحتياج الحقيقيّ يُصبح في حُكم دعاءٍ مقبول لدى الحقِّ سبحانه.
فكما أثبت علماءُ أصول الدِّين بالدلائل القطعية في بحث "القدَر والجزء الاختياريّ" أن الله يُحسِن إلى البشر بالخوارق اللازمة تحت مُسمَّى "الاكتشافات والاختراعات"، كذلك علمتُ بالفيض القرآني، وبحُجج رسائل النور، وبقناعةٍ قطعيّةٍ تبلُغ درجةَ عينِ اليقين: أن الأنانية والاقتدار لديَّ ولدى كلِّ أحدٍ، ما هي إلا حُجُبُ الإيجاد والإحسان والتوفيق الإلٰهيّ.
فلذلك أعلنتُ في الأنوار لجميع إخواني: أنِّي كنتُ بِذرةً فبَلِيَت، فأحسن الحقُّ سبحانه بخلق رسائل النور من تلك البِذرة، استجابةً للاحتياج والعجز وصادقِ الطلب وصريح الدعاء.. وأن جميعَ الفِقْراتِ التي هي مبعَثُ الفخرِ في مكتوبات النُّور عائدةٌ لتلك الشجرة النُّورانية، فلا يمكن بحالٍ أن تكون حِصَّتي هي المفاخرةَ، بل هي الشُّكر وحدَه لا غيرُ؛ وما دام الأمرُ كذلك فإنَّني بعدد الكائنات والعوالم أقولُ: الشُّكرُ لله والحمَدُ لله.
الباقي هو الباقي
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭
— 185 —
باسمه سبحانه
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أبدًا دائمًا
إخواني الأعزّاءَ الأوفياء..
أولًا: لقد تحقَّق قطعًا بأماراتٍ كثيرةٍ وحوادثَ عديدةٍ أن ثمّةَ مُخطَّطاتٍ كثيرةً لدى أعداء النور وطلابِه لحمل بعض خواصِّ طلاب النور على التخلِّي عن الخدمة النُّورية، أو صرفِهم عنها من خلال استغلال جوانبِ ضعفهم؛ ونُبيِّن لكم أنموذجين منها ليكونا موضعَ عِبرة:
المثال الأول: يُحاول بعضهم لفتَ أنظار عدد من خواصِّ إخواننا ذوي الصلة الوثيقة بالأنوار، وصرفَ أفكارهم واهتماماتهم عن الخدمة الإيمانية باتِّجاهٍ آخَر، كإلهائهم بمشاربَ ذوقية رُوحانية، مثل التحاوُر مع الجنِّ، والتواصل مع بعض كبار الأولياء، والتحدُّث إلى الأنبياء، تحت مُسمَّى التواصل مع الأموات واستحضار الأرواح، ممّا يُعرَفُ قديمًا بی"الكِهانة"، ويُطلَق عليها اليوم اسم: "العِرافة".
والواقع أن هذا الأمر يعود على أهل الإيمان بأضرار بالغة، لأن منبعه فلسفيٌّ ومصدره أجنبيّ؛ فهو مظِنةُ سُوءِ الاستخدام بشدّة، وإن كانت فيه حقيقة واحدة فإنها تختلطُ بعشَرة أكاذيب، إذ ليس فيه أيُّ معيارٍ أو مقياس للتمييز بين الصواب والخطأ؛ لذا من المحتمل أن تقوم الأرواح الخبيثةُ وكذا الجنُّ الذين يُعاونون الشيطان بإلحاق الضرر في قلب المُنشغِل به وكذا بالإسلام، لأن فيه تنبُّؤات تُنافي حقائقَ الإسلام وتُعارِضُ عقيدتَه العامة، رغم مزاولته تحت مُسمَّى "الأمور المعنوية"، فمن المُمكِن لأرباب تلك الأرواح الخبيثة أن يخدعوا الآخرين، فيُوحوا إليهم أنهم أرواحٌ طيبة، بل ربما أطلقوا على أنفسهم أسماءَ كبارِ الأولياء، ونطقوا بكلماتٍ مخالفةٍ لأُسُسِ الإسلام بهدف إلحاق الضرر به، فيغيِّرون بصنيعهم الحقائقَ، ويخدعون السُّذَّج خداعًا تامًّا.
كمثَلِ الشمسِ المُشاهَدةِ بضيائها وحرارتها وصُورتها في قطعة زجاج صغيرة، فلو قام تِمثالُ الشمس الصغيرُ المُتجلِّي في تلك الزجاجة الصغيرة وتحدَّث باسمه
— 186 —
قائلًا: "إنَّ ضيائي يُحيط بالعالم كلِّه، وحرارتي تسخِّن كلَّ شيء، أنا أكبر من الكرة الأرضية مِليونَ مرّة"، كم يكونُ كلامُه مُجافيًا للحقيقة؟! ومثلُه تمامًا النبيّ، فإذ هو في مقامه الحقيقي كالشمس، لا يمكن لتظاهُرِ إحدى جَلَواتِه أن يتحدَّث باسم تلك الحقيقة بحسب استعداد "الكهانة" أو "العِرافة" التي هي في حكم قطعة الزجاج؛ فإن تكلَّم كان مخالفًا للحقيقة بمئة درجة، إذ إن الجلوة الجزئية للكاهن أو العرّاف في ذلك المظهر لا يُمكِن بأيِّ شكلٍ أن تُقاسَ بالماهية السامية لمَظهَر الوحي الذي هو كالشَّمس المعنوية.
فلا يمكنُ معنًى لقطعةِ زجاجٍ في أسفل سافلين أن تجلب إليها حقيقةَ تلك الشمس المعنوية المتمركزة في أعلى علِّيِّين، بل إنَّ محاولة جَلبِها ضربٌ من قلّة الاحترام وسوء الأدب؛ لكن يمكن التقرُّب من مقامها بالسَّير والسلوك والترقِّي كما فعل جلال الدين السيوطي وبعض الأولياء، فيغدو مظهرًا لصحبة تلك الشمس المعنوية.
علمًا أن مثل هذا الترقي الذي يُمثِّل مصاحبةً لولاية النبي (ص) إنما يتمُّ بحسب درجاتهم واستعداداتهم، كما أُثبِت في رسائل النور؛ ولكن على قدر سُموِّ حقيقة النبوة ورفعتِها على الولاية، فإن التواصل والمجالسة والصحبة المتحقِّقة بواسطة استحضار الأرواح أو الترقِّي الروحي، لا تبلغُ بحالٍ حقيقةَ التواصل مع النبي الحقيقيّ، فمن ذلك لا يصلُحُ أن يكون مصدرًا لأحكام شرعية جديدة.
أجل؛ إن عمليّةَ استحضار الأرواح المُتأتِّيةَ من شدّة الإيغال في تعاطي الفلسفة ليست من الدين، بل هي تصرُّفاتٌ تُخالفُ الحقيقةَ وتُنافي الأدب، لأن جلبَ من هم في أعلى عليِّين وفي مقامات سامية إلى مائدته حيث اللهو والكذب أو إلى مرتعه في أسفل سافلين، يُعدُّ إهانةً وسوءَ أدبٍ وقلّةَ احترام، كمثل دعوة سُلطانٍ واستقباله في كوخٍ صغير! أما عينُ الحقيقة والأدب والاحترام والاستفادة فتتجلَّى في الرُّقيّ الروحاني بالسَّير والسُّلوك، على غرار ما قام به أمثالُ جلال الدين السيوطي وجلال الدين الرومي والإمام الرباني وغيرهم، وفي بلوغ مراتبَ قريبةٍ من أولئك الأشخاص العظماء، والاستفادة منهم.
— 187 —
إنَّ الرؤيا الصادقة لا تتمثَّلُ فيها الشياطينُ والأرواح الخبيثة بصورة نبيّ، لكن في استحضار الأرواح يمكنُ للأرواح الخبيثة أن تُطلق على نفسها لفظيًّا اسمَ النبي، وتتحدَّث بما يُخالف السُّنة السَّنية والأحكام الشرعية، فإن كان كلامها مُخالِفًا للشريعة والسُّنة، فهو دليلٌ قاطعٌ أن المتحدِّث ليس من الأرواح الطيِّبة، وليس بالجنِّ المؤمن المسلم، بل هو رُوحٌ خبيثةٌ تقوم بالتقليد على هذا النحو.
ثانيًا: إن طلاب النور ليسوا بحاجة اليومَ إلى دراسة مثل هذه المسائل، إذ إن رسائل النور وضَّحت حقيقةَ كلِّ شيء، ولم تَدَع حاجةً لإيضاحاتٍ أخرى، فهي تفي بحاجاتهم؛ لكن يجب على غير طلاب النُّور عدمُ الإصغاء إلى مثل هذه التعليمات والتلقينات المُخالفة لأُسُسِ الأحكام الشرعية والسُّنة السَّنية، وإلا وقعوا في خطأ جسيم.
تنبيه:
إن النقد الحادَّ الوارد في هذه الرسالة ضدَّ قضيّة استحضار الأرواح، مُوجَّهٌ نحوَ المشرب الصادر من الفنِّ والفلسفة، والمسمَّى بتحضير الأرواح والتنويم المغناطيسي والتقمُّص المعنويّ والتنبُّؤ المستقبلي، وليس ضدَّ تصوُّفِ بعض الصوفية النابعِ من الإسلام وأرباب الطريقة والتصوُّف مما يُشبه إلى حدٍّ ما التخاطُبَ مع الأرواح، والمُساءَ استخدامُه نتيجةَ خوضِ غير المؤهَّلين فيه على قلَّتهم، ورغم ذلك يُمكن أن يتسبَّب هؤلاء بأضرارٍ للآخرين، لكنها على غيرِ سبيل الخداع كحال أولئك، ولا تحملُ نوايا الإضرار بالإسلام؛ وفضلًا عن ذلك فإنَّ المشرب الواردَ من الأجانب إنما هو ضدُّ الطريقة والإسلام، ويسعى إلى تقويض مسالك الصوفية والتهوين من شأنها حتى تصير أمرًا اعتياديًّا.. فليَحذَر ضعفاءُ المتصوِّفة ممَّن لا يُقيم حقَّ السُّنة السَّنية من التشبُّه بهؤلاء.
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭
— 188 —
باسمه سبحانه
إلى رئيس المحكمة..
أرجو أن تُرْعُوا سمعًا لما سأسرده بإيجازٍ شديدٍ من ظلمٍ طويلِ الأمد تعرَّضتُ له خلال حياتي..
إن من أسباب ما عانيتُه خلال ثمانٍ وعشرين سنةً من مراقبة وسجنٍ وإهانةٍ وإيذاء مُنقطِع النظير ما يلي:
الاتِّهام الأول: يعتبرونني معارضًا للنظام؛ وأقول ردًّا على هذا: معلومٌ أن لكلِّ حكومةٍ معارضين، وأنه لا يُحاسَب أحدٌ على فكره ومنهجه الذي يتبنّاه بقلبه وضميره ما دام لا يَمَسُّ الأمنَ والاستقرار.
فها هم الإنكليز الذين عُرِفوا بتعصُّبهم لدينهم وسطوتهم في حُكمهم، يعيش أكثرُ من مئةِ مليونِ مسلمٍ تحت حُكمهم منذ مئة عام، ويرفضون نظامَ حُكمهم الكافر، ويردُّونه بمقتضى القرآن، ومع هذا لا تتعرَّضُ محاكم الإنكليز لهم بشيءٍ في هذا الخصوص.
وها هم اليهود والنصارى الذين عاشوا منذ زمنٍ بعيدٍ بين هذا الشعب وفي ظلِّ هذه الحكومة الإسلامية، وكانوا معارضين لدِين هذا الشعب، مُضادِّين لنظام حُكمه القدسي، ومع هذا لم تتعرَّض المحاكم لهم يومًا بهذا الشأن، ولم تمسَّهم قوانينُها بشيء.
وفي أيام خلافة عمر بن الخطاب حَدَث أن تحاكم هو ورجلٌ نصرانيٌّ من عامّة الناس، ومع أن الرجل كان معارِضًا لنظام حُكم المسلمين المقدَّس ودينِهم وقوانينهم، إلا أن المحكمة لم تلتفت إلى شيءٍ من ذلك، مما يبيِّن بوضوحٍ أن المحكمة لا تخضع لأيِّ تيار، ولا تنحاز لأيَّة جهة، وهو ما جعل خليفةَ الأرض يتحاكم مع كافر بسيط من عامّة الناس.
وإنني استنادًا إلى مئاتِ الآيات القرآنية عارضتُ نظامًا مؤقَّتًا ينتمي إلى الجانب الفاسد من المدنية، فأضحى أداةً لمُمارسة أشدِّ أنواع الظلم بحقِّ المُتديِّنين خلفَ سِتار
— 189 —
الحُرِّية في الجمهورية، وباسم الشيوعية، وعلى حساب الفوضوية؛ إن نظامًا كهذا لا أُعارِضه وحدي فحَسْبُ، بل يُعارضه جميع أهل الوِجدان، وهذه المعارضة لا تُعدُّ جرمًا لدى أية حكومة.
الاتِّهام الثاني: احتمالُ الإخلال بالأمن وإمكانية إفساد النظام؛ وقد تعرَّضتُ نتيجةَ ذلك لشتَّى صنوف الظلمِ والأذى على مدى ثلاثين عامًا.
ولقد أثبَتَتْ تقاريرُ المحكمة وتحقيقاتُها أنَّه لم تُسجَّل لدى ستِّ ولاياتٍ وستِّ محاكمَ مَعْنِيّةٍ بقضية النوريِّين أيةُ مادّة تتعلَّق بالإخلال بالأمن، رغم وجود خمس مئة ألف فدائيٍّ من تلامذةِ النور، ورغم تعرُّضِنا لمُختلِف أنواع الإهانات الجائرة على مدار ثمانٍ وعشرين سنة؛ وهذا يدلُّ على حقيقة أنَّ تلامذةَ النور هم حُماةُ الأمن والاستقرار، وأنهم يُحيُون بدروس الإيمان لدى كلِّ أحدٍ رقيبًا من نفسه، حفاظًا على الأمن والاستقرار، كما أقرَّت بذلك الشُّرطة المُنصِفة في ثلاث ولايات.
الاتِّهام الثالث: أنني أستغلُّ الدِّينَ لمكاسبَ سياسيّة، وقد نقضتُ هذه الدعوى بالبراهين القطعية في مقالتي المنشورة في العدد (١١٦) من جريدة "سبيل الرشاد" تحت عنوان: "الحقيقة وحدَها هي التي تتكلَّم"، وفيما يلي خُلاصتُها الموجَزة:
إنَّ مِن الظلم والإجحاف البالغِ غايةَ الشَّناعة والفداحة، والبعيدِ عن الحقِّ والإنصاف بُعدَ الأرض عن السماء، أن يُؤتَى لرجلٍ تشهد سنواتُ عمره بأنه ضحَّى بدنياه یی بل بآخرته الشخصية إن لزم الأمر یی فداءً للدِّين، وترَكَ السياسة منذ خمسٍ وثلاثين سنة، ولم تَعثُر المحاكم على أيِّ دليلٍ يُدينه بهذا الصدد رغم تدقيقاتها وتحرِّياتها، وقد تخطَّى عتبةَ الثمانين من عمره، وبلغ باب القبر، ولم يملك شيئًا من متاع الدنيا ولم يولِه أهمِّيةً.. فيقالَ في حقِّه بعد هذا كلِّه: إنه يتَّخِذُ الدِّين أداةً للسياسة!!
وفضلًا عن افترائهم هذا، فإنهم يزعمون وجودَ شُبهة الإخلال بالأمن والاستقرار لديه! والحال أن درس الحقيقة الذي تلقَّاه من القرآن الحكيم، وعلَّمه طلابَه هو: أنه لو وُجِد في بيتٍ أو مركبٍ شخصٌ واحدٌ بريءٌ وعشرةُ جناةٍ، فإن العدالة القرآنية تمنع
— 190 —
تدمير ذلك البيت وإغراقَ ذلك المركب، صونًا لحقِّ ذلك البريء من الضرر، لذا كان من الظلم الفادح، والخيانة الكبرى، والوحشيةِ البالغة، تدميرُ بيتٍ أو إغراقُ مركب فيه تسعون بريئًا ومجرمٌ واحد.
ولأن العدالةَ الإلٰهيةَ والحقيقةَ القرآنيةَ منَعَت بشِدّة تعريضَ حياةِ تسعين بالمئة من الناس الأبرياء للخطر والضرر، بجريرةِ عشرةٍ بالمئةِ من الجُناةِ أخلُّوا بالأمن والاستقرار، نرى أنفسَنا مُكلَّفين شرعًا بالحفاظ على الأمن والاستقرار بكلِّ قُوَّتنا، عملًا بهذا الدرس القرآني.
ومن هنا، فإنَّ أعداءنا العاملين في الخفاء، والذين اتَّهمونا بهذه الاتِّهامات الثلاثة أو الأربعة الباطلة، إما أنهم يريدون جعلَ السِّياسة أداةً للإلحاد، أو أنهم يعملون ما بوُسعِهم یی بعلمٍ أو بجهلٍ یی لتمكين الفوضوية من هذا البلد المبارك تحت سِتار الشيوعية؛ فإن المسلم إن خرج عن دائرة الإسلام أصبح مُرتدًّا فوضويًّا، وصار كالسُّمِّ للحياة الاجتماعية، إذ الفوضوية لا تَعرِف الحقوق، بل تُحيل السجايا الإنسانيةَ إلى طِباعٍ حَيَوانيةٍ كالتي لدى الحيوانات المتوحِّشة، وفي القرآن الحكيم ما يُشير إلى أن جماعة "يأجوج ومأجوج" التي ستَظهَر في آخر الزمان هم جماعةٌ فوضويّة.
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭
— 191 —
باسمه سبحانه
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أبدًا دائمًا
إخواننا الأعزاء الأوفياء..
أولًا: إن مُصحفنا المُعجِز المُذَهَّب الذي ظهر في هذا الزمان مكتوبًا بطريقةٍ تُظهِر للعِيان الإعجاز في رصف حروف القرآن، أُرسِل ابتداءً ليُطبَع في ألمانيا بعد أن حالت التكلفةُ العالية دون طبعه ملوَّنًا في "إسطنبول"، لكن ما زلنا نجتهدُ في الأمر، ومؤخَّرًا تمَّ إرسالُ جزءٍ واحدٍ منه كنموذجٍ لتجربة طباعته في "إيطاليا" لتَقَدُّمها في أمور الطباعة، وخلال أيام سيُطبَعُ أيضًا في مكانٍ آخر بلونٍ واحدٍ مع مراعاة ميزة التوافق، ثم سيُطبع بعدها إن شاء الله في "مصر" و"ألمانيا" أو "إيطاليا" بشكل مُذَهَّب وبألوانه الثلاثة.
ثانيًا: ثمّة مجموعةُ كتبٍ أخرى سيتمُّ تكثيرُها إن شاء الله وهي بحجم "ذو الفَقار"، حقُّها أن تُكتَب بماء الذهب، وهي: تفسيرٌ عربيٌّ للقرآن، ومثنويٌّ عربيٌّ شريفٌ لرسائل النور، وهو مؤلَّف خارقٌ بالغُ الأهمِّية والإعجاز، لدرجة أن كلَّ بحث من أبحاثه يستحقُّ أن يُفرَد كتابًا مستقلًّا، تمَّ تأليفُه قبل أربعين عامًا، ولاقى تقديرَ العلماء الأجلاء واستحسانَ المشايخ العظام المشهورين في ذلك الحين، وأقرُّوا بأنه مصنَّف فوق المألوف، وقالوا في حقِّ رسالة واحدة من رسائله: "إن هذه ليست بقطرة، بل هي بحر"، وصرَّحوا بعجزهم عن إحاطة معانيه بشكل تامٍّ.
نبشِّركم بهذين العَملَين المُهِمَّين من أعمال رسائل النُّور، ونرجو دعاءكم بالتوفيق للقيام بهما؛ ونبلِّغ سلامنا للجميع، ونتمنَّى لكم التوفيق.
الباقي هو الباقي
أخواكم
جيلان، زبير
٭٭٭
— 192 —

هذه رسالةٌ نُشِرت في صحيفة "بيوك جهاد" بی"صامسون"،

فاتخذها المُفتَرون ذريعةً لرفع دعوى ضدَّ الأستاذ
في محكمتها التي قَضَت ببراءته في نهاية المطاف.
إلى أستاذنا المخلص "بديع الزمان سعيدٍ النُّورْسِيّ"، تاجِ أهل الإيمان وترجمان رسائل النور..
لقد قلتم قبل سنواتٍ: إن رسائل النور ليست مُلكي، بل هي بضاعةُ القرآن وفيضٌ منه، ولن تستطيع أية قوةٍ أن تنتزعها من صدرِ الأناضول أو تقطعَ صِلتَها بها، لأن الرسائل موصولةٌ بالقرآن العظيم، والقرآن موصولٌ بالعرش الأعظم، فمن له أن يَبلُغ تلك العروةَ الوُثقى فيَفصِمَها؟!
ولقد تَحقَّق اليوم ما أعلنتُم عنه قبل سنين، إذ قَضَتْ محكمة "أفيون" یی في عهد الديمقراطيِّين المتديِّنين هذه المرة یی برفع الحظر عن رسائل النور، وبردِّ جميع الرسائل والمراسلات والكتب المصادَرة لعدم تشكيلها أيَّةَ مادةٍ جُرمية.
وإننا نَعُدُّ قرارَ البراءة هذا تصديقًا صريحًا لما أعلنتُم عنه، ودليلًا ساطعًا على أن خدمتكم السامية التي تقومون بها إنما هي محضُ خدمةٍ قرآنيةٍ يُبتغى بها وجهُ الله وحدَه، كما نَعُدُّه فاتحةَ خيرٍ لسعادة العالَم الإسلامي عامةً، ولهذا الشعب المسلم خاصةً.
وإننا ننتهز هذه المناسبة لنقدِّم أحرَّ التهاني والتبريكات لمن كان يَرقُب مثلَ هذه الانتصارات بكل شوقٍ، ألا وهو أستاذنا الحبيب كبيرُ أسرة النور، ورُبَّانُ بحر الحقائق، ومرشدُ الإنسان في عصرٍ لَجَّتْ فيه الإنسانية في الطغيان، كما نعبِّر عن الشكر والتقدير لأعضاء هيئة المحكمة العادلة وللديمقراطيِّين المتديِّنين الذين اتَّخذوا من أهل الإيمان نصيرًا وسندًا لهم.
لقد جاهدتم یی أستاذَنا العزيز یی على مدى سنين طويلةٍ لإعلاء راية الحقيقة القرآنية، وبذلتم في سبيلها الغاليَ والنفيس، حتى تَحقَّق لها یی بفضل الله یی ما تَحقَّق من فتوحٍ وظهورٍ وازدهارٍ على امتداد أرجاء هذا البلد، وعَمَرَتْ قلوبَ أهل الإيمان
— 193 —
بالأنس والسرور، وهذا دليلٌ ساطعٌ سطوعَ الشمس في رابعة النهار على سُموِّ وعِظَمِ هذه الدعوة القدسية التي نهضتم بخدمتها ووفِّقتم فيها أيَّما توفيق.
إن الصبر والثبات الذي تحلَّيتُم به أمام المشاقِّ والعقبات التي واجهتموها على مدارِ ثلاثين سنة، وما قمتم به من جهادٍ وخدمةٍ فريدةٍ في سبيل نشر رسائل النور التي أفاضها القرآن على قلبكم، ستكون أنموذجًا يُحتذى لأجيال المستقبل ومجاهدي الإسلام الأبطال.
لقد بدَّدتم بأشعة النور الساطعةِ من شمس القرآن ظلماتِ الجهل والضلال، وأنَرْتُم بها قلوب الملايين، فكانت لكم مآثرُ وأيادٍ بيضاءُ خالدةٌ بين أهل الإيمان، وستبقى خِدماتكم وتضحياتكم ماثلةً على مَرِّ الزمان، لا ينساها التاريخ، ولا تنساها هذه الأرض، ولا ينساها هذا الوطن ولا أبناؤه؛ بل حتى عند انتقالكم إلى عالَم الخلود ستكون خدمتكم نواةً تنبتُ منها شجرةُ نورٍ باسقةٌ ممتدَّةُ الأغصان وارِفةُ الظلال، تتدلَّى منها قطوفُ رسائل النور المتألِّقة، وتلتقي في ظلِّها الجماعات العظيمة، فتستأنف هذه الخدمةَ بأبهى صورةٍ وأسطعِها، وتُديمها إلى أن يَرث الله الأرض ومن عليها.
فيا أستاذُنا الحبيب، أنتم رائد هدايةٍ لهذا العصر بما قيَّض الله لكم من منزلةِ التَّرجُمان لرسائل النور، وبخدمة الإيمان التي أنارت آفاقَ العالَم الإسلامي، وأنتم دلَّال القرآن في القرن الهجريِّ الرابعَ عشر، وهو البطل المضحِّي الذي تصدَّى بنور القرآن لظلمات هذا الزمان العصيب، وهو الرجل المَهِيبُ الذي نشر مئات آلاف رسائل النور بأقلام مئات الآلاف من طلابه الأبرار، فأقام سدًّا قرآنيًّا مُحكمًا منيعًا في وجه الإلحاد والكفر المُطلَق.
إننا نشكركم من صميم قلوبنا على خدمتكم القدسية التي نشرت سحائبَ الرحمة والسعادة في أرجاء العالم، وجادت بالسلامة والسُّلوان لبني الإنسان، وحملت طلائعَ البشرى لأهل الإيمان بعودة حاكمية الإسلام على أصقاع الأرض، وذلك هو يومُ العيد الأكبر والأنور.
نُقبِّل أياديَكم الكريمة، راجين لكم من المولى سبحانه العمرَ المديد المبارك.
طلاب النور بجامعة أنقرة
٭٭٭
— 194 —

حقيقةٌ أُخطرت على القلب تتعلَّق بحياتنا الاجتماعية

يضمُّ هذا الوطن اليومَ أربعةَ أحزاب: حزب الشعب، الحزب الديمقراطي، الحزب القوميّ، حزب الاتِّحاد الإسلاميّ.
أما حزب الاتِّحاد الإسلامي: فبإمكانه أن يتولَّى مقاليدَ حُكم البلاد، شريطةَ أن يكون ستُّون أو سبعون بالمئة من أعضائه متديِّنين بحقٍّ، كيلا يسعى لجعل الدِّين أداةً للسِّياسة، بل ليُسخِّر السِّياسة في خدمة الدِّين؛ غيرَ أن ما أُصيبت به التربيةُ الإسلامية منذ زمنٍ بعيدٍ من تصدُّعٍ ووهن، يُحتِّم عليه التنحِّيَ وعدم التورُّط في تولِّي الحُكم اليومَ، لأنه سيُضطَرُّ إلى اللُّجوء لِإخضاعِ الدِّين للسِّياسة، واستغلاله في مواجهة جرائم السِّياسة وشرورِها في الوقت الراهن.
وأما حزب الشعب: فهو المُتغلِّب نوعًا ما على الديمقراطيِّين بما قدَّمه لبعض المسؤولين یی تحت سِتارِ القانون یی من رِشًا عامّة مُعجِبة مُمتِعة، رغم كلِّ ما اقترفه من جرائمَ طوالَ ثمان وعشرين سنةً، وفضلًا عمّا يتحَمَّلُه من أوزارِ جنايات الآخرين وسيِّئات الاتِّحاديِّين والماسونيِّين منهم؛ فبنقص العبودية تَقوَى الأنانيّة، ويتكاثر صغارُ النَّماردة.
إنه في هذا الزمن یی زمن الأنانية والمنفعة الشخصية یی أضحَتِ الوظيفة تُضفي على بعض المسؤولين رُتبةَ الحاكمية المحبَّبة إلى النفوس، وتُكسِبُهم روحَ التسلُّط والسِّيادة، علمًا أنَّ حقيقتها مجرَّدُ خدمة؛ لذا شعرتُ من طبيعة معاملتهم لي وتصرُّفاتهم تجاهي أنهم متغلِّبون معنويًّا على الديمقراطيِّين بجهة مّا، رغمَ كل الجرائم المُريعة، وما تنشره الصُّحفُ غير المُوالية لهم.
وأحد دساتير الإسلام الأساسية: ما ورد في الحديث الشريف: «سيِّد القوم خادمُهم» ، أي: أنَّ المسؤولية والآمريّة إنَّما تعني خدمةَ الشعب لا الترؤُّسَ عليه، فلا بدَّ للديمقراطية وحرِّية الاعتقاد من الارتكاز إلى هذا القانون الأساسي للإسلام، لأن
— 195 —
القوة إن لم تكن ماثلةً في القانون فإنها تنتقل إلى الأشخاص، فتُمارسُ استبدادًا مُطلَقًا وتحكُّمًا مزاجيًّا.
وأما الحزب القوميّ: فما دامت القومية التركية قد امتزجت في القومية الإسلامية التي هي أساسُ الوحدة الإسلامية، فإن هذا الحزب إذًا يحمل شعاراتِ الديمقراطيِّين ومفاهيمَهم، وسيُضطرُّ للالتحاق بركب المتديِّنين منهم.
بَيدَ أنَّ داء العِرقية والعنصرية المُعبَّیرَ عنه بالعِلّة الإفرنجية، قد بثَّته أوروبّا بيننا وغذَّته بهدف تمزيق العالم الإسلامي؛ وإن هذا الداء يمنح حالةً رُوحية مُمتِعة جاذِبة، لدرجة أن كلَّ أُمّة تُبدي تشوُّفًا ولهفة بشكل كلِّيٍّ أو جزئيٍّ لتحصيل هذه المتعة، بالرغم من أضرارها ومخاطرها الهائلة.
فلو حصدَ هذا الحزب أغلبيةَ الأصوات بسبب ضعف التربية الإسلامية واستيلاء التربية المدنية، واعتلى سُدّةَ الحُكم، فستُضطرُّ حينها الفئات الأخرى غير التركية یی والتي تشكِّل سبعين بالمئة من الشعب یی للوقوف ضدَّ الحاكمية الإسلامية، وضدَّ الأتراك الحقيقيِّين البالغين بالكاد ثلاثين بالمئة، ولا يشكِّلون الأكثرية.
ذلك أنَّ أحدَ دساتير الإسلام الأساسية يتمثَّل في قوله تعالى: وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى، أي: أن أحدًا لا يؤاخَذ ولا يُحاسبُ بجريرةِ غيره، بينما في النزعة العرقية العنصرية يجدُ المرءُ نفسَه على حقٍّ في قتل شقيقِ الجاني، بل بقتل أقاربه، بل حتى أفرادِ عشيرته بثأر جنايته؛ وحينها لن تقوم للعدالة الحقيقية قائمة، بل سيُفتَح الباب واسعًا لارتكابِ مظالمَ شنيعة؛ في حين يقرِّر الدستور الإسلاميُّ أنه "لا يُضحَّى بحق بريءٍ واحدٍ لأجل مئةِ جانٍ"، وإنها لَقضيةٌ وطنية مُهِمّة، وتشكِّلُ خطرًا عظيمًا على السِّيادة الإسلامية.
فما دامت هذه هي الحقيقة، فيا أيُّها الديمقراطيُّون المتديِّنون الموقِّرون للدِّين، إنكم مضطرُّون لجعل الحقائق الإسلامية ركيزةً لكم، إذ هي أكثرُ جاذبيّة على الصعيد المادِّيّ والمعنويّ حيالَ ركائز هذين الحزبين القويّة المُغرية الفاتنة.. وبخلاف ذلك فإني أخشى أن تُحمَّلوا تبِعةَ الجنايات التي ارتُكِبت في الماضي حتى اليوم ولم تقترفها
— 196 —
أيديكم، مثلَما حُمِّلَها الحزبُ القديم أيضًا، وعندئذٍ سيستغلُّ حزبُ الشعب العُنصرية، ويتغلَّبُ عليكم تغلُّبًا كاسحًا.
لقد ساورني هذا الشعور المُقلِق، وبادرتُ لعرضه باسم الإسلام.
حاشية: بخصوص القضية التيجانية التي وقعت نتيجةً لقوانين العهد السابق التعسُّفية التي لا مُبرِّر لها، ونتيجةً لسوء تنفيذها كذلك، بل لعلها وقعت بتحريضٍ من رجال ذلك العهد، فإني أرى أن ثمّة حلًّا وحيدًا يُجنِّب الديمقراطيِّين المتديِّنين مغبّةَ تحمُّل أوزار هذه القضية وما يترتَّب عليها من عقوباتٍ شديدة، ليحافظوا على سُمعتهم ومكانتهم في نظر العالَم الإسلامي، وهو حلٌّ يُتمِّمُ ما بدؤوا به من نشر الأذان المُحمَّدي الذي ضاعف قُوَّتهم عشَرةَ أضعاف، وذلك بأن يُعيدوا لمسجد "أيا صوفيا" مكانتَه القدسية التي تمتَّع بها على مدى خمسة قرون، ويُعلنوا رفعَ الحظر رسميًّا عن "رسائل النور" التي كان لها أثرٌ طيِّبٌ في العالم الإسلامي، والتي أكسبَتْ أبناء هذا الوطن حُسنَ توجُّه الشُّعوب المُسلمة نحوَهم، ولم تقف فيها المحاكمُ طَوالَ ثمانٍ وعشرين سنةً على أيِّ محتوًى خطيرٍ، وقضَتْ ببراءتها خمسُ محاكم؛ فبهذا يتجنَّب الديمقراطيُّون التَّبِعاتِ السيِّئةَ لهذه القضية، وأعتقد أنهم متى فعلوا ذلك فإنهم سيحظَون بتوجُّه العالَم الإسلامي من جهة، وسيعجز القوم عن تحميلهم أوزارَ الآخرين من جهةٍ أخرى.
ورغم أني تركت السياسة منذ خمسٍ وثلاثين سنة، إلا أني التفتُّ إليها لمدة ساعتين، وكتبتُ هذا الكلامَ مراعاةً لخواطر الديمقراطيِّين المتديِّنين، خصوصًا منهم "عدنان مَنْدَرِس".
سعيدٌ النُّورْسِيّ
وطلاب النور الذين شهدوا على هذه الحقيقة يقينًا وصدَّقوها:
محمد چالشقان، مصطفى أجت، حمزة، صادق، حليم، رشيد، أحمد خسرو، صونغُر، طاهري، نوري.. وغيرهم.
حاشية: يقول أستاذنا: إن هذه الحقيقة السياسية والاجتماعية قد أُخطرت بشكل مُجمَل، ويمكنكم أن تستبدلوا الكلماتِ الضارّةَ وغيرَ اللازمة، وأن تُرسلوها إلى المدن المُهِمّة بما ترونه مناسبًا، شريطةَ ألّا تُحدِثَ تأثيرًا سلبيًّا.
٭٭٭
— 197 —

الدفاع الذي تلاه الأستاذ النُّورْسِيّ في محكمة إسطنبول

وقرَّرت المحكمة على إثره البراءة
نُشر في جريدة "بيوك جهاد" في "صامسون" وحُرِّكت دعوى بسببه
لقد قام أعداؤنا العاملون في الخفاء بتحريض القضاء علينا من جديد في هذا الشهر: شهر رمضان المبارك، وثمّة منظمةٌ شيوعيةٌ سِريَّةٌ لها يدٌ في الأمر.
فأولًا: في عملٍ يخالف القانون كلِّيًّا أرسَلوا إليَّ مجموعةً مسلَّحةً مؤلَّفةً من رقيبٍ أول وثلاثة عناصر من الشرطة العسكرية، وذلك حين كنتُ مُختلِيًا بنفسي بين الحقول والجبال، فأخذوني بالقوة إلى المخفر بدعوى أنني لا أرتدي القبعة الإفرنجية!!
وأنا أقول لكلِّ المحاكم التي تَنشُد العدالة: لقد كان الواجب توجيهُ تهمةِ مخالفةِ القانون حقًّا لمن خرجوا على قوانين الإسلام من خمسة وجوه، ومارسوا الظلمَ باسم القانون من خمسة وجوه، وهم الذين ما فَتِئوا منذ سنتين يذيقونني العذاب النفسي متذرِّعين بحججٍ باطلة وتلاعباتٍ قانونيةٍ مُشينة!! ألا لا جَرَم أن لهم في محكمة الجزاء الكبرى عذابًا يَلقَونه.
أجل، كيف يوجَّه الاتِّهام لرجلٍ ظلَّ منزويًا خمسًا وثلاثين سنة، لم يخالط فيها الناسَ في الأسواق ولا المجتمعات، فيقال له: إنك لا ترتدي القبعة الإفرنجية؟! أيُّ قانونٍ في الدنيا يسمح بهذا؟!
لقد مضى على هذا الرجل ثمانٍ وعشرون سنةً قضاها في خمس ولاياتٍ، وأُحيل فيها إلى خمس محاكم، فما تدخَّلَتْ إدارةٌ ولا شرطةٌ من هذه الولايات، ولا محكمةٌ من هذه المحاكم، بخصوص ما يضع على رأسه، وقد مَثلَ مؤخَّرًا في محكمة إسطنبول العادلة، وأمام ما يزيد على مئة عنصرٍ من عناصر الشرطة فيها؛ وأقام في هذه المدينة وتجوَّل في أماكن شتَّى منها شهرين اثنين، فما تعرض له شرطيٌّ واحدٌ بهذا الخصوص!!
وفضلًا عن أن محكمة التمييز قَضَتْ بأن القبَّعات الصوفيةَ غيرُ محظورة، فإنه لا يُجبَر على ارتداء القبعة الإفرنجية أيٌّ من النساء أو أفراد الجيش أو الموظَّفين أو
— 198 —
سواهم ممن يَحسِرون عن رؤوسهم، ولا مصلحةَ تترتب على ارتدائها، ولا مساءلةَ لمن يرتدي قبعةً صوفية!!
ثم إن هذا الرجل ليس له وظيفةٌ رسميةٌ حتى يكون له لباسٌ رسميّ، بل هو مُنزوٍ لا يخالط الناس لا سيما في شهر رمضان المبارك، إذِ امتنع عن اللقاء بأخصِّ أصحابه لئلا يستذكرَ الدنيا أو يَشغَل روحَه بشيءٍ من هذه القضايا المزعجة التي تُعدُّ مخالِفةً للقانون، حتى إنه بالرَّغم من شدة مرضه لم يتناول دواءً ولم يستدعِ طبيبًا لئلا يشغل قلبَه وروحَه بشؤون بدنه!!
لكنَّه معَ هذا كلِّه يُطالَب بارتداء القبعة الإفرنجية تشبُّهًا بالرهبانِ الأجانب، ويُهَدَّد بالإحالة إلى القضاء إن هو خالَف!! فما أَشنَعَه من تصرُّفٍ يشمئزُّ منه مَن له ذرَّةُ ضمير!!
ومما يتَّصل بهذا الموضوع أن الشخص الذي طالبه بارتداء القبعة قال له: إنما أنا عبدٌ مأمور. فهل يجوز أصلًا أن يؤمَر بامتثال قانونٍ جبريٍّ تعسفيٍّ حتى يقول القائل: إنما أنا عبدٌ مأمور؟!
كلا، فكما أن القرآن يدعو لطاعة أولي الأمر في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ، فإنه يدعو كذلك لعدم التشبُّه باليهود والنصارى؛ فهو يأمر بطاعة أولي الأمر شريطةَ ألّا تُنافيَ طاعةَ الله ورسوله (ص)، فعندئذٍ يمكن للمرء أن يقول: أنا عبدٌ مأمور، والحال أن قضيتنا هذه فيها وجوهٌ لا تُحصى من المخالفة للقانون والمصادَمة لأعراف الإسلام وشرائعه، والانتهاك لقوانينه القدسية لصالح أمرٍ تعسُّفيّ، فهي تَنتهِك تعاليمَ الإسلام الآمرةَ بالرأفة بالمريض والعطف على الغريب وعدم التضييق على مَن يدعو إلى القرآن والإيمان في سبيل الله، وتَعمِدُ فوق هذا إلى رجلٍ منزوٍ قد ترك الدنيا فتأمره بارتداء قبعةٍ على شاكلة الرهبان الأجانب!!
وإن القيام بمثل هذه الإجراءات مع شخصٍ غريبٍ فقيرٍ مثلي، قد طعن في السِّنِّ، واشتدَّ به المرض، وبلغ بابَ القبر، وانزوى وترك الدنيا منذ خمسٍ وثلاثين سنةً لئلا يخالف السنة النبوية السَّنيَّة.. لا ريب أن هذا النوع من المعاملة إنما يُدار في
— 199 —
كواليس الشُّيوعية، ويوجَّه لضرب الوطن والشعب والإسلام والدِّين خدمةً لمصالح الفوضوية الهدَّامة، ويستهدف في الوقت نفسه الحزب الديمقراطي والنُّوّاب المتديِّنين الذين حملوا على عاتقهم مُهِمّة خدمة الدين والوطن، والتصدِّي لمخططات التخريب الخارجية؛ وإنني في دفاعي هذا أَلفِتُ انتباههم لئلا يتركوني وحيدًا في ميدان التصدِّي لهذا المخطَّط الخبيث.
حاشية:
إن رجلًا نذر نفسَه للدِّفاع عن الإسلام، ووهب حياته لخدمة القرآن، وحافظ على عِزّة الإسلام فلم يقف للقائد الروسي الذي تعمَّد المرورَ من أمامه عِدّةَ مَرّات، ولم يرضخ لتهديده له بالإعدام؛ وجابَهَ معتزًّا بإسلامه قائدَ الجيش الإنكليزي الذي احتلَّ إسطنبول ومَن مالَأَه من المشايخ الذين أفتَوْا له فلم يكترث لتهديده بالقتل، بل أعلنها مدوِّيةً في المنشورات أن ابصُقُوا في وجوه هؤلاء الظَّلَمةِ عديمي الحياءِ؛ وخاطب "مصطفى كمال" وَسْط حَشْدٍ من خمسين نائبًا غير مبالٍ بحدَّته ونَزَقِه قائلًا: "إن تارك الصلاة خائن"؛ وأبى أن يُداهِن أو يتملَّق رجالَ المحكمة العسكرية، بل ردَّ على استجواباتهم المتوعِّدة بالقول: "أنا على استعدادٍ للتضحية بروحي فداءً لمسألةٍ واحدةٍ من مسائل الشريعة"؛ واختار العزلة ثمانيةً وعشرين عامًا لئلا يتشبَّه بالكفرة..
إن رجلًا هذه حالُه لو كُلِّف بأمرٍ غيرِ قانونِيٍّ، ولا مصلحةَ فيه فقيل له: "عليك أن تتشبَّه برُهبان اليهود والنصارى، وترتديَ القُبَّعة الإفرنجية مثلَهم، وتُخالِفَ إجماع علماء المسلمين، وإلّا نزل بك العقاب"، فلا جرم أن الذي ضحَّى بكلِّ شيءٍ فِداءً للحقيقة القرآنية سيَرفُض ارتداءَ هذه القبَّعة حتى لو كلَّفه الأمرُ التضحيةَ لا بروحه فحسب، بل بمئة روحٍ له لو وُجِدت، وحتى لو كان التهديد ليس بالسَّجن والتعذيب فحَسْبُ، بل بالتقطيع إِرَبًا والتعذيب حرقًا؛ وحَسْبُكم سيرةُ الرجل شاهدًا.
فيا ترى ما السِّرُّ الذي يجعل هذا الرجلَ الذي يتحلَّى بمثل هذه التضحية والقوّة المعنوية الهائلة، يتحمَّلُ أشدَّ الظلم والطغيان الذي يَلقاه من أعداء الدين والوطن العاملين في الخفاء؟ ولماذا لا يقابِلُ السيِّئة بمثلها ولا يردُّ عليها بسلوكٍ عمليٍّ ملموس؟
— 200 —
دعوني أُعلِنْها لكم ولكلِّ مَن له ضميرٌ ووجدان: إن سرَّ ذلك هو مَخافتُه من إلحاق الضرر بتسعين بالمئة من الأبرياء بجريرة عشرةٍ بالمئة من الزنادقة الكفرة، والتزامُه بالحفاظ على الأمن والاستقرار في هذا البلد، وإقامتُه الرقيبَ المعنويَّ في قلب كلِّ فردٍ من خلال دروس رسائل النور، فهذا ما علَّمه إياه القرآنُ الحكيم؛ وإلا فإن بمقدوره الانتقامَ في يومٍ واحدٍ من أعدائه الذين ظلموه طَوالَ ثمانيةٍ وعشرين عامًا؛ لكنه حفاظًا على الأمن والاستقرار وحقوق الأبرياء لا ينتقم ممن طعنوا في شخصه ونالوا من كرامته وشرفه، بل يقول: "إنني لأجل الأمة الإسلامية أُضحِّي لا بحياتي الدنيوية فحسب، بل بحياتي الأُخروية إن لزم الأمر".
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭
— 201 —

مقالةٌ للأستاذ عيسى عبد القادر

محرِّر "صحيفة الدفاع" الصادرة ببغداد
كتب الأستاذ عيسى عبد القادر بحثًا عن طلاب رسائل النور نشَرَتْه الصحيفةُ المذكورة، وجاء فيه:
ما العلاقة بين طلاب النور بتركيا وبين جماعة الإخوان المسلمين؟ وما وجه التشابه والاختلاف بينهما؟ وهل طلاب النور بتركيا جماعةٌ تعمل لتحقيق الوحدة الإسلامية كجماعة الإخوان المسلمين المنتشرة في مصر والبلاد العربية؟ وهل هم منهم؟ أجيبُ عن هذا فأقول:
على الرغم من أن كُلًّا من طلاب النور والإخوان المسلمين يسعَوْن لخدمة الحقائق القرآنية والإيمانية، وتحقيق سعادة المسلمين الدنيوية والأخروية، والعمل لوحدةِ العالَم الإسلامي، إلا أن طلاب النور يختلفون عن الإخوان المسلمين في خمسِ نِقاطٍ أو ستٍّ:
الفرق الأول: أن طلاب النور لا يشتغلون بالسِّياسة، بل يَفِرُّون منها، فإن اضطرُّوا إليها جعلوها أداةً للدِّين، إظهارًا لقدسيته في مواجهة مَن جعلوا السياسة أداةً للإلحاد؛ على أنهم ليسوا تنظيمًا سياسيًّا بحالٍ من الأحوال.
أما الإخوان المسلمون فإنهم يشتغلون بالسياسة لصالح الدِّين وَفقَ ظروف بلادهم، وهم بطبيعة الحال يُشكِّلون تنظيمًا سياسيًّا.
الفرق الثاني: أنه ليس من عادة طلاب النور الاجتماع بأستاذهم، وليسوا مضطرِّين لذلك، بل لا يشعرون بالحاجة للأمر، وكذلك لا يرون ضرورةً للاجتماع معًا لتلقِّي الدروس، وإنما يرون أن كلَّ مكانٍ هو بمثابة مدرسةٍ نورية، وبمجردِ تَوفُّر رسائل النور تغدو كل رسالةٍ منها بمثابة "سعيدٍ نُورْسِيٍّ" يعلِّمهم.
— 202 —
ثم إنهم يجتهدون ما استطاعوا في نسخ الرسائل حِسبةً لوجه الله دون مقابل، ويقدِّمونها لمن يحتاجها دون مقابلٍ كذلك، (حاشية): وقد كان النشر في الأناضول استنساخًا بخطِّ اليد على هذا النحو واستمر قرابة خمس وعشرين سنةً. وذلك بُغيةَ أن يقرأها أو تُقرأ عليه، وبذلك يغدو البلد بأجمعه مدرسةً نوريةً كبرى.
أما الإخوان المسلمون فيذهبون إلى مراكزهم العامة للقاء مرشدهم وقياداتهم وأخذ الدروس والتوجيهات منهم، كما يلتقون في الفروع والشُّعَب بالشخصيات المُهِمّة التي تقوم مَقامَ المُرشِد ونُوّابِه، ويتلقَّون منهم الدروس والتوجيهات.
ومن جهةٍ أخرى يشترون المنشورات والمجلات الصادرةَ عن مركز الجماعة ويتَّخِذونها مصدرًا لمعلوماتهم.
الفرق الثالث: أن طلّاب النُّور أشبهُ ما يكونون بالطلاب الذين يدرسون بالمراسلة، ولا يَعرف بعضُهم بعضًا في أغلب الأحيان.
أما الإخوان المسلمون فهم أشبه بالذين يَسْعَون للتعارف والتواصل عن طريق المجلات التي تُعنَى بتسهيل ذلك لقرائها في مُختلِف أقطار العالم.
الفرق الرابع: ينتشر طلاب النور بكثرةٍ في معظم البلاد الإسلامية هذه الأيام، ومع أن لكلِّ بلدٍ من هذه البلاد أنظمتَها وسياساتِها الخاصةَ بها، إلا أنهم ليسوا مضطرِّين للحصول على إذنٍ من حكومات هذه البلاد للقيام باجتماعاتهم ونشاطاتهم، إذْ لا وجود للسياسة أو الحزبية في مسلكهم.
أما الإخوان المسلمون فهم لصِلَتِهم بالسِّياسة، ولكونهم تنظيمًا، ولحاجتهم لافتتاح المراكز والشُّعَب، مضطرُّون للحصول على إذنٍ وترخيصٍ من حكوماتهم خلافًا لطلاب النور، وعلى هذا الأساس فتحوا شُعَبًا كثيرةً في سورية ولبنان وفلسطين والأردن والسودان والمغرب والعراق، فضلًا عن مركزهم العام في مصر.
الفرق الخامس: أنك تجد طلابَ النور أناسًا من شتَّى طبقات المجتمع، من الرجال والنساء، ومن الصغار أبناء الثامنة والتاسعة الذين بدؤوا لتوِّهم تعلُّمَ القرآن في
— 203 —
المساجد، إلى الشيوخ الذين بلغوا الثمانين والتسعين، ومن الحَمَّال من أبناء القرى إلى النائب في البرلمان، ومن الجندي البسيط إلى الضابط الكبير؛ ومقصَد هؤلاء جميعًا على تنوُّعهم وتفاوتهم: الاهتداءُ بهدي القرآن، والتنوُّر بحقائق الإيمان، أما عملهم وشُغلهم الشاغل فهو نشر العلم والعرفان والحقائق الإيمانية، ولا يُعرَف لهم اشتغالٌ بشيءٍ سوى هذا.
ولقد ظلَّت ويلات المحاكم ومكائد الخصوم تلاحقهم ثمانيًا وعشرين سنةً، لكنها عَجَزت عن إدانتهم أو تفريق شملهم، إذْ لم يُعثَر لهم على غايةٍ سوى القيام بهذه الخدمة القدسية؛ ثم إنهم لا يجدون أنفسهم مضطرين للعمل على تكثير جمعهم أو حشد مؤيِّدين لهم، بل يقولون: «إن وظيفتنا خدمة الإيمان لا البحث عن أتباع، فمن طلبَنا وجدَنا» ؛ وهم لا يُوْلُون أهمِّيةً للكمِّية، بل يفضِّلون رجلًا واحدًا متحقِّقًا بالإخلاص على مئةٍ سواه.
أما الإخوان المسلمون فهم وإن كانوا يلتقون مع طلاب النور في حثِّ الناس على تحصيل العلوم والمعارف الإسلامية، والتمسُّك بالحقائق الإيمانية، إلا أنهم لصلتهم بالسياسة يُولُون أهمِّيةً للكمِّية وتكثير الجموع، ويبحثون عن الأنصار والأتباع.
الفرق السادس: لا يُولي طلابُ النور المتحقِّقون بالإخلاص أيّةَ أهمِّيةً للمنافع المادية، فإن كثيرًا منهم يتحلَّون بالاقتصاد والقناعة، والصبر والاستغناء عن الناس، ويتجرَّدون بدرجةٍ ما عن مكاسب الحياة الاجتماعية رغم قِلّة ذاتِ اليد، وذلك ليتفرَّغوا للخدمة القرآنية بتضحيةٍ وإخلاص، ولئلا تَشُوبَ دعوتَهم إلى الحقيقة والإخلاص شائبةٌ من مخالفة القولِ العملَ، ولئلا تكون هذه الخدمة القدسية وسيلةً لغايةٍ سوى نيل مرضاة الله تعالى.
أما الإخوان المسلمون فيشتركون مع طلاب النور في ماهية المَقصَد، إلا أنهم باعتبار ظروفهم ومحيطهم لا يمكنهم تركُ الدنيا كما يفعل طلاب النور، ولا يرون أنفسهم مضطرِّين للتحقُّق بهذه التضحية القصوى.
عيسى عبد القادر
٭٭٭
— 204 —

تعقيب من الأستاذ عيسى عبد القادر

على ما نشره في "مجلة الدفاع" الصادرة ببغداد
يسألني قُرَّاء "مجلَّة الدفاع" عن مرشد طلاب النُّور الأستاذ بديع الزمان سعيد النُّورْسِيّ، ويطلبون مزيدًا من المعلومات عنه وعن طلاب النور، لكني سأُجِيبُ عن هذا جوابًا مختصرًا، تشجيعًا للحديث عنهم بشكلٍ جادٍّ ومفصَّل، لأن للأستاذ ورسائله وطلابه حقًّا علينا نحن العربَ الذين نُمثِّل عنصرَ الإسلام ومادَّتَه الأساسية، وقد بدأنا نشهد فوائد جمةً لرسائل النور.
أقول: إن طلاب النور يقفون سدًّا منيعًا في وجه الشيوعية، سواءٌ في تركيا أو في البلاد العربية.
أما رسائل النور فتَلقَى انتشارًا واسعًا لا في تركيا أو البلاد الإسلامية فحَسْبُ، بل في البلاد الأجنبية كذلك، ويكثر الطلب عليها برغبةٍ ولهفة؛ والحقُّ أنه لا يوجد شيءٌ يمكنه تثبيط هِمّة طلاب النور أو إعاقة حماسهم، ولا بدَّ من الإقرار بأن هذه الخدمة القرآنية العظيمة التي نهضت بها رسائل النور وطلابها قد شهدت زخمًا قويًّا مع مجيء الديمقراطيِّين إلى السُّلطة، وقد لقي تولِّي الحكومة الديمقراطية السُّلطة بتركيا استحسانًا وتقديرًا من الحركات الإسلامية في العالَم الإسلامي، كما قابلَ الشعبُ العراقيُّ المسلم بشتَّى مكوِّناته یی من عربٍ وكردٍ وتركمان وإيرانيين یی هذه الخدمةَ الإسلامية والجهاد القدسي ببالغ الفرح والامتنان، وإننا على يقينٍ أن إخوتنا الأتراك يتصدَّون برسائل النور لنفوذ الغرب الهدّام.
عيسى عبد القادر
٭٭٭
— 205 —

رسالةٌ كتبها الأستاذ النُّورْسِيّ إلى رئيس الوزراء "عدنان مَنْدَرِس" الذي يعترف بالفضل للخدمة الجليلة التي أسدتها رسائل النور للوطن والشعب والدين.

باسمه سبحانه
كنتُ أوَدُّ اللقاء ببطلٍ من أبطال الإسلام كی"عدنان مَنْدَرِس"، رغمَ مرضي الشديد وعدم صلتي بالسِّياسة، لكن بما أن الظروف والأوضاع لا تسمح بذلك، فقد كتبتُ هذه الرسالة لِتَحُلَّ محلَّ اللقاء، وتتحدَّثَ بدلًا مني:
هذا بيانٌ موجَز لبعضِ الأُسس أتوجَّه به إلى المتديِّنين أمثال "عدنان مَنْدَرِس" أحد أبطال الإسلام:
الأول: إن أحد دساتير الإسلام الكثيرة هو ما عبَّرَت عنه الآيةُ القرآنية الكريمة: وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى
وبمقتضى هذا الدستور الجليل لا يؤاخَذ المرء بجريرةِ غيره وإن كان قريبَه أو صديقَه؛ والحال أن السياسة الحالية، بما فيها من منطقِ الولاء الحزبي، تَقبَل الإضرار بأبرياءَ كُثْرٍ بسبب مجرمٍ واحد، فبينما يرتكب الجنايةَ مجرمٌ واحدٌ إذا بالأذى والقدح والتشنيع ينالُ أهلَه أو أصحابَه، وتغدو الجناية الواحدة مئةَ جناية، فيثير هذا نوازعَ حقدٍ وعداوةٍ رهيبةٍ، ويحمل المرءَ على إضمار مشاعر الحقد والضغينة والانتقام.
ولا ريبَ أن هذا سُمٌّ زعافٌ يدمِّر الحياة الاجتماعية بأكملها، ويُفسِح المجال واسعًا لتدخُّلات العدوِّ الخارجي، ولقد تبيَّن أن الأزَمات والحوادثَ التي وقعت مؤخَّرًا في كلٍّ من مصر وإيران إنما نجمت عن هذا الأصل، على أنها إن قُورِنَتْ بأحوال بلدنا ظلَّت خفيفةً لا تتجاوز الواحدَ بالمئة، وإلا فلو وقعت مثل هذه الحوادث عندنا یی لا سمح الله یی لأكلَتِ الأخضر واليابس.
وليس إزاء هذا الخطر المُحدِق سوى حلٍّ وحيد، ألا وهو إرساءُ حجرِ أساسِ التآخي والانتماء الإسلامي، وإبقاء الجناية مقصورةً على مرتكبيها حمايةً للأبرياء.
— 206 —
ثم إن حجرَ أساسِ الأمنِ والاستقرار إنما يَرسَخ بهذا الدستور أيضًا، فلو وُجد في بيتٍ أو في سفينةٍ شخصٌ واحدٌ بريءٌ مقابلَ عشَرةِ مجرمين مثلًا، فإن العدالة الحقيقية ودستور الأمن والاستقرار يستلزمان عدمَ التعرُّضِ لهذا البيت أو السفينة إلى أن يُغادره ذلك البريءُ، وذلك حمايةً له ودرءًا للخطر عنه.
وانطلاقًا من هذا الدستور القرآني، فإن تهديد الأمن والاستقرار الداخليِّ بتعريض تسعين بريئًا للخطر بجريرةِ عشَرِة جُناةٍ، أمرٌ يستجلبُ الغضبَ الإلٰهي، وبما أن الله جل شأنه قد مكَّنَ لفريقٍ من المتديِّنين بحقٍّ في هذا الزمان العصيب، فإن هذا إيذانٌ لهم بوجوب أن يتَّخِذوا هذا الدستور القرآني حصنَهم ونقطةَ استنادِهم، ويواجهوا به مَن كانوا بالأمس يعاملونهم بحقدٍ وضغينة.
أما الدستور الثاني من دساتير الإسلام فهو الحديث الشريف القائل: «سيِّدُ القوم خادمُهم».
وهو ينصُّ على أن المَنصِب لخدمة الناس، وليس أداةَ تحكُّمٍ لمُمارسة الحاكمية والأنانية عليهم؛ إلا أنه لنقص التربية الإسلامية في هذا الزمان، وضَعفِ العبودية لله تعالى، قَوِيَت الأنانية واشتدَّ ساعدُها، فلم يَعُدِ المَنصِب خدمةً، بل أصبح حاكميةً ومرتبةً استبدادية، فلم يَعُدِ العدلُ عدلًا وفسد من أساسه، وضاعت حقوق العباد، وصار إعمال القانون شكليًّا يُشبه أداء الصلاة من غير وضوءٍ ولا استقبالِ قبلة؛ وكيف لمن لم يعرف حقوقَ الله أن يعرف حقوقَ العباد؟!
وثمّة اليوم تيّاران رهيبان يُعارِضان هذين الدستورَين ويقفان في وجه شخصٍ كی"عدنان مَنْدَرِس" الذي قال: "سنعمل وفقَ ما يُوجِبُه علينا الدِّينُ والإسلام"؛ وثمّة احتمالٌ كبيرٌ أن يَشُنّا هجومَهما عبر خداع الشعب برشاوٍ معنويةٍ هائلة، وعبر إفساح المجال للتدخُّل الأجنبيّ.
فأما التيّار الأول فقد سبق أن استباح دماءَ أربعين بريئًا بل قريةً بأكملها بجريرةِ مجرمٍ واحدٍ، خلافًا للدُّستور الأول الآنفِ الذِّكر، وهو تيّارٌ على قدرٍ عظيمٍ من الاستبداد المُطلَق، يرشو الناس اليوم بما تصبو إليه كلُّ نفسٍ مِن تصوير المَنصِب على أنه حاكمية، وبهذا يَشُنُّ هجومَه على أنصار الحُرِّية المتديِّنين.
— 207 —
وأما التيّار الآخَر فمُستعِدٌّ للتخلِّي عن الانتماء السّامي للإسلام، وهضمِ حقوقِ مئةِ بريءٍ بجريرة مجرمٍ واحدٍ كما هي حال التيار الأول؛ وهو وإن رفع في الظاهر شعار القومية، إلا أنه في الحقيقة عنصريُّ النزعة، يُناوِئُ الديمقراطيِّين المتديِّنين المناصرين للحُرِّية، ويناوئ سائرَ عناصر هذا الوطن الذين يشكِّلون سبعين بالمئة منه، بل يناوئ حتى الأتراكَ المساكين والحكومةَ والسِّياسةَ التي يتَّبِعُها الحزب الديمقراطي، ويقيم أُخوَّةً عنصريةً بين الأشخاص ذوي الأنانية المتفلِّتين من كلِّ عقال، فيرشوهم بهذه الأُخوَّة التي تلبِّي رغَبات نفوسهم، ويُخدِّر أحاسيسهم عما تنطوي عليه من مخاطر شديدةٍ تفوق منافعَها ألف مرة، والتي منها: تحويل الإخوة الحقيقيِّين إلى أعداء.
فمثلًا إن ثمة أربع مئة مليون أخٍ حقيقيٍّ تجمعُهم أُخوَّة الإسلام، ويتبادلون فيما بينهم عونًا معنويًّا كلَّ يومٍ بالدعاء العام الذي يردِّدون فيه: «اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات» ؛ إلا أن العنصرية المذكورة آنفًا تحمل صاحبها على ترك هؤلاء الأربع مئة مليونِ أخٍ مبارك لأجل أربع مئةٍ من المتحلِّلين المتفلِّتين، ولمجرَّد منفعةٍ دنيويةٍ جزئيةٍ محدودة؛ وفي هذا عظيمُ الخطر على الوطن والحكومة والديمقراطيِّين المتديِّنين والأتراك، بل لا يفعل هذا مَن كان تركيًّا بحقٍّ، فإن التركي الأصيل لا يُقْدِم على ارتكاب خطأٍ كهذا.
إن هذين التَّيارَينِ يعملانِ على إسقاط الديمقراطيِّين المتديِّنين، بل يدفعان الآخرين لفعل الأمر نفسه، مستفيدين من كلِّ ما هو متاحٌ، وهذا أمرٌ يشهد به الواقع بلا امتراء؛ وإنه بإزاء هذا العمل الهدّام، وهاتين القوَّتَين اللتَين تُعارضانكم، وأولئك الأعداء في الداخل والخارج، ليس أمامكم سوى حلٍّ وحيدٍ هو أَوجبُ وأَلزمُ ما تواجهونهم به، ألا وهو الاعتصام بقوّةِ الحقيقة القرآنية الراسخة التي تحدَّتْ بأربعين صحابيًّا أربعين دولةً فغلَبَتْها، والتي لها في كلِّ قرنٍ أربعُ مئةِ مليون تلميذٍ على امتداد ألفٍ وأربع مئة سنة؛ أجل، إنه الاعتصامُ بقوّةِ هذه الحقيقة القرآنية، وبما تنطوي عليه من منافعِ السعادة الأبدية الدنيوية والأخروية، واتِّخاذُها نقطةَ استنادٍ لكم في مواجهتهم؛ وإلا فإن أعداءكم المتربِّصين بكم في الداخل والخارج سيجعلون من جنايةٍ واحدةٍ ترتكبونها آلافَ الجنايات، ثم يُلحِقون بها جناياتِ السابقين، فيُحمِّلون
— 208 —
جميع ذلك على عاتقكم كما حمَّلوه غيرَكم، وعندئذٍ سيبلُغ الخطر المُحدِقُ بكم وبالوطن والشعب مبلغًا لا يمكن تلافيه.
وفي مقابل ما ستقومون به من خِدمات، وما ستعملون به من الدستورَين المذكورَين، سأتوجَّه أنا وإخواني النوريُّون بالدُّعاء لكم: وفَّقكم الله في خدمتكم لدين الإسلام، وحفظكم من تلكم المخاطر.
وأما الدستور الثالث فهو هذا الحديث الشريف الذي يُرسي دستورًا من دساتير الحياة الاجتماعية في الإسلام: "المُؤمنُ للمُؤمنِ كالبُنيانِ، يَشُدُّ بعضُه بعضًا".
أي: إنه لا بُدَّ لمواجهة الأعداء في الخارج من نسيان العداوات والتسانُد التامِّ في الداخل، ولقد وَعَتِ الجماعات یی حتى أشدُّها بدائيةً یی منافعَ هذا الدستور، فترى أفرادَها متى دَهَمهم عدوٌّ خارجيٌّ تناسَوا ما بينهم من عداوةٍ مع أن فيهم مَن قَتَل أبا الآخَر أو أخاه، وتساندوا لصدِّ العدوان الخارجي.
لكنَّنا وبكلِّ أسفٍ نرى في الداخل مَن استولى عليه فكرُ التحزُّبِ النابعُ من الأنانية والمراءاة والغرور والسياسة الغدّارة، فتجدُه يستمطر الرحمةَ على مَن يواليه ولو كان الشيطانَ نفسَه، ويلعن معارضيه ولو كانوا الملائكةَ؛ حتى إني قبل خمسٍ وثلاثين سنةً رأيتُ عالِمًا صالحًا اغتاب عالمًا صالحًا جليلًا يُخالف فكرَه السِّياسيَّ وانتقده لدرجة التكفير، بينما أثنى بحرارةٍ على زنديقٍ يحارب الإسلامَ لمجرَّد أنه يُوافق فِكرَه ويؤيِّده! فتركتُ السِّياسة من حينها، وفررتُ منها فراري من الشيطان.
وبينما يرتكب أحدُهم جنايةً كبرى بحقِّ شهر رمضان المبارك، والشعائرِ الإسلامية، والشعبِ المتديِّن، تجدُ معارضيه في حالةٍ من الفرح والرِّضى عما اقترف، مع أن الرِّضا بالكفر كفرٌ مثلُه، كما أنَّ الرِّضا بالضلالة والفسق والظلم ضلالةٌ وفِسقٌ وظلمٌ؛ ولقد وجدتُ أن سرَّ هذا الموقف العجيب هو أن المعارضين يريدون أن يُبرِّروا للشَّعب عامّةً جناياتِهم التي ارتكبوها، ويُظهِروا أن الجُناة الآخَرين أشدُّ كفرًا وجنايةً منهم.
إن النتائج المترتِّبة على هذا النوع من المظالم ليست وخيمةً فحَسبُ، بل إنها تدمِّر الأخلاق الاجتماعية، وتُعَدُّ بمثابة اغتيالٍ رهيبٍ لهذا الوطن والشعب وحاكمية الإسلام.
— 209 —
كنت سأكتب المزيدَ، لكنَّني أكتفي ببيان هذه النِّقاط الأساسية الثلاث لأنصار الحرية المتديِّنين.
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭

نورِدُ هنا حاشيةً على ما كتبناه سابقًا إلى "عدنان مَنْدَرِس"

من حقيقةٍ تتعلَّق بحياتنا الاجتماعية
حاشية: بخصوص القضية التيجانية التي وقعت نتيجةً لقوانين العهد السابق التعسُّفية التي لا مُوجِب لها، ونتيجةً لسوء تنفيذها، بل لعلها وقعت بتحريضٍ من رجال ذلك العهد، فإني أرى أن ثمّة حلًّا وحيدًا يُجنِّب الديمقراطيِّين المتديِّنين مغبّةَ تحمُّل أوزار هذه القضية وما يترتَّب عليها من عقوباتٍ شديدة، ويجعلهم يحافظون على سُمعتهم ومكانتهم في نظر العالَم الإسلامي، وهو حلٌّ يُتمِّمُ ما بدؤوا به من نشر الأذان المُحمَّدي الذي ضاعف قُوَّتهم عشَرةَ أضعاف، وذلك بأن يُعيدوا لمسجد "أيا صوفيا" مكانتَه القدسية التي تمتَّع بها على مدى خمسة قرون، ويُعلنوا رفعَ الحظر رسميًّا عن "رسائل النور" التي كان لها أثرٌ طيِّبٌ في العالم الإسلامي، والتي أكسبَتْ أبناء هذا الوطن حُسْنَ توجُّه الشُّعوب المُسلمة، ولم تقف فيها المحاكمُ طَوالَ ثمانٍ وعشرين سنةً على أيِّ محتوًى خطيرٍ، وقضَتْ ببراءتها خمسُ محاكم؛ فبهذا يتجنَّب الديمقراطيُّون التَّبِعاتِ السيِّئة لهذه القضية، وأعتقد أنهم متى فعلوا ذلك فإنهم سينالون توجُّه العالَم الإسلامي من جهة، وسيعجز القوم عن تحميلهم أوزارَ الآخرين من جهةٍ أخرى.
رغمَ أنِّي تركت السياسة منذ خمسٍ وثلاثين سنة، إلا أني التفتُّ إليها لمدة ساعتين، وكتبتُ هذا الكلامَ مراعاةً لخواطر الديمقراطيِّين المتديِّنين، خصوصًا منهم "عدنان مَنْدَرِس".
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭
— 210 —
باسمه سبحانه
وصلني بلاغٌ للحضور إلى محكمة "صامسون" بسبب الدعوى المرفوعة من قِبَلِ قاضي التحقيق في محكمة الجزاء العليا، حول "شكواي" التي نُشِرت في جريدة "بيوك جهاد".
وحين تُلِيَت عليَّ، وجدتُ فيها أربع نقاطٍ فقط يمكن أخذُها بعينِ الاعتبار:
أوَّلُها: قال مدير جريدة "بيوك جهاد" للمُدَّعي العام في المحكمة: "لقد أرسل سعيدٌ النُّورْسِيّ المقالة لي، وأنا قمتُ بنشرها".
وحقيقة هذا الأمر: أني كنت مريضًا، فحضر لعِيادتي إخواني من "أميرداغ"، وتذاكرنا الحادثة الظالمة التي تعرَّضتُ لها هناك، ونتيجةً لمرضي وانفعالي من بعض المُجرَيات، تحدَّثتُ حينها على صورة الشَّكوى المقدَّمة إلى "أنقرة"، فدوَّنَها القائمُ على أموري، وأرسلتُها بعد المَشُورة إلى طلاب النُّور في "أنقرة" لعرضِها على بعض النُّواب المتديِّنين تجنُّبًا للتضييق مجدَّدًا، ومراعاةً لوضعي الصِّحّي، فاطَّلع عليها نُوّابٌ آخرون، ونالت إعجاب أحدِ الفضلاء، فأرسلها إلى مدير جريدة "بيوك جهاد"، ولستُ واللهِ أدري حتى اللحظة من هذا الرجل الذي بعث بها إلى مدير الجريدة؟
وبعد نشرها وصلتني نسخةٌ منها، وقرأها عليَّ أحدُهم لعدم معرفتي بالحروف اللاتينية، فسررتُ في نفسي وترضَّيتُ عن ناشريها.. صحيحٌ أنني هجرتُ السِّياسة منذ خمسةٍ وثلاثين عامًا، إلا أنني كنتُ مُمتنًّا لتلك الجريدة التي تسعى لخدمة الدِّين بكلِّ إخلاص، ودعوتُ لصاحبها ومديرِ تحريرها؛ وظلَّت تلك الجريدة المباركة تصلُني دومًا دون مقابلٍ أو حتى متابعة.
النقطة الثانية: تدور حول سَوقي إلى محكمة الجزاء في "صامسون".
كانت لديَّ رغبة شديدة بالسفر إلى ضواحي "صامسون" لزيارة طلاب النور ولقائهم، وخاصة إخوانَ الآخرة المُباركين العاملين في جريدة "بيوك جهاد"، إلا أنَّ
— 211 —
الضعف بلغ منِّي یی وبتقرير الأطباء یی درجةً تعذَّرَ معها حضوري حتى إلى المحكمة المجاورة لمنزلي، والتي تَبعُد عني مسيرة خمس دقائق، وذلك في بدايات هذه القضية منذ سنة ونصف، ما اضطَرَّ المدَّعيَ العامَّ وقاضيَ التحقيق المكلَّف بمهامِّ القاضي للحضور إليّ، وأحضرا عددَ الجريدة موضوع الدعوى، وقد خالط كلماتي بعضٌ من كلام الجريدة، وكنتُ أشرتُ إلى ذلك.
فإن كانت محكمةُ الجزاء العليا تُولي هذه القضية البسيطة أهمِّيةً كبيرة، فلْتَسمَح بنقل محاكمتي إلى "أسكي شَهِر" كي أستطيع حضورها شخصيًّا، نظرًا لاعتلال صِحَّتي الشديد نتيجةَ التسمُّم، وبموجَب التقرير الطِّبيّ الأخير، وإلا فلن أتمكَّنَ من الحضور مطلقًا.
النقطة الثالثة: استنادًا إلى المادة (١٦٣) يتَّهِم كلٌّ من المدَّعي العام وقاضي التحقيق "سعيدًا النُّورْسِيَّ" باتِّخاذِ الدِّين مطيّةً للسياسة، وأنه يقوم بحَمَلاتٍ دِعائيةٍ مُضِرّةٍ بالأمن والاستقرار.
وحقيقة هذه القضية: أنه منذ تسع وعشرين سنة قامت شرطةُ خمسِ أو ستِّ ولايات بمصادرة كتبي البالغة (١٣٠) كتابًا والآلاف من رسائلي العامّة وأحالَتْها إلى المحاكم، إلا أنهم لم يتمكَّنوا من العثور على دليلٍ لإدانتي سوى مسألتين فقط، وإنما أُثيرتا بتحريضٍ من التنظيمات الإلحادية وتضليلها لبعض المسؤولين السُّذَّج، بدلالةِ بقاء جميع كتبي ورسائلي مصادَرةً لمدّة عامين لدى محاكم الجزاء العليا والتمييز بكلٍّ من "دَنِزْلي" و"أنقرة" دون أن يعثروا على شيءٍ يُذكَر، لذا صادَقوا بالإجماع في نهاية المطاف على قرار براءتي وإعادة جميع الكتب؛ لكن حاوَلَت محكمة واحدة من تلك المحاكم إنزالَ عقوبةٍ مخفَّفةٍ بنا من خلال إساءتهم تفسيرَ آية الحجاب، إلا أنها اضطُرَّت لتحويل الأمر إلى القناعة الوجدانية بعد أن تلقَّت الأجوبة القاطعةَ القويّة مني، ما يعني فشلَهم في العثور على شيءٍ ذي بال.
ولإيضاح هذه النقطة أُرسِلُ إليكم للاطِّلاع عريضتي التي قدَّمتُها لرئيس محكمة "أفيون".
— 212 —
الحاصل: أن هذه الحركاتِ السَّمِجةَ تكرَّرت في خمسِ أو ستِّ محاكم دون الحصول على شيء يُذكر، وها هو قضاء "صامسون" ومحقِّقوها يكرِّرون الآن الأسطوانةَ نفسها بعد ثمانيةٍ وعشرين عامًا، وهي: "يستخدم الدِّينَ كأداة للسِّياسة يقوم بدِعاياتٍ لتحصيل النفوذ الشخصي!"، وإنني أُحِيلُ أمرَ المرافعة عني إلى دفاعاتي البالغة (٤٠٠) صحيفة، والتي لم تجد فيها خمسُ محاكم مَطعنًا، فليراجعوها بدلَ استجوابي.
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭
باسمه سبحانه
بناءً على البلاغ الوارد من "صامسون" أُقدِّم إلى هيئةِ محكمتِها جوابي الموجَز هذا:
أولًا: لم أُرسِل مقالتي بنفسي كما هو معلوم لجميع أصحابي من حولي.
ثانيًا: أطالبُ بنقل قضيَّتي أصولًا من محكمة "صامسون" إلى محكمة "أسكي شَهِر" القريبة مني، نظرًا لاعتلال صحَّتي الشديد نتيجةَ التسمُّم الذي تسبَّب به أعدائي العاملون في الخفاء، فبالكاد يُمكنُني حضورُ الجماعةِ مرّةً كلَّ عشرِ صلَوات في المسجد الذي بجواري.
٭٭٭
— 213 —

واقعةٌ وعريضةٌ وشكوى في غاية الأهمية

وصلتنا مجلّةٌ مُهِمّة تصدر في "الباكستان" تُسمَّى "الصِّدِّيق"، فوجدنا أكثر من خمسين صحيفةً منها یی أي: ما يقارب نصف حجم المجلّة یی تَعرِضُ مقالاتٍ لرسائل النُّور؛ واختيرَ لمُقدِّمتها "المبحث الأول من المكتوب الثاني والعشرين" على وجه الخصوص، إذ هو يُمثِّلَ دعوةً مُهِمّةً وقيِّمةً للعالم الإسلامي للاستجابة لآية: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ والعمل بمقتضاها.
إن تلك الرسالة التي ترجَمَتْها تلك المجلّة العربية، قد نُشِرَت للعموم، وقدِّمت لرُؤَساء هذه الحكومة الإسلامية ونُوّابها في البرلمان خاصةً؛ وثمّة سببان أو ثلاثةٌ لإعادة تقديمها لهم اليوم بغرض الاطِّلاع:
الأول: ثبت بدلالة مئات الإشارات والأمارات القطعية الواردة في "سكة التصديق الغيبي" من رسائل النور، وبتصديق كثيرٍ من الحوادث لهذه الدَّلالات: أن رسائل النور قد قامت بدورها على أكمل وجهٍ بالوقوف سدًّا قرآنيًّا في مواجهة التخريبات المعنوية والفوضوية والبلشفية، وفَضْح مسالك الطبائعية والمادِّية والتشكيك وإثارة الشُّبهات والكفر المطلق، فأدَّت بذلك مُهِمّةَ حراسةِ هذا الوطن ممّا يعصف به من مخاطرَ دنيوية، وأحسنت إليه بإنقاذه من الانزلاق في أتون الحرب العالمية الثانية، وإبعاده عمّا جرَّته هذه الحرب على البلدان الأخرى من ويلاتٍ ومصائب؛ فبدا جليًّا للعموم أنها حِصنٌ معنويٌّ لهذا الوطن؛ ومَن طالعَها من أعتى الفلاسفة عنادًا وجد نفسَه مضطَرًّا للإقرار بدعوانا هذه.
إن رسائل النور هذه مع خمسِ مئة ألفٍ من طلابها وستِّ مئة ألفٍ من نُسَخِها، تَغرِس بدروسها الإيمانية في قلب كلِّ شخصٍ رقيبًا من نفسه، فتُرسي بذلك دعائمَ الأمنِ والاستقرار؛ وتعملُ بمقتضى الآية: وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى على تطبيق أحد دساتير القرآن الأساسية، بألّا يُؤاخَذ امرُؤٌ بجريرةِ غيره؛ ولم يتأتَّ من أَحَدٍ من
— 214 —
جموع قُرّائها الملايين أيُّ ضرر؛ فأثبتت بذلك أنها معجزةُ العصر القرآنية، وأنها سبيلٌ لدفعِ البلايا عن هذا الوطن وشعبِه.
وعلى الرَّغم من هذا كلِّه فإنَّ منظَّماتٍ خفيّةً جنَّدت نفسَها لصالح الإفساد والفوضوية منذ خمس وعشرين سنةً، تَسعَى لتحريض المحاكم ضدَّها بالدسائس والأكاذيب، مع أنها نالت البراءةَ من خمسِ محاكمَ كبرى في خمسِ ولاياتٍ بعد التمعُّن والتدقيق في جميع أجزائها؛ كما تناولت القضيةَ بعدها أكثرُ من عشرين جهةً قضائية في عشرين جهةً من هذه البلاد دون العثور على موضعِ تُهمة، واستحقَّت قرارَ البراءة، وأمّا محكمة "أفيون": فرغمَ إصدارها قرارَ براءةِ تلك الرسائل المباركة وإعادتها إلى أصحابها مرَّتين، ورغمَ إصدار محكمة الجزاء العليا في كلٍّ من "دَنِزْلي" و"أنقرة" قرارَ البراءة والإعادة على مدى ستة أشهر، وتوفُّرِ جميع الأسباب القانونية والحقوقية القاضية بإعادة جميع الرسائل والسَّماحِ بانتشارها بحُرِّية مُطلَقة، إلا أنها ما فَتِئت تُماطِلُ في الأمر منذ خمسة أعوام، بسبب دسائس تلك التنظيمات وخداعها وحُججِها الواهية، بل لقد أصدرت تلك المحكمة قرارًا بمصادرة ما اشتراه رجل فاضلٌ منها بماله الخاصِّ!
ولقد ثبت لدى دوائر الأمن الكبرى ودُورِ القضاء أنه لم يتأتَّ أيُّ ضررٍ من مئات الآلاف من طلاب النور، ومن مئات الآلاف من نُسَخ النور، وأنه لم تَصدُر منهم أيةُ حادثة، ولم تسجَّل بحقِّهم أيةُ واقعة، ممّا يؤكِّد أن رسائل النور بحكم صدقةٍ متقبَّلةٍ تُمكِّن الأمنَ والاستقرار؛ وحقيقةٌ قرآنية تقي هذا الوطنَ من المخاطر المادِّية والمعنوية وتكفُلُ حمايتَه؛ وكان لها جليلُ الأثر وعظيم النَّفع على الصعيد الديني والإيماني، وفي إرساءِ الأمن والاستقرار في نواحي "ديار بكر" والولايات الشرقية بما يعادِلُ دَوْرَ مئة واعظٍ؛ لذا تَسبَّب منعُ هذه الخِدمة النافعة للوطن والشعب بأضرار تُقدَّر بمليارٍ ونصف مليارِ ليرة، ووُئِدَت بهذه الإجراءات وسيلةٌ عملية لدفع البلايا والمصائب.
أما رسالة "مرشد الشباب" فهي جزء مُهِمٌّ من رسائل النور، وقد ربَّت آلافَ الشباب على العمل لمنفعة الوطن والشعب والأمن والاستقرار، وقد اضطُرَّ أستاذُنا
— 215 —
للحضور مرَّتين إلى "إسطنبول" رغمَ مرضه لأجل حضور جلَسات المحكمة الخاصّة بها، وغصَّت إذ ذاك رُدهاتُها بالحشود، وعجَز مئةٌ وعشرون شُرطيًّا عن تفريقهم، وفي نهاية الأمر صدرَ قرارُ البراءة بحقِّها وبحقِّ مؤلِّفها؛ فضلًا عن أنها إحدى الرسائل المقضيِّ ببراءتها من المحاكمِ الخمسة السالفة الذِّكر، والقرارُ يقضي بتسليمها إلينا خلالَ خمسةَ عشَرَ يومًا، لكنَّنا لم نستلمها منذ خمسة عَشَر شهرًا؛ ولو أنها انتشرت لَمَا كان الشبابُ المسلم الذين تلقَّوا درسَها ليُتيحوا الفرصةَ للمتمرِّدين أو لغيرهم بالإفساد، ولَسَعوا لتجنيب هذا الشعب الأضرارَ التي بلغت مليارًا ونصفَ مليارِ ليرة، ولَمَنَعوا ظهورَ وصمة العار هذه.
أجل، لقد أدرك أستاذنا حينما كان أسيرًا في "روسيا" إبّانَ الحرب العالمية الأولى، أنَّ خطرَ التخريب المعنويِّ المُفسِد للشباب سيَحُلُّ ببلادنا أيضًا، فسعى منذ ذلك الحين بكلِّ جُهده لوضع حدٍّ لتلك التخريبات المعنوية، وألَّف في سبيلِ ذلك كتبًا كثيرة من مثل "مرشد الشباب"، ونَشَر دروسَ القرآن الحكيم، فأصبح بحمد الله وسيلةً لإنقاذ كثيرٍ من الشباب.
فلَئن كان أربابُ السِّياسة اليومَ يَنشُدون الأمن والاستقرار وتوحيد فئات الشعب كافة، فليُبادِروا بإفساح المجال لانتشار تلك الرسائل التي تلقَّتْها "الباكستان" باهتمام، ونشرتها في مجلَّة "الصِّدِّيق".
٭٭٭
— 216 —
باسمه سبحانه
إنَّ قوله تعالى: وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى هو أحدُ دساتير القرآن الحكيم الأساسية، فهو يقضي بألّا يؤاخَذ أحدٌ ولا يُحاسَبَ بجريرةِ غيره حتى لو كان أخاه؛ فهل ثمّة قانونٌ في العالم يُجرِّم مئةً وثلاثين كتابًا في مئة ألفِ صحيفة، لأجل صحيفةٍ واحدةٍ في رسالةٍ واحدة مؤلَّفة من مئةِ صحيفة؟! حتى ولو كانت هذه الصحيفة محلَّ تُهمةٍ في نظر أعتى الظالمين تعسُّفًا؟!
وواقعُ الحال أنه على مدى ثلاثين عامًا الأخيرة أصدرت خمسُ محاكمَ قرار البراءة بحقِّ الكتب ذاتِها؛ وأُخضِعت لنظرِ وتدقيقِ عشرين محكمةً في قضية "ملاطية"، وأقرَّت بعدم الوقوف على دليلِ اتِّهامٍ فيها؛ وانتشرت ستُّ مئة ألفِ نسخةٍ منها داخلَ البلاد وخارجَها؛ وأقبل المسيحيُّون في أَورُوبّا على قراءتها في مكانٍ مخصَّصٍ لها ضمن أرقى المدارس، وسُمِّي ذلك المكانُ بی"مدرسة النور"؛ وانتشرت في العالم الإسلامي بكمال التقدير والاستحسان؛ وقامت مجلّة "الصِّدِّيق" الصادرة في "الباكستان" بنشر رسالةٍ منها، وإرسالِها لرئاسة الشؤون الدينية في تركيّا؛ ولم تتلقَّ اعتراضًا من أيِّ عالِمٍ رغمَ انتشارِها الواسع.
كلُّ هذه الحقائق تؤكِّد بصورة قطعيّة أنَّ حماية الأنوار هي مسؤوليةُ دائرة الشؤون الدينية، فهي تمثِّیلُ "المشيخة الإسلامية" سابقًا، ومُهِمَّتُها لا تنحصر بنشرِ الدِّين وتعليمه في تركيا فحسبُ، بل واجبُها الاهتمامُ بشؤون العالم الإسلامي كافّةً، مثلَما كان عملُ "المشيخة الإسلامية" من إشرافٍ وتواصُلٍ وبناءِ علاقات.
وإن ما تتمتَّعُ به دائرة الشؤون الدينية لدى العالم الإسلامي من حُسنِ الظَّنِّ والسلامةِ من الشُّبهات، يحتِّمُ عليها تلك المسؤولية، وبخاصةٍ في زماننا هذا.
وقد غدَت رسائل النور مظهرَ تقديرِ العالَمِ الإسلامي، بل حتى أوروبّا، وأضحت مُرتَكزًا عظيمًا لردِّ الشُّكوك والشُّبُهات التي ربما تُثارُ ضدَّ دائرة الشُّؤون الدينية التركية من قِبَل بعضِ الحكومات الإسلامية غيرِ المتَّفِقة مع "تركيا"، فهي بهذا تُحافظُ على
— 217 —
سُمعتها ومكانتها؛ ولذا ينبغي نشرُها في العالم الإسلامي على أنها إصداراتُ تلك الدائرة، وعلى لجنة الخبراء أن تُوليَ هذا الأمر بالغَ الأهمِّية.
ومن أجل ذلك يتوجَّبُ على أعضاء دائرة الشُّؤون الدينية ومشايخها وأساتذتها الاهتمامُ برسائل النور أكثر من هذا المسكين "سعيدٍ النُّورْسِيّ"، ومن تلامذة النُّور أنفسِهم بمئة درجة، وذلك حفاظًا على رسائل النور وحمايةً لها من هجَمات المُلحِدين؛ كما يتوجَّب العمل على إسكات المُشكِّكين الذين يَحُولُون دون انتشارها رغم صدور قرارات البراءة بحقِّها غيرَ مرّة.
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭
باسمه سبحانه
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
داهَموا منزلَ أخٍ لنا في "أنقرة" لمصادرة جميع رسائل النور لديه، متذرِّعين بی"عصا موسى" و"مرشد الشباب"، فأبرز لهم هذا الأخُ قرارَ البراءة الصادر من محكمة الجزاء العليا بحقِّ "عصا موسى"، فتخلَّوا عن مصادرته؛ غير أنهم قاموا بجمع قرابة عشرِ نُسخ من "مرشد الشباب" وركنوها جانبًا ليصطحبوها حين مغادرتهم، لكنَّهم یی وبغير قصدٍ یی وضعوا فوقها كتبًا أخرى، ووقت الانصراف بحثوا عنها كثيرًا دون فائدة، ما اضطرَّهم لأخذ نسخٍ من بعض الرسائل الأخرى غير "عصا موسى" و"مرشد الشباب"، وإعادتها فيما بعدُ عن طريق دائرة الشرطة؛ فحَمَى "مرشد الشباب" نفسَه بهذه الكرامة.
الباقي هو الباقي
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭
— 218 —

إلى مجلس الوزراء وإلى السيد "توفيق إلَري"..

نودُّ إعلامَكم أننا أبلغنا أستاذَنا عن مساعيكم الجليلة لإنشاء "جامعة الشرق"، فأجاب بالقول: أدعو بالبركة من صميم روحي لوزيرِ المعارف، ولولا مرضي لذهبتُ بنفسي إلى الولايات الشرقية لأجل هذا الأمر، فأنا منذ خمسةٍ وخمسين عامًا أسعى لتأسيس "جامعة الشرق" تحت اسم "المدرسة الزهراء".
لقد قَدِمتُ إلى "إسطنبول" قبل عهد "الحُرِّية" لهذا الغرض، وحاولتُ تأسيسَ جامعةٍ في "وان"، وأخرى في "ديار بكر"، وثالثة في "بِتْليس"، أو على الأقل واحدة فقط في "وان"؛ فكان أن ظهر عهدُ " الحُرِّية" وتأجَّل أمرُها.
بعد ذلك ذهبتُ إلى "كوسوفو" في عهد الاتِّحاديِّين برفقة السُّلطان "رشاد" في رحلته إلى "الرُّوم إيلي"، وكانت هنالك مساعٍ لإنشاء جامعةٍ إسلاميةٍ كبيرةٍ في "كوسوفو"، فقلتُ حينَها للاتِّحاديِّين وللسُّلطان "رشاد": "إن الشرق أشدُّ حاجةً لمثل هذه الجامعة، إذ هو بمثابة مركزٍ للعالم الإسلامي"، فتلقَّيتُ وُعُودًا بذلك.
ولمّا اندلعت حروبُ البَلقان، وتمَّ احتلالُ "كوسوفو" المقرَّرِ إنشاءُ الجامعة فيها، تقدَّمتُ بطلبِ منحِ المبلغِ المخصَّصِ لها یی وقدرُه عشرون ألفَ ليرةٍ ذهبية یی لإقامة "جامعة الشرق"، فوافقوا على الطلب، وسافرتُ آنئذٍ إلى "وان"، وقمنا بوضعِ حجرِ الأساسِ بقيمة ألفِ ليرةٍ لإنشاء تلك الجامعة في "أدْرَمِيت" المحاذية لبُحيرَة "وان"، إلا أنَّ الحرب العالمية الأولى اندلعت، وتأجَّلت القضية مرةً أخرى.
وبعد خَلاصي من الأسر قَدِمتُ إلى "إسطنبول"، فتمَّت دعوتي إلى "أنقرة" تَثمينًا للخِدمات التي أسدَيتُها إبّان حرب الاستقلال، فذهبتُ وخاطبتُ مجلسَ النُّواب بالقول: إنَّني أُتابعُ أمرَ هذه الجامعة طَوالَ حياتي، وقد خصَّص لها السُّلطان "رشاد" والِاتِّحاديُّون مبلغَ عشرين ألفَ ليرةٍ ذهبية، فضاعِفوا أنتم هذا المبلغَ. فقرَّروا تخصيصَ مَبلغِ مئةٍ وخمسين ألفَ ليرة من العُملة الورقية لهذا المشروع.
— 219 —
وحين طلبتُ توقيعَ النُّوّاب على هذا القرار، اعترض بعضُهم قائلًا: ولكنَّك تسيرُ وفقَ أصول المدارس التَّقليدية، فلا تُدرِّسُ سوى العلومِ الإسلامية، ونحن في هذه الأيام بحاجةٍ لتقليدِ الغرب!! فأجبتُهم: إنَّ تلك الولاياتِ الشَّرقيةَ مركزٌ من مراكز العالَم الإسلاميّ، وإنَّ تعليمَ العلومِ الدِّينية إلى جانب العلوم الحديثة لازمٌ بل ألزمُ، لأنَّ مجيء أكثرِ الأنبياء في الشَّرق ومجيء أكثرِ الحُكماء في الغرب يُظهرُ أنَّ رُقيَّ الشَّرق إنَّما يتحَقَّقُ بالدِّين.
(حاشية): لقد كان عندي فيما مضى طالبٌ غير تركيٍّ يَتَّقِدُ نشاطًا وذكاءً، وكان يقول لي مستفيدًا من دروس الحَميّة التي تلقّاها من العلومِ الدِّينية في مدرستي القديمة: إنَّ تركيًّا صالحًا أقربُ إليَّ من أخي وأبي الفاسقَينِ. ومضت الأيّامُ وأكبَّ ذلك الطالب ی لسُوء الحظِّ ی على دراسة العلوم الحديثة المادِّيّة الصِّرفة، ثمَّ لَقِيتُه بعدَ أربع سنين حين عودتي من الأسر، ودار بيننا حديثٌ عن الحَميّة القوميّة، فقال لي: إنَّني اليومَ أفضِّلُ رجلًا كُرديًّا رافضيًّا على عالِمٍ تركيٍّ صالحٍ!! فقلتُ: وا أسفاه!! ألهذه الدَّرجة قد فسَدْتَ؟! فاجتهدتُ أسبوعًا في معالجتِه وإنقاذه حتى عدتُ به إلى حَمِيَّتِه الحقيقية السّالفة.
كما أنني قلتُ لأعضاء مجلس الشعب الذين عارضوني في مجلس الشعب: ما أشدَّ حاجةَ الشَّعبِ التُّركيِّ إلى الحال الأولى التي كان عليها ذلك الطالبُ!! وما أبعدَ حالَه الأخرى عن مصلحة الوطن!! أُحيلُ تقديرَ هذا إلى عُقولكم، بل حتى لو افتَرَضنا مُحالًا أنَّكم فضَّلتُم الدُّنيا على الدِّين في أماكنَ أخرى، ولم تُوْلُوا الدِّينَ أهمِّيةً لاعتباراتٍ سياسية، فإنَّه يَلزَمُكم على أيّةِ حالٍ أن تُوْلُوا تدريسَ الدِّين في الولايات الشَّرقية أهمِّيةً عُظمى.
فغادر بعدها المُعارِضون قاعةَ المجلس، ووقَّع مئةٌ وثلاثةٌ وستُّون نائبًا على هذا القرار؛ وإنَّ عريضةً تحملُ هذا القدرَ من التوقيعات لن يُفسدها یی بطبيعة الحال یی الاستبدادُ المطلق الذي دام سبعًا وعشرين عامًا.
حتى لو اقتصرتُم في الولايات الأخرى على تدريس العلومِ الحديثة وحدَها، فلا بُدَّ لكم في الشَّرق یی على أية حالٍ، وباسم مصلحةِ الوطن والشعب یی من جعل العلومِ الدِّينية هي الأساسَ، وإلّا فإنَّ مَن هنالك من المسلمين غيرِ الأتراكِ لن يشعُروا بالأخُوّة الحقيقية تجاهَ الأتراك، مع أنَّنا اليومَ بأمسِّ الحاجة للتَّعاوُن والتَّسانُد أمامَ كلِّ هؤلاء الأعداء.
وقد أدَّى تقدُّمي في السِّنِّ وتردِّي حالتي الصِّحِّية نتيجةَ التسمُّم، للحيلولة دونَ متابعة أجلِّ غاياتِ حياتي منذ خمسين عامًا، ودون السفر إلى "أنقرة" لتهنئة العاملين
— 220 —
على بناء هذا الصَّرح العظيم الذي سيُشكِّل مفتاحًا لرُقيِّ الشرق؛ لكن مؤكَّدٌ أنَّ وزير المعارف اطَّلع على كتابَيِ "المناظرات" و"صَيقل الإسلام" اللذَينِ طُبعا في مطبعة "أبو الضيا" قبل خمسة وثلاثين عامًا، فلْيَتحدَّثا نيابةً عني، فحياتي ميؤوسٌ منها.
وإنني أُوكِّل نيابةً عني مئةً وخمسين رسالةً من رسائل النور لتكون هي منطلَقاتِ تلك الجامعة العظيمة ومبادئَها، وبرامجَها المعنوية وموادَّها العالية؛ وأقدِّمها للشَّباب المُضحِّين من طلاب الجامعات الذين على عاتقهم صناعةُ مستقبلِ هذا الوطن والأُمّة؛ وأقدِّمها كذلك لوزارة المعارف، وأضرَعُ إلى الله تعالى برحمته أن يوفِّقَ "توفيق إلري"، لحمايةِ رسائلِ النور بدلًا من هذا الی"سعيد" المِسكين.
الباقي هو الباقي
المريض الهرِم الغريب المجرَّد
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭

ردٌّ على جريدةٍ مزيِّفةٍ للحقائق حول جامعة الشرق

هذا ردٌّ على مقالةٍ نُشِرت في جريدة "يني أولوس" في عددها الصادر بتاريخ (١/٤/١٩٥٤م) حول "جامعة أتاتورك"؛ وتمثِّل هذه الجريدةُ الجناحَ الناقدَ المُتشدِّدَ لأحد أحزابِ المعارضة؛ وسنوضِّحُ في هذا الردِّ حقيقةَ تلك الجامعة وأهمِّيتَها:
إن دار العلوم التي أُطلق عليه اليومَ اسمُ "جامعة أتاتورك" قد سعى أستاذُنا لتأسيسها منذ خمسين عامًا، وبذل في سبيل ذلك جُهدَه وهِمَّتَه؛ ورغم ما عُرف عنه من مُعارضة الاتِّحاديِّين، إلا أنهم والسلطانَ "رشادًا" وافقوا على تخصيص مبلغِ تسعةَ عشَر ألفَ ليرةٍ ذهبيةٍ لإنشاء هذه الجامعة، وقام أستاذُنا بوضع حجرِها الأساس في "وان"، لكنَّ نشوبَ الحرب العالمية الأولى حالَ دون إتمامها.
— 221 —
وفي بداية عهد الجمهورية دُعي أستاذُنا لزيارة مجلس النُّواب في "أنقرة"، فعاود محاولتَه مجدَّدًا؛ ومع ما عُرِف عنه من معارضته التامّة لسياسة القائمين على أمور الدولة آنذاك، وهجرِه السِّياسةَ كلِّيًّا، ومخاطبته لهم بالقول: "لن أتدخَّل في أمور دنياكم"، وقوله لمصطفى كمال: "إنَّ الذي لا يصلِّي خائن"، ورفضِه ما قُدِّم له من عروض مُغرِية كالثروة والراتب وتكليفِه بمنصب الواعظ العام في الولايات الشرقية.. أجل، مع هذا كلِّه وافق مئةٌ وثلاثةٌ وستُّون نائبًا من أصل مئتين على تخصيص مبلغِ مئةٍ وخمسين ألفَ ليرةٍ ورقيةٍ لإنشاء "جامعة الشرق"، وصادَق "مصطفى كمال" على هذا القرار.. كلُّ ذلك يُؤكِّد أن قضيّةَ هذه الجامعة هي أعظمُ قضايا المناطق الشرقية في ذلك الوقت؛ وأمّا اليومَ فالحاجة لها أضعافُ ما سبق، وقد اتُّخذ مؤخَّرًا قرارُ إنشائها في عهد الحكومة الإسلامية هذه، وكان ذلك ثمرةَ هِمّةٍ ومتابعةٍ وتشجيعٍ مادِّيٍّ ومعنويٍّ من أستاذنا.
ونعرض عليكم قيمة "جامعة الشرق" وأهميَّتَها العظيمة في بضع نقاط، وما هي إلا قَطَرات من بحر:
الأولى: موقعها المركزيُّ بين إيران والبلدان العربية ومصر وأفغانستان وباكستان وتركستان والأناضول، فهي منها بموضع القلب من الجسد، ودورُها يوازي دورَ الجامع الأزهر والمدرسة الزهراء.
الثانية: تنشُد البشريةُ اليومَ الخلاصَ، وتسعى شعوبُ العالَم باحثةً عن حلول لإرساء السلام الشامل وتثبيت الاستقرار والقضاء على الفساد؛ وتُوقِّع في سبيل تحقيق ذلك الاتِّفاقياتِ والمعاهَدات؛ وما دامت هذه الحكومة الإسلامية تَحرِص على بناء علاقاتٍ ودِّيةٍ مع جميع الدول بدءًا من يوغسلافيا حتى إسبانيا، وتعملُ على تأسيس شراكةٍ معها لتحقيق السلام وتوفير السلامة؛ فإننا نضعُ بين أيديكم یی وبالبرهان الساطع یی السبيلَ الأجدى لبلوغ هذه الأُمنيات، إنَّها "رسائل النور"، دروسُ الرجل الأوَّلِ الذي عمل على إنشاء هذه الجامعة، والتي وازنت بين العلوم الحديثة النافعة وبين العلوم الدينية؛ والتي ألزمت علماءَ الفلسفة الحجّةَ على مدار الأعوام الثلاثين
— 222 —
الأخيرة، والتي حَظِيَت بتقديرِ واستحسانِ العلماء من ذوي المناصب الرسمية المُهمّة رغمَ ما أثارت من حفائظِهم، والتي وقَفَت أمام اعتداءات الحكومة السابقة بالطُّرق القانونية والرسمية حتى نالت البراءة.
أجل، لقد حافظت رسائلُ النور على أمن هذا الوطن والشعب واستقرارِه، بل إنها حالت دون انتقال عدوى حوادث الإخلالِ بالأمن التي اجتاحت عمومَ الدُّول الإسلامية، وخاصةً المغرب ومصر وسوريا وإيران، فلم تمتدَّ حُمّاها إلى بلادِنا هذه.
فمثلَما كفَلت رسائلُ النور الأمنَ والاستقرار في هذا الوطن وبين أفراد هذا الشعب رغم كثرة الدواعي والأسباب أُسوةً بالدول الأخرى، كذلك إنشاءُ "جامعة الشرق" سيُشكِّل مظهرًا لعموم السلام بين الأنام.
ولمّا كان الدمارُ الذي حلَّ بالبشرية اليومَ دمارًا معنويًّا، كان لا بدَّ لترميمه من وسيلةٍ تمتلكُ تأثيرَ قنبلةٍ ذَرِّيةٍ معنويّةٍ وطاقتَها الفعّالة؛ وإنَّ رسائل النور التي تمثِّل رأس مال تلك الجامعة، قد شَكَّلت على مدار الأعوام الثلاثين الأخيرة حصنًا منيعًا لصدِّ هجمات الضلالة والفلسفة والإلحاد التي تَقذِفُ بها أوروبا، وباتت بالدليل القاطع تلك الطاقةَ المعنوية الهائلةَ القادرة على ترميم ذلك الدمار المعنوي وإصلاحه.
الثالثة: تمتلك "جامعة الشرق" بحكم مركزيَّتها ماهيّةً وأهمِّيةً تُهِمُّ الدُّولَ الإسلامية وعمومَ دُول آسيا، لذا لو أُنفق لأجلها ستُّون مليار ليرة لا ستُّون مليونًا فحَسبُ، لاستحقَّت ذلك بجدارة.
ولأن "يني أولوس" جريدةٌ معارِضة، فهي تحاول الآن طمسَ معالم هذه القضية، وتطلق على العاملين لأجلها من أعضاء الحكومة الجديدة صفةَ الرجعية؛ بينما هي في حقيقتها مبعثُ الرُّقيِّ والسلام العالميِّ الشامل.
إن تشييدَ هذا الصَّرح العظيم سيمنح الحكومة الإسلامية قوةً كبيرةً كالتي منحتها إحياء الشعائر الإسلامية مثل الأذان المحمدي وإدخال الدروس الدينية؛ وسيُدوِّنُ التاريخُ اسمَها في سجلِّ الخلود بمِدادٍ من نورٍ مع كمال الاستحسان والتقدير.
— 223 —
وإن فيضَ النور المنبعثَ من إحياء حكومة الديمقراطيِّين لهذه القضيّة مجدَّدًا وتكريسِها لتلك الخدمة الجليلة، سيكون له بريقٌ ساطعٌ لم تَشهَد مثلَه العيون، وسيُبوِّئُها مكانةً مرموقةً بين الشعوب والأُمم.
طلاب النور
القائمون على رعاية صحة الأستاذ
٭٭٭
ثمّةَ خيرٌ كبيرٌ في تأجيل محكمتنا وإحالة جميع الأمور إلى محكمة "أنقرة"، إذْ إن محكمة "إسبارطة" و"أفيون" وكذا قضية إعادة كتب "ملا حميد" في "وان" وكتب "محمد قايا" في "ديار بكر" كلُّها معلَّقة بی"أنقرة"، وبالتالي فأيُّ نتيجةٍ حسنةٍ تَصدُر منها ستكون ذات تأثيرٍ إيجابيٍّ في عموم القضايا دُفعةً واحدةً إن شاء الله.
كما أنه من الضروري في هذا الوقت لَفتُ الأنظار إلى الحقائق الإيمانية التي تتضمَّنُها الأنوار، وخاصةً أنظار "أنقرة"، لذا فإن إحالة قضيَّتنا إليها ستكون سببَ يقظةٍ عامّةٍ بإذن الله تعالى.
أخوكم: زبير
٭٭٭
رسالةٌ من الأستاذ بخصوص زُوَّاره
اضطُرِرتُ لبيان عذرٍ لأصحابي عامّةً وللزوَّار خاصةً، وهو أني مثلما قضيتُ معظم حياتي في العزلة، فقد أمضيتُ قرابةَ أربعين سنةً أعيش تحت المراقبة والملاحقة، حتى بتُّ أنأى بنفسي وأنفِرُ من لقاء الناس إلا لضرورة.
ثم إني كنتُ وما زلت أستثقلُ قبولَ الهدايا ماديةً كانت أو معنوية، وقد تزايد في هذه الأيام عددُ الزوَّار والأصحاب، وتوجَّبَ بذلك مكافأتُهم على هداياهم المعنوية، فكما تُمرِضني لقمةٌ من هديةٍ مادية، فكذلك القدوم لزيارتي ولقائي لا سيما تَجَشُّم عناء المجيء
— 224 —
من أماكن بعيدة للسَّلام عليَّ ومصافحتي، فهذه هديةٌ معنويةٌ مُكلِفةٌ غير زهيدةِ الثمن، بل تفوق نظيرتَها المادِّية ولا أملكُ مكافأتَها، ولست أرى نفسي أهلًا لهذا الاحترام والتقدير.
وكما مَنَعني الإحسانُ الإلٰهيُّ من قبول الهدايا المادية، مَنَعَني كذلك من قبول الهدايا المعنوية، أعني اللقاءات والزيارات إلا ما كان لضرورة؛ فبعضُها يُمرِضني كما تُمرِضني الهدايا المادية حين لا أكافِئ مُهديَها، فلا يَسُؤْكم هذا ولا يَحْزُنكم.
إن قراءة رسائل النور أنفع من زيارتي عشرَ مراتٍ، فلا جَرَمَ أن زيارتي إنما هي لأجل الآخرة والإيمان والقرآن، وبما أني قطعتُ علاقتي بالدنيا فإن زيارتي لأجلها لا معنى لها؛ أما زيارتي لأجل الآخرة والإيمان والقرآن فإن رسائل النور یی وما تضمَّنه كتاب "السيرة" خاصّةً یی لم تُبقِ حاجةً إليَّ، بل إني لا أستطيع اللقاء بخواصِّ إخواني القائمين على شؤوني إلا لضرورة، غير أني أرغب في اللِّقاء ببعض الإخوة الأفاضل لخِدماتٍ تتعلَّق بنشر رسائل النور وفتوحاتها، فمتى كان اللقاء لأجل هذه النقاط كانت الزيارة أكثرَ يُسرًا ودون مشقّة.
وأُعلِمُ مَن يأتون لزيارتي ممَّن لا يعرفون هذا الأمر، أني سبق أن أعلنتُ في بعض الصُّحُف أنني أخصُّ بأدعيتي كلَّ مَن يرغب بزيارتي، لا سيما مَن يأتي من أماكن بعيدةٍ ثم يعود أدراجَه دون أن يُتاح له اللقاء بي.. أدعو لهؤلاء دعاءً خاصًّا كلَّ صباح، فلا يكن في صدورهم حرجٌ مني.
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭
أخانا المحترمَ "صالح" والنائبَين المتديِّنَين بحقٍّ..
يُقرؤُكم أستاذُنا السلامَ، ويدعو لكم جميعًا، ويقول: بارك الله بكم ألف مرة.
ويقول: "كنت أنتظر منذ أمدٍ بعيد ظهور سواعدَ قويّةٍ في "أورفة" تتبنَّى الأنوار، لأن موقعها يؤهِّلُها لتكون مركزَ الأناضول والبلاد العربية ومناطق كردستان، فإن صارت نقطة ارتكازٍ للأنوار كان ذلك أَدعَى لانتشارها في هذه البقاع الثلاث.
— 225 —
وقد أقبل بعض الشباب الأبطال في تلك النواحي على تبنِّي الأنوار بحمدِ الله، وهم "سيِّد صالح" ونائبان مُهِمّان من ذوي التديُّن والحَمِيَّة من أعضاء مجلس الشعب؛ لذا قمتُ بشراء بعضٍ من مجموعاتي الخاصّة وتصحيحها بنفسي وإرسالها لهم، رغم تردِّي حالتي الصِّحِّية نتيجةَ التسمُّم، ورغمَ الطلبات المتكرِّرة لهذه المجموعات من أماكن عِدّة وشخصيات مُهِمّة، إلا أنني فضَّلتُ "أورفة" على الجميع.. وسأرسلُ لهم كمِّيةً أخرى إن شاء الله.
سيتولَّى "سيِّد صالح" والنائبان الفاضلان مُهِمّةَ خدمةِ القرآن والإيمان هنالك على أتمِّ وجه بإذن الله، ونسأل الله برحمته أن يوفِّقَهم للنهوض بالعمل في تلك الأماكن فيَحذُوا حَذْوَ "المدرسة الزهراء" في "إسبارطة"، ويكونوا نموذجًا من "الجامع الأزهر" في مصر، ويهيِّؤوا السَّبيل لافتتاح مدرسةٍ إسلاميةٍ على غرار المدارس الشامية والبغدادية.
وما دام مسلك رسائل النور يقوم على "الخُلّة"، وما دامت "أورفة" ديارَ إبراهيم الخليل عليه السلام فستَسْطَع الخُلّة الإبراهيمية إن شاء الله.
ولَئن كتب الله لي الشفاء من هذا المرض المؤلم، فإن لي رغبةً شديدة بزيارة "أورفة" في الشتاء القادم".
انتهى حديثُ أستاذنا.. ومرة أخرى نُقرِئُكم السَّلامَ.
إخوانكم القائمون على خدمة رسائل النور
ضياء ومحمد
إنني أدعو كلَّ صباح لجميع أهالي "أورفة" صغارًا وكبارًا، وحتى من واراهم الثرى، وأُقرئُهم جميعًا مني السَّلام.. و"أورفة" بلدة مباركة حتى بحجرها وشجرها، فليذكروني هم أيضًا بدعواتهم، فأنا جدُّ مريض.
الباقي هو الباقي
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭
— 226 —
باسمه سبحانه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أبدًا دائمًا
إخواني الأعزّاءَ الأوفياء...
في ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان الحالي، التي يتلقَّاها العالمُ الإسلاميُّ على أنها أرجى الليالي موافَقةً لليلةِ القدر، شعرتُ بمرضٍ شديدٍ أخذ يستولي على أعصابي وقلبي ووجداني، فضلًا عن مرض المعدة الناجم عن التسمُّم.. وبين آلام هذين المرضين الشديدين المادِّية والمعنوية استشعرتُ في قلبي بحسِّ الشفقة والرأفة تلكم الآلامَ التي يعانيها جميعُ ذوي الحياة، فحينَها انتابَتْني حالةٌ روحية أشدُّ إيلامًا من أمراضي الخاصة.
وفوق هذا كلِّه انتابني شعورٌ مؤلمٌ يفوقُ مرضيَّ هذين، وكاد يزُجُّ بي في يأسٍ عميقٍ حزينٍ، وراح يُمارِسُ وظيفةَ نفسي الأمّارة، فذكَّرني بأنِّي بلغتُ ثمانين عامًا ونيِّفًا، ولم أَعُد أقوى في ختام هذا العمُر وفي آخر ليلةِ قدرٍ من حياتي على الطاعة التي يُضاعَف أجرُ العملِ فيها إلى ثمانين عامًا؛ وفي تلكم اللحظة هبَّ لنجدتي سِرٌّ من أسرار الآية الحَسْبية، فصرف عني یی بحمد الله یی هذه الأمراض الثلاثة، وأوتيتُ طاقةَ تحمُّلٍ خلافَ المتوقَّع؛ وصُبَّ على أدوائي الثلاثةِ ثلاثةُ أدويةٍ على النحو التالي:
أمّا المرض الماديُّ: فإنَّ ساعةَ مرضٍ من امرئٍ صابرٍ متوكِّلٍ ينالُ بها أجرَ عشرِ ساعات من العبادة؛ ويُضاعَفُ في ليلة القدر أكثرَ فأكثر، كما أُثبِت في "رسالة المرضى"، فقام مرضي في هذه الليلة مقامَ العبادة والخِدمة التي عجزتُ عن أدائها، وأضحى هذا الشعورُ كالدواءِ الشّافي لمرضي المادِّي.
وأما الآلام المتولِّدة بحسِّ الشفقة على أمراض ذوي الحياة وآلامهم: فإنها تحوَّلت بتجلِّي الرحمة الإلٰهية إلى لَذّةٍ وسرورٍ معنويَّين، بمعنى أنَّ رحيميّة بارئِ
— 227 —
المخلوقات وشفقَتَه ورحمتَه تفي وتكفي لتحويل آلامهم إلى نوعٍ من اللَّذّة أو المكافأة لهم؛ ومن ثمَّ فإنَّ ترجيحَ العبد شفقتَه على تلك الرحمة الإلٰهية أمرٌ عبثيٌّ وباطل؛ فغدا هذا الشعورُ شفاءً لا دواءً فحسبُ.
أما ألمي المعنويُّ الناجم من فقداني لأغلى خزينةٍ معنويةٍ في أواخر عمري: فإنَّه بسرِّ الشراكة المعنوية بين تلاميذ النور الخواصّ، ينالُ كلٌّ منهم حظَّه من الدعاء والعمل الصالح الصادرِ باسم الجميع، ويشترك في دعوات جماعاتِ جميع الموجودات وذوي الحياة، وأدعيةِ التوحيد التي ينطقون بها في التشهد والفاتحة، كما هو موضَّحٌ في "الحُجّة الزهراء" و"مفتاح النُّور".
وكذا الاشتراك یی بصُحبةٍ معنوية یی في أعمالِ جميعِ أهل الحقيقة السالكين الصراطَ المستقيم، وعمومِ الماضين في طريق أهل الإيمان، من خلال "التأمين" الصادر تصديقًا لأدعيتهم ودعاويهم؛ ففي الفاتحة والتشهُّد مشاركةٌ وإسهامٌ في الحمد والشكر وفي جميعِ الاستعانات والعبادات الكلّية التي تؤدِّيها عامّة المخلوقات، وخاصة ذوي الحياة، ولا سيَّما عناصر التراب والهواء والماء والنور، إذ كلٌّ منها بمثابة لسان، فتَصدر من التراب هدايا الحياة، ومن الماء المباركاتُ والتبريكات، ومن الهواء تَمثُّلاتُ الشكر والعبادة، ومن عنصر النور الطيباتُ والمحاسن المادِّية والمعنوية.
هكذا أغاثني هذا السِّرُّ الكلِّيُّ في تلك الليلة، فكان تِرياقًا لألمي المعنوي بسبب مرضي وضعفي، ويأسي من القيام ولو بخدمةٍ جزئية؛ وغدا دواءً أيَّما دواء! إذ أحسَسْتُ بسعادةٍ معنويّة لم أجدها في أكثرِ أورادي ذَوْقًا ومتعةً ولذّة، تلك التي كنتُ أؤدِّيها في أزهى أيّامِ الصِّحَّة والشَّباب، فحَمِدتُ الله كثيرًا، وارتضَيتُ مرضي الشَّديد، وقلت: "الحمد لله بعدد عاشِراتِ دقائق شهر رمضان في كل زمان".
الباقي هو الباقي
أخوكم
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭
— 228 —
باسمه سبحانه
يقول أستاذنا: "أودُّ أن أُوضِّح لإخواني الأعزّاء الراغبين بلقائي أني ما عُدتُ أقوى لمقابلة الناس إلا لضرورة، كما أنني لا أُطيقُ التحدُّثَ كثيرًا بسبب التسمُّم والضعف والشيخوخة والمرض؛ لكنَّني أُخبِرُكم بأمرٍ قطعيّ: إنَّ كلَّ كتاب من رسائل النور مثالٌ عن سعيد، فقراءة شيءٍ منها مجالسةٌ حقيقيةٌ معي، بل هي أنفعُ عشرةَ أضعاف من مقابلتي وجهًا لوجه؛ وسبق أن أعلنتُ أني أُدخل كلَّ من يرغبُ بزيارتي في الله تعالى ضمنَ أدعيتي وأورادي كلَّ صباحٍ كتعويضٍ عن اللقاء، وسأستمرُّ بذلك".
ومنذ شهرٍ أو شهرين وأستاذنا عاجزٌ عن التحدُّث حتى مع من يقوم على خدمته، وترتفع حرارته لمجرَّد التكلُّم، وقد أخبرنا بحكمةِ ذلك بناء على إخطارٍ ورد عليه: "إن رسائل النور لم تُبقِ حاجةً إليَّ قطعًا، ولم تعُد ثمّة حاجةٌ للحوار، حتى إني یی بشخصي العاجز یی أستطيعُ بالكاد التحدُّثَ إلى عشرين أو ثلاثين من أصحابي البالغين ألفًا، فغالبُ الظنِّ أنِّي مُنِعتُ من التحدُّث كيلا أكسر خواطرَ آلاف الرجال من أجل عشرين رجلًا، فاعذُروني من اللقاءات الخاصة، فلا أقوَى على مصافحة الناس حتى في العيد والنظر إليهم، وأرجو ألّا يكون في صدورهم حرجٌ مني".
(حاشية): وقد بدأ انتشارُ الأنوار الآن في أنقرة وإسطنبول وصامسون وأنطاليا، ما اضطرَّ الأستاذَ لتجنب لقاء أحدٍ حتى أصحابه الخواصّ، كيلا تثير التنظيماتُ الخفية المعاديةُ للدِّين الهواجسَ والمخاوف حول سرِّ هذا الانتشار، وذلك حتى تُستكمل طباعة الرسائل كاملة.
٭٭٭
— 229 —

قبل أربع سنوات أَوكلَ إليَّ أستاذي یی بسبب مرضه یی أمرَ متابعةِ مُجرَياتِ محاكم رسائل النور في "أنقرة"، وحينها أرسلنا الرسالة الواردة أدناه إلى بعض نوّاب مجلس الشعب، وها نحن اليوم نعرِضُها مجدَّدًا عليكم وعلى النوّاب لذات الغرض، لا سيَّما وقد جرت في الأشهر الأخيرة محاولاتٌ لإنشاء جامعةٍ جديدةٍ في الولايات الشرقية.

إن الانتشار الواسع لرسائل النور داخلَ البلاد وخارجَها خلال الثلاثين عامًا الأخيرة، وما تَرَكت من أثرٍ بليغٍ في النفوس، مع السعي المتواصل منذ خمسٍ وخمسين سنةً لإنشاء جامعةٍ كبيرةٍ في الولايات الشرقية، يُشكِّلانِ قضيَّتينِ مهمَّتينِ متعاقبتَينِ، تكمِّلُ إحداهما الأخرى، لما لهما من أهمِّية كبرى في العالم الإسلامي في الوقت الراهن.
فهذا الشعب ولا سيما أهل الولايات الشرقية، وأربعُ مئة مليونٍ من شعوب العالم الإسلامي إضافةً إلى العالم المسيحي الذي يَنشُد السلامَ العالميَّ الشامل، يهتمُّون جميعًا بهذين الحدَثين الجليلَين وهاتين النتيجتين العظيمتين، إذ هما مصدران كلِّيان ومُهِمّان لنشر الإسلام والتعريف بحقائق القرآن.
لقد بذل أستاذنا منذ خمسٍ وخمسين سنةً جهدًا كبيرًا، وسلك شتَّى السُّبل من أجل إنشاء جامعةٍ إسلاميةٍ في شرقيِّ الأناضول باسم "المدرسة الزهراء" على غرار "الجامع الأزهر"، وظلَّ باستمرار يؤكِّد على أهميَّتها والحاجة الماسّة إليها، فمن ذلك ما ضَمَّنه رسالةَ التهنئة التي بعث بها إلى رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النُّواب بهذا الخصوص، وممّا جاء فيها:
إن "جامعة الشرق" بما تتمتَّع به من مركزيّةٍ في العالم الإسلامي ستحظى بمقامٍ مرموقٍ يكون مبعثَ فخرٍ للأمّة الإسلامية؛ وستتجسَّد فيها الخصالُ المعنوية الخالدة والخِدمات الدينية السامية والمُهِمّة التي أدّاها في الماضي أجدادُنا الأعزّاءُ المباركون
— 230 —
الراقدون تحت ثرى تلك الولايات من علماءَ وعارفين وشهداءَ ومحقِّقين، وستؤدَّى وظيفتُهم الإيمانية مجدَّدًا على نطاق أوسع.
أما منهاج "جامعة الشرق"، فالذي يليق أن يكون برنامجَ علمها وعملها معًا هو: رسائل النور، فهي التي فسَّرت حقائقَ القرآن الحكيم الإيمانية، وأقامت البراهين العقلية والدلائل المنطقية النافعة لإثبات مسائلها، وقدَّمت دروسًا تخاطبُ العقلَ؛ فحريٌّ بها اليومَ أن تكون مادّةَ الدروسِ ومنهاجَ التلقِّي لدى جامعات هذا العصرِ ومدارسِه.
ولقد ظهَرَت رسائل النور على يدِ طالبٍ من طلاب أساتذة المدارس الدينية المنتشرة في شتَّى بقاع الأناضولِ، والتي فجَّرت خلال مئاتِ السنين يَنبُوعَ الحياة المعنوية في تلك الأرجاء؛ ونسألُ اللهَ تعالى برحمته أن يَمُنَّ بمُعاودة الأساتذةِ الأفاضلِ المنوَّرين أعمالَهم من جديد، مُستَقِين من الثمار اليانعة ومتفيِّئين الظلالَ الوارفة لهذه الدوحة المنوَّرة، وأن تتَّسِع بها دائرةُ وظيفتِهم التنويرية وخدمتِهم القرآنية لتشمل العالم كلَّه.. ويؤمِّنُ على دعائنا هذه دومًا لسانُ حال العالَمِ بما يَنشُدُه اليومَ باضطرارٍ وافتقارٍ من السَّلام والأمان الشامل.
أجل، إنَّ النشاط العلميَّ والمعرفِيَّ الذي كان منقطعَ النظير في الشرق، تجلَّت ثمرتُه ونتيجتُه الكُلِّية في رسائل النور، فاستحقَّت أن تكون البرنامجَ الإسلاميَّ لعمل "جامعة الشرق"، واستوجبت على العاملين لخدمة هذه الأُمّة والعالم الإسلامي أن تلقَى اهتمامهم؛ وإن انتشارَ رسائل النور في كلٍّ من أمريكا وأوروبا، وازديادَ الإقبال والطلب عليها هناك، لَدَليلٌ قطعيٌّ على صِحّة دعوانا هذه.
مصطفى صُونغُر
٭٭٭
— 231 —

قرؤوا لي جريدة محشوّةً كتاباتُها كذبًا وافتراءً من خمسة أوجه، وأمثال هذه الافتراءات تعود بأضرار بليغة على "إسبارطة" وعلى الناشرين.

الكذبة الأولى: تتَّهمني بتلقين الطريقة، وتُطلِقُ على قُرّاء رسائل النور ألقابَ "المُريد والطريقة"، والحقُّ أنني أُعلِّم حقائقَ الإيمان والقرآن لا الطريقة، والمُستَمِعون لدُرُوسي يُعرَفون بطلاب النُّور، ومسلكُنا حقائقُ الإيمان لا الطريقة؛ وقد أُثبِت ذلك في المحاكم، ويعلمُه جيدًا كلُّ من يعرفُني.
كذبتها الثانية: تُشرك هذه الجريدةُ المفتريةُ جريدةً أخرى في نشر أخبارٍ مكذوبة، فتقول: (خاض شبابُ "أغيردِر" في جدالٍ مع سعيدٍ ومُريديه)، ويعلم جميع شباب "إسبارطة" و"أغيردِر" أنَّ هذا الأمر لا أصلَ له، بل لو بلغهم ذلك فسيَرُدُّون بحِدّة واستنكار! وحقيقةُ الأمر أن رجلًا يُقيمُ في "أنقرة" یی وليس شابًّا من "أغيردِر" یی قد كتب عن لقائه بي قبل ثلاثين عامًا مع قليلٍ من النَّقد، فكم هي كذبة ظاهرة إطلاقُ عبارة "خاض الشبابُ جدالًا" على هذا الأمر؟! إنَّني أُعاملُ الشباب أيًّا كانوا كإخواني، ولا أعلم أنَّ أحدًا من شبابِ "إسبارطة" أو "أغيردِر" أثار جدالًا معي أو مع طلابي.
افتراؤها الثالث: تَنقُل على لسان أحدهم قولَه: "يُمارِس سعيد ومريدوه السياسة خُفيةً، ويَسْعَون لتغيير الأنظمة والقوانين عبر الإخلال بأمن البلاد والعبث باستقرارها".
إن قرارات البراءة الصادرة من خمس محاكم خلال ثمانيةٍ وعشرين عامًا، هي برهانٌ واضحٌ على عدم صِلتي بالسِّياسة، ما يؤكِّد كذبَ هذه الدعوى وبطلانَها، فضلًا عن كونها فريةً تفتقر إلى بيِّنةٍ ودليل؛ ويعلم جميع أصحابي جيدًا أنني هجرتُ السِّياسة منذ خمس وثلاثين سنةً، وتأكَّد هذا الأمر حتى لدى المحاكم.
افتراؤها الرابع: " يصفُ سعيدٌ النُّورْسِيّ بعضَ النساء بأنهنَّ شياطين"، وأصل هذا الافتراء هو عبارتي: " ما كان قديمًا في الحواضر الكبرى من التكشُّف البالغِ درجةَ
— 232 —
العُريِّ والسُّفور، وخاصةً لدى بنات النصارى شبهِ العاريات، إنما هو تزييفٌ شيطاني، يقودُ إلى إلحاق الضَّررِ بالأخلاق الإسلامية".
وإن اللجوء إلى تحريف مقولةٍ كهذه ورَدَت في سياق الحديث عن فئةٍ مخصوصةٍ من النساء الكاسيات العاريات، إلى تعبيرٍ عامٍّ شاملٍ لعموم النساء، هو افتراءٌ قبيح بيِّن.
إنني أُولي النساء اهتمامًا وتقديرًا واحترامًا كبيرًا، لكونهنَّ أكثرَ شفقةً من الرجال، وأهمُّ أُسُسِ رسائل النور: الشفقة، لذا فإني أَذكُر أخَواتي المباركات دومًا بعبارة: أخَواتي المحترمات.. وأجد فيهنَّ الكثيرَ من الوُدِّ والإخلاص.
افتراؤها المُهِينُ الخامس: اعتبارها العودةَ إلى أحكام الإسلام وأخلاقِه وقِيَمِه رجعيةً وتخلُّفًا، وإطلاقُها عليها مسمَّى "الفكر الملعون"، وهذه فريةٌ تطفحُ بالكفر، وتزلزلُ جنباتِ الأرض، وليست إهانةً لطلاب النور وسُكّان "إسبارطة" فحَسبُ، بل إساءة وإهانة في حقِّ العالم الإسلامي أجمع.
المريض الطاعن في السِّنِّ
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭

جوابٌ على الأخبار الملفَّقة التي انتشرت حول تجوال أستاذنا في القرى والتأكيد على عدم وجود ما يدعو للقلق

عريضةٌ مقدَّمة إلى مديرية أمن ولاية "إسبارطة" التي حلَّ عليها أستاذُنا سعيدٌ النُّورْسِيّ ضيفًا منذ عامَينِ:
١ - لقد عَدَّ أستاذنا سعيدٌ النُّورْسِيُّ نفسَه ضيفًا على مديريّاتِ أمنِ وقضاء الوِلايات والبلدات التي نزلها في بلاد الأناضول منذ ثلاثين عامًا، وعُومل من قِبَل أفراد الأمن معاملةَ الصديق والحامي والحارس.
حين شرع أستاذُنا قبل ثلاثين عامًا في "إسبارطة" بتأليف "رسائل النور": التفسيرِ
— 233 —
الحقيقي السّاطع للقرآن، قدَّم بذلك للحقائق الإيمانية خدمةً جليلة ذاتَ تأثيرٍ، وإحدى الفوائد الدنيوية لهذه الخدمة المتوجِّهة تمامًا نحوَ الآخرة: أنها أقرَّت بدروسِ الإيمان رقيبًا في النفوس يحولُ دونَ ارتكاب المساوئ، وأضحت نتيجةَ ذلك وسيلةً للحفاظ على الأمن والاستقرار.
وعملًا بمقتضى الآية القرآنية: وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى، وما تمثِّلُه من عدالةٍ حقيقيةٍ في عدم مؤاخَذة أحدٍ بجريرةِ غيره، ومنعِ التضحية بحقِّ بريءٍ واحدٍ على حساب مئة مجرم، وأمثالِها من الدساتير القرآنية، كان أستاذُنا وما زال يُعلِن في شتَّى بقاع الأرض: أن إلحاقَ الضرر بتسعين بريئًا لأجل عشَرةٍ بالمئة من الظالمين هو أمرٌ منافٍ تمامًا للعدالة الحقيقية والتشريع القرآنِيّ؛ ويعلِّق على مسألة تعرُّضِه للظلم الشديد بالقول: إنني لأجل الأُمّة الإسلامية أُضحِّي لا بحياتي الدنيوية فحَسْبُ، بل حتى بحياتي الأُخروية إن لزم الأمر.
وبالمفاهيم الإيمانية التي بثَّتْها دروسُ رسائل النور، وبالحقائق القرآنية التي تضمَّنتها دفاعاتُها المُفضية إلى براءتها لدى جميع المحاكم؛ أصبح أستاذنا مَعْلَمًا للهداية إلى سعادة الحياة الاجتماعية بشقَّيها الدنيويِّ والأُخرويّ، وأضحى عاملًا مُهِمًّا للحفاظ على الأمن والاستقرار.. وهذا أمرٌ ثابت بتصديق السّادة أهل الحَمِيَّة والغَيرة المُهتمِّين بسعادة الحياة الاجتماعية.
وخلال ثلاثين عامًا دُقِّقت مؤلَّفاتُ أستاذنا من قِبَل محاكم عِدّة، وصدرت بحقِّها قراراتُ البراءة، وهي الآن مُطلَقةُ الحُرِّية، وقد انتشَرَت بسرعةٍ هائلةٍ في أماكن عديدة من الأناضول ومراكز العالم الإسلاميِّ والبلاد الغربية، ونالت منهم الاستحسانَ والتقدير؛ وكان هذا مدعاةً للتتبُّع والتحرِّي الشديد في تفاصيل أحوال أُستاذِنا، ومع ذلك لم تسجَّل أيةُ واقعةٍ تضعُه في حيِّز الاتِّهام.
ولقد شكَّلت رسائلُ النور حصنًا قرآنيًّا وإيمانيًّا منيعًا تصدَّى لهجمات الشيوعية المُعادية للدِّين والأخلاق والأعراف، وصدَّ تيّارَها المدمِّر في زمنٍ هيمَنت فيه على الصين وشطر أوروبا، مخلِّفةً وراءها أضرارًا جسيمة، ودفعت الشعوبَ والدُّولَ لأخذِ
— 234 —
الحِيطة والحذر فيما بينها، بهدف مواجهة نظامها الكفريِّ المُفسِد الممزِّق؛ أضِف إلى هذا كله سعيَ التنظيمات الخارجية المُفسِدة الخفية في الوقت ذاته لإحداث اضطراباتٍ تَضُرُّ بهذا الوطن.. فبرزَت خدمةُ رسائل النور بمُهِمّةٍ خالصةٍ مؤثرة، أدَّت خلال ثلاثين عامًا لإصلاح حال مئات الآلاف من الشباب الذين قرؤوا هذه الرسائل المنتشرة بمئات آلاف النُّسخ، ولم تُسجِّل أيُّ جهةٍ أمنيةٍ ضدَّ أحدٍ من طلاب النور حادثةَ إخلالٍ بالأمن والاستقرار، وهذه حقيقةٌ يقينيةٌ يشهد عليها رجالُ الأمن المُنصِفون.
وبقطع النظر عمّا لهذه الخدمة الإيمانية من فوائدَ معنويةٍ وأُخروية، فإن لها فوائدَ وعوائدَ على الدنيا والناس، وقد أَعلَن أستاذُنا يومًا هذا الأمرَ، وجاء الزمان مصدِّقًا كلامه حينَ قال: ثمّةَ سبيلان كفيلان بتوفير السعادة الدنيوية والأُخروية لهذا الوطن والشعب، هما:
الأول: مواجهةُ الاحتلال المعنويِّ لتيّار الكفر الرهيب الذي غزا بلادَنا من الشَّمال، وذلك عبر حقائق القرآن وأنوار الإيمان؛ وبما أن هذا التيّار الإلحاديَّ يسبِّبُ دمارًا معنويًّا، فتتعيَّنُ مواجهتُه بأسلوب معنويٍّ أيضًا؛ وإن لَمَعات الحقائق القرآنية یی رسائل النور یی تمتلكُ طاقةَ قنبلةٍ ذَرِّيةٍ معنويّةٍ لصدِّ تيار الضلالة، وترميم هذا الدمار.. وقد حقَّقَت ذلك بالفعل.
الثاني: إزالة عَداء العالم الإسلامي للشعب التركي الذي ظلَّ على مدى ألف عامٍ جيشَ الإسلام البطل وحاملَ لِوائه، وتجديدُ القناعة لديهم بأن الأتراك ما زالوا أبطالَ المسلمين مثلَما كانوا من قبل؛ وبذلك يكتسبُ هذا الشعبُ أخُوّةَ أربعِ مئةِ مليونِ أخٍ حقيقيٍّ، ويحقِّق لنفسه أعظمَ أسباب السعادة الدنيوية؛ ولقد حقَّقت رسائلُ النور هذا الإنجاز بصورةٍ عمليّة في هذا الوطن، بنشرها حقائقَ الإيمان.
وفي السابق قام أحدُ طلاب رسائل النور القاطنين في الحدود الشرقية للبلاد بصدِّ شائعات الرُّوس آنذاك في تلك الأنحاء، بما معه من الرسائل، وبما استخرجه منها من حُجَج وتوجيهات؛ فقدَّم طالبٌ واحد فقط بهذا العمل خدمةً جليلة للوطن والشعب وللأمن والاستقرار، تعدِلُ خدمةَ جيشٍ كامل.
— 235 —
وما هذه المنافع الدنيوية التي حقَّقتها وتحقِّقُها رسائلُ النور، إلا آثارٌ تعودُ على الحياة الاجتماعية بالفائدة، وإلا فليس لرسائل النور أيُّ مصلحةٍ دنيويةٍ سوى خدمة الإيمان في سياق مرضاة الله وحده والدار الآخرة.
٢- ثم هو معتزلٌ مُنزوٍ منذ ثلاثين عامًا، وتحت تأثيرِ المرض والسِّجن والتجريد وغيرها لم تَعُدْ لديه رغبةٌ بمجالسة أحدٍ من الناس إلا لضرورة، لذا تراه يكسِرُ خواطرَ أصحابه الذين يأتون لزيارته من خارج المدينة ويَرُدُّهم محزونين لعدم لقائه؛ ويقضي ليلَه وحيدًا حتى الصباح، ولا يسمح حتى للقائمين على خدمته بدخولِ غرفته إلا للضرورة القصوى؛ وهذا واقعٌ لا نملك حِيالَه إلا الإقرارَ والصمت.
وطبيعة الانزواء وعدم مقابلة الناس إلا لحاجة هي إحدى السجايا الفطرية التي يتمتع بها أستاذُنا قديمًا، فصار هذا الأمر دستورَ حياته؛ حتى إنَّه منذ ثلاثين عامًا لم يلتَقِ أخاه الشقيقَ الوحيدَ المتبقِّيَ على قيد الحياة، ولم يَدْعُه لزيارته ولقائه، مع أنَّه يقطن في مدينة مجاورة.
أما على صعيدِ الأمن: فلقد قدَّم أستاذُنا من خلال رسائل النور وعلى مدى ثلاثين عامًا خدمةً جليلةً للجهات الأمنية المعنيّة بأمره، والتي عقَدَت معه فيما بعدُ صلحًا وصداقةً، وذلك في مجال الحفاظ على الأمن والاستقرار؛ وأمّا المحاكم فقد تابَعَت أدقَّ تفاصيل حياته، ولم يعُد شيءٌ خافيًا على الجهات الأمنية، ومِن لازمِ ذلك أنَّ واجبَ المَسؤُولين المكلَّفين بالحفاظ على الحقوق العامة عدمُ تغيير قناعتهم هذه التي هي نتاج ثلاثين عامًا من المتابعة والمراقبة، لمجرد جملةٍ من الأكاذيب يطلِقُها بحقِّه بعضُ أعداء الدِّين المتستِّرين.
٣- إن أستاذنا جدُّ مريض، ولا يمكنه الخروج حتى لصلاة الجمعة، لكنه يحتاج للترويح عن النفس أحيانًا في فصل الصيف، فيخرج لبضع ساعات إلى ضواحي المدينة ليخلوَ بنفسه حيث لا يراه أحد، ويقوم بهذه الجولة الخاطفة بالعربة نظرًا لشيخوخته ومرضه الذي منعه السيرَ على قدميه، ولعدم احتمالِه إقبالَ الناس عليه في الطريق.
— 236 —
ثم هو يسافرُ بشكلٍ نادرٍ إلى "بارلا" التي أقام فيها عشَرةَ أعوامٍ قبل ثلاثين سنة، حيث يُقيم مدّةً في غرفةٍ له هنالك ثم يعود؛ ويتحاشى الذهاب إلى أيِّ قريةٍ أو ناحيةٍ آهلةٍ بالسكان، ويبتعد حتى عن الأماكن الذي يقطنها أصحابُه منذ ثلاثين عامًا، للأسباب السالفة ذاتها.
هذه هي حال حياة أستاذنا، وهذه هي حقيقة الحال والأوضاع.
القائمون على خدمته
طاهري، زبير
حاشية: نُشرت هذه الحقيقة في مواضعَ عدّة، وقُدِّمت إلى مديرية الأمن العامة في "أنقرة"، لتُظهِرَ عدم وجود تهمة الإخلال بالأمن التي ادَّعاها النائب العام.
طلاب النور أنصارُ الأمن والاستقرار
رغم المعاملات الظالمة التي مُورِسَت بحقِّ طلاب النور على مدارِ ثمانيةٍ وعشرين عامًا، لم تعثُر ستُّ جهاتٍ أمنيةٍ تابعةٍ لسِتِّ ولاياتٍ على أيِّ واقعةِ إخلالٍ بالأمن صدرت من ستِّ مئةِ ألفِ طالبٍ من طلاب النور، وهذا دليلٌ قطعيٌّ على حرصهم وحفاظهم على الأمن والاستقرار.
وردًّا على دعوى الإخلال بالأمن التي رفعها ضدَّهم المدَّعي العامُّ بی"أفيون"، سأله أستاذُنا: هل يمكنكم أن تذكرُوا لنا ولو حادثةً واحدةً وقعت خلال ثمانيةٍ وعشرين عامًا؟ فما دمتم لا تملكون الدليلَ فكيف يَسُوغ لكم هذا الادِّعاء؟! إن عدم وقوع أيِّ حادثة من ستِّ مئةِ ألفِ طالب یی سوى حادثةٍ صغيرة وقعت من طالبٍ صغيرٍ وفي شأنٍ آخر یی تُثبِت بشكل قاطع أن طلاب النور يحفظون أمنَ البلاد ويدعمون استقرارَها.
فألزم المُدَّعيَ العامَّ بقوله هذا السُّكوتَ.
٭٭٭
— 237 —
باسمه سبحانه
إخواني الأعزّاء..
في أثناء رحلتنا بمركبٍ ذي محرِّك آليٍّ من "أغيردِر" إلى "بارلا"، هبَّت عواصفُ هوجاءُ كادت تُودي بي وبستةٍ كانوا معي، وكانت المُجرَيات تؤكِّد أنَّنا سنُستشهَد، وأن تلك البحيرة ستكون مقبرتَنا الواسعة؛ لكن أبشِّركم بأنَّ هذه الحادثة أَضحَت وسيلةَ رحمةٍ عظيمة، وأزالَت عنّا متاعبَ السفر، بمثل ما حصل مع المرض الشديد الذي انتابني ليلةَ القدر.
لقد مسَحَت أُمُّ المطر یی هذه البحيرة یی على رؤوسنا نحن تلامذةَ النور، وصافحت وجوهنا وأعيننا بقطرات الأمطار مُسرِعةً في لهفةٍ وشفقة، امتثالًا للأمر الربّاني المحفوف بالرحمة الإلٰهية، في إشارة منها إلى نجاة رسائل النور من المكائد العريضة التي يخطِّط لها أعداؤنا المتستِّرون، وإشعارًا بأنَّ ما نعانيه من محنةٍ رهيبة صار بحُكم صدقة متقبَّلة؛ نقول ذلك بناءً على تجاربَ متعدِّدةٍ حصلت، تؤكِّد على علاقة رسائل النور بالمطر، وفي زمنٍ اشتدَّت فيه الحاجةُ إلى المطر بعد طولِ انقطاع.
وقد لاحظنا في ذلك المشهد نوعَ غضبٍ ظاهر، متضمِّنًا ملاطفةً وشفقة معنويّة؛ وقبل بدء العاصفة والأمطار شعرتُ بحسٍّ مُسبَقٍ أنَّ مصيبةً مروِّعةً هائجة قادمةٌ، وأنها ستكون مفتاحًا لخزينة الرحمة، لهذا عكفت على قراءة "الجوشن" و"ورد الشاه النقشبندي" باستمرار، وفي خضمِّ تلك العاصفة تلقَّيتُ بكمال الرِّضى والشوق فكرةَ أن تكون هذه البحيرةُ المباركة قبرًا لي، فالموت في حادثةٍ كهذه بمثابة الشهادة، والشهيد بمرتبة الوليِّ، لهذا لم يكن الحزن يَنتابُني تجاهَ أصحابي السِّتّة، غير أني شعرتُ بقليل من الأسى على الطفل الذي كان في المركب.
تعطَّل محرِّك المركب، ولم يُجدِ الشِّراعُ نفعًا، إذ كانت الرياح تجري عكس ما يشتهي، والأمواج تتلاطمُ بشدّة، فكانت تضرب المركب وتُهاجمنا ظاهريًّا، غيرَ أنها
— 238 —
لم تمسَّ داخل المركب، لهذا قابلنا الحادثةَ بكمال الصبر والشكر، حتى نجَونا منها وخرجنا سالمين نردِّدُ: «الحمدُ لله على كلِّ حال».
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭

يقول أستاذنا:

"إنني أعمل منذ خمسين أو ستين عامًا بكامل قوتي لأجل الحفاظ على الأمن والاستقرار، إذ هو ثمرةُ الخدمة الإيمانية المُخلصة في مواجهة الكفر المطلق وإنقاذ هذا الشعب من الفوضوية؛ ولقد ضحَّيتُ براحتي وعزتي واعتباري یی بل حتى بحياتي إن استدعى الأمر یی كي أُنقِذ عشَرةَ أبرياءَ من التعرُّض للظلم بسبب جنايةٍ يرتكبها مجرمٌ واحد، فتصبَّرتُ وتحمَّلتُ في سبيل ذلك شتَّى صنوف المضايَقاتِ والتصرُّفات التي لا معنى لها ولا طائلَ من ورائها.
وعلى مدى ثلاثين أو أربعين عامًا من خدمتي الإيمانية، كانوا يجعلون من الحبّة في حقِّي قُبّة، ويحاولون إحداث زوبعة في فنجان، وكنت أتغاضى عن ذلك لأجل الحفاظ على الأمن والاستقرار.
ومن أمثلة ذلك: أنه لم يتعرَّض أحدٌ للباسي أمام خمس محاكم مختلفة، وبحضور (١٢٠) شرطيًّا أثناءَ محكمة إسطنبول، وتجوَّلتُ سيرًا على الأقدام مدّةَ شهرين في إسطنبول دون أن يعترض عليَّ أحدٌ بسببه؛ وليس من حقِّ أحدٍ أصلًا أن يقوم بمنعه.
إنني رجل مُنزَوٍ، لا أتجوَّل في الأسواق والأماكن المُكتظَّة، ولا أذهبُ حتى إلى الجامع، بل أخرجُ فقط إلى الجبال والأماكن الخالية من السُّكّان لاستنشاق الهواء الطلق، وبواسطة العربة فقط، ولا أتحدَّث إلى أحدٍ من الناس إلا لضرورة، فلا يحقُّ لأهل الدنيا بعد هذا أن يتعرَّضوا لأوضاعي وأحوالي!".
— 239 —
ويومَ حضر أستاذُنا إلى "إسطنبول" مقلًّا العربة لأحدِ المهامِّ الإيمانية الهامة، قام بعض المسؤولين الرسميِّين في "إسطنبول" بإرسال موظَّفين إلى الأستاذ بطريقةٍ مخالفةٍ للقانون من عشرين وجهًا، وتكرَّر التصرف ذاته من تهويل الأمور، واستغلال القانون للمُضايقة والظلم، وإحداثِ زوبعة في فنجان، بحقِّ رجلٍ لديه ملايينُ الطلاب؛ ومع ذلك كان ردُّ أستاذنا: إنَّ خدمة الإيمان یی بما تتضمَّنُه من إخلاصٍ تامٍّ یی تستوجب الصَّبر والتحمُّلَ في مواجهة الفوضوية والحفاظ على الأمن والاستقرار، وإنني في سبيل ذلك أُضحِّي براحتي واعتباري، وهم في حلٍّ مني.
وقد تحدَّث أستاذُنا إلى هؤلاء الموظَّفَين اللَّذينِ أُرسلا من قبل الادِّعاء العامِّ في إسطنبول لاستجوابه: "سبق أن قدَّمتُ جوابًا حول هذا الأمر أمام المحكمة، وحقَّقَت المحكمةُ فيه، ثم أصدَرَت قرارَ البراءة، وليس لديَّ الآن ما أُضيفُه"، وأبرز لهما التصريحَ المرسلَ إلى محكمة "صامسون" نفسَه، والذي أدلى به أمام محكمة إسطنبول.
كما أن لديه عدة تقارير طبية حصل عليها سابقًا، لذا فهو مضطرٌّ لتغطية رأسه، كما أنه بحاجة للراحة وتبديل الهواء بين الحين والآخر بسبب الزكام والمرض الشديد؛ وإقامتُه الدائمة في مكان واحد لا يُناسبُ صِحَّتَه؛ وهو يترفَّع عن إظهار هذه التقارير أمامَ أحد، ولا يرى حتَّى اليوم حاجةً لذلك.
طلاب النور القائمون على خدمته
طاهري، زبير، صونغُر، حسني، بيرم
٭٭٭
— 240 —

وصية الأستاذ

لِيُوهَبْ رأسُ مالي الشخصي ورأسُ مالِ الشخص المعنويِّ لرسائل النور كمخصَّصاتٍ لمَن وقفوا أنفسَهم لخدمة رسائل النور، وخاصةً مَن لا يجدُ ما يغطِّي نفقاته.
وطلابُ النور الذين يتلقَّون المخصَّصات منذ بضع سنين معروفون لدى خواصِّ التلامذة، وإنني أُعيِّن إخواني الموجودين عندي الآن ورثةً لي، فليقوموا بأداءِ مهامِّي، ولْيُحافظوا على تعاضُدِهم وتسانُدِهم بشكل تامّ.
نعم، أُصدِّق على وصيَّتي هذه
سعيدٌ النُّورْسِيّ
حاشية الوصية
حين ابتُلي أستاذُنا في آخر عمره بالمرض، واضطُرَّ للتخلِّي عن مجالسة الناس، أدرك أن لهذا الزمان مضارَّ كثيرةً على الصعيد الشخصيّ، إذ ظهر الرياء واستشرى تحت ستار الحرص على الشأن والشرف، لذا وجب التخلِّي تمامًا عن الأنانية عبر سلوكِ سبيلِ الإخلاص الأعظم الذي يتضمَّنه مسلكُ رسائل النور.

"فلْيَقرأ الأصدقاءُ الفاتحةَ لروحي، ولْيَدْعوا لي من بعيد، ولْيَزوروني معنًى دون الإتيان إلى قبري، فثواب الفاتحة يَصِلُ سواءٌ قُرئت من قريبٍ أو من بعيد؛ وغرضي بذلك معنويٌّ وهو التخلِّي تمامًا عن الأنانية، التزامًا بما تتضمَّنُه رسائل النور من إخلاص.. ولْيَقُم مَن عندي من الإخوان الذين وقفوا أنفسَهم لرسائل النور بالتناوب على رأس قبري، وليبلِّغوا هذه المعاني للقادمين لزيا& S دون حاجة".

سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭
— 241 —

تصريحات مَنْدَرِس حول خطابه في "قونية"

نقلًا عن مراسلنا: أكَّد رئيس الوزراء تعرُّضَ خطابه في "قونية" لتحريفٍ متعمَّد.
"أنقرة": أجاب رئيس الوزراء عدنان مَنْدَرِس على أسئلة جريدة "ظفر" حول الشائعات التي انتشَرَت عن خطابه في "قونية" بالتصريح الآتي:
"لقد ألقيتُ خطابًا في ميدان الحكومة على جمعٍ غفير من أبناء بلدي من أهالي "قونية"، إلا أن بعض الصحف عمَدَت یی للأسف الشديد یی إلى تحريف معاني الجزء الذي تحدَّثتُ فيه عن فهمنا لمصطلح العَلمانية، حيث أشاع البعضُ أن حديثي مبطَّن بنيّةِ إحداثِ فتنة بين الإخوة، وقال آخرون: إنه يُفسِح المجالَ واسعًا لليمين السِّياسيِّ، ووصفه البعض بأنه يرفع الحظر عن سوء التعامل مع المقدَّسات، ويُعرِّض بالنتيجة أحدَ أُسُس الثورة التركية للفساد والخلل.
وأكثر ما لَفَت انتباهي في كلِّ ما كُتب: أنه تمَّ حَرْفُ مسارِ الخطاب الذي ألقيتُه في "قونية" لِما يتناسب تمامًا مع المخطَّطات المرسومة والأهداف المرغوبة من وراء ذلك العمل؛ وللوقوف على الأمر أكثر أكرِّرُ هنا ما قلتُه في ذلك الخطاب وما نشَرَته وكالةُ الأناضول؛ فلقد قلت حينها:
أودُّ أن أتحدَّث إليكم الآن مجدَّدًا عن فهمنا للعَلمانية.
العَلمانية تعني الفصلَ بين الدِّين والسِّياسة من جهة، وتعني حُرِّية الاعتقاد من جهة أخرى؛ ولا نمتلكُ أدنى تردُّد حول قضية فصل الدِّين عن السِّياسة، أما بالنسبة لموضوع حُرِّية الوِجدان: فإن الشعب التركيَّ شعبٌ مسلم، وسيبقى مُسلمًا، ومن المُسلَّم به أنَّ تعلُّمَه الدِّين وتعليمَه للأجيال القادمة وتدريسَه أُسُسَه وقواعدَه هي من لوازم محافظتِه على إسلامه؛ والواقعُ أن عدم وجودِ الدروس الدِّينية في المدراس حَرَم المواطنين تبليغَ أبنائهم الدِّين وتعليمَهم إيّاه، ويجب ألّا يُحرَم الطفل المسلم من حقِّه الطبيعيِّ في معرفة دينه، ولا يُمكنُنا القولُ بأن هذا الانعدام وهذا الحرمان متناسبٌ
— 242 —
مع حُرِّية الاعتقاد، ولهذا الاعتبار فإن وضع الدُّروس الدينية في المدارس الإعدادية سيكون إجراءً صحيحًا.
نحن لا نُؤمنُ بإمكانية تقدُّمِ أو ريادةِ أمةٍ أو مجتمعٍ لا دينَ لهم، ونعلم جيدًا مدى التزام أكثر الشعوب تقدُّمًا وحضارةً بدينهم، بعد الفصل بين الدِّين وبين السِّياسة والأعمال الدنيوية.
ووَفقًا للاعتبارات الحاليّة لا يصحُّ أن تُسنَد إلى شعبنا العزيز اليومَ وصمةُ التعصُّب، فهو متمسِّك بدينه جيدًا من جهة، ويتبنّاه بأنقى الأحاسيس والمشاعر وأصفاها من جهةٍ أخرى، ولقد بلغ الإسلامُ في نفوس شعبنا أسمى مراتبه، وستُبذَل جهودٌ إضافيةٌ مكثَّفةٌ لتخريج مدرِّسين يُعرِّفون بدين الإسلامِ ويعلِّمون أُسُسَه وفرائضَه وقواعدَه.
وفي العام القادم ستخرِّج مدرسة الأئمّة والخطباء في "قونية" أولَ دُفعةٍ من طلابها للمرحلة الثانوية، وسيتمُّ بذل كلِّ الجهود لجعلِها مؤسَّسةً تعليمية تقدِّمُ أعلى مستويات التعليم الديني، ومن ثمَّ سيتمُّ العملُ على إنشاء مدارسَ أخرى أمثالِها على مستوى الوطن.
وبعد أن عرضتُ لكم هذا الجزءَ من الخطاب الذي ألقيتُه في "قونية"، أودُّ التأكيدَ على الأمر التالي: إن حديثي واضح وصريحٌ لا يحملُ أيَّ التباس، وعلى الجميع التزامُ الصِّدق في التعامل مع هذا النصِّ الصَّريح فيما يلحقُه من قراءاتٍ وتحليلات، ولا يحقُّ لأحدٍ أن يحرِّفَ شيئًا من حديثي هذا، كما لا يحقُّ لأحد أن يَنسُب إليَّ من النَّوايا أو الأغراض ما لم يرِد في ذهني ولم أفكِّر به طوالَ حياتي".
حاشية: كنتُ أودُّ أن أبعثَ برسالةِ تهنئةٍ لرئيس الوزراء باسم جميع تلاميذ النُّور وباسم طلاب المدارس الأبرياء، بمناسبة الخطاب المُهِمِّ الذي ألقاه في "قونية"، فورد على قلبي أن نعتاضَ عن التهنئة بإدراج هذا الخطاب عقبَ دفاعاتنا المتعلِّقة بحُرِّية رسائل النُّور، وكحاشيةٍ لدفاعاتِ أحدِ أهمِّ محامينا أمام لَجنة الخُبَراء، ليكون مستنَدًا ومرجِعًا لحُرِّية رسائل النور، ولِنحمِلَ جميعَ طلاب النور وعمومَ المسلمين في الأناضول على تشكيلِ قوّةٍ ودعمٍ معنويٍّ للديمقراطيِّين؛ فكما شكَّل إعلانُ الأذان
— 243 —
المُحمَّدي قوّةً معنويةً لهم، كذلك ستشكِّلُ حُرِّيّةُ رسائل النور یی من خلال هذا الخطاب یی قوّةً معنوية عظيمةً لهم.
وإن خطاب رئيس الوزراء هذا، شأنُه شأنُ دفاع المحامي مهري الذي اعترض على الذرائع المُفتَعلة لمصادرة رسالة "المرشد"، (حاشية): وهذا الدِّفاع مدرجٌ ضمنَ كتاب "السِّيرة" الصغير الذي طبعه "أشرف أديب". إذ هو كذلك حقيقةٌ ترفض تلك الذرائع.
٭٭٭
باسمه سبحانه
يقول أستاذنا سعيدٌ النُّورْسِيّ:
بما أنَّ "إسبارطة" مدينتي الحقيقية، فإنني أرغب من أعماق قلبي وروحي أن أَسُوقَ لها ولأهلِها خيرًا كثيرًا، وذلك من خلال ما يلي:
مثلَما أضحَتْ "أفيون" مظهرَ خيرٍ كبيرٍ للعالَم الإسلامي والإنسانيّ بإعادتها جميع كُلِّيّات رسائل النور، ومشاركتِها في تصحيح الخطأ الذي دام ثمانية أعوام حتى صار بحُكم العدم، وكفَّرتْ بذلك عن نفسها؛ فإن "إسبارطة" المباركة لكونها مظهرًا لبركة الشام الشريف والجامع الأزهر في مصر، فلن تتخلف هي أيضًا عن "أفيون" في نيل الشرف الكبير بإعادة رسائل النور لأصحابها؛ بل ربما تسبقُها عشرين ضِعفًا.
فعلى قضاء "إسبارطة" وأعضاء الحزب الديمقراطي المحبِّين للوطن ولشعبها المتديِّن السعيُ لإعادة ثمارِ مدينتهم المباركة إلى أصحابها، حتى يُقدِّموا بذلك لمدينتهم خيرًا عظيمًا، وينالوا شرفًا أرفع مئةَ مرّةٍ ممّا نالته "أفيون"؛ تمامًا مثلما فعل "تحسين تولا" عضو مجلس النُّواب عن مدينة "إسبارطة" الذي أدَّى بسعيه لاستعادة الرسائل من "أنقرة" و"أفيون" دورَ مئة رجل، فساقَ بهذا العمل الأجرَ الجزيل لأهالي "إسبارطة".
طلاب النور القائمون على خدمته
٭٭٭
— 244 —
في سبيل الحفاظ على العِزّة العلمية، أبى أستاذُنا منذ القِدَم أن يتذلَّلَ أمام كبار القادة والرؤساء، وما كان يقبل هدايا أحدٍ من الناس دون مقابل؛ وما زال على هذا النهج الرافض حتى اليوم رغم نُحُولِ بدنه واشتداد مرضه، ومع عدم وجود أيِّ مانع شرعيٍّ من ذلك لدى أهل العلم، بل إنه لا يتناول أيَّ شيء نقدِّمه له یی نحن القائمين على خدمته مهما كان صغيرًا یی حتى يدفع ثمنه، وإن هو تناوله أصابه المرض على الفور؛ فأدركنا أن ظهور هذا الأمر لديه في صورة مرضٍ ما هو إلا ليَمنَعَه من الإخلال بقاعدته، حِفاظًا على الإخلاص التامِّ في خدمة رسائل النور.
ولأجل ذلك أُخطر على قلبه الامتناعُ ممّا يلزمُ أهلَ العلم من لقاء الناس ومُجالستهم ومصافحتهم حتى لو كانوا أخصَّ أصحابه، وحتى في أعياد رسائل النور الذي نعيشه الآن بانتشارها في كل مكان، فكان لمرضه يتضجَّرُ ويتضايق حتى من نظر الناس إليه، وذلك حِفاظًا على الإخلاص.
شاهدناه يتحدَّث إلى طلابه في هذا العيد المبارك وقد اشتدَّ عليه المرضُ وهو يقول: "أُوصي بأن يكون قبري في مكان مجهول، وألّا يطَّلع على موضعه سوى واحدٍ أو اثنين من طُلّابي، فالحقيقةُ التي صرَفَتني عن لقاء الناس في الدنيا، ستمنَعُني بعد وفاتي أيضًا".
فسأَلْنا أستاذَنا: إنَّ الذي يزور القبر يقرأ الفاتحةَ وينالُ الأجرَ؛ فما حكمةُ منعِكم من زيارة قبركم؟ فأجاب: "إن الغفلة التي تورثُها الأنانيةُ وحبُّ الذات في هذا الزمان الصَّعب، تَصرِفُ اهتمامَ الناس وأنظارَهم إلى مقام الميِّت ومكانتِه الدنيوية لدى زيارتهم المقابر، مثلما عمل الفراعنة في السابق على تحنيط موتاهم ونَصْب تماثيلهم ونشرِ صورهم رغبةً في توجيه الأنظار إليهم؛ كذلك في زماننا حوَّلت التماثيلُ والصورُ والجرائدُ الأنظارَ إلى المعنى الاسمي یی أي: لذات الشخص یی دون المعنى الحرفي، وسلَّطت الضوءَ على المكاسب الدنيوية أكثر من المكاسب الأخروية، وذلك بسبب الغفلة الناشئة من الأنانية.
ففي الماضي كانت تلك الزياراتُ ابتغاءَ مرضاة الله وحده، أما اليوم فإن أهل الدنيا خالفوا الأمر تمامًا، إذ أَوْلَوا أهمِّية كبرى لشخص الميت نفسِه وإلى مقامه ومنزلته التي كان يحظى بها في الدنيا، فهم يزورون قبره بهذا الاعتبار؛ لذا فإنني أُوصي أن يكون قبري
— 245 —
مجهولًا كيلا أُفسِد الإخلاصَ العظيم الذي في ثنايا رسائل النور؛ وإن قراءة الفاتحة من أيِّ شخصٍ حيثما كان في مشرق الأرض أو مغربها، يَبلُغ ثوابُها تلك الروح.
إن الحقيقة التي منَعَتْني لقاءَ الناس في الدنيا، ستمنعُني الأمرَ ذاتَه بعد وفاتي دون شكٍّ، لا من جانب الثواب، بل من جانب المكاسب الدنيوية".
طلابه القائمون على خدمته
٭٭٭
نسخةٌ عن الرسالة التي بعث بها أستاذُنا إلى هيئة محكمة "أفيون":
لقد حضرتُ اليوم إلى "أفيون" لأهنِّئكم وأشكركم جزيلَ الشكر لمحافظتكم على كتبنا من التلف هذه المدّة الطويلة، ثمَّ إرسالِها إلى "أنقرة".
لقد دقَّقت محكمتُكم قبل عشرة سنواتٍ الرسائلَ الخاصة التي كُتبت باسمي من قِبَل البعض، وما لحقها من مكاتَباتهم الخاصّة، ولكونها لا تحمل توقيعي، ولم تُنشر، ولم يُعثر فيها على أيِّ نقطةٍ تُوجب المساءلة، لم يُؤبَه لها كثيرًا.
ولا يحسُن برجال القضاء ولجنة الخبراء أن يَشغَلوا أنفسهم مجدَّدًا ودون جدوى بتدقيق رسائل كُتِبت دون علمي ولا صلةَ لها برسائل النور، وقد مرَّ عليها زمنٌ وشَمِلَتْها قوانينُ العفو ولم تُنشَر أصلًا؛ فالمرجوُّ من عدالتكم ألّا تُخضعَ كتبي المباركة للتعطيل والتأخير بسبب ربطها بهذه الرسائل الخاصة.
ورغم أن هذه الجهة القضائية المباركة أصدَرَت قرارَ البراءة بحقِّ الكتب مرتين وأمرت بإعادتها، إلا أنها ظلَّت محتَجَزةً لبعض الأسباب، وبهذا الصدد نودُّ أن نخبركم أن بعضَ هذه الكتب أو كلَّها أعادتها خمسُ محاكم، وسلَّمتها خمسُ مديرياتِ أمنٍ لأصحابها؛ والمأمول من عدالتكم ونواياكم الحسنة أن تحملَكم على إعادتها الآن أيضًا إن شاء الله.
المريض: سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭
— 246 —
باسمه سبحانه
السيد عدنان مَنْدَرِس..
بِتْنا على قناعةٍ قطعيةٍ یی نحن أعضاءَ الحزب الديمقراطي وطلابَ النور یی أنَّ أستاذنا سعيدًا النُّورْسِيَّ الذي هجر السِّياسة منذ خمسةٍ وثلاثين عامًا، يَسعَى بكل طاقتِه وطُلّابه ودُروسه لأجل بقاء الحزب الديمقراطي في سُدّة الحُكم، حرصًا على مصالح القرآن والإسلام والوطن؛ وكنّا سألنا أستاذَنا عن سرِّ ذلك، فأجاب:
"إن سقطت حكومة الحزب الديمقراطي فسيتولَّى الحُكمَ أحد حزبين: إمّا حزبُ الشَّعب، أو الحزبُ القومي.
أمّا حزب الشعب.. فقد حُمِّل عموم الأوزار التي ارتكبها الفاسدون من الاتِّحاديِّين، والجزءَ الأعظم من الإجراءات التي نفَّذها الرئيس الأول للجمهورية بموجب معاهدة "سيفر" من ضغوطٍ ومكائد سياسيةٍ على مدى خمسة عشر عامًا؛ لذا لا يمكن لهذا الشَّعب التركي الأصيل أن يُمكِّن هذا الحزبَ من تولِّي السلطة بمحض إرادته، لأنه إن وصل إليها فستُحكَمُ هذه البلادُ بنظامٍ شُيوعيٍّ تحت عباءة هذا الحزب؛ والحقُّ أن المسلم لا يُمكن أن يتحوَّلَ شيوعيًّا، بل يصبح فوضويًّا، فالمسلم لا يُقاس بالأجنبيّ.
وللحيلولة دون وصول حزب الشعب إلى سدة الحكم، وما يُشكِّل ذلك من خطرٍ عظيمٍ على الوطن وعلى حياتنا الاجتماعية، فإنني أسعى للإبقاء على هذا الحزب لأجل القرآن والإسلام والوطن.
وأما بالنسبة للقوميِّين.. فإن كان الإسلام هو الأساسَ لدى هذا الحزب، (حاشية): الملّة الإسلامية كافية ووافية، إن كان الدِّين واللغة واحدةً فالشعب واحد؛ وإن كان الدِّين واحدًا فالشعب واحدٌ كذلك. فسيكون عونًا للحزب الديمقراطيّ، ولن يسعى للوصول إلى الحُكم، ولن ينصِّب من نفسه حزبًا معارضًا.
— 247 —
أما إن كان ينطلق من الفكر العِرقي والعنصر التركي، فإن نسبة الأتراك الأُصَلاء في هذا الوطن تبلغ بالكاد ثلاثةً من عشرة، وأما الأكثرية فمزيجٌ من الشعوب الأخرى؛ وحينها سيتكرَّر ما حصل في بداية عهد "الحرية" من تحيُّزٍ قوميٍّ ضدَّ الشعب التركي البريء، ممّا سيُضطَرُّ الأتراكَ إلى الدخول مُجبَرين تحت تسلُّط الأجانب، أو سيلجأُ المُنتَسِبون الجدُد إلى القومية التركيّة من الجنسيّات الأخرى للارتكاز إلى الأجانب، ووضع الشعب التركي تحت سُلطتهم وتحكُّمِهم.
ولخطورة هذا الأمر فإنني أبلغ هذا الدَّرس كي يُحافظ الحزبُ الديمقراطي المتديِّن والمُحبُّ لدِينه على موقعه في السُّلطة، حفاظًا على مصالح القرآن والأُمّة والوطن.
السيد عدنان مَنْدَرِس..
لقد تحقَّق لدينا بصورة قطعية أن أعضاء حزب الشَّعب والحزب القوميَّ يَحسُدون الحزبَ الديمقراطيَّ على العَوْن الذي يُقدِّمُه أستاذُنا المكرَّم المبارك الذي سعى جاهِدًا لأجل سلامة الوطن والشعب، وجعل هذا الأمر غاية حياتِه، ولأجل تنفيرِه من هذا الحزب فإنهم يمارسون ضِدَّه شتَّى أنواع التضييق والأذى باسم الحزبِ الديمقراطيِّ الحاكم، ليَبدُوَ هو مصدرَ هذه الأفعال.
وبما أنكم صرَّحتم في محافل عديدة: "سنقوم بما يُوجِبُه علينا دينُنا.. وإن الدِّين لا يشكِّل أيَّ خطرٍ على هذا الوطن"، فالمرجوُّ والمأمولُ منكم سيادةَ رئيسِ الوزراء وباسم الوطن والشعب والإسلام مَنحُ كامل الحرية لأستاذنا الذي قدَّم مساعداتٍ مادِّيةً ومعنويةً لحزبنا، ورفعُ الحظر تمامًا عن مؤلَّفاتِه، وعدمُ السماح بمضايقته أو التعرُّضِ له مجدَّدًا بعد اليوم.
طلاب النور من أعضاء الحزب الديمقراطي
مصطفى، نوري، نوري، حمزة، سليمان، حسن، سيدا،
رجب، إبراهيم، فاروق، مظفر، طاهر، صادق، محمد.
٭٭٭
— 248 —

تنبيهُ الديمقراطيِّين إلى حقيقةٍ جليلة

ثمّةَ ثلاثة تياراتٍ تسعى جاهدةً اليومَ لإلحاق الضرر بالقرآن والإسلام وبهذا الوطن:
الأول: تيّار الشُّيوعية والإلحاد، ويمكن لهذا التيار أن يُلحِق الضرر بثلاثين أو أربعين بالمئة من الشعب.
الثاني: تنظيمٌ يُدعى "تنظيم الإفساد" يقوم بنشر الإلحاد في تركيا، ويعمل على قطع صلة الأتراك بالبلدان التي تخضعُ لسيطرتهم؛ وبإمكان هذا التيار أن يُفسد عشَرةً أو عشرين بالمئة من الشعب.
الثالث: بعض الهيئات السياسية التي ليس لها من الدِّين أيُّ نصيب، إذ تسعى للتشبُّه بالغرب والمسيحيِّين، وتمكينِ المذهب البروتستانتي بين المسلمين؛ ويمكن لهذا التيار أن يحوِّل واحدًا بالمئة یی بل بالألف یی من الشعب ضدَّ القرآن والإسلام.
وقد بذلنا جهدنا دومًا یی نحن النوريِّين خُدّامَ القرآن یی للحفاظ على حقائق القرآن أمام التيارَينِ الأوَّلَين، وكان مسلكُنا يُلزِمُنا بعدم النظر في الدنيا والسياسة وتركِ التوجُّه إليهما قدرَ المستطاع؛ لكنَّنا اليومَ مضطرُّون للنَّظر إلى الدنيا، إذ وجدنا أنَّ بإمكان الديمقراطيِّين أن يكونوا عونًا لنا في مواجهة هذين التيارَينِ، كما أن المتديِّنين منهم معارِضون دومًا لهذين التيارَينِ الرهيبَينِ بحُكم مسلكهم، أمّا من كان حظُّهم من الدين قليلًا وكانوا يَتبعون مسلكَ التغرُّب والتشبُّه بالغربيِّين، فهم يشكِّلون عونًا للتيار الثالث.
والتيار الثالث يمكنه بالكاد تحويلُ واحدٍ بالمئة یی بل بالألف یی إلى المسيحية والمذهب البروتستانتي، إذ لم يتمكَّن الإنكليزُ أنفسُهم خلال مئتي عام من تحويل مئتي مسلم من أصل مئتي مليونٍ كانوا تحت احتلالهم إلى البروتستانتية، ولن يتمكَّنوا من ذلك؛ وما سُمع في التاريخ أن مسلمًا تحوَّل إلى المسيحية أو فضَّل دينًا آخرَ على
— 249 —
الإسلام عن اقتنِاعٍ.. لذا مهما وُجد في الحزب الحاكم من يقدِّم العون للتيار الثالث باسم السِّياسة ومضادَّة الدِّين، فبإمكان الحزب الديمقراطيِّ تقديمُ منافعَ جليلةٍ للوطن والإسلام، ما دام يؤدِّي باعتبار مسلكه وظائفَ أساسية تتمثَّل في صدِّ التيارين الأوَّلَين وطردِ هذا الفكرِ خارجَ البلاد؛ فلأجل ذلك نجدُ أنفسنا مضطرِّين للمحافظة على الديمقراطيِّين في أعلى هرم السُّلطة لخدمة القرآن ومنفعته.
وليس عملُنا هذا لأجل منفعة نبتغيها منهم، بل لكونهم معارِضين للتيارَينِ الرهيبَينِ المذكورَينِ وفقَ ما تُمليه سياستُهم، ولهذا فإنَّنا نَغُضُّ الطَّرْفَ عمّا يسبِّبه قسمٌ قليلٌ منهم من أضرار للدِّين، وهو أشبهُ بقطع أصبع فقط بدلَ تقطيع الجسد كلِّه، فهم بهذا يشكِّلون لنا وسيلةَ نجاةٍ من ضررٍ كلِّيٍّ بضررٍ جزئي.. لذا ندعو أهل الدِّين جميعًا للوقوف في صفِّ الحزب الحاكم ومساعدتِه.
أمّا المُتهاوِنون منهم بدينهم فنُنبِّههم تنبيهًا جادًّا، ونقول لهم: "اعتصموا بالحقيقة الإسلامية، فبها حياتُكم وحياة هذا الوطن والشعب، وسعادتُكم وسعادتُهم، فلا حياة ولا سعادة لهذا الوطن والشعب إلّا بالاستناد إلى الحقائق القرآنية؛ وإنكم إن أردتم كسبَ قوّةٍ احتياطيةٍ ظهيرةٍ لكم تتمثَّل في العالم الإسلامي، واكتسابَ أربع مئة مليونِ أخٍ بالأُخُوّة الإسلامية، وحملَ دولةٍ عُظمى كأمريكا على السَّعي بجدِّيةٍ لخدمة الدِّين والحرص على صداقةٍ حقيقيّة معكم، فإن هذا الأمر لن يتحقَّق لكم إلا بالإيمان والإسلام".
نُبلغهم یی نحن النوريِّين وخُدّامَ القرآن عمومًا یی هذا الأمر، وندعو لهم بالتوفيق في خدمة الإسلام؛ كما نرجو منهم أن يعملوا على منع مصادرة رسائل النور، إذْ هي إحدى أهمِّ منجَزات هذا الوطن، وهي التي قدَّمت حتى اليوم خِدماتٍ ومنافعَ جليلةً لهذا الوطن وللعالم الإسلاميّ، بل نأمُل منهم أن يُساهموا في نشرها، كي يَحظَوا بدعم المُتدَيِّنين في هذا الوطن وتأييدِهم، ليَبلُغوا شاطئ السلامة بأمان.
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭
— 250 —

مبعث عِبرةٍ وحَيرةٍ وشُكر

تسعى المنظَّمات المُعادية السِّرّية المُعارضةُ لي منذ خمسين عامًا بجميع مكائدها لدفع القضاء والحكومة ضِدِّي، ولم يتركوا دسيسةً أو مكيدة إلا استخدموها في هذا الغرض، فلفتوا بذلك أنظار القضاء وحرَّضوه على التفتيش والتدقيق في مئةٍ وثلاثين كتابًا من كتبي، وفي الآلافِ من مراسلاتي خلالَ تسعةٍ وعشرين عامًا؛ فأصدَرَت خمسٌ من تلك الجهات القضائية قرارَ البراءة وإعادةِ جميع الكتب لعدم العثور على أيِّ جُرمٍ فيها؛ ومجدَّدًا حاول أعداؤنا العاملون في الخفاء تحويلَ أنظار القضاء والحكومة تجاهَنا بسبب حادثة "ملاطية"، غيرَ أن ثلاثًا وعشرين محكمةً أكَّدت عدمَ وجود أيِّ جُرم.
(حاشية): إن إعادة جميع أجزاء رسائل النور في "دَنِزلي"، وكذا المُصادَر منها في إسطنبول وأنقرة، وما وقع بأيديهم منها في "طرَسوس" التابعة لی"مرسين"، وصدورَ قرار البراءة والإعادة من محكمة أنقرة بعد تدقيقها جميعًا خلال أربعة أشهر، وتصديقَ محكمة التمييز لقرار البراءة والإعادة أربعَ مرات، ومرتين بعد أربعة أعوامٍ من محكمة "أفيون" التي دقَّقت في هذه القضية مطوَّلًا.. كلُّ ذلك يُظهِر جليًّا أن الجهات القضائية حَرَصَت جدِّيًّا على تحقيق العدالة، فما عادت الحوادث الجديدة تشكل هاجسًا وأهمِّية لها.
فيا لَلعجب! إن عدمَ إثبات أيِّ تهمة یی رغم وجود كثيرٍ ممَّن يبحث عن الذرائع والمكائد یی ضدَّ رجلٍ مثلي قليلِ الصلة والتواصل مع أهل الدنيا، ولا يضحِّي یی لأجل العالَم بأسره یی بحقيقةٍ واحدةٍ في رسائله النورية المئة والثلاثين.. وانصرافَ محكمة "أسكي شَهِر" التي تذرَّعت بمسألةٍ واحدةٍ فقط هي "مسألة الحجاب" إلى اعتبارها قناعةً شخصيةً بعد تلقِّيها الجوابَ المُقنِع بهذا الخصوص.. وعدمَ إبراز الجهات القضائية أيَّ موضعِ تهمةٍ ضمن هذه الكثرة الكاثرة من الرسائل والمراسلات غير المحدودة، في حين يُمكن إيجادُ نِقاطٍ عدّةٍ في عشر رسائل مكتوبةٍ في عشرة أيام من رجلٍ واحدٍ ملازمٍ للتقوى مثلَ طلاب النور تضعُه تحت المساءلة..
— 251 —
أقول: هذا كلُّه يُؤكِّدُ أنَّ عنايةً وحفظًا إلٰهيَّين قطعيَّينِ أسبغا رحمتَه ورحيميَّتَه بحقِّ طلاب النور وخُدّام القرآن، فكان أن أظهرَت جميع المحاكم ذات الصِّلة بقضيَّتنا عدالةً مذهلةً، وأحجَمَت عن البغي بأي طريقة، وقدَّمت نوعَ مساعدةٍ للحقيقة القرآنية القدسية، مع وجود آلاف الأسباب والدوافع العاملة ضدَّنا! ونحن بدورنا نشكرهم من أعماق أرواحنا وقلوبنا.
لقد غدت هذه العدليّاتُ مظهرًا لسِرِّ العدالة الحقيقية فيما يخُصُّنا من قضايا، ممّا يؤكِّد أن دُور العدالة لا يَحِقُّ فيها إلا الحقُّ وحدَه؛ وقد حُوكم السلاطينُ في العهود السابقة لدى المحاكم القضائية وجهًا لوجه مع الفقراء، فجلس سيِّدُنا عمر رضي الله عنه زمنَ خلافته العادلة سويًّا مع رجل مسيحيٍّ بسيط، وتقاضى سيِّدُنا علي رضي الله عنه مع يهوديٍّ من عامّة الناس.
فلأجل هذا السِّرِّ العظيم، وبالرغم ممّا عانيتُه منذ ثمانيةٍ وعشرين عامًا، وما تعرَّضتُ له من شتَّى صُنُوف الاضطهاد والسَّجن والتضييق، لم أُبدِ استياءً أو سخطًا من أيٍّ من رجال القضاء، ولم أُبادر بالدُّعاء عليهم، بل كنتُ أشعر تجاههم بنوعٍ من الشُّكر والامتنان، وأُباركُ صنيعَهم.
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭
— 252 —
باسمه سبحانه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أبدًا دائمًا
إخواني الأعزّاء الأوفياء المضحِّين..
أولًا: أبارك وأهنِّئُ من صميم روحي وقلبي خدمتَكم الإيمانية النورانيةَ الفائقة للعادة.
ثانيًا: جوابًا على الطلب المُلحِّ للی"أحرار" المتديِّنين في أثناء مؤتمرهم المُقام في أنقرة بتكليفي بوظيفةٍ رسمية في دائرة رئاسة الشؤون الدينية، وتوسيطِ تلامذة "المدرسة الزهراء" النُّوريِّين لإقناعي بقبولها، أقولُ: إنني أشكُر النُّوابَ وأصحابهم المتديِّنين الذين قدَّموا لي هذا العرض خلالَ لقائهم، وأبلغهم سلامي، وأدعو لهم بالتوفيق والنجاح؛ غيرَ أنَّني شديد الضَّعف، كثيرُ المرض، مضطرِب الحال، طاعنٌ في السِّنِّ، مشرفٌ على باب القبر، ولا أملك طاقةً على القيام بتلك الوظيفة القدسية، لذا فإني أُوكل نيابةً عني الشخصَ المعنويَّ لرسائل النور، والشخصية المعنوية لخواصِّ تلامذة النور وفدائيِّي الإسلام الحقيقيِّين المُخلِصين، بأداء هذه الوظيفة بصفةٍ رسميةٍ بعون الله، كما كانوا يؤدُّونها قبل اليوم خفيةً بشكلٍ غير رسمي.. فأُحيل الأمرَ إليهم.
الباقي هو الباقي
أخوكم المحتاج إلى دعائكم
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭
— 253 —
باسمه سبحانه
حول منحِ الإيمان لحياتي الدنيويةِ لذّةَ الجنة
لم أشاهد أُمِّي الرَّؤوفة منذ التاسعة من عمري، ولذلك لم أصحبها ولم أُجالسها، وعشتُ محرومًا من محبَّتها الشَّفيقة؛ ولم أتمكَّن كذلك من لقاء أخَوَاتي الثلاث بعد الخامسة عشرةَ من عمري، إذ رحلنَ مثلَ أُمِّي إلى عالم البرزخ یی رحمهنَّ الله یی، فحُرِمت أجواءَ المجالس الأخوية المُمتِعة في الدنيا، وما يكتنفُها من مشاعر الرحمة والاحترام والشفقة؛ وأمّا إخوتي الثلاثة فلم ألتقِ باثنين منهم منذ خمسين عامًا یی رحمهم الله یی، فحُرمتُ صحبةَ شقيقَينِ تقيَّينِ عالمَين قيِّمَين، وفقدتُ الأُنسَ والوُدَّ والسرور الذي يعيشه المرء لدى مجالسة إخوتِه.
إلا أنَّ في الدنيا بذرةَ جَنّةٍ تكمُن في الإيمان كما أُثبِت في رسائل النور، فأُخطِر اليومَ إلى روحي بيقينٍ ذُرَيرةٌ صغيرةٌ من بذرة الجنة تلك حينما خرجتُ في جولة مع أربعة من أولادي المعنويِّين المُضحِّين القائمين على رعايتي.
وبما أنني قضيتُ حياتي عَزَبًا وليس لديَّ أولاد، فقد عِشتُ محرومًا من أذواق الشفقة والمحبَّة البريئة تجاهَهم، ومن ابتهاجهم وامتنانهم؛ ومع كل هذا ما كنتُ أُحسُّ بهذا النقص قطُّ، وقد أنعم الله تعالى عليَّ في هذا اليوم بمعنًى في غاية الذَّوق واللَّذة، فضمَّد جراحاتي الأربعة المذكورة من جهاتٍ ثلاث:
أوَّلُها: تعويضًا عن اللَّذة النابعة من الشفقة الرحيمة الخاصة لوالدتي المرحومة، أحسنَت إليَّ الرحمة الإلٰهية بلذّةٍ كلِّيّةٍ عامةٍ مصدرُها استفادةُ آلاف الأُمَّهات والنساء العجائز، وتمتُّعُهن بأذواقٍ روحيةٍ عاليةٍ من رسائل النور، وذلك بسِرِّ الحديث الشريف: «عليكم بدِين العجائز» المُوضَّح في رسائل النور.
وعوضًا عن السرور والشفقة والعطف الأخَويّ الناشئ من مجالسة أخَواتي الثلاث یی رحمهنَّ الله یی، أحسنَت إليَّ الرحمة الإلٰهية بالألوف من السيِّدات الشابّات، فقدَّمن
— 254 —
لي بأدعيتهنَّ وصِلَتهنَّ برسائل النور أُلوفًا من الفوائد والثمرات المعنوية والمَسرّات الروحية، وثمّةَ أماراتٌ ودلائلُ عديدةٌ على صدق هذا القسم الثاني، يعلمُها إخواني.
وعوضًا عن حرماني من العون المادِّي والمعنويِّ الذي كان شقيقي يُمدُّني به في الدنيا، ومن محبَّة وشفقةِ أخَويَّ المرحومَينِ، أحسنت إليَّ بمئات الآلاف من الإخوة الحقيقيِّين المُضحِّين في خدمة رسائل النور، يُبادرُونني بخالص العطف، ويمدُّون لي يدَ العون، بل يبذُلُون لأجل إعانتي في خدمة النور رأسَ مال حياتهم الأُخروية، فضلًا عن حياتهم الدنيوية.
وبدلًا عن فِقداني مزيّةَ الشَّفقة وذائقةَ العطف والحنان على الأطفال في الدنيا إذ ليس لي أولاد، مُنِحتُ الشفقةَ على مئات الألوف من الأولاد الأبرياء، من حيث تلقِّيهم وانتفاعهم برسائل النور مستقبلًا؛ فحُوِّلت هذه العواطفُ الثلاث والشفقةُ الخاصّة والجزئية على اثنين أو ثلاثة، إلى شفقةٍ كلِّيةٍ تَسَعُ مئاتِ الآلاف.
ويعلم القائمون على خدمتي كم من الأطفال الأبرياء على الطرقات في "بولفادين" و"أميرداغ" يُظهرون لي من الشفقة والاحترام والتعلُّق أكثرَ ممّا يُظهرونه لآبائهم وأمَّهاتهم، فيتحوَّل هذا الذَّوقُ واللَّذة الجزئية الشخصية الخصوصية، وهذا الاحترام الشفوق، إلى آلافِ المشاعر والأحاسيس الكلِّية والعامة.. والأمثلة على ذلك كثيرة.
وبما يُشابِه حالَ بعضٍ من ذوي الأرواح المباركة، استشعرَتْ أرواحُ هؤلاء الأطفال الأبرياء بحسٍّ مُسبَق أن رسائل النور ستمنحُهم أُبوّةً دنيويّةً وأُخرويّةً، وستوفِّر لهم التربية والحماية، لذا فهم يُظهرون لخادم النور احترامًا شديدًا أكثر مما يظهرونه لآبائهم وأمهاتهم؛ حتى إنَّ طفلةً صغيرة لا تتجاوزُ الثالثةَ من العمر، ركضت نحوي حافيةَ القدمين، دون أن تكترث بالأشواك التي في طريقها، علمًا أني لا أعرفها ولم أرها من قبل.
ولأن لديَّ الكثيرَ من الأصحاب في "بولفادين"، فإننا حين نزورُها بالعربة نقطع الطُّرُقات مسرعين، لكنَّنا مع ذلك لا نستطيع النجاةَ من أولئك الصغار الأبرياء..
— 255 —
وهكذا الحالُ في كل مكان، رغم أنهم لم يسمعوا بي من قبل ولم يشاهدوني.. وإنَّ إظهارهم نحوي علاقة تُضاهي ما يُبدونه لأبائهم وأمهاتهم، جعلني أشعرُ في نفسي وجميع جوارحي أن في الإيمان بذرةً مّا للجنّة.
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭
باسمه سبحانه
اضطُرِرنا لتوضيح حالةٍ رُوحيةٍ خفيَّةٍ خارقةٍ من أحوال أستاذنا، كيلا ينكسر خاطرُ أولئك الذين يحضرون لزيارته، ويَمضُون دون لُقياه، أو ربما نَحُولُ نحن دون لقائه؛ فلقد أهملنا اليومَ شيئًا من أمر خدمته، فعزم على إنهاء خدمتنا له رغمَ حاجته الشديدة، لكن ورد على خاطره الأمرُ الآتي، فبادر بالعفو والمسامحة:
الحقيقة أن أستاذنا أمضى معظمَ عُمُره منعزلًا عن الناس، ولم يقبل الهدايا طَوالَ حياته، بل كانت الهدايا التي يتلقّاها دون مقابل تُمرِضه، لذا فإن لقاءَ الناس به على سبيل التبجيل والاحترام يَثقُل عليه الآن كثيرًا، وقد ثبت لدينا بيقينٍ وبوقائعَ شتَّى أن مجرَّدَ مصافحته وتقبيل يده يؤثِّر في نفسه وروحه بمثل توجيهِ صفعة له، بل صار يتضجَّرُ ويتضايق حتى من نظر الناس في وجهه وإمعانِ النظر في مُحَيّاه، ونحن القائمين على خدمته لا ننظر إليه إلا للضرورة.
وسِرُّ هذا الأمر وحكمتُه: أنَّ أساس مسلك رسائل النور هو الإخلاص الحقيقيُّ، وإن التَّرحابَ والمُجالسة ومزيدَ التوقير في زمان الأنانية هذا، كلُّ ذلك علامةُ حبِّ النفس والرياء والتصنُّع، لذا كانت هذه الأمور تؤثِّر فيه كثيرًا، ويقول: "إنْ كان لقائي لأجل الآخرة، فإنَّ رسائل النور لم تُبقِ حاجةً إليَّ قطعًا، فإن كلَّ نسخةٍ من ملايين نُسَخِها تُقدِّمُ من الفوائد أضعافَ ما يقدِّمه عشَرةٌ من أمثال سعيدٍ هذا؛ وبما أني قطعتُ علاقتي بالدنيا فإن زيارتي لأجل الدنيا وشؤونها لا تعنيني بشيء، وأضيقُ بها ذرعًا، وأَعتبِرُها مَضيَعةً للوقت؛ وإن كان اللقاءُ لأجل خدمة رسائل النور وانتشارها فقد كفاني المؤونةَ
— 256 —
طلابي المضحُّون الحقيقيُّون، وأولادي وإخواني المعنويُّون القائمون على خدمتي، فيُغني لقاؤُهم عني، إذ لم يَدَعوا حاجةً لمُقابلتي؛ فليَعْذُرني مَن حولي من الإخوان، وكذا الذين يتَجَشَّمون عناءَ القدوم من أماكن وبَلَداتٍ بعيدة، ولا يَحزُنْهم ذلك".
وهو منذ عشرة أعوام يكرِّرُ إهداءَ الثواب ضمنَ أوراده أو الأوراد المُوكَّل من إخوانه بقراءتها في كل صباح فيقول: «اللهم اكتُب هذا في ديوان أعمال من يحضرون لزيارتي، وينصرفون دون لقائي» ، ويُهدِيها لأرواحهم جميعًا.
هذا ما أحببنا أن نبيِّنه لإخواننا مِن وضع أستاذنا وحالِه.
الباقي هو الباقي
طلاب النور القائمون على خدمته
٭٭٭

اقتُطفت من جريدة "إلري" في عددها الصادر

بتاريخ (١٣ نيسان ١٩٥٧م).
الأستاذ بديع الزمان يضع حجر الأساس لجامعٍ جديد.
نقلًا عن مراسلنا الخاصِّ في "إسبارطة": وضع الأستاذ بديع الزمان "سعيدٌ النُّورْسِيّ" حجرَ الأساس لجامعٍ ضمن "المعسكر التدريبيّ الثالث".
وَسْطَ حفلٍ مَهِيبٍ تمَّ وَضعُ حجر الأساس للجامع المُزمع إنشاؤه في المعسكر التدريبي الثالث الذي تمَّ تشكيله خلال الأعوام الماضية في "إسبارطة"، وقد دُعي لحضور هذا الحفل مؤلِّفُ رسائل النور الأستاذ بديع الزمان سعيد النُّورْسِيّ المقيمُ في "إسبارطة"، واستُقبِل بحفاوةٍ وترحيبٍ حارٍّ، وبعد الحفل قام بوضع حجر أساس الجامع، ثم ختم بالدعاء.
٭٭٭
— 257 —

محاورة مع "حسين عوني" و"تحسين تولا"

لا صلة لنا یی نحن طلابَ النُّور یی بالسياسة، فنحن على منهج أستاذنا، وقائمون على شؤونه؛ إلا أنَّ اهتمامَنا بعضَ الشيء بأمرِ الانتخابات إنما كان لخاطرِ الديمقراطيِّين، لِما وجدنا لديهم من إيجابيّةٍ وتعاونٍ في انتشار الأنوار، وعدمِ تعنُّتٍ في منعها والتضييق عليها مثلَما حصل في العهد السابق؛ فما كان من النُّوريِّين سوى الوقوف مع مصالح الديمقراطيين والسعي لإفادتهم كما فعلوا في الماضي.
ولقد عبَّرنا لأستاذنا عن حُزننا لعدم فوزِ وزير العدل السابق "حسين عوني" وعضو مجلس الشعب عن "سنير كنت" "تحسين تولا" في الانتخابات رغم استحقاقهما، وذلك لما لهما من أيادٍ بيضاء في منفعة الأستاذ والأنوار، فقال أستاذُنا: "لا عليكم أن تحزنوا، بل علينا جميعًا أن نبارك جُهدهما، وأن نتوجَّه إليهما بالشكر والامتنان لما قدَّموا خلال عامين من خِدماتٍ للحكومة والوطن والشعب والدِّين والأمنِ تُضاهي إنجازاتِ خمسين عامًا.
وآيةُ ذلك أنَّه كانت لديَّ رغبةٌ باستعادة "رسالة المرشد" المصادَرة، فأصدَر وزير العدل أوامرَه بإعادة مئتي نسخةٍ منه دون أن يُراجعَه أحدٌ منّا، فعاد بالنفع على مئتي شخصٍ وكَسَب دعاءَهم؛ وأما "تحسين تولا" فقد بذل جُهودًا حثيثةً لطباعة مجموعة "الكلمات" في أنقرة بصورة رسمية، وقدَّم بذلك لهذا الوطن والشعب خِدماتٍ تفوقُ ما كان سيُقدِّمه كعضوٍ في مجلس الشعب خلال مئة عام.. وحَسْبُهما هذا القدر من المكاسب المعنوية الحقيقية حتى الآن، لا سيَّما وأنها مكاسبُ أخرويةٌ باقية؛ ولا ينبغي لمثل هذه الخِدمات الباقية الجليلة الثمينة كالألماس أن تظلَّ مجرَّدَ أدواتٍ مرتَهَنةٍ لزجاجاتٍ فانيةٍ محكومٍ عليها بالكسر والزوال، وأعني بذلك العملَ لبضعة أعوامٍ في المناصب الرسمية الرفيعة أو في عضوية مجلس الشعب؛ لذا فإنني أُبارك لهما، وأرى من واجبكم أيضًا أن تباركوا وتَدْعوا لهما".
— 258 —
وقد رغبتُ مثلَكم أن يفوز "تحسين تولا" مجدَّدًا بعضوية مجلس النُّواب كي يَقوم بخدمة الأنوار، لكن حَسْبُه ما قدَّمه سابقًا من خِدمات، فلقد شرعَ طريقَ طباعة الأنوار ومهَّد بذلك السبيلَ لانتشارِها، فلم يَدَع حاجةً للمزيد.
من طلّاب النور
محمد قايا، خسرو، طاهري،
صونغُر، زبير، جيلان، بَيْرَم
حاشية:
قال أستاذنا: لَئِن خسر في الدنيا حفنةً من المال يَكسِبُها كلَّ شهرٍ كعضوٍ في مجلس الشعب، فإنَّه أسدى إليَّ شخصيًّا من بين ملايين الأشخاص خدمةً جليلة تُقدَّر بخمسين ألفَ ليرة، بما أسداه من خِدمةٍ في طباعة مجموعة "الكلمات" ونشرِها، فلو كنتُ أملكُ هذا القدرَ من المال لَمَنَحتُه إياه على الفور.. ولو أنه نجح في الانتخابات مجدَّدًا لما كانت هذه الحقيقةُ موضِعَ اعتبار، في الوقت الذي ينبغي جعلُها نُصبَ العين؛ فلا يَحزَن ولا يَألم لعدم نجاحه بسبب بعض الملحدين الظالمين.
٭٭٭
— 259 —
باسمه سبحانه
ذيلٌ للوصيّة
ذكر "أشرف أديب" في الصحيفة الثلاثين من "كتاب السيرة" الذي نشره: أن من بين الخصال السِّتِّ التي كان يتحلَّى بها سعيدٌ: "الخصلة السادسة: أنه أمضى حياته كلَّها لا يَقبلُ من أحدٍ هديةً دون مُقابِل، وأنه بدافعٍ من القناعة والاقتصاد كان يدفع نفقاتِ طلابه بنفسه قبلَ ستِّين أو سبعين عامًا رغمَ فقره وشدّة حاجته".. وها قد آن الأوان لنكشِفَ حقيقةَ هذا الأمر في خاتمة هذه الوصيَّة، فقد ظهر سِرُّه، وتَوضَّح مثالُه منذ بضعة أعوام.
أجل، فللَّه الحمد حمدًا لا أَمَد لمُنتهاه أنه مع الفقر الشديد والاستغناء، ومع الرَّفض التامِّ لقبول الهدايا، إلا أنَّ الثروة المباركة التي تحقَّقت بانتشار نُسَخ رسائل النور المطبوعة بالآلة الكاتبة المُرخَّص بها قانونيًّا قد وفَت مكاسبُها یی ببركة عجيبة یی بحاجات ونفقات طلاب النور المُضحِّين المقيمين في أربعٍ أو خمسٍ من ولايات "المدرسة الزهراء" المعنوية، والذين وَقَفوا حياتهم لرسائل النور، ولا يجدون الوقت الكافيَ للسَّعي من أجل أسبابِ عيشهم.
لذا فإنني أُوصي إخواني المُخلِصين المضحِّين بالتزام هذه القاعدة بعد وفاتي أيضًا، وبالثبات والاستمرار بتطبيق هذا الدستور الذي اتَّبعتُه منذ ستِّين أو سبعين عامًا؛ وإن تحقَّقت الحُرِّية التامة في طباعة رسائل النور بإذن الله، فإن تلك القاعدة سوف تتَّسعُ رقعتُها أكثر.
وممّا يثير العَجَب أن سعيدًا القديم وافق في الماضي على قبضِ مخصَّصاتِ خمسةِ طلابٍ من دائرة الأوقاف في مدينة "وان"، فكان هذا المال القليل يَفي بحاجة طلابه الذين ربما ازداد عددُهم في بعض الأحيانِ ليصلَ إلى العشرين أو الثلاثين أو حتى الستِّين؛ وببركة القناعة والاقتصاد، وبثمنِ خمسٍ أو ستٍّ من بنادق "الماوزر"
— 260 —
التي كان يقتنيها، كان "سعيدٌ" يُغطِّي نفقاتِ طلابه بنفسه دون أن يُخِلَّ بقاعدة الاستغناء تلك، وبالرغم من وجود داعمين كُثْرٍ في ذلك الحين، كی"طاهر باشا" الشهير.
لقد ظهرت الإشارات الغيبية لهذا الدستور الحياتيّ ذي الستِّين أو السبعين عامًا، وأحسنت العناية الإلٰهية بثمرةِ هذه القناعة والاستغناء بعد سبعين عامًا، فرغمَ المُحاكمات والمُلاحقات والمُصادرات وعدم السماح باستخدام الأحرف العربية، أهدَت رسائلُ النور بنفسها ولأعوامٍ عدّةٍ ما غطَّى حاجات ونفقاتِ الطلاب المُضحِّين لی"المدرسة الزهراء" المعنوية في أربع أو خمسِ ولايات.
ورغم إِرسالِ قسمٍ مُهِمٍّ من تلك النسخ كهدايا دون مقابلٍ إلى الجوار وأنحاء البلاد وإلى العالم الإسلامي وإلى أوروبّا، ورغم إنفاقِ "سعيدٍ" ما لديه من نفقةٍ في سبيل تكثير الأنوار، إلا أن نُسَخ النور قد سَدَّت بوجهٍ عجيب جميعَ حاجاته وحاجاتِ مَن حولَه من المُضحِّين المُخلِصين؛ فأيقنتُ أن هذا الأمر ما هو إلا أحدُ الثَّمرات اللطيفة والحِكَمِ المُنيفة للإشارات الغيبية السابقة، ولهذا فإنَّني أُؤكِّد في ختام وصيَّتي على التالي:
أن تُطبَّق وصيَّتي هذه على المخصَّصات المتبقِّية بعد وفاتي أيضًا، كيلا يتبجَّح بعضُ عديمي الإنصاف بالقول: "إن سعيدًا هذا يعيش بخمسة أو عشَرة قروش في اليوم، وما كان يأخذ مالًا من أحد، إلا أنَّه خلَّف ميراثًا يُعدُّ اليومَ بمئات اللَّيرات! فمن أين له هذا؟!"، فلأجل ذلك كان من المناسب إظهارُ هذه الحقيقة.
أوصي بالمحافظة على دستوري هذا تحت نَظَارةِ أبنائي المعنويِّين المضحِّين القائمين على خدمتي من أمثال: "زبير" و"جَيلان" و"صونغُر" و"بَيرم" و"حسني" و"عبد الله" و"مصطفى"، وبإشراف أبطال النور المُخلصين أمثال: "خسرو" و"نظيف" و"طاهري" و"مصطفى گول".
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭
— 261 —

نُرسل إليكم للاطلاع تفنيدًا لبعض الأكاذيب التي انتشرت في الجرائد..

وجدنا أن بعض جرائد المُعارَضة أعادت اتِّهامَها مجدَّدًا لطلاب رسائل النور بأنهم أسَّسوا طريقةً صوفية؛ ومن الثابت بالقرارت المكتَسِبة صفةَ القطعية والصادرةِ عمّا يَقرُب من عشَرةٍ من محاكم الجزاء العليا التي تناولت قضية رسائل النور: أن هذا الادعاء لا مكانَ له من الحقيقة.
ولم تَعثُر كذلك على أيةِ أمارةٍ بهذا الخصوص بين كتب رسائل النور والمكتوبات التي صودرت حينها وأُعيدت إلى أصحابها دون قيدٍ أو شرط؛ بل على العكس من هذا تمامًا، إذ يؤكِّد أستاذُنا سعيد النُّورْسِيُّ بشكلٍ واضحٍ وصريحٍ في رسائله ودفاعاته: "أن هذا الزمان زمن إنقاذ الإيمان لا زمنُ الطريقة، فكثيرٌ من الناس يدخلون الجنة دون طريقة، إلا أنَّ أحدًا لن يدخلَها دون إيمان".
وإزاءَ هذه العبارة الصريحة القطعية، ومقابلَ عدم وقوف عموم المحاكم والنيابة العامة منذ ثلاثين عامًا على أدنى دليلٍ لوجود الطريقة، خَرجت لنا اليومَ مجموعةٌ تزدري الدِّين الإسلامي وتُهمله، بل تُحاربُه وتحرص على إقصائه، ولم تَرُقْ لها النهضةُ الإسلاميةُ الحاصلة اليومَ، فأخذت تُطلِق على الحقيقة الإسلامية اسمَ الطريقة، في مسعًى منها لتهيئة القاعدة التي تتماشى مع أفكارها ومعتقَداتها.
ومثلَما يحدُث في كلِّ مرة، ستَفشَلُ هذه المؤامرةُ التي حِيكت خيوطُها بمخطَّطات الملحدين المُتستِّرين ومكائدهم، وسينكشفُ زيفُها مجدَّدًا لصالح هذا الوطن والشعب، وستسلُك محكمتا "آيدن" و"نازِلِّي" العادلتان ذاتَ السبيلِ التي سلكها أسلافُهما من قبل، فتُصدِرانِ قرارَ البراءة بحقِّ تلاميذ النور كالمعتاد.
إن افتعالَ تلك القضية التافهة في زمن تلقَّت فيه رسائلُ النُّور حُسنَ القبول في أرجاء هذا الوطن، بل حتى في العالم الإسلامي وأماكنَ كثيرة في أوروبا؛ وأثمرت دون قصدٍ من تلاميذ النور فائدةً دنيوية بتمهيد السبيل لاتِّحاد الأتراك مع العالم الإسلامي من جديدٍ كما كان في الماضي؛ وفي زمنٍ تَبْذُل فيه الحكومةُ جهدَها لإعادة المكانة
— 262 —
اللائقة للإسلام والدين وحُرِّية الاعتقاد، وتسعى لترميم أخطاء الحكومة السابقة، وتعمل على إصدار قانونٍ يقضي بمعاقبة المتعدِّين على المقدَّسات الدينية.. إن افتعالَ تلك القضية التافهة بالتزامن مع تلكم الأمور الإيجابية الكثيرة المُبهِجة، لا يدع شكًّا لدينا أنه من صنيعِ أعداء الحكومة والإسلام.
وأحدُ أدلّة كذبهم الكثيرة: ادِّعاؤُهم زورًا وبهتانًا أنَّ أستاذنا "سعيدًا النُّورْسِيَّ" يعيش عِيشةَ الملوك والسلاطين، ويَنعُم بما يُغدَقُ عليه من أنواع المساعدات!
إن "سعيدًا النُّورْسِيَّ" شخصيةٌ فريدة، أبى أن يدخل تحتَ مِنّةِ أحدٍ مطلقًا، لدرجة أنه اعتذر عن قبول أيِّ عطيةٍ من أحدٍ من الخلق حتى لو كانت (حَساءً) يتناولُه، وحتى لو كانت من عمِّه أو أحدِ أقاربه، ولم يُبالِ بالهدايا الثمينة التي تُقدَّم إليه، بل ردَّها لأصحابها واعتذر عن قبولها، ولم يُخلَّ بدستور الاستغناء الذي التزمه طوالَ عُمُره حتى في أشدِّ الظروفِ ظُلمًا وحِرمانًا، فحافظ بهذا على العِزّة الإسلامية وشرف الدِّين.
وقد ظهر هذا الدستور جليًّا في جميع سِني حياته الثمانين، وتحقَّق بالأدلة والوثائق في محاكمَ عديدةٍ سِيق إليها على مدار ثلاثين عامًا، وقد أبصر هذا الدستورَ العدوُّ والصديقُ بأُمِّ أعينهم.. فكم من الأحقاد والضغائن تنطوي عليها نفوسُ أولئك الذين يُطلقون هذه الافتِراءاتِ العجيبة في زمنٍ بدَت فيه هذه الحقيقة للقاصي والداني بكلِّ وضوح! نُحِيل ذلك إلى تقدير أهل الوِجدان.
وأما حقوقُه المادِّية من مؤلَّفاته "رسائل النور" التي تُطبع في ظلِّ عدالة حكومة "أنقرة"، فكان يصرفها كمخصَّصات لطلاب النور الذين وقفوا حياتهم للأنوار، ولا يجدون الوقتَ لكَسْبِ احتياجاتِهم؛ ويُمضي حياتَه في غاية الاقتصاد والقناعة، وهذا معلوم ومشاهَدٌ للجميع، وما حياتُه ذاتُ الثمانين عامًا إلّا شاهدُ صِدقٍ على ذلك.
وإحدى الأكاذيب الجليّة لصُحف المُعارَضة المحرِّضة للشعب ضدَّ حكومة الديمقراطيِّين: أنهم حرَّفوا مراسلةً بين رجلين مباركين في "نازِلِّي" بمناسبة شهر رمضان الفضيل إلى صيغةٍ سياسيةٍ كی"السَّعي لتأسيس دولة إسلامية"، وهي فريةٌ باطلةٌ لفَّقها تُجّارُ السِّياسة بزَيفِهم الذي لا يُقنِع حتى الصبيان.
— 263 —
إنَّه لَظُلمٌ عظيم متعدِّد الجوانب، وغدرٌ شنيع، وسقوطٌ إلى أدنى دركاتِ البهتان، أن يُفترى على مؤلِّفٍ إسلاميٍّ یی كسعيد النُّورْسِيّ یی مثلُ هذه الفِرى السِّياسية، وهو الذي لم تطأ قدمُه قطُّ "نازِلِّي"، ولا يَعرف أحدًا فيها، وهو على قطيعةٍ تامّةٍ مع السِّياسة منذ أربعين عامًا يُردِّدُ قولتَه: "أعوذ بالله من الشيطان والسِّياسة"، وقد جعلَ قضيةَ حياته كلِّها إنقاذَ الإيمان عبر الحقائق القرآنية والإيمانية، وأعرض عمّا وراءَ ذلك من الشؤون الدنيوية؛ وقد شارف اليومَ على الثمانين من عمُره، وهو طريحُ الفراش يُقاسي آلام المرض الناجم عن تسميمه، ويُعالج سكرات الموت، وما فتئ يردِّد: "إنني على باب القبر"، ويَنشُد الرّاحة والهدوء.
وأما الافتراء على أيِّ عالم من علماء الدِّين بالنُّبوّة، فإنَّه يُعَدُّ اعتداءً واضحًا على الإسلام، وخيانةً للقرآن بشكلٍ مباشر؛ ولقد أمضى أستاذُنا سعيدٌ النُّورْسِيّ عمُرَه كلَّه مُتَّبِعًا السُّنةَ السَّنية، وفي سبيل عدم مخالفته لِسُنّةٍ واحدةٍ فقط لم يأبَهْ بِمَنصّات الإعدام؛ ولأجل إحياء السُّنة السَّنية والحفاظ على الإيمان ألَّفَ مئةً وثلاثين كتابًا، وجاهد ضدَّ السَّفّاحين من أعداء الدِّين غيرَ مُبالٍ بحياته، حتى انتصر عليهم وحقَّق النجاح في نهاية المطاف.
وكتابٌ واحدٌ من مؤلَّفاته حولَ اتِّباع السُّنّة النبوية الشريفة كافٍ ليجعلنا ندركُ مدى بُعدِ الذين يتَّهِمون سعيدًا النُّورْسِيَّ هذا الاتِّهامَ عن الحقِّ والحقيقة، والإنصاف والوجدان، ومدى خُبث هذه التُّهَم التي لا تخطرُ حتى ببال الشياطين، وهو كتاب "المعجزات الأحمدية" الحافلُ ببيان كون الرسول الأكرم (ص) نبيَّ الحقِّ، وأنه خاتَمُ الأنبياء، وقد نُشِرَت منه آلافُ النُّسخ على مدار ثلاثين عامًا.
وحقيقة الأمر: أن رسائل النور تُحقِّق فوائد جليلةً للحياة العائلية، وهي بذلك تُشكِّل یی باحتمال قويِّ یی أحدَ عناصرِ هذه الحادثة إذ توفِّرُ الأنوارُ للنساء عيشةَ العِفّة والشرف والنزاهة والسعادة، لهذا حصل إقبالٌ واسع من النساء على الرسائل؛ وأحد الأمثلة المُشرِقة على ذلك أنهن نَشَرنَ بعض المقالات حول هذا الأمر، فلمّا اطَّلع عليها أعداءُ الدِّين، قاموا بشَنِّ هذه الهجمة لصالح البلشَفيّة، مُتذرِّعين ببعض الذرائع
— 264 —
الواهية، إلا أنهم لن ينجحوا في هذا قطعًا، بل إن مؤشِّر انتشار رسائل النور يَسِيرُ عكس مخطَّطاتهم، فهي تنتشر بين عموم الرجال والنساء، وفي تزايُد مطَّرد.
القائمون على خدمته لاشتداد مرضه
طاهري، زبير، جيلان، بَيْرم، صونغُر، رشدي
٭٭٭
باسمه سبحانه
أسوقُ هنا حاشيةً صغيرةً لی"الشكوى إلى المحكمة الكبرى" المُدرَجة في كتاب "السيرة"، والمقدَّمة ككلمةٍ أخيرةٍ لي في واحدةٍ من أهمِّ المحاكم، والمرسلةِ إلى الجهات الرسمية في "أنقرة"، وإلى محكمة التمييز، وإلى رؤساء المحاكم يوم كنتُ في المحكمة؛ فلقد حدث معي مجدَّدًا أمرٌ صغيرٌ عجيبٌ غريبٌ، ومشابهٌ لتلك الحادثة:
قبل يومين سافرتُ إلى مدينة "قونية" لِما يحدوني إليها من شوقٍ كبير، فلقد كانت في الماضي بمثابة "مدرسة الأناضول العلمية"، ولأجل تحصيل ثلاثة أهداف:
الأول: تخفيف بعض نفقات السفر عن اثنين من إخواني النوريِّين اللَّذَين حضرا لزيارتي لدى عودتهما من محكمة "إزمير"، وتكبَّدا بذلك مصاريف كبيرة رغم فقر حالهما، فقُمتُ باصطحابهما بعربتي الخاصة إلى "قونية".
الثاني: الرغبة في زيارة أخي وأولاده ولقائهم فقد ظلَّ يَدرس عندي خمسة عشر عامًا، وتولَّى وظيفةَ الإفتاء منذ قرابة عشرين عامًا، وهو الوحيد المتبقِّي على قيد الحياة من بين إخواني وأقربائي، ولم أره منذ أربعين سنةً سوى مرة واحدة.
الثالث: زيارة أحد أساتذتي المُهِمِّين أهمِّيةَ الإمام الربّاني والإمام الغزالي، ألا وهو مولانا "جلال الدين الرومي" الذي تربطني به صِلةٌ وطيدة، فهو أحد أساتذة "سعيدٍ القديم" و"سعيدٍ الجديد"، ولدى مُريدِيه علاقة حميمة مع رسائل النور في كلِّ مكان.
— 265 —
ولكن مثلَما وَرَد بيانُه في مقالة: "رسالةٌ بخصوص الزوّار: لا يمكنني لقاءُ الناس" المُدرَجة ضمنَ كتاب "السيرة"، مِن أن الحقَّ سبحانه جعل مرضي مانعًا من قبول هدايا الآخرين، كذلك منعني یی بعنايةٍ منه سبحانه یی من لقاء الناس والتحدُّث إليهم، بما يُعَدُّ هديةً معنويةً أيضًا، وذلك بأن بُحَّ صوتي، فلم أتمكَّن حتى من زيارة بيت أخي لعدم قدرتي على الكلام.. فبينما كان يلزمُني الإقامةُ في "قونية" يومين أو ثلاثةً على الأقل، إذا بي أُضطَرُّ خلال ساعةٍ واحدةٍ لأداء الصلاة والعودة فورًا.
غيرَ أن القوم هنالك أضفَوا على شخصي صورةً مُشرِقة بما بذلوه تجاهي من تضخيمٍ بالغ، لدرجة أنَّ جميع الصُّحُف واكَبَت الحَدَث؛ فرغم أنني لم أتمكَّن من زيارة منزل أخي الذي لم ألتقِ به منذ أربعين عامًا سوى مرّةٍ واحدة أو التحدُّث إليه، إلا أني بما لَقِيتُ هناك من سُوءِ المعاملة، كأنني التقيتُ بآلاف الأشخاص.
صحيح أن المعاملة التي قام بها عناصرُ الشرطة بناءً على أوامر تلقَّوها كانت هفوةً شنيعة، إلا أنها كانت موافِقةً لحالتي الصِحِّية ومرضي الشديد، لذا ما أستأتُ منهم ولا سخطتُ عليهم، بل على العكس من ذلك: سامحتُهم وشكرتُهم وترضَّيتُ عنهم.
ولأنني بحاجةٍ شديدةٍ لاستنشاقِ الهواء النقيّ وتغيير الأجواء، فأنا مُضطرٌّ للسِّياحة صيفًا في الجبال، وشتاءً في منازلَ استأجرتُها في أماكن متفرِّقة؛ فلا أُطيقُ الإقامةَ في مكانٍ واحد إذ يشتدُّ عليَّ المرضُ، فعزمتُ أن أذهب بين حينٍ وآخر إلى أماكن كی"قونية" مثلًا، لكن شعرتُ نتيجةَ الموقف الذي حصل فيها أن ذلك التصرُّف الذي لا معنى له صار سببًا لمَنعي من التنزُّه واستنشاق الهواء العليل، وحتى من زيارة منزلين لي في "أميرداغ" وآخرَ في "أسكي شَهِر" كنتُ استأجرتُهما بنفسي.
هذا، إضافةً إلى أنني لا يمكنُني لِقاءُ أحدٍ قطعًا، وثمّة تصرفاتٌ كثيرةٌ تُمارَس ضدِّي خلافَ القانون وفوق المُعتاد.. لذا فإنَّ عباراتي هذه التي توضِّحُ وضعي المذكور، تصلُح لنشرِها كذيلٍ لما كُتب سابقًا من: "الشكوى إلى المحكمة الكبرى".
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭
— 266 —

السيد رئيس الجمهورية، ورئيس الوزراء

شيخٌ هَرِم، مسكين مُستَضعَف، جاوز الثمانين من عُمُره، ومبتلًى بأمراض عديدة، وعلى شفير القبر يستقبل أجلَه.. يودُّ أن يُبيِّن لكم حقيقتَينِ:
الأولى: بمِلْءِ قلوبنا وأرواحنا نبارك لكم هذا التعاونَ الوثيق والاتِّفاقَ الناجح مع كلٍّ من الباكستان والعراق، فلقد بعثتُم الفرحَ والسُّرور في نفوس هذا الشعب؛ وسيغدو اتِّفاقُكم هذا بكلِّ يقين مقدِّمةً لإقرار الأمان والسلام لدى أربع مئة مليون مسلم، ولتوفير السلام العامِّ للبشرية قاطبةً إن شاء الله.. هذا ما استشعرتُه في روحي، ورأيتُ لِزامًا عليَّ أن أكتب إليكم بناءً على إخطارٍ قويٍّ وَرَد عليَّ أثناءَ تسبيحاتِ الصلاة.
وقد دفعني لبيان هذا الإخطار القلبيِّ ذي الصِّلة الوثيقة بالسياسة رغمَ أني هَجَرتُها منذ ثلاثين أو أربعين عامًا، ما أحدَثَتْه رسائلُ النور من تأثير في البلدان العربية والباكستان أكثرَ من أيِّ بلادٍ أخرى، وما تلَقَّته فيها من حُسن القبول، وهي التي سلَّطَتِ الضوءَ منذ خمسين عامًا على أوجز السُّبل لإنقاذ الإيمان، وعلى المعجزة المعنوية للقرآن الكريم في هذا العصر، حتى وَرَدَنا خبَیرٌ مُفاده أن طلاب النور في تلك الأماكن يفوقُ عددُهم ثلاثة أضعاف العدد الذي أقرَّ به المحاكمُ هنا.. فلأجل هذا السِّرِّ اضطُرِرتُ روحيًّا في آخر عمري وأنا على عتبة القبر لبيان هذه النتيجة العظيمة ومشاهدتِها.
الثانية: لقد ولَّد الفكرُ العنصريُّ خطرًا عظيمًا في عهد الأمويِّين، ونجمتْ عنه أضرارٌ جسيمة برزت في بداية عهد "الحرية" على صورة "الأندية والجمعيّات"، مثلَما استُغِلَّت العنصريةُ في الحرب العالمية الأولى فألحقَت آنئذٍ الضررَ بالأتراك المجاهدين من قِبل إخوانهم العرب المباركين.. ومن غير المُستبعَد استخدامُها مجدَّدًا ضدَّ الأخوّة الإسلامية، فثمّة أماراتٌ تشير إلى أن المُلحِدين المُستَتِرين أعداءَ السَّلام العامِّ يَعمَلون من جديد على تكريس العنصرية بُغيةَ إحداث أضرار جسيمة.
— 267 —
وإن من السِّمات الفِطرية للعنصرية تغذيةَ العمل السلبي الهدّام وإلحاقَ الأذى بالآخرين، ناهيك عن أن الشَّعب التركي في شتَّى أرجاء العالم يَدِينُ دينَ الإسلام، وقد امتزجت قوميَّتُه بالإسلام حتى أضحى التفريقُ بينهما غيرَ مُمكن، فالتركي يعني المسلم، وغير المسلم منهم لا يكون تُركيًّا.
وكذا حالُ العرب، فإنهم یی كما الأتراك یی امتزجت عروبتهم وقوميَّتُهم بالإسلام، وهو اللازمُ والواجبُ في حقِّهم، إذ هو قوميَّتهم الحقيقية وحَسْبُهم بها.. أَلَا إن شعار العنصرية ودعوى القومية خطرٌ عظيم.
وإنني على قناعةٍ رُوحيّةٍ قطعيةٍ أن اتفاقكم القيِّم هذا مع العراق والباكستان سيَصُدُّ أضرارَ العنصرية الخطيرة إن شاء الله، وسيشكِّلُ عاملًا مهمًّا في اكتسابِ أبناء هذا الوطن أخوّةَ أربع مئةِ مليون مسلم، بدلًا من أربعةِ أو خمسة ملايينَ من العنصريِّين، وكذا نَيلهم صداقةَ ثمان مئة مليون مسيحيٍّ وغيرهم من ذوي الدِّيانات الأخرى التوّاقين بشدّةٍ إلى الصُّلح والسِّلم العامِّ.
الثالثة: قبل خمسة وستين عامًا أطلَعَني أحدُ الوُلاة على خبرٍ نُشر في بعض الصُّحف، مُفادُه: أن وزيرَ المُستعمَرات المُلحِدَ ألقى خطابًا وبيده نسخةٌ من القرآن، فقال: "ما دام هذا القرآن بأيدي المسلمين، فلن نتمكَّن من إحكام السيطرة عليهم، وإبقائهم تحت سُلطتنا؛ فإمّا أن ننتزعه من بين أيديهم، وإما أن نَصرِفَهم عنه".
وحمَلَتْ هذين الفكرين منظمةُ إفسادٍ خبيثةٌ، عَمِلَت من خلالهما على إلحاق الضرر بهذا الشعب المسكين المُضحِّي البريء صاحب الحَمِيّة والغَيرة؛ فمنذ ذلك الحين یی أي: ما يُقارب خمسة وستين عامًا یی طلبتُ المَددَ من القرآن الحكيم، وعزمتُ على التصدِّي لهذا التيّار ومجابهتِه.
ولمعرفة أوجزِ السُّبُل لبلوغ الحقيقة، ووضعِ تصوُّرٍ لإنشاء جامعة إسلامية كبيرة، ولأجل تخليص حياتنا الدنيوية من الاستبداد المطلق ومهالك الضلالة یی وهي كذلك إحدى ثمار تلك الجامعة یی وتعزيز علاقات الأخوّة بين الشعوب الإسلامية، وإنقاذ آخرتنا.. لتحقيق ذلك كلِّه وقفنا على وسيلتين:
— 268 —
الوسيلة الأولى: رسائل النور، إذ إنها تُعزِّزُ الأخوة الإسلامية بقوة الإيمان، بدلالة تأليفها تحت وطأة ظلمٍ شديدٍ وحالةِ عجزٍ تفوق الوصف، وما أحدَثَتْه اليومَ من تأثيرٍ بالغٍ في أماكنَ كثيرة من أنحاء العالم الإسلامي وفي أوروبا وأمريكا، وما ألحقَتْه من هزيمةٍ بالفوضويِّين وبفلسفة الإلحاد، وانتصارٍ رهيبٍ على أفكار الماديِّين والطبائعيِّين والمُلحِدين منذ ثلاثين عامًا، وعدم تمكُّنِ أيِّ محكمةٍ أو أيٍّ من لجان الخُبَراء من جَرحِها بشيء.
وسيأتي اليومُ الذي يتولَّى فيه أمثالكم ممَّن اهتَدَوا إلى معرفة مفاتيحِ الأخوّة الإسلامية، عَرْضَ جَلَوات هذه المعجزة القرآنية لأقطار العالم الإسلاميِّ أجمعَ بإذن الله تعالى.
الوسيلة الثانية: قبل خمسة وستين عامًا كانت لديَّ رغبةٌ بالسفر إلى الجامع الأزهر المبارك بهدف التعلُّم فيه، وذلك باعتباره مدرسةَ العالم الإسلاميّ، إلا أن الأمرَ لم يُقدَّر لي؛ فألهمني الحقُّ سبحانه بعميم رحمته فكرةً مُفادُها: بما أن الجامع الأزهر يُمثِّل مدرسةً عامة في أفريقيا، وبما أنَّ مساحة آسيا تفوق مساحة أفريقيا، فثمّة حاجةٌ ماسّة لإنشاء جامعةٍ إسلاميةٍ كبرى فيها ودارٍ للعلوم كبيرةٍ على غراره، تحمل معانِيَ "المدرسة الزهراء".
ومنذ خمسةٍ وخمسين عامًا وأنا أسعى جاهدًا یی بمثل سعيي لنشر حقائق رسائل النور یی من أجل تأسيس هذه الجامعة في مركز الولايات الشرقية، لتكون وَسَطَ البلاد العربية، وفي عموم بلاد الهند وإيران والقفقاس وبلاد الترك، وتجمع في الوقت ذاته بين المدارس الحديثة والمعاهد الشرعية، ولأجل التصدِّي لما يبُثُّه الفكر العنصري من إفسادٍ بين الأقوام الإسلامية في البلاد العربية والهند وإيران والقفقاس، وبلاد الترك وكُردستان.
ولأجل اعتمادِها وسيلةً لإحياء الحميّة الإسلامية التي هي القومية الحقيقية الإيجابية السامية الشاملة، ومظهرًا لتجلِّي أحد دساتير الإسلام الأساسية، المُتمثِّل بقوله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ
— 269 —
وحتى تتصالح علوم الفلسفة مع العلوم الدينية، وتتصالح الحضارةُ الأوروبّية مع حقائق الإسلام مصالحةً تامّةً؛ وليتَّفِق أربابُ المدارس الحديثة وأربابُ المدارس الشرعية في الأناضول مع بعضهم، ويتعاونوا فيما بينهم.
وإنَّ أوَّل من أدرك أهمِّيةَ هذه الجامعة هو "السلطان رشاد رحمه الله"، فخصَّص لبنائها مبلغَ عشرين ألفَ ليرةٍ ذهبية؛ وبعد خَلاصي من الأسر في الحرب العالمية الأولى قُمت بزيارة أنقرة بهذا الغرض، فوافق آنئذٍ (١٦٣) نائبًا من أصل (٢٠٠) من نُوّاب البرلمان، ووقعوا على تخصيص مبلغ (١٥٠) ألف ليرة ورقية یی ذات القيمة الثمينة يومَذاك یی لإقامة تلك الجامعة، وكان "مصطفى كمال" بينهم.
وإن تخصيصَهم لمبلغٍ يُعادل اليومَ قيمة "خمسة ملايين ليرة" يُظهر أنهم أَوْلَوا أمرَ هذه الجامعة أهمِّية أكبر من أيِّ شيء آخر؛ بل لقد وقَّع على هذا القرار بعضُ النوّاب المتهاوِنين بأمر الدِّين، والمُناصرين للتغريب، والراغبين بالتجرُّد عن الأعراف الإسلامية، في حين اعترض اثنان منهم فقط متذرِّعَين بدعوى: "أننا بحاجة اليومَ إلى الحضارة الغربية أكثرَ من حاجتنا إلى العلوم الدينية والعلوم التقليدية".
فأجبتُهم بما يلي: لِنفترضْ مُحالًا عدمَ الحاجة إليها بوجهٍ، غيرَ أن ما يَحملُ آسيا على الرُّقيِّ الحقيقيِّ أكثرَ من تأثير العلم الحديث والفلسفة إنما هو الحِسُّ الديني، بدلالة بِعثةِ أكثرِ الأنبياء في آسيا والشرق، وظهور أكثرِ الحكماء والفلاسفة في الغرب.
ولو أنكم باسم التغريب هجرتُم الأعرافَ الإسلامية، وتخلَّيتُم عن هذا القانون الفطري ولم تُبالوا به، وأسَّستُم نظامًا لا دينيًا، فستجدون أنفسكم مُلزَمين بنُصرة الدِّين وحقائقِ الإسلام لدرجة الوجوبِ، وذلك حرصًا على سلامة الشعب والوطن، وإرساءً للسلام في الولايات الشرقية الواقعة في منطقةٍ محوريّةٍ بين أربعة أو خمسة دُوَلٍ كبرى.. وسأذكر لكم واحدًا من آلاف الأمثلة على ذلك:
حين كنت في "وان"، سألتُ أحد طلّابي الأكراد من ذوي الحَمِيّة والغَيرة: لقد قدَّم الأتراكُ للإسلام خِدماتٍ جليلةً، فكيف تنظُر إليهم؟ فأجاب: بما أنهم يخدمون الإيمان خدمةً تامّة، فإن تركيًّا مسلمًا أفضلُ عندي من شقيقٍ فاسق، وأقرب إليَّ من أبي.
— 270 —
ومضت الأيام، فانتسب هذا الطالب رحمه الله إلى إحدى المدارس الحديثة في إسطنبول ودرس فيها، فالتقيتُه بعد عودتي من الأَسْر، فألفيتُه قد انحرف عن مسلكه، وسقط في شِباك العِرقية الكردية، نتيجةَ التأثير العكسي الذي تلقّاه من بعض معلِّميه العنصريِّين، وقال: إنني اليوم أُفضِّل كرديًّا فاسقًا یی بل مُلحِدًا یی على تُركيٍّ صالح. فبذلتُ له عِدّة لقاءات حتى أقنعتُه بالعدول عن قناعته ذاك، وأيقَن أن الأتراك هم جنود الأُمّة الإسلامية البواسل.
أيُّها النوّاب الموجِّهون لهذا السُّؤال: إن في الشرق ما يقرُب من خمسة ملايين كُرديّ، وقرابة مئة مليونِ إيرانِيٍّ وهنديّ، وسبعين مليونَ عربيّ، وأربعين مليونَ قَفْقاسيّ.. فما الذي تحتاجُه تلكم الشعوب المُتجاوِرة، وهؤلاء الإخوة المُحتاجُ بعضُهم بعضًا؟ هل يلزمهم الدرس الذي تلقّاه ذلك الطالب في مدرسة "وان" الدينية؟! أم الدرس الثاني المُتمثِّل باستبعاد العلوم الإسلامية، والاقتصار على دراسة العلوم الفلسفية التي تُفسِدُ ذاتَ بينِ تلك الشعوب، وتَحصُر التفكيرَ بأبناء الجلدة فقط من بين جميع القوميّات، ولا تعترف بالأخوّة الإسلامية؟! أسألكم: أيُّهما أفضل؟
وعقب هذا الجواب وقَّع على القرار حاملو فكرة التغريب المُعادُون للأعراف والتقاليد.. ولا حاجة اليومَ للإفصاح عن أسمائهم، فلقد غيَّبهم الموتُ.. عفا الله عن تقصيرهم.
رابعًا: لقد جعل رئيس الجمهورية یی وهو بدوره شيخ قديم یی قضيةَ "جامعةِ الشرق" أهمَّ أولوياته من بين القضايا السياسية الكثيرة والمُهِمّة، بل بلغت من قمّة اهتمامه أن أصدر قرارًا بتخصيص (٦٠) مليون ليرة لتشييدها، فأسدى بذلك خدمةً جليلة، ونال بها شرفًا عظيمًا؛ وحظي بامتنانِ جميع مشايخ الشرق ورضاهم؛ وستغدو هذه الجامعة الإسلامية بإذن المولى عزَّ وجلَّ مَبعَثَ افتخارِ المدارس الدينية.
وبإدراجه لها ضمنَ أولويّات مهامِّه السياسية، يكون قد وضع حجرَ أساسِ السِّلْم العامِّ في الشرق الأوسط، وتشييد أولى قلاعِه الحصينة، وسيعود ذلك بفوائد جمّةٍ لصالح هذا الوطن والشعب وهذه الحكومة.
— 271 —
ولأنَّ التخريبات الخارجية الرهيبة المتمثِّلة في الإلحاد عبارة عن قوّةٌ معنوية، فيتطلَّب صَدُّها كذلك قوّةً معنويّةً تمتلكُ تأثيرَ قنبلةٍ ذَرِّيةٍ وتكتسب قُوَّتَها، وذلك بإقرارِ العلوم الدينية أساسَ علوم تلك الجامعة.
وما دمتُم تجدون أنفسكم مضطرِّين لاستشارة أمريكا وأوروبا حول هذه القضية، فإنَّ لي الحقَّ أيضًا أن أُشارك وأُبدِيَ رأيي بشأنها، فلقد أمضيتُ خمسًا وخمسين سنةً من حياتي أسعى في سبيل تحقيقها، ودقَّقتُ بجميع تفاصيلها ونتائجها.. إنني آمُل ذلك منكم باسم جميع ذوي الحَمِيَّة من أفراد الشعب.
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭
— 272 —
باسمه سبحانه
إخواني الأعزّاءَ الأوفياءَ المخلصين المضحِّين، وأصحابي الحقيقيِّين الجادِّين الثابتين في الخدمة القرآنية..
أودُّ أن أُحدِّثكم عن حالةٍ مُهِمّةٍ عرَضَتْ لي، ومرضٍ شديدٍ عانَيتُ بسببه اضطرابًا شديدًا، إلّا أن العناية الإلٰهية حوَّلَتْه مرضًا ظاهريًّا حَمَل في ثناياه رحمةً عظيمة، فغدا مُعْلِمًا لي باستراحةٍ معنوية، ومُؤْذِنًا بانتهاء وظيفتي؛ وليس حديثي هذا إليكم من باب التشكِّي، وإنما هو من باب إظهار الشكر، ورجائي منكم فقط أن تَدْعُوا لي بالتحمُّل والتصبُّر.
وتلكم الحالة هي: أنني حينما أشرعُ في الكلام تأخُذ حرارتي في الارتفاع فورًا، كأنها مانعٌ معنويٌّ لي من الحديث، حتى أُضطرُّ لشرب الماء عشرين أو ثلاثين مرة في اليوم رغم إقلالي من الطعام، في حين كنت أحتاج شُربَه في الماضي مرّةً أو مرَّتَين؛ وقد اشتدَّ عليَّ المرضُ قبل يومين حتى اعتقدتُ أنِّي أُصبتُ بالتسمُّم، وأَعلمتُ مَن حولي من إخواني بالأمر بناءً على هواجسَ كبيرة، وتضرَّعتُ إلى الله برحمته وببالغ الرجاء أن يُلهمني الاحتمالَ والاصطبار إزاءَ هذا المرض الشديد، فورد على قلبي فجأةً:
مثلما شاهدتَ جَلَواتِ العناية والرحمة في المِحن التي عانيتَ منها في الماضي، ستجِدُ جَلوةَ الرحمة في هذا المرض أيضًا، فإن سعيَ المُلحِدين وشياطينِ الجنِّ والإنس لتسميمك وإسكاتك أضحى بلُطف الرحمة الإلٰهية سبيلًا لإتمام مُهِمَّتك واستراحتك.
كنتُ قد شرعتُ في العام الماضي بتدريس "تفسير إشارات الإعجاز" و"المثنوي العربي النُّوريّ" على مدى عام كامل، فحاول شياطينُ الإنس والجنِّ من أعدائي العاملين في الخفاء إسكاتي بمكائدهم الواسعة، فكان أن أحسَنَتِ الرحمةُ الإلٰهيةُ إليَّ هذين الكتابين مُترجمة إلى اللغة التركية؛ ولمّا كانت رسائلُ النور بالجملة تؤدِّي دُرُوسَها بنفسها، فلا تدع حاجةً لمُدرِّسين يشرحونها، انقلب هذا المرض لطفًا وإحسانًا إلٰهيًّا ومصدرَ استراحةٍ لي من وظيفة التدريس، وتهنئةً على ما قدَّمتُ في الماضي.
— 273 —
كما ورد إلى روحي بأن ثمّة آلافًا بل مئاتِ الآلافِ من النماذج المُصغَّرة لی"سعيد"، يُدرِّسون ويتحدَّثون نيابةً عنك، وأنَّ من الإحسان الإلٰهيِّ لرسالة النُّور أنَّ شرحها وتوضيحَها لا يستدعي كلفةً ومشقّةً، كما هي حالُ سائر العلوم الأخرى.
وإن عبارة الغوث الگيلاني على سبيل الكرامة: "فإنك محروسٌ بعين العناية"، ظَهرَت لديَّ مجدَّدًا عينَ حقيقة، كما حصل في الزمن الماضي وفي أحلك الظروف.
وحرصًا على سلامة الإخلاص أن يُداخله الفساد، وبتحوُّل الأعداء اليومَ إلى أصدقاء، فإن المجالسة والتحدُّث ربما كانا وسيلتين لجني ثمرات لذيذة فانيةٍ في الدنيا باستخدام الخِدمات الأخروية، ولا ينبغي للإخلاص التامّ أن يُتَّخذ وسيلةً لأي غرض.. لذا أفتى القدَرُ الإلٰهيُّ عبر هذه الحالة بتحويل هذه المحنة العصيبة لصالحي لا ضدي، وسمح بوقوعها إيذانًا بعدم التدخُّل في الشؤون الإلٰهية.
إنَّني أُوكِّل مَن حولي ممَّن ارتضَيتُهم في وصيَّتي أبناءً لي، وإنني أقبلُ كل مَن تواصل معهم وأعُدُّه متحدِّثًا معي بشكل مباشر.
الباقي هو الباقي
أخوكم
سعيدٌ النُّورْسِيّ
من خلال مرض أستاذنا هذا نُدركُ أن المُلحِدين العاملين في الخفاء قد أعدُّوا دواءً وناولوه إيّاه كي يمنعوه من الحديث.. ونحن نُشاهِد بأنفسنا أيضًا امتناعَ أستاذِنا من المصافحة والمجالسة والمحادثة.
القائمون على خدمة أستاذنا
طاهري، زبير، جيلان، حسني، بَيْرم
٭٭٭
— 274 —

نَوَدُّ بيانَ حقيقةٍ مُهِمّةٍ ليَطَّلعَ عليها الأصدقاءُ والشخصياتُ الرسمية..

كان أستاذنا في شبابه یی بل حتى وهو صغيرُ السِّنِّ یی يُظهِرُ استغناءً شديدًا عن الناس، حفاظًا على العِزّة العلمية، فمثلَما كان يرفضُ قبولَ الزكوات والصدقات بشكلٍ قطعيٍّ، كذلك كان يأبى قبولَ الهدايا كما وُضِّح ذلك في "المكتوب الثاني"، وتعزيزًا لموقفه هذا في حال كِبَره حيث الشيخوخةُ والضَّعف، حوَّل الحقُّ سبحانه بعميمِ رحمته الأمرَ من "دستور استغناء" إلى "حالةٍ مَرَضيّة"، فبمجرَّد تناوُله لقمةَ طعامٍ بغير مقابل يمرض مباشرةً، ولا يستطيع إساغةَ هذه اللقمة.
ولم يكن أستاذنا في شبابه شديدَ الفاقة، فحين كان يعيشُ وحده كانت تكفيه حفنةٌ من المال؛ وأما في الوقت الحالي فرغم معاناته من المرض العضال وكثرة المتطلَّبات، ما زال يغطِّي نفقاتِ الكثير من طلابه، صونًا لدستور الاستغناء المُتمثِّل بعدم قبوله الهدايا دون مقابل؛ بل إنه يَعُدُّ الاحترامَ هديةً معنوية، لذا تجده لا يرتضي تقبيلَ يده ومزيدَ احترام الناس له.
وبشهادة "سيرة حياته" و"لمعة الشيوخ"، فإنه قد دخل في صباه في "سِيْرْت" وقصَبة "تِلُّو" خلوةً فاقت خلوةَ نُظرائه.. وخلا بنفسه في ضريح الشيخ "أحمد الخاني" في ولاية "أغري"..
وحين وقع أسيرًا في "روسيا" كان معه حوالي (٩٠) ضابطًا يتلقَّون منه الدروس ويُنصتون إليه بلهفة وشوق، إلا أنه لمّا عثر على مكان خالٍ في "جامع التتار" القريب من معسكر الأسر، انزوى فيه وخلا بنفسه.. ويومَ كان عضوًا في "دار الحكمة" بی"إسطنبول" يعيش حياةً يُغبَط عليها، اختار العزلةَ بنفسه في تلّة "يوشع".. وحين عاد إلى "وان" لم يرغب أن يحيا حياةَ سعادةٍ بين طلابه القدامى والجُدُد، فاختلى بنفسه في مغارة على جبل "أراك".
وحين اقتيد إلى السجون یی بعد هذه المرحلة یی مُورِس بحقِّه ظلمٌ شديدٌ دام ثلاثين عامًا، حيث وُضع أحيانًا في التجريد عشرين شهرًا رغمَ أن مدّة التوقيف في
— 275 —
السِّجن الانفراديِّ الرَّسميِّ خمسةَ عشَرَ يومًا، بل لقد أمضى في بعض السجون مدّةَ حُكمِه كلَّها في زنزانة منفردة! ورغم ذلك كلِّه لم تَصدر منه أيَّةُ شكوَى لأيِّ أحد.
يتَّضحُ لنا من جميع هذه المواقف أن سياسة العزلة والانزواء كانت السِّمةَ العامّةَ والحاكمة في فطرة أستاذنا، ومع شيخوخته وتقدُّمه في السِّنِّ ممّا يجعله بأمسِّ الحاجة لمن يساعدُه ويُجالسُه ويقوم على خدمته، أُحسِن إليه بهذا المرض، حفاظًا على دستوره هذا.
فإذا تحدَّث لمدة خمس دقائق ارتفعت حرارتُه على الفور، بل حتى في قراءته الفاتحةَ في الصلاة بالقدر الذي يُسمِع به نفسَه على مقتضى مذهبِ الشافعية، ما اضطَرَّه أن يُؤدِّيَ صلاته على مذهب الحنفية؛ وثمّة تقريران طبِّيّانِ بهذا الخصوص يمكن الاطِّلاعُ عليهما.
وكان هذا كلُّه في زمنٍ تحقَّقت فيه لرسائل النور فتوحاتٌ عظيمة، وتلقّاها العالمُ الإسلاميُّ بقَبول حسنٍ، وفي زمن انقلب فيه الأعداءُ أصحابًا، فوُهب استيحاشًا عظيمًا من الناس، وبُحَّ صوتُه وتعذَّر عليه التحدُّث لأحد، وصار يرفضُ تقبيلَ يدِه من أحدٍ، بل صار يَعُدُّه بمثابة توجيهِ صفعةٍ له؛ كل ذلك لأجل أن يحافظ على الإخلاص في خدمة رسائل النور، وكيلا تكون غرضًا لأيِّ مقامٍ دُنيويٍّ أو أخرويٍّ سوى مرضاةِ الله وحدَه.. ومع حالته هذه التي وَصَفْنا أَيقَنّا بصورةٍ قطعيةٍ أن الأمر ما هو إلّا اصطفاءٌ ربانِيّ، حتى إنه أعلن صَفْحَه عن الشخص الذي تسبَّب بظهور هذه الحقائق.
حاشية: سَأَلْنا أستاذَنا: لماذا لا تُقابل الناسَ بعد أن اتَّسعَت رقعةُ انتشار رسائل النور، ومُنيَ أعداؤُها بالهزيمة، وانقلبوا أصدقاء؟ فأجابنا: إن الذين يرغبون بلقائي إمّا أصحابٌ أو معارضون؛ فإن كانوا أصحابًا فإن مئاتِ آلافِ نُسَخ رسائل النور تتحدَّث نيابةً عني، ولا تدعُ الحاجة لي بأي شكل من الأشكال.
وإن كانوا مُعارِضين فإن الكثيرَ من المحاكم ولجان الخبراء قد دقَّقتْ في رسائل النور وحقَّقتْ مع طلابها على مدى الثلاثين عامًا السالفة، إلّا أنها لم تَقِف على أيِّ
— 276 —
تُهمة لا في رسائل النور ولا في طُلّابها، وهو الذي أقرَّت به أربعٌ وعشرون محكمةً، وأصدرت أربعُ محاكمَ قراراتٍ قطعيةً ببراءة رسائل النور، ونالَت قراراتُهم هذه صفةَ القضية المُحكَمة، وأُعيدَت جميعُ الكتب والرسائل إلى أصحابها.. فهذه المحاكم تُجيبُ جوابًا قطعيًّا على المُعارِضين نيابةً عني، ولا تدَعُ حاجةً إليَّ.
وأمّا من رغب بلقاءِ شخصي، فإن جميع طُلّاب النور بمثابة وكلاءَ لی"سعيدٍ" المسكينِ هذا، ولديه كذلك وُكَلاءُ من المُحامين في "أنقرة" و"إسطنبول" يمكن لقاؤهم والتحدُّثُ إليهم.
القائمون على أعماله الضرورية
لشدة مرضه وشيخوخته
٭٭٭
باسمه سبحانه
تكرَّم أستاذنا بالقول:
لقد قامت جريدة "الجمهورية" التي تعمل ضدَّنا بتحريف دفاعي بشكلٍ قبيحٍ ومسيءٍ جدًّا، وأَدرَجَت فيه جُملًا من الهَذَيان لا يُمكن تصوُّرها! مثل تحريف عبارة: "كيلا يَلحَق الضررُ بعشَرةِ أبرياءَ بجريرة مجرمٍ واحد" إلى: "حتى نُنقِذ عشرة أبرياء من أيدي الظَّلَمة بجناية مجرمٍ واحد".
وكذلك البيانُ الذي كنتُ كتبتُه وقدَّمتُه كدفاعٍ لمحكمة الصُّلح الجزائية الثانية في "إسطنبول" قبل خمسة أو ستة أعوام، ونِلْنا بموجَبِه منها قرار البراءة في أهمِّ قضايانا، قام أحدُ المُدَّعين العموميِّين الحاقدين بتحويله إلى الادِّعاء العام في "إسبارطة"، بدافعِ التهويل ودونَ سببٍ يُذكَر، وذلك أثناء رحلتي إلى "إسطنبول" قبل قرابة شهرين، كما قام أيضًا بإرسال شُرطيَّينِ رسميَّينِ لاستجوابي بهذا الخصوص، فأخبرتُهما أن القضية حُسِمت قبل خمس سنوات، وهذا كان دفاعي حينَها، فتفهَّما الأمر، ودَوَّنّا الإفادة عبر آلة النسخ، وأرسلا نسخةً منها إلى ذلك الحاقد.
— 277 —
ومجدَّدًا قام أحدُهم اليوم بتقديم هذا الدِّفاع ودون أيِّ سببٍ يُذكَر لی"القائم مقام" في منطقةٍ بعيدةٍ عنّا، فأورَدَت تلك الجريدةُ المُفتَرِيةُ الخبرَ بالصيغة التالية: "لقد أحال القائم مقام ذلك الجوابَ إلى المُدَّعي العامّ"، في محاولةٍ لبَثِّ الهواجس والأوهام في نفوس بعض ضعافِ تلاميذ النور.
لِيَقُم محامو النور الكُثْر بتفنيد هذه المقالة وكشفِ زيفِها، وهنالك أربعةُ تقارير صادرةٌ من اللجنة الطِّبّية في "إسطنبول" بهذا الشأن، وكنت أترفَّع عن إظهارها لأحد إذ لا ضرورة لذلك، ولم يظهر من قبلُ ما يستدعي هذا الأمر.
سعيدٌ النُّورْسِيّ
وأُبلِّغُ سلامي لمديرَيْ أمنِ "أنقرة"، فلا يَشغَلا بالَهما بأمثال تلكم الأمور.
٭٭٭
باسمه سبحانه
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أبدًا دائمًا
إخواننا الأعزّاءَ الأوفياء..
أولًا: يُبلِّغكم أستاذُنا السلامَ، ويهنِّئكم بقدوم ليلة البراءة، ويدعو لكم.
ثانيًا: حسَبَ ما ورَدَنا في الرسالة التي تلقَّيناها من "ديار بكر" فقد تمَّ افتتاحُ نحو مئتي مدرسةٍ نُورِيّةٍ في الشرق، في "ديار بكر" وما حولها، وثمّة أربعُ أو خمسُ مدارسَ نوريّةٍ خاصةٍ بالنساء في "ديار بكر"، وهذا الأمر فألُ خيرٍ إن شاء الله.
لقد بدأ يتحقَّق ما أشار إليه أستاذُنا قبل عشَرةِ أعوامٍ وبَيَّنَ جليلَ أهمِّيَّته من افتتاح المدارس النورية.
لقد قال حينَها: لِيَحرِصْ تلاميذُ النور ما استطاعوا على افتتاح مدارسَ نوريةٍ صغيرةٍ في كلِّ مكانٍ، بناءً على الإذن الرسميِّ الحاليّ الذي يسمح بترخيصِ مدارس خاصة لتعليم الدين وافتتاحِها.. صحيحٌ أن كلَّ فردٍ يستطيع أن يستفيد بنفسِه إلى حدٍّ
— 278 —
ما، لكنَّه لا يستطيع أن يفهم كلَّ مسألةٍ تمامَ الفهم، ذلك أنَّ الرسائل إنَّما هي إيضاحٌ لحقائق الإيمان، فهي بهذا عِلمٌ وعبادةٌ، وحضورٌ ومعرفةٌ بالله.
وفي مقابل ما كانت تُحقِّقه المدارسُ التقليدية القديمة من نتائجَ في خمسِ سنين أو عَشْر، فإن هذه المدارس النوريّة ستُحقِّق النتائجَ نفسَها یی إن شاء الله یی في خمسةِ أسابيع أو عشَرة، وهو ما تَفعُله منذ عشرين سنة.
وأما محلُّ إقامة أستاذنا في "بارلا" الذي أمضى فيه تسعَ سنوات، وكان إذْ ذاك أوَّلَ مدرسةٍ لرسائل النور، وبِذرةَ "المدرسة الزهراء" الواسعةِ سَعةَ ستِّ ولايات، فقد قام أستاذنا بوَقْفِه وهِبتِه كمدرسةٍ نُوريّةٍ لرسائل النور.
وعقبَ ذلك تمَّ افتتاح مدارسَ نوريةٍ في "إسبارطة" وما حولها وفي قُراها، وفي "ديار بكر" وعموم الشرق.
وبهذه الطريقة يمكن لرسائل النور أن تُقرأ في جميع تلك المدارس، وتُحقِّقَ لمتلقِّي دُرُوسِها وللمُهتمِّين بأمرها شرفَ طلبِ العلم.. أما طالبُ العلم فقد بيَّن بعضُ كبار المُجتهِدين أن حركاته البسيطةَ وحتى منامَه بمنزلة عبادة.
ثالثًا: لقد تَوافق انتشارُ الأنوار في الأناضول والعالم الإسلامي بواسطة المذياع مع قدوم ليلة البراءة المباركة، وهي إشارةٌ ودلالةٌ على خيرٍ عظيمٍ لهذا الوطن والعالم الإسلامي ورسائل النور.
الباقي هو الباقي
إخوانكم
طاهري، زبير، صونغُر، جيلان، بيرم
حاشية: هذه الرسالة جوابٌ في الوقت نفسِه لإخواننا الذين هَنَّؤوا أستاذَنا ليلة البراءة، عبر برقية "التليغراف"، أو عبر الرسائل.
٭٭٭
— 279 —
باسمه سبحانه
أودُّ إعلانَ وصيَّتي هذه لجميع أصحابي وإخواني النوريِّين:
على الصعيد الشخصيِّ لم يَعُد بمقدوري أداءُ الخدمة النُّورية، ولعلَّه لم تَبْقَ حاجةٌ إليَّ أيضًا، فلقد تعرَّضتُ لحالات تسميمٍ عديدة، فضلًا عن شَيبتي وشيخوختي والأمراضِ الكثيرةِ التي تنتابُني، فلم تَعُد لي طاقةٌ للبقاء على قيد الحياة طويلًا، وبتُّ أترقَّبُ الأجلَ وأتشوَّق إليه بشدّة؛ ولهذا فإنني أكتُب وصيَّتي هذه باعتباري ميتًا في ظاهر حياتي.
أحمَدُ خالقي الرحمٰن الرحيم حَمْدًا لا نهايةَ له أنْ مَنَّ على "سعيدٍ القديم" قبل ستِّين أو سبعين عامًا بعدم الافتقارِ إلى أحد، أو طلبِ عونٍ أو مساعدة في تحصيل العلم، وبخاصة العلمَ الإيماني؛ بل كان يَحرِصُ في صباه وشبابه یی مع افتقاره یی على تقديم مخصَّصاتِ طلابه بنفسه، وارتضى في مرحلةٍ وجيزةٍ سابقة تسلُّمَ خمسة مخصصات فقط، غيرَ أنه بعد ذلك كان يسعى لكفاية جميع طلابه بنفسه، وقد بلغ تَعدادُهم في بعض الأحيان عشرين أو ثلاثين طالبًا، فلم يُضطَرَّ أحدًا من أولئك الطلاب لجعل العلم وسيلةً للتكسُّب، بل وُفِّقوا في تغطية نفقاتهم كذلك بالاعتماد على الاقتصاد والقناعة.
وها قد بدأت رسائل النور في الوقت الحالي تغطِّي بنفسها نفقاتِ طلابها الحقيقيِّين على أتمِّ وجه، مثلَما كان يفعل "سعيدٌ القديم" في الماضي، وذلك من خلال نشرها وانتشارها، فلِلَّه الحمدُ بغير حدٍّ، هو أرحم الراحمين.
وإن عائدات رسائل النور تُغطِّي مصاريف خمسين أو ستين من خواصِّ طلاب النور تغطيةً تامة دون أن تدعَ لهم حاجةً إلى أحدٍ، وخاصة أولئك الذين ليس بمقدورهم تغطيةُ نفقاتهم، وذلك من خلال نسبةِ واحدٍ بالخمسة من ثمن النُّسَخ التي تُباع؛ وليس لسعيدٍ المسكين حقٌّ في رأس مالها كيلا يَفسُد الإخلاصُ العظيم.
إن هذه الخاصِّية القَيِّمة لرسائل النور، وكمالَ وفاءِ الشخصِ المعنويِّ لتلامذتِها، قد أصبحا وسيلةً لعيد النُّور المعنوي المبارك هذا.
— 280 —
وإنني أُفوِّض اليومَ أربعةً أو خمسةً من طُلّابي الملازمين لي والقائمين على رعايتي بوكالةٍ عامّةٍ مطلَقة، ليس لكونهم أرفعَ مكانةً من سائر الطلاب، بل لأنهم يعرفون أسلوبَ عملي وطبيعةَ خدمتي للأنوار، وشاهَدوا ذلك عن كَثَب؛ وذلك بهدف قيامهم یی بناءً على معرفتهم تلك یی بأداء واجب الخدمة أداءً تامًّا إن أنا فارقتُ الحياة، أو فقدتُ فيها الإدراكَ والإحساس.. فأُفوِّض كلًّا من "طاهري" و"صونغُر" و"جَيلان" "وحسني" وواحدًا أو اثنين آخرَين بوكالةٍ عامّة.
وأمّا الرَّيعُ المُتحصِّلُ من بيعِ نُسَخِ رسائل النور فهو حقُّها وملكها، وما سعيدٌ سوى خادمٍ من خُدّامِها، لكن يُمكنُه قبضُ نفقته منها ما بقي حيًّا.
ومع تزايد شعوري هذه الأيامَ باقتراب أجلي كنتُ قد عزمتُ أن أَصرِفَ مُخصَّصاتِ خمسين أو ستِّين تلميذًا في سِتّة ولاياتٍ من خزينة النور لمدّة سنتين أو ثلاثٍ، لكن خشيتُ أن تَحُولَ بعضُ الموانع دون متابعةِ بعضهم لأمر الخدمة كطلّابٍ للنور، فأعرضتُ عن الأمر، وقمتُ بدلَ ذلك بكتابة هذه الوصيّة.
سعيدٌ النُّورْسِيّ
حاشية: يقول الغوث الأعظم "عبد القادر الگيلاني" في إحدى فِقْراتِه: "تعيش سعيدًا"، وذلك أثناء إشارته بكرامةٍ غيبيةٍ إلى رسائل النور ومؤلِّفها؛ أي: يُخبر بأن مؤلِّفها سيقضي حياته مكفيًّا في معيشته وحاجاته، مسرورًا في حياته.. لكن كنّا نجدُ فقرَ حال أستاذنا واستغناءَه عن الناس حتى يومنا هذا مُخالِفًا لهذا الإخبار ظاهرًا؛ أما اليوم فقد ظهر لنا إخبارُ الغوث الأعظم في حياة أستاذنا بشكل جليٍّ وفعليّ، وذلك أنه مذ كان صغيرًا في العاشرة من عمره لم يدخل تحت مِنّة أحد، ولم يتناول حتى "حساء" عمِّه، وكان يغطي بنفسه نفقات طلابه القدامى الذين يدرِّسهم.. وقيامُه اليوم بتغطية مخصَّصات خمسين أو ستِّين طالبًا من طلابه يُظهِر ذلك الإخبار بجَلاء ويحقِّقه.. "طاهري، صونغُر، جيلان".
٭٭٭
— 281 —
باسمه سبحانه
إخواني الأعزّاءَ الأوفياء..
لعدم تَعَيُّن وقت الأجل، واحتمال حضوره فجأة في كلِّ حين مع ما أعانيه من الأمراض الداخلية، أُخطرت إليَّ وصيَّتي هذه لتُضافَ إلى الوصايا السابقة على سبيل التأكيد.
أوصيكم بما يلي:
بعد وفاتي يُصرَف الرصيدُ الماليُّ المدَّخَر في "أسكي شَهِر" (حاشية): ويُقدَّر بعشرة آلاف ليرة. والمُخصَّص لطباعة مصحفنا ذي المُعجِزات، لأجل طباعته، مع المحافظة على ميزة التوافق.
أما رأسُ مال رسائل النور المحفوظُ عندي أمانةً، فهو يَخُصُّ الرسائل، فليُصرَف كمخصَّصاتٍ للطلاب المُخلِصين في "المدرسة الزهراء" المعنوية الواسعة، والذين لا يُمكِنُهم تأمين نفقاتهم الشخصية، فهم يَصرِفون جُلَّ أوقاتهم في خدمة رسائل النور، على غرار ما كنتُ أفعلُ قبل سبعين عامًا، إذ كنت أتعهَّد بدفع نفقات طلابي رغم فقري، خلافًا للتقاليد السائدة آنئذٍ.
والآن، وبعد مرور خمسين أو ستين عامًا، تَفَضَّل الحقُّ سبحانه بالحفاظ على قاعدتي المُخالِفة للعادات والأعراف لطفًا وكرمًا إلٰهيًّا، فلِلَّه الحمد حمدًا لا أمد لمُنتهاه! فأوصي أبنائي المعنويِّين وورثتي أن يكرِّروا ما فعلتُه منذ سنين، بصَرفِ هذا المال لحاجات هؤلاء الطلاب، إذ هو ثمرةُ الإحسان الإلٰهي في الماضي.
ويومَ يتحقَّق لرسائل النور الانتشارُ التامُّ بإذن الله تعالى، فسوف يفي هذا الرصيدُ بحاجة كثيرٍ من الطلاب المُضحِّين ممَّن يَفوق تعدادُهم التلاميذَ المُضحِّين الحاليين الذي وقَفُوا حياتَهم لخدمة رسائل النور؛ وستُفتَتَح مدارسُ زهراءَ معنويةٌ ومدارسُ نوريةٌ في أماكنَ كثيرة إن شاء الله تعالى.
— 282 —
أتمنَّى من خواصِّ أبنائي المعنويِّين والقائمين على رعايتي، ومن إخواني المُضحِّين والأبطال الواقفين أنفُسَهم للنُّور، والمعروفين لدى الجميع، أن يُعينوني بتطبيق وصيتي هذه، وأن يقوموا بتنفيذها نيابةً عني.
وإذْ لم يَبقَ لي دورٌ فيما يَخُصُّ رسائل النور، فقد بات الرحيلُ إلى عالم البرزح مبعثَ بهجةٍ وسرورٍ لي؛ فلا يَحزُنكم الأمرُ، بل حقُّكم أن تُهنِّئُوني، فإني ماضٍ من المحنة إلى المنحة.
المريض بشدّة
سعيدٌ النُّورْسِيّ
أجل، نَشهد على وصية أستاذنا هذه..
چالشقان ومصطفى أجت من "أميرداغ"، حسني من "صَفْرَن بولو"،
زبير من "أَرْميناك"، بيرم من "چوغول".
٭٭٭
— 283 —
باسمه سبحانه
أخانا الموقَّرَ العزيز السيِّد تحسين..
نُهنِّئكم بحلول ليلة القدر، وندعو لكم بالتوفيق والسَّداد؛ ونقرئُكم سلامَ أستاذِنا الخاصَّ، وقولَه:
إن "السِّيرة" التي نشرها "تحسين" حقَّقَت نفعًا وأنجَزَت فتوحاتٍ يستدعي تحصيلُها عشرين مجلدًا ضخمًا؛ فلا يَحزُنه اعتداؤُهم البسيط الآنَ، فلقد لَفَت الأنظارَ إليها، وغدا عملُهم بمثابة دعايةٍ عظيمةٍ لها.. وإن انتشار هذه "السيرة" سيُحقِّق بإذن الله تعالى من النتائج ما حقَّقَته عشرون مجموعةً خلال عشرين عامًا، إذ أضحَت بانتشارها یی سِرًّا یی مَبعَثَ فتُوحاتٍ عظيمةٍ حتّى يومِنا هذا.
ثانيًا: إن الحقَّ سبحانه قد أحسن إليك وعيَّنك قائدًا لرسائل النور في "أنقرة"، وقد تيسَّر لكم طباعةُ أحدِ أجزائها: "إشارات الإعجاز" التي تكشفُ أحدَ أوجُهِ إعجاز القرآن الأربعين، وهو "وجه النَّظْم".
وإن "وجه النظم" هذا سبعةُ أقسام، ومن بين تلك الأقسام: التوافقاتُ، وأحد أنواعها: توافقاتُ لفظ الجلالة، وهذه التوافقات تَظهَرُ في مصحفنا ذي المعجزات.. وستنالون شرفَ طبعِه، ويكون نشرُه من نصيبكم إن شاء الله.
سبق أن أَرسل لكم أستاذُنا عشَرةَ آلافِ ليرة، ونُرسل إليكم اليومَ مبلغًا إضافيًّا بمقدار عدد آيات القرآن الحكيم، أي: (٦٦٦٦) ليرة، وهو ما فضَل عن مخصَّصات الطلاب المدفوعة خلال عامين؛ وهذا المال فيه سرٌّ عظيم، فهو مباركٌ كالنقود الذهبية، لذا يتوجَّب علينا إنفاقُه في طباعة المصحف وعدمُ صرفه لحاجاتٍ أخرى.. نرسلُه لكم مع بعض أجزاء المصحف، ونبلِّغكم كثيرَ السلام.
الباقي هو الباقي
إخوانك
طاهري، زبير، جيلان، صونغُر
٭٭٭
— 284 —
باسمه سبحانه
أحدُ أهمِّ الدوافعِ وراءَ قدومي إلى "أنقرة" مجدَّدًا هو لقاء وزير الداخلية "نامق گديك" الساعي بجِدٍّ لنُصرة الإسلام، وكذا لقاءُ بطل الإسلام "عدنان مَنْدَرِس"، وشخصياتٍ رفيعةٍ أخرى أمثال "توفيق إيلَري"، ولأجل أن أُبيِّن لهم الحقيقةَ التالية:
فمثلَما مَنح الأذانُ المحمديُّ الديمقراطيِّين قوّةً، وزاد الكثيرَ من أنصارهم السماحُ بانتشار رسائل النور، يتوجَّب عليهم كذلك إزالةُ المُخَلَّفات في جامع "آياصوفيا"، وإعادته مكانًا للعبادة من جديد، كي يَبعَثُوا السعادةَ والسرورَ في نفوس العالم الإسلامي، بل حتى في نفوس بعض الدُّوَل المسيحية.
ومع أنَّني هجرتُ السِّياسةَ منذ ثلاثين عامًا، إلا أنِّي رغبت اليومَ بلقاء "نامق گديك" لأجل هذه القضيّة، وقدِمتُ لهذا الغرض إلى "أنقرة"، تقديرًا لإخوةٍ أفاضلَ أمثال: السيِّد عدنان، ونامق گديك، وتوفيق إيلَري، ولم أقصد أيَّ مكانٍ آخرَ.
لقد حافظَتْ رسائل النور یی من خلال دستور القرآنِ الأساسي یی على الأمن والاستقرار في الأناضول والولايات الشرقية، وتكفَّلت خمسُ مئة ألفِ نُسخةٍ من رسائل النور بإسكات الشيوعية وإفحامها.. ومما يدلُّ على دورِها في الحفاظ على الأمن والاستقرار: أنَّ مدَّعيَ عام "أفيون" زعم قبلَ عشَرةِ أعوامٍ ونيِّفٍ أنَّ وجودَ قرابةَ ستِّ مئة ألفِ طالبٍ فدائيٍّ وفِيٍّ لدى بديع الزمان، وخمسِ مئة ألفِ نسخةٍ من رسائل النور منتشرةٍ في شتَّى الأنحاء، يُمكِن أن يُشكِّلَ مصدرَ تهديدٍ وإخلالٍ بالأمن والاستقرار.
فردَّ عليه سعيدٌ حينَها بالقول: مع أنَّ لديَّ ستَّ مئةِ ألفِ طالبٍ فدائيٍّ وفِيٍّ، ورغم أنِّي تعرَّضتُ وأتعرَّض منذ خمسَ عشْرةَ سنةً لكلِّ أنواع الظلم والاضطهاد، إلا أنَّ أيَّ شرطة أو محكمة لم تتمكَّن من تسجيلِ واقعةٍ واحدةٍ ضدَّنا!
كما خاطبتُ المُدَّعيَ العامَّ قائلًا: إن لم تكن رسائلُ النور قد خدَمَت الأمن وحقَّقت الاستقرارَ بقدر ما يُؤدِّيه ألفُ مدَّعٍ عامٍّ وألفُ مديرٍ للأمنِ، فلْيَقْهَرْني اللهُ
— 285 —
تعالى، ولتُنزِلُوا بي العقوبةَ التي تشاؤُون.. فلم يستطع حِيالَ كلامي هذا أن يَنبِسَ ببنتِ شَفة.
وثمّة حادثةٌ صغيرةٌ وقَعَت بعد عامٍ أو عامين، إذ تَوَهَّم أحدُ طلاب النُّور الصغارِ احتمالَ وقوعِ ضررٍ على رسائل النور بسبب رسالةٍ صغيرةٍ طبَعَها بنفسه؛ فجعل يُحدِّث نفسَه بالانتحار، غيرَ أنَّ أستاذه منعه، ومرَّت الأمورُ بسلامٍ.
والحقيقةُ أنَّه لو كان لأستاذٍ عشَرةُ طلابٍ مُضحِّين أوفياءَ، وكان بينهم مَن ضُرِب لأنه سَلَّم عليه، ومَن أُهِينَ لأنه قبَّل يدَه، لَآثروا جميعًا بذلك السُّكوتَ لئلّا يُضِرُّوا بالأمن والاستقرار، فهم الذين سَمِعُوا سعيدًا يقول: "لو كان لي مئةُ رُوحٍ لَضَحَّيتُ بها من أجل الأمن والاستقرار".
وفضلًا عمّا تؤدِّيه رسائلُ النور من خِدمة إيمانية، فهي تسعى لتثبيت ركائز الأمن والاستقرار، وتُودعُ في قلب كلِّ فردٍ رقيبًا معنويًّا يَحجُزه عن ارتكاب المساوئ، حتى لا يَلحق الضررُ تسعين بريئًا بجريرةِ خمسةِ جُناة، وكيلا يُقاسيَ الظُّلمَ عشَرةُ أبرياءَ مع آبائهم وأبنائهم وسائر عوائلهم جرّاءَ جنايةِ مجرمٍ واحد، وذلك عملًا بالدستور القرآني الأساس: وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى
وأما عن نفسي: فلو كان لي ألفُ روحٍ لضحَّيتُ بها في سبيل تطبيق هذا الدستور القرآني، ويَشهَد لذلك كتاب "السِّيرة"، وهو الآن تحت نظر الجميع وفي متناول أيديهم، وقد أقرَّت بذلك حتى المحاكم.
بل لقد اعتبرتُ الخُروج أمامَ أنظار الناس أحدَ مظاهر الرِّياء والأنانية والتسويق للذات، فلأجل ذلك تركتُ مجالسةَ الناس وتجنَّبتُ لقاءَهم، بل لقد بُحَّ صوتي یی برحمة وإحسانٍ إلٰهيٍّ یی لئلّا أُضطَرَّ للقاء أصحابِي، وكيلا تنكسِرَ خواطرُهم.
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭
— 286 —
باسمه سبحانه
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
وصلَتْ لأستاذنا رسالةٌ من أحد كبار المسؤولين يقول فيها: إن قياديِّين في الحزب الحاكم السابق یی حزب الشعب الجمهوري یی أوعزوا إلى رجال الحزب من ذوي النفوذ في مفاصل الدولة للعمل على منع نشر كتاب "سيرة مؤلف رسائل النور"، وأغرَوْهم بتقديم امتيازاتٍ خاصةٍ لتحقيق هذا الغرض؛ وقد أجاب الأستاذ عن هذا بما مُفاده:
أولًا: إن أهمَّ أجزاء هذا الكتاب قد سبق نشرُها عدّةَ مرات، منها ما نشَرَتْه مجلّة "سبيل الرشاد" ثلاثَ مرات، ومنها ما نُشِر أربعَ مراتٍ بالحرف العربي واللاتيني قبل نحو أربعين سنة، فضلًا عن أن بعض "الدفاعات" التي تضمَّنتْها هذه السِّيرة قد سبق أن طُبِعت بإذنٍ رسميٍّ وتُليَت في المحاكم، وقد أُضِيفَ مؤخَّرًا بعضُ الرسائل والمقالات التي كتبها علماءُ أفاضلُ من خارج البلاد على سبيل التعريف والشكر والتقدير، وعليه فلا يُوجَد سببٌ يُسَوِّغ للمحكمة التعرُّضَ بالمنع لشيءٍ ممّا سبق.
ثانيًا: لقد انتشرت رسائل النور انتشارًا ذاتيًّا عجيبًا في العالَم الإسلاميِّ رغمَ ضغوط رجال السياسة خلال الأربعين أو الخمسين سنةً الخالية، فكيف تُمنَع ولها اليومَ ملايينُ الناشرين؟! ألا إنه لَيَعجِز عن مَنْعِها لا رجالُ الحزب السابق فحَسْبُ، بل العالَمُ بأسره، بل ينقلب عملُهم هذا دعايةً لها، فلا يَحزن طلابُ النور لهذا.
ثالثًا: لقد سامحتُ الحزبَ السابق عن كلِّ مَظلَمةٍ وجَّهها إليَّ، فضلًا عن أن رسائل النور قد أسدَتْ خدمةً كبيرةً للأمن والاستقرار في الأناضول والولايات الشرقية، إذ أقامت في قلبِ كلِّ امرئٍ رقيبًا هو بمثابة شرطيٍّ معنويّ، ورسَّخت العمل بالدستور القرآني القائل: وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى، والذي بمقتضاه لا يجوز ولا يَصِحُّ إنِ ارتكب أحدٌ جريرةً أن يُلقَى بالمسؤوليةِ على غيره أو حزبه أو أهله وأقربائه.
— 287 —
وبناءً على هذه القاعدة فإن رسائل النور تَمنع من تضخيمِ خطأٍ ارتكبه بضعةُ أشخاصٍ من رجال الحزب السابق، فهي لا تسمحُ بإحالةِ الخطأ الذي ارتكبه خمسةٌ بالمئة على الخمسة والتسعين الباقين، ولا تَسمحُ بتضخيم الخطأ ذاته والتهويل من شأنه أضعافًا مضاعفة؛ وانطلاقًا من هذا فالأَولى برجال الحزب السابق أن يكونوا مُمتنِّين لرسائل النور بمثل رجال الحزب الحاكم الحاليّ، إذ لولا تعليمُها هذا الدرسَ المُستقَى من الدستور القرآني، لكان آلافُ الأشخاص مُدانين اليومَ بجريرةٍ ارتكبها بضعةُ أشخاص.
رابعًا: لقد تبيَّن بشكلٍ قاطعٍ أن رسائل النور معجزةٌ معنويةٌ للقرآن الحكيم، تَحفظ أبناءَ هذا الوطن وغيرَهم من أبناء العالَم الإسلاميّ وتَقِيهم شرورَ الكفر المُطلَق القادم من الخارج، لدرجة أنه لم يَنجح أحدٌ من الفلاسفة المُلحِدين في مواجهتها والردِّ عليها؛ وقد بلغَنا خبَرٌ يقينيٌّ عن اجتماعٍ حاشدٍ جرى في إحدى بلدان العالَم الإسلامي، وحضره مليونُ شابٍّ، أعلنوا فيه أن رسائل النور ستكون هي من يحقِّق السِّلْمَ العالَميَّ، وبلغَنا كذلك أن بعض البلاد الأجنبية التي تؤيِّد السلامَ العالَمي شرعت بترجمة رسائل النور.
خامسًا: إذا أساء بعضُ المسؤولين تفسيرَ بعضِ القوانين الجديدة ليمنعوا نشر الكتاب بذريعةِ سطرٍ أو سطرين منه، فقولوا لهم نيابةً عني: أيجوز أن يعاقَبُ أو يُسجَن بجريرةِ شخصٍ واحدٍ عشرون ألفًا من أهله وجيرانه؟ وهل في العالَم كلِّه قانونٌ يقضي بهذا؟!
فكذلك الأمر في كتابٍ مؤلَّفٍ من خمس مئة صحيفة، في كلِّ صحيفة عشرون سطرًا، ووَرَد في سطرٍ منه كلامٌ لاذعٌ بحقِّ شخصٍ ما.. فما دام لم يُذكَر اسمُه فلا مسؤولية تترتَّب على ذلك، وحتى لو ذُكِر اسمُه، فإنه يُحذَف إن عمِلْنا بمبدأ الرقابة على المطبوعات؛ أما أن يُصادَر الكتاب ويُمنَعَ فذلك جَوْرٌ وخروجٌ على القانون لم يُسمَع بمثله، وهو أشبهُ بسَجن عشرةِ آلاف شخصٍ بجريرةِ شخصٍ واحد؛ وفضلًا عن هذا فإن للعشرين ألفَ سطرٍ المُتبقِّيةِ عشرين ألفَ حسنةٍ، إذِ استطاعت حتى يومنا هذا
— 288 —
أن تقوِّي إيمانَ عشرين ألفَ رجل، وحريٌّ بهذه العشرين ألفَ حسنةٍ أن تمحو تلك السيئة الواحدة.
ولولا أني أُعاني من شدّة المرض لتكلَّمتُ أكثر، ويمكنكم یی أنتم الذين تتولَّون القيامَ على شؤوني یی أن تُجروا التصحيحاتِ والتعديلات المناسبةَ إن رأيتم ذلك.
لقد كان المفترَضُ برجال الشرطة أن يكونوا أكثرَ الناس نُصرةً وتأييدًا لرسائل النور، إذ إنها بإرسائها الأمنَ والاستقرارَ أسدَتْ خدمةً جليلةً، وأدَّتْ وظيفةَ الشرطة المعنوية، إلا أنَّ تكليف رجال الشرطة اليوم بمُهِمّة التحرِّي والملاحقة للرسائل وخِدمتها أمرٌ يُنافي وظيفتَهم من جهة، ويُثير استياءنا من جهةٍ أخرى..
على أيةِ حالٍ بلِّغوهم أنني قد سامحتُهم.
سادسًا: كنا نرجو الفرَجَ والقُربة في ليلة المعراج وفي هذه الشهور الثلاثة المباركة، فإذا بخبر ملاحقة الكتاب ومنعِه يعكِّر صفوَنا بكلِّ أسف.
وإننا یی عملًا بالحديث الصحيح الوارد بأن الصدقة تدفع البلاء یی نَعُدُّ رسائلَ النور صدقةً تدفع البلاء عن بلاد الأناضول، وثمّة وقائعُ كثيرةٌ تُشير إلى هذا المعنى، إذ كلَّما صدر قرارٌ ببراءتها ورَفْعِ الحظر عنها رُفِع البلاء، وكلما هوجِمت حلَّت مصائبٌ كثيرةٌ، ومن ذلك ما حصل في السابق من زلزالٍ وعواصفَ شديدة، وقد وقع في أثناء ملاحقتها والتعرُّض لها هذه المرّةَ بردٌ شديدٌ غيرُ مسبوقٍ بلغ درجةَ ثمانَ عشْرةَ تحتَ الصِّفر.
لم يستطع الأستاذُ إكمالَ حديثه لشِدّة مرضه، فقال للقائم على خدمته: بلِّغ هذه المعلومات لبعض الإخوة والمسؤولين لئلّا يقلقوا بهذا الخصوص.
وكتبه: القائم على خدمة الأستاذ في مرضه
نعم، ما كَتَبه صحيح
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭
— 289 —

لقد حان الوقت للإفصاح عن حالةٍ روحيةٍ لأستاذنا بحقِّ كلِّ مدَّعٍ عامٍّ..

فلقد قال لي: رغم ما عانيتُ من تضييقٍ شديدٍ عليَّ ومن شدائد السُّجون في الثلاثين أو الأربعين عامًا السّالفة، على يد هؤلاء المُدَّعين المكلَّفين بوظيفة "رعاية الحقوق العامّة" بما تَحمِلُ من معاني "حقوق الله تعالى"؛ إلا أنه لم يتبادر إلى ذهني قطُّ أن أسخطَ عليهم أو أستاءَ منهم، بل ما كنت أشهَدُ فيهم الخطيئاتِ التي تحملُهم على شِدَّتهم تجاهي من حيث الظاهرُ، وإنما كنتُ أشاهدُ في مرّاتٍ عِدّةٍ أن القدر الإلٰهيَّ كان يُوجِّه إليَّ صفَعاتِ الرحمة على يد أولئك المُدَّعين نتيجةَ ما ارتكبتُ من تقصيراتٍ أخرى؛ وقد تلقَّيتُ صَفَعاتِ الرحمة هذه بالقبول بملءِ قلبي وروحي، لإيماني بأنَّ القدر عادل.. ولذا فإنني صَفَحتُ عمّا لقِيتُ من شدّةٍ اقترفَتها أيدِيهم اعتمادًا منهم على أسبابٍ ظاهرية.
ولله الحمد بغيرِ حدٍّ أن جعلَ ما يقومُ به رجالُ الادِّعاء العامِّ من مهامَّ في الدفاع عن الحقوق العامة، مظهَرَ عدالةٍ حقيقيةٍ من جانب الخدمة الإيمانية لرسائل النور، وليس مجرَّدَ ظلمٍ لي، إذْ إنَّ لهذه الخدمة نفعًا جليلًا ليس على مستوى العالم الإسلامي فحَسْب، بل الإنسانية جمعاءَ؛ فلهذا غَدَتْ هذه الشدائدُ الظاهريّةُ بمثابة العون المقدَّم من جانب العدالة الإلٰهية لهذه الخدمة الإيمانية، وبحكم إعلانٍ عنها وإشهارٍ لها.
وإزاءَ هذا السرِّ العظيم، بِتُّ أَنظُرُ بنوعِ صداقةٍ لجميع هؤلاء المُدَّعين الذين يُدرِكُون أنَّ الحقوق العامة إنَّما هي حقوق الله تعالى، وإنني اليوم أُبلغهم السلام، وأدعو لهم، وأُعلنُ أنني قد عفوتُ عن جميع ما لقِيتُه منهم من شتَّى أنواع التضييق والأذى.
سعيدٌ النُّورْسِيّ
أقدِّم هذه الرسالة التي كتبها أستاذُنا لكم، والتي تمثِّل عينَ الحقيقة.
طالبه صُونغُر
٭٭٭
— 290 —

رسالة موجَّهة من بديع الزمان سعيدٍ النُّورْسِيِّ إلى الجرائد والصُّحف

هذه رسالةٌ لأصحاب الجرائد التي تُعنى بتقصِّي أخبارنا ونشر القضايا التي تَخصُّنا، أُخبِرُهم فيها أني سأغفرُ لهم ما أذاعوه ضدِّي في هذه الأيام من ادِّعاءاتٍ كاذبة، إن هم قاموا بنَشرِ هذه الرسالة القصيرة التي كتبتُها رغم اشتداد المرض عليَّ، لأُطَمْئِنَ بها إخواننا المُهتمِّين لأمرِنا.
أولًا: لا تقلقوا بشأن القضايا التي تُثارُ في هذه الأيام، إذ من خلالها تتجلَّى علينا العنايةُ والرحمة الإلٰهية بخيرٍ عظيم؛ وإن انتشار رسائل النور بشكلٍ مذهلٍ داخلَ البلاد وخارجَها، وما حقَّقَته من فتوحاتٍ عظيمة، قد حوَّلَ حتى الأعداءَ إلى أصحاب.
ولِتردِّي حالتي الصِّحِّية ما عُدتُ أحتملُ مقابلةَ الناس والتحدُّثَ إليهم، ومع رغبة الجميع في مجالستي ومحاورتي، أَحسَنَت إليَّ العنايةُ الإلٰهية بأن بُحَّ صوتي كيلا أُضطَرَّ لذلك، وإيذانًا بأن رسائل النور لم تُبقِ حاجةً إلي.
وفي طريق سفري لتلبية دعوةٍ موجَّهةٍ لي من ستِّ ولايات، استقبلَني بعضُ الأصحاب من المسؤولين الذين عرفوا حقيقةَ مسلك رسائل النور، وأبلَغوني رغبةَ الحكومة بأن أُقيم في الوقت الحاليّ في "أميرداغ"، فكانت هذا الإجراءات في حقِّي مظهَرَ عناية، إذ ما عدتُ أُطيق لقاء الناس ومحادثتَهم، ولئلّا تنكسِرَ خواطرُ إخواني الحقيقيِّين الذين وجَّهوا لي دعوةً من ولاياتٍ كثيرة، ولكيلا يَحزنَ طلابي الحقيقيُّون الأوفياءُ الذين يُعَدُّون بمئات الآلاف بسبب ذهابي لبعض الولايات دون الأخرى.
ثانيًا: من الدلائل القطعية على أن جَوْلاتي هذه ليس لها أيةُ صلةٍ بالسِّياسة: أنني هجرتُ السِّياسة وتخلَّيتُ عنها منذ أربعين عامًا، وتوجَّهتُ فقط إلى رسائل النور التي هي تفسيرٌ للقرآن بما يناسبُ زماننا هذا بشكل تامٍّ.
ومثلَما شيَّدَت رسائلُ النور حصنًا منيعًا أمام الفوضوية والتيّارات المُدمِّرة، عبر تحطيمِها الكُفرَ المطلق، كذلك اعتبَرَتِ الاعتداءَ والمَساسَ بأمن البلاد واستقرارِها
— 291 —
بمثابة إنزالِ الظُّلم على تسعين بريئًا بجريرة خمسةِ جُناة، وذلك تطبيقًا للدَّرس الذي تلقَّتْه من القرآن الحكيم في دستوره الأساسيِّ المُعبَّر عنه بالآية: وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى، فكان لخدمتنا الإيمانية هذه نفعٌ جليلٌ للوطن والشعب، ولأمن البلاد واستقراره.
وعليه فإنني أُسامِحُ الشُّرطة وعناصرَ الأمن الذين تجسَّسوا عليَّ، أو الذين شاقُّوني وعادَوْني وضيَّقوا عليَّ، وأَقبَلُهم كإخوةٍ لي وكحَرَسِ أَمْنٍ مُجاهدين لإرساء الأمن والاستقرار؛ حتى لقد تقبَّلتُ أمرَ إرجاعِهم لي من "أنقرة"، ورَجَعتُ بكمال الرِّضى والسرور، وشكرتُ اللهَ كثيرًا إذ كان ذلك وسيلةً لعناية إلٰهية بحقِّي.
ثالثًا: كانت هنالك رَغَباتٌ كثيرة لدعوتي والاجتماع بي ومحاورتي بمناسبة انتشار رسائل النور وازدياد عدد قُرّائها والمتلهِّفين لها في كلِّ مكان، وهذا الأمر كان يستدعي ذهابي إلى عشرين ولاية، إلّا أنني لم أتمكَّن من الذهاب إلا إلى أماكن طباعة رسائل النور، وهي "أنقرة" و"إسطنبول" و"قونية".
فأقول للقوم الذين قاموا بتغيير وجهتي إلى "أميرداغ": لقد أصبحت هذه المعاملة مظَهرَ عناية ورحمة إلٰهية بحقِّي، فلستُ مستاءً منها أبدًا؛ لكن ثمّة أمرٌ واحدٌ فقط، وهو أن لي في ولاية "إسبارطة" التي أقمتُ فيها عشرين عامًا بيتًا استأجرتُه لمُدّة عامَين، إضافةً إلى بعض الأمتعة الخاصّة، فضلًا عن أنَّ مُناخَها أنفعُ لوضعي الصِّحِّي، فلذا أطلب من الحكومة السَّماحَ لي بالإقامة شهرًا في "أميرداغ" وشهرًا في منزلي الذي استأجرتُه في "إسبارطة".
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭
— 292 —

الدرس الأخير الذي ألقاه الأستاذ بديع الزمان قُبيلَ وفاته

على عموم طلاب النور
إخواني الأعزّاء..
إنَّ وظيفتَنا هي الحركةُ الإيجابية البنّاءة، دون العمل السلبيِّ الهدّام؛ وأداءُ الخدمة الإيمانية طلبًا لمرضاة الله وحده، دون التدخُّل في الشؤون والتدابير الإلٰهية.. إننا مكلَّفون بالتحلِّي بالصبر والتخلُّق بالشكر إزاءَ كل ما يعترضُ خدمتَنا الإيمانية من شدائدَ ومضايقات، وذلك حفاظًا على أمن البلاد واستقرارها الذي هو ثمرة تلكم الخدمة.
وسأتَّخذ من نفسي مثالًا: إنني منذ القديم لم أرضخ لأيِّ تحكُّم أو تسلُّط من قِبَل الآخرين، ولم أنحَنِ أمامَ أحدٍ بأيِّ شكلٍ من الأشكال؛ وهذا مُثبَتٌ بوقائعَ وحوادثَ عديدة، فمن ذلك: أنِّي لم أنهض للوقوف احترامًا للقائد العسكري في روسيا، ولم أُعِرْ أيَّ أهمِّيةٍ لأسئلة الباشوات الذين هدَّدوني بالإعدام أثناء المحكمة العسكرية العُرفية، وكرَّرتُ الأمرَ نفسَه في وجه أربعةٍ من القادة.. كلُّ ذلك يؤكِّدُ أنني لا أخضعُ لتحكُّمٍ أو تسلُّط من أحدٍ.
إلا أنني في سبيل تكريسِ العمل الإيجابي البنّاء، واجتنابِ العمل السَّلبي الهدّام، وعدم التدخُّل في الشؤون والتدابير الإلٰهية، قابلتُ جميعَ ما تعرَّضتُ له من معاملاتٍ وإساءاتٍ خلال الثلاثين عامًا الأخيرة بالصبر والرِّضا، مثلَما فعل "جرجيس عليه السلام"، والذين قاسَوُا الشدائد في غزوتي بدرٍ وأُحُد.
فمِن ذلك أنني لم أتوجَّه للدُّعاء بالسوء على المُدَّعي العامِّ مقابلَ ما أصدرَ من قراراتٍ جائرةٍ ضِدِّي، استنادًا إلى دعاوى كيديةٍ أَثبتُّ للمحكمة أنَّ فيها واحدًا وثمانين خطأً؛ ذلك لأن قضيَّتنا الأساسية في هذا الزمان هي الجهاد المعنويّ، وإقامةُ
— 293 —
التحصينات حِيالَ التخريبات المعنوية، وتقديمُ العون للحفاظ على الأمن الداخليِّ للبلاد بكلِّ ما نملكُ من قوّة.
أجل، إن في مسلكنا قوّةً، لكنَّها لأجل الحفاظ على الأمن والاستقرار، وهو ما كرَّستُ له حياتي كلَّها وبكلِّ ما لديَّ من طاقة، عملًا بدستور: وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى الذي يقضي بأنَّ من ارتكب بنفسِه جنايةً، فلا يُؤاخَذُ بجريرته أخوه أو عائلتُه أو أقرباؤه.
إنَّ القوة التي نملكُها ليست موجَّهةً للدّاخل، وإنما ضدَّ الاعتداءات الخارجية؛ ووَفقَ الدستور المُستَفاد من معين الآية المذكورة فإن وظيفتَنا تتركَّزُ على السعي الجادِّ لتوفير الأمن الاجتماعيِّ الداخليّ، ولذلك لم تَنْشَبِ الحروب الداخلية المُخِلّة بنظام الأمن الداخلي في تاريخ العالم الإسلامي إلا بنسبة واحدٍ بالألف، وهذا الواحد إنما نجم عن تبايُنٍ في الاجتهاد.
وإن أعظم شرط للجهاد المعنوي هو عدم التدخُّل في الشأن الإلٰهيّ؛ فمُهِمَّتُنا هي الخدمة وحَسْبُ، ونحن مُلزَمون ومكلَّفون بأداء مُهِمَّتنا، وأما الثمار والنتائج فعائدةٌ إلى الحقِّ سبحانه.. وأُردِّد هنا ما قاله جلال الدين خُوارِزْم شاه: "إن وظيفتي هي تأديةُ الخدمة الإيمانية، وأما التوفيق أو عدمُه فهو شأنُ الحقِّ سبحانه".. فلقد تلقَّيتُ من القرآن الكريم درسَ العمل بإخلاص.
وجهادُ الخارج مختلفٌ تمامًا عن جهاد الداخل، فيمكن أن يُقابَل الاعتداءُ الآتي من الخارج بالقوة، لأن أموال العدو وأهلَه وذرِّيتَه تصبح بحكم الغنيمة؛ أما في الداخل فالأمر مختلف فيجب مجابهةَ التخريبات المعنوية بالعمل الإيجابيِّ البنّاء، والمكلَّل بسِرِّ الإخلاص.. ولقد أحسن الحقُّ سبحانه إليَّ اليوم بملايينِ الطلاب الحقيقيِّين، فسنتحرَّك بكلِّ قوَّتنا بعملٍ إيجابيٍّ بنّاءٍ، حفاظًا على الأمن الداخليّ.
وثمّة أمرٌ آخرُ في غاية الأهمِّية بحَسَب حُكم القرآن، وهو أن متطلَّباتِ المدنية الدَّنية فرَضَت في هذا الزمان زيادةً في الحاجات الضرورية من أربعٍ إلى عشرين،
— 294 —
فتحوَّلَت الحوائجُ غيرُ الضرورية یی بواقع العادات والإدمان یی إلى ضرورية، ما أدَّى بالمرء لإيثار الدنيا على الآخرة رغمَ إيمانه بها، وذلك في سبيل تحصيل المنافع الدنيوية والمستلزمات المعاشية، ظنًّا منه أنها ضرورة.
قبل أربعين عامًا أرسل إليَّ أحدُ القادة عددًا من الضُّبّاط یی بل حتى العلماء یی حتى يجتذبوني بعضَ الشيء إلى أمور الدنيا، فقالوا: إننا اليوم مضطرُّون لتقليد بعض أصول أوروبا، والأخذِ بما تفرضه مقتضيات تحضُّرهم، عملًا بقاعدة: "الضرورات تُبيح المحظورات"، فقلت لهم: أنتم مخدُوعون تمامًا! إنَّ الضرورة الناجمةَ عن سوء الاختيار هي خطأ قطعيّ، فلا تُحِلُّ حرامًا ولا تُبيح محظورًا؛ أما إن لم تَنجُم عن سوء اختيار یی بأن كانت من غير طريقِ الحرام یی فلا ضَيرَ في ذلك.
فلو أن أحدًا أسكَر نفسَه بسوء اختياره على الوجه المحرَّم، ثم قام بارتكاب جريمةِ قتلٍ، فإنه لا يُعدُّ معذورًا، بل يجري عليه حُكم جريمة القتل ويعاقَبُ، لأن هذه الضرورة وقَعَت بسوء اختياره؛ أما إن ارتكب طفلٌ مجنونٌ جريمةَ قتلٍ وهو في حالِ الجنون، فإنه معذورٌ لا يحاسَب، لأنه لم يحصل باختياره، ولم يتصرَّف بملء إرادته.
وقلتُ لأولئك الضُّبّاط والشُّيوخ: هل ثمّة حاجاتٌ ضروريةٌ غيرُ الحياة وتناول الطعام؟! فجميعُ ما سوى ذلك من التصرُّفاتِ الناجمةِ عن سوء الاختيار، والميولِ غيرِ المشروعة، والمعاملاتِ المحرَّمة، لا يصحُّ جعلُها علّةً ومدارًا لتحليل الحرام؛ فمن أدمَنَ أمورًا كمتابعة السِّينما وارتيادِ المسارح والمراقص، فلن يجعل هذا منها ضرورةً، ولن يغدوَ هذا الإدمان علّةً لإحلال الحرام، لأنه ناشئٌ عن سوء اختياره.
حتى إن القوانين البشرية قد أخذت هذه النِّقاط بعين الاعتبار، ففرَّقت بين الضرورة القطعيّة والأعمالِ الصادرةِ بغير اختيار، وبين الأعمال الناشئة عن سوء الاختيار؛ غيرَ أنَّ القانون الإلٰهي ميَّز بين هذه الأُسس بصورةٍ أكثرَ إحكامًا وثباتًا ورسوخًا.
ومع ذلك، فلا تهاجموا بعض العلماء بسبب إقرارهم للبدع، ظنًّا منهم أن بعضَ متطلبات العصر ضرورة، ولا تُصادموهم بها، فهؤلاء بائسون يسيرون بغيرِ هُدًى، وقد
— 295 —
ظَنُّوا الأمرَ بلغ حدَّ الضرورة.. فإنَّنا لا نُهدِرُ قُوَّتنا في الصِّدامات الداخلية، فلا تتعرَّضوا لمن يُخالِفُنا حتى وإن كانوا من أهل العلم.
لقد قاومتُ وحدي مِن قَبْلُ جميعَ أولئك الخصوم المُعارضين ممَّن وقفوا ضِدِّي، ولم أَفتُر مقدارَ ذرّةٍ واحدة، فحَظِيتُ بالتوفيق في هذه الخدمة الإيمانية؛ واليوم يُوجَد الملايينُ من طلبة النور، إلا أنني ما زلتُ أتصرَّف بنهجٍ إيجابيٍّ بنّاءٍ، وأتحمَّل جميع ما يَصدُر منهم من ظلمٍ وإهانةٍ واضطهاد.
إننا لا نتوجَّه إلى الدنيا ولا نلتفتُ إليها، وحينما ننظر إليها فإنما نعمل كمساعِدِين ومعاوِنين لأولئك السِّياسيِّين على توفير الأمن بأسلوبٍ إيجابيّ، فإن هم أساؤوا معاملتَنا، توجَّب علينا تقبُّلُ الأمر في سبيل هذه الحقائق الجليلة.
لقد أورث انتشارُ رسائل النور في كلِّ مكانٍ قناعةً قطعيةً بأن الديمقراطيِّين مُناصِرون للدِّين، ولذا فإن المَساسَ بأيةِ رسالةٍ يُعدُّ مضادًّا لمصلحة الوطن والشعب تمامًا.
وثمّة رسالةٌ خاصّة كنت قد منعتُ من نشرها، وأذنتُ بنشرِها بعد وفاتي، إلّا أن المحاكم قامت بمصادرتها وتدقيقها، ثم أَصدَرَت قرارَ البراءة بحقِّها، وصدَّقَتْ محكمةُ التمييز على قرار البراءة؛ لذا أذنتُ یی بدوري یی بنشرها حفاظًا على الأمن والاستقرار الداخليّ، وللحيلولة دون أن يمسَّ الضررُ خمسًا وتسعين بالمئة من الأبرياء، وقلتُ: يمكن لسعيدٍ أن ينشُرَها بعد التشاوُر في الأمر.
المسألة الثالثة: يسعى الكفرُ المُطلَق اليومَ لنشرِ سعيرِ جهنَّمَ معنويٍّ، يَفرِضُ على كلِّ كافرٍ في العالم ألّا يقتربَ منه.. ولكنَّ أحدَ أسرار كونِ القرآن رحمةً للعالَمين هو أنه مثلما كان رحمةً للمسلمين جميعًا، فهو كذلك رحمةٌ لجميع المُلحِدين، ولعموم النوع البشريِّ في العالم، إذ يورثُهم الإيمانَ بالله تعالى وبالآخرة یی احتمالًا یی، فيخفِّف عنهم هذا الاحتمال شيئًا من الجحيم المعنوي الذي يكتوون بناره في هذه الحياة الدنيا.
— 296 —
والحال أن الجزءَ المُضلِّل من العلم والفلسفة، أي: غيرَ المتوافق مع القرآن الكريم، والمنحرفَ عن الصراط السَّويِّ، شرع الآن بنشر الكفر المُطلَق على طراز الشيوعيِّين، فبدأ بتغذية أفكارهم المُنتِجة للفوضوية، ونشرِها بواسطة المنافقين والزنادقة وبعض السياسيِّين الملحدين المتعصِّبين.. وبالتالي فلا يمكن للحياة أن تستمرَّ بدون دين، بل لا يمكن أن تُطاق.
وإن مبدأ "لا حياة لأُمّةٍ بغير دين" يُشير إلى هذه النقطة تحديدًا، إذ لا يمكن العيشُ أبدًا إذا حلَّ الكفر المطلق؛ لذا فإن القرآن الحكيم یی في واحدةٍ من معجزاته یی مَنَح هذا الدرسَ العظيمَ لتلامذة رسائل النور في هذا الزمان، ليُشَيِّدوا سدًّا أمام الفوضوية والكفر المطلق، وقد تحقَّق ذلك الأمرُ بالفعل.
أجل، إن درس القرآن الحكيم هو الذي وقانا من هذا التيّار الذي استولى على الصين وشطرِ أوروبّا ودول البَلقان، وأقام سدًّا أمام ذلك التيّار، وأوجد حلًّا لهذا الخطر الداهم.
وبناءً على ذلك: فلا يمكن لمسلم أن يُبدِّل دينَه ويعتنقَ دينًا آخر، سواءٌ كان اليهوديّةَ أو النَّصرانيّة، كما لا يمكن أن يكون بلشَفيًّا (شُيوعيًّا) على وجه الخصوص، لأن النصراني إذا أسلم فإن حبَّه لعيسى عليه السلام يعظُم أكثر، واليهودي يزداد حبُّه لموسى عليه السلام بعد دخوله في دين الإسلام؛ لكن إن ارتدَّ المسلمُ عن دينه، وانسلخ من السلسلة المحمَّدية، فلا يمكنه اعتناقُ أيِّ دينٍ آخر، بل يتحوَّل إلى فوضويّ، ويَفقِد في روحه أيَّ مَبعثٍ للكمالات، ويَفسُد ضميرُه ويتفسَّخ وِجدانُه، ويتحوَّل سُمًّا زعافًا في المجتمع.
لذا فإننا نحمد الله كثيرًا أن بدأ درسٌ من دروس القرآن المعجز ينتشرُ یی وفقَ إشارات غيبيّةٍ للقرآن الحكيم یی بين الأمم التركية والعربية البطلة، وباللسان التركي والعربي، تحت مُسمَّى "رسائل النور"، ليُنقِذ هذا العصر.. ومثلَما أنقذت إيمانَ ستِّ مئة ألفِ شخصٍ قبل ستة عشر عامًا، فقد تعدَّى هذا العددُ الملايينَ الآن على التحقيق؛
— 297 —
ما يعني أن رسائل النور مثلَما شكَّلَت یی بدرجةٍ مّا یی وسيلةً لنجاة البشر من الفوضوية، كذلك أصبحت وسيلةً للتآخي والوحدة بين أبطال الإسلام الإخوة: "العرب والتُّرك"، وأصبحت كذلك وسيلةً لنشر قوانين القرآن الأساسية، وهذا الأمر حَظِي بالمصداقية حتى من الأعداء.
فما دام الكفرُ المطلَق يقفُ في هذا الزمان معارِضًا للقرآن، فإن له في الدنيا أيضًا جهنَّمَ أشدَّ وأعظم من جهنَّمِ الآخرة، إذ الموتُ لا يُمكن قتلُه، بل تَشهَد على دوامِه ثلاثون ألفًا من الجنائز كلَّ يوم؛ وإن المترديَ في الكفر المطلق أو المناصِرَ له يُقاسي عذابًا يفوق عشَرةَ أضعافِ عذابِ جهنَّم، نظرًا لتفكيره بأن هذا الموت إنما هو إعدامٌ أبديٌّ له ولِذويه السابقين واللاحقين، ممّا يُعزِّزُ استشعارَه عذابَ جهنَّمَ في قلبه من خلال الكفر المطلق، فكلُّ إنسان يَسعَدُ بسعادة ذويه ويتألَّم بآلامهم، غيرَ أن الذي يُنكِر وُجودَ الله تزول عنه جميع تلك السَّعادات، ويَحُلُّ محلَّها الآلامُ والعذاب.
ولإزالة "جهنَّم" المعنويّة هذه من قلوب الإنس في هذه الدنيا، ثمّة حلٌّ وحيدٌ في هذا الزمان، ألا وهو القرآن الحكيم، وأجزاءُ رسائل النور التي هي مُعجِزتُه المعنوية المُوافقة لأفهام هذا العصر.
إننا نحمد الله كثيرًا أنَّ بين الأحزاب السياسية اليومَ حزبًا أدرك یی إلى حدٍّ ما یی هذا الأمر، فلم يمنع نشرَ هذه المؤلَّفات، ولم يُناهض رسائلَ النُّور التي تُثبت أن الحقائق الإيمانية تُورِثُ أهلَ الإيمان جنّةً معنويةً في هذه الدنيا، وتفاعَلَ مع قضية نشرِها بصورةٍ إيجابية، وتخلَّى عن سياسة التضييق على ناشريها.
إخواني: لقد اشتدَّ عليَّ المرض كثيرًا، ولرُبَّما أُفارِقُ الحياةَ عمّا قريب، أو ربما أُمنَعُ من الحديث كُلِّيًّا كما يحدُث في بعض الأحيان؛ لذا فإنَّ على إخوانِ الآخرةِ النوريِّين التغاضيَ عن أخطاء بعضِ المُخطئين المساكين، وليَعُدُّوها من قبيل "أهونِ الشَّرَّينِ"؛ ولْيَعمَلُوا دومًا وَفقَ مُقتضَياتِ العمل الإيجابيِّ البنّاء، إذ العملُ السَّلبيُّ الهدّامُ ليس وظيفتَنا، ولا ينفعُ في الحِراك الداخليّ.
— 298 —
وما دام بعضُ المسؤولين السياسيِّين لا يُلحِقون الضررَ برسائل النور، بل يُبدون بعضَ التسامُح، فانظروا إليهم نظرةَ "أهونِ الشَّرِّ" تخلُّصًا من "أعظم الشَّرِّ"، ولا تَمَسُّوهم بسوء، وليَعُمَّهم نفعُكم.
إنَّ الجهاد المعنويَّ في الداخل هو عبارةٌ عن السَّعي لمواجهة التخريبات المعنوية، فلا يتطلَّب القيامَ بإجراءات مادِّية، بل معنويةٍ فحَسْبُ.
وما دُمنا لا نتدخَّلُ بشؤون أهل السِّياسة، فلا يحقُّ لهم بأيِّ شكلٍ من الأشكال أن ينشغلوا بنا.. ومثال ذلك: أني تعرَّضتُ لأُلُوف المضايقات من أحدِ الأحزاب، بل إنَّه زَجَّ بي في السِّجن، وقاسيتُ بسببه شتَّى صنوف الظلم والمشاقِّ على مدى ثلاثين سنةً، إلا أنني غفرتُ إساءتَه في حقِّي، وجعلتُه في حلٍّ مني؛ فمُقابلَ ما قاسَيتُ من العذاب صِرتُ وسيلةً لخلاصِ خمسةٍ وتسعين بالمئة من الأبرياء من أن يكونوا عُرضةً للطعن والاعتراض والظلم، بحُكم الآية الكريمة: وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى، فكان أن وُجِّهَت التُّهَمُ إلى خمسةٍ بالمئة منهم فقط، لذا لا يحقُّ اليوم لهذا الحزب الذي عادانا أن يتقدَّم بشكوى ضِدَّنا بأيِّ شكلٍ من الأشكال.
بل لقد حاول مُدَّعٍ عامٌّ في إحدى المحاكم إدانتي بما يُوقعه في ثمانين خطأً یی كما هو مُثبَتٌ لديهم یی استنادًا إلى هواجسَ خاطئة أدلى بها المُخبِرون والجواسيسُ، وبتأويلٍ مغلوطٍ ناتجٍ عن سُوء الفهم لبعض أجزاء رسائل النور وقلّةِ إمعانٍ للنظر فيها؛ وتعرَّضتُ مع سبعين أخًا مُتَّهمًا كانوا معي في المحكمة لظلمٍ وهجومٍ شديدَينِ، وزُجَّ بنا في السجن؛ وفي أحد الأيام شاهدتُ من نافذة السِّجن طفلةً ذاتَ ثلاثةِ أعوام، فسألتُ: ابنةُ مَن هذه؟ فقالوا: ابنةُ ذلك المُدَّعي العامّ. فلم تُطاوعني نفسي بالدُّعاء عليه رأفةً بتلك الصغيرة البريئة.. ولقد انقَلَبَت تلكم المِحنُ التي سامَني إيّاها إلى مِنَح، إذ صارَت وسيلةً لإشهار رسائل النور، والإعلان عن هذه المعجزة المعنوية.
إخواني، ربما أموتُ قريبًا.. وقد انتشر في هذا العصر مرضٌ آخرُ هو: الأنانية، وحبُّ النفس، وإيثارُ الذات، والإدمان، والرغبة في قضاء حياةٍ رغيدةٍ في ظل مباهج الحضارة ونَزَوات المدنية.. إلى غير ذلك من الأمراض.
— 299 —
وإن أوَّل درسٍ تلقَّتْه رسائلُ النور من القرآن يقومُ على أساسِ التخلِّي عن الأنانية وحُبِّ النفس، ولُزوم التجرُّد عن إيثارِ حظِّ النفس، كي تُؤدَّى خدمةُ الإيمان بإخلاصٍ حقيقيّ؛ وقد برز في الساحة بحمد الله أشخاصٌ كُثْرٌ ممَّن بلغوا ذلك الإخلاص الأعظم؛ وهنالك الكثيرُ ممَّن يفدي بشخصيَّته وجاهِه ومنصبه أصغرَ مسألة إيمانية.
حتى إن أحد تلاميذ النور البُسطاء بُحَّ صوتُه برحمةٍ إلٰهية، لمّا أصبح الكثيرُ من أعداء رسائل النور إخوانًا له، وكَثُر مُجالِسُوه والراغبون بلقائه؛ بل غدت نظراتُ الذين ينظرون إليه باستحسان وتقدير بمثابةِ مسِّه بالعين، فيتأذَّى منها كثيرًا، والمصافحاتُ تشقُّ عليه كأنها صفَعاتٌ تُوَجَّه إليه.
وحين سُئل: ما سِرُّ حالتك هذه؟ لديك الملايينُ من الأصحاب، فلماذا لا تراعي مشاعرَهم وتصونُ خواطرَهم؟! فأجاب قائلًا: ما دام رائدَ مسلكِنا الإخلاصُ الأعظمُ، فإن مقتضاه أن يُضحِّيَ المرءُ لا بحظِّ نفسه وأنانيَّته فحَسْبُ، بل لو مُنح سلطنةَ الدنيا برُمَّتها، لَوَجَب عليه تفضيلُ مسألةٍ إيمانيةٍ واحدةٍ باقيةٍ على تلك السَّلطنة.
ومن هنا: آثر تدوينَ نُكتةٍ قرآنيةٍ دقيقةٍ في آيةٍ واحدةٍ أو في حرفٍ منها وهو في غمار الحرب وعلى الجبهات القتال وفي الخطوط الأمامية وبين قذائف الأعداء ومدافعِهم، فقال لكاتبه "حبيب": "أَخرِجْ دفترك"، وأملى عليه تلك النكتةَ وهو على صَهْوةَ جوادِه! فلم يتخلَّ عن نكتةٍ واحدةٍ في حرفٍ واحدٍ من القرآن في مواجهة مدافعِ الأعداء، بل آثرها على إنقاذ حياته في تلك الحرب.
سَأَلْنا أخانا ذاك: "من أين تلقَّيت درسَ الإخلاص العجيب هذا؟".
فقال: من نكتتين:
الأولى: في غزوة بدرٍ التي هي من أعظمِ غزوات عالَمِ الإسلام وأعجَبِها، حيثُ أمَرَ فخرُ العالمين (ص) في حديثٍ شريفٍ بوَضعِ شطرِ المجاهدين أسلحتَهم، والاصطفاف لأداء صلاتهم جماعةً، بينما لَبِث الشطرُ الآخرُ متأهِّبين متربِّصين وِجاهَ
— 300 —
العدوِّ، ثم التحقوا بالصلاة بعد أن أدَّى الأُوَلُ صلاتَهم، كيلا يُفوِّتُوا ثوابَ الجماعة أثناءَ هجوم الأعداء.
فرُوعِيَ بهذه الرُّخصة أجرُ الجماعة حتى في الحرب مع أنَّها سُنّة، ورُجِّحَت على أكبر حادثةٍ في الدنيا: "الحرب"؛ ونحن اقتبسنا نكتةً صغيرةً من مثلِ هذه الإشارة من الأستاذ المطلق (ص)، واتَّبعناه بأرواحنا وأنفُسنا.
الثانية: أنَّ بطلَ الإسلام سيِّدَنا عليًّا رضي الله عنه طلب من الله تعالى في مواضعَ كثيرة من قصيدته "البديعية" یی ولا سيما في أواخرها یی حاميًا يحميه من طُرُوءِ الغفلة في أثناء الصلاة، فتضرَّع إلى الحقِّ سبحانه أن يَخُصَّه بعفريتٍ يَحرُسُه ممّا يمكن أن يُحدثَه في البال تصوُّرُ هجوم أعدائه الكُثْر في أثناء صلاته، فيحولَ دون طُمأنينتِه وخشوعه فيها.
وإن أخاكم المسكينَ هذا الذي قضى صفوةَ عُمُرِه في هذا الزمان مقبلًا على حظِّ النفس، قد استلهم هاتين النُّكتتَينِ الصغيرتَينِ من سبب خِلقةِ العالم (ص)، ومن بطل الإسلام رضي الله عنه؛ وأَولَى أسرارَ القرآنِ اللازمةَ في هذا الزمان أهمِّيةً عظيمة، فلم يكترث لحياته في الحرب، في مقابلِ بيانِ نكتةٍ واحدةٍ في حرفٍ واحدٍ من حروف القرآن.
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭