Risale-i Nur

لاحقة أمير داغ
— 4 —

من كُلِّياتِ رَسَائِل النُّور

مِن المكتوب السابع والعشرين
مُلحَقُ أَمِيردَاغ الأوَّل
تأليف
بديع الزمان سعيد النورسي
ترجمة وتحرير
محمد أبو الخير السيد
— 5 —

تقديم

تُمثِّل هذه "المَلاحقُ" بمجموعها "المكتوبَ السابع والعشرين"، وقد تزامَنَ تأليفُها مع تأليف رسائل النور، إذْ ظهرتْ مع بداية ظهورها، وظلَّت تُواكِبُ تأليفَها حتى النهاية؛ ذلك أنه مُذْ شَرَعَ الأستاذُ النُّورْسِيُّ بتأليف رسائل النور في "بارلا"، وشَرَعَ طلاب النور في "إسبارطة" وما حولَها يَنهلون من هذه الرسائل الفيضَ والمدد، سواءٌ بقراءتها أو بنَسْخها؛ أخذوا يكتبون إلى الأستاذ رسائلَ يُعبِّرون فيها عن عميقِ مشاعرهم، وبالغِ شوقهم، شكرًا وعرفانًا وتقديرًا، ويطلبون في بعض الرسائل الإجابةَ على بعض الأسئلة، وحلَّ بعض الإشكالات، فتشَكَّلَت من مجموع هذه المراسلاتِ المتبادَلةِ بين الأستاذ وطلاب النور مُلحقاتُ "بارلا" و"قَسْطَموني" و"أميرداغ".
فأما «مُلحَق بارلا» ، فيَحوي رسائلَ للأستاذ النُّورْسِيّ، وكلماتٍ للرَّعيل الأول من طلاب النور الذين جَدُّوا واجتهدوا في نَسخِ الرسائل ونَشرِها طَوالَ مرحلةِ "بارلا" التي انتهت بالسَّوق إلى سجن "أسكي شَهِر"، وفيها يصِفون عميقَ مشاعرهم وصادقَ أحاسيسِهم، وعظيمَ النفعِ القلبيِّ والمددِ الروحيِّ الذي اغترفوه من مَعين رسائل النور أولَ ما قرؤوها وكتبوها.
وأما «مُلحق قَسْطَموني» ، فيغطي المرحلةَ الممتدةَ بين سِجنَي "أسكي شَهِر" و"دَنِزْلي"؛ إذْ بعد أن أُفرِجَ عن الأستاذ النُّورْسِيّ من سجن "أسكي شَهِر"، نُفِيَ إلى "قَسْطَموني" ووُضِع فيها تحت الإقامة الجبرية مدةً تَنوف على سبع سنين، نُقِلَ بعدَها إلى سجن "دَنِزْلي"؛ لكنه برغم ذلك ظلَّ على تواصلٍ دائمٍ مع طلابه بی"إسبارطة" عبر المراسلات؛ وقد أبدى في مراسلاته هذه اهتمامًا بالغًا بكتابة رسائل النور واستنساخِها ونَشْرِها بالحرف العربيِّ القرآني، وأَولى عنايةً لتوسيع دائرتها وتعميم فائدتها في أوساط
— 6 —
الشباب الذي انقطعت صلتُهم بالحرف العربي، وذلك بأن تُكتَب لهم بعضُ مباحثها بالحرف اللاتيني؛ وأفاض في الحديث عن ماهية رسائل النور وأهميتِها، والمنزلةِ الرفيعة التي تتبوؤها، والوظيفةِ الإيمانية القدسية التي تؤديها؛ كما تَطرَّق إلى العديد من المسائل والقضايا في داخل البلاد وخارجِها، وبَيَّن لطلاب النور ركائزَ العمل وأسلوبَ الخدمة الذي ينبغي انتهاجُه، وضرورةَ التحلي بالثبات والمتانة في مواجهة الملاحدة المعتدين، وضرورةَ تحري الإخلاص في التعامل مع أهل الإسلام.
وبهذا يكتسب "مُلحَق قَسْطَموني" أهميةً خاصةً، سواءٌ باعتبارِ الحِقبة المهمة التي كُتِبَ فيها وكان ثمرتَها، أو باعتبارِ منظارِ الحقيقةِ الإيمانيِّ الكُلِّي الشاملِ الذي تناولَ به مسائلَ اجتماعيةً كثيرةً متنوعة، أو بغير ذلك من الاعتبارات.
أما «مُلحَق أميرداغ» فهو مُلحَقان، كلُّ مُلحَقٍ يتصل بمرحلةٍ تختلف عن الأخرى.
فالمرحلة التي يغطيها "مُلحَق أميرداغ الأول" هي ما بين سِجنَي "دَنِزْلي" و"أفيون"، وتمتد من منتصف العام ١٩٤٤م إلى أواخر العام ١٩٤٧م، ذلك أنه ما أن صدَرَ قرار البراءة بحقِّ مؤلِّفِ رسائل النور، وأُفرِج عنه من سجن "دَنِزْلي"، حتى نُفِيَ بقرارٍ من مجلس الوزراء إلى "أميرداغ"، ووُضِع فيها تحت إقامةٍ جبريةٍ استمرتْ قُرابةَ ثلاث سنين ونصفِ السنة، لتنتهي بنقله إلى سجنِ "أفيون"، ثالثِ السجون التي زُجَّ فيها، والذي لَبِث فيه موقوفًا عشرين شهرًا بين عامَي ١٩٤٨- ١٩٤٩م.
ويحوي هذا المُلحَق مراسلاتِ الأستاذ مدةَ إقامتِه الجبريةِ بی"أميرداغ"، حيث بَعث برسائل إلى "إسبارطة" و"قَسْطَموني" و"إسطنبول" و"أنقرة"، وإلى طلاب النور الجامعيِّين، كما بعث برسائل إلى طلاب النور الذين باشروا الخدمةَ الإيمانية ونشْرَ الأنوار في أماكن شتى من الأناضول، وتتضمن هذه الرسائل إجاباتٍ على أسئلتهم، وتوجيهاتٍ تتعلق بالخدمة الإيمانية.
وأما "مُلحَق أميرداغ الثاني"، فيحوي الرسائل التي كتبها الأستاذ إلى طلابه بعد إخلاء سبيله من سجن "أفيون"، حيث عاد إلى "أميرداغ" ثانيةً فأقام بها مدةً طويلة،
— 7 —
تَخلَّلتْها إقامةٌ قصيرةٌ في "أسكي شَهِر" في العام ١٩٥١م، وإقامتان مثلُها في "إسطنبول" التي استُدعي إلى محكمتها مرةً بعد مرةٍ في قضية "مرشد الشباب" في عامَي ١٩٥٢ و١٩٥٣م؛ وتتناول رسائلُ هذا المُلحَق مسائلَ تتعلق بالمحاكم والدعاوى المرفوعة على الأستاذ؛ كما يحوي مراسلاتِه التي كتبها في إسبارطة بعد العام ١٩٥٣م.
وعليه، فی"المَلاحق" إنما تحوي رسائلَ الأستاذ إلى طلابه في أزمنة النفي المتعاقبة، أما رسائلُه إليهم حين كان رهينَ سجون "أسكي شَهِر" و"دَنِزْلي" و"أفيون"، فقد نُشِرت بكاملها في "الشُّعاعات" وفقًا لما ارتآه الأستاذ الموقَّر نفسُه.
إن المعاني التي تَضَمَّنتْها مكتوباتُ طلاب النور في هذه "المَلاحق"، وما عبَّروا به عن مدى استفادتهم من رسائل النور، وما اغترفوا من مَعينها من إيمانٍ وإخلاصٍ وثباتٍ ووفاءٍ وشهامةٍ إيمانية، وما جاشتْ به أفئدتُهم من شكرٍ وعرفانٍ لمؤلِّفها، إنما تُظهِر أنهم كانوا مخاطَبين حقيقيين لهذا الدرس القرآنيِّ الذي أشرق في هذا الزمان، وتُبرِزُهم شُهودًا يُوَقِّعون على حقَّانية رسائل النور، ويُصدِّقون الأستاذَ النُّورْسِيَّ في دعواه.
أما أهميةُ "المَلاحق" وما حَوَتْه من رسائل، فيكفي في بيانها التذكيرُ بأنها كانت تؤلَّف وتُنشَر بالتزامن مع تأليف رسائل النور ونشرِها، وأن مؤلِّفها كان يتابع ذلك بنفسه، وقد تحدث عن أهميتها ولَفَتَ الأنظار إليها في رسائل كثيرة.
ذلك أنه مع تأليف رسائل النور ونَشرِها وانتشارها لا بدَّ أن يواجِه طلابُها كثيرًا من التحديات والعقبات، سواءٌ في قيامهم بالخدمة النورية وتعليمِ الدرس القرآني، أو في تعلُّمهم المسلكَ النُّوريَّ واستدامتهم نهجَ الخدمة على المدى البعيد، وهو ما يُحتِّم تزويدَهم بمنهجٍ يرشدهم للعمل بإخلاصٍ وثباتٍ وصلابةٍ في مواجهة التيارات، ويبصِّرُهم بالمعالم التي تساعد على ازدهار الخدمة القرآنية، وهذا ما قام به الأستاذ استجابةً لمقتضيات هذه الخدمة القدسية، إذْ نبَّه الطلابَ ووجَّهَهم، وبَيَّن لهم المعالم والركائز، وجَلَّاها لهم حقائقَ وأصولًا لا تعتريها شبهة.
— 8 —
ثم إن هذه "المَلاحق" تتضمن حِكَمًا وقواعدَ لا يُستغنى عن استذكارها باستمرار، إذْ هي إخطاراتٌ كُتِبَتْ وأُملِيَتْ استجابةً لحاجات تتكرَّر في كلِّ حين، وقد أَعلَنَت هذه الحاجاتُ عن نفسِها فعلًا في مئاتِ الوقائع والمسائل.
يخاطب طالبُ النورِ الأولُ "خُلوصي بك" أستاذَه في رسالةٍ كَتَبها إليه فيقول: "أيها الأستاذ المحترم.. حتى لو أردتم نسيانَ الدنيا، ولم يكن لكم ما يربطكم بها سوى الإجابةِ على أسئلة الذين ارتبطوا بی"الكلمات" المباركة، فلن تتركوا أسئلتَهم واستيضاحاتِهم بغير إجابة.. إن رسائلكم القَيِّمة التي تَبعثون بها إلى مَن يسألونكم ومَن يحبونكم في الله، لهي مجلسٌ علميٌّ تُقرِّرون فيه مسائلَ متنوعةً لم تتضمَّنها "الكلمات"، وهذا يُبيِّن بشكلٍ قاطعٍ أن الحاجة ما تزال قائمة، وأن الخدمة لم تنتهِ".
فهذه الرسالة تُعبِّر عما تتطلبه خدمة الأنوار من حاجةٍ إلى الإرشاد والتوعية والتنبيه، وهذا ما صَدَّقتْه "المَلاحقُ" التي ظهرتْ فيما بعد، فقد أُلِّفت تلبيةً للحاجة المُلِحَّة كما ذكر هذا السيد المبارك.
سيَتبين في هذه "المَلاحق" أن أستاذَنا العزيز مؤلِّفَ الأنوار قد اشتغل هو نفسُه بالأعمال المتعلقة برسائل النور من نشرٍ وقراءةٍ ونَسْخ، وأَولاها أهميةً بالغةً، وحثَّ طلابَه عليها باستمرار؛ ولا تَخفى أهميةُ هذا الأمر وحكمتُه؛ فإننا في عصرٍ تَشهد فيه العلومُ الطبيعيةُ والماديةُ رَواجًا كبيرًا، ويَعكُف الجيل الجديد على قراءتها ودراستها، ويَدأبُ الماديون والطبيعيون في نشر ما يصادم الدين والمعنويات، ويتعزز تيار الكفر المطلق، ويُوْلي أعداءُ الإسلام والإيمان في مخططاتهم أولويةً لنشر كتبٍ ومجلاتٍ ومنشوراتٍ لا تعترف بدينٍ ولا بمعنويات، بل تُعارض حقيقةَ الإيمان بالله، وتنشر الإلحاد، وتحارب الفكر الإسلامي، وتعمل على دسِّ الفكر الإلحاديِّ والكفريِّ في جيل الشباب والناشئة، مُهدِّدةً البشرية جمعاءَ بخطرٍ ماحق؛ فلا جَرَم أن تكون رسائلُ النور وقراءتُها ونشرُها في زمنٍ عصيبٍ رهيبٍ كهذا حاجةً شديدة الإلحاح.
— 9 —
ذلك أن رسائل النور یی باعتبارِها معجزةً معنويةً للقرآن الحكيم، وبوصفِها السلاحَ الفتَّاكَ الأمضى في التصدي لإلحادِ هذا الزمان یی تأتي لتُصلِح ما أفسده التيارُ الماديُّ في أبناء هذا الزمان، وما خلَّفه فيهم من تدميرٍ معنويٍّ، فتَعْمُرُ قلوبَهم بالمعنويات، وتُمِدُّهم بقوةٍ عظيمةٍ لا تتأتَّى إلا من الإيمان التحقيقي، وهي إنما تؤدي هذه المُهمَّة الجليلة باستلهامِ القرآن الكريم والاستهداءِ بإرشاده ودرسِه؛ فهي یی بدرس الإيمان التحقيقي یی تستعرض نورَ التوحيد في عينِ المسائل التي تاه فيها الماديون والطبيعيون، وتوضِّح حقائقَ الإيمان بأمثلةٍ وأدلةٍ مُستقاةٍ من عالَم المادة نفسِه، وتُثبِتها من نفسِ المسائل العلمية التي تُدرَس في المدارس والجامعات، فتُجلِّي حقائقَ الإيمان ساطعةً كالشمس في رابعة النهار؛ فلأجل هذا المعنى، ولأجل معانٍ أخرى كثيرة، كانت رسائل النور سيفًا ألماسيًّا معنويًّا بِيَدِ أهل الإيمان والإسلام في هذا الزمان، يَجدُر بهم أن يشُدُّوا أيديَهم به.
إنها براهينُ كُلِّيةٌ في معرفة الله عز وجل، وإنها درسٌ قرآنيٌّ مُقتبَسٌ من نجومِ آياتِ الذكر الحكيم فيضًا وإلهامًا، تُخاطب فُهومَ أبناء هذا الزمان بأَوفَقِ أُسلوبٍ يناسب حاجتَهم، وتُلقِّنهم المعانيَ الجليلةَ عَذبةً سائغةً دون عَناء.
لقد نالت رسائل النور أهميةً كبيرةً لا سيما في هذا البلد، لامتلاكها مزيةَ الخطابِ بما يناسب فِكرَ هذا العصر وإدراكَه، ولكونها درسًا للقرآن الحكيم يخاطب أبناء هذا الزمان؛ وها هم أبناءُ هذه الأمة العريقة الذين رفع أجدادُهم لواء القرآن عبر القرون، وأناروا بتديُّنهم العالَم، يقدِّمون للعالَم من جديدٍ نموذجًا في الأخلاق والفضيلة، ويُبيِّنون للإنسانية طريقَ النجاة والخلاص من الويلات والمهالك التي حاقت بها.
إنه لا خلاص للبشرية جمعاءَ من الإفساد والتدمير والفوضوية التي تُهدِّدها وتُزعزع كيانَها إلا بحقائقِ الإسلام، الدينِ السماويِّ الإلٰهيِّ الأزليِّ الأبدي؛ ولقد قامت رسائلُ النور ببيانِ هذه الحقائق الإسلامية والقرآنية، وتولَّتْ عرضَها مُثبَتةً مُبرهَنةً لأنظارِ التحقيق بين بني البشر.
— 10 —
ويؤكد مؤلِّفُ رسائل النور على أن دائرتَها تشمَل عمومَ أهل الإيمان والإسلام، إذْ هي جادَّةٌ قرآنيةٌ كبرى، وقد حازَتْ من السَّعة والجامعية ما يجعلُها تتضمن كافةَ الخدمات الإسلامية والمسائل الدينية، وتُحفِّز وتُشَجِّع على شتى أنواع الخدمة الدينية، فيقول في رسالةٍ له: "أنا ما وقفتُ حياتي على طلبِ فروعٍ تُفضي إلى جِدالاتٍ وعداواتٍ داخليةٍ متحزِّبة، وإنما وَقَفتُها لطلبِ الأركان الإيمانية التي هي أهمُّ قضيةٍ للنوع البشري؛ ولطلبِ حقائق القرآن الإيمانية معدِنِ سعادة البشر، ورابطةِ أُخوَّةِ أهلِ الإسلام وأساسِها؛ ثم لتقديمِ ذلك للمحتاجين؛ فهذا ما وَقَفْتُ حياتي لأجله".
ثم يُبيِّن المؤلِّف بنور القرآن أسلوبَ الخدمة التي يمكن القيام بها إزاء شروط هذا الزمان ومتطلباته، فيُجلِّي أهميةَ رسائل النور وضرورتَها لما تتحلى به من مزايا في خدمتها، مثلِ اتِّباعِها منهجَ الإرشاد الحكيم، وتحرُّكِها في نهجٍ قويمٍ يوافق التوفيقَ الإلٰهي، فيقول في الرسالة نفسِها: "إنني أعمل على نبذِ العداوة وبناء الصداقة لا بين المسلمين فحسب، بل حتى مع المتديِّنين من النصارى؛ فإن الخطر والدمار الذي خلَّفتْه الحربُ العالمية، والذي تُنذِر به الفوضويةُ الكامنةُ خلف الشيوعية، يَهتِفان بلسان الحال: أيها البشر.. هذه الدنيا فانيةٌ ملأى بالفِراقات، فانبذوا العداوةَ جانبًا، وأنصِتوا إلى درسِ القرآن، واتَّحِدوا، وإلا قضَينا عليكم".
فإلى مثل هذه المسائل تشير رسائلُ "المَلاحق"، كما تُقدِّم دروسًا في أسس الخدمة القرآنية القويمة، في ظلِّ حوادث الدنيا المتقلِّبة، وضمن ظروفٍ وقضايا كُليَّةٍ واسعة.
القائمون على خدمة الأستاذ بديع الزمان سعيد النُّورْسِيّ
طاهري، زبير، حسني بَيرم، مصطفى صونغور، بَيرم
٭٭٭
— 11 —
باسمه سبحانه..وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمةُ الله وبركاتُه أبدًا دائمًا
إلى إخواني في أميرداغ..
قولوا للذين يَتوجَّسون مني أوهامًا: إن هذا الرجل الذي نَخدُمه، لم تَدَعِ الحكومةُ شيئًا من كُتبه وأسراره ومراسلاته الخصوصية وغيرِ الخصوصية في عشرين سنةً من حياته إلا حَصلتِ عليه بتَحَرّياتٍ شديدة، وقد ظلَّت الجهاتُ القضائيةُ في "إسبارطة" و"دَنِزْلي" و"أنقرة" تسعةَ أشهرٍ تُدقِّق في كتبه وأوراقه التي ملأتْ خمسةَ صناديق، فلم تجد فيها مادةً واحدةً تستوجب عقوبةَ طالبٍ واحدٍ من طلابه ولو بسجنِ يومٍ واحد، فما كان من محكمةِ "دَنِزْلي" ولجنةِ الخبراء بی"أنقرة" إلا أن قَضَتا ببراءته بالاتفاق.
وإن هذا الرجل الذي نقوم على شؤونه الضرورية احترامًا لشيخوخته، قد ادَّعى أمام المحكمة، وأشهَدَ على دعواه جميعَ مَن حضرها مِن أصحابه، فصدَّقوه بأنه منذ عشرين سنةً ما قرأ صحيفةً ولا كتابًا سياسيًّا، ولا سأل عن شيءٍ من ذلك، ولا تكلَّم فيه؛ وأنه منذ عشرِ سنين لا عِلمَ له بأحدٍ من رجال الدولة وكبارِ مسؤوليها یی خَلا رئيسَي حكومةٍ وواليًا ونائبًا یی ولا يَعرفهم، ولا اهتمَّ بمعرفتهم.
وأنه منذ ثلاث سنين ما سأل عن الحرب العالمية، ولا عَلِمَ عنها، ولا اهتم بها، ولا استمع إلى مذياع.
وأن مؤلَّفاتِه المئةَ والثلاثين المنتشرة، قد قرأها مئةُ ألفِ إنسانٍ قراءةَ تَمَعُّنٍ في عشرين سنة، فلم ترَ الحكومةُ منهم إضرارًا بالإدارة أو الأمن أو الوطن أو الشعب؛ ولم تَجد منهم الشرطةُ الحَذِرةُ المدقِّقةُ ولا موظَّفو التحري في خمسِ ولاياتٍ أدنى جناية، ولم تَعثُر أربعُ محاكمَ جنائيةٍ في أربع ولاياتٍ من بينها العاصمةُ على أدنى جُرمٍ منهم، فلم تجد بُدًّا من إخلاء سبيلهم.
— 12 —
فلو كان لهذا الرجل رغبةٌ في الدنيا أو ميلٌ إلى السياسة، أفما كانت تَظهَرُ منه بوادرُ وأماراتٌ على ذلك؟! والحالُ أنهم ما استطاعوا أن يأتوا في محاكمته بأيَّ أمارة، فاضطُر مُدَّعٍ عامٌّ معاندٌ إلى استعمال تعبير إمكان الوقوع بدلًا من الوقوع نفسِه، فكرَّر في لائحةِ ادعائه قولَه: "إنه يمكن أن يفعل"، ولم يقل: "قد فَعَل"؛ وأين هذه من تلك؟! حتى إن "سعيدًا" قال له في المحكمة: يمكن لكلِّ شخصٍ أن يَقتُل، فيَلزَم بادِّعائك هذا أن يُحال كلُّ شخصٍ یی حتى أنت یی إلى المحكمة!!
والحاصل أن هذا الرجل إما مجنونٌ جنونًا مُطْبِقًا لا يكترث فيه لشيءٍ من أوضاع العالَم المروِّعة، وإما أنه لا يَتنزَّل لشيءٍ ولا يهتم به، كَيما يعملَ بإخلاصٍ لتحقيقِ أعظم سعادةٍ لهذا الوطن وهذا الشعب؛ وإذًا، فإنَّ إيذاءَه والتضييقَ عليه إهانةٌ للوطن والشعب، وخيانةٌ للأمن والاستقرار، وإنَّ التوجُّسَ منه جنون.
٭٭٭

جوابٌ ذو حقيقةٍ عن سؤالٍ مُهِمّ

سألَني بعضُ كبار المسؤولين: لماذا لم تَقبل عرضَ "مصطفى كمال" بتعيينك واعظًا عامًّا في "كُردِستان" والولاياتِ الشرقية مكانَ الشيخ السَّنوسي، مع منحِك راتبًا مقدارُه ثلاثُمئة ليرة؟! فلو قَبِلتَه لكنتَ سببًا في إنقاذِ حياةِ مئةِ ألفِ رجلٍ سُفِكتْ دماؤهم من جرَّاء الثورة!!
فأجبتهم: بدلًا من أن أُنقِذَ لهؤلاء الرجال عشرين أو ثلاثين سنةً من الحياة الدنيوية، صارت رسائل النور وسيلةً لإكسابِ كلِّ فردٍ من مئاتِ آلافِ المواطنين ملايين السنين من الحياة الأُخرويَّة؛ فعوَّضَتْ تلك الخسارات أضعافًا مضاعفةً آلافَ المرات، ولو قبِلتُ ذلك العرض لما ظهرتْ رسائلُ النور التي تَحمِل سرَّ الإخلاص، وتأبى أن تكون أداةً لشيء، ولا هي تابعةٌ لشيء.
— 13 —
حتى لقد قلتُ لإخواني المحترمين في السجن: إنَّ الذين حكموا عليَّ بالإعدام لِمَا ذاقوا من صَفَعاتِ رسائل النور الشديدة، اِشهدوا أنهم إنْ أنقذوا برسائل النور إيمانَهم، ونَجَوا بها من الإعدام الأبدي، فإني أُحِلِّهم حقي وأسامحهم من كلِّ قلبي.
وقلتُ لمن كانوا يضايقونني بمراقبتهم الصارمة في "دَنِزْلي" یی بعد الحكم ببراءتنا یی ولرؤسائهم وللمفتِّشين وقائد الشرطة:
إنَّ إحدى كرامات رسائل النور التي لا تَقبل الإنكار، أنه بعد تسعةِ أشهرٍ من التدقيق في عشرين سنةً من حياتي قضيتُها مظلومًا، وبعد التمحيص في المئات من رسائلي ومراسلاتي، وفي أحوال الآلاف من طلاب رسائل النور، لم يُعثَر على أيِّ وثيقةٍ تُشير إلى وجودِ تيارٍ، أو تنظيمٍ، أو علاقةٍ بمنظمةٍ داخليةٍ أو خارجية!! أفيمكن أن يكون هذا الوضع العجيب نِتاجَ تفكيرٍ وتخطيط؟ فإنه لو كُشِفَتْ أسرارُ امرئٍ وخصوصياتُه في بضعِ سنين، لظهرتْ عشرون مادةً تُخجِله أو تُدينه لا مَحالة.
ولمَّا كانت هذه هي الحقيقة، فإما أن تقولوا: إن هذا عملٌ يديره دهاءٌ خارقٌ لا يُغلَب، أو تقولوا: إنه حِفظٌ إلٰهيٌّ بغاية العناية؛ ولا ريب أن مواجهةَ دهاءٍ كهذا خطأٌ يَعود بفادح الضرر على الوطن والشعب، وأن التعرُّض لمثل هذا الحفظ الإلٰهي والعناية الربانية ليس إلا تمرُّدًا فرعونيًّا.
فإنْ قلتم: إننا لو تركناك وشأنَك ولم نراقبْك ولم نتعقَّبْك، لأمكنَ أن تُعكِّر علينا حياتَنا الاجتماعية بدروسك وأسرارك التي تُخفيها؛ فإني أقول لكم: إن جميعَ دروسي بلا استثناءٍ قد وقَعتْ بيدِ الحكومة والقضاء، فما عُثِرَ فيها على مادةٍ تستوجِب سجنَ يومٍ واحد.
ثم إن دروسي هذه متداوَلةٌ بعشراتِ آلافِ النُّسَخ من الرسائل، يَقرؤها الناسُ بعنايةٍ واهتمام، فلا تعود عليهم إلا بخالصِ النفع من غير ضرر؛ وقد نظرَتْ فيها المحكمتان السابقةُ والحالية، فلم تجدا فيها مادةً واحدةً تستوجب المسؤولية، فأما المحكمةُ الحاليةُ فقضت بالبراءة، وأما المحكمةُ السابقةُ فاتخذتْ من بضعِ كلماتٍ
— 14 —
في مئةٍ وثلاثين رسالةً ذريعةً تمكَّنَتْ بها من الحكم بالسجن ستةَ أشهرٍ على خمسةَ عشر شخصًا من إخواني المئة والعشرين الموقوفين، ولم تُصدِر حكمَها هذا بناءً على أرضيةٍ قانونية، بل لقناعةٍ شخصيةٍ مراعاةً لخاطرِ شخصٍ ذي مقامٍ دنيوي!! وليس هذا إلا حجةً قاطعةً على أنَّ تَعَرُّضكم لي ولرسائل النور ظلمٌ شنيعٌ مبناه وهمٌ باطل.
ثم إنه ليس لي من درسٍ جديد، ولم يَبق لي سِرٌّ يَخفى كي تعملوا على تعديله وتقويمه بالمراقبة.
إنني اليوم محتاجٌ إلى حريتي أشدَّ الاحتياج.. كفى ملاحقاتٍ ومراقباتٍ ظالمةً لا داعي لها ولا جدوى منها طَوالَ عشرين سنة.. لقد نَفِد صبري.. ولعَلِّي، لضعفي وشيخوختي، أدعو عليكم دعاءً لم أَدعُ به من قبل، وإنها لحقيقةٌ لا شكَّ فيها أنَّ أنّات المظلوم ليس بينها وبين العرش حجاب.
ثم إن أولئك الظَّلَمة الأشقياء الذين يتبوَّؤون مناصبَ دنيويةً مُهمّةً قالوا لي: إنك منذ عشرين سنةً لم تعتمر قبعتَنا ولو مرةً واحدة، ولم تَحسِر عن رأسك في المحاكم السابقة والحالية، وبقيْتَ على زِيِّك القديم، مع أنه قد التزم بالزِّيِّ الحديث سبعةَ عشر مليونًا؟!
فقلتُ لهم: إنني أُفضِّل أن آخذَ بالتقوى والعزيمة الشرعية، فأرتديَ الزِّيَّ الذي ارتداهُ سبعةُ ملياراتٍ من الأماجد الكرام، على أن أرتديَ بالإكراه القانوني والرخصة الشرعية زِيًّا يرتديه لا سبعةَ عشر مليونًا، ولا حتى سبعةُ ملايين، بل سبعةُ آلافٍ من السِّكِّيرين عَبيدِ أوروبا، هم وحدَهم من يرتدونه راضين مختارين.
ولا ينبغي أن يقال عن رجلٍ مثلي تَرَكَ الحياة الاجتماعية منذ خمسٍ وعشرين سنة: "إنه يعاند.. إنه مُعارضٌ لنا"؛ بل حتى لو كان الأمر عِنادًا، فإذا كان "مصطفى كمال" نفسُه قد عَجَز عن كسره، ولم تَقدِر عليه محكمتان، ولم يَقدِر على النَّيل منه رجالُ الحكومة في ثلاث ولايات، فمن أنتم حتى تحاولوا عبثًا كسرَ هذا العِناد، فتَضرُّوا بسعيكم هذا الحكومةَ والشعب؟!
— 15 —
ولنفرض أنني معارضٌ سياسي، فإنه لا يُتصوَّر من رجلٍ قَطَع علاقتَه بالدنيا ومات معنًى منذ عشرين سنة یی بإقراركم یی، أن يُبعَث ثانيةً ليخوض في مواجهتكم غمارَ حياةٍ سياسيةٍ تضرُّه جِدًّا ولا تنفعُه.. إنَّ توَهُّمَ المعارضة السياسية من رجلٍ كهذا ليس إلا جنونًا؛ ولمَّا كان الكلامُ الجادُّ مع المجانين جنونًا، فإنني أترك الكلام مع أمثالكم.
وقلتُ لهم: افعلوا ما شئتم، لا مِنَّةَ لكم عليَّ؛ فأَغضبَهم قولي هذا وأَسكتَهم.
وآخر قولي: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ
٭٭٭
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
اكتبوا أيضًا الكلمةَ التاليةَ في أول مجموعة الرسائل والمراسلات المُوَقِّعةِ على قَبول رسائل النور، فإن لم تتوفر المجموعة فاكتبوها في أول "الشعاع الأول".
ولا تقلقوا لأمري، فإن زيادة الأجر والثواب تُحبِّب إليَّ الشدائدَ بجهةٍ ما، والشدائدُ تُفسِح المجال لانتشار الأنوار في ميادين جديدة.
والسلام عليكم فردًا فردًا.
"هذا هو القِسم الأول من ثمانيةِ أقسامٍ تُوَقِّع على قَبول رسائل النور، وتُخبر عنها بإشاراتٍ غيبية، وقد بلغ اتفاقُ الإشارات على المسألة نفسِها والدعوى نفسِها درجةَ الصراحة؛ ذلك أنه بالنظر إلى وَحدة المسألة تتقوى هذه الأمارات ويؤيد بعضُها بعضًا.
ومن هذه الأقسامِ الثمانيةِ ثلاثةُ أقسامٍ تتحدث عن إخبار سيدنا عليٍّ رضي الله عنه عن رسائل النور بثلاث كراماتٍ غيبيةٍ له.
وقد دَقَّق أعضاءُ لجنةِ الخبراءِ بأنقرة في هذه المجموعة بأقسامها الثمانية، فلم يعترضوا على شيءٍ منها سوى أنهم قالوا: ما كان ينبغي لهذه أن تُذكَر، فإنَّ صاحب الكرامة لا يتحدث عن كرامته.
— 16 —
فأجبتهم: هذه ليست كراماتٍ لي، بل هي كراماتُ رسائل النور، ورسائلُ النور بضاعةُ القرآن وتفسيرُه؛ فسكتوا ولم يرُدُّوا بشيء، وهو ما يعني قبولَهم.
نعم، كان الأَوفقُ ألَّا يُكتَب هذا النوع من الإكرامات، لكننا اضطُرِرنا إلى ذلك اضطرارًا قطعيًّا في مواجهة ما لا يُحَدُّ من معارضين ألِدّاء، وأعداءٍ كُثْرٍ أشِدَّاء، فكتبتُها تقويةً وتشجيعًا وتثبيتًا لنا نحن القِلَّةَ الفقراءَ الضُّعفاء، لتعود علينا بالقوة المعنوية والمدد الغيبي؛ فإنْ حَصَل في هذا دعايةٌ لأنانيَّتي فتسبَّبَ بسقوطي فلا أهمية لذلك، فإني لَأَعُدُّها سعادةً أن أضحِّي بآخرتي یی إن لزِمَ الأمر یی كما ضحَّيتُ بدنياي في سبيل هذه الخدمة، أي: في سبيل إنقاذ أهل الإيمان من الضلالة المطلقة، وإني أقبل بدخول جهنم في سبيل أن يَدخل الآلافُ من إخواني وأصحابي الجنة".
٭٭٭

صورةٌ عن التقرير الصادرِ بالإجماع عن لجنة الخبراء بأنقرة

بناءً على الصلاحية الممنوحة لنا، قمنا بفتحِ ما مجموعُه خمسةُ صناديقَ مَلأى بالكتب، واطَّلعنا على محتوياتها ودققنا ما فيها، فوجدناها تحوي أجزاءَ من رسائل النور لمؤلِّفها سعيدٍ النُّورْسِيّ، بعضُها مطبوع، وبعضُها الآخَر مكتوبٌ بخط اليد؛ وتحوي كذلك مجموعةً من المراسلات التي جرت بين سعيدٍ النُّورْسِيّ وطلابه، بعضُها مراسَلاتٌ علميةٌ ودينيةٌ أُلحِقَتْ برسائل النور، وبعضُها الآخَرُ مراسَلاتٌ عاديةٌ بينه وبين طلابه أو بين الطلاب أنفسِهم؛ وتحوي بالإضافة إلى ما ذُكر مجموعةً من القوالب تُستخدَم في أعمال الطباعة.
(حاشية): لم نورد هنا ما تضمَّنه هذا التقرير من انتقاد، فقد أُجيب عنه إجاباتٍ قاطعةً في المحكمة، وأُدرِجَتِ الإجابات في ختام مدافعاتي؛ على أن جميع ما في التقرير من انتقادٍ لا يتعدى عشَرةَ انتقاداتٍ تتعلق بمسائل جزئيةٍ وَرَدت في ثلاثِ رسائل أو أربع، وهي انتقاداتٌ علميةٌ لا سياسية، فضلًا عن أنه قد أُثبِت في المحكمة بالأدلة أن هذه الاعتراضات مجرَّدُ سهوٍ وخطأ من اللجنة نفسِها.
— 17 —
ولبيان ماهية هذه الرسائل والمراسلات لا بد من تقسيمها إلى قسمين:
القسم الأول: الرسائل، وهي رسائلُ أُلِّفت لتفسير آيةٍ أو شرحِ حديث، ومثلُها رسائلُ تتناول قضايا علميةً كُتِبَت بأسلوب التمثيل، لإيضاح العقائد والمفاهيم المتعلقة بالدين والإيمان والإلٰه والرسول والقرآن والآخرة، وكذا رسائلُ تُخاطب الشباب والشيوخ بنصائح أخلاقية، أو تَسرُد وقائعَ ذاتَ عبرةٍ مستقاةٍ من تجارب الحياة، أو تتضمن توجيهاتٍ نافعةً للعامة وأرباب المِهَن؛ وتُشَكِّل هذه الرسائلُ تسعين بالمئة من المحتويات، وقد كُتِبت بإخلاصٍ وتجرُّدٍ، ولم يَخرُج مؤلِّفُها في شيءٍ منها عن أُسسِ الدين والعلم؛ وليس فيها ما يفيد اتخاذَ الدين أداةً لتحقيق غرض، أو الإخلالَ بالأمن عن طريق تشكيل جمعيةٍ أو تنظيم؛ ويندرج في هذا النوع من الرسائل أيضًا المراسلاتُ العادية التي جَرَت بين سعيدٍ النُّورْسِيِّ وطلابه، أو بين طلابه أنفسِهم.
يَصِف سعيدٌ النُّورْسِيُّ حياةَ الشهرةِ الواسعةِ والمنزلةَ الكبيرةَ التي حَظِي بها في إسطنبول بأنها لم تكن سوى حالةِ سُباتٍ عميقٍ ومنامٍ ثقيلٍ وغَمرةِ ذهولٍ مؤقَّت؛ ونظرًا لكونه زاوَلَ السياسةَ بغفلةٍ لبضعِ سنواتٍ في إسطنبول، فإنه يُصوِّر السياسة على أنها سَمَّمتْ دنياه؛ ويُميِّز بهذه المناسبة بين شخصيَّتين له تختلفان اختلافًا بَيِّنًا، هما "سعيدٌ القديم" و"سعيدٌ الجديد"، ثم يَذكر في رسالةٍ بَعَثَ بها إلى طلاب النور بی"إسبارطة" أن من الخطأ التنزُّلَ إلى أمور السياسة.
يَذكر أيضًا في قسم "المناجاة" من كتابه المسمَّى: "الحجة البالغة"، وهو أحدُ أهمِّ كتبه، فيقول: "إن هذا العالَم فانٍ، وإن أعظمَ قضيةٍ فيه هي الفوز بالعالَم الباقي، وإنَّ الإنسان إنْ لم تكن عقيدتُه سليمةً فسيخسر هذه القضية.. هذه هي القضيةُ الحقيقية، وكلُّ اشتغالٍ بأي قضيةٍ سواها ضررٌ وخسران؛ وإنَّ المشتغل بالسياسة يُفوِّت القيام بواجباته المهمة، ويَفقِد سلامةَ القلب، لاستيلاء السياسة عليه وانجرافه فيها".
يَذكر في "اللَّمعة السادسة والعشرين" أن مُهمَّته الحقيقية في هذه الدنيا الهَرِمة نشرُ الأسرار القرآنية، ويقول في موضعٍ آخَر: "إنني مرتبطٌ بهذه البلاد من جهة الحَمِيَّة الإسلامية، وإلا فليس لي فيها بيتٌ ولا ولد".
— 18 —
أولُ مبدأٍ يُعلِّمه إخوانَه في "اللمعة الحادية والعشرين" هو أن يبتغوا بعملهم مرضاةَ الله لا المنفعةَ المادية، ويقول في الرسالة نفسِها: "أنا لستُ صوفيًّا، ومسلكُنا ليس طريقةً صوفية.. وإن حبَّ الجاهِ ولَفْتَ الأنظارِ إلى النفس مرضٌ روحيٌّ يُسمَّى الشِّركَ الخَفيّ.. ولو كان مسلكُنا المشيخةَ، لكان ثمة مقامٌ واحدٌ له مرشَّحون كُثْر؛ ولكنَّ مسلكَنا الأُخوَّة، ولا يمكن للأخ أن يصيرَ أبًا لأخيه، أو يتقلَّدَ بإزائه طورَ الشيخ المرشد".
٭٭٭

صورةٌ عن القرار الصادرِ بالإجماع عن محكمة دَنِزْلي

بَيَّنَ الشهودُ في إفاداتهم عدمَ علمهم بشيءٍ من الجنايات المنسوبةِ إلى المتَّهَمين.
وكانت لجنةُ خبراء أنقرة، برئاسةِ "أمين بُوكه" رئيسِ محكمة الجنايات بأنقرة، وبعضوية الخبراء المنتخَبين: الأستاذ البروفسور "يوسف ضياء يوروك خان" عضو الهيئة الاستشارية لرئاسة الشؤون الدينية بأنقرة، و"نجاتي لُوقال" مدير معهد الشرقيات في كلية اللغة والتاريخ بأنقرة، و"يوسف آيقوت" عضو مؤسسة التاريخ التركي وعضو هيئة تصنيف الكتب الإسلامية التركية، قد أصدرت تقريرها الذي جاء فيه: إنه بعد النظر والتدقيق في مؤلفات سعيدٍ النُّورْسِيِّ ورسائلِه واحدةً واحدةً، تبيَّن أنه لا يوجد فيها ما يدلُّ صراحةً أو ضمنًا على مقصَدِ تشكيل جمعيةٍ أو تنظيم، أو استخدامِ الدينِ والمقدَّساتِ وسيلةً لتحريضِ الناس على الإخلال بأمن الدولة.
أما بخصوص الموقوفين من أتباع سعيدٍ النُّورْسِيّ، فإنهم أشخاصٌ قرؤوا مؤلفاته وتحقيقاتِه العلمية، واتَّبعوه بُغيةَ تعلُّم أمور الدين وحقائق القرآن، وقد ارتبطوا بالنُّورْسِيِّ ورسائله عن طِيبِ نيةٍ ومن جهة الاعتقاد الدينيِّ ليس إلا؛ وهذا ما أكَّدتْه مراسلاتُهم المتبادَلة فيما بينهم، إذْ تَبيَّن من التدقيق في مضمونها أنهم لا يُضمِرون غرضًا سيئًا تجاه الحكومة، وليس لهم أيُّ تصرُّفٍ يومئ إلى تشكيلهم طريقةً أو تنظيمًا أو جمعية.
— 19 —
وأما ما جاء في تقريرِ لجنةِ خبراء "دَنِزْلي" المُدرَجِ في ملف القضية لدى مقام التحقيق، من أن سعيدًا النُّورْسِيَّ وأتباعَه يُضمِرون نوايا سيئةً تجاه الحكومة، وهو أمرٌ يورِده التقرير استنطاقًا من بعض مؤلفات النُّورْسِيِّ من غير دليل؛ فإنه بالاستناد إلى ما تَضمَّنتْه أوراقُ التحقيق، وما أدلى به الشهود من عدم علمهم بشيءٍ مما نُسِب إلى المتَّهَمين، وبالنظر إلى ماهيَّةِ ومحتوى تقرير لجنة الخبراء الصادرِ عن محكمة الجنايات بأنقرة، فإنَّ محكمة "دَنِزْلي" لا ترى في تقرير لجنة خبراء "دَنِزْلي" ما يستحق الالتفاتَ إليه أو الاحتجاجَ به، فضلًا عن أنه قد ظهر أن الغالبية العظمى من المتَّهَمين أُميُّون لا يعرفون القراءة ولا الكتابة، أما بقيَّتُهم فمنصرفون إلى العبادة والطاعة.
وبناءً على هذا فقد تَبَيَّن وتحقَّق أنه لا تنطبق على هؤلاء شروطُ وأوصافُ مَن يمكن أن يُخِلُّوا بأمن الدولة، وهذا ما توصَّلتْ إليه المحكمةُ أيضًا، ولهذا قرَّرتْ بالإجماع ردَّ قرار المدعي العامِّ بإدانتهم ومعاقبتهم لعدم ورود ما ادَّعاه بإزاء الأدلة المذكورة، وقضتْ ببراءتهم من التُّهم الموجَّهة إليهم، وبإخلاء سبيلهم ما لم يكن ثمة سببٌ آخَر للتوقيف.
١٥/٦/١٩٤٤
العضو
العضو
رئيس المحكمة علي رضا
(أَصدرتْ محكمةُ جنايات دَنِزْلي قرار البراءة بالإجماع ووقَّعتْ عليه)
٭٭٭
— 20 —

بثُّ شكوى مني لنفسي

«أُحيل إليكم إبلاغَ هذه الشكوى إلى الجهات العليا بأنقرة یی بعد أن تُصلحوها یی إن رأيتم ذلك مناسبًا»
إذا كان الحَكَمُ هو نفسُه الخَصْمَ، فليس لمسكينٍ مثلي سوى أن يقول: أشكو مَن إلى مَن؟ لقد حِرْتُ في أمري!
نعم، فوضعي اليوم أشدُّ من السجن، بل إن يومًا من وضعي الحالي يَعدِل في شدته عليَّ شهرًا من السجن الانفراديّ، لقد مُنِعتُ من كلِّ شيءٍ في هذه الغربة والشيخوخة والمرض والفاقة والضَّعف تحت وطأة الشتاء الثقيلة، ولا يتسنى لي اللقاءُ بأحدٍ سوى اثنين، أحدهما صبيٌّ والآخَر مريض؛ على أنني منذ عشرين سنةً أقاسي العذابَ في سجنٍ انفراديٍّ مُحكَم، ويُخشى إن استمرَّ التضييقُ عليَّ بالمراقبة والمنع أن تُمَسَّ غَيْرةُ الله فيَنزِلَ بلاء.
ولقد سبق أن قلتُ في المحكمة: إنه مثلما وقعتْ أربعةُ زلازلَ مروِّعةٍ في نفس الوقت الذي تعرَّضْنا فيه للظلم، فإن ثمةَ الكثيرَ من الوقائع على هذه الشاكلة، حتى إني لأحسَب أن الحريق الذي اندلع بمحكمة "أفيون" إنما كان من هذا القبيل، فلقد أَوليتُ هذه المحكمةَ ثقتي لتحميَني وتحفظَ حقوقي، فإذا بها تتجاهل مراجعتي التي أدلَيتُ بها في محكمة "دَنِزْلي" بخصوص رسائل النور، وتُهملها مورِّثةً إيايَ خيبةَ أملٍ مريرةً، ولعل هذا كان سببًا في الحريق الذي أصابها.
وأنا أقول: إن إحدى أهمِّ مَهامِّ مسؤولي هذه الولاية وشرطتِها وقضائِها ذوي المعاملة الإنسانية المنصِفة لي، هي أن يَحموني حمايةً تامة، لأنه قد صَدَر القرارُ ببراءتنا وإخلاءِ سبيلنا، قَضَتْ بذلك الحكومةُ المركزية ومعها ثلاثُ محاكم بعد
— 21 —
تسعةِ أشهرٍ من التدقيق في مؤلفاتي ومراسلاتي التي كتبتُها خلال عشرين سنة، لكنَّ ذلك ساءَ جمعيةً سِرِّيةً تخدُم المصالح الأجنبية، وتعمل على الإضرار بهذا البلد وأهله، فسعى أفرادُها بكلِّ وسيلةٍ ليَنقُضوا قرارَ البراءة هذا، وراحوا يثيرون هواجس بعض المسؤولين مني ويحرِّضونهم عليَّ جاعلين من الحبة قُبَّة، ومرادُهم من ذلك أن يَنفَد صبري فأُستفَزّ.. بل إنَّ أحد أسباب حَنَقهم عليَّ في الوقت الحالي هو صمتي وعدم تدخُّلي في أمور الدنيا، كأنهم يقولون: لماذا لا يتدخَّل؟! فليتدخَّلْ حتى يتحقق مقصَدُنا!
وأُبيِّن لكم بعض الدسائس التي استخدموها لإثارةِ هواجسِ رجال الحكومة مني، فمنها أنهم يقولون لهم: إن لسعيدٍ نفوذًا، وإن مؤلفاتِه كثيرةٌ قويةُ التأثير، ومَن يتواصلْ معه يُوالِه، فلا بدَّ من تحطيم نفوذه بتجريده من كلِّ شيء، وتشويهِ سمعته وإهمالِه، وتنفيرِ الناس منه، وتخويفِ مَن يُوالونه.
وبهذا يُلَبِّسون على الحكومة، ويشدِّدون عليَّ الخِناق.
وأنا أقول: أيها الإخوة المحبُّون لهذا البلد وأهلِه.. نعم، يوجد نفوذٌ كما قال أولئك المنافقون، لكنه ليس نفوذي، بل هو نفوذُ رسائل النور، وهذا النفوذ لا يُحطَّم، بل كلما تَعرَّضَ له متعرِّضٌ ازداد قوةً؛ وهو نفوذٌ لم يُستعمَل قطُّ ضدَّ هذا البلد وأبنائه، بل لا يجوز ذلك، بل لا يمكن.
ولقد أجْرَتْ محكمتان تدقيقًا شديدًا صارمًا في أوراقي التي كتبتُها على مدى عشرين سنة، وكان بين تدقيقِ إحداهما وتدقيقِ الأخرى عشرُ سنين، فلم تَعثُر أيٌّ منهما على سببٍ حقيقيٍّ واحدٍ يستوجب العقوبة، وكفى بهذا شاهدًا لدعوانا لا يقبل الجَرح.
وأقول كذلك: نعم، إن لهذه المؤلَّفاتِ تأثيرًا بالغًا، لكنه تأثيرٌ نافعٌ يُحقِّق المصلحة التامة للشعب والوطن من غير ضرر، ذلك أن هذه المؤلَّفات تَخدُم السعادةَ الأبدية والحياةَ الأبديَّةَ لمئةِ ألفِ شخص، بتعليمهم الإيمانَ التحقيقيَّ المتين.
— 22 —
ولقد صَلَحَتْ حالُ مئاتِ المساجين في سجن "دَنِزْلي" ممن كان بعضُهم محكومًا بأقصى العقوبات، وذلك بمجرد قراءتهم "رسالة الثمرة"؛ بل لقد كان منهم مَن سَبق أن قتَل اثنين أو ثلاثة، فصار بفضل دروس الإيمان يتورَّع عن قتل بعوضة؛ حتى لقد أقرَّ مديرُ السجن بأن السجن أصبح بمثابة مدرسةٍ تربوية؛ وهذا سندٌ لدعوانا وحجةٌ لها لا تُرَدّ.
وأقول أيضًا: إن تجريدي من كلِّ شيءٍ لهُوَ عذابٌ أليمٌ، وظلمٌ فادحٌ، وخيانةٌ غادرةٌ بأبناء هذا البلد، لأن هذا الشعب المتديِّن الذي عِشْتُ بين أبنائه ثلاثين أو أربعين سنةً لم يجد من صِلته بي أيَّ ضرر، بل وَجد نَفْعَ القوةِ المعنويةِ والسُّلوانِ والقوةِ الإيمانية؛ والدليلُ القطعيَّ على هذا إقبالُ أبنائه على رسائل النور بشغَفٍ مُنقطِع النظير، غيرَ مبالين بالحَمَلات المُغرِضة المكثَّفة عليَّ، حتى إني أعترف أنهم يُولونني اهتمامًا بالغًا لا أستحقُّه، بل يَفوق حدِّي مئةَ درجة.
وقد سمعتُ أن حكومة الولاية قد راجعتِ الحكومةَ المركزيةَ في أمر نفقتي وإقامتي، وجاء الجواب بالقَبول، وإني إذْ أشكرهم على إنسانيتهم أقول لهم: إن أحوَجَ ما أحتاجُه هو حريتي، فهي الدستور الأساسيُّ في حياتي، وإنَّ تقييد حريتي بقيودٍ واستبداداتٍ غيرِ مسبوقةٍ لمجرَّدِ هواجسَ وأوهامٍ لا أصلَ لها يُسْئِمُني الحياةَ نفسَها، فالسجنُ والزنازينُ بل القبرُ خيرٌ عندي من هذه الحال، إلا أن ما يمنحني الصبرَ والتحمُّلَ هو أن المشقة الزائدة في الخدمة الإيمانية سببٌ لزيادة الأجر.
فما دام هؤلاء المسؤولون ذوو المشاعر الإنسانية لا يريدون ظلمي، فليمنعوا أولًا المِساسَ بحريتي المشروعة، فإني أستطيع العيش بدون خبزٍ، ولا أستطيع العيش بدون حرية.
نعم، فإنَّ مَن تَدبَّر أمورَه طَوالَ تسعَ عشرةَ سنةً من هذه الغربة بمئتي ليرةٍ فقط، وأخذَ نفسَه باقتصادٍ شديدٍ ورياضةٍ قوية، ولم يُظهِر حاجتَه لأحد، ولم يَدخل تحتَ مِنَّةِ أحد، ولم يَقبل صدقةً ولا زكاةً ولا راتبًا ولا هديةً، كَيما يحافظ على حريته وعِزَّته العلمية، لَهُو أحوجُ إلى الحرية في ظل العدالة من حاجته إلى نفقة إعاشة.
— 23 —
نعم، فأنا أُقاسي تضييقًا لا مثيلَ له، وأذكر منه مثالَين يَسيرَين:
أحدُهما: "رسالة الثمرة" التي عَدَّتْها المحكمةُ دفاعًا علميًّا عن رسائل النور، وأُرسِلتْ مع مدافعاتي إلى رئيس الجمهورية وسبعةٍ من كبار المسؤولين بأنقرة، وكانت سببًا من أسباب براءتنا بتقديرِ لجنة الخبراء بأنقرة، والتي أحتفظُ بنُسَخٍ منها كتَبَها لي رفاقي في السجن بخطوطهم الجميلة تَذكارًا، وقد رأتها شرطة "دَنِزْلي" فلم تتعرض لها، وبقيتْ متاحةً للاطِّلاع ليلةً لدى شرطة "أفيون" وليلةً أخرى لدى الشرطة هنا.. فهذه الرسالة التي وَصفتُ، كنتُ أخبِّئها كلَّ يومٍ هي ولائحةَ الدفاع وأنا في حالةٍ من القلق خشيةَ أن يَدهَمَني مفتِّشون فيأخذوها مني، وكنتُ فوق ذلك آسى كثيرًا لأنني لا أستطيع أن أطلب من أحدٍ لا أعرفه في هذه الغربة أن يخبِّئها لي.
ثانيهما: "رسالة الشيوخ"، وهي رسالةٌ لم تتعرَّض لها محكمةُ "دَنِزْلي" بشيء، وتعرَّضَتْ لها محكمةُ "أسكي شَهِر" بسبب كلمةٍ واحدةٍ فيها، فتَلقَّتِ الجوابَ بحرفٍ واحد.. فقد أخذ رجلٌ إسطنبوليٌّ نسخةً منها من شخصٍ هنا وذهب بها إلى إسطنبول، فوقعتْ بطريقةٍ ما بيدِ ملحدٍ يحاربنا، فضخَّم المسألةَ وجعل الحبة قُبّةً بل قِبابًا، وهَوَّلَ الأمور على شرطة الولاية، فجعلوا يضيقون عليَّ ويدقِّقون في مَن ألتقي ومَن يأتيني.
وعلى أيَّة حال، فإن ثمة الكثيرَ جدًّا من أمثال هذه النماذج الأليمة التي ذكرتُها، إلا أن أكثرَها عبثيةً هو أنهم خَوَّفوا ونَفَّروا مني كلَّ شخصٍ غيرَ اثنين يقومان على خدمتي، أحدهما صبيٌّ والآخر مريض، وغرضُهم من ذلك أن يمنعوني من التحدُّث إلى الناس؛ وأنا أقول:
لئن تجنَّب عشرةُ أشخاصٍ الحديثَ معي، فإن ثمة عشراتِ الآلاف بل مئاتِ الآلاف من المسلمين يداومون على دروس رسائل النور، لا يبالون بحظرٍ ولا منع.. وكلُّ نسخةٍ من آلافِ نُسَخِ رسائل النور تقوم مَقامي وتتحدث أحسنَ مني، ولا تَسكُت بسكوتي، بل لا يمكن إسكاتُها، وقد انتشرت برَواجٍ عظيمٍ في هذا البلد وخارجَه من أصقاع العالَم الإسلامي، لِما تَضمَّنتْ من حقائقَ راسخةٍ وفوائدَ قَيِّمة.
— 24 —
ثم ما دام قد ثبت لدى المحكمة أني قطعتُ علاقتي بالسياسة منذ عشرين سنة، وأنه لم تَظهَر أيَّةُ أمارةٍ تُثبِت العكس، فلا ريب إذًا أن التوجُّس ممن لهم صلةٌ بي أمرٌ لا معنى له.
(حاشية): حادثةٌ غريبةٌ عجيبةٌ وقعَتْ في هذا الشهر، وهي أني نزلتُ يومًا إلى الفِناء أمام الدار، فنظرتُ فإذا بالثلج المتساقط قد تناثرتْ عليه قطراتٌ ونِقاطٌ حمراءُ وصفراءُ يُشبه لونُها لونَ الحبر المشير إلى التوافقات في أجزاء رسائل النور، فعَجِبتُ لذلك، فنظرتُ إلى الأماكن الأخرى فلم أجد فيها ما وجدته في فِناء الدار، فساوَرَني قلقٌ وقلتُ بقلبي: إن لرسائل النور علاقةً وثيقةً بعموم هذا البلد، بل لها یی بتابعيَّتها للقرآن یی علاقةٌ وثيقةٌ بالكرة الأرضية، بحيث تَبكيها السماءُ دمًا لما يَنزل بها من مصيبةٍ وبلاء.
ثم ناديتُ بعضَ الأشخاص فعجِبوا كذلك لِما رأوا، وظنَّ "محمد أفندي" ابنُ شقيق صاحب الدار لمَّا رأى قلقي أنني إنما خِفتُ من أن يَسُدَّ الثلجُ المتراكمُ الطريقَ، فراح یی بعد أن صعِدتُ إلى الدار یی يَجرُف الثلج إلى جانبَي الطريق ليفتحه، مغطِّيًا بذلك معالمَ الحادثة الجويَّة الحمراء والصفراء ذاتِ الإشارة والمغزى، فقلتُ له: لو لم تفعل لكان أحسن.
وقد وقعتْ في اليوم نفسِه ثلاثُ حوادث ضدَّ رسائل النور:
الأولى: أننا بعد أن راجعْنا مخفرَ الشرطة هنا، والجهاتِ القضائيةَ بی"أفيون"، لاسترداد كُتبنا، أبلغونا في نفس اليوم أنْ لا علاقة لهم بالأمر، إذْ لم يَصدر تصديقٌ على قرار التمييز، فخَيَّبوا آمالنا من هذه الجهة.
الثانية: عَلِمنا أن "أفيون" أَرسلتْ في اليوم نفسه عنصرًا من الشرطة، مُهِمَّته التجسُّسُ على أحوالي.
الثالثة: حَصَل في اليوم نفسِه كذلك أنْ شَنَّ علينا منافقٌ في إسطنبول حملةً مُغرِضةً استعان على تأجيجها برسالة "الشيوخ"، حتى وصل الأمرُ إلى الجهات القضائية.
وكان من نتائج مثل هذه الحوادث أنْ أخذ كثيرٌ من المقبِلين على الرسائل يُحجِمون عنها؛ فردَّدتُ: أعددنا لكل مصيبةٍ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ؛ وتحصَّنتُ بحِصنِ. حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ
٭٭٭
— 25 —

مصارحةٌ مع وزيرِ العدل وقضاةِ المحاكم المَعْنيَّة برسائل النور

تُلحَق بالفقرة المسمَّاة: "بَثُّ شكوى مني لنفسي"
أيها السادة.. لماذا تنشغلون بنا وبرسائل النور من غير سبب؟!
اِعلموا يقينًا أننا ورسائلَ النور نَعُدُّ مجرَّد التفكير فيكم یی فضلًا عن مواجهتكم یی أمرًا خارجَ وظيفتنا، لأن رسائل النور وطلابَها الحقيقيين يَعملون للجيل القادم بعد خمسين سنة.. يَعملون ليقدِّموا له خدمةً عظمى، ويخلِّصوه من ورطةٍ كبرى، وينقذوا البلاد والعباد من خطرٍ مُحدِق؛ وإن المنشغلين بنا اليوم سيكونون حينئذٍ رميمًا في القبر، فإذا افترضنا جدلًا أن العملَ لتحقيق هذه السلامة والسعادة مواجَهةٌ، فما ينبغي أن يكون لها علاقةٌ بمَن صاروا في القبر ترابًا.
نعم، فإذا كان القدر اليسير من التحلُّل واللامبالاة الذي أَظهَره دعاةُ الحرية في العهد السابق في مجال الأخلاق الاجتماعية والدين والسجايا القومية قد أفضى بعد عشرين أو ثلاثين سنةً إلى هذه الأوضاع الحالية على صعيد الدين والأخلاق والعفة والشرف، فلا يَخفى عليكم ما ستكون عليه الحالُ بعد خمسين سنةً لدى الجيل القادم من أبناء هذه الأمة البطلة الشريفة المتمسكة بدينها، وكيف سيكون في دينه وأخلاقه الاجتماعية.
إن هذه الأمة ذات التضحيات الجليلة قد أَظهَرتْ بطولةً فذَّةً في خدمة القرآن من صميم قلبها وروحها طَوالَ ألفِ سنة، ومع ذلك فسيَظهر مِن أجيالها بعد خمسين سنةً مَن سيشوِّهون ماضيَها المشرق أو يَطمِسونه، ونحن نعلم أن إنقاذَ تلك الأجيال من السقوط المروِّع، وتزويدَهم بحقيقةٍ كرسائل النور، هو أعظم مُهِمَّةٍ وطنيةٍ وقومية؛ ولهذا نهتمُّ بأبناء المستقبل لا اليوم.
نعم أيها السادة، صحيحٌ أن رسائل النور تتوجه إلى الآخرة توجُّهًا خالصًا، وأن غايتَها إنقاذُ الإيمان ونَيلُ مرضاة الله تعالى، وأن غايةَ طلابهِمالعملُ لإنقاذِ أنفسِهم
— 26 —
وإنقاذِ أبناء وطنهم من الإعدام الأبديِّ والسجنِ المؤبَّدِ الانفرادي، إلا أن لها بالدرجة الثانية خدمةً جليلةً تعود فائدتُها إلى الدنيا، وتُنقِذ هذا البلدَ وأهلَه من مخاطر الفوضوية الهدَّامة، وتنقذ المساكين من أجيال المستقبل من مَهاوي الضلالة المطلقة؛ ذلك أن المسلم لا يُشْبِه غيرَه، فإنه إذا تخلَّى عن دينه وخرج على قِيَم الإسلام هوى في الضلالة المطلقة، وأصبح فوضويًّا لا يمكن إدارتُه.
أجل، فحين كان الذين تلقَّوا تربيةً إسلاميةً أصيلةً يُشكِّلون خمسين بالمئة من الناس، وكان الخمسون بالمئة الآخَرون يُظهِرون إهمالًا وتحلُّلًا تجاه قِيَم الإسلام وأعرافِ الأمة، فكَّرتُ في احتمالِ أن يصبح تسعون بالمئة من الناس بعد خمسين سنةً أتباعًا للنفس الأمَّارة، فيقودوا البلاد والعباد نحو الفوضوية المدمِّرة، وبحثتُ عن حلٍّ لمواجهة هذه المصيبة، فمنعني ذلك من السياسة ومن الانشغال بأبناء هذا الزمان منعًا باتًّا منذ عشرين سنة، وكما كانت هذه هي حالي، فكذلك هي حالُ رسائل النور وطُلابِها، فلقد قطعوا علاقتَهم بأبناء هذا الزمان، فلا هم يواجهونهم، ولا هم ينشغلون بهم أصلًا.
وما دامت هذه هي الحقيقة، فإنَّ أُولى مهامِّ الجهات القضائية هي أن تَحميَ رسائلَ النور وطلابَها، لا أن تتَّهمَني أو تتَّهمَهم، ذلك أنهم يصونون أهمَّ حقٍّ من حقوق هذا الوطن والشعب، ولهذا السبب يحاربهم مَن هم أعداءٌ حقيقيُّون للوطن والشعب، فيهاجمون رسائل النور، ويُضلِّلون الجهات القضائية، ويدفعونها لارتكاب جَورٍ شنيعٍ وظلمٍ فادح؛ وأذكر على هذا مثالَين يسيرَين:
المثال الأول: أنني أرسلتُ إلى أحد إخواني ممن كانوا معي في السجن برسالةٍ تتضمَّن تفقُّدًا للأحوال، وأرفقتُ بها عَشْرَ ليراتٍ هي كلفةُ طبعِ إحدى مؤلفاتي العربية، كي تُدفَع للشخص الذي تولَّى طباعتها بی"إسبارطة"؛ أرسلتُ الرسالةَ والمالَ بواسطة أحد الإخوة المقيمين هنا، فسارعتِ الجهاتُ القضائية والجهاتُ الأمنية إلى التضييق عليَّ، وإلى تفتيش منزل هذا الشخص الذي كان مجرد واسطة!!
— 27 —
ولا ريب أن تضخيمَ أمرِ رسالةٍ عاديةٍ لا أهميةَ لها، والتهويلَ من شأنِ مراسَلةٍ يتيمةٍ لم يقع سواها خلال ستة أشهر لَأمرٌ لا يليق بمكانةِ القضاء وشَرَفِه.
المثال الثاني: إيذائي وإعناتي أنا الضيفَ الغريبَ الضعيفَ الشيخَ الهَرِمَ الذي ثبتت براءتي، وتخويفُ الناسَ مني، بل تخويفُ حتى مَن يَخدُمني، وذلك بواسطةِ حملاتٍ رسميةٍ مُمنهجة، ولا شك أن هذا أمرٌ يُنافي الحسَّ الوطنيَّ الذي تتمتع به حكومةُ هذه الولاية.
وإن التهويلَ من شأنِ ضررٍ تافهٍ بل موهومٍ، والمبالغةَ في تضخيمه، وتجييشَ حملاتٍ رسميةٍ عليَّ، وإثارةَ قلقِ كلِّ شخصٍ بسؤاله عني: بمن يلتقي هذا الرجل؟ ومَن يزورُه؟ لَأمرٌ عجيب، ما ينبغي لحكمةِ الحكومة وحاكميَّتها أن تتدنَّى إلى مثله.
وعلى أية حال فثمة الكثيرُ من هذه الأمثلة التي يَعجَب منها مَن يَطَّلع عليها.
أيها السادة..
إنَّ الضلالات والشرور إنْ كانت ناجمةً عن الجهل فدفعُها يسير، أما إن كانت ناشئةً عن العلم أو المعارف الحديثة فإزالتها أمرٌ جِدُّ عسير؛ ولما كانت الضلالةُ في هذا الزمان من النوع الأخير، كان لا بدَّ من مؤلَّفٍ وافٍ من كلِّ جهةٍ كرسائل النور، يتصدَّى لهذه الضلالة ويَدحَرُها، ويُنقذ مَن وقعوا فيها.
والدليلُ على أن رسائل النور تتمتع بهذه القيمة أنها منذ أنْ ظهرتْ قبل عشرين سنةً لم يعارضها أحدٌ من الفلاسفة رغم تلقِّيهم صفعاتِها الشديدة، ولا أحدٌ من مناوئيَّ وهم ألِدَّاءُ كُثْر، ولم يستطع أحدٌ منهم أن يطعن فيها، بل لا يمكنهم ذلك؛ وأنه لم تستطع ثلاثُ جهاتٍ قضائيةٍ ولا الخبراءُ في مركز الحكومة یی بعد تسعة أشهرٍ من التدقيق في أجزائها البالغة مئةَ كتاب یی أن تجد فيها مادةً واحدةً تجعلنا تحت طائلة المسؤولية؛ وأنه قد قامت إشاراتٌ قرآنيةٌ وإخباراتٌ غيبيةٌ عَلَويَّةٌ وغوثيةٌ تُوَقِّع على أهمية رسائل النور في هذا العصر وعلى قَبولها، وقد أورثتْ هذه الإشاراتُ والإخباراتُ طلابَ الرسائل یی وهُم آلافٌ من أهل النباهة یی القناعةَ القطعيةَ بذلك.
— 28 —
نعم، وبما أن وظيفةَ الجهات القضائية حفظُ الحقوق ووقفُ المعتدين عند حدودهم؛ وبما أن تدقيقَ محكمة "دَنِزْلي" طَوالَ تسعة أشهرٍ في الرسائل وفي أوراقنا الخاصة وغيرِ الخاصة، وتدقيقَ محكمتين أُخرَيَين ومركزِ حكومةٍ وشرطةِ عدةِ ولاياتٍ منذ عشر سنين لم يُسفِر عن وجود أيةِ مادةٍ تَضُر الوطنَ أو الشعب، أو خطأٍ يستوجب العقوبة؛ بل أَثبتَ أن رسائل النور بأجزائها المئة قد خَدمتْ سعادةَ مئةِ ألفِ شخصٍ خلال عشرين سنة؛ فلا جرَم إذًا أن لرسائل النور حقوقًا كُليَّةً عظيمةً في هذا البلد، وإننا نذكِّركم أن إهمالَ هذه الحقوقِ البالغةِ الأهمية، في وقتٍ تُراعَى فيه الحقوق الجزئية للإنسان العاديِّ البسيط، ومصادرةَ الرسائل كما لو أنها أوراقٌ عادية، وتجاهلَ أن هذا ظلمٌ فادحٌ للوطن وللمساكين المحتاجين لتقوية الإيمان، لهُو أمرٌ لا يليق بجوهر القضاء وحقيقة العدالة بأي شكلٍ من الأشكال؛ ونخشى أن تكون محاربةُ رسائل النور مع السماحِ بمؤلَّفات الدكتور "دوزي" وسائرِ الزنادقة سببًا لوقوع الغضب الإلٰهي.
أحسَنَ الله إليكم بالإنصاف والرحمة، وأحسَنَ إلينا بالتحمُّل والصبر؛ آمين.
في السجن الانفرادي غير الرسمي
سعيد النُّورْسِيّ
٭٭٭
— 29 —
باسمه سبحانه
امتثالًا للأمر الإلٰهي في قوله تعالى: وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ أجدُني محتاجًا إلى مشاورةِ إخواني.
إخواني الأعزاءَ الأوفياء.. إنني الآن أمام أمرٍ واقع، فقد صدر أمرٌ بتخصيص مبلغٍ يوميٍّ لمعيشتي مقدارُه ليرتان ونصف، عِلاوةً على تخصيصِ منزلٍ لي يؤثَّث ويجهَّز بالشكل الذي أريد.
والحالُ أن أحد دساتير حياتي الذي التزمتُ به طَوالَ خمسينَ أو ستينَ سنةً يستوجب رفضَ هذا؛ صحيحٌ أني سَبَقَ أن قبِلتُ المرتَّبَ مدةَ سنةٍ أو سنتَين في دار الحكمة الإسلامية، إلا أني أنفقتُ ذلك المال في طبع كُتبي ووَزَّعتُ معظمَها مجَّانًا، وبذلك أعدتُ مالَ الأُمَّة للأُمَّة.
وإني إنْ قبِلتُ أخْذَ المبلغ مضطرًّا لئلا يصيبَكم ورسائلَ النور ضرر، فسأحتفظ به على أن أردَّه للأُمَّة في المستقبل، ولا أُنفِقَ منه على نفسي إلا الجزءَ اليسيرَ الذي تُجيزُه الضرورة القطعية.
وقد بلغني أني إنْ رفضتُ فسيَسخطُ القوم، لا سيما مَن يعملون لتأمين معيشتي؛ وسيقول خصومُنا: إنَّ هذا الرجل يتلقَّى نفقةَ معيشته من جهةٍ أخرى!! أَلَا لم يعرف هؤلاء التُّعَساء بركةَ الاقتصاد العجيبة، ولم يشاهدوا كيف أن رغيف خبزٍ ثمنُه خمسةُ قروشٍ يكفيني يومين، ولهذا تستولي عليهم ظُنونٌ وأوهامٌ لا أصل لها.
وإني إنْ قبلتُ فستَسخط من ذلك سنواتُ حياتي السبعون، وربما سَخِط كذلك الإمامُ عليٌّ الذي أَخبر عن علماء السوء في هذا الزمان، ممن يُفوِّتون الإخلاصَ وينغمسون في البدع، رغبةً في المرتَّبات وانجرارًا وراء الطمع.
وثمة جهةٌ أخرى كذلك، وهي الإخلاصُ الحقيقيُّ الصافي الذي تتمتع به رسائلُ النور، فإنه سيتَّهمني كذلك بعدم الإخلاص.. لقد حِرْتُ في أمري حقيقةً.
— 30 —
وقد بلغني كذلك أنني إنْ رفضتُ فسيزيدون من تضييقهم عليَّ، وربما يُعيقون رفْعَ الحظر التام عن رسائل النور؛ حتى إن تضييقاتهم الأخيرة لم تكن إلا لإجباري على قَبول عرضهم هذا.
وما دام الأمر كذلك، فإنه إنْ بلغ الأمرُ درجةَ الضرورة القطعية لم يَضُرَّ بإذن الله، عملًا بالقاعدة القائلة: "الضرورات تُبيح المحظورات"؛ لكنني على أية حالٍ رفضتُ الأمر، فأُحيلُه على رأيكم.
إخواني الأعزاء.. لا تقلقوا بشأني، فلستُ أعاني ضيقًا ولا سآمةً، لأنني أُشاهد في كلِّ شدةٍ أثرَ رحمةٍ ولَمعةَ عناية، وإن همَّتكم وجِدِّيَّتكم ومعاونتكم تُزيل كلَّ همٍّ وعَناء، وتورِث السرورَ الدائم.
عندنا اثنان يَخدُمان رسائل النور خدمةً تامة، أحدهما "مصطفى آجت"، وهو رجلٌ دَؤوبٌ متفانٍ، هو بمثابة أخي "عبد المجيد"؛ والآخرُ فتًى نشيطٌ مجتهدٌ يُدعى "جَيلان"، هو بمثابة مثالٍ مصغَّرٍ عن "خسرو" و"عبد الرحمن".
٭٭٭
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
أرسلتُ إليكم جزءًا آخَر من "رسالة الثمرة" يتعلق بالإيمان بالملائكة؛ كما أرسلتُ إلى "دَنِزْلي" صَكَّي توكيلٍ بناءً على وعدِ رئيس محكمتِها بإعادة كتبي إليّ.
لا تقلقوا من إجراءات التضييق والعزل المشددة علَيَّ هنا، فالعناية الربانية مستمرة.
ومن الحوادث ذات العبرة، أنه حين كانت رسائل النور تُقرأ وتُنسَخ بحُرِّيَّةٍ هنا، مرَّ الشتاءُ في أوَّله كأنه صيفٌ، خلافًا للعادة كما سمعتُ من كثيرين، فلما بدأ الهجوم علَيَّ وعلى رسائل النور، وعُطِّلَتْ ومُنِعَ نَسخُها، حَلَّ شتاءٌ ثقيلٌ شديدُ الوطأة؛ وسمعتُ كذلك أن المِنطقة أخذت تَشهدُ في الوقت نفسِه هزَّاتٍ أرضيةً خفيفةً ما تزال إلى اليوم تقع بين حينٍ وآخَرَ تُنبِّه وتُذكِّر، كأنها تدعو مَن لم يُصدِّق بما جاء في رسالة
— 31 —
"بَثِّ الشكوى" الموجَّهة إلى "أفيون"، وتَحمِلُه على التصديق بأن وقوع هذه الهزَّات مرتبطٌ بتعطيل رسائل النور.
ثم إننا نشاهد أنه متى تعرَّضتْ رسائل النور لأذًى سادَ نوعٌ من الخوف العام، وهذا يعني أنها وسيلةٌ قطعيةٌ لحفظ هذا الوطن من البلايا؛ فما دام الأمر كذلك فلْيَرفعْ مُحِبُّو هذا الوطنِ والشعبِ الحظرَ عنها، ولْيَقرؤوها ويُقرِؤوها.
قبِلتُ لمرةٍ واحدةٍ أخْذَ نفقةِ ثمانيةِ أيَّامٍ من مخصَّصاتِ الإعاشة، قبِلتُها لتسديد الديون لا غير، وقلتُ لهم: لا أريد أكثر من ذلك.
٭٭٭
إخواني الأعزاءَ الأوفياءَ أُولي المتانة التامة..
إن رسائل النور التي نَسَخها المرحوم الشهيد قد جاءت في وقتها المناسب، كأنها نُسِخَت لِتَعمَلَ بدلًا منه في الدنيا وتدفعَني للعمل كذلك، بينما هو يَقرؤها في البرزخ بكل سرور، ولقد وصلتْنا وأَحضرتْ معها ثلاثَ ثمراتٍ طيبةٍ من ثمرات المدرسة اليوسفية، وثلاثةَ أحزابٍ قرآنيةٍ تُثمر آلافَ الثمرات القدسية الفردوسية.
يَحسُن أن يَكتب ذانِك البطلان المباركان نُسَخًا من "المسألة الحادية عشرة" من "رسالة الثمرة"، على غِرار الشكل الذي كَتبوا به "رسالة الثمرة" نفسَها، لتُرسَلَ مع بضع نُسَخٍ من "الحزب القرآني" و"الحزب النُّوري" إنْ توفَّرت، ولْتُكتَب كلمةُ "خسرو" في نهاية "المسألة الحادية عشرة".
أَرسلتُ إليكم هذه المرةَ جزءًا يتعلق بنُكتةٍ إعجازيةٍ لآيتين أو ثلاثٍ هنَُّ أخواتٌ لآية الكرسي وتتماتٌ لها، غير أني لم أتلقَّ إلى الآن إخطارًا بإتمام الجزء فبقي ناقصًا، وكُتِبَ على عَجَل، وشُوهدتْ فيه أسرارٌ مهمة، لكنها لم تُذكَر بتمامها ولم توضَّح تمامَ الإيضاح لئلا تَلفِتَ الأنظارَ إلى أمور الدنيا؛ فإن استحسنتموه فألحِقوه بحاشيةِ "المسألة الحادية عشرة"، واكتبوه كذلك هو و"نُكتةَ سورة الفلق" في ذيل "رسالة إعجاز القرآن".
— 32 —
إخواني.. لا تقلقوا على الإطلاق.. لقد بِتُّ على يقينٍ قطعيٍّ من أننا في ظلِّ عناية، وأننا نُستخدَم من قِبَل يدٍ غيبية، في خدمةٍ بالغة الأهمية، بغير اختيارنا ولا اقتدارنا، وكثيرًا ما نكون مَظهرًا لِسِرِّ الآية: وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ، فالمشقةُ في هذا العمل يسيرةٌ جدًّا، والأجرةُ كثيرةٌ جدًّا.
٭٭٭
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
تلقَّيتُ بِشارتَكم القادمةَ من "دَنِزْلي"، وهداياكم اللطيفةَ المباركةَ غايةَ البركة كأنها ثَمَراتُ الجِنان.. بين يَدَيَّ أعمالٌ كثيرةٌ تَحول دون الحديث معكم مُطوَّلًا، وقد اضطُرِرتُ للاختصار، وكَتبتُ الرسالة على عَجَل، لأن الذي أوصل الهدايا سيعود من فوره.
أولًا: ما جاء في بداية الفقرة الأخيرة من حسابِ جملةِ: بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى بألفٍ وثلاثمئةٍ وأربعٍ وأربعين إنما هو سهو، فإنْ لم تُحسَب المَدَّةُ وأَلِفا الوصلِ غيرُ المقروءتَين فليس بسهو، بل فيه دلالةٌ بالغة.
والصحيح هو ألفٌ وثلاثُمئةٍ وسبعٌ وأربعون، وهو ما كُتِب في نهاية الفقرة؛ أما القسم المتبقي منها فلم يُمْلَ، لأهميته الخاصة، ولِصِلته بأمور الدنيا، فضلًا عن أن آية سورة العلق: إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى ترتبط بی"الطاغوت" المذكور في هذه الفقرة.
ثانيًا: الشعاعُ الرابعُ المعروفُ بی"رسالة الآية الحَسْبية"، والذي اختُصِرَ في "الفهرست"، يُكتَب مُختصَرُه في "لَمعة الشيوخ"، ويَحِلُّ محلَّ الرجاء الرابع عشر منها، فهو رجاءٌ تامٌّ مناسبٌ لها حقيقةً.
ثالثًا: "النُّكتة الثامنة والعشرون" من "اللَّمعة الثامنة والعشرين" تُكتَب بكاملها لا مختصرُها في آخر "الكلمة الخامسة عشرة"؛ لأن كِلتَيهما تتحدثان عن حقيقةٍ واحدة.
رابعًا: صحَّحتُ "اللَّمَعات" التي نسَخَها المرحوم الحافظ "علي"، وسأُرسِلها إليكم قريبًا بمشيئة الله.
— 33 —
حين كنتُ في هذه الأيام أصحِّح "الثمرات" الفِردَوسية اليوسفية التي نسَخَها المباركون الأبطال، تَبَدَّى لي مقدارُ القوة والقيمة التي تتمتع بها هذه الرسالة، فهتفتُ قائلًا: ألا لو تضاعفت مشاقُّ سجننا هذا مئةَ ضعف، لما بلغتْ شيئًا بإزاء الوظيفة التي أدَّتها "رسالةُ الثمرة" هذه؛ فإنها تُقرِئ نفسَها بمتعةٍ في شتى الأوساط، وتَضطرُّ أعتى المعاندين إلى الإيمان.. فيا أيها التُّعَساء الذين يذيقونني الأذى والشدائد.. افعلوا ما شئتم، فإنه لا يساوي عندي فَلْسًا، ومهما أصابنا من مُصابٍ فإنه هيِّنٌ يسير، بل هو عينُ العناية ومحضُ الرحمة.
قلتُ هذا واجدًا السُّلوان التام.
نسلِّم على جميع طلاب النور، داعين لهم بالسلامة.
سعيد النُّورْسِيّ
٭٭٭

عريضةٌ أُرسِلتْ إلى ثلاثِ جهاتٍ رسميةٍ عُلْيا أُرسِلها اليوم إلى إخواني هناك لتكون مرجعًا لهم

أطلب منكم أن تُصغوا لشكوى مظلومٍ ظلَّ صابرًا ساكتًا عشرين سنة..
إذْ إني في عهد حكومة الجمهورية التي أتاحت الحريات بأوسع أشكالها، لم يُكْتَفَ بحرماني من كلِّ حرية، بل تداعى عليَّ خصومي من كل جهةٍ يقمعونني بكلِّ حرية!! وإن الواجب على حكومة الجمهورية التي تَكفُل حرية الضمير وحرية الفكر العلمي أن تُوفِّر لي كاملَ الحماية، فتَكُفَّ ألسنةَ خصومي المُغرِضين ذوي الهواجس والظنون، أو تتيحَ لي حريةَ القلم كما أتاحتْها لهم، فلا تمنعَني من الدفاع عن نفسي؛ لأنه قد صدر أمرٌ رسميٌّ سِريٌّ إلى مكتب البريد يمنعني من إجراء أيَّةِ مراسلة.
وفي الوقت الذي صدرَتْ فيه تحذيراتٌ تَمنع كلَّ شخصٍ من اللقاء بي إلا صبيًّا يأتيني بالخبز والماء، وبينما كنت أنتظر استردادَ مؤلَّفاتي التي نالت استحسانَ لجنة
— 34 —
الخبراء بعد تصديقِ محكمةِ التمييز على براءتِنا التامة، انتهزَ خصومي الفرصة، فقدَّموا رسالتَين من رسائلي الخصوصيةِ القديمةِ إلى اثنين من أعضاء لجنة الخبراء يعاديان مسلكَنا، وقد سمعتُ أنهما أعدّا تقريرًا ضدي، فلم يَبق لي صبرٌ ولا تحمُّل، وإنني أُعلنها صريحةً لجميع رجال الحكومة الجمهورية، بل للعالَم أجمع فأقول:
إن بَرنامجي وبَرنامجَ رسائل النور یی بسرِّ حقيقة القرآن الحكيم وطِلسمِ إعجازه یی ومسلكَنا وثمرتَه العملية التي شاهدناها فعلًا وما زلنا نشاهدها ونعمل لها، وهدفَنا وغايةَ عملِنا إنما هو إنقاذُ المساكين بالإيمان التحقيقي من إعدام الموت الأبدي، وحمايةُ هذا الشعب المبارك من "الفوضوية" بكلِّ أشكالها.
وبناءً على هذا، فإن عشرين سنةً من حياتي، ومئةً وثلاثين رسالةَ نور، لَهِيَ حجةٌ لا مَطعَن فيها، تُبرهِن على أن رسائل النور التي دقَّقَتْها ثلاثُ محاكم وثلاثُ هيئاتِ خبراء، ليس لها وراءَ هاتَين الوظيفتَين القدسيَّتَين أيُّ هدفٍ يَمَسُّ بالقصد شؤونَ الدنيا أو إدارةَ البلاد وأمنَها واستقرارَها.
نعم، وهاكم سعيدًا المظلوم الذي لا حول له ولا قوة، والذي لم يقرأ صحيفةً منذ عشرين سنةً ولا استمع إلى محتواها، ولم يراجع الحكومةَ لينال حقَّه وحاجتَه الماسَّة للراحة والاستقرار، والذي لا يَعرف أحدًا من رجال الحكومة ومسؤوليها منذ عشر سنين خلا بضعةِ أشخاص، ولا يَعرفُ شيئًا عن الحرب العالمية وأحداثِ العالَم منذ أربع سنين ولا يهتمُّ بها، وقد أعلن ذلك أمام المحكمة وصدَّقه جميعُ أصحابه الذين هم على صلةٍ به.. أفيمكن لمن هذه حالُه أن ينشغل بأهل السياسة؟ أو يتدخلَ في شؤون إدارة البلاد؟ أو يكونَ له ميلٌ للإخلال بالأمن؟! فلو كان لديه ذرَّةٌ من ذلك لتساءل: مَن هم خصومي؟ وماذا يجري في العالَم؟ ومن سيساعدني؟ ولاهتمَّ وتدخَّلَ واحتال متَّخِذًا لنفسه موقعًا بين الكبار.
وإليكم حادثةً بسيطةً هي الأشدُّ أسًى وإيلامًا؛ فلقد كتبتُ إلى بعض أصحابي رسالةً سِرِّيةً سلَّمتُهم إياها باليد وقلت لهم فيها: "جِدُوا لي ذريعةً أدخل بها السجن كي أتخلَّص من
— 35 —
هذه الحال التي مُنِعتُ فيها من كل اتصالٍ كأنني في زنزانةٍ منفردة.. فلْيأخذوني إلى السجن لأَخْلُص من هذا العذاب"، نعم، قلتُ هذا لأكون قريبًا من كتبي في محكمة "دَنِزْلي"، وقريبًا من رسائل النور الغرَّاء التي هي رأسُ مال حياتي وثمرتُها فأسعى لاستردادها؛ ولقد كان في لجنة الخبراء التي تعمل ضدي رجلٌ هو الوحيدُ الذي يدافع عني، وقد اطَّلع على رسالتي هذه، فاضطر لمسايرة اللجنة وإصدار الحكم ضدي كي أدخل السجن مع الأسف!!
وإحدى الذرائع التي تَذرَّعَ بها خصومي الذين زَجُّوا بي في السجن هي "الطُّرُقية"، وقد برَّأتْني منها المحكمة، والحال أني ما فَتِئْتُ أُعلِن في رسائل النور "أن الزمان ليس زمانَ الطريقة، وإنما هو زمان إنقاذ الإيمان، وأن الذين يَدخلون الجنة بغير الطريقة كثير، لكنْ لا أحد يدخلها بغير إيمان"؛ ولهذا عَمِلنا بكلِّ قُوَّتنا لأجل الإيمان.
أنا عالِمٌ، ولستُ شيخَ طريقة.. ليس لي في الدنيا بيتٌ أصلًا حتى تكون لي زاوية، ولا يوجد شخصٌ واحدٌ في هذه العشرين سنةً خَلَتْ يقول إني لَقَّنتُه طريقة؛ ولم تَعثر المحاكمُ ولا الشرطةُ على شيءٍ من ذلك.. نعم لا توجد سوى "رسالة التلويحات"التي كتبتُها قديمًا، والتي تُبيِّن حقيقة الطُّرُق بيانًا علميًّا، وما هي إلا درسٌ علميٌّ رفيع المستوى.. إنها درسُ حقيقةٍ لا درسُ طريقة.
وإن ثمة وظيفةً مُهمَّةً تقع على عاتق الحكومة الجمهورية، ألا وهي حمايةُ الأثر العلميِّ الذي أثبتَ الإيمان التحقيقيَّ وانتصر على الفلسفة، وأثبتَ حقيقةً ارتبطتْ بها أرواحُ المليارات من أجداد هذا الشعب وتحدَّوا بها العالَم بأسره.. فحمايةُ هذا الأثر العلميِّ وحمايةُ القائمين على خدمته هي من أهم وظائف هذه الحكومة التي اتَّخذتْ حريةَ الضمير أساسًا لها، وإلا فإنَّ تكبيل هذا الخادم الضعيف وجَعْلَه عرضةً لهجوم آلاف الخصوم أمرٌ لا تسمحُ به قوانينُ الجمهورية بأي وجه.
كتبتُ شكواي معتقدًا أن الجمهورية ستصغي إليِّ؛ نعم، وأقول:
حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ
٭٭٭
— 36 —

عريضةٌ جزئيةٌ لكنها مهمةٌ مقدَّمةٌ إلى مجلس الوزراء ورئاسة مجلس الشعب

بالرغم من أني تركتُ الحياة السياسية منذ ثلاثين سنة، إلا أني مضطرٌّ في هذه الآونة لأن أبيِّن لمرةٍ واحدةٍ فحسب مسألةً تتعلق بالوطن والشعب والأمن؛ وهي أننا بناءً على أماراتٍ كثيرةٍ بِتنا على قناعةٍ قطعيةٍ بوجودِ نوايا مُبيَّتةٍ تَعمل لصالح "الفوضوية"، وتستهدفني وتستهدف "أميرداغ"، وتستهدف بالتالي هذا الوطن؛ إذْ يجري تضخيمٌ للأمور فتُجعَل الحبةُ قُبةً بل قِبابًا، وتُصوَّرُ أمورٌ تافهةٌ لا تساوي جناحَ بعوضةٍ كأمثال الجبال، وقد اتُّخِذتُ ذريعةً للهجوم علينا نحن طلابَ النور الذين نسعى لإنقاذ أبناء وطننا المساكين من الإعدام الأبديِّ والشُّبهات الأخروية، وما هو إلا هجومٌ تعسفيٌّ يخالف القانون كليًّا، ويجري بمخطَّطاتٍ أجنبيةٍ خدمةً للفوضوية في هذا الوطن المحتاجِ إلى الاستقرار.. لقد جُعِلتُ ذريعةً لاستهداف هذا الوطن واستقرارِه بحقدٍ ظاهرٍ وهواجس باطلةٍ، في عملٍ أشبهَ ما يكون بصبِّ الزيت على النار.
وذلك أنه بالرغم من أن ثلاث محاكم دَقَّقتْ بتمحيصٍ بالغٍ جميعَ كتبي ومراسلاتي وشؤوني على مدار عشرين سنةً، فقضتْ ببراءتنا وبراءةِ كتبنا؛ وبالرغم من أني تركت التأليف منذ ثلاث سنين، ولا أكاد أقدر على كتابة مكتوبٍ واحدٍ في الأسبوع؛ وبالرغم من أني لا أستقبل أحدًا لغير ضرورةٍ سوى بضعةِ فتيانٍ يعملون في الخياطة، ويتناوبون على مساعدتي في شؤوني الضرورية؛ وبالرغم من عدم عودتي إلى موطني بعد إخلاء سبيل المنفيِّين.. أجل بالرغم من هذا كلِّه فقد استفزُّوني بصورةٍ رسميةٍ وبأسلوبٍ لم أرَ مثلَه في حياتي، وتعمَّدوا الإساءة والإهانة كي يفتعلوا حادثةً ما، فدَهَموا بيتي بحقدٍ وبغيرِ وجهٍ قانوني، وكسروا قُفلَه، وأخذوا مصحفي ولوحاتي المكتوبةَ بالعربية وكأنها منشوراتٌ خطيرة، وفضلًا عن ذلك خاطَبَ مسؤولٌ مهمٌّ في السلك القضائيِّ الموظفين الرسميِّين هنا، وكلَّمهم بلهجةٍ آمرةٍ قائلًا: "كان عليكم أن
— 37 —
تُخرِجوا سعيدًا على الملأ بواسطةِ اثنين من عناصر الشرطة العسكرية، وأن تُرغموه على ارتداء القبعة الإفرنجية، وأن يؤتى به إلى الاستجواب بهذه الهيئة، وكان عليكم أن تقبضوا على كلِّ مَن يقترب منه"؛ نعم، قال هذا الكلام في اجتماعٍ مهمٍّ حين كانت تُتلى إفادتي الناطقةُ بعَين الحقيقة.
فلم يَبْقَ بعد هذا شكٌّ ولا شبهةٌ في أن ثمة خُطَّةً تَهدُف لضرب الأمن والاستقرار من خلال الإساءة إليَّ واستفزازي.
وأشكر لله بلا حدٍّ أنْ أحسن إليَّ بحالةٍ روحيةٍ تجعلني أُضحِّي بشرفي وكرامتي مهما بلغا في سبيل راحةِ أبناء هذا الوطن المستضعَفين ودفعِ البلايا عنهم، ولقد قرَّرتُ التزامَ التحمُّل إزاء ما يفعله وما سيفعله القومُ بحقِّي من إساءةٍ وإهانةٍ وأذًى؛ فأنا على استعدادٍ للتضحية بكلِّ حياتي وشرفي في سبيل أمنِ هذا الشعب واستقرارِه، وبالأخص في سبيل الراحة الدنيوية والسعادة الأخروية لأطفاله الأبرياء، وشيوخه الموقَّرين، ومرضاه وفقرائه المساكين.
وإحدى الأمارات على ما قام به القوم من تهويلٍ حتى جعلوا من جناح الذبابة جبلًا، ما حصل في عشَرةِ أيامٍ فقط لرجلٍ مثلي ضعيفٍ هَرِمٍ مريضٍ يعيش وحيدًا في الغربة، إذْ حَضَرَ والي "أفيون" وقائدُ الشرطة خمسَ مراتٍ إلى هنا، وحَضَرَ المدَّعي العام مرتين، وراقبتْني خمسُ مروحياتٍ حلَّقتْ فوقي أثناء تَجوالي في يومين على التوالي، وعُيِّنَ خمسةُ عناصر إضافيين من رجال الأمن يراقبونني ويتجسَّسون على أحوالي، وصدرَ أمرٌ رسميٌّ إلى مكاتب البريد بمصادرةِ جميع الرسائل المتعلقة بي.. فهذا يبين أنهم كانوا يخططون لاندلاع حادثةٍ تفوق حادثةَ "الشيخ سعيد" أو حادثة "مَنَمَن" عشرةَ أضعاف، فضخَّموا الأمور، وجعلوا من الحبة قُبَّةً، واتَّخذوا هذه الإجراءات الأخيرة.
لقد حَسِبوا أنني أعيش سيرتي القديمة، وتوقَّعوا أن تثور ثائرتي ردًّا على الإساءة؛ ولكن خاب ظنُّهم، فإننا نعمل بكل قوتنا لتأسيسِ سدٍّ قرآنيٍّ كسدِّ ذي القرنين في مواجهةِ "الفوضوية"، وإن الذين يتعرَّضون لنا إنما يمهِّدون السبيل للفوضوية، بل للشيوعية.
— 38 —
بلى، إن وظيفتي الحقيقيةَ خالصةٌ لأجل الآخرة ولإنقاذِ المسلمين من الإعدام الأبديِّ للموت، وإلا فلو رَفضتُ اليوم كلَّ أشكال الإساءة والإهانة كما كنتُ أرفضُها في سالف عهدي حفاظًا على العزَّة العلمية، ولو كانت وظيفتُنا مجرَّدَ العمل لأجل الدنيا ولأجل السياسة الهدَّامة كما يفعل الذين يتعرضون لنا، لتسبَّبَ الذين يعملون لصالح "الفوضوية" بحادثةٍ تَعدِل عشرةَ أضعافِ حادثةِ "الشيخ سعيد" وحادثةِ "مَنَمَن".
ومع النظر بعين الاعتبار إلى أن ثلاثَ محاكم وشرطةَ عدةِ ولاياتٍ لم تتعرض لزِيِّي من ناحيةٍ قانونيةٍ طَوالَ عشرين سنة، ولم أُبلَّغ مطلقًا بتبديل زِيِّي مراعاةً لحالتي وعزلتي، فإن هذا النوع من محاولاتِ إجباري على ارتداء القبعة الإفرنجية تعسُّفًا وقسرًا أمام الأهالي سيثير غضبًا عارمًا لدى مئاتِ آلافِ الرجال في هذا الوطن، لا سيما الذين تَربطُهم بي علاقةُ الأُخوَّة في درس الإيمان التحقيقيِّ منذ أربعين سنة، وسيكون مدعاةً لويلاتٍ ومآسٍ تسيل لها العَبَرات.
لقد تَيَقَّنَّا یی بأماراتٍ كثيرةٍ یی أنَّ الإجراءات غيرَ القانونية التي عومِلْتُ بها، ونُفِّذت بإيعازٍ أجنبيٍّ لكسرِ توجُّه الناس نحوي، إنما كانت لأجل هذا المقصَد المذكور، ولكنْ حمدًا لله بلا حدٍّ أن إهاناتهم غيرَ القانونية لي لم يَعُد لها أهمية، وماذا تُجدي مع رجلٍ مثلي واقفٍ بباب القبر، قَطَع جميع علائقه، وسَئِم الدنيا، وفرَّ من إقبالِ الناس وتقديرِهم، ولم يَعُد له ميلٌ إلى أيِّ نوعٍ من أنواع الرياء كالشهرة والجاه والعُجْب.. فإلى الله تعالى أُحيل أمرَهم.
إنني أفكِّر في أن هؤلاء الذين يُلحقون بي الأذى لمجرَّد هواجس لا موجِب لها سيُقاسون الإعدامَ الأبدي بالموت عما قريب، فأرثي لحالهم، فاللهم أنقذ برسائل النور إيمانَهم، وحوِّل بسرِّ القرآن إعدامَهم الأبديَّ إلى مذكِّرةِ تسريح، وإنني كذلك أسامحهم.
سعيد النُّورْسِيّ
٭٭٭
— 39 —
باسمه سبحانه
جوابٌ على سؤالِ فتًى طالبِ نورٍ يَخدُمني، سألَه بالنيابة عن كثيرين
سؤال: أستاذي.. لَمْ تَظهر نتائجُ صلاة الاستسقاء ودعائه، ولَم تتحقَّق فائدتُهما.. لقد تجمَّعت السُّحُب أكثر من مرةٍ ثم تفرَّقتْ من غير أن ينزل مطر!! فلِمَ ذلك؟
الجواب: إن انقطاع المطر هو وقتُ هذا النوع من الدعاء والصلاة، وليس عِلَّتَه ولا حكمتَه؛ فكما أنه عند الخسوف أو الكسوف تؤدَّى صلاة الخسوف والكسوف، وكما أنه بغروب الشمس تؤدَّى صلاةُ المغرب، فكذلك القحطُ وانقطاعُ المطر، هو وقتُ صلاة الاستسقاء ودعائه.
وسببُ العبادةِ والدعاء: الأمرُ الإلٰهي، ونتيجتُها: مرضاةُ الله تعالى، وفائدتُها أُخروية؛ وإلا فإنْ كانت النيةُ من الصلاةِ والعبادةِ مقاصدَ دنيوية، فأُدِّيَت لأجلها لا غير، بطَلَتْ؛ فصلاةُ المغرب مثلًا لا تؤدى لأجل ألَّا تغيب الشمس، وصلاةُ الخسوف لا تؤدَّى لأجل أن ينجليَ القمر، وكذلك هذا النوعُ من العبادة، فمِن الخطأ أن تؤدَّى لأجل استجلاب المطر، فإنَّ إنزال المطر شأنُ الله عز وجل، ونحن إنما نؤدِّي وظيفتَنا ولا نتدخل في شؤونه سبحانه.
صحيحٌ أن النتيجة الظاهرية لصلاة الاستسقاء هي نزول المطر، إلا أن نتيجتَها الأصلية الحقيقية التي هي أنفعُ نتائجها، وأجملُ ثمراتها وأحلاها، هي أن يَفهم كلُّ شخصٍ من خلال وضعيتها أن الذي يعطيه نفقتَه ليس أباه ولا أملاكَه ولا متجرَه، كلَّا.. بل إنما يُطعِمُه ويُعطيه نفقتَه مَن يتصرَّف في السَّحاب الثِّقال كأنها إسفنجةٌ، ويتصرَّف في وجه الأرض كأنه حقل، فذلك هو مَن يَغْذُوه ويرزقه.
وهذا المعنى الواسعُ العظيمُ الذي يَتضمَّنه دعاء الاستسقاء، يمكن أن يَفهمه حتى الطفلُ الصغيرُ الذي اعتاد أن يتضرَّع إلى أمِّه كلما دَهَمَه الجوع، فإنه يمكنه بفكره الصغير إدراكُ أن مَن يدير أمور هذا العالَم كما لو أنه بيت، هو مَن يَغْذُوني ويَغْذُو كلَّ
— 40 —
الصِّغار وأمهاتِهم، وهو مَن يرزقني ويرزقُهم، فإنْ هو لم يُعطِ فلا فائدة تُرجى مِن غيرِه، وما دام الأمر كذلك فعلينا أن نتضرَّع إليه؛ وبهذا يغدو طفلًا تامَّ الإيمان.
وبهذه المناسبة نبيِّن ستَّ نقاطٍ بإيجاز:
النقطة الأولى: إن ثَمَن النعمة والرحمة الإلٰهية هو الشكر، لكننا لم نؤدِّ الشكرَ حقَّ الأداء؛ نعم، بل كما لم نؤدِّ ثمنَ الرحمة بالشكر، رُحنا بظلمنا وعصياننا نستجلب الغضب؛ وإن البشر اليوم بكفرهم وعصيانهم وظلمهم وإفسادهم في الأرض قد جعلوا أنفسَهم مستحقِّين للصَّفْع، وقد تلقَّوا حقًّا صَفَعاتٍ مروِّعة، ولا جَرَمَ أنْ سيكون لنا نصيبٌ منها.
النقطة الثانية: وَرَدَ في الأثر أنه حتى الأسماك في جوف البحر تشكو من العُصاة والظَّلَمة فتقول: بسببهم يُحبَسُ المطر، بل بسببهم تَنقُصُ أرزاقُنا.
نعم، ففي هذا الزمان تقع مَعاصٍ ومظالمُ نَخجل معها من طلب الرحمة.. كيف والحيواناتُ البريئةُ تُقاسي من جرَّائها العذاب؟!
النقطة الثالثة: تقول الآية: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً، أي: اِتقوا مصيبةً إنْ وقعتْ فلن تقتصر على الظالمين وحدَهم، بل سيكتوي بنارِها المظلومون والأبرياء.
لأنه لو بقي الأبرياءُ بمنأًى عن جحيمِ المصيبة العامة، وسَلِموا منها سلامةً خارقةً للعادة، لبَطَلَت حكمةُ الدِّين، إذِ الدينُ امتحانٌ واختبار، ولَصَدَّق بالدِّين أشرارٌ كأبي جهلٍ تصديقًا كتصديق أبي بكرٍ الصِّدِّيق رضي الله عنه؛ فلهذا يُقاسي الأبرياءُ من بلايا المصيبة العامة.
النقطة الرابعة: لقد خالطَ الأموالَ والأرزاقَ اليومَ كثيرٌ من الحرام بسبب الغشِّ وسوء الاستعمال والرِّشوة؛ وكثيرٌ من المزارعين ليسوا مالكين لأموالهم بحقِّها، فإنْ كان اثنان أو ثلاثةٌ بالعشرة من الناس المستفيدين من أموال المزارعين ونِتاجهم يستحقُّون الرحمةَ التامة، فإن خمسةً أو ستةً بالعشرة منهم يُفوِّتون على أنفسهم استحقاقَ الرحمة، إما باقتراف الظلم، أو بمخالطة المال الحرام، أو بعدم الشكر.
— 41 —
النقطة الخامسة: إن رسائل النور وسيلةٌ جليلةٌ لدفع البلاء عن بلاد الأناضول؛ فكما أن الصدقة تدفع البلاء، فإن انتشارَ رسائل النور وقراءتَها هو نوعُ صدقةٍ كُليَّةٍ تَدفع البلايا السماوية والأرضية، وقد تَبَيَّن هذا بأماراتٍ كثيرةٍ ووقائعَ كثيرة، بل تَحَقَّق بإشارةِ القرآن الكريم؛ إذ شَهِدت المِنطقةُ وقوعَ أربعةِ زلازلَ حين مُنِعَ نَسْخُ الرسائل وانتشارِها، فلما انتشرت توقَّفت الزلازل، وكانت قراءتُها في معظم أنحاء الأناضول وسيلةً لتجنيب البلاد الوقوعَ في الحرب العالمية الثانية، وقد أشارت إلى هذا سورةُ وَالْعَصْرِ.
وبينما كنا ننتظر في هذه الآونة منحَ رسائلِ النورِ الحريةَ التامةَ تداولًا وقراءةً، بتصديقِ محكمة التمييز على القرار القاضي ببراءة رسائل النور وكونها نافعةً للوطن، إذْ وقع العكس تمامًا، فمُنِعَتْ، ورَفَضتِ المحكمةُ ردَّ النُّسَخ لأصحابها، ومُنِعنا من الحديث في هذه القضية؛ وبذلك لم تتمكن هذه الصَّدقةُ المعنوية الكُلِّية الدافعةُ للبلاء من التصدي له في شهرَي الجفاف هذين، فوقع القحطُ نتيجةَ ذنوبنا.
النقطة السادسة: إن القحط مصيبةٌ وعذابٌ يَحُلُّ جزاءً لعمل، فينبغي أن يُقابَل بالبكاء والحزن والأسف، وبالاستغاثة والتضرُّع المَحزون، وبِصادقِ الاستغفار والتوبة والندم، وباللجوء إلى باب الحضرة الإلٰهية بالدعاء والعبودية المخصوصة بهذه الحالة، وَفْقَ ما عَيَّنتْه الشريعة، وضمن دائرة السُّنة السَّنية دون ملابسةٍ للبِدعة.
ثم إنَّ مثل هذه المصائب العامة، لما كان وقوعُها بسبب خطايا أكثر الناس، كان دفعُها بتوبةٍ ونَدامةٍ واستغفارٍ من معظمهم. ولأننا یی نحن طلابَ رسائل النور یی لا نُوْلي الدنيا كبيرَ أهمية، ولا ننظر إليها إلا لأجل رسائل النور، فإنا كذلك ننظر إلى هذا القَحْطِ من هذه النقطة؛ وعليه، ففي نفس الوقت الذي أعادت فيه محكمةُ دَنِزْلي قسمًا يسيرًا من رسائل النور لأصحابها، وتَوافقَ ذلك مع شروع بعض الأفاضل بنَسخ الرسائل هنا، نَزل بعضُ المطر في هذا القحط، لكنه بقي غيثًا محدودًا لمحدوديةِ الحرية التي نالتْها رسائل النور، فعسى أن تُعادَ عمَّا قريبٍ كلُّها، وتنالَ كاملَ حريتها، ويَعُمَّ انتشارُها، فيَعُمَّ الغيثُ تامًّا بإذن الله.
٭٭٭
— 42 —
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
إن لی"حزبِ القرآن المعظَّم" خواصَّ كثيرة، منها: أهميتُه وفوائدُه الجليلة فوقَ العادة؛ وطردُ الوسوسة عند قراءته؛ واحتواؤه على أعظمِ آياتِ القرآنِ أجرًا؛ وجَمعُه جميعَ أُسسِ الرسائل النُّورية وحقائقِها؛ وكونُه أنموذجًا قدسيًّا للقرآن بأكمله يَنتفع به كلُّ شخص، لا سيما مَن لا يحفظُ القرآن ومَن لا يتسنَّى له قراءةُ جميعِه في كلِّ وقت؛ وكونُه مبشِّرًا بطبعةِ القرآن ذاتِ التوافقات ومثالًا مُصغَّرًا لها؛ وكشفُه عن إعجازٍ ماديٍّ ولفظيٍّ ومعنويٍّ باهرٍ للقرآن؛ فضلًا عن أنه في هذه الشهور المباركة مَنهلُ بركاتٍ وأنوارٍ ومَثوباتٍ كثيرة، ويعود على العاملين في طبعه ونشره بالخير العظيم.
وقد وقع سهوٌ على نحوٍ ما، فلم تُكتب فيه آيتان هما لرسائل النور نقطتا استنادٍ قدسيتان، ويَنبوعا ماءِ حياةٍ مُشرِقان، وهما قولُه تعالى في سورة آل عمران: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ..، و قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ..، فاكتبوهما فيه.
ثم إني بينما كنتُ أقرأ في هذه الأيام الصحيفةَ الثانيةَ عشْرةَ منه، إذِ استوقفتْني آيةُ: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ..، فنظرتُ إلى ما قبلَها فوجدتُ آية: وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ..، فنظرتُ إلى الصفحة التي تليها فوجدتُ أربعَ آياتٍ تُشير إلى رسائل النور، سَبَق إيضاحُها في "الشعاع الأول"؛ فوَرَد على قلبي أن هذه الآية المُرَهِّبة لا بدَّ أنها تَنظر یی بشكلٍ أو بآخَر یی نظرًا خاصًّا إلى عصرنا هذا المروِّعِ الشديدِ النِّفاق الضاربِ في الظُّلمات، فدقَّقتُ فيها فحصلتْ لي قناعةٌ بذلك؛ وإحدى أماراتِ ذلك أن حساب الجِفر والأبجد لقوله تعالى: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ يوَقِّع بالتوافق على تواريخِ مراتبِ النفاق الأربعة بتمامها.
وذلك أنه إنْ حُسِبَت الشَّدّات، ولم تُحسَب الهمزاتُ غيرُ المقروءة، وكذا الياءُ غيرُ المقروءة في كلمة: فِي، فإن المجموع يساوي ألفًا وثلاثَمئةٍ واثنين وستين، وهو يشير إلى هذه السَّنة.
— 43 —
فإنْ حُسِبتِ النون المشدَّدة التي في جملة: مِنَ النَّارِ نونًا واحدةً، وعُدَّت اللامُ أصليةً، كان المجموع ألفًا وثلاثَمئةٍ واثنين وأربعين، وهذا يُخبِر بتوافقٍ تامٍّ عن تاريخ الحرب العالمية الأولى التي أنتجت نِفاقاتٍ رهيبة.
فإن حُسِبت النون المشدَّدة نونَين، وحُسِبتْ أيضًا تلك الياء والهمزات غيرُ المقروءة، كان المجموع ألفًا وثلاثَمئةٍ وستًّا وسبعين، وهو يخبر عن مرتبةِ سقوطِ هذا النفاقِ الضاربِ في الظُّلمات، موافِقًا لها بتمامها، وموافِقًا یی بأربعة فروق یی للألْف والثلاثمئة والاثنين والسبعين الذي هو المقامُ الجِفريُّ لكلمة "الظُّلمات" المُقابَلةِ بی"النور" في آياتٍ كثيرة.
فإنْ حُسِبتِ الحروف غيرُ المقروءة، وكانت الشَّدَّة التي في كلمة النَّارِ لامًا أصلية، كان المجموع ألفًا وثلاثَمئةٍ وستةً وخمسين، وهو يشير بتوافقٍ تامٍّ إلى تاريخِ أعاصيرِ الكفر والنِّفاق الرهيبة.
نعم، فالراءان أربعمئة، والفاءاتُ الثلاثُ مع لامَين ثلاثُمئة، والقاف مع النُّونَين المشدَّدتَين ثلاثُمئة، والميم والسين مئة، والميم الأخرى مع ياءٍ ونونٍ مئة، ثم النونان كذلك مئة، فمجموعُ ما سبق ألفٌ وثلاثُمئة؛ ثم اللامُ والكافُ خمسون، والدالُ المشدَّدة ثمانية، والمَدَّتان والهمزتان أربعة، فالمجموع ألفٌ وثلاثُمئةٍ واثنان وستون، وعلى هذا فقِسِ الأعداد الثلاثة الأخرى.
ثم إني أمعنتُ النظر في الصحيفتَين الثانيةِ عشْرة والثالثةَ عشْرة، فوجدتهما تنطبقان على رسائل النور وطلابِها ومُعارضيها بحيث لا تَرمِز إلى ذلك كلِّه بمجرَّد المعنى الإشاري، بل تنظر بالمعنى الصريح إلى هذا العصر نظرًا خاصًّا، وتُدخِله فردًا ممتازًا في معناها الكلي، هذا ما أدركتُه قطعًا، فشكرتُ الله بلا حدٍّ؛ وعَلِمتُ أنه ينبغي أن نفرح ونَشكر في طَيِّ الصبر، إذْ ما أصابنا حتى اليومِ من بلايا في هذه الخدمة النورية، إنما هو هَيِّنٌ يسيرٌ ولو تضاعَفَ مئةَ درجة، بل نحن رابحون، فهذه البلايا التي تُكَسِّر زجاجاتنا التافهة وتُحطِّم خَزفَنا الفاني، إنما تُكسِبُنا ألماسًا أُخرويًّا باقيًا.
— 44 —
وأُبشِّركم أن تسميمهم إياي للمرة الثامنة قد باء بالفشل أيضًا، وتحقَّقتْ تأميناتُ الغوث الأعظم: "فإنك محروسٌ بعَينِ العناية".
أسلِّم على جميع إخواني فردًا فردًا، وأدعو لهم، وأطلب منهم الدعاء في هذه الشهور الثلاثة المباركة.
أخوكم الراجي من صميم روحه الدعواتِ الطاهرة من الأطفال الأبرياء
والشيوخ المباركين الذين لا تُرَدُّ أيديهم خائبة
وما أكثرهم في دائرة النور!
سعيد النُّورْسِيّ
٭٭٭
إخواني الأعزاء..
بعد أن كتبتُ إليكم رسالتين قبل حلول ليلة الرغائب بستِّ ساعات، وبعد أن استُلِمَتْ نُسَخ "الحزب النُّوري" مع الورق، وَقَعَ ما أَعدُّه بقناعةٍ قطعيةٍ نوعَ معجزةٍ أحمدية؛ إذْ بعد شهرَين متواصلَين من القحط وانقطاع المطر، وبعد أن رُفِع دعاءٌ كثيرٌ عَقِبَ الصلوات في كلِّ الجهات فبقي بغير إجابة، وخَيَّم يأسٌ على القلوب فبَكَتْ خوفًا من هَمِّ المعيشة، إذا بالغيث يَنزِل في ليلة الرغائب غزيرًا مِدرارًا، مصحوبًا بتسبيحات مَلَك الرَّعد الشديدةِ المُجَلْجِلةِ التي تَردَّدتْ أكثرَ من مئةِ مرةٍ خلال ثلاثِ ساعات، على نحوٍ لم نسمع مثلَه من قبلُ!! بحيث كان هذا الحدثُ آيةً تُلزِم أعتى المعاندين، فإنه أثبتَ قدسيةَ ليلة الرغائب، وأظهرَ ترحيبَ الكائنات بها؛ كما أثبتَ أن قدومَ صاحب الرسالة (ص) یی بدرجةٍ ما، وبجهةٍ ما یی إلى عالَم الشهادة له أهميتُه لدى عموم الكائنات وجميعِ الأعصار، وأنه (ص) رحمةٌ للعالمين حقًّا.
وبِتُّ أتساءل في نفسي: لقد دعونا لی"إسبارطة" مع دعائنا لهذا البلد، فهل كان لها نصيبٌ من هذا الغيث؟
— 45 —
ثمة أماراتٌ كثيرةٌ حتى اليوم تَدلُّ على أن رسائل النور وسيلةٌ لنزول الرحمة والغيث، وهذا الغيث يومئ إلى أن لها فتوحاتٍ جليلةً من وراء الحجاب، ولعلَّه يشير كذلك إلى السماح بها ورفعِ الحظر عنها؛ ثم إن ازدياد عدد النُّسّاخ هنا نتيجةَ ما أَورثَتْه "اللَّمعاتُ" من جِدٍّ ورغبة، قد صار بحكم نوعٍ من الدعاء المجاب بإذن الله.
٭٭٭
إخواني ووُرَّاثي الأعزاءَ الأوفياءَ الثابتين..
ثمة ثلاثةُ أسبابٍ وراء التضييق عليَّ في هذه الآونة:
أولُها: أنه كان صَدَر قرارٌ من مجلس الوزراء بتخصيصِ نفقةٍ يوميةٍ لمعيشتي مقدارُها ليرتان ونصف، إضافةً لتخصيصِ مبلغٍ آخَر للنفقات والمصاريف الأخرى، وبإنشاء منزلٍ لي بالشكل الذي أريد ومنحي إياه، لكني رَفضت، ولم أقبل منهم مالًا سوى مبلغٍ خُصِّص لي في "دَنِزْلي" لنفقات السَّوق والنقل، فسَخِطوا من رفضي وشرعوا في المراقبة والتضييق.
السبب الثاني: أن أهالي "دَنِزْلي" وما حولها قد أبدَوا یی لأجل رسائل النور یی حُسْنَ إقبالٍ وتوجُّهٍ نحوي يَفوق حدِّي كثيرًا، ومثلُ هذا بدأ يَظهر هنا أيضًا، وهو ما أثار هواجس المُغرِضين.
السبب الثالث: ذرائعُ مزعومةٌ حاقدةٌ يتذرَّع بها والي "أفيون" لينتقم مني لأجلِ شخصٍ معلومٍ طواه الموت.
غير أن القَدَر الإلٰهي يُحوِّل مظالمَهم هذه بحقي إلى رحماتٍ ومنافع، فلا تقلقوا، وإحدى هذه المنافع أنهم ينشغلون بإسكاتي عن إسكات رسائل النور، والحال أن رسائل النور تتكلم بمئات الألسنة، ويتكلم طلابُها بآلاف الألسنة بدلًا مني، ويُدرِّسون هذه الأنوارَ للعقول التي خَيَّمتْ عليها الظُّلمات؛ وثمة أماراتٌ كثيرةٌ تفيد أن الرسائل حَطَّمت عِنادَ القوم، فمن ذلك أن كبار المسؤولين شرعوا بقراءة العديد من الرسائل
— 46 —
وتدقيقها، خصوصًا مجموعة "حجة الله البالغة"، بعد تأثُّرهم بقراءة "رسالة الثمرة" التي أُرسِلت إليهم كدفاعٍ عن رسائل النور.
نعم، وكما أن انشغالهم بشخصي يعود بالنفع یی بدرجةٍ ما یی على حرية رسائل النور وانتشارِها، فكذلك منعُهم إياي من اللقاء بإخواني ينطوي على مصلحةٍ مُهمَّةٍ كذلك، حتى إن أحد إخواننا كلَّفه المجيءُ إلى هنا للقائي مئةَ ليرة، ثم رجع من حيث أتى من غير أن يلتقي بي، فكان في هذا مصلحةٌ جليلة، إذْ لو فُتِح هذا الباب لَتوافَدَ الزُّوار من كل جهةٍ على نحوٍ قد يثير هواجسَ المغرضين وأصحابِ الظُّنون والأوهام، كما يمكن أن يَضُرَّ بسرِّ الإخلاص وبمسلكنا القائم على المَحْوِيَّةِ وتركِ الأنانية، واجتنابِ التدخُّلِ بل التفكيرِ في التيارات الدنيوية، ومن هنا كان تجريدي هذا عنايةً في حقِّنا.
إن المكاسب والمغانم في هذه الشهور المباركة تُضاعَف إلى مئة ضعف، ونحن محتاجون أشدَّ الحاجة إلى عَون إخواننا المباركين بالدعاء لنا رجالًا ونساءً، أطفالًا وشيوخًا.
لن تُزعزعكم بعد اليوم عاصفة، ولن ينكسر ثباتُكم الراسخ المتين بإذن الله.
٭٭٭
باسمه سبحانه
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إخواني الأعزاءَ الأوفياء.. هذا جوابٌ اضطراريٌّ على سؤالٍ يُطرَح من عدةِ جهاتٍ ماديةٍ ومعنوية.
السؤال: لماذا لا تتواصل مع التيارات الموجودة داخلَ البلاد وخارجَها خصوصًا منها الجماعات السياسية؟ ولماذا تجتهد في منع رسائلِ النور وطلابِها من الاتصال بها؟ مع أنك لو تواصلتَ معها وكنتَ على علاقةٍ بها لَدَخل آلافُ الناس في
— 47 —
دائرة رسائل النور فنَشَروا حقائقَها الساطعة، ولَما كنتَ عرضةً لكل هذه التضييقات التي لا مبرِّر لها.
الجواب: إن أهم سببٍ لهذا الاجتناب وعدمِ التواصل هو الإخلاص الذي هو أساسُ مسلكنا، فهو الذي يمنعنا من ذلك، لأن الناسَ في زمان الغفلة هذا یی لا سيما أصحابَ الأفكار المتحزِّبة یی قد اتخذوا كلَّ شيءٍ أداةً لمسلكهم، حتى لقد جعلوا أعمالَهم الدينية والأُخروية أداةً لهذا المسلك الدنيوي، مع أن الحقائق الإيمانية والخدمةَ النُّوريةَ القدسيةَ لا يمكن أن تكون أداةً لشيءٍ في هذا الوجود، ولا يمكن أن تكون لها غايةٌ سوى مرضاة الله تعالى.
والحقيقةُ أن المحافظة على سِرِّ الإخلاص وعدمَ اتخاذ الدين أداةً للدنيا قد بات أمرًا بالغ الصعوبة في هذا الزمان الذي تتصارع فيه التيارات الحالية بتحزُّبٍ شديد؛ وأفضلُ حلٍّ لهذا الأمر هو الاعتمادُ على عنايةِ الله وتوفيقه بدلًا من الاعتماد على قوة التيارات.
وثمة سببٌ آخرُ من الأسباب الكثيرة لاجتنابنا التياراتِ السياسية، ألا وهو الشفقة وتحاشي الظلم والإضرار، وهو أحد الأساساتِ الأربعة لرسائل النور؛ فقد هَيمنَ الظلمُ الشديد في هذه الأيام مصداقًا لقوله تعالى: إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ، وبات هو السائدَ بدلًا من دستور الإرادة الإلٰهية القائل: وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى، أي: لا يُؤاخَذ المرءُ ولا يُؤخَذ بجريرةٍ ارتكبها قريبُه ولا غيرُه.
وإن الذي يتصرَّف وَفْقَ مشاعر التحيُّز والتحزُّب، لا يُعادي بجريرةِ المجرم أقرباءَ المجرم فحسب، بل يعادي جماعتَه كلَّها، ولو أمكنه أن يُنزِل بهم ظلمًا لفعل، ولو كانت بيده السُّلطة لقَصَف بجريرةِ رجلٍ واحدٍ قريةً بأكملها.
والحال أنه لا يجوز أن يكون مجرمٌ، ولا مئةُ مجرمٍ، مُسوِّغًا للتضحية بحقِّ بريءٍ واحدٍ أو ظُلمِه؛ فكيف والوضعُ الحاليُّ يَزُجُّ بمئةِ بريءٍ في المهالك بسبب بضعة مجرمين؟! كأنْ يرتكب شخصٌ جريرةً، فيَطالَ القمعُ أبويه الشيخَين الكبيرَين اللذَين لا
— 48 —
حول لهما ولا قوة، وأطفالَه وعيالَه الأبرياءَ المساكين، ويُشرَّدوا ويُناصَبوا العَداء تحيُّزًا وتحزُّبًا!! فهذا بلا شكٍّ منافٍ لمبدأ الشَّفَقة، وإن وجود تياراتٍ متحزِّبةٍ بين المسلمين سيوقِع أمثالَ هؤلاء الأبرياء ضحيةً لمثل هذه المظالم التي لا يمكنهم دَرْؤُها، خصوصًا وأن الأوضاع التي تُسبِّب قيام الثورات والاضطرابات تَنشُر الظلم وتوسِّع دائرتَه.
إن حال أبناء الكفار في الجهاد الديني هي حالُ آبائهم، فيمكن أن يقعوا غنيمةً أو يَدخلوا في مِلْك المسلمين، أما إنْ وُجِد ملحدٌ بين المسلمين فلا يجوز بوجهٍ من الوجوه تملُّكُ أبنائه أو الاعتداءُ على حقوقهم، لأنهم مرتبطون برابطةِ الإسلام وجماعةِ المسلمين، لا برابطة أبيهم الملحد؛ بخلاف أبناء الكفار، فإنهم وإن كانوا من أهل النجاة، إلا أنهم لمَّا كانوا تابعين لآبائهم ومرتبطين بهم في الحقوق وفي الحياة، جاز في الجهاد أن يقعوا أسرى ويُستَرَقُّوا .
السلام على جميع إخواني فردًا فردًا، وأبارك لكم ليلةَ المعراج ذاتَ المغانم الجَمَّة؛ بلِّغوا السيد "رأفت" تعزيتي بالمرحوم "حاجي إبراهيم"، وقولوا له ولمن لهم صلةٌ بالمرحوم: إنه یی رحمه الله یی من طلاب النور، وإنه مشمولٌ بأدعيتهم على الدوام، وأنا كذلك أدعو له دعاءً خاصًّا.
سعيد النُّورْسِيّ
٭٭٭
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
هذا جوابٌ موجزٌ عن سؤالِ أحدِ إخواننا: كيف تَثبُت هذه الكرامة ثبوتًا قطعيًّا بالتوافق؟
الجواب: إذا وُجِد التوافق في شيءٍ فهو أمارةٌ صغيرةٌ تفيد أن فيه قصدًا وإرادة، وأنه ليس مصادفةً؛ فإنْ كان التوافق في عدة جهات، فالأمارة تتقوَّى حينئذٍ؛ فإنْ وقع بين شيئين مخصوصَين يَحُفُّ بهما مئةُ احتمال، وكانا متناسبَين تناسبًا تامًّا، فالإشارةُ
— 49 —
الواردةُ من هذا التوافق تغدو بحكمِ دلالةٍ صريحةٍ تفيد أن هذا التوافق جرى بقصدٍ وإرادةٍ لأجل مقصَدٍ ما، وأنْ لا احتمالَ فيه للمصادفة.
وعلى هذا النحو تمامًا كانت هذه المسألةُ المعراجية، إذْ تَوافَقَ مجيءُ الرحمة ونزولُ الغيث مع ليلةِ الرغائب وليلةِ المعراج بالذات، واختصَّ بهما وبيومَيهِما دون سائر الأيام والليالي التسعة والتسعين التي تَحُفُّ بهما؛ ووافَقَ ذلك تمامَ وقتِ الحاجةِ الشديدة؛ وتَزامَنَ مع إقبال كثيرين هنا على قراءةِ "رسالة المعراج" ونَسْخِها ونشرِها برغبةٍ وهمَّة؛ وتَوافقتْ هاتان الليلتان فيما بينهما بِعدةِ جهات؛ وتَوافَقَ نزولُ الغيث مبشِّرًا بالسُّلوان، ومهدِّدًا برعدٍ عجيبٍ جاء في غيرِ مَوسِمه، مع استغاثةِ الأرض وصُراخها صُراخًا ماديًّا ومعنويًّا لا يمكن الإفصاحُ عنه؛ كما تَوافَقَ تمامًا مع طلبِ أهل الإيمان السُّلوانَ لِما أصابهم من يأس، وطلبِهم تقويةَ القوة المعنوية في مواجهة الوسوسة والضعف الناجمَين عن صَولة الضلالة؛ فضلًا عن تَوافُقٍ آخَر يتمثل في أن عالَم الفضاء والسماوات يُبدي بالغيث الغزير الاحترامَ والإجلالَ للشعائرِ الإسلامية أمثالِ هذه الليالي، وهو بذلك يوبِّخ المستهينين بها قائلًا: إن الكون يحترم هذه الليالي، فلماذا لا تحترمونها أنتم؟!
فكلُّ مَن له ذَرَّةُ إنصافٍ يَعلم أن في هذا الأمر قصدًا وإرادةً خصوصيَّين، وأن فيه لأهل الإيمان عنايةً ورحمةً خصوصيَّتَين، فلا يَحتمل المصادفة بأيةِ جهة.
وإذًا، فكما أن حقيقة المعراج معجزةٌ أحمديةٌ وكرامةٌ كبرى للذات الأحمدية عليه الصلاة والسلام، وكما أن عروجَه إلى السماوات بسُلَّم المعراج أَظهر لأهل السماوات قَدْرَه (ص)، فإنَّ ليلة المعراج في هذا العام قد أَظهرت للأرض ولأهل هذا البلد كرامةً من كراماتها، إذْ بَيَّنتْ ما لها من حرمةٍ وقيمةٍ لدى الكائنات.
٭٭٭
— 50 —
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
إن تأليف رسائل النور يكتمل في سنةِ أربعٍ وستين كما في الإشارات الغيبية الغوثية والعَلَوية، ومعنى هذا أنه لن يكون بعد هذا التاريخ سوى إيضاحاتٍ وحَواشٍ وتتمات؛ وبهذه المناسبة ورَدَ على قلبي أن أُخطِرَكم بنقطتَين:
الأولى: أنه سيكون لرسائل النور طلابٌ يتتلمذون لها بالفطرة وبحسب ظروفِ الزمان، وفي مقدِّمتهم الأطفالُ الأبرياء؛ ذلك أن الطفل إنْ لم يَتَلقَّ في صِغَرِه درسًا إيمانيًّا قويًّا، فسيكون من الصعب على روحِه لاحقًا تَقَبُّلُ أركانِ الإسلامِ والإيمانِ إلا بصعوبةٍ وإشكالٍ شديدَين، بل يَصعُب ذلك عليه صعوبةَ تقبُّلِ شخصٍ غيرِ مسلمٍ الإسلامَ، فيظل غريبًا عنه، لا سيما إن وَجَد أبوَيه غيرَ متديِّنَين، واقتصرتْ تربيةُ ذهنه على العلوم الدنيوية، فتزداد غُربتُه حينئذٍ وتَشتدّ؛ فيكون بلاءً على أبويه في الدنيا، يَستثقل وجودَهما ويتمنى موتَهما عاجلًا بدلَ أن يحترمهما ويَبَرَّهما، ويكون في الآخرة خَصيمًا لهما، يُقاضيهما بدلَ أن يَشفَع لهما، يقول: لِمَ لَمْ تُنقذا إيماني بالتربية الإسلامية؟
وبناءً على هذه الحقيقة فإنَّ أسعدَ الصِّغار هم مَن دخلوا دائرةَ رسائل النور، فكانوا أبناءً بَرَرَةً بآبائهم وأمهاتهم، يحترمونهم ويَخدُمونهم في الدنيا، ويسجِّلون بحسناتهم حسناتٍ لهم في صحائفِ أعمالهم بعد وفاتهم، ويَشفعون لهم في الآخرة كلٌّ بحَسَبه.
أما القسم الثاني من طلاب رسائل النور فهنَّ النساء، إذْ هُنَّ محتاجاتٌ فطرةً إلى رسائل النور، لا سيما مَن تَجافَين منهنَّ عن الدنيا ورَغِبْنَ عنها، وخصوصًا مَن بَلَغْن مِن العمر منهنَّ مبلغًا؛ فرسائلُ النور لهنَّ غذاءٌ معنويٌّ حقيقي؛ لأن أحدَ أُسسِ رسائل النور الأربعةِ: الشَّفَقة، وهي نابعةٌ من مَظهرية اسم "الرحيم"، وهي كذلك إحدى أخَصِّ خصائص المرأة وخميرةُ وظائفها الفطرية.
— 51 —
وأما القسم الثالث، فهم المرضى والشيوخ، فإنهم باعتبار أوضاعهم یی وإنْ لم تكن فطريةً یی محتاجون إلى رسائل النور حاجتَهم إلى الغذاء والدواء؛ ذلك أن رسائلَ النور تُوَضِّح ماهيةَ الحياةِ الدنيويةِ من جهةِ فنائها، وتَعرِضُ الحياةَ الباقيةَ وتُجلِّيها كالشمس، ولهذا فالمرضى والشيوخُ الذين تأذَّت حياتُهم الدنيويةُ بالمرض أو الشيخوخة، وظنُّوا بجهلهم أو بغفلتهم الموتَ إعدامًا، محتاجون إلى رسائل النور أشدَّ الحاجة، إذْ يغترفون منها من السُّلوان والنور ما يجعلهم يُفضِّلون مرضَهم على صِحَّتهم، وشيخوختَهم على شبابهم.
النقطة الثانية التي أُخطِرَتْ: بما أننا قد دخلنا في العام الرابع والستين بحسب التقويم العربي، فإنَّ رسائل النور تكون قد اكتملتْ بورود الإشارة الغيبية؛ فإنْ كان الأمر بحسب التقويم الرومي، فما يزال بين أيدينا سنَتان؛ والحالُ أنه توجد مواضعُ مُهمةٌ ظلَّت مؤجَّلةً لم تُكتَب فيها رسائل، منها على سبيل المثال: المكتوبُ الثلاثون، والمكتوبُ الثاني والثلاثون، واللَّمعةُ الثانية والثلاثون، ونحوُها، فما تزال هذه المراتبُ المهمةُ خالية.
وقد أُخطِر على قلبي أن يكون تفسيرُ "إشارات الإعجاز" المؤلَّفُ والمطبوعُ بالعربية، والذي هو أهمُّ آثار "سعيدٍ القديم"، وفاتحةُ رسائل النور، أن يكون "المكتوبَ الثلاثين"، وقد كان؛ وكذا رسالةُ "لَمعات" التي هي آخرُ ما أَلَّف "سعيدٌ القديم"، وأُلِّفَت في عشرين يومًا من شهر رمضان، وَوَردتْ منظومةً بنفسِها، فقد أُخطِر أن تكون "اللمعةَ الثانيةَ والثلاثين"؛ وكذا المجموعةُ الكبيرةُ المكتوبةُ بالعربية، والمؤلَّفةُ من "قطرة"، و"حبَّة"، و"شَمَّة"، و"ذَرَّة"، و"حَباب"، و"زهرة"، و"شُعلة" وذيولِها، وهي أولُ ما ظهر لقلبِ "سعيدٍ الجديد" من الحقيقة بدرجة الشهود، فقد أُخطِر أن تكون "اللمعةَ الثالثةَ والثلاثين".
كما أُخطِر أن تكون "رسالةُ الثمرة" "الشعاعَ الحادي عشر"، وأن يكون دفاعُ دَنِزْلي "الشعاعَ الثاني عشر"، وأن تكون مجموعةُ مراسلاتِ السجن وما بعدَه "الشعاعَ الثالث عشر"، وأُحيلُ الأمرَ إلى ما يراه إخواني الأعزاء مناسبًا.
— 52 —
إذًا: ما يزال البابُ مفتوحًا في العديد من المراتب، ويمكن أن يُملى عه، ا مزيدٌ من التتمَّات الحسنة.
سلامي لإخواني الأعزاء فردًا فردًا، أما إخواني في "قَسْطَموني" وما حولها فإني أشاهدهم معي على الدوام كما كنا في السابق، فلا يحزنوا؛ وإن رسائل النور لا تتوقف، بل لها فتوحاتٌ كبيرةٌ من خلف الحِجاب؛ وإنَّ ما لَقِينا من تضييقٍ وتشديدٍ قد عاد بالخير على رسائل النور، إذ لَفتت الأنظار، وباتت تُقرِئ نفسَها في أوساطٍ كثيرة، فلْيَفخر أَخَوانا المُجِدَّان یی الأبُ وابنُه یی بما يَلقَيان من شدةٍ وضيقٍ لا سيما الأب، ولا يَحزُنْهما التوقَّف المؤقَّت هناك، وإن مكانتهما عندي بل عندنا جميعًا محفوظةٌ لم تتغير.
ذكرنا في أول الرسالة أن الفِتية الصغار الأبرياء هم طلابٌ لرسائل النور بالفطرة، فإليكم نموذجًا لذلك، هذا "جَيلان" أُملي عليه هذه الرسالةَ فيكتبها بالحروف المستحدَثة، إذْ لم أستطع الكتابةَ لاعتلالي؛ وهذا طالبٌ آخرُ صغيرٌ هو "عليٌّ" الذي يكتب رسالةً إلى "جَيلان"؛ وطالبٌ ثالثٌ صغيرٌ من طلاب المدرسة النُّورية هو "محمدٌ" الذي كتب هذه المرة رسالةً كاملةً مدقَّقة!! أقول لهم جميعًا: "بارك الله بكم من فِتيةٍ موفَّقين سعداء، وأهنِّئ آباءهم وأمهاتِهم".
٭٭٭
— 53 —
باسمه سبحانه
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
تتمةُ الجواب الاضطراري السابق
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
فصلُ الصيف هذا هو أوانُ الغفلةِ والانشغالِ بهموم العيش، ووقتُ العبادة الجزيلةِ الأجرِ في الشهور الثلاثة المباركة، وزمانُ الصراع الحادِّ الذي يشهده العالَم سياسيًّا لا عسكريًّا، فإن لم توجد متانةٌ وثباتٌ في الوظيفة النُّورية القدسية، تَسرَّبَ الفتور والعطالةُ والرُّكود، فتضرَّرتْ خدمةُ رسائل النور.
إخواني الأعزاء.. اِعلموا يقينًا أن الوظيفة التي تُعنى بها رسائل النور ويشتغل بها طلابُها هي أكبرُ من جميع القضايا الكبرى على وجه الأرض، فلا تلتفتوا إلى قضايا دنيويةٍ تُثير الفضول فتَفْتُروا عن وظيفتكم الباقية؛ أكثِروا من مطالعةِ المسألة الرابعة من "رسالة الثمرة" لكيلا تَضعُف قوَّتُكم المعنوية.
أجل، إنَّ جميعَ القضايا الكبرى لدى أهل الدنيا إنما تَصُبُّ في هذه الحياة الفانية، وتتمحور حول المبدأ الظالم: "مبدأ الصراع"، وتُضحِّي بالمقدَّسات الدينية بكلِّ بطشٍ وقسوةٍ في سبيل الدنيا؛ ولهذا يذيقهم القدَرُ الإلٰهيُّ جهنمَ معنويةً في نفس جرائمهم التي يرتكبونها.
وإن العمل الذي تَنهض به وتتقلَّد وظيفتَه رسائلُ النور وطلابُها بدلًا من التوجُّه للحياة الفانية، هو إثباتُ أن الموتَ الذي هو ستارٌ للحياة الباقية، وجلَّادَ الأجل الذي يُخيف عَبيدَ الحياة الدنيوية أشدَّ الخوف، ما هما إلا سِتارٌ للحياة الأبدية، وما هما لأهل الإيمان إلا وسيلةٌ للسعادة الأبدية.. أجل، وظيفتُنا إثباتُ ذلك إثباتًا قطعيًّا بدرجة البداهة.. وما زلنا إلى اليوم نبيِّن هذه الحقيقة ونُجَلِّيها.
— 54 —
والحاصل أن أهل الضلالة يناضلون لأجل حياةٍ مؤقتة، أما نحن فنتصدى لقضيةِ الموت بنور القرآن، فأكبر قضاياهم لا تَعْدِل أصغر قضايانا، لأن قضاياهم مؤقَّتة، وقضايانا تتوجَّه للبقاء؛ وما داموا لحماقتهم يترفَّعون عن قضايانا العظيمةِ ولا يتدخلون بها، فلماذا نتابع قضاياهم الدَّنِيَّة ونهتمُّ بها مُضِرِّين بوظيفتنا القدسية؟!
إن الآية الكريمة تقول: لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ، أي إنَّ ضلالة الآخَرين لا تضرُّ هداكم إنْ لم تنشغلوا بها بغيرِ لزوم؛ وأحدُ قواعد الأصول الإسلامية المُهِمَّة تقول: «الراضي بالضرر لا يُنظَر له» ، أي: مَن رضي لنفسه الضرر، لا تُراعى مصلحتُه، ولا يُنظَر إليه بعين الشفقة والرأفة؛ فما دامت هذه الآيةُ وهذه القاعدةُ تَمنعانِنا من الإشفاق على مَن رضي الإضرارَ بنفسه، فعلينا أن نَحصُر جميعَ قُوانا واهتماماتنا وأوقاتنا لأداء وظيفتنا القدسية، وأن نَعُدَّ كلَّ ما سواها فضولًا لا يَعنينا فلا نضيعَ فيها أوقاتنا، لأننا نحمل النور لا الهِراوة، فليس بمقدورنا أن نعتدي، بل حتى لو اعتُدي علينا فلَسْنا نملك سوى إظهار النور، إذْ حالتُنا حالةُ دفاعٍ نوراني.
أحدُ أسباب كتابة هذه التتمة أنني اختبرتُ أحد طلاب رسائل النور حين وجدتُه يندفع إلى الخوض فيما لا يعنيه بخصوص المضائق، فسألته سؤالًا أو اثنين لأعرف رأيه تجاه الأوضاع السياسية الحالية، فوجدته يجيب إجابةَ عارفٍ بالأمور وثيقِ الصلة بها، فقلت في قلبي: واأسفاه!! إن هذا الأمر سيُلحِق الضرر بالوظيفة النُّورية؛ ثم نبَّهتُه بشدةٍ قائلًا: إن لدينا مبدأً يقول: «أعوذ بالله من الشيطان والسياسة» ، فإن كان لديك شَفَقةٌ على الناس فإن القاعدة السابقة تَسلبُهم أهليةَ الشَّفَقة، فجهنم تَطلُب الناسَ كما تَطلبهم الجنة.
تَلوح من جديدٍ بعضُ الأخبار التي أخبر بها "الشعاع الخامس".
سعيد النُّورْسِيّ
٭٭٭
— 55 —

خطابٌ إلى الحافظ "مصطفى" ابنِ مدينة بُورْدُر، وأحدِ تجار دَنِزْلي

باسمه سبحانه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمةُ الله وبركاته بعدد حُروفاتِ رسائل النور
أخي العزيزَ الوفي، وصديقي الموفَّق في الخدمة القرآنية.. ألْفُ أهلًا ومرحبًا بك، لقد أسدَيتَ إليَّ معروفًا لا يُنسى.. إنَّ سعيك مع إخوانك الصادقين لأجل حُرِّيةِ رسائل النور لَهو خدمةٌ جليلةٌ بالغةُ الأهمية، إذْ أسديتم بها فضلًا معنويًّا لا يقتصر علينا نحن طلابَ رسائل النور، بل يَعُمُّ هذا البلدَ كلَّه، بل العالَم الإسلاميَّ بأجمعه، فلقد فتحتم الطريق أمام رسائل النور لتصِلَ بحُرِّيةٍ إلى أهل الإيمان وتُغيثَهم حيثما كانوا؛ وما زلتُ منذ سنةٍ ولن أزالَ أُشرِكُك أنتَ وإخوانَك في دعائي ومكاسبي المعنوية جنبًا إلى جنبٍ مع أبطال رسائل النور أمثالِ "خسرو" والمرحوم الحافظ "علي".
كلُّ دقيقةٍ من وقتكم أنفقتموها في الطريق إلى هنا أسديتم إلينا بها معروفًا كأنها يومٌ كاملٌ في خدمة رسائل النور؛ ولن أنسى ما حَيِيتُ ذلك الشخصَ الفاضل الذي يستحقُّ لقبَ "القاضي العادل"، ولا الأشخاصَ الآخَرين الذين عملوا معه في خدمة العدالة الحقيقية؛ لقد أشركتُهم في مكاسبي المعنوية منذ نحو سبعة أشهر؛ وسأكتب إلى إخواني أن ينسخوا بعضَ الرسائل التي أعادَها إلينا هؤلاء الأفاضل، كي أُهديَهم إياها، فإنهم قد أصبحوا من اليوم شركاءَ في خدمة رسائل النور.
وإني بخصوص هذه المسألة جعلتُ مدينةَ "دَنِزْلي" رفيقةً لقريتي، وقد قرَّرنا یی أنا وطلابَ رسائل النور یی أن نُشرِكَ أمواتَها وأحياءَها من أهل الإيمان في مكاسبنا المعنوية.
نحن نَعُدُّ سجن "دَنِزْلي" مدرسةَ امتحانٍ لنا؛ ونبلِّغ سلامَنا لكل مَن تربطنا بهم علاقةٌ من أهلها أو من نُزلاء سجنها وندعو لهم، ونخصُّ بالسلام والدعاء هيئةَ المحكمة الذين عاملونا بعدالةٍ تامة.
٭٭٭
— 56 —
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
لم يَبقَ لدينا شكٌّ ولا شبهةٌ في أن الحُرِّية التي نالَتْها رسائلُ النور نتيجةَ خدمتنا هذه، قد لقِيَتِ الترحيبَ والتقديرَ لا منَّا أو من بلاد الأناضول والعالَم الإسلاميِّ فحسب، بل حتى من الكون وجوِّ السماء وفضاءِ العالَم الذين سُرُّوا ورَحَّبوا بنَيلها الحرية؛ فالمطر الذي ظَلَّ منقطعًا قُرابة أربعة أشهرٍ رغم شدة الحاجة، سرعان ما هطل غزيرًا مدرارًا مصحوبًا بالرعد الهادر في ليلة الرغائب، متزامنًا مع قرار محكمة "دَنِزْلي" تسليمَ الرسائل؛ ثم لما سَلَّمتِ المحكمةُ الرسائلَ فعليًّا، هطل المطر ثانيةً بی"أميرداغ" في ليلة المعراج هطولَه في ليلة الرغائب، مصحوبًا بتهليلات ملَكِ الرعد، مشيرًا إلى أن رسائل النور غيثٌ ورحمة؛ ثم هطل غزيرًا مرةً ثالثةً هطولَه في ليلتَي الرغائب والمعراج، وذلك بعد أسبوعٍ بالضبط وفي ليلة الجمعة، متزامنًا مع استلام الوكلاء لنُسَخ الرسائل في "دَنِزْلي"!!
فهذه التوافقات أَورثتْ قناعةً قطعيةً بأنه كما تَوافَقَ في السابق وقوعُ أربعِ هزاتٍ أرضيةٍ مع مصادرةِ رسائل النور واحتجازِها في السجن، وكان ذلك اعتراضًا صادرًا من كرة الأرض على هذا العمل؛ فإنَّ نزولَ الغيث الغزير في هذه البلدة "أميرداغ" في ثلاث ليالي جُمَعٍ یی إحداها ليلةُ الرغائب، والثانيةُ ليلةُ المعراج، والثالثةُ ليلةُ أولِ جمعةٍ من شعبان المعظَّم یی دون سائر الأوقات على مدى أربعة أشهر، وتَوافُقَه التامَّ في كلِّ مرةٍ مع دورةٍ من دوراتِ نَيلِ رسائلِ النور حُرِّيتَها، ما هو إلا تهنئةٌ وبشارةٌ من عالَم الجو، وإشارةٌ قويةٌ إلى أن رسائل النور رحمةٌ وغيثٌ معنوي.
وألطفُ أمارةٍ وقعتْ هي أن عصفورًا حطَّ بالأمس قرب النافذة فجأةً وأخذ يَطرُقها، فأشرنا إليه لكي يطير فلم يفعل، فلم أجد بُدًّا من فتح النافذة له، فقلتُ لجَيلان: افتح له النافذة لننظر ماذا يقول؟ فدخل وبقي حتى صباح اليوم.
وكنا قد تركنا له الغرفة وذهبتُ إلى غرفة نومي، فلما كان الصباح خرجتُ من غرفة نومي نصفَ دقيقةٍ ثم رجعتُ، فنظرتُ فإذا فيها طائرٌ يَذكُر: قدوس.. قدوس!! فقلتُ مبتسمًا: ما
— 57 —
الذي جاء بهذا الضيف؟! فنظرَ إليَّ ساعةً كاملةً، لم يَطِرْ ولم يَجفُل، وكنتُ أقرأ، ثم وضعتُ له خبزًا فلم يأكل، ثم غادرتُ الغرفة نصفَ دقيقة، فلما رجعتُ لم أجد هذا الضَّيف.
ثم جاء الصبيُّ الذي يَخدُمني فقال لي: لقد رأيتُ الليلةَ في الرؤيا أن أخَ الحافظ "علي" يأتي لزيارتنا، فقلتُ له: سيأتينا أخٌ كالحافظ "علي" و"خسرو"؛ ثم لم يلبث الصبيُّ أن أتاني في اليوم نفسِه بعد ساعتين قائلًا: لقد أتى الحافظ "مصطفى"؛ وكان يحمل البشارة بحُرِّيةِ رسائل النور، وقد أحضر قسمًا من كتبي التي كانت لدى المحكمة؛ فقلت للصبي: لقد بَيَّنَ هذا تعبيرَ رؤياك، وتعبيرَ كلٍّ من العصفور والطائر، مؤكِّدًا أن ما جرى لم يكن مصادفة.
فيا تُرى أيمكن أن يكون مصادفةً مجيءُ كلٍّ من العصفور والطائر بصورةٍ غريبةٍ عجيبةٍ إلى هنا، ثم نظرُهما الغريبُ غيرُ المعهود، ثم غيابُهما؛ وكذا تحقُّقُ رؤيا ذلك الصبي مطابِقةً تمامًا لما رأى، وتوافُقُها مع مجيءِ رسائل النور إلى هنا بيدِ شخصٍ فاضلٍ شبيهٍ بالحافظ "علي"؟! أثمَّة أيُّ احتمالٍ ألَّا يكون هذا بشارةً غيبية؟!
أجل، ليست هذه قضيةً صغيرةً محدودة، بل هي قضيةٌ لها علاقةٌ بالكائنات والحَيَوانات؛ وإني على قناعةٍ من أن نصيبي یی كتلميذٍ لرسائل النور یی من هذا الربح والنتيجة، يضاهي رِبحَ آلافِ الليرات الذهبية، فلْيُقَسْ على هذا استفادةُ مئاتِ الآلاف من تلاميذ رسائل النور وأهلِ الإيمان المحتاجين إلى تقوية الإيمان.
أجل، لقد حَلَّتْ أجزاءُ رسائل النور أكثرَ من مئةِ سرٍّ من أسرار الدين والشريعة والقرآن، وجَلَّتْ مكنوناتها؛ وأفحَمَتْ أشدَّ الملحدين عِنادًا وألزَمَتْهم الحجة؛ وبرهَنَتْ حقائقَ المعراج والحشر الجسماني ونحوَهما من حقائق القرآن التي يُظَنُّ أنها بعيدةٌ كلَّ البعد عن العقل الصِّرف، وأثبتتهما كالشمس أمام أعتى المعاندين والفلاسفة والزنادقة، ودَفعتْ فريقًا منهم للإيمان؛ فلا جَرَمَ بعد هذا أن يكون لِكُرةِ الأرض وعالَم الجوّ علاقةٌ بها، وأن تكون حقيقةً قرآنيةً تَشْغَل هذا العصر والمستقبل، وسيفًا ألماسيًّا بِيَدِ أهل الإيمان.
٭٭٭
— 58 —
أخي العزيز..
بلِّغْ بالنيابة عنَّا محاميَ رسائل النور "ضياءً" جزيلَ الشكر والتهنئة؛ لقد أُخطِرتْ روحي منذ زمنٍ بعيدٍ أن ثمة شخصًا يدعى "ضياءً" سيُقدِّم خدمةً كبيرةً لرسائل النور، وقد أظهرَتْ هذه القضيةُ أنه هو ذلك الضياء، لقد أسدى إلينا معروفًا لا يُنسى؛ كما نشكر الأفاضلَ أصحابَ الضميرِ الحيِّ أمثالَ قاضي التحقيق، والعضوِ السيدة "حسناء"، وكاتبِ الضبط بالمحكمة، بلِّغهم بأني لن أنسى فضلَهم.
وبلِّغ إخواننا الأعزاءَ الأكارمَ سلامَنا وامتنانَنا وفي مقدِّمتهم "المفتي عثمان" و"حسن فيضي"؛ وبلِّغْ ذلك القاضيَ العادلَ أنني عزمتُ على استنساخِ مجموعةٍ كبيرةٍ من أجزاء رسائل النور لأُهديَه إياها، كما أنوي استنساخَ قسمٍ مهمٍّ منها لأُهديَه للمحامي الفخريِّ لرسائل النور "ضياء".
وأودُّ معرفة مصير خمسَمئةِ نسخةٍ مطبوعةٍ من رسالة "الآية الكبرى"، هل ستُرَدُّ كذلك؟
وثمة أمرٌ آخَر، وهو أن جميع النُّسَخ المصادَرة في إسطنبول تعود إليّ، وفيها مجموعٌ يحوي عشرين رسالةً هو عندي بالغُ الأهمية؛ ثم إني لما غادرتُ "دَنِزْلي" تركتُ فيها "رسالة المعجزات الأحمدية" أمانةً عند بعضهم، وأنا محتاجٌ إليها كذلك، ولعل الشيخ "موسى أفندي" على علمٍ بشأنها.
٭٭٭
أُبيِّن ما يلي درءًا للشُّبُهات والوساوس عن الضعفاء من طلاب رسائل النور وحديثي العهد بها:
وهي أن بعض المشايخ السُّذَّج، وبعضَ المعارضين لرسائل النور المناصرين للبدع، يَسْعَون یی بدسيسةٍ من جمعيةٍ سِرِّيةٍ یی للنَّيلِ من رسائل النور والطعنِ فيها،
— 59 —
فيَعمِدون إلى شخصي الذي أعترف بأنه مُجلَّلٌ بالعيوب والأخطاء، فيُشيعون ما فيه من نقائص وأخطاء، ويَطعنون فيَّ، ليَصُدُّوا بذلك عن حقائق رسائل النور التي لا تَقبَل أيَّ قَدْح، وقد وقعَتْ خلال العشرين سنةً الماضية عشرون حادثةً مُهِمةً من هذا القبيل، حتى لقد كان ذلك بنحوٍ ما سببًا لسَجننا مرتين؛ وإني لأجل هذا أعلن لأصحابي ولطلاب رسائل النور ما يلي:
إنني أحمدُ الله وأشكرُه أنْ وقاني الإعجابَ بنفسي وأراني عيوبَها؛ فلستُ أسعى لتسويقِ نفسي والدعايةِ لها، بل أطلبُ لها یی بكلِّ خجلٍ یی العفوَ بصدقِ طلابِ النورِ المباركين وإخلاصِهم، وأرجو بشفاعتهم المعنوية تكفيرَ ذنوبي؛ وإنَّ المعترضين عليَّ لا يدرون عيوبي الخفيَّة، وإنما يتذرَّعون ببعض أخطائي الظاهرية، ويظنون خطأً أن رسائل النور بضاعتي، فيثيرون الانتقادات ليحجبوا أنوارَها وينافسوها في انتشارها، فيقولون: "إن سعيدًا لا يَحضُر الجُمُعة، ولا يُعفي اللحية" ونحوَ هذا من الانتقادات.
والجواب: أقول یی مع إقراري بعيوبي الكثيرة یی: إن لي في هاتين المسألتَين أعذارًا كبيرة.
فأولًا: أنا شافعيُّ المذهب، وأحدُ شروط الجمعة في المذهب الشافعي أن يَقرأ الفاتحةَ خلف الإمام أربعون رجلًا، فضلًا عن شروطٍ أخرى كذلك، فلهذا لا تَجِبُ عليَّ الجمعةُ هنا، فأصلِّيها في بعض الأحيان نفلًا تقليدًا للمذهب الحنفي.
ثانيًا: أنهم لطولِ ما منعوني اللقاءَ بالناس لم أعُد أجد راحةً ولا طمأنينةً في الأماكن المزدحمة، فقد منعوني اللقاءَ بالناس منذ عشرين سنةً بغير حق، وقد صدرتْ قبل أربعة أشهرٍ توجيهاتٌ رسميةٌ غيرُ معلنةٍ بمنعي من التواصل مع الناس، فضلًا عن أني أعيش منزويًا منذ خمسٍ وعشرين سنة.
ثم إني لا يمكنني بحسب مذهبي أن أصلي مقتديًا بكلِّ شخص، كما لا أستطيع إدراكَ الإمام في القراءة، إذْ يَهوي إلى الركوع ولمَّا أقرأْ من الفاتحة شَطرَها، وقراءةُ الفاتحة فرضٌ عندنا.
— 60 —
أما مسألة اللِّحية فهي سُنَّة، ولا تختص بالعلماء والمشايخ؛ ولقد نشأتُ منذ الصِّغَر بين أناسٍ من هذه الأمة تسعون بالمئة منهم حليقو اللحى، فلم يَسبق أن أطلقتُ لحيتي؛ ولقد حصل خلال الهجمات الرسمية عليَّ منذ عشرين سنةً أنْ أجبروا بعضَ أصحابي على حلقِ لحاهم، فظهر بذلك أن عدم إطلاقي اللحيةَ كان عنايةً إلٰهية، إذْ لو كانت لي لحيةٌ فحُلِقَتْ لَمُتُّ وما تحمَّلت، فأصابَ رسائلَ النور من ذلك ضررٌ كبير.
ولقد قال بعض العلماء: "لا يجوز حلقُ اللِّحية"، ومرادهم أنَّ حَلْقَها بعد إطلاقها حرام، وإلا فإن مَن لم يُطلِق لحيتَه أصلًا إنما ترَكَ سُنَّة.
على أننا في مقابل ترْكِ هذه السُّنة قضينا عشرين سنةً مِلؤها العسفُ والأذى فيما يشبه السجن الانفرادي، وكان ذلك بإرشادٍ من رسائل النور، لاجتنابِ كبائرَ وآثامٍ كثيرةٍ مروِّعةٍ في هذا الزمان، فعسى أن تكون هذه كفَّارةً لتلك.
ثم إنني أُعلن إعلانًا قاطعًا أن رسائل النور إنما هي بضاعةُ القرآن، وأنَّى لي أن أكون صاحبَها فتسريَ إليها عيوبي؟! أنا لست سوى خادمٍ لذلك النور، نعم، خادمٌ ذو عيوبٍ ونقائص؛ ولستُ سوى دَلَّالٍ في محلِّ المجوهرات والألماس ذاك؛ ولا يمكن لحالتي المضطربة المشوَّشةِ أن تَسريَ إليها أو تَمَسَّها.
وإن الدرس الذي علَّمتْنا إياه رسائلُ النور هو حقيقةُ الإخلاص، ورؤيةُ المرءِ نفسَه مقصِّرًا على الدوام، وتركُ الأنانية، وعدمُ الرياء.
ونحن لا نَعرِض لأهل الإيمان أنفسَنا، بل نَعرِض لهم الشخصَ المعنويَّ لرسائل النور؛ ونحن ممتنُّون لكلِّ مَن يُرينا عيوبَنا ويُخبِرنا بها شريطةَ أن تكون حقيقيةً، ونقول له: جزاك الله عنا خيرًا؛ فكما نَمْتَنُّ لمن وجدَ على جَنبنا عقربًا فطرَحَها عنا قبل أن تلدغنا، فإننا كذلك نُقِرُّ بعيوبنا ونَمْتَنُّ لمن يُرينا إياها، على ألَّا يكون ذلك منه ضغينةً أو عِنادًا أو عونًا للبدعة والضلالة.
٭٭٭
— 61 —
إخواني الأعزاء..
مثلما أخبر سيدُنا عليٌّ رضي الله عنه إخبارًا ذا كرامةٍ في قوله: "وبالآية الكبرى آمِنِّي من الفَجَت"، أن طلابَ "الآية الكبرى" سيقعون بسببها في مصيبة، وسيَخرجون ببركاتها من المصيبة إلى برِّ السلامة والأمان..
ومثلما تَبوَّأَتْ رسالةُ "الآية الكبرى" مكانةً مرموقةً بين الأنوار، إذْ نالت نُسَخُها المطبوعةُ بالمئاتِ الحُرِّيةَ، وأصبحتْ بذلك الوسيلةَ الأولى لنزول الغيث الغزير ثلاثَ مراتٍ في هذا البلد..
وكما كانت رسائل النور أشبهَ بصدقةٍ يُدفَعُ بها البلاء، وشهِدتْ لها بذلك حوادثُ ووقائعُ كثيرة..
فإنه يمكن القول یی مع عدم معرفتي بأوضاع العالَم الحالية یی: إن حرية "الآيةِ الكبرى" وأخواتِها قد غدَتْ وسيلةً لدفعِ بلاءِ الوقوع تحت أسرِ واحتلالِ مَن يُمسِكون بخِناقِنا منذ القديم، الذين يمتلكون قوةً مروِّعةً وأنصارًا، ويتربَّصون بنا ظانِّين أنْ ليس لنا سندٌ نحتمي به، ويتحيَّنون الفُرَص لِفَرضِ سيطرتهم علينا.
وقد أُخطِر على قلبي بخصوصِ فقرةِ الإمام عليٍّ رضي الله عنه: "واسمُ عصا موسى به الظُّلْمةُ انجلَتْ"، أنَّ توافُقَ عددِ مسائلِ "ثمرة دَنِزْلي" الإحدى عشرة، وعددِ حُجَجِ "الحجة البالغة" الإحدى عشرة، مع عددِ معجزاتِ عصا سيدنا موسى عليه السلام الإحدى عشرة، يشير إلى أن مجموع "عصا موسى" كان في هذه الفقرة المذكورة محلَّ نظر الإمام عليٍّ رضي الله عنه، شأنُه شأنُ "رسالة الآية الكبرى" التي كانت هي الأخرى مقصودةً بوجهٍ ما في الفِقرة نفسِها؛ وعليه فإن "رسالة الثمرة" تُسكِت فراعنةً كثيرين وتَهزِمُهم كما فعلتْ عصا موسى عليه السلام.
وإنَّ إخواننا الأبطال المباركين الذين قاموا بطبع "رسالة الآية الكبرى" قد أدَّوا خدمةً نوريةً جليلة، وبهذا تستمرُّ الخدمة النورية التي قام بها الحافظ "علي رحمه الله".
٭٭٭
— 62 —
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
إن النُّسَخ المطبوعة من رسالة "الآية الكبرى" قد أدَّت خِدماتٍ كثيرةً بعيدًا عن الأنظار، وقد أرسلتُ إليكم ستة أسطرٍ لتُدرَج حاشيةً عند نهاية الإخطار المذكور في أولِ الرسالة، حيث يوجد بياض، فأدرِجوها وأصلِحوها وصحِّحوها إن رأيتم ذلك مناسبًا.
(حاشية): تُدرَج الحاشية عند جملة: "فلقد استرعتِ اهتمامَ الإمامِ عليٍّ رضي الله عنه"، ونَصُّها:
نعم، لقد أَخبر الإمام عليٌّ رضوانُ الله عليه عن "الآية الكبرى"، وصدَّقتْ حادثةُ دَنِزْلي إخبارَه تصديقًا تامًّا، فلقد كان طبعُ هذه الرسالة بشكلٍ سِرِّيٍّ سببًا لسَجننا، ثم كان انتصارُ حقائقها القدسية المتينة سببًا مهمًّا لبراءتنا ونجاتنا؛ وبذلك أظهرتْ هذه الرسالةُ كرامةَ سيدنا عليٍّ الغيبيةَ وأبرزتْها حتى للعُميان، وأثبتتْ قَبول دعائه لنا في قوله: "وبالآيةِ الكبرى آمِنِّي من الفَجَت".
لقد قرأتُ "الآيةَ الكبرى" هذه المرة آخذًا المعارضين بعين الاعتبار، فخرجتُ بقناعةٍ قطعيةٍ لا تُخالجها شبهة، وهي أن معارضي رسائل النور لم يجدوا ما يواجهون به ضرباتِها الشديدةَ الكثيرةَ سوى حججٍ واهيةٍ ومآخذَ تافهةٍ تذرَّعوا بها لاتهامها وإدانتها، ولكنَّ قبولَهم ببراءتِنا ورفعِ الحظر عن رسائل النور لم يكن بسبب هذه الضربات الشديدة الموجِعة، بل بسبب الحقائق الصُّلبة المتينة الخارقة التي تَضمَّنتْها أجزاءُ رسائل النور، وفي مقدِّمتها "الآيةُ الكبرى" و"الثمرةُ" و"الحجةُ البالغة"، فهي التي حَطَّمتْ عِنادَهم وعُتوَّهم، فلم يكن لهم من خيارٍ سوى القبول مُجبَرين برفع الحظر عنها وبراءتنا رسميًّا.
لكنْ بَقِيَتْ جمعيةُ الزندقة التي تعمل في الخفاء، فإنها تجتهد في تجنيب نفسِها لَعَناتِ الناس وبُغضَهم، فتسعى جاهدةً لتضليلِ الحكومة وتَسَقُّطِ عثراتنا، وهو ما يُحتِّم علينا التمسُّكَ بالاحتياط والحذر كما كنا في السابق.
نهنِّئ إخواننا من صميم قلوبنا بليلةِ البراءة التي خلَتْ، وبشهر رمضان الذي يَحُلُّ قريبًا، ونسأل الله تعالى لنا ولهم أن يجعل ليلةَ القدر في هذا الشهر الكريم خيرًا
— 63 —
من ألف شهر، وأن يجعلَها بابَ أجرٍ وثوابٍ بقدرِ ألفِ شهر، ونسأله سبحانَه أن يمُنَّ على الأمة المحمدية بالسعادة والسلامة، آمين.
والسلام عليكم فردًا فردًا من أخيكم
سعيد النُّورْسِيّ
٭٭٭
إخواني الأعزاءَ الأوفياءَ أُولي المتانة والثبات والتضحية..
تَعلمون أن الخبراء بأنقرة لم يستطيعوا إنكار الكراماتِ والإشاراتِ الغيبيةَ المتعلقةَ برسائل النور، إلا أنهم لظنِّهم الخاطئ أن لي نصيبًا من هذه الكرامات، اعترضوا بأنه كان اللازم ألَّا تُذكَر في الكتاب، إذْ لا ينبغي إظهارُ الكرامة، فقلتُ لهم في دفاعي ردًّا على هذا الانتقاد الخفيف:
إن تلك الكرامات لا تعود إليَّ، وليس لي أن أكون صاحبَها، وإنما هي ترشُّحاتٌ ولَمَعاتٌ من معجزة القرآن المعنوية، ظهرتْ على هيئةِ كراماتٍ في رسائل النور التي هي تفسيرٌ حقيقيٌّ للقرآن الحكيم؛ وهي كذلك نوعٌ من الإكرامات الإلٰهية جاءتْ تعزيزًا للقوة المعنوية لطلاب رسائل النور؛ وإنَّ إظهارَ الإكرام شكرٌ، وهو أمرٌ جائزٌ مقبول.
وسأُبين لكم جزءًا من هذا الرد لسببٍ مُهِمٍّ، فلقد سُئلتُ: لماذا تُظهِر هذه الإكرامات؟ ولماذا تَحشُد الأدلة حول هذه النقطة بالذات؟ ولماذا تُسهِبُ في هذا الموضوع منذ شهور، حتى لقد دارتْ حولَه أكثرُ المراسلات؟
والجواب: إن الخدمة الإيمانية التي تقوم بها رسائلُ النور تستلزم التصدي لآلافِ الهدَّامين في هذا الزمان بمئاتِ آلافِ البُناة، وتستدعي تَوافُرَ مئاتِ الكَتَبة والمساعدين على الأقل إلى جانبي؛ وتتطلب من إدارة البلد وأبنائه توثيقَ صِلتِهم بهذه الخدمة ودعمَها بالتقدير والتشجيع، بدلًا من اجتنابها والابتعاد عنها؛ وتُوجِب على
— 64 —
أهلِ الإيمان تقديمَ هذه الخدمةِ على مشاغل الحياة الفانية ومكاسبِها، إذْ هي خدمةٌ تتعلق بالحياة الباقية.. لكنَّ الأمور جَرَتِ على خِلافِ هذا تمامًا.
وأضرِب من نفسي مثالًا على هذا، فلقد مُنِعتُ من كلِّ شيء، ومُنِعتُ من الاتصال بالناس ومن الأعوان؛ وسعَى القومُ جاهدين لإضعاف قوة إخواني المعنوية، وتفتيرِ هِمَمِهم وتثبيطِ عزائمِهم معي ومع رسائل النور؛ ووَقعتْ على كاهلي مُهِمَّةٌ جليلةٌ لا يَنهض بها إلا الأُلوف.. حُمِّلتُها أنا الشيخَ الهَرِمَ المريضَ الضعيفَ الغريبَ الوحيدَ العاجز؛ فضلًا عن أن هذا التضييق والسجن الانفرادي أورثني نوعَ مرضٍ جعلني أبتعد عن مخالطةِ الناس والتواصلِ معهم؛ وجرى تخويفُ الناس مني بشكلٍ فظيعٍ بغيةَ كسر القوة المعنوية، لدرجةِ أن بعض مَن كانوا يُوالونني باتوا يتحاشَون السلام عليَّ، بل صار بعضهم يجتنب أداء الصلوات!!
فكلُّ هذه كانت أسبابًا دفعتني لبيان الإكرامات الإلٰهية التي جاءت تُعزِّز القوةَ المعنويةَ لطلاب رسائل النور في مواجهة تلك الموانع، فاضطررتُ لكتابة هذه الإكرامات كنوعٍ من الحشد المعنوي حول رسائل النور، إظهارًا لها على أنها قويةٌ قوةَ جيشٍ بذاته غيرُ محتاجةٍ لأحد.
وإلا فحاشا أن يكون مرادُنا الترويجَ لأنفسنا أو استجلابَ الإعجابِ بها، أو مدحَها والغرورَ بها، فإنه يُفسِد سِرَّ الإخلاص الذي هو أساسٌ جليلٌ من أسس رسائل النور؛ وكما دافعت رسائلُ النور عن نفسِها بنفسِها وأظهرتْ قيمتَها الباهرة، فإنها ستكون وسيلةً للدفاع المعنوي عنا والعفوِ عن زلَّاتنا إن شاء الله.
٭٭٭
إخواني الأعزاء.. تحقَّقتْ لديَّ قناعةٌ قطعيةٌ یی بناءً على إخطارٍ معنويٍّ یی أن رسائل النور تراءتْ على نطاقٍ واسعٍ فيَّ وفي قريتنا وناحيتنا بنحوٍ عجيبٍ من الحسِّ قبل الوقوع، وذلك قبل ظهورها بأربعين سنة؛ وكنتُ أرغب أن أبوح بهذا السر لطلابي
— 65 —
القدامى أمثالِ "شفيق" وشقيقي "عبد المجيد"، وسأذكره الآن لكم، فلقد وَهَبَني الله تعالى بكم الكثيرَ من أمثال "عبد المجيد" و"عبد الرحمن".
وهو أنني حين كنت في سِنِّ العاشرة كانت لديَّ حالةٌ من الفخر الشديد، حتى إنها تكون في بعض الأحيان في صورة التَّمَدُّح، فكنتُ أتقلَّد هيئةَ مَن لهم أعمالٌ جليلةٌ وبطولاتٌ عظيمة، مع أن ذلك لم يكن برغبتي، وكنت أقول لنفسي: عَلامَ تتظاهر مُتمدِّحًا وتتباهى بالشجاعة على الأخص وأنت لا تكاد تساوي فَلْسًا؟! وكنت أظلُّ في حَيرةٍ لا أعرف سِرَّ ذلك.
وقد وَرَدَ الجوابُ عن هذه الحَيرة قبل شهرَين، وهو أن رسائل النور كانت تُشعِر بنفسِها على نحوٍ مُسبق، فإنكَ لما كنتَ مجرَّد بذرةٍ شبيهةٍ بقطعةِ حطبٍ تافهة، كان ينتابُك شعورٌ من قَبيل الحسِّ قبل الوقوع، كما لو أنك تملك حقًّا عناقيدَ الفردوس تلك، فتزهو وتفتخر.
أما قريتُنا "نُورْس" فيَعلَم أبناء المنطقة كما يَعلَم طلابي القدامى أن أهلها وَلوعون بالتمدُّح، تباهيًا وإظهارًا للتفوق في الشجاعة، فكانوا يرغبون أن يتقلَّدوا دورَ البطولة كما لو أنهم فتحوا بلادًا عظيمة، وكنتُ أحارُ من نفسي ومنهم، وقد عَلِمتُ الآن بإخطارٍ حقيقيٍّ أن أبناء هذه القرية الطيبين كانوا يَشعرون بإحساسٍ مُسبق أن قريتهم ستنال بنور رسائل النور فخرًا عظيمًا، وأن الذين لم يسمعوا بهذه الولاية ولا بهذه الناحية سيَعرفون هذه القرية ببالغ الأهمية، فكان أبناء "نُورْس" يُعبِّرون عن شكرهم على هذه النعمة الإلٰهية في صورة التمدُّح.
ومن ذلك أيضًا ما كنتُ أشعر به حين كانت عمومُ "كُردِستان" تَفخَرُ بالجَمِّ الغفير من طلاب العلم والشيوخ والعلماء الذين تخرَّجوا في غفلةٍ من الزمان على يد الشيخ "عبد الرحمن التاغي" المعروف بی"سَيْدا"، وذلك في ناحيتنا "إسباريت" التابعة لقضاء "خِيزان"، فقد كنت أشاهد بين هؤلاء من المناظرات العلمية، والهِمم العالية، والميادين الرحبة للعلم والطريقة، ما يُشعِرني بشعورٍ غامرٍ كأن هؤلاء العلماء سيفتحون الأرض كلَّها.
— 66 —
وكنتُ أستمع إليهم یی وأنا لم أتجاوز العاشرةَ بعدُ یی يتحدثون عن الأعلام السابقين من العلماء والأولياء والأئمة والأقطاب، فيَخطُر على قلبي كما لو أن هؤلاء الطَّلَبة والعلماء قاموا بفتوحاتٍ عظيمةٍ في ميادين العلم والدين؛ وكانوا إذا وُجد بينهم طالبٌ يتمتع بمزيدِ ذكاءٍ أو نبوغٍ أَوْلَوه اهتمامًا كبيرًا، وإذا غَلَب أحدُهم في مناظرةٍ في مسألةٍ افتخروا به افتخارًا كثيرًا، فكنتُ أَعجَبُ من هذا كلِّه، إذْ كانت لديَّ نفسُ المشاعر، حتى لقد كان بين شيوخ الطريقة ومَن في دائرتهم یی في ناحيتنا وقضائنا وولايتنا یی تَسابُقٌ لم أرَ ما يُشبِهه في الأماكن الأخرى.
وقد تَيَقَّنتُ یی بإخطارٍ وَرَدَ یی بأن أرواح هذا الجَمْع مِن زملائي الطلبة، ومِن أساتذتي وشيوخي ومُرشِدِيَّ قد شعرتْ بِحِسٍّ قبل الوقوع ودون أن يدري العقل، أن نورًا ساطعًا سيَظهر من بين هؤلاء الطلبة وتلاميذِ الشيوخ ومريدي المرشدين في زمنٍ هو أحوجُ ما يكون إلى النور، فيُسارعُ لنجدةِ أهل الإيمان وإغاثتهم.
وإنَّ ما تَحَقَّق لرسائل النور خلفَ الحجاب من انتصارٍ فائق، وتنويرٍ خارق، ونَيلٍ للحرية برغم أنف أعدائها، مع ما عانتْ من ظروفٍ وأوضاعٍ بالغةِ الصعوبة، وما لاقتْ من معارضين لا يُحصَون، وما واجهتْ من ضلالةٍ عاتيةٍ متراكمةٍ من ألف سنة، وما أحاط بها من دسائسِ أعدائنا المتوجسين الحاقدين، وما تعرَّضتْ له من تدقيقاتٍ مطوَّلةٍ في محكمتَين صارمتَين، إنما يُظهِر أن هذه النعمة المستقبلية كانت لائقةً بموقعها، وأنه مثلما أَخبر عنها قبلَ وقوعها الإمامُ عليٌّ رضي الله عنه والغوثُ الأعظم قُدِّسَ سِرُّه، فقد أَحسَّ معي بقدومها أهلُ قريتي وناحيتي وولايتي، وسُرُّوا بها دون أن يدركوا ماهيتَها.
(حاشية): نعم، مع أن تَرجُمان رسائل النور رجلٌ فقيرٌ بسيط، ومن عائلةٍ متواضعةٍ لا شأن لها، إلا أن استغناءَه فوق العادة، وامتناعَه عن قبول الهدايا والصدقات، ورَفْضَه الخضوعَ والتنزُّل لأحدٍ مراعاةً لعزةٍ علميةٍ لا مثيل لها، ودخولَه في أعمالٍ تَفوق حدَّ المرء بألف درجة، ونحوِ هذا من أحواله التي وردتْ في سيرة حياته، إنما برزَتْ عن هذا السِّرِّ المذكور.
— 67 —
لقد بُحْتُ لكم بهذا السرِّ لأني أَعُدُّكم بمثابة طلابي وأصدقائي القدامى، وبمثابة أخي "عبد المجيد" وابن أخي "عبد الرحمن"؛ نعم، فكما أُحِسُّ بالمطر قبل قدومه بأربعٍ وعشرين ساعةً، وذلك بحساسيتي وتأثيرِ الرطوبة في أعصابي، فكذلك شعرتُ أنا وأهلُ قريتي وناحيتي بغيثِ الرحمة الذي في رسائل النور.. شعرنا به بِحِسٍّ مُسبقٍ قبل أربعٍ وأربعين سنة.
نُبلِّغ سلامنا لعموم إخواننا وأخواتنا وندعو لهم، ونرجو دعاءهم.
٭٭٭

تتمة موضوع الحِسِّ قبل الوقوع

إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
أكتب هذه التتمة، لبيانِ أنه مثلما وقع إحساسٌ بصورةٍ كُلِّيةٍ بظهور رسائل النور، بطريقِ الحسِّ قبل الوقوع، فقد جرى إعدادُ خواصِّ طلابها وتهيئتُهم لأداء خدمتها كما اعترف بذلك بعضُهم.
نعم، إن الحسَّ قبل الوقوع، موجودٌ كُليًّا أو جُزئيًّا لدى كلِّ إنسان، بل هو موجودٌ حتى عند الحيوان، حتى إن قسمًا مهمًّا من الرؤيا الصادقة ليس سوى نوعٍ من أنواعه، وربما بلغ عند بعضهم من حيث الحساسيةُ درجةَ الكرامة؛ وإن إحساسي بمجيء المطر قبل هطوله بأربعٍ وعشرين ساعة بما في أعصابي من حساسيةٍ تجاه رطوبة الهواء، يَصِحُّ أن يُعَدَّ بجهةٍ ما حِسًّا قبل الوقوع، ويَصِحُّ ألَّا يُعَدَّ كذلك من جهةٍ أخرى.
ولقد تأملتُ في مسيرةِ حياةِ إخواني ذوي الشأنِ في خدمةِ رسائل النور، فوجدتُها كمسيرةِ حياتي، قد أُعِدَّتْ ووُجِّهَتْ لتُفضِيَ إلى نتيجةٍ كرسائل النور.
نعم، وكما أَحسَّ الكثيرُ من إخواني كی"خسرو" و"فيضي" والحافظ "علي" و"نظيف" بأن نمط حياتهم الذي عاشوه قد هُيِّءَ وفقًا لهذه الخدمة النورية، فقد
— 68 —
وجدتُ أن نمطَ حياةِ الخواصِّ من إخواني هنا هو كنمط حياتي، قد نُظِّم بحيث يُثمر مثلَ هذه الثمرة النورانية؛ ولو دَقَّق في الأمر مَن لم يُحِسَّ بهذا لأحسَّ به.
ولقد كنتُ فيما مضى أعُدُّ القسمَ الخارقَ من حياتي كلِّها سلسةَ كراماتٍ للغوث الأعظم، ولقد تَبيَّن اليومَ أنها سلسةُ كراماتٍ لرسائل النور.
فمن ذلك أني حين مجيئي إلى إسطنبول قبل عهد الحرية، وقع بيدي في الطريق كتابٌ أو كتابان من الكتب المهمة في علم الكلام، فقرأتُه بدقةٍ وإمعان، فلما نزلت بإسطنبول دعوتُ العلماء وأساتذةَ العلوم الحديثة إلى المناظرة من غير سبب، وقلتُ لهم: ليسألْني مَن شاء عمَّا شاء؛ والعجيب أن جميع الأسئلة التي طرحها مَن جاء للمناظرة كانت مسائلَ قرأتُها في الطريق وعلِقتْ بذاكرتي، وكذا الأسئلةُ التي طرحها الفلاسفة، كانت مسائل محفوظةً بذاكرتي!! وقد تَبيَّن اليوم أن هذا التوفيق العجيب، وما جرى مني من ترويجٍ للذات يفوق حدي بكثير، ومن إظهارٍ للفضيلة من غير داعٍ، إنما كان تهيئةً وتمهيدًا لقبولِ رسائل النور وأهميتِها لدى إسطنبول وعلمائها.
والثاني: أنني یی وكما جاء في سيرة حياتي یی كنتُ منذ الصِّغَر أمتنع عن قَبول أموال الناس وهداياهم، وأترفَّع عن إظهار حاجتي، مع أني كنت فقيرًا محتاجًا، ولم أكن مع هذا زاهدًا أو صوفيًّا أو من أصحاب الرياضات، كما لم أكن شخصًا عظيمَ المنزلة أو عريضَ الجاه أو عريقَ الحَسَب؛ وكنتُ أعجَبُ من هذا كما كان يَعجَب منه مَن يَعرفني، ولقد تبيَّن فيما بعدُ، لا سيما في السنوات الأخيرة، أنه قد أُحسِن إلينا بهذه الحالة الروحية صونًا لرسائل النور في جهادها العظيم أن تُغلَب أو يُعترَضَ عليها بسبب الطمع والمال، وإلا لَوَجَّهَ إليَّ أعدائي ضربةً كبيرةً من هذه الجهة.
ومن ذلك أيضًا أن طُوفاناتِ البشر وأعاصيرَ السياسة التي وقعتْ في السنوات الخمس أو الستِّ الأخيرة، وشغلتْ جميعَ الناس، لم تَشغلني أصلًا، بل لم تجد إليَّ سبيلًا لإثارةِ فضولي، فلم أُعِرْها التفاتًا طَوالَ خمسِ سنين؛ علمًا أن "سعيدًا القديم"
— 69 —
خاضَ غِمار السياسة ومضى في أشواطها بعيدًا، وأن "سعيدًا الجديد" محتاجٌ أشدَّ الحاجة إلى الأنصار والموالين!!
ولقد عجِبتُ من هذا الأمر أيضًا كما عَجِبَ منه مَن يعرفني، بل حِرتُ في ذلك حتى كنتُ أقول لنفسي: أَوَقَدْ جُنِنتُ حتى لم أعد ألتفت ولا أهتم بهذه الحوادث التي شَغلتِ العالَمَ بأسره؟ أم الناسُ هم مَن جُنُّوا؟!
ولقد تَحقَّق اليومَ بالإخطار المعنوي، وبالحسِّ قبل الوقوع المذكورِ آنفًا، وبانتصار رسائل النور ونَيلها الحريةَ على الملأ، أن هذه الحالة الروحية قد أُوتِيناها لإثباتِ أن حقيقةَ الإخلاص التي في رسائل النور لا يمكن أن تكون أداةً أو تابعًا لشيءٍ سوى الرضا الإلٰهي، وأنْ ليس لها نقطةُ استنادٍ سوى القرآن الكريم.
سعيد النُّورْسِيّ
٭٭٭

إخواني الأعزاءَ الأوفياء..

نظرًا لِما أخبرني به الكاتبُ الذي يَخدُمني، إذْ تحدَّثَ بحماسٍ في أول شهر رمضان هذا عن علامات "العيد" متأثرًا بحادثةٍ جرت في الشرق، وصونًا لوقته الثمين في هذا الشهر الكريم من أن يَضيع فيما لا يعنيه من أخبار المذياع، فإني سأوضِّح حقيقةً وَرَدت في المسألة الرابعة من "رسالة الثمرة".
فقد أُخطِر إلى قلبي عدةَ مراتٍ معنًى أن أتناولَ هذه الحقيقةَ الواسعةَ المتداخلةَ العاصفة، فأبيِّنَ أضرارَها بإيجازٍ في صورةِ إشاراتٍ مختصَرةٍ غايةَ الاختصار، وَفقًا لنظرةِ "سعيدٍ القديم" إلى الآفاق، وذلك بغيةَ تعديلِ فضول طلاب رسائل النور؛ غير أن المسألة واسعةٌ جدًّا، بينما وقتي ضيقٌ وحالي مشتَّتٌ مضطرب؛ لذا ستجدون مشقةً في فهمها، لكني أثق بنباهتكم.
— 70 —
سبق أن ذُكِرَ في تلك المسألة الرابعة من "رسالة الثمرة" ما مُفادُه:
إن سبب عدم تدخلي في السياسة الجارية في العالَم هو أن الوظيفةَ في تلك الدائرةِ الواسعةِ الكبيرةِ: قليلةٌ صغيرة؛ فضلًا عن أن تلك الدائرة یی لجاذبيتها یی تستحوذ على أصحابِ الفضول وتَشغَلهم بنفسها، فتُنسيهم وظائفَهم الحقيقية الجليلة، أو تُقَصِّر بهم عن أدائها تامَّةً فيُخلِّفونها ناقصة؛ ثم إنها على كلِّ حالٍ تورِثُ المرءَ تحيُّیزًا وتحزُّبًا يجعله يستحسن ظُلم الظَّلَمةِ فيكون شريكَهم.
وإني أقول اليوم:
أيها المساكين المتلذِّذون بالغفلة الناتجة عن متابعة الحوادث الآفاقية.. إنْ كان الفضولُ وحبُّ الاطلاع المغروزُ في فطرة الإنسان يَسوقكم بدافعِ الإنسانية للاهتمام بهذه الحوادث والصراعات الواسعة، ملحِقًا الضررَ بوظيفتكم المفروضة اللازمة، وكنتم ترَون ذلك حاجةً معنويةً فطرية، فإني أقول لكم:
اِعلموا قطعًا أنه مثلما لا تثير فضولَ المرء ولا تسترعي اهتمامَه خِلقةُ الإنسان الملأى بالمعجزات، في حين أنه لو رأى إنسانًا برأسين أو ثلاثةِ أرجلٍ لاستغرق في تأمله بكلِّ فضولٍ واهتمام؛ فكذلك حوادثُ نوعِ البشرِ في هذا العصر، إذْ ما هي إلا حوادثُ مؤقتةٌ فانيةٌ تخريبيةٌ واسعةُ النطاق!! والحالُ أن على وجه الأرض مئةَ ألفِ أُمَّةٍ من أمثال الإنسان، كلُّ أُمَّةٍ منها مَظهرٌ لحوادثَ عجيبةٍ جَمَّة، فلو نَظرتَ إلى أمةٍ من هذه الأمم في الربيع، كأُمَّةِ النحل أو طائفةِ العِنَب، لوَجدتَ فيها من الحوادث التي تثير الفضول وتسترعي الاهتمامَ ما يَفوق حوادثَ البشر تلك بمئة ضِعف، فضلًا عما تتضمنه من لَذائذَ روحانيةٍ معنوية.
فإذا كان للمرء أن ينصرف عن هذه اللذائذ الحقيقية ولا يَهتمَّ بها، ويتعلَّقَ بحوادث البشر العارضةِ الشريرةِ الضارَّة ويتابعَها باهتمامٍ واستمتاع، فإنما يمكنه ذلك لو كان البقاء في الدنيا أبديًّا، وكانت هذه الحوادثُ دائمةً، وكانت مما يتأتَّى منه النفعُ والضُّرُّ لكلِّ أحد، وكان المتسبِّبون بها فاعلين حقيقيين وموجِدين حقيقيين؛ والحالُ
— 71 —
أنها مجردُ أحوالٍ عابرةٍ كعواصف الجو، وأن تأثير المتسبِّبين بها جِدُّ جزئيّ، وأنها لا تَقدِر أن تُصيبَك بنفعها أو ضرها من الشرق أو من وراء البحر المحيط!!
ألا إنه لَجنونٌ يفوق الوصف أنْ تترقبَ الضُّرَّ والنفعَ من أقاصي العالَم، غافلًا عن ربوبيةِ وحكمةِ ذاتٍ أقدسَ هو أقربُ إليك من نفسِك، وقلبُك في قبضةِ تصرُّفه، وجسمُك تحت تدبيره وإيجاده.
ثم إن لهذا النوع من الفضول وحبِّ الاطلاع أضرارًا كبيرةً من حيثُ الإيمانُ والحقيقة؛ ذلك أن أوسعَ دائرةٍ تورِث الغفلة، وتُغرِقُ في الدنيا، وتُنسي الآخرةَ والوظيفةَ الإنسانيةَ الحقيقية، هي دائرةُ السياسة، خصوصًا أمثالَ هذه الحوادثِ العامةِ الواقعةِ على شكلِ صراعات، فإنها تُغرِقُ القلبَ وتَخنُقُه خَنقًا، ولهذا يَلزم إيمانٌ ساطعٌ كالشمس يرى رسْمَ القدَرِ الإلٰهي في كلِّ شيء، ويشاهد أثرَ القدرةِ الربَّانية في كلِّ وضعيةٍ وحركة، لئلا يَغرَق القلبُ في ظُلمات ذلك الظُّلْم، ولا ينطفئ الإيمان، ولا يَزيغَ العقلُ إلى الطبيعة والمصادفة.
حتى إن أهل الحقيقة في سعيهم للوصول إلى الحقيقة وإلى معرفة الله تعالى، يجتهدون في نسيانِ دوائر الكثرة صَونًا للقلب من الشَّتات، وحفظًا للرغبة والشوق والذوق التي ينبغي صرفُها إلى الشؤون الجليلة اللازمة، من أن تتبدَّد وتَتلفَ في أشياء تافهةٍ فانية.
بل لأجلِ هذا السِّرِّ الجليل لا يمكن لمعظم السياسيين أن يكونوا متديِّنين متَّقين تمامَ التقوى من حيث خدمتُهم لقواعد الدين ودساتيره، حاشا بعضَ الصحابة الكرام ممن لهم إيمانٌ كالشمس، ومَن كان على سيرتهم من المجاهدين والسلف الصالح؛ وكذا لا يمكن لمن كان على تديُّنٍ حقيقيٍّ وتقوًى تامةٍ أن يكون سياسيًّا؛ أي إنَّ مَن جعل السياسةَ مقصَدَه الأساسي، كان الدينُ عنده في الدرجة الثانية، وكان حكمُ الدين عنده حكمَ التبعي؛ أما المتديِّن الحقيقي فيمارس السياسة لا بدافع الحبِّ والشغف، بل انطلاقًا من أن أعظمَ غايةٍ في الوجود هي العبودية الإنسانية، لذا يُنزِل السياسةَ
— 72 —
المرتبةَ الثانية أو الثالثة، ويجتهد في جعلها أداةً للدين والحقيقة، وإلا جَعَلَ الألماسَ النفيسَ الباقيَ أداةً بيدِ زجاجٍ خسيسٍ متكسِّر.
والحاصل: كما أن السُّكْرَ يُورِثُ صاحبَه لَذَّةً قصيرةً منحوسة، إذْ يُنسيه مؤقتًّا الحاجاتِ الناشئةَ عن وظيفته الحقيقية، والآلامَ الناجمةَ عن عدمِ أدائها، فكذلك متابعةُ مثلِ هذه الصراعات والحوادثِ الفانيةِ بفضولٍ واهتمام، فإنه نوعٌ من السُّكْر يُنسي الإنسانَ الحاجاتِ الناشئةَ عن الوظيفة الحقيقية، والآلامَ الناجمةَ عن عدمِ أدائها؛ فيورِثُه لَذَّةً منحوسة؛ أو يُرْديه في يأسٍ خطيرٍ فيخالف الأمرَ الإلٰهيَّ: لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، فيَستحِقُّ الصَّفعات حينئذٍ؛ أو يُمسي مَظهرًا لصفعاتِ التهديد الإلٰهيِّ الشديدِ القائل: وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ، إذْ يشارك الظَّلَمَةَ في ظلمهم معنًى تطوُّعًا منه، فيستحق العقاب في الدنيا والآخرة.
على أنه يَرِدُ على قلبي قلقٌ مُهمٌّ وسُلوانٌ، فأما القلق فهو مِن أن تُخلِّفَ هذه الصراعاتُ الواسعةُ ضررًا أعظمَ من الضرر الذي خلَّفتْه الحربُ العالميةُ الأولى، فتتولَّدَ عنه وحشيةٌ دجَّاليةٌ في مركزِ المدنيَّةِ ومنبعِها، أعني أوروبا.
وأما مَبعثُ السُّلوان بإزاء هذا القلق، فهو أن يَشهَد العالَم الإسلاميُّ صحوةً تامةً، ويتخذَ العالَمُ الجديدُ المسيحيةَ الحقيقيةَ منهجَ حركة، فيتفقَ مع عالَم الإسلام، ويتَّحدَ الإنجيلُ مع القرآن ويَتْبعَه، ليتأيَّد هذا الاتحادُ بعونٍ سماويٍّ في تصدِّيه لذَينِك التيارَين الرهيبَين القادمَين فيَهزِمَهما بإذن الله تعالى.
سلامي لعموم إخواني فردًا فردًا، ونهنئكم بليلة القدر المنقضيةِ أو الآتية.
٭٭٭
إخواني الأعزاءَ الأوفياء.. تسلَّمتُ عن طريقكم الرسالةَ المطوَّلةَ المفصَّلةَ التي بعثَ بها مَن هو بمثابة خسرو "دَنِزْلي"، أعني "حسن فيضي"، ولقد تبيَّنتُ وبِتُّ على
— 73 —
يقينٍ من أنه كما توضع البذرةُ في التراب لِتُنبِتَ حبَّاتٍ كثيرة، فكذلك الشهيد المرحوم الحافظ "علي"، دخل تحت التراب في ذلك الحقل فأنبتَ ثلاثين أو أربعين "عليًّا" مثلَه، وسيظلُّ يُنبِتُ بإذن الله.
فاكتبوا نيابةً عني إلى "حسن فيضي" وإلى العاملين في خدمة رسائل النور أنَّ ما قام به أبطالُ "دَنِزْلي" من خدمةٍ لرسائل النور في سنتين لَيَعدِلُ خدمةَ عشرين سنة، وأننا یی نحن طلابَ رسائل النور یی لا ننسى فضلَهم هذا أبدًا، وأنه كما أصبحت "دَنِزْلي" عندنا بمثابة "إسبارطةٍ" ثانية، فإنا نَعُدُّ سِجنَها بمثابةِ مدرسةٍ نورية.
إن جميع الأفاضل المذكورين في رسالة "حسن فيضي"، خصوصًا القاضي العادل ومَن معه من العاملين لأجل العدالة الحقيقية (م، ح، أ) وكذا المحامي "ضياء"، قد أسدَوا معروفًا لا إلينا فحسب، بل للأناضول وللعالَم الإسلامي، وهم مثلُنا من أصحابِ رسائل النور، وإنْ لزم الأمرُ فسأرسلُ إليهم على سبيل الأمانة بعضَ المجلَّدات التي وصلتْني ليقرؤوها؛ أما الكتب المتبقية هناك فيمكن الإبقاءُ عليها شريطةَ ألَّا تبقى معطَّلة، وكذا (س، و، ك) الذي تتوفر لديه مجموعةٌ كبيرةٌ كذلك، فلتَبْقَ لديه شريطةَ ألَّا تبقى معطَّلة، بل يُقرِئَها أو يُشرِكَ فيها نُزلاء السجن إنْ أمكن، فإنْ أراد المزيد أرسلتُ إليه وإلى هناك مزيدًا.
وإنني تُجاه مدينةٍ كی"دَنِزْلي" التي خرَّجَتْ لنا ولرسائل النور في زمنٍ قصيرٍ إخوانًا وأصحابًا أربابَ بطولةٍ ومتانة، لَأرغبُ إن أمكن أن أقضي بقيةَ عمري في سجنهم المبارك بكلِّ فرحٍ وسرور.
ولا ننسى أيضًا الأصحابَ الذين تربطُنا بهم علاقةٌ وثيقة، أو الذين التقيناهم أو خدموني في السجن أمثال "سليمان" مِن "بَيلَربَي"، و"محمد چاويش" مِن "تاواس" وغيرِهما، فلهؤلاء جميعًا مني السلام، وهم مشمولون بدعواتنا ومكاسبنا المعنوية على الدوام، كما نُسلِّم خصوصًا على كلِّ فردٍ من الأفاضل المذكورين في رسالة "فيضي"، ونهنئ الجميع بشهرِ رمضان وليلةِ القدر.
— 74 —
أما "خليل إبراهيم" مِن "ميلاس" فهو حقًّا طالبٌ راسخٌ متينٌ من طلاب رسائل النور، وحَرِيٌّ ببلدته أن تَفخر به، وأما القصيدتان المُشْرِقتان اللتان نَظَمَ هو إحداهما، ونظَمَ الأخرى "حسَن فيضي" لِحُسْنِ ظنِّهما بي بما يَفوق حدِّي مئةَ درجة، فإني أَقبلُهما منهما على أنهما يخاطبان بهما رسائلَ النور، وإنما جعلا شخصي الذي لا أهميةَ له غطاءً وعنوانًا عارضًا، وإلا فأَنَّى لي أن أكون صاحبَ تلك المزايا؟!
نُسلِّم عليه وندعو له ولمحامي رسائل النور "أحمد فيضي" ولأصحاب6

Nولأخينا "شفيق" من إخواننا الأبطال القُدامى.

إخواني.. مثلما ظهرتْ رسالةُ "الآية الكبرى" في رمضان، وصدَرَتْ من المطبعة ووصلتْ إلى "إسبارطة" كذلك في رمضان على ما أذكر، وقُرِئتْ بحُرِّيةٍ ودخلتِ المساجدَ لتُقرأ فيها في رمضان، ومثلما ظَهَرَ في شهر رمضان المبارك هذا "الحزبُ النوريُّ" المُستخلَصُ من "الآية الكبرى"، والمتضمِّنُ لمعنى "تفكُّرُ ساعةٍ خيرٌ من عبادةِ سنة"؛ فإن جملة لا إلٰهَ إلَّا اللهُ التي نردِّدها في أذكار الصلاة ثلاثًا وثلاثين مرة، قد أُخطِرَ من معانيها إلى قلبي مِلءُ صحيفتَين تمنحان قارئَهما عينَ حقيقةِ التوحيد في عشر دقائق، وما ذاك إلا ببركاتِ "الآية الكبرى" ومَددِها، وبنورِ شهر رمضان المبارك.
ولقد قرأتُها فوجدتُني كأنما أقرأ "الآية الكبرى" بتمامها في عشر دقائق، وشعرتُ في كلِّ مرتبةٍ من مراتبها كأن لسانَ الأرضِ الكليَّ أصبح لساني یی خيالًا یی فهو يردِّد: لا إلٰهَ إلَّا اللهُ كما ذُكِر في مقدمتها، ومثلُه ألسنةُ أحوالِ البحار والجبال والعناصر والكواكبِ وطبقاتِ الإنسان.. كأنها أصبحتْ ألسنةً لي تُردِّد: لا إلٰهَ إلَّا اللهُ؛ وشعرتُ كذلك عند ترديدي: لا إلٰهَ إلَّا اللهُ، أني أقولُها بلسانِ الأرضِ والسماوات، وبلسان الجوِّ وبلسان العناصر.. إلى سائر المراتب، وسأرسِلها إليكم لاحقًا بمشيئةِ الله تعالى.
الباقي هو الباقي
أخوكم
سعيد النُّورْسِيّ
٭٭٭
— 75 —

تتمةُ مكتوب "إظهار الإكرام"

كتبناها في صدر الإشارات القرآنية
هذا هو القِسْم الأول من ثمانيةِ أقسامٍ تُوَقِّع على قَبول رسائل النور وتُخبر عنها بإشاراتٍ غيبية، وتوجد في هذا القسم تسعٌ وعشرون إشارةً تشير إلى عين المسألة، فإذا ضَمَمْنا إليها ما في سائر الأقسام الأخرى من إشاراتٍ ورموزٍ وإيماءاتٍ فإنها تَصِل إلى الألْف، وبذلك تَبلغ درجةَ الصراحة لكونها تتوجه إلى المسألة والقضيةِ عينِها؛ إذْ إنه بالنظر إلى وَحدة المسألة تتقوى هذه الأمارات ويؤيِّد بعضُها بعضًا.
ومن هذه الأقسام الثمانية ثلاثةُ أقسامٍ تتعلق بإخبار سيدنا عليٍّ رضي الله عنه عن رسائل النور في ثلاثِ كراماتٍ غيبيةٍ له.
وكان أعضاءُ لجنة الخبراء بأنقرة قد دَقَّقوا في هذه الأقسام الثمانية، فلم يعترضوا على شيءٍ منها سوى أنهم قالوا: إنَّ صاحب الكرامة لا يتحدث عن كرامته.
فأجبتهم: هذه ليست كراماتٍ لي، بل هي كراماتُ رسائل النور، ورسائلُ النور بضاعةُ القرآن وتفسيرُه؛ فسكتوا ولم يرُدُّوا بشيء، وهو ما يعني قبولَهم.
صحيحٌ أنه كان من الأنسب عدمَ كتابة هذا النوع من الإكرامات، لكننا اضطررنا إلى هذا اضطرارًا قطعيًّا في مواجهة ما لا يُحَدُّ من أعداءٍ كُثْرٍ أشِدَّاء، فكتبتُها تقويةً وتشجيعًا وتثبيتًا لنا نحن القِلَّةَ الفقراءَ الضُّعفاء، لِتَعودَ علينا بالقوة المعنوية والمدد الغيبي؛ فإنْ حَصَل في هذا دعايةٌ لأنانيتي وتَسبَّبَ بسقوطي فلا أهمية لذلك، فإني أَعُدُّها سعادةً أن أضحِّي بآخرتي یی إن لزِمَ الأمر یی كما ضحَّيتُ بدنياي في سبيل هذه الخدمة، أي في سبيل إنقاذ أهل الإيمان من الضلالة المطلقة، وإني أقبل بدخول جهنم في سبيل أن يَدخل الآلاف من إخواني وأصحابي الجنة.
٭٭٭
— 76 —
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
يَلزم أن أبين لكم اليوم حالةً لي لكيلا تَرُدُّوا الأمرَ إلى غيرِ وجهه، فتُعلِّلوه بأسبابٍ يَضيق بها صدرُكم.
وهي أنني نتيجةَ ما لَقِيتُ من تضييقٍ في هذه العشرين سنةً أصابني مرضٌ شديدٌ مُزمِن، وقد كان أصلُه موجودًا لديَّ منذ القديم، وهو مرضُ الاستيحاش من الناس، أي اجتنابُهم وعدمُ الاختلاط بهم والتأثُّرُ من مخالطتِهم، حتى إني یی ما لم يكن اللقاء بالشخص متعلقًا بخدمة رسائل النور یی لَأستثقلُ اللقاءَ بأرهفِ إخواني حِسًّا وأخفِّ طلابي ظِلًّا، بل أتحرَّج كثيرًا من النظر إليَّ على أنني صَديق.
وكما كان ظلمُ الناس لي وجنايتُهم عليَّ سببًا لوقوعي في هذه الحال الشديدة، فلقد كانت العنايةُ الإلٰهيةُ وعدالةُ القدَر وصَونُ الإخلاص في الخدمة الإيمانية أهمَّ الأسباب التي تُخفِّف ظلمَ جنايةِ البشر إلى العدم، وتُحبِّب إليَّ هذا المرضَ، وتورِثني التحمُّل والصبر.
وكما أن القوم، لشدةِ هواجسهم وأوهامهم، منعوني المخالطةَ حتى أضرَّ ذلك بأعصابي، فإن العناية الإلٰهية من أرحم الراحمين قد ساقت إليَّ هذا المرض لِحِكَم، حتى لا يَنخدِشَ الإخلاصُ في الخدمة الإيمانية، ولا أُضطرَّ للتصنُّع ترويجًا للذات، ولا أُضطرَّ للتكلُّف والمراءاةِ تجاه مَن يُولُونني مزيدَ حُسنِ ظنّ، ولِأنجوَ من حالة التعلُّق بالأشخاص یی وهي حالةٌ ذات تأثيرٍ كبيرٍ في هذا الزمان یی فلا يُتَوجَّهَ إلى شخصي بالإقبال والمحبة، ولا أُظهِرَ نفسي شخصًا رفيعَ المقام فتتضرَّرَ الخدمةُ من ذلك، ولكيلا تُظلَم حقائقُ رسائل النور الواردةُ من القرآن، إذْ هي كالألماس، وبنسبتها إليَّ تنحطَّ قيمتُها وتغدو أشبهَ بقطع الزجاج؛ فلله الحمدُ والشكر.
فلا يكن هذا مدعاةَ حزنٍ لكم، بل ليكن مبعثَ سرورٍ ورضًا منكم، غير أني محتاجٌ إلى دعواتكم لتحمُّل الآلام الطبيعية.
— 77 —
إخواني الأعزاء..
تأملتُ اليوم في قسمٍ من كتبي المُعادةِ إلينا، فوجدتُ فيها الرسائلَ التي خَطَّتْها الأقلامُ الألماسيةُ في "مَصنعَي النور والورد"، والمجلداتِ الكبيرةَ التي تضمُّ بين أغلفتها المذهَّبةِ نحوَ خمسَ عشْرةَ إلى عشرين رسالة، ووجدتُها أشبه بسيوفٍ ألماسيةٍ واجهتِ الأعداء، ودافعتْ عن نفسِها لدى المحاكم والجهات العليا.
ولقد كنا شرَعنا بإخراج رسائل النور في مجلداتٍ قبلَ سَجننا بخمسة أشهر، وجرى الأمرُ حينذاك بغير مقدِّماتٍ ولا سببٍ يستدعي ذلك، وإني لم تَبقَ لديَّ اليومَ شبهةٌ في أن ذلك لم يكن إلا محضَ عنايةٍ إلٰهيةٍ جليلة، وأدركْنا كذلك حكمةَ هزيمة الفلاسفة على يدَي هذه المجلدات، ذلك أن اجتماعَ الأجزاء فيه من القوة ما ليس في آحادها، لا سيما إن كان اجتماعُها وتَسانُدُها لأجل الدفاع.
إخواني.. ثمة أمرٌ كان ينبغي أن أخبركم به منذ زمن لكني نسيت، وهو أن "الكلمةَ التاسعة والعشرين" ذاتَ الكرامات ليست سوى المقام الأول من الكلمة نفسِها، أما مقامُها الثاني فهو "اللمعةُ التاسعةُ والعشرون" المكتوبةُ باللغة العربية، والتي سمَّاها الإمام عليٌّ بوجهٍ ما: "الآيةَ الكبرى" لأهميتها، وهي تُبيِّن الأنوار التي انطوتْ عليها مراتبُ سائرِ الأذكار مثلِ "الله أكبر" وغيرِها، كما تمثِّل مصدرًا للحزب النوري.
سلامي ودعواتي لجميع إخواني فردًا فردًا، وأهنئكم بليلةِ القدر الخفيَّةِ المرتقَبةِ في كلِّ ليلة.
أخوكم
سعيد النُّورْسِيّ
٭٭٭
— 78 —
أخي العزيز الوفي..
ونحن أيضًا نهنئكم بشهر رمضان الكريم؛ أما رُؤاكم التي رأيتموها فهي رؤًى مباركة، وهي إن شاء الله إشارةٌ إلى أن الحقَّ تبارك وتعالى سيجعلكم مَظهرَ إحساناتٍ جليلة، وإنَّ أعظم إحسانٍ وأَجَلَّ وظيفةٍ في هذا الزمان هي أن يُنقذ المرءُ إيمانه، ويعملَ على نحوٍ يقوِّي إيمانَ الآخَرين.
كن على حذرٍ من كلِّ ما يبعث على الأنانية والغرور، فإن التواضع والفناءَ عن الذات وتركَ الأنانية لَمِمَّا يَلزم أهلَ الحقيقة لا سيما في هذا الزمان، فهو أَلزَمُ ما يَلزمهم؛ لأنه لمَّا كان أعظمُ خطرٍ في هذا الزمان ناشئًا عن الأنانية والرياء، كان اللازمُ لكلِّ فردٍ من أهل الحقِّ والحقيقة أن يَشهَدَ على الدوام عيبَه وتقصيرَه، ويتهم نفسَه متحلِّيًا بالفناء عن الذات.
وإنه لَمقامٌ جليلٌ أن يحافظَ مثلُكم على إيمانه وعبوديته ببطولةٍ تحت وطأةِ ظروفٍ صعبة، وإحدى تعبيراتِ رؤاك هي تبشيرُك بهذه النقطة تحديدًا.
اُحصُل على رسالةٍ من رسائل النور تسمى: "التلويحات التسعة"، وهي رسالةٌ تتحدث عن حقيقة الطريقة، فطالعْها وادخُل دائرةَ رسائل النور دخولَ الرجالِ أربابِ المتانة والإيمان والحقيقةِ أمثالِك، فإن رسائل النور لم تُغلَبْ قطُّ في تصدِّيها لجميعِ هجماتِ هذا العصر، بل أَجبرتْ أعتى أعدائها على السماح رسميًّا بتداولها؛ حتى إن الجهات العليا والجهات القضائية بعد أن دقَّقتْ فيها عامَين كاملَين صدَّقتْ على السماح بتداولها، وأصدرتْ قرارًا يقضي بإعادةِ جميعِ ما صُودِرَ منها إلى أصحابه خصوصيًّا كان أو غيرَ خصوصي.
إن قوةَ مسلكِ رسائل النور وغَلَبَتَه وأخْذَه بيدِ كثيرٍ من المعاندين إلى الإيمان یی خلافًا لسائر الطُّرق والمسالك التي غُلِبَت یی إنما يُثبتُ أن رسائل النور معجزةٌ قرآنيةٌ معنويةٌ لهذا العصر، وتَشهدُ لهذا حوادثُ كثيرةٌ جَمَّة، وقد أَورثَتْنا هذه الحوادثُ
— 79 —
القناعةَ بأن الخدمة الدينية التي يمكن القيامُ بها في هذه البلاد خارجَ مسلك رسائل النور هي یی بمعظمها یی إما خدمةٌ خصوصيةٌ جزئية، بل شخصيةٌ فردية، أو هي خدمةٌ تؤدَّى خُفْيةً من موقع المغلوب، أو تَتخذ صورةَ التسامح مع البدع، أو تنطوي على نوعٍ من التحريف جرَّاءَ التأويلات.
فما دامت لك همةٌ عاليةٌ وإيمانٌ قوي، فكن طالبًا لرسائل النور يَسلُك مسلكَها بثبات، ويتحلى فيه بتمام الإخلاص والفناء عن الذات، كي تُشارك الآلافَ بل مئاتِ الآلافِ من طلابها في شركتهم المعنوية الأُخروية، فتَخرُجَ أعمالُ الخيرِ والبِرِّ لديك من حَيِّزِ الجزئية إلى دائرةِ الكُلِّية، وتَغنَمَ في الآخرةِ تجارةً رابحةً أتمَّ الربح.
سعيد النُّورْسِيّ
٭٭٭
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
اطَّلعتُ اليوم على مجموعٍ كان في جملةِ النُّسَخِ التي أعادتها إلينا المحكمةُ بعد تدقيقٍ دام سنتَين، وهو مجلدٌ كبيرٌ مُذَهَّبٌ يحوي أجزاءَ من رسائل النور خَطَّها أبرياءُ صِغارٌ وأُميُّون كبار، وأرسلوه إليَّ تَذكارًا، وقد توصَّلتُ من هذا إلى قناعةٍ بأن ما خَطَّه هؤلاء الأبرياء والأُمِّيون ببراءةٍ وإخلاصٍ كان أعظمَ وسيلةٍ للانتصار في مواجهة الفلاسفة والمعاندين، فلقد حطَّم عِنادَهم، وأرغم المتعسفين على سلوك سبيل الإنصاف.
وكنا قد جمعْنا ما نسَخَه هؤلاء الأُمِّيون من رسائل وأجزاء وصَلتْنا من أماكن شتى، فبلغتْ ثلاثة مجلدات، وقد وَجدتُ في مقدمة هذا المجلد المذكور الذي هو أحدُها كلمةً كتبتُها يومَ كنتُ في "قَسْطَموني"، ولعله وصَلَتْكم صورةٌ عنها من قبل، على أني سأرسلها إليكم، وسأُرفِق بها كذلك كلمةً أخرى يناسب أن توضع في مقدمة المجموع ذي الثمانية أقسامٍ تدُلُّ على مقبوليةِ رسائل النور.
— 80 —
نسلِّم على جميع إخواننا خاصةً الأبرياء والأميين، وندعو لهم، ونطلب منهم الدعاء، ونهنئهم ونبارك لهم ما كتبوه بأبلغ التهاني والتبريكات، فما شاهَدَ أحدٌ كتاباتهم إلا أُعجب بها مع بالغ التقدير.
"وَصلتْنا نُسَخٌ مما كتَبَه قُرابةُ ستين طالبًا من طلاب رسائل النور الصغار الأبرياء، وقد جمعنا الأجزاء التي كتبوها فبلغتْ ثلاثة مجلَّدات، وإليكم أسماءَ بعضهم على سبيل المثال:
الاسم العمر:
عُمَرُ ١٥، حسين ١١، مصطفى ١٤
مصطفى ١٣، أحمد زكي ١٣، بكر ٩
حافظ نبي ١٤، عائشة ١١، علي ١٢
هِجْرت ١٥، الحافظ أحمد ١٢
وليست الرسائل التي تَضمَّنها هذا المجلد سوى قسمٍ مما تَعلَّمه هؤلاء الأبرياءُ الصغار ودَوَّنوه من دروس رسائل النور، ولا ريب أن هذا العملَ الجادَّ منهم في هذا الزمان لَيُبيِّنُ أن في رسائل النور من اللذائذ المعنوية والأنوار الجذابة ما منحَ هؤلاء لذةً وسرورًا وحماسًا يَفوق جميعَ أنواع الملاهي والمُغرِيات المستخدَمة لحثِّ الأطفال على القراءة بحماسٍ في المدارس.
كما تؤكد هذه الحالُ أن رسائل النور تترسخ وتضرب بجذورها عميقًا، لا يقدر شيءٌ على اقتلاعها بإذن الله، بل هي مستمرة في الأجيال القادمة إن شاء الله.
ومثلما كان الأمر مع هؤلاء الأبرياء الصغار، كذلك كان مع الشيوخ المسنِّين الأُميِّين الداخلين في دائرة رسائل النور المباركة، فقد شَرَعَ هؤلاء في الكتابة بعد أن تجاوزوا سنَّ الأربعين أو الخمسين، لا لشيءٍ إلا لأجل رسائل النور، وقد أدرجنا نحو خمسين جزءًا مما كتبوه في مجموعَين أو ثلاثة.
— 81 —
لقد قام هؤلاء الشيوخ بهذا العمل برغم أُميَّتهم، بل برغم أن بعضهم رعاةٌ وأبناءُ بادية، وقدَّموا العمل لرسائل النور على ما سواه رغم الظروف الصعبة، وهذا لا شكَّ يُظهِر أن في هذا الزمان حاجةً إلى رسائل النور أشدَّ من الحاجة إلى الطعام والشراب، بحيث رأى هؤلاء الفلاحون والحَصَدَةُ والرعاةُ وأبناءُ البوادي حقائقَها حاجةً ضروريةً أَولى من الحاجات الضرورية الأخرى.
ولقد عانَيتُ مشقةً كبيرةً في تصحيح ما كتبه هؤلاء الأبرياء والأُمِّيون في المجلدات الستة الأخيرة، وفي هذا المجلد بدرجةٍ أقل، ولم يكن الوقت يُسعفني، فَوَرَدَ على خاطري وقيل لي معنًى: لا تتضايق؛ فإن كتاباتِ هؤلاء لا تُقرأ بسرعة، بل لقد أَجبرَتِ المستعجلين على قراءتها بأناةٍ، فأمكن للعقل والقلب والروح والنفس والمشاعر أن يأخذ كلٌّ منهم حِصتَه من حقائق رسائل النور التي هي بمثابة الغذاء والقوت، ولولا ذلك لأَخَذ العقلُ وحدَه حصةً جزئيةً، وظلتِ البقيةُ بغير غذاء.
وما ينبغي لرسائل النور أن تُقرأ كما تُقرأ سائر الكتب والعلوم، لأن ما فيها من علومِ الإيمان التحقيقي لا يشبه العلوم والمعارف الأخرى، فهي قُوْتٌ ونورٌ لِلَطائفَ إنسانيةٍ كثيرةٍ سوى العقل.
والحاصل أن النقص الذي في كتابات الأبرياء والشيوخ الأميِّين يَعود بفائدتين اثنتين:
أُولاهما: الإجبار على القراءة بدقةٍ وأناة.
والثانية: الإصغاءُ والتَّلْمذةُ بإعجابٍ لذيذٍ إلى ألسنتهم البريئة المخلصة، ودروسِهم العذبة الصادقة، تتلو ما في رسائل النور من مسائل حلوةٍ عميقة".
الباقي هو الباقي
أخوكم
سعيد النُّورْسِيّ
٭٭٭
— 82 —
حمدًا لله أن المشاغل الدنيوية لم توقِع طلابَكم في "إسبارطة" في كثيرٍ من الغفلة هذا العام، فما تزال جهودنا في الخدمة النورية مستمرةً على نحوٍ جادٍّ، وما تُكِنُّه قلوبُنا من شوقٍ نحو النور تبدو علائمُه على مُحيَّا كلِّ واحدٍ منا، حتى لكأنَّ قلوبَ طلابك هؤلاء تفيض فرحًا وسرورًا.
أجل أستاذَنا الحبيب، فكل طلابك يقولون: لقد أنعم الله علينا بعطايا وإحساناتٍ هي خيرٌ من الدنيا وما فيها، فقد استعمَلَنا في هذه الخدمة النورية استعمالًا خالصًا، مع أننا لسنا أهلًا لها ولسنا بشيءٍ أصلًا، فجعلَنا طلابًا لهذا الأستاذ البديع، وكَتَبَةً له ومخاطَبين؛ وأقامنا سبحانه في سبيله مجاهدين، وللخير ناشرين، وللخلق ناصحين، وللحق تعالى عابدين؛ فمهما شكرناه سبحانه يظلُّ شُكرُنا قليلًا، بل حتى هذا الشكرُ الذي نبغي القيام به هو بذاته إحسانٌ من الله سبحانه يستوجب الشكر، وكلما استشعرنا ذلك امتلأتْ قلوبنا فرحًا وسرورًا.
وإذا كان أهل "نُورْس" الطيبون قد عبَّروا بلسان حالهم عن امتنانهم لرسائل النور بحسٍّ قبل الوقوع، فإننا كذلك نُعبِّر عن امتناننا لها بشكرٍ يتبدَّى في أحوالنا وشؤوننا، فالحمد لله حمدًا لا يُحَدُّ ولا يتناهى أنْ أنقذنا بلطفه وكرمه من أودية الجهل المطلق، ومن حَمْأة الكفر والعصيان، وجعلنا طلابًا لأسطعِ نورٍ يأخذ بالألباب.
ولولا أن أستاذنا الحبيب سَبَق أن بَيَّن لنا إمكان اجتماع أكثرَ من نعمةٍ معًا فيما يسمى "الاقتران"، لَقَرأ من أقلامنا المترجِمةِ عن قلوبنا عظيمَ الامتنان لكل نعمةٍ من هذه النعم.
أجل أستاذَنا الحبيب.. إننا ننظر إلى أنفسنا فلا نراها أهلًا لخطاب رسائل النور، لكننا برغم ذلك نشاهد أن تجلياتِ رحمةِ الخالق الرحيم تَظهَر كلما اشتدت الحاجة.
قلبُ الأستاذ مرآةٌ ساطعة، ومَظهَرٌ متلألئ، ومَعكِسٌ وضَّاء؛ ولسانُ مقاله مُبلِّغٌ رفيع، ومعلِّمٌ بديع، ومرشدٌ جليل؛ أما لسانُ حاله فأجملُ مثالٍ مشخَّص، وأفضلُ أُنموذجٍ مجسَّم.
— 83 —
حاجاتُ طوائفِ البشر اليوم تُكتَب وتُعرَض، وحالُ الظَّلَمة الذين يوقدون نيران الحروب منذ سبع سنين قد باتت أشدَّ اضطرابًا، وأصبح كلُّ من له إدراكٌ يصغي إلى المذياع متسائلًا بحَيرةٍ: تُرى ماذا سيَحصل غدًا؟ وبينما كان المأمولُ حلولُ الأمنِ والأمان والصُّلحِ والسلام في العالَم بهزيمة اليابانيين في الشرق، إذْ ظهَرتْ في الشَّمال حركةٌ دجَّاليةٌ فبرزتْ للجميع، وهذه الحال تثير القلق والمخاوف لدى كلِّ إنسان، وتجعله يسارع إلى المذياع بقلقٍ واهتمامٍ ظانًّا أن المستقبل مُتَّجهٌ نحو غياهب الظلمات؛ فحمدًا لله أنَّ رسائل النور تُلبِّي یی كلَّما احتجْنا یی حاجاتِنا، فتُسَكِّن ببياناتها البليغةِ الساميةِ أرواحَنا، وتُطَمْئن بدروسها الحقيقية قلوبَنا.
وإن ثمة علائمَ تدل على أن هذا التيار الماديَّ الرهيب لن يُهزَم إلا بقوةٍ سماويةٍ ناتجةٍ عن التعاون بين عالَم الإسلام وعالَم المسيحية، بأنْ تتضافر جهود أهلِ الإنجيل وأهلِ القرآن، ويكونَ الإنجيل تابعًا للقرآن، وهو ما يؤْذِن یی بمعنًى إشاريٍّ یی بقربِ الزمانِ المنتَظَرِ فيه مجيءُ عيسى عليه السلام.
ووفقًا لما يُتسامَع في هذه الأيام، فقد أرسلَتِ الولايات المتحدة الأمريكية أربعَ هيئاتٍ إلى أنحاء العالَم بغرض التحري والتدقيق، وكلَّفَتْ إحداها بالبحث عن دينٍ سليمٍ يحقق للبشرية سعادتَها، وما دام الأمر كذلك فإننا نؤمن إيمانًا راسخًا بأن رسائل النور المترشِّحةَ من مَعينِ القرآن، والتي أقرَّت المحكمةُ بمجدِّديَّتِها، ستكون أعظم سعادةٍ لهذه البشريةٍ التائهة المضطربة.
وما دام أستاذُنا الحبيب موجِّهًا لنا، وما دمنا متمسكين برسائلِ النور التي تحوي أسمى الحقائق، وتفسِّر كتاب الله أرفعَ تفسيرٍ وأنفعَه، فإن سعادتنا لا حدَّ لها ولا منتهى.
ولو ظهر كلُّ جزءٍ من أجزاء هذه الحقيقة، وبرَزَ على ساحة الفاعلية، لَجَذَب كلَّ الأطراف لقراءته بغاية الاهتمام والإمتاع، وثمة الكثيرُ من الأدلة البارزة على هذا، أَخُصُّ بالذكر رسالة "الكلمة العاشرة" التي هَزمتْ فكرة إنكار الحشر؛ ورسالة "الآية الكبرى" التي دفَعَت الآخرين لقراءتها علنًا بالرغم من طبعها سِرًّا، وهي رسالةٌ تحوي
— 84 —
روائعَ جليلةً في تقوية الإيمان؛ وسوى ذلك من أجزاء رسائل النور التي نَسفتْ فكرة إنكار الألوهية من جذورها، كرسالة "الثمرة" ورسالة "الحجة البالغة".
إن رسائل النور ستأتي بإذن الله على جدار الإلحاد المشؤوم الذي يُراد إقامته حول القرآن الكريم فتَنقضُه من أساسه، وستُطفئ نارَ الكفر الشريرة، وستقدِّم للعالَم أجمع الأمنَ مع الإيمان، فتَسقيه شرابَ كوثرها الفياضِ بماء الحياة.
الباقي هو الباقي
طالبُكم كثيرُ العيوب
خسرو
٭٭٭
إن ما أَوليتَه لشخصي مِن حُسنِ ظنِّك يَفوق حدِّي كثيرًا، ولا يمكنني قَبولُه إلا باسم الشخص المعنويِّ لرسائل النور، وإلا فليس من حدِّي أن أرى نفسي في تلك المقامات.
ثم إن مسلك رسائل النور هو مسلكُ الحقيقة لا الطريقة، وهو جَلوةٌ من مسلك الصحابة رضوان الله عليهم، وهذا الزمان ليس زمانَ الطريقة، بل هو زمانُ إنقاذِ الإيمان، وحمدًا لله تعالى أنَّ رسائل النور قد أدَّتْ وما تزال تؤدِّي هذه الخدمة في أصعب الظروف وأشدِّ الأزمنة.
وإن دائرة رسائل النور هي دائرةُ تلاميذ الإمام عليٍّ َبْهذا الزمان.. نعم، هي دائرةُ تلاميذ الإمام عليٍّ والحسنِ والحسينِ والغوثِ الأعظم في هذا الزمان كما ثبت بإخباراتهم الغيبية، فكما أن سيدَنا عليًّا رضي الله عنه أَخبر عن رسائل النور في ثلاث كراماتٍ غيبيةٍ له، فكذلك الغوث الأعظم الشيخ الگيلاني قُدِّس سرُّه أخبر عنها وشجَّع تَرجُمانَها بصورةٍ قوية.
هذه الرسائل الخصوصية الأربعةُ المتعلقةُ بالكرامات العَلَوية والغوثية، ولعَلِّي أرسلها إليك في وقتٍ ما، قد اطلعتْ عليها لجنةُ الخبراء لدى المحكمة فلم تستطع
— 85 —
الاعتراضَ عليها بشيء، غير أنهم وجهوا انتقادًا صغيرًا قالوا فيه: ما كان ينبغي لهذه أن تُكتَب؛ فأجبتُهم على هذا، فسكتوا.
لقد تلقَّيتُ درسَ الحقيقة مباشرةً، بصورةٍ أُوَيسية، من الغوث الأعظم قُدِّس سرُّه، ومن الإمام عليٍّ رضي الله عنه، بواسطة الإمام زين العابدين والحسن والحسين رضي الله عنهم، ولهذا فالدائرةُ التي نؤدي فيها خدمتَنا هي دائرتُهم ليس إلا.
٭٭٭
شكرًا لله تعالى بلا حدٍّ أنَّ مرض التسمُّم الخطير وما رافقه من ارتفاعٍ شديدٍ في الحرارة لأكثرَ من خمسةَ عشر يومًا قد زال خطرُه منذ يومَين بفضل دعائكم؛ وإني بالنظر إلى أن عبادة ساعةٍ في المرض تَعدِل عبادةَ يومٍ فيما سواه، لَأرجو أن يكون هذا المرضُ قد سَدَّ مَسَدَّ أعمالِ خيرٍ كثيرةٍ لم أَقدِر عليها، وأن يكون كفَّارةً لتقصيراتي الكثيرة؛ على أن الضَّعف والمرض ما زالا.
تَوافُقٌ لطيفٌ ذو مغزى: وقع بيدي بالأمس المجموعُ الذي كَتَبَه الأبرياء الصغار، فلما تصفحتُه وجدتُ في أوله "الكلمات الصغيرة" مكتوبةً بعنايةٍ بالغة، ومزينةً بنقوشٍ جميلة، كتَبَها بطلٌ من أبطال مدرسة النور، هو بمثابة موجِّهٍ لهؤلاء الأبرياء الصغار، أعني "أحمد النجار"، فقلتُ في نفسي: بارك الله بك يا أحمد، لقد أصبحتَ قائدًا لهم.
ثم وصلتْني في اليوم نفسه رسالةٌ منه يخبرني فيها أنه بينما كان يقرأ بعض رسائلي على إخوانه ذاتَ ليلة، إذْ حَطَّتْ جرادتان على رأسِ صفحةِ الرسالة، فاستمعتا إليها حتى النهاية.
ولقد سَبَق یی حين كنا نكتب إليه الرسالةَ نفسَها قبل أيام یی أنْ صدَّقَتْ حمامتان على مقبوليَّتها، وعلى بشارةِ العصفور والطائر من قبل؛ فعلى غِرارِ هذا كان تصديقُ الجرادتَين للحمامتَين والعصفورِ والطائر، فكان في هذا تَوافُقٌ لطيفٌ ذو مغزى، كأن هذه المخلوقات تقول بألسنةِ أحوالها: ونحن أيضًا نَعرف رسائلَ النور.
— 86 —
وللمناسبة فقد لفَتَ انتباهي فِقرةٌ في المجموع نفسِه، في صفحةٍ قبل الرمز الثامن للشعاع الثامن الذي كتبه الحافظُ "أحمد" النموذجُ المصغَّرُ البريءُ لی"عبد الرحمن"، وابنُ شقيقِ "عليٍّ الصغير" أحدِ الأبطال الميامين.
فقد استوقفني في هذه الفقرة صلتُها باقتباسٍ من رسائل النور سَبَق أن أرسلتُه إليكم قبل نحو شهرين ضمن مكاتيبَ تتحدث عن مقبوليةِ رسائل النور؛ وهو يُبيِّنُ أن هذه المقبوليةَ ليست سوى إكرامٍ إلٰهيٍّ صِرف، وليس فيها لشخصي حصةُ شرفٍ أو براعة؛ وكذلك هذه الفقرةُ، فهي تَذكر أن الأهميةَ الفائقةَ التي أَولَتْها "الجَلْجَلوتية" لرسائل النور لا علاقةَ لها بشخصي ولا بمهارتي؛ ونظرًا لصلة الفقرة بالاقتباس فإني سأرسلها إليكم لتُلحِقوها بموضعٍ مناسبٍ من تلك المكاتيب؛ وهي كما يلي:
"أعترف بأني لستُ أهلًا بأيِّ وجهٍ من الوجوه لأن أكون مَظهَرَ مؤلَّفاتٍ مقبولةٍ كهذه، فذاك مقامٌ لا أستحقُّه؛ إلا أن مِن شأن القدرة الإلٰهية ومِن عادتِها ومن الدليلِ على عَظَمَتِها أن تَخلُق من بذرةٍ صغيرةٍ تافهةٍ شجرةً عظيمةً كالجبل؛ وإنني أؤكد وأُقسِم أنْ ليس لي مقصَدٌ من الثناء على رسائل النور سوى تأييدِ حقائق القرآن وأركانِ الإيمان وإثباتِها ونشرِها.
فأشكر خالقي الرحيم شكرًا لا يتناهى أنْ وقاني الإعجابَ بنفسي، وأراني عيوبَها ونقائصَها، فلم يُبْقِ لي رغبةً في أن أثير إعجابَ الآخرين بهذه النفس الأمَّارة.
نعم، إذْ كيف لمن كان بباب القبر ينتظر الأجل، أن يَنظر إلى الدنيا الفانية التي خلَّفَها وراءَه بعين الرياء؟! لا جَرَم أنه إنْ فَعَل كان خسارةً مروِّعةً وحماقةً تدعو للرثاء!!".
حَفِظَنا الله من أمثال هذه الخسارات، آمين.
أُسلِّم على جميع إخواني فردًا فردًا، وأدعو لهم، وأرجو منهم الدعاء.
٭٭٭
— 87 —
إخواني الأعزاءَ الأوفياءَ المباركين..
نهنئكم من صميم القلب بشهر رمضان وليلةِ القدر والعيد، راجين أن يكون جميعُ ذلك وسيلةَ بركةٍ وسعادة، ونسأل الله تعالى وهو أرحمُ الراحمين أن يُمتِّعَكم ويشرِّفَكم بأمثالها مراتٍ عديدةً وأزمانًا مديدة، آمين.
صحيحٌ أنني عانَيتُ في شهر رمضان الكريم هذا مزيدَ شدةٍ وألمٍ من جرَّاء التسميم، لكنْ شكرًا لله بلا حدٍّ أنْ أَحسَنَ إليَّ بالصبر والتحمل، وأزال بالأجر العظيم للمرضِ ما خَلَّفَه الألمُ والمعاناةُ من غفلة. لقد نجوتُ تمامًا من هذا التسميم ببركات دعائكم، إلا أن ما خَلَّفَه من ضعفٍ واضطرابٍ ما زال يعتريني بين حينٍ وآخَر.
كنتُ قد كتبتُ إليكم أنه مثلما كان "الحزبُ النوريُّ" خلاصةً لرسائل النور ولی"الآيةِ الكبرى" الرسالةِ الرمضانيةِ المؤلَّفةِ في رمضان والمنشورةِ مؤخَّرًا، فلقد ظهر یی بفيضِ شهرِ رمضان الكريم هذا یی خلاصةٌ للحزب النوري تُتلى في عشر دقائق، وتتضمن ما حَوَتْه "الآيةُ الكبرى" من مراتبِ وجوبِ الوجودِ الثلاثةِ والثلاثين، وألسنةِ التوحيدِ الكُلِّيةِ الثلاثةِ والثلاثين، فانبسطتْ بها الروحُ والخيالُ والقلبُ أيَّما انبساط، وترقَّتْ أيَّما تَرَقٍّ، حتى إنني كلما ردَّدتُ شهادةَ لا إلٰهَ إلَّا اللهُ في كلِّ مرتبة، شعرتُ بتوحيدٍ عظيمٍ كأن ذلك اللسانَ الكُلِّيَّ أصبح لساني، فشاهدتُ وتيقَّنتُ بلا ريبٍ أن "الآية الكبرى" تستطيع أن تُلقِّن الأرواحَ أنوارَ الإيمانِ ساطعةً كالشمس، وعَلِمتُ سرَّ الأهميةِ التي أَولاها إياها سيدُنا عليٌّ رضي الله عنه.
إن الرسالة التي كتبها مؤخرًا بطلُ النور "خسرو" مستجمعًا فيها مشاعرَ عمومِ طلاب النور بی"إسبارطة"، قد أَولاني فيها مزيدَ تقديرٍ لا أستحقُّه، إلا أنها لما كانت تُبيِّنُ القيمةَ التامة لرسائل النور، وتُجلِّي الارتباطَ التامَّ لأبطال "إسبارطة" وما حولها بها، كانت جديرةً بأن تُدرَج ضمن مكاتباتي وفي "الملاحق" وفي غيرِها من المقامات التي ترَونها مناسبة؛ وسنرسل إليكم نسخةً منها مكتوبةً بالحرف المستحدَث.
— 88 —
أما "مصطفى عثمان" الذي هو صلةُ الوصل بين طلاب "إسبارطة" وبين "قَسْطَموني" الأثيرة ومَن فيها من إخواني الأعزاء، فقد أدى عملًا جليلًا في زمنٍ يسير، فاستحق بذلك أن يَدخُل بين الخواصِّ في الصف الأول، أي إن إخلاصَه تامٌّ بحيث أدى في زمنٍ يسيرٍ عملًا يستغرق الوقتَ الكثير؛ نسأل الله أن يُكثِرَ من أمثاله في تلك المنطقة ويرزقَهم الثبات والسلامة، آمين.
نُسلِّم على جميع إخواننا وأخواتنا فردًا فردًا، ونهنئهم وندعو لهم.
سعيد النُّورْسِيّ
٭٭٭
سأذكر لكم مسألتَين مهمَّتَين للغاية، أَذكرهما بغاية الاختصار، اعتمادًا على ذكائكم، ولوجودِ أجزاءِ المسألتَين متفرقةً في رسائل النور.
المسألة الأولى: أن كاتبَ القرآنِ المعجِزِ البيان، وتلميذَ رسائل النور الحقيقيَّ وذا الحقيقة، كَتب إليَّ مؤخرًا يسألني عن حقيقةٍ جليلةٍ، بناءً على ما أَوْلانيه من حُسنِ ظنٍّ زائدٍ يَفوق حدِّي ألفَ درجة؛ ذلك أنه رأى في شخصي العاديِّ البسيطِ وظيفةَ الشخص المعنويِّ لرسائل النور.. تلك الوظيفةِ البالغةِ غايةَ الأهمية والقدسية؛ ورأى كذلك جَلوةَ وظيفةٍ من الوظائف العُلْوية السامية لخلافة النبوة.. رأى هذا في شخصيَ البسيط لكوني أستاذَه، فأراد أن يَنظر إليَّ على أنني مَظهرٌ لتلك الخلافة المعنوية.
فأولًا: إن الحقيقة الباقية لا تُبنى على شخصياتٍ فانية، فإنْ بُنيَتْ عليها كان ذلك ظلمًا للحقيقة.
وإن الوظيفة الكاملةَ الدائمةَ من كلِّ وجهٍ لا تُناطُ بشخصياتٍ مُعرَّضةٍ للتلاشي والفناء، مُبتلاةٍ بالطعنِ والإزراء، فإن أُنيطتْ بها لَحِقَ الوظيفةَ ضررٌ بالغ.
ثانيًا: إن ظهور رسائل النور لم يكن بفكر تَرجُمانِها وحدَه، ولا بلسانِ احتياجِه المعنويِّ وحدَه، ولم تَرِدْ هذه الفيوضاتُ من القرآن مراعيةً استعدادَ التَّرجُمان وحدَه؛
— 89 —
وإنما أولئك الأفاضلُ الخالصون الصادقون أربابُ المتانة، الذين هم مخاطَبو ذلك التَّرجُمان وأصحابُه في درسِ القرآن، هم مَن كانوا مَبعثَ ظهورِ هذه الأنوارِ بنحوٍ يَفوق استعدادَ التَّرجُمان نفسِه بجهاتٍ كثيرة، كجهةِ طلبِهم تلك الفيوضاتِ روحًا، وقَبولِهم لها، وتصديقِهم بها، وتَمَثُّلِهم إياها، وغيرِ ذلك من الجهات؛ وكما كان هؤلاء مبعثَ ظهورِ الأنوار، فإنهم هم مَن يُشكِّلون حقيقةَ الشخص المعنويِّ لرسائل النور وطلابِها، وللتَّرجُمان نصيبُه من هذا الشخص المعنوي، ويمكن أن يكون له شرفُ تَقدُّمٍ وأسبقيةٍ ما لم يُفسِدْه بترك الإخلاص.
ثالثًا: إن هذا الزمان زمانُ الجماعة، ومهما بَلغتْ عبقريةُ الفرد من التفوُّق، فإنها قلَّما تَصمُد في مواجهةِ عبقريةِ الشخصِ المعنويِّ للجماعة.
ولهذا فإن مثل هذه الوظيفة الإيمانية یی التي هي أنوارُ عبقريةٍ قدسيةٍ تُنير بجهةٍ ما عالَمَ الإسلام بأجمعه كما ذَكر ذلك الأخُ المبارك یی لا يمكن أن تُحمَل على كاهل شخصٍ ضعيفٍ مغلوبٍ لا حول له ولا قوة، يحيط به أعداءٌ لا حدَّ لهم، وخصومٌ عتاةٌ لا يتوانَون عن الطعن فيه وانتقاصه بالحطِّ والإهانة؛ فإنْ حُمِلَتْ على كاهل هذا الشخص ذي النواقص والعيوب، وتَزعزعَ تحت ضربات الإهانة، سقَط الحِملُ وتَبعثر.
رابعًا: لقد دَرَجَ كثيرٌ من الأفاضل منذ القديم على إحسانِ الظنِّ بأساتذتهم ومرشديهم ومعلميهم وكبارهم إحسانًا يفوق قيمتَهم الشخصية، وكان حُسْنُ الظنِّ الزائدُ هذا أمرًا مقبولًا بدرجةٍ ما، لكونه وسيلةً للاستفادة من دروس هؤلاء وإرشادهم، فلم يكن يُنتَقَد بأنه خلاف الواقع.
وعلى غِرارِ هذا النهج في يومنا هذا، يَعمل طلابُ رسائل النور بهمةٍ ونشاطٍ بسببِ ما يعتقدون في شخصي الضعيفِ الناقصِ من رتبةٍ وفضيلةٍ عُلْويَّتَين تناسبان أستاذًا يليق بهم، ولئن أمكن بهذا الخصوص قَبولُ حُسْنِ ظنِّهم الذي يَفوق حدي، فلا بدَّ أن يُعلَم أن ما لديَّ ليس سوى مِلْكٍ للشخصِ المعنويِّ لرسائل النور.
على أن الزنادقة، وأهلَ الضلالة، وأهلَ السياسة، وأهلَ الغفلة، بل حتى البسطاء من أهل الدين: مخطئون في إيلائهم مزيدَ أهميةٍ للأشخاص، وإن خصومنا من هؤلاء
— 90 —
لا سيما الزنادقة یی يعملون بكلِّ ما أوتوا من قوةٍ للحطِّ من شأني وإطفاءِ تلك الأنوار وحَملِ البسطاء على تصديقهم، ظانِّين أن شخصًا مسكينًا مثلي هو منبعُ تلك الأنوار، وأنهم بانتقاصهم لهذا الشخص يوجِّهون الضربة للحقائق.
فمن ذلك حادثةٌ تُبيِّن هذه الحقيقة، أذكرها في:
المسألة الثانية: وهي أني حين خرجتُ للتنزُّه بين الحقول في ثاني أيام العيد، تعرَّضَ لي مسؤولٌ مهمٌّ تعرُّضًا يخالف القانون من خمسة وجوه، إلا أن الحق سبحانه وتعالى أحسن إليَّ من رحمته وكرمه بصبرٍ وتحمُّلٍ عجيبَين، حفاظًا على عزةِ رسائل النور التي حُمِّلتُها على رأسي وكاهلي، وحفاظًا على مكانةِ وراحةِ طلابِها التي أُسكِنَت في قلبي وروحي؛ وإلا فقد تَبيَّن أن الرجل كان يريد أن يستفزَّني وَفق مخطَّطٍ ما، كي يَحولَ دون فتوحات رسائل النور، خصوصًا فتوحات "الآية الكبرى".
حَذارِ أن تقلقوا أو تحزنوا أو تضطربوا، أو تألَموا لأجلي.. إننا لنرجو من العناية الإلٰهية التي تَحفظنا من خلف الحجاب حفظًا لا شكَّ فيه ولا شبهة، أن تجعلنا مَظهَرًا للآية الكريمة: وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ
لقد فَشِل مخطَّطُهم هذا، لكن يوجد في هذه الولاية أشخاصٌ يتلقَّون دعمًا مباشرًا من أحد المسؤولين الكبار، ويَسعون جاهدين للتضييق علَيّ؛ ومن الضروري یی إن أمكن یی التوسُّطُ لدى محكمة "دَنِزْلي" ومحكمةِ التمييز بأنقرة لنقلي إلى مكانٍ آخر مناسب، لعدم ملاءمة الجو هنا، وبما أنه ليس بمقدوري القيامُ بذلك بنفسي، فالأفضل أن يحاول أصحابُنا في "دَنِزْلي" فِعْلَ ذلك لصِلتِهم بي أكثرَ مني، فإن لم يتيسر ذلك، فلتوجَد ذريعةٌ أُعتقَلُ بها إلى سجن "دَنِزْلي" من جديد.
سعيد النُّورْسِيّ
٭٭٭
— 91 —
أخي العزيزَ الوفي، المبارَكَ الفعَّال، الخالصَ الغالي "خسرو"..
وصلتْني رسالتُك ثانيَ أيامِ العيد، وكانت كأن حمامةً أَخبرتْ بمجيئها، فكانت كالبلسم لآلامي وأحزاني الناشئة عن التعرُّض الذي لقيتُه في اليوم نفسِه وأثَّرَ فيَّ كثيرًا؛ كما أَخطَرَتْ بالبال المعنى التالي:
"لئن كان ثمة أُناسٌ تافهون يقابلونك بالإهانة والتحقير، فإنَّ لدى أبطالِ "مَصنعَي النور والوَرْد" من الاحترام والتقدير الفائقَين تجاهك ما يَرُدُّ إهاناتِ ملايين الأعداء ويُسقِطُها، بَلْهَ إهاناتِ هذه الثُّلَّةِ من عديمي الوجدان والضمير".
هذا ما وردَ إلى قلبي، لكني نظرتُ إلى شخصي، فوجدتُني بمثابةِ نواةِ تمرٍ جَفَّتْ وبَلِيَتْ وانتهتْ وظيفتُها، بينما تَنظرون إليَّ على أنني شجرةٌ باسقةٌ مثمرةٌ مَهيبة، والحالُ أن انبثاق هذه الشجرة عن تلك النواة إنما كان یی بدرجةٍ ما یی في بستان رسائل النور؛ ووجدتُ أن حُسْنَ ظنكم الزائد متوجِّهٌ إلى هذه الشجرة، وأن النواةَ أصبحت مَظهرًا لحُسن الظنِّ لكونها نوعَ وسيلة.
ما ذكرتَه في الصفحة الأولى من رسالتك حسنٌ جميل، وأنا أوافقك الرأيَ فيه، أما الصفحة الثانية فقد عَدَّلتُ فيها بعضَ المواضع وصحَّحتُها، ومنها هذه الفقرةُ التي جرى عليها قلمُ التعديل:
"فمع أن خلافة الحسن رضي الله عنه لم تَدُم أكثر من ستة أشهر، إلا أن رسائل النور بما حازت من قوةٍ ومددٍ من "الجوشن الكبير" و"الجَلْجَلوتية"، قد حوَّلتْ مدةَ الخلافةِ القصيرةَ هذه إلى زمانٍ مديد، وذلك فيما يَخُصُّ نشرَ حقائق الإيمان الذي هو أهمُّ وظائف الخلافة، وبهذا الاعتبار تحديدًا يمكننا أن ننظر إلى الرسائل على أنها استمرارٌ للخليفة الخامس تمامًا؛ لأنها هي مَن يملك استعدادًا لإسعاد البشر في هذا الزمان بالعدالة الحقيقية، ولأن شخصَها المعنويَّ هو بمثابة معاونٍ ومُتمِّمٍ وابنٍ معنويٍّ للحسن رضي الله عنه".
وقياسًا على هذا أجريتُ قلم التعديل في عدة مواضع نيابةً عنك؛ غير أني في اليوم نفسِه وجدتُ بين كتبي التي أعادتْها المحكمةُ فقرةً مُقتطَعةً مُدْرَجةً بين مسوَّدات
— 92 —
المكاتَبات التي نالت مزيدَ اهتمامٍ من خبراءِ المحكمة، بدليلِ وضعِهم إشاراتٍ عليها بالقلم الأخضر، فقلتُ متعجبًا: سبحان الله!! كأن هذه الفقرة تقول لي: أجِب بي على رسالة "خسرو".
وقد تكون الفقرة أُدرِجتْ في "المَلاحق" من قَبل، غير أني سأكتبها لكم بنصِّها، وهي كما يلي:
"ينبغي أن يكون منظارُكم إلى شخصي ذي النواقص والعيوب منظارَ الوظيفة والخدمة، لا منظارَ المقامات التي تُولونني إياها بحُسْنِ ظنكم؛ وإلا فلو كُشِفَ السَّتر، لتَبَدَّتْ ماهيتي مُجلَّلةً بالعيوب من أعلاها إلى أدناها، فكانت مَدعاةً للنفور مني والإعراض عني.
فلا ترتبطوا بما تتصورونه في شخصيتي من مقاماتٍ تَفوق حدي، لكيلا تنفروا من مؤاخاتي أو تقعوا منها في خَيبةٍ وندم، فإنما أنا أخٌ لكم، وليس من حدي أن أكون مرشدًا، كلَّا، ولستُ أستاذًا، وإنما أنا زميلُ درسٍ، وإنني بإزاء عيوبي ونواقصي لَمحتاجٌ إلى عونكم ودعواتكم المشفقة، فأنا مَن يستحقُّ العون والمدد منكم، فلا تنتظروه مني.
وإني بفضل الله تعالى وكرمه، قد اشتركتُ معكم في خدمةٍ عظيمةٍ تتبوأ أسمى درجات القدسية والأهمية والقيمة، وتَعود بالنفع على كلِّ فردٍ من أفراد أهل الإيمان، وكان اشتراكُنا فيها وَفق قاعدةِ تقسيم المساعي والأعمال، وتَحَصَّلَ مِن تَسانُدنا شخصٌ معنويٌّ جليل، فيكفينا فائقُ قيمتِه وأهميتِه، ورفيعُ إرشادِه وأستاذيتِه.
وما دامت الخدمةُ الإيمانيةُ في هذا الزمان وظيفةً قدسيةً تسمو على كل شيء، وما دامت النوعيةُ أهمَّ من الكمية، وما دامت دوائرُ السياسةِ مؤقتةً متحولةً لا أهميةَ لها بإزاء الخدمة الإيمانية الثابتة الدائمة الأبدية، بل لا تَصلُح مقياسًا لها، فعلينا إذًا أن نَقنَعَ بالمقامات ذاتِ الفيض والمَدد التي تمنحنا إياها رسائلُ النور في دائرة توجيهها؛ ويلزمنا المبالغةُ في الثبات والوفاء، والإفراطُ في الإخلاص والارتباط، بدلَ المبالغةِ في
— 93 —
حسن الظنِّ الزائدِ عن الحد، والإفراطِ في إيلاء المقام العالي؛ فذلكم هو ما ينبغي علينا الترقي فيه"؛ والحقُّ أنكم ترقَّيتُم في هذا تمامَ الترقي.
انتهت الفقرة
٭٭٭
إخواني الأعزاءَ الأوفياءَ، الثابتين المخلصين..
تسألني نفسي ويسألني مَن هم على صلةٍ بي سؤالًا بالغَ الأهمية.. يسألونني إياه ماديًّا ومعنويًّا فيقولون:
لماذا تَصرِفُ النظر عن قُوًى في غاية الأهمية يمكنها مساعدتُك، فتتجاهلُها وتُظهِر الاستغناء عنها، خلافًا لما يفعلُه كلُّ الناس؟ ولماذا تَرفُض المقاماتِ العاليةَ التي يتشوَّق إليها الجميعُ ويطلبها، بل تتحاشاها بشدةٍ مع أنه قد اتفق خواصُّ طلاب رسائل النور على ثبوتها لك، ومع أن قَبولَ هذه المقامات يَخدُم انتشارَ رسائل النور ويُمهِّد السبيل لفتوحاتها؟
الجواب: إن أهل الإيمان في هذا الزمان محتاجون إلى حقيقةٍ جليلةٍ نزيهةٍ، تُعلِّم حقائقَ الإيمان، من غير أن تكون أداةً أو سُلَّمًا أو تابعًا لشيءٍ في هذا الوجود، ومن غير أن يَشوبَها مَقصَدٌ أو غرض، أو تَقدِر شبهةٌ أو فلسفةٌ على النَّيل منها، وذلك كي تَحفظ إيمانَ أهل الإيمان في مواجهةِ هجماتِ الضلالاتِ المتراكمةِ منذ ألف سنة.
فلأجل هذه النقطة لا تسعى رسائل النور لاستقطابِ الداعمين، سواءٌ كانوا من داخل البلاد أو خارجِها، ولا تلتفت إلى قوَّتهم رغم أهميتِها، بل لا تبحث عنهم ولا تَتْبع لهم؛ لكيلا تكون في نظرِ عوامِّ أهلِ الإيمان سُلَّمًا لبعضِ غاياتِ الحياة الدنيوية، ولتتمكن بقوتها وحقيقتها الخارقتَين یی اللتين نالتْهما من عدم اتخاذها أداةً لشيءٍ سوى الحياة الباقية یی من دفعِ هجماتِ الشبهات والتردُّدات.
أما سؤال: لماذا تتحاشى ما يُوْليك خُلَّصُ إخوانك بحُسْنِ ظنهم من مقاماتٍ نورانيةٍ ورُتَبٍ أخروية؟! مع أنها مقاماتٌ معنويةٌ مقبولةٌ لا ضَير منها، بل يَطلبها جميع
— 94 —
أهل الإيمان والحقيقة، وقد ثَبتتْ عند إخوانك بحججٍ وأسانيد لا تُرَد، ومع أنك إنْ قَبِلتَها لم تَضُرَّ بإخلاصِك، لكنك مع هذا تَفِرُّ منها لا بتواضعٍ وفناءٍ عن الذات، بل بشدةٍ وحِدَّةٍ تَكسِر بها خواطر إخوانك.
فالجواب: كما أن الرجلَ الشهمَ ذا الحَميَّةِ يُضحِّي بحياته لينقذ حياةَ أصحابه، فإني إذا لَزِم الأمر یی والأمر لازمٌ حقًّا یی مستعدٌّ للتضحية لا بتلك المقامات التي لا أستحقها فحسب، بل حتى بمقاماتِ الحياة الأبدية الحقيقية، كي أحافظ على حياة أهل الإيمان الأبدية من صولة الأعداء المُحْدِقين؛ فهذا ما تعلمتُه من درسِ الشَّفَقة في رسائل النور.
أجل، فإن ثمة أمرًا سائدًا في كل زمان، لا سيما في زماننا هذا، وبالأخص في هذا العصر الجيَّاش بالأنانية وترويج الذات، حيث تهيمن الغفلةُ العامةُ الناجمةُ عن الضلالة، وتَغلِب السياسةُ والفلسفة.. وهو أن أصحاب المناصب والمقامات الرفيعة يجعلون كلَّ شيءٍ تابعًا لهم وسُلَّمًا، حتى إنهم يجعلون من مقدَّساتهم أدواتٍ لمقاماتٍ دنيوية؛ وإنه إذا كان المبتغى مقاماتٍ معنوية، كان التوسُّلُ إليها والسعيُ نحوها بشتى الوسائل والأدوات أشدَّ وأقوى، والساعي إلى هذه المقامات مُتَّهَمٌ بأنه يَجعل بعضَ الحقائق والخِدْمات القدسية وسيلةً وسُلَّمًا للمحافظة على نفسه في نظر العامة، ولتصويرها لهم على أنها لائقةٌ بتلك المقامات، وعندئذٍ يتعدَّى الضررُ فيَصِلُ إلى الحقائقِ التي ينشرها، فيَشوبُ رواجَها تردُّدٌ كثير؛ فإذا كان النفع المتحقِّق للشخص أو المقام واحدًا، فالضرر اللاحق بعامة الناس یی لعدم الرواج یی ألْفٌ.
والحاصل أن حقيقة الإخلاص تمنعني من كلِّ ما من شأنه أن يكون وسيلةً لساهٍ وسمعةٍ أو مرتبةٍ ماديةٍ أو معنوية.
نعم، صحيحٌ أن هذا يُلحِق بالخدمة النورية ضررًا كبيرًا من حيث الكمية، لكنْ ليس للكمية أهميةٌ في مقابل النوعية؛ ولهذا أرى أن تلقين عَشَرةِ أشخاصٍ الحقائقَ الإيمانيةَ التي هي أسمى من كلِّ شيءٍ، وتعليمَهم إياها تعليمًا متحققًا بالإخلاص من موقعِ الخادم الخالص، أهمُّ من إرشادِ آلافِ الناس من موقعِ قُطبٍ عظيم؛ لأن هؤلاء
— 95 —
العَشَرة يَرَون تلك الحقائق أسمى من كلِّ شيء فيَثبُتون، وعندئذٍ يمكن لقلوبهم التي هي بمثابة بُذورٍ أن تنمو وتترعرع فتغدو أشجارًا، أما أولئك الآلاف فيمكن أن يُهزَموا ويتفرَّقوا بسبب الشبهات والوساوس الآتية من الدنيا والفلسفة أولاً، وبسبب نظرهم إلى درس ذلك القطب على أنه آتٍ من مقامه الخاص ومن مشاعره الخاصة ثانيًا؛ فلأجل هذا المعنى أُرجِّح خدمةَ الحقائق على المقامات.
وأَذكر بهذا الخصوص أمرًا، وهو أن الإساءة التي وُجِّهَتْ إليَّ يوم العيد، صحيحٌ أنها كانت مدبَّرةً من أعدائي، وكانت تخالف القانون من خمسةِ وجوه، إلا أني خشيتُ أن تَحُلَّ بفاعلها مصيبة، لأن المسألة أخذتْ أبعادًا أخرى لدى عامة الناس، بحيث إنْ حَلَّتْ بالرجل مصيبةٌ فلربما أَولاني الناسُ مقامًا وعدُّوها كرامةً عجيبةً لي، فدعوت ربي قائلًا: اللهم أصلح شأنَ هذا الرجل، أو جازِه بما يستحقُّه من غير أن يبدو الجزاءُ كرامةً لي.
وبهذه المناسبة أُبيِّن أمرًا، وهو أنني وجدتُ بين رسائل طلاب النور التي سلَّمتْنا إياها المحكمةُ مؤخَّرًا رسالةً عليها تواقيعُ كثيرة، ولعلَّها أُدرِجتْ في "المَلاحق"، وهي رسالةٌ تتحدث عن البركة التي يجدها طلاب رسائل النور في معيشتهم، وتتحدث كذلك عن الصفعات التي نزلت ببعضهم؛ فكما أن في "قَسْطَموني" طلابًا تلقَّوا صفعات، فإن هاهنا خمسةَ طلابٍ كذلك لا يُساورنا شكٌّ في أنهم تلقَّوا صفعاتٍ كأولئك.
(حاشية): نعم، رأينا ذلك بأعيننا، فلم تَبقَ لدينا شبهةٌ في ذلك؛ باسم الطلاب هنا: جيلان، إبراهيم.
سأل أحد نُسَّاخِ رسائل النور: لماذا تَنزل الصفعاتُ على تقصيراتِ مَن يوالي رسائل النور، ولا يقع مثل ذلك على أعدائها الذين يهاجمونها؟
الجواب: إن مَن يعادي رسائل النور ويَغدِر بها إنْ كان شخصًا غيرَ رسمي، أو كان يفعل ذلك باعتبارٍ شخصيٍّ خصوصي، فإنه يتلقى الصفعةَ خصوصيةً، وهذا النوع من الوقائع كثيرٌ جدًّا.
وفي مقابل هذا، فإنَّ في مَن يوالون رسائلَ النور ولاءً تامًّا، أمثلةً كثيرةً جدًّا لمن غَدَوا مَظهرَ إكرامٍ بالبركة في معيشتهم والراحة في قلوبهم.
— 96 —
أما إذا كان مَن يعادي الرسائل ويَغدِر بها شخصًا رسميًّا يتعدَّى عليها باسم القانون، فإنه يَصير وسيلةً لصفعةٍ عموميةٍ تَعُمُّ البلدَ وأهلَها المساكين، ويكون سببًا لنزول البلايا كالزلازل أو القحط أو الأمراض أو العواصف والأعاصير، ويَظهر وكأنه لم يتلقَّ صفعةً في الظاهر.
وأيضًا إذا كانوا يتعرضون لخدمتنا الإيمانية لمصلحة الكفر والإلحاد، فإنه لما كان ظلمُ هؤلاء عظيمًا يبلغ درجةَ الكفر، كان جزاؤهم بمعظمه مؤجَّلًا إلى الآخرة، فلا يُعجَّل لهم في الدنيا كما يُعجَّل ما دونه من الظُّلم؛ إذِ "الظلم لا يدوم، والكفر يدوم" كما تقول القاعدة.
الباقي هو الباقي
سعيد النُّورْسِيّ
٭٭٭

إلى السيد مديرِ الأمن العام بأنقرة..

إنْ كنتَ تريد الحديثَ إلى شخصٍ مسكينٍ ما زال منذ عشرين سنةً يلتزم الصمت حيالَ ما يقاسي من سجنٍ انفراديٍّ وتجريدٍ مطلقٍ غيرِ رسميَّين، وما يَلقى من مضايقاتٍ وتشديداتٍ لا مثيلَ لها ولا مسوِّغَ سوى أوهامٍ وهواجسَ لا أصل لها؟ فإنْ كنت تريد لقاءَه لقاءً حقيقيًّا جادًّا غيرَ رسمي، فها أنَذا أتحدث إليكم قليلًا.
أولًا: طَوالَ سنتَين خَلَتا، دَقَّقتْ محكمتان في جميع ما كتبتُ من مؤلفاتٍ ومراسلاتٍ خلال عشرين سنةً من حياتي، فلم تَعثُرا فيه على مادةٍ واحدةٍ تَمَسُّ إدارةَ البلاد وأمنَها، بل لا توجد فيه مادةٌ كهذه أصلًا، والدليل على ذلك أن المحكمتَين أعادتا إليَّ جميعَ كتبي یی الخصوصيةَ وغيرَ الخصوصية یی مع الحكم بالبراءة.. وكفى بهذا حجةً لا تُجرَح، وسندًا لا يُخدَش.
أما حياتي قبل هذه العشرين سنة، فكانت هي الأخرى مبذولةً بتضحيةٍ وسخاءٍ لمنفعة هذا الوطن والشعب، والدليلُ على ذلك تقديرُ القائد العام لخدماتي التي
— 97 —
أَسديتُها تحت إمرته بوصفي قائدًا لفوجٍ من المتطوعين في الحرب العالمية الأولى، وتقديرُ قياداتِ حكومة أنقرة لخدماتي الفائقة في حرب الاستقلال، واستقبالُ مجلس الشعب إيَّاي بحفاوةٍ وتقدير.. وهذا يعني أن العذاب والأذى الذي لقيتُه طَوالَ هذه العشرين سنةً كان مَحضَ معاملةٍ تَعَسُّفيةٍ غيرِ قانونية.. لقد مرَّ عليَّ في هذه العشرين سنةً أربعون عيدًا وأنا مُنزَوٍ وحيد!! كفى.. أنا عند باب القبر، فلا تُحوِّلوا نظري إلى الدنيا.
ثم إنه بالنظر إلى كونكم رئيسَ الأمن العام، يتحتم عليكم أن تكونوا مؤيِّدين لخدمتي التي أقوم بها، لأنَّ دروسَ رسائل النور یی كما شَهِدتْ لها المحاكم یی حين تتناول الشأن الدنيوي، تعمل بكل قوتها للحفاظ على أسس الأمن والاستقرار، وتُرسي دعائمَهما، وتقطع الطريق على الفساد والفوضى والاضطراب، حتى لقد غدتْ هذه الدروس أشبه بضباطِ شرطةٍ قدسيِّين معنويين، والدليل على هذا يُقدِّمه رجالُ الشرطة المنصفون الذين وَجدوا أن مَن يتلقَّون درسَهم من رسائل النور، يحافظون على الأمن والاستقرار أكثرَ من رجال الشرطة؛ وهذا أمرٌ أستطيع أن أُشهِد عليه شرطةَ ثلاثِ ولايات.
لقد تَبيَّن لي أن ما قام به المسؤولون مؤخرًا بشكلٍ مكثَّفٍ من تخويف الناس من اللقاء بي والتواصل معي، إنما كان بهدفِ كسرِ إقبالِهم وتوجُّهِهم الذي يفوق حدي ولا أستحقُّه؛ وإني بهذا الخصوص أُبيِّن لكم ما بَيَّنتُه وكتبتُه إلى خواصِّ إخواني في مراسلاتنا الخصوصية، وهو أني لا أقبل تَوجُّهَ العامَّة إلى شخصي، بل أرفضه رفضًا قاطعًا، لأنه مخالفٌ لمسلكنا وإخلاصنا؛ ولقد كَسَرتُ خواطرَ كثيرٍ من خواصِّ إخواني لأجل هذه المسألة؛ فإنْ كان من أمرٍ سوى ذلك، فهو أني قبِلتُ أخبارًا غيبيةً أَخبَرَ بها السادةُ الأولون والأفاضلُ السابقون عن قيمةِ رسائل النور التي تُفسِّر حقيقةَ القرآن الحكيم بصورةٍ لا مثيل لها، فكتبتُ أخبارهم، وأثبتُّ أني مجرَّدُ خادمٍ بسيط؛ فإنْ فرضْنا بعدَ هذا أني مِلْتُ إلى توجُّه الناس وإقبالهم، فهذا يَخدُم الأمنَ والاستقرار، ويعود بالفائدة على مسؤولي الأمن أمثالِكم.
— 98 —
ألا ما دام الموتُ لا يُقتَل، وكان قضيةً أهمَّ من الحياة بكثير، وكان تِسعون بالمئة من الناس يعملون ويجتهدون لسلامةِ هذه الحياة.. فإنا نحن تلاميذَ رسائل النور نتصدَّى لقضية الموت وهجومِه الرهيبِ الذي سيَنزِل بكلِّ أحدٍ لا مَحالة؛ فحمدًا لله بلا حدٍّ أن رسائل النور استطاعت یی حتى يومنا هذا یی أن تُحوِّل الموتَ لدى مئاتِ الآلافِ من الناسِ من إعدامٍ أبديٍّ إلى مذكِّرةِ تسريحٍ وإعفاء، ونستطيع أن نُبرِز لهذا مئاتِ الآلافِ من الشهود؛ ولقد كان الحريُّ بأمثالكم من مُحبِّي الوطن والشعب أن يقابلنا في نقطةِ الحقيقةِ هذه بالتقدير والتشجيع، فإذا بنا نُقابَل بالتضييق والملاحقة وتوجيه التُّهَم لمجرَّد هواجسَ وأوهام.. فما أَبعدَ هذا عن الحَمِيَّة والإنصاف!! أحيل الأمر إلى إنصافكم.
في العزل والسجن الانفرادي غير الرسمي
سعيد النُّورْسِيّ
٭٭٭

إلى مديرية أمن أفيون..

أُبيِّن لكم شؤوني الخاصة ثقةً بإنسانيتكم ووجدانِكم؛ على أنَّ لكم معنا علاقةً وثيقةً باعتبارِ الوظيفة؛ ذلك أنه طَوالَ عشرين سنةً لم تقع من أحدٍ من مئاتِ آلافِ طلاب النور واقعةُ إخلالٍ بالأمن قَطّ، وهذا ما يؤكِّده كثيرٌ من رجال الشرطة باعترافهم، وبعدمِ تسجيلِهم أيَّ شيءٍ ضدَّنا.
سمعتُ من أحد الفِتْيةِ بمجيء مدير الأمن العام من أنقرة إلى هنا، فقلتُ في نفسي: لا بد أنه سيَسأل عن وضعي، فكتبتُ شيئًا أُقدِّمه إليه بدلًا من التحدث إليه، وذلك لسوء حالتي الصحية، ثم علمتُ أنه غادر المدينة فجأة؛ لذا أُرسل إليكم ما كتبتُه مُرفَقًا برسالتي هذه لتقدِّموه إليه بغرض الاطِّلاع إن رأيتم ذلك مناسبًا؛ فأنا لا أعرف مثلَ هذه الإجراءات، كما لا يمكنني اللقاء بالناس، وليس لي هنا أحدٌ أستشيره غيرَك.
— 99 —
صحيحٌ أن ما يتعلق بشخصي أمرٌ جزئيٌّ لا أهميةَ له، إلا أن ما يتعلق برسائل النور بالغُ الأهمية لهذا الوطن والشعب.
وإنني بناءً على قناعتي القطعية، وبناءً على أماراتٍ كثيرة، أُبين لكم بيانًا قطعيًّا بأنه عمَّا قريبٍ سيَشعر هذا الشعبُ والوطنُ والحكومةُ بالحاجةِ الماسَّةِ إلى مؤلَّفاتٍ كرسائل النور، وأنهم بإبرازهم إياها سيُثبِتون وجودَهم، وسيَكشفون عن مكانتهم وشرفهم ومفاخرهم التاريخية أمام العالَم الإسلاميِّ والعالَم بأجمعه.
سعيد النُّورْسِيّ
٭٭٭
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
يَسأل "علي أفندي"، أحدُ طلاب رسائل النور بقريةِ "علي كُوي"، عن آيةٍ كريمةٍ تتحدث عن المنافقين، وسأُبيِّن له الجواب في بِضعِ جُملٍ مختصرة، لأن وقتي لا يسمح بالتوسُّع.
إن الآية التي تنهى عن الصلاة على مَن مات مِن المنافقين إنما تتناول المنافقين المقطوعَ بنفاقهم بالإخبار الإلٰهيِّ في ذلك الزمان، وإلا فلا يجوز أن يُقال عن شخصٍ ما بمجرَّد الظن والشُّبهة: إنه منافقٌ فلا يُصلَّى عليه؛ إذْ ما دام يقول: لا إلٰهَ إلَّا اللهُ فهو من أهل القِبلة، فيُصلَّى عليه، إلا أن يكون صَرَّح بالكفر أو لم يَتُب عنه.
وبالنظر إلى كثرةِ العلويين في قرية "علي كُوي"، وإمكانيةِ بلوغ بعضهم مبلغَ الروافض، فإنهم لا يمكن أن يكونوا یی في أسوأ أحوالهم یی داخلين في حقيقةِ النفاق؛ لأن المنافق لا قلبَ له ولا اعتقاد، ولا وجدانَ له ولا ضمير، بل هو شخصٌ يعادي النبيَّ (ص) كبعض الزنادقة اليوم؛ أما غُلاةُ العلويين والشيعة فلا يُعادون النبيَّ (ص)، بل يُفْرِطون في حُبِّه نتيجةَ حبِّهم لآلِ البيت، وإفراطُهم يأتي في مقابل تفريط المنافقين، وهم بتجاوزهم لحدود الشريعة أهلُ بدعةٍ فاسقون، ليسوا منافقين ولا داخلين في
— 100 —
الزندقة؛ ويكفيهم ألَّا يتعرَّضوا للخلفاء الثلاثة الراشدين یی أبي بكرٍ وعمر وعثمان یی الذين أَجَلَّهم سيدُنا عليٌّ رضي الله عنه وقَبِلَ بحكمهم، وكان لهم بمرتبة شيخ الإسلام طَوالَ عشرين سنة؛ فإن لم يتعرَّضوا للخلفاء الثلاثة الراشدين، وأَجَلُّوهم كما أَجَلَّهم سيدُنا عليٌّ رضي الله عنه، وأقاموا الصلاة، فذلك يكفيهم.
ثم إنَّ أعظمَ أستاذٍ لطلابِ رسائل النور یی بعد النبي (ص) یی هو الإمامُ عليٌّ بشهادةِ "الجَلْجَلوتية"، وما دام الأمر كذلك، فينبغي للشيعة والعلويين الذين يدَّعون محبتَه أن يُصغوا إلى دروس رسائل النور أكثرَ من السنّة، وإلا كانوا مُخطئين في دعوى المحبة.
على أنني قد سمعتُ قبل سنواتٍ أن الأطفال الأبرياء في تلك القرية العَلَوية قد شرعوا بنَسخِ رسائل النور بهمةٍ ونشاط، وبتشجيعٍ من ثلاثةِ إخوةٍ كلٌّ منهم يُدعى "عليًّا"، فأشركتُ هذه القرية في دعائي منذ ذلك الحين، ولن تذهب هذه الدعواتُ سُدًى بإذن الله تعالى، بل سيتَّفق أهلُ هذه القرية بقسمَيهم السُّني والعَلَوي إن شاء الله، بجهودِ مَن فيها مِن إخواننا، كالأخ "عليٍّ" الذي يُرجى أن يَؤمَّ الناس في الصلاة هناك، و"كعليٍّ الصغير" وارثِ الحافظِ "عليٍّ رحمه الله".
٭٭٭
لا تهتموا لحادثةِ الإهانةِ التي وقعت مؤخرًا، فقد انطفأتْ نارُها، وفَشِلتِ الخطةُ المُدبَّرة من ورائها؛ أما الشخص الذي قام بها فهو اليوم يسعى لتخليص نفسه من مَقْتِ الناس، ويَحلِف الأيمان مُنكِرًا ما فَعَل، يقول: لم أعرف أنه هو، وإلا لما تعرَّضتُ له؛ والحقُّ أنه مَدَّ يده ونزعَ المنديل عن رأسي، ولم يكن سَبَق له فِعلُ ذلك من قبل، وما تجرَّأ على هذه الإهانة إلا لتلقِّيه خبرًا بمجيء مدير الأمن العام من أنقرة إلى هنا برفقة مسؤولين كبار، فلقد قَدِم هؤلاء إلى هنا، غير أن الوالي الذي ينحدر من مناطق "الرُّومَلي"، والذي يُكِنُّ العَداءَ لي، لم يُمكِّنهم من اللقاء بي.
— 101 —
وكنتُ قد أرسلتُ إليكم الرسالةَ التي خاطبتُ بها مديرَ الأمن العام، وقد أرسلتُها كذلك إلى مديريةِ أمن أفيون لتُوصِلَها إليه.. فلا تهتموا لشيء، فلستُ متأثرًا مما جرى، بل لم تبقَ للأمر أهمية؛ ثم إني یی كما في كلِّ مرة یی شاهدتُ بشكلٍ قاطعٍ كيف حَوَّلَ القدَرُ الإلٰهيُّ ظلمَهم لي إلى رحمة، فلله الحمدُ والشكر.
وإني بينما كنتُ بالأمس أرقُبُ وصول الأمانات المُقرَّرِ إرسالُها بعد العيد، إذْ وصلتْني رسالتكم، وقرأتُ فيها جملة: "إن لم يكن ثمة إشعار، فسنبعث بها بعد عشرة أيام"؛ ما يعني أنكم تخوَّفتم فلم ترسلوها، والحقُّ أنه ليس ثمة ما يدعو للتخوُّف، على أنَّ عدمَ إرسالها وعدمَ وصولها إلى هنا وقتَ مجيء المسؤولين كان احتياطًا حسنًا وقع بغير اختيار.
٭٭٭
وصلتْني رسالةُ "صلاح الدين" المطوَّلة، وقد سرَّتْني بقدرِ عشرِ رسائل، وهي تُنْبئ أنَّ هذه العواصف لم تؤثِّر شيئًا في وفائه وثباته، وأنه على الدوام بمثابة "عبد الرحمن"، وأن إخوتَنا في تلك النواحي يعملون بجِدٍّ دون كللٍ ولا ملل؛ فقلتُ: ما شاء الله.. الأب والابن ثابتان راسخان كأبطال "إسبارطة" لا يتزعزعان.
على أن انتشار رسائل النور اليوم بطريقِ الطباعة يستلزم إخلاصًا حقيقيًّا، وتسانُدًا قويًّا، وإغضاءً عن الزلَّات والهفوات وتسامحًا فيها، ولهذا ينبغي لإخواننا في ولاية "قَسْطَموني" التشبُّهُ بأبناء "إسبارطة" في التساند والإخلاص، وهم بإذن الله لن يسمحوا لمشاعرهم الشخصية أن تَضُرَّ بهذه الخدمة القدسية.
ثم إنه وإنْ نالت رسائلُ النور حريَّتَها، وانتصرتْ بجهةٍ ما على أعدائها، بما انطوتْ عليه من نورٍ وقوةٍ في حقائقها، إلا أننا بحاجةٍ للاحتياط والحذر أكثر مما كنا عليه في السابق، لأن الأعداء المنافقين لا يتوانَون، بل هم دائبون في تصيُّد الذرائع وتضليل الحكومة.
— 102 —
يسأل "صلاح الدين" عن أمرٍ خصوصيٍّ يتعلق به، فهو يرغب في الزواج، وبما أنه من الخواصِّ فلا ريب أنه لن يُقدِمَ على هذا الأمر إن كان فيه إضرارٌ بخدمةِ رسائل النور؛ فإن عَلِم أنه يستطيع أن يجعل رفيقةَ الحياة مُعينةً له في خدمة رسائل النور كما هي حالُ بعض إخواننا الخواصِّ فله أن يتزوج، لأن حياة الخواصِّ عائدةٌ لرسائل النور، وقد تُقيَّدُ ببعض القيود بحسب ما يرى طلابُها الممثِّلون لشخصها المعنويِّ، فإن تمَّ ذلك بموافقة أبوَيه أيضًا فلا ضرر إن شاء الله.
٭٭٭
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
لا تهتموا ولا تُلقوا بالًا للأمر، فليس ثمة ما يدعو للقلق؛ كلُّ ما في الأمر أن ضابطًا علِمَ بمجيء مديرِ الأمن العام وبعضِ المسؤولين من أنقرة إلى هنا، في أمرٍ له صلةٌ خَفيةٌ بي بجهةٍ ما، فتجرأ وتعرَّض لي تعرضًا خفيفًا قبل مجيء المسؤولين، ثم ندِم على ما فعل، ولم يقع بعد مجيئهم شيءٌ يثير القلق.
وأحسِبُ أن ما يَمَسُّني يَسري بدرجةٍ ما إلى إخواني، ولهذا لقيَ "فيضي" تعرُّضًا ظاهريًّا خفيفًا، لكني أريد أن أعرف بأيِّ ذريعةٍ دَهَموه؟ وعن ماذا فتشوا؟ وما تفاصيلُ ما جرى؟ إذْ ما دامت ثلاثُ محاكم أعادت إلينا جميعَ كتبنا ومراسلاتنا بعد سنتَين من التدقيق، وتَحقَّقَ لهؤلاء أنْ ليس لنا علاقةٌ بما في العالَم كلِّه من سياسة، فعن ماذا يمكن أن يبحثوا بعد ذلك؟! أقصى ما يمكنهم فعله هو أن يمارسوا باسم القانون إجراءاتٍ خصوصيةً غيرَ قانونية، بدافعٍ من الحقد والضغينة، أو بتحريكٍ من الزنادقةِ العاملين في الخفاء، وهذا الأمر يستدعي منتهى التساند والمتانة، والثبات ورباطة الجأش.
٭٭٭
— 103 —
أخي العزيز الوفي..
كان لقاؤنا في المسجد قصيرًا، وأوَدُّ أن أكلِّمك ببعض الأمور الضرورية، فكن منها على ذُكْر.
أولًا: أُسلِّم على إخواني الأعزاء في "بارلا" أمثالِ "الشامي" و"سليمان" و"بحري"، وكذا أصحابِ "صبري" الحقيقيين: "حقي"، و"خُلوصي"، و"پَ محمد" في "بَدرة"، فلقد أدَّوا في عشر سنين وظيفةً لا تؤدَّى إلا في مئة سنة.
ثانيًا: إن الوظيفة التي وَرِثَها "مصطفى" المبارك من "عبد الرحمن"، هي الآن في عُهدة شقيقه البطل "علي الصغير" وابنِه المبارك يؤدِّيانها بتمامها، فوظيفتُه وخدمتُه مستمرَّةٌ لم تنقطع، فلا يَحزن ولا يهتم.
والحقُّ أن البِذار النورانية التي بَذَرَها الحافظ "مصطفى" أيامَ المرحوم الحافظ "علي" بالتعاون معه قد آتت محصولًا كثيرًا طيِّبًا مباركًا، كما أن خدمتَه لي في السجن نيابةً عن الحافظ "علي" بعد وفاته رحمه الله تجعلني أستحضر ذكراه على الدوام.
ونَذكر كذلك ما قام به البطل "طاهري" مع "عبد الله چاويش" أبرزِ وُرَّاثِ المرحوم "لطفي"، إذْ جعلا قرية "أتابك" كقريتِي "نُورْس"؛ وكذا "عبد الله" ابنُ قريةِ "إسلام كوي"، الذي أسدى في أيام الحافظ "علي رحمه الله" خدمةً جليلةً لرسائل النور؛ فلهؤلاء جميعًا أبلِّغ سلامي، كما أدعو لأهلِ بيتِ "طاهري" الذي غدا بيتُه مدرسةً نوريةً مصغَّرة.
كما نبلِّغ سلامَنا لابن قرية "إسلام كوي": "خليل إيراهيم" الذي يقدِّم نموذجًا جديدًا عن الحافظ "علي رحمه الله"، ويذكِّرنا بوفاءِ "خليل إبراهيم الميلاسي"، فله ولأمثاله من إخواننا هناك سلامُنا العاطر.
ولا تنسَ أن تُبلِّغ بشكلٍ خاصٍّ البطلَ "برهان" شقيقَ البطل "رشدي" بإسبارطة بأنه قد أسدى إلينا معروفًا جليلًا، وأنه قدَّم لنا ولرسائل النور خدماتٍ جَمَّةً بعملٍ يسير، وقد سبق أن شافهتُكَ بهذا فلا تَنْسَه.
— 104 —
والتقِ خصوصًا بی"ذَكائي" وقل له: إني أشكر الله تعالى أنْ وهبني بك ابنَ أخٍ آخَر كی"عبد الرحمن"، لكنه في صورة "ذَكائي" واسمه.
تَعْلمُ ما شافهتُك به سوى هذا، وأنتَ رسالتي.
٭٭٭
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
سرَّتْني كثيرًا رسائلُكم الجميلةُ المفرِحةُ التي وصلتْني مؤخرًا تتحدث عن حريةِ رسائل النور وانتشارها بواسطة النَّسْخ الآلي، وإنَّ مجيء البطل "طاهري" إلى هنا من جديدٍ ليقوم بهذا العمل الجليل قد حوَّل نظري نحو الدنيا بشِدة، فقلتُ بقلبي: ما دام إخواني يطلبون الأمر بهذا القدر فسنتحرى إليه سبيلًا؛ ثم خَطَر بقلبي ليلًا أن العناية الإلٰهية لا تسمح بالحرية التامة لرسائل النور ولا بطبع جميعها بالحرف القديم العربي، لسببَين مهمَّين:
السبب الأول: أن كل طالبٍ توَّاقٍ متلهِّفٍ من طلاب النور إنما يؤدي عبادةً جليلةً باستنساخ الرسائل سِرًّا كما أشار إلى ذلك سيدنا عليٌّ رضي الله عنه، سواءٌ كان يستنسخُها بقلمه أو يَدفع غيرَه إلى استنساخها.
ثم إنَّ نشر أنوار الإيمان بواسطة الكتابة والاستنساخ هو بحكمِ الجهاد بالمِدادِ الذي يوزَن في الآخرة بدماء الشهداء على وجه الرُّجحان؛ فلو طُبِعت الرسائلُ بدلًا من نَسْخِها لحَصَلَ كلُّ شخصٍ عليها بسهولة، فلم يَعُد ناسخُها يَجِدُّ في نَسخِها برغبةٍ ولهفة، ولَخسِرَ وظيفةَ الخدمة بنشر الأنوار فعليًّا.
السبب الثاني: أن إحدى الوظائف المهمة لرسائل النور هي الحفاظُ على الحرف العربي، الذي به خَطُّ وكتابةُ الأكثرية المطلقة في العالم الإسلامي، فلو سلكنا في العمل سبيلَ الطباعة، لَلَزِم طبعُ أكثر الرسائل بالحرف اللاتيني المُستحدَث، إذْ لا
— 105 —
يَعرف معظمُ الناس هنا سواه، وسيكون الأمر عندئذٍ فتوًى من رسائل النور للحرف اللاتيني، كما سيكون سببًا لترجيحِ طلابها هذه الكتابةَ السهلة.
فلأجل هذا لم تُمنَح رسائلُ النور الحريةَ حتى الآن، رغم استحقاقِها لها وجدارتِها بها أيَّما جدارة؛ وحمدًا لله أنها نالتِ اليومَ حريتَها بقوةِ حقائقها، وأظهرتْ كرامةً كبرى إذْ أعادتْ لنا رسالةَ "الآية الكبرى" المكتوبةَ بالحرف العربي رغم حظرِ الطباعة به.
أرسلتُ "طاهري" إلى إسطنبول لطبع "الثمرة" و"حجةِ الله البالغة" في مجلَّدٍ واحدٍ بالحرف اللاتيني المستحدَث، وذلك لأهميتهما وحاجةِ الجميعِ إليهما اليوم، غير أني لعدمِ توفُّر الوقت سلَّمتُه المسألتَين العاشرةَ والحاديةَ عشْرةَ من "الثمرة" غيرَ مُصحَّحتَين، فإنْ تَقرَّر أمرُ الطبع فصحِّحوهما تصحيحًا تامًّا وأرسِلوهما إليه؛ على أنه ينبغي طبعُ هاتين الرسالتَين بالحرف العربي سواءٌ داخل البلاد أو خارجَها، خُفيةً أو علانيةً، في إسطنبول أو في غيرها.
وكذلك ينبغي العمل ما أمكن لطبع "رسالةِ المعجزات القرآنية" بذيولها، و"رسالةِ المعجزات الأحمدية" بذيولها، كلتَيهما في مجلدٍ واحدٍ وبالحرف العربي، سواءٌ في إسطنبول أو في مكانٍ آخر، وذلك على غِرارِ طبعِ "الحزب النوري" و"حزب القرآن" بالحرف العربي وبالتوافقات، ليكون ذلك مقدمةً لطبع القرآنِ المعجزِ البيان مراعًى فيه معجزةُ التوافق المشهودةُ بالعِيان؛ غير أنه يَلزم العملُ لهذه القضية القدسية بأناةٍ وتشاورٍ واحتياط.
نُسلِّم على جميع إخواننا فردًا فردًا وندعو لهم بالسلامة، ونشكر الله بلا حدٍّ على ما يتحلى به الكاتب "عثمان" و"خليل إبراهيم" من وفاءٍ متينٍ لا يتزعزع ولا يتغير، حتى أصبحا للكثيرين مثالًا يحتذى.
٭٭٭
— 106 —

ذيلُ مُلحَقِ المكتوب السابع والعشرين

باسمه سبحانه
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
تسلَّمتُ مؤخَّرًا رسالةً مُسهَبةً بليغةً تُثني على رسائل النور ثناءً عاطرًا بديعًا..
(حاشية): نُشِرتْ هذه الرسالةُ المُسهَبةُ بتمامها في كتابٍ بعنوان: "محاضرة حول رسائل النور" أُلقيت بجامعة أنقرة؛ المُعِدُّون.
كتبَها أخونا "حسن فيضي" أحدُ أبرزِ وُرَّاثِ الشهيد المرحوم الحافظ "علي"، والممثِّلُ الرفيعُ لطلاب "دَنِزْلي"، والمعبِّر البليغُ عن مدى إقبالِ هذه المدينة على رسائل النور.
والحقُّ أني وجدتُ هذه الرسالةَ شهادةً لرسائل النور ساطعةً بالغةَ الأهمية؛ ذلك لأن كاتبَها الفاضل عالِمٌ توثَّقتْ صلتُه بالعلوم الحديثةِ منذ زمنٍ بعيدٍ تعلُّمًا وتعليمًا؛ ولأن الرسالةَ نفسَها شاهدٌ قويٌّ وشهادةٌ متينةٌ للمنزلة الرفيعة التي تبوأتْها رسائلُ النور في "دَنِزْلي"؛ ولأنها تُقدِّم إيضاحًا تامًّا لقضايايَ الهامةِ التي أوردتُها في رسائل الحسِّ قبل الوقوع؛ ولأنها تُفَصِّل ما أَجملْتُ من بيانٍ لأهمية رسائل النور، أدرجتُه في رسالةٍ كتبتُها بخصوص مساعي أخينا الحافظ "مصطفى".
على أني في المقابل رأيتُ من المناسب طيَّ أو تعديلَ فقراتٍ تتحدث عني، كما وجدتُ عباراتٍ في موضعين أو ثلاثةٍ ليس من المناسب عرضُها للجميع، فضربتُ عليها بخطٍّ، ثم أرسلتُها إليكم لتضاف إلى "المكتوب السابع والعشرين" ذيلًا له أو لمُلحَقه؛ ولكم أن تكتبوا هذا الجزء من كلامي في أول الرسالة.. رسالةِ أخينا "حسن
— 107 —
فيضي"، ولا يَحزُنْه طَيِّي بعضَ جُملِه، لأن ما طويتُه ليس لازمًا لعموم الطلاب، وإنما يمكن أن يبقى خصوصيًّا لدى البعض.
إن هذا الفاضل يخاطب الحقائقَ الإيمانيةَ والقرآنيةَ على نحوٍ كما لو أنها تَجسَّدتْ في ماهيةِ شخصٍ معنويٍّ، فدخَلَتْ جسدَ الشخصِ المعنويِّ لرسائل النور وارتدَتْ أجزاءَها لباسًا، فهو يخاطبها خطابًا مباشِرًا بهذا الاعتبار ويُثني عليها بالغَ الثناء.. وإني حين نظرتُ فيما قال، وَرَدَ خاطرُ اعتراضٍ بأنه بالَغَ في حُسْن الظن، فقالت لي الحقيقةُ القرآنيةُ معنًى: "لا تنظر إلى الجسد واللباس.. بل انظر إليَّ.. فإنه يتحدَّث عني، وإنه مُحِقٌّ فيما يقول"، فلم أمَسَّ شيئًا من كلامه بعدئذٍ.
لكنْ من الضروريِّ تعديلُ العبارات التي أثنى بها على تَرجُمان رسائل النور صراحةً أو إشارةً أو كنايةً ثناءً يفوق حدَّه بكثير، فإنَّ مسلكنا يستلزم عدمَ قبول هذا النوع من حُسْنِ الظن في شخصي المسكين، فضلًا عن عدمِ قبوله لدى غيرنا لا سيما أهلِ الانتقاد، فلا يَحزُنْه تعديلي.
٭٭٭
فإنه یی أي بديع الزمان یی خادمٌ للنور، فلو أنه تمنى الدنيا وطلبها، أو قَبِل ما يُعرَضُ عليه من هدايا وأُعطيات، وصدقاتٍ وزَكَوات، وتبرعاتٍ وتَرِكات، لغدا اليومَ غنيًّا ثريًّا يمتلِك الملايين، لكنه تأسَّى بقول سيدنا عمر رضي الله عنه: "لو أني حمَّلتُ كاهلي ما يفوق حاجتي من متاعٍ وأعباء، لتخلَّفْتُ عن الطريق ولم أتمكن من اللحاق بروح العالم وحبيب الله محمد العربي (ص)، وبأحبابه من الكمَّل والواصلين، ولَظلَلتُ منقطعًا في منتصف الطريق".
فلهذا صَرَف همتَه وقَصَر خدمتَه ووهب حياتَه لنشر الأنوار القرآنية، تاركًا الدنيا وما فيها، متخليًا عما يحب وما يرغب فيها، بل فانيًا عن شهودِ تَرْكِه وتَخَلِّيه، متأسيًا ومتبعًا نهجَ صاحب الرسالة (ص) الذي حِيزَت له الدنيا وما فيها، فأبى أن يكون له مرادٌ غيرُ الله جل وعلا.
— 108 —
ولهذا يَرى في كلِّ مِحنةٍ يقاسيها مِنحةً، وفي كلِّ خدمةٍ يؤديها حكمةً، ويَشهَد الجمالَ من وراء الجلال، فإذا بالعالَم كلِّه روضةُ كمال.
نعم، يقول الشاعر نيازي المصري:
مَن لم يَرَ اللطفَ والقهرَ شيئًا واحدًا ذاق العذاب
لا يَفقَه عنا إلا مَن نجا من العذاب فغدا سلطانًا
وهذا حال تَرجُمان النور، يرى كلَّ شيءٍ حسَنًا، فتَصير القطرةُ عنده بحرًا، ويغدو المرءُ عنده إنسانًا، ويُشرِق نورُه على العالَم سلطانًا.
وإن كلمةَ "كُردي" التي قيلت له، والإشارةَ والإيماءَ إليه بكلمةِ "يا مُدرِكًا" الواردةِ في قصيدة الإمام عليٍّ كرم الله وجهه، هي یی بعد الحذف والقلب یی لا تدل على كرديته في الحقيقة، ولا تقتضي بُعده عن سلسلة الشرف والسيادة المعنوية، وهذا اللقب الذي اشتهر به ليس لإثبات كرديته، بل لمجرد الإعلان للعالَم بأن تَرجُمان رسائل النور هو ذاك الذي نشأ وترعرع في أرض كردستان.
وأظن أن معرفتَه باللسان الكردي، وتَزَيَّيَه بذلك الزِّي، وظهورَه بتلك السِّيما، لم يكن لأجل إنكار هويته الحقيقي ة، بل كان بقصد السَّتر والخفاء، إذْ لا بد أن ثمة حكمةً جليلة ومعنًى مهمًّا في قضائه شطرًا مهمًا من حياته في هذه النواحي المأهولة بالأتراك، وفي حبِّه الشديد لأمة الترك البطلة التي أَسدت خدماتٍ جليلةً لعالم الإسلام وعالم الإنسان وللحرمين الشريفين عبر القرون.
فاللهم بحق رسولك الأكرم، وبكرامة الدماء الطاهرة التي سُفِكت على أرض كربلاء، وبالعيون التي بكت ليلةَ الفراق، وبالوجوه التي تمرغت على أعتاب محبتك.. اكتب النصر لرسائل النور وللأستاذ وللمسلمين.. آمين.
وأنتِ يا رسائل النور.. ما أشقى مَن يريد إطفاء نورك!! خاب سعيُهم، وخَبَا نجمُهم، وليس يَزيدُكِ كيدُهم إلا عزةً وإقبالًا، وشرفًا وكمالًا، فأنتِ شمسٌ لا تَفوت ولا تموت.
— 109 —
قامتُكِ شامخة.. عيونُكِ فاتنة.. والناظرُ إليكِ يا ليلى مجنون
كلماتُكِ فَرْشية.. نظراتُكِ عرشية.. فِداكِ الروحُ يا مَن بكِ القلب مفتون
نِقابُكِ النور.. سِيماكِ النور.. كتابُكِ النورُ يا نور
بستانُكِ نُورسي.. وطبعُكِ أُنسيّ.. ولُبابُكِ فردٌ إدريسي
يا وردةً تفتحت.. يا بلبلًا يَشدو.. على مُحيَّاك غِلالةٌ رهيفة.. مكتوبٌ عليها بالنور: قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى
فِداكِ الروحُ يا مَن كلماتكِ حق.. ومنبعكِ حق.. ومسلكُك حق.. ومقامُك الكعبةُ العليا
يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ
حضرةَ سيدي وأستاذي..
كتبتُ هذا بيدِ رسائل النور، وبقلمها وبلسانها.. بقبَسٍ منها الْتَمَعَ نورُه في قلب هذا العبد الفقير.. فأرجو منكم القبول، ودوامَ المدد والإلهام.. أُقبِّل يدَيكم بكل احترام، وأرجو دعاءكم سيدي.
طالبُكم المحتاج إلى دعائكم
حسن فيضي
رحمة الله عليه
٭٭٭
— 110 —
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
خَطَرَ بالقلب أن أُبيِّن لكم أربع مسائل..
المسألة الأولى: جوابٌ عن سؤالٍ يُسأل بلسان الحال والمقال وبأشكالٍ ومظاهر أخرى، إذْ يقال: ما دامت رسائلُ النور ذاتَ كرامات، وكانت تورِثُ المرءَ تَرَقِّيًا في انجلاءِ حقائق الإيمان أكثرَ مما تفعل الطريقة، وكان بعضُ تلاميذها الصادقين يتبوؤون درجةَ الولاية بجهةٍ ما، فلماذا لا تُشاهَد فيهم مَظهريةُ الكراماتِ المادية، والأذواقِ والكشوفاتِ المعنوية كالأولياء؟ بل لماذا لا يَطلب تلاميذُها أشياءَ كهذه أصلًا؟ ما الحكمةُ في ذلك؟
الجواب:
أولًا: سببُ ذلك هو سرُّ الإخلاص، لأن الكراماتِ والأذواقَ المؤقَّتةَ في الدنيا تَصير لمن لم يتغلب على نفسه مقصَدًا، فتُشكِّل بذلك سببًا لعمله الأخروي، فيَنتقِضُ إخلاصُه؛ ذلك أن الأذواق والمقاصد الدنيوية لا تُطلَب بالعمل الأخروي، فإن طُلِبَتْ به فَسَدَ سرُّ الإخلاص.
ثانيًا: الكراماتُ والكشوفاتُ إنما هي لتقويةِ عوامِّ السالكين في الطريقة، وأصحابِ الإيمان التقليدي الذين لم يبلغوا درجة التحقيق، وغيرِهم من الضعفاء أحيانًا، ولتعزيز القناعة فيمَن تُساورهم الوساوس والشُّبهات؛ والحال أنَّ ما تَعرِضه رسائلُ النور مِن حُججٍ للحقائق الإيمانية، لا يَدَع مجالًا لشيءٍ من الوساوس، ويَغرِسُ قناعةً لا تُبقي حاجةً إلى الكرامات والكشوفات. فلمَّا كان الإيمانُ التحقيقيُّ الذي تَمنحُه رسائل النور أسمى من الكشوفات والأذواق والكرامات، لم يكن تلاميذُها الحقيقيون لِيبحثوا عن شيءٍ من الكرامات ونحوِها.
ثالثًا: أحدُ أُسسِ رسائل النور: أن يؤديَ المرءُ الخدمة، فانيًا عن نفسه، عارفًا بعيوبه، يبتغي مرضاةَ الله وحدَه، من غير منافسةٍ للآخَرين.
— 111 —
والحالُ أن بين أهلِ الطريقة أصحابِ الكراماتِ والكشوفاتِ اختلافًا ونوعَ منافسة، وأن أهلَ الغفلة في زمان الأنانية هذا ، بظرون إلى الأمر نظرةً فيها إساءة ظنٍّ بأولئك السادة المباركين، إذْ يتهمونهم بالأنانية.. وهذا يؤكد أن إعراضَ طلاب رسائل النور عن طلب الكرامات والكشوفات، وعدمَ سعيهم وراءَها، هو اللازمُ، بل هو الألزم.
ثم إن الأهمية في مسلك رسائل النور لا تُولى للشخص، وإنَّ ما حَظِيَتْ به رسائلُ النور من إكراماتٍ إلٰهيةٍ فيما يَخُصُّ الشراكة المعنوية والتفاني بين الإخوان يكفي جميعَ طلابها، فلقد غَدَتْ مَظهرًا لآلافِ الكرامات العِلمية، ولقِيَتْ في انتشار خدمتها التسهيلات، ووجد العاملون لها في معيشتهم البركات، ونالتْ من أمثالِ هذه الإكرامات الإلٰهية، ما أغنى تلاميذَها عن طلبِ شيءٍ من الكرامات والكمالات الشخصية.
رابعًا: إن مئة روضةٍ من رياضِ الدنيا لا تَعدِل شجرةً واحدةً من رياضِ الآخرة، إذِ الأولى فانية، والأخرى باقية؛ غير أن الحِسِّيات الإنسانية المفتونة باللذة الحاضرة تُرجِّح ثمرةً حاضرةً فانيةً على روضةٍ أُخرويةٍ باقية، ولهذا لا يَطلب طلابُ رسائل النور الأذواق الروحانية والكشوفات المعنوية في الدنيا، وذلك لئلا تَستغل النفسُ الأمَّارةُ هذه الحالةَ الفطرية.
وشبيهٌ بحالةِ طلاب النور هذه ما حُكيَ عن رجلٍ صالحٍ من السابقين، كان هو وزوجتُه على قدرٍ كبيرٍ من التقوى والصلاح، غير أن ضِيق المعيشة ألجأ الزوجةَ أن تقول لزوجها: إن حاجتَنا لَشديدة.
فإذا بهما يَرَيان أمامهما لَبِنةً من ذهبٍ خالص.
فقال الرجل لزوجته: هذه لَبِنةٌ من قصرنا في الجنة.
فقالت تلك السيدةُ المباركة: أَمَا إنَّا لفي حاجةٍ شديدة، وأَعلم أن لنا في الجنة كثيرًا من أمثال هذه اللَّبِنة، لكني لا أريد لها أن تَضيع في صورةٍ فانية، ولا أريد لقصرِنا أن يَنقُص لَبِنةً واحدة، فادعُ الله أن تعودَ إلى مكانها، فليس بنا إليها حاجة.
— 112 —
فإذا بهما يريانها یی كشفًا یی قد عادتْ إلى مكانها.
فهذان البَطلان من أهل الحقيقة يمثِّلان لطلاب النور أُنموذجًا حسنًا في عدم السعي خلف الأذواق والكرامات العائدةِ إلى الدنيا.
المسألة الثانية: أن التوافق إذا وقع بطُرُقٍ متعددةٍ وجِهاتٍ مختلفةٍ على صورةٍ يقوِّي بعضُها بعضًا، أمكن أن يورِثَ قناعةً تبلُغ درجةَ القطعية والصراحة.
وعلى هذا، فإني حين كنت أكتب بعضَ الرسائل إثرَ الخروج من السجن، حصل أن جاء إلى غرفتي عصفورٌ وطائرٌ وحماماتٌ بتوافُقٍ فيما بينهم، وعلى نحوٍ غريبٍ غيرِ معهود، في أمارةٍ على قَبولِ هذه الرسائل، وأهميتِها البالغة، وشدةِ حاجةِ الناس إليها في هذا الزمان.
وحصَل لأخينا العزيز "خليل إبراهيم" من "ميلاس" حين تَسلَّمَ الرسالةَ التي تتحدث عن الطائر، أنْ فتَحَ غرفةً له مُقفلةً، فشاهدَ فيها یی على خلاف العادة یی طائرًا يُحاول الخروج، فوافقَ هذا الحدثُ مضمونَ الرسالة، ووافق هذا الطائرُ ذلك الطائرَ.
وحصل لطلاب مدرسةٍ نوريةٍ حين كانوا يَقرؤون رسائلنا هذه، أنْ حَطَّتْ جرادتان على رأسِ صفحةِ الرسالة واستمعتا إليها، فصدَّقتْ هذه الطُوَيراتُ توافقاتِ تلك الطيور ووافقتْها.
وحصل لإخواننا الصادقين في "إينه بولو" حين كانوا يَقرؤون رسالتَنا ذاتَ ليلةٍ أنْ أفزعتْهم بومةٌ حطَّتْ فجأةً عند النافذة، وأخذتْ تضرب بجناحَيها بقوة، كأنها تقول بلسان الحال: وأنا كذلك مَعنيَّةٌ بهذه الرسالة، فلا تظنوني لا علاقةَ لي بها؛ فصدَّقتْ القضيةَ نفسَها، ووافقتِ الطيورَ الأخرى في علاقتها بها تمامَ الموافقة.
فيا تُرى.. حين يَرى كلَّ هذه التوافقاتِ (حاشية): كنا قد استلمنا هذه الرسالةَ من أستاذنا حديثًا، فكنتُ أنا "خسرو" أقرؤها، وكان صاحبي "طاهري" يكتبها، فحَطَّ بقربِ النافذةِ طائرٌ يألَفُنا، ثم طار عندما نظر إليه "خسرو"؛ خسرو، طاهري. رجلٌ من أهل القلب والفكر واسعُ الخيال، يعتقد أن بين حوادثِ كتابِ الكون ومسائلِه صلةً ومناسَبة، ويُقدِّر
— 113 —
الأهميةَ البالغةَ للحقائق التي تتحدث عنها هذه الرسائلُ بإجمال، ويَعي وضْعَ النوع البشري في هذا العصر.. أفلا يَحِقُّ له بإزاء هذا أن يقول:
كأنَّ البشر بطائراتهم وطياراتهم الكثيرةِ غايةَ الكثرة قد أفزعوا الطيورَ في عالَمها في الجو، وكأن الطيورَ تُبدي علاقةً جِدِّيةً بما آل إليه وضعُ النوع البشري، وتُقابله بانفعالٍ وفزعٍ عجيبَين، فتقول مُبيِّنةً علاقتَها بمسائل رسائل النور: ألا يوجد مَن يُجابه هذا الطيرانَ الظالمَ المتوحِّشَ المدمِّرَ الذي صَنَعه الإنسان؟! ألا يوجد مَن يَردعُه عن ظلمه وتدميره؟! أين مَن يعمل لمنفعةِ البشر وسعادتهم؟!
فهذا الكلامُ إنْ قيل، أليس في محلِّه؟! أليس له وجهٌ واحتمال؟! أيمكن أن يُعدَّ خيالًا لا معنى له؟!
المسألة الثالثة: أني كنت أقرأ "الحزب النُّوري"، وهو خلاصةٌ لرسالة "الآية الكبرى" التي أُلِّفت في شهر رمضان قبل ثلاث سنوات، وانتشرتْ بحُريةٍ في رمضان من هذا العام، لكنَّ قراءتَه كانت تستغرق أكثرَ من ساعة؛ فتظاهَرَ لي في رمضانَ نفسِه خلاصةٌ لهذه الخلاصة لا تستغرق قراءتُها خمسَ عشرةَ دقيقة، وكلما قرأتُها حصلتْ لي تَرَقِّياتٌ إيمانيةٌ كأني أقرأ "الآية الكبرى" كاملةً، أقرؤها عربيةَ العبارة في صحيفتَين أو ثلاثٍ هنَّ مَظهرٌ لسِرِّ: "تفكُّرُ ساعةٍ خيرٌ من عبادةِ سنة"؛ غير أني لا أجد وقتًا لأكتبها لكم بقلمي الآن، فسأكتبها لكم في وقتٍ لاحقٍ إن شاء الله.
فمن كان يَفهم هذه الخلاصة مثلي، فليكتبها في آخر نسخته الخاصة من "الآية الكبرى" أو "الحزب النوري"، وله أن يقرأها متفكرًا في معناها بدلًا من قراءة التهليل ثلاثًا وثلاثين مرةً في أذكارِ ما بعد صلاة الصبح فحسْب.
المسألة الرابعة: وهي نقطتان:
الأولى: أن إخواني في "إسبارطة"، خصوصًا "خسرو" بطلَ "مَصنعَي النور والورد"، يَشغَل بالَهم تأمينُ حاجاتي المادية في هذا الشتاء، ويرغبون في مساعدتي في هذا الأمر، وإني إذْ أشكرهم على هذا أقول لهم: إنكم بخدمتكم لرسائل النور مثلما
— 114 —
تنفعون كلَّ تلميذٍ في سعادته الأبدية، تساعدونني أفضلَ مساعدةٍ في تلبية حاجاتِ شتائي الحقيقي.. شتاءِ ما بعدَ قبري، وهي أعظمُ بآلاف الدرجات من المساعدة في تلبية حاجاتِ هذا الشتاء الفاني المؤقت.
على أني لو كان بمقدوري، لسعَيتُ من صميم قلبي وبكلِّ فرحٍ وسرورٍ لتأمينِ جميعِ حاجاتكم المادية.. فلا تهتموا للأمر، فإن الاقتصاد والقناعة خزينتان لي لا تَنفَدان ولا تَفنيان.
النقطة الثانية: أنه سَرَّتْني كثيرًا الرسائلُ الجميلةُ الصادقةُ الواردةُ من إخواننا في "إينه بولو" وما حولَها.. تلك المدينةِ التي سُمِّيَتْ يومًا: "إسبارطة الصغيرة"، وعانتْ من مصيبة السجن في قضيَّتنا السابقةِ أكثرَ مما عانتْ أيةُ مِنطقةٍ أخرى.
غير أني قلِقٌ لعدمِ حصولِ الانسجامِ التامِّ بين الأب وابنِه لاختلاف مشربَيهما، مع أنهما كِلَيهما من أبطال رسائل النور، على أن الابنَ مُطالبٌ بتحصيلِ رضا أبيه مهما كان الأب غيرَ مُحِقٍّ، وعلى الأب ألَّا يَحرِم ابنَه من شَفَقَتِه الفطرية مهما كان الابنُ صعبَ المِراس، بل لا يفعل الأبُ ذلك.
ثم إنه ينبغي لتلاميذ رسائل النور یی مهما كان التباعدُ بين اثنين منهم شاسعًا، بل حتى لو كانا متعادِيَين یی أن يُعمِلوا بينهم مبادئَ التفاني والعفوِ عن الأخطاء وتركِ الانتقاد إكرامًا لرسائل النور، فكيف وهذان أبٌ وابنٌ، وكلاهما من أصحاب السجايا الفاضلة ومن مُقدَّمي طلاب رسائل النور؟!
فلا يَجعلا من أمورٍ دنيويةٍ جزئيةٍ حِسِّيَّةٍ محلَّ خِلافٍ وجدالٍ بينهما؛ بل ينبغي لأخَوَيَّ الحبيبَين هذين أن يقطعا دابر الانتقاد بينهما مراعاةً لما تقتضيه الأبوة من احترامٍ والبُنوَّةُ من شَفَقة، وما تقتضيه التَّلمذةُ لرسائل النور من إغضاءٍ وعفو، ومراعاةً لخاطري كذلك.
أُسلِّم على جميع إخواني فردًا فردًا وأدعو لهم.
٭٭٭
— 115 —
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
هذا جوابٌ عن سؤالٍ ذي شِقَّين سُئِلتُه معنًى:
الأول: لماذا لا تريد لمن يظنون بشخصك أحسنَ الظن، ويُولونك مقامًا كبيرًا، ويرتبطون برسائل النور ارتباطًا وثيقًا، وتُبادِلهم حبًّا كثيرًا، لماذا لا تريد أن يكون لهم صلةٌ بشخصك خارجَ الخدمة النورية، بينما تُوْلي مزيدَ اهتمامٍ لمَن لا يُوْليك مزيدَ حُسنِ ظن، وتُفضِّله في المجالسة والحديث؟
الجواب: إن الناس في هذا الزمان يبيعون إحسانَهم للمحتاجين بثمنٍ باهظ، كأنْ يَظُنَّ أحدُهم أن مسكينًا مثلي رجلٌ صالحٌ أو وليٌّ، فيعطيه رغيفَ خبزٍ مقابلَ أن يدعوَ له دعوةً مستجابة؛ وإني لا أريد هذا الإحسانَ فضلًا عن دفع هذا الثمن الباهظ، وقد سبق أن بَيَّنتُ هذا سببًا لعدم قبولي الهدايا، في المكتوب الثاني لی"الكلمة الثالثة والثلاثين".
وعلى غِرار هؤلاء أُناسٌ یی غيرُ خواصِّ طلاب رسائل النور یی يُبْدون تجاهي ارتباطًا قويًّا واستعدادًا للخدمة، لِما يظنون فيَّ من أني صاحبُ مقامٍ كبير، ويَطلبون مقابلَ ذلك نتائجَ نورانيةً في الدنيا كأهل الولاية، ثم يُحسِنون إلينا إحسانًا معنويًّا بخدمتهم وارتباطهم، فأجدُني خجِلًا من عدم قدرتي على أداء الثمن المطلوب مقابلَ هذا النوع من الإحسان، فضلًا عن أنهم متى عَرَفوا عدمَ أهميَّتي أُصيبوا بخيبةِ أمل، وربما فتَروا عن الخدمة.
صحيحٌ أن الحرصَ وعدمَ القناعة في الأمور الأخروية مقبولان بجهةٍ ما، إلا أنهما في مسلكنا وخدمتنا، وبالنظر إلى إمكانِ وقوعِ المرءِ في خيبةِ أملٍ لعارضٍ ما، ربما كانا سببًا للشكوى بيأسٍ بدلًا من الشكر، بل ربما دفعاه للتخلي عن الخدمة؛ ولهذا فإنا برغمِ ما نُبديه في مسلكنا من حرصٍ وعدمِ قناعةٍ فيما يتعلق ببذل الجهد للخدمة في دائرة الإخلاص، إلا أننا فيما يتعلق بالنتائج مكلَّفون بالقناعة، لأن القناعة إزاءَ النتائج والثمرات تورِثُ الشكرَ والمتانةَ والثباتَ على الدوام.
— 116 —
فمثلًا: النتيجةُ التي حققتْها خدمةُ رسائل النور بتأمين القوة الإيمانية الفائقة لآلافِ أهل الإيمان في "إسبارطة" وما حولَها، هي نتيجةٌ كافيةٌ لخدمتنا الجليلة؛ فلو ظَهَر بعد هذا شخصٌ بدرجةِ عَشَرةِ أقطاب، وبَلَّغَ ألفَ رجلٍ درجةَ الولاية، لم يَحُطَّ ذلك من مرتبةِ نتيجتنا شيئًا، وطلابُ النور الحقيقيون يَقْنَعون بمثل هذه النتائج ويَرضَون بها؛ وإذا كان المقامُ الجليلُ لذلك القطب الكبير وحُكمُه في المسائل والقضايا هو ما يورث مريديه القناعةَ القلبية، فإن الحُججَ الراسخةَ المتينةَ لرسائل النور تُورث طلابَها قناعةً أعظمَ من قناعةِ أولئك المريدين بكثير، فضلًا عن أن هذا الحال والاعتقاد يَسريان إلى الآخرين وينفعانهم، بينما تظل قناعةُ أولئك المريدين خصوصيةً وشخصية.
حتى إن ما يُعبَّر عنه في علم المنطق بی"القضية المقبولة"، أي قَبولِ أقوالِ الأفاضل الأجِلَّاء بغير دليل، لا يفيد في المنطقِ القطعيةَ واليقين، وإنما يورث قناعةً بالظنِّ الغالب لا أكثر، أما البرهانُ اليقينيُّ في علم المنطق فلا يَنظُر إلى حُسن الظنِّ أو الأشخاصِ المقبولين، وإنما ينظر إلى الدليل الذي لا يُجرَح.
وإن حُجج رسائل النور هي من هذا القسم من البرهان اليقيني، ذلك أن ما يعاينه أهلُ الولاية من حقائقَ بالعمل والتعبُّد والسلوك والرياضة، وما يشاهدونه خلفَ الحجاب من حقائق إيمانية، قد بَلغتْه رسائلُ النور بطريقٍ آخَر، إذْ سَلَكتْ سبيلًا إلى الحقيقةِ عبر العلم بدلًا من التعبُّد، وشقَّتْ طريقًا إلى حقيقةِ الحقائق عبر الحُجَج العلمية والبراهين المنطقية بدلًا من السلوك والأوراد، وفَتَحتْ طريقًا إلى الولاية الكبرى عبر علم الكلام وعلم العقيدة وأصولِ الدين بدلًا من علم التصوف والطريقة، وهي بذلك تُحرِز انتصاراتها على ضلالاتِ الفلسفةِ التي هَزمتْ تيَّاراتِ الطريقةِ والحقيقةِ في هذا الزمان، والواقع يَشهَد.
وكما أن حقيقةَ القرآن البالغةَ غايةَ القوةِ والمنطقيةِ خلَّصتْ سائرَ الأديان من صَولة الفلسفة الطبيعية، وأنقذتْها من الهزيمة بين يديها، بل أصبحتِ الحقيقةُ القرآنيةُ نقطةَ استنادٍ لها، لدرجة أن هذه الأديان استطاعت الحفاظَ بدرجةٍ ما على أصولها
— 117 —
التقليدية الخارجةِ عن العقل؛ فكذلك الأمرُ یی إن جاز التشبيه یی مع رسائل النور التي هي نورٌ من أنوار القرآن ومعجزةٌ له في هذا الزمان، فإنها أنقذتِ الإيمانَ التقليديَّ لعوامِّ أهل الإيمان من صَولةِ الضلالةِ العلميةِ الرهيبةِ الناجمةِ عن الفلسفة المادية، وأصبحتْ نقطةَ استنادٍ لعموم أهل الإيمان، وغدتْ بمثابةِ قلعةٍ منيعةٍ حصينةٍ لقاصيهم ودانيهم، فهي یی في خِضَمِّ الضلالات الرهيبةِ التي لا مثيل لها یی تحفظ إيمانَ عوامِّ المؤمنين من الشبهات، وتحفظ إسلامَهم من وساوس الباطل.
نعم، فما أنْ ينتابَ الشكُّ والريبُ أهلَ الإيمان في أيِّ بقعةٍ من بقاع الأرض، حتى لو كانوا في الهند أو الصين، وتُساورَهم الشبهاتُ والوساوسُ من جراء غَلَبةِ الضلالة الرهيبة في هذا الزمان، ويتساءلوا: أفي الإسلام باطلٌ فيتزعزعَ بسببه؟ حتى يسمعوا بظهورِ رسائلَ تُثبِتُ جميعَ حقائق الإيمان بالقطع، وتَهزِم الفلسفة، وتُسكِتُ الزندقة، فيتبيَّنوا، فتزول عنهم الشبهات والوساوس، فيَسلَم إيمانُهم ويَقوى.
الشِّقُّ الثاني للسؤال: أنك كتبتَ لإخوانك رسالةً تحدثهم فيها عن لطيفةٍ جرَتْ معك ومعهم، وهي مجيء الطيور إليكم وقتَ قراءةِ الرسائل أو وقتَ كتابتِها، وقد تحدثتَ عن هذه اللطيفة بأسلوبٍ جادٍّ رصينٍ مع أنها قائمةٌ على المشاعر والأحاسيس، ومع أن تلك الطيور بعيدةٌ بماهيتها عن معرفةِ أحوالِ العالم وفائدةِ رسائل النور تجاه الحوادث.
الجواب: مثلما أن لعموم الحيَوانات راعيًا ومشرفًا من الملائكة، أُقيمَ لها بالأمر والإذن الإلٰهيَّين، وبالحول والقوة الربَّانيَّين، فكذلك طائفةُ الطيور لها راعٍ من الملائكة يسوقها بالأمر الإلٰهي والإلهام الرباني وإن لم تَعلم.
وهذا السَّوق الفطريُّ للطيور يعتمد على الإلهام الذي يأتيها، إذِ هي مَظهرٌ للإلهام، حتى إن صغار النَّحل التي لا يزيد عمرها على يوم، تطير بذلك الإلهام الفطري والسَّوق الرباني مسافةَ يومٍ ثم تعود إلى خليَّتها من غير أن تَضِلَّ الطريق.
أجل، فكما اعترضتِ الأرضُ على الظلم الذي حلَّ برسائل النور وتلاميذها، وأعلن الجوُّ یی بالقحط والبَرْد یی عن انتقاده لما أصاب رسائلَ النور من تضييقٍ ومصادرة،
— 118 —
ورَحَّبَ السحابُ بإطلاقِ حريتها بالغيث المِدرار، فكذلك نوعُ الطيور له علاقةٌ برسائل النور لا بد.
نعم، فلقد راحت هذه الطيور تُبارك رسائلَ النور وتُرحِّب بها معنًى، لِما تقوم به من تنويرٍ مستقبليٍّ بعيدِ الأثر، ولقد جاء احتفاءُ هذه الطيور الحيوانية برسائل النور ردًّا على ما يرتكبه الإنسانُ من جرائم ببعضِ طيورِه الصناعية وما تحمله من بيوضٍ متفجرةٍ تُدمر الواحدةُ منها قريةً بأكملها، وتقتلُ فيما تقتل ألفَ إنسان؛ ورَدًّا كذلك على ما تقوم به هذه الطيور البشرية التي تحمل بيضَ زقومٍ جهنميٍّ يُهلِك الحرث والنسل، ويدمر الأرضَ والنوعَ البشريَّ تدميرًا استبداديًّا وحشيًّا لا يعرف الرحمة!!
فعلى هذه الصورة وقعت حادثةُ مجيء الطيور إلينا، وهي وإن كانت حادثةً لطيفةً جميلةً في ظاهرها، إلا أنها تنطوي على حقيقةٍ دقيقةٍ في معناها.
٭٭٭
إخواني..
سرَّتْني كثيرًا الرسالةُ التي كَتَبها مؤخرًا مِرسالُ رسائل النور، الذي عَرف قيمةَ "رسالة الثمرة" حقَّ المعرفة حتى سمى نفسَه "صاحبَ الثمرة"؛ ومَبعثُ سروري هو أن الأُخوَّةَ العميقةَ والصداقةَ الوثيقةَ التي نشأتْ قبل نحو عشرين سنةً بينه وبين "خُلوصي" و"حقي" وأمثالِهما ما زالت ثابتةً مستمرة، وكذا علاقةُ هؤلاء برسائل النور وارتباطُهم بها ووفاؤهم لها، هي صورةٌ عن العلاقة الخالصة فيما بينهم، بل تزداد قوةً ومتانةً على مرِّ الأيام، ولا تُزعزعها العوارض والأحداث.. فالشكر لله على ما أنعم به على رسائل النور من أمثال هؤلاء التلاميذ الخالصين المخلصين، والأوفياء الصادقين، والقدوةِ الحسنةِ للآخَرين، يؤدون خدمةَ رسائل النور مخلصين للحق، شاكرين في طَيِّ الصبر.
وأما إخواني القريبون من "صاحب الثمرة".. المعروفون وإن لم أذكر أسماءَهم، والذين يجمعني بهم عهدٌ وثيق، خصوصًا أوفياءَ "بارلا".. فإنهم كثيرًا ما يَعودون بي
— 119 —
خيالًا إلى تلك الأيام الخوالي، ويُجدِّدون عهدي بتلك الرُّبوع، ويَطوفون بي في "بارلا" وجبالها.. وإني على عهدي بهم لا أنساهم ولا أنسى ربوعَهم، ولهم مني وافرُ السلام وعاطرُ التحية.
سرَّتْني كذلك رسالةُ "حسن شكري" خطيبِ "قُوزجه" وله مني السلام والتحية، وكذا عمومُ إخواني من أبرياء صغار، وأُميِّين كبار، وأخواتٍ فاضلات، ونُسَّاخٍ مُجِدِّين.. نُسلِّم عليهم فردًا فردًا وندعو لهم.
الباقي هو الباقي
أخوكم
سعيد النُّورْسِيّ
٭٭٭
نظرتُ في الرسائل التي أعادتها إلينا المحكمة، وكانت صودِرَتْ من مكتب البريد قبل أن تَصِلَنا، فوجدتُ رسالةً كَتَبها مِقدامُ هيئة المباركين "علي الصغير" يقول فيها: إنه قرَّر أن ينسخَ مجموعةً كاملةً من رسائل النور كلَّ سنتَين، وقد فعل ذلك.
وإنه ببطولته هذه قد صَدَّق تمامَ التصديق كَشفيَّاتي بأني سأرى في "مصطفى الأكبر" تلميذِ رسائلِ النور الأول مثالًا حقيقيًّا لی"عبد الرحمن"، وأنه سيأتي بعده كثيرٌ مثلُه، ولقد أدى "عليٌّ الصغير" وظيفةَ "مصطفى" المبارك هذا أتمَّ أداء.
أما الحافظ "مصطفى" فقد أثبت في السجن أنه كان خيرَ معينٍ للحافظ "علي" في حياته، ووارثًا تامًّا له بعد وفاته؛ وهو ما يعني أن الخدمة النوريةَ التي أَمَّلْتُها في "الهيئة المباركة العالية" قبل ثماني عشرة سنة، قد تحقَّقتْ على أيدي أفرادها وما تزال، وأن البذور التي زرعوها تؤتي أُكُلَها بالنيابة عنهم وإن لم يصنعوا شيئًا.
نُسلِّم على جميع إخواننا فردًا فردًا وندعو لهم.
٭٭٭
— 120 —
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
أولًا: نهنئكم من صميم القلب بالليالي العشر المباركة التي انقضتْ، وبالعيد القدسي المبارك، ونسأل الله تعالى أن يوفقكم برحمته وكرمه وحفظه وحمايته وتوفيقه وهدايته لطبع رسائل النور ونشرها، وطبعِ نسخة التوافقات من القرآن المعجِزِ البيان، آمين.
ثانيًا: أُردِّد في أذكار الصلاة كلماتِ التوحيد الثلاثَ والثلاثين، أعني "خلاصةَ الحزبِ النوريِّ" المستخلَصِ من "الآية الكبرى" التي تمثل خلاصةً لرسائل النور؛ وحين أردِّد كلمات التوحيد هذه تتجلى لي معانيها كما تتجلى معظمُ حقائق رسائل النور في أذكار الصلاة، فيتسع بذلك خيالي، فإذا بكلِّ طبقةٍ من طبقاتِ مخلوقاتِ العالَم تُردِّد بلسان حالها كلمةً من كلمات التوحيد الثلاث والثلاثين، وأجدني كأني أردِّد كلمتَها التوحيديةَ بلسانها، حتى كأن لسانَ حالها الكُليَّ غدا لسانَ مقالي الجزئيَّ، فأقرؤها بكمال الذَّوق والبهجة، وسأرسل إليكم صورتَها. وليس عندي شكٌ في أنه مثلما ينطوي "الحزبُ النوريُّ" على سِرِّ قاعدةِ "تَفكُّر ساعةٍ خيرٌ من عبادة سنة"، فإن "خلاصته" هذه التي تُقرأ في خمسَ عشْرةَ دقيقة تنطوي على السرِّ نفسه كذلك.
وإنَّ مَن لا يعرفون العربيةَ إنْ فَهِموا جيدًا مراتبَ "الآية الكبرى"، فسيَفهمون هذه الفِقْرات العربية تمامًا، وإنْ كَرَّرَ النظرَ فيهما مَن لا يعرف العربية، فسيفهمها تمامَ الفهم.. إنني أقرؤها مرةً في اليوم، إما بعد صلاة الصبح، أو في وقتٍ آخَر، وأكثرُ ما يكون حين ينتابني الملل والضيق، فتورِثني انشراحًا عُلويًّا، وتُزيلُ ما بي من الملل، ويَحسُن أن تُكتَب في ختام "الآية الكبرى" و"الحزب النوري"؛ وإنه لأمرٌ ذو مغزًى أن تَظهر "خلاصةُ الخلاصة" هذه في رمضان وعند أذكار الصلاة، تمامًا كما ظهرتِ "الآيةُ الكبرى" ومعظمُ حقائق رسائل النور في رمضان وعند أذكار الصلاة.
ثالثًا: تلقَّيتُ في الآونة الأخيرة خبرًا مُفادُه أن مجلس الوزراء اتخذ قرارًا بنقل قيودي المَدَنية من "قَسْطَموني" إلى "أميرداغ"، وهو ما يعني أن القوم لم يجدوا ذريعةً يتعرَّضون بها لرسائل النور وطُلابها، سوى أن يركزوا اهتمامَهم على شخصي عديمِ
— 121 —
الأهمية، فيقيدوه بالقيود، وإني أؤكد لكم بكلِّ قوتي وأعلن من صميم قلبي أني أَقبل بكل فخرٍ أن يتعرضوا لي بدلًا من التعرض لرسائل النور وطُلابها.
إنهم يَرَون الناس في أماكن شتى ينضمُّون إليَّ بشكلٍ لا يُمكن توقُّعُه، وبحيث لا يمكن السيطرةُ عليهم أو مَنعُهم، ويظنون أن الحل الأمثل يكمن في إبقائي هنا، ولهذا يعاملونني هذه المعاملة، فلا يَحزُنْكم ذلك، فإن وضعي هذا وسيلةٌ لفتوحاتِ طلابِ رسائل النور، وإني لعلى يقينٍ من أن العناية والرحمة الإلٰهية ستُحوِّل مظالمَ أهل الدنيا بحقي إلى خيرٍ عظيم.
على أن الزمان والمكان في مسلكنا لا يَحولان دون تلاقينا، فنحن جميعًا معًا ولو كان أحدُنا في الشرق والآخَرُ في الغرب، بل حتى لو كان في الآخرة أو البرزخ، وحسبُكم مثالًا المرحوم الحافظ "علي" الذي انتقل إلى عالَم البرزخ، فإنه معنا في كل يومٍ معنًى؛ وبناءً على هذه الحقيقة فما ينبغي لنا أن نولي أهميةً للفراق الصُّوريِّ الشكلي، ولا حتى للموت.
رابعًا: إنه لأمرٌ جِدُّ لطيفٍ ما وقع من تصديقِ بلبلِ "أحمد النجار" أحدِ أبطال المدرسة النورية، لبُلبلِ الكاتب المبارك في "مَصنع الورد"؛ والواقعُ أن البلبل خطيبُ عمومِ الطيور وقتَ مجيء قوافل النباتات بأرزاق الحيوانات في الربيع، فهو مَن يستقبلها ويرحِّب بقدومها نيابةً عن جميع الطيور، فلا عجب إذًا أن يكون في مقدمة الطيور من حيثُ علاقتُها برسائل النور، وقد كان.
يذكر أخونا المخلص المتين "مصطفى عثمان" من "بولو"، أنه بعث برسالةٍ أو اثنتَين إلى إخواني هنا، فلم يتلقَّ جوابًا، وقد أقلقه ذلك؛ فلا يَقلقْ، فإنه لم يتلقَّ رسالةً مستقلةً باسمه احتياطًا وحذرًا، واكتفاءً بالمراسلة الجارية عبر "إسبارطة"، ولا يَقلقْ إخوانُنا في "قَسْطَموني" كذلك، فإنَّ نقل سِجِلِّي المدني إلى هنا لا يُضعِف صلتي بهم ولا بی"قَسْطَموني"، بل يقوِّيها، وإني كثيرًا ما أجد نفسي یی خيالًا ومعنًى یی في جبال "قَسْطَموني" المباركة، وبين إخواني فيها.
٭٭٭
— 122 —
إخواني الأعزاءَ الأوفياء، ووُرَّاثي الحقيقيين..
وَصَلني الكثيرُ من رسائل التهنئة بالعيد، غير أن وقتي وحالي لا يَسمحان بالإجابة على كلِّ رسالةٍ بعينها؛ علمًا أن كلَّ رسالةٍ من هذه الرسائل قد كَتبها أحدُ خواصِّ إخواننا نيابةً عن كثيرين، وكان فيها سوى التهاني بعضُ النقاط المهمة التي سرَّتْني وأفرحتْني.
فمن هذه الرسائل رسالةٌ كتبها "خسرو" باسم "مَصنعَي النور والوَرْد"، فقد أبكتني من الفرح؛ والواقع أن مما يمتاز به "خسرو" هو أن جميع ما يكتبه إليَّ من رسائل ليس فيه ما يؤلمني أو يجرح مشاعري، بل تأتي رسائلُه رقيقةً تلاطف روحي وتُسَرِّي عني في أوقات شدتي وألمي، وإنني شخصيًّا ممتنٌّ له جدًّا بهذا الخصوص.
ومنها رسالة "خُلوصي الثاني: صبري"، فقد بَعَث باسمِ إخوانه المعروفين رسالةَ تهنئةٍ سرَّتني من الأعماق؛ ولقد أفرحني هذا الأخ الخاصُّ كثيرًا بتقديره للرسائل والخدمة النورية، وبثنائه الحسن على كلٍّ من "خسرو" و"حسن فيضي".
وقد أبانَ "حسن فيضي" في تهنئته التي أرسلها باسم طلاب "دَنِزْلي" عن سُموِّ ارتباطه وقوة علاقته.
ومنها رسالةُ التهنئة الواردةُ من "قَسْطَموني" باسم أبطالها المُضحِّين، وقد كتبها كلٌّ من "فيضي" و"أمين" وهما لی"قَسْطَموني" بمثابة "خسرو" و"رشدي" في "إسبارطة"؛ وقد طمأنَنا "فيضي" حين بَيَّن أن الحادثة التي وقعتْ لم تُخلِّف ما يثير القلق، بل كانت بمثابة محفِّزٍ ومشجِّع.
ومنها التهنئةُ التي كتبها "نظيف" باسمِ إخواننا في تلك المناطق، وما أبداه من وفاءٍ راسخٍ وارتباطٍ وثيقٍ وتفاؤلٍ قوي، فقد تنفسنا الصُّعداءَ بما كتب، بعد أن كان القلقُ يساورنا مِن منافسيه الخصوصيين.
وتلقَّيتُ كذلك التهنئةَ التي أرسلها إلى عنواني مباشرةً "خليل إبراهيم"، وقد دلَّ بذلك على ما يتحلى به من جرأةٍ وشجاعةٍ تضاهيان وفاءَه الفَذّ.. أُسلِّم عليه وعلى الجميع، وفي مقدمتهم محامي النور النَّبيه، وأهنئهم بالعيد.
— 123 —
وسُرِرنا كذلك لرسالة "شكري أَفَه" أحد أبطال المدرسة النورية، وقد بَيَّن فيها علاقة الطيور والعصافير برسائل النور، وعزَّزَ ما أكَّده البطل "أحمد النجار".
ولم نجد وقتًا للإجابة عن السؤال الوارد في رسالة "علي عثمان"، أحد إخواننا من "أتابك"، ومن وُرَّاث "لطفي".
نبعث بالتهاني والتبريكات إلى جميع إخواننا المذكورين، وإلى مَن أُرسِلت الرسائل باسمهم وبالنيابة عنهم.. نهنئهم فردًا فردًا من صميم القلب بأعيادهم المادية والمعنوية، ونقول لأخينا "رأفت" الكبير: حَللتَ أهلًا ونزلتَ سهلًا.
وأختم بالسلام على جميع إخواني فردًا فردًا، بمن فيهم الأطفال الأبرياء والشيوخ الأميون والأخوات المضحِّيات، وأهنئهم مجدَّدًا بالعيد، وأدعو لهم بالسلامة والسعادة.
٭٭٭
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
وَصَلني یی مع كتب المرحوم الشهيد الحافظ علي یی المجموعُ المسمى "سِكَّة التصديق الغيبي"، مُستنسَخًا بقلم "عليٍّ الصغير" ذي الروح الكبيرة، مِقدامِ "هيئة المباركين"، وبطلِ نُظراءِ "عبد الرحمن" الميامين.. وهو مجموعٌ جميلٌ ومناسبٌ للغاية، لكنه سيكون أجمل إنْ أُلحِقتْ بآخره بعضُ الرسائل التي ترونها أنسَب، كمسائل الزلازل والأمطار والطيور ذات العلاقة بكرامات رسائل النور، وهي مذكورةٌ في "المَلاحق" لا سيما "مُلحَق أميرداغ"؛ وإني بهذه المناسبة أكرر تهنئتي لهيئة المباركين بالعيد، وأقول لی"عليٍّ الصغير": بارك الله بك وزادك من فضله.
قرأتُ الرسالةَ الجميلةَ التي بعثَ بها إلى الطلابِ هنا "مصطفى عثمان" بطلُ "بولو" الشجاعُ المضحِّي.. وقد عَبَّر فيها عن وفائه الصادق وحُسْن ظنِّه الفائق بلغةٍ أدبيةٍ رائقةٍ كما فعل "حسن فيضي"، غير أنه أَولاني مقامًا يَفوق حدِّي بكثيرٍ بدلًا من أن
— 124 —
يوليه للشخص المعنوي لرسائل النور، وذلك لأنه طالعَ أستاذَه في مرآته المشرقة فرآه مشرقًا، وقد قَبِلتُ حُسنَ ظنه باعتباره دعاءً معنويًّا.. أهنئه وأهنئ مَن معه مِن إخواننا بالعيد المبارك.
٭٭٭
إلى إخواني الأحبة المباركين المحترمين طلابِ رسائل النور.. أوَدُّ أن أبيِّن لكم كلماتٍ بحقِّ رسائل النور..
إنها سِلكُ حريرٍ نوراني، نُظِمتْ فيه تسبيحاتُ الكون وما حوى من موجودات.
وإنها مذياعٌ قرآنيٌّ مجهَّزٌ بأدوات الاستقبال والإرسال.. أسلاكُه سطورٌ وكلماتٌ وحروفٌ مُدَّتْ بإيجازٍ وانتظام، فمَكَّنتْ رجالَ العلم والمعرفة، وأصحابَ المسالك والمشارب، من دِرايةِ شؤونِ الكون، وعوالم الغيب والشهادة والروحانيات.. يَدريها كلٌّ بحسَب علمه وإمكاناته.
وإنها للمؤمنين هَديةُ هِدايةٍ من القرآن، وفيضُ عطاءٍ من الرحمٰن.. وهي بهذا بابُ سعادةٍ ومَظهرُ شفاعة.
وإنها مَحضُ حقيقة، ونبعُ رحمة، وروضُ جِنان، وماءُ حياةٍ يَسري في أوصالِ ربيعِ الموجودات.
وإنها من الخالق الرحمٰن لطفٌ، وبركةُ إحسان.. قد حَوَتْ كمالَ الإيمان وتفسيرَ القرآن.
وإنها للكافر خريفٌ، وللضلالةِ خَصمٌ، وللمنكِر طوفان.
وإنها كنزٌ خَفيّ، وخزينةُ جوهر، ومنبعُ أنوار.
وإنها حقائقُ قرآن، ومعراجُ إيمان.
— 125 —
وإنها بعدَ الكتاب والسنة تاجُ الأولياء، وسلطانُ المؤلَّفات، وزبدةُ المعاني.. وهي عطايا إلٰهية، وهدايا سبحانية، وفيوضاتٌ رحمانية.
وإنها بحرُ حقائق، وسِرُّ دقائق، وكنزُ معارف، وبحرُ مَكارم.
وإنها للمرضى دارُ شفاءٍ فيها الحكمةُ وماءُ زمزم.. وهي للأصحَّاء حياةٌ حقيقية، ورَوحٌ وريحان، ومسكٌ وعنبر.
وإنها تصديقٌ لوعدِ الجناب الأحمدي، وبشارةٌ من الإمام علي؛ وهي تبشيرٌ وعونٌ غوثيّ، وإيصاءٌ غَزَّاليّ، وإخبارٌ فاروقيّ.
وإنها مَجلى لأنوار شمسِ القرآن.. تلألأت في منشور حقيقتها ألوانُها السبعةُ.. فكانتْ كتابَ شريعةٍ، ودعاءٍ، وحكمةٍ، وعبوديةٍ، وأمرٍ ودعوة؛ وكانت كتابَ ذِكرٍ وفِكر، وحقيقةٍ وتصوف؛ وكانت كتابَ علمِ كلامٍ، ومعرفةٍ إلٰهيةٍ، وإثباتِ وحدانية؛ وكانت كتابَ منطقٍ، وبلاغةٍ، وحثٍّ وترغيب؛ وكانت كتابًا ألزمَ معارضيه الحجةَ وأسكتهم.
وإنها شمسُ سماءٍ معنويةٍ من سماوات القرآن.. نعم، سَطَعتْ فيها شمسًا، وطلَعتْ قمرًا، وتلألأتْ أَنجُمًا؛ فكما أن الكائنات تستنير وتتزين بأسبابٍ ظاهريةٍ كالشمس والقمر والنَّيِّرات، وكما تستمدُّ منها أسبابَ النشأة والنماء والحياة، فكذلك رسائل النور، تستمدُّ من القرآن المعجِزِ البيان النورَ فتنشُره فتبعثُ الحياة، وتَسلُك بالإنسان سبيلَ الكمال، وتَغمُر القلوبَ بحلاوةِ الإيمان، وتَهَب العقولَ طمأنينةَ اليقين، وتمنحَ الأفكار رُقيَّ الإيمان، وتُحيي النفوسَ بالرضا والتسليم.
وربما غطَّتِ الغيومُ تلك السماءَ المعنويةَ ولَبَّدتْ آفاقَها ظاهرًا ولِحكمةٍ، فتَقاطَرَ من تلك الغيوم الجلالية غيثُ رحمةٍ عميمٌ تهتزُّ له الأرض الظمأى، وتنفلق منه البذورُ والنَّوى بعد أن ضاق بها عالَم التراب، فتغادرُه متسنبلةً تخلع قشورَها، فتنزاحُ الغيومُ إلى آفاقٍ قَصِيَّةٍ كأنها حارسٌ يترقَّب، ويتجلى المشهد امتحانًا ربانيًّا وترقيةً عُلْويةً ورحمةً نورانية، فإذا بتلك البذور والنَّوى التواقةِ إلى حياةٍ جديدةٍ وإلى الازدهار والنماء تصبح شجرةً تَزدانُ بالثمار، وتغدو مَظهرًا لسِرِّ: يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ
— 126 —
أجل، آنَ لفصل الشتاء الذي خيَّم عشرين سنةً أن ينقضي بإذن الله، لتستقبل الدنيا من بعده ربيعًا زاهرًا فيَّاضًا بالخيرات، ويُشرِقَ وجهُها بالبِشْرِ والبسمات.
ولما كانت رسائل النور تأتمرُ بأمر القرآن، كانت مَحوطةً بعنايته، لا تمتد إليها الأيدي، ولا تنالُ منها الألسُن؛ وإني بالنظر إلى ما يومئ إليه قوله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ؛ وبالنظر إلى ما تَعرَّضَ له اللسانُ التُّركيُّ من صدماتٍ في هذا العصر، لا أظنُّني مخطئًا إن قلتُ: إن رسائل النور ستكون الحجةَ في هذا اللسان، أي إنها بتُركيَّتِها الخالصة ستنال امتيازًا يدعو لتَرْكِ ما سواها.
أُبلِّغ سلامي لجميع إخواني وفي مقدمتهم أستاذُنا، وأهنئهم بالعيد من صميم القلب.. لم يُسعفني الحال بكتابة شيءٍ عن أستاذي، إذْ ماذا عساي أن أقول عن شخصيةٍ جليلةٍ حَظِيَتْ بمقام الوراثة المحمدية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام؟ لا أجد ما أقوله سوى تَكرار ما قاله أخونا "حسن فيضي" المحترم.
باسم طلاب النور في "ميلاس" وما حولها
المحتاجُ إلى دعائكم
خليل إبراهيم
أدرِجوا كلمةَ "خليل إبراهيم" هذه في نهايةِ رسالته المُشرِقة التي كتبها حول رسائل النور، وألحقِوهما معًا في نهايةِ رسائل "مُلحَق أميرداغ".. هذا الشخص الفاضل عَرَفَتْه رسائلُ النور تلميذًا صادقًا مضحيًا من رعيلها الأول، وقد كتب هذا البيان مخاطِبًا إياها.
هذا من فضل ربي
سعيد النُّورْسِيّ
٭٭٭
— 127 —

رسائل النور

عَرَّفتْ بالأسماء والصفات فكانت بديعَ الزمان.. وجاءتنا من الرسالة الخاتمة فيضَ فضلٍ وإحسان.. وبرَزَتْ من الكنز المَخفيِّ مدرسةَ ذوق وعرفان.. وأشرقت في غَيهب الظلمةِ شمسَ نورٍ وبيان.
منشورُ حقيقةٍ سطعتْ من مشكاة القرآن.. وروضُ جِنانٍ آمِنةٍ في خِضَمِّ عواصف الزمان.. نجمُ هدايةٍ وإرشاد، وسفينةُ نجاةٍ إلى برِّ الأمان.
نورُ الخلاص من ظلماتِ ليلِ الجهالة.. وجَلوةُ السرور لقلوبٍ خيَّمت عليها الكآبة.. نورُ عِرفانٍ من شمس القرآن، وزبدةُ المعاني في تفسير الفرقان.
نالت من أهل البيت الشرف، وشجَّعها الغوث الأعظم.. معدن المعرفة، ومنهل الشفقة الأرحم.. سلطانُ أتباعِ أهل السنة، وروحُ جسم الولاية.
عطاءٌ سبحانيٌّ للمؤمنين في كوكب المحقِّقين.. مجرَّةٌ متلألئةٌ في سماء وحدة الموجود.. دُرُّ بحرِ العلم والمعرفة.. والبدرُ الساطعُ في سماء العلم والحقيقة.
ربيعٌ أتى بالنور.. مُعلِّمُ تسليمٍ ورضاء، ونزاهةٍ واستغناء.. رسائل النور لطلابها قِبلةُ حقيقةِ الإيمان.
خليل إبراهيم
٭٭٭
— 128 —

رسائل النور

هذا النور تفسيرٌ لذلك الكتاب العُلْوي.. إعلامٌ بأمر الحق، وإعلانٌ للحقيقة.. ينشر النور، ويمسح الدمع عن دنيا أرهقتها المعاصي والمظالم.
سُلوانُ قلوبٍ مضطربة.. نورُ في ظلماتِ الحَيرة.. دليلُ سلامةٍ لعالمٍ يتخبط في التيه.. وهو لأهل الإيمان حياةُ كرامة.
موعظةٌ للمسلمين، مرشدٌ للشباب، بشرى لكلِّ مَن بلغ من الكِبَر عِتيَّا.. رجاءٌ لكلِّ مظلوم، وأملٌ بِغَدٍ كريم.. سُلوانٌ رفيع، ودرسُ عبرةٍ بليغ.
حمايةُ يَدِ القدرة.. وقايةٌ من المصائب.. نورٌ أذعن لحُكمه المعاندُ، وبَهَر شعاعُه الفيلسوفَ بعد غرور.
كلُّ معرفةٍ تلألأتْ من هذا النور تاجٌ على مَفْرَق كل مؤمن، ودواءٌ لأدوائه.. هذا النور صفعةٌ لكلِّ منكِر.. هادمٌ لكل شِرك.. دواءٌ لكل قلق.. وهو لكلِّ ظالمٍ أو زنديقٍ أراده بسوءٍ بركانٌ يقذف بالحُمم.
أيها الباكون من مصائب لا قِبَل لكم بها، لا تنخدعوا بالفاني فتأسَوا على فواته.. أيها المؤمِّلون في زائلٍ وعاجز، لا تُعوِّلوا على ما يَفنى.. هلُمُّوا ادخلوا إلى عالَم النور.. تنبهوا.. هُبُّوا من رُقاد الغفلة.. فالهوى ثعبانٌ يَنهش القلب.
ويا مَن عرف الله وبذل للنور نقدَ حياته غيرِ آسٍ على ما فاته من الدنيا.. ما أسعدك في غدٍ وما أجزل عطاءك في الآخرة في حضرة الملِك الكريم.
خادم النور المقصِّر
ذَكائي
٭٭٭
— 129 —
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
حتى عهدٍ قريب، كان المنافقون العاملون في الخفاء يهاجمون رسائل النور ويعتدون عليها باسم القانون وعبرَ مؤسسات القضاء، وذلك من خلال تضليلهم بعضَ رجال الحكومة فيما يَخُصُّ أمنَ البلاد وإدارتَها.. نعم، كان هذا دأبَهم حتى يومنا هذا، وكنا نلجأ إلى الوضع الدفاعي عند الضرورة، لأن نهجَنَا هو نهجُ العمل الإيجابي البنَّاء.
أما اليوم، فقد باءت مخططاتهم بالفشل، وأفضتِ اعتداءاتُهم إلى نتائج معاكسة، إذْ وَسَّعتْ دائرةَ رسائل النور؛ وكان من آخر ما وقع بهذا الصدد عزمُنا على طبع "عصا موسى" بالحرف اللاتيني المُستحدَث، وقد صُوِّرَ هذا الأمرُ كما لو أن رسائل النور قد اتخذت طور الهجوم، مع أن ذلك لم يكن باختيارِنا، ولا بُدَّ أنَّ لهذا الأمر حِكَمًا جليلة، منها: أنه بالنظر إلى أن رسائل النور منقِذٌ معنويٌّ لهذا الوطن المبارك، فإني أظن أن الوقت قد حان یی أو أوشك یی لتعليم رسائل النور وإخراجِها مطبوعةً لدفعِ بلاءَين معنويَّيَن رهيبَين:
أحدُهما تيارُ الإلحاد الفظيع المُروِّع الذي ظهر في الشَّمال، وتغلَّبَ على النصرانية، ومكَّن للفوضى والقلاقل، وأخذ يغزو هذا الوطن معنويًّا، فإنَّ رسائل النور يمكنها أن تؤدي وظيفة سدٍّ قرآنيٍّ شبيهٍ بسدِّ ذي القرنين في مواجهةِ غزوِ هذا التيار الرهيب.
والآخَر هو الاعتراضاتُ والاتهاماتُ الشديدةُ التي تُوَجَّه إلى أبناءِ هذا الوطن المبارك من أنحاء العالَم الإسلامي، فكان لا بدَّ لدفعها وإزالتها من التحدث بلسان المطبوعات؛ هذا ما أُخطِرَ إلى قلبي.
أنا لا أعرف وضع العالَم اليوم.. لكنني أعرف أن حقائق رسائل النور قلعةٌ في مواجهة هذا التيار الرهيب الذي يجتاح أوروبا ولا يستند إلى دينٍ سماوي، وأنها كذلك معجزةٌ قرآنيةٌ ستكون وسيلةً لإزالة الاتهامات والاعتراضات التي تتوجه اليوم من أبناء العالَم الإسلامي وقارة آسيا إلى أبناء هذا الوطن، وستُعيد الأُخُوة والمحبة
— 130 —
بينهم كما كانت في الماضي؛ والأجدرُ بالسياسيين الذين يحبون هذا الوطن وأهلَه أن يَثوبوا إلى رُشدِهم سريعًا، فيبادروا لطبع الرسائل ونشرها رسميًّا، لتكون حِصنًا منيعًا في مواجهة هذين البلاءَين.
وإني لأتساءل: أكان بمقدور هذا الوطن المبارك أن يُحافظ تمامَ الحفاظِ على قرآنه وإيمانه إزاءَ هذه الصدمات المروِّعة، في هذا الزمان الرهيب، وما فيه من تحوِّلاتٍ عجيبةٍ وتفجُّراتٍ مذهلة؟ أكان بمقدوره ذلك لولا رسائلُ النور التي نَشَرت فيه الإيمانَ التحقيقيَّ بأقوى صورةٍ خلال عشرين سنة؟
على أنه مهما يكن من أمر، فإنه لم يعد ممكنًا الاعتداء على رسائل النور بذريعةِ أنها تَمَسُّ أمنَ الوطن وإدارتَه، بل لم يَعُد بمقدورِ أصحابِ هذه الدعوى إقناعُ أحدٍ بها، غير أن المنافقين قد انتقلوا إلى جبهةٍ أخرى في مواجهةِ رسائل النور والاعتداءِ عليها وعلى طلابها، فراحوا يحاربونها بخبثٍ ومكرٍ تحت شعار الدين نفسِه، مستخدِمين لهذا الغرض بعضَ المشايخ البسطاء، أو أصحابَ البِدَع، أو ذوي الأنانية من أتباع المشارب الصوفية، وقد حصل مثلُ هذا قبل سنتين في إسطنبول وحول "دَنِزْلي"، لكنَّ سعيَهم سيَخيب بإذن الله.
وعلى طلاب رسائل النور أن يأخذوا بالاحتياط والحذر، ولا يخوضوا في جدالٍ مع متعرِّضٍ يتعرَّضَ لهم، بل لا يُعيروه التفاتًا، فإنْ كان المخدوع بتلك المزاعم من أهل العلم والإيمان فلْيكونوا له إخوانًا وأصحابًا، ولْيهدِّئوا الأمر قائلين: نحن لا نتعرض لكم فلا تتعرضوا لنا، نحن إخوةٌ لأهل الإيمان.

ثانيًا:

أخونا "عليٌّ الصغير" صاحبُ الروح الكبيرة، ومِقدامُ "المباركين"، وأنموذجُ "عبدِ الرحمن" و"لطفي" والحافظِ "عليٍّ الكبير"، يسأل سؤالًا يقول: لِمَ تَحشِدُ رسائلُ النور كلَّ هذا الحشدِ الهائل فيما يتعلق بالأركان الإيمانية، مع أن إيمان المؤمن العامِّيِّ هو كإيمان الوليِّ العظيم، كما عَلَّمَنا المشايخُ من قَبْلُ؟
— 131 —
والحال أن هذا سؤالٌ ورَدَ الجوابُ عنه في مواضع كثيرةٍ من رسائل النور.. أولُها ما ذُكِرَ في مباحثِ المراتب الإيمانية "من رسالة الآية الكبرى".
ومنها بيانُ الإمامِ الربَّانيِّ مُجدِّدِ الألف الثاني المذكورُ في أواخرِ الرسالة نفسِها، إذ يقول رضي الله عنه:
"إنَّ أعظمَ مَقصَدٍ للطُّرُقِ ومنتهى جميعِها هو انجلاءُ الحقائق الإيمانية، وإنَّ تَوَضُّحَ مسألةٍ إيمانيةٍ واحدةٍ وضوحًا قطعيًّا هو خيرٌ من آلافِ الكرامات والكشفيات".
ومنها الفقرةُ المقتبَسةُ من "المَلاحق"، والمدرَجةُ بآخر "الآية الكبرى".
ومنها المسألةُ العاشرةُ من "رسالة الثمرة"، فإنها بَيَّنتْ حكمةَ تَكرارِ القرآنِ وتفصيلِه وإفاضتِه البيانَ في التوحيدِ وأركانِ الإيمان، وهي حكمةٌ جارٍ حكمُها بتمامه على رسائل النور، إذْ هي تفسيرٌ حقيقيٌّ للقرآن.
وفضلًا عن هذا، فإن أجزاء رسائل النور التي بَيَّنتِ الإيمانَ التحقيقيَّ والتقليديّ، والإجماليَّ والتفصيليّ، وأبانتْ كيف يَثبُت الإيمانُ أمام جميع الهجمات والوساوس والشبهات ويتصدى لها، قد تضمنتْ من الإيضاحات ما يجيب عن سؤال أخينا "عليٍّ" فلا يدع حاجةً إلى مزيدٍ منا بعد ذلك.
والجهة الثانية للمسألة أن الإيمان ليس مجردَ تصديقٍ إجماليٍّ تقليدي، بل كما أن للشجرة مراتبَ وانجلاءاتٍ من النواة الصغيرة إلى النخلة الباسقة الكبيرة، وكما أن للشمس مراتبَ وانجلاءاتٍ من مثالها المُشاهَد في مرآةِ اليد، إلى انعكاسها على سطح البحر، إلى الشمس ذاتِها؛ فكذلك الإيمانُ، له حقائقُ كثيرةٌ أيَّما كثرة، إذْ للألْفِ اسمٍ واسمٍ من الأسماء الإلٰهية، ولسائرِ الأركان الإيمانية، حقائقُ كثيرةٌ مرتبطةٌ بحقائق الكون، حتى لقد اتفق أهلُ الحقيقة على أن أعظم العلوم والمعارف والكمالات الإنسانية هو الإيمانُ والمعرفةُ القدسيةُ التفصيليةُ البرهانيةُ النابعةُ من الإيمان التحقيقي.
— 132 —
نعم، فالإيمان التقليدي سُرعان ما ينهزم أمام الشُّبهات، بخلاف الإيمان التحقيقي، إذْ هو أقوى منه بكثير، وأوسعُ منه بكثير، فضلًا عن أن فيه مراتبَ كثيرة، منها مرتبةُ علم اليقين التي تتصدَّى بقوةِ براهينها الكثيرةِ لآلافِ الشبهات، بينما ينهزم الإيمان التقليديُّ بشُبهةٍ واحدةٍ في بعض الأحيان.
ومن مراتبِ الإيمان التحقيقيِّ كذلك درجةُ عين اليقين، ولها مراتبُ كثيرة، بل لها درجاتُ ظهورٍ بعدد الأسماء الإلٰهية، وتَصِلُ إلى درجةٍ يمكن لصاحبها أن يقرأ الكونَ بأسره كأنه قرآن.
ومن مراتب الإيمان التحقيقيِّ كذلك مرتبةُ حقِّ اليقين، ولها مراتبُ كثيرة، والأكابرُ أهلُ هذا النوع من الإيمان لو هاجمتْهم جيوشُ الشبهات كلِّها ما استطاعتْ أن تنال منهم شيئًا.
إن آلافَ الكتب التي صنَّفها علماءُ علم الكلام استنادًا إلى العقل والمنطق، إنما تَعرِضُ طريقًا برهانيًّا عقليًّا إلى تلك المعرفة الإيمانية؛ وإن مئات الكتب التي ألَّفها أهلُ الحقيقة، إنما تَعرِضُ تلك المعرفةَ الإيمانيةَ من زاويةٍ أخرى استنادًا إلى الذوق والكشف؛ أما الجادَّةُ القرآنيةُ الكبرى، والمنهاجُ القرآنيُّ اللاحِبُ المعجِز، فإن ما يَعرِضه من الحقائقِ الإيمانيةِ والمعرفةِ القدسيةِ أقوى وأسمى بكثيرٍ مما بيَّنتْه مؤلَّفاتُ أولئك العلماء والأولياء.
وإن رسائل النور تُفسِّر هذا المنهاجَ الجامعَ الكُلِّيَّ السامي للمعرفة، وتتصدى باسم القرآن والإيمان لتيارات التخريب والتدمير الكُلِّية العاملةِ لحسابِ عوالم العدم، والتي ما زالت دائبةً منذ ألف سنةٍ في محاربةِ القرآن، والإضرارِ بالإسلام والإنسان.
فلا جَرَمَ بإزاء هذا أن تَحشِدَ رسائلُ النور حَشدًا لا يُحَدّ، كي تتصدى لأعداءٍ لا تُحَدّ، وتغدو بنور القرآن وسيلةً للحفاظ على إيمانِ أهلِ الإيمان؛ ولقد جاء في الحديث الشريف: "فَوالله لأنْ يَهديَ الله بك رجلًا واحدًا خيرٌ لك من أن يكون لك حُمْرُ النَّعَم"،
— 133 —
وجاء في الأثر: "تفكُّرُ ساعةٍ خيرٌ من عبادةِ سنة"؛ حتى إن الأهميةَ البالغةَ التي يوليها النقشبنديون للذكر الخفي، إنما هي لأجلِ الوصول إلى هذا النوع من التفكر.
أُسلِّم على جميع إخواني وأدعو لهم فردًا فردًا.
الباقي هو الباقي
أخوكم
سعيد النُّورْسِيّ
٭٭٭
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
لا يَحزُنكم حُصول المخبِرين على نُسَخٍ من "المراسلات" و"رسالة الإخلاص"، بل لقد كان من اللازم لفتوحاتِ رسائل النور وتحقيقِ مصلحتها أن يَقرأ هؤلاء تلك "المراسلاتِ" و"الإخبارَ العَلَويَّ" و"رسالة الإخلاص".
ثم إنه بالتزامن مع هذه الحادثة اندلعتْ في إسطنبول مُظاهرةٌ تعادي البلشفية، وفي هذا وسيلةٌ عظيمةٌ لفتوحاتِ رسائل النور، إذْ نَشِبتِ الخصومةُ بين قوتَين كلتاهما تهاجمان رسائل النور في السِّرِّ، فإنْ وقع لنا في أثناء ذلك تعرُّضٌ عابرٌ فلا أهميةَ له على الإطلاق.
إن حقائقَ رسائل النور القوية الفائقة، هي وحدَها القادرةُ على مجابهةِ ما تَبُثُّه البلشفيةُ بين المسلمين من الكفر المطلق وفكرِ الطبيعة تحت غطاء "الفوضوية"، وإننا لهذا السبب ننظر إلى هذه الحادثة على أنها تفتح الطريق أمام الوطنيين والسياسيين والمتدينين، للاصطفاف خلف رسائل النور والتصالح معها والاحتماء بها.
سعيد النُّورْسِيّ
٭٭٭
— 134 —

إلى مدير أمن أفيون

حين رأيتُكم لأول مرةٍ یی ولم أكن أعرفكم یی رأيتُ فيكم شخصًا عادلًا منصِفًا، وإني لأجل هذا أُبيِّن لكم حقيقةً أنتم على علاقةٍ بها قبل أيِّ شخصٍ آخر، وأترك لكم یی بحكم وظيفتكم یی إبلاغَها للجهات المَعنيَّة.
تلك الحقيقةُ هي أن وضعي الحاليَّ لم يَسبِق له مثيلٌ في التاريخ.. إذْ إني فضلًا عما أقاسيه من الشيخوخة والمرض والعَوَز.. جُرِّدتُ من كلِّ شيء، ووُضِعتُ في عزلٍ مطلق، ومُنِعتُ من التواصل مع أيِّ شخصٍ حتى مع جماعة المصلين في المسجد.. وبرغم هذا كلِّه خَطَرَ بقلبي خاطرٌ يقول: ما دمتُ أحدَ أبناء هذا الوطن، فمن الواجب عليَّ خدمةُ ما يُحقِّق سعادتَه؛ لكنْ لَمَّا لم يكن يتأتَّى لي تقديمُ شيءٍ من الناحية المادية، لم أجد ما أُقدِّمه سوى رسالتَين وَعَيتُهما من القرآن وألَّفتُهما بقلمي، هما رسالتا "الثمرة" و"حجة الله البالغة"، فأَذِنْتُ لبعض إخواني بطباعتِهما بالحرف اللاتيني المُستحدَث.
وكان سَبَق لهاتين الرسالتين أن دَقَّقتْهما الجهاتُ المَعنيَّة ولجنةُ الخبراء بأنقرة ومحكمةُ "دَنِزْلي" مدةً تَقرُب من سنتَين، فلم يجدوا فيهما شيئًا يستوجب المسؤولية، فأعادوهما إلينا بشكلٍ رسمي؛ وكنتُ فضلًا عن ذلك كتبتُ إلى إخواني أنِ اعرضوا الرسالتَين على الرقابة وكبار المحررين، ثم اطبعوهما، وبيَّنتُ لهم أنَّ من الأصول المتَّبعة بعد الطبع تسليمَ اثنتي عشرةَ نسخةً إلى الجهات الحكومية؛ ثم طلبتُ منهم أن يُلحِقوا بالرسالتَين رسالتَي "الإخلاص" و"الاقتصاد"، تُطبعان بالحرف اللاتيني المُستحدَث.
وأؤكد لكم بشكلٍ قطعيٍّ أن ليس لي مَقصَدٌ من طبع هذه الرسائل إلا الحفاظَ على هذا الوطن المبارَك وشعبِه المبارَكِ من "الفوضوية" الهدَّامة بصورتَيها المادية والمعنوية، والمساهمةَ في ترسيخ الأمنِ والاستقرارِ والانضباطِ المعنوي، وإقامةَ سدٍّ معنويٍّ في وجه تيارٍ خارجيٍّ يثير الفوضوية والتمرُّد، والعملَ على إزالةِ الاتهامات والاعتراضات الموجَّهةِ إلينا من العالَم الإسلامي، وإعادةَ ما كان بيننا وبينه من محبةٍ
— 135 —
وأُخوَّة.. أجل، هذا هو مقصَدي، ولكنْ أقولها بكلِّ أسف: ثمة أناسٌ يُضمِرون لي العداء منذ القديم، يستغلُّون حالةَ انقطاعي عن الدنيا، وعدمَ صلتي بأهل الحكم والإدارة، وعدمَ معرفتي بأحوال العالَم، وما ألاقي من تعرُّضٍ غيرِ قانوني، فيثيرون هواجسَ جهات الأمن والقضاء مني.
فمن ذلك ما سمِعتُه عَرَضًا من أن رجال المباحث صادروا في قطارٍ أربع رسائل من مؤلفاتي، إضافةً إلى نسخةٍ من مراسلاتي التي جَرَت في العامَين الأخيرَين، علمًا بأن اثنتَين من تلك الرسائل هما رسالتا "الإخلاص"، وهما رسالتان خصوصيتان بدرجةٍ ما، وقد سَبَق أن اطلع عليهما رجالُ المحكمة وأعضاءُ لجنة الخبراء بأنقرة، ودقَّقوا فيهما فلم يجدوا فيهما ضررًا، فأعادوهما إلينا. أما "رسالة الاقتصاد" التي أُرسِلتْ إلى إسطنبول لعرضها على الرقابة وكبار المحرِّرين، فهي رسالةٌ لازمةٌ لكلِّ شخصٍ في هذا الزمان.
وأما "رسالة الكرامة العَلَوية" الموسومةُ بی"اللمعة الثامنة عَشْرة"، فقد أُرسِلتْ مع الرسائل الأخرى خطأً، علمًا بأني لا أسمح لأحدٍ بقراءتها إلا لأَخَصِّ إخواني فكيف بطبعها؟! ومع هذا فهي رسالةٌ لا علاقة لها بشؤون الدنيا، وقد دققتْ فيها المحكمةُ ولجنةُ الخبراء ثم أعادوها إلينا، فضلًا عن أني كتبتُها قبل عشر سنوات، وكنتُ حينئذٍ في حاجةٍ ماسَّةٍ إلى السُّلوان لِما أعانيه من كربٍ شديدٍ في سجن "أسكي شَهِر"، فوَرَدَت على قلبي بِشارةٌ معنويةٌ فكتبتُها.
وأما نُسخةُ مراسلاتي التي جرَتْ في العامَين الأخيرَين، بل في الأعوام الأربعة أو الخمسة الأخيرة، فلم تُرسَل لتُطبَع وتُنشَر مع هذه الرسائل المذكورة، وإنما أُرسِلَتْ بناءً على طلبِ واحدٍ أو اثنين من خواصِّ أصحابي رغبوا في قراءتها والاطِّلاع عليها، وكان سببُ كتابتي لها رغبتي في الحديثِ إلى مَن عانوا مِحنةَ السجن بسببي، والتسريةِ عنهم وبثِّهم السُّلوان، وتداولِ الآراء معهم حول رسائل النور التي عادتْ على هذا الوطن وأبنائه بالنفع العظيم في دنياهم وأُخراهم كما هو مشاهَدٌ منذ عشرين سنة.. وربما وُجِد بين هذه المراسلات عرائضُ شكوى كتبتُها إلى الجهات العليا بأنقرة.
— 136 —
فهذه هي ماهيةُ الرسائل والمراسلات التي صادرها رجالُ المباحث، أبيِّن لكم حقيقتَها، لاحتمالِ أن تَصِلَكم أو لعلَّها وَصَلتْكم.
وإني لأرجو یی بما تتحلَّون به من جِدِّيةٍ والتزامٍ بوظيفتكم یی أن تمنعوا التضييقَ الشديدَ الذي تمارسُه معي بعضُ الجهات، وما ألقاه من تعرُّضٍ غيرِ قانونيٍّ مبناهُ ظنونٌ وأوهام.
٭٭٭

مقتطفٌ من رسالةٍ لطلاب النور الذين شاهدوا الحادثة المناوئة للشيوعية بإسطنبول

إخوانَنا الأعزاء..
ظَهَر بالأمس في إسطنبول فتحٌ معنويٌّ عظيمٌ مَهيبٌ من فتوحاتِ النور، ولله الحمد والمِنَّة؛ فلقد هوجم بالأمس مَقرُّ منظمةٍ تعمل لتمكين الكفر المطلق في العالَم عامةً وفي العالَم الإسلامي خاصةً، وبُعثِرتْ محتوياتُ مكتبتِها ومطبعةِ صحيفتِها اللتَين تنشران أفكارها وتروِّجان آمالَها، وتَجَمْهَرَ الشباب والطلاب الذين ظَنَّتْ تلك المنظمة أنها قد جعلتهم شيوعيين ملحِدين، فتظاهروا ضدها وهتفوا بأعلى صوتهم: الموت للشيوعية.
لقد تكبدت هذه المنظمة خسارةً مادية تقدَّر بآلاف الليرات، أما خسارتها المعنوية فتقدَّر بالملايين.
وشَعَرْنا نحن المحزونين كأن شخصًا معنويًّا على علاقةٍ قويةٍ بأرواحنا وقلوبنا يهتف بنا قائلًا: "أيها النوريون.. لا يَحزُنْكم عدمُ توفر الإمكانات المادية اليوم، فإن فتوحات النور تنتشر على نطاقٍ واسع، وتحظى بتوفيقٍ شامل".
هذا من فضل ربي
٭٭٭
— 137 —
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
أودُّ أن أتحدث إليكم عن حادثةٍ عجيبةٍ ذاتِ مغزى وقعتِ البارحة، تتعلق برسائل النور وطلابِها، وبكرامةِ "الآية الكبرى"، كما تتعلق بالنوايا السيئة التي يُبيِّتُها أهلُ الدنيا تُجاهَنا، فقد شَبَّ حريقٌ هائلٌ في الدائرة الحكومية المقابلةِ لنا، والتي كانت فيما مضى دارًا للبلدية، وقد اندلع في أشدِّ ساعاتِ الليلِ برودةً فكان كأنه نارُ جهنم، وتأجَّجتْ نيرانُه بصورةٍ لم أرَ مثلَها من قبل، واستمرَّ ثلاث ساعاتٍ أتى فيها على كلِّ شيء.
وكان لأحد طلاب رسائل النور محلٌّ ملاصقٌ لمكان الحريق، كما كان للفتى "جَيلان چالِشْقان" وأخوَيه متجرٌ كبيرٌ يحوي معظم أموالهم، ولم يكن يفصل بينه وبين مكان الحريق سوى محلَّين صغيرَين.. وبينما كانت النيران تتجه صوب المحلات والمتاجر، إذْ جاءني "جَيلان" وقد عَراه العجزُ قائلًا: نحن نحترق.. لقد هلكنا!!
وكنتُ طلبتُ منه قبل يومَين أن يأتيَني ببعض النُّسخ المطبوعة من رسالة "الآية الكبرى" الموجودةِ في متجرهم، لكنه لم يُحضِرها، ما يعني أنها بَقيَتْ هناك لإطفاء الحريق.. فدعوتُ الله مستشفعًا برسائل النور والآيةِ الكبرى وقلتُ: رَبِّ سَلِّمْ.
وقدِ التَهَمَ الحريقُ الذي دام ثلاثَ ساعاتٍ تلك الدائرةَ الحكوميةَ بأكملها، وأتى على ما جاورَها من المحلاتِ والمتاجر فأحرقها ودمَّرها، إلا المتجَرَ الذي كان في حِفظِ رسائل النور و"الآية الكبرى"، فلم تمسَسْه النار، وكذا مَحَلُّ طالبِ النور ذاك، بقي سالمًا من الحريق، ولم يُصِبه ضررٌ سوى ما قام به الأهالي حين تدخَّلوا فكسروا واجهتَه وأخرجوا محتوياتِه.
ولقد ذكَّرَنا هذا بالحريق الذي وقع في خان السَّجَّاد "بإسبارطة"، فقد سَلِمَ منه بيتان مجاوران يقيم فيهما أشِقَّاءُ رجلٍ فاضلٍ خَصَّصَ لرسائل النور دارًا تُقام فيها دروسُها، فكما كانت سلامةُ هذين البيتَين من الحريق كرامةً لرسائل النور؛ فكذلك الحريقُ الهائلُ الذي اندلع مقابل مكان إقامتي "بقَسْطَموني"، وسَلِمَ منه بيتُ أخينا
— 138 —
الحافظ "أحمد"، وسَلِمَتْ منه أختُه في الطابق الثالث، ونجَتْ بنفسِها ومالِها ببركاتِ رسائل النور؛ وكذلك جرى الأمرُ في نجاةِ هؤلاء الأربعةِ الأفاضلِ من طلاب رسائل النور الجادِّين مِن آل "چالِشْقان"، وقد أورثنا هذا قناعةً یی أنا وهم وسائرَ إخواننا یی بأن ذلك كان كرامةً لرسائل النور ولی"الآية الكبرى"؛ ولو أن الرياح هبَّت قليلًا یی وهُبوبها هنا أمرٌ معهودٌ غيرُ قليل یی لأتى الحريقُ على معظم محلات السوق، حتى لقد أُفرِغتْ بعض المحلات ونُقِلَتْ محتوياتُها رغم أنها تَبعد عن "متجر الآية الكبرى" بعشرةِ مَحَالَّ أو خمسةَ عشر.
لقد ظهرت أماراتٌ تدلُّ على نيةِ القوم التعرضَ لي بعد حصولهم على رسائل النور ومراسلاتي الأخيرة في "صَنْدِقْلي" وبين "أفيون" و"كوتاهية"، فتلقَّوا صفعاتٍ على هذا بحادثةِ إسطنبول، ثم وقعتْ هذه الصفعة جزاءً على نيتهم التعرُّضَ لي كذلك، ولعلها صرَفَتْ عزمَهم وأخافتْهم وأسكتتْهم بإذن الله.
إخواني.. لا يحتاج ذكاؤكم وحُسْنُ تدبيركم إلى نصيحةٍ مني حول تَسانُدِكم، لكني شعرتُ في الآونة الأخيرة أن القوم يَبثُّون مشاعرَ سوء الظن بين طلاب رسائل النور حتى يتزعزعَ تساندُهم، ويَتَّهِمَ بعضُهم بعضًا، وحتى يقولَ قائلُهم: لعل الطالب الفلانيَّ يتجسس علينا؛ فيقع بينهم الشِّقاق حينئذ.
ألا فاحذروا!! لا تهتكوا سِترًا لأحدٍ ولو عاينتُم حقيقتَه بأعينكم، وقابِلوا الإساءة بالإحسان، ومع ذلك كونوا في منتهى الاحتياط والحذر، ولا تُفْشُوا سرًّا.. بلى، ليس لدينا أسرار، ولكنَّ أصحاب الظنون والأوهام كثيرون؛ وإنْ تحقَّقتم من أن طالبًا ما ينقل إليهم أخبارَنا فاسعَوا في إصلاحه ولا تهتكوا سِتْرَه.
إنَّ ما تتحلَّون به من تسانُدٍ، لا سيما في مدرسة "إسبارطة"، كان له سمعةٌ حسنةٌ وأثرٌ طيبٌ على رسائل النور وطلابها وعلى هذا البلد؛ وأحدُ أهمِّ الأسباب التي تدفع الآخرين للعمل في خدمة رسائل النور هو تساندكم ونشاطكم وهمتكم.. أسأل الله تعالى أن يثبتكم في هذه الخدمة الإيمانية ويوفقكم فيها.. آمين آمين.
— 139 —
أُسلِّمُ على جميع إخواني وأدعو لهم جماعاتٍ وأفرادًا، وأطلب منهم الدعاء.
سعيد النُّورْسِيّ
تحققتْ لدينا القناعةُ القطعيةُ بحقيقةِ ما ذكره أستاذُنا عن الحريق وشاهدْنا ذلك بأعيننا.
عثمان، محمد، حسن، جَيلان، المعاون إبراهيم
٭٭٭
أخي العزيز..
وجدتُ رسائلَك جيدةً، لكن الصحفيين والمسؤولين اليوم لا يُقدِّرون الحقائقَ حقَّ قدرِها؛ فضلًا عن أنَّ رسائلَ النور لا تَخطُب وُدَّهم، بل هم مَن ينبغي أن يَطلبوها ويَخطُبوا وُدَّها، حتى إذا ما عرَفوا قيمتَها ورغِبوا فيها أمكنها أن تَقبل عونَهم.
ثم إني أرى أن من المناسب الآن عدمَ لفتِ الأنظار إلى طلاب رسائل النور، على أن أخاكم هذا الذي لم يُعِرِ التفاتًا إلى الحرب العالمية طَوال سبع سنين، ولم يطالع صحيفةً ولا استمعَ إلى ما فيها منذ خمسٍ وعشرين سنة، لا يُسألُ عن رأيه في هذه المسألة، وإنما المسألةُ مَنوطةٌ بأصحابها، وهم أنتم وخواصُّ طلابِ النور والقائمون على تدقيقها ونشرها، فتشاوروا فيما بينكم، لا سيما مع الإخوة في "إسبارطة"، وافعلوا ما تقتضيه المصلحة.
لقد أدرجْنا رسالتَك الجميلةَ هذه في "المَلاحق"، كما حَظِيَ "فيضي" و"أمين" بموقعٍ مرموقٍ في "المَلاحق"، فما أخبارُهما يا تُرى؟ وهل هما في وضعٍ يوافق ذلك الموقع المرموق؟ وهل يعانيان من همومٍ أو مشاكل؟
وما أخبارُ "حلمي" و"إحسان" و"صادق" من "طاش كوپرو".. أولئك الإخوة الذين اعتنَوا بي حقيقةً في السجن بكلِّ مروءةٍ وتضحية، وأسدَوا إليَّ خدمةً تَعدِل خدمةَ عشر سنين.. فما أحوالهم؟
— 140 —
ولستُ أنسى إخواني في تلك النواحي لا سيما في "إينه بولو" فلا يَقلقوا بشأني.. فإنَّ رسائل النور ربما اعتراها تَوَقُّفٌ هنا أو هناك في بعض الأحيان، إلا أن لها في المقابل فتوحاتٍ من خلفِ الحجاب بالغةَ التأثير والأهمية، فلا يَقلقوا، ولْيستمروا في النَّسخ بقوةٍ وثباتٍ مع الأخذ بالاحتياط والحذر.
نبعثُ إلى الجميع بعاطر التحية والسلام وندعو لهم.
٭٭٭
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
أولًا: نهنئكم بمباشرتكم العملَ في الوظيفة النورية الأولى، أعني الخدمةَ المتعلقةَ بی"عصا موسى"، كما نهنئ "إسبارطة" من صميم قلوبنا ونُشيدُ بما تشهدُه من تقدُّمٍ یی لا تخلُّفٍ یی في التزامِ الدين والآداب الإسلامية.
ثانيًا: بخصوص الشِّعر الذي نَظَمَه "حسن فيضي" في رسائل النور، وفي التعريفِ بأصلِها وأساسِها ومعدِنِها، أي الحقيقةِ القرآنيةِ وسرِّ الإيمانِ والنورِ الأحمدي، فإنه شِعرٌ يُعبِّر عن وفاءٍ خالصٍ وصِدقٍ تامٍّ وقناعةٍ إيمانيةٍ متينة، وقد عَرَّفَ فيه صاحبُه بحقَّانيةِ رسائل النور تعريفًا خالصًا بديعًا، وعبَّرَ عن ذلك باسمه هو وباسمِ الشخصِ المعنويِّ لرُفَقائِه مِن حوله، علمًا بأنه رجُلُ علمٍ وأستاذٌ مرموقٌ لا يُسارع إلى قبول شيءٍ بغير تَثَبُّت، ولا يُسلِّم به بغير دليل؛ ولهذا رأَينا من المناسب أن يُدرَج شِعرُه في ختام "سكة التصديق الغيبي" آخِرَ الفقرات المقتبَسةِ من "المَلاحق"، وأن يُفرَد له موضعٌ في "المَلاحق" أيضًا، وكذا ما كتبه "خليل إبراهيم" من توصيفٍ لرسائل النور، وقد أدرجناه في نُسختنا، لأن قناعةً بهذا القدر من القوة والصدق تَصلُح أن تكون إيماءً وأمارةً على حَقَّانية الرسائل، من نوع الإيماءات الواردةِ في "السِّكة الغيبية".
— 141 —
ثالثًا: نبعثُ ببالغِ التحية وأحرِّ التهاني إلى جميعِ إخواننا الواردِ ذكرُهم في رسالة "حسن فيضي"، وكما أصبح سجنهم مدرسةً نورية، فستُصبِح ولاية "دَنِزْلي" مدرسةً من "المدارس الزهراء" بإذن الله.
وأما ذلك الفاضل الذي عمِلَ على إنقاذِ النور من الظُّلْم، وبرَّأ ساحةَ كثيرٍ من طلاب النور، وأبرزَ صفحتَهم بيضاءَ ناصعة، فقد قدَّم إلينا هديةً معنويةً جليلةً لا تُكافئها الرسائلُ المهداةُ إليه؛ وما هذه الهديةُ النوريةُ إلا عُربونُ وفاءٍ وتقدير، وتَذكارُ عدالةٍ انتصَفَ بها الكثير.
رابعًا: ثمة حالتان تُصدِّقان الخبرَ الغيبيَّ المُشيرَ إلى اكتمال تأليف رسائل النور في العام الرابع والستين بعد الثلائمئة والألف:
الأولى: أني لا أجد باعثًا على التأليف رغم ورود الكثير من النقاط المهمة بخاطري.
الثانية: أني كنتُ أرجو أن يُمَدَّ لي في العُمُر كي أعمل على حفظ رسائل النور ونشرها ورعايتها وحمايتها، ولكنْ شُكرًا لله بلا حدٍّ أنْ قَيَّضَ بدلًا من "سعيدٍ" واحدٍ هَرِمٍ مسكينٍ "سعيدِين" كثيرين شبابًا يؤدَّون هذه الوظيفة، كی"خسرو" و"فيضي" و"أحمد" و"محمد" وغيرُهم كثيرٌ نُظراءُ لابنِ أخي "عبد الرحمن"، وكما سَرُّوا الحافظَ "عليًّا" في قبره، فسَيَسُرُّوني في قبري إن شاء الله.
أُسلِّم على جميع إخواني وعلى كلِّ طائفةٍ منهم، من أبرياء صغار، وأميين كبار، وأخواتٍ فاضلات.. أُسلِّم عليهم فردًا فردًا وأدعو لهم.
الإخوة من آل "چالِشْقان" لم يتضرَّروا من ذلك الحريق ببركةِ رسائل النور، وهم يبلغونكم السلام والمودة والتقدير، ويُقبِّلون أيديَكم.
٭٭٭
— 142 —
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
إن مكائدهم التي ظلَّتْ تُحاكُ ضدي منذ شهور قد انكشفت، وخفَّف الله بحفظه وطأةَ المصيبة من عشرين إلى واحد.
فقد كنت أذهب إلى المسجد وقتَ خُلُوِّه من الزِّحام فأتعبد فيه، فصَنع لي الطلاب بغير علمي خُصًّا ليَقِيَني شدةَ البرد، ووضعوه في السُّدَّة، وجَرَتِ الأمور على خير، إلى أن قرَّرتُ من تلقاء نفسي قبل أيامٍ عدمَ الذهاب إلى المسجد؛ لكنَّ القوم أرادوا تهويل الأمر كما هو دأبهم، فأزالوا الخُصَّ بواسطة ذلك الضابط المعروف، وأبلغوني رسميًّا بمنعي من الذهاب إلى المسجد ثانية، ونشروا جوًّا من التوتر.
لا تقلقوا فليس للأمر أهمية، أرى في تقديري أنهم يطعنون فيَّ متعلِّلين بمثل هذه الذرائع بغيةَ أن يضعوا حدًّا لإقبال الناس من كلِّ جهة، وهو إقبالٌ يفوق حدي كثيرًا.
إنهم ينظرون إليَّ بالصورة التي كنتُ عليها في سالف عهدي، ويظنون أني لن أتحمل ما يجري، والحال أنه حتى لو نزل بي في كلِّ يومٍ ألفُ تجريحٍ وإيذاءٍ یی على ألَّا يصيب رسائلَ النور وانتشارَها أيُّ خلل یی لشكرتُ الله تعالى؛ فأنا لا أُولي الأمرَ أيَّة أهمية، وكذلك هي حالُ الطلاب هنا، فإنهم لم يتزعزعوا؛ وهذه الحادثة التي كنا نتوقعها منذ زمنٍ بعيد قد مرَّتْ خفيفةً بفضل العناية الإلٰهية.
أُسلِّم على جميع إخواني وأدعو لهم فردًا فردًا.
سعيد النُّورْسِيّ
٭٭٭
— 143 —
إخواني الأعزاء الأوفياء..
القسم الأول من هذه القصيدة يتحدث عن النور المحمدي والصحب الكرام في أربع صفحات، وهو جميلٌ جدًّا، أما قِسمُها الآخَر الذي يتحدث عن رسائل النور وعنا بالتالي، ففيه أَولى "حسن فيضي" حُسْنَ ظنٍّ زائدًا جدًّا.. صحيحٌ أنه قَصَد في قصيدته هذه حقيقةَ رسائل النور وشخصَها المعنوي، إلا أنني وجدتُها محتاجةً إلى التعديل، فأضفتُ بعض الكلمات، وبدَّلتُ بعضَها الآخَر، لكني ما زلتُ غير مطمئنٍ لبقيةٍ منها تتعلق بي وتَفوق حدي ألف درجة.
لكن ما دامت تُحفِّز الطلاب وتثير هممهم فإني أُحيلها عليكم، فانظروا إليها من منظار الفناء عن الذات والإخلاص وترك الأنانية الذي يقتضيه مسلكنا ويقتضيه كذلك تَوَقِّي أصحاب الهواجس في هذا الزمان، فعدِّلوا منها ما ترونه مناسبًا، ولكم أن ترسلوها للإخوان محفِّزًا مهمًّا لهم في زمان الفتور هذا.
وإن أخانا الكريمَ هذا هو وارثُ المرحوم الحافظ "علي" وخَلَفُه، وارتباطُه برسائل النور وثيق، ووفاؤه لها صميمٌ فائق، فلا يكن في صدره حرجٌ من تعديلي.
إن "حسن فيضي" طالبٌ من خواص طلاب النور، ومعلمٌ قديرٌ من أوائل المعلمين، وقد سبق أن عرَّف برسائل النور مرَّتين، بقناعةٍ صادقة، وثقةٍ متينة، وعِلمٍ راسخ، وإيمانٍ ساطع، وقد كَتب هذه القصيدة بإلهامٍ من "سِكَّة التصديق الغيبي"، عرَّف فيها برسائل النور، وبمنبع هذا النور وأساسِه وهو النور المحمدي، وعرَّف كذلك بحقيقة القرآن وسر الإيمان.
٭٭٭

(إلى هنا -كما في الأصل- ينتهي تعريفُ الأستاذ بقصيدة "حسن فيضي"، تَليه القصيدة نفسُها، وتبلغ مئةً وواحدًا وثلاثين بيتًا، لم تترجَم إلى العربية؛ هی ت.)

٭٭٭
— 144 —
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
تلقيتُ إخطارًا معنويًّا قويًّا بأن أتحدث إليكم مجدَّدًا في مسألةٍ بالغةِ الأهمية، سبق أنْ بيَّنتُها لكم بيانًا مجملًا؛ وفحواها أن أعداءنا المنافقين العاملين في الخفاء لما فشلوا في هجومهم الذي شَنُّوه علينا مستخدمين القضاءَ والسياسةَ ومؤسساتِ الدولةِ أداةً بيدِ الإلحاد كما هو ظاهرٌ حتى اليوم، تخلَّوا عن مخططاتهم القديمة التي عادت بالنفع على فتوحات رسائل النور، وراحوا يُدبِّرون مخطَّطًا نِفاقيًّا يَحارُ منه الشيطانُ نفسُه، وقد أخذتْ أماراتُه تَظهر هنا.
وأحدُ أهم أسس هذا المخطط هو تفتير همةِ خواصِّ إخواننا الثابتين وثَنْيُ عزائمهم، بل حملُهم على التخلي عن رسائل النور إن أمكن، وهم يَستخدمون في هذه النقطة بالذات أكاذيبَ وحِيَلًا بالغةَ العَجَب، ولا بد لمقاومتها من ثباتٍ وولاءٍ ومتانةٍ كالفولاذ كما هي حالُ الطلاب الأبطال في "إسبارطة" وما حولها.
فمن ذلك أن بعض هؤلاء المنافقين يندسُّون في الصفوف مُظهِرين أنفسهم بمظهر الصَّديق الموالي، حتى إذا ما سنحت الفرصة بَثُّوا المخاوف، وضخَّموا الأمور، وأثاروا الهواجس في النفوس، واجتهدوا في صرف الضعفاء وتخذيلهم قائلين لهم: "إياكم ثم إياكم أن تقتربوا من سعيد، فإنه مراقَب.. تراقبُه الحكومة". بل بلغ بهم الكيدُ أن يسلطوا الفتيات على بعض الطلاب الشباب لإثارةِ غرائزهم.
ومن ذلك أنهم يَعمِدون إلى مَن هم أركانُ رسائل النور، فيُحدِّثونهم عن معايبي ونواقصي، ثم يُبرِزون بعضَ الشخصيات المشهورة ذاتِ التديُّن الظاهري مِن أصحاب البدع ويقولون: "نحن أيضًا مسلمون، والدين ليس مخصوصًا بمسلك سعيدٍ وحدَه".
ويَعمِدون إلى البُسطاء السُّذَّج من المشايخ وأهل الدين فيستعملونهم أداةً ضدنا لمصلحة الزنادقة والفوضويين الذين يواجهوننا من وراءِ حجاب؛ لكنَّ مخططاتهم هذه ستبوء بالفشل بإذن الله.
— 145 —
فقولوا لهؤلاء الوُضَعاء: نحن تلاميذُ لرسائل النور، و"سعيدٌ" تلميذٌ مثلُنا، أما مَنبعُ الرسائل وأصلُها وأساسُها فالقرآن الكريم، ولقد أثبتتْ قيمتَها وسجَّلتِ انتصارَها على أعتى أعدائها بالرغم مما لقيتْه خلال عشرين سنةً من تدقيقاتٍ وملاحقاتٍ لا نظير لها؛ ومهما كانت حالُ "سعيدٍ" الذي ليس سوى تَرجُمانٍ ومبلِّغٍ وخادمٍ لرسائل النور، بل حتى لو انقلب عليها والعياذ بالله، فإن علاقتنا بها وولاءنا لها لن يتزعزعا بإذن الله.
أجل، قولوا هذا الكلام وسُدُّوا هذا الباب؛ لكنْ يتحتم عليكم الانشغالُ برسائل النور ما أمكن، ونَسْخُها إن تيسَّر ذلك، وعدمُ إيلاءِ أيِّ أهميةٍ للحملات المغرِضة المبالِغة، والأخذُ بالاحتياط التام كما كانت الحال في الماضي.
نُسلِّم على جميع إخواننا وندعو لهم فردًا فردًا.
سعيد النُّورْسِيّ
٭٭٭
إن الذين يتخذون السياسة أداةً للإلحاد، ويَعملون في الخفاء لتمكين الكفر المطلق، بغيةَ تحطيمِ أعظمِ قوةٍ يتمتع بها أبناء هذا الوطن، وهي توجُّهُ العالَم الإسلامي وحَمِيَّتُه وأُخوَّتُه، لِيُحِلُّوا محلَّها العداوة والبغضاء، أقول: إن هؤلاء يستغفلون الحكومة ويضلِّلون العدالة مرتين حين يقولون: إن طلاب رسائل النور يتخذون الدينَ أداةً للسياسة، وقد يُضِرُّون بالأمن والاستقرار.
والحال أن رسائل النور بركةٌ ماديةٌ ومعنويةٌ لهذا البلد، وأن لها خدمةً جليلةً فائقة، وأنها جامعةٌ لحقائقَ تتعلق بعموم العالَم الإسلامي، وهذا أمرٌ ثَبَتَ وتحقَّق بإشارةِ ثلاثٍ وثلاثين آيةً قرآنية، وثلاثِ كراماتٍ غيبيةٍ لسيِّدنا عليٍّ كرَّم الله وجهه، وإخبارٍ غيبيٍّ من الغوث الأعظم الشيخ الگيلاني قُدِّس سِرُّه.
وإن رسائل النور التي هذا شأنُها ليس لها علاقةٌ بالسياسة، لكنها لما كانت تُحطِّم الكفر المطلق، كانت تَرفُض وتَنقُض قاعدتَه وهي "الفوضوية"، وتَرفُض وتَهدِم قِمَّتَه
— 146 —
وهي الاستبداد المطلق، وتُحقِّق الأمن والاستقرار والحرية والعدالة؛ وبهذا فلا سبيل للاعتداء عليها بذريعةِ أنها تَمَسُّ أمن الوطن وإدارته، بل لم يَعُد بمقدورِ أصحابِ هذه الدعوى إقناعُ أحدٍ بها.
غير أن المنافقين قد انتقلوا إلى جبهةٍ أخرى في مواجهةِ رسائل النور والاعتداءِ عليها وعلى طلابها، فهم اليوم يحاربونها بخبثٍ ومكرٍ تحت شعار الدين نفسه، مستخدِمين لهذا الغرض بعضَ المشايخ البسطاء، أو أصحابِ البِدَع، أو ذوي الأنانية من أتباع المشارب الصوفية، وقد حصل مثلُ هذا قبل سنتين في إسطنبول وحول "دَنِزْلي"، لكنهم لن يوفَّقوا بإذن الله.
٭٭٭
إخواني..
تَبيَّنَ لي بما لا يدع مجالًا للشك أن ثمة إجراءاتٍ اتُّخِذتْ سِرًّا للقضاء على توجُّه الناس وإقبالهم عليَّ، وذلك بإهانتي وتشويه سمعتي رسميًّا، كما تَبيَّن أن القوم يعملون في الخفاء على تخويف أصحابي وتثبيطهم، والحالُ أن "سِكَّة التصديق الغيبي" تَقلِب جميعَ حملاتهم المغرِضة رأسًا على عقب.
ومع أن مثل هذه الإجراءات التي تَخدُم الإلحاد تضايقني بدرجةٍ ما، وتثير بعض نوازع "سعيدٍ القديم" المتبقية، إلا أن فتوحات رسائل النور الرائعة، والحُرمةَ والرحمةَ التي يُقابَل بها تلاميذها في نظر أهل الحقيقة ولدى الملائكة والروحانيين، تجعل تلك الإهانة وذلك التشويه أتفهَ من جناح بعوضة.
إن هؤلاء الأشقياء الذي يوجهون الإهانات لأهل الدين وأهل العلوم الدينية لأجل تديُّنهم إنما يوجِّهون الإهانة للدين نفسه، وهم لأجل ذلك ملعونون عند الملائكة والروحانيين، وملعونون عند أهل الإيمان وأهل الحقيقة، ولا ينالون استحسان أحدٍ سوى الزنادقة والسفهاء الأراذل الذين لا يَبلغون واحدًا أو اثنين بالألف.
— 147 —
إنهم یی لحماقتهم یی يهاجمونني ظانِّين أنهم بتشويه سمعتي يحطِّمون نفوذ رسائل النور، وأن الرسائل ستسقط بمجرَّد أن يقضوا على شخصي الذي يَحسِبونه منبعَها، وأنا أقول لهؤلاء:

أيها الأشقياء الذين تشوهون سمعتي خدمةً الإلحاد، أُخبِركم قطعًا بأنكم یی ما لم تتوبوا عما قريب یی لن يكون لكم خَلاصٌ ولا نجاة؛ بل ستُعلَّقون على مشنقة الموت بإعدامٍ أبديٍّ على يد جَلَّاد الأجل، وسيُحكَم على أرواحكم الشريرة بالسجن الانفرادي المؤبَّد، وسيَنْصَبُّ عليها اللعن والمقت من أهل الإيمان والروحانيين.. أنا لست أغضب منكمÀ9Hل أرثي لحالكم، لعلمي بأن ثأري سيؤخَذ منكم مضاعفًا ما لم تتوبوا.

أما محاولةُ حَجْب رسائل النور، فلا يَقدر مَن هم أتفهُ من الذباب أمثالُكم أن يُحطِّموا ذَرَّةً من نفوذها؛ بل إن لها مئاتِ آلافِ الرجال الذين يُكِنُّون لها الاحترام والإجلال من صميم قلوبهم وأرواحهم، لأنها أنقذتْ إيمانهم.
وأما تأثُّري شخصيًّا فأخبركم قطعًا بأنني في مقابل ما أجد من انزعاجٍ برهةً من الوقت لا تستغرق دقيقةً أو دقيقتين، أجد من فوري سُلوانًا عظيمًا، بحيث لو زادت حملاتُكم المُغرِضةُ ألفَ ضِعفٍ ما قَدَرَتْ أن تَنقُص من سُلواني شيئًا؛ إذْ قد بيَّنَّا بكشفيّات رسائل النور القطعيةِ المؤيَّدةِ بآلافِ الحُجج التي تَدمغ الفلاسفة، أن الذين يهاجموننا خدمةً للإلحاد سَيَلْقَون المَهانة بالإعدام الأبدي والحبس الانفرادي والعذاب المقيم، وأن تلاميذ رسائل النور الذين أنقذوا بها إيمانَهم سيَحصُلون بالموت على مذكِّرةِ إعفاءٍ ووثيقةِ سعادةٍ أبدية، وسيكونون مَظهَر حُرمةٍ ورحمةٍ ومَكرُمةٍ أبدية.
ثم إن "سعيدًا الجديد" هذا يقف على نقيضِ ما كان عليه حال "سعيدٍ القديم" من نَيل الشهرة والجاه، وكسْبِ احترام الناس وإقبالهم، بل يرفض ذلك قطعًا، ولأجل هذا اختار العزلة منذ عشرين سنة.
فإنْ كان غرضُكم مما تقومون به تحطيمَ نفوذه والحطَّ من شأنه في نظر العامة حفاظًا على الأمن والاستقرار، فإنكم ترتكبون خطأً جسيمًا، ذلك أنه على مدارِ سنتين
— 148 —
كاملتَين، دقَّقتْ ثلاثُ محاكمَ في مؤلفاتي المئةَ والعشرين التي ألَّفتُها في عشرين سنة، ونظرتْ في أحوالِ مئةٍ وعشرين ألف طالبٍ لرسائل النور، فلم تعثر على أيِّ أمرٍ من شأنه أن يُخِلَّ بالأمن والاستقرار، أو يكون موضعَ مسؤوليةٍ، أو يوجَّه ضد الشعب والوطن، فأعلنتْ براءتَنا، وقضتْ بإعادة جميع أجزاء رسائل النور المُصادَرة.
وإنني بناءً على هذا أقول لكم يا مَن تقمعوننا خدمةً للإلحاد: إنكم تضيقون عليَّ خدمةً للفوضوية الهدامة، ورعايةً لمصالح جهاتٍ أجنبيةٍ خطيرة، وإضرارًا بالوطن والشعب والأمن والاستقرار، وتُحدِثون القلاقل والاضطرابات تبتغون بها أن يتدخل ذلك التيار الأجنبي في بلادنا؛ وإنه لأجل هذا لا تساوي جميعُ تَعَدِّياتكم وحملاتكم المُغرِضة عندي فَلسًا.. ولقد قررت أن أتحمل وأصبر ليدوم الأمن والاستقرار.
وكما أن الدنيا زائلةٌ لا محالة، فكذلك أحداثُها عاصفةٌ متغيرةٌ لا محالة؛ ولئن كان ارتكاب الجريمة لا يستغرق ساعات، فإنها تورِث آلافَ أنواعِ العذاب والجحيم الدنيوي والأخروي، وحينئذٍ ستندمون أشدَّ الندم، لكن لن ينفعكم الندم.
وأُخاطب الأشقياء أمثالَكم بما سبق أن خاطبتُ به الجهات الرسمية والمسؤولين المعنيين بنا فأقول:
إننا نعمل من خلال رسائل النور على دفع خَطَرَين عظيمَين يهدِّدان البلاد ومستقبلَها، وتَشهد لعملنا هذا أماراتٌ كثيرةٌ ملموسة، حتى لقد أثبتنا بعضها لدى المحكمة.
أما الخطر الأول فهو الفوضويةُ الهدَّامةُ الآتيةُ من الخارج، والتي تسعى جاهدةً للانقضاض على هذا البلد، ونحن نعمل على إقامة سدٍّ يقف في وجهها.
وأما الخطر الثاني فهو القطيعةُ بين أبناء هذا البلد وبين ثلاثمئةٍ وخمسين مليون مسلم، ونحن نعمل على تحويلِها إلى أُخُوَّة، لنحقِّق بذلك أعظمَ نقطةِ استنادٍ لهذا البلد.
٭٭٭
— 149 —

أقول لمدير أمنِ أفيون

السيدَ المدير: لماذا لا تعيرون التفاتًا لكلِّ هذا الذي يقع عليَّ من اعتداءاتٍ لا شرعيةَ لها ولا جدوى منها ولا مصلحةَ فيها، بل لم يُرَ مثلها في العالَم من قَبل؟!
وإليك مثالًا على ذلك؛ وهو أني كنت أذهب إلى المسجد وقتَ خُلوِّه من الزِّحام، ليس معي سوى واحدٍ أو اثنَين، وليس لي غرضٌ سوى نَيلِ ثوابِ الجماعة، فإذا بي أُبَلَّغ رسميًّا بقرارٍ يقول لي: "لا ذهاب إلى المسجد بعد اليوم"!!
إنني أسألك: بأيِّ قانونٍ تُوَجَّهُ إليَّ هذه الإهانة في هذه الغربة والمرض والشيخوخة والفاقة؟ وأيُّ مصلحةٍ تتحقق في هذه الإهانة؟ وبأي قانونٍ يُنشَر الخوف والقلق وتُضخَّم الأمور لمجرد أن شخصًا فاضلًا أقام لي في موضعٍ خالٍ من المسجد سِتارةً مؤلَّفةً من بضع خشباتٍ وبساطٍ لا تتسع لأكثر من شخصين.. أقامها لي دون علمي ليُجنِّیبَني البرد؟! أيُّ مصلحةٍ تتحقق في نشر هذا الخوف والقلق؟!
كلا.. ليس لمُفتعلي هذه الإهانة من حجة، وإنما يتذرعون بالخوفِ من توجُّه الناس وإقبالهم عليّ، فيقولون: لماذا تُولُون هذا الرجلَ المنفيَّ الاحترامَ والتقدير؟
وأنا أقول: يَعلم جميعُ أصحابي أنني لا أطلب إقبالَ العامة ولا احترامَهم، بل أردُّه، ولا أقبل حُسْنَ ظنِّ الآخَرين بي، فإذا كان الأمر كذلك، فبأيِّ قانونٍ أُحمَّلُ مسؤوليةَ أمرٍ لا أرضاه، فأُهان لمجرد أن الآخَرين أحسنوا ظنهم بي بغير رضًا مني ولا اختيار؟!
ولو فرضنا جدلًا أن هذا الإقبال كان حقيقةً واقعةً، فإن فيه نفعًا للوطن وأبنائه وليس فيه ضرر.
ثم إنني إنْ قَبِلتُ شيئًا من هذا التوجُّه، فأيُّ ضَيرٍ في مُصادقتي شخصًا أو اثنين ليقوما على تدبير شؤوني الضرورية في هذه الشيخوخة والمرض والفاقة والسجنِ الانفراديِّ الرهيبِ في غرفةٍ قارسةِ البرد؟! وأيُّ قانونٍ يمنعني من ذلك؟ وبأيِّ قانونٍ أُمنَعُ من اللقاء بأحدٍ سوى فتًى أو فَتَيَين عاملَين إنْ غابا لعملهما لم أستطع تدبير شؤوني بنفسي؟!
— 150 —
إن النظر في حالتي المأساوية هذه وأخذَها بعين الاعتبار هو أمانةٌ في عنق رجال الحكومة والإدارة والأمن في هذا البلد، وإنني أؤكد لكم أنكم مَعْنِيُّون بهذا الأمر بشدة.
في التجريد والعزل المطلَق بی"أميرداغ"
سعيد النُّورْسِيّ
٭٭٭
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
شكرًا لله بلا حَدٍّ أنَّ العونَ الجادَّ الذي كنتُ أنتظره منذ زمنٍ بعيدٍ قد أخذ يَلوح من علماء "قونية".
نعم، ولا غرابة في الأمر، فرسائل النور إنما بزغَتْ من المدارس الدينية ودُورِ العلم، وانتهجَتْ الطريقَ إلى الحقيقة عبرَ العلم، ولهذا كان العلماء والشيوخ المتخرجون من دُورِ العلم هم الأَولى برسائل النور، والأجدرَ بأن يكونوا أنصارَها وأصحابَها الحقيقيين؛ وبناءً على هذا، وبالنظر إلى أن مدينة "قونية" مدرسةٌ عريقةٌ فعالةٌ من أبرز مدارس الأناضول، فقد شَرَعَ تلاميذُ هذه المدرسة المباركة في حيازةِ بضاعتِهم یی رسائلِ النور یی والتمسُّكِ بها كما فهمتُ من رسالة "صبري"؛ وإني لَيَغمُرني شعورٌ عميقٌ بالرضا لإقامتي هنا قريبًا من "قونية"، يجعلني أتحمَّل جميعَ ما ألقاه من ضيقٍ وشدةٍ وأقابله بالسرور؛ وقد أشركتُ في دعائي ومكاسبي جميعَ علماء "قونية" وما حولَها بما عرفوا لرسائل النور قدرَها، وعقدوا صلةً معها، وفي مقدمتهم العالِم الجليل والشيخ الفاضل "وهبي أفندي" صاحب التفسير المبارَك؛ وأَذكر في دعائي مَن عَرَفْتُ منهم بأسمائهم، وأدعو لهم مع خواصِّ إخواني، فبلِّغوهم سلامي وتقديري، وبلِّغوهم أنهم مثلما نالوا نصيبًا في مكاسبي على قِلَّتِها، فالسبيل مفتوحٌ لنَيلِ نصيبٍ من مكاسبِ جميع طلاب النور، بمقتضى الشراكةِ المعنويةِ القائمةِ بينهم.
إنني بعد أن تَبنَّى علماء "قونية" المباركون رسائلَ النور كما تَبنَّاها من قبلُ أبطالُ "إسبارطة"، لم يعد لديَّ ما أخشاه على الوظيفة النورية في الدنيا، بل يمكنني
— 151 —
أن أَعهد برسائل النور إلى سواعدهم القوية المباركة، وأمضي إلى قبري مرتاحَ البال.
ثانيًا: بخصوص أخينا "مصطفى عثمان"، وهو، والحقُّ يُقال، أحدُ طلاب رسائل النور الذين أسدَوا إليها نفعًا كبيرًا في زمنٍ يسير، وتَبوَّأ مكانته بين خواصِّ طلابها كما لو كان يعمل في خدمتها منذ عشر سنين، فقد كتب رسالةً لطيفةً إلى إخوانه في "أميرداغ" سُلوانًا عن الحريق الذي نشَب فيها، وتحدث فيها عن حريق البشرية، وسنُدرِج قسمًا من رسالته هذه في "المَلاحق" وفي "سِكَّة التصديق الغيبي"، ثم نرسل إليكم صورةً منها.
بَلِّغوا سلامي إليه وإلى مَن معه، وإلى إخواننا صِلةِ الوصلِ في "قَسْطَموني" و"إينه بولو"؛ ويَحسُن أن يَنسخ إخوانُنا ممن لهم خطٌّ جميلٌ ومتسعٌ من الوقت مجموعةَ "عصا موسى" كما فعل إخوانُهم في "إسبارطة" وما حولَها، فهذه وظيفةٌ نوريةٌ مناسِبةٌ جدًّا، وستؤدي بإذن الله عملًا يَفوق عملَ المطابع بكثير.
ثالثًا: إن للحافظ "أمين" سِجِلًّا حافلًا بخدمة رسائل النور، ولقد غَدَتْ بلدتُه "كُورِه" یی قبل وقوع الحادثة السابقة یی مدرسةً نوريةً بفضل الجهود الحثيثة التي قام بها إخوةٌ أفاضلُ من أمثال "نوري" و"حقي" و"إحسان" والمعلم "عثمان رحمه الله"، وستعود البلدةُ من جديدٍ للقيام بتلك الخدمة الجليلة بإذن الله تعالى.. صحيحٌ أن إخوانَنا المضحِّين هؤلاء كانوا أكثرَ من تأثَّر بهذه المصيبة، إلا أن إسهامَهم وإسهامَ بلدتهم في انتصارات رسائل النور الواسعة إسهامٌ مهمٌّ جليل.
يسألني الحافظ "أمين" في رسالته: لَم أتمكن من استلام كتبي من المحكمة، فهل وصلَتْكم أم لا؟
بلِّغوه سلامي واكتبوا إليه: لم تَصِلني كُتُبُك، وكذلك الكتب التي أرسلتُها لك إلى إسطنبول لم أستطع الحصولَ على شيءٍ منها، وقد فَتشتُ كثيرًا وبشكلٍ خاصٍّ عن مجموعةٍ أرسلتُها إلى إسطنبول تسمى "الكتاب الكبير"، وتضمُّ أكثر من عشرين رسالةً، فلم أعثر عليها.
— 152 —
لكنْ ما دامت رسائل النور تنتشر بنفسها، وتُقرِئُ نفسَها لمن يحتاجُها، فهي إذًا تُكسِبُنا وتُكسِب الحافظ "أمينًا" الثواب، فينبغي أن يكون راضيًا مسرورًا مثلي لتداول كتبه بين الأيدي.
أُسلِّم على كلِّ مَن له علاقةٌ برسائل النور في "كُورِه" من رجالٍ ونساء.. وإنَّ نظرتي إلى هذه البلدة لم تتغير، فهي اليوم مدرسةٌ نوريةٌ كما هي بالأمس.. وأُسلِّم خصوصًا على "إحسان عبد الرحمن".. كيف حالُه؟ وهل هو مستمرٌّ في خدمته الساطعة كما كان؟ إنه مثلما أثبت أنه أُنموذجٌ تامٌّ لی"عبد الرحمن"، فسيستمر في أداء خدمته بمشيئة الله.
أُسلِّم على جميع إخواني فردًا فردًا وأدعو لهم.
٭٭٭
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
شكرًا لله بلا حدٍّ أن القوم يُضيِّقون عليَّ فينشغلون بي بدلًا من رسائل النور، فلا تهتموا للأمر، فستُفضي هذه الحادثة الجديدة إلى خيرٍ إن شاء الله، بسِرِّ قوله تعالى:
وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ
والحادثة هي أنهم منعوا "جَيلان" وصاحبَيه الذين كانوا يَخدُمونني من المجيء إليَّ، وأخذوا منهم المفاتيح، وسلَّموها للرُّقباء، فأحدُهم يتولى أموري كإحضار الخبز والماء ونحو ذلك؛ ولا أعلم سببَ هذا الأمر، إلا أن في هذه البلدة خلافاتٍ حزبية، وأحدُ أعمام الصبيِّ "جَيلان" منتسبٌ إلى أحد الأحزاب، (حاشية): هو المرحوم "عبد الله چالِشْقان"، انتسب إلى الحزب الديمقراطي يومَ كان في المعارضة؛ المُعِدُّون. ومن المحتمل أن يكون هذا مِن فِعل مناوئيه.
وأظن أن من أسباب هذه الحادثة أيضًا فتوحاتِ رسائل النور في كلِّ جهة، وتَغلغُلَ تيار الفوضوية الهدَّامة الآتي من الخارج، وقد اتخذوا من المراسلات التي
— 153 —
حصلوا عليها في "صَنْدِقْلي" ذريعةً للتضييق عليَّ بدعوى أنها وسيلةُ تَخابُر، فلا تقلقوا للأمر، فليست له أهمية، واكتبوا إليَّ مجدَّدًا كما كنتم تفعلون من قبل، غير أني لا أستطيع الكتابة كثيرًا.
إنهم يبالغون في التضييق عليَّ ظانين لحماقتهم أن انتقاصي بالقدح والإهانة سيَحُول دون فتوحات رسائل النور، وأنهم سيطفؤون بأفواههم شمسَ حقيقةٍ ساطعةً كرسائل النور، لكنَّهم بسعيهم هذا لا يعودون عليَّ إلا بمزيدٍ من الأجر والثواب.
وقد وقع في الأثناء تَوافُقٌ ذو عبرةٍ لافتٌ للانتباه، فقد أُحضِرَ الصبيُّ وأبوه إلى مركز الشرطة البارحة لأخذ إفادتِهما، وبينما كانا يُستَجوَبان وردَ اتصالٌ هاتفيٌّ يُخبِر بوقوع حادثٍ جَلَل، أوقع جميعَ العناصر في بلبلةٍ وقلق، واضطروا للذهاب إلى مكان وقوع الحادث، فكأنه قيل لهم معنًى: دعوا عنكم أمورًا تافهةً كجناح بعوضةٍ لا يتأتى منها ضرر، والتفِتوا إلى أضرارٍ كالصقور بل كالثعابين.
وحَصَل كذلك في نفسِ وقتِ حادثةِ المنعِ من الذهاب إلى المسجد، أنَّ مدير الناحية الجديد الذي أصدر أمرَ المنع خضع لعمليةٍ جراحيةٍ في "أفيون"، فكأنما قيل له بلسان الحال: الموتُ آتٍ، وأَولى بك أن تُصلِحَ معاملتَك مع مَن يسعى لإنقاذك من إعدام الموت، فتُقابلَه بالاستحسان والتقدير لا بالتضييق.
أُسلِّمُ على جميع إخواني وأَخَواتي وأدعو لهم فردًا فردًا، وأطلب منهم الدعاء.
الباقي هو الباقي
أخوكم
سعيد النُّورْسِيّ
٭٭٭
— 154 —
إخواني الأعزاءَ الأوفياء.. وُرَّاثي المباركين.. وُكلائي الأُمناء..
أولًا: أُخبركم يقينًا أن العناية الربانية تَحُفُّنا، والتوفيقاتِ الصمدانيةَ في خدمة رسائل النور تُظِلُّنا، وأنَّ خَلْف الحُجُب القبيحةِ ظاهرًا نتائجَ في غاية الحُسن والجمال، وأن الإحسان الإلٰهي يَسوق إلينا في مقابل الضرر الواحد مئاتِ المنافع، وهذا يستلزم ألَّا نُولي أهميةً للمضايقات العابرة والهَزَّات المؤقتة.
ثانيًا: ينبغي الاجتهاد ما أمكن في نسخ مجموعة "عصا موسى" من غير فتورٍ أو تَوَقُّف، فإنَّ لهذه الوظيفة القدسية ذاتِ الأولويةِ أهميةً شديدة، وقد قال عنها الإمام عليٌّ رضي الله عنه: "به الظُّلْمةُ انجلتْ".
وقد صَحَّحتُ الرسائلَ الأربعَ عشْرة التي نسَخَها "العَلِيّان" وأرسلتُها إليكم بالبريد، لقد دفعني هذان البطلان ودفعا الطلابَ هنا للعمل برغبةٍ وحماس، فكما سارعا لمساعدتي في "قَسْطَموني"، كذلك سارعا لمساعدتي هنا.
ثالثًا: صحيحٌ أنني أعاني هنا كثيرًا من الضِّيق، لكني كلما تذكرتُ جهدَكم الدائب الذي لا يَفتُر، وطالعتُ رسائلَكم اللطيفةَ المُسلِّيةَ التي أنتظرُها بشوق، زال عني الضيق، بل انقلب إلى فرح.
على أن الشخص الذي يكتب رسائلي لا يستطيع ملازمتي في هذه الأيام، فإنَّ له یی سوى مشاغله الشخصية یی بضعَ وظائف تتعلق برسائل النور، وهو يؤديها على أكمل وجه، فضلًا عن أنه يأتيني فيتفقد شؤوني الخاصة، ثم يذهب لتلبيتها.
رابعًا: هل باشر إخوانُنا في الأماكن الأخرى نَسْخَ "عصا موسى"؟ أرجو من الأفاضل الذين قاموا بهذه الوظيفة الأولى سابقًا وما زال لديهم نسخٌ منها، أن يجعلوها في مجلَّدٍ واحد، وأن يَشْرَعوا بعد ذلك بالوظيفة الإيمانية الثانية، أعني نَسخ رسالتَي "المعجزات" مع ذيولهما، أو ليساعدوا المقصِّرين، ولْتُنسَخ حسنةَ الخطِّ مُصَحَّحةً ما أمكن.
— 155 —
خامسًا: ثمة أماراتٌ كثيرةٌ تشير إلى أن فئة الأساتذة والمعلمين قد بدأت یی بعد العلماء یی تشعر بالحاجة إلى الرسائل، وإحدى هذه الأمارات طلبُهم رسالة "الآية الكبرى" لقراءتها في ملتقًى دينيٍّ في إسطنبول.
٭٭٭
أهلًا ومرحبًا بك أخي "رأفت".. لقد سَرَّني جدًّا اشتغالُك بنَسْخِ رسائل النور، وإن أسئلتَك كأسئلة "خُلوصي" و"صبري"، لها نتائجُ مهمةٌ وثمراتٌ طيبةٌ في رسائل النور، فانظر ما لديك منها من مباحث علمية لم تُقيَّد في الرسائل فقيِّدها في موضعٍ مناسبٍ من الرسائل أو في "الملاحق".
إخواني.. خطر ببالي تدبيرٌ فيما يَخُص نَسْخَ مجموعة "عصا موسى"، وهو أن يتعاون كلُّ خمسةٍ أو ستةٍ فيما بينهم وفق قاعدةِ تقسيم العمل، فيختصَّ كلُّ واحدٍ بنَسخِ جزءٍ بعينه، ما يجعل إنجازَ العمل أسرعَ وأسهل، وينفي عنه الملل، ويشجع الناسخ فلا يتخاذل عن النَّسخ لضخامة العمل، وأظن أن عدمَ حصولِ تقدُّمٍ تامٍّ في هذه الوظيفة النورية الجليلة راجعٌ إلى هذا السبب، فلْيعمل أصحابُ الخط الجميل بهذه الوظيفة آخذين بهذا التدبير.
إخواني.. كونوا في غاية الاحتياط والحذر.. إياكم ومجادلة المشايخ، بل عاملوهم بالحسنى ما أمكنكم، ولا تَمَسُّوا أنانيَّتَهم، ولا تتعرضوا لهم ولو كانوا من مناصري البدعة، فإننا نواجه زندقةً رهيبةً تُحتِّم علينا عدمَ الانشغال بالمبتدعة لئلا ندفعَهم باتجاه الإلحاد واللادينية.. فإذا لقيتُم مشايخَ وُجِّهوا إليكم خِصِّيصًا فلا تفتحوا معهم بابَ النزاع، لأن اعتراضاتهم باسم العلم ستكون حجةً بيد المنافقين؛ وأنتم تَعرِفون جيدًا مدى الضرر الذي خلَّفه تهَجُّمُ ذلك الشيخ في إسطنبول، فاجتهدوا ما أمكنكم لتحويله لمصلحة رسائل النور.
أُسلِّم على جميع إخواني فردًا فردًا.
٭٭٭
— 156 —
إخواني الأعزاءَ الأوفياء، الأبطالَ السعداء في "أميرداغ"..
تلقَّينا خبرَ المصيبة التي أَلَمَّتْ بكم في رسالةٍ لطيفةٍ قَيِّمةٍ مُبشِّرةٍ بَعَث بها إلينا أستاذُنا المبارك الجليل، ولا نملك إزاء هذا الحدث سوى أن نقول باسمنا وباسم مَن حولَنا من طلاب النور: حمدًا لله كثيرًا على سلامتكم وسلامةِ مَن تعرَّضوا لمخاطر هذا الحريق مِن إخواننا؛ ونقول أيضًا بهذه المناسبة: إنَّ حريق الكفر المُطلَق قد طوَّقَ بنيرانه الرهيبةِ مَحَلَّتَنا، ووصلَ شرَرُه الأحمر إلى عتبات بيوتنا، ولئنِ استغاث الفتى "جَيلان" من ذلك الحريق الماديِّ وبكى طالبًا النجدة، فإني باسم عموم أهل الإيمان، خصوصًا طلاب النور، أستغيث "كجَيلانٍ معنويٍّ" وأقول لأستاذنا المُشفِق الجليل: النجدة.. نحن نحترق، لقد هلكنا.
أجل، لئنِ اندلع في مَحَلَّةٍ بی"أميرداغ" حريقٌ خَلَّفَ من الأضرار المادية ما خَلَّف، فلقد اندلع في العالَم حريقٌ معنويٌّ رهيبٌ لا يُقاس بذلك الحريق الماديِّ خطرًا، ألا وهو الشيوعية..
تلك الداهيةُ العظيمةُ الرهيبةُ التي خرجَتْ من روسيا الحمراء تنفُث نارًا حمراء وترمي بشَرَرٍ أحمر، وتطوف في أنحاء مدينةِ العالَم مَحَلةً تِلْو مَحَلَّة، تُضرِم النار في بعضها وتُصْلِيها بلهيبها، وتوقِد في بعضها الآخر نيرانَ الشِّقاق والنِّفاق صارخةً في وجه الأخِ أنِ اقتل أخاك؛ ثم بعد أن أحرقَتِ العالَم المسيحيَّ وخرَّبتْه وخلَّفتْه قاعًا صفصفًا، راحت تطوف في أرجاء العالَم الإسلامي ويتطاير شرَرُها إلى وطننا.
ولقد تصدَّتْ رسائلُ النور لحريق الشيوعية المتأجِّج، وحَمَلتْ على عاتقها مُهمَّةَ إطفائه، فكانتْ خيرَ إطفائيٍّ أخمدَ نيرانَها، وكانت أكبرَ حصنٍ وملجأٍ من ويلاتها، وكان دعاءُ شخصِها المعنويِّ ببابِ الحضرة الإلٰهية مقبولًا كما دلَّتْ على هذا إشاراتٌ صريحة.
وها هي الرسائل اليوم تقفُ مخاطِبةً مَن يهاجمونَها ومَن يريدون بها سوءًا فتقول لهم:
— 157 —
أيا مَن تاهوا عن جادة الصواب التي أرشد إليها فخر العالَمين (ص).. ويا مَن غرَّهم متاعُ الدنيا الفاني.. يا مَن تَفِرُّون من نور القرآن متخوِّفين أن يَضُرَّ دنياكم.. يا مَن تُهْرَعون عبثًا إلى المذياع تُصغون إليه خائفين على دنياكم أن تكون أَمْسَتْ على شفيرِ هاوية، مُشفقين على مَلاذِّكم أن تَؤول إلى زوالٍ وتتحوَّل إلى آلام.. كفاكم إصغاءً إلى اللغو والهَذْر.. إنَّ أبصاركم قد رانتْ عليها اللذَّاتُ والملاهي الآيلةُ إلى الزوال، فدعوها تشاهدِ الحقيقة قليلًا.. وإنَّ آذانَكم قد أَصَمَّتْها أحاديثُ اللغو والباطل، فدعوها تُصغي إلى الحقيقة قليلًا، لتُدرِكوا أنكم في هذا العصر العجيب الرهيب الذي لم يَسبِق له مثيل، وفي هذا الزمان الذي زُلزِلَ فيه أهلُ الإيمان زلزالًا شديدًا، وواجهوا فيه عدوًّا لدودًا، وحاصَرَتْهم نيرانُ الكفر المُطلَق حِصارًا عنيدًا، لا مَلاذَ لكم إلا الحصنُ النورانيُّ لرسائل النور، فهي الحصن الحصين المُحكَم المنيع، فتحصَّنوا بها، وادخلوا في دائرتها القدسية، لتُنقذوا إيمانكم، ولتستبدلوا بالموت الذي تظنونه إعدامًا أبديًّا حياةً باقية.
وإنكم بالتزامكم بالدعواتِ التي يدعو بها تَرجُمانُ النور والشخصُ المعنوي لرسائل النور، كقولهم: «اللهم أَجِرْنا، وأَجِرْ والدِينا، وأَجِرْ طلبةَ رسائلِ النورِ ووالِدِيهم من النار..» ، وبتقرُّبكم إلى الله تعالى بأمثال هذه الدعوات والأذكار، وبمداومتكم على قراءة الرسائل ودخولكم في دائرتها القدسيةِ المباركةِ ذاتِ الأنوار، تَنجُون من النيران الدنيوية والأُخروية مثلما نجوتُ أنا من نيرانٍ وأمراضٍ معنويةٍ وبيلة؛ وتنقذون أحِبَّاءكم وأبناءَكم وأهليكم وتحفظونهم، كما أَنقذ طلابُ النور أنفسَهم وحفِظوا أموالَهم وممتلكاتهم، وتَحظَون بالسعادة والفلاح ماديًّا ومعنويًّا.
افتحوا أعينَیكم التي تَنظر ولا تُبصِر، وترى ولا تريد أن ترى.. افتحوها وأيقظوها من سُباتها العميق، ولا تلجأوا إلى المذياع ووسائل الإعلام التي لا تَبثُّ سوى الحوادث والوقائع، ولا تُشعِر إلا بدُنُوِّ المخاطر والفواجع، ولا تورِثُ سوى المزيد من الخوف والقلق، اُتركوها وتوجهوا بكلِّ قوتكم وعزمكم للعمل في رسائل النور، والزَموا دائرتَها القدسية، فإن فيها السلامة والسعادة والأمان.
— 158 —
وأنتم يا طلاب النور.. لا ترفعوا رؤوسكم من سجدة الشكر لله تعالى على لطفه الأزلي الذي أولاكم إياه، وأدُّوا له وظيفةَ الشكر قيامًا في ساعات الليل المباركة غيرَ مبالين ببَردِها، ولا تَهولَنَّكم الحوادثُ التي هزَّتِ البعضَ لشدة تفكيرهم بالمستقبل واهتمامهم به.. لا تخافوا.. بل شاهدوا كراماتِ النور القدسية وإمداداتِها، فالدنيا فانيةٌ حتى لو عاش المرء فيها آلافَ السنين، وهي بالنسبة للحياة الأخروية الباقية كالعدم، ومع كونها فانيةً فإنها مزرعةٌ تنتج ثمارًا باقيةً للحياة الخالدة.. فلا تَهُزَّنكم شدةُ العواصف ولا تُخيفنَّیكم قوةُ الرياح، ابذُروا في هذه المزرعة المباركة بذورَ النور الطيبة المباركة المعطاءة الخيرة، فإن "من زرع حصد" كما قال أجدادنا.
أيْ طلابَ النور.. إن وظيفتَیكم الحقيقيةَ ليست التوجهَ إلى الدنيا، فإنْ حصل وتوجَّهتُم إليها یی فَرْضًا یی فلا تتزعزعوا أمام ما ستواجهون من أخطار، ولا يَهُولَنَّیكم ما قد يندلع من نيران.. لا تَفتُروا.. اسعَوا وجِدُّوا وادأبوا.. وكونوا على يقينٍ أن أدعية النور وشفاعته ومدده ستنقذكم، وخيرُ شاهدٍ على دعواي هذه نجاةُ طلاب النور في "أميرداغ" من حريقها الذي اندلع، وسلامتُهم منه بغير أضرار، فلتكن هذه بشرى لنا جميعًا.
أخوكم
مصطفى عثمان
٭٭٭
— 159 —

وصيتي

إخواني ووَرَثتي الأعزاءَ الأوفياء..
لما كان من السُّنَّة كتابةَ الوصية لخَفاء موعد الأجل، فإني أوصي بتَرِكتي ونُسختي الشخصية من رسائل النور وسواها من المجموعات المجلَّدة وسائر أشيائي الأخرى إلى الهيئة المؤلَّفة من اثني عشر شخصًا من إخواني الأبطال في "مَصنعَي النور والوَرْد"، وفي مقدمتهم "خسرو" و"طاهري"، (حاشية): شقيقي عبد المجيد، زبير، مصطفى صونغور، جَيلان، محمد قايا، حسني، بَيرم، رشدي، عبد الله، أحمد آيتمور، عاطف، سعيد التِّلَّوي، مصطفى، مصطفى، السيِّد صالح. فلهم أُوصي، وإليهم تَؤول تَرِكتي من بعدي متى وافاني أجلي المحتوم، لتَعملَ وتُستَعمَلَ بأيديهم الصادقة المباركة في الخدمة النورية الإيمانية بدلًا مني.
إخواني.. لا تقلقوا بشأن هذه الوصية، فإني برغم الضعف الشديد الناجم عن تضييق القوم عليَّ وتسميمِهم إياي تسعَ مرات، إلا أنه ليس في وضعي ما يدعو للقلق، وإنما كتبتُ هذه الوصيةَ تحسُّبًا لدسائس المنافقين العاملين في الخفاء ومحاولاتِهم تصفيتي، فلا تهتموا، فنحن في ظِلِّ العناية الربانية والحفظ الإلٰهي.
الباقي هو الباقي
أخوكم
سعيد النُّورْسِيِّ
٭٭٭
إخواني الأعزاءَ الأوفياء.. أصحابي أُولي الهمة والعزم في الخدمة الإيمانية..
أولًا: هذه الوظيفةُ النوريةُ الأولى ستؤدي بإذن الله عملًا يَفوق عمل المطابع بكثير، فضلًا عن أنها تَعود على طُلَّابها بأجرٍ عظيمٍ وخدماتٍ إيمانيةٍ قوية، فهل تَمضي قُدُمًا في هذا الشتاء يا تُرى، أم تتراجع تحت وطأة ظروفه الصعبة؟
— 160 —
أما الوظيفةُ الثانية، فهي نَسْخُ رسالتَي "المعجزات" بذيولهما، مع إلحاقِ "الكلمة العاشرة" وذيولها بهما، فمَن فرَغَ من الوظيفة الأولى، وكانت لديه هذه الرسائل، فليجعلها في مجلَّدٍ واحد، وإلا فليَحصُل عليها؛ ذلك أن يقظة العالَم الإسلامي اليوم وسعيَه للوحدة سيُحتِّمان البحث عن مؤلَّفاتٍ كرسائل النور، ولا بد من مجلَّداتٍ كبيرةٍ تخاطب أصحاب النظرة الواسعة في المواقع المهمة.
ثانيًا: إن عونكم لي ظاهرٌ جدًّا وعظيمٌ جدًّا من جهتين:
الأولى: سعيكم الدائب في الخدمة النورية من غير فتور، فإنه يُبدِّد جميع مصائبي وشدائدي، بل يُحوِّلها إلى فرحٍ وسرور.
الجهة الثانية: دعواتكم لي بظهر الغيب، فإنها تُحوِّل ظُلمَهم وأذاهم لي إلى رحمةٍ فيها عنايةٌ ومصلحةٌ لي، وهذا أمرٌ مقطوعٌ به عندي لا تُخامرني فيه شبهة، فكونوا على يقينٍ منه.
فمن ذلك أن تخويف الناس والعاملين في السلك الحكوميِّ مني وقاني الوقوعَ في خطايا كبيرة، وأنقذني من التصنُّع ومن أحوالٍ تنافي الإخلاص، وصانَ وقتي من الهدر والضياع، فأظهر القدَرُ الإلٰهيُّ عدالتَه وعنايتَه بي في طَيِّ الظلم البشري؛ وقياسًا على هذا فما من نازلةٍ تَنزل بي إلا وفي طَيِّها رحمة، وكلُّ درهمِ ضررٍ يصيبني من جرَّاء انشغالهم بي، تُقابله قناطيرُ مقنطرةٌ من المنافع تَعودُ على رسائل النور، فلا تقلقوا للأمر ولا تُلقوا له بالًا. حتى إني كلما هَمَمْتُ بالدعاء عليهم مقابلَ ما يوجِّهون لي من إهاناتٍ تجرح مشاعري، تصوَّرتُ إعدامَ الموت الذي سيَلْقَونه عما قريب، وما يَتلوه من عذابٍ يلقَونه في السجن الانفراديِّ للقبر، وتذكرتُ ما تَحقَّق لنا یی من جراء إهاناتهم یی من مصالح، وما تأتَّى لخدمتنا من منافع، فتركتُ الدعاء عليهم.
ثالثًا: أجدني أنتظرُ البريد بكلِّ شوق، لأن رسالةً أو رسالتَين تبعثون بها إليَّ في كل أسبوع، تغدو لي شفاءً وسُلوانًا ومجالسةً معنويةً معكم.
أُسلِّم عليكم وأدعو لكم فردًا فردًا.
سعيد النُّورْسِيّ
٭٭٭
— 161 —
إخواني الأعزاءَ الأوفياء.. أصحابي شُداةَ الحق في طريق الحقيقة..
لا يكنْ في صدركم حرجٌ مني لاقتصاري في الإجابة على رسائلكم المباركة الأخيرة برسالةٍ واحدةٍ مشوشة..
فأولًا: كان اللازمُ بحسب مسلكنا عدمَ قبول رسالة "خليل إبراهيم" لما أَولاني فيها من مزايا فوق العادة، إلا أنه كان فيها توافُقان ذوا مغزًى حملاني على قَبولها وإدراجها في "المَلاحق"، لكني مع هذا عمِدتُ إلى ما جاء فيها متعلِّقًا بشخصي فطويتُ بعضَه، واستبدلتُ ببعضه الآخَر كلمةَ "رسائل النور"، وبذلك ظهر له الجواب عما أَوردَ من أسئلة.
أما التوافق الأول، فهو أني حين وجَّه إليَّ نقيبٌ إهانةً تخالف القانون من خمسة وجوه، وكان الغرض منها صدَّ الناسِ وصَرْفَهم عني، وجدتُ أن أخًا لنا مِن أركان رسائل النور ممَن هو في نظر أهل الحقيقة أهمُّ من مئةٍ من أمثال ذلك النقيب، قد كتب إليَّ رسالةً في زمن وقوع تلك الإهانة بل في ساعتها، وأَولاني في رسالته هذه احترامًا يَفوق حدِّي مئة درجة، وخفَّف بذلك وقعَ هذه الإهانة وأمثالَها إلى العدم؛ ووجدتُ كذلك أن أربعة إخوةٍ أفاضل من أركان طلاب النور المعتبَرين قد اشتركوا في الأمر نفسِه ووقَّعوا عليه؛ وإنما قَبلتُ رسالةَ المديح رغم مخالفتها لمسلكي لأجل هذا التوافق الغريب، فعدَّلتُها وأدخلتُها في "المَلاحق"، وبعثتُ بمُسَوَّدتها إليكم.
وأما التوافق الثاني: فهو أني فكَّرتُ ليلةً في شأن نُسَّاخِ رسالة "عصا موسى"، فقلتُ في نفسي: إنَّ تَعرُّضَ المنافقين لي بين الحين والآخَر في هذا الشتاء الثقيل، ربما أورثَ النُّسَّاخ فتورًا، فلا بدَّ لهم من وسيلةٍ لرفع هِمَمهم، فأخذتُ أبحثُ في المراسلات عن وسيلةٍ تُحفِّزهم وتدفعهم للنَّسخ بهمةٍ وحماسٍ كما فعلتْ قصيدتا "حسن فيضي" و"خليل إبراهيم"، وهما قطعتان أدبيتان تُعرِّفان برسائل النور بأسلوبٍ رائق، وإذا بي أتلقى في الصباح رسالةَ "خليل إبراهيم" التي تناولتْ مسألة موتي، والتي أخافت الطلاب وحثَّتْهم على مزيدٍ من الهمة والسرعة في النَّسخ، وقلتُ في نفسي: لقد بلغ صدقُ "خليل" ووفاؤه درجةَ الكرامة.
— 162 —
ثانيًا: لقد بدَّدتْ رسالةُ "فيضي" و"أمين" كثيرًا من قلقي ومخاوفي.. نعم، فإن صِدق أخَوَينا هذين ووفاءَهما وتمسُّكَهما برسائل النور لَذو أهميةٌ كبيرة.
ولقد بكَيتُ من الفرح لاستمرار إخوانٍ لنا في الخدمة النورية هناك، كی"حلمي" و"صادق" و"إحسان" الذين قدَّموا في تسعةِ أشهرٍ من السجن خدمةً قيِّمةً تَعدِل خدمةَ تسع سنين، وكأخينا الشيخ الطاعن في السن "تحسين" الذي أسدى بقلمه لرسائل النور خدماتٍ كثيرة، وغيرِهم من إخواننا الذين ورَدَ ذكرُهم في الرسالة وتربطنا بهم صلةٌ وثيقة.
لكنَّ شقيقي "عبد المجيد" مهمومٌ كثيرًا لأمري، ويستفسر عن حالي من مفتي البلدة الذي لم أتمكن من لقائه؛ فليكن عبد المجيد من الآن ثالثَ "فيضي" و"أمين"، وليرسلا إليه بالرسائل الضرورية التي يتلقيانها من أبطال "صَفْرَن بولو"، وليكتبا إليه أنك كما كنتَ طالبًا لی"سعيدٍ القديم"، فإنك اليوم مع "خُلوصي" من طلاب الرعيل الأول لدى "سعيدٍ الجديد".
وليكتبا إليه أيضًا أنْ إذا بَلَغتْه عني مصيبةٌ أو خبرٌ سيء، فليتصرَّف كأبي "ميرزا" لا كأمي "نورية" رحمهما الله، فلقد كانت تبلغهما عني في أثناء حياتي المضطربة قديمًا حوادثُ وأخبارٌ عجيبة، وتُنقَل إليهما أخبارٌ سيئةٌ من قَبيل: لقد مات ابنكم.. أو ضُرِب.. أو سُجِن، فكان أبي كلما سمع أخبارًا كهذه سُرَّ وضحك وقال: ما شاء الله!! لقد قام ابني مجدَّدًا ببطولةٍ أو بعملٍ جليلٍ حتى صار الكلُّ يتحدث عنه؛ بينما كانت أمي تبكي بشدة؛ ثم أثبت الزمان في مراتٍ كثيرةٍ أن والدي كان مُحِقًّا.
ثالثًا: تلقَّيتُ رسالةَ "عبد الله چاويش" وارثِ "لطفي" ذي الجدية والثبات، ورسالةَ "مصطفى" تلميذِ المرحوم الحافظ "علي" بقرية "إسلام كوي" ووارثِه، وأَعُدُّ هاتين الرسالتَين مرسلتَين باسم عموم الأبطال العاملين في "مصنع النور"، فحمدًا لله بلا حدٍّ أن جَعَل تلك القرى مدارسَ نوريةً على غِرارِ "صاوة" و"قُوْلِه أُونو".
٭٭٭
— 163 —
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
اضطرتْني وطأةُ المرض للاكتفاء برسالةٍ واحدةٍ أجيبُ بها على رسائلكم العديدة مؤخَّرًا.
أولًا: يَطلُب بطلُ رسائل النور "خسرو" طلبًا جادًّا صادقًا أن يموت بدلًا عني، وأن يمرض بدلًا عني، وإني أقول له: إن الزمان الآن ليس زمان التأليف، بل هو زمان النشر، وكما كان خطُّك أجملَ وأنفعَ للنشر من خطي، فكذلك حياتُك هي أنفعُ في الخدمة النورية من حياتي المعذَّبة هذه، ولو كان بمقدوري لأعطيتُك من حياتي وصحتي بكل رضًا وسرور.
ثانيًا: إن القصيدة اللامعة، والرسالةَ الفخمةَ الرابعة، اللتَين كتبهما "حسن فيضي" الوارثُ الكاملُ للشهيد المرحوم الحافظ "علي"، وبعث بهما باسم مدينة "دَنِزْلي" وبالنيابة عن إخواننا الجادِّين هناك، وكذا النشاطُ الدَّؤوبُ لطلاب النور هناك، كلُّ ذلك قد غدا بلسمًا لمرضي الشديد الناجم عن التسمُّم؛ فشكرًا بلا حدٍّ لله أرحمِ الراحمين أنْ جَعَل "دَنِزْلي" "إسبارطةً" ثانيةً، وجَعَلها أُنموذجًا مكبَّرًا لقرية "إسلام كوي".
نعم، فالقاضي العادلُ هناك، و"مُحرَّم" و"فيضي" والحافظ "مصطفى" قدَّموا في سنتَين خدمةً نوريةً تَعدِل خدمة عشرين سنة، وأسدَوا إلى طلاب النور معروفًا لا يُنسى أبدَ الدهر، فجزاهم الله والعاملين في خدمة النور خيرًا، ورضي عنهم، آمين.
ثالثًا: لقد أبكتْني من الفرح رسالةُ عزاءٍ صادقةٌ حزينةٌ بَعَث بها "أحمدُ النجار" البطلُ النوريُّ والوارثُ الكاملُ لی"مصطفى چاويش النجار" وللحافظ "محمد"، أرسَلَها باسم المدرسة النورية بی"بارلا"، وإني أقول له: ما دام في تلك المدرسة المباركة "سعيدون" كُثْرٌ صغارٌ وكبار، فلا أهمية إن نَقَصوا "سعيدًا" هَرِمًا عاجزًا انتهت وظيفتُه، وما دمنا مجتمعين في الحياة الباقية، فلا يَحزُنْكم وقوعُ مفارقةٍ مؤقتة.
رابعًا: إن "م ح ر م" الذي سعى جاهدًا یی بعد القاضي العادل یی لتحقيق العدالة الحقيقية ورفعِ الحظر عن رسائل النور، هو واحدٌ من خُلَّص الطلاب، واسمُه مُدرَجٌ في دعائي ومكاسبي المعنوية جنبًا إلى جنبٍ مع شقيقي وطالبي الأول "المُلَّا محمد".
— 164 —
خامسًا: ورَدَتْني آنفًا رسالةٌ من "صبري القُونَوي"، نَظَم فيها قصيدةً بمناسبة وصيتي التي كتبتُها، وهي قصيدةٌ جميلةً على غِرار قصيدتَي "خليل إبراهيم" و"حسن فيضي"، إلا أنها قصيرة، وقد أضفى فيها على أستاذِه قيمةً جِدَّ زائدة، وأَولى أخاه المسكين هذا أهميةً فائقةً في مرآةِ حُسنِ ظنِّه المتلألئة، كما كتب يُخبِر أن العلماء في "قونية" يَسعون للأنوار سعيًا جادًّا.
وإني أقول له: ذلك الشخصُ الذي سمَّيتَه "الأستاذ" وأَوليتَه قيمةً عاليةً ليس سوى الشخصِ المعنويِّ لرسائل النور، وقد قبلتُ باسمه رسالتَك، وأدرجتُها في "المَلاحق"؛ وأرسلتُ إليكم نسخةً منها.
لا تقلقوا بشأني فحالتي الصحية تتماثل للشفاء.
كان بين الرسائل رسالةٌ صادقةٌ لكنْ غريبةٌ لأخٍ لنا من "إسبارطة" يدعى "مصطفى"، فأيُّ مصطفًى هو؟ لم أعرفه، لكني أُبلِّغه سلامي، وأُخبره أن رؤياه العجيبة رؤيا خير، غير أني لا أستطيع تعبيرَها الآن.
أُسلِّمُ على جميع إخواني وأَخَواتي وأدعو لهم فردًا فردًا، وأطلب منهم دعواتِهم المُجابة.
أدرجنا في "المَلاحق" قصيدةَ "حسن فيضي" الجميلة بعد أن أضفنا عليها بعضَ الكلمات، وقد أرسلنا إليكم نسخةً منها.
سعيد النُّورْسِيّ
٭٭٭
— 165 —
إخواني الأعزاءَ الصادقين الأوفياء.. ووُرَّاثي في رسائل النور الخُلَّصَ الأُمناء..
تلقَّيتُ إخطارًا بأنْ أُبيِّن توافُقًا قويًّا بليغَ المعنى، وكرامةً نوريةً ظاهرةً تَدُلُّ على صدقِ طلاب النور ووفائهم. وذلك أني في نفس الوقت الذي كتبتُ فيه وصيتي، كان المنافقون العاملون في الخفاء قد دبَّروا أمرًا بحيث جعلوا الشرطةَ تمنع الأشخاصَ القائمين على خدمتي من المجيء إلي، ثم انتهزوها فرصةً فدَسُّوا لي بواسطةِ شخصٍ لا أعرفه سُمًّا أشدَّ من السُّمِّ في المرات التسع السابقة.
وحصل في الوقت نفسه أنَّ أحد إخوتنا العلماء، وهو الشيخ "حَشمت التونسي" الذي قَدِم إلى هنا في العام الماضي لزيارتي، وعاد دون أن يتمكن من لقائي، كَتَبَ من "يوزگات" إلى إخواننا هنا قائلًا: "بلغَنا أن "سعيدًا" قد توفي، فلتُحفَظ رسائلُه المئة والثلاثون كي نطبعها مستقبلًا".
وكتب "خليل إبراهيم" في الوقت نفسه رسالةً مشرقةً كانت أشبه بمَرثيةٍ حزينةٍ لوفاتي، حتى لقد أبكتِ الطلاب. وكتب "خسرو" في الفترة نفسِها رسالةً أو رسالتَين حول وفاتي أشار فيهما یی على خلاف عادته یی إلى أجَلي بعباراتٍ من قبيل: "عُمُرٌ أيامُه معدودة"، فأثَّر ذلك فيَّ بعضَ الشيء، وتساءلتُ في نفسي بقلق: أوَقَدْ حان أجلي؟
وبينما كنتُ مهمومًا في تلك الآونة أُفكِّر أكثرَ ما أُفكِّر في وظيفتي في الحياة الدنيوية، وينتابني القلق بشأن الطلاب بعد وفاتي: هل سيقومون بهذه الوظيفة من بعدي بدلًا مني في هذا الزمان العصيب؟ إذا بي أجد طلابَ "دَنِزْلي" و"ميلاس" و"إسبارطة" و"إينه بولو" يتسابقون إلى القيام بهذه الوظيفة بمسؤوليةٍ والتزامٍ يفوق ما كنتُ أرجوه أضعافًا مضاعفة، حتى لقد بلغ من همَّةِ هؤلاء أن حَثُّوا الآخرين والعلماء والمعلِّمين ودفعوهم للعمل بهذه الوظيفة، فعجِبتُ لذلك أيَّما عَجَب.
والحاصل أن هذا التوافق الحاصل في خمس جهاتٍ ليس سوى كرامةٍ نورية، فالحمد لله، هذا من فضل ربي.
— 166 —
إخواني.. لا تقلقوا.. فالجَوشن والأوراد البهائية قد هَزما خطرَ ذلك السُّمِّ الشديد، وزالت مرحلة الخطر، غير أن المرض ما زال قائمًا.
أُسلِّم على جميع إخواني فردًا فردًا، وأدعو لهم بالسلامة، وأطلبُ دعواتهم المُجابة، وأبعثُ بالتهاني من صميم قلبي إلى "إينه بولو" وما حولَها، حيث شَرَعَتْ سيداتٌ كثيراتٌ وأطفالٌ في نَسْخ رسائل النور، وبدأ كثيرٌ من الأبرياء الصغار هناك يتلقَّون دروسَ القرآن.
الباقي هو الباقي
أخوكم المحتاجُ إلى دعائكم
سعيد النُّورْسِيّ
٭٭٭
إخواني..
لا تحزنوا ولا تقلقوا، بل أعينوني بالدعاء، فإن ذراعي اليسرى تؤلمني منذ أيامٍ ألمًا شديدًا، ويشتدُّ ألمُها عليَّ في الليل خاصةً، وأُعاني من جرَّاء ذلك مشقةً في القيام بشؤوني الضرورية في المنزل، إذْ لم أسمح لأحدٍ بالبقاء معي، وأظن أن هذا الألم متفرِّعٌ من ألم الكتف المُزمِن لدي، وقد أثارَه ما عانَيتُه هنا، فإنَّ شتاءَ هذه البلدة وَجَوَّها يُضِرَّان بمزاجي، وإنَّ هواجسَ هؤلاء المتعسِّفين وتضييقاتِهم وشتاءَهم المعنويَّ تُثير مَواجعي، حتى لقد قاسيتُ من جميع ذلك مرضًا كأنه شللٌ نِصفيّ، لكنَّ دعواتِكم المجابة قد خفَّفتْ وطأةَ هذا الخطر بحمد الله، وسوف يزول مخلِّفًا نفعَه وثوابَه الجزيل إن شاء الله.
إخواني.. يَذكر "صلاح الدين" في رسالته أن لِمجموعةِ "عصا موسى" في تلك الناحية نشاطًا واسعًا وفتوحاتٍ طيبة، أي إنها تؤدي وظيفةً نوريةً شديدةَ الأهمية هناك، فلله الحمدُ كثيرًا، وبارك الله بالنُّسَّاخ وزادَهم من فضله العظيم.
٭٭٭
— 167 —
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
أولًا: شكرًا لله بلا حدٍّ أن "إسبارطة" أخذت تسلك مسلكًا تغدو به أُنموذجًا تامًّا للمدرسة الزهراء والجامع الأزهر، وهذا ما يُثبتُه نشاطُ طلابها الأبطال وفعاليتُهم الراسخةُ المتينةُ برغم هذه الظروف الصعبة؛ فهم دائبون في التمسكِ بهدي الدين، والعملِ للقرآن ورسائل النور بهمةٍ ورغبة، وكان من ذلك دخولُ كثيرٍ من الفتيان بقرية "علي كوي" في سلك طلاب النور، واشتغالُ الشباب في قريةٍ أخرى بالقرآن في الليل، وامتلاءُ المساجد في صلاة الجماعة؛ إن هذا لَيُخفِّف جميعَ المشاق والمصاعب التي يلقاها طلاب النور فيجعلُها في حكم العدم.
ثانيًا: القصيدةُ الفخمةُ الرابعةُ التي نَظَمها "خليل إبراهيم" ذو الوفاء الفائق والعلاقة الوثيقة، هي قصيدةٌ تُعرِّف بخادِميَّتي للنور تعريفًا يَفوق حدي كثيرًا.. صحيحٌ أنها جميلةٌ عَذبة، لكني لم أرسلها إليكم لكونها ناظرةً إلى شخصي أكثر من نظرها إلى رسائل النور، فسأرسلها إليكم بعد التعديل؛ سلامي له ولرفقائه.
ثالثًا: لا تقلقوا ولا تهتموا لمحاولات تصفيتي، بل كونوا ممتنِّين لها بجهةٍ ما، إذْ يتركز هجوم القوم وأذاهم على شخصي الجزئي الذي انتهت وظيفتُه، بدلًا من التركيز على رسائل النور وطلابها.
ولقد تحدَّث بالأمر مسؤولٌ كبيرٌ هنا مؤخَّرًا، وصرَّح به لبعضهم دون تردُّد قائلًا: "يجب تصفية سعيد"، وقد تلقَّفَ أعدائي العاملون في الخفاء هذه التصريحات وأمثالَها، وانتهزوها فرصةً، فأبعدوا عني مَن كان يقوم على خدمتي، ودَسُّوا لي السم؛ فهم يستمدون القوة من أمثال هؤلاء المسؤولين، ولكن الحفظ الإلٰهي والعناية الربانية أفشلا محاولتَهم هذه، وستَحمينا هذه العناية، وستُفشِل مخططاتهم كما أفشَلَتْها من قبل بإذن الله.
٭٭٭
— 168 —

جزءٌ من التَّظلُّم المقدَّم إلى وزير الداخلية

لقد تعرَّضتُ لظلمٍ لم يَسبق له مثيل، ولقيتُ صنوفًا من الاضطهاد والقسوة تخالف القانون من عشرة وجوه، وأبيِّن ذلك فأقول:
إن "سعيدًا" المسكين هذا شخصٌ قد اشتدت عليه وطأة المرض لتَسَمُّمه في محاولةِ اغتيالٍ آثمة؛ وهو مع هذا ضعيفٌ لا حول له ولا قوة؛ طاعنٌ في السن قد بلغ الحادية والسبعين؛ وحيدٌ في غربةٍ تدعو للرثاء؛ فقيرٌ يبيع بعض ثيابه ليؤمِّن معيشته؛ مُنطوٍ عن الناس مستوحشٌ منهم لعزلته عنهم خمسًا وعشرين سنة، فلا يكاد يجد في ألْفٍ منهم شخصًا واحدًا كاملَ الصِّدق؛ وهو فوق ذلك رجلٌ بريء، بَرَّأتْه لجنةُ خبراءِ أنقرة ومِن قبلِها ثلاثُ محاكم بعدَ أن استعرضوا عشرين سنةً من حياته، ونظروا في مؤلفاته بعينِ التدقيق والتمحيص، فقضَوا ببراءته، واتفقوا على أن مؤلفاته نافعةٌ ليس فيها ما يَضُرُّ الوطنَ أو الشعب؛ وهو رجلٌ من أبناء هذا الوطن غيورٌ عليه، وقد سبق أن أسدى إليه خدمةً جليلةً في الحرب العالمية الأولى، وهو اليوم يعمل بكل قوته وعبر مؤلفاته ذاتِ التأثير الظاهر للعِيان ليحميَ الوطن وأبناءَه من الفوضوية وإفساد الأجنبي؛ وهو رجلٌ مسالمٌ لم يتأتَّ منه ما يَضُرُّكم، ولم يتدخل بشيءٍ من أمور دنياكم، بل لم يقرأ صحيفةً ولا اهتم بالأخبار والحوادث منذ خمسٍ وعشرين سنةً كما ثبت ذلك لدى المحكمة بشهادة سبعين شاهدًا، وما التفتَ إلى الحرب العالمية الثانية طَوالَ سِنِيها السبعِ ولا استَخبر عنها ولا علِم من أخبارها شيئًا، وقد أثبت في مؤلفاته بالدلائل القوية أنه قَطَع علاقته بالسياسة كُلِّيًّا، كما اعترفتْ بذلك جهاتُكم القضائية رسميًّا؛ وهو امرؤٌ يفِرُّ أشدَّ الفِرار من إقبال الناس وتوجُّههم إليه، ويتحفَّظ من مديح إخوانه له وحُسنِ ظنهم به، ولا يُعجَب بشيءٍ من ذلك، لئلا يَضُرَّ بآخرته وإخلاصِه.. فأيَّةُ مصلحةٍ تقتضي منك أنتَ وزيرَ الداخلية أن تُسلِّط عليه واليَ "أفيون" وشرطةَ "أميرداغ" ليقاسيَ في كلِّ يومٍ ما كان يقاسيه في شهرٍ في السجن الانفرادي، وليُجبَر
— 169 —
على البقاء وحيدًا في حبسٍ انفرادي وزنزانةٍ انفرادية؟! أيُّ قانونٍ يسمح بهذه القسوة الرهيبة؟!
هذا ما أبيِّنه لوزير الداخلية عبر دوائر القضاء العليا التي تحافظ على الحقوق العامة.
المحروم ظلمًا من حق الحياة
ومن جميع حقوقه المدنية والإنسانية
سعيد النُّورْسِيّ
٭٭٭
إخواني الأعزاءَ الأوفياء، وأقربائي الأَوِدَّاء في هذه الغربة: السادة "عثمان" و"محمد" و"حسن"..
عِرفانًا بجميلكم، ومكافأةً عاجلةً على خدمتكم الخالصة الصادقة التي لا تُنسى، والتي أسديتموها لي ولرسائل النور أنتم "آلَ چالِشْقان"، فقد أَولاكم "حسن فيضي" وسائرُ طلاب النور توجُّهًا وتقديرًا فوق العادة، وأشادوا بذكركم في كلِّ مكان، وجعلوا أهلَ الحقيقة أولياءَ لكم وأنصارًا، وهذا يُحتِّم عليكم مراعاةَ أعلى درجات الاحتياط والحذر، والتحليَ بالولاء التام، والأخذَ نيابةً عني بالتيقظ التام، حمايةً لرسائل النور وطلابها، وحفاظًا عليهما، ووقايةً لهما من دسائس أهل السياسة والأعداء الذين سمَّموني، وإلا، فإن خطأً بسيطًا يقع منكم لن ينال مني وحدي، بل سينال من آلاف الطلاب الأبرياء، كما سينال من سمعتكم الناصعة.
وبالنظر إلى وضعي الحالي، وما ألقاه من تضييقاتٍ تخالف القانون من ستة وجوه، فإن القائمين على هذه المعاملة الظالمة المتعسِّفة يبحثون عن ذريعةٍ أو وسيلةٍ يتنصلون بها من المسؤولية مستقبلًا، وهذا يتطلب منكم الحذر الشديد.
٭٭٭
— 170 —
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
أولًا: أرسلنا إليكم قبل يومين جزءًا من "التَّظلُّم" ليكون عمدةً تُقدِّمونه عريضةً وقتَ الحاجة، أو تُقدِّمونه إلى ذلك الوزير أو المحكمة، أو تراجعون به الجهات الرسمية، ولِيعتمدَه إخواننا أساسًا يَبنون عليه دفاعاتهم ضد المنافقين.
لقد تبيَّن أن الشخص الذي يتولى التضييق علي وإيذائي بحقدٍ وضغينةٍ حتى الآن هو هذا الشخص، فتشاوروا فيما بينكم وتصرَّفوا بما يَلزم، لكنْ خذوا بالاحتياط والحذر من غير توتُّرٍ ولا ضجيج.
ثانيًا: تلقَّيتُ مؤخرًا رسالةً من "خُلوصي" في "قارص"، أَرفَقَها برسالةِ ابن أخي "نهاد"، وقد وصلتْني عن طريق مفتي هذه البلدة الجبان الذي لم ألتقِ به؛ والحقُّ أن أخانا "خُلوصي" مُحافظٌ أبدًا على وفائه الفائق وصلتِه المتينةِ بالأنوار.
ومن بليغِ ما وقع من تَوافُقٍ أنني حين كتبتُ إلى "صبري" فقرةً قلتُ فيها: إنْ كان "نهاد" في "قارص" فسيلتقي "بخُلوصي"؛ قلتُ هذا على سبيلِ احتمال وجوده هناك دون علمٍ مني بذلك، فإذا بهما في نفس الوقت يلتقيان ويكتبان إليَّ رغم انقطاعهما عن الكتابة حتى ذلك الحين.
ثالثًا: تلقَّيتُ رسالة أخينا "رأفت" التي تُعبِّر عن كمالِ وفائه ووثيقِ صِلتِه، وتُبيِّن أنه كی"خُلوصي" أحدُ قادة الأنوار، وقد تَوافَق وصولُ رسالته مع وصول رسالةِ "خُلوصي"، فكان أمرًا لطيفًا باعثًا على السرور، فلْتُدرَج الرسالتان في "المَلاحق".
وإن تعليمَه القرآنَ للأطفال، واشتغالَه بی"اللمعات" نَسْخًا وقراءةً، ودعاءَه هو وأولئك الأطفال لي بالشفاء، كان كالبَلسَم لدائي، وقد أورثني خِفَّةً وانشراحًا.
ورابعًا: فإني كثيرًا ما تذكرتُ أخانا "يعقوب جمال" الذي يُشبِه في الكتابة المرحومَ "عاصم"، إذِ انقطعتْ أخبارُه عني، فكنتُ أتساءل بحزنٍ وأسف: هل ما زال على قيد الحياة يا تُرى أم توفي، وإنْ كان حيًّا فهل ما زال يَخدُم الأنوار بقلمه الجميل؟
— 171 —
فالشكر لله بلا حدٍّ إذْ تلقَّيتُ منه رسالةً تُبيِّن أنه ما زال حيًّا، وما زال يَخدُم الأنوار، وما زال على صدقه ووفائه؛ فالحمد لله.
٭٭٭
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
ثمة حقيقةٌ إيمانيةٌ في غاية النفاسة، تراءتْ لي أكثرَ من مئةِ مرة، غير أني لانتهاء زمانِ تأليفِ الرسائل لم أتمكن من اقتناصِها رغم اجتهادي في طلبها، وانتظرتُ لأتمكن من الشعور بها والتعبير عنها بعبارةٍ واضحة فلم أنجح في ذلك، فسأتحدث الآن عن هذه الحقيقة الواسعةِ جدًّا، والمُسهَبة جدًّا، حديثًا موجزًا بإشارةٍ في غاية الاختصار.
وهو أن حديث: "إن الله خلق الإنسان على صورة الرحمٰن"، هو حديثٌ من جوامع الكلم ومن متشابِه الحديث في آن، وقد ظهرتْ لقلبي نُكتتُه الجليلةُ الكُلِّيةُ وقتَ قراءتي "الجَوشنَ الكبير" مع "خلاصة الخلاصة"، ولكيلا أُفوِّت هذه النُّكتة العجيبة البديعة فقد صُغتُها في رموزٍ وإشارات، وأدرجتُها في "خلاصة الخلاصة" بين المرتبة السابعة عشرة، وهي الشهادة بلسان القرآن، وبين المرتبة الثامنة عشرة، وهي الشهادة بلسان الكائنات، فإليكم هذه الإشارات الرمزية:
«لا إلٰه إلا الله الواجبُ الوجودِ الواحدُ الأحد، بلسانِ الحقيقة الإنسانية بكلماتِ حَيَاتِها وحِسِّيَّاتِها وسَجِيَّاتِها ومِقياسِيَّتها ومِرآتِيَّتِها، وبكلماتِ صفاتِها وأخلاقِها وخِلافتِها وفِهْرِسْتِيَّتِها وأنانيتِها، وبكلماتِ مَخلوقيتِها الجامعة، وعبوديتِها المتنوعة، واحتياجاتِها الكثيرة، وفَقرِها وعجزِها ونقصِها غيرِ المحدودة، واستعداداتها غيرِ المحصورة».
وسأُبيِّن هذا الرمزَ الموجز، وأوضحه برمزٍ في غاية الاختصار كذلك، فاجعلوه حاشيةً على "خلاصة الخلاصة".
— 172 —
نعم، إنني حين أقرأ "خلاصةَ الخلاصة" تغدو الكائنات بأجمعها حلقةَ ذكرٍ في نظري، لكنْ لمّا كان لسانُ كلِّ نوعٍ من أنواع الكائنات واسعًا جدًّا، كان العقل يبذل جهدًا كبيرًا في طريق التفكُّر، حتى يبلغَ درجةَ علمِ اليقين في الإذعان للصفات والأسماء الإلٰهية، ثم يشاهدُها بعد ذلك تمامَ المشاهدة.
لكنه متى ما نَظر إلى الحقيقة الإنسانية، وطالَعَ الأسماءَ والصفاتِ في هذا المقياسِ الجامع، والخريطةِ المصغَّرة، والأُنموذجِ الدقيقِ الصادق، والميزانِ الحسَّاس، وتأمَّلَ في حسَّاسيةِ هذه الأنانية، صَدَّقَ تلك الأسماءَ والصفاتِ بوُجدانٍ قطعيّ، واطمئنانٍ شهوديّ، وإيمانٍ إذعانيّ، فيَحظى عندئذٍ بالإيمان التحقيقيِّ بمنتهى السهولة بواسطةِ مرآته الماثلةِ لديه، من غير حاجةٍ إلى سياحةٍ فكريةٍ طويلة، ويُدرِك حينئذٍ معنًى حقيقيًّا للحديث: "إن الله خلق الإنسان على صورة الرحمٰن"، ذلك أن المرادَ بالصورةِ السيرةُ والأخلاقُ والصفات، إذِ الصورة في حقِّه سبحانه مُحال.
نعم، فكما أن أهلَ الطريقة سلكوا طريقَين في المعرفة الإلٰهية، وذلك بالسَّير الأنفُسيِّ والسَّير الآفاقيّ، ووجدوا أن أقصرَ طريقٍ وأسهلَه وأقواه وأكثرَه أمنًا واطمئنانًا هو طريقُ السَّيرِ الأنفُسيّ، أي السَّيرُ في القلب، بالذكرِ الخَفِيِّ القلبيّ، فكذلك أكابرُ أهلِ الحقيقة، سلكوا سبيلَين أيضًا، لا في المعرفة والتصوُّر، بل فيما هو أعلى وأجلُّ منهما بكثير، ألا وهو الإيمان والتصديق.
فالسبيل الأول: النظرُ في الآفاق بمطالعةِ كتاب الكون، كما في "الآية الكبرى" و"الحزب النوري" و"خلاصة الخلاصة" وأمثالها.
والسبيلُ الآخَر: الرُّقيُّ إلى مرتبةِ الإيمان التي لا شبهة فيها ولا وسوسة، وذلك بمطالعةِ خريطةِ الحقيقة الإنسانية، وفِهرِسِ الأنانيةِ البشرية، وماهيتِها النفسية؛ وهذا السبيل هو الأقوى، وهو سبيلٌ وجدانيٌّ حِسِّيٌّ بدرجةِ حقِّ اليقين، وهو كذلك شهوديٌّ بدرجةٍ ما، إذْ هو ناظرٌ إلى سرِّ الأقربية ووراثةِ النبوة.
— 173 —
ولقد بَينَّا بعضًا من حقيقة التفكُّر الإيمانيِّ الأنفُسيِّ في "الكلمة الثلاثين" المسمَّاةِ "الأنا والأنانية"، وفي نافذتَي "الحياة" و"الإنسان" من "المكتوب الثالث والثلاثين"، وفي غير ذلك مِن سائر الأجزاء النورية.
يُكتَب هذا في "المَلاحق"، وفي "السِّكة الغيبية"، وفي آخر "الخلاصة".
٭٭٭
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
لا يكنْ في صدركم حرجٌ مني لاقتصاري في الإجابة على رسائلكم المتعدِّدة برسالةٍ واحدةٍ مشتَّتة، فحالي لا تسمح بغير هذا.
أولًا: إن أعداءنا العاملين في الخفاء، بعد أن استحوذوا على بعضِ كبار المسؤولين في الحكومة، واستغلوهم في التضييق عليّ، لم يتركوا دسيسةً تَستفزُّ مشاعري وتُثير حفيظتي إلا استعملوها بكلِّ قوة، بُغيةَ أن تندلع حادثةٌ كحادثةِ "مَنَمَن" أو حادثةِ "الشيخ سعيد"، لكنهم وجدوا أن "سعيدًا القديم" الذي عهِدوه لم يعد موجودًا، وأن "سعيدًا الجديد" يتحمَّل كلَّ شيءٍ صابرًا، فحوَّلوا مخطَّطَهم نحو التصفية، ومنها التسميم، ولكن الحفظَ الإلٰهي أفشلَ هذا المخطَّطَ أيضًا.
وقد لجأ هؤلاء المنافقون في الآونة الأخيرة إلى استغلال نفوذِ الحكومة الرسميِّ في شَنِّ حملةٍ شَعواء تُنفِّر الناس وتُخوِّفهم مني، ولكن لا تقلقوا، فنحن في ظلِّ العناية الربانية، والفتوحاتُ النورية تتوسع باطِّراد.
ثانيًا: بخصوص المَرثيَّتَين والقصيدتَين الوداعيَّتَن الحزينتَين الصادقتَين اللتين كتَبَهما ونَظَمهما "حسن فيضي" و"خليل إبراهيم" مؤخَّرًا، وأَولَيَاني فيهما حُسْنَ ظنٍّ فوق العادة، فقد قَبِلناهما بعد تعديلٍ يسيرٍ لثلاثة أسباب:
— 174 —
الأول: أنهما لم يتوجَّها إلى شخصي فيما كَتَبا، بل توجَّها إلى تلك الوظيفة القدسية، وإلى خادميتي للقرآن والإيمان والأنوار.
الثاني: أن ما ورد على لسانهما أو لسانِ مَن يُمثِّلانِ مِن خُلَّصِ إخواننا هناك من تعريفٍ بي يفوق حدي كثيرًا، إنما هو نوعٌ من الدعاء الصادق، والتفاؤل العُلْويِّ، والرغبة الخَيِّرة السامية، وهو إنما يعكس استعدادَهم واعتقادَهم وعلاقتَهم الجادَّة الوثيقة بالأنوار.
الثالث: أني لكوني في نظرهم ممثلَ الشخص المعنوي لرسائل النور ونموذجًا لتلاميذها، فليس من المصلحة كسرُ قوتِهم المعنوية وحُسْنِ ظنهم الفائق، إذْ هما مَبعثُ رغبتهم وحماسهم.
أبعثُ بعاطرِ التحية والسلام لهما ولأصحابهما خصوصًا "أحمد فيضي"، ولإخواننا في سجن "دَنِزْلي"، وللعاملين لتحقيق العدالة في حقِّنا.
ثالثًا: بخصوص رسائل البطل "خسرو" التي أحتفظ بها والتي كثيرًا ما كانت بلسمًا لهمومي، فلستُ أجد الوقتَ لأقتبس من كلِّ واحدةٍ منها فقراتٍ مهمةً أُدرِجها في "المَلاحق".. فسأراجعها في وقتِ راحةٍ إن شاء الله.
الرسالةُ التي كتبها "أحمد نظيف" باسم طلاب "إينه بولو" وما حولَها، والتي تُبيِّن اشتراكَهم في مَرثيَّة "خليل إبراهيم" المُبكية، قد بدَّدتْ قلقي بشأنهم، بارك الله بهم من إخوانٍ ثابتين ورضي عنهم.
رابعًا: الجهودُ المبذولةُ لرسائل النور من إخوانِنا القدامى والجُدُد المذكورين في رسالة "أحمد" بقرية "جُوبان عيسى"، وتَنشئتُهم الصغارَ على القرآن والأنوار، هي خدمةٌ جليلةٌ للأنوار في هذا الوقت، وفَّقهم الله، آمين.
خامسًا: صحيحٌ أن الجَوشن والأوراد القدسية للشاه النقشبند قد أنقذتني بقدسيتها نحوَ عشرين مرةً من خطر الموت جرَّاءَ التسميمات المادية والمعنوية من أعدائي المنافقين، إلا أن هذا الظلم یی للأسف یی قد خلَّفَ في أعصابي وعروقي
— 175 —
وحسَّاسيتي تأثُّرًا شديدًا، وتوتُّرًا بالغًا، وألمًا واستيحاشًا، بحيث لا أحتمل مجالسةَ أعزِّ الأصدقاء وأصدقِ الإخوة ساعةً من الوقت، ولا تَحتمل روحي ذلك، بل أتضايق إن نظر أحدُهم إليّ.
إنَّ مرض الاستيحاش من الناس الموجودَ لديَّ قديمًا، قد اشتد من جرَّاء تضييق هؤلاء الظَّلَمة عليَّ ومراقبتهم الصارمة لي، فكأني متُّ من جهة الحياة الاجتماعية قبل أن أموت، ولأجل هذا السرِّ وهذه الحقيقة يَكتب خواصُّ إخواني مَرثيَّاتٍ بحقِّي.
ثم إن للجوَّ هنا أثرًا سيئًا بالغًا على أعصابي، فيَومٌ من أيام هذا الشتاء يَثقُل عليَّ ويورِثني كآبةً بقدر ما يَفعل شتاءٌ كاملٌ قَضَيتُه في سجن "دَنِزْلي".. نعم، وكما أن العين لا تتحمَّل شعرة، فكذلك روحي وطاقتي في الوقت الحالي، لا تتحملان شعرةً من عبءٍ أو ثِقَل، غير أنه فيما يتعلق برسائل النور وسلامةِ طلابها، فإني أُخبركم يقينًا أنهما تُعانيان نيابةً عنهم شدائدَ ومصاعب كالجبال، وتحتملان ذلك بكل رضًا، وتَصبِران عليه بكلِّ شكر.. وبما أني أعاني مزيدَ عجزٍ وضَعفٍ وتأثُّر، فأحرى بخواصِّ إخواني ألَّا يُثقِلوا كاهلي بالمدائح، بل يُخفِّفوا من حِملي ويعينوني بدعائهم وشَفَقَتهم وهمتهم وتعاطفهم.
وإنها لجَلوةُ عنايةٍ ربانيةٍ أن مرضَ الاستيحاشِ الشديدَ هذا يُخفِّف حُكمَ الظَّلَمةِ عليَّ بالعزل والتجريد المطلق فيجعلُه كالعدم، فهو بجهةٍ ما يورثني الرضا، ولا يعود عليَّ بالأذى.
٭٭٭
— 176 —
إخواني الأعزاءَ الأوفياءَ الفعَّالين.. وُرَّاثي ومَبعثَ سُلواني في هذا الزمان العصيب..
أحدُ الأدلة على أنكم بجهدكم الدؤوب ونشاطكم الفائق حوَّلتم "إسبارطة" وما حولَها إلى "مدرسةٍ زهراء" و"جامعٍ أزهر" واسعَين: إرسالُكم إلى أخيكم شِبْهِ الأميِّ هذا أكثرَ من عشرين نسخةً من مجموعِ "عصا موسى"، نَسَختموها بأكمل هيئةٍ مُزدانةً بالتوافقات، لدرجةِ أنها أثارت إعجاب أصحاب المطابع!! أسأل الله تعالى وهو أرحمُ الراحمين أن يجزيَكم والناسخين والمعاونين بكلِّ حرفٍ منها جزيلَ الحسنات، وسابغَ الرَّحَمات، ووافِرَ العطاء من ثمر الجنات.. آمين، آمين، آمين.
ولقد طالعتُها ونظرتُ فيها، فوَرَدَ على قلبي سؤالٌ: ألا توجد لهؤلاء الأبطال مكافأةٌ معجَّلةٌ أيضًا؟
فجاء الإخطار من فَوره: بلى.. فإنهم باستنساخهم هذا المجموعَ، يَقرؤون لأنفسهم أولًا درسًا إيمانيًّا قويًّا تامًّا يُفحِم الفلاسفة ويسوقهم إلى الإيمان، وبذلك يَغنمون كنزًا معنويًّا؛ ثم إنهم بهذه النُّسَخ التي كتبوها يُنقِذون إيمانَ كثيرين أو يَهدونَهم، وقد جاء في الحديث: «فوالله لأنْ يَهديَ اللهُ بك رجلًا واحدًا خيرٌ لك من أن يكونَ لك حُمْرُ النَّعَم» ؛ ثم إنهم بأقلامهم المباركةِ هذه يؤدون الخدمةَ القدسيةَ التي أدَّاها من قبلُ مجاهدو الإسلام الأبطالُ العظماء بسيوفهم، ولا ريب أن المستقبل سيحتفي بهم وبالنوريين أيَّما احتفاء.
ثانيًا: من المناسب أن تُكتَب الفقرةُ التاليةُ في أول مجموعِ "عصا موسى"، ويمكن لمن شاء أن يكتب معها القسمَ المكتوب بأول هذه الرسالة.
(أَثبت الشعاعُ الثامن واللمعةُ الثامنةُ والعشرون أن الإمامَ عليًّا رضي الله عنه أخبر في "القصيدة الجَلْجَلوتية" عن رسائل النور وبعضِ أجزائها المهمة إخبارًا قويًّا أقربَ إلى التصريح؛ وقد أَخبر عن آخر رسالةٍ من رسائل النور في "الجَلْجَلوتية" بقوله: "واسمُ
— 177 —
عصا موسى به الظُّلمةُ انجَلَتْ"؛ وكنا قبل نحوِ سنتَين ظننَّا أن "الآية الكبرى" هي آخر الرسائل، إلا أننا تَبَينَّا أمورًا رَدَّتْ هذا الظن، منها أن اكتمال تأليف الرسائل يكون في عامنا هذا، العامِ الرابع والستين بعد الألف والمئة الثالثة للهجرة؛ ومنها معنى هذه الجملة العَلَوية، فإنها تُخبِر عن رسالةٍ تُبدِّد الظلمات، وتنشر النور، وتُبطِل السِّحر كعصا موسى عليه السلام؛ ومنها أن قسم "الثمرة" في هذا المجموع أصبح لائحةَ دفاعٍ أزالتْ ما توالى علينا من مَظالم رهيبةٍ وظُلماتٍ هائلة، كما أن قسم "الحُجج" بدَّد ظُلمات الفلسفة التي جابهتِ الأنوار، وهو ما اضطر لجنةَ الخبراء بأنقرة إلى التسليم للرسائل واستحسانها؛ ومنها وجودُ أماراتٍ كثيرةٍ تدلُّ على أنها ستُبدِّد الظُّلمات في المستقبل؛ ومنها أن هذا المجموعَ يتضمَّن في قسم "الثمرة" إحدى عشرة مسألةً نورانية، ويتضمن قسمُ "حجة الله البالغة" منه إحدى عشْرةَ حجةً قاطعةً، وهذا يُقابل ويُشابه ما جرى لعصا موسى عليه السلام إذِ انفجر بها من الصخر اثنتا عشرة عينًا، وتحقَّقت بها إحدى عشْرةَ معجزة.. فكلُّ هذا جعلَنا على يقينٍ من أن الإمام عليًّا كان بقوله المذكور آنفًا ينظر مباشرةً إلى المجموعِ المسمى "عصا موسى" ويُخبِر عنه باستحسان).
ثالثًا: بخصوص المَرْثِيَّة التي كتبها مؤخرًا "صبري" مِرسالُ النور وصاحبُ الكلمات المهمة في "المكتوب السابع والعشرين".. فقد أدرجناها في "المَلاحق" وأرسلنا إليكم نسخةً منها.
وأما ولدُ خادمِ الأنوار المباركِ الجادِّ الحافظِ "مصطفى"، فقد نَسَخ یی وهو ابنُ السابعة یی "الشعاعَ السادس"، وكتبَ إليَّ رسالةً كذلك، وسيكون هذا محفِّزًا للأبرياء الصغار نحو الأنوار؛ لكن ينبغي أن يكون اسمُه "سعيدًا النُّوري"، لأن "نُورْس" قرية، ولا معنى لنسبته إليها، فلتُحذَف السين ولتَبق الياء لتَظهَر علاقتُه بالأنوار.
كنت أريد كتابةَ أمورٍ أخرى كثيرة، لكني اضطررتُ للاختصار لكثرةِ ما لديَّ من وظائف وأعمال.
سعيد النُّورْسِيّ
٭٭٭
— 178 —
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
أولًا: وصلتْني بشارتكم حول شروع الإخوة بالوظيفة الثانية، أعني نَسْخَ "مجموعة المعجزات"، بعد أن أتَمُّوا الوظيفة الأولى، فحمدًا لله أرحمِ الراحمين بلا حدٍّ أنْ مَنَّ عليَّ بكم إخوانًا حقيقيين في هذه الخدمة الإيمانية.
وكما أظهرتِ الوظيفةُ الأولى كرامةً لمصلحةِ الخطِّ القرآني، إذِ افتُتِح مركزٌ لتعليمه في العاصمة، فكذلك الوظيفةُ الثانيةُ ستُظهر كرامةً أَبلَغ إعجازًا إن شاء الله.
ثانيًا: بخصوص "صبري القُونَوي"، يَحسُن أن يكون تواصله معي عن طريقكم، إذْ هو الأنسب والأصلح، لأن بإمكانكم أن تنوبوا عني في تأديةِ مُعظَم ما يَطلب.
فعلى سبيل المثال، يمكنه إجراءُ التصحيحاتِ في "قونية"، فالعلماء هناك يمكنهم تقديم أفضل عونٍ في هذه المسألة، فليُعينوه فيها، وأرسِلوا إليهم بعضَ النُّسَخ التي صَحَّحتُها.
والحقيقة أن التصحيح مسألةٌ مهمة، ورُبَّ خطأٍ يقع في حرفٍ أو في نقطةٍ فيُضيِّع معنًى جليلًا؛ فلْيقابلِ النُّساخُ نُسَخَهم بالأصل مقابلةً جيدةً أولًا، ثم ليرسلوها إليَّ وإلى المصحِّحين.
بارك الله بكم على هذه النُّسَخ التي وصلتْني مؤخَّرًا من مجموع "عصا موسى"، فإنها قليلةُ الأخطاء، ومُصحَّحةٌ بدرجةٍ ما، جزى الله النُّسَّاخ والمصحِّحين خيرًا، ورضي عنهم أبدًا، آمين.
ثالثًا: بلِّغوا سلامي للشيخ "حَشمت" التونسي المقيمِ بی"يوزگات"، وصاحبِ العلاقة برسائل النور، فإنه كتب إليَّ رسالتَين صميميَّتَين، إحداهما عندما بلغه خبرُ وفاتي، والأخرى حين عَلِم بأني ما زلتُ على قيد الحياة.
رابعًا: أما البطل "برهان" شقيقُ "رشدي" الذي بعث إليَّ سلامًا خاصًّا مراتٍ عديدة، فقد أسدى منذ القديم خدماتٍ جليلةً لرسائل النور في أوقاتٍ صعبةٍ رغم أُميَّته، ولهذا أُشرِكه كلَّ يومٍ في مكاسبي المعنوية وأَذكره بالاسم مع الخواص.
— 179 —
تَوافقٌ ذو مغزًى: بينما كنت أكتب متحدِّثًا عن قلقي لعدم وصول رسائل "خسرو" و"صبري"، إذْ وصلتْني رسائلُهما الجامعةُ في نفس اللحظة من حيث لم أكن أتوقع، فبدَّدتْ قلقي.
سلامي لعموم إخواني.
٭٭٭
إخواني الأعزاءَ الأوفياء.. رفاقي أصحابَ الحقيقة في طريق الحقِّ والأبد..
إن الرسائل الخصوصية التي بعث بها أبطالُ النور في "قَسْطَموني" ورجالاتُ أريافها، وأربابُ التضحيات في "صَفْرَن بولو" تستحق الإجابةَ عنها برسائل خصوصية، فهذا ما يليق بها، غير أن وضعي ووقتي لا يسمحان بذلك، فليعذروني إن أجبتُ برسالةٍ قصيرةٍ أُرسِلها بواسطتكم.
أولًا: سُرِرتُ كثيرًا برسائل "حلمي" و"إحسان" و"أمين" و"صادق بك" من "طاش كوپرو"، والحقيقة أن إخواننا هؤلاء قد أدَّوا في تسعة أشهرٍ في السجن خدمةً نوريةً تَعدِل تسع سنين، حتى نافسوا في ذلك أبطالَ "إسبارطة"، ولن أنسى أبدًا عنايتَهم بشأني وراحتي في السجن، وسعيَهم لتعزيز الوفاق بين إخواننا المسجونين، وجُهدَهم في خدمة الأنوار الجديدة.. رضي الله عنهم وعنكم دائمًا أبدًا. إنني كثيرًا ما أذكر تلك الأيامَ الخوالي بشوقٍ، وأرحل خيالًا إلى تلك الدُّروب والربوع الأثيرة في "قَسْطَموني" و"بارلا"، فأجلس فيها وأبكي.. وأشاهد بخيالي الصَّحْبَ والخُلَّان.
وقفتُ على رسالةٍ قصيرةٍ تُشبه عبارتُها العبارةَ القويةَ للبطل "صادق بك"، ويُشبه خطُّها خطَّه الجميل، وفيها سلامٌ من طلاب "صَفْرَن بولو" ومِن "مصطفى" و"عثمان" و"حِفظي"، فاشتبه عليَّ الأمر.. هل أتى "صادق" إليهم أم هم ذهبوا إليه؟ أم أن لنا أخًا آخَر اسمُه "صادق"؟
— 180 —
ما يقوم به أوفياء "بارلا" في نَسخ الأنوار هو وظيفتُهم ومُهمتُهم قبل الجميع، إذْ إن "بارلا" هي التي حازت شرف المدرسة النورية الأولى، ولا يجوز أن تُترَك هذه المدرسة المباركة بغير طلاب، بل ستَعْمُر من جديدٍ إن شاء الله، ونقول للعاملين: وفقكم الله وبارك بكم، آمين.
ثانيًا: الرسالتان التي بعث بهما "عثمان" و"أحمد" من طلاب "صَفْرَن بولو" الصادقين تُبيِّنان وفاءَهما الفائق وعلاقتَهما الوثيقةَ بالأنوار.
بارك الله بی"عثمان".. فقد تعلَّمَ القرآنَ ونسَخَ الأنوارَ في زمنٍ يسير، وهو الآن يَنسخ "عصا موسى"، وتربطه بی"مصطفى عثمان" و"حِفظي" أصحابِ التضحيات علاقةُ أُخوةٍ تامة.
وكذلك "أحمد"، علاقتُه بالأنوار وثيقة، غير أني لم أستطع معرفة ما يقول في رسالته لعدم وضوح كتابته.
نُسلِّم على إخواننا في "صَفْرَن بولو" و"قَسْطَموني" وما حولَهما، وندعو لهم، ونطلب منهم الدعاء، كما نُسلِّم على إخواننا فردًا فردًا في المدرسة الزهراء "بإسبارطة" وما حولها، وندعو لهم بالسلامة.
سعيد النُّورْسِيّ
٭٭٭
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
أولًا: قبل مدةٍ دَهَمَني قلقٌ من جرَّاء أمورٍ عدة، إذْ مضى قرابةُ أسبوعين لم أتلقَّ فيهما رسالةً بقلم "خسرو"، ولم يَرِد جوابٌ بخصوص المجلَّدات التي أرسلتُها إلى "قونية"، وشدَّدَ أعداؤنا الإجراءات عليَّ بشكلٍ لم يسبق له مثيل، وكان في مقدمتهم وزير الداخلية إضافةً إلى جماعةِ الفوضويين، وحصل المنافقون هنا على معلوماتٍ
— 181 —
من بعض أصحابنا البسطاء بأني أرسلتُ نُسخًا إلى "أسكي شَهِر" و"قونية"، وتسلمتُ من "قونية" عددًا من مجموع "عصا موسى".
وفي غمرة هذا القلق، تَساقَطَ الثلجُ بغزارةٍ لم يُرَ مثلُها، حتى بلغ ارتفاعُه مترًا ونصفَ المتر، وهبَّت عاصفةٌ عنيفة، ووقع بردٌ شديدٌ قارس، فحسِبتُ أن وقوع هذه الأمور في هذا الفصل إنما هو مَظهرُ غضب، ونتيجةٌ لمحاولات الاعتداء على رسائل النور، وأنه يمكن أن تكون لهذه الأحداث علاقةٌ برسائل النور وطلابِها، على غِرارِ الهزاتِ الأرضية الأربع، والقحطِ الذي وقع العامَ المنصرم، فسألتُ: أهذا البلاء عامٌّ أم هو مقتصرٌ على ولايتَي "أفيون" و"أسكي شَهِر"؟ فقيل لي: هو مقتصرٌ عليهما، فحمدتُ الله؛ إذْ ليس ثمة اعتداءٌ عامٌّ على الرسائل وطلابها، وإنما هو اعتداءٌ عليَّ وعلى ما لديَّ من الأنوار.
ومع أني عقدتُ آمالًا كثيرةً على مدينة "أسكي شَهِر"، وكنتُ أظن أنها ستغدو مدرسةً نوريةً كی"دَنِزْلي"، إلا أنها ظلَّتْ دونها بعشر درجات، وسبب ذلك هو حملاتُ التخويف التي شَنَّها القوم على غِرار ما فعلوا في "أفيون" و"أميرداغ".. لكن لا تقلقوا، فهذه الحوادث الجوية هي كالحادثة التي جرت للطلاب الجامعيين بإسطنبول، قد صَرَفت الماسونيين العاملين في الخفاء عن اعتداءٍ جديدٍ كانوا يَنوون القيام به؛ والعنايةُ الربانيةُ تحمينا.
ثانيًا: وصلني منكم مؤخَّرًا سبعُ رسائل أو ثمان، لكن اعذروني في الإجابة على كلِّ واحدةٍ منها إجابةً خصوصية، إذْ لا تساعد على ذلك حالتي ولا كتابتي ولا وقتي.
أدرجْنا رسالة "محمد فيضي" و"أمين" في "المَلاحق" من غير تعديل؛ فإنهما لتَوَلِّيهما خدمتي الخصوصية ثماني سنوات وَصَفاني بما يَفوق حدي كثيرًا، وقد عَدَدتُ توصيفاتِهما نوعًا من الدعاء المعنوي، وسببًا للتحفيز والترغيب، وقناعةً وحُسنَ ظنّ، وعلامةَ صدقٍ ووفاء، ووثيقةَ اعتقادٍ وارتباطٍ بأستاذهما باعتباره تَرجُمان النور، فلم أتعرض لها بشيء.
— 182 —
الوفاةُ النورانيةُ الحسنةُ التي خُتِمَت بها حياةُ والدة "فيضي" بمواظبتِها على درس رسائل النور، يَجْدُر إدراجُها في "المَلاحق" أُنموذجًا ساطعًا على إغاثةِ الأنوار طلابَها عند سكرات الموت وعند الشدائد.
يسأل "خليل إبراهيم" في رسالته الأخيرة أسئلةً كثيرةً حول أمورٍ لها صلةٌ بالقضاء والقدر الإلٰهيَّين، والجوابُ العاجلُ عنها هو أن هذه الأحداث تُكسِبنا الأجر الجزيل بالصبر والمجاهدة، وتَلفِت أنظار الجميع إلى الأنوار فتدفعُهم لقراءتها.. لكنَّ أسئلته تُورِد إلى الخيال معنى اعتراضٍ على القضاء والقدر، ولهذا فليس من المناسب تعميمُها في "المَلاحق"؛ أما ما وَرَدَ في آخر رسالته من فقراتٍ ودعواتٍ مقتبَسةٍ من "الجَوشن الكبير" فلطيفةٌ للغاية.
ثالثًا: ما تحدثتْ عنه رسالةُ "خسرو" من خدماتٍ تامةٍ يؤدِّيها بكلِّ حماسٍ "عليٌّ" المُقعَد في "أتابك" و"كاظم" في "أغيردِر"، يَدفع الجميع یی حتى الروحانيين یی للتقدير والتبريك.
وكذا الخدماتُ التي يؤديها "مصطفى وَيْسَل" كاتبُ الرسالة ذو الأربعةَ عشر ربيعًا من قرية "علي كوي"، الذي يؤدي مع أبيه خدماتٍ للقرآن وللأنوار، ومِثلُها جهودُ أبناء قريته الصِّغار واشتغالُهم برسائل النور بمساعي "العَليِّين" الثلاثة، كلُّ ذلك يدفعني ويدفع عمومَ طلاب النور للاستحسان والشكر.
رابعًا: ما كتبه "صلاح الدين عبد الرحمن" بآخر رسالته من تعزيةٍ لی"فيضي" بوفاة والدته، وما ذكره في الحاشية من عدم قبوله أمرَ موتي، وقولُه إن بعضًا من حماية الغوث الأعظم قد سرى إلى رسالة "عصا موسى".. كلُّ ذلك قد أبكاني من الفرح.
وإن اشتراكَ أبطال "صَفْرَن بولو" في رسالتَي "أمين" و"محمد فيضي" البديعتَين، وافتتاحَ مركزٍ عامٍّ في العاصمة لتعليم الحرف العربي قراءةً وكتابةً، وتبشيرَهم إياي بهذا على أنه كرامةٌ لرسالة "عصا موسى" وعلامةٌ على فتوحاتها.. قد أورثني انشراحًا عظيمًا بَدَّد جميعَ ما قاسيتُه في هذا الشتاء من شدائد فجَعَلها كالعدم.
— 183 —
وفي الرسالة القصيرةِ صورةً الطويلةِ معنًى، والتي بعث بها من "تاواس" "المُلَّا محمد" صاحبُ التضحيات العاملُ في "دَنِزْلي"، وجدتُه كذلك لا يتقبَّل أمرَ موتي، ويوليني قيمةً تَفوق حَدِّي.. أبعثُ إليه وإلى إخواني الذين التقيتُهم في السجن، وإلى "حسن فيضي" والحافظ "مصطفى" وإخوانهم بعاطرِ التحية والسلام.
مُسلِّمًا على جميع الإخوة
راجيًا منكم دعواتٍ أثرُها كالتِّرياق
أخوكم
سعيد النُّورْسِيّ
٭٭٭
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
أولًا: هذه الكلمة الجميلة الخالصة كتبها "أحمد" أحدُ قُدامى طلابِ المدرسة النورية الصِّغار، وقد أدرجناها في "المَلاحق" باسم عموم الصغار والأبطال في "صاوة".. بارك الله به من حفيدٍ ذي شأنٍ يُشبه جدَّه الحاج الحافظ "محمد" تمامَ الشَّبَه.
ثانيًا: سُرِرتُ أيَّما سرورٍ بما قام به وَلَدا "حِفظي" أحدِ طلاب النور المهمين في "صَفْرَن بولو"، فقد كَتَبا إليَّ يُخبرانني بأنهما يَنسخان مجموعَ "عصا موسى" وقد أوشكا على الانتهاء منه، علمًا بأن أحدَهما في سِنِّ العاشرة، والآخَر في سِنِّ الثامنة.
ثالثًا: أحد أسباب التضييقات الأليمة التي عانَيتُ منها في هذا الشتاء هو منعُ وقوع تعاونٍ بيني وبين الأحزاب الحرة يؤدي إلى تحطيم الاستبداد المطلق للسِّلانيكيين، ولهذا جرَّدوني من جميع الناس، لكن رسائل النور تتكلم نيابةً عني، فتُدمِّر الكفر الارتدادي، وتُقوِّض الفوضوية الهدَّامة.
٭٭٭
— 184 —

صورةٌ عن الرسالة التي كتبها المرحوم "صالح يَشيل"

إلى السيد "حلمي أُوران" وزير الداخلية
أرجو أن تتكرموا بقراءة هذا الالتماس الخاصِّ، المقدَّم لغايةٍ إنسانيةٍ خالصةٍ، بخصوص شخصٍ بريءٍ هو "المُلَّا سعيدٍ" المعروف ببديع الزمان، الذي ما يزال يعيش مُضيَّقًا عليه منذ سنين طويلةٍ بسبب إساءةِ فهمِ مؤلَّفاته، مع أنه إنسانٌ خالصٌ صادقٌ ليس له غايةٌ ولا مَقصَدٌ سوى الإسلام؛ والمرجوُّ تبديلُ مكان إقامته الحاليِّ أو نقلُه إلى أنقرة، ليتسنى له قضاءُ بقية حياته في سكينةٍ وسلام، وليُكافأ في شيخوخته على خدماته المنسية التي أداها في شبابه، بأنْ يُتاح له الرحيلُ عن هذه الدنيا حُرًّا طليقًا.
مع فائق الاحترام والتقدير لشخصكم الكريم
من هو "المُلَّا سعيد"؟
إن "المُلَّا سعيد"، الذي يقضي حياتَه اليوم تحت الإقامة الجبرية في "أميرداغ" بقضاء "أفيون"، قد نشأ وترعرع منذ نعومة أظفاره بين إخوانه الأتراك وتحلَّى بسجاياهم.
خاض "المُلَّا سعيدٌ" الحربَ العالمية الأولى على جبال القَفْقاس المغطاة بالثلوج، واشترك فيها قائدًا لفرقةٍ من المتطوعين، يقاتل جنبًا إلى جنبٍ مع جنودنا الأبطال، ويتعهدهم بالوعظ والإرشاد، وقد نال على جهوده هذه وسامًا حربيًّا رفيعَ المستوى.
وقد شارك في صدِّ العدوان عن "صاري قامِش"، وأثخنتْه الجراح أثناء سقوط "بِتليس"، فوقع أسيرًا بيد الروس، وعانى من ويلاتِ الأسر في معسكراتهم ردحًا طويلًا من الزمن، إلى أن تمكن من الفرار وعاد إلى إسطنبول، فعُيِّن عضوًا بدار الحكمة الإسلامية لما يتحلى به من مقدرةٍ علمية.
ومع تشكيل القوى الوطنية أثناء حرب الاستقلال، كان له دورٌ بارزٌ في حَثِّ الناس وتشجيعهم على جهادِ المحتل.. وحين تَشَكَّلَ مجلسُ الأمة في أنقرةَ، قَدِمَ
— 185 —
إليها فنَزَل ضيفًا في مَضْيَف "حاجي بَيرم"، وبيَّن لكثيرٍ من المترددين ضرورةَ الدفاع عن الوطن.
إن هذا الإنسان المحِبَّ لوطنه حبًّا حقيقيًّا قد ألَّف سابقًا وما يزال يؤلِّف كُتبًا حول الإيمان والعبادة والعقيدة، إلا أن ذلك لم يَرُقْ لفريقٍ ممن يُبغضون الدين وأهلَه، أخصُّ بالذكر وزيرَ الداخلية السابق "شكري قايا" الحريصَ على منفعته الشخصية ومَن كانوا على شاكلته في وزارة الداخلية، فلفَّق هؤلاء تُهَمًا باطلةً وتقاريرَ كاذبةً بحقِّ هذا الرجل المُستَضعَف، ليقضيَ بسببها أكثرَ من عشرين عامًا بين سجنٍ ونفيٍ وتشريد؛ وكان من آخرِ ما جرى له قبل سنتَين بناءً على هذه الدعاوى المزعومة، أنِ اقتيد من منفاه في "قَسْطَموني" مكبَّلَ اليدين ليُزَجَّ به في سجن "دَنِزْلي" أحدَ عشر شهرًا، وحُكِم بالعقوبة نفسِها على ستين رجلًا آخرين لا لشيءٍ سوى أنهم ألقَوا عليه السلام ذات مرة!!
ثم إنه بعد ذلك جيء بهذه المؤلفات التي عومِلَت معاملةَ المنشورات الخطيرة، فدقَّقتْها هيئةٌ من مجلس الإفتاء بإسطنبول، ثم هيئةُ الشؤون الدينية بأنقرة، ودقَّقتْها كذلك لجنةٌ من أعضاء مؤسسة التاريخ واللغة، واستمرَّت عمليةُ المراجعة والتدقيق شهورًا، لتَصدُر النتائجُ بعد ذلك مُصرِّحةً بأن هذه المؤلَّفات لا تحوي أيَّ شيءٍ من شأنه المِساسُ بشؤون الدولة وأمنِها العام؛ وعلى إثر ذلك قضتِ المحكمة ببراءة "المُلَّا سعيدٍ" وطلابِ النور وقُرَّاءِ هذه المؤلَّفات؛ وبالرغم من السماح لهذا الرجل الطاعن في السن بالإقامة في "دَنِزْلي"، إلا أنه سُرعان ما أُبعِدَ منها إلى "أفيون"، ثم نُقِل منها إلى "أميرداغ"، ومُنِع من كلِّ أشكال التواصل أو الاختلاط مع إخوانه الأتراك!!
سيدي المحترَم.. إن هذا الرجلَ الشيخَ المُستَضعَفَ المحرومَ من الحرية التي كَفَلتْها له الجمهورية والدستور، ليس إلا مفكِّرًا إسلاميًّا يستحقُّ كلَّ الحماية، بل يستحقُّ العناية والرعاية من هذه الحكومة المُسلِمة، إذْ لا أهلَ له ولا وَلَد.. وأذكر في هذا المقام ما حكاه شاعرنا الشهير "محمد عاكف بك"، فقد ذكر أن الأستاذَ الجليل "عبدَ العزيز چاويش" أحدَ أبرز علماء مصر، وصاحبَ الاطلاع الواسع على لغات الغرب وفلسفته وفكره، كتب في عَقدِ العشرينات مقالةً في صحيفة "الأهرام" عن "المُلَّا
— 186 —
سعيدٍ" صدَّرَها بعنوانٍ يقول: "فَطينُ العصر"، ومَن يقرأ هذه المقالة من أهل العلم الذين عرفوا "المُلَّا سعيدًا" عن قرب، سيُقدِّر بالتأكيد ما تتميز به هذه الشخصية من مسلكٍ ربَّانيٍّ ومقدرةٍ علميةٍ فطرية.
سيدي المحترم.. إن هذا الرجل الذي تَلقَّى صنوفَ الأذى بدعوى كُرديَّته، ما هو إلا خادمٌ للإسلام يُكِنُّ في قلبه كلَّ المحبة للتُّرك، (حاشية): نعم، ففي هذا العصر الرهيب هَبَّ الآلافُ من الشباب والشيوخ والفتيان الأتراك ممن يَعدِل الواحدُ منهم مئةً رجل كونهم طلاب النور، هبُّوا معًا لنُصرة الإسلام كما فعل أجدادهم من قبلُ حين تهاوت الدَّولة العباسية، ولا ريب أن الأمر لا ينال استحسان "سعيدٍ" وحدَه، بل ينال استحسانَ جميع أهل الحقيقة، وهذا هو مَناطُ محبَّتِه ومحبَّتهم للتُّرك؛ سعيد النُّورْسِيّ. ولا يمكن لمن هذا وصفُه أن يتأتَّى منه ضررٌ لهذا البلد وأبنائه، بل سيجدون منه النفعَ المعنويَّ الكثير، وإني أَشهد بشرفي وكرامتي أنه شخصٌ طاهرٌ نقيُّ السيرة والسريرة؛ وانطلاقًا من هذا أتوجه إليكم بوصفكم أصحابَ الدرايةِ والقرارِ في الشأن الداخليِّ، راجيًا باسمِ الإنسانية أن تُعمِلوا عدالةَ الحكومة بحقِّ هذا الشخص الذي حُرِمَ من نعمة الحرية، وحُرِمَ من اللقاء بإخوانه الأتراك، بل حُرِمَ حتى من التفسُّح وتغيير الأجواء، بسبب تقارير صحفيةٍ تتهمه وتُسيء فهمَه!!
وإنه إنْ لم يُتَحْ ذلك باسم العدالة، فإني أرجو من مقامكم الكريم أن تُتيحوا ذلك باسمِ حُسْنِ النية ولو مرةً واحدة، ليُصار بعد ذلك إلى قرارٍ بالإبقاء على حريته أو نفيه.
وإني لَعلى يقينٍ من أن قيامكم بهذا الإجراء في دائرة القانون ومن موقعكم الموقَّر، سيكون مَعْلمًا وضَّاءً في سيرتكم يستحق كلَّ تقدير، وسيكون كذلك إعلانًا ناصعًا للشعب عن عدالتكم التي شَمِلت الضعفاء والمظلومين، يَذكره كلُّ حرٍّ كريم.
النائب السابق في مجلس الأمة عن ولاية "أرضروم"
المُحِبُّ من صميم قلبه لشعبه ووطنه وأبناء وطنه
محمد صالح يَشيل أوغلو
٭٭٭
— 187 —
أخي في الدين المحترم..
مضى عليَّ أربعون يومًا وأنا طريحُ الفراش مشغولُ البال بشأنكم، إذْ قد بَلَغني أنكم في وضعٍ لا يَسُرُّ البال.. فقبل حوالي عشرة أيام سمعتُ من نافذتي بائعًا متجوِّلًا ينادي على بضاعته من السمن البلديِّ المجلوب من "أفيون"، فناديتُه واشتريتُ منه بعضَ السمن، ولم يكن مَقصَدي إلا السؤال عنكم، وقد حزنتُ كثيرًا لما علمتُ بنفيكم من "أفيون" إلى "أميرداغ"، ومنعِكم من اللقاء بالأهالي والتواصل معهم.
أخي في الدين المحترم.. كاتبُ هذه الرسالة هو "محمد صالح يَشيل أوغلو"، النائبُ السابق في مجلس الأمة عن ولاية "أرضروم".. التقاكم قبل إحدى وثلاثين سنةً بمدرسة أسعد باشا في "أرضروم"، ثم في جبال القَفقاس المكسوَّة بالثلوج أثناء الحرب العالمية الأولى، والتقاكم قبل أربعٍ وعشرين سنةً بقاعة مجلس الأمة أثناء فترة نيابته، وكنتم حينَها برفقة صديقكم "حيدر بك" والي "وان".
محمد صالح
٭٭٭
رسالةٌ إلى صالح يَشيل
أخي العزيز "حسن أفندي"..
اُكتب نيابةً عني إلى أخينا المحترم "صالح أفندي" أني لن أنسى إنسانيَّتَه هذه ما حَيِيت، وأني شديدُ الامتنان له، وأُسلِّم عليه وأدعو له.. غير أني عزمتُ على تحمُّل كلِّ مضايقة، ولستُ أنتظر من هؤلاء الرؤساء والمسؤولين خيرًا ولا معروفًا.
سعيد النُّورْسِيّ
٭٭٭
— 188 —
ثمة نسخةٌ من "عصا موسى" أرسلتموها إليّ، وهي غيرُ مجلَّدةٍ إلا بغلافٍ من ورقٍ أصفر، وخطُّها يُشبه بدرجةٍ ما خطَّ "خسرو"، لكنْ مكتوبٌ عليها اسم "مصطفى"، فمن هو؟ أيُّ مصطفًى هو؟
ومكتوبٌ عليها كذلك: "خديجة بنت أحمد، في الثالثة عشرة من عمرها"، فأيُّ أحمدٍ هذا؟ بارك الله به وبابنته، فإنَّ كتابةَ هذا الكتاب الضخم بدقةٍ مع مراعاة التوافقات، وبخطٍّ جميلٍ مع السلامة من الأخطاء، لَبطولةٌ من طائفةِ الأبرياء الصِّغار، وما رآه أحدٌ إلا أُعجِب به، وهذا سيحفِّز النساءَ المتعلِّمات في هذه المنطقة.
٭٭٭
رسالةُ أخينا "نظيف" مهمة، والحقيقةُ أن في أمريكا كثيرًا من الملتزمين الذين يتمسَّكون بالدين لأجل الدين، لا لاتخاذه أداةً للسياسة، وعسى أن يكون الشخص الذي حَصَل على "عصا موسى" واحدًا من هؤلاء المتدينين.
إن "صلاح الدين" هو أُنموذجٌ تامٌّ عن "عبد الرحمن"، ولا يريد التخلُّف عن أبيه في البطولة، على أنه بين فَينةٍ وأخرى يَضطرُّنا للالتفات إلى الدنيا خلافًا لعادتنا.
إذا طَلب ذلك العالِمُ الأمريكيُّ المرموقُ رسائلَ النور كاملةً ووعَدَ بنشرِها، فسنُرسِل إليه یی بالتشاور معكم یی مجموعةً كاملةً ممتازة.
ورَدَ في رسالة "نظيف" سؤالٌ حول الوسوسة يسأله شخصٌ محترمٌ متقاعد، ولو كان لهذا الشخص علاقةٌ جدِّيةٌ مع الأنوار، لما احتاج إلى مثل هذه الأسئلة، فلْيقرأ "لَمعة حكمة الاستعاذة"، والقِسمَ المتعلق بوجود الملائكة والرُّوحانيين من "الكلمة التاسعة والعشرين"؛ أما وسوستُه التي لا معنى لها، والتي أُجيبَ عنها في مواضع كثيرةٍ من رسائل النور، فما هي إلا نَزْغٌ من الماديين الزنادقة الذين استغلُّوا وضعَه الحاليَّ
— 189 —
العصيب، فتأثر من ذلك وسأل سؤالَه هذا.. أُسلِّم عليه، وأُبلِّغُه أن بمقدور رسائل النور حلَّ جميع مشاكله، فَلْيعمل لها بإخلاص، ولْيُصْغِ إليها بتسليم.
الرسالةُ التي بعث بها بطلٌ قديمٌ جديدٌ من أبطال مدرسة النور، أعني "أحمد النجار"، أورثتْني سرورًا وامتنانًا من عدة جهات.. أما "أحمد" الذي وَصَفه بأنه الطالب الأول في تلك المدرسة، فقد سُرِرتُ وزال همِّي حين علمتُ أنه حفيد الرجل المبارك "حسن داي"، وأنه تولَّى وظيفةَ الشهيد الحافظ "علي"، وكَتَبَ یی هو وابنتُه الصغيرة وأخوه الفاضل "سليمان" یی ثلاثَ نُسَخٍ من "عصا موسى".. شفاه الله وعافاه، وكتب لهم التوفيق والسعادة.. آمين آمين.
وأما قيامُ أخَوَي المرحومِ الحافظِ "محمد" بوظيفته مِن بعدِه، ومشابهةُ خطِّ "مصطفى" لخطِّ "خسرو" الجميل، فقد أورثاني سرورًا كما لو أني حَظيتُ من جديدٍ باثنين من أمثال الحافظ "محمد".
التحقَ بركب النور خطيبُ قرية "كوك دَرَه" وأبناؤه الثلاثة، وشرعوا بنَسْخِ رسائل النور، وذلك بجهود البطل "النجَّار".. نهنئهم ونهنئ قريتَهم، ونهنئ "النجَّار" كذلك، وقد أدرجنا قصيدتَه التي نَظَمها لهم في "المَلاحق".
وقد فرحنا بالرسالة الطويلة التي كتبها "علي عثمان" المُقعَد من "أتابك"، وبسعيه الدؤوب ونشاطه المؤثر لنشر "عصا موسى" والأنوار، كما فَرِحنا بجهود "عليٍّ القَفَّال" صاحبِ المساعي الحثيثة في الخدمة النورية، وبمساعدة خاله "حسن" له، وبما جرى لهما من توافقات وما لهما من رؤًى مباركة، وقد زادني ذلك حبًّا لمنطقة "أغيردِر".. بارك الله بهم ورضي عنهم.
٭٭٭
— 190 —

(رسالةٌ خصوصيةٌ بعضَ الشيء)

إن مخطَّطَهم الذي رسموه لتصفيتي الشتاءَ الماضي، والذي باء بالفشل بفضلِ الصبر والتحمُّل الذي أمدتْني بهما العنايةُ الإلٰهية ودعواتُكم لي بظهر الغيب، كان أمرًا أُعِدَّ له على أوسع نطاق، والدليل على ذلك أن رئيس الجمهورية صرَّح مؤخَّرًا في "أفيون" قائلًا: "كنا نتوقع حدوث اضطراباتٍ ذاتِ دوافع دينيةٍ في هذه الولاية".
إذًا لقد كان رجال الجمعية السِّرية يريدون من التضييق عليَّ اندلاعَ أحداثٍ ما!!
ألا إن إيذاءهم لي بإهاناتٍ مستفِزَّة، وتضييقاتٍ متعسِّفةٍ غيرِ قانونية، إضرارًا بالمسلمين والوطن، وخدمةً للتدخُّل الأجنبي، ستعود عليهم في الدنيا ببالغ الضرر، وسيَلْقَون بها في الآخرة جهنَّمَ وسَقَر، وستُنيلُنا في الدنيا الأجرَ العظيم والنصرَ المبين، وتُكسِبنا في الآخرة الجنةَ والكوثرَ المَعين بإذن الله.
وإذًا لقد شعر مجلس الوزراء ورئيسُ الدولة بهذا المخطط السِّرِّي، لدرجة أن عموم المسؤولين هنا، بل حتى الوالي ومدير البلدة والشرطة كانوا يتحاشَون اللقاء بي ويتهربون مني، وكنت أَعجَبُ من ذلك، لكنْ لم يَبقَ أحدٌ له ذرةُ عقلٍ إلا أَدركَ أنَّنا لا نحمل سوى النور، وأن ما بأيدينا هو النور لا هِراوة السياسة؛ والغريبُ أن بعض الموظفين الذين كان ينبغي أن يعملوا لصالحي قد استُعمِلوا ضدي.
ينبغي على طلاب النور أن يكونوا في غاية الاحتياط والحذر والاتزان، إذْ ثمة عواصفُ معنوية، وثمة منافقون مُخادعون يندسُّون في كلِّ جهة، ويَدخلون في صفوف حزب الحرية، بينما هم في واقع الأمر موالون للاستبداد المطلق ولاءَ الملحدين، وكلُّ غرضهم أن يُفسِدوا على ذلك الحزب عملَه، ويَطَّلِعوا على أسراره ليُفْشوها.
ونقول بمناسبة إعطاءِ "صلاح الدين" نسخةً من "عصا موسى" لذلك الأمريكي: ينبغي على المبشِّرين والشخصيات الروحية المسيحية وكذا طلابِ النور أن يكونوا في منتهى الانتباه والحذر، لأن تيار الشَّمال سيعمل جاهدًا على إفساد التوافق بين المسلمين
— 191 —
وبين المبشرين ليدافع عن نفسه في مواجهةِ الإسلام والدين العيسوي، وربما اجتذب إلى صفوفه بعضًا من المسلمين بمَنحهم بعضَ الامتيازات الخاصة، أو بخداعهم ببعض الإجراءات، كإيجاب الزكاة وتحريم الربا، ليُوهِمَهم أنه يُناصرُ طبقةَ العامَّة والكادحين، ويطالِبُ البرجوازيين بمساعدة العامَّة والإقلاع عن ظلمهم.
إنني هذه المرة خرقتُ قاعدتي والتفتُّ إلى الدنيا مراعاةً لخاطركم لا غير.
سعيد النُّورْسِيّ
٭٭٭
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
أنا مضطرٌّ للإجابةِ على رسائلكم الهامة برسالةٍ واحدةٍ مختصرة.
أولًا: بخصوص "رأفت" الذي كانت أسئلتُه وسيلةً لظهور حقائقَ نَيِّرةٍ كثيرة، فإن تعليمَه القرآنَ والأنوارَ للصِّغار، واشتغالَه بلمعات الأنوار، ومساعدتَه لي ولی"خسرو" في التصحيح، وسعيَه لإيصال "عصا موسى" إلى أهل الإنصاف من العلماء في إسطنبول، لَأعمالٌ تستحقُّ كلَّ تهنئةٍ وتبريك.
أما سؤالُه الجديد فلا يُجاب عليه الآن، إذْ لم يَحِن زمانُه بعد.
ثانيًا: الجوابُ الذي أجاب به البطلُ "برهان" رئيسَ حزب الحرية جوابٌ حسن.
نعم، إن طلاب النور مرتبطون بحقائق الإيمان لا بالسياسة.. حياتُهم بأكملها مرتبطةٌ بحقائق الإيمان لا غير؛ ولقد عانَوا حتى اليوم من الاضطهاد في ظل الاستبداد المطلق، من رجال الجمعية السِّرية الذين اتخذوا السياسةَ أداةً للإلحاد والزندقة، لكنْ سيَظهر بإذن الله سببٌ يَكسِر هذا الاستبداد (حاشية): ظهر الديمقراطيون، فكسروا الاستبدادَ بدرجةٍ ما. ويُخَلِّص طلاب النور المظلومين، إلا أنه يَلزم الكثيرُ من الاحتياط والحذر.
— 192 —
ولما كانت رسائلُ النور أسمى من كلِّ تيارٍ في العالَم، وكانت مِلكًا للجميع، لم تكن لِتَتْبعَ جهةً ما أو تنضويَ في طرفٍ ما، بل هي عونٌ ونصيرٌ للطرفِ المُحِقِّ في مواجهةِ الملحدين المعتدين، وهي له نقطةُ استنادٍ تمثِّل قوةً احتياطية.. على أنه يُمكن لبعض الإخوة أن يَدخل ميدانَ العمل السياسي لا باسمِ الأنوار، بل باسمه الشخصي، وعلى ألَّا يكون ذلك خدمةً للسياسة، بل خدمةً لمصلحة الأنوار وانتشارها.
على أن عدمَ التحزُّب في الداخل، يمكن أن يكون وسيلةً تدعو المعترضين للندم والرجوع إلى الحقيقة، وهذا ما يؤكده حال "إسبارطة" المباركة، إذْ ظلَّت حتى اليوم وعلى نحوٍ خاصٍّ مدرسةً للأنوار، بل لم يستطع المعارضون أن يتعرَّضوا لها كثيرَ تعرُّض؛ وعلى أية حال فأنتم تعرفون هذا الأمر جيدًا، والخيار لكم.
رسالة "صلاح الدين" مهمةٌ بأكثر من جهة، ولا شك أن علماء أمريكا لن يقفوا من رسالةِ "عصا موسى" موقفَ التجاهل واللامبالاة، فإنْ وقعتْ بيد مَن يُحبُّون الدين لأجل الدين، فستكون لها فتوحات، وإلا فمن المشكوك فيه نشرُها وترويجُها عن طريق أناسٍ أصحابِ غَيرةٍ وحسدٍ كما هي حال بعض المشايخ ذوي الأنانية.. وأيًّا ما كان الأمر فهي مُحالةٌ على العناية الإلٰهية.
٭٭٭
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
أولًا: ذهابُ "طاهري" إلى إسطنبول فيه خيرٌ إن شاء الله؛ وأداءُ "خسرو" لوظائفه تامةً رغم كثرتها الكاثِرة، أورثني قناعةً بأنه قد نال هو وأعوانُه نموذجًا من العناية الجليلة والتوفيق الخارق اللذَين تحقَّقا لي بی"بارلا"، عند قيامي بخدمة التأليف وتصحيحِ كتاباتِ النُّسَّاخ.
— 193 —
ثانيًا: أدرجنا رسالةَ "طاهري" الأخيرة بأكملها في "المَلاحق"، لِما له من مقامٍ مُهمٍّ في دائرة النور، حازَه بخِدمةٍ خالصةٍ لا تُنسى في سجن "دَنِزْلي"، ووفاءٍ للأنوار لا يتزعزع، وذكاءٍ لا يُخدَع، وشجاعةٍ لا تتضعضع.. أُسلِّم عليه وعلى رُفقائه وأقربائه وفي مقدمتهم والدتُه "زبيدة" طالبةُ النور.. رضي الله عنهم دائمًا أبدًا، آمين.
ثالثًا: بخصوص "أحمد القُرَيشي" المنحدِر من أصلٍ قُرَشيّ، فإنه ووالدَه المحترم وابنَ عمه من خواصِّ ناشري الأنوار وطلابها، ولهذا أدرجنا في "المَلاحق" كلماتِهم الجميلةَ عن الأنوار، والتي نَظَموها باسم مَن حولَهم من طلاب النور؛ وفقهم الله، آمين.
رابعًا: لنا في قصبة "أغيردِر" إخوانٌ أعزَّاء لم أكتب أسماءهم، وإني یی استنادًا إليهم وإلى مِرسالٍ كبيرٍ كی"محمد صبري" یی وصلتْني رسالةٌ دقيقةٌ حسنةُ العبارة تُشبِه في كتابتها كتابةَ "صبري"، تلقَّيتُها من أخينا الجادِّ الدَّؤوب "علي القفَّال"، وقد أدرجتُها بعينها في "المَلاحق" تلبيةً لرغبته، نقول له ولمن شجَّعه على هذا العمل: بارك الله بكم ووفقكم.
٭٭٭
أخي القديمَ الجديد، العزيزَ الوفيَّ الموقَّر، "صالح يَشيل"..
سأُشير بغاية الإيجاز والإجمال إلى ما سألتَني عنه من سيرة حياتي، وسيجيب الآخرون عنه بإيضاحٍ بعد زمنٍ إن شاء الله.. غير أني لا أرغب بل لا أرى في نفسي جدارةً بدخولِ شخصي العادي صفحاتِ التاريخ، أو إبرازِه والتعريفِ به للأجيال الآتية بين علماء هذا العصر، وأشكر الله تعالى بلا حَدٍّ أنْ وقاني الإعجابَ بنفسي، وأراني عيوبي الخطيرة.
ثم لما كان تعريفُ المرء بنفسه للناس ضربًا من حب الشُّهرة، كان في الأمر احتمالٌ للأنانية وترويجِ الذات والرياء، وهذا لأمثالنا ضررٌ تام.
— 194 —
ثم بما أنني اضطررتُ في هذا الزمان للانسحاب من الحياة الاجتماعية، والعيشِ منفردًا مادةً ومعنًى، فليس لي أيُّ حقٍّ بأن أركب متنَ التاريخ فأتراءى لأبناء المستقبل في صفوف مَن انخرطوا في الحياة الاجتماعية.
وإنما ثمة جهةٌ في هذه المسألة، هي رسائلُ النور التي اتفقت المحاكمُ وهيئاتُ الخبراء على المنفعةِ الجليلةِ التي حقَّقتْها لهذا الوطن والأمة، وإني بالنظر إلى هذه النقطة أُشير جوابًا على سؤالكم، لا باسمِ شخصي المشتَّت المسكين كثيرِ العيوب عديمِ الأهمية، بل باسم رسائلِ النور نِتاجِ القرآن وتفسيرِه، ثم أترك الجوابَ بإيضاحٍ لرسائل النور وطلابها.
أولًا: كَتَب المرحوم "عبد الرحمن" سيرةً لحياتي قبل ثلاثين سنة، وقد طُبِعت.
ثانيًا: للإجابة عن أسئلتكم تفصيلًا ثمة رسائلُ أعادتها إليَّ المحكمة، لكنها غير متوفِّرةٍ لديَّ الآن، وستَصِلكم يومًا ما، وهي أجزاءٌ من رسائل النور، كرسالةِ الدفاع في سجن "أسكي شَهِر" التي تُعَدُّ تأريخًا لظهور رسائل النور، وقد أصبحت "اللمعةَ السابعة والعشرين"، وكرسائلِ الدفاع في سجن "دَنِزْلي"، وهي "الشعاعان الحادي عشر والثاني عشر"، إضافةً إلى "لَمعة الشيوخ"، و"رسالة الآية الحَسْبية"، و"المكتوب السادس عشر"، و"الهجمات الست"، و"الإشارات الثلاث"، و"الإشارات السبع".
لن أنساكم أبدًا إن شاء الله، فاهتمامُكم بي في ظرفي هذا قد خفَّف عني وطأةَ ما أعاني من ضيقٍ شديد.. جزاكم الله خيرًا ورضي عنكم، آمين.
٭٭٭
— 195 —
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
ثمة شخصٌ مسكينٌ متوسوسٌ، حسَّاسٌ، يلتقي بالملاحدة، اطلَعَ على حديثٍ حول الدعاءِ النبويِّ المشهورِ المعروفِ بی"الجَوشن الكبير" وحول فضلِه وثوابِه الذي لا يدركه العقل، فوقع في الشبهة، وطَلَب من رسائل النور العون، قال: إن الراوي من أئمة أهل البيت، لكنْ تبدو في الحديث مبالغةٌ لا حدَّ لها، إذْ فيه مثلًا أنه يُثابُ على هذا الدعاء بقدرِ ثوابِ القرآن، وأن الملائكة الكرامَ في السماوات العُلى تتنزَّل متواضعةً إلى صاحب هذا الدعاء فتَحُفُّه بالعناية.. وهذا لا يواتي مقاييسَ العقل والمنطق!!
فأجبتُه من القرآن والجَوشن والأنوار جوابًا قطعيًّا يطابق العقلَ والحكمةَ تمامًا، أبيِّنه لكم مُجمَلًا بغاية الاختصار؛ قلتُ له:
أولًا: في الغصن الثالث من "الكلمة الرابعة والعشرين" عشَرةُ أصولٍ تَقطع دابرَ هذه الشبهات وتزيلها من أساسها، فراجعْها وخذ جوابَك.
ثانيًا: إن المرتبةَ العظيمةَ لهذا الدعاء إنما هي في حقِّ الذات الأحمدية على صاحبها أفضلُ الصلاة والسلام، إذْ تُرْفَع له في كلِّ يومٍ حسناتٌ بقدر حسناتِ أمته بأجمعها، وهو المُعِينُ على سعادة أمته بأكملها، وهو مَظهَرُ الاسم الأعظم، والنواةُ الأصليةُ للكائنات وثمرتُها الجامعةُ الكاملة، فالمرتبةُ العظيمةُ لهذا الدعاء رآها هو في حقِّ نفسه، وسَمِعها من جبرائيل عليه السلام الذي أخبره بها، ثم قاس غيرَه على نفسه أو قِيس عليه.
إذًا، فهذا الثوابُ الجزيلُ العجيبُ إنما وَرَدَ على الذات الأحمدية مِن ولايته الكبرى، فليس كُليًّا ولا عموميًّا، ولكنَّ ماهية هذا الدعاء تنطوي على هذه القيمة الخارقة، وهذا الثوابُ ممكنٌ للآخرين بتبعيتهم لذلك الذاتِ مَظهَرِ الاسم الأعظم؛ إلا أن لهذا الدعاء شروطًا في غاية الأهمية، فلا تكفي القراءةُ وحدَها، وإلا اختلَّ توازنُ الأحكام، ووقع المِساسُ بالفرائض.
— 196 —
ثالثًا: كما أن هذا الدعاء حين يتوجَّه إلى الذات الأحمدية يغدو عينَ الحقيقة، ومُنزَّهًا عن كلِّ مبالغة، فكذلك حين يتوجَّه إلى حقائقِ مئاتِ الأسماء الحسنى التي تَضَمَّنها لا يكون في ثوابه مبالغة، إذْ لا نهاية لتجلِّياتِ تلك الأسماء، بل يتبيَّن أن المُخبِرَ الصادقَ (ص) إنما أخبر عن مقدارٍ يسيرٍ جِدًّا من الفيوضات الواردةِ والممكنِ وُرودُها من تلك التجليات، إظهارًا لعدم تناهيها، وترَكَ الباقي مبهَمًا ومطلَقًا تشويقًا وترغيبًا؛ ثم مع مرور الزمن عُدَّتْ تلك القضية الممكنةُ المطلقةُ كُلِّيةً وواقعةً بالفعل.
رابعًا: ثمة حاشيةٌ في "لَمعة الإخلاص العشرين" حول أن المرء يؤتى جنةً عرضُها مسيرةُ خمسِمئة سنة، فراجِعْها تجد أن إيتاء تلك الجنة العظيمة ليس مالكيةً على وجهٍ لا نَعلمُه، بل كما أن الإنسان مالكٌ لدارِه الخصوصية وصاحبٌ لها بجهاتٍ كثيرة، فإنه بحواسِّه الكثيرةِ مالكٌ نوعًا ما لما على وجه الأرض من أشياء، وبإمكانه التصرفُ بها والاستفادةُ منها، وبإمكانه القول: إن هذا العالَم الكبير داري، أعطانيها ربي، والشمسُ مصباحي.
وعلى هذا، فبعضُ الثواب الجزيل الذي يفوق الحدَّ ولا يبلغُه العقل إنما يَنظر إلى هذه الحقيقة المذكورة.
ثم إن صاحب الذات الأحمدية (ص) الذي هو المَظهر الأول لكلِّ ما في الإسلام من ثوابٍ وفضائلِ أعمال، والذي ينال بكلِّ ذَرَّةِ ثوابٍ في دعائنا ثوابًا وفيضًا كأمثال الجبال، إنما يُبيِّن هنا المرتبةَ العليا التي أُوتيَها في أوراده وأدعيته الخصوصية، لا بجهة الشريعة والرسالة، بل من نقطة الولاية الأحمدية، وفي دروسه غيرِ العمومية؛ وهو في هذا يَحُثُّ ويُرغِّبُ خواصَّ وُرَّاثه المتَّبعين له تمامَ الاتباع.. والعلمُ عند الله، لا يَعلم الغيبَ إلا الله.
وحمدًا لله أن ذلك الرجل الذي اعترتْه الشبهات والوساوس قد نجا منها، وحصلَتْ له القناعةُ التامة؛ وقد أرسلتُ إليكم هذا لعل فيه فائدةً لبعضكم.
والسلام عليكم أجمعين.
٭٭٭
— 197 —

(هذه كلمةٌ خصوصيةٌ بدرجةٍ ما، وهي مخصوصةٌ بالخواص)

إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
كثيرًا ما وَرَدَ على خاطري سؤالٌ يقول: لماذا يُحجِم الموظفون الرسميون من خريجي مدارس العلوم الدينية عن رسائل النور، مع أن المفترض بهؤلاء أن يكونوا أَولى مَن يتمسَّك بالرسائل؟
وقد وَرَدَ على الخاطر الآن جوابٌ على هذا، فلَزِم بيانُ بعضٍ يسيرٍ منه.
أولًا: إن حملات التشويه الرسمية المكثَّفة التي شنَّها علينا المنافقون العاملون في الخفاء مستغلِّين بعضَ كبار الشخصيات، دفعتِ العاملين في السلك الرسمي إلى التخوُّف والتحاشي والإحجام؛ وكان بينهم علماءٌ أصحابُ أنانيةٍ يَقبلون البدع وتُساورهم المخاوف والأوهام، فزادوا تحاشيًا واجتنابًا، والتمَسوا لأنفسهم الحُجج والأعذار.
وراح العلماء يجتنبون الرسائل، وكان منهم بعضُ أصحابنا القدامى من علماء إسطنبول، وأخذ بعضٌ يوجِّه إليها الانتقادات، وكان وراء هذا أسباب، منها صفعةُ الرسائلِ الشديدةُ للمبتدعة في "الإشارات السبع"، ومنها الصفعةُ المروِّعةُ التي وجَّهها الإمامُ عليٌّ رضي الله عنه لعلماء السوء في "الأُرجوزة" في "اللَّمعتَين الثامنة والثامنة عشرة"، ومنها الصفعةُ التي وجَّهتْها مسألةُ الوهابية في "المكتوب الثامن والعشرين" إلى الآخذين خُفيةً بمذهبِ الوهابية الذي المُتاحُ بجهةٍ ما وبنوعٍ ما للبدع، ومنها صفعاتُ رسائل النور الشديدةُ لمن قاموا بترجمة القرآن مجيزين قراءتَها بدلًا منه، ومنها اهتمامُ القوم بأمر معيشتهم وحرصُهم على موقعهم ومكانتهم الاجتماعية.. بل شَرَع البعضُ من أصحاب الفكر الوهَّابي المُغالي الذي يُكِنُّ عداوةً لآلِ البيت والإمام عليٍّ رضي الله عنهم، يَعترض على رسائل النور لكونها هديةً معنويةً وأثرًا من آل البيت والإمام عليٍّ رضي الله عنهم.
— 198 —
لكننا لسنا مُستائين من علماء إسطنبول، بل نحن ممتنون لهم بجهةٍ ما إذْ لا يتعرَّضون للرسائل كغيرهم، ثم إن لنا في إسطنبول إخوةً أفاضل محترمين منصفين، عَرَفوا لرسائل النور قدرَها ومكانتَها، كأمين الفتوى "علي رضا" و"أحمد شيراني" و"شوكت أفندي" و"محمد عاكف" رحمهم الله، ونحن لأجل هؤلاء نُكِنُّ مودةً لعلماء إسطنبول ولا نستاء منهم، وسيأتي بإذن الله زمانٌ تُقرِؤهم "لَمعةُ الإخلاص العشرين" نفسَها، فتجدِّد صحبتَنا مع هؤلاء الأصحاب القدامى.
إخواني.. لا يمكن لكلِّ شخصٍ أن يكون صاحبَ ثباتٍ مثلَكم، وقد يصبح بعضُ المشايخ وسيلةً لإضعاف معنويات طلاب النور، فلا تنخدعوا ولا تتزعزعوا، ولا تدخلوا معهم في نقاشٍ أو جدال، بل عامِلوهم معاملةَ الأصحاب ما استطعتم، وقولوا لهم: نحن إخوة؛ ولا تنسَوا النقاط المذكورة في هذه الرسالة لكيلا يَغرُّوكم.
٭٭٭
قَبِلنا في دائرة الخواص صاحبتَي الرسالة "خديجةَ" و"رابعةَ"، من طالبات النور الجُدد، وقد دخلتا دائرةَ النور بجهود "خسرو".
أما نشاطُ "بحري" وأولادِه و"أيوب" و"علي" و"محمد" و"السُّليمانين" وجهودُهم الدَّؤوبة لدروس الأنوار في "بارلا" الأثيرةِ عندي فقد أبكتني من الفرح.. أبعث بعاطر التحية والسلام إلى جميع أبناء "بارلا"، خصوصًا إلى "السُّليمانين" و"بحري" و"المحمدين" و"المصطفَين"، وإلى السابقين أصحابِ الخدمات القيمة للأنوار: الحافظِ "توفيق الشامي"، والحافظِ المباركِ "خالد"، والإمامِ "حقي أفندي"، والحافظِ "أحمد المهاجر" وأولاده وأحفاده، وإلى "شمعي" و"عبد الله چاويش" الذي خدمني كثيرًا، وإلى جيراني هناك رجالًا ونساءً، وأدعو لهم جميعًا، وأطلب منهم الدعاء في هذه الشهور المباركة.
— 199 —
أُخبِرتُ الآن أن "بحري" وأولادَه كتبوا ثلاث نُسَخٍ من "عصا موسى".. إنَّ رسالةَ الحافظ "أحمد المهاجر" والرسائلَ الجادَّةَ الخالصةَ التي بعث بها "كاظم" و"محمد الحلاق" باسم إخواننا في "بارلا" استحقَّت الدخول في "المَلاحق"، ويمكن للنَّظم الجميل الذي كتبه "بحري" أن يَدخل "المَلاحقَ" أيضًا باسم مدرسةٍ نوريةٍ صغيرة.
ومن لطيفِ العناية المُثيرةِ للدهشة، أنه سَبَق أن أُخطِر إلى قلبي أن "مصطفى الكبير" سيَخدُم الأنوارَ بوفائه وقلمه واقتداره كخدمة المرحوم "عبد الرحمن" بعينها، فاجتهدتُ منذ ذلك الحين في نسيان وفاةِ "عبد الرحمن"، والحقيقةُ أن "عليًّا الصغير" أخا "مصطفى" قد صَدَّق هذه الخاطرة الغيبية بتمامها من جهة القلم، إذْ تسلَّم القلم من أخيه، وجعل من سِكِّينِه النحاسيِّ سيفًا ألماسيًّا، أي لقد شعرتُ به في روح المبارَك "مصطفى" أيضًا.
وكذلك الأمر مع الحافظ "أحمد المهاجر"، فإني لما وجدتُ ارتباطَه الوثيق بي وصِدْقَه مع الأنوار، أحسستُ قلبًا بأنه سيكون طالبَ الأنوار الأول وناشرَها المُضحِّي، والحال أنه لم يُوفَّق في مجال النَّسخ والكتابة، فكنتُ كثيرًا ما أتذكر ذلك الإحساس الغيبي، ثم مرَّ حينٌ من الزمان، فإذا بابنه "كاظم" وصِهرَيه "بحري" و"محمد الحلاق" يَشرَعون بالخدمة المتينة التي أحسستُ بها وأمَّلتُها في الحافظ "أحمد المهاجر"، فنهض هؤلاء بها وقاموا مقامَه فيها بارتباطٍ فائقٍ ووفاءٍ فذٍّ، حتى لقد دخلتْ حفيداتُه في دائرة الطلاب الصغار الأبرياء.
سلامي للجميع.
سعيد النُّورْسِيّ
٭٭٭
— 200 —
باسمه سبحانه
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إخواني الأعزاءَ الأوفياءَ الموفَّقين، أهلَ التفاني والهمة والثبات..
أولًا: نهنئكم مجدَّدًا بشهر رجب وليلةِ الرغائب، ونهنئ إخوانَنا في "صَفْرَن بولو" بالشهور الثلاثة والليالي الأربع المباركة، كما نهنئهم بارتباطهم الوثيقِ الجادِّ بالأنوار.
أما رسائل التهنئة التي بَعثوا بها باسم الطلاب هناك، فقد أردتُ إدراجَها في "المَلاحق" بعد تعديلِ ما فيها من مديحٍ وثناءٍ لشخصيَ المجلَّل بالعيوبِ، وإحالتِه إلى رسائل النور كما فعلتُ ببعضِ رسائل "خليل إبراهيم"، لكني وجدتُ شخصي قد جُعِل موضوعًا لها على نحوٍ صريح، فلم أستطع تعديلَها، وأُرجِئَتْ.
إخواني.. اِعلموا يقينًا أنني أَفِرُّ وأنفِر من الجاه والسمعة وترويج الذات والاعتدادِ بالنفس وطلبِ الإعجاب بشخصي، ولا أُسَرُّ بالمديح الموجَّه لشخصي، وإنما أسكت عن بعض التعابير المبالَغ فيها وأقبلُها بعد تعديلها مراعاةً لخواطر أصحابها، أو تفاديًا لردِّ حُسن ظنهم، إذْ هي أَمارةٌ على القناعة برسائل النور وصدقِ الالتزام بها، لكنَّ "لَمعتَي الإخلاص"، وأُسسَ مسلكنا، أعني «الخُلَّة» و «الإخلاص» و «الأُخوة» ، لا تسمح بهذا النوع من المديح، فضلًا عن أنه قد يَضرُّ بصفاء الأنوار في زمن الأنانية هذا، وينالُ من خُلوصها في نظر المُولَعين بالشُّهرة.
ثانيًا: سَرَّنا كثيرًا توجيهُ "حفظي" ولدَيه لنَسْخِ "عصا موسى" و"المرشد" و"الكلمات الصغيرة"، بارك الله بهما، فإن المستقبل سيتنوَّر بالآلاف من أمثال هؤلاء النوريين الصغار إن شاء الله.
سعيد النُّورْسِيّ
٭٭٭
— 201 —
باسمه سبحانه
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
في هذه الشهور الثلاثة المباركة، وبمشيئة الله عز وجل، تتلقى الشركةُ المعنويةُ للنُّوريين ثروةً قدسيةً عظيمة، ويَجني كلُّ نوريٍّ مكاسبَ كما لو أنه يَعمل بآلاف الألسنة ومئات الأقلام.
أما الذين يَخدُمون بأقلامهم مجموعةَ "معجزات ذي الفَقار" في هذه الشهور الثلاثة العامرة بالبركات، ويشتغلون بنَسْخها الذي يُمكن أن يُعَدَّ عبادةً من خمسة وجوه، فإنهم موفَّقون حقًّا، لكنْ من اللازم بل الألزم العنايةُ بصِحَّة الكتابة أكثر من الكتابة نفسِها.
وقد شاهدتُ اليوم أيضًا توافُقَين حُلوَين لا يَخفى مغزاهما، فتيقَّنتُ بأني في مقابل ما أعاني من مصاعب في هذه الأيام، وما أجد مِن ضيقٍ في تصحيح "عصا موسى"، تمنحني العنايةُ الإلٰهية أُجرتي ومخصصاتي بهيئةٍ حلوةٍ جميلة.
أولُهما أن الحَلوى التي أتى بها البطل "طاهري" تبرُّكًا كانت لها بركةٌ عجيبة، إذْ لم تكن تَنفَد رغم أني كنت آكلُ منها في اليوم حبَّتَين أو ثلاثًا، فكنتُ أعجَب لذلك، ثم لما أردتُ اليوم أن أتناول منها اثنتَين كعادتي وجدتُ أنه لم يتبقَّ سوى حبَّتين، فتناولتُ إحداهما اقتصادًا، فما لبثتُ أنْ وصلني في الساعة نفسِها صندوقٌ فيه نُسَخٌ مما كتبه وَلَدا "حفظي"، وتحتها حلوى أخرى كحلوى "طاهري" وبنفس مقدارِها مصنوعةٌ من الخبز والسُّكَّر، فاستمتعتُ بهذا التوافق الحلو.
ثم إني كنت أعاني في مثل هذا الوقت بالأمس من ارتفاعٍ شديدٍ في الحرارة، فكنت أشرب الماء كثيرًا، واشتهتْ نفسي شرابَ منقوع الخَوخ الأسود، فقد اعتَدْتُه في السابق واستعملتُه كثيرًا لتسكين الحرارة، فإذا بعُبوةٍ منه تَصِلني اليوم من طالبةِ النور السيدة "شريفة" إحدى خواصِّ أخواتِ السيدة "آسية"، ومعه مقدارٌ من السُّكَّر.
— 202 —
وإني لأجل هذا التوافق الحلو قَبِلتُ ما أرسله هؤلاء الصغار والكبار تبرُّكًا، وقدَّرتُه عاليًا.
لكم مني عاطرُ التحية والسلام.
سعيد النُّورْسِيّ
٭٭٭
إخواني الأعزاءَ الأوفياءَ أهلَ الثبات.. العاملين بغيرِ كَللٍ ولا مَلل، ولا تَهَيُّبٍ ولا إحجام..
أولًا: نُبيِّن لمن قالوا: إن كتابة الأنوار قد يَعتريها فتور، للانشغال بأمور المعيشة في هذا الصيف، ولكون هذه الشهور الثلاثة شهورَ عبادة.
فنقول: الأمر بعكس ذلك، فهذه الأسباب تُحفِّز على الكتابة، وينبغي أن تُحفِّز عليها، لأن خدمة النور مثلما تُعين ببركاتها على أمور المعيشة وراحةِ القلب في آن، تُعين كذلك على نَيل أجورِ هذه الشهور المباركة، إذْ هي عبادةٌ تفكُّرية.
ثانيًا: قال لي أحد طلاب النور: في السنة الماضية، حين لم تكن رسائل النور المُصادَرةُ قد أعيدت إلينا كليًّا، نَزَل الغيثُ هنا خصوصيًّا بدرجةٍ ما نتيجةَ إعادةٍ خصوصيةٍ، فأَخبرْتَ حينئذٍ بأنه متى أُعيدت إلينا رسائلُ النور كاملةً، وسُمِح بقراءتها ونَسخِها بحريةٍ تامَّة، كان غيثُ الرحمة عامًّا تامًّا.
ثم قال: ولقد تَيقَّنتُ حقيقةً أنَّ ما جرى في هذا الربيع من اشتغالٍ بی"عصا موسى" نَسْخًا وقراءةً بكلِّ اهتمامٍ في كلِّ جهة، وكذا الشروعُ بهمةٍ في نَسخ "معجزات ذي الفَقار"، كان وسيلةً لنزول كلِّ هذا الغيث الذي لا نظير له.
٭٭٭
— 203 —
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
أولًا: أما البطل "رشدي" فإنه و"خسرو" روحٌ واحدةٌ وجسدان، وهو يتبوأ مع شقيقه الشجاع موقعًا مرموقًا في خدمة النور، وإنَّ سعيه لجلب جهاز نَسخٍ يدويٍّ عجيبٍ لَيُعدُّ مقدمةً لفتوحاتٍ نوريةٍ جليلة.
ستُطبَع الأنوار وتُنشَر بإذن الله بأيدٍ تَليق بها كأقلام النوريين، ولن تحتاج إلى الغرباء ومَن لا يَليق بها؛ لكنْ يَلزَم قبلَ كلِّ شيءٍ أن تكون النسخةُ صحيحةً حسنةً خاليةً من الأخطاء، فإنْ أمكن طبعُها بالحرف العربي أولًا، ثم بالحرف المُستحدَث، فذلك أنسَب؛ ونُحيل الأمر على تدبيركم المصيب.
ثانيًا: اطلعتُ على الرسالة التي كتبها "صبري القُونَوي" إلى "رأفت"، وتبيَّنتُ منها أن "صبريًّا" هذا هو كی"صبريٍّ" الآخَر طالبُ نورٍ خالصٌ صميميٌّ دَؤوب، بارك الله به وبمن يُشجِّعه ويُحفِّزه من علماء "قونية" الذين بيَّضوا وجوه أهل العلم، نُسلِّم عليهم جميعًا وفي مقدمتهم العالِم المفسِّرُ المبارَك الشيخ "وهبي"، كما نُسلِّم على طلاب النور هناك، ونطلب منهم الدعاء في هذه الشهور الثلاثة المباركة.
الباقي هو الباقي
سعيد النُّورْسِيّ
٭٭٭
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
تلقَّيتُ خبرَ وفاة المرحوم الحافظ "أحمد المهاجر" ورحيلِه عن الدنيا، فهزَّني وأبكاني كما فعل بي رحيلُ "عبد الرحمن" نفسِه، فی إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.
لقد خدمني الحافظ "أحمد المهاجر" بنفسه وعائلته بكلِّ صدقٍ وتَفانٍ طَوال ثماني سنين، وعَمِل جادًّا جاهِدًا للأنوار هو وأولادُه وأحفادُه وزوجتُه وأصهارُه، وكانت جميعُ دروسه ومواعظه من الأنوار، وكانت أهمُّ وصيةٍ دنيويةٍ أوصى بها قُبيل وفاته بدقائق أنْ رجا من "الحافظ الشامي" إكمالَ كتابة رسائله النورية.
— 204 —
وكان قد كتب إليَّ قبل يومين من وفاته رسالةً شَعَر فيها یی بكرامة الصدق یی بما كتبتُ إليكم في حينه من أني أفضِّل "صاوة" على "بارلا" وأتمنى أن أُدفَن في مقبرتها، فكتب إليَّ قائلًا على سبيل المقابلة والاعتراض: قلتَ إن "بارلا" هي وطنكم الثاني، فلماذا لا تأتي إليها؟ ولماذا تُفضِّل عليها أماكنَ أخرى؟ لقد كانت "بارلا" هي المدرسةَ النوريةَ الأولى، فلا بد أن يكون بها قبرُك.
هكذا كتب إليَّ مُذكِّرًا في رسالته التي نقَلَ إليَّ مضمونَها الحافظ "توفيق الشامي". أنزلَ الله على روحه جزيلَ الرحمات، آمين.. وجعل قبرَه كدارِه منزلًا للقرآن والنور، آمين.
وليس لدي أدنى شبهةٍ في أن كرامة الصدق هذه تُثبِت أن طلاب النور تُختَم حياتُهم بالإيمان، وأنهم مَظهرٌ لحُسن الخاتمة.
عَزُّوا أهلَه وأقربائه نيابةً عني، وبلِّغوهم أنني أُشرِكه في جميع دعائي.
ثانيًا: كتب إليَّ أخونا "رأفت" قائلًا: إن في إسطنبول حاجةً ماسَّةً للأنوار، فالجميع يحتاجون إليها حاجتَهم إلى الخبز.
ويَذكر أن أخانا "شمس الدين يَشيل"، وهو طالبُ نورٍ وثيقُ الارتباط بالأنوار كثيرُ المطالعة لها، يُلقي درسًا من حقائق رسائل النور، فيَحضُر وعظَه الآلاف.
ويُعقِّب "رأفت" على هذا قائلًا: يتبين من هذا أن رسائل النور لهؤلاء الناس كالخبز، يحتاجون إليها كلَّ يوم.
وقد قدَّم "رأفت" نُسَخًا من الأنوار لبعض الشخصيات الهامة، وهو يَطلب نسخةً من "معجزات ذي الفَقار" مصححةً من قِبَلي.
نُسلِّم على الجميع وندعو لهم، ونطلب منهم الدعاء.
الباقي هو الباقي
سعيد النُّورْسِيّ
٭٭٭
— 205 —
نهنئ "خسرو"، وندعو له بالتوفيق في أعمال التصحيح والتوزيع والتدبير والتواصل ونشرِ الأنوار وتوصيلها؛ على أن له مع هذه الوظائف الهامة تصحيحاتٍ بخطِّه الجميل المشرِق نراها في كثيرٍ من النُّسَخ، وأفهم من رسالته أنه يَنسخ الرسائل بشكلٍ مستقل.
تذكَّرتُ الآن فجأةً طلابَ مدرسة "صاوة" النورية.. "الحاج حافظ" والمرحوم الحافظ "محمد" وإخوانَهما، و"المحمَّدِين" و"الأحمدِين"، والأبرياءَ الصِّغار، والمباركين الكبار، وسائرَ الأبطال، فرَغِبتُ من صميم قلبي أن أقضيَ مدةَ حياتي بقربهم، وتمنيت أن أُدفَن بعد موتي في مقبرتهم؛ فورَدَ على الفور خاطرٌ يقول: صحيحٌ أن وجودَك مادةً في ولاية "إسبارطة" مركزِ المدرسة الزهراء مصدرُ فائدةٍ وسعادةٍ بجهاتٍ كثيرة، إلا أنه بحسب مسلك النور ومشرب طلاب النور فإنكم معًا على الدوام، لا يَحجب بعضَكم عن بعضٍ زمانٌ ولا مكان، وسواءٌ كنتم في الشرق أو الغرب، أو في الشَّمال أو الجنوب، أو في الدنيا أو البرزخ، فإنكم معْنًى معًا في مجلسٍ واحد، والعونُ المعنويُّ بين طلاب النور قائمٌ دائم، وهو غيرُ منقطعٍ عنك.
هكذا وَرَدَ الخاطر فهدَّأني، وقلت: ما دام للأنوار في كلِّ مكانٍ أيادٍ كثيرةٌ قويةٌ تَحمِلُها وتحافظ عليها وتجتهد في نشرها، فليس من الكسل في شيءٍ إنْ حصلتُ على قسطٍ من الراحة.
٭٭٭
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
أولًا: نهنئكم بليلة البراءة المباركة التي خَلَتْ، وبشهر رمضان المبارك القادم.. لقد شاهدنا بتعجُّبٍ أمارةً على أن ليلة البراءة في هذه السنة كانت كثيرةَ البركات والكرامات لطلاب النور، وذلك أني قبل هذه الليلة بقليلٍ كنتُ منشغلًا بتصحيح "عصا موسى"، فإذا بحمامةٍ حَطَّتْ عند النافذة ونظرَتْ إليَّ، فقلتُ لها: هل جئتِ
— 206 —
ببشارة؟ فدخلتْ إلى الغرفة ولم تَجفُل، وكأننا أصحابٌ منذ القديم، ثم صعِدَتْ إلى "عصا موسى" وقعدَتْ فوقها ثلاثَ ساعات، (حاشية): نعم، شاهدنا ذلك بأعيننا: نور الدين، محمد، إسماعيل. فقدمتُ لها الخبز والأرز فلم تأكل، وبقيَتْ إلى المغرب ثم غادرَتْ، ثم جاءت ثانيةً فبقيَتْ عندي طَوالَ ليلة البراءة حتى الصباح، فلما اضطجعتُ جاءت إلى رأسي فلامستْه برفقٍ كأنما تقول: أستودعك الله، ثم خرجَتْ وذهبَتْ؛ ثم بينما كنتُ في اليوم التالي محزونًا، إذْ جاءت فمكثتْ عندي ليلةً.
إذًا لقد أراد هذا الطائر المبارك أن يهنئنا بی"عصا موسى" وليلةِ البراءة.
٭٭٭
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
كَتَب "محمد فيضي" و"أمين" اللذان هما لی"قَسْطَموني" بمثابة "خسرو" و"سليمان رشدي".. كَتَبا ما يتعلق بسيرةِ حياةِ أستاذِهما في "قَسْطَموني"، وقد قبلتُ ما كتباه من غير أن أبدِّل ما فيه من ثناءٍ زائدٍ أَولَوني إياه بحسن ظنهم.. وسببُ قبولي إياه أن مسؤولًا كبيرًا في "أفيون" وجَّه إليَّ إهانةً بواسطة رقيبٍ بغيةَ كَسْرِ إقبال الناس عليَّ، لكيلا تأخذ هذه الولاية بالأنوار وتتنورَ بها كما فعلتْ "دَنِزْلي" و"إسبارطة"، ومع أني تحمَّلتُ الأمر، إلا أني حزنتُ لتأثُّر الطلاب الجُدد هنا.
وبينما كنت مهمومًا إذْ وصلتْني رسالةُ "محمد فيضي" هذه ملؤها الصِّدق والوفاء والعرفان والاحترام، فردَّتْ إهانةَ هذَين صفعةً على وجهَيهما، وبدَّدتْ وقعَها عليَّ فجعلَتْه كالعدم، ومسحَتْ عني الحزن فلم تُبقِ منه شيئًا؛ وتحقَّقَ عندي أنَّ مجيءَ هذا المدح والتقدير مِن موفَّقَين رفيعَين، وقتَ وقوع هذه الإهانة المتعسِّفة الجَبرية من مَخذولَين وضيعَين، ما هو إلا كرامةٌ للصدق الذي يتحلَّى به "فيضي" و"أمين".
٭٭٭
— 207 —
إخواني..
تَبيَّن الآن أن استدعائي إلى المخفر، وإحضاري إلى مركزٍ حكوميٍّ بذرائع لا لزوم لها، إنما كان بقصدِ إهانتي وامتهاني أمام الناس، وإظهاري في أعينهم بمظهر المتهَم!!
لم أعد أحتمل.. ينبغي العمل على عدم وقوع هذا ثانيةً، راجِعوا قاضي الجزاء، وعيِّنوا محاميًا وكيلًا عني، وليذهبْ إلى المخفر بدلًا عني متى لزم الأمر.. فإنه لَعذابٌ أليمٌ لِرجلٍ منزوٍ منذ خمسٍ وعشرين سنةً أن يلتقيَ بأشخاصٍ دأبُهم الإهانةُ كهؤلاء!!
لقد قضيتُ ثماني سنواتٍ في "قَسْطَموني" لم ألتقِ بالوالي إلا مرةً واحدةً بعد إلحاحه، ولم أذهب إلى مخفر الشرطة إلا مرتين، أما هنا فقد ذهبتُ إلى المخفر أكثر من عشر مراتٍ لغير سبب!! لن أذهب بعد الآن.. حَصِّلوا تقريرًا من طبيب، وإلا فسيَلحَق بهذه المدينة ضررٌ ماديٌّ ومعنوي.
٭٭٭
إن الهزَّاتِ الأرضيةَ التي وقعتْ هنا ليلةَ أمس، قد تَزامنَ وقوعُها مع تضييقِ رقيبِ المخفر علَيَّ، وإضرارِه بنشاطِ طلابِ النور ونَسْخِ الأنوار.
فقد قام هذا الرقيب مدعومًا من مسؤولٍ كبيرٍ في "أفيون" بتوجيه الإهانة والشتيمة لي في كلامه مع خادمي، وصرخ بوجهه في المركز الحكوميِّ قائلًا: اِذهب وبلِّغه هذا الكلام.
وطَلب من الحرس وعناصر الشرطة العسكرية إحضاري بأمرٍ من مدير البلدة، وقال لهم: أحضِروه إلى هنا ولو كان مريضًا.
إنَّ تَزامن هذه الهزاتِ الأرضيةِ الأربعِ الشديدةِ غيرِ المسبوقة مع هذه التصرُّفات التي تُضمِر السوءَ لي وللأنوار ولهذا البلد قطعًا، إنما يُبيِّن أن رسائل النور وسيلةٌ لدفع
— 208 —
البلاء، وأنها كلما عُطِّلتْ وَجَدَ البلاءُ فرصةً سانحةً فنزل، وهذا مُصدَّقٌ بمسألة الهزات الأرضية الأربع التي ذكرها "خسرو" في مدافعتي.
بخصوص "مصطفى عثمان" الذي أسدى للأنوار خدماتٍ كثيرةً في مدةٍ يسيرة، فإن رسالته المسطورةَ بغاية التواضع والفناء عن الذات، تُثبت صدقَه الخالص ووفاءَه وإخلاصَه، وتُظهِر أنه ارتقى إلى مصافِّ الخواصِّ الذين مضى لهم خدمة الأنوار خمسَ عشرة سنة، وكفى بمجموع "عصا موسى" الذي نَسَخه دليلًا على هذا.
الآن، وفي هذه الدقيقة التي أكتب فيها، بدأتْ هزةٌ أرضيةٌ خفيفة.
٭٭٭

مصارحةٌ مع شرطة أميرداغ

لي سؤالٌ عن سببِ معاملةٍ عجيبةٍ مُحيِّرةٍ ألقاها إزاءَ مطالبتي بحقٍّ من حقوقي الإنسانية.
فأولًا: لقد ظللتُ محتفظًا بشكواي لم أقدِّمها طَوالَ سنة، ثم أرسلناها مؤخَّرًا إلى الشرطة، لتُوصِلَها بواسطةِ شخصيةٍ مهمةٍ إلى المسؤولين بأنقرة.
ثم قلتُ: إن مدير أمن "أفيون" رجلٌ منصف؛ فأرسلتُ إليه نسخةً من الشكوى سُلِّمتْ له باليد، وبينما كنتُ أنتظر منه تجاوبًا فيما يتعلَّق براحتي، إذا به على العكس من ذلك يكتب إلى مَن يُضيِّقون عليَّ قائلًا: هذا الخطُّ الجميلُ ليس خطَّه، فحقِّقوا في أمر مَن كَتَب!!
فماذا يُقال في تَعْنِيْتي وإقلاقِ راحتي، وتجاهلِ تلك الشكوى القويةِ المُحقَّة، والاهتمامِ غيرِ المبرَّر بخطٍّ لا ضرر منه ولا أهمية له؟ أليس أشبه بازدراءِ ألفِ دينارٍ ذهبيٍّ والحفاوةِ ببضعةِ فلوس؟!
لقد دقَّقتْ ثلاثُ محاكم في آلافِ نُسَخِ رسائلِ النور بأجزائها المئة والثلاثين مكتوبةٍ بخطوطٍ مختلفة، وشَهِدَ المحكمةَ معي فريقٌ مهمٌّ من نُسَّاخها، فلم يكن في
— 209 —
الأمر مقدارُ ذرةٍ من المسؤولية، أفيُقال بعد هذا كلِّه: حَقِّقوا في أمرِ مَن يكتب له!! فأيُّ قانونٍ في هذا أم أيةُ مصلحة؟! وأيِّ داعٍ لإحضار الخادم المسكين إلى المخفر بهذه الذريعة، ثم تخويفِه وترهيبِه، ثم الطلبِ منه أن يُخبِرني بما جرى؟! فها أنَذا أخبركم بأن لي یی لو أردتُ یی آلافَ الرجال يكتبون ما أكتب، وهم في كل ناحيةٍ يكتبون ما يعود بالمنفعة على الوطن والشعب.
ثانيًا: أطلب منكم باسم الإنسانية ألَّا تُحوِّلوا وجهي إلى الدنيا حتى حلول العيد.. أنا لا أفكِّر بكم فانسَوني.. كُفُّوا عن مسكينٍ سَخِط على الدنيا مثلي.. لا تُجبِروه في هذه الشهور المباركة على الانشغال بشؤون الدنيا التافهة فيُضرَّ بالآخرة.
٭٭٭
أثارتِ اهتمامي الهزةُ الأرضية ذاتُ المغزى التي وقعتْ مؤخَّرًا، وقلتُ في قلبي: إنْ كانت وقعتْ بنفس الشدة في سائر الأماكن فهذا يعني أن ثمة اعتداءً على طلاب النور، وإلا فعلاقتُها برسالتي فحسب؛ فسألتُ فقالوا: وقعت هزةٌ خفيفةٌ في أنقرة، ووقعتْ كذلك في "أفيون" و"أسكي شَهِر" و"أميرداغ"، وكانت التي وقعت في هذه القصبة أشدَّها.
إلا أن ما يثير الاستغراب حقًّا أن الهزة وقعتْ شديدةً أربع مرات، لكنها لم تُخلِّف أيَّ ضرر!!
وإحدى حِكَمِ ذلك أنه صدر أمرٌ قطعيٌّ أنْ أَحضِروا "سعيدًا" إلى مركز الحكومة بالقوة، فجاء العناصر وعريفٌ واحد، وكنتُ قد أغلقتُ بابي وأقفلتُه، فقالوا: نَستقيل ولا نكسِر بابَه، وعادوا من حيث أتَوا؛ إذًا فهذه الهزة الخصوصية هي كالهزة التي في مدافعتي، لها علاقةٌ برسائل النور، ولهذا وقعتْ خصوصيةً هذه المرة، ولم تُخلِّف أضرارًا رغم شدتها؛ ولو أنهم كسروا بابَ المدرسة النورية الصغيرة هنا، لكانت الصفعة قوية، ولمَا كانت لمجرَّد الإنذار.
— 210 —
صحيحٌ أن هذا التعرُّض كان جزئيًّا خفيفًا، لكنْ لا أكتمكم أنه أثار حفيظتي كما لم يُثرْها أيُّ تعرُّضٍ من قبل، غير أني تحمَّلتُ تحمُّلًا عجيبًا لأجل النور وطلابِ النور؛ فإن ذلك الشقيَّ وجَّه إليَّ شتيمةً مِن على كرسيِّ وظيفته في مركز الحكومة، وقال لخادمي: اِذهب وبلِّغه هذا الكلام!! وراح يتحدى جاعلًا من نفوذ الحكومة مِلْكًا شخصيًّا لشخصه الأرعن، فاستفزَّ بشدةٍ أعصابي الموروثةَ من "سعيدٍ القديم"، إلا أن ضرورةَ الهدوءِ والاتزانِ وضبطِ النفس والصبرِ والتحملِ هدَّأتْني.
ثالثًا: بخصوص ما كَتَبه "أحمدُ النجار" البطلُ الجادُّ الذي سَدَّ مَسَدَّ المرحوم "مصطفى چاويش النجار" ذي الصدق والوفاء الخارق، فإن اهتمامه بمنزلٍ برزخيٍّ ومَزارٍ أُخرويٍّ لي بجبل "دَوْراز" في "صاوة" وكتابتَه إليَّ بذلك قد سرَّني كثيرًا وأبكاني بحزن.
٭٭٭
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
نهنئكم مجدَّدًا بشهر رمضان المبارك، كما نهنئ الأخوَين البطلَين، والصَّبِيَّةَ المباركةَ ابنةَ "سليمان رشدي" التي غَدَتْ بجهةٍ ما ثامنَ الصِّغار السبعة في "المعجزات الأحمدية".. نهنئهم جميعًا من صميم قلوبنا على اشتغالهم بنَسْخ "معجزات ذي الفَقار" آليًّا، وعلى تَفانيهم في نَسخ كتابات "خسرو" و"طاهري" الجميلة الدقيقة، فلقد عملوا بجِدٍّ فائق، وأسدَوا للأنوار خدماتٍ قيمةً مثمرة، فنقول لهم باسم رسائل النور: ما شاء الله.. وفَّقكم الله وبارك بكم.
(حاشية): توافُقٌ لطيف: بينما كان المطر قد انقطع هنا منذ شهر فلم تنزل منه قطرة، وبينما كانت قلوبنا تبكي للفتور الذي أصاب النوريين جرَّاءَ التعرُّض المعلوم، إذْ وصلتْني قبل يومين بشارةُ "خسرو" بجهاز النَّسْخ، وتلقَّيتُ اليومَ رسالةَ "نظيف" المفصَّلة، ونموذجًا من طِباعة الجهاز، وحصل في الوقت نفسِه أنْ أخبرَني مَن يقومون على خدمتي بأنه قد شُرِع برفع الأذان المحمدي على المآذن في "أسكي شَهِر"، وبأن الرجل الذي أَمَر الرقيبَ بإهانتك قد تلقى صفعةً، وتوافَقَ ذلك مع نزولِ غيثِ رحمةٍ أفرَحَ قلوبَنا وأدخل عليها السرورَ والانشراح بعد طولِ حُزنٍ وبكاء؛ فهذا التوافق والتطابق فألُ خيرٍ إن شاء الله.
٭٭٭
— 211 —
إخواني الأعزاءَ الأوفياءَ المُضحِّين..
ما تحدَّثتْ عنه رسالةُ أبطالِ "إينه بولو" من توافقَين اثنين، وزيارتَين غريبتَين لِطائرَين، أمرٌ بالغُ الدلالة.
نعم، فبينما تُهَوِّلُ الحكومة من أمرِ شخصٍ كَتَب إحدى مراسلاتي وتتحرَّى عنه وتُضيِّق عليَّ لأجل ذلك، ها هي أجزاءُ رسائل النور التي تتحدث أبلغَ مني وتُلقي الدروس أفضلَ مني غيرَ متزلِّفةٍ لأحد، تُنسَخ بأقلام طلابها بكثرةٍ كاثرةٍ لا يَحول دون نَسْخِها مراقبةٌ ولا ملاحقة!! وما هذا إلا توفيقٌ خارقٌ حقيقٌ بكلِّ تهنئةٍ وتبريكٍ، فلا عَجَبَ أن تهنئنا عليه الطيور، بل لا عَجَبَ إنْ تَمَثَّل بعضُ الملائكة والرُّوحانيين فهنؤونا عليه.
ونحن كذلك نقول لأبطال "إسبارطة الصغيرة" هذه: ما شاء الله.. وفَّقكم الله وبارك بكم؛ ونهنئهم من صميم قلوبنا، وننبههم إلى ضرورة الأخذ بالاحتياط والحذر في هذه الوظيفة الجليلة.
٭٭٭
تلقَّيتُ رسالةً من أخينا "محمد زكريا" المقيمِ قريبًا من "إينه بولو"، والذي خدمَ الأنوار كثيرًا بخطه الجميل، وقد سَرَّتني رسالتُه وبدَّدتْ قلقي، ويَذكر فيها أنه الآن منشغلٌ بإحدى وظائف الأنوار، وهي خدمةُ تعليمِ القرآن وتدريسِ الإيمان للصِّغار؛ فاكتبوا إليه: إن هذه الخدمة قَيِّمةٌ قِيمةَ جهودك السابقة التي أسدَيتَها للأنوار، وإن الرسائلَ الكثيرةَ التي نَسَخْتَها تقوم بخدمةِ نشرِ الأنوار نيابةً عنك.
ولا يقلق، فإنه محافظٌ على مقامه القديم.
٭٭٭
— 212 —
قرأتُ في هذه الأيام الأورادَ البهائية نظرًا في الكتاب بدلًا من قراءتها غيبًا من حفظي، وذلك لاعتلال صحتي، غير أني لم أكن أعرف خاتمتَها الموجودة بآخر الكتاب، والمسمَّاةَ بالاختتام البهائي، فلم أكن أقرؤها منذ القديم، فقلت في نفسي: اِقرأها هذه المرة؛ فقرأتُها، فوجدتُ كلمة "نور.. نور.. نور" تكرَّرتْ تسعَ عشرة مرةً في ستةِ أسطرٍ ونصفٍ من صفحةٍ واحدة، فتيقَّنتُ أن الشاه النقشبندي قد شاهد رسائلَ النور وخدمتَها القدسية كشفًا كما شاهدها الغوثُ الأعظم، فهو يُشير إليها ويُخبر عنها باستحسان.
فاقتبستُ تلك السطور الستة، وسطرًا من البداية وسطرًا من النهاية، وألحقتُها بالوِرد البهائي الذي ما زلتُ مواظبًا عليه منذ ثلاثين سنة، ونَويتُ في ذلك نَيلَ عونِ ذينِك الملَكَين على انتشار الأنوار.
٭٭٭
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
أولًا: أُشارك المتضرِّرين من حريق "إسبارطة" آلامَهم، ففضلًا عن أني إسبارطيٌّ من وجوهٍ متعدِّدة، فإن لهذه المدينة المباركة بأحجارها وترابها أهميةً كبيرةً عندي، وهي للأنوار بمثابة جامعٍ أزهر ومدرسةٍ زهراء.
فقولوا نيابةً عني لأولئك المتضررين: إن ما يَفقده أهلُ الإيمان في مثل هذه المصائب من أموالٍ هو في حكم الصدقة بِنَصِّ الحديث، ثم إنه بالنظر إلى هذا الزمان على وجه الخصوص، فإن هذه الأموال الفانية تنقلب إلى أموالٍ باقيةٍ أبديةٍ بقدرِ مئةِ صدقة، وهذا يستوجب بجهةٍ ما الشكرَ في طَيِّ الصبر، ونسأل الله أرحمَ الراحمين أن يُحسِن إليهم في الدنيا على ما أصابهم من خساراتٍ تُكفِّر الذنوب.
ونقول لهم: حمدًا لله على سلامتكم، وعوَّضكم الله خيرًا مما فاتكم، ولا تجزعوا ولا تهتموا للأمر بغير فائدة.
— 213 —
ثانيًا: أحدُ أسباب هذا النوع من المصائب: ارتكابُ البشر خطايا شنيعة، ولهذا فإن رعايةَ حرمةِ شهر رمضان المبارك هذا، والحفاظَ على مكانته، وحمايةَ الأنوار، هو وظيفةٌ وأمانةٌ مَنوطةٌ بی"إسبارطة" أكثرَ من سائر الأماكن الأخرى إذْ هي منبعُ الأنوار ومدرستُها، وهي مكلَّفةٌ بالحفاظ على الشعائر الإسلامية في مواجهة التحلُّل والرذيلة.
٭٭٭
ومن ذلك الفقرةُ المذكورةُ في بيانِ "لولاكَ لولاكَ لما خَلقْتُ الأفلاك" وهي: "هذا الخطابُ وإن كان متوجهًا إلى النبي (ص) ظاهرًا، إلا أنه راجعٌ ضمنًا إلى الحياة وإلى ذوي الحياة".
فهذه الفقرة محتاجةٌ إلى التعديل، لأن الحقيقة المحمدية الكُليَّة یی على صاحبها أفضل الصلاة والسلام یی لما كانت حياةَ الحياة، وحياةَ الموجودات، ومَظهرَ التجلي الأعظم للاسم الأعظم، ونورَ جميع ذوي الأرواح، والنواةَ الأصليةَ للكائنات، وغايةَ خِلقتها، وأكملَ ثمراتها، كان ذلك الخطاب متوجِّهًا إليها مباشرةً، ثم يَتوجَّه باسمها إلى الحياة والشعور والعبودية.
ومن ذلك بعضُ الجمل التي لها صلةٌ بالفلسفة، كجملة: "وبمرور الزمن تصلَّبتْ وصار لها غلاف، ثم انقلب الغلاف إلى تراب، ثم وُجِدتِ النباتات، ثم وُجِدتِ الحيوانات"؛ فمثل هذه التعابير تُعدُّ تعابيرَ فلسفيةً فيما يتعلق بالخلق والإيجاد الإلٰهي، ولا تتناسب مع بيانات رسائل النور بخصوص الصنع والإيجاد الإلٰهي.
أخي عبدَ المجيد..
بالرغم من هذه الهفوات الصغيرة، فإن رسالتك هذه هي حجةٌ قويةٌ على أنك قد تعلمتَ الدرسَ تامًّا كاملًا من حُجج النور التي لا مثيل لها بخصوص الحشر، وأنك كما كنتَ تلميذًا ممتازًا لسعيدٍ القديم، ستكون لرسائل النور تلميذًا مثاليًّا ومعلِّمًا نابهًا إن شاء الله.
— 214 —
سأعمل على تعديل بعض الكلمات أو إصلاحها في وقتٍ مناسب، لتُدرَج في "المَلاحق" بعنوان: "حاشيةٌ توضيحيةٌ على مسألة الحشر"، وأرسلُها إلى أمثالك ممن تعلَّموا الدرسَ التامَّ من النور.
أنت وأولادُك یی وفي مقدمتهم "فؤاد" یی بقربي معنًى، ومذكورون في دعائي كلَّ يوم.. أهنئك من صميم قلبي بوظيفتك الرسمية الحالية المتمثلةِ في إقراء الصغارِ القرآنَ العظيمَ الشأن، بارك الله بك ووفقك.. بلغ سلامي لجميع الأهل والأصحاب.
تجري حاليًّا طباعةُ مجموعتَي "ذي الفَقار" و"عصا موسى" بواسطة جهازِ النَّسخ في مِنطقتَين، فاجتهد في أن تكون على علاقةٍ تامةٍ بالأمر فيما يتعلق بالتصحيح، سواءٌ بخطك الجميل، أو بعلمك الدقيق.
أخوكم
سعيد النُّورْسِيّ
٭٭٭
هل أجرى "رأفت" العمليةَ الجراحية؟ كيف حاله؟ أنا مشغولُ البال لأمره، وقد حَظي بالكثير من الدعاء.
نسخةُ "عصا موسى" التي كتبتْها "خديجة" بنتُ البطل "أحمد" في "صاوة" قد أَودعها البطلُ "طاهري" أمانةً لدى أحدهم في إسطنبول، وهي نسخةٌ تُشجِّع النساء على العمل في خدمة الأنوار، لذا ينبغي الحفاظُ عليها، فإن لم يكن لها لزومٌ هناك أو كانت ستبقى معطَّلةً فلْتُرسَل إليّ.
٭٭٭
أهنئكنَّ بشهر رمضان وبليلةِ القدر وبالعيد.. وكما أني حين كنتُ في "قَسْطَموني" كان لخواصِّ طالبات النور: "آسية" و"عُلوية" و"لُطفية" و"زهراء" و"شريفة" و"هاجَر" و"نَجميَّة" و"نِعمت" و"عَليَّة" سهمٌ في دعائي ومكاسبي المعنوية، وكُنَّ لهذا بمعيَّتي معنًى، فكذلك هنَّ اليوم.. فلستُ أنساكنَّ.. حتى إنني في الآونة الأخيرة تذكرتُ
— 215 —
"عُلوية" و"لُطفية" فجأةً، فإذا بي بعد يومين تَصِلني رسالتاهما وهديتاهما، وكان ذلك أمارةً على صدقهما ووفائهما.
ومع أني لا أقبل الهدايا كما هي عادتي منذ القديم، إلا أني قبلتُ الجبةَ والقميصَ اللذَين أرسلتُنَّهما.. قبِلتُهما باسم جميع طلاب النور في "قَسْطَموني"، وارتديتُهما في ليلة القدر؛ غير أني لكيلا أخالف قاعدتي، فلْتأخذ "لُطفية" و"عُلوية" في مقابل هذا ما تشاءان من الرسائل الموجودة لدى "أمين"، أو ليَنسخْ لهما "محمد فيضي" وإخوانُه نيابةً عني ما ترغبان به من الرسائل.
أولادُ أَخَواتنا الذين كانوا كثيرًا ما يتردَّدون إليَّ، هم في دائرة طلاب النور الصِّغار، وكثيرًا ما أذكرهم.
٭٭٭
لله الحمدُ والشكرُ والثناءُ بلا حدٍّ على رسائلكم هذه التي بدَّدتْ قلقي ومخاوفي الكثيرة بخصوص "خسرو" وإخوانه وجهازهم، وبخصوص "نظيف" ومعاونيه وجهازهم، وإمكانيةِ استمرارهم في هذه الخدمة القدسية.. فالحمد لله كثيرًا.
حتى إني قبلَ يومٍ من وصول رسائلكم خرجتُ أتجول بالعربة، فإذا بطائر الهدهد السُّليماني مَظهَرِ المدحِ القرآنيِّ يرافقنا في طريقنا مدةَ خمسَ عشْرة دقيقة، يطير ثم يعود فيَحُطُّ على الطريق أو يَمنةً أو يَسرةً على نحوٍ عجيبٍ لم نَرَ مثلَه من قبل، كأنما يريد أن يُبشِّرَنا، فحصلتْ لديَّ قناعةٌ بأني سأتلقى في الغد خبرًا يَسرُّني، وحدَّثتُ بذلك سائقَ العربة "نور الدين"، فكان مثلي متعجِّبًا من الوضع الغريب لهذا الطائر الذي ما لبث أن اختفى فجأةً بعد أن أفشَينا سِرَّه.
فلما كان اليوم التالي، تلقَّيتُ رسالةَ "نظيف" فيها السُّلوان، ومعها المحصولُ الجديد لجهاز النَّسْخ؛ وتلقَّيتُ رسالةَ "عبد الرحمن صلاح الدين" المُشوِّقة؛ ووصلني خبرُ انتحار والي أنقرة "نَوزاد" الذي ضَيَّقَ عليَّ لكي أرتدي القبعة الإفرنجية، وقد تلقى صفعتَه وعقابَه بيدَيه؛ ووصلتْني الأخبار تُبيِّن حقيقةَ حالِ خدمة "ذي الفَقار" وأنها
— 216 —
مستمرةٌ لم يتعرَّض لها متعرِّض، وأن أبطال المدرسة الزهراء مواظبون على وظيفة "ذي الفَقار" دون خوفٍ ولا تردُّد؛ وتلقَّيتُ رسالةَ التهنئة من بطَلَي "أتابك" الأثيرة "طاهري" و"عبد الله چاويش" وهما وارِثا "لطفي" ووكيلا المرحوم الحافظ "علي الكبير" ووارثاه وأخواه النابغان في الخدمة النورية؛ وتلقَّيتُ الأجوبةَ البليغةَ ذاتَ الحقيقة التي أجاب بها "علي" إمامُ "قرية علي" في المركز الحكومي عن الأسئلة بخصوص التعرُّض الأخير، وموقفَه الرجوليَّ اللائق بطلاب النور، فقلتُ: لقد صَدَقَتْ بشارةُ الهدهد.
وكما أن رسالة "عصا موسى" غوثٌ للغارقين في الطبيعة تُنقذهم من الضلالة، وكما أنها تِرياقٌ لازمٌ لكلِّ إنسانٍ في هذا الزمان، خصوصًا لمَن وقعوا في الشبهة والإنكار، فكذلك مجموعة "ذي الفَقار" لازمةٌ لأهل الإيمان وأهلِ العلم وبالأخصِّ حُفَّاظِ القرآن، فكلُّ حافظٍ للقرآن محتاجٌ إليها بشدةٍ في هذا الزمان، ولا بد لكلِّ حافظٍ أن يكون لديه هذا السِّفْرُ الذي يبين إعجازَ القرآن بأربعين وجهًا.
لم يَعرِض لنا التاريخ حتى اليوم مثيلًا لرسائل النور هاجمتِ الكثيرَ من الطوائف والمسالك، ونَجَتْ من الانتقاد فلم يُصِبْها منه إلا مقدارٌ يسيرٌ خفيف، حتى إنها نهضتْ بخدمةٍ وجهادٍ قدسيَّين رفيعَين بأقلِّ المشاق، ولم تَلْقَ في مقابل ذلك إلا سِجنَين محدودَين مؤقَّتَين كانت عاقبتُهما خيرًا، ولَقِيَتْ مصيبتَين أو ثلاثًا انطوتْ على عناياتٍ وفتوحات.
أُسلِّم على الجميع وأدعو لهم بالتوفيق.
٭٭٭
في هذه الآونة التي نحتاج فيها لنَسْخ الكثير من مجموعَي "ذي الفَقار" و"عصا موسى"، ويمتنع أصحاب المطابع عن طباعتهما، تتعزز لدي القناعة بأن تيسير وصول جهاز النَّسْخ العجيب هذا لأيدينا ليس إلا إشارةً غيبيةً على قَبول هذين المجموعَين، وإكرامًا خارقًا من إكرامات العناية الإلٰهية، وكرامةً للأنوار.
— 217 —
أجل، فإذا كنتُ قد لقيتُ الأذى والتضييقَ ثماني مراتٍ رسميًّا لمجرد أن شخصًا كتب رسالةً بسيطةً من مراسلاتي، فلا ريب أن هذا الجهاز الذي يُخرِج من ثمانِمئةِ صفحةٍ ألفًا وخمسمئة نسخةً في مليون صحيفة ليس إلا كاتبًا نُوريًّا ذا ألْفِ قلمٍ جاء من الغيب لنجدتنا؛ فلا ضَير بعد هذا إنْ خَرجتْ بعضُ صفحاته خافتةَ الكتابة، فما صدر منه واضحًا مقروءًا يكفينا الآن، أما ما تَصعب قراءتُه فلْيُفرَدْ، ليُصْلِحَه لاحقًا أصحابُ الأقلام الألماسية، كلٌّ يُصلِح نسخةً أو نسختَين.
لقد حصل في بعض البلاد حين ظهر القطار أنْ تَخَوَّفَ أصحابُ العربات وقالوا: "لقد كَسَدَتْ مهنتُنا!!"، والحال أن القطار حين ظهر زاد من نشاط البلد، فتضاعفتِ الحاجةُ إلى مهنة سائقي العربات، وهكذا هي الحال مع نُسَّاخ النور، فإنهم لن يتوقَّفوا، بل سيَغنَمون بمزيدِ النَّسْخِ حسناتٍ في صحائف أعمالهم إن شاء الله.
٭٭٭
لقد عزمتُ أن أواجه كلِّ أنواع الأذى من أهلِ السياسة بالصبر والتحمل قائلًا: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ؛ ولقد كان لي فيما مضى علاقةٌ بی"كاظم قره بكر"، فهل ما زال محافظًا على مسلك الرجولة الذي كان سببَ هذه العلاقة؟
فإن كان على عهده القديم، ولم يكن منه ضررٌ للأنوار، وكان صَديقًا مُواليًا تُرجى منه فائدةٌ للنور، فلكم أن تبلِّغوه سلامي.
لكنْ ما دام أهلُ السياسة يترفَّعون عن مراجعة رسائل النور لأجل حياتهم الباقية، فإني كذلك أترفَّع عن مراجعتهم لأجل هذه الحياة الفانية التي لا تُساوي فلسًا بإزاء تلك الباقية، ولستُ أقدِّم یی لنَيل راحتي یی رجاءً ولا شكوى.
٭٭٭
— 218 —
تلقَّينا الهديتَين النوريتَين الجليلتَين الجميلتَين من "عليٍّ الصغير" الوارثِ الكاملِ للمرحوم "عليٍّ الكبير" والسائرِ على نَهجِه، وأُنموذجِ "عبد الرحمن" وخَلَفِه، وبطلِ "المباركين" ومِقدامِهم.. إلا أنه لم تُكتَب قطعةُ "الحزب النوري" في آخر "ذي الفَقار"، فليكتُبها بقلمه البديع ولْيُرسِلها إليّ.
٭٭٭
حاشية: دَرَجت العادةُ في بلادنا إذا شَرَعَ طالبُ العلم في كتابٍ أو أتمَّه أن يُقدِّم طعامًا أو حلوًى تُسمى "الافتتاحية" أو "الخَتمية"، ولقد رأينا هذه القاعدةَ بعينها في عِنَب الكاتب "عثمان"، فإني ما أنْ أتممتُ تصحيح نُسخته من "عصا موسى" حتى جاء هذا العِنَب "خَتميَّةً"، فكان لطيفةً حلوةً وذكرى جميلةً من حياة طلب العلم.
لما كانت الشفقة أساسًا من أساسات النور، كانت النساء سَبَّاقاتٍ في هذه الجهة، متمسِّكاتٍ بالأنوار بكلِّ جِدِّية، وإني حين أقول: "إخواني.."، فإني أقصِد أخواتي النساء ضمنًا، وأخاطبهن في جميع رسائلي.
٭٭٭
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
لا تقلقوا على الإطلاق.. فإنما أُبيِّن لكم مرضي الشديدَ الناجمَ عن محاولة التصفية كما بيَّنتُ في مرةٍ سابقةٍ لأنال دعواتكم، وإلا فليس ثمة ما يدعو للقلق قطعًا؛ والشكر لله بلا حدٍّ أن المرض لا يمنعني من أَورادي، ولا يحول دون قيامي بوظيفة التصحيح، وأن فيه أجرًا كبيرًا وخيرًا كثيرًا إن شاء الله، بل إنني من جهةٍ ممتنٌّ لهذا الأمر، فلا تتأثروا به إطلاقًا.
على أن وظيفتي قد شارفَتْ على الانتهاء بطبيعة الحال، وتستطيع كلُّ نسخةٍ من رسائل النور، خصوصًا مجموعاتُها، أن تؤدي وظيفةَ "سعيدٍ" بما يَفوق حُسْنَ ظنكم
— 219 —
فيه، وهي تؤدِّيها حقًّا؛ وبمقدور كلِّ مُضحٍّ من خواصِّ تلاميذ النور أن يؤدي وظيفةَ "سعيدٍ" بتمامها، وسوف يؤدُّونها في المستقبل على الوجه الأمثل بإذن الله؛ فإن نَقَصتُم سعيدًا واحدًا، فبمقدورِ مئاتِ السعيدين المعنويين وآلافِ السعيدين الماديين، أداءُ هذه الوظيفةِ خالصةً تامَّةً، وهم يؤدُّونها حقًّا؛ وبناءً على هذه الحقيقة فلا تُولوا كبيرَ أهميةٍ للحوادث التي تَنزل بي أو تَلحق بشخصي، وإنما أكثِروا من الدعاء لي.. أعينوني على ضعفي وشيخوختي ومزيدِ أسايَ بدعواتكم التي لا أشك في قَبولها.
حزنتُ حقيقةً لرحيلِ النوريةِ البريئةِ المباركةِ المرحومةِ "هِجرت" ابنةِ البطل "طاهري" وهجرتِها من الدنيا إلى الجنة.. فقد أحزنني باسمِ النور رحيلُ تلميذةِ نورٍ دَؤوبةٍ مُهمَّةٍ مثلِها من طائفة الأبرياء الصغار، لكنْ سيَحِلُّ مَحَلَّها كثيرون إن شاء الله ولن يتركوا مكانَها شاغرًا، وهذا ما فعله "حيدر" الصغير الذي برز إلى الميدان الآن من "أوشاق"، وسَرَّنا بتوليه وظيفةَ أختنا التي هاجرتْ.. أحسن الله إلى والدَيها وأقربائها بالصبر الجميل، وجعلها شفيعةً لهم، وأسعدَها مع أختي المرحومةِ "خانم" في الجنة، آمين.
بلِّغوا "حيدر" تهنئتي ودعواتي له بالتوفيق في خدمة النور، وأبلِغوه بأنه داخلٌ في طائفةِ النوريين الأبرياء الصِّغار، وبلِّغوا معلِّمَه "عزَّت" سلاميَ الكثير.
٭٭٭
وإن طلاب النور لم يتدخَّلوا في السياسة قط، ولم ينتسبوا إلى حزب، لأن الإيمان مَطلبٌ عمومي، له في كلِّ طائفةٍ محتاجون وطلاب، فلا يَقبل التحيُّز والحزبية، ولا يُجابِه إلا الكفرَ والزندقةَ والضلال؛ ثم إن أُخُوَّةَ المؤمنين أساسٌ في مسلك النور.
٭٭٭
— 220 —
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
ثمة مسألةٌ كان ينبغي إخبارُكم بها منذ زمن، لكني نسيت، وهي أن معظم الآياتِ المذكورةِ في رسالة "المعجزات القرآنية" هي إما آياتٌ توجَّهتْ عليها انتقاداتُ المَلاحدة، أو اعتَرَضَ عليها أهلُ العلوم الحديثة، أو أثارَ الشُّبهاتِ والوساوسَ حولَها شياطينُ الإنس والجن.
وقد بَيَّنتِ "الكلمةُ الخامسةُ والعشرون" حقائقَ هذه الآيات ودقائقَها على نحوٍ بديع، بحيث أثبتتْ بالقواعد العلمية أن ما ظنَّه أهلُ الإلحاد والعلومِ الحديثة نُقاطَ عيبٍ ونقص، ما هو إلا لَمعاتُ إعجازٍ ومَنابعُ كمالٍ للبلاغة القرآنية؛ وقد أجابتِ الجوابَ القاطعَ على شبهاتهم من غير ذكرٍ لها لئلا تُشوِّش الأذهان، وذلك كآيةِ: وَالشَّمْسُ تَجْرِي، و وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا؛ هذا باستثناء شُبهتَين أو ثلاثٍ ذُكِرتْ في المقام الأول من "الكلمة العشرين".
ثم إنه وإنْ كانت "رسالة المعجزات القرآنية" قد كُتِبتْ على عَجَلٍ بغايةِ الاختصار، إلا أنها من حيثُ علمُ البلاغة وعلومُ العربية قد بيَّنتِ المسألةَ بيانًا شافيًا بأسلوبٍ علميٍّ مُعمَّقٍ رصينٍ يثير إعجاب العلماء.
وصحيحٌ أن كلَّ بحثٍ من بحوثها لا يستوعبُه كلُّ مهتمٍّ تمامَ الاستيعاب، ولا يستفيد منه كلَّ الفائدة، إلا أن لكلٍّ نصيبًا مُهمًّا من ذلك البستان.
وهي وإنْ أُلِّفتْ على عجلٍ في أحوالٍ شديدةِ الاضطراب، فشَابَ عبارتَها وإفادتَها قصور، إلا أنها بمنظار العلم قد بَيَّنتْ حقائقَ مسائلَ مهمةٍ كثيرة.
٭٭٭
— 221 —
بما أن رسائل النور قد أَخذت تَعُمُّ بواسطة جهاز النَّسْخ، وبما أنها تَشهد إقبالًا وتمسُّكًا من كثيرٍ من الطلاب والمدرِّسين المشتغلين بالفلسفة والحكمة الجديدة، فلا بد من بيان الحقيقة التالية:
إن الفلسفة التي تهاجمها رسائلُ النور وتَصفعُها صفعاتٍ شديدة إنما هي القسمُ الضارُّ من الفلسفة، لا الفلسفةُ بإطلاقها، ذلك أن قسمَ الحكمة والفلسفة الذي يَخدُم الحياةَ الاجتماعية البشرية، والأخلاقَ والكمالاتِ الإنسانية، والازدهارَ العلميَّ متصالحٌ مع القرآن، بل هو خادمٌ لحكمةِ القرآن لا يتعارض معها، ورسائلُ النور لا تتعرَّض لهذا القسم بشيء.
أما القسم الآخَر من الفلسفة، فإنه لما كان وسيلةً للتردي في مَهاوي الضلالة والإلحاد، والسقوطِ في أوحال الطبيعة، وكان من جهةٍ أخرى يورِث المرءَ الضلالةَ والغفلةَ باللهو والمجون والرذيلة، وكان بخوارقه الشبيهةِ بالسحر متعارِضًا مع حقائق القرآن المعجِزة، كانت رسائل النور بمُعظَم أجزائها تتعرَّض لهذا القسم المنحرف من الفلسفة، فتتصدَّى له بمَوازينها الدقيقة ومُوازناتها الرصينة، وتَصفعُه ببراهينها الدامغة، وتُبقي على القسم الأول المستقيمِ النافعِ فلا تَمَسُّه بشيء؛ ولهذا يَدخل المشتغلون بالعلوم الحديثة في رسائل النور دون اعتراضٍ ولا تردُّد، وهذا ما ينبغي لهم.
إلا أنه مثلما استطاع المنافقون العاملون في الخفاء استغلالَ بعض المشايخ بأمورٍ لا أصلَ لها ولا حقيقةَ ليَدفعوهم إلى معاداة رسائلِ النور، مع أنها البضاعةُ الحقيقية للعلماء والمشتغلين بالعلوم الدينية، فمن المحتمل كذلك أن يثيروا الأنانيةَ العلميةَ لدى بعض المشتغلين بالعلوم الفلسفية ليدفعوهم إلى معاداة الأنوار، وبناءً على هذا أرى من المناسب كتابةَ هذه الحقيقة في مقدِّمةِ مجموعَي "عصا موسى" و"ذي الفَقار".
٭٭٭
— 222 —
أخٌ لنا من خواصِّ طلاب النور، معلِّمٌ متقاعدٌ من قرية "مُلايم" بناحية "أفلاني" التابعة لی"صَفْرَن بولو"، يريد التبرع بالقسم الأعظم من ماله لنشر الأنوار وطبعِها، ويرجو منا قَبول ذلك.
إنني لا أستطيع ردَّ هذا الرجاء المِعطاءِ الخالص من هذا الأخ الخاصِّ الخالص، ولا أعرف في الوقت نفسِه توجيهَ المصلحة في هذا الأمر، إذْ لا تَدخُل أموالُ الدنيا في قاعدتي الشخصية، ولا أقبل المساعدات لنفسي، فأُحيل الأمر إلى بَطلَي "إسبارطة"، وإلى "خسرو" و"طاهري" وإخوانِهما، وإلى "نظيفٍ" ورفاقه.

ولا أريد أن أمنع مثلَ هذا الخير العظيم والثواب الجزيل لنشر النور، فاق$hVوا كاملَ المبلغ أو بعضَه قسمَين، فقسمٌ يُحوَّل إلى جهازِ "إسبارطة الكبرى"، وقسمٌ يُحوَّل إلى جهازِ "إسبارطة الصُّغرى".

وقابِلوا أخانا الخاصَّ هذا یی ومَن يَحذو حَذْوَه یی بنوعٍ من المكافأة، أو أعطُوه من الأنوار ما شاء.
٭٭٭
حين ألَّفتُ "الرُّموزات الثمانية"، كتبتُها على عجَلٍ شديد، وأَجريتُ فيها حسابَين تقريبيَّين اعتمادًا على محفوظاتي القديمة، وكتبتُ أسرارَ الحروف القرآنية من حيثُ الإعجاز بناءً على حسابات العلماء السابقين، ثم نظرتُ في البيانات المتعلقة بالحروف والكلمات القرآنية الواردة في التفسير المشهور المقبول المسمى "المِقْباس" لمجد الدين الفيروزأبادي صاحبِ القاموس الشهير، فكانت بياناتُه موافقةً لحسابنا بنسبةِ تسعين بالمئة، ولم يقع اختلافٌ إلا في نحوِ خمسةِ إلى عشرةِ مواضع.
ثم أجريتُ حسابًا تحقيقيًّا دقيقًا، فتبيَّن أن حسابَنا هو الصحيح، وأنه قد وقع في حسابه سَهوٌ من قِبَل النُّسَّاخ أو المطابع.
— 223 —
ومع أن وجود بعضِ النواقص أو الفروقات اليسيرة في توافقاتِ هذه الحسابات الضخمة لا يَضيرها شيئًا، فإني هَمَمتُ بإجراء حسابٍ تحقيقيٍّ للقرآن الكريم كاملًا بجميع حروفه وكلامه وكلماته، تأييدًا لِلَطائفه الإعجازية، لكني لم أجد وقتًا لإجرائه، إذْ لم يترك الظَّلَمةُ فرصةً لذلك؛ فاكتفيتُ بمحفوظاتي وحساباتي التقريبية، وبحسابات العلماء السابقين، وبأعدادي الموجودة في "دعاء كنز العرش".
٭٭٭
وَصلَتْني رسالةٌ من "نظيف چلبي" يهنئنا فيها بالعيد باسم إخواننا الخُلَّص في "إينه بولو"، ويُبيِّن استمرارَ العمل في خدمة "ذي الفَقار" بمنتهى الاهتمام والاحتياط والحذر، وبأنه قد أتم العمل في "المعجزات القرآنية" وبعضِ ذيولها، وأن مجموعَي "عصا موسى" و"المعجزات الأحمدية" التي أقرأَهما "عبدُ الرحمن صلاح الدين" للقساوسة الأمريكان مدةَ خمسةِ أشهرٍ تقريبًا، قد أرسلهما هديةً باسمنا إلى الجامع الأزهر عبر جهةٍ موثوقة، وأن طالبَ نورٍ مُهمًّا هو "أحمد قريشي" قد تبرَّع بمئة ليرةٍ لنفقاتِ جهاز النَّسْخ.
ونحن نبعثُ بخالص التهنئة والتبريك لأخينا البطل "نظيف"، وللنوريين في "إينه بولو" أهلِ الثبات والجدية والالتزام التام، ولی"أحمد قريشي" ورفاقه، ونهنئهم بالعيد، وبخدماتهم المستمرة، ووفائهم الرفيع، ونجاحهم في طبع "ذي الفَقار"، كما نهنئ "صلاح الدين" على مساعيه في عَقدِ أواصر الصِّلة بين"المدرسة الزهراء" و"الجامع الأزهر".. وفقهم الله، آمين.. وتقبَّل خدماتهم أتمَّ قَبول، آمين.
٭٭٭
النسختان المُزمَعُ إرسالُهما إلى علماء الجامع الأزهر لم تُصحَّحا من قِبَلي، ومن المؤكَّد وجودُ سهوٍ في كتابةِ بعض الكلمات العربية وضبطِها، خصوصًا في
— 224 —
"خلاصة الخلاصة" الموجودةِ في الختام، فلقد وَجدتُ العديدَ من هذه الأخطاء في النُّسَخ الأخرى، فوفِّروا نسختَين مدقَّقتَين من قِبَل أساتذةٍ متقنين للغة العربية،
(حاشية): بإمكاني إرسالُ نسخةٍ من "عصا موسى" وأخرى من "ذي الفَقار" موجودتَين لديَّ ومصحَّحتَين بتصحيحي الناقص، فقابِلوا نُسَخَكم عليها، ثم أرسلوا نسختَين منها إلى مصر إن شئتم.
لترسلوهما إلى الجامع الأزهر في الوقت الذي ترونه مناسبًا، واكتبوا في رسالةٍ مرفَقة:
"إن المدرسة الزهراء لرسائل النور إنما هي ابنٌ للجامع الأزهر محتاجٌ إلى شَفَقَتِه، وطالبٌ له محتاجٌ إلى رأفته، وهي تلميذٌ له استهدفَه هجومُ أعداءٍ أشدَّاء، وهي فَرعٌ صغيرٌ من ذلك الجامعِ الأزهرِ الكبيرِ رئيسِ المدارسِ الذي ينوِّر العالَم الإسلاميَّ على الدوام؛ فنرجو من علوِّ همةِ هذا الأستاذِ القدير، والأبِ الشَّفيق، والمرشدِ الأعظمِ الغَيور، أن يعين ابنَه وتلميذَه المسكينَ هذا تمامَ العون.
أما الكتابان المقدَّمان إلى هذا الأستاذ الجليل، فإنما هما بمثابة ما يَكتبُ الطالبُ من دروسٍ تَعَلَّمها، ثم يُقدِّمها إلى أبيه أو أستاذه في المساء، ليَعرِفا درجةَ فهمِه لها؛ فهُما درسانا، عُرِضا على نظرِ مسامحةِ ذلك العلَّامة الشَّفيق".
٭٭٭
وصلتْني رسالةٌ من "دَنِزْلي" الأثيرة، مركزِ رسائل النور المُهِمِّ الذي قدَّم للنور خدماتٍ كثيرةً في مدةٍ يسيرة، بعث بها "خسرو دَنِزْلي"، أعني أخانا العزيز "مُحَرَّم" يهنِّئ بالعيد باسم "حسن فيضي" ورفاقِه الجادِّين الصادقين، خصوصًا القاضي العادل، و"محرَّم" والحافظ "مصطفى" والآخَرين، ويَذكر فيها ما يعانيه "حسن فيضي" من مرضٍ شديدٍ خطير.
ولقد بِتُّ على قناعةٍ قطعيةٍ من أن "حسن فيضي" قد قام بتضحيةٍ معنويةٍ إذْ تَحمَّل القسم الأعظم من المصيبة التي نزلتْ بي، شأنُه في ذلك شأنُ الشهيد الحافظ "علي رحمه الله"، فكما أنه رحل إلى البرزخ بدلًا مني كما دلَّتْ عدةُ أمارات، فكذلك الأمر
— 225 —
مع "حسن فيضي" إذْ تَوافَقَ زمانُ لزومه البيتَ دون خروجٍ مع زمان مرضي، في الوقت نفسِه، والمدةِ نفسِها، والأسلوب نفسِه، والشِّدة نفسِها، وما هذا التوافُق إلا أمارةٌ قويةٌ على أن هذا الأخ الذي يَألَم لي ويُكِنُّ لي بالغَ الشَّفَقة قد تحمَّل قسمًا من مرضي معنًى؛ وليس في هذا التوافُقِ الواقعِ بأربعةِ وجوهٍ إلا فرقٌ واحد، وهو أن ما أصابني كان سببه التسمُّم، وأن ما أصابه كان سببه البرد.
لا بدَّ أن "رسالة المرضى" قد عادتْه وتفقَّدتْ حالَه نيابةً عنا، فبَثَّتْه السُّلوان، وبشَّرتْه بما في مرضه من أجرٍ عظيم، وبدَّلتْ مشاقَّه فرحًا وسرورًا؛ أحسَنَ الله إليه بالشفاء العاجل.. آمين.
٭٭٭
حين كنتُ في "بارلا"، كتبتُ مرةً في إحدى "الرسائل" تمثيلًا عن رجلين كانا على وَشْك السفر إلى إسطنبول، أما أحدُهما فكان له فيها تسعةٌ وتسعون بالمئة من أصحابه، فهو ذاهبٌ إليها بشوق، وأما الآخَر فكان بخلافه.. إلى آخر المثال.
وقد حصل مثلُ هذا معي اليوم، إذِ انتقلتُ یی بإخطارِ مرضي هذا یی إلى الزمان الماضي، وتجوَّلتُ خيالًا في تلك الأزمنة والبلاد التي قضيتُ فيها حياتي، فلم أجد في مراحل حياتي الجميلة في كل بلدٍ إلا واحدًا أو اثنين بالمئة من أصحابي، أما الآخرون فكانوا في بلاد البرزخ.
حتى في قريتي "نُورْس"، وجدتُ ابنَ عمي الوحيدَ وطالبي في الوقت نفسِه "المُلَّا داوود"، قد رحل إلى البرزخ إلى جوار أقربائي وأحبائي القُدامى.
وكذا أماكنُ مثلُ "بارلا" و"قَسْطَموني" التي تُعَدُّ كلُّ واحدةٍ منها وطنًا ثانيًا لي خلال عشرين سنةً من حياتي، لم أجد فيهما سوى ثُلثَي أصحابي، وهم أيضًا على وَشْكِ الرحيل.
وبناءً على هذه الحقيقة التي عاينتُها خيالًا، فإن الذهاب إلى البرزخ الذي نراه یی بنورِ رسائل النور یی نورانيًّا حقيقةً، يُشعِرني بالشوق لا بالمشقة.
— 226 —
ثم إنه يوجد مئاتٌ من أمثال "خسرو" و"طاهري" و"مصطفى" و"نظيف" و"عثمان" و"عبد الرحمن" و"علي" و"صبري" و"فيضي" و"أحمد" و"محمد" و"عاطف" و"مصطفى" و"صادق" و"عثمان" وغيرِهم من أبطال النور الذين سيَخلُفونني في الدنيا بعد رحيلي، فيقومون بوظيفتي بدلًا مني ويُكسِبونني الأجر، وهذا يُخفِّف عني وطأةَ الموت كثيرًا، فالشكر لله بلا حدٍّ أنني أموت من جهةِ الوِزْر، وأعيش من جهةِ الأجر.
٭٭٭
أولًا: أعددنا لكلِّ مصيبةٍ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.. إن وفاة البطل النوريِّ "حسن فيضي" خليفةِ المرحوم الحافظ "علي" خسارةٌ كبيرةٌ لی"دَنِزْلي" ولدائرة رسائل النور، ولهذا البلد وللعالَم الإسلامي.. غير أنه ببياناته ودروسه الصادقة الخالصة الفائقة قد مَهَّد السبيل لتخريجِ كثيرٍ من أمثاله يَنهجون نهجَه، ثم رحل.
لقد أسدى في سنةٍ أو سنتَين خدمةً قيِّمةً للأنوار تَعدِل خدمةَ عشر سنين، تمامًا كما فعل ابنُ أخي "عبدُ الرحمن".. نعم، فكلٌّ منهما قد أدى في سنتين وظيفةً لا تؤدَّى إلا في عشر سنين، وكأن لسان حالهما يقول: سنغادر الدنيا سريعًا.
إنني أهنئ المرحوم "حسن فيضي" باعتبار شخصه، وأعزِّي بالغَ العزاء "دَنِزْلي" ودائرةَ النور وهذا البلد، فإنها لَمصيبةٌ كبرى فَقْدُ رجلٍ من هذا الطِّراز مؤمنٍ حقيقيٍّ ذي جناحَين، وعالِمٍ مدقِّق، ومعلِّمٍ أديبٍ رفيع، ومدرِّسٍ واعظٍ مؤثِّر.. لكنَّ "دَنِزْلي" مَوئلُ الأبطال، فسيَخرُج منها كثيرون من أصحاب الأنوار وناشريها، يحملون روح "حسن فيضي" إن شاء الله.
وكما أن الحبة توضع في التراب فتموت، فتَتَسنْبلُ منها مئةُ حبة، فإنا نؤمِّل في الرحمة الإلٰهية أن تُخرِج لنا من "حسن فيضي" سنبلًا قدسيًّا، فيترعرع في دائرة النور كثيرٌ من أمثاله، يؤدُّون وظيفتَه أكثرَ مما كان يؤدِّيها.
— 227 —
ثانيًا: ينبغي لكل واحدٍ منا أن يُهديَ مكاسبَه المعنوية لأخينا البطلِ هذا كما لو أنه حيٌّ، فنُرسِل هذه المكاسب إلى صحيفة حسناته بصورةٍ خصوصيةٍ كما نرسلها بصورةٍ عمومية.
وقد قررتُ من جهتي أن أهبَه مكاسبي المعنوية في دائرة الأولياء العظام، وقد حلَّ عندي خامسًا بعد الحافظ "علي" والحافظ "محمد" و"أحمد الصاوي" و"محمد زُهدي".
وكما سبق أن أدرجنا في "المَلاحق" كلماتٍ له عن رسائل النور تَخدُم انتشارَها في ظلِّ الظروف الصعبة، فأدرِجوا كذلك بعضًا من رسائله المؤثِّرة، وألحقِوها بنهاية المجموعات التي ترونها مناسبة، "كعصا موسى" و"ذي الفَقار"، كي تَخدُم كلماتُه الحيةُ الأنوارَ بدلًا منه.
وبلِّغوا بالنيابة عني تعازيَّ لأقربائه في بيتِه، مدرستِه النورية الصغيرة، ولرفاقه وطلابِه وتلاميذِ النور في المدرسة النورية الكبيرة: "دَنِزْلي" وما حولها، وقولوا لهم: ما تأثرتُ في حياتي لوفاةٍ ولا بكَيتُ لها بقدرِ ما تأثرتُ وبكَيتُ لوفاته.
وقد تَحقَّق الآن أن ما وقع في رسالتي السابقة من حِدَّةٍ شديدةٍ وتشتُّتٍ في ذهني إنما بدأ من يوم وفاة أخينا البطل هذا، حتى لقد سَلَب هذا التأثيرُ اختياري، فأوصيتُ لمن يتولَّون خدمتي وصيةَ الموت، ما يعني أن "حسن فيضي" الذي هو بمثابة روحي الثانية كان يموت بدلًا مني وقد مات فعلًا، حتى إن الرسالة المتضمنة لخبر وفاته ظلَّتْ في يدي ساعةً ونصفَ الساعة لا أستطيع فتحها بخلاف العادة!!
على أنه في مقابل كلِّ هذا الأسى الأليم سارعتِ العنايةُ الإلٰهيةُ لإغاثتنا، فهنأتُ یی في طَيِّ التعزية یی نفسي، وهنأتُه، وهنأتُ النوريين فرِحًا من صميم روحي، ورحَّبتُ بإعفائه، وقلتُ: أسبغ الله عليه جزيل الرحمات والبركات.
ثالثًا: بينما كنت أفكر بأسفٍ في رحيل المرحوم "حسن فيضي" إلى البرزخ، وبقاءِ وظيفتِه شاغرةً، وأستذكر كيف كان هذا الرجل قدوةً حسنةً ساطعةً لكثيرٍ من
— 228 —
خريجي العلوم الحديثة، بما كان يتحلَّى به من تمكُّنٍ علميٍّ وبراعةٍ في التدريس، وغيرِ ذلك من الصفات التي دفعت طلاب العلوم الحديثة نحو الأنوار.. إذْ وصلتْني رسالةٌ من "داداي"، من الحافظ "حسن" الذي انقطعتْ عني رسائلُه منذ ثلاث سنين، ولم أستطع أن أعرف شيئًا عن حاله واستمراره في الأنوار، وإذا به يخبرني في رسالته أنه قد دخل بواسطته إلى دائرة النور مُدرِّسٌ على غِرار "حسن فيضي" اسمُه "حسن"، ودخل معه كذلك وَلَداه، كما دخلَ إلى دائرة النور مُدرِّسٌ متميزٌ مُضحٍّ كهذين الحسَنَين اسمُه "أحمد فؤاد"!!
فقلتُ: رحل المدرِّس "حسن"، فحَلَّ محلَّه مدرِّسٌ آخَر اسمُه "حسن"، ومدرِّسٌ آخَرُ كثيرُ التضحيات اسمُه "أحمد فؤاد".
وزارني في الوقت نفسِه "حسنٌ" آخر من "بولفادين"، كان قَدِمَ من الحج مؤخَّرًا، ودخل دائرةَ النور، وحصل على الرسائل، وشرع يتنوَّر بها ويُنوِّر.
ثم جاءني بعد سُوَيعاتٍ الطبيبُ "خيري" صاحبُ الخير الكثير، ومَن هو بمثابة "خسرو أميرداغ وفَيضيِّها"، فقال لي: إن "عبدَ الرحمن"، المدرِّسَ القديرَ في هذه البلدة، والذي خدم النور بمثل ما خدمه "فيضي"، يرغب في أن يكون من طلاب الأنوار، فإنْ قبلتُم أعطيناه "عصا موسى"، فقلت: أعطُوه.
ثم إني نظرتُ في رسالة "مصطفى عثمان" التي وصلتْني في اليوم نفسه، وأخونا مصطفى هذا مثلُ "حسن فيضي"، أسدى إلى الأنوار خدماتٍ كثيرةً في مدةٍ يسيرة، وهو من طلاب العلوم الحديثة، وقد شَرَّفَ بوجهِ ما المدرسةَ الثانويةَ في "قَسْطَموني"، ويسعى الآن لتنوير الجامعة، وقد بَعَثَ برسالته هذه بمناسبة جهاز نَسْخ الأنوار، وذَكَّر بقانون المطبوعات داعيًا إلى الاحتياط والحذر في تداول الرسائل المستنسَخة، لئلا يصيب الأنوارَ ضرر.
(حاشية): أَعجَبُ حقًّا من قانون المطبوعات!! بأيِّ سببٍ وبأيِّ وجهٍ يتعرَّض لأجهزةِ نَسْخِ "ذي الفَقار" و"عصا موسى" مع أنها تُقدِّم خدمةً مُثلى للحفاظ على حجر الأساس لهذا الوطن وأبنائه، بينما لا يتعرَّض بشيءٍ للصُّحف التي تنشر مبادئ الشيوعية والإلحاد والفوضوية!!
— 229 —
فقلت: شكرًا لله بلا حدٍّ أن مدرِّسًا واحدًا أُعفِي، فحلَّ محلَّه "حسَنان" و"مصطَفَيان" وثلاثةُ مدرِّسين وطالبٌ جادّ، فهُم في وظائفِهم يؤدُّون وظيفةَ بطلِ "دَنِزْلي"، وهذا الحال يشير إلى أنه مثلما رحل الحافظ "علي" فحَلَّت "دَنِزْلي" محلَّه، وأنْسَتْنا لوعةَ رحيله، فكذلك الشأن في رحيل "حسن فيضي"، ستحُلُّ جامعةٌ مَحَلَّه، وتُنسينا لوعةَ رحيله إن شاء الله.
سلامي لعموم إخواني.
٭٭٭
أولًا: نسأل الله تعالى أن يوفِّق البطلَ "نظيفًا" وأصحابَه المتمثِّلين روحَه وصِدقَه ووفاءَه حقيقةً؛ فخدماتُهم للنور التي تَعُمُّ كلَّ الجهات بواسطةِ جهاز النَّسْخ تسير على نحوٍ يجعل هذا البلد مُمتنًّا لهم أيَّما امتنان، خصوصًا أن محاصيل هذا الجهاز قد جَمَعتْ بين كونها صحيحةً وواضحةً ومزيَّنةً في آن، وهذا نجاحٌ كبير؛ (حاشية): طالعتُ مؤخَّرًا أربعًا وعشرين صفحةً منه فلم أجد أخطاءً سوى استبدال الخاء بالحاء في موضعين أو ثلاثةٍ لا غير. ولقد قَيَّض الله تعالى لی"نظيفٍ" كثيرًا من أمثال "صلاح الدين" و"إبراهيم".
يَطلُب "نظيفٌ" أن أكتب بخطي كلمةً توضَع في مقدمة "ذي الفَقار"، وقد أَرسل إليَّ أربع صفحاتٍ مخصوصةً لهذا الغرض، غير أني لا أستطيع الكتابةَ في هذه الآونة لاعتلال صحتي، فسأُمليها على كاتبي الدائم، ثم أكتب بنفسي بضعَ كلمات.
وصلتْني ثلاثةُ أنواعٍ من التبركات المادية بعث بها أخونا "نظيف" باسم النوريين في إسطنبول و"إينَه بولو" بمناسبة العيد والعام الجديد، وقد قبلتُها هديةً من مجموعِهم جزاهم الله خيرًا.. قبلتُها خلافًا لعادتي، وكسرتُ قاعدتي مراعاةً لخواطرهم.
وقد وصلني مع هذه التبركات المادية نورُ "ذي الفَقار" المعنويِّ الفردوسي، أُرسِل باسم "إبراهيم الصغير" الذي هو "صلاحُ الدين الثاني"، إضافةً لمجموعتين من
— 230 —
أخينا "مصطفى عثمان" الذي خَطَّ معظم "الكلمات" بصورةٍ في غاية الجمال، والذي يتحلى بالصدق والوفاء والارتباط الذي يتحلَّى به "نظيف"، وقد أُرسِلتا باسم النوريين في "صَفْرَن بولو"، أسأل الله تعالى أن يثيبَهم بكلِّ حرفٍ منها حسناتٍ في صحائف أعمالهم، وصحائفِ أعمال "إبراهيم" و"مصطفى" و"عزَّت" ورفاقهم ومعاونيهم، وأسأله تعالى أن يُفيض عليهم بكلِّ حرفٍ منها رحماتٍ سابغة، آمين.
والحقيقة أنه قد قُيِّض لی"مصطفى عثمان" شخصان مُهمَّان من أهل الهمة، هما له جَناحان، إذْ كما تَوَفَّرَ لی"نظيفٍ" "صلاحُ الدين" و"إبراهيم"، تَوَفَّرَ لی"مصطفى" المدرِّسُ "أحمد فؤاد" والطالبُ الجامعيُّ "مصطفى أُوروچ"، وسيؤدِّي هذان الجناحان عملًا كثيرًا في خدمة النور إن شاء الله؛ حتى إن مشاركتَهما الفعّالةَ في الخدمة النورية في هذه الآونة قد خفَّفتْ عني لوعةَ وفاةِ بطل "دَنِزْلي" "حسن فيضي".
سُرِرنا كثيرًا بأخبار "إبراهيم الصغير" الذي غدا لی"نظيفٍ" "صلاحَ الدين الثاني"، وراح يعمل بجدٍّ ونشاطٍ مع أبنائه وزوجته وأخيه في خدمةِ النور والقيامِ على جهاز النَّسْخ، كما سُرِرنا بأخبار "صالح" و"حسين" و"عثمان" و"زُهدي" و"عزَّت" و"عمر" وسائرِ النوريين المذكورين في رسالتكم، وبتَرَقِّيهم في خدمة النور بتمكُّنٍ وثبات، وسوف يُسَرُّ بهم هذا البلد في قادم الأيام بإذن الله.. بارك الله بی"إينه بولو"، فقد أثبتتْ أنها "إسبارطةٌ مصغَّرة" ومدرسةٌ نوريةٌ كاملة.
ثانيًا: بخصوص "مصطفى أُوروچ" الطالبِ الجامعيِّ النوريِّ ذي الهمة والنشاط، الذي يتحلَّى بقابليةِ "عبد الرحمن" و"صلاح الدين"، ولوصفه مناسبةٌ بالأنوار وبقرية "نُورْس" وبلقبي "النُّورْسِيّ"، فقد سبق أن أرسلنا إليه مجموعاتٍ مستنسخةً بالحرف العربي، ثم أرسلنا إليه نحوَ تسعةِ أجزاءٍ بالحرف اللاتيني المستحدَث إجابةً لطلبه وبناءً على قوله: إن طلاب الجامعة بأشدِّ الحاجة واللهفة إليها.
إلا أنه لقلةِ خبرةِ هذا التلميذ الشاب وعدمِ كفايتها في الحفاظ على الأنوار وصَونها، ولضمانِ وصولها إلى الأيدي التي تليق بها وعدمِ تعطيلها، ينبغي على تلاميذ
— 231 —
النور یی خصوصًا القريبين من إسطنبول أو المتردِّدين إليها أو المقيمين بها یی أن يقدِّموا له العون اللازم في نشر الأنوار وصَونها.
ثالثًا: صحيحٌ أننا محزونون بشدةٍ لرحيل بطل "دَنِزْلي" المعنويِّ "حسن فيضي" إلى جوار بطل "إسبارطة" المرحوم الحافظ "علي"، إلا أننا نقول كما يقول تلميذُه الخاص وطالبُ النور الخالصُ الوفيُّ "محرَّم":
(إنه بجهةٍ ما لم يمُت، وإنما أنهى وظيفته سريعًا، ومضى إلى عالَم البرزخ ليستريح.. لقد أُعفِيَ من وظيفته؛ وإنه والحافظَ "عليًّا" يقدِّمان لنا العون معنًى بشفاعتهما وبما خلَّفا للأنوار من آثارٍ نافعة.. إنهما ما يزالان يعملان للأنوار معنًى.
ولما كان كلٌّ منهما بمثابة شهيدٍ معنوي، فإننا على أملٍ كبيرٍ في الرحمة الإلٰهية أن يكون "حسن فيضي" الآن يذاكر حقائقَ النور مع الحافظ "علي" في دائرة مَن ارتحلوا من طلاب النور، على غِرار طالبِ النحو المذكورِ خبرُه في المسألة الحادية عشرة من "رسالة الثمرة".. نسأل الله تعالى أن يُخرِّج لنا في دائرة النور كثيرًا من أمثال "حسن فيضي" ينهضون بوظيفته في الدنيا).
(حاشية): ريثما يتشاور الطلاب ويختارون بطلًا جديدًا ينهض بجميع الوظائف النورية التي كان يتولاها أخونا المرحوم، ينبغي على كلِّ طالبٍ أن يتولى وظيفةً منها وفق قاعدة تقسيم الأعمال.
العزيز "علي عثمان".. وقع عليك الاختيار للقيام بهذه المهمة في "إسبارطة"، فليتشاور الإخوة هناك لاختيار شخصٍ وثيقِ الصلة بالنور يتولى دور "خسرو دَنِزْلي" لكيلا يظلَّ شاغرًا، وليُحتفَظ بالقبعة التي أهديتُه إياها إلى أن يَظهر صاحبُها الحقيقي.
على أن أخانا المباركَ هذا لم يكن يجتنب الأدويةَ المصنَّعةَ كما أفعل أنا، فحين عانَيتُ أشدَّ مما عانى، اكتفيتُ بدعاء النوريين، فلم أتعاطَ أيًّا من الأدوية المادية، ولم أستشر أحدًا بشأن المرض فتساورَني الهواجس والأوهام؛ لكنَّ أخانا المرحوم لم يتيسر له موافقتي في هذه النقطة.
وبما أنه قطع على نفسه عهدًا یی في كلماته الساطعة التي كتبها حول الأنوار یی أن يضحي بنفسه فداءً لأخيه المسكين هذا، فقد أدى وظيفته النورية سريعًا، ومضى إلى عالَم الراحة.
— 232 —
أكرر عزائي لأهله وأقربائه، ولطلابه الجادِّين الأعزاء من أمثال "محرَّم"، وللنوريين في "دَنِزْلي" وما حولها، وأذكِّرهم بأن يفعلوا كما فعلنا، أي أنْ يُشرِكوا المرحوم في حسناتهم، فيَهَبوه حسناتٍ في صحيفة أعماله كأنه لم يمُت في جهة الأجر والحسنات.
نُسلِّم عليهم، ونسأل الله تعالى له أن يتغمده بسابغ الرحمات.
رابعًا: ذكر "مصطفى يلدز" طالبُ النور المهم، وأحدُ أبطال "صاوة" التي خَدمَتِ الأنوار بألف قلم، ذكر أن طائرَه قام بحركاتٍ عجيبةٍ فيما يخص أعمال النور، على غِرار ما فعله طائرُ الهدهد السليماني، وليس هذا بالأمر المستغرب، بل له أمثلةٌ كثيرة، فللطيور علاقةٌ بالأنوار كما تَحقَّق بوقائع كثيرة.
أما "صادق بك" الذي يطابق شخصُه اسمَه تمامَ المطابقة، والذي أسدى في السجن یی هو و"حلمي" یی خدماتٍ لا تنسى، سواءٌ لشخصي، أو فيما يخص التآلف بين النوريين، أو توافقَهم مع المساجين، والذي خدم الأنوار في بلده بكلِّ بطولة، قبْلَ السجن وبعدَه، فأقول له في مقابل تهنئته وتهنئةِ أهله وأمِّه لي، والأُضحيةِ التي ضَحَّى بها عني: ما شاء الله، بارك الله بكم جزيلَ البركات.
كما نسلِّم على "عثمان صالح أوغلو" طالبِ النور الذي بعث إلينا مُسلِّمًا، ونقول له: تم قبولُك في دائرة النور.
٭٭٭
— 233 —

يوزَن مِدادُ العلماء بدماء الشهداء"

«مَن تمسَّك بسنتي عند فساد أمتي فله أجرُ مئةِ شهيد»
استلهامًا من هذين الحديثين الشريفين، نُبيِّن بعضًا من الفوائد الدنيوية والأخروية الكثيرة التي تنطوي عليها كتابةُ رسائل النور، وهي فوائدُ مُبيَّنةٌ في رسائل النور، مُصدَّقةٌ بتجارب تلاميذها.
ففيها خمسةُ أنواعٍ من العبادة:
فأولًا هي جهادٌ معنويٌّ لأهل الضلالة، وهو أهمُّ جهاد؛
وثانيًا هي خدمةٌ من الطالب لأستاذه بمساعدته في نشر الحقيقة؛
وثالثًا هي خدمةٌ للمسلمين فيما يتعلق بالإيمان؛
ورابعًا هي تحصيلٌ للعلم بتقييده؛
وخامسًا هي قيامٌ بعبادة التفكر التي تَعدِلُ ساعةٌ منها في بعض الأحيان عبادةَ سنة.
وفيها خمسةُ أنواعٍ من الفوائد الدنيوية:
فأولُها البركةُ في الرزق؛
وثانيها راحةُ القلب وسرورُه؛
وثالثها يُسْرُ المعيشة؛
ورابعها النجاحُ والتوفيق في الأعمال؛
وخامسُها أن الناسخ بنَيله فضيلةَ طالب النور، يغدو شريكًا لجميع طلاب النور في دعواتهم الخاصة.
وثمة نتيجتان مهمتان لمَن يَخدُم الأنوار بكتابتها، ويتتلمذ لها بصدق:
الأولى أن حياتَه تُختم بالحسنى، فيَدخل القبر بالإيمان كما أشارت إلى ذلك آياتٌ قرآنية.
— 234 —
والثانية أنه يصبح شريكًا لجميع طلاب النور في حسناتهم ومكاسبهم المعنوية، بسِرِّ ما بينَهم من شراكةٍ معنويةٍ في دائرة النور.
وفضلًا عن ذلك، فإنه یی في هذا الزمان الذي فُقِدَ فيه طلبُ العلم یی يَدخل في عِداد طلاب العلم الذين هم مَظهرُ احترام الملائكة، (حاشية-١): وذلك ثابتٌ بالمشاهدة القطعية لبعض أهل الكشف. حتى إذا توفي، وكان موفَّقًا ناجحًا محظوظًا، نال في عالَم البرزخ حياةَ الشهداء كما حصل للحافظ "علي"، ولطالب العلم المشهور المذكور في "رسالة الثمرة".
٭٭٭

فيما يلي الكلمةُ التي ستوضع في مقدمة المجموعات المستَنسَخة آليًّا.

(بعد أن دقَّقتْ محاكمُ أنقرة ودَنِزْلي ولجانُ خبرائهما في جميع أجزاء رسائل النور على مدى عامين كاملَين، صدر القرار بالإجماع يقضي ببراءتنا، وبتسليمي جميعَ أجزاء الرسائل، وبناءً عليه فلا مانع من نَشرها، وهذه المجموعة بأجزائها هي من جُملة ما سُلِّم إليَّ من رسائل النور).
ما شَهِدتْه مدارسُ "إسبارطة" ومساجدُها من إجراءاتٍ لصالح الدين، يمكن أن يُعَدَّ فتوحاتٍ معنويةً لی"ذي الفَقار"؛ وكما أصبحت هذه الولايةُ مدرسةَ الأنوار، وصارت مُعلِّمةً لسائر الولايات، فستكون كذلك الأسوةَ الأُولى والنموذجَ المحتذى في الشعائر الإسلامية إن شاء الله.
(حاشية-٢): بالرغم من عدم التفاتي إلى أهل السياسة مطلقًا، إلا أنه اتفق أنْ طرَقَ سمعيَ اليومَ خبرُ سعي بعض النواب الملاحدة لإزالة بعض المساجد!!
إن وقوع تسميمي ومرضِ موتِ "حسن فيضي" في نفس الوقت لا يشبه المصادفة، بل تبدو محاولاتُ التصفيةِ الثلاثُ هذه التي وقعت في وقتٍ واحدٍ مترابطةً فيما بينها، وقد فشلت اثنتان، واختَطفتِ الثالثةُ بطلًا.
٭٭٭
— 235 —
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
أولًا: بينما كنت أقاسي شدائدَ المرض الماديِّ والمعنويِّ الناجمِ عن وطأةِ هذا الشتاء الماديِّ والمعنويِّ، وبينما كانت تعتصرني آلامٌ من احتمال مفارقةِ الدنيا، والافتراقِ عن إخواني النوريين الذين تربطني بهم علاقةٌ وثيقة، إذْ قَدِمَ إلى هنا "سليمان الصِّدِّيق" و"صبري" مرسالُ النور.. قَدِما باسمِ مَن حولَهما من إخواني، وباسمِ أقربائي في النسب، وكانا بمثابة "عبد المجيد" و"عبد الرحمن".. فأحمدُ الله تعالى أن قدومهم كان لي دواءً كأنه تِرياق.
وخلافًا لعادتي في هذه البلدة، فقد دعوتُهم للمجيء إليَّ غيرَ مبالٍ بما يترتب عليَّ من ذلك، فجاءا، فتجالسنا قرابةَ ساعتين أو ثلاث، اطلعتُ فيها على كلِّ ما كنتُ قلِقًا بشأنه، خصوصًا أحوالِ أصحابي في "بارلا"، فكانت سياحةً معنويةً خياليةً سارَّةً عادت بي إلى أيامي الخالية في "بارلا"، وأورثتْني فرحًا وانشراحًا بدَّدا ما كنتُ أعانيه من ضيقٍ أليم.
وقد رغبتُ في بقائهما هنا يومًا أو يومين، إلا أن الظرفَ السيء وحالةَ التوجُّس في هذه البلدة لم يسمحا بذلك.. لقد استقبلتُ هذين الأخوَين نيابةً عنكم جميعًا، وأرسلتُهما نيابةً عني رسالةً حيةً إليكم جميعًا.
ثانيًا: تلقَّيتُ في اليوم التالي رسالةً ممن تربطهم بي علاقةٌ خاصةٌ وأُوليهم مزيدَ اهتمام، أعني الشبابَ الجامعي، وهم في هذه الرسالة تسعةُ نوريين حقيقيين أشبهُ بی"صلاح الدين" و"عبد الرحمن"، يعملون جادِّين لتنوير الجامعة؛ وهم "مصطفى أُوروچ"، ومن "قونية": "ضياء"، و"عبد الرحيم"، و"فيضي" و"بهاء الدين" وَلَدا "صبري"، ومن "قَسْطَموني": "عمر" و"عزيز" و"شكري" و"صبري".
لقد سرَّني وخفَّفَ من مرضي أخْذُ أمثالِ هؤلاء الشباب النوريين الجادِّين بالأنوار، وشعرتُ كأن "عبد الرحمن" و"فؤاد" ابنَي أخَويَّ قد عادا إلى الدنيا بعشْرةِ أمثالهما، فباشروا الوظيفة النورية من جديد.
— 236 —
ثالثًا: إنَّ بلوغ طباعةِ "ذي الفَقار" مرحلتَها النهائية هو مَبعثُ سعادةٍ للنوريين، بل للبلد بأجمعه، غير أنَّا لكيلا نُفوِّت هذه السعادة، يتوجب علينا الأخذُ بكل التدابير والاحتياطات الممكنة، بحيث إنْ وَقَع فرَضًا تَحَرٍّ وتفتيشٌ یی لا سمح الله یی كالاعتداء الذي حصل في رسالة "الآية الكبرى"، بقي محدودًا لا يَبلغ جميعَ النُّسَخ.
صحيحٌ أن القوم لم يعودوا يمارسون مثل هذه الاعتداءات، بل لا يقدرون عليها، بل يَسْعَون للمصالحة، إلا أن الزنادقة العاملين في الخفاء يبحثون عن ذريعةٍ يَخدعون بها السلطات كي ينقذوا أنفسَهم من لعنات المستقبل؛ فلهذا ينبغي الأخذ بالاحتياط والحذر، مع الاعتماد التام على الحفظ والعناية الإلٰهيَّين.
سيَحمي "ذو الفَقار" نفسَه من الاعتداءت بإذن الله، وسيحطِّم رؤوس المعتدين أو يَسوقهم إلى الإيمان إن شاء الله.
٭٭٭
أخي العزيزَ الوفيّ، وصديقي صاحبَ الهمة والحَمِيَّة في هذه الدنيا الفانية..
أولًا: أشكركم جزيلَ الشكر أنتم والأفاضلَ من "أرضروم" على اهتمامكم الحثيث بشأني، وإشفاقِكم على ما أعانيه من ظلمٍ وأذى في حياتي، ومسارعتِكم فكرًا لإعانتي، لقد فُقْتم في ذلك جميعَ أصدقائي وأبناء بلدي، وأسديتُم إليَّ معروفًا لا أنساه ما حَيِيْت، فألْفُ ألْفِ ما شاء الله.. بارك الله.
ثانيًا: سأُبيِّن لكم بضع نقاطٍ تتعلق بوضعي وإيذاء الظَّلَمةِ لي، مع أن هذا مخالفٌ تمامًا لمسلكي ولدرسي الذي تلقيتُه من رسائل النور، ومُنافٍ لدستور حياتي الذي اتخذته منذ عشر سنين، ألا وهو عدم الالتفات إلى ما في هذه الدنيا الفانية من أحداثٍ عابرةٍ تافهة، إلا أنني لم أفعل هذا إلا مراعاةً لخاطرك واهتمامك ولرسالتك المطوَّلة التي أرسلتَها مؤخرًا.
— 237 —
النقطة الأولى: أنني حين كنت عضوًا بدار الحكمة الإسلامية قبل ثلاثين سنة، قال لي يومًا أحدُ أصحابنا من أعضائها، وهو السيد "سعد الدين باشا": كن على حَذَر.. لقد عَلِمنا من مصدرٍ قطعيٍّ أن جمعيةً أجنبيةَ الجذور تنشر الزندقة في بلادنا قد اطَّلعتْ على أحد مؤلفاتك، فقرر أعضاؤها تصفيتك قائلين: لن نستطيع أن نَحمل هذا الشعبَ على قبول مسلكنا یی يعني الزندقة والإلحاد یی ما دام مؤلِّف هذا الكتاب حيًّا.. ينبغي أن نقضي عليه.
فأجبتُه: توكلتُ على الله، الأجل واحدٌ لا يتغير.
وقد توسَّعتْ هذه الجمعية منذ ثلاثين بل أربعين سنة، وما تَرَكَتْ في هذه المدة مكيدةً إلا استعملتْها في محاربتي، وسَعَتْ لتصفيتي بسَجني مرةً بعد مرة، وتسميمي إحدى عشرة مرة، (حاشية): بلغتِ الآن تسعَ عشرة مرة. وكان آخرُ مخططاتها الرهيبةِ توظيفَها النفوذَ الحكومي الرسمي ضدي، وذلك بتوجيهها وزيرَ الداخلية السابق، وواليَ "أفيون" السابق، ومديرَ منطقة "أميرداغ" السابق، وتحريضِهم عليَّ، فقاد هؤلاء المسؤولون الرسميون الثلاثةُ حملةً شعواءَ على رجلٍ لا حول له ولا قوة مثلي، ضعيفٍ، هَرِم، منطوٍ عن الناس، فقيرٍ، غريبٍ، محتاجٍ بشدةٍ إلى من يقوم على شؤونه، وبَلَغَ تخويفُهم الناسَ مني مبلغَه، حتى صار بعضُ الجيران يتحاشى السلامَ عليّ، بل صار القومُ ما أنْ يعلموا أنَّ موظفًا ما سلَّم عليَّ حتى يُبدِّلوا مكان عمله، فلم يعد يأتيني سوى المخبِرين!!
إلا أنه برغم هذا كله فقد أَولَتْني العنايةُ والحفظُ الإلٰهيَّان صبرًا وتحملًا، فلم تَضطرَّني هذه المضايقات والإيذاءات غيرُ المسبوقة إلى الالتجاء إليهم.
الثانية: لعلك تَذكُر أني حين ناقشتُ "مصطفى كمال" في ديوان الرئاسة بأنقرة، جابهتُه مجابهةً شديدةً، وقلتُ له: "إن تارك الصلاة خائن، وحكمُ الخائن مردود"؛ فلم يجرؤ على إهانتي أو الإساءة إليّ. هذا بينما أساء إليَّ هنا وأهانني شرطيٌّ وضابطٌ صغير، وكان المقصود من ذلك إغضابي واستفزازي لافتعال مشكلة، غير أن العناية والحفظ الإلٰهيَّين أحسنا إليَّ بالصبر والتحمل.
— 238 —
الثالثة: بعد أن دققتْ محكمتان في جميع أجزاء رسائل النور عامَين كاملَين فلم تعثرا على أية ذريعةٍ قانونية،
(حاشية): إما أنه لا تستطيع أية جهةٍ ولا أيُّ قانونٍ یی بل حتى بعض قوانينهم التعسفية یی أن تتعرض لنا ولرسائل النور؛ وإما أن بعض القوانين الحالية تستطيع ذلك، لكن القضاء ومعه ثلاث محاكم كبرى أحجموا عنه خوفًا من البغضاء واللعنات الشديدة التي ستحل عليهم مستقبلًا إنْ هم فعلوا ذلك، فلم يجرؤوا على إدانتنا وإدانة رسائل النور، وحكموا متفقين ببراءتنا وبإعادة جميع الرسائل.
ولا شك أن الظلم الذي يُقدِم عليه متجبِّرون يتقلدون مناصب مؤقتة، وتُحجِمُ عنه هيئاتٌ قضائيةٌ عتيدةٌ كالجبال، قادرةٌ على منح نفسِها حصانةً بالقانون الذي تتولى مقاليدَه، لهو أمرٌ يُغضِب السماوات والأرض، فلا داعي لحِدَّتي وغضبي.
قَضَتا ببراءتنا وبراءةِ رسائل النور، فقامت جمعيةُ الزندقةِ المذكورة بتدبير خطةٍ ذاتِ طابعٍ رسميٍّ في العاصمة، واستعانت لها ببعض المسؤولين المنافقين، فنقلوني إلى "أميرداغ" بذريعةِ النفي، وما هو في الحقيقة إلا سجنٌ انفراديٌّ وتجريدٌ مطلق، جُرِّدتُ فيه من جميع أصحابي وطلابي، ووُضِعتُ في أسوأِ مكانٍ لا يلائم صحتي ومعيشتي، ضمن إجراءاتٍ تخالف القانون من كلِّ جهة؛ ولقد تأكد اليومَ أنهم يعاملونني هذه المعاملة لمقصَدَين اثنين:
أحدهما: أنهم لعلمهم أنني لا أقبل الإهانة منذ سالف عهدي، عمِلوا على استفزازي ليثيروا مشكلةً يمهِّدون بها الطريقَ للقضاء عليَّ، فلما لم يُثمر مسعاهم هذا شيئًا لجؤوا إلى التسميم، إلا أن العناية الإلٰهية ودعواتِ طلاب النور كانت ترياقًا، وكان صبري وتحملي دواءً، فأزالت خطر ذلك السُّمِّ الماديِّ والمعنويِّ، وباءت خطتهم بالفشل.
وبالرغم من أنه لم يَشهَد التاريخُ ولا الحكوماتُ ظلمًا يُمارَس باسم القانون وباسم الحكومة كهذا الظلم والأذى الذي ألقاه، إلا أن الأمر الذي كان يثير حفيظتي هو الرقابةُ الدائمةُ عليَّ وتخويفُ الناس مني بشكلٍ يستفزني، لكنْ أُخطِر على قلبي أنه ينبغي لك أن تَرثيَ لهؤلاء الظلمة لا أن تنزعج منهم؛ فكلُّ واحدٍ منهم سيَلقى عما قريبٍ جهنمَ ماديةً ومعنويةً، وسيتجرَّع عذابًا خالدًا يَفوق ما يُذيقونك من عذابٍ مؤقَّتٍ
— 239 —
ألفَ درجة، وسيُنْتَقَم لك منهم ألفَ مرة، وسيقاسي بعضُهم یی إن كان له عقل یی تأنيبَ الضمير، وعذابَ الخوف من الإعدام الأبدي، وسيُعاني من ذلك طَوالَ بقائه في الدنيا إلى أن يَلقى حتفَه؛ فلم أَعُد أغضب منهم، بل رثَيتُ لهم وسألتُ الله أن يُصلحهم.
ثم إنني أشكر الله سبحانه على نَيل الأجر الجزيل المترتب على هذا الإيذاء من جهة، وأشكره كذلك على انشغالهم بي وإيذائهم إياي وحدي دون طلاب النور، فإنه يحقق عظيم الفائدة لطلاب النور ويَخدُم سلامتهم، كما أشعر بالفرح في طيِّ هذه المضايقات الشديدة التي ألقاها.
الرابعة: ذكرتَ في رسالتك مسألة استقراري وراحتي، وإمكانيةَ مراجعة الحكومة الحالية لأنتقل إلى الشام أو الحجاز إن استطعتُ..
فأولًا: إنني حتى لو كنت في مكة لَلَزِمني المجيء إلى هنا لإنقاذ الإيمان وخدمة القرآن، لأن الحاجة هنا أشدُّ؛ وحتى لو كانت لي آلاف الأرواح، وكنتُ مبتلًى بآلاف الأمراض، وكنتُ أعاني من المصاعب ما أعاني، فإن القرار الذي اتخذتُه واتخذناه وفق الدرس الذي تعلمناه من القرآن، هو البقاء هنا لخدمةِ إيمانِ هذا الشعب وسعادته.
وثانيًا: تذكرون في رسالتكم ما أُقابَل به من إهانةٍ بدلًا من الاحترام، وتقولون: لو كنتم في مصر أو في أمريكا لذُكِرتم بإجلالٍ واحترامٍ على مرِّ التاريخ.
أخي العزيز الفطن..
نحن بمقتضى مسلكنا نَفِرُّ أشدَّ الفرار من احترام الناس لنا وتوقيرهم إيانا، ومن حُسْنِ ظنهم وإعجابِهم بنا وإكرامِهم لنا، ونفِرُّ بالأخصِّ من حبِّ الشهرة الذي ما هو إلا رياءٌ عجيب، ومن دخولِ التاريخ بجلالٍ وإبهار، وما هو إلا تصنُّعٌ جذاب، فكلُّ هذا منافٍ ومضادٌّ للإخلاص الذي هو مسلكُ النور وأساسٌ من أُسسه؛ وأنا شخصيًّا أنفِر من مثل هذه الأمور، بَلْهَ الرغبةِ فيها.
أما رسائل النور النابعةُ من فيض القرآن الكريم، والتي هي لمعةٌ من لمعات إعجازه المعنوي، وتفسيرٌ لحقائقه، ومفتاحٌ لأسراره، فإننا نرجو لها الرواج، ونريد
— 240 —
لكلِّ شخصٍ أن يَشعرَ بالحاجة إليها، ويُقدِّرَ رِفعةَ قيمتها، ونطلبُ لكراماتها المعنوية الظاهرة أن تُعرَف، ولانتصاراتها الإيمانية على كُفريَّات الزندقة أن تَستبين وتَظهر، فهذا ما نؤمِّله من الرحمة الإلٰهية.
وأُبيِّن نقطةً جزئيةً تافهةً تتعلق بشخصي، وأجعلُها حاشيةً فأقول:
ما دام السيد "رجب" و"قره كاظم" صديقَين لك، ولهما فيما أظن علاقةٌ بی"سعيدٍ القديم"، فليس المطلوب منهما إسداءَ معروفٍ لي، وإنما حَسبُهما أن يمنعا ما فعل أسلافُهما بي من ظلمٍ ومضايقاتٍ لا داعي لها ولا جدوى منها.
إنني في الحقيقة لا أستطيع التأقلم مع الأجواء المادية والمعنوية هنا.. همومي كثيرةٌ جدًّا، وأنا أُقفِل مقرَّ إقامتي من الداخل ومن الخارج.. إنني وحيدٌ بكلِّ جهة.. فضلًا عن أني أقضي حياتي مريضًا أعيش في غرفةٍ كئيبةٍ بغير جيران.. وفي بعض الأحيان يضايقني يومٌ واحدٌ هنا أكثر مما يضايقني شهرٌ كاملٌ في سجن "دَنِزْلي".. كفى تعرُّضًا لحريتي طَوالَ عشرين سنةً مَلأى بالظلم الشنيع.. فلقد تَبيَّن بشكلٍ قاطعٍ یی بعد سنتين من تدقيق المحاكم، وفَشَلِ الخُطط التي حاكها المنافقون ضدي یی أن خدعة التخويف مني ومن رسائل النور بذريعة الإضرار بالوطن والشعب لا يمكن أن تنطلي على أحد.
سيكون من المناسب أنْ أنال حريتي كسائر الناس، ويَصدُرَ بلاغٌ يسمح بذهابي إلى بعض القرى المجاورة ذات المناخ المعتدل لتبديل الأجواء.
سلامي ودعواتي لكم ولمن حولَكم من أصحابنا في النور.
الباقي هو الباقي
سعيد النُّورْسِيّ
٭٭٭
— 241 —
وأما "مصطفى عثمان" الذي انعقدتْ له بالأنوار علاقةٌ وثيقةٌ جادة، وأدى لها خدماتٍ كثيرةً في مدةٍ يسيرة كالمرحوم "حسن فيضي"، فأحدُ الأدلة على قبول خدمته هو اهتداؤه لأشخاصٍ يتحلَّون بنفس الروح والصدق والوفاء الذي يتحلى به هو و"حسن فيضي"، وقيامُه بخدمة رسائل النور بسواعدهم القوية، أعني المعلِّمَين: "أحمد فؤاد" و"مصطفى صونغور"، والطالبَين الرفيعَين: "مصطفى أُوروچ" و"رَحْمي"، ولا ريب أن هذا مبعثُ سعادةٍ كبرى لتلك الأماكن.
ثم إن الرسائل المشتركة العجيبة التي كتبها "مصطفى عثمان" والمعلِّم "مصطفى صونْغور"، والتي أدرجناها في "المَلاحق" بعد تعديلِ بعضِ الجمل، تُبيِّن أن ثمة سنابل من نوعِ "حسن فيضي" قد أخذت تظهر وتنمو في تلك المنطقة، وستُنقِذ إيمانَ كثيرٍ من المساكين بإذن الله.
وقد سَرَّنا وسَرَّ النوريين كثيرًا ذلك الفتى المسمَّى "رَحْمي"، وهو طالبٌ في الرابعة عشرة من عمره، يُشبِه أبطال "إسبارطة" الأبرياءَ الصغار، ويحمل بين جنبَيه شخصيةَ أولئك الكبار، قد جعل دروسَ الأنوار غايةَ حياته، ولا ريب أنه فألُ خيرٍ في إنقاذ الشباب في تلك الأماكن.
نهنئ الحافظ "مصطفى" صاحبَ اليد الطُّولى في انتشار "ذي الفَقار" وسائرِ مجموعات رسائل النور، فقد عَمِل جنبًا إلى جنب مع المرحوم الشهيد الحافظ "علي" لنسخ الرسائل بأفضل شكل، وكان وارثَه الصادق في "مصنع النور"، ونهنئ "أحمد فؤاد" الذي استلم منه أجزاء رسائل النور المتبقية وتولَّى إيصالَها، كما نهنئ "صَفْرَن بولو" وإخوانَنا فيها.. أسأل الله تعالى أن يكافئه بكلِّ ليرةٍ أَنفقَها على "ذي الفَقار" خيراتٍ وبركات.
سلامي له، ولأخيه الخطيب "إبراهيم"، وللمضحِّي الجديد المعلم "مصطفى صونغور"، ولی"رَحْمي" صلاحِ الدين الصغير، ولجميع إخواننا هناك وفي مقدمتهم "مصطفى عثمان" و"حِفظي".
٭٭٭
— 242 —
حضرةَ أستاذنا المحترم المبارك الموقَّر المُشفِق صاحبَ الفضيلة..
أولًا: أعددنا لكلِّ مصيبةٍ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.. لقد أحزنَنا كثيرًا رحيلُ أخينا الكبير "حسن فيضي" الذي التحق مؤخَّرًا بالرُّفقة المعنوية لبطل النور المرحومِ الشهيدِ الحافظ "علي أفندي".. فنُعزِّي جميعَ طلاب رسائل النور وفي مقدمتهم أستاذنا الجليل، ونعزِّي كلَّ مَن يَمُتُّ إلى فقيدِنا بنسبٍ ماديٍّ أو معنويٍّ من أفراد عائلته ومدرسته النورية، كما نعزِّي أبناءَ "دَنِزْلي"، ونشارك الجميعَ حُزنَهم ومُصابَهم.
وإني إذْ أقف بباب الحضرة الإلٰهية لِأقدِّم إلى فقيدنا هدايايَ المعنويةَ المتواضعة، لَأَضرَعُ إلى الله جلَّ شأنه أن يتغمده بعميم رحمته، وأتوسل راجيًا من الألطاف الإلٰهية التي نَقَلَتْه من هذا العالَم إلى عالَم الأرواح بسرِّ: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ؛ أن تُخلِفَنا الكثيرَ من أمثاله، وتجعلَه مَظهَر إشارة الآية الكريمة:
وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآَخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ
سيدي المحترَم.. سمعتُ أنه كان في "دَنِزْلي" قبل نحو سبعين أو ثمانين سنةً رجلٌ من الأولياء اسمُه "حسن فيضي"، قال يومًا لمُريديه على سبيل البشرى: "وُلِد اليوم وليٌّ في كُردستان" مشيرًا بذلك إلى جنابكم الكريم.
ومضت الأيامُ والسِّنون فقَدِمتم إلى "دَنِزْلي" من خلف حُجُبٍ كثيرة، فعَدَدتُ ذلك إسعادًا وإعزازًا لروح ذلك الولي، ثم لم يمض إلا زمنٌ يسيرٌ حتى ظهر فقيدُنا "حسن فيضي" موافقًا اسمُه اسمَ ذلك الولي ممتثلًا أمرَه، يستقبل رسائل النور بكل احترام، ويَدخل الأنوارَ بكل محبةٍ ولهفة، فتعزَّزتْ قناعتي وترسَّختْ.
ثم فكرتُ اليومَ في الأمر، فوجدتُ أنه بعد أن توفي "حسن فيضي" الأول ظهر "سعيد"، ثم جاء "حسن فيضي" الثاني فقام بوظيفته، ودخل الأنوار ودعا إليها الكثير من أمثاله الذين سيَخلُفونه من بعده، ثم ودَّع الحياة ومضى.
— 243 —
نسأل الله تعالى ونتضرَّع إليه وهو أرحم الراحمين أن يَهَبَ رسائلَ النور وأستاذَنا كثيرًا من أمثال "حسن فيضي" بما يُنسينا لَوعةَ فَقده، ونرجوه سبحانه ونؤمِّل في رحمته وفضله وعنايته وإحسانه وإكرامه وإنعامه وألطافه أن يحفظ لنا أستاذَنا مَسعودًا مُعمَّرًا سعيدًا.
طالبكم المقصِّر العاجز المذنب
خليل إبراهيم
(رحمة الله عليه وعلى حسن فيضي)
٭٭٭

حين كانت نفسي تزعجني بِضجرها وقلَّةِ صبرها في هذا الزمان العصيب، واجهتُها بهذه الكلمات التي أسْكَتَتْها ودفعتْها إلى الشكر، وقد علَّقتُها عند رأسي، وبعثتُ بنسخةٍ منها إليكم لعلها تفيدكم.

(١) أيْ نفسُ.. قد مضى لك ثلاثٌ وسبعون سنة، أخذتِ فيها نصيبَك من اللذائذ والمُتَعِ أكثرَ مما أخذه تسعون بالمئة من الناس، فما بقي لك حقٌّ فيها بعد هذا.
(٢) تَطلُبين دوامَ لَذَّاتٍ آنِيَّة، وبقاءَ مُتَعٍ فانية، وتَبكين لزوالها، فتنزل بك صفعةٌ على هذا الخطأ الذي ارتكبتِه بحِسِّيِّاتك العمياء، فتبكين عشر ساعاتٍ على ضَحِكٍ دام دقيقة.
(٣) إن المظالمَ التي انهالتْ عليكِ والمصائبَ التي حلَّتْ بكِ تُخفي في طَيِّها عدالةَ القَدَر، فالبشَر يظلمونك على أمرٍ لم تفعليه، والقَدَر يعاملكِ على خطاياكِ الخفيَّة، فيُرَبِّيكِ بِيَدِ المصيبة ويُكفِّر بها خطاياك.
(٤) إن المئات من تجاربك يا نفسي الجَزِعة قد أورثتكِ قناعةً قطعيةً بأنَّ وراء المصائب الظاهرية ثمراتِ عنايةٍ إلٰهيةٍ لذيذة، وإن آية: وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ، تُعلِّمكِ درسَ حقيقةٍ قاطعةٍ، فاذكريه على الدوام. على أن القانون
— 244 —
الإلٰهي الذي يدير عَجَلةَ المقادير یی وهو القانون القَدَري الشامل الواسع یی لا يُغيَّر مراعاةً لخاطرك.
(٥) استرشدي بالقاعدة القدسية: «مَن آمَن بالقَدَر أمِنَ من الكَدَر» واتخذيها دليلًا. لا تَجري خلف لَذَّاتٍ آنيَّةٍ تافهةٍ كطفلٍ غِرٍّ تَحكُمه رغباته.. تفكَّري في أن اللَّذائذ الفانية تُخلِّف حَسَراتٍ وآلامًا معنوية، وأن المَشاقَّ والآلامَ تُورِثُ لَذائذَ معنويةً وثواباتٍ أُخروية؛ فإن لم تكوني حمقاء أمكنك أن تطلبي لَذائذَ مؤقتةً لأجل الشكر لا غير، فما أُعطِيَتِ اللَّذائذُ إلا لأجل الشكر.
سعيد النُّورْسِيّ
٭٭٭
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
أولًا: جَرَتْ لي مع نفسي مناظرةٌ غريبة، وقد وَرَدَ على الخاطر أن أكتبها إليكم لتطَّلعوا عليها رغم كونها خصوصية.
ومُفادُها أن اللوحة المعروفةَ المعلقةَ عند رأسي صحيحٌ أنها أَفحمتْ نفسي، إلا أنني واجهتُ بعدَها حِسِّيَّاتي التي هي بمثابة نفسٍ أمَّارةٍ ثانية، فقد هاجَتْ هذه الحِسِّيَّات العمياءُ ليلًا متقلِّدةً سلاحَ النفس الأمَّارة، وأثارتْ أعصابي مستغلَّةً ما أشعر به من حبٍّ فطريٍّ للحياة، وما أجده من إلقاءات الشيطان، وما أعانيه من تأثُّرٍ وحساسيةٍ ناجمَين عن التسمُّم والمرض، وجاءتني مُمسكةً في يدٍ يأسًا وألمًا شديدين نابعَين عن احتمال وفاتي، وفي اليد الأخرى حِرصٌ قويٌّ ومُتَعٌ ولَذائذ، وراحت تَعرِض لقلبي وروحي قائلةً: لماذا لا تسعى لراحتك بل ترفضُها؟ لماذا لا تطلب لنفسك عمرًا بهيجًا وحياةً هانئةً تعيشُ متعتَها الغامرة ولَذَّتَها الطاهرة في دائرة النور؟ لماذا تطلبُ الموت راضيًا؟
وبينما أنا في هذه الحال إذْ ظهرتْ حقيقتان قويتان غايةَ القوة، أسكتتا هذه النفسَ الأمَّارةَ الثانية، وأسكتتا معها الشيطان.
— 245 —
الأولى: ما دامت وظيفةُ النور القدسيةُ الإيمانيةُ ستَشهد بموتي مزيدَ ازدهارٍ لا تَشوبه شائبة، ولن تُتَّهَم بأنها وسيلةٌ لأمور الدنيا أو النفس أو الأنانية، وما دامت ستستمر من بعدي بمزيدِ كمالٍ وإخلاصٍ إذْ لا وجود لحياتي الشخصية التي تثير المنافسة.. فينبغي أن يقال للموت متى جاء: أهلًا بك ومرحبًا.
صحيحٌ أن بقائي على قيد الحياة قد يكون عونًا لهذه الوظيفة بدرجةٍ ما، إلا أن لشخصي البسيطِ خصومًا ونُقَّادًا لا يُستهان بهم، وبمقدورهم أن يوجهوا إليَّ التُّهَم، ويتعرضوا لرسائل النور ويتهموها بعدم الإخلاص، فيَحرِموا منها أنفسَهم، ويَحرِموا منها الناس.
ثم إنه إنْ أَغفى شخصٌ يتولى مهمةَ حراسةٍ في هذه الدائرة النورانية، هَبَّ مَن فيها مِن أهلِ الغَيرة والهمة عيونًا ساهرة، وبَرَز آلافُ الحُرَّاس بدلًا من حارسٍ واحدٍ مناوب؛ وما دام الأمر كذلك، فينبغي أن يقال للأجل متى حلَّ: أهلًا بك ومرحبًا.
ثم ما دام كثيرٌ من طلاب النور يُضحُّون بأموالهم وراحتهم، وبنعيمهم الدنيوي ومتعتهم، بل بحياتهم إنْ لَزِمَ الأمر في سبيل خدمة النور، فلماذا تريدين يا نفسُ التخلُّفَ عن رَكب التضحية؟
ثم اعلمي يقينًا إنه لَشرفٌ عظيمٌ في غاية اللذة أن تتخلَّي راضيةً عن حياة الشيخوخة الشاقة الفانية متى لَزِم الأمر أو حان الوقت، خدمةً لكثيرٍ من المساكين كي يُنقِذوا بالأنوار حياتَهم الباقية.
الثانية: أرأيتِ إلى رجلٍ عاجزٍ ضعيفٍ يَنوء بحَملِ رطلٍ واحد، كيف به إذا حُمِّل عشرةَ أرطال؟ ثم كيف به إذا حَسِبَ أصحابُه أنه قويٌّ جَلْد، فطلبوا منه العون بدلًا من أن يعينوه في ضعفه المُستتر؟ فأخذ هذا المسكين يجتهد في إظهار نفسه قويًّا جَلْدًا أمامهم، ويتصنَّع لهذا الأمر تظاهراتٍ ثقيلةً وتكلُّفاتٍ باردة، لكيلا يُخيِّب حُسْن ظنِّهم أو يَبدو دونَهم، أفلا يكون عملُه هذا مُرهِقًا مؤلمًا لا متعة فيه؟!
— 246 —
إذًا فاعلمي أيتُها النفسُ الأمَّارةُ الموغِلةُ في الحِسِّيات العمياء، أنني لستُ سوى رجلٍ مسكينٍ محتاجٍ يقف سائلًا بباب القرآن الكريم، وأننا لم نُؤتَ حقائقَ رسائل النور إلا بمحض العناية الربانية، وبفضل الرحمة الإلٰهية، فهي التي قدَّمتْها إلينا في هذا العصر المظلم السقيم، من الصيدلية القدسية للقرآن الحكيم، وأنه لا يتأتى لي أن أكون مَصدرًا لهذه الحقائق أو منبعًا لها أو أصلًا، كيف وهي تَفوقُ شخصي البسيط واستعدادي الضئيل؟!
واعلمي أني لستُ سوى وسيلةٍ لإيصال هذه الحقائق إلى المحتاجين، غير أن طلاب النور المخلِصين الخالصين، الأوفياءَ الصادقين، الأنقياءَ المضحِّين، قد أَوْلَوا شخصيَ المسكينَ من حُسْنِ الظن ما يَفوق حدِّي مئةَ درجة، وإني لكيلا أُخيِّب حُسْن ظنِّهم، ولا أجرحَ مشاعرَهم، ولا أُثبِّطَ حماسَهم، ولا أكسِرَ خواطرَهم تجاه هذا الشخص المسكين الذي لقَّبوه بالأستاذ فأُظهِرَه بمظهر الدُّون، ولا أُضطرَّ إلى التكلُّف الثقيل والتصنع المُرهِق الأليم.. أتجنبُ اللقاء بالناس، بل أتجنبُ اللقاء بالأصحاب إلا فيما يخص الخدمة النورية، بل أُضطر إلى ذلك روحًا، لما أجد في نفسي من استيحاشٍ أورثتني إياه عشرون سنةً من العزل والتجريد.
أما ما فُتِنتِ به من مُتَعٍ ولذائذ، فاعلمي أن التكلفَ والتصنع، ورَفْعَ النفسِ فوق قيمتها، وإظهارَها صاحبةَ مقامٍ مراعاةً لمن يُحسِن الظن بها، وطلبَ الأنانيةِ أذواقَها الضارةَ الفانيةَ من خلف رداء الوقار، وإظهارَ نفسي جليلَ القدر بما ينافي سرَّ الإخلاص.. حالاتٌ لا تُبقي من المُتَع واللذائذ شيئًا.
فيا أيتها النفسُ.. ويا أيتها الحِسِّياتُ العمياءُ التعيسةُ أسيرةُ المُتَع والأذواق.. هَبِي أنك حَظيتِ بآلاف المُتَع الدنيوية.. فإنها كذلك صائرةٌ إلى زوال، منقلبةٌ إلى ألمٍ في هذه الحال.
وما دام تسعون بالمئة من الأحبة قد التحقوا بالزمان الماضي، وكأنهم ينادونني إلى عالَم البرزخ، فلا بدَّ لي من المسارعة إليهم تاركًا العشرة بالمئة الموجودين في الزمان الحاضر، ولا بدَّ أن حياة البرزخ المعنوية أرجحُ بألف درجة على حياة الشيخوخة والوحدة هذه.
— 247 —
هكذا ظَهَرتْ تلكما الحقيقتان، فشكرًا لله بلا حدٍّ إذْ أَفحمتا تلك النفس الأمَّارةَ الثانية، فرضِيَتْ باللَّذائذ الواردة من القلب والروح، وأُبلِسَ الشيطان، بل حتى المرض الماديُّ المتوطِّنُ في عروقي خَفَّ كثيرًا.
والحاصل أنني إذا مِتُّ ازدهرتِ الخدمة النورية، فأُدِّيتْ بمزيدِ إخلاص، دون أن تَشوبها منافسة، أو تُوجَّه إليها تهمة.
ثم إنْ كان في هذا الزمان لَذائذُ ومُتَعٌ جزئيةٌ مؤقتةٌ لا أسعى إليها، أو كان في هذه الحياة لَذةٌ نابعةٌ من رؤية الفتوحات النورية بمنظار الدنيا، فإن في موتي خَلاصًا من وطأةِ التكلُّفِ الثقيل، وأعباء الرياء البارد، وأضرار التصنُّع المَقيت.
ثم إنكِ يا نفسُ قد جُلْتِ هذا العامَ في الزمان الماضي بصحبة الروح والقلب، جولةً كان بعضُها حقيقةً وبعضُها الآخَرُ خيالًا، لزيارة الأماكن التي اشتقتِ إليها وقضيتِ فيها حياةً ممتعة، وللقاءِ الأحباب الذين أَنِسْتِ بهم، والإخوانِ الذين حزنتِ لفراقهم، فما وجدتِ في تلك البقاع الكثيرة الأثيرة إلا واحدًا أو اثنين بالمئة منهم، بينما رحل البقية أجمعون إلى عالَم البرزخ، وتبدَّلت مِن بعدهم مشاهد الحياة المحبَّبة التي عَهِدناها، فإذا هي اليوم أليمةٌ حزينة، فأيُّ رغبةٍ لك في ديارٍ خَلَتْ من الأحبة؟!
ألا فأَولى بنا أن نبادر هذه الدنيا وحياتَها بالتخلِّي، قبل أن تبادرنا بالترحيل والإخراج، فنقولَ لها بكل عزةٍ: وداعًا.. تاركين مُتَعَنا وأذواقَنا الفانية.
الباقي هو الباقي
مع عاطر السلام وخالص الدعاء لعموم إخواني
أخوكم المسرور رغم المرض
سعيد النُّورْسِيّ
٭٭٭
— 248 —
نُعزيكم ونعزِّي عمومَ طلاب النور بوفاة أستاذ المدرسة النورية المبارك الحاج الحافظ "محمد"، ونَخصُّ بالتعزية أهلَه وأقرباءَه وطلابَ المدرسة النورية، وقد تعاهدنا نحن النوريين على الدعاء له بالرحمة ما حَيِينا، وإشراكِه في مكاسبنا المعنوية مع الحافظ "علي" و"حسن فيضي".
لقد رحل هذا الرجل الفاضل المبارك رحمه الله بعد أن أدى وظيفتَه الجليلةَ الموفقةَ في خدمة النور، وأتمَّها على أكمل وجه، وترك مِن بعده أبناءً معنويين هم خيرُ خَلَف.
إنني في نفس الآونة التي حصل فيها المرحوم على تسريحه، وأَوى إلى عالَم الرحمة والراحة، وحين كنت أُشرك كبارَ أساتذتي في مكاسبي المعنوية، كنت أجد اسمَه جنبًا إلى جنبِ الحافظ "علي" والحافظ "محمد" و"محمد زُهدي" و"أحمد الصاوي" و"حسن فيضي".. كان هذا منذ عشرة أيام، ولم يكن الأمر باختياري، فكنتُ أَعجَبُ من وجوده بين هؤلاء المتوفَّين وهو ما زال على قيد الحياة!! لكني تركتُ الأمر كما هو، وقلتُ في نفسي: دعه بينهم.
ولقد تَبين اليوم من رسالتكم أنه كان يَشعُر بدُنُوِّ أجله، وكان يُشعِر أن له منزلةً مع الحافظ "علي" و"حسن فيضي"، وما هذا إلا كرامةٌ من كرامات خدمته القدسية الخالصة.. نسأل الله عز وجل أن يُثيبه عليها حسناتٍ بعدد حروف الرسائل المقروءة والمكتوبة في مدرسة "صاوة" النورية، وأن يُسبِغ على روحه الرحمات، ويملأ قبرَه بالأنوار، آمين.
ونسأله سبحانه أن يوفق ابنَه الحافظ "محمد"، وحفيدَه "أحمد زكي" للسير على نهجه، وأن يكونا خيرَ خلفٍ له، آمين؛ ونسأله أن يُحسِن إلى الجميع بالصبر الجميل.. آمين.
٭٭٭
— 249 —
باسمه سبحانه
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إخواني الأعزاءَ الأوفياء.. وأبطالَ طلاب النور الشباب..
تتضمن بعضُ نسخ "عصا موسى" في ختامها جوابًا عن السؤال الذي سأله أخونا الفاضل مِقدامُ المباركين "عليٌّ الصغير" ذو الروح الكبيرة، فاقرؤوه، فإنَّ بعض المعترضين قالوا له: "كلُّ الناس يعرفون الله، والإنسانُ البسيط يؤمن بالله كما يؤمن به الولي"؛ وغرضُهم من هذا: الانتقاصُ من قيمة رسائل النور، والتقليلُ من قدر تحشيداتها الضروريةِ القيِّمةِ الرفيعة.
وتَنتشر في إسطنبول اليوم أفكارٌ أخطرُ من هذه، يروِّجها فريقٌ من المنافقين الذين سقطوا في حَمْأة الكفر المطلق، يتبنَّون فكر التمرُّد والفوضوية، ويَصُدُّون عن حقائق الإيمان أي: رسائل النور التي يحتاج إليها كلُّ إنسانٍ احتياجَه إلى الطعام والشراب، ويَبُثُّون الدسائس للتقليل من شأنها فيقولون: "كلُّ الأمم والأقوام يعرفون الله، بل كلُّ إنسانٍ يعرف الله، فلا حاجة بنا لمزيدٍ من دروس الإيمان ومعرفة الله".
والحقيقة أن معرفة الله إنما تكون بالإيمان القطعي بربوبيته المحيطةِ بالكون، الشاملةِ لجميع الموجودات، وبأن كلَّ شيءٍ، من الذَّرَّات إلى المَجَرَّات، كُليًّا كان أو جزئيًّا، واقعٌ في قبضة تصرُّفه وقدرته، خاضعٌ لإرادته، وأنه لا شريك له في مُلكه، وبالإيمان والتصديق القلبي بالكلمة القدسية: لا إلٰهَ إلَّا اللهُ وحقائقِها.
وإلا فمجرد القول بأنه يوجَد إلٰه، أو: اللهُ موجود، ثم تقسيمُ مُلكه على الأسباب، وردُّه إلى الطبيعة، واتخاذُ الأسباب التي لا حصر لها مرجعًا كأنها شركاءُ له حاشاه، وعدمُ معرفةِ علمه وإرادته الماثلَين في كل شيء، والجهلُ بأوامره ونواهيه، وعدمُ المعرفة بصفاته ولا بأنبيائه ورسله، فليس من حقيقة "الإيمان بالله" في شيء؛ وإنما هي كلمةٌ يقولها قائلها سُلوانًا لنفسه من عذابٍ دنيويٍّ يَصْلاهُ في جهنمَ المعنويةِ التي ينطوي عليها الكفر المطلق.
— 250 —
أجل، "فعدم الإنكار" شيء، و"الإيمان" شيءٌ آخر تمامًا؛ إذْ ليس في الكون ذو شعورٍ يمكنه إنكار الخالق ذي الجلال الذي تشهد له أجزاء الكون بأجمعها، فإنْ أَنكر كذَّبتْه الموجودات بأسرها، ولهذا يَلوذ بالصمت ويُطلِق لنفسه العِنان سائبًا متحلِّلًا.
أما الإيمان، فهو، كما يقرِّر القرآن العظيم الشأن: التصديقُ القلبيُّ بالخالق وصفاتِه وأسمائِه استنادًا إلى شهادةِ جميعِ الكائنات، ومعرفةُ أوامره ونواهيه التي بلَّغَنا إياها عن طريق الرسالات، والتوبةُ والندمُ قلبًا عند ارتكاب الذنب والمخالفات؛ وإلا فإنِّ إقدام المرء على ارتكاب الكبائر بغير مبالاةٍ ولا استغفار، ليس إلا دليلًا على خُلوِّه من هذا الإيمان.
أبنائي.. طرأتْ حادثةٌ مهمةٌ دفعتني للإيجاز في بيان هذه المسألة الطويلة.. إنني أرى فيكم طلابَ نورٍ مهمِّين، ومن حسن حظ "مصطفى أُوروچ" أنْ وُفِّق بأشخاصٍ مثلِكم يلتزمون نهجَه ويحملون روحَه ويتحلَّون بجِدِّيته.. لقد كان واحدًا فأصبح عشرة.
سعيد النُّورْسِيّ
٭٭٭
أخي العزيزَ المحترم..
أولًا: قرأتُ بكلِّ اهتمامٍ رسالتَكم الجامعةَ المُسهَبةَ المكتوبةَ بعاطفةٍ جيَّاشةٍ، وبعنايةٍ وتدقيقٍ كما لو أنها مبحثٌ مستوفى؛ وإنني أبيِّن لك ابتداءً أن أستاذَ رسائل النور هو الإمام عليٌّ رضي الله عنه وكرَّم وجهه، فهو الذي أبدى صلةً وثيقةً بها بإشاراته الرمزية إليها في قصيدته "الجَلْجَلوتية"، وهو أستاذي الخصوصي في الحقائق الإيمانية.
وأُبيِّن لك أيضًا أن محبة آل البيت أساسٌ في مسلكنا وفي رسائل النور بنصِّ الآية الكريمة: قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى، وأنه ما ينبغي للنزعة الوهابية أن تجد سبيلًا إلى طلاب النور الحقيقيين بأيِّ جهة؛ لكنْ لما كان لأهل الضلالة والزندقة في هذا الزمان تياراتٌ قويةٌ تحارب القرآنَ والإيمانَ من خلال استغلال
— 251 —
الاختلاف، فتُشوِّش أهلَ الإيمان وتُفسِد الشعائر، كانت مواجهة هذا العدو المُحدِق تُحتِّم عدمَ فتح باب الجدال في التفاصيل الجزئية التي يدور حولها خِلاف.
ثم إنه لا لزوم لِذَمِّ من ماتوا، فقد رحلوا إلى الدار الآخرة محلِّ الجزاء، ولقد مَنَع أهلُ السنة والجماعة فتحَ باب الجدال حول الفِتَن التي جَرَت زمنَ الصحابة رضي الله عنهم، إذْ ليس من مقتضى محبةِ آل البيت الذين أُمِرنا بمحبتهم أن نَذكر معايبَ مَن ماتوا، إذْ لا يوجد ما يستلزم ذلك، بل هو أمرٌ يعود بالضرر.
ولقد قرَّر أهلُ السنة والجماعة فيما يَخصُّ وقعةَ الجمل التي اشترك فيها طلحة والزبير یی وهما من العشرة المبشَّرين بالجنة رضي الله عنهم یی وكذا السيدةُ عائشةُ الصِّدِّيقةُ رضي الله عنها.. قرَّروا أن هذه الحرب كانت نتيجةَ اجتهاد، وأن سيدَنا عليًّا رضي الله عنه كان هو المُحِقَّ، وأن الطرفَ الآخَر لم يكن على حق، لكن يُغفَر لهم لأن الأمر كان نتيجةَ اجتهاد؛ ورأوا كذلك أن فتح باب الحديث عن البُغاة في حرب صِفِّين أمرٌ يعود بالضرر، إذْ يستثير النزعةَ الوهابية من جهة، ومذاهبَ الروافض المُفرِطةَ من جهةٍ أخرى، فيتضرر الدينُ وأهلُه.
ولقد قال سعد الدين التفتازاني یی وهو عَلَّامةٌ من كبار علماء الكلام یی قال بشأن الأسافل أمثالِ يزيد والوليد والحجَّاج الظالم: "يجوز لَعْن يزيد"؛ ولم يقل: يجب، ولا قال: إنه خيرٌ يُثابُ عليه؛ ذلك أن مَن ينكِرون القرآن ويجحدون النبي (ص) ويرفضون مرتبةَ الصُّحبة القدسية التي حازها الصحابة الكرام كثيرون لا يُحصَون عددًا، ومنهم كثيرون لهم صولةٌ وجولةٌ في هذه الأيام، وليس لعنُهم واجبًا ولا خيرًا يُثاب عليه، وليس على المرء من حرجٍ شرعًا إنْ أعرض عن ذكرهم أو لم يلعنْهم، لأن اللعن والذَّمَّ ليسا كالمدح والمحبة، ولا يُعدَّان من العمل الصالح، فإن تَرَتَّب عليهما ضررٌ كانا أسوأ.
والواقع أن منافقي هذا الزمان الذين يتحرَّكون في الخفاء، يَعملون على ضربِ الإسلام بواسطةِ فئةٍ من العلماء الذين هم أَولى مَن يُؤمَر ويُكلَّف بالدفاع عن الإسلام والحقيقةِ القرآنية والذَّبِّ عنهما، إذْ يستغلونهم من خلال النزعة الوهابية، فيستخدمونهم في اتهام أهلِ الحقيقةِ بالتشيُّع، موقِعين بذلك بين الفريقين، ولهم في هذا
— 252 —
الميدان يدٌ طُولى، وقد ذكرتَ بعضًا من هذا في رسالتك؛ بل أنت تَعْلَم أن أقوى وسيلةٍ استعملوها ضدي وضد رسائل النور لم يجدوها إلا لدى العلماء أنفسهم.
وإن اجتهادَك الناشئ عن محبتك لآل البيت، والذي لا داعي لإظهاره في هذه الآونة، ربما تسبَّب بِشَنِّ حملةٍ عليك وعلى طلابِ رسائل النور، يَشُنُّها علماءُ في إسطنبول تداولوا منذ زمنٍ بعيدٍ كُتُبَ الوهابيةِ الغالبةِ على بلاد الحرمين الشريفين اليوم، وكُتُبَ ابن تيمية وابن قَيِّمِ الجوزية، وهما من الأعلام المشاهير الأفذاذ، ومؤلفاتُهما عجيبةٌ جذابة، ويشترك في هذه الحملة أيضًا علماءُ آخرون متلبِّسون بالبدع، محاربون للأولياء، يريدون التستُّر على مشاربهم المتساهلةِ مع البِدَع.
ثم إنه لا يترتب على ترك الذمِّ والتكفير أمرٌ شرعيٌّ، أما فعلهما فيترتب عليه حكمٌ شرعيٌّ، فهما إنْ كانا بغير حقٍّ فالإثم كبير، وإنْ كانا بحقٍّ فلا خير فيهما ولا أجر، لأن مستحقي الذَّمِّ والتكفير لا حدَّ لهم، أما الامتناع عن الذمِّ والتكفير فليس فيه حكمٌ شرعيٌّ، وليس فيه ضررٌ كذلك.
فلأجل هذا استرشَدَ أهلُ الحقيقة بالقانون القدسي المستند إلى الحقيقة المذكورة التي قرَّرها أهل السنة، وفي مقدِّمتهم الأئمةُ الأربعةُ وأئمةُ أهل البيت، فلم يرَوا من الجائز الخوضَ والجدالَ في الفِتَن التي جَرَتْ بين أهل الإسلام في الصدر الأول، بل قرَّروا أنه عملٌ يَضرُّ ولا ينفع.
ثم إنه قد وُجِد في كِلا طرفَي تلك الحروب عددٌ كبيرٌ من أجِلَّة الصحابة، فالخوضُ في تلك الفِتَن يُورِد إلى القلب اعتراضًا وإنكارًا مَشُوبًا بالتحيُّز ضد أولئك الصَّحْب الكرام، بل حتى ضد العشرة المبشَّرين بالجنة أمثالِ طلحةَ والزبير رضي الله عنهم؛ فإنْ كانت تلك الحروب خطيئةً، فاحتمال التوبة قوي.
ولا يَحسُن برجلٍ مؤمنٍ فاضلٍ عميقِ النظر يَنهض بوظيفةٍ قدسيةٍ أن ينصرفَ عمن يستحقّون فعلًا كلَّ لعنةٍ وبُغض، أعني مَن يحاربون الإسلام ويهاجمونه بشراسةٍ في هذا الزمان، ويذهبَ إلى ذلك الزمان الماضي فيُدقِّقَ في أحواله تدقيقًا لم تأمر به الشريعة، ولم يَستلزمه مسلتزم، بل يَعود بالضرر لا محالة.
— 253 —
ولا أُخفيك أن جدالك المحدود مع "صبري" قد أضرَّ برسائل النور وبانتشار حقائقها الإيمانية إضرارًا بالغًا، ولقد شعرتُ بهذا في حينه وأنا هنا، فتأثرتُ لذلك وتألمت.
ثم إني كنت أتوقع ممن هو عالِمٌ من أهل التحقيق مثلِك، ومن "صبري" الذي أتاك ليكون وسيلةَ خدمةٍ مهمةٍ في تلك المنطقة.. كنت أتوقع منكما أنتما الاثنين خدمةً نوريةً جليلة، فإذا بي على العكس من ذلك أشعر، بل أرى، كيف تَضرَّر النورُ من ثلاث جهات!! وبينما كنتُ أسأل نفسي: مِمَّ حصل الضرر يا تُرى؟ إذْ تلقَّيتُ الخبرَ بعد أيامٍ قليلةٍ أن "صبري" قد خاض معك في نقاشٍ لا لزوم له ولا جدوى منه، وأنك قد أخذَتْ منك الحِدَّةُ مأخَذَها!! فأسِفْتُ لهذا ودعوتُ ربي قائلًا: اللهم إن هذين الرجلين قد هَبَّا لمساعدتي من "أرضروم"، فبدِّلهما بخلافهما صُلحًا.
إن الواجب على أهل الإيمان اليوم یی كما سبق ذكره في "لَمعتَي الإخلاص" في رسائل النور یی أن يعقِدوا أواصر الاتفاق لا مع إخوتهم المسلمين فحسب، بل حتى مع الشخصيات الدينية الروحية من المسيحيين، ويتركوا النزاع والمسائل الخلافية جانبًا، لأن الكفر المطلق ما فَتِئ يشنُّ هجماته، وإنني لأرجو بما لَكَ من حَمِيَّةٍ دينيةٍ وخبرةٍ علميةٍ وعلاقةٍ برسائل النور، أن تعمل على نسيان ما جرى بينك وبين "صبري"، وأن تَصفح عنه وتُسامحه، لأنه لم يتكلم مِن عنديَّاته، بل ردَّد ما سمعه من المشايخ سابقًا في صورة نقاشٍ لا داعي له.
وأنت تعلم أن حسنةً جليلةً واحدةً تُكفِّر سيئاتٍ كثيرة؛ أجل، والحقُّ أن ابن بلدنا "صبري" قد خدم النورَ وخدم الإيمانَ بواسطة رسائل النور خدمةً جليلةً تستدعي الصفحَ عن ألفٍ من أخطائه، واللازمُ من مقامكم الرفيع أن تُراعوا خدماتِه النُّوريةَ هذه، فتعدُّوه صديقًا من أبناء البلد، وأخًا في خدمة النور.
لقد نظر بعضُ الصحابة إلى تلك الحرب من زاوية الرُّخصة الشرعية والعدالة الإضافية النِّسبية، فأخذوا بهما وتركوا مسلكَ الإمام عليٌّ رضي الله عنه.. مسلكَ العزيمة
— 254 —
الشرعية والعدالة الحقيقية، مع ما فيه من زهدٍ واستغناءٍ واقتصاد، وانضموا باجتهادهم هذا إلى الطرف المعارض لعليٍّ رضي الله عنه؛ حتى لقد وُجِد في هذا الطرف یی لبعضِ الوقت یی أخو عليٍّ عقيلُ بن أبي طالب، وعبدُ الله بن عباسٍ حَبْرُ الأمة؛ فلأجل هذا المعنى، وبناءً على الدستور الشرعي الأصيل القائل: "مِن محاسن الشريعة سَدُّ أبواب الفِتَن"، لا يُجيز أهلُ السنة والجماعة الحقيقيون فَتْحَ بابِ تلك الفِتَن والخوضَ فيها، بل يقولون: "طَهَّرَ الله أيديَنا، فنُطهِّر ألسنتَنا"، لأنه إنْ كان ثمةَ بضعةُ أشخاصٍ يستحقون الاعتراض، فإن نزعة التحيز والتعصُّب لا تلبث أن تتحرك، فتبدأ بالاعتراض على الصحابة الكرام، بل تعترضُ حتى على بعض آل البيت الذين وُجِدوا في صف الطرف المعارض لعليٍّ رضي الله عنه، وتعترضُ على كبار الصحابة كطلحة والزبير من العشرة المبشرين بالجنة رضي الله عنهم، وتُستثار حينئذٍ نزعةُ الطعن والعَداء.
فمِن هنا مالَ أهلُ السنة إلى إغلاق هذا الباب؛ حتى إن سعد الدين التفتازاني یی وهو إمامٌ شهيرٌ من أئمة أهل السنة، وعالمٌ جليلٌ من علماء الكلام یی لما قرَّر جوازَ إطلاقِ اللعن والتضليل بحق يزيد والوليد، ردَّ عليه علَّامةٌ من أهل السنة والجماعة، وهو السيد الشريف الجُرجانيُّ بقوله: صحيحٌ أن يزيد والوليد كانا من الظَّلَمة الطُّغاة الفَجَرة، إلا أنه لما كان موتُهم على غير الإيمان أمرًا غيبيًّا، ولم يكن من سبيلٍ للعلم بذلك على وجه القطع، ولم يكن ثمة نصٌّ أو دليلٌ قاطعٌ يتناولهم بأشخاصهم، لم يكن جائزًا لعنُ شخصٍ منهم بعينه، لاحتمال توبتِه وموتِه على الإيمان، وإنما يجوز اللعن على سبيل العموم مثلُ: لعنة الله على الظالمين والمنافقين؛ وإلا فلا موجب لهذا، بل فيه ضرر.
لم أستطع كتابة جوابٍ مطوَّلٍ عن رسالتك العلمية الرصينة بسبب مرضي الشديد ومَشاغلي الضرورية، فهذا ما أمكنني كتابتُه على عجَل.
الباقي هو الباقي
سعيد النُّورْسِيّ
٭٭٭
— 255 —
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
أولًا: لم تَمضِ ساعتان على البشرى التي زَفَّها إلينا العصفور، حتى وصلتْنا ثمراتُ جنة الفردوس، وصحائفُ أعمالِ الهيئة الفعالة في المدرسة الزهراء، وسِجلّاتُ حسناتها، أعني "مجموعةَ ذي الفَقار" وأخواتِها، وصلتْنا بالسلامة ليلةَ الجمعة، وتلقَّيناها بكلِّ سرور.. فنهنئكم من صميم القلب كما نهنئ هذا الوطن، وندعو لكم بعدد حروفها قائلين: بارك الله ، وفقكم الله، وأسعدكم الله في الدارين.
إنه ما أنْ لاحتْ طلائعُ "ذي الفَقار" حتى ظهرتْ تياراتٌ قويةٌ توالي الدين وتنصرُه، وتوقَّفتِ اعتداءاتُ التيارات التي تحاربه، بل رجَع بعضُها وأخذ يصحِّح أخطاءه السابقة، وفي هذا إشارةٌ إلى أن ظهور "ذي الفَقار" ونشرَه اليوم سيعود بالنفع العظيم لهذا البلد في دينه وإسلامه، وسيُبدِّد ما خَيَّمَ عليه من ظلماتٍ إن شاء الله.
أجل، فلن يستطيع أحدٌ إيقافَ تيارِ الكفرِ المطلقِ القادمِ من الشَّمال سوى رسائل النور، وليس بمقدور السياسة أو الديبلوماسية فعلُ ذلك، ولهذا يتوجب على الوطنيين والقوميين والسياسيين أن يتمسكوا بالأنوار.
ونَضْرَع إلى الله عز وجل أن يَمُنَّ برحمته على كل فردٍ من أفراد الشخص المعنويِّ الذين عمِلوا لظهور "ذي الفَقار"، فيجعلَ هذا الكتاب بصفحاته السبعِمئة صحيفةً من دفتر حسناتِ كلِّ واحدٍ منهم يوم القيامة.
وبما أن حقائقَ الإيمان التي في هذا الكتاب عبادةٌ ساميةٌ وحسنةٌ جليلة، وبما أن إنقاذَ إيمان الكثيرين بواسطتها يَعدِلُ آلافَ الحسنات، فإن كلَّ فردٍ ممن عملوا لظهور هذه الحقائق إنْ قرأها واستمع إليها واعتقدها كانت له سندًا أخرويًّا، شأنُه شأنُ دفتر الحسنات التي عَمِلها؛ وليس بمستغرَبٍ على رحمةٍ غيرِ محدودةٍ أن تَنشر في يوم القيامة "ذا الفَقار" بأكمله في صحيفةٍ واحدة، وأن تجعل صفحاته السَّبْعَمئة بأكملها صحيفةً في دفاترِ حسناتِ هؤلاء العاملين ودفترِ حسناتِ شخصهم المعنوي.
— 256 —
ثانيًا: صحيحٌ أن الأنوار أينما حَلَّتْ غَلبتْ، إلا أن الزنادقة المتمردين، والماديين المعاندين، لا يألُون جُهدًا في عرقلة فتوحاتها بتدبير الدسائس وبثِّ المخاوف منها بين أهل السياسة، ومع أنهم لن يَجنوا من هذا شيئًا بإذن الله، إلا أن الأخذ بالاحتياط مطلوبٌ في كل وقت، ومبدأُ "سِرًّا تَنَوَّرتْ" جارٍ مستمر، فلا بد من الأخذ بالاحتياط والحذر إلى أن تَصْدُر مجموعاتٌ أخرى كهذه.
وأَذكر بهذا الخصوص رسالةَ "سِرُّ إنا أَعطينا" ذاتَ الرموز، فمع أني لم أرها منذ ثلاث عشرة سنة، إلا أن إرسالها مؤخَّرًا إلى هنا كان مخالفًا لقاعدة الأخذ بالاحتياط بدرجةٍ ما، فضلًا عن أنها لا يَفهمها كلُّ شخص، بل يلزمها التأويل والتفسير، إذْ قد سبق أن كتبتُ في رسالةٍ في "المَلاحق" أني أُخطِرتُ حقيقتَين مُجمَلتَين:
الأولى: أني قبل أربعين سنةً لاح لي نورٌ في دائرةٍ محدودة، لكني فَسَّرتُ ظهورَه في دائرةٍ واسعة، فكنت أُبشِّر بأننا سنَشهد نورًا عما قريب، وكثيرًا ما ردَّدتُ هذه البشارة على مسامع طلابي القُدامى قبل عهد الحرية، وكنت أظن أن ظهورَه سيكون في عالَم السياسة بدائرتها الواسعة، والحالُ أن الإخطارَ الواردَ من قِبَل الحقيقة كان يقول: سيكون ظهورُه في أحوجِ دوائر هذا الوطن.. ستَشهدون ظهورَ رسائل النور في الدائرة الإيمانية والإسلامية، والحياة الاجتماعية الإسلامية.
فكنتُ أخبِر عن هذه المسألة الحقيقية المُحِقَّة بإحساسٍ مُسبَقٍ، وبإصرارٍ وتَكرارٍ، لكني كنتُ أغيِّر صورتَها.
الثانية: أني أُخطِرتُ بأن الذين انقلبوا على الشعائر والسياسة الإسلامية ووجَّهوا لها الضربات، سيَتَلَقَّون ضرباتٍ كبيرةً خلال اثنتي عشرة سنة، وثلاث عشرة سنة، وأربع عشرة سنة، وست عشرة سنة.
وعلى عكس المسألة السابقة، فقد فَسَّرتُ الحوادثَ التي ستقع في دائرةٍ واسعة، والصفعاتِ التي ستَنزل بجماعاتٍ كبيرة، فَسَّرتُها بأنها صفعاتٌ ستنزل بأشخاصٍ محدَّدين في دائرةٍ صغيرة، لكنْ جاء الإخطارُ بأن ذلك واقعٌ في الدائرتَين الكبيرةِ
— 257 —
والصغيرة معًا، فكما أن أفظعَ شخصٍ في الدائرتَين قد غادر الدنيا بعد اثنتي عشرة سنةً تمامًا، فإن الجماعات الفظيعة في الدائرة الكبيرة قد تَلَقَّت وستتلقى الصفعاتِ نفسَها في التواريخ نفسِها.
فكما أني بتأويلي قَصَرتُ هذه الدائرةَ الكبيرةَ على الدائرة الصغيرة، فقد أجريتُ العكسَ في المسألة قبلَها، إذْ فَسَّرتُ الدائرةَ الصغيرةَ والحادثةَ النوريةَ الإيمانيةَ المحضةَ في الدائرة السياسية الواسعة؛ ولهذا لا يَفهم كلُّ شخصٍ رسالةَ "سِرُّ إنا أَعطينا" من أول مرة، فضلًا عن أنه لا ينبغي دخول الأسماء الشخصية في مثل هذه المسائل العلمية، وهذا مَكمنُ صوابِ هذه الرسالة التي لم تقع في يدي منذ ثلاث عشرة سنة.. فلا يَنشغلْ بها إخواني بعد الآن، وإنْ دَفَعَ الفضولُ أحدَهم للاطلاع عليها، فليقرأ أولًا الفِقرةَ المبدوءةَ بی"ثانيًا" في مقدمتها، ولْيقرأ كذلك الفِقرةَ الواردةَ بشأنها في "المَلاحق"، وإلا فلا يطالعْها أصلًا.
إن وقوعَ الحرب العالمية الثانية، ورحيلَ ذلك الشخص الرهيب عن الدنيا، وتَراجُعَ مسلكه اليوم، وعَمَلَ فريقٍ من أهل مسلكه بعكسه لصالح الدين رسميًّا، وخَلاصَ أهل الإيمان من الاستبداد المطلَق نوعًا ما، ووقوعَ الحوادث في نفس التواريخ التي أَخبرَتْ عنها هذه الرسالة مع شيءٍ من التأويل.. ما هو إلا لَمعةُ إعجازٍ لتلك السورة، غير أن تأويلاتي المتحمسة أَسدلَتْ عليها حجابًا فاستترت الحقيقة.
٭٭٭
— 258 —
أخي العزيزَ المحترم..
إن البحثَ بل التفكيرَ في ذلك الجرح الغائر الأليم الذي أصاب العالَم الإسلاميَّ قبل ألفٍ وثلاثِمئة عام، وما زال إلى اليوم يُبكيه ويُنطِق أهلَ الحقيقة بالزفرات والحسرات، لَأمرٌ يورثني في مشربي الخاصِّ ألمًا لا أستطيع تحمُّلَه.
وفضلًا عن هذا، فإن الخدمة الإيمانيةَ الحقيقيةَ المؤدَّاةَ بإخلاصٍ منذ خمسٍ وعشرين سنةً أبعدتْني عن كلِّ أنواع السياسة، ولم تسمح لي بقراءةِ جريدةٍ واحدةٍ طَوالَ هذه المدة، واضطرتني إلى الدخول في حالةٍ روحيةٍ منعتْني من مراجعة الحكومة لئلا ألتفت إلى الحياة السياسية، فلم أراجعها طَوال هذه العشرين سنةً من حياة الأسر الأليم باستثناء مدافعات السجن؛ بل منعتْني من الالتفات إلى هذه الحرب العالمية التي مضى عليها عشرُ سنين، وما ذاك إلا صونًا للخدمة الإيمانية من الخلل والنقصان، وحفظًا للإخلاص من الانثلام، وترفُّعًا عن التلوث بأدران السياسة.
وإنني في ظل هذه الحالة الروحية التي أعيشها، وفي هذا الزمان الذي نشاهد فيه كيف تَصول ثعابين الكفر والضلال صَولتها على جبهة الحقائق الإيمانية، وتَنهش الكثيرَ من أهل الإيمان، ما يُحتِّم السعيَ لإنقاذهم كما أوجب القرآن، فإنَّ من أشَدِّ ما يَسحق روحي ويُحطِّم قوتي المعنوية، فيَزيدُ روحي عذابًا فوق العذاب، هو أن نَترك هذا الزمان الحاضر، ونذهب إلى الزمان الماضي للتفرُّج على المظالم المروِّعة التي نزلتْ بآل البيت!!
نعم، لقد وقعتْ مآسٍ كثيرةٌ بدعوًى تقول: "يُضحى بالفرد لأجل الجماعة"، وما هذا القول إلا مبدأٌ وحشيٌّ من مبادئ السياسة الظالمة، ارتَكب أربابُه بموجَبه مَظالمَ ومآسيَ كثيرةً صَوَّروها على أنها مَصلحةٌ للحكم، وسَوَّغوها بأنها نوعٌ من "العدالة النسبية" الواقعةِ تحت بند "اختيار أهون الشَّرَّين"، حتى إنك تراهم في هذا العصر يُبيدون بموجَب هذا المبدأ الوحشي قريةً بأكملها بجريرةِ شخصٍ واحد، ويُشرِّدون الآلافَ توجُّسًا من بضعةِ أفراد!!
— 259 —
ولما كان هذا المبدأُ الجائرُ قد دَخَل بدرجةٍ ما بين المسلمين في العصور السابقة، لم يَملكِ السلفُ الصالحُ إزاءَه سوى الصمتِ مُكرَهين، وأغلق أئمةُ أهل السنة والجماعة البابَ أمام هذه القضايا قائلين: طَهَّر الله أيديَنا، فنُطهِّر ألسنتَنا.
وما دام الذين ظلموا أهلَ البيت يَلْقَون الآن العقابَ الأليمَ في الآخرة، بحيث لا تبقى حاجةٌ لمعاونة أهل البيت بالهجوم على مَن ظلمهم، وما دام أهلُ البيت المظلومون قد كوفئوا على ما قاسَوا من شدةٍ وعذابٍ مؤقتَّين مكافأةً لا تحيط بها عقولنا، فليس المطلوب اليوم أن نَتفجَّع لهم ونتألم، بل الواجب أن نهنئهم آلافَ التهاني إذْ أصبحوا مَظهر رحمةٍ لا حدَّ لها؛ فإنهم في مقابل ما قاسَوا في بضعِ سنين من الشدائد والمِحَن، فازوا في الآخرة بملايين المراتب والسعادات الباقية، وبدلًا من أن يَتَسلَّموا في هذه الدنيا التافهةِ مُلكًا فانيًا وحُكمًا مؤقَّتًا، ويمارسوا أثناء وجودهم فيها سياسةً مضطربةً مشوَّشة، تَسَنَّموا في عالَم الحقيقة مقاماتِ السلاطين والملوك المعنويين، وأصبحوا قادةً للأولياء والأقطاب بدلًا من أن يكونوا مجرَّد ولاةٍ عاديين، فأعْظِمْ بهذا من ربحٍ تُقدَّر نسبتُه بالملايين لا بالألوف!!
فلأجل هذا السر تَتَلمذ "سعيدٌ الجديد" على أيدي أساتذته الخصوصيين: الإمامِ الرباني، والغوثِ الأعظم الگيلاني، والإمامِ الغزالي، والإمامِ زينِ العابدين رضي الله عنه یی وقد تلقَّيتُ من هذين الإمامَين خصوصًا مناجاةَ الجَوشن الكبير یی وسيِّدِنا الحسين، والإمامِ عليٍّ كرم الله وجهه، وارتبَطَ بهم بواسطة الجَوشن الكبير خصوصًا ارتباطًا معنويًّا دائمًا منذ ثلاثين سنة، وبهذه التَّلمذة والارتباط تلقَّيتُ الحقيقةَ المذكورة، والمشربَ الحاليَّ الواردَ إلينا من رسائل النور، فلأجل هذا لا يوافق مشربَنا البحثُ والنظرُ بل مجردُ التفكير في تلك المآسي، إذْ قد نال الظالمون من المُجازاة والمظلومون من ى المكافاة ما لا تبلغُه عقولُنا؛ وفضلًا عن هذا فإن الانشغال بهذه المسائل يَضُرُّ الوظيفةَ القرآنيةَ التي كُلِّفنا بها في مواجهة المصيبة الدينية الحاضرة.
إن قواعد أصول الدين التي قرَّرها علماءُ علم الكلام، والمتبحِّرون في أصول الدين، والجهابذةُ المُحقِّقون من أهل السنة والجماعة، وقَبِلوها بعد أن أجرَوا في
— 260 —
العقائد الإسلامية كثيرًا من التدقيقات والتحقيقات، وأقاموا الكثير من المحاكمات، وعَقَدوا الكثير من الموازنات بين الأحاديث والآيات، هي قواعدُ تؤيِّد مشربَ رسائل النور، وتأمر بالحفاظ عليه وتقويه.
ولهذا لا يستطيع أحدٌ یی في أيِّ موقعٍ كان، ولو كان من أهل البدع یی أن يعترض على مَشربنا أو يتعرَّض له؛ بل لما كانت حقيقةُ الإخلاص محفوظةً في هذا المَشرَب تمامَ الحفظ، بات كلُّ نوعٍ من أنواع أهل الإسلام يَدخلون فيه، فترى المتعصِّبَ في تشيُّعه، والمُفرِطَ في وهابيته، والفلاسفةَ المتعمقين في العلوم الحديثة الموغِلين في المادية، والمشايخَ المتعصبين المُشبَعين بالأنانية، قد شرعوا يدخلون في دائرة رسائل النور، وتنعقد بين بعضهم أواصرُ الأُخُوة في هذه الدائرة.
بل ثمة أماراتٌ تشير إلى أن بعض المبشِّرين والروحانيين الحقيقييِّن في دين عيسى عليه السلام سيدخلون في هذه الدائرة، إذْ يَشعرون بضرورة نبذِ النزاع فيما بينهم، واستبدالِه بالتساند والمصالحة، وعدمِ إثارة القضايا الإشكالية والخِلافية.
إذًا، فرسائل النور التي أخبر عنها الإمام عليٌّ رضي الله عنه بنحو أربعين إشارةً تبلغ درجةَ الصراحة، هي علاجٌ متكاملٌ ودواءٌ تامٌّ لجِراح هذا الزمان.. وقد كَفَتْنا هذه الدائرة فلَسْنا نخرج عنها.
أما قضيةُ النَّيلِ من شخص الإمام عليٍّ كرم الله وجهه، والطعنِ في حياتِه وسياستِه الجاريةِ على العدالةِ المحضة، فذلك أمرٌ آخَر لا ينسحب البتةَ على شخصيته المعنوية وكمالاتِه العلمية ومقاماتِ ولايته ووراثته، إذْ هي أسمى من شخصيته الظاهرية وحياته الدنيوية وسياسته الاجتماعية بآلاف الدرجات، فلا مَطعن فيها؛ بل لا سبيل إلى الطعن فيها؛ بل مَن له أن يطعن فيها أصلًا؟!
ومن هنا تتبين فداحةُ الأمر الذي يَرتكبه مَن يعارضونه متوهمين اتحاد الجهتَين، إذْ يورث ذلك حَيرةً تقول: كيف يمكن أن تقع مثل هذه الحوادث بين أهل الإيمان؟!
— 261 —
والحال أنه باستثناء بعض الخبثاء الأسافل أمثال يزيد والوليد، فإن معظم الذين سَعَوا للنَّيل من الإمام عليٍّ رضي الله عنه، لم يتعرَّضوا لكمالاته الخارقة، وكراماته ووراثته الباسقة، وإنما تعرَّضوا لإدارته المتعلقة بالحياة الإنسانية والاجتماعية، وكانوا مخطئين في ذلك على أية حال.
إنَّ أَوجب ما يجب فعلُه عند هجوم عدوٍّ خارجيٍّ كبيرٍ هو نبذُ العداوات الداخلية الصغيرة، وإلا كانت هذه العداواتُ عونًا للعدو الكبير المهاجِم، ولهذا يجب على أهل الإسلام ممن يعارض بعضُهم بعضًا بتحزُّباتٍ قديمةٍ في الدائرة الإسلامية، أن يتناسَوا ما بينهم من عداواتٍ داخليةٍ مؤقَّتًا، فهذا ما تقتضيه المصلحةُ الإسلامية.
٭٭٭
أخي العزيزَ الوفيَّ الموفَّقَ "سليمان رُشدي"..
باسم رسائل النور، وبالنيابة عن جميع طلاب النور، نهنئك من صميم القلب، ونهنئ أخاك البطل "برهان" وولَدَيك المباركَين وأهلَ بيتك.. فقد وُفِّقتم في خدمةٍ أخرويةٍ قدسيةٍ جليلةٍ لا ينقطع ثوابها، ولسوف تتلقاها "إسبارطة" وهذا الوطن بالحفاوة والتقدير في المستقبل، وستعود عليكم بالدعوات الصالحة الكثيرة.. أسأل الله أن يوفقكم للكثير من أمثال خدمة "ذي الفَقار"، فما هذا النجاح الباهر في هذه الظروف الصعبة إلا كرامةٌ لی"ذي الفَقار" وكرامةٌ لصدقكم ووفائكم.
أما ما رأيتَه في رؤياك المباركة من إعطائك القرآنَ للنبيِّ (ص) بأمرٍ إلٰهي، فهو جَلوةٌ لوظيفة جبريل عليه السلام، وهو إشارةٌ إلى أن خدمتكم هذه موافِقةٌ لرضا الله تعالى ورضا رسوله (ص)؛ وتُعَبَّر رؤياك بمعنى تبليغِ المعجزات القرآنية للأمة المحمدية بواسطة "المعجزات الأحمدية"؛ فكما أن الشمس حين ينعكس مثالُها في قطعةِ زجاجٍ صغيرة، تَعقِد بضيائها صلةً مع حامل الزجاجة، وتتواصل معه بنوعِ تواصُل، فكذلك الأمر في هذا النوع من الرؤى التي وقع أمثالُها للسلف الصالح بِتَجَلٍّ خصوصي، وهي
— 262 —
علامةٌ على الرضا والقبول؛ وأما الرجل الذي رأيتَه إلى جانب النبي (ص) فهو الشخصُ المعنويُّ للنور وطلابِ رسائل النور.
٭٭٭
وجدتُ فيما يلي سلوانًا لي ولكم:
وظيفتُنا التصديقُ الفعليُّ بالإرشاد العَلَويِّ القائل: "سِرًّا تَنَوَّرَتْ"، والتحرُّكُ بمُوجَبه بإخلاصٍ وثباتٍ وتسانُد، آخذين بأكبر قدرٍ ممكنٍ من الاحتياط والحذَر.. فهذه هي وظيفتُنا، لا مواجهةُ المعارضين ولا التوجُّسُ من هجومهم؛ أما التوفيقُ والنجاحُ والفتوحاتُ النوريةُ والانتشارُ والرَّواجُ فشأنٌ إلٰهي، وإنما علينا القيام بوظيفتنا من غير تدخُّلٍ في الشؤون الإلٰهية.

.......

أحدُ الأحمدِين الخمسة، أعني "أحمد فؤاد" وارثَ "حسن فيضي" والقائمَ مقامَه، بعث إليَّ من "صَفْرَن بولو" رسالةً تفيض صدقًا وتضحية، يَذكر فيها أنه يدعو الله أن يَهَبني ما بقي من حياته، ليَرحلَ إلى البرزخ قبلي بدلًا مني كما فعل "حسن فيضي" والحافظ "علي"؛ والحالُ أن حياتَه أنفَع للأنوار اليوم، فهو یی مقارنةً بي یی أخٌ شابٌّ فعَّالٌ نشيط، وإني أنتظر الأجلَ بقلبٍ مطمئنٍّ لعِلمي أن إخواني سيقومون بالوظيفة النورية من بعدي، أسأل الله أن يَهَبَ الأنوارَ كثيرًا من المتفانين أمثالِه.

.......

أما "أحمد النجَّار" مِن أبطال المدرسة النورية القُدامى الصادقين الأكفياء الثابتين، فقد بعث برسالةٍ جميلةٍ حزينةٍ حول وفاة أستاذ تلك المدرسة المرحوم "حاجي حافظ"، وقد ذكر فيها ما وقع في وفاته من الكرامة، وكيف التزم تلاميذُه تجاهه هَدْيَ الدين، وكيف توقف المطر عند تشييعه ودفنه لئلا يَشُقَّ عليهم أو يُبلِّلهم، فلما فرَغوا عاد يَهطِل من جديد، وأن ذلك أمارةٌ على نزول رحماتٍ جليلةٍ على روحه، نسأل الله تعالى أن يرحمه ويرحمهم بعدد قطراتِ غيثِ الرحمة ذاك، آمين.
٭٭٭
— 263 —
وصلتْني رسالةُ "حلمي بك" المسمى بالشيخ الصغير، الذي يخدُم الأنوار في "قَسْطَموني" مع خواصِّ إخواننا أمثال "فيضي" و"أمين" و"إحسان" و"أحمد"، والذي عمل في السجن جاهدًا لتأمين راحتي وتعزيز التساند بين طلاب النور، وعاونَه في ذلك بطلٌ مثلُه هو "صادق بك" أخونا الذي تفانى هو وابنُه وزوجتُه في خدمة رسائل النور في "قَسْطَموني" طَوال ثماني سنواتٍ بصدقٍ وإخلاصٍ قلَّ نظيرُهما، وأسدى بقلمه خدماتٍ كثيرةً لها، وأخذ بيدِ الكثيرين إلى دائرتها.
وفي الرسالة يخبرني "حلمي بك" بوفاة زوجته طالبةِ النور، فرحمةُ الله عليها؛ وإنه لمن دواعي الحمد والشكر أنني قبل شهرٍ أو شهرين، حين كنت أدعو "للزهراوات"، كنت أذكر "الهاجَرات" وأنوي دخول المرحومة بينهن من غير أن يكون لي علمٌ بوفاتها، تغمَّدَها الله بسابغ الرحمات، وأحسَنَ إلى أهلها وأقربائها بالصبر الجميل، آمين.

.......

أثناءَ قيامي بأعمال التصحيح في هذه الأيام، اعترَتْني حالةٌ من الغضب الشديد تجاه المشايخ كافةً سوى العاملين منهم في دائرة رسائل النور، وسوى مشايخ "قونية" وعلمائها، فمع أن النُّسَخ التي أُصحِّحها قد نَسَخها تلاميذُ نورٍ مُضَحُّون متفانون، إلا أنهم لعدم معرفتهم بالعربية وقعتْ منهم أخطاءٌ وهفوات، وزاد في أعبائي ما أعانيه من شدةٍ ومحنة، فصرختُ مخاطبًا شقيقي، والعلماءَ من طلابي القدامى، والعلماءَ الرسميين في أنقرة وإسطنبول:
أيها الجُفاة.. لماذا لا تعاونونني في هذه الخدمة الإيمانية مع أنها وظيفتكم، ونِتاجُ مدارسكم، مدارسِ العلوم الدينية، ومع أنها لازمةٌ لكم كفرض العين؟! بل إنكم بإهمالكم لها تورِثون كثيرين إحجامًا عنها، وتنالون نصيبًا من صفعات الإمام عليٍّ لبعضِ علماء آخر الزمان!!
وبينما كان هذا الاعتراض الشديد يَرِدُ على القلب، إذْ أُخطِرتْ ثلاثةُ معانٍ تُدافع عن العلماء الذين لم يُفسِدوا قلوبَهم:
— 264 —
أولُها: أن ثمة هيئتَين علميَّیتَين في مدينتَين مركزيتَين، تَسلُكان طُرُقًا رسميةً شتى لصرفِ فريقٍ من أهل العلم عن رسائل النور، وأسبابُ ذلك كثيرةٌ ليس من المناسب بيانُها في هذا المقام، فتجتذب هاتان الهيئتان إلى دائرتهما أهلَ العلم الذين لا حول لهم ولا قوة، من خلال الوظيفة الرسمية واستغلال هَمِّ المعيشة، وبذلك تُبعِدانهم عن الأنوار.
فليست المسألةُ أن أهل العلم المساكين هؤلاء لا يعرفون قيمةَ الأنوار، وإنما المسألة أن الواحد منهم مرهونٌ بِهَمِّ المعيشة، أو هو باعتماده على كبار العلماء في تلك الهيئة، يَظن أن العلم الذي حصَّله يكفي لإنقاذ إيمانه، فهو بذلك يجد فتوى للعمل بالرخصة، ويسوِّغ لنفسه التراخي والإهمال.
المعنى الثاني: أنه قد جرى تخويفُ الجميعِ منا ومن الأنوار بما فعله بعضُ رجال الحكومة وأعدائي العاملون في الخفاء منذ القديم، فقد زَجُّوا بنا في السجن مرتين ظلمًا وعدوانًا بغطاءٍ رسميٍّ وتسويغٍ قانونيٍّ وإداريٍّ وسياسي، ووَجهوا إلينا التُّهَم، وشَنُّوا علينا حملاتِ تشويهٍ رسميةً وغيرَ رسمية، وعانى طلابُ النور لأجلها ما عانَوا من هجومٍ وتضييقٍ يَهدُف للقضاء عليهم بناءً على هواجسَ وأوهامٍ كما لو أنهم سيرتكبون أعمالًا من قبيل أحداث "مَنَمَن" و"الشيخ سعيد"، ولا شك أن هذا قد أورثَ المشايخَ الضِّعافَ المتوجِّسين مخاوفَ جديةً يُعذَرون بها، ولهذا يُحجِم أكثرُ أهل العلم عن دخول دائرة الأنوار، فلا يدخلُها منهم إلا مَن يتحلى بجرأةٍ فائقةٍ وهمةٍ عالية، ودخولُ هؤلاء يعفو بدرجةٍ ما عن غير الداخلين.
المعنى الثالث: أُرجئَ الآن؛ فبعض المشايخ يظنون تشبيهاتِ بعضِ النصوصِ حقائقَ، مع أنها ليست سوى سِتارٍ للحقائق، كالتشبيهات التي تصف رجلًا بأن ارتفاعَه بقدرِ مئذنة، وأن على جبينه كتابةً تُقرأ، وأن يده يتفجر منها الماء؛ ولهذا لا يوافق نظرَهم السطحيَّ بعضُ إخباراتِ النورِ الغيبيةِ، فلا يقتربون منها.
وحمدًا لله بلا حدٍّ أن أشدَّ ما يحتاج إليه عوامُّ المؤمنين أو يجدونه نقطةَ استنادٍ في هذا الزمان، قد غدا حقيقةً ماثلةً في رسائل النور، وهي حقيقةٌ باهرةٌ لا تُتَّخذُ أداةً
— 265 —
لشيء، ولا يخالطها غَرَضٌ ولا مقصَد، ولا تُبقي مجالًا لشبهةٍ ولا وسوسة، ولا يستطيع خصمٌ النَّيلَ منها بأيِّ ذريعة، ولا تَشوبُها مقاصدُ دنيوية، ولا يعمل العاملون لها إلا لأجل الحق والحقيقة، ولهذا يثق بها وبناشريها القاصي والداني من أهل الإيمان، فيُنقذون إيمانَهم من اعتراضات الزنادقة والملحدين، ومن إنكارات عُتاةِ الفلاسفة المعادين للدين.
نعم، سيقول أهل الإيمان هؤلاء بلسان الحال: "ما دام قد عجز عن النَّيل من هذه الحقيقة خصومُها الأشداء، ولم يستطع الاعتراضَ عليها أعداؤها الألِدَّاء، ولم يكن لطلابها مقصَدٌ في خدمتها سوى الحق، فلا ريب أن هذه الحقيقة هي عين الحقِّ ومحضُ الحقيقة"؛ وسيكون هذا دليلًا يَعدِلُ ألفَ برهانٍ يقوي إيمانَهم وينقذه، ويَحفظُهم من الوقوع في الشكوك والأوهام في حقائق الإسلام.
"عبدُ الرحمن صلاح الدين" صاحبُ الهمة العالية التي تتقاصر عنها يداه، حاول مرتَين إرسالَ "عصا موسى" وقسمٍ من "ذي الفَقار" إلى الجامع الأزهر، إلا أنه خلافًا للمأمول ولأسبابٍ مختلفةٍ لم تَصل هاتان النُّسختان إلى ذلك المكان الضروريِّ الهامّ، وقد أُخطِر إلى قلبي بناءً على قاعدة: "الخيرُ فيما اختاره الله"، أني لَعلِّي لم أطَّلع على هاتين النُّسختَين ولم أتمكن من تصحيحهما، ولا يناسب هيئةَ العلماء هذه التي تُدقِّق كلَّ شيءٍ بالتفصيل أن نرسِل إليها "ذا الفَقار" و"عصا موسى" إلا تامَّتَين مصحَّحتَين؛ إذْ ربما كان فيهما خطأٌ أو سهوٌ يثير اعتراض العلماء، فلْيُرسِلْهما إليَّ "صلاحُ الدين" لأنظر فيهما، حتى إذا استوفَتَا التدقيقَ أرسلناهما تامَّتَين، وأرفقنا بهما مجموعة "الأسرار القرآنية" وبيانًا تعريفيًّا مهمًّا إن شاء الله.

.......

يُفهَم من رسالة الصيدلي "حاجي عبد اللطيف" الذي يبدو أنه من أتباع طريقةِ أستاذي مولانا جلال الدين الرومي قُدِّس سرُّه، أنه سيَخدُم الأنوار بدرايةٍ وتقديرٍ تام، والحقيقةُ أني كنتُ أنتظر ظهورَ أبطالٍ للنور من المولوية، وهو إن شاء
— 266 —
الله أحدُهم؛ بلغوه سلامي، ولْيَعذُرني في عدم كتابةِ رسالةٍ خاصةٍ إليه، فوضعي لا يسمح بذلك.
أبعث بسلامي إلى "صبري" وأولادِه وطلابِ النور وإلى العلماء هناك، وفي مقدمتهم فضيلة الشيخ "وهبي"، ونطلب منهم الدعاء.
٭٭٭
سألني أحدُ طلاب النور سؤالًا حول إعطائي إياكم ميراثي من حقوقٍ وأموالٍ معنويةٍ رغم أني ما زلتُ على قيد الحياة، وحول جَعْلي إياكم ورثةً بالفعل قبل الموت بناءً على قاعدةِ «موتوا قبل أن تموتوا» ، فقال: ما حكمةُ ذلك؟ نحن نَوَدُّ أن نراكم بيننا زمنًا طويلًا، أطال الله بقاءكم.
فقلتُ: إنَّ مالي هذا إنْ وَقَعَ بعد الوفاة بأيدي هؤلاء الورثة الحقيقيِّين أصحابِ الحقيقة فسيُقسَّم یی بدرجةٍ ما یی كما يُقسَّم المال الدنيوي، وعندئذٍ سيكون كلُّ واحدٍ مالكًا حقيقيًّا لحصَّته منه، ولن يكون مالكًا لعمومه.
أما إنْ أُعطيَ للورثة قبل الموت، فسيكون كلُّ واحدٍ منهم مالكًا لعمومه كالمال الأُخروي، وعندئذٍ يكون كلُّ واحدٍ منهم مالكًا لمصباح النور هذا بحسب درجته، ويكون كلُّ واحدٍ منهم بمثابة "سعيدٍ" مصغَّر، ويغدو لدينا آلافُ المرابطين بدلًا من مُرابطٍ واحد، ولن يكون الطالبُ النُّوريُّ صاحبَ حصةٍ واحدةٍ بالألف من ميراث "سعيد"، بل سيكون "سعيدًا" كاملًا شابًّا.
فلو فرضنا مثلًا أن تلك الأموالَ النوريةَ كانتْ بقدرِ خزينة، فإنها عند قِسْمتها وتوزيعها ميراثًا سيكون نصيبُ كلِّ واحدٍ من آلافِ النوريين عشرين أو مئةَ ليرةٍ ذهبية، لكنها إن مُنِحَتْ لهم قبل الوفاة، فسيكون لكلِّ واحدٍ منهم نصيبٌ بقدر استعداده، وربما بلغ نصيبُ الواحد من الخواصِّ مليونًا، وذلك بناءً على سِرٍّ عظيمٍ لا يمكنني إيضاحُ مكنونِه الآن.
— 267 —
وسأل ذلك الطالبُ أيضًا: أيمكن لأيٍّ من خواصِّ الطلاب أن يضحِّي بحياته وراحتِه مثلَك، فيَحصُل على تلك الثروةِ العظيمةِ كاملةً؟
فقلت: نعم إن شاء الله، فكما أن للتساند سرًّا عظيمًا تغدو به ثلاثُ أَلِفاتٍ في قوةِ مئةٍ وأَحَد عشر، فإن القوة الحاصلةَ من التساند الحقيقيِّ بين خواصِّ الطلاب لن تكون أقلَّ من تضحيةِ مسكينٍ مثلي تظنونها فوق العادة.
٭٭٭
"محمد چاويش" أحدُ أبطال المدرسة النورية في "صاوة"، شاهَدَ مجموعَ "ذي الفَقار" الذي نَسَخه لي في يد مدير الأمن، فقال له: هذا لي فأعطِني إياه، فقال له المدير: لقد أعجبني، وسأقرؤه خلال أسبوعٍ أو أسبوعين، فقال له "محمد چاويش": فلْيَبْقَ عندك إذًا. إنْ رأيتم الأمر مناسبًا بلِّغوا مديرَ الأمن والضابطَ الذي أخذ الكتابَ سلامي، وقولوا لهما: إن ذلك الأخ الفاضل قد نَسَخه لي لرداءة خطي.
وإنني أَعُدُّ "إسبارطة" مباركةً بترابها وأحجارِها وجميعِ أهلها، ولهذا أنظر إلى رجال الحكومة فيها لا سيما الشرطة على أنهم أصدقاء حقيقيون؛ بل ثمة حقيقةٌ أضحتْ ثابتةً بتجارب كثيرة، واعترفتْ بها شرطةُ ثلاثِ ولايات، وأكَّدَتْها قراراتُ البراءة الصادرةُ بالاتفاق من ثلاث محاكم في ثلاث ولايات، وعزَّزتْها شهاداتُ الاستحسان والتقدير الصادرةُ من ثلاثِ هيئاتٍ علميةٍ ولِجانِ خبراء، وهي أن رسائل النور وطلابَها شرطةٌ معنويةٌ ذاتُ تأثيرٍ معنويٍّ بالغ، وأنه فيما يَخُصُّ وظائفَ جهات الأمن والشرطة مِن حفظ الأمن والاستقرار والانضباط ومواجهة التفلُّت والتحلُّل، فإن رسائل النور وطلابَها يُحقِّقون من الأمن وإصلاح العصاة والمتمردين ما لا يحقِّقه ضباط الشرطة، ولهذا يَجدُر بالشرطة أن تنظر إلى رسائل النور وطلابها لا بعين الرِّيبة والتوجُّس، بل بعين التقدير كما فعل مدير الأمن الذي قال عن كتاب "ذي الفَقار": إنه كتابٌ قيِّم، لقد أعجبني وأحببتُه، وسأقرؤه.
— 268 —
بلِّغوه هذا، وافعلوا ما ترونه مناسبًا؛ وقولوا لمدير الأمن كذلك: إن أخانا "سعيدًا" يقول: إنْ أعجبك كتاب "ذي الفَقار" هذا فإنه كتابي أهديك إياه، وسأُهديك كتابًا آخَرَ مهمًّا مثلَه هو "عصا موسى".
جميلةٌ هي الرسائلُ الواردةُ من "دَنِزْلي" و"تاواس"، لكن وقتي ووضعي لا يسمحان بالإجابة عليها، فلا يكن في صدر الإخوة حرجٌ من ذلك.
رسالةُ "جاكير يوسف" تُبيِّن أنه يتحلَّى بجِدِّيةٍ تامة، وأنه وارثٌ تامٌّ من وُرَّاث "حسن فيضي".

.......

اطَّلعتُ على رسالة "الكلمة الأولى" التي نَسَخَها "حسني" ابنُ أخينا "رأفت"، خُلوصيِّ إسبارطة وأحدِ قادة النور، والحقيقة أن كتابة هذا الفتى المبارك ذي الأعوام التسعة تُبيِّن أنه مرشَّحٌ لأن يكون أحدَ الأبطال الصغار، شأنُه شأنُ "حسني" الآخَر من "صَفْرَن بولو" ذي الأحد عشر ربيعًا، أسأل الله تعالى أن يوفقه ويجعله ذُخرًا للأنوار، آمين؛ سأصحِّح نسختَه ثم أرسلها إن شاء الله.
٭٭٭
— 269 —

إلى حلمي بك.. وزير الداخلية السابق، والأمين العام للحزب اليوم..

أولًا: خلال عشرين سنةً مضتْ، لم أكتب سوى عريضةِ شكوى واحدة، خاطبتُك فيها يومَ كنتَ وزيرًا للداخلية، غير أني لم أقدمها إليك، لئلا أنقُضَ قاعدتي التي التزمتُ بها طَوالَ هذه المدة.. سأقرؤها لك إن شئت؛ وسأخاطبك بوصفك وزيرَ الداخلية السابق، والأمينَ العامَّ للحزب اليوم.
وإنَّ مَن ظلَّ صامتًا تجاه الحكومة عشرين سنة، ثم أراد أن يتحدث لمرةٍ واحدةٍ إلى أحد كبار رجالها وممثليها، إنْ تَحدَّثَ عشرَ ساعاتٍ عُدَّ ذلك قليلًا، فاسمح لي بالحديث ساعةً أو ساعتين.
ثانيًا: أجِدُ لِزامًا عليَّ أنْ أُبيِّن لك حقيقةً باعتبارك الأمينَ العامَّ الحالي لحزب الشعب، وهي أن هذا الحزب الذي تتولى أنتَ أمانتَه العامةَ مُطالَبٌ بوظيفةٍ في غاية الأهمية تجاه الشعب، وتتمثل في أن أمة التُّرك ومن انضم إليها من إخوة الدين على مدى ألفِ عام، قد أسدتْ ببطولاتها مآثرَ جليلةً إلى العالَم الإسلامي، وكانت وسيلةً عظمى للحفاظِ على الوحدة الإسلامية، وإنقاذِ البشرية بصورةٍ مشرِّفةٍ من الضلالة والكفر المطلق.
فإنْ لم تأخذوا اليومَ بالقرآن وحقائقِ الإيمان كما أخذ بها الأسلافُ بكلِّ بطولة، وإنْ لم يَقُم أمثالُكم من أهل الغَيرة بنشرِ الحقائق القرآنية والإيمانية والدعوةِ إليها بشكلٍ مباشِر، بدلًا عمَّا جرى في الماضي من دعايةٍ خاطئةٍ للمدنية الغربية التي تَضُرُّ بالدين، فإني أخبركم إخبارًا قطعيًّا أُثبِتُه بالحُجج القطعية أنَّ تخاذلَكم عن هذا الواجب سيُفضي إلى وقوعِ العداوة بين العالَم الإسلامي وبين الشعبِ التركي قائدِه وأخيه البطل، وسيتسبَّب بنشرِ البغضاء والكره بينهما بدلًا من تعزيز الأُخُوة والمحبة، وسيؤدي إلى هزيمةِ هذا الشعب أمام فوضويةِ الكفرِ المطلَقِ الذي يسعى جاهدًا للقضاء على العالَم الإسلامي، وسيَؤُول الأمرُ إلى تَمَزُّقِ هذه الأمة التركيةِ حِصنِ الإسلام وجيشِه المِقدام، لتقع فريسةً للتِّنِّين الرهيب المُطِلِّ برأسه من الشَّمال الشرقي.
— 270 —
نعم، لا طاقة لهذه الأمة البطلة بالصمود في وجه التيارَين الخارجيَّين الجارفَين إلا بقوةِ القرآن؛ فإنَّ تيار الشيوعية الذي انطلق بقوةٍ كاسحةٍ معتمدًا على الكفرِ المطلق، والاستبدادِ المطلق، والرذيلةِ المطلقة، وإباحةِ ثرواتِ الشرفاء للأراذل والغوغاء، لن يقدر على إيقافه شيءٌ سوى الأمةِ التي امتزجتْ واتَّحدتْ بحقيقةِ الإسلام، ووجدتْ في الإسلام تاريخَها المشرِّف، فهي التي تستطيع مقاومةَ هذا التيار؛ ولسوف يوقفُه بإذن الله أبناؤها الغَيارى المخلصون، بتمسُّكهم بالحقائقِ القرآنيةِ شريانِ حياةِ أمتهم المتآلفة المتَّحدة، وباتخاذهم هذه الحقائق منهجًا للسلوك والحركة بدلًا من تربية المدنية الغربية.
أما التيار الثاني فإنه قد نجح بدرجةٍ ما حتى اليوم في مخطَّطه الهادف للاستحواذ على مستعمراته في العالَم الإسلاميِّ وربطِها به ربطًا تامًّا، من خلال ضربِ المركزية الإسلامية الراسخةِ في هذا الوطن، وإفسادِها بوصم هذا الوطن باللادينية والإلحاد، وقطعِ صلته المعنوية بالعالَم الإسلامي، وتحويلِ الأُخُوَّة بينهما إلى عداوة.
فإنْ تَعَقَّل هذا التيار وثاب إلى رُشده، فغيَّرَ مخطَّطَه الرهيبَ واسترضى الدينَ الإسلاميَّ في هذا المركز كما يسترضيه فيما سواه من بقاع العالَم الإسلامي، فسيُحقِّق لنفسه منافعَ كثيرة، وسيحافظ بدرجةٍ ما على مكتسباته، وسينجو هذا الوطن والشعب من بلاءٍ عظيم.
وإنه إذا ظلَّ فريقٌ من أبناء الوطن ومحبِّيه الغَيَارى یی ممن تتبوَّأ لهم منصبَ الأمين العام یی يَرْعَون المبادئ الحالية التي تنتهك مقدساتنا لصالح المدنية الغربية، وأُبقِيَتِ الإجراءاتُ التي نفَّذها بضعةُ نفرٍ باسم الثورة، واتُّخِذَتْ أساسًا يُعتَمَد عليه، وعُزِيَتِ الحسناتُ الحالية وحسناتُ الثورة إلى هؤلاء النَّفَر، وعُزِيَتِ القبائحُ الحالية إلى الشعب، فعندئذٍ تُرَدُّ سيئاتُ هؤلاء النَّفَر القِلَّة إلى المجموع فتصبح ملايين السيئات، ويغدو الأمر خروجًا على هذا الشعب التركي البطلِ المتدينِ جنديِّ الإسلام، وتَنَكُّرًا لما قدَّمه عبر العصور من مليارات الجنود الشرفاء، وملايين الأبطال الشهداء، وإهانةً وعذابًا معنويًّا لأرواحهم الطاهرة.
— 271 —
إن الحسنات الحالية قد تحققت بسواعدِ الشعب وقوةِ الجيش، فإنْ عُزِيَتِ إلى هؤلاء النفر الثوريين الذين ليس لهم منها نصيبٌ يُذكَر، تضاءلتْ ملايين الحسنات فأصبحت بضعَ حسناتٍ منحصرةٍ في هؤلاء النَّفَر، فصارت في حكم العدم، ولم تَقْوَ على تكفير تلك القبائح الهائلة.
ثالثًا: لا شكَّ أن لكم معارضين داخليين وخارجيين على أصعدةٍ شتى، وليس لي اهتمامٌ بالدنيا والسياسة فأعرفَ أحوالها، إلا أن القوم ضيَّقوا علي كثيرًا هذا العام، فاضطررتُ للبحث عن سبب ذلك، فوجدتُ أنه قد ظهر لكم معارضون، وأن القوم يتوجَّسون من ذلك خيفةً، وإني أقول لكم: لو وَجَد المعارضون قيادةً تقودهم بكفاءة، وعارضوكم باسم الحقائق الإيمانية، لهزموكم من فورهم، لأن تسعين بالمئة من أبناء هذا الشعب مرتبطون قلبًا وروحًا بالأعراف والقيم الإسلامية القائمة منذ ألف سنة، وهُم وإنْ خضعوا لما يخالف فطرتهم وانقادوا له ظاهرًا من جهةِ طاعة الأمر، إلا أنهم لا يرتبطون به قلبًا.
ثم إن المسلم ليس كغيره من أبناء الأمم الأخرى، فهو إنْ تَرَكَ دينَه أصبح فوضويًّا لا يتقيَّد بقيد، فلا يُدار حينئذٍ بتربيةٍ ولا بتدبيرٍ سوى الاستبداد المطلق والرشوة المطلقة.. وهذه حقيقةٌ تؤيدها حججٌ كثيرةٌ وأمثلةٌ كثيرة، لكنني أختصر وأحيل الأمر على فطنتكم.
ينبغي ألَّا تتخلفوا عن السويد والنرويج وفنلندا التي شعرت بحاجتها الشديدة للقرآن، بل إن وظيفتكم هي أن تكونوا مرشدين لها ولأمثالها؛ ولو أنكم عَمَدتم إلى المساوئ الحالية الناجمة عن الثورة فردَدْتُموها إلى بعضِ الأشخاص، وعملتم على إصلاح الإفساد والتخريب الناجم عن ظروف الحرب العالمية وإجراءات الثورة، خصوصًا ما يتعلق بالأعراف والقيم الدينية، لنِلتُم شرفًا عظيمًا في المستقبل، ولكفَّرتم عن سيئاتكم في الآخرة، ولكنتم خليقين بوصف الوطنيين الغَيارى بما تقدمون من خدمةٍ نافعةٍ للوطن والشعب.
— 272 —
رابعًا: ما دام الموت لا يُقتَل، وبابُ القبر لا يُغلَق، وما دمتم ماضين إلى القبر كسائر الناس، وما دام هذا الموتُ الحتميُّ إعدامًا أبديًّا لأهل الضلالة، فلا يمكن إذًا أن يُبدِّله مئةُ ألفِ نشاطٍ وطنيٍّ أو سياسيٍّ أو دنيويٍّ.
ثم ما دامت رسائلُ النور قد وَصَلتْ إلى أيديكم، وهي التي أثبتت إثباتًا جَليًّا كالشمس أن القرآن يُحوِّل هذا الإعدامَ الأبديَّ إلى بطاقةِ تسريحٍ لأهل الإيمان؛ وهي التي لم يستطع أن يواجهها فيلسوفٌ أو ملحدٌ منذ عشرين سنة، لا، بل دَفَعتِ الفلاسفة الذين قرأوها بتمعنٍ إلى الإيمان؛ وهي التي نَظرتْ فيها أربعُ مَحاكم كبرى لديكم على مدار اثنتي عشرة سنةً خلتْ، ودَققتْ فيها لجانُ خبرائكم المؤلَّفةُ من الفلاسفة والعلماء، فنالت استحسانَهم وتصديقَهم وتقديرَهم، ولم يستطيعوا الاعتراضَ على ما فيها من حُجج الإيمان؛ وهي التي لم يتأتَّ منها أيُّ ضررٍ بالوطن وأبنائه، بل هي سدٌّ قرآنيٌّ كسدِّ ذي القرنين يَصُدُّ هجمات التيارات الرهيبة، وهذا أمرٌ يمكنني أن أُشهِد عليه مئةَ ألفِ شاهدٍ من أبناء الشعب التركي لا سيما الشباب المثقف.. فما دامت رسائل النور بهذا الوصف الذي وَصفْتُ، فلا بد أن إحدى أهم الوظائف التي تقع على عاتقكم هي أن تأخذوا بكلِّ جِدِّيةٍ القضايا التي بيَّنتُها لكم آنفًا.
إنكم تستمعون في كل حينٍ إلى سياسيِّين كُثْرٍ يحدِّثونكم عن الدنيا، فيَلزمكم أن تستمعوا قليلًا إلى رجلٍ مثلي لا حول له ولا قوة، يقف بباب القبر، يحدثكم لأجل الآخرة، ويَبكي لحال أبناء البلد.
حاشية صغيرة:
"حلمي بك".. وجدتُك ظالمًا لي حين كنتُ في السجن وهنا، لكنْ من حُسن حظِّك أني كلما اشتدَّ غضبي وهَمَمتُ أن أدعو عليك، تذكرتُ أخًا لي من خواصِّ طلاب النور أَذْكُره باسمه في دعاء الخير في كل وقت، هو الآخَر "حلمي بك"، فكلما نويتُ أن أدعو عليك، تشفَّعَ اسمُه بمظهريَّته لدعاءِ الخير فمنعني من الدعاء عليك، حتى لم أعد أرغب في ذلك، وصرتُ أتحمل الأذى الذي ألقاه من موظَّفيك؛ وكثيرًا ما عجِبتُ
— 273 —
لهذا الأمر، إذْ لم أكن أسخط عليك برغم كلِّ هذا الأذى الذي لا سبب له؛ وهو ما يعني أننا سنكون في نهاية المطاف أصحابًا، فهذا ما خطر إلى القلب بحسٍّ قبل الوقوع.
رغم امتناعي عن مراجعة الجهات الرسمية منذ عشرين سنة، فقد كَتبتُ هذه العريضةَ اليتيمةَ في حالةٍ من الغضب مخاطِبًا بها وزير الداخلية "حلمي" الذي لا يَكُفُّ عن إيذائي، وأُرسِلَتْ إلى قائد شرطة "أفيون" للاطلاع، فأخذوا يضيَّقون عليَّ المرةَ تلو الأخرى دون سببٍ ولا جدوى، واستدعَوني رسميًّا إلى المخفر قائلين: ليس هذا خطَّك، فمَن كتبها لك؟ فقلتُ: إن أمثال هؤلاء لا يراجَعون.. لقد كنت مُحِقًّا في صمتي عشرين سنة.
٭٭٭
فيا مسؤولي "أميرداغ" وشرطتَها.. لقد كتبتُ هذه العريضة قبل سنة، لكنْ لم أقدِّمها، بل احتفظتُ بها، وها هم اليوم يحكمونني باستبدادٍ مطلقٍ ليس له مثيلٌ في العالَم، فيتدخلون حتى في مقر إقامتي الخاص، ويمنعونني خادمًا يقوم على شؤوني، في مخالفةٍ صريحةٍ للقانون من خمسة وجوه؛ وإنني أتقدم بهذه العريضة عسى أن يتحلى بالإنصاف أولئك الذين يخالفون القانون باسم القانون.

جزءٌ من التظلُّم المقدَّم إلى وزير الداخلية

.......

لقد تعرَّضتُ لظلمٍ لم يَسبق له مثيل، ولقيتُ صنوفًا من الاضطهاد والقسوة تخالف القانون من عشرة وجوه، وأبيِّن ذلك فأقول:
إن "سعيدًا" المسكين هذا شخصٌ قد اشتدت عليه وطأة المرض لتَسَمُّمه في محاولةِ اغتيالٍ آثمة؛ وهو مع هذا ضعيفٌ لا حول له ولا قوة؛ طاعنٌ في السن قد بلغ الحادية والسبعين؛ وحيدٌ في غربةٍ تدعو للرثاء؛ فقيرٌ يبيع بعض ثيابه ليؤمِّن معيشته؛
— 274 —
مُنطوٍ عن الناس مستوحشٌ منهم لعزلته عنهم خمسًا وعشرين سنة، فلا يكاد يجد في ألْفٍ منهم شخصًا واحدًا كاملَ الصِّدق؛ وهو فوق ذلك رجلٌ بريء، بَرَّأتْه لجنةُ خبراءِ أنقرة ومِن قبلِها ثلاثُ محاكم بعدَ أن استعرضوا عشرين سنةً من حياته، ونظروا في مؤلفاته بعينِ التدقيق والتمحيص، فقضَوا ببراءته، واتفقوا على أن مؤلفاته نافعةٌ ليس فيها ما يَضُرُّ الوطنَ أو الشعب؛ وهو رجلٌ من أبناء هذا الوطن غيورٌ عليه، وقد سبق أن أسدى إليه خدمةً جليلةً في الحرب العالمية الأولى، وهو اليوم يعمل بكل قوته وعبر مؤلفاته ذاتِ التأثير الظاهر للعِيان ليحميَ الوطنَ وأبناءَه من الفوضوية وإفساد الأجنبي؛ وهو رجلٌ مسالمٌ لم يتأتَّ منه ما يَضُرُّكم، ولم يتدخل بشيءٍ من أمور دنياكم، بل لم يقرأ صحيفةً ولا اهتم بالأخبار والحوادث منذ خمسٍ وعشرين سنةً كما ثبت ذلك لدى المحكمة بشهادة سبعين شاهدًا، وما التفتَ إلى الحرب العالمية الثانية طَوالَ سِنِيها السبعِ ولا استَخبر عنها ولا علِم من أخبارها شيئًا، وقد أثبت في مؤلفاته بالدلائل القوية أنه قَطَع علاقته بالسياسة كُلِّیيًّا، كما اعترفتْ بذلك جهاتُكم القضائية رسميًّا؛ وهو امرؤٌ يفِرُّ أشدَّ الفِرار من إقبال الناس وتوجُّههم إليه، ويتحفَّظ من مديح إخوانه له وحُسنِ ظنهم به، ولا يُعجَب بشيءٍ من ذلك، لئلا يَضُرَّ بآخرته وإخلاصِه.. فأيَّةُ مصلحةٍ تقتضي منك أنتَ وزيرَ الداخلية أن تُسلِّط عليه واليَ "أفيون" وشرطةَ "أميرداغ" ليقاسيَ في كلِّ يومٍ ما كان يقاسيه في شهرٍ في السجن الانفرادي، وليُجبَر على البقاء وحيدًا في حبسٍ انفرادي وزنزانةٍ انفرادية؟! أيُّ قانونٍ يسمح بهذه القسوة الرهيبة؟!
هذا ما أُبيِّنه لوزير الداخلية عبر دوائر القضاء العليا التي تحافظ على الحقوق العامة.
المحروم ظلمًا من حق الحياة
ومن جميع حقوقه المدنية والإنسانية
سعيد النُّورْسِيّ
٭٭٭
— 275 —
قَدِمَ لزيارة أستاذِنا مؤخَّرًا ثلاثُ شخصياتٍ مهمة، اثنان منهم ضابطان برتبة عقيدٍ في الشرطة العسكرية، والثالث نائبٌ في البرلمان من قيادات الحزب، وكانت زيارةً طيبةً عقدوا فيها معه أواصرَ المودَّة والتقدير الخالص، حتى لقد انضوى أحدُهم من فوره في سلك طلاب رسائل النور.
وكان ذلك النائب أحدَ أصدقاء "سعيدٍ القديم"، وقد عَلِمنا بعد مغادرته أن "حلمي بك" وزيرَ الداخلية السابق والأمينَ العامَّ الحاليَّ للحزب سيزور الأستاذ زيارةً خاصةً، ويلتقيه لقاءً وديًّا بوساطة النائب المذكور، ولهذا كتب الأستاذ هذه الرسالة ليُسلِّمَها إليه ويبحثَ الأمر معه، وقد أرسلنا إليكم صورةً عنها بإذنٍ من الأستاذ للاطلاع.
كما كَتَب الأستاذ دعاءَه في نهاية الرسالة الصغيرة التي بعث بها "حسني" ولدُ "رأفت"، وقد أرفقناها بالرسائل، وأرفقنا كذلك المقطعَ المرسَلَ إليكم سابقًا بعنوان: "تَظَلُّمٌ إلى وزير الداخلية".
ونحمد الله بلا حدٍّ أنْ عُيِّن لهذه البلدة مديرٌ جديدٌ، متدينٌ صادقُ الودِّ يوالي طلاب النور.
٭٭٭
يَذكر البطلان "نظيف" و"يعقوب جمال" اعترافَ الدول الثلاث في الشمال الغربي بالقرآن الكريم، وتَوافُقَ ذلك مع انتشارِ "ذي الفَقار"، وأن هذا فألُ خيرٍ كبيرٍ يُصدِّق ما قلناه في السنة الماضية من أن صدور "ذي الفَقار" سيكون وسيلةً لفتوحاتٍ كبيرةٍ في الداخل والخارج؛ ونحن نشارك هذين الأخوَين قناعتَهما، إذْ بالنظر إلى هذا العصر العاصفِ المائجِ بالإلحاد، فإن شعورَ الألمان سِرًّا، وشعورَ ثلاث دولٍ علانيةً، بحاجةِ البشر الماسَّة إلى القرآن في هذا الزمان، وقَبولَها له فعليًّا، ما هو إلا حدثٌ قرآنيٌّ كبير؛ بل لو صَدَّق بالقرآن لا ثلاثُ دول، بل عشرُ شخصياتٍ مشهورة، أو عشَرةُ
— 276 —
فلاسفةٍ في بلادٍ بعيدة، لكان ذلك بشرى عظيمةً لنا وللعالَم الإسلامي، ومَبْعثَ قوةٍ معنويةٍ كبيرةٍ لعامَّة أهل الإيمان.
يحوي "المكتوب التاسع والعشرون" رسائلَ كی"الهجماتِ الست" وذيلِها، و"الإشاراتِ السبع" و"التلويحاتِ التسع"، وفيها رموزٌ قرآنية وتوافقاتٌ نورية، إلا أنها منثورةٌ فيها على نحوٍ غيرِ مرتَّب، ولقد كان في عدمِ ترتيبها حكمة، إذْ كان وسيلةً لإسكاتِ المحاكم ولجان الخبراء ومَنعِهم من إدانتنا، كأن تلك الرموز الدقيقة والمسائل العميقة قالت لهم بلسان الحال: أنصِفوا.. لا تتعرضوا لمن يعمل لأسرار القرآن ويجتهد فيها كلَّ هذا الاجتهاد.
أما الآن فلم يَعُد وضعُها هذا مناسبًا، إذْ لا يكاد يَحتاج إلى هذه الرموز والتوافقات أو يَفهمها إلا واحدٌ من عشرين، أما ما سواها فالجميع يحتاجون إليه ويستطيعون فهمَه.

.......

طلاب النور هنا يقولون: لقد لبث مصحفُنا المُعجِز ثلاثَ سنين عند إخواننا في "دَنِزْلي" يشاهدونه ويقرؤونه، فلْيسمحوا لنا به ثلاثةَ أشهر، وسنتواصل مع إسطنبول لطباعته فوتوغرافيًّا كما طبعنا "الحزبَ النوري" و"الحزبَ القرآني".
٭٭٭
قولوا لصديقنا وأخينا الذي يريد إرسالَ "ذي الفَقار" و"عصا موسى" إلى هيئة المسلمين بأمريكا بواسطة السفير الأمريكي بإسطنبول: إن عقول السفراء مشغولةٌ بالسياسة، ورسائلُ النور لا علاقة لها بالسياسة، ولهذا لا تستطيع عقولُ السياسيين تقديرَ الرسائل من الوهلة الأولى؛ ثم إن رسائل النور لا تبحث عن زبائن، بل هم مَن ينبغي أن يبحثوا عنها ويتودَّدوا إليها؛ وإن أمريكا التي تتابع باهتمامٍ أصغرَ حدثٍ يجري في المنطقة، لا بد أنها ستَطلُب رسائلَ النور التي هي أكبر حدثٍ في المنطقة.
— 277 —
أيُّ قرارٍ يُتخَذ بعد الآن في أيِّ شأنٍ من شؤوننا سيكون قرارَكم وقرارَ خواصِّ الطلاب الذين يُمثِّلون الشخصَ المعنويَّ لرسائل النور، وسأشارك برأيي في حينه.
نُسلِّم على عموم إخواننا وندعو لهم بالسلامة ونطلب منهم الدعاء
أخوكم
٭٭٭
حمدًا لله بلا حدٍّ على التوفيق الذي أكرمَ به أركانَ المدرسة الزهراء، فإنهم بكرامةِ ما بينَهم من تساندٍ حقيقيٍّ واتحادٍ متينٍ يتغلبون على جميع ما يعترضهم من مشكلاتٍ وعقبات، ويوصِلون "ذا فَقارِ" النورِ الألماسيَّ وحُجَجَه ذاتَ المعجزاتِ الخارقة إلى المحتاجين، وإزاءَ نتيجةٍ كهذه فلا قيمة ولا أهمية لما نعاني من مشاقِّ ولو زادتْ ألفَ ضِعف.
يَذكر أخونا "رأفت" في رسالته أسماءَ ثلاث فتياتٍ صغيراتٍ هنَّ "مُنوَّرة" و"نَظْميَّة" و"صائمة"، نجحنَ في تعلُّمِ قراءةِ القرآن الحكيم وخَتْمِه في غضون ثلاثة أشهر، وتلقَّينَ في الوقت نفسه حقائقَ النور والحقائقَ الإيمانيةَ بكلِّ براءةٍ ولهفة، ونحن بهذه المناسبة نهنئهن ونهنئ معلِّمهن وآباءَهن وأمهاتِهن؛ وستُكْمِل "مُنوَّرةُ" و"نظْميَّةُ" إن شاء الله ما تبقى من وظيفةِ "عبد الباقي" و"محمد جلال" في خدمة النور.
البطل "برهان" الذي أسدى إلينا وإلى رسائل النور جزيلَ المعروف، يَذكر في رسالته أخًا مريضًا نسأل الله تعالى أن يَمُنَّ عليه بالشفاء، كما نسأله سبحانه أن يتغمد والدة أخينا "ذَكائي" بواسع رحمته، آمين.
سَبَق للحافظ "علي" و"حسن فيضي" رحمهما الله، ثم لی"أحمد فؤاد" الذي خَلَفَهما وتسلَّم وظيفتَهما.. سَبَق لهم أن طلبوا التضحيةَ بأعمارهم لأستاذهم الهَرِمِ المسكينِ الذي شارفتْ وظيفتُه على النهاية، ورغبوا أن يرحلوا إلى البرزخ عاجلًا بدلًا منه، وهاهو شخصٌ رابعٌ يَطلُب ما طلبوا، وهو أخونا الركنُ النوريُّ "صبري"، مِرسالُ
— 278 —
النور الذي بَيَّضَ وجوهَ فريقٍ من أهل العلم، فإنه يَطلُب أن يَهَب لي عمرَه إن أمكن، وقد كتب إليَّ بالأمر بعد قناعةٍ تامةٍ به في نفسه وقلبه.
وإني أقول لأخي هذا ذي السَّبْق والرسوخ في خدمة الأنوار، والذي تَعُود حياتُه بالنفع الكثير للأنوار: بارك الله فيك جزيلَ البركات، قبلتُ منك عمرَك الذي وَهبتَ، كما قبلتُ من "أحمد فؤاد" عُمرَه الذي وَهبَ، وإني بدوري أئتمن على عُمُرَيَّ هذَين أَخَوَيَّ "السَّعيدَين الجديدَين" هذين، ليقوما بالخدمة الإيمانية والنورية بدلًا مني.
كما كَتَب يَذكُر في رسالته أن "يوسف بنَ سليمان الصِّدِّيق"، وأبناءَ المرحوم "مصطفى چاويش" و"أحمد" قد التحقوا بحلقة الحافظ "توفيق الشامي" رئيسِ كُتَّاب مدرسة "بارلا" النورية، وأنهم تعلموا في دروسِ القرآنِ الكتابةَ والقراءةَ والأنوار؛ كما تحدَّث عن "خُلوصي" والحافظ "حقي" ونَسْخِهما الأنوار بكلِّ همةٍ ورغبة، وقد قوَّى هذا آماليَ المعقودةَ على "بارلا"، وأورثني فرحًا وسرورًا غامرًا، أسأل الله لهم التوفيق والنجاح، آمين، وأسأله تعالى أن يجعل التوفيق لی"توفيق" خير رفيق، آمين.
وتضمَّنتْ رسالةُ "صبري" رسالةً من شخصٍ كثيرًا ما يخطر ببالي، وهو "حسين" ابنُ أختِ "سليمان الصِّدِّيق" الذي خدمني كثيرًا أثناء إقامتي بی"بارلا"، وقد سرَّتني رسالتُه كثيرًا وبدَّدتْ قلقي بشأنه، بارك الله به، فما زال محافظًا على صلته وعهده القديم على نهج "سليمان الصِّدِّيق".
وأُرفِقَتْ برسالة "صبري" رسالةٌ من طلاب رسائل النور بقرية "جِيره" التابعة لی"أغيردِر"، وهم "شكري" و"سليمان" و"عثمان چاويش"، وقد عبَّروا فيها عن ارتباطهم الصادق الوثيق بالأنوار، فنقول لهم: بارك الله بكم ووفقكم.
استلمتُ الأمانة التي أرسلها "خسرو قَسْطَموني ورُشدِيُّها"، أعني "محمد فيضي" و"أمين"، وهي عبارةٌ عن بعض رسائلي المتبقية هناك.
وبخصوص رئيسِ كُتَّاب النور "محمد فيضي" فقد ألَّفَ معجمَ مفرداتِ "عصا موسى" الذي أرسلتُه إليكم، وقد كَتَبه كتابةً حسنةً دقيقةً رغم ما كان يعاني من مرض،
— 279 —
وقدَّم له مقدمةً جميلة، وكتب إليَّ رسالةً خاصة، والحقُّ أن ما يتحلى به من صدقٍ ووفاءٍ خارقٍ وارتباطٍ فذٍّ بالأنوار، وثباتٍ في أداء الخدمة الإيمانية في عدة جهاتٍ برغمِ ما يحيط به من مشكلاتٍ وعقبات، يُبرهِن أنه أُنموذجٌ مُصغَّرٌ لی"خسرو"، وأنموذجٌ تامٌّ لی"حسن فيضي".
على أني حين كنت في "قَسْطَموني" كان فيها مسؤولٌ قديمٌ مرموق، صوفيُّ المشرب، مشحونٌ بالأنانية، وكان فيها كذلك شيخٌ سياسيٌّ تاجرٌ، غزيرُ المعلومات ذو علاقاتٍ دنيويةٍ واسعة، غير أنهما لم يتعرضا لي فلم أتعرض لهما ولم أحاول استمالتَهما إلى دائرة النور، أما اليوم فليس بمقدور "محمد فيضي" أن يُخلِّص "قَسْطَموني" من نفوذهما ويجعلها كی"دَنِزْلي"، فضلًا عن أن أبطالَ النور من أمثال "حلمي" و"صادق" و"أحمد قريشي" موزَّعون في القرى، وهذا يُبقي خدمة "فيضي" خصوصيةً بدرجةٍ ما، لكنه سيُوفَّق يومًا ما توفيقًا تامًّا إن شاء الله.
وتتولى "زهراء" و"هاجَر" و"لُطفية" و"عُلْوية" و"نَجمية" خدمة النور بين النساء في "قَسْطَموني"، وفي هذا عونٌ لی"فيضي" في خدمته.
يَذكر "فيضي" في رسالته أنه قد افتُتِح مركزٌ رسميٌّ لتعليم القرآن بمساعي طلاب رسائل النور، وأن النوريين الصغار كانوا أول المنتسبين إليه، وفي مقدمتهم أولاد "أمين"، فقد كانوا أول الملتحقين به، وقد ختموا فيه القرآنَ تلاوةً، ثم شرعوا بحفظِ بعضٍ منه؛ ونحن نهنئ هؤلاء الصغار وآباءَهم وسائرَ الطلاب هناك، ونقول لهم: بارك الله بكم وزادكم من فضله.
أختُنا الفاضلة "زهراء" التي قَدِمتْ إلى هنا مرتين لخدمة النور، تبرَّعتْ بمئتَي ليرةٍ لشراء ورقٍ للمدرسة الزهراء، وهذا يدلُّ على أن بين النساء أمثال "خسرو" و"فيضي" و"أحمد".
تسلَّمتُ الرسالة المشتركة التي بعث بها من "قَسْطَموني" بَطَلا النور "حلمي بك" و"أمين" مذيَّلةً بتوقيع الحافظ "إحسان".. أبعث بسلامي الحار وشوقي وحنيني إلى
— 280 —
أخَوَيَّ هذين القديمين العزيزَين الثابتَين المتينَين، وإلى "إحسان" وسائر طلاب النور هناك.. ما أخبار "إحسان" الذي كان معنا في السجن وقام على خدمتنا؟ أين هو الآن؟
أخبار "صَفْرَن بولو" وما حولَها، والصدقُ العجيبُ والارتباطُ الوثيقُ الذي نراه حقيقةً من أمثال "أحمد فؤاد" و"حفظي" و"رَحْمي" و"مصطفى" تُثبِت بشكلٍ ملموسٍ أن خدمة النور التي أديناها في "قَسْطَموني" ثمانيَ سنين لم تذهب سدًى، وأن "صَفْرَن بولو" ستكون هي الأخرى مدرسةً نوريةً ساطعة.
يخبرنا "مصطفى عثمان" في رسالته الأخيرة، أن الأنوار تقوم بفتوحاتٍ بين مئات الشباب والعمال في مدينة "قره بوك" الصناعية التي تبعد عنهم قرابة ساعتين، وهذه بشرى سارَّةٌ عظيمة.
وفي رسالتهما الجميلة يذكر بطلا النور الشابَّان "مصطفى صونغور" و"رَحْمي" أن "أحمد فؤاد" قد شرع بإعطاء الدروس في قريتهما بهمةٍ عالية، وأن ناحية "أفلاني" قد غَدَتْ مدرسةً نوريةً أشبه بناحية "بارلا"، وأن أهلها يتلقَّون الأنوار ويستمعون إلى دروسها بإقبالٍ ولهفة، وأن ثمة مُعلِّمَين شابَّين جديدَين دخلا دائرة النور مع تعلُّم الكتابة العربية، وأن الصغار شَرَعوا بتعلُّم الحرف القرآني وانتقلوا منه إلى نَسخ رسائل النور؛ وهذا فألُ خيرٍ كبير، نسأل الله تعالى أن يوفِّقهم، ويَجزيَ معلِّميهم وآباءَهم وأمهاتِهم خيرًا؛ لقد دخل هؤلاء في دائرة الدعاء للأبرياء الصغار، ونحن نهنئ ناحية "أفلاني" وأهلَها وفي مقدمتهم "أحمد فؤاد" و"مصطفى" و"رَحْمي".
لقد استطاع بطلا النور هذان نَسْخَ الرسائل بالحرف العربي في زمنٍ يسير، فَنَسخ "مصطفى صونغور" خاتمةَ المسألة الحادية عشْرةَ من "رسالة الثمرة" بشكلٍ متقَن، ونَسَخ "رَحْمي" رسالة "مرشد الشباب" بخطٍّ عربيٍّ جميل، وقد وصلني ما نَسَخوه ضمن كتبي المرسَلة من "قَسْطَموني"، فسرَّني ذلك كثيرًا، وشعرتُ كما لو أن ابنَي أخوَيَّ "عبد الرحمن" و"فؤاد" قد عادا إلى الدنيا من جديد.

.......

— 281 —
أبعثُ بالتهاني لشيخٍ في "باليكَسير" يُدعى "الشيخ أدهم"، وهو مهاجرٌ من أتباع الطريقة المولوية، قضى قرابةَ عشرين سنةً يعلم الدين في القرى ويقرِئ القرآن للصغار، وهو اليوم يقوم بخدمة رسائل النور في "باليكَسير" و"قرق أغاچ" وما حولهما، وقد بعث إليَّ برسالةٍ مطوَّلةٍ يدعو فيها المشايخَ المتخوِّفين إلى الأنوار ويَبُثُّ فيهم الجرأة والشجاعة، وقد أرسل الرسالة باسم طلاب النور هناك، وذيَّلها بتوقيعه قائلًا: إبراهيم أدهم إمام قرية "أعلى مسجد" في "صَنْدِقْلي"؛ وفي الرسالة فقراتٌ مهمةٌ جميلة، وفيها صفعاتٌ للمشايخ المتخوفين.
أهنئ هذا الرجل كثيرًا، وأسأل الله تعالى له التوفيق، وأبعث بسلامي إليه وإلى النوريين الجدد الكثيرين الذين سمَّاهم في رسالته؛ على أني لسوء حالتي الصحية لم أستطع تصحيحَ رسالته المطوَّلة ولا تعديلَها، فقد أثنى عليَّ فيها ثناءً زائدًا يستلزم الحذف أو التعديل، وسأرسل إليكم صورةً عنها لإدراجها في "المَلاحق"؛ وكما دفع "حسن فيضي" و"أحمد فؤاد" المعلِّمين إلى الأنوار، فإن أخانا الهُمامَ هذا سيدفع المشايخ إلى الأنوار إن شاء الله.
حين كنتُ في فندق "دَنِزْلي" كان الخَبَّاز "مصطفى" وابنُه يَخدُمانني بين حينٍ وآخَر بجلب الخبز وإيقاد المدفأة، وقد بعث إليَّ برسالةٍ عن طريق "طاهر چاويش"، فأبعث إليه بسلامي.
نسلِّم على الجميع وندعو لهم بالسلامة.
٭٭٭
— 282 —
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
هذا جوابٌ وَرَدَ على الخاطر بمناسبة سؤالٍ يُطرَح بصورةٍ ماديَّةٍ ومعنوية.
يقال: لماذا لا تَقبل ما يوليك إياه طلابُ النور من حُسْنِ ظنٍّ قوي، واعتقادٍ قطعي، ومقامٍ وكمالاتٍ تَزيد من هِمتهم للأنوار؟ ولماذا تَعزو المقامَ والكمالاتِ إلى رسائل النور وحدَها، وتُظهِر نفسَك خادمًا كثيرَ العيوب؟
الجواب: لله الحمدُ والشكرُ بلا حدٍّ أنَّ لرسائل النور من نقاطِ الاستنادِ القويةِ الراسخة، والحججِ القاطعةِ الساطعة، ما لا تحتاج معه إلى مزايا واستعداداتٍ مظنونةٍ في شخصي؛ فهي ليست كالمؤلَّفات الأخرى التي تعتمد على قابليةِ المؤلِّف فتستمدُّ منه قُوَّتَها ومقبوليتَها.
فها هي رسائل النور بارزةٌ في الميدان منذ عشرين سنة، ليس لها مُعتمَدٌ ولا مُستَندٌ سوى حججِها القاطعة، وما تزال تُرغِم أعدائي الماديين والمعنويين وتُجبِرهم على الاستسلام؛ فلو كانت شخصيتي نقطةَ استنادٍ مهمةً لها، لأمكن لأعدائي الملحِدين ومعارضيَّ الظالمين أن يوجِّهوا إليها ضربةً قويةً بالطعن في شخصي ذي النواقص والعيوب؛ والحالُ أنهم برغمِ ما بذلوا من جهودٍ حثيثة، وما كادوا من مكائد خبيثة، راجين بحماقتهم أن يطعنوا فيَّ ويَحُولوا دون إقبال الناس عليَّ، ما استطاعوا الإضرارَ بفتوحات الأنوار ولا الحطَّ من شأنها، بل حتى وإنِ استطاعوا التعكيرَ على بعضِ الضعفاء والطلاب الجدد، إلا أنهم لم يستطيعوا صَرْفَهم عنها.
فلأجل هذه الحقيقة، ولأن الأنانية قد طَغَتْ في هذا الزمان، لا أقبل لنفسي حُسْنَ ظنِّ إخواني الذي يَفوق حدِّي كثيرًا، ولا أُحسِن الظن بها كما يفعلون.
ثم إنْ كان المقامُ الأخرويُّ الذي أَولَوه لأخيهم المسكينِ هذا مقامًا دينيًّا حقيقيًّا، فإنه يمكن أن يكون یی بجهةٍ یی مدخلًا للأنانية، إذْ يَعُدُّ المرءُ نفسَه صاحبَ مقام؛ ومن جهةٍ أخرى فإن الكمالات التي أولَوها لشخصي ما هي إلا هديةٌ معنويةٌ أهدَوني إياها،
— 283 —
فإنْ كنتُ أعدُّ نفسي صاحبَ كمالات یی حاشا لله یی فهو دليلٌ على أني لستُ كذلك، وإن كنت لا أعدُّ نفسي صاحبَ كمالاتٍ فينبغي عدم قبول هديتهم هذه، كما تُقرِّر القاعدةُ الواردةُ في آخِر "المكتوب الثاني".
بقي أمرٌ آخَر، وهو أنه قد يقال بجهةٍ دنيويةٍ: إنَّ الشخص الموظَّف بنشر الحقائق الإيمانية، إنْ كان صاحبَ مقامٍ كان تأثيرُه أفضل؛ وهنا يوجد مانعان أيضًا:
أحدهما: أنه حتى لو وُجِدت فيه الولايةُ فرضًا، فإنَّ اتخاذَ المرء مقامًا بعلمٍ وقصدٍ ينافي ما تنطوي عليه الولاية من إخلاصٍ وفناءٍ عن الذات؛ فلا يمكن إظهارُ الولاية وادعاؤها كما فعل الصحابة الذين هم وَرَثَة النبوة، ولا يقاس عليهم.
المانع الثاني: أنه إن كان صاحب المقام شخصًا فانيًا بسيطًا محدودَ الأجل، وكان كثيرَ النواقص والعيوب، وقابلًا للقدح من جهاتٍ كثيرة، أضرَّ ذلك بالأنوار وبفتوحات الحقائق الإيمانية.
غير أن ثمة أمرًا يستوجب الشكر، وهو أن أعدائي من أهل السياسة لا يعرفون هذه الحقائق المذكورة آنفًا، ولهذا يتعاملون معي باعتباري "سعيدًا القديم" ذا الاعتزاز والشرف، وينشغلون بتوجيه الإساءة والانتقاص إلى شخصي بدلًا من توجيهها إلى الأنوار، ويُحرِّضون عليَّ بعض المشايخ المتعصبين ذوي الأنانية، ويحسَبون أنهم ينجحون في إطفاء الأنوار، والحال أنهم يصبحون وسيلةً لسطوعها وتلألُئها، فالأنوار لا تَستمد نورَها من شخصي البسيط، بل تستمده من منبعِها شمسِ القرآن.
٭٭٭
— 284 —
تلقَّيتُ من "إبراهيم أدهم" شيخِ قرية "أعلى مسجد" رسالتَه التي تفيض إخلاصًا، وقد أَرفَقَ بها ستَّ رسائل صغيرةٍ لتلاميذِ نورٍ صغارٍ أبرياءَ ذوي شأن، دخلوا دائرةَ النور بما نَهَلوا وتعلموا على يد هذا الشيخ المبارك، وكانت فكرةُ إرسال الرسائل فكرتَهم، وقد أمْلَوا رسائلَهم على شيخهم فكَتَبَها، وذكر كلُّ واحدٍ من هؤلاء الأبرياء المباركين أنه يَهَب بعضًا من عمره لي أنا "سعيدًا" الشيخَ المريض، وهذه في الحقيقة حادثةٌ نوريةٌ تُثير الإعجاب والتقدير؛ وأنا أقبل هذه الهدايا المباركة من هؤلاء الأبرياء الأنقياء، وأُهديهم إياها من جديد.. أَهَبُها لهؤلاء السعيدين الصِّغار ليعملوا ويجتهدوا بدلًا مني، أسأل الله تعالى لهم التوفيق؛ وهم بحسب إشاراتهم: "إبراهيم" في التاسعة من عمره، "مصطفى" في الحادية عشرة، "خليل إبراهيم" في الثانية عشرة، "أمين يلماز" في الرابعة عشرة، "محمد" في الحادية عشرة، "عبد الله" في الثانية عشرة.
وكتب إليَّ أيضًا الحافظُ "محمدٌ" أحدُ أبطال المدرسة النورية، وابنُ أستاذها المبارك المرحوم الحافظ "حاجي" ووارثُه، وقد كتب رسالتَه باسم عموم طلاب المدرسة، ومما جاء فيها قولُه: "إن الاشتغال بالأنوار دواءٌ لجميع الأمراض والبلايا سوى الموت، بل حتى الموتُ المُفزِعُ المخيف يَظهَر بالأنوار بوابةً إلى الجنة، فيُشوِّق أهلَ الإيمان ولا يُخيفُهم"؛ وقولُه هذا حقيقةٌ تَشهَد لها حوادثُ كثيرة.
ويَذكر في رسالته كذلك شروعَ ابنِه الصغير في حفظ القرآن الكريم، فسيُوفَّق في ذلك بإذن الله، وسيُديم هذا اللقب المبارك، لقبَ "الحافظ" الذي حمله جدُّه وأبوه.
وفي رسالةٍ قصيرةٍ في صورتها، طويلةٍ قَيِّمةٍ في معناها، كتب البطلُ ذو القلم الألماسي "مصطفى يلدز" يَذكر أنَّ ترحيب طيور الهدهد بكتابة "سِكَّة التصديق الغَيبي" يشير إلى أنها ستَصدُر من المدرسة النورية بشكلٍ باهر، وستحقق فتوحاتٍ طيبةً بإذن الله.
٭٭٭
— 285 —
المناجاة القصيرة التي أَرْسَلَها البطلُ "طاهري" صحيحةٌ سليمة، وكان سَبَق لي أن تَرجَمْتُ منها القسمَ الأولَ فحسب، ووضعي الحالي لا يسمح بإكمال ترجمتها، فلْتُكتَب كما هي.
إن هذه المناجاة القصيرة تُبيِّن أن الأنانية النفسية والحِسِّيات الحياتية لم يكن لهما تأثيرٌ وقتَ تأليف رسائل النور، وأنهما لم تَشوبا إخلاصَ الأنوار ولم تُعكِّرا صفوَها؛ فكما أن تفسير "إشارات الإعجاز" أُلِّف بإخلاصٍ تامٍّ إذْ كنتُ في الحرب العالمية الأولى دائمَ الانتظار للشهادة دائمَ الترقُّب لها، فكذلك الأمرُ في هذه "المناجاة"، إذْ إن ظهور رابطة الموت فيها بشكلٍ قويٍّ كان وسيلةً لاتخاذ الأنوار ماهيةً صافيةً خالصة، فلم تَشُبْها الحِسِّيَّات النفسانية بفضل الله تعالى.
٭٭٭
مثلما قَدِم إلينا "محمد" و"أحمد" من "دَنِزْلي"، قَدِم إلينا "محمد" و"أحمد" آخَران من تلاميذ النور المهمين.. قَدِما من "بارلا" مدرسةِ النور الأولى، والبلدةِ التي لي بها ارتباطٌ روحيٌّ وثيق؛ وكما كان قدومُهما باسم طلاب النور بی"بارلا"، فقد قَدِم "أحمد" نيابةً عن والده المرحوم "مصطفى چاويش"، وقَدِم معه "محمد الحلاق" نيابةً عن والد زوجته المرحوم الحافظ "أحمد المهاجر"، وهما اللذان تربطني بهما علاقةٌ وثيقةٌ منذ القديم، واللذان تولَّيا خدمتي بصدقٍ وتفانٍ طوال ثماني سنين، ولقد شعرتُ بالفرح والسرور كما لو أني ذهبتُ إلى "بارلا" وإلى ذلك الزمان الذي قضيتُه فيها.
بارك الله بی"بارلا" إذْ بدأتْ تَشعر بأنها المدرسة النورية الأولى، وأخذتْ تُبدي يقظةً جادةً وارتباطًا وثيقًا، حتى إن الحاج "بكر" الذي تولى طبع "الكلمة العاشرة" سابقًا، تكفَّل اليوم بكامل مصاريف غرفتي التي أقمتُ فيها هناك، ومَنَع مِن بيعها، وأرسل إلى "بارلا" يطلب المحافظة عليها لتبقى دارَ ضيافةٍ لطلاب النور.
— 286 —
تلقَّيتُ رسالةً صغيرةً من زوجة مِرسالِ النور الشيخ "صبري"، وهي مثلُه طالبةُ نورٍ منذ القديم، وتلقَّيتُ رسالةً أخرى من ابنهما المبارك "نور الدين يَشار"، أسأل الله تعالى أن يُحسِن إليهم جميعًا بالصحة والعافية والسعادة، آمين.
٭٭٭
من الغريب أن المطر هَطَلَ بغزارةٍ في منطقةِ "أميرداغ" وحدَها مع شدة الحاجة إليه في كل مكان، ورافَقَه هطولُ بَرَدٍ لم يُرَ مثلُه، حبَّاتُه بحجم حبَّات البندق، عظيمُ النفع للزُّروع.
ويَذكر اثنان من طلاب النور عندي أمورًا وقعت بين يدي نزول هذا الغيث، منها وصولُ نسخةِ المصحفِ ذي المعجزات إلى "أميرداغ"، وقراءةُ مديرِ الأمنِ "ذا الفَقار" بكل تقديرٍ بينما كنا نتوقع شنَّ حملةٍ علينا إثْرَ مصادرة نسخةٍ من الكتاب في "أفيون"، وانضمامُ ثلاثةٍ من كبار الموظفين إلى دائرة النور في وقتٍ واحد، كلُّ واحدٍ منهم يُدعى "إسماعيل"، فأصبحوا من طلاب الأنوار وناشريها، فكلُّ هذه الأمور كانت وسيلةً لنزول هذا الغيث؛ وقد ثبت بتجارب كثيرةٍ حتى يومنا هذا أن رَفْعَ الحظر عن رسائل النور والسماحَ بانتشارها كان وسيلةً لرفع البلاء، وأنه كلما ضُيِّقَ عليها ومُنِعتْ وأُسكِتت حلَّ البلاء، بل لقد أُثبِت هذا لدى المحكمة.
ويتبين من هذا أن القحط الذي وقع في عاصفةِ هذا الربيع تَرافَق مع مساعي أربعةِ تيارات، اثنان منها خارجيان واثنان داخليان، سَعَتْ جميعُها یی كلٌّ وفق مَقصَده یی لِثَنْي همةِ طلاب النور وتشتيتِ جهودهم وصرفِ اهتمامهم إلى الدنيا والسياسة، لكنَّ هذا القحط سيُرفَع عما قريبٍ إن شاء الله.
٭٭٭
— 287 —
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
إيذانًا بصفعاتٍ سماويةٍ على بلدٍ يرفع رايةَ الإلحاد، ويَسوق الملايينَ من أهلِ الإيمان والبُسطاءِ الأبرياءِ إلى الخروج عن الأديان السماوية والقوانين الإلٰهية، ويَدفعُهم إلى ذلك بوسائل رهيبةٍ شتى، أُمطِرَ ذلك البلد بحجارةٍ أفظعَ مما أُمطِر به قومُ لوط، لم يُرَ مثلها قطُّ في تاريخ البشرية.
وقد نَقلتِ الصحفُ الرسميةُ هذه الحادثةَ السماويةَ وأكدتْها بشكلٍ قاطعٍ كما أخبرني أحدُ طلاب النور على خلاف عادتي، فقلتُ لنفسي: إنني منذ خمسٍ وعشرين سنةً لم أهتمَّ بما تنقله الصحف من حوادث، إلا أن هذه الحجارة تُمثِّل صفعاتِ رسائلِ النورِ المعنويةَ للملحدين، وقد سبق أنْ أَخبرتْ عنها قبل بضع سنين.
فقلتُ للطالب: اذهب واقرأ ما ورد بخصوص هذه الحادثة بتمامها وتحقَّقْ منها، فتحقَّقَ وجاء يخبرني بأنه في هذا الربيع تساقطتْ على غابات "فيلادي فوستوك" في روسيا أحجارٌ من السماء لم يُرَ لها مثيلٌ في ضخامتها على وجه الأرض، وبلغ طولُ أكبرِها خمسةً وعشرين مترًا، وعرضُه عشَرةُ أمتار، وقد أحدثتْ بسقوطها نحوَ ثلاثين حفرةً كبيرة، واقتلعت الأشجارَ في محيطها، وتَبيَّن بعد فحص أجزاءٍ منها أنها تحوي أخلاطًا من الحديد والفولاذ وغيرِ ذلك من المواد.
إن هذا الخبر الجازم الذي تناقلتْه الصحف الرسمية، قد أخبرتْ عنه سورةُ الفيل قبل ألفٍ وثلاثِمئةٍ وستين سنة في جُملتها المعجزة: تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ؛ فإنها تُخبر عن حدثٍ سيقع بتاريخ ألفٍ وثلاثمئةٍ وتسعةٍ وخمسين، يُصيب الذين يرجِّحون الدنيا على الدين، ويتخذون الإلحادَ أساسًا، ويُضِلُّون البشرية باسم التحضر والمدنية، فستتساقط على رؤوسهم قنابلُ من طياراتٍ سماويةٍ كطيور الأبابيل، وسيكون ذلك مقدمةً لإمطارهم بحجارةٍ سماوية.
— 288 —
وكذلك جملة: فِي تَضْلِيلٍ، فإنها تُشير إلى العام (١٣٦٠) نفسِه، وتُهدِّد منذِرةً بأنه بعد هذا التاريخ ستَنزل حجارةٌ سماويةٌ تُذَكِّر بالحجارة السماوية التي أُمطِرَ بها قوم لوطٍ عقابًا على الضلالة.
وفي حديثِ رسائل النور عن نكتةٍ لسورة الفيل، وردتْ جملةٌ في حاشيةٍ تقول: "نعم، إن هذه السورة تهدِّد بمعنًى إشاريٍّ ينذِر الأشرار بأنهم إنْ لم يَنبِذوا الشرك ويَدخلوا في الشكر ويَسْترضوا القرآنَ من نزول هذه الصفعات، فستُمطِرهم الملائكةُ بأحجارٍ سماوية".
وثمة أمارتان تومئان إلى أن هذه الفقرة تشير مباشرةً إلى هذه الحجارة:
الأولى: أن ما نزل قبلُ من حجارةٍ سماويةٍ كان بحجم شبرٍ أو شبرَين، أما هذه الحجارة فهي كالجبال قياسًا بتلك، إذْ هي بطول خمسةٍ وعشرين مترًا وبعرض عشرة أمتار، ولا ريب أن هذه علامةٌ على غضب السماوات على الإلحاد؛ وإنَّ نَظَر سورةِ الفيل إليها وإشارةَ تفسيرها إليها لَحقيقة، فهذه الحادثة جديرةٌ بهذا الإخبار إذْ لا مثيل لها.
الأمارة الثانية: نزولُها على مركز إلحادٍ رهيبٍ يُهدِّد النوعَ البشريَّ والكرةَ الأرضية برُمَّتها؛ وقد شعر الملحدون بهذا الأمر فسَعَوا طَوالَ شهرين للتهوين من شأن هذه الحادثة العجيبة الرهيبة، مع أنهم في العادة ينشرون أبسط الحوادث بعنايةٍ واهتمام.
٭٭٭
— 289 —
باسمه سبحانه..وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إخواني الأعزاءَ الأوفياء: "طاهري"، "صبري"، "صلاحَ الدين"، "محمد"، "مصطفى"..
أولًا: حرمةً لهذه الشهور الثلاثة المباركة، واحترامًا لإخلاص طلاب النور ووفائهم وتفانيهم، سنعمل على إصلاح أمرٍ تَسبَّب لي بعتابٍ شديدٍ ولطمةِ تأديب، فلا يكن في صدركم حرجٌ من ذلك.
فقد تلقَّيتُ في هذه الليلة عتابًا لم أتلقَّ مثلَه، وأُخطِرتُ إخطارًا معنويًّا شديدًا في صورةِ عذابٍ، فقيل لي:
"كنتَ مكلَّفًا بالترفُّع عن الدنيا والمُتَع واللذائذ، لتحافظ على الإخلاص والاستغناءِ اللَّذَين في الأنوار..
وكان مطلوبًا منك أن تعالج بالأنوار المرضَ الذي تفشَّى في هذا العصر.. مرضَ ترجيحِ الدنيا على الدين كما أَخبرَتِ الآيةُ الكريمةُ: يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، وهو مرضٌ أشبهُ باستبدال الألماس النفيس بزجاجٍ خسيسٍ بعلمٍ وقصد..
وقد تَبَيَّن لك من تجاربك الكثيرة أن هدايا الناس وإحساناتِهم ومساعداتِهم تَضُرُّك بل تُمرِضك، وأنت ترى أثرَ ذلك وتَخبُرُه كلَّ يوم..
فكيف عَمِدتَ إلى أبطال رسائل النور ومُضحِّيها الذين هم عُمدتُك في الخدمة الإيمانية، فحوَّلتَ أنظارَهم من خدمة رسائل النور إلى الاهتمام براحتك..؟!"، ونحوُ هذا من كلامٍ كثيرٍ قيل لي معنًى وأُنذِرتُ به، حتى إني لَأخشى الآن حلولَ صفعةٍ معنوية.
والحلُّ الوحيد لهذا الأمر هو أن تُعلِنوا أنتم الذين اشتريتم هذه السيارة فتقولوا: "إن أخانا سعيدًا لم يستطع قبولَها، لأنه أحسَّ منها بضررٍ معنويٍّ بالغ".
— 290 —
ثم ينبغي بعدَ ذلك إرسالُ السيارة إلى "صبري" في "قونية"، فلْتُحوَّلْ إلى هناك، فإنْ لم يَرضَ فلْتُحوَّل إلى أركان المدرسة الزهراء؛ ولا يَستعظِم "صبري" الأمر، فإنَّ خدماتِه الجليلةَ للأنوار في كلِّ شهرٍ تَفوق ثمن السيارة، فلا يتحرَّجْ من ذلك.
ثانيًا: اعلموا يقينًا أن سبب العتاب الشديد الذي لَقيتُه أنني حين خرجتُ للتنزُّه بسيارةٍ رغبةً في الترويح عن النفس، قال لي السائق: لقد صدرتْ سياراتٌ صغيرةُ الحجم، تُباعُ الواحدةُ بحوالي الألفِ ليرة، فقلتُ من قبيل التمني: ليتَنا نحصُل على سيارةٍ منها على سبيل الأمانة، فأزورَ إخواني النوريين في شتى الأماكن!!
ولم يكن ذلك مني قرارًا حقيقيًّا جادًّا، وإنما كان مجرد رغبة؛ فإذا باثنين من خواصِّ إخواننا هنا ظَنَّا هذه الرغبةَ قرارًا جادًّا، وسعَيا بكلِّ تضحية لتأمين أربعةِ آلافٍ بدلًا من ألف، فلما قَدِما إلى هنا ظننتُ تلك الرغبةَ دعاءً مقبولًا، وسُرِرتُ بذلك سُويعاتٍ من الزمن، لكني ما لبثتُ أن تلقَّيتُ الليلةَ اعتراضًا وعتابًا معنويَّين، فأدركتُ خطأ تلك الرغبة؛ على أن لهذا العتاب المعنويِّ غيرِ المسبوق أسبابًا ثلاثة، سأوضحها في وقتٍ آخَر.
فليَعلم إخواني الخمسةُ الذين اشتروا السيارة، أنهم لم يُهدوا بمجموعهم مجرَّدَ سيارةٍ أو تَصدَّقوا بها فحسب، بل بالنظر إلى نيتهم الصالحة فإن كلَّ واحدٍ منهم قد أهدى دائرةَ رسائل النور هديةً تَعدِل ثمنَ سيارة، وإني على يقينٍ تُعزِّزه إشاراتٌ بأن هديتهم هذه قد قُبِلَتْ معنًى.
فيا إخواني.. ما دمتم قد حُزتُم هذا القبول في خدمتكم الخالصة هذه، فلا تحزنوا ولا تتأثروا، وأنقذِوني من هذا العتاب المعنوي، وسارِعوا لتلافي الضرر الذي يتهدد دستورَ حياتي، ويتهدد سرَّ الإخلاص في رسائل النور؛ ولا تتركوا السيارةَ هنا، ولْتُحَوَّل إلى مَن دفع الحصةَ الأكبر من ثمنها، وعندما أبين لكم تلك الأسباب الثلاثة المهمة، ستدركون حقيقةَ قلقي هذا.
ثم إني إلى أن تنقضي هذه الشهور الثلاثة المباركة، وإلى أن تَصدُر المجموعات المهمة، مضطرٌ لعدم الالتفات إلى الدنيا ولو أُعطيتُ مُلكَ الدنيا بأسرها.
— 291 —
إنْ كان ثمة نقصٌ في المبلغ الذي دفعتموه لشراء السيارة فإني قررتُ بيع كلِّ متاعي لتسديد النقص.
سلامي لكم جميعًا.. سامحوني، وأنا كذلك مسامحٌ لكم.
٭٭٭
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
لا تقلقوا، فالعناية الربانية تَحُفُّنا، وهذا الاعتداء سيَفشل، وسيكون عونًا على مزيدٍ من فتوحات النور بإذن الله؛ فليذهب أحد إخواننا إلى أنقرة بلا وَجَلٍ ولا اضطراب، ليدفع عنا بالقانون هذه المعاملةَ غيرَ القانونية، ولْيَلْتقِ بشخصياتٍ مثل "حلمي أُوران" الأمين العام السابق للحزب، والنائب "جلال" مفتش ولاية "أفيون"، و"أحمد حمدي" في رئاسة الشؤون الدينية، و"يوسف ضياء" في لجنة الخبراء، ولْيعمل على تغيير هذه المعاملة التعسفية اللاقانونية التي نعامَل بها.
أما بخصوص نُسَخ "ذي الفَقار" و"عصا موسى" وآلة النسخ التي صودِرتْ فقولوا للمحكمة وللشرطة: إنَّ نَسْخ هذه المجموعات مُخصَّصٌ للخارج، فهذه النُّسَخ ستُرسَل إلى الخارج؛ وإنه ما دامت ثلاثُ دولٍ في الشَّمال قد اعترفتْ بالقرآن وشرعتْ بتدريسه في المدارس؛ وما دامت الهند قد طلبتْ من هذه الحكومة نُسخًا من القرآن الكريم بقيمة مليونَي ليرة؛ وما دامت محاكمكم وفلاسفةُ علمائكم قد دقَّقوا "ذا الفَقار" و"عصا موسى" طَوال سنتَين فقضَوا ببراءتنا بالاتفاق، وتلَقَّوا هذين الكتابَين بالاستحسان والتقدير؛ وما دام هذان الكتابان سَيفَين للقرآن صارمَين، وحجَّتَين له ساطعتَين، يُجبران أعتى المعاندين على الاستسلام؛ وما دام الآلاف من أهل التحقيق وأهل العلم يَشهدون أن لهذين الكتابَين من القوة ما يُمَكِّنهما من صدِّ تيار الإلحاد القادمِ من الشَّمال والراعي للفوضوية الهدامة الرهيبة؛ وما دامت الحكومة الحالية تفتتح مدارس لتعليم القرآن وتأمر بتدريس الدين في المدارس.. فليست هذه المعاملة
— 292 —
التي نلقاها إلا ظلمًا مزاجيًّا متعسِّفًا لا نظير له، وجنايةً على الوطن والشعب والأمن والاستقرار وحرية الوجدان والضمير.. نحن لا نريد أن تُلوثَنا سياسةُ الدنيا، ولكنِ اعلموا أن بإمكاننا الدفاع عن حقنا أتمَّ دفاع، فلا تضطرونا إلى ذلك.
سلامي لكم جميعًا.
أَرسِلوا إليَّ في وقتٍ مناسبٍ بعضًا من نُسَخ "عصا موسى" التي جلَّدتموها.. لا أهمية لهذه الأضرار المادية التي حصلتْ ما دام "خسرو" قد أدى وظيفته على أتمِّ وجه.
لقد انتشرتْ نُسَخ "ذي الفَقار" على أكمل وجه، أما "عصا موسى" فسيكون لها بإذن الله منفعةٌ معنويةٌ عظيمةٌ برغم الخسائر في النُسَخ.. لكن ينبغي على النوريين أن يحافظوا على ثباتهم وتسانُدهم، ولا يضطربوا أو تَفتُرَ همتهم.
أخوكم
سعيد النُّورْسِيّ
٭٭٭
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
ما دامت "إسبارطة" قد غدتْ مدرسةً نورية، وما دامت حكومتُها وشرطتُها قد نَظَرَتا إلى النوريين بعين التسامح بل الصَّداقة، ولم تؤذياهم یی حتى اليومِ یی كبيرَ إيذاءٍ مقارنةً بسائر الأماكن، فإننا باعتبار ما تتمتع به "إسبارطة" من البركة لا نستاء من تعرُّضهم لنا في هذه الحادثة، بل نهنئهم بجهةٍ ما على ما وُفِّقوا له بحكم وظيفتهم من قراءة أجزاء رسائل النور وتدقيقها والاستفادة منها.
والحقيقة أن هذا حقُّهم، فليقرؤوها قبل الجميع، وإن وجود موظفٍ قويِّ الإيمان في سلك الشرطة أو القضاء ينفع الوطن والشعب منفعةَ عشرةِ رجال؛ ولهذا فلا أهمية لخساراتنا المادية في مقابل هذه المنفعة المعنوية.
— 293 —
إن كان الأمر مناسبًا بلِّغوا مديرَ الأمن والمدعيَ العامَّ سلامي، وأخبروهم أنني لا أدعو عليهم، بل أدعو لهم، وأسأل الله تعالى أن ينفعَهم بالأنوار ويرزقَهم الإيمانَ الكامل وحُسنَ الخاتمة.
٭٭٭
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
السيارة التي اشتراها لي خمسةٌ من إخواني بغير مِنَّةٍ ولا تفضُّل، وكان الغرضُ منها زيارةَ إخواني في شتى الأماكن لأعينَهم بجهةٍ ما في خدمة النور.. صحيحٌ أنها لازمةٌ وأن لها فائدةً بقدر أربعين ألف ليرة، وأنه قد ظُنَّ في ردِّي إياها ضررٌ ظاهريّ، إلا أن الأمر في نتيجته آتَى طلابَ النور حجةً قاطعةً تُلزِم السياسيين والمشايخ المعترضين الذين يَضرُّون بالعلم والدين في سبيل الدنيا متذرعين بدعوى الاضطرار، فقد أَثبتتْ هذه الحادثة بشكلٍ قاطعٍ أن الحقائق العالية لرسائل النور تترفع عن أيَّة منفعةٍ دنيوية وتأبى أن تكون أداةً لها.
وبذا أضحت هذه الحادثة برهانًا لا يَقِلُّ قوةً عن كرامات النور الخارقة، حتى إن فريقًا ممن كانوا يَفِرُّون من النور ويتوجسون منه خيفةً ولا يصدِّقون أنه مترفِّعٌ عن متاع الدنيا، قد أذعنوا اليوم بكلِّ تسليمٍ لحقيقته وسُمُوِّه على كلِّ شيء؛ ما يعني أن عنايةَ الله قد حوَّلتْ هذا الضرر إلى رحمةٍ جليلةٍ بحقِّنا.
حاشية: بعد أن بيعت السيارة أُرسِلَ مبلغ ثلاث آلاف ليرةٍ من ثمنها إلى "أميرداغ" ليُصرَف في خدمة رسائل النور، فحَوَّلتُ المبلغَ إلى أصحابه عبر مكتب البريد، وقد بلغني اليوم أن بعض المسؤولين الذين يوالوننا أخبروا مَن يعارضوننا بهذه الحادثة وعقَّبوا عليها قائلين: إن رجلًا يترفع عن قبول ثلاثة آلاف ليرةٍ أو خمسة آلاف لهو أَولى مَن يوثَق به في هذا الزمان، إذْ لا يهمه شيءٌ سوى الحقيقة.
٭٭٭
— 294 —
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
أولًا: نهنئكم من صميم القلب بليلةِ المعراج الشريف ذاتِ الرحمة والبركة والغيث والكرامة، ونضرع إلى الرحمة الإلٰهية أن تُبلِّغكم أمثالَها مراتٍ ومرات.

لقد شَهِدنا في ليلة المعراج هذه ما شهِدناه في مثلها العامَ الفائت، إذْ تَوالى نزولُ الغيث المِدرار من ليلةٍ قx? لَها، واستمرَّ إلى ليلةِ المعراج حتى نهارِها، ونحن على يقينٍ من أن هذا مثلما هو علامةٌ على ترحيب الكائنات والعناصرِ بهذه الليلة المباركة، فإنه كذلك أمارةٌ على فتوحات "ذي الفَقار" و"عصا موسى" لا سيما في الأوساط الرسمية.

وكنتُ حتى منتصف هذه الليلة المباركة أعاني ألمًا شديدًا يعيقني عن العمل، فما لبث أن زال فجأة، وقد قامت لدي القناعة بأن ذلك إنما كان أثرًا لقَبول دعوات إخواني لي بالصحة والعافية في هذه الليلة المباركة، ووردتْني بشارةٌ معنويةٌ بأن كلَّ ساعةٍ من ساعات تلك الشدة لها أجرٌ بقدر عشر ساعاتٍ باعتبارِ ما لابَسَها من المرض، فشكرتُ الله أرحمَ الراحمين بلا حد.
ثانيًا: لا شك عندنا في أن الرحلة التي قام بها أحد قادة النور یی وهو أخونا "رأفت" یی إلى أنقرة كانت خدمةً جليلةً في زمنٍ يسير، وستَظهر آثارُها عما قريبٍ بإذن الله، خصوصًا أن عامة العاملين في رئاسة الشؤون الدينية قد تَلَقَّوا "ذا الفَقار" و"عصا موسى" بالاستحسان والتقدير، وتعهدوا بحمايتهما والدفاع عنهما، وهذا في الحقيقة حدثٌ في غاية الأهمية، وهو بمثابة إعلانٍ ساطعٍ عن هذين الكتابين.
٭٭٭
— 295 —
أستاذي وسيدي المحترم..
نظرًا لكون أخينا المقاول "إسماعيل أفندي" على لقاءٍ دائمٍ بی"حلمي بك"، فقد أَحلْنا عليه تقديم الإيضاحات اللازمة بهذا الخصوص، وتوجهنا مباشرةً إلى رئاسة الشؤون الدينية، حيث التقينا أولًا بالمدرِّس "حسن حسني" الذي تربطنا به معرفةٌ مُذْ كنا في "إسبارطة"، وهو اليوم عضوٌ في هيئة الشورى برئاسة الشؤون الدينية، وقد تحدثتُ إليه على انفرادٍ مطوَّلًا، وقدمتُ له الإيضاحات اللازمة، ثم توجهنا معًا إلى مكتب هيئة الشورى، حيث التقيتُ بالمدرس "يوسف ضياء" المشاركِ في تقرير لجنة خبراء أنقرة، وكان بين يديه مجموعتا "ذي الفَقار" و"عصا موسى" إضافةً إلى تقارير مكتوبةٍ بحقنا، وقد أشار لي بالجلوس إلى جانبه، فأوضحتُ له الأمورَ بالتفصيل، وقلتُ له:
ما دام قد صَدَرَ تقريرُكم، وصَدَرَ قرارُ محكمة "دَنِزْلي"، وصدَّقتْه محكمةُ التمييز، فلماذا إذًا هذا التضييق علينا والتعرُّض لكتبنا؟
وما دامت حكومة الجمهورية تعلن أن الحكم للقانون، وألَّا شيء فوق القانون، وما دمنا قد نلنا براءتنا بموجَب القانون، فينبغي إذًا وقفُ هذه الاعتداءات، ولا يتطلب منعُها أكثرَ من قرارٍ سديدٍ منكم، وإلا فإن بإمكاننا تحصيلَ حقِّنا.
فأجابني بأن مَرَدَّ هذا التضييق والتعرض هو عدمُ اطلاع رجال القضاء والشرطة هناك على قضيتكم تمامَ الاطلاع، وأردف قائلًا: هذه هي التقارير والأوراق بين يدي، وسأجيب عن كلِّ ما ورد فيها من توجُّسٍ وسوءِ فهم.
ثم عبَّر عن تقديره لهذه المؤلَّفات، وقد بلَّغتُه سلامَكم، فطلب مني أن أبلغكم سلامَه، وأنه يطلب منكم الدعاء. ثم غادرتُ مكتبه ودخلتُ على رئيس الشؤون الدينية، فتحدثتُ إليه وأوضحتُ له الأمور، فقال لي: أنا أعرف فضيلةَ الشيخ منذ كان عضوًا في دار الحكمة الإسلامية، وأُكِنُّ له الاحترام والتقدير.. بلِّغوه سلامي واحترامي. ثم أردف قائلًا: سنقدِّم الجواب اللازم، وستكون الأمور على خيرٍ إن شاء الله.
— 296 —
وقد وجدتُ لدى العاملين في الشؤون الدينية التقديرَ والاستحسانَ لهذه المؤلفات، وتَبيَّن لي أن هذه الإجراءات غيرَ القانونية نابعةٌ من سوء النية والفهم المزاجيِّ عند مطالعة المؤلفات الدينية.
في اليوم التالي التقى أخونا "محمد أفندي" بالنائب عن ولاية "أرضروم" السيد "وهبي باشا" الذي قال له: سألتقي بوزير الداخلية لقاءً مطوَّلًا بهذا الخصوص.. بلِّغوا حضرةَ الأستاذ سلامي واحترامي.
وبعد ذلك أَحَلْنا أمرَ اللقاء بقيادات الحزب على "إسماعيل أفندي" وغادرنا أنقرة.
تلميذكم العاجز ذو العيوب
رأفت
٭٭٭
أتجول بالعربة ساعةً أو ساعتين أشاهد أزهار الربيع الزاهي..
(حاشية): إن هطول الأمطار غُيوثًا مِدرارةً في هذا العام، وإزالةَ القبعة الإفرنجية جزئيًّا من الجيش، وافتتاحَ مدارس القرآن بشكل رسمي، وانتشارَ "ذي الفَقار" و"عصا موسى" بشكلٍ فعالٍ لإنقاذ الإيمان، ما هي إلا دليل على أنها ستعطي نتائج ذات رحمةٍ كثيرةٍ كهذه.. نسلِّم على جميع إخواننا وندعو لهم.
لقد نَمَتِ النباتاتُ وتفتَّحت أزهارُها بشكلٍ بديعٍ لم أرَ مثلَه في حياتي، وشعرتُ یی حقَّ اليقين یی كأنها تبتسم مسبِّحةً صانعَها ذا الجلال، وتثني على بديعِ صُنْعِه بلسان الحال.
وبينما أنا في هذه الحال، إذِ انتهزتِ الفرصةَ حسِّياتي المشتاقةُ إلى الحياة الدنيوية، ونفسي الغافلةُ الجَزوعُ التي تَطلُب في الفانيات مُتَعًا ولَذَّاتٍ باقية، فأخذتا تعترضان على قلبي الذي نَفَر من الدنيا، وسَئِمَ حياةَ الضيق والمرض، وقرر الذهابَ إلى البرزخ شوقًا لرؤية معظم الأصحاب، فإذا بنور الإيمان الساري في الحِسِّيات والعروق يَرُدُّ على هذا الاعتراض قائلًا:
— 297 —
إذا كان الترابُ بجهته المادية مَظهَرًا لكل هذا الجمالِ والرحمةِ والحياةِ والزينة، وكان بذلك ستارًا لرحمةٍ لا حدَّ لها، وكان الداخلُ فيه لا يُترَك سدًى، فلا ريب أن خَلْف حجابه مَعاملَ ومراكزَ معنويةً تنبعث منها كلُّ هذه الزينة والمحاسن الظاهرية المادية، وكلُّ هذا الحسن والجمال والرحمة والحياة.. ولا ريب أن الدخولَ تحت أطباق التراب الذي هو أُمُّنا الرَّؤوم، واللجوءَ إلى أحضانها، ومشاهدةَ تلك الأزهار الحقيقية الدائمة المعنوية، هو الأجدرُ بالرغبة والأَولى بالاشتياق.
وبهذا البيان أزال نورُ الإيمان كلَّ اعتراضٍ أثارتْه الحسِّيات العمياء والنفسُ الوَلوعةُ بالدنيا، وحَمَلها على أن تردد: الحمد لله على نور الإيمان من كل وجه.
سعيد النُّورْسِيّ
٭٭٭
أبنائي الأعزاءَ الأبرياء..
إنكم تَجِدُّون وتجتهدون في تعلُّم القرآن.. غير أن الحروف الجديدة التي تعرفونها ناقصةٌ، فينبغي ألا تقرأوا بها ما أمكن.
ثم إن الفائدة من تعلُّم القرآن ليست في أن يصبح المرء حافظًا فينالَ في الدنيا مقامًا، ويتلقى على ذلك معاشًا، بل ينبغي أن يتعلَّمه بِنِيَّةِ أن يؤمِّن الراحة والسعادة لحياته الأبدية، ويتفكرَ فيما يثمره كلُّ حرفٍ من خيرٍ عظيم، إذ يُضاعَف أجرُه إلى عشرةٍ، بل إلى مئةٍ، بل إلى آلافٍ من ثمرات الجنة وفوائد الآخرة.
نعم، فإنْ كان لِتعلُّمِ العلوم في المدارس فائدةٌ واحدةٌ ودرجةٌ واحدةٌ في هذه الحياة الدنيوية، كتحصيل معيشةِ الدنيا أو نَيل مناصبها، فإنَّ تعلُّمَ القرآن، وكلماتِه القدسية، ومعانيه النورانية والإيمانية، أعلى من تلك وأثمن في الحياة الأبدية، فالأُولى بمثابة خزف، والأخرى بمثابة ألماس.
— 298 —
ثم إنكم بذلك تكونون أبناءً حقيقين نافعين لآبائكم وأمهاتكم، وما دمتم أبرياء لا إثم بذمتكم، فإنكم إذا تعلَّمتموه بهذه النية القدسية دخلتُم في جملة تلاميذ رسائل النور الأبرياء الصغار، فكان لكم نصيبٌ في دعوات عموم طلاب النور، وكنتم طلابًا منوَّرين مباركين.
أهنئ معلميكم، وأهنئكم أنتم وآباءَكم وأمهاتِكم وبلادَكم.
٭٭٭
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
أولًا: نهنئكم من صميم القلب بليلةِ البراءة التي انقضت.
ثانيًا: نَقْلُ "رأفت" إلى إسطنبول أمرٌ جيدٌ ونافعٌ لخدمة النور جدًّا، فتلك البقعة محتاجةٌ بطبيعة الحال إلى نوريٍّ مثلِه من قادة النور وناشريه، وفَّقه الله، آمين.
ثالثًا: جهَّزتُ ثلاثَ نسخٍ من "عصا موسى" وثلاثًا أُخَر من "ذي الفَقار" كي يُرسَل مَثنًى منهما إلى علماء الجامع الأزهر، ومثنًى آخَرُ إلى علماء الروضة المطهرة في المدينة المنورة، ومثنًى ثالثٌ إلى هيئة العلماء في بلاد الشام الشريفة؛ وقد أَدرجتُ في صدر النُّسَخ رسالةً سبق أن زودتُكم بها لمخاطبة علماء الجامع الأزهر، وسنرسل الجميعَ في أسرع وقتٍ ممكنٍ إن شاء الله.
رابعًا: إنني بحاجةٍ شديدةٍ إلى خدماتكم المعنوية ودعواتكم، وبحاجةٍ لأنْ تُنجدوني بمكاسبكم المعنوية التي لا أستطيع القيام بها، وذلك لسببَين:
الأول: أنني لم أشعر في حياتي بمثل ما أشعر به اليوم من وهنٍ وضعفٍ متزايدَين، حتى إني لم أعد أستطيع قراءة أورادي الدائمة إلا بمشقةٍ شديدةٍ، وربما نَقَصْتُ منها في بعض الأحيان، مع أني محتاجٌ في هذه الأيام والليالي المباركة إلى مضاعفة الجهد والسعي أضعافًا كثيرة.
— 299 —
وبالنظر إلى حصتي في شركتكم المعنوية فقد كان يلزمني المسارعةُ إلى مساعدتكم، والاشتراكُ في التأمين على دعواتكم، غير أن هذا الوهن لم يمكِّنِّي من الإسهام في الشركة المعنوية إلا بعونٍ جزئيٍّ يسير؛ ولا حلَّ لهذا الأمر إلا بأن أُسنِد وظيفتي في هذه الشركة إلى عونكم المعنوي، كما أَسندتُ إليكم من قبلُ وظيفتي في الخدمة النورية، وأَضرعُ إلى الرحمة الإلٰهية أن تؤدوها بما يوافق حُسنَ ظنِّكم بأخيكم العاجز، فقد أَوليتموه حُسْنَ ظنٍّ يَفوق حدَّه واستعدادَه كثيرًا.
السبب الثاني لاحتياجي: أنه لمَّا ظهرت النتائج والأحوال الفائقةُ الصادرةُ من حقيقة رسائل النور وشخصِ تلاميذها المعنوي، ظننتم وظَنَّ بعضُ مَن ليس منا، أنها صادرةٌ من أخيكم المسكين هذا، والحالُ أن هذه النتائجَ العظيمةَ تتطلب قدرًا عظيمًا من الاقتدار والتحمل، وليس لديَّ مع هذا المرض والضعف سوى جهدٍ شخصيٍّ جزئيٍّ للغاية، وهو ما يجعلني محتاجًا بشدةٍ إلى عونكم المعنوي.
وإني لكي أستجلب لنفسي عونَكم المعنويَّ هذا، أتكلم بضمير الجمع، مثل: "أجِرنا.. ارحمنا"، أنوي إشراككم كأنني أعمل معكم جميعًا؛ وحين أقول: "آمين" أنوي التأمين على دعائكم؛ فأسأل الله تعالى وهو أرحم الراحمين أن يتقبل برحمته سعييَ الجزئيَّ الناقص، فيجعله بمثابةِ "آمينَ" تامةٍ لسعيكم الجليل.
خامسًا: كنتُ قلِقًا بشدةٍ على وضعكم من جرَّاء الحادثة السابقة، فحمدًا لله على ما بَيَّنتْه رسالتُكم، فإن ذهاب "طاهري" إلى إسطنبول لشراء الجهاز والورق يَدُلّ على أن تلك الحادثة قد انطفأتْ نارُها، وأنها لن تمنع من نشر الأنوار، بل ستكون لها فتوحاتٌ وانتصاراتٌ في تلك الأماكن بإذن الله كما حصل في أماكن أخرى.
٭٭٭
— 300 —
(هاتان رسالتا "عصا موسى" و"ذي الفَقار" مقدَّمتان إلى هيئة العلماء المباركة بجوار الروضة المطهَّرة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، أُرسِلتا لتزورا تلك البقاع الطاهرة والأيدي المباركة نيابةً عن المؤلف، ولتكونا وسيلةً للشفاعة، ومَظهرًا للدعوات الصالحة في تلك البقاع المقدسة).
كُتِبَتْ هذه الكلمة في مقدمة النُّسَخ المرسَلة إلى مصر والشام والهند، واستُبدل بعبارة الروضة المطهرة: الجامع الأزهر، والشام، والجماعة الإسلامية بالهند؛ وقد أرسلنا النُّسَخ مثنى مثنى إلى الجهات المذكورة.
٭٭٭
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
تَخيَّروا الوقت المناسب لإرسال مجموعتَي "عصا موسى" و"ذي الفَقار: المعجزات الأحمدية والقرآنية" إلى العلماء بجوار الروضة المطهَّرة، واكتبوا إليهم في رسالةٍ مرفَقة:
"إن المدرسة الزهراء لرسائل النور (حاشية): لما كانت موانعُ كثيرةٌ قد حالَتْ دون التأسيس المادي للمدرسة الزهراء، فإن المدرسة الزهراء اليوم عبارةٌ عن دائرةِ هيئةِ مجموعِ طلاب النور. هي ابنٌ وطالبٌ معنويٌّ لعلماء الروضة المطهَّرة محتاجٌ إلى شفقتهم ورأفتهم، وهي تلميذٌ لهم استهدفَه هجومُ أعداءٍ أشِدَّاء؛ وهي فَرعٌ صغيرٌ لمدرستكم العظيمة التي تُنوِّر العالَم الإسلاميَّ على الدوام؛ والمرجوُّ من مقام الأفاضل الذين هم أساتذةٌ أجِلَّاء، وآباءُ رُحماء، ومرشدون غَيارى عظماء، أن يعينوا ابنَهم وتلميذَهم المسكينَ هذا تمامَ العون.
أما هذان الكتابان فإنما هما بمثابة ما يَكتبُ الطالبُ من دروسٍ تَعَلَّمها، ثم يقدِّمها إلى أبيه أو أستاذه في المساء، ليَعرِفا درجةَ فهْمِه لها؛ فهما درسانا، عُرِضا أولئك العلماء الرُّحَماء ليَنظروا إليهما بعين المسامحة".
— 301 —
وبلِّغوهم سلامي واحترامي وتقبيلي أيديَهم؛ وبلِّغوهم أن "سعيدًا النُّورسيَّ" مؤلِّفَ هاتين الرسالتين يعيش في انزواءٍ منذ اثنتين وعشرين سنة، وأنه لكونه تحت التجريد المُطلَق لا يستطيع اللقاء بالناس، إلا لقاءً يسيرًا ببعضهم في حالات الضرورة؛ وأنه ليس لديه أيُّ كِتاب، فجميعُ الرسائل المئة والثلاثين التي ألَّفها مَنبعُها ومأخذُها القرآن وحدَه.
ونحن نُصدِّق ما قال بكلِّ قوة، وقد ذَكر لنا أنه يرجو من العلماء الأجلاء أمثالِكم أن تنظروا بعين المسامحة إلى ما قد يقع في الرسائل من سهو، فقد ألَّفها على عَجَلٍ في غربةٍ ومرضٍ وتشتُّتِ حال؛ فنحن بدورنا نبلِّغكم رجاءه ونقبِّل أيديَكم.
من طلاب النور: طاهري، خيري، مصطفى، صادق، عثمان، خسرو، طاهر
٭٭٭
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
مثلما قَبِلتْ دول الشَّمال یی السويد والنرويج وفنلندا یی القرآنَ الكريمَ في مدارسها وَعَدَّته أعظمَ منقذ، ها هي اليوم تستفتي الجامع الأزهر حول صيامِ رمضان فتسأل: ألا توجد وسيلةٌ لتخفيف الصيام أو تأخيره في أيام الشَّمال الطويلة هذه؟ وهذا يومئ إلى نيَّتها امتثالَ أحدِ أهمِّ الأركان الإسلامية.
ويُسْتشَفُّ من هذا أن الأمر غيرُ مقتصرٍ على حكومات هذه الدول الأوروبية الصغيرة، بل يمكن أن يكون إلى جانب هذه الدول الصغيرة دولةٌ كبيرةٌ لا تريد إظهارَ نفسِها في المسألة لئلا تَتخذ بُعدًا سياسيًّا، فقد سبق لها أنْ تبوأتْ موقعًا عالميًّا مرموقًا، ثم هَوَتِ اليوم من أعلى مرتبةٍ بلغتْها إلى العدم بما تلقَّتْ من صفعات الدنيا الأليمة، وبما عاينتْ من قُبحها الشنيع وفنائها المُريع، فلم تَجِدِ السُّلوانَ الحقيقيَّ إلا في الحقائق القرآنية.
أجل.. فحين تتبدى للبشرية ماهيةُ الدنيا، وتتحطمُ آمالُها وينكسرُ خيالُها إلا من الحياة الأبدية، لن تجد لجرحها دواءً سوى القرآن.
٭٭٭
— 302 —
أخي العزيزَ الوفيَّ البطل "صبري"..
أسأل الله تعالى أن يبعث في جيش الإسلام كثيرًا من المضحِّين أمثال "غالب بك".. فهذا الرجل الفاضل يؤدي من خدمة الإيمان في غرب البلاد ما يؤديه "خُلوصي بك" في شرقها، ويسعى لإنقاذ أهل الإيمان من الضلالة بواسطة التصوف والطريقة، وقد تحرَّك منذ القديم وفق مسلك النور قبل أن يعرف رسائل النور، فمتى قوَّى صلتَه بالأنوار أمكنه أن ينهض بالمزيد من خدمة الإيمان.
غير أن أساسَ مسلك النور الحقيقةُ، والتمسُّكُ بالسُّنة السَّنِية، وإقامةُ الفرائض، واجتنابُ الكبائر، أما الطريقة فيُنظَر إليها في درجةٍ ثانيةٍ أو ثالثة؛ وأخونا "غالب" يفكِّر في نشر الطريقة بين العلويين، بأن يعلِّمهم خلاصةً من الطُّرُق القادرية والشاذلية والرفاعية، ضمن دائرة السُّنة السَّنِية، وضمن دائرةِ محبةِ آل البيت، دون مِساسٍ بالخلفاء الراشدين والعشرة المبشرين بالجنة رضي الله عنهم؛ ولهذا المسلك فوائدُ مهمةٌ تعود على الحقيقة وإنقاذ الإيمان واجتناب البدعة.
فأُولاها: أن لها فائدةً مهمةً في الحفاظِ على العلويين من الانجراف في التيارات الفاسدة، وصونِهم بدرجةٍ ما كذلك من الرافضية المغالية والبكتاشية السياسية.
وثانيتُها: أن العلويين الذين اتخذوا حبَّ أهل البيت مسلكًا، لا يَدخلون في الزندقة أو الكفر المطلق مهما أفرطوا في مسلكهم، بل حتى لو أصبحوا روافض؛ إذْ ما دامت محبة آل البيت متأصلةً في أرواحهم، فلا سبيل لأن يَدخلوا في الكفر المطلق الذي يتضمن عداوةَ النبي وآلِ البيت، فهم بواسطة هذه المحبة مرتبطون بالإسلام ارتباطًا وثيقًا، فجَذْبُ هؤلاء إلى دائرة السنة باسم الطريقة فيه فائدةٌ عظيمة.
ثم إنَّ جَذْبهم إلى دائرة النور فيه مصلحةٌ كبيرة، إذْ يَحول دون أن تستحوذَ عليهم تياراتٌ سياسيةٌ تَستغلُّ روحَ التضحية فيهم لتَضُرَّ بوحدةِ أهلِ الإيمان في هذا الزمان؛ وبالنظر إلى أن الإمامَ عليًّا رضي الله عنه هو أستاذُ طلاب النور، وأن حبَّ آل البيت أساسٌ في مسلك النور، فإن العلويين الحقيقيون سيَدخلون هذه الدائرة بكل رغبةٍ وشوق.
— 303 —
إن هذا الزمان هو زمان إنقاذ الإيمان، وإن مسلك الطريقة القائم على السير والسلوك القلبي يواجه مشكلاتٍ كثيرةً في زمان البِدع هذا، ولهذا تَسير دائرةُ النور في مسلك الحقيقة محقِّقةً فوائد الطريقة.
اكتبوا هذا إلى أخينا الفاضل، وبلِّغوه سلامي وتهنئتي بشهر رمضان، واطلبوا منه الدعاء لنا.
٭٭٭
وصلتْني رسالةٌ من "صَفْرَن بولو".. من أخينا الخالص "حِفظي" الذي جعل بيتَه مدرسةً نوريةً صغيرة، وهي رسالةُ تهنئةٍ كتبها ابناه الصغيران البريئَان النشيطان "يلماز" في السابعة من العمر، و"حسني" في الثالثة عشرة، إضافةً لأمهما المحترمة العاملة للنور مثلهم.. وقد قَبِلتُ الرسالةَ تهنئةً فردوسيةً بشهر رمضان مرسلةً باسم المدرسة النورية في عموم "صَفْرَن بولو" و"أفلاني"؛ وقد تحقَّقتْ رؤيا "يلماز" بعينها.
ثمة رسالةٌ جميلةٌ صادقةٌ بعث بها "مصطفى صونغور"، وهو في الحقيقة أحدُ أبطال "أفلاني" الفِتْيَة، وسيُدرَج قسمٌ من رسالته في "المَلاحق".
والحقُّ أن "مصطفى عثمان" قد توفَّر له أخوان جادَّان كلَّ الجِدِّية في خدمة النور، وكلاهما يحملان اسمَه، أعني "مصطفى أوروچ" و"مصطفى صونغور"، وما هذا إلا كرامةٌ لصِدقه وتفانيه وتوفيقه.
أُسلم على جميع الإخوة المذكورين في الرسائل فردًا فردًا، وأدعو لهم، وأهنئهم على جهودهم الفائقة، وأخُصُّ بالذكر "أحمد فؤاد"، فهو لی"صَفْرَن بولو" بمثابة "حسن فيضي".. وأبعث إلى عموم إخواننا بعاطر التحية والسلام.
٭٭٭
— 304 —
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
أولًا: إن طباعة "سراج النور" وإخراجَه بحُلَّةٍ جميلةٍ مُتقنًا خاليًا من الأخطاء سيكون بإذن الله درسًا جديدًا عظيمَ الأهمية من دروس المدرسة الزهراء، تتلقاه الدائرةُ النوريةُ الواسعةُ وتقرؤه بلهفةٍ واهتمام.
ثانيًا: الرسائل التي بعث بها "نهاد" و"عبد الرحمن إحسان" من "قَسْطَموني" تُبيِّن ما يقوم بها خُسْرَوها "محمد فيضي" من جهدٍ دائبٍ متينٍ في خدمة الأنوار، ومن توجيهِ الآخرين لخدمتها وقراءتها، وهذا ما تؤكده أخبار القادمين من "قَسْطَموني"، إذ يقوم بواجب التَّلْمذة على أتم وجه.. وفقه الله؛ آمين.
نهنئ البطلَ النوريَّ "مصطفى عثمان" على خدمته الأنوار بنشاطٍ من غير ضجيجٍ في "قره بوك"، ونهنئ طلابَ النور في تلك الناحية وفي "أفلاني" على همتهم ونشاطهم، ونبارك لهم ليلة قدرهم.
حاشية: حين كنتُ أصحح "سراج النور" أسِفتُ لعدم توفُّر الوقت الكافي لقراءة أورادي الجليلة في شهر رمضان الكريم هذا، فوَرَدَ على الفور إخطارٌ يقول: إن هذه المباحث التي تقرؤها تَسُدُّ ما نَقَصَ من أورادك، إذْ كما أنها عبادةٌ بجهةٍ ما، كذلك هي عينُ معرفةِ الله وذكرِ الله، وهي عينُ الحضور القلبيّ والمحبة الإيمانية؛ فحَمِدتُ الله على ذلك.
٭٭٭
— 305 —
بخصوص النُّسَخ المرسَلة إلى إسطنبول يُفضَّل أن تمرَّ من هنا إنْ تَيسَّر، ويَحسُن أن يُجلَّد منها في إسطنبول عشرون أو ثلاثون نسخةً ثم ترسَل إليّ.. ليس لديَّ ثمنُها الآن فأرسلَه إليكم، لكني مضطرٌ لإهداء كثيرين.
زارني طبيبان من أركان طلاب النور وقتَ اشتدتْ عليَّ وطأةُ المرض، ولم أراجع فيه هذين الفاضلَين الخالصَين الصادقَين، ولم أتناول دواءهما، بل لم أستشِرْهُما ولم أتحدث إليهما بشأنه رغم شدة ألمي وحاجتي، وقد انتابهما مِن ذلك فضولٌ مَشوبٌ بالقلق، فاضطررتُ لأن أبيِّن لهما حقيقةً ذاتَ أسرار، وهاأَنَذا أكتبها إليكم عسى أن تفيدكم كذلك.
قلتُ لهما: إن أعدائي العاملين في الخفاء، ونفسي، يبحثون یی بإيعازٍ من الشيطان یی عن نقطة ضعفٍ فيَّ ليتحكموا بي من خلالها، ويمنعوني من أداء خدمة الأنوار بإخلاصٍ تام، وليس سوى المرضِ أضعفُ نقطةٍ وأقوى مانع، فكلما أُعطي أهميةً غَلَبَ حسُّ الجسد، وعلا صوتُه مناديًا بالاضطرار وشدة الحاجة، فأَسكتَ القلبَ والروحَ، وجَعَلَ من الطبيب ما يشبه الحاكم المستبد، وأَجبر على طاعته فيما يوصي وما يُقدِّم من أدوية، وهذا يَضرُّ بالخدمة التي تؤدى بتفانٍ وإخلاص.
وإن أعدائي العاملين في الخفاء عَمِلوا وما يزالون يعملون على استغلال نقطةِ ضعفي هذه، مثلما عملوا على استغلال نقاط الضعف الأخرى من خوفٍ وطمعٍ وجاهٍ وشهرة؛ فأما الخوف الذي هو أقوى نقاطِ الضعف في الإنسان، فإنهم لم يستطيعوا أن يَظفَروا منه بطائل، وقد تَبيَّن لهم أن الإعدام لا يساوي عندنا فلسًا.
وأما نقطة الطمعِ وهَمِّ المعيشة، فقد حقَّقوا وتحرَّوا بشأنها كثيرًا، حتى إنهم خلال هذه السنوات العشر الفائتة وجَّهوا ما يزيد على مئةِ كتابٍ رسميٍّ إلى المسؤولين المحليين يسألونهم عني: بِمَ يعيش؟ فلم يَجْنوا في نهاية مطافهم هذا ثمرةً، وتَحقَّق لديهم أن متاع الدنيا الذي يُضحُّون بمقدَّساتهم لأجله لا يساوي عندنا شيئًا، وتأكَّدَ لهم هذا بوقائع كثيرة.
— 306 —
فعمَدوا إلى واحدةٍ من أقوى نقاط الضعف لدى الإنسان، ألا وهي الجاه والشهرة والمنزلة، فعمِلوا على استغلالها لديَّ من خلال إجراءاتٍ كُلِّفوا بتنفيذها على نحوٍ شنيع، ومارسوا بحقي قَدْحًا وتشويهَ سمعةٍ وتحقيرًا وإيذاءً يستفز المشاعر، لكنهم لم يُفلحوا في ذلك، وتَبيَّن لهم قطعيًّا أن ما أُولِعوا به من الجاه والشهرة الدنيويَّين لا نراه نحن إلا رياءً وغرورًا بالغَ الضرر، وأن حبَّ الجاهِ والشهرةِ الدنيويَّين اللذَين أَولَوهما أهميةً فائقةً لا يساوي عندنا فلسًا، بل نحن نَعدُّهم من هذه الناحية مجانين.
بقي أمرٌ يُعَدُّ نقطةَ ضعفٍ لدينا باعتبار خدمتنا، مع أنه من حيث الحقيقة مقبولٌ لدى الجميع، بل يَتوق كلُّ شخصٍ للفوز به، وهو أن يصير المرء صاحبَ مقامٍ معنوي، ويترقى في مراتب الولاية، ويجدَ هذه النعمةَ الإلٰهيةَ في نفسه، وهذا أمرٌ يعود بالنفع على الجميع ولا يتأتى منه ضرر، لكنْ ما دمنا في زمنٍ طغت فيه الأنانيةُ والمصلحةُ الفردية والخلاصُ الفردي، فلا ريب أن الخدمة الإيمانية المبنيَّة على سرِّ الإخلاص وعلى عدم اتخاذها أداةً لشيء، تقتضي عدمَ طلب المقامات المعنوية الشخصية، فاللازم ألَّا تُطلَب، بل لا تُراعى في شيءٍ من تصرفات المرء، لئلا يَفسُد سرُّ الإخلاص الحقيقي.
وقد أَدرك الذين يسعَون لاستغلال نقطة الضعف هذه أنني لا أبتغي خارج خدمة النور شيئًا مما يَطلبه كلُّ شخصٍ من الكشف والكرامات والكمالات الروحية، فخاب سعيهم في هذا الجانب أيضًا.
سلامي لجميع إخواني فردًا فردًا، ونَضْرع إلى الرحمة الإلٰهية مستشفعين بحقيقةِ ليلة القدر أن تَجعل ليلةَ القدر المقبلة بمثابةِ عمرٍ زاخرٍ بالعبادة ثلاثًا وثمانين سنةً لكلِّ فردٍ من النُّوريين.
الباقي هو الباقي
أخوكم
سعيد النُّورْسِيّ
٭٭٭
— 307 —
باسمه سبحانه..وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
أولًا: نَصَّ الحديثُ الشريفُ على التماس ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان، خصوصًا في الليالي الوِترية منها، فيجب على طلاب النور أن يَجِدُّوا ويجتهدوا لاغتنام هذا النور الأعظم والاستفادةِ منه.
ثانيًا: بخصوص إحالة ثلاثةٍ من إخواننا على محكمة الصلح.. أعني "خسرو" و"طاهري" وطالبًا نوريًّا يسير على نهجهما، وهما اللذان يقومان بوظائفهما خيرَ قيام، ويُخرِّجان المئات من أمثالهما، فإن هذا الأمر ستكون عاقبتُه عنايةً جليلةً وفتوحاتٍ كبرى إن شاء الله، فلا تقلقوا، وستُذيقُ هذه الحادثة الظالمين جهنمَ ماديةً ومعنوية، وستُنيل النوريين جنةً دنيويةً وأُخرويةً بإذن الله، بسرِّ قوله تعالى: وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ
ثالثًا: قلتُ لمسؤولٍ حكوميٍّ رفيعٍ جاءني بالأمس بسبب هذه الرسالة: لقد جرتْ ثلاثُ وقائع خارقةٍ في حياة "سعيدٍ القديم"، وتحقَّقَ اليومَ أنها كانت كراماتٍ لرسائل النور التي ظهرتْ في المستقبل.
فالأولى أنه في حادثة الحادي والثلاثين من مارت، كان قائدُ جيش الحركة "محمود شوكت باشا" ناقمًا عليَّ بشدة، فلما كان يومُ محاكمتي في المحكمة العسكرية، كان قُبالتي خمسةَ عشر شخصًا معلَّقين على أعواد المشانق، فسألني رئيسُ المحكمة "خورشيد باشا": هل طالبتَ بالشريعة؟ فمن يطالِب بالشريعة يُشنَق كهؤلاء.
فقلت له: إني لأفدي مسألةً واحدةً من مسائل الشريعة بألفِ روحٍ لي لو وُجِدتْ.
وفضلًا عن هذا فقد كان الجواسيس المخبِرون قد افترَوا عليَّ أمورًا كثيرةً تقضي بإدانتي، فإذا بالقوم يقضون ببراءتي متفقين بصورةٍ اسثنائية!!
— 308 —
والثانية أنه في نهاية الحرب العالمية الأولى وقع بيد القائد الإنكليزي بإسطنبول رسالةُ "الخطوات السِّتِّ" التي هاجمتُ فيها الإنكليز هجومًا لاذعًا، والرسالةُ الأخرى التي أهنتُ فيها رئيسَ أساقفتهم، فكان احتمال القضاء عليَّ محتَّمًا مئةً في المئة، لكنَّ قائدهم كظم غيظَه ولم يتعرض لي بشيء.
والثالثة أن "مصطفى كمال" دخل ديوانَ رئاسته في أنقرة مُغضَبًا، وصرخ بوجهي بين جمعٍ كبيرٍ من النواب قائلًا: لقد دعوناك إلى هنا لتقدِّم لنا أفكارًا راقية، فإذا بك تكتب أمورًا حول الصلاة، وتُوقِع بيننا الخلاف!! فواجهتُ حدَّتَه بكلامٍ لاذع، وقلتُ له: "إن تارك الصلاة خائن، وحكمُ الخائن مردود"، وحطَّمتُ بذلك صنمًا رهيبًا.
فخيَّمَ القلق والاضطراب على مَن حضر مِن أصدقائي النواب، وتوقَّعوا أن يُلحِق بي أذًى، وإذا به يكظم غيظَه في ذلك المجلس، ويتصرف نحوي بنوعٍ من الاسترضاء، كأنما شعر أنه بإزاء قوةٍ وحقيقةٍ عظيمتَين فتراجع.
فلما كان اليوم التالي، تحدثتُ إليه في مكتبه ساعةً كاملةً، وسردتُ له ما جاء في الدسيسة الأولى من "الهجمات الستة"، وضربتُ له المثل الذي وَرَدَ فيها كاملًا: "هَبْ أن جامع أياصوفيا كان حاشدًا برجالٍ من أهل الفضل والكمال.. إلخ"، فجرحتُ مشاعرَه وقدحتُ في مبادئه، لكنه لم يتعرَّض لي بشيء، بل اجتهد في مجاملتي وكسْب مودتي.
فهذه الحالاتُ الثلاثُ العجيبةُ مع هؤلاء القادة الثلاثة المتجبِّرين، وخوفُهم من "سعيدٍ القديم"، ليست إلا كرامةً ساطعةً لرسائل النور، وقوةً خارقةً للشخص المعنويِّ لتلاميذها الأبطال في المستقبل.
رابعًا: أرسَل إلينا أخونا "يعقوب جمال" رسالةَ تهنئةٍ برمضان وليلة القدر باسم طلاب "دَنِزْلي"، ونحن في المقابل نبعث إليهم بأحرِّ التهاني، ونقول لأخينا "يعقوب": وفقك الله في مجاهدتك لنفسك.
ونحمد الله كثيرًا على الأخبار السارة التي حَملتْها رسالتُه، فقد نَقل فيها عن إخوانه ما قرؤوه في الصُّحف من أن أرباب الفكر في بريطانيا أعلنوا من منابرهم وفي
— 309 —
عاصمة دولتهم أن على بريطانيا أن تقبل بالإسلام، وأنهم أيَّدوا دعوتَهم بالفرقان الحكيم الجامعِ لحاجات البشر الحقيقية، فقرؤوا آياتٍ منه وفسَّروها وبيَّنوا معناها.. نعم، فتلك الدولة لا يمكنها أن تُحرِز دنياها ومُلكَها وسعادتَها إلا بالفرقان الحكيم.
ونبعث كذلك بأحر التهاني إلى "عليٍّ الصغير" صاحبِ الروح الكبيرة، مقدامِ المباركين، ونظيرِ "عبد الرحمن الكبير".. نهنئه على توفيقه في "اللَّمعات"، ونهنئ ابنَه الصغير البريء "نور محمد" على حفظه كتابَ الله، وندعو له بالتوفيق.
على أنه ينبغي التنبُّه إلى ألا تتكرر في "اللَّمعات" الفقراتُ المدرَجةُ في "سراج النور" و"السِّكة الغيبية" و"الأسرار القرآنية"، فأُحيل الأمر إليكم..
سلامي إليكم جميعًا.
٭٭٭
ولْيَقلْ عني: لقد تَحقَّقَ لدينا بشكلٍ قاطع أن هذا الرجل برغم معاناته المرضَ الشديدَ طيلةَ ستةِ أشهرٍ أو سبعة، لم يراجع أطباءَه ولم يتناول أدويتَهم رغم المودة الكبيرة التي يُكِنُّها لهم، لكيلا ينشغل بجسمَه أو يوليَه مزيدَ أهمية.
وأنه یی كما ثبت لدى المحكمة یی لم يُلقِ بالًا للحرب العالمية الثانية ولم يُعِرْها التفاتًا طَوالَ عشر سنين، لئلا يلتفتَ إلى الدنيا أو يتضرَّرَ إخلاصُه في الخدمة الإيمانية.
وأنه طَوالَ خمسٍ وعشرين سنةً لم يقرأ جريدةً ولا استمع إلى أحدٍ يقرؤها، لئلا يُستثار فيه مَيلٌ إلى الدنيا والسياسة من جديد، وقد أوصى جميع إخوانه وطلابه باجتنابها.
وأنه فيما يتعلق بأمر المعيشة، فقد تحمَّل یی برغم شيخوخته ووَحدته یی التضييقاتِ والشدائدَ التي مُورِستْ عليه تخوُّفًا وتوجُّسًا، ولم يتطلَّع إلى الدنيا، ولم يراجع الحكومة منذ عشرين سنةً ليَحصُل على الراحة والاستقرار؛ وأنه لا يستقبل أحدًا إلا في خدمةٍ ضرورية، ولا يقبل من أحدٍ مساعدةً أو إحسانًا.
— 310 —
وأنه يقول: وجدتُ بعضَ الحقائق الإيمانية دواءً لأدوائي، فدوَّنتُها من فوري معجزةً معنويةً للقرآن الحكيم في هذا الزمان، وأردتُ أن أقوِّيَ بها إيمانَ أبناءِ هذا الوطن، إذْ لا أعلم خدمةً أعظمَ ولا ألزمَ لهم ولوطنهم منها.
وقد دُقِّقتْ هذه المؤلَّفات على مدى عامَين.. دَقَّقَتْ فيها ثلاثُ محاكم ولجنةٌ من الخبراء بأنقرة، فأكد الجميعُ خُلُوَّها مما يَضُرُّ الشعبَ والوطن، وأصدروا جميعًا قرارهم ببراءتِها، فأَذِن مؤلِّفُها لأحد أصحابه بطبع بعضِها لتدوم الخدمة الإيمانية.
وكثيرًا ما نسمعُه يقول: إن هذه البلاد وشعبَها وحكومتَها محتاجون إلى هذه المؤلَّفات أشدَّ الحاجة.
كنتُ أرجو أن يَظهر من رجال الحكومة مَن يتعهد بحماية هذه المؤلَّفات ورعايتها، إذْ إني على وشْك الموت، مقيَّدٌ لا أستطيع رعايتَها، فعسى أن يتولى أمرَها رجالٌ من أهل الدين والفضل والطَّول أمثال "أحمد حمدي".
أسأل الله تعالى أن يجعل هذه الوظيفة القدسية التي تنهضون بها لأجل الوطن والدين شفيعًا لكم في المحكمة الكبرى.
أبعث بسلامٍ خاصٍّ إلى ذَينِك الفاضلَين.
٭٭٭
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
أولًا: سنشير باختصارٍ شديدٍ إلى حقيقةٍ بالغةِ الطُّول والسَّعة، وَرَدَتْ إلى القلب في ليلة القدر، فنقول:
إن ما ألحقتْه هذه الحربُ العالميةُ الثانيةُ بالنوع البشري من ظلمٍ فادح، واستبدادٍ جائر، وتدميرٍ غاشم، ونكبةٍ عَمَّتِ الجمعَ الغفيرَ البريء بجريرةِ عدوٍّ قليلٍ مُسيء؛
— 311 —
وما خلَّفتْه في نفوس المهزومين من يأسٍ مرير، وفي نفوس المنتصرين من قلقٍ عميقٍ لعدم قدرتهم على المحافظة على الهيمنة، وعذابِ ضميرٍ لعدم قدرتهم على إعمار ما خلَّفوا من دمارٍ هائل؛
وما أظهرتْه للجميع من أن الحياة الدنيا فانيةٌ مؤقتة، وأن بَهرَجَ المدنيَّة وزُخرُفَ الحضارة خَدَّاعٌ مُخدِّر؛
وما خلَّفتْه هذه الحرب من جِراحٍ عميقةٍ في الماهية الإنسانية، والاستعدادات الرفيعة الكامنة في الفطرة البشرية؛
وما نَجَم عن هذه الحرب من استيقاظٍ نشِطٍ للحب الإنسانيِّ الفطريِّ ومشاعرِ البقاء المُولَعةِ بالخلود، وتَفَتُّتِ صخرِ الغفلة والضلالة والطبيعة الصَّلدِ الأصمِّ تحت ضربات سيف القرآن الألماسي، وانكشافِ الصورة الحقيقية للسياسة بوجهها المتوحِّش القبيح أمام العالَم أجمع، وهي أكثفُ وأخدعُ وأوسعُ ستارٍ يغطي الغفلة والضلالة؛
ومع الأماراتِ التي ظهرتْ في الشمال والغرب وفي أمريكا؛
ومع تَبَيُّنِ أن الحياة الدنيوية یی التي هي المحبوب المجازي لبني البشر یی قبيحةٌ زائلة..
كلُّ ذلك أفضى إلى نتيجةٍ حتميةٍ لا مفرَّ منها، وهي أن البشرية ستبحث عن الحياة الباقية وستطلبها بكلِّ ما أوتيتْ من قوة، إذْ هي المحبوب والمطلوب الحقيقيُّ للفطرة البشرية.
وما من كتابٍ أخبر عن الحياة الباقية وبشَّر بالسعادة الأبدية وداوى جِراحَ البشرية كالقرآن المعجِز البيان.. فقد احتجَّ لهذه القضية بقوةٍ وبشدةٍ في آلاف الآيات؛ وأخبر عنها مرارًا وتَكرارًا، صراحةً أو إشارةً، عشراتِ آلاف المرات؛ وبشَّر بها وبَيَّنها وعلَّمها بأدلةٍ قاطعةٍ لا تُرَدّ، وحُججٍ يقينيةٍ لا تُحَدّ.. وما يزال يُعلِن هذه الحقيقة على مدى ألفٍ وثلاثمئةٍ وستين سنة، وله في كلِّ قرنٍ ثلاثُمئةٍ وخمسون مليون تلميذًا،
— 312 —
وملايينُ من أهل الحقيقة يُوَقِّعون على جميع أحكامه ودعاويه بالتصديق، وله ملايينُ الحَفَظة والحَمَلة يَثْوي في قلوبهم بقدسية، ويُعلِّم البشرَ على ألسنتهم على مَرِّ الدقائق.
وما دام الأمر كذلك، فإنه إنْ لم تفقد البشرية صوابَها بالكُلِّية، ولم تَقُم عليها قيامةٌ ماديةٌ أو معنوية، فإن قارَّات الأرض وحكوماتها ستَنشُد القرآنَ المعجِزَ البيان، وستتمسك به من صميم روحها بعد أن تعي حقائقَه؛ لأنه لا مثيل له في نقطةِ الحقيقةِ هذه بالذات، بل لا يمكن أن يكون له مثيل، ولا يمكن لشيءٍ أن يقوم مقامَ هذه المعجزة الكبرى.
ولقد أخذتْ تلوحُ بَوادرُ على هذا، من ذلك ما قامت به منظمةٌ دينيةٌ أمريكيةٌ مرموقةٌ تبحث عن الدين الحق، وما قام به مشاهيرُ أهل الفكر في السويد والنرويج وفنلندا وبريطانيا من العاملين بجِدٍّ لتلقي القرآن الكريم.
ثانيًا: ما دامت رسائلُ النور سيفًا ألماسيًّا بيدِ هذه المعجزة الكبرى تَخدُمها وتُرغم أعتى معانديها على الاستسلام؛ وما دامت معجزةً معنويةً للقرآن لا تعرِف مرجعًا ولا مأخذًا سواه، وكانت دَلَّالةً على الكنوز القرآنية تُنوِّر بها القلبَ والروحَ والمشاعرَ وتداويها، وتنهض بوظيفتها متغلِّبةً على الحملات المغرِضة، منتصرةً على أعتى المعاندين الزنادقة، ممزِّقةً ظلماتِ الغفلة في أحلكِ وأكثفِ وأكبرِ آفاق دائرة الضلالة، وفي أوسع حُجُب العلم الطبيعي، مُظهِرةً نورَ التوحيد بأبهى حلة؛ فلا ريب أن اللازمَ بحقنا والألزمَ لأبناء بلدنا أن يعمل طلابُ النور ما استطاعوا لفتحِ مدارس نوريةٍ صغيرةٍ في كلِّ مكانٍ، بناءً على الإذن الرسمي الحالي الذي يسمح بافتتاحِ مدارس خاصة لتعليم الدين.
صحيحٌ أن كلَّ فردٍ يستطيع أن يستفيد من رسائل النور بدرجةٍ ما، لكنْ لا يستطيع كلُّ فردٍ أن يفهم كلَّ مسألةٍ فيها تمامَ الفهم، ثم ما دامت رسائل النور إيضاحًا لحقائق الإيمان، فإنها معرفةٌ وعِلمٌ وعبادة.
(حاشية): فإنْ كان أحدُهم يَعلَم، ولم يكن بحاجةٍ إلى تعلُّم، فإنه يبقى محتاجًا إلى العبادة، أو مشتاقًا إلى المعرفة، أو طالبًا للطمأنينة والسكينة، ولهذا فهي درسٌ لازمٌ لكلِّ أحد.
— 313 —
وإذا كانت المدارسُ القديمة تُحقق نتائجَها في خمسِ سنين أو عشر، فإن مدارس النور هذه ستحقق النتائج نفسَها في خمسةِ أسابيع أو عشرةٍ بإذن الله، وهو ما تقوم به منذ عشرين سنة.
ثم إن رسائل النور، وهي لمعاتُ القرآن ودَلَّالُه، لها فوائدُ جَمَّةٌ للحكومة والشعب والوطن، سواءٌ في الحياة الدنيوية أو السياسية أو الأخروية، وأَولى ما ينبغي لرجال الحكومة فعلُه هو العمل على ترويجها ونشرِها بتمامها بدلًا من محاربتها، وذلك حتى تكون كفارةً للذنوب الجسيمة السالفة، وسدًّا في وجه المصائب العظيمة والفوضوية المريعة الآتية.
ثالثًا: كنتُ في شهر رمضان المبارك هذا محتاجًا بشدةٍ إلى قراءة القرآن قراءةَ ذَوقٍ وشَوق، غير أن المرض الأليم، والشدائد المادية والمعنوية، والمتاعب والمشاغل، أوقعتْني في قلقٍ واضطراب، فشرعتُ أقرأ الأجزاء القرآنيةَ المعجزةَ التي كتبها "خسرو" بخطه الجميل، ثم قرأتُ "الحزب الأكبر القرآنيَّ" الساطع ذا الكرامات، والذي يُنيل الحافظ "عليًّا" و"طاهريًّا" جزيلَ الأجر والحسنات، فإذا بي أحظى بذَوقٍ وشَوقٍ بدَّدا تلك المتاعب فلم يُبقيا منها شيئًا.
وحين كنت أتلقى منهما ذلك الدرسَ القرآنيَّ تلقيًا صافيًا مُشرِقًا لا يدع مجالًا للوسوسة، رغبتُ وعزمتُ من صميم روحي أن نسعى جاهدين لطباعة مصحفنا ذي المعجزات كما طبعنا "الحزب الأكبر القرآني".
سعيد النُّورْسِيّ
٭٭٭
— 314 —
إن إعادةَ كتبكم المصادَرة إليكم بأمرٍ من أنقرة یی بعد أن صودِرتْ تخوفًا من انتصار الأنوار وفتوحاتها المعنوية یی هي فألُ خيرٍ كبير، وهي فتحٌ كبيرٌ ومصلحةٌ نوريةٌ جليلة، لكونها وسيلةً لنَيل رسائل النور حريتَها التامة، فالحمد لله، هذا من فضل ربي.
نهنئ من صميم القلب أخوَينا الجادَّين النشيطَين في خدمة الأنوار: "علي عثمان" العليل و"علي القَفَّال".. نهنئهما بليلة القدر وبالعيد وبما أنجزا من خدمةٍ نوريةٍ بديعةٍ قيِّمةٍ جزيلةِ الأجر، وندعو لهما بالحفظ والتوفيق، لقد أسْدَيَا إلى دائرة النور معروفًا لا يُنسى أبدًا، فجزاهم الله خيرًا.
ونُسلِّم على كلِّ مَن ورد اسمُه في رسالة "علي عثمان" من إخواننا وأخواتنا، وندعو لهم، ونطلب منهم الدعاء؛ ونسأل الله تعالى أن يُسبِغ على أخينا المبارك "كاظمٍ" رحمتَه، وينوِّرَ قبرَه، آمين.
إحدى كرامات قلم أخينا "علي عثمان" المبارك، أنه ما أنْ أرسل إلينا الكُتيِّبات الخمسة عشر حتى جاءني تلميذان مُهِمَّان من المدرسة النورية في "قونية" يطلبان الرسائل بعينها، فأعطيناهما إياها، وهذا سيُنيلُه الأجر والثواب في ساحةٍ أوسع بإذن الله.
نُسلِّم على الجميع فردًا فردًا وندعو لهم.
٭٭٭
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
جاءني البطلُ النوريُّ الشابُّ المعلِّم "مصطفى صونغور"، مهنئًا بالعيد باسم إخواننا في "أفلاني" و"صَفْرَن بولو" و"قَسْطَموني" و"إينه بولو" و"داداي" و"آراچ"، وقد أرسلناه إليكم وإلى إخواننا أولئك "سعيدًا صغيرًا" يهنئكم بأعيادكم المادية والمعنوية.
كما أرسلْنا "محمد چالِشْقان" رُشْديَّ أميرداغ إلى إسطنبول ليستلم "سراج النور" ويَطَّلع على الكتب التي ستُرسَل إلى خارج البلاد.
— 315 —
إن معارضي الأنوار، بعد أن هُزِموا في كلِّ جهة، لجؤوا إلى خطةٍ تَسوؤنا في الظاهر، لكنها أنفع للأنوار في الحقيقة، فإنهم في مسعًى منهم لضرب التسانُد بين النوريين شرعوا بإبعاد بعضِ أركان النور المهمين إلى بعض الجهات، والحقيقة أن إبعاد هؤلاء لم يَنَلْ من تساندهم، وأن الأماكن التي أُبعِدوا إليها تحتاجهم، كما هي الحال في إبعاد "مُحرَّم" إلى "تاواس"، و"مصطفى عثمان" إلى "قره بوك"، و"رأفت" إلى إسطنبول؛ فالأمر يبدو من حيث الظاهر أن القوم فرَّقوا بعض إخواني، وقد استجاب إخواني للأمر وكأن الإبعادَ كان باختيارهم، والحقيقة أن القوم مهَّدوا السبيل لتسانُدهم من حيث أرادوا الإضرار بهم.
ومن خُططهم كذلك أنهم لم يعودوا يؤيدون سَجننا مع أننا یی بحسب أصولهم یی نستحق السَّجن، بل أصبحوا يقولون: حَذارِ حَذارِ أن يَدخل هؤلاء السِّجن!!
وسبب ذلك أن سِجن "دَنِزْلي" تحوَّل بين عشيةٍ وضحاها إلى مدرسةٍ نورية، وأن الذين نُقِلوا منه إلى سجونٍ أخرى شَرعوا من فورهم في تنويرها، وهو ما فاجأ خصومَنا العاملين في الخفاء وحيَّرهم، وجعلهم يؤيدون إخراجنا من السجن.
ومن هذا القبيل كان موقفُ القضاء الذي تصرَّف بشكلٍ يَنمُّ عن تسليمٍ لرسائل النور، فقد أحجم عن تنفيذ أحكام القوانين المتعسفة بحقنا، ولم يأخذها بعين الاعتبار، تحسُّبًا من أن يُقابَل بالاعتراض الشديد في قادم الأيام.
فإذا أضفنا إلى هذا الموقف أن بعض الملحدين المعاندين هُزِم في مواجهةِ حقيقةِ النور فتراجَع عن عِناده، وأن الأعداء العاملين في الخفاء تَخَوَّفوا وأصبحوا ينادون بإخراجنا من السِّجن، ويُحَذِّرون من أن تصبح السجونُ مدارسَ نورية، كنا أمام ثلاث جهاتٍ تؤيد براءتَنا بالاتفاق، وما هذا إلا كرامةٌ أحسَنَتْ بها العنايةُ الإلٰهيةُ إلى رسائل النور.
ومِثلُها الكرامةُ التي أَوْلتْها إياها من قبل، إذْ أخافتْ ثلاثةً من كبار القادة المتجبِّرين في هذا العصر إخافةً كَفَّتْ أيديَهم، فما استطاعوا أن يسيئوا إلينا أو يُلحِقوا
— 316 —
بنا أذًى، أعني قائدَ جيش الحركة في حادثة الحادي والثلاثين من مارت، والقائدَ الأجنبيَّ الغاشمَ الذي احتلَّ إسطنبول زمانَ الحركة الوطنية في الحرب العالمية الأولى، والرئيسَ العاتيَ الذي تحوَّل غضبُه وحدَّتُه في ديوان الرئاسة بأنقرة إلى ترضية؛ وعلى غِرار هذا جرى الأمرُ مع ثلاثِ جهاتٍ قضائيةٍ كان بمقدورها التذرُّع بآلاف الذرائع ضدَّنا، ردًّا على دفاعاتنا الشديدة المستفِزة، إلا أنها أذعنتْ للحق وسلكتْ سبيلَ المسالمة، فقضتْ ببراءتنا بالاتفاق؛ وليس هذا إلا كرامةً لرسائل النور التي هي معجزةٌ معنويةٌ من معجزات القرآن العظيم.
فهذا ما شعرتُ به الليلةَ بإخطارٍ قطعيٍّ فدوَّنتُه، غير أنه أُرسِل إليكم مشوَّشًا من غير تصحيحٍ ولا إصلاح.
٭٭٭
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
أولًا: تَسَلَّمنا نسختَي "سراج النور"، إحداهما تامةٌ والأخرى في جزأين، على أن الأخطاء قليلةٌ جدًّا، وسنُرفِق إليكم جدولًا بالخطأ والصواب.
ثانيًا: ما دامت "إسبارطة" مدرسةً زهراءَ معنوية، وما دامت الجهات الحكومية التي في هذه المدرسة المباركة تُبدي معنا تعاونًا بقدر المستطاع، وتنظر إلى رسائل النور بعين التقدير كما فعل مدير الأمن، فإننا ننظر إليهم بالمقابل نظرَ الصديق، فلا نَستاء منهم ولن نَستاء مهما فعلوا.. على أن التضييقات اليسيرة التي مارسوها تجاهنا حتى اليوم قد أفضتْ إلى خيرٍ كثيرٍ جليل.
إن ما نقوم به اليوم من نشرٍ للأنوار في كلِّ جهةٍ بكلِّ حريةٍ ابتغاءَ مصلحةٍ ما منافٍ لقاعدة "سِرًّا تَنوَّرَتْ"، فلعل ثمة خيرًا في نُصحهم إيانا بتوخي الاحتياط في هذا الأمر.
ثالثًا: تلقَّينا بكل سرورٍ تهانيَ العيد التي بعث بها إخواننا الأكارم من "داداي": الحافظُ "حسن" المعلمُ القدير وناشرُ النور القيِّم، إضافةً لابنَيه النوريَّين المباركَين،
— 317 —
والطبيب "حقي" و"حسني"، وأخَوَانا من "آراچ": "طاهر" و"فؤاد"، ونحن بالمقابل نهنئهم من صميم قلوبنا بالعيد وبنجاحهم في خدمة النور وثباتهم فيها؛ وسنُرفِق إليكم رسالتَهم لتُدرَج في "المَلاحق".
رابعًا: تعرَّفَ أخونا البطلُ النوريُّ "فؤاد" على أخٍ مثلِه في إسطنبول مرتبطٍ برسائل النور تمامَ الارتباط، وهو عالمٌ جليلٌ يدعى "عبد الأحد".. نسأل الله تعالى أن يوفقهما على الدوام؛ آمين.
خامسًا: أثناء تجوالي بالعربة، كان يثير عَجَبي مشهدُ أطفالٍ صغارٍ أبرياء، تتراوح أعمارهم بين سنتَين وعشر سنين، ما أن يَرَوني من بعيدٍ حتى يتراكضوا إليَّ ويمسكوا بيديَّ بلهفةٍ وشوقٍ كما يفعل الأطفالُ مع آبائهم وأمهاتهم بعد غياب، وعلى نحوٍ لم أر مثلَه من قبل، فكنتُ أعجب من ذلك وأتساءل عن حكمته، فوَرَد الخاطرُ بأن طائفة الأبرياء الصغار هؤلاء قد شعروا بحسٍّ قبل الوقوع أنهم في المستقبل سيَجِدون في رسائل النور سعادتَهم، وسيَنْجُون بها من المهالك المعنوية، ولعل كثيرًا منهم سيكونون طلابًا لها.
وشعرتُ كأنهم لا يريدون لي الرحيل عن هذه البلدة التي لم تناسبني أجواؤها المادية ولا المعنوية، ويطلبون مني البقاء فيها رغم السماح للمنفيين بالعودة إلى ديارهم، فكأنهم يقولون لي ما معناه: نحن في دائرة النور بدلًا من الكبار المتهاونين، فلا تذهبْ وتتركنا.
٭٭٭
— 318 —
نكتةٌ توحيديةٌ في لفظ "هو"
باسمه سبحانه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أبدًا دائمًا
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
أثناءَ سياحةٍ خياليةٍ فكريةٍ طالعتُ فيها صحيفةَ الهواء بجهته المادية، تَبَدَّتْ لي فجأةً نُكتةٌ توحيديةٌ لطيفةٌ في لفظ "هو" الواردِ في: لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، و قُلْ هُوَ اللَّهُ شاهدتُ فيها أن المسلكَ الإيمانيَّ سهلٌ سهولةً مطلقةً تَبلُغ درجةَ الوجوب، وأن مسلك الشرك والضلالة مُشكِلٌ إشكالاتٍ لا حدَّ لها، ممتنعٌ، تكتنفه آلافُ المُحالات؛ وسأُبيِّن هذه النُّكتةَ الواسعةَ المطوَّلةَ بإشارةٍ في غاية الاختصار.
نعم؛ فكما أن حَفنة التراب التي تُوضع في أصيصٍ فتُسْتَنبَتُ بها مرةً بعد مرةٍ مئاتُ الأزهار.. إنْ عُزِيَ أمرُها إلى الطبيعة والأسباب لَزِمَ أن يكون في الحفنة آلاتٌ ومعاملُ معنويةٌ صغيرةٌ بالمئات، بل بعدد ما استُنبِت فيها من أزهار، أو يَلزمُ أن تكونَ كلُّ ذرةٍ من ذراتها عارفةً بصناعةِ جميعِ أنواعِ الأزهار على تنوعها واختلافِ خواصِّها وأجهزتها الحيوية، فيكونَ لكلِّ ذرةِ ترابٍ عِلمٌ لا يُحَدُّ وقدرةٌ لا تتناهى كأنها إلٰه!!
فكذلك الأمرُ في الهواء الذي هو عرشٌ للأمر والإرادة، فإنه إنْ عُزِيَ أمرُه إلى الطبيعة والأسباب لَزِمَ أن توجَد في كلِّ جزءٍ منه، بل في مقدار النَّفَسِ الضئيلِ الصادرِ عند لفظِ كلمةِ "هو"، مراكزُ صغيرةٌ لكلِّ ما في العالَم من هواتفَ وتلغرافاتٍ وإذاعاتٍ ومكالماتٍ مختلفةٍ لا تُحَد، وأن توجَد فيه مُحوِّلاتُها ومُستقبِلاتُها وناقلاتُها، وأن يَقدِرَ على القيام بجميع هذه الأعمال اللامحدودة معًا في الآنِ نفسه؛ أو يَلزَمُ أن توجَد في كلِّ ذرةٍ من ذرَّات عنصر الهواء هذا شخصياتٌ وقابلياتٌ معنويةٌ بقدر ما في العالَم من
— 319 —
متكلمين عبر الهواتف، ومُرسِلين عبر التلغرافات، ومتحدثين عبر الإذاعات، وتكونَ كلُّ ذرةٍ عارفةً بلغاتِ هؤلاء جميعًا، قادرةً على التواصل بها مع سائر الذرات في نفس الوقت؛ إذْ هذا ما يُشاهَد بالفعل على نحوٍ جزئي، وقابليتُه موجودةٌ في جميع أجزاء الهواء.
وبهذا يتبيَّن بكلِّ وضوحٍ أن مسلك أهل الكفر والطبيعيين والماديين لا ينطوي على مُحالٍ واحد، بل تكتنفه وتُلابِسه مُحالاتٌ وامتناعاتٌ وإشكالاتٌ بعدد الذرات.
لكنْ إذا ما رُدَّ الأمر إلى الصانع ذي الجلال، غَدَا الهواءُ بجميع ذرَّاته جنديًّا لهذا الصانع الجليل يأتمِر بأمره، فيستطيع یی بإذن خالقه وقوَّته، وبانتسابه إلى الخالق واستنادِه إليه، وبجَلوةِ قدرة صانعه یی أن يؤديَ وظائفَه الكُلِّيةَ اللامحدودةَ مثلما تؤدي ذرةٌ منه وظيفتَها المنتظمة، بسرعةِ البرق، وبِسَلاسةِ تَموُّجِ الهواء وبسهولةِ التلفظِ بكلمة "هو"؛ أي يغدو الهواءُ صحيفةً لقلم القدرة يَخُطُّ عليها كتاباتِه الخارقةَ المنتظمةَ اللامحدودة، وتغدو ذراتُ الهواء رؤوسًا لهذا القلم، وتغدو وظائفُ الذرات نقاطَ قلم القدرة، فتعمل كلُّها وتتحرك بسهولةِ حركةِ ذرةٍ واحدة.
هذا هو مُجمَل الحقيقة التي شاهدتُها تامةً واضحةً مفصَّلةً عينَ اليقين عند مطالعتي صحيفةَ عنصرِ الهواء وتأمُّلي في عالَمه في سياحتي بالحركة الفكرية في لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ و قُلْ هُوَ اللَّهُ.
وكما حَوَتْ كلمةُ "هو" في لفظها وهوائها برهانًا ساطعًا ولَمعةَ واحديةٍ باهرة، فقد حَوَتْ في معناها وإشارتها جَلوةَ أحديةٍ بغايةِ النورانية، وحجةَ توحيدٍ بمنتهى القوة، وكان في هذه الحجة قرينةُ تَعَيُّنٍ تُبيِّن المرادَ من ضمير "هو" بإشارته المطلقة المبهَمة، فعلمتُ سِرَّ تَكرارِ هذه الكلمة القدسية في القرآن المعجِز البيان، وسِرَّ تَردادها بين أهل الذكر في مقام التوحيد.. عَلِمتُ ذلك علمَ اليقين.
نعم، فمعلومٌ أنه لو نُقِطَتْ نقاطٌ على ورقةٍ بحجمِ نقطةٍ لتداخلَتِ النقاطُ واختلطَتْ، ولو قام إنسانٌ بأداءِ عدةِ وظائفَ معًا لتشوَّشَ واضطرب، ولو حُمِّل كائنٌ
— 320 —
حيٌّ صغيرٌ أحمالًا كثيرةً لَناءَ بها وتَضَعْضع، ولو كان اللسانُ يُصدِر كلماتٍ متعددةً وكانت الأذنُ تتلقى كلماتٍ متعددةً في الآنِ نفسِه لاختلَّ انتظامُ الكلمات واختلط..
إلا أني في السياحة الفكرية التي أجريتُها في عنصر الهواء مستعينًا ببوصلة "هو" ومفتاحِها، شاهدتُ بعين اليقين أن كلَّ جزءٍ من أجزاء الهواء، بل كلَّ ذرةٍ منه، تَحمِل أو تَقبل أن تَحمل آلافَ النقاط والحروف والكلمات المختلفة من غير تداخلٍ ولا اختلاط؛
وأن كلَّ مقدارٍ منه يؤدي وظائفَ كثيرةً متباينةً من غير تشوُّشٍ ولا اضطراب؛
وأن كلَّ جزءٍ وكلَّ ذرةٍ منه يُحَمَّل أحمالًا جِدَّ ثقيلة، فيَحملُها لا يَنوءُ بحَملها ولا يتضعضع؛
وأن كلَّ ذرةٍ منه لسانٌ وأذنٌ بالِغا الصِّغَر، تَرِدُ عليهما آلافُ الكلماتِ المتباينةِ متنوعةً أساليبُها مختلفةً معانيها، فتَدخل إلى هذه الآذان الدقيقة وتَصدُر من تلك الألسنة الرقيقة بكمال الانتظام من غير اختلاطٍ ولا اختلال؛
وأنها بالإضافة إلى أدائها هذه الوظائفَ العجيبة تتحرك بين أمواج العواصف والرُّعود والبُروق وأمثالِها، لا يختلُّ نظامُها، ولا تضطرب وظائفُها، ولا يمنع عملٌ من أعمالها عملًا آخَر، فتتجول مردِّدةً بكلِّ حريةٍ وبلسانِ حالِها المجذوب، وبلسان الحقيقة المذكورة وشهادتِها: لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ و قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ.. هذا ما شاهدتُه عينَ اليقين.
إذًا، فإما أن يكون لكلِّ جزءٍ من الهواء، بل لكلِّ ذرةٍ منه: حكمةٌ بلا نهاية، وعلمٌ وإرادةٌ بلا نهاية، وقوةٌ وقدرةٌ بلا نهاية، وهيمنةٌ مطلقةٌ على سائر الذرات، حتى يمكنَ صدورُ كلِّ هذه الأفعال عنها؛ وإذْ كان هذا باطلًا محالًا بعدد الذرات، لا يمكن للشيطان نفسِه أن يوسوس به، كان من البداهة البالغةِ حقَّ اليقين وعينَ اليقين وعلمَ اليقين أنَّ صحيفة الهواء هذه ما هي إلا صحيفةٌ متبدِّلةٌ يُجري عليها ذو الجلال قلمَ
— 321 —
القدرة والقَدَر بعلمه المطلَق وحكمته اللامتناهية، وهي بالنسبة إلى اللوح المحفوظ لوحٌ في عالَم التغيُّر والشؤون المتبدِّلة، يُكتَب فيه ويُمحى منه باستمرار.
فكما يُظهِر عنصرُ الهواء في وظيفةٍ واحدةٍ من وظائفه یی وهي نقلُ الأصوات یی جَلوةَ الوحدانية المذكورة، وما أَوردنا من العجائب المسطورة، ويُبَيِّن ما في الضلالة من مُحالاتٍ غيرِ محدودة، فإنه يؤدي في الآنِ نفسِه سائرَ وظائفه الأخرى المُهمة بانتظامٍ دون خللٍ أو اضطراب، فيَنقل سائرَ اللطائف كالكهرباء والجاذبة والدافعة والضياء، ويوصِل إلى النباتات والحيوانات لوازمَ حياتها كالتنفُّس والتلقيح.. يؤدي جميعَ ذلك في نفسِ الوقت بمنتهى الانتظام، فيُثبِت بصورةٍ قاطعةٍ أنه عرشٌ للأمر والإرادة الإلٰهييَّن، ويُثبِتُ بدرجةِ عينِ اليقين أنه لا احتمالَ، بل لا إمكانَ بأيِّ جهةٍ لأنْ تتدخل في كتابة هذه الصحيفة الهوائية وفي وظائفها مصادفةٌ عشواء، أو قوةٌ عمياء، أو طبيعةٌ صمَّاء، أو أسبابٌ تائهة، أو موادُّ جامدةٌ عاجزةٌ جاهلة.
فتَحقَّق لديَّ اليقينُ القاطعُ بذلك، وعَلِمتُ أن كلَّ جزءٍ وكلَّ ذرةٍ منه تُرَدِّد بلسان الحال: لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ و قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ.. وكما كانت كلمةُ "هو" مفتاحًا شاهدتُ بواسطته هذه العجائبَ الموجودةَ في الهواء بجهته المادية، فقد غدا عنصرُ الهواء نفسُه مفتاحًا یی ككلمة "هو" یی إلى عالَم المثال وعالَم المعنى.
لم تُكتَب البقيةُ الآن.. سلامي للجميع.
أخوكم
سعيد النُّورْسِيّ
٭٭٭
— 322 —
إخواني..
لا تقلقوا.. بل كونوا على يقينٍ من فتوحات النور العظيمة التي تجري بعيدًا عن الأضواء، فلم يَذكر التاريخُ حتى يومِنا هذا مؤلفاتٍ كرسائل النور حازتْ هذا الانتشار والتأثير في ظل ظروفٍ صعبةٍ كهذه.
ثم إن السبب والحكمة وراء عدم نَيل الأنوار حريتَها التامةَ حتى الآن أن القوم يَخشَون من قوتها الفائقة، وقد وصَلَنا الخبر بأن رئيس الشؤون الدينية التقى بمسؤولين كبار، فعبروا له عن تقديرهم التامِّ للأنوار وقَبولهم إياها، وأفصحوا في الوقت نفسه عن مخاوفهم من السماح الرسميِّ بنشرِها في هذه الآونة، إذْ قد تَنجُم عن ذلك اضطرابات؛ فلم يَعُدِ القوم يهاجِمون كما كانوا في الماضي، بل باتوا يَسعَون للمصالحة؛ ولسوف تَظهر تياراتٌ قويةٌ تُوالي الأنوار، تُحوِّل هذه المخاوفَ إلى رغبةٍ رسميةٍ في نشر الأنوار بإذن الله.
ثم إن ثمة كثيرًا من ذوي الأنانية لا يؤيدون ظهورَ الأنوار على الساحة حسدًا ورغبةً في رواج مؤلَّفاتهم، فلا تقلقوا، فالنور منتصر.
٭٭٭
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
أولًا: وصلتْني هديةُ المدرسة الزهراء ودروسُها العشرون، وقد أرسلتُ إليكم بالمقابل مبلغًا من المال بواسطة الحافظ "مصطفى" ناشرِ النور المهمِّ ووارثِ الحافظ "علي" النشيط، والمبلغ تسعون ليرةً هي من مُخصَّصاتي في وظيفتي العلمية بدار الحكمة الإسلامية، وكان هذا المبلغُ قد فَضَلَ عن مصاريف طباعة الرسائل التي طَبعتُها في تلك المرحلة، فنويتُ الذهاب به إلى الحج، وظلَّ مُدَّخرًا احتياطيًّا لديَّ عشرين أو ثلاثين سنة، فكانت قيمتُه عندي كألف ليرة، وقد أرسلتُه إليكم ليكون مَورِدًا للدروس القدسية بالمدرسة الزهراء، فليكن ثَمنُ هذه الدروس الجديدة عليَّ كثَمن
— 323 —
"سراج النور" و"السِّكة الغيبية" سبعَ ليراتٍ ونصفًا، لأنني مضطرٌ لإهداء كثيرين، فضلًا عن أني أعُدُّ كلَّ درسٍ ونسخةٍ من أركان المدرسة الزهراء بمثابةِ ألفِ هدية.
ثانيًا: تنتشر رسائلُ النور في العالَم الإسلامي عن طريق الحُجاج، وتُوصِلُ نفسَها إلى الأيدي التي تليق بها؛ أما نسختا "عصا موسى" و"ذي الفَقار" الخَطِّيتان اللتان أرسلناهما إلى دمشق، فقد دقَّقتْهما هيئةٌ علميةٌ في خمسة عشر يومًا، فقالت یی علامةً على تقديرها التام یی: فلنطبعها أجزاءً على دفعاتٍ، لأن طباعتَها دفعةً واحدةً تتطلب مالًا كثيرًا، ولأن ترجمتَها إلى العربية تستلزم وقتًا طويلًا، والأمرين غير ممكن.
ولهذا عَمِل الطالبُ الذي أرسلتُه إلى هناك، بالتعاون مع طالبٍ آخر قديمٍ مقيمٍ هناك.. عَمِلا على تحصيل هذه النُّسَخ منهم لئلا يطبعوها بغرض جني المال، وتولَّيا إقراءها للراغبين والمشتاقين.
والحال أني لا إذن لديَّ بطباعتها، فليس هذا وقتَها، فضلًا عن أن ترجمتَها تتطلب هيئةً علميةً رفيعةً معتبَرةً يشارك فيها علماءُ من مصر؛ وعلى أيةِ حالٍ فقد وقع استعجالٌ في الأمر.
ثالثًا: بعض النُّسخ التي أرسلناها إلى إسطنبول بغيةَ إرسالها إلى الخارج لم تُرسَل بعد، وسببُ ذلك ما نبَّهَنا إليه أحدُ الحُجاج الذي حمَّلناهم أمانةً في رحلةِ حَجِّه، فكتب إلينا يقول معتذرًا: "إن الراغبين في الذهاب إلى الحج قِلَّة، وإن إجراءات التفتيش عند الحدود مكثفة، حتى لقد بات الحاجُّ يُرَدُّ بأيِّ ذريعة"؛ واقترحَ إرسال النسخة بالبريد مباشرةً إلى العنوان التالي: محمد علي المالكي، المحلة الشامية بمكة المكرمة.
وقد أصاب في هذا الأمر تمامًا؛ لأن إرسال هذه المجموعات اليوم باسمي وباسم طلاب النور سيجعل رسائلَ النور أداةً بيدِ فكرِ الاتحاد الإسلامي وسياسةِ الوحدة الإسلامية المتنامييَن حديثًا، وهذا سيضطرُّنا إلى الالتفات إلى السياسة الإسلامية، وهذا ما لا يسمح به القدر الإلٰهيُّ اليوم حفاظًا على الإخلاص التام لدى طلاب النور؛ لأن سِرَّ الإخلاص في مسلك رسائل النور يمنعها أن تكون أداةً أو تابعًا لشيءٍ
— 324 —
سوى حقائق الإيمان والقرآن؛ ولأنه ليس مطلوبًا من رسائل النور البحثُ عن زبائن أو راغبين، بل المطلوب أن يشعر الراغبون بحاجاتهم الحقيقية، فيطلبوا رسائلَ النور لمداواة جِراحاتهم؛ والحال أن تلك المراكز المباركة التي ستُرسَل إليها النُّسَخ لم تَلْحَظْ بعدُ حاجتَها الحقيقية إلى الأنوار، وإنما هي مشغولةٌ بأمورٍ تتعلق بالحياة الدنيا للعالَم الإسلامي؛ ولأن الأنانية والمراءاة نوعٌ من عبادة الشهرة مردودٌ في مسلك النور، وإنها لمُراءاةٌ أن يَسعى المرءُ في زمان الأنانية هذا إلى تسويقِ نفسه وكسبِ الإعجاب بها، أو يُقدِّمَ طلابُ النور أنفسَهم إلى مواقع مرموقةٍ من خلال هذا المؤلَّفات وكأنها امتيازٌ كبير.

.......

خامسًا: بارك الله بأخينا البطل الوفيِّ الثابت "سليمان رشدي" الذي يؤدي مع أخيه وأبنائه الأبرياء الصغار خدمةً جليلةً في مدةٍ قليلة، أسأل الله تعالى أن يجعله مَظهرًا لإحسانه على الدوام، في الدنيا والآخرة، وفي تجارتَيه المادية والمعنوية، آمين.
سادسًا: "نكتةُ هو" دقيقةٌ جدًّا، صحيحٌ أنها جاءتْ مُجمَلةً مختصرةً جدًّا، إلا أنه يمكن لكل شخصٍ أن يشعر منها بنورٍ إيمانيٍّ قوي، ولهذا أرسلتُها إليكم.
وقد وردتْ بآخرها جملةُ: "فكلُّ ذرةٍ تتجوَّل مردِّدةً بلسان حالها المجذوب: لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ و قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ.."، فلتُضَفْ إليها هذه الكلمات: ".. بلسان الحال، وبلسان الحقيقة المذكورة وشهادتِها".
ثم لتؤخَذ هي، والقسمُ الخامس من "المكتوب التاسع والعشرين"، وهو سياحةٌ خياليةٌ تتصل بآيةِ اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ، وكذا القِسمُ الأول من المكتوب نفسه، ما يتعلَّق منه بالسياحة الخيالية التي تَعرِض سِرَّ الجماعة في نونِ نَعْبُدُ، فلتُدرَج جميعُها بآخر "السِّكة الغيبية" أو في موضعٍ منها تَرَونه مناسبًا.
إن لم تكن "العنايات" قد أُدرِجتْ بعدُ في "السِّكة الغيبية"، فأُحيل عليكم إدراجَ خلاصةٍ عنها.
٭٭٭
— 325 —
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
سمعتُ أن "شمسي" ومؤلِّفِين آخَرين ليس من المناسب ذكرُ أسمائهم قد نشروا بأسمائهم أقسامًا من "ذي الفَقار" وسائرِ رسائل النور، وإني راضٍ عن هذا مسرورٌ به ومسامِحٌ لهم فيه، فهم أيضًا طلابُ نورٍ ينشرون الأنوارَ بهذه الطريقة.
ولقد اقتبس من النور قبلَهم كثيرون، منهم علماءُ كبارٌ ومؤلِّفون، اقتبسوا كثيرًا من مسائل النور في مؤلَّفاتهم منذ عشرين سنةً وما زالوا يقتبسون؛ وليست مسامحتي مقتصرةً على هؤلاء الأفاضل الذين يوالون الأنوار، بل أنا مسامحٌ لمؤلِّفين أصحابِ مناصبَ رسمية، يمانعون نشرَ النور ولا يؤيدونه رغبةً في رواج مؤلَّفاتهم، فإنهم بمنعهم هذا يصبحون وسيلةً لفتوحات الأنوار وانتشارها بنحوٍ آخَر أعظم نفعًا.
أنا لست متابعًا للأوضاع الحالية، ولكني سمعتُ من غير قصدٍ أن بعض الشخصيات الرسمية ممن يؤلِّفون الكتب وينتحِلون من النور يقولون: "اقرؤوا رسائلَ النور إن شئتم لكن لا تعطوها للآخَرين"، كأن الأنوار ستَحجُب مؤلَّفاتِهم، والحال أن الأنوار تُصدِّق ما في مؤلَّفاتهم من حقائق، وتمنحها القوة والرَّواج، وسيأتي زمانٌ لا يجدون فيه مفرًّا من نشر الأنوار رسميًّا بإذن الله؛ والأمرُ كما قال القاضي الإزميريّ: "إن رسائل النور لا تَخفى، ولا تُشبه سائرَ الكتب، ولا تُنتَحَل، بل حيثما وُجِدتْ قالت: مِن النور أتيتُ".
ثم إن رسائل النور ما زالت منذ ثماني سنين تَصِلُ أهمُّ فقراتها إلى إسطنبول فيقرؤها المؤلِّفون بكلِّ لهفة؛ والأصلُ أن رسائل النور هي أشبه ما تكون بمِلْكٍ لكلِّ شخصٍ شريطةَ أن يكون تلميذًا لها.
قرَّرنا یی في دائرةِ الطلاب الخواصِّ یی أن نُشرِك في جميع مكاسبنا المعنوية إخوانَنا المباركين الذاهبين إلى الحج من "إسبارطة" الذين وعدوا أن يَحُجُّوا بدلًا عني معنًى؛ جعلهم الله من سعداء الدارَين، آمين.
— 326 —
سأرسل إليكم عما قريبٍ ستين ليرةً بقيةَ ثمنِ "عصا موسى" المرسَلةَ إليَّ مؤخَّرًا من المدرسة الزهراء.
كما نهنئكم بمَتجر النور، وعسى أن يكون تواصُلُنا في وقتٍ قريبٍ عن طريق صاحب المتجر بإذن الله.
سلامي للجميع فردًا فردًا.
٭٭٭
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
أولًا: اشتريتُ من ناشري "مرشد الشباب" مئةَ نسخةٍ بخمسين ليرة.. أعطيتُهم ثمنَها مما بِعتُه من نُسَخ "عصا موسى"، وأرسلتُ إليكم ستين ليرةً المتبقيةَ بذمتي.
فلْتبْقَ في المدرسة الزهراء عشرون أو ثلاثون نسخة، وأرسِلوا الباقي بالمقدار الذي ترونه مناسبًا إلى أماكن مثل "دَنِزْلي" و"ميلاس" و"بوردور" و"أنطالية" و"آيدِن" و"إزمير"؛ على أن الثمن الحقيقيَّ المعتبَر للنسخة هو أن يُقرِئَها مُشتريها عشرةَ أشخاصٍ على الأقل، لأن الكمية قليلة.
ثانيًا: أعجبني دفاعكم الذي أدليتم به في المحكمة، فهو دفاعٌ جيد، وتأخيُر الجلسة إلى الثاني والعشرين من شهر تشرين أمرٌ فيه خير، فما بأيديهم من الرسائل هو یی بجهةٍ ما یی نصيبُ المسؤولين الرسميين، فلْيَقرؤوه؛ بل حتى وإن لم يَقرؤوه، فإن وجودَهم في دوائر قريبةٍ من رسائل النور، وانشغالَهم بحقائقها إجمالًا بمقتضى وظيفتهم، يجعلُهم يَتَلَقَّون درسَها معنويًّا، فلا تقلقوا، فإن ازدهار الأنوار وفتوحاتها في ازديادٍ مطَّرد، وهي تجذب كثيرًا من المسؤولين الرسميين، فقد أثارت فضولَهم، وباتوا يبحثون عنها ويطلبونها، حتى إذا ما وجدوها قبَّلوا يدَها برغم ما أصابهم من صفعاتها.
ثالثًا: سُرِرتُ سرورًا بالغًا بالرسالة التي بعث بها بطلان من شباب "إسبارطة الصغرى"، هما: "صالح" و"إبراهيم"، بارك الله بهما وزادهما من فضله، فقد كتبا
— 327 —
عن زيارتهما لإخواننا الكرام في تلك الأماكن، وأَخبَرانا عن صحَّتهم وسلامتهم، كما بَشَّرانا بأن بعض الأماكن في منطقة البحر الأسود قد تنوَّرتْ بالأنوار، مثل "أوردو" و"سينوب" و"گرْزه" و"آيانجق" و"بارطِن" و"زونغلداق"، وحدَّثانا عن خدمة النور التي ينهض بها علماءُ وُعاظٌ من طلاب النور في "أُسكُدار" بإسطنبول.
كما وصلتْنا الرسالة الجميلة التي بعث بها أخٌ جديدٌ من تجار " گرْزه" المهمين، يُبدي فيها لَهفتَه للأنوار وعزمَه التامَّ على خدمتها، نُسلِّم عليه وعلى "إبراهيم" و"صالح" ونهنئهم وندعو لهم بالتوفيق.
رابعًا: تَعرَّفَ أخونا النشيط "إبراهيم أدهم" إمامُ قرية "أعلى مسجد" على أخوَين نوريَّين يسيران على نهجه، هما الواعظ "عثمان" والواعظ "علي شَنْتورك"، وقد بعثا برسالةٍ صادقةٍ تفيض تضحيةً وعزمًا على خدمة النور، يطلبان فيها الدخول في دائرة خواصِّ طلاب النور؛ وقد قُبِل طلبُهما، نسأل الله تعالى لهما التوفيق، آمين.
بلِّغوا سلامي لمفتي البلدة "علي رضا" المذكورِ اسمُه في رسالة "علي شَنْتورك"، وبلِّغوه أنه داخلٌ في دائرة النور بين إخوانٍ لي أجلَّاء يحملون الاسمَ نفسَه، وسيكون قدوةً حسنةً لكثيرين؛ سلامي وتحياتي للجميع.
٭٭٭
سبق أن أرسلنا إلى إسطنبول جزءًا من مصحفنا ذي المعجزات، فيه توافقاتٌ لطيفةٌ في سورة الرحمٰن، وجزءًا آخَرَ فيه توافقاتٌ جميلةٌ كذلك، ليطَّلعَ عليهما "عزيزٌ" صاحبُ المطبعة، وقد أُعجب بالمصحف كثيرًا، وتعهَّد بطباعته قائلًا: "سنطبعه متى طلبتم، وستكون طباعته بالفوتوغراف على غرار "الحزب القرآني" و"الحزب النوري"، وبما أني ملتزمٌ بطباعةِ مليون نسخةٍ من المصحف وإرسالِها إلى الهند، فسيكون من الجيد إرسال مصحف التوافقات هذا معها".
وَفَّق الله النوريين في هذه المهمة.
٭٭٭
— 328 —
استلمتُ "السِّكة الغيبية" من ناشريها، وسلَّمتُهم خمسين نسخةً من "مرشد الشباب" ثمنًا لها، وسأرسلها إليكم.
أما تلك المجموعة المباركة فتَحصَّل ثمنُها من بيع بعض حاجياتي، وهي عبارةٌ عن قِدْرَين لم يعد لهما لزومٌ الآن وكنت أرغب بتوزيعهما، وثوبٌ قطنيٌّ ارتديتُه خمسَ عشرة سنة، وكتابٌ قَيِّمٌ مبارك، وإبريقُ شاي، وموسى حِلاقةٍ ظللتُ أستخدمها أربعًا وعشرين سنة، ومَلاءةُ سريرٍ استخدمتُها زمناً طويلًا، وحاجياتٌ قطنيةٌ أخرى، وقد قَوَّم قيمتَها "أحمد راسخ" بحضور والدِ "قلنچ علي"، وقدَّرا مجموعَ ثمنها بمئةٍ وخمسٍ وعشرين ليرة، وكنتُ قد قوَّمتُها بأقل من ذلك، وقلتُ: هذا الثمن كثير.
سلامي للجميع.
٭٭٭
إخواننا الأعزاءَ الأوفياء..
أولًا: نهنئكم بقدوم الليالي العشر، ونَذكر لكم كرامتَين من كرامات النور.
وهي أن ازدهار الأنوار في الآونة الأخيرة، وانتشارَها في جهاتٍ كثيرة، خصوصًا بعد الاستفادة من جهاز النَّسْخ، قد فاجأ الأعداء الزنادقة العاملين في الخفاء، فدبَّروا مكيدةً ظاهرُها بسيط، لكنها شديدة الإيلام، أداتُها شخصٌ ساذج، تقع له حادثةٌ تثير الكثير من الهواجس والاتهامات، فقد أُصيب هذا المسكين بأربع طلقاتٍ أمام منزلِ أهمِّ طالبِ نورٍ يؤدي أهمَّ وظيفةٍ نوريةٍ هنا.
ومما زاد في حراجةِ الموقف أن الطبيب قرَّر أن الرجل ميِّتٌ بجِراحه لا محالة، وللرجل معارفُ كثيرين یی رسميين وغيرَ رسميين یی يمكنهم رفع دعوى لصالحه، والواقعةُ تحتمل توجيه التهمة إلى ذلك الطالب المرموق بنسبة تسعين بالمئة، وهو ما يستدعي تفتيشَ منزله وأخْذَ جميع ما فيه من رسائلِ نورٍ ومراسلاتٍ بذريعة التحري،
— 329 —
فضلًا عن قيام أسبابٍ ودواعٍ كثيرةٍ تجعلني أنا والنوريين على علاقةٍ بما جرى، وتُشَوِّه سمعة ذلك الطالب البريء بشتى الافتراءات والأكاذيب.
لكنْ بالرغم من هذا كلِّه فإن العناية الإلٰهية سرعان ما أغاثتنا بسرِّ «فإنك محروسٌ بعين العناية» ، فلم يَمُتْ ذلك الرجل برغم الطلقات الأربع التي أصابتْ وجهَه عن قرب، ولم يوجد أيُّ شاهدٍ على الحادثة، ولم يتوفر فيها أيُّ دليلٍ أو أمارة، وهذا عجيبٌ حقًّا، ولم يُفصِح الرجل عن الفاعل، ولم تفلح محاولاتُ المحكمة ولا أبيه ولا إخوته في أن يُفصِح لهم عنه، ولو أنه أفصح لسارع المنافقون أربابُ التهويل إلى اختلاق أعجب الافتراءات، لكنَّ الله سلَّم ووقانا شرَّ هذه الحادثة، فلم يَصِلنا شيءٌ من شظاياها، وحمى بإحسانه وكرمه الأنوارَ والنوريين، فتَيَقَّنا بأن ذلك مَحضُ كرامةٍ نورية.
أما ذلك الرجل، فكما أنه لما سبقت له قراءةُ شيءٍ من الأنوار أنقذ بكرامتها حياتَه، فإن درس الحقيقة الذي تَعلَّمه منها قد أورثه مشاعرَ مَنَعَتْه من الكلام لئلا يصيب الأنوارَ ضرر، فلم يَذكر للمحكمة ولا لأهله شيئًا برغم وضعه الأليم؛ ولقد جاءني مرةً ووعدني بأن يستقيم حالُه، لكنه لم يفعل، واستمر على نهجه الخاطئ فتلقى صفعة؛ بل حتى الطالبُ الذي كان عرضةً للتهمة، تبيَّن أنه تلقى لطمةَ شفقةٍ على بعض تقصيره وإهماله، برغم كمال تفانيه وإخلاصه.
٭٭٭
— 330 —

تُلحَق هذه القطعة بآخر "نكتة هو"

ورأيتُ عالَمَ المثال آلةَ تصويرٍ عظيمةً تلتقط صورًا لا تُعَدّ، في كلِّ صورةٍ حوادثُ دنيويةٌ لا تُحَدّ، تلتقطها جميعًا في الآنِ نفسِه من غير اختلاطٍ ولا تداخُل؛ وعلمتُ أنه شاشةٌ أخرويةٌ عظيمةٌ واسعةٌ سَعَةَ آلاف العوالم، أُعِدَّتْ لتكون مَعرِضًا سرمديًّا يَعرِض الفانيات بأحوالها الآفلة، وأوضاعها الزائلة، وثمراتِ حياتها العابرة، ويَعرِض لأصحاب السعادة الأبدية في الجنة مشاهدَ من حياتهم في الدنيا، ولوحاتٍ من ذكرياتهم في الأيام الخالية.
إن الحجة على وجود اللوح المحفوظ وعالَم المثال هي وجودُ نقطتَين وأنموذجَين مصغَّرَين لهما في رأس الإنسان، هما القوة الحافظة وقوة الخيال، فبالرغم من أنهما لا تَشغلان من حيث الحجمُ مقدارَ حبةِ ذُرَة، إلا أنهما تقومان بعملٍ يضاهي عمل مكتبةٍ ضخمة، إذْ تَحفظان في داخلهما المعلومات وتسجِّلان المعطيات بانتظامٍ تامٍّ لا يَشوبُه تداخلٌ أو اختلاط، وهو ما يُثبت قطعًا أن نموذجَهما الأكبر ومثالَهما الأعظم هو اللوح المحفوظ وعالَم المثال.
وهكذا عُلِم علمَ اليقين القطعيَّ أن عنصرا الهواء والماء یی خصوصًا ماء النِّطاف یی يَفوقان عنصرَ التراب دلالةً، وأنهما صحيفتان يَخُطُّهما قلمُ القدَرِ والقدرة بمنتهى الحكمة والإرادة، لا تَشوبُهما مصادفةٌ أو قوةٌ عمياء، ولا طبيعةٌ صمَّاء، ولا أسبابٌ جماداتٌ عشواء، بل هما صحيفتان للحكيم ذي الجلال، يَجري عليهما قلمُ قدرته وحكمته.
لم تُمْلَ البقيةُ الآن.
سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
أخوكم
سعيد النُّورْسِيّ
٭٭٭
— 331 —
إخواني الأعزاءَ الأوفياء.. أصحابي أُولي الثبات والجِدِّ والاجتهاد في الخدمة القرآنية..
أولًا: نهنئكم من صميم قلوبنا بالليالي العشر التي تَحمل في هذا العام معنى الحجِّ الأكبر.
ثانيًا: إن فتوحات النور مستمرةٌ مُطَّردةٌ في الداخل والخارج، غير أن أعداءنا مِن أهل الضلالة والفجور العاملين في الخفاء يحاولون زعزعة طلاب النور ببعض الحوادث التافهة وبالتهويل من شأنها.
فقبل أيامٍ وقعتْ حادثةٌ ليلًا قربَ منزل أحد طلاب النور المهمين، يقع منزلُه قريبًا من ساحة البلدة، ويحوي معظمَ كتبي ومراسلاتي على مدى ثلاث سنين، وكان ثمة احتمالٌ قويٌّ لأن تُنتَهَز هذه الحادثةُ فرصةً لتفتيش المنزل، لكن الله تعالى وقاه ذلك بعنايته وحفظه وحمايته؛ ولولا أني سبق أن نَبَّهتُ في صباحِ يومِ الحادثة اثنين من إخواننا البسطاء تنبيهًا جادًّا، ونقلتُ الكتب والمراسلات من ذلك المكان، لوقع في دائرة النور خَطْبٌ جَلَل، فضلًا عن أنه تبدو في هذه الحادثة تخوُّفاتٌ سياسية.
صحيحٌ أن العناية الإلٰهية حَفِظتْنا، إلا أنه ينبغي أن نتحلى بمزيدٍ من الهدوء والأناة والحذر في هذه الآونة، حيث تَصدُر رسائل النور في مجلداتٍ وتنتشر، ووقوعُ مثل هذه الحوادث مع وجود أعداءٍ متربصين يهوِّلون الأمور كان سيعود علينا بالمتاعب والمشاكل، فحمدًا لله أنَّ العناية الإلٰهية دفعتْ عنا هذا المخطَّط ووَقَتْنا شَرَّه.
على أن هذه الحادثة التي وقعتْ من حيث لم نكن نحتسب، أورثتْني صدمةً معنويةً وتوترًا وقلقًا من أن يصيب خدمةَ الأنوار ضرر، فلَقِيتُ من ذلك ضِيقًا لم ألْقَ مثلَه في حياتي، وخلَّف في أعصابي جراحًا معنوية، فكانت تعتصرني همومٌ لا يَدَ لي فيها، وإذا بأرحم الراحمين جلَّ شأنه يرسل إليَّ من كمال رحمته بلسمًا يداوي جميعَ همومي وجراحي المعنوية، إذْ أرسل إليَّ في اليوم التالي الطالبَ المضحيَ المتفانيَ
— 332 —
"نوري بَنْلي"، و بطلَ قَسْطَموني "صادق بك"، والبطلَ "إسماعيل" من "إينه بولو"، فكان مجيئهم دواءً لي وبلسمًا.
ثم مَنَّ الله تعالى عليَّ ببشارةٍ شُفِيَتْ بها جراحي، زَفَّها أخونا "أمين" بخصوص طالبي القديم "المُلَّا حمزة" الذي طَبَع "إشارات الإعجاز" و"الكلمة العاشرة"، وكان بَلَغَني أنه استُشهِد قبل خمس عشرة سنة، فأدرجتُ اسمه بين طلابي الشهداء الذين أدعو لهم على الدوام.. فقد كتب إليَّ أخونا "أمين" يخبرني أن "المُلَّا حمزة" ما زال على قيد الحياة، وأنه في العراق، وأنه يطلب الأنوار، فحمدت الله تعالى حمدًا بلا حد.
سلامي وتحياتي لعموم إخواننا.
٭٭٭
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
أولًا: بات من المناسب أن أُبيِّن لكم واقعةً جرتْ لي، وهي واقعةٌ عجيبةٌ أليمةٌ لطيفةٌ في آن، كما أُبيِّن في الوقت نفسِه أحدَ الافتراءات التي افتراها عليَّ أعدائي، وهو افتراءٌ شنيعٌ لا يمكن حتى للشيطان أن يَخدع به أحدًا ولو باحتمالِ واحدٍ بالألف، وهو يَدُلُّ على أنه لم يَبْق للقوم سلاحٌ يحاربون به النور؛ والواقعةُ ما يلي:
يَعلم المُطَّلعون على حياتي أنني حين كنت في العشرينات من عمري قبل خمسٍ وخمسين سنة، أقمتُ سنتَين بی"بِتْليس"، في دار واليها المرحوم "عمر باشا"، بناءً على إصراره واحترامه الشديد للعلم.
وكانت له ستُّ بنات، ثلاثٌ صغيراتٌ وثلاثٌ كبيرات، وعلى الرغم من أننا كنا في دارٍ واحدةٍ مدةَ سنتين إلا أنني لم أكن أعرف الثلاثَ الكبيراتِ معرفةً أميز بها إحداهن عن الأخرى، ولم أكن أدقق فيهن حتى أعرفَهن؛ وحصل أن نزل أحد العلماء ضيفًا عليّ، فعَرَفهن وميَّزهن في يومين، فعَجبتُ وعَجِبَ الجميع للأمر، وسألوني: لِمَ لا تنظر؟ فكنت أقول: صَونُ عزة العلم يمنعني من النظر.
— 333 —
وفي إسطنبول قبل أربعين سنة، وفي اليوم المحدد لمهرجان "كاغد خانه"، انتشرت آلافٌ من نساءِ إسطنبول وفَتياتِها ونساءِ الرومِ والأرمنِ كاسياتٍ عارياتٍ على طرفي الخليج، من الجسر حتى "كاغد خانه"، وفي تلك الأثناء رَكِبنا قارِبًا أنا والمرحوم "مُلَّا سيد طه" و"حاجي إلياس"، وكانا من أعضاء البرلمان في ذلك الحين، فكنا نمرُّ بالقرب من تلك النساء، وكانا قد اتفقا على اختباري وتناوبا على مراقبتي دون علمٍ مني بذلك، فلما انتهت رحلتُنا التي استغرقت ساعةً من الزمن اعترفا لي قائلَين: لقد عجِبْنا لأمرك!! لَمْ تنظر إليهن مطلقًا!! فقلتُ: لا أريد مُتَعًا تافهةً زائلةً آثِمةً عاقبتُها آلامٌ وحسرات.
ثم إنَّ كلَّ مَن تربطه بي أواصرُ صداقةٍ يعلم أنني اجتنبتُ طَوالَ حياتي قبولَ الهدايا أو الدخولَ تحت مِنَّةِ الناس بأخْذِ صدقاتهم وإحساناتهم؛ وأنني یی حفاظًا على شرفِ الأنوار والخدمة الإيمانية القرآنية ومراعاةً لسلامتهما یی تركتُ جميعَ ما في الدنيا من لَذّاتٍ واهتماماتٍ ماديةٍ واجتماعيةٍ وسياسية، ولم أُبالِ يومًا بتهديداتِ الحاقدين بما فيها الإعدام، وقد ظهر هذا جليًّا في المحاكم التي دخلتُها، وفي السِّجنَين الرهيبَين اللذَين سُجِنتُ فيهما خلال العشرين سنةً من أَسري المشحون بالعسف والأذى.
وبينما تمضي حياتي على هذا الدستور المستمرِّ على مدى خمسٍ وسبعين سنة، إذا بشخصٍ يَشْغَل منصبًا رسميًّا، يفتري عليَّ فريةً لا تخطر ببال الشيطان ولا بخياله، وغرَضُه أن ينال من القيمة السامية التي تتبوؤها رسائل النور، فيزعم قائلًا: تتردد عليه في الليل العاهرات، ويأتيه السَّفَلةُ والأراذلُ مع ما لَذَّ وطاب من المأكولات!!
علمًا بأن بابي يظل مقفلًا من الداخل ومن الخارج طَوالَ الليل، وأن عليه رقيبًا يلازمه حتى الصباح بأمرٍ من ذلك الشقيِّ نفسه؛ كما أن جيراني هنا وجميعَ أصحابي يعلمون أنني ما استقبلتُ ولا أستقبل أحدًا من بعد صلاة العشاء حتى الصباح.
إن مثل هذه الفِرْية لا يُقدِم عليها حتى مَن هو سفيهٌ أحمق، بل حتى لو كان حمارًا ثم أصبح شيطانًا، وهذا ما تَبيَّن لذلك الشخص، فتراجع عن مثل هذه المكائد، وغَرَبَ من هنا مذمومًا مدحورًا.
— 334 —
لقد بيَّتَ الرجل مكيدتَه هذه بصفته الرسمية لا لتشويه سمعتي فحسب، بل لتشويه سمعة النُّوريين، فهذا ما كان مرادًا من هذه الحادثة الجديدة، إلا أن عناية الله وحِفظَه وحمايتَه أفشلت هذه المكيدة فشلًا ذريعًا.
وإنني بهذا البيان لا أبرِّئ نفسي، وإنما أريد أن أقول: إن الخدمة الإيمانية القدسية جعلت النفس تتخلى عن جميع هَوَساتها، فتكفيها اللذائذُ المعنويةُ التي في هذه الخدمة، كما أُبيِّن حاجة النُّوريين إلى توخي الاحتياط والحذر.
ثانيًا: سأبعث إليكم بكاتبٍ خاصٍّ لديَّ ذي خبرةٍ ومهارةٍ في عمل جهاز النسخ، ومن الآن فصاعدًا سأكتب إليكم باختصار، لأنني أكتب بصعوبة، فلا تستاؤوا من ذلك.
ثالثًا: أبعث بسلامي إلى "محمد توفيق" الخطيبِ بناحية "أفلاني"، وإن الرؤيا التي قَصَّها مباركة.
رابعًا: تسلمتُ للتوِّ رسالةً جميلةً متلألئة، فيها تهنئةٌ وبشائرُ بفتوحات النور، بعث بها خسرو "قَسْطَموني"، أعني الأخَ العزيزَ "محمد فيضي"، فنهنئه ونهنئ "حلمي" و"أمين" والأشقاء الخمسة، وكذا الأخوات النُّوريات أمثال "زهراء" و"لُطْفية" و"عُلوية"، نهنئهم جميعًا من صميم قلوبنا بالليالي العشر وبالعيد المبارك، ونرسل إليكم طيًّا رسالتَي "خُلوصي" و"فيضي".
٭٭٭
— 335 —
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
أولًا: أحدُ طلاب النور الطيبين ذوي القَدْر سألني سؤالًا بالنيابة عن كثيرين فقال:
ثمة فريقٌ من خُلَّصِ طلاب النور المعتبَرين يعتقدون بحُسْنِ ظنهم أنك المرشدُ العظيمُ من آل البيت الذي يأتي في آخر الزمان، وهم متمسكون بهذا الاعتقاد رغم تحاشيك الشديد منه، فهم مُصِرُّون على اعتقادهم، وأنت في المقابل مُصِرٌّ على تحاشيه وعدم قبوله؛ فلا بدَّ أن لديهم حقيقةً وحجةً قطعية، ولا بدَّ أنك لا توافقهم بناءً على حكمةٍ وحقيقةٍ كذلك، وما هذا إلا تضادٌّ نريد حلَّه.
وإني أقول جوابًا عن المسائل الكثيرة التي تضمَّنَها سؤالُ هذا الأخ الفاضل: نعم، إن لدى هؤلاء النوريين الخواصِّ حقيقةً، لكنها تحتاج إلى تعبيرٍ وتأويلٍ بجهتَين:
الجهةُ الأولى: أن الشخصَ المعنويَّ للجماعة القدسية التي يمثِّلها مَهديُّ آلِ الرسول له ثلاثُ وظائف كما سبق أن أشرتُ إليها مراتٍ عديدةً في رسائلي، ونحن نرجو من الرحمة الإلٰهية أن تقوم جمعيتُه وجماعةُ السادة والأشراف بهذه الوظائف ما لم تقُمِ القيامةُ عاجلًا، وما لم يَخرج البشر عن جادة الصواب بالكلية؛ أما وظائفُ المهدي الجليلةُ الثلاث:
فأُولاها: إنقاذُ الإيمان على نحوٍ يَدحض ويُسكِت الفلسفةَ والفكرَ الماديَّ قبل كلِّ شيءٍ، إذْ قد تَسلَّطتِ الفلسفة والعلوم المادية الحديثة، وانتشر طاعون الماديين والطبيعيين بين البشر.
وإن القيامَ بهذه الوظيفة، وحِفظَ أهل الإيمان من الضلال، يقتضي الاشتغال بالبحث والتدقيق العلميِّ أزمانًا طويلة، مع التجرد عن الدنيا والتخلي عن جميع المشاغل، ولا يَسمح الوقتُ أو الحالُ للسيد المهديِّ أن يقوم بهذه الوظيفة بنفسه، لأن سَلطنتَه بجهةِ الخلافة المحمدية لا تدع له وقتًا للاشتغال بهذه الوظيفة؛ فلا بد أن تقوم بها یی بجهةٍ ما یی طائفةٌ قَبلَه، حتى إذا ما جاء ذلك السيد عَمَد إلى الآثار والمؤلَّفات
— 336 —
التي دَوَّنتْها هذه الطائفة بعد تدقيقٍ علميٍّ طويل، فاتخذها بَرنامجًا جاهزًا، وبذلك يكون قد أدى هذه الوظيفة الأولى على أتم وجه.
إن القوةَ التي تستند إليها هذه الوظيفة، والجيشَ المعنويَّ الذي تعتمد عليه، ليس سوى ثُلةِ تلاميذَ يتحلَّون بمنتهى الإخلاص والوفاء والتساند والتفاني، وهم مهما كانوا قلةً، إلا أنهم من حيث المعنى بمثابة جيشٍ قوةً وأهميةً.
أما وظيفتُه الثانية: فإحياءُ الشعائر الإسلامية باسم الخلافة المحمدية، وإنقاذُ البشرية من المهالك المادية والمعنوية والغضبِ الإلٰهي، استنادًا إلى وَحدة العالَم الإسلامي.
ويَلزم لهذه الوظيفة جيوشٌ بملايين الأفراد، هم نقطةُ استنادِ هذه الوظيفة وخَدَمُها.
وأما وظيفتُه الثالثة: فهي إجراءُ الأحكام القرآنية، وإقامةُ قوانين الشريعة المحمدية، بعد التخريب الذي لحِقَ كثيرًا منها، والتعطيلِ الذي أصابها، بفعل الانقلابات والتحولات الزمانية.
وسيَسعى السيدُ المهديُّ للقيام بهذه الوظيفة العظمى بعونٍ معنويٍّ من جميع أهل الإيمان، وبمعاونةِ الوحدة الإسلامية، وباشتراك جميع العلماء والأولياء، لا سيما ملايين السادة والأشراف من نسل آل البيت أربابِ التضحية والفداء، الموجودين بقوةٍ وكثرةٍ في كل عصر.
ولما كانت هذه هي حقيقةَ الأمر، كانت أُولى وظائف السيد المهدي وأعلى مسالكه یی أعني وظيفةَ إنقاذِ الإيمان، وتَلقينِه للعموم بصورةٍ تحقيقية، وجعلِه تحقيقيًّا حتى لدى العوام یی هي المعبِّرَ الصريحَ عن معنى "الهادي" و"المرشد" معنًى وحقيقةً؛ ولما كان طلابُ النور يَرَون هذه الوظيفةَ متحققةً بتمامها في رسائل النور، وكانت الوظيفتان الأُخْرَيان بالنسبةِ إليها في الدرجة الثانية والثالثة، كانوا مُحقِّين في اعتبارهم الشخصَ المعنويَّ لرسائل النور نوعَ "مَهديٍّ"؛ وربما أطلقوا هذا الاسم أيضًا على
— 337 —
تَرجُمانها المسكين، لظَنِّهم أنه هو ممثلُ شخصها المعنوي، وما ممثلُ شخصها المعنويِّ إلا شخصٌ معنويٌّ ناشئٌ عن تساند طلاب النور.
وبالرغم من أن هذا التباسٌ وسهو، إلا أنهم ليسوا مسؤولين عنه، لأن حُسْنَ الظن الزائدَ أمرٌ ما زال جاريًا منذ القديم لا يُعترَض عليه، وأنا كذلك أعُدُّه من إخواني نوعَ دعاءٍ وأُمنيةً، وأراه مترشِّحًا من كمالِ اعتقادِ طلابِ النور فلا أعترض عليهم كثيرًا.
وبهذا التحقيق يتبيَّن تأويلُ ما ثبت كشفًا لدى بعض الأولياء السابقين، إذ شاهدوا في كراماتهم الغيبية أن رسائل النور هي مَهديُّ آخر الزمان.
إذًا ثمة التباسٌ في نقطتَين يستلزم التأويل:
الأولى: أن الوظيفتَين الأُخرَيَين وإن لم تكونا في درجة الوظيفة الأولى من حيث الحقيقة، إلا أنهما تبدوان أوسعَ منها بألف درجةٍ في نظر الجميع، لا سيما العوام وأهل السياسة، ولا سيما في أفكار هذا العصر، وذلك بالنظر إلى بَسط السلطنة الإسلامية حُكمَها على وجه الأرض بجيوش الخلافة المحمدية والاتحاد الإسلامي؛ فمتى أُطلِق هذا الاسم یی أي المهدي یی على شخصٍ، تبادرت إلى الذهن هاتان الوظيفتان، وأَوحتِ التسميةُ بمعنى السياسة، وربما أَوردت إلى الذهن معنى ترويج الذات، ودَلَّت على رغبةٍ في الصِّيت والجاه، وحُبِّ المقام وحُبِّ الشهرة، وهذا أمرٌ ما زال يَحصُل منذ القديم مع كثيرٍ من البسطاء ومفتوني المقامات، إذ يدعي كلُّ واحدٍ منهم أنه سيكون المهدي.
صحيحٌ أنه ظَهَر ويَظهر في كلِّ عصرٍ هُداةٌ مَهديّون ومجدِّدون، إلا أنه لم يؤدِّ أحدٌ منهم تلك الوظائف الثلاث جميعَها، وإنما أدى كلُّ واحدٍ منهم وظيفةً واحدةً منها بجهةٍ ما، ولهذا لم يوصَف أحدٌ منهم بالمهديِّ الأكبر الذي يظهر في آخر الزمان.
ثم إن لجنة الخبراء في محكمة "دَنِزْلي" قالوا عني بناءً على اعتقادِ بعض طلاب النور: إنه لو ادعى المَهْدَويةَ لقَبِلَها جميعُ طلابه.
— 338 —
فقلتُ لهم: لا يمكنني معرفةُ ما إذا كنتُ سيدًا، إذِ الأنساب لا تُعرَف في هذا الزمان، والحالُ أن ذلك الشخص الجليل الذي سيَظهر في آخر الزمان سيكون من آل البيت؛ صحيحٌ أنني بمثابة ابنٍ معنويٍّ لسيدنا عليٍّ رضي الله عنه، إذْ قد تَلقَّيتُ منه درسَ الحقيقة معنًى، وأن مفهوم "آل محمد" يَشمل في معنًى من معانيه طلابَ النور الحقيقيين، وبذلك يمكن أن أُعَدَّ من آل البيت، إلا أن هذا الزمانَ زمانُ الشخص المعنوي، وليس في مسلك النور مجالٌ بأيِّ جهةٍ لرغبات الأنانية أو الشخصنة أو المقامات الشخصية أو كَسْبِ الشُّهرة والجاه، بل هو مخالفٌ لسرِّ الإخلاص تمامًا، ولهذا فإنني أحمد الله حمدًا لا حدَّ له أنْ وقاني الإعجابَ بنفسي، فلستُ أتطلع إلى مثل تلك المقامات الشخصية التي تَفوق حدِّي درجاتٍ كثيرةً لا تُحَد، بل أعلم من نفسي أني إنْ أوتيتُ مقاماتٍ أخروية فإني مضطرٌّ لتركها لكيلا أُخِلَّ بالإخلاص الذي في النور.
قلتُ هذا للجنة الخبراء فسكتتْ.
٭٭٭
— 339 —
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
أولًا: مع التهاني بالعيد المبارك لعموم النُّوريين، ولمن في الحج الأكبر من تلاميذ النور وأنصار النور، يَزُفُّ إلينا هذا العيدُ بشرى ببوادر عيدٍ أكبر للعالَم الإسلامي، يتحقق باتحاد العالَمَين العربي والإسلامي في هيئةِ دولةٍ إسلاميةٍ تضم البلادَ المسلمةَ الكبرى التي رزحت طويلًا تحت الاحتلال وفقدت استقلالها، منها الهند ذات المئة مليون نَسَمة، ومنها جاوة التي فيها ما ينوف على خمسين مليون نَسَمة، ومنها الولايات العربية المتحدة بأقاليمها الأربعة أو الخمسة.
ثانيًا: زَفَّ إلينا السيد "رأفت" و"مصطفى أُورُوچ" خبرًا سارًّا بخصوص المبنى المَهيب الذي كان مقرَّ وزارة الحربية والقيادةِ العامة للجيش، والذي أدار الجيوشَ الإسلاميةَ أزمانًا طويلة، وكان مكتوبًا على واجهته الآياتُ القرآنية البليغة بالخط القرآني البديع:
إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا
ثم حُوِّل إلى جامعة، وغُطِّيتْ واجهتُه بالرُّخام، وحُجِبت تلك الأنوار.. فقد كَتَبا إلينا يُخبِرانِنا أن الرُّخام قد أُزيل، وهذا نموذجٌ للسماح بعودة الخط القرآني من جديد، ووسيلةٌ للمقصَد الذي ترمي إليه رسائل النور، وإشارةٌ إلى أن الجامعات ستكون مدارس نورية.
وعلى صعيدٍ آخر، فقد اقتبس "أحمد" یی أحد النُّوريين بی"دَنِزْلي" یی فقرةً من كتاب "بِسْمارك" العالمِ العبقري الشهير، وأبرزِ الفلاسفة الاجتماعيين في القرن التاسع عشر، يقول فيها: "لقد تأملتُ في القرآن بكل جوانبه، فرأيتُ في كلِّ كلمةٍ منه حكمةً جليلة، إنه كتابٌ لا مثيل له، ولا يمكن أن يوجد كتابٌ مثلُه يدير البشرية".
وفي موضعٍ آخَرَ ذَيَّلَه بتوقيعه يقول مخاطبًا النبيَّ (ص): "يا محمد.. يَحُزُّ في نفسي أنني لم أكن في زمانك، إن البشرية لم تَرَ قوةً متميزةً مثلَك سوى مرةٍ واحدة، ولن ترى بعدَها مثلَها، وإنني لهذا أنحني بين يديك بكل إجلال".
— 340 —
وَرَدَ في نفس الفقرة عباراتٌ فيها انتقاصٌ شديدٌ للكتب المنزَّلة المنسوخة المحرَّفة، فلا ينبغي أن تُكتَب، وقد أشرتُ إليها.
إن ثمة علاماتٍ تدعو للتفاؤل، منها كونُ هذا الرجلُ واحدًا من أكبر وأذكى فلاسفة القرن التاسع عشر، وأحدَ أهمِّ الشخصيات السياسية والاجتماعية في ذلك القرن؛ ومنها حصولُ العالَم الإسلامي على استقلاله بدرجةٍ ما؛ ومنها طلبُ الحكومات الأجنبية للحقائق القرآنية؛ ومنها وجودُ تيارٍ كبيرٍ في الغرب وفي الشَّمال الغربي يؤيد القرآن الكريم؛ ومنها القرارُ الذي صرَّح به المستر "كارليل" یی وهو أحد أشهر وأرفع فلاسفة أمريكا یی إذْ قال كما قال "بِسْمارك": "لا يمكن لأي كتابٍ أن يبلغ شأوَ القرآن بأيَّةِ جهة؛ إنه القول الحق، وعلينا الإصغاءُ إليه"؛ (حاشية): إن تفسير "إشارات الإعجاز" من رسائل النور قد أشار قبل ثلاثين عامًا إلى هذا الحكم القيِّم المنصِف. ومنها فتوحاتُ الأنوار وازدهارُها في كل جهة؛ وإن هذا الفأل الحسن يدفعنا للقول بأنه سيَظهر بين الأجانب كثيرٌ من أمثال "بِسْمارك" و"كارليل"، وثمة أماراتٌ على ذلك.
نقدِّم هذا هديةَ عيدٍ للنُّوريين، ونُرفِق مع الرسالة فقرةَ "بِسْمارك".
وصلتْني رسالةٌ كتبها فتًى صغيرٌ هو ابن الحلاق "علي عثمان" أحدِ أبطال "إينه بولو"، فلما طالعتُها مكتوبةً بخطه الجميل خطر بالبال ثلاثة حلاقين جميعُهم من أبطال النور الأعزاء، هم "برهان" و"حفظي" و"علي عثمان"، وهم موزَّعون في ثلاثة مراكز نوريةٍ مهمة، وقد سرَّني تشابههم في أسلوب خدماتهم الجليلة للنور، وفي تنشئتهم أبناءَهم على الأنوار، أسأل الله تعالى أن يجعلهم وأبناءَهم وأهلَ بيتهم من سعداء الدنيا والآخرة، آمين.
سعيد النُّورْسِيّ
٭٭٭
— 341 —
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
أولًا: لئن صدَرَتْ عقوبةٌ بحقِّ ثلاثةٍ من طلاب المدرسة الزهراء، وهي بكلِّ حالٍ عقوبةٌ مخفَّفةٌ مقدارُها سَجن شهر، ولئن واجههم القاضي بحِدةٍ مصطنعةٍ لا موجِب لها ولا معنى، فإنا نبشِّركم بناءً على يقينٍ قاطعٍ وأماراتٍ كثيرةٍ قويةٍ أن الملائكة والروحانيين والأجيال القادمة يقابِلون هؤلاء الطلاب ومعاونيهم ببالغ التقدير والتهنئة والتبريك؛ فضلًا عن أن هؤلاء الطلاب كانوا وسيلةَ نجاةِ كثيرين من عقوبة الحبس الأبدي الممتدِّ ملايين السنين، وهذا يجعل الأذى البسيط الذي لقوه في حكم العدم، بل لعله يَسُرُّهم بكل فخر.
أجل، لقد رأينا كيف نشرتِ الصُّحف في هذه الأيام تصريحًا لرجلٍ يُعَدُّ أحدَ أعظم دهاة العالَم في القرن السابق، وأحدَ أبرز فلاسفته ذوي التدقيق والنظر، وأحدَ أقوى رجال الدولة والحكم، أعني الأمير "بِسْمارك" صاحب الشهرة الواسعة والاعتداد الشديد بالنفس، والذي استخفَّ بجميع الأديان والكتب السابقة رغم مسيحيته، بل تجرَّأ على إنكارها، فقد كتب بخطِّ يده أنه يسجد بين يدي القرآن سجودَ المصدِّق له بكل قوة، وأعلن للعالم أنه لا يملك بإزاء القرآن سوى أن يستسلم له متخليًا عن العِناد والمكابرة والإلحاد.
ورأيْنا كذلك حكومةً رهيبةً في الشَّمال الشرقي تُنكر جميع الأديان، كيف قامت اليوم بإرسال أعدادٍ غفيرةٍ من مواطنيها المسلمين إلى الحج بدعمٍ رسمي، وقدَّمتْ نفسَها للعالَم الإسلامي في صورة مَن تخلى عن الإلحاد والعداوة والعِناد، وعَجَز عن مجابهة القرآن فاستسلم لعَظَمته وأذعن له، فكأنها تقول: إنني أعرف قدرَ القرآن أكثر مما يعرفه القوم هنا، وقد تفوقتُ عليهم في هذه المسألة، فليس بمقدورهم أن يرسلوا حُجَّاجًا بقدر ما أَرسلتُ؛ وهذا ما دفع القومَ هنا إلى السماح التام بالحج مع استثمار ذلك في دعايةٍ سياسية.
رأينا هذا، ورأينا في المقابل طلابَ النور في المدرسة الزهراء لمَّا نشروا حقائقَ القرآنِ المعجِزِ البيان، واجتهدوا في خدمة هذا الكتاب ذي العَظَمة والشأن، ونشروا بأقلامهم معجزاتِه عبر رسائل بديعةٍ كی"عصا موسى" و"ذي الفَقار"، فأرغموا أعتى
— 342 —
الملحدين على التصديق والاستسلام، قام أهل الضلال يشنون عليهم الهجمات!! فلا جَرَم أن هذا لن يُبكي أهلَ الحقيقة وحدَهم، بل يُبكي الملائكةَ والروحانيين، ويُغضِب الأرضَ والسماء.
ثم بما أنه قد أُعيدت الألْفُ نسخةٍ من "الآية الكبرى" المطبوعة بالحرف العربي، وأُعيدت معها جميعُ الرسائل المصادَرة، مشفوعةً بحكم البراءة بعد سنتين من الفحص والتدقيق، فلا ريب أن ملاحقةَ مَن أعاد طبعَها ثانيةً بالحرف العربي، وتجريمَه وإنزالَ العقاب به أمرٌ يَمَسُّ القضاء ويطعن في شرفه ونزاهته.
ثانيًا: كاتبي الخصوصيُّ غير موجودٍ حاليًّا، وغيرُه من الكُتَّاب لا يَفهمون جيدًا ما أقول، وأنا فضلًا عن هذا مريضٌ ولا أستطيع الكتابة إلا بصعوبةٍ وبطء، والحالُ أنه قد وصلتْني منذ البارحةَ قرابةُ عشرين رسالة، فيها أسماءُ كثيرٍ من إخواننا وأخواتنا، فنهنئهم جميعًا بالعيد، ونرحِّب من صميم قلوبنا بكلِّ مَن يريد أن يكون من طلاب النور، ونقول لكلِّ مَن دَلُّوهم على هذا السبيل وعرَّفوهم عليه: جزاكم الله خيرًا، وبلَّغَكم مرادَكم ومأمولَكم.
ثالثًا: وصلَنا في هذه الآونة من الأخبار الطيبة ما سَرَّنا وسَرَّ جميعَ دائرة النور، ونحن نَعُدُّها هديةً معنويةً كبيرةً بمناسبة هذا العيد؛ فمن هذه الأخبار: الرسالةُ الجميلة التي بعث بها مِرسالُ النور "صبري"، وهي جديرةٌ بأن تُدرَج في "المَلاحق"؛ والخدماتُ القدسية التي يقوم بها "علي عثمان" و"عليٌّ القفَّال" في نشر الأنوار؛ والنشاطُ المؤثِّر الذي يقوم به "إبراهيم أدهم" في "باليكَسير" وما حولَها، وقد دخل كثيرون في دائرة النور بإرشاده؛ ونشاطُ "أحمد فؤاد" في "أفلاني" وما حولَها، وفاعليتُه وصِلتُه الوثيقةُ بالأنوار على غِرار "حسن فيضي"؛ وجهودُ "صبري القونوي" في دعوة كثيرٍ من الطلبة الشباب إلى دائرة النور؛ وتقديرُ علماء "قونية" للأنوار وصِلَتُهم بها صلةَ قَبولٍ وتصديق، وفي مقدمتهم العالِم المفسِّر "وهبي أفندي"؛ والعلاقةُ الخالصةُ الوثيقةُ التي تربط المعلم "عبد الرحمن إحسان" بالأنوار كما عبَّر عنها في رسالته الوُدية الصادقة
— 343 —
الصريحة؛ ودخولُ ثلاث شخصياتٍ جادةٍ صادقةٍ في دائرة النور وتَلْمذتُهم لها كما جاء في رسالة الواعظِ "عثمان" في "طاوشانْلي"؛ وتنشئةُ كثيرٍ من الفِتْية على رسائل النور في قرى "أغيردِر" كما أكد "علي عثمان" و"خليل إبراهيم"؛ والرسالةُ التي بعث بها "عبد الله" من "أراچ"، وهو شابٌّ ينهض بخدمةٍ جليلةٍ للنور في جامعة أنقرة، وكان من أوائل مَن دخلوا الأنوارَ من طلاب الثانوية في "قَسْطَموني"، وكانت له جهودٌ في حفظ وحماية "وَحْدَت بن عبد الرحمن" بأنقرة، وقد كتب في رسالته المبشِّرةِ المترَعةِ دينًا وإيمانًا أن كمية رسائل النور التي بحوزتهم لا تكفي، لكثرة القراء لديهم، وأنه يعمل مع صديقه "محمد القونوي" على نشر الأنوار بين الشباب؛ وكذا الرسالةُ الجميلة الصادقة التي بعث بها "علي آق داغ" ذو العلاقة الوثيقة بالأنوار، وهو في "آيدِن" ونواحيها بمثابة "أحمد فيضي" إن شاء الله، وقد أورد في رسالته جملةً تَسُرُّ البال والخاطر من الأدعية والتوصيفات والمشاعر تجاه النور؛ بارك الله بهم جميعًا ورضي عنهم، وليعذروني لعدم قدرتي على كتابة رسالةٍ خصوصيةٍ لكلِّ واحدٍ منهم.
وصلتْني الرسالة التي كتبها "خسرو" بخصوص لائحة التمييز، وقد قبلتُها كما هي دون إجراء أي تعديل، فيمكنكم إرسال نسختها الأصلية لديكم إلى محكمة التمييز، وأدرِجوا نسخةً منها في "المَلاحق" قبل الإرسال.
وفقًا للرسالة التي وصلتْني مؤخرًا فإنكم تعرفون ثمن "مرشد الشباب" أفضل مني، فلا يكن أقلَّ من ليرةٍ أو ليرةٍ ونصف.
نهنئ "خسرو" على شروعه في نَسخ "الكلمة الرابعة"، ونسأل الله تعالى له التوفيق؛ آمين.
وَصَلتْنا التهاني بالعيد من بطل "صَفْرَن بولو": "حفظي" الحلاق وابنَيه النوريَّين "حسني" و"يلماز"، ومن أبطال "إينه بولو": "علي عثمان" وابنَيه النوريَّين، لهم جميعًا منا عاطرُ السلام، وندعو لهم بالتوفيق.
٭٭٭
— 344 —
أخي العزيزَ الوفيَّ "رأفت بك"..
أولًا: أُخطِر إلى روحي بشدةٍ أن أبين لك حقيقةً بمناسبة وقوع حوادثَ جزئيةٍ لها صلةٌ بنا، وهي أن طلابَ النور الخواصَّ من أمثالك يَعلمون بلا شكٍّ أن رسائل النور لا يمكن أن تكون أداةً لشيء، ولا يمكن أن تكون وسيلةً لمقصَدٍ سوى مرضاة الله تعالى، وأن وظيفتَها أولًا وقبل كلِّ شيءٍ تعليمُ حقائق الإيمان صريحةً مباشرةً، وإنقاذُ إيمان الضعفاء والمساكين والواقعين في الشبهات.
ثانيًا: إن أعظم قوةٍ تتمتع بها رسائل النور في مواجهة جميع معارضيها هي الإخلاص، ولهذا فكما أنها ليست أداةً لأيِّ أمرٍ من أمور الدنيا، فإنها كذلك لا ترتبط بالتيارات المَبنيَّة على الولاءات الحزبية أو مشاعر التحزُّب، خصوصًا التيارات التي لها صلةٌ بالسياسة؛ لأن نزعة التحزُّب تُفسِد الإخلاص وتُبدِّل الحقائق.
حتى إن سبب تَركي السياسةَ قبل ثلاثين سنة هو أن عالِمًا مباركًا غَلَبَتْ عليه نزعةُ التحزُّب للتيار الذي يَتَّبعه، لدرجةِ أنه انتقص عالِمًا صالحًا جليلًا انتقاصًا يصل لدرجة التفسيق، لمجرد مخالفتِه فكرَه، بينما مَدَح وأثنى غايةَ الثناء على منافقٍ مشهورٍ مُعْتدٍ لأنه يوافق فكرَه وتيارَه، فراعَني هذا الموقف، ونَفَرْتُ منه من أعماق روحي؛ أي إن نزعة التحزُّب والموالاة متى ما داخَلتْها السياسةُ سبَّبتْ مثل هذه الأخطاء الفادحة، فقلتُ: أعوذ بالله من الشيطان والسياسة، وتركتُ السياسة من حينها.
ونتيجةً لحالي هذه فإنك تعلم یی كما يعلم إخواني أمثالُك یی أنني لم أقرأ صحيفةً منذ خمسٍ وعشرين سنة، ولا استمعتُ إلى أحدٍ يقرؤها، ولا اهتممتُ بما فيها أصلًا، ولم أتابع الحرب العالمية الثانية طَوالَ عشر سنين، وما عَلِمتُ شيئًا عنها، ولا اهتممتُ بأمرها؛ كما تعلم أنني خلال الثِّنتَين والعشرين سنةً من أَسري المشحون بالعسف والأذى لم أراجع الجهات الرسمية فيما يتعلق بنَيل حقي في الراحة والاستقرار، باستثناء ما أَدليتُ به من مدافعاتٍ قضائية، وما ذاك إلا تحاشيًا للحزبية والسياسة، وصَونًا للإخلاص الذي في الأنوار أن يصيبَه ضرر.
— 345 —
وتعلمون ما قلتُ حين كنتُ في السجن یی وقد كتبتُ إليكم في ذلك یی فقد قلت: أُشهِدكم أن الذين حكموا بإعدامي، وأذاقوني صنوف الأذى، إنْ هم أنقذوا برسائل النور إيمانَهم، فإني مُسامحٌ لهم.
وتعلمون أننا لم نتواصل مع أيٍّ من التيارات التي وَفَدت من الخارج أو جاءت من الداخل منذ سنتين أو ثلاث، وقد حذَّرتُ إخواني من ذلك بدرجةٍ ما، لئلا يتضرر الإخلاص بنزعة التحزُّب.
ثالثًا: تعلمون أيضًا أنني مثلما لا أقبل الصدقات والمعونات، كذلك لا يمكن أن أكون وسيلةً لها، ولهذا أبيع ألبستي وحاجياتي الضرورية، وأشتري بثمنها كتبي من إخواني الذين استنسخوها، لكيلا تَدخلَ مصالحُ الدنيا في إخلاصِ رسائل النور فتَضُرَّها، ولِيعتبرَ من ذلك باقي الإخوة فلا تُتَّخذَ الرسائل أداةً لشيء.
رابعًا: إن النور كافٍ لتلاميذ النور الحقيقيين، فليَقْنعوا به، ولا يتطلعوا إلى شرفٍ آخَر أو إلى مصالح ماديةٍ أو معنوية.
ثم إن اللازمَ اجتنابُ الجدالِ والنزاع، وتركُ الخوض في المسائل الدينية بنقاشٍ متحيِّزٍ يثير الحفيظة ويوغِر الصدر، لكيلا يَظهر أصحابُ ضغينةٍ يعادون النور؛ ولقد حصل ذات مرةٍ أن وَرَدَ إلى قلبي غضبٌ عارمٌ واستياءٌ شديدٌ تجاه أخينا "مصطفى أُوروچ"، حتى لقد قامت لديَّ رغبةٌ بإقصائه عن المقام الرفيع الذي حازه في النور، وأَسِفتُ لذلك قلبًا وقلت: لقد كان هذا الرجل عندي بمثابة "عبد الرحمن"، فلماذا غضبتُ منه كلَّ هذا الغضب؟!
ثم تبيَّن أني حين تغيَّر قلبي تجاهه بحِسٍّ قبل الوقوع، كان قد دخل في نقاشٍ مع أحد الأشخاص على نحوٍ يخالف مسلك رسائل النور!!
ثم جاءني في العيد، وكان قد تعلَّم درسًا بالغَ الأهمية، ووعى الخطأ الكبيرَ الذي ارتكبه، وأقرَّ بأنه وقع منه في نفس اللحظة التي انتابني فيها ذلك الغضب، فكان هذا كفارةً له عن خَطئه، فخَلَصَ منه طاهرًا نقيًّا بإذن الله، والحمد لله على ذلك.
— 346 —
خامسًا: كان ثمة رجلٌ فاضلٌ دأبَ على إرسال صحيفةٍ إلى هنا منذ نحو خمسة أشهر، لكني لم أعلم بأمرها إلا مؤخرًا، فقد كان أصحابي هنا يعرفون عادتي، ويعرفون أنني لا أقبل كتابًا ولا مجلةً یی فضلًا عن الصُّحُف یی باستثناء النور، كما أنني لا أعرف حرفًا من الكتابة اللاتينية المستحدَثة، ولهذا تخوَّفوا فلم يبلغوني بها ولم يُطلعوني عليها.
وقد أطلعني أحدُهم اليومَ على رسالةٍ من هذا الصحفيِّ الصديق الذي انعقدتْ بيننا وبينه أواصرُ الصداقة أيامَ كنا في إسطنبول، وتتضمن رسالتُه صفحةً يتحدث فيها إليّ، فقال لي أصحابي: إنه كان يرسل إليك صحيفةً منذ وقتٍ طويل، لكننا تهيَّبْنا فلم نخبرك؛ فقلت لهم: بلِّغوه سلامي الحار، وأخبروه أن "سعيدًا القديم" الذي تعرفه قد تغير، وأنه قطع علاقته بالدنيا، وأعلِموه أنني مريضٌ ولا أستطيع أن أكتب رسالةً شخصيةً ولو لأخي الشقيق، فلا يَسُؤْه ذلك.
نبلغ سلامنا لعموم أصدقائنا هناك، خصوصًا إخوانَنا من أمثال الحافظ "أمين" والحافظ "فخر الدين"، ونهنئهم مجددًا بالعيد المبارك.
٭٭٭
أخونا "أحمد فيضي" محامي رسائل النور، والذي هو في "آيدِن" وما حولَها بمثابة "حسن فيضي وخسرو"، يعمل منذ ثلاث سنواتٍ على إثبات أن ما تضمَّنتْه "سِكَّة التصديق الغيبي" من مئاتِ الإشاراتِ المُصدِّقةِ لرسائل النور، مؤيَّدٌ ببرهانٍ قطعيٍّ من آياتٍ وأحاديثَ تُوافق تلك الإشارات معنًى وجِفرًا، وتُثبت وجود الشخص المعنويِّ لرسائل النور إثباتًا قويًّا؛ ثم هو يورِد بعضَ الإشارات الحديثية التي تشير إلى الشخص المعنويِّ لطلاب النور، فيوجِّهها إلى تَرجُمان النور.
والحقيقة أنه إن عُدَّ التَّرجُمانُ مؤلِّفًا بدرجةٍ ما، أمكن أن يُعَدَّ نوعَ ممثِّلٍ لذلك الشخص المعنوي، وإلا فليس من حدِّي ولا من حقي أن أكون محلَّ تلك الإشارات
— 347 —
القدسية؛ وعلى أية حالٍ فإني لم أستطع التدقيق فيما كتبه أخونا اللَّمَّاح من بحثٍ في ثلاث سنين ونصف، فإنْ ساعَدَ على ذلك وقتي ووضعي الصحيُّ فسأراجعه وأرسله إليكم بعد التدقيق والتعديل، لتُدرِجوه حجةً لحَقَّانية رسائل النور في مجموعة "اللمعات"، أو تُلحقوه بمجموعة "الأسرار القرآنية".
وقد أرسَلَ إلينا أخونا المذكور محامي النور بعضًا من التين هديةً، فأرسِلوا إليه بالمقابل نسخةً من "السِّكة الغيبية" لئلا أتأذى من التين، فقد تحقَّق لديَّ مؤخَّرًا بشكلٍ قطعيٍّ وبتجاربَ كثيرةٍ أن الهدية التي لا أكافِئ عليها صاحبَها تُمرِضني.
وتلقَّينا كذلك رسائلَ خالصةً صادقةً بعثَتْ بها زوجتُه المباركة وأمُّه الفاضلة وابناه "سعيد" و"نوري"، فندعو لهما ولولدَيهما، ونَقبل هذين الولدَين من صميمِ قلوبنا وأرواحنا طلابًا في دائرة النوريين الصِّغار، أَخْدَمَتْهُما الأنوارَ زوجةُ بطلِ نورٍ فاضلةٌ متدينةٌ نوريةٌ صاحبةُ حقيقة.
نسلِّم على "محمد أمين" و"علي آق داغ" و"أحمد فيضي" وعلى سائر إخواننا وندعو لهم.
٭٭٭
باسمه سبحانه
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
أُرسِل إليكم المبلغ التالي ثمنًا لمجموعة "اللمعات".. مئةُ ليرةٍ مباركة هي ثَمَن ما بعتُ من ثيابي وحاجاتي غيرِ الضرورية، إضافةً إلى ما تبقى من راتبي الذي تلقَّيتُه في دار الحكمة وكنت أنوي به الذهابَ إلى الحج، إضافةً إلى عشر ليراتٍ مباركةٍ هي ما تبقى من مخصصاتٍ لي خلال اثنتين وعشرين سنة، أُرسِلها إليكم لأن عليها صورة.
٭٭٭
— 348 —
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
حمدًا لله بلا حدٍّ على القَبول الذي نالتْه رسائلُ النور في الحرمين الشريفين، وإحدى علامات هذا القَبول أن مَجاميع "عصا موسى" و"ذي الفَقار" و"سراج النور" التي كانت مُعَدَّةً للإرسال إلى علماء الهند، استلمها الحافظ "مصطفى" بطلُ "دَنِزْلي" من إسطنبول واصطحبها في رحلة الحج، فأقرأها في الطريق بعضَ الحجاج، فلما بلغ المدينةَ المنورةَ سلَّمها لعالِمٍ شهيرٍ من أبناء "كشمير" يجيد اللغة التركية، فتلقاها بتقديرٍ بالغ، وأكد له أنه سيرسلها إلى مركز علماء الهند؛ كما أن النُّسَخ الأخرى المخصَّصة للمدينة المنورة ولغيرها من الأماكن قد وصلت إلى محلها المطلوب.
وقد حَمَل إلينا هذه الأخبارَ المبشِّرةَ اثنان من النوريين الشباب من أبناء "أفيون"، كانا صَحِبا الحافظ "مصطفى"، فكانوا يَقرؤون الأنوار في الطريق، كما أخبرَنا بذلك حُجَّاجٌ آخرون، وبشَّروا بقَبول رسائل النور وانتشارِها المهمِّ خارجَ البلاد.
أما المَجاميع الثلاثةُ التي كان مُزمَعًا إرسالُها إلى الجامع الأزهر فأُرسِلَ منها اثنان وبقي هنا مجموعُ "ذي الفَقار" فلم نتمكن من إرساله، وحكمةُ ذلك أن "ذا الفَقار" درسٌ علميٌّ واسع، وليس من المناسب إرساله في صورةِ درسٍ إلى الجامعِ الأزهرِ الذي هو المدرسة الكبرى للعالَم الإسلامي؛ كما أن وباء الكوليرا الذي تفشى هناك مؤخَّرًا سيَصرف الأنظار عن إيلاء هذا الكتاب الاهتمامَ اللائقَ به.
٭٭٭
— 349 —
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
أولًا: نتقدم ببالغ التهنئة والتبريك والدعاء بالخير لأخينا الحافظ "مصطفى" البطلِ النوريِّ المرموقِ الذي أوصل عددًا من مجاميع النور المهمة إلى مكة المكرمة، وسلَّمها إلى العالِم الجليل "أحمد علي شِمشيري" أحدِ كبار علماء بلاد الهند الذي أكَّد له العزمَ على ترجمتها إلى اللغة الهندية وإرسالَها إلى الهند، فلتتواصل المدرسة الزهراء مع هذا العالِم الجليل المقيم بمكة المكرمة، ويمكنكم أن تكتبوا على الرسالة العنوان التالي: أحمد علي شِمشيري، مكة المكرمة، باب السَّلام.
ثانيًا: عَلِمنا من الحادثة التي وقعت مؤخَّرًا أنهم بسبب هواجسهم جعلوا من الحبة قُبةً، بل قِبابًا، وإحدى أماراتِ ذلك أن والي "أفيون" حضر إلى هنا ليلًا بأمرٍ من وزير الداخلية، وبرفقته مديرُ الأمن، وأرادوا دَهْمَ منزلي في الليل، لكنهم اضطروا للانتظار حتى الصباح لعدم وجود إذنٍ من المدعي العام، فكلَّفا اثنين من ألدِّ أعدائنا، فكسرا القفل واقتحموا المنزلَ بغتةً.
ثم إنني حين خرجتُ في نفس اليوم بالعربة، شاهَدْنا (حاشية): نعم، نؤكد یی باسم طلاب النور في أميرداغ یی وقوعَ هذه الحادثة كما ذُكِر؛ الخياط مصطفى، إسماعيل، مصطفى، الخادم نوري، خيري، خليل. خمس مروحياتٍ تُحلِّق على ارتفاعٍ منخفضٍ بنحوٍ لم يسبق له مثيلٌ في هذه المنطقة، ودارت حولنا عدة مراتٍ لعلمهم بالعربة التي أستقلُّها؛ وفي اليوم الثاني وبينما كنا متجهين بالعربة إلى جهةٍ أخرى حيث يوجد جدولُ ماءٍ لا يُرى بسهولة، إذا بخمس مروحياتٍ تُحلِّق على ارتفاعٍ منخفض، وجعلت تدور كأنها تبحث عن شيءٍ ما، ففهمنا أنهم يقصدوننا.
فما فعلوه في ذَينِك اليومين من تحليقِ خمسِ مروحياتٍ فوقَنا على أطراف البلدة، ثم ذهابِها حين دخلنا بيتَنا، إنما هي أمارةٌ قويةٌ على تهويلهم الأمور وجَعْلهم الحبة مئةَ قبة.
— 350 —
وبما أن الأمر كذلك، فلكم أن تبلِّغوا الجهاتِ الإداريةَ والقضائيةَ بی"إسبارطة" شكري وامتناني لها، ومسامحتي إياها على الأذى الذي ألحقتْه بي، فإنه لا يبلغ واحدًا بالعشرة من الأذى الذي أصابني وأصاب أبطالَ المدرسة الزهراء هنا طَوالَ ثلاث سنين نتيجةَ هواجس تافهة!!
ثالثًا: تأملتُ فيما تنطوي عليه هذه المصيبةُ من عدالةِ القدَر وفيضِ العناية الإلٰهية كما هي الحال في سائر المصائب، فوجدتُ أن وراءَها حكمة، وهي رَبْطُ ولاية "كوتاهية" ورجالِ الحكومة والقضاء فيها برسائل النور، كما ارتبطتْ بها "دَنِزْلي" و"قَسْطَموني"، فإن هذه الولاية برغم قربها من دائرة النور إلا أنها ما زالت متخلفةً عنها بدرجةٍ ما مقارنةً بسائر الولايات.. نعم؛ وبرغم مناوأةِ إدارةِ هذه الولاية لنا فكرًا ووظيفةً، فقد أُرسِلتْ إليها رسائلُ النور لتستفيد منها بجهةِ الإيمان أعظمَ فائدةٍ قلبًا وروحًا، ولتُكسِبَ النوريين الأجرَ والثواب.
كما وجدتُ هذه المصيبةَ لطمةَ رأفةٍ تَلقَّيتُها من القدَر الإلٰهي، فقد سبق أن قلت: إني وإنْ رُفِع عني الحظر فلن أُغادر "أميرداغ"، إذْ قد وجدتُ بها اليوم واليًا منصِفًا؛ قلتُ هذا اطمئنانًا إلى كون وزير الداخلية من أبناء "أرضروم" ومن أبناء منطقتنا، ولكون والي "أفيون" من "أنطالية" ولم ألْقَ منه إساءةً، فوجَّه إليَّ القدَرُ الإلٰهيُّ لطمةً بأيدي هذين الرجلَين جزاءً على شيءٍ من فرحي وعدم احتياطي، وقد عَدَلَ القدَر.
٭٭٭
— 351 —
كَتَبَ والي "أفيون" ومديرُ أمنِها والهيئةُ هنا، كَتَبوا إلى أنقرة بخصوص قضيتنا قائلين: ليس لدى سعيدٍ النُّورسيِّ شيءٌ من قبيل الجمعية أو التنظيم أو الطريقة الصوفية، لكنْ له مئتا ألفِ أخٍ نوريٍّ يَفْدونه بأنفسهم بكلمةٍ منه.
وبهذا أثاروا من جديدٍ هواجسَ الحكومةِ ومخاوفَها بجهةٍ ما، لكن هذا يعود على النور والنوريين بالفائدة، وربما عاد على شخصي بضررٍ ما؛ فإحدى جهات الفائدة أنه عبَّرَ عن حقيقةٍ متينةٍ راسخةٍ لا تتزعزع برغم هذه الظروف الصعبة، وبيَّنَ أن هذه الحقيقة التي يَفْديها مئتا ألفِ تركيٍّ بأرواحهم، لها طلابٌ وراغبون يَنشُدونَها؛ وفي هذه النقطة بالذات يتقوي إيمانُ ضِعافِ الإيمان، ويخشاهم أهلُ السياسة وفاقدو الإيمان، فلا يبادرون إلى التعرُّض لهم.
أما الضرر الذي قد يعود عليَّ یی وكفى بالله حافظًا یی فمن المحتمل أن يسعى القوم للحَطِّ مني بتلفيقِ أكاذيبَ وافتراءاتٍ لا تَخطر ببال الشيطان، بغيةَ الطعن فيَّ وتنفير إخواني عني وضربِ الأُخوَّة بيننا.
يَطلب منا "يوسف ضياء" العضوُ في لجنة الخبراء والمستشارُ في رئاسة الشؤون الدينية، يَطلب منا هو والعلماء هناك مجموعةً كاملةً من رسائل النور، وقد حمَّلوا "حسن چالِشْقان" الذي أرسلناه إليهم رسالةً جوابيةً تفيض احترامًا في صورةِ رجاء، يطلبون فيها أجزاءَ مثل "الكلمة الثلاثين" المتعلقة بالذَّرَّات، ومبحثِ الذَّرَّة في أول الموقف الأول من "الكلمة الثانية والثلاثين"، و"نُكتة هو"، ومبحثِ الذَّرَّة في "رسالة الطبيعة"؛ فكأنهم يريدون معرفة معنى: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ، إذْ يمكن بهذه الأجزاء فهمُ معناها وإسكاتُ الماديين الذين شرعوا بالإفساد بحريةٍ في هذه الآونة.
سعيد النُّورْسِيّ
٭٭٭
— 352 —

أُبيِّن فيما يلي إفادتي ليطَّلع عليها وزيرُ الداخلية والشخصُ المعنويُّ للجهات القضائية؛ وقد كانوا مُلزَمين قانونًا أن يتلقَّوها مني لكنهم لم يفعلوا

يجب عليكم ويَلزمكم بحكم وظيفتكم أن تُصغوا ساعةً إلى رجلٍ قدَّم للوطن والشعب في هذه الأربعين سنةً النفعَ الكثير، ولم يتسبَّب لهما بأيِّ ضرر، فمن ذلك أنه حين اندلعت اضطراباتُ الحادي والثلاثين من مارت، أَخمدَ بخطبةٍ واحدةٍ تمرُّدَ ثماني كتائب عسكرية، فردَّها إلى الطاعة والنظام، وأنقذ حياةَ كثيرٍ من الضباط؛ وحين انطلقتْ حركة المقاومة الوطنية، أنقذ برسالته "الخطواتُ السِّتُّ" العلماءَ وشيخَ الإسلام من موالاة الأجنبي الذي كان يحتل إسطنبول؛ وحين قامت الحرب العالمية الأولى، قدَّم فيها خدماتٍ وتضحياتٍ نالت بالغَ التقدير والاستحسان من المرحوم "أنور باشا".
ثم هو رجلٌ لم يجرؤ ثلاثةُ قادةٍ متجبِّرين على المِساس به رغم موقفهم المشحونِ غضبًا تجاهه؛ وهُزِمَتْ ثلاثُ محاكم بين يدي الحقيقة التي يَتَّبعها، فلم تجرؤ على إدانته رغم أن القوانين تضعه موضعَ المسؤولية بمُوجَب افتراءات الزنادقة العاملين في الخفاء؛ وقد لَقِيتْ مؤلفاتُه ورسائلُه التقديرَ والاستحسانَ بين العلماء وأهلِ العلوم الحديثة، وهو الآن يتحدث إليكم باسم هذه الرسائل.
أبدأ فأقول: إننا أصحابُ حق، ونسأل الله یی وهو الحقُّ سبحانه یی ألَّا نُضطر إلى طلب حقِّنا بالقوة أو بغيرها من الصور.. آمين.
وينبغي أن نكون على يقينٍ من أن العناية الإلٰهية مثلما حَمَتْنا وأنقذتْنا من ظُلمٍ كثيرٍ مروِّعٍ في مئات التجارب في هذه العشرين سنة، فإنها ستنقذنا كذلك من هذا الظلم الجديد الحاقد الذي لا مُسوِّغ ولا قانونيةَ له على الإطلاق؛ فإنْ لَقِينا شيئًا من الشدائد والمشاق والضرر، فإن لنا في الرحمة الإلٰهية رجاءً عظيمًا أن تجعلَ هذه المشاقَّ بمثابة خدمةٍ قدسيةٍ مختلفةِ الطِّراز، تَخدُم إيمانَ كثيرٍ من أهل الإيمان المستضعَفين، وأن تجعلَنا مظهرَ ثوابٍ ورحمةٍ وإحسانٍ إلٰهيٍّ يفوق هذه الشدائد آلافَ الدرجات.
— 353 —
أُبيِّن فيما يلي عدمَ قانونيةِ هذه الحادثة من عشرةِ وجوه:
أولُها: لقد لَبِثَتْ رسائلُ النور سنتين كاملتين قيدَ الفحص والتدقيق، فدقَّقتْها ثلاثُ محاكم وثلاثُ لجان خبراء، وتداولتْها الجهاتُ القضائية بأنقرة وسبعُ جهاتٍ رسميةٍ أخرى، فاتفقتْ جميعُها من غير مخالفٍ على براءةِ جميع الرسائل، وبراءةِ "سعيدٍ" وأصحابه، ولم تَصدُر بحقِّهم أدنى عقوبةٍ ولو سِجنُ يومٍ واحد.
فما أَشْنعه من عملٍ غيرِ قانوني أن يُتعرَّضَ للرسائل من جديد، وتُعامَلَ كما لو أنها منشوراتٌ خطيرة!! يَعلم عدمَ قانونيةِ هذا من له ذرةُ إنصاف.
ثانيها: بعد تبرئة هذا الرجل ظَلَّ في "أميرداغ" ثلاثَ سنين ونصفًا منزويًا غريبًا، يُوصَد بابُه بالقفل من الخارج، ويوصِده هو بالمِزلاج من الداخل، ولا يَستقبل واحدًا بالمئة من الناس إلا لأمرٍ ضروري، وقد تَرَك التأليفَ بعدما واظب عليه عشرين سنة، ثم برغم هذا كلِّه يَدْهَم المفتشون بيتَه لأغراضٍ سياسيةٍ دنيوية، ويَكسِرون قفل بابه، فلا يجدون عنده شيئًا سوى أورادٍ بالعربية، ولوحتَين إيمانيتَين معلَّقتَين عند رأسه، فما أقبحه من إيذاءٍ يخالف القانون!! يدري هذا مَن له ذرَّةُ عقل.
ثالثُها: أرأيتم رجلًا ظلَّ سبعَ سنين لا يعلم شيئًا عن الحرب العالمية الثانية ولا يهتم بها ولا يَسأل عنها، وقد شَهِدَ له بذلك وصدَّقه سبعون شاهدًا في المحكمة، وما زال على هذه الحال منذ عشر سنين؛ ثم هو لم يقرأ صحيفةً منذ عشرين سنةً ولا استمع إلى أحدٍ يقرؤها، وقال قبل ثلاثين سنةً قَولتَه: أعوذ بالله من الشيطان والسياسة، ففَرَّ من السياسة بكل ما أوتي من قوة، ولم يراجع الحكومة ولو مرةً ليرتاح من الأذى وتشديد الخناق الذي يقاسيه منذ اثنتين وعشرين سنة، لكيلا يتدخل في السياسة أو يلفت أنظارَ أهلها.. أمِنَ القانون في شيءٍ أن يُدْهَم منزلُه ومُختلاه كأنه سياسيٌّ خطيرٌ يَحيك المؤامرات، وأن يُساء إليه برغم مرضه؟! إن هذه لَحالٌ يَرثي لها من له ذرَّةُ ضمير.
رابعُها: لقد حرَّضَ مسؤولٌ كبيرٌ جهاتٍ قضائيةً على هذا الرجلِ بدافعٍ من حقدٍ شخصيّ، وكانت ذريعتُه هواجسَ من وجودِ تنظيمٍ سياسيٍّ أو طريقةٍ صوفية، فدَقَّقتْ
— 354 —
محكمةُ "أسكي شَهِر" في القضية ستةَ أشهر، قَضَتْ بعدَها ببراءة الرجل من تُهمتَي التنظيم والطريقة،
(حاشية): إن أساس الأنوار وهدفَها هو الإيمان التحقيقيُّ والحقيقةُ القرآنية؛ ولهذا برَّأتْها ثلاثُ محاكم من تهمة الطريقة؛ على أنه لم يَدَّعِ أحدٌ خلال عشرين عامًا أن "سعيدًا" لَقَّنه الطريقة؛ علمًا بأن المسلك الذي ارتبط به معظمُ أجداد هذا الشعب منذ ألف عامٍ لا يمكن أن يكون سببًا لمسؤوليةٍ أو اتهام، ثم إن المنافقين العاملين في الخفاء يحاربون دين هذه الأمة من خلال تسميتهم الحقيقةَ الإسلاميةَ طريقةً، وإن مَن يواجه هؤلاء المنافقين لا يمكن أن يُتَّهم بالطُّرُقية.
أما قضيةُ التنظيم، فليس بيننا سوى أُخوَّةٍ أخروية نابعةٍ من الأُخوَّة الإسلامية، وإلا فقد قضَتْ ثلاث محاكم بأننا لسنا جمعيةً سياسية.
وقَضَتْ ببراءةِ رسائل النور ذاتِها إلا جزءًا صغيرًا منها هو "رسالةُ الحجاب" التي تذرَّعتْ بها لاعتباراتٍ شخصيةٍ مزاجيةٍ غيرِ قانونية، فحكمتْ بموجَبها بالسجن ستةَ أشهرٍ على خمسةٍ أو عشرةٍ من أصل مئةٍ من طلاب النور، ثم اكتفتْ بسَجنهم شهرًا ونصفًا إذْ كانوا قد قضَوا في التوقيف نحوًا من أربعة أشهر.
ثم بعد مُضيِّ عشرِ سنين أجرَتْ محكمة "دَنِزْلي" تدقيقًا آخَرَ صارمًا دام تسعةَ أشهر، وشَمِل جميع مؤلفاتِ ومراسلاتِ هذا الرجل خلال عشرين سنة، وكانت الذريعةُ من جديدٍ دعوى وجودِ تنظيمٍ سياسيٍّ أو طريقةٍ صوفية، واشتركتْ في التدقيق هذه المرة محكمةُ جناياتِ أنقرة، وبعد التدقيق والنظر أصدرت المحكمتان بالاتفاق قرارَ البراءة من تُهمتَي التنظيم والطريقة وغيرِهما من التُّهم، وقَضَتا بردِّ جميع تلك الكتب والرسائل إلى أصحابها، وحَكَمَتا ببراءة "سعيدٍ" وأصحابه.
فما أشنعه من ظلمٍ أن يُتَّهَم هذا الرجل یی بعد كلِّ ما سبق یی بأنه "صاحب تنظيمٍ سياسي"، وأنه "سياسيٌّ ماكر"، وأن يُحرَّضَ عليه رجالُ القضاء بتهمةِ التنظيم أو الطريقة؟! يدري هذا كلُّ مَن لم تَسقط إنسانيتُه.
خامسُها: إنني بناءً على دستور الشَّفَقة الذي هو أساسُ مسلك رسائل النور، ودستورُ حياتي منذ ثلاثين سنة، أمتنع عن التعرُّض لمن ظلمني، بل أمتنع عن الدعاء عليه، لئلا يتضرر من جراء ذلك شخصٌ بريء؛ حتى إنني حين أغضب من الفسقة بل من الملاحدة الذين يَظلمونني بحقدٍ بالغ، تمنعني هذه الشَّفَقةُ لا من الردِّ عليهم ماديًّا
— 355 —
فحسب، بل حتى من الدعاء عليهم، إذْ لا يخلو أحدُهم من أن يكون له أبوان شيخان كبيران، أو أبناءُ أبرياءُ صغار، وأخشى إن دعوتُ عليه أن يَلحَق بأحدٍ من هؤلاء الأبرياء ضررٌ ماديٌّ أو معنوي، فلهذا أمتنع عن الردِّ عليه، بل أسامحه أحيانًا.
ولأجل سرِّ الشَّفَقةِ هذا لم أتعرَّض قطُّ للأمن والاستقرار، وأوصيتُ بهذا جميعَ أصحابي أشدَّ التوصية، حتى لقد اعترف بعضُ مسؤولي الأمن المنصفين في ثلاث ولاياتٍ قائلين: "إن طلاب النور رجالُ شرطةٍ معنويون، يحفظون الأمن والاستقرار".
وهذه الحقيقة يشهد لها آلاف الشهود، وتُصدِّقها عشرون سنةً من حياة "سعيد"، كما يُصدِّقها ويؤيدها عدمُ تسجيل أيَّةِ حادثةِ إخلالٍ بالأمن بحقٍّ أحدٍ من آلافِ طلاب رسائل النور.
فأيُّ قانونٍ في الدنيا يسمح یی بعد كلِّ ما سبق یی أن يَقتحم أولئك الظَّلَمةُ منزلَ هذا الرجل المسكين كما لو أنه رجلُ ثورة، أو صانعُ اضطرابات، أو صاحبُ تنظيمٍ مخرِّب، وأن يهينوه ويعاملوه كمجرمٍ ارتكب مئةَ جريمة، رغم أنهم لم يعثروا في منزله على شيء، وأن يصادروا المصحف واللوحتين المعلَّقتَين عند رأسه كما لو أنها منشوراتٌ خطيرة؟!
سادسُها: إنني رجلٌ وعى قبل ثلاثين سنةً فداحةَ الضررِ الذي تنطوي عليه شُهرةُ الدنيا المؤقتةُ، وجاهُها الزائل، والعُجْبُ وحُبُّ الظهور المُشْبَعان بالأنانية، ووعى مبلغَ تفاهةِ ذلك كلِّه وعدمِ جدواه.. أجل، وعى ذلك بعنايةِ الله وفيضِ القرآن ولله الحمد بلا حد، فَأخذَ منذ ذلك الحين يجاهد نفسَه الأمَّارة بكلِّ ما أوتي من قوة، ويجتهد ما بوسعه لاجتناب التصنع والرياء، ويسعى لكسْرِ الأنانية بالفناء عن الذات، وهو الأمر الذي يعرفه ويَشهَد له به قطعًا كلُّ مَن لازَمَه أو صاحَبَه؛ وقد فرَّ منذ عشرين سنةً أشدَّ الفرار مما يُعجِب كلَّ إنسانٍ من حُسْنِ ظنِّ الناس وإقبالهم ومدحهم وثنائهم، كما فرَّ مِن عَدِّ نفسِه صاحبَ مقامٍ معنويٍّ خلافًا لما يفعلُه كلُّ إنسان؛ ورَدَّ حُسْنَ الظنِّ الذي أولاه إياه خُلَّصُ إخوانه وخواصُّهم، وكسَر بذلك خواطرَهم؛ كما ردَّ مدحَهم له وحُسْنَ ظنِّهم به في رسائله الجوابية إليهم؛ وجرَّد نفسَه من ادِّعاء الفضائل محيلًا إياها جميعًا على
— 356 —
رسائلِ النور تفسيرِ القرآن، فأحالها بالتالي على الشخص المعنويِّ لتلاميذ النور، وعدَّ نفسَه مجرَّد خادمٍ بسيطٍ للنور.. نعم إن رجلًا هذه حالُه إنما يُثبِت قطعًا أنه لم يَحمل أحدًا على الإعجاب به، ولا سعى إلى ذلك ولا طَلَبَه، بل ردَّه.
فبأيِّ قانونٍ يُحمَّل هذا الرجلُ المسكينُ المريضُ الهَرِمُ الغريبُ المنزوي المسؤوليةَ، فيَقتحِم المفتشون غرفتَه، ويَكسِرون قفل بابه، وكأنه ارتكب جريمةً عظمى، لمجرد أن بعض أصحابه المقيمين في مكانٍ بعيدٍ منحوه حُسْنَ ظنٍّ فوقَ حدِّه، فمدحوه وأَوْلَوه مقامًا بغير رضاه، أو لمجرد العثور في "باليكَسير" على كتابٍ فيه نقدٌ لاذعٌ لا يُعرَف كاتبُه، أو لأن واعظًا من مدينة "كوتاهية" لا يعرفه هو أثنى عليه ببضع كلمات، مع أني لم أرسل إلى "كوتاهية" أية رسالة، وإنما ذُيِّلَتْ رسالةٌ يُظَنُّ أنها محلُّ مسؤوليةٍ بتوقيعٍ مزوَّرٍ لي؟!
على أن المفتشين لم يجدوا حجَّةً يبرِّرون بها فَعلتهم سوى أورادِ هذا الرجل ولوحتَين مُعلَّقتَين عند رأسه، فأيُّ قانونٍ وأيَّةُ سياسةٍ في الدنيا يَسمحان بمثل هذا الاعتداء؟!
سابعُها: بينما تعجُّ البلاد اليومَ بكلِّ هذه التيارات الحزبية المحمومة، الداخليةِ منها والخارجية، وبينما الأجواءُ مواتيةٌ لأنْ يَنتهِز هذا الرجلُ الفرصةَ، فيَكسبَ إلى صفِّه كثيرًا من السياسيين بدلًا من ثلةٍ محدودةٍ من أصحابه، فإنه كتب إلى جميع أصحابه قائلًا: "حَذارِ حَذار.. لا تنجرفوا في التيارات.. لا تدخلوا في السياسة.. لا تَمَسُّوا الأمن والاستقرار"!! ولم يوصِهم بهذا إلا تجنُّبًا للتدخل في السياسة، وصونًا للإخلاص أن يصيبه ضرر، وتفاديًا للفتِ أنظار الحكومة، وتحاشيًا للانشغال بالدنيا؛ فقوبِل على انسحابه هذا بالإضرار والتضييق الشديد من تيارَيِّ السياسة في هذا البلد، أما التيار القديم فتَذَرَّع بمخاوفه وهواجسه، وأما التيار الجديدُ فقال: إن هذا الرجل لا يساعدنا!!
فأيُّ قانونٍ يجيز التعرُّضَ لآخرةِ رجلٍ مسكينٍ منشغلٍ بآخرته كهذا، لم يتعرض قطُّ لدنيا أهل الدنيا، بل لم يَكتب لشقيقه في "نُورْس" رسالةً منذ اثنتين وعشرين سنة، ولم يكتب لأصدقائه في تلك الولايات عشرَ رسائل خلال عشرين عامًا؟!
— 357 —
وبينما تُنشَر اليوم كتبُ الملحدين ومنشوراتُ الشيوعيين بغطاءٍ من قانون الحريات فلا يُعترَض عليها رغم ضررها البالغ على الوطن والشعب والأخلاق!! تُصادَر رسائلُ النور وتُحال على المحكمة باعتبارها منشوراتٍ خطيرة!! مع أنها لم تَعثُر فيها ثلاثُ محاكم على مادةٍ تضعها موضعَ مسؤولية؛ ومع أنها ما زالت منذ عشرين سنةً تعمل على تحقيق الأمن والاستقرار، وتأمين الأخلاق والحياة الاجتماعية للوطن والشعب؛ وتسعى جاهدةً بشكلٍ مؤثِّرٍ لإعادةِ وتقويةِ الأُخوَّة والصداقة بين هذا الشعب والعالَم الإسلامي، وهو ما يُمثِّل نقطةَ استنادٍ حقيقيةً لهذا الشعب؛ ومع أنها قُدِّمت إلى رئاسةِ الشؤون الدينية بأمرٍ من وزارة الداخلية بغيةَ أن ينتقدها العلماء، فإذا بها بعد ثلاثة أشهرٍ من التدقيق تنال التقديرَ التامَّ من غير انتقاد، وتُودَعُ بعضُ أجزائها كی"عصا موسى" و"ذي الفَقار" في مكتبة رئاسة الشؤون الدينية باعتبارها مؤلَّفاتٍ قيِّمة!! فأيُّ قانونٍ وأيُّ ضميرٍ وأيُّ إنصافٍ يسمح بمصادرتها ومحاكمتها يا تُرى؟!
ثامنُها: أرأيتم رجلًا قضى عشرين سنةً في نفيٍ تعسُّفيٍّ شديدِ الوطأة، ثم لما أُخلِي سبيل المنفيين لم يرجع إلى بلده ومسقط رأسه حيث الآلافُ من أقربائه وأحبائه، بل آثر الغربة والوَحدة تحاشيًا للدنيا والسياسة والحياة الاجتماعية، وحَمَل بين جنبَيه حالةً روحيةً جَعلتْه يتحاشى احترامَ الناس وتقديرَهم له، حتى صار يُفضِّل البقاء في غرفته وحيدًا فلا يلتقي بالناس، ويصلي منفردًا تاركًا خيرَ الجماعة في المسجد بثوابها الجزيل، فلا يذهب إلى المسجد إلا للضرورة..
ثم هو رجلٌ يفضِّل تُركيًّا واحدًا من أهل الدين والتقوى على أكرادٍ كثيرين غيرِ ملتزمين، وتَشهَد لهذا عشرون سنةً من حياته، ويُصَدِّقه مئاتُ الآلاف من الأتراك الأفاضل الأكارم، حتى إنه أعلن في المحكمة أنه لا يَعدِل بواحدٍ من إخوانه الأتراك ذوي الإيمان القوي كالحافظ "عليٍّ" مئةً من الأكراد..
وهو فوق هذا يسعى جاهدًا بكلِّ قوته وعبر مؤلفاته منذ أربعين سنةً لتعزيز أُخوَّة الإسلام وتقويةِ المحبَّة بين المسلمين؛ ويمتنع عن الردِّ على أعدائه الألداء بأيِّ
— 358 —
تصرُّفٍ سلبيٍّ، بل لا ينشغل بهم ولا يدعو عليهم، وقد قضى حياتَه بين التُّرك، يُكِنُّ لهم عميقَ المحبة، إذْ كانوا حَمَلةَ لواء القرآن ومَظهرَ الثناء القرآني..
أرأيتم رجلًا هذه حالُه، كيف يُقال في حقِّه على لسانٍ رسميّ: إنه كرديٌّ وأنتم أتراك.. إنه شافعيٌّ وأنتم أحناف؟! إهانةً له وتشويهًا لصورته وتنفيرًا لأصحابه عنه!!
ثم إنه لم يُجبَر قطُّ على تغيير زِيِّه في محكمتَين ولا طيلةَ اثنين وعشرين عامًا، فأيُّ قانونٍ يَسمح بإجباره على ارتداء القبعة الإفرنجية رغم انزوائه ورغم أن نِصف أفراد الجيش لا يرتدونها؟!
تاسعُها: وجهٌ بالغُ الأهمية (حاشية): إن وجودَ اليهود والنصارى في الحكومات الإسلامية، ووجودَ المسلمين في الحكومات النصرانية والمجوسية، يُبين أنه لا يمكن من الناحية القانونية المِساس بالمعارضين ما داموا لم يتعرَّضوا فعليًّا لأمن البلاد وإدارتها؛ وأن مجرَّد "إمكان وقوع الشيء" لا يمكن أن يكون محلَّ مسؤولية، وإلا فی"يمكن" لكلِّ أحدٍ أن يَقتل، إذًا فيتوجب بهذا "الإمكان" تقديم الجميع إلى المحاكم!! شديدُ القوة، لكنني أَسكُت عنه لصلته بالسياسة.
عاشرُها: وهو كذلك تَعاملٌ لا يُجيزُه قانونٌ ولا ينطوي على مصلحة، وإنما هو محضُ هواجس لا معنى لها، وتضخيمٌ للأمور وتهويلٌ لها، واعتداءٌ لا يدخل تحت أيِّ قانون؛ وهنا نَسكت أيضًا لئلا نتطرَّق إلى السياسة التي يقتضي مسلكُنا عدمَ الالتفات إليها.
وليس لنا ما نقوله إزاء هذه المعاملة التي تنافي القانون من عشَرةِ وجوهٍ سوى أن نقول: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ
سعيد النُّورْسِيّ
٭٭٭
— 359 —
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
حمدًا لله بلا حدٍّ أن هذا الاعتداء الأخير برغم اتساع دائرته وشِدة مبالغاته وتهويلاته قد تضاءل أثرُه وانحسر إلى واحدٍ بالمئة؛ وقد طَلبتِ المحكمةُ البارحةَ إفادتي، وامتدَّ استجوابُهم لي أربعَ ساعات، فقدَّمتُ لهم ذاتَ الإفادة والإيضاحات التي أرسلتُها إليكم من قبل؛ وجزى الله الجهاتِ القضائية "بإسبارطة" خيرَ الجزاء، فما أرسلوه إلى المحكمة من إشعاراتٍ إيجابيةٍ بحقِّنا قد ساعدَنا كثيرًا، وإلا لَواجهْنا متاعبَ كثيرةً بسبب هواجس "أفيون"، وبسبب دعم بعض المسؤولين لأعدائنا العاملين في الخفاء هنا.
مصحفُنا الذي صادروه أرسَلوه إلى رئيس الشؤون الدينية، وقد كتبنا إليه رسالةً تقول: "نرغب في طبع هذا المصحف فوتوغرافيًّا، ونأمُل من رئيس الشؤون الدينية إسداء المشورة والعون"، والرسالة مرفقةٌ بالأجزاء التي أرسلناها إلى إسطنبول.
مِن بين الأسئلة التافهة الكثيرة التي سألوني إياها في المحكمة أنهم قالوا لي: بِمَ تعيش؟ فقلتُ لهم: أعيشُ ببركة الاقتصاد، حتى لقد عشتُ رمضانًا كاملًا في "إسبارطة" على رغيف خبزٍ واحدٍ وكَيْلةِ أرزٍ وكَيْلةِ لبنٍ مجفَّف؛ وإن رجلًا هذه حالُه لا يتنزَّل إلى الدنيا لأجل المعيشة، ولا يُضطر إلى قبول الهدايا.
٭٭٭
— 360 —
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
أولًا: نهنئكم من صميم قلوبنا وأرواحنا على جِدِّكم ودأبكم ونجاحكم وثباتكم وكتابتكم "الكلمة التاسعة والعشرين" على الورق المُشَمَّع مع الحفاظ على كرامةِ أَلِفاتها.
ثانيًا: إن حريق وزارة المعارف الذي خلَّف أضرارًا تُقدَّر بمليونَي ليرة، قد وقع في وقتٍ كأنما تَزَامن مع استجوابي في المحكمة، إذْ وقع بعد عشر ساعاتٍ من استجوابي الذي دام أربع ساعاتٍ وعانيتُ فيه ضيقًا شديدًا لم أُعانِ مثلَه؛ وهذا يُبين أن رسائل النور وسيلةٌ لدفع البلاء، فمتى هوجِمتِ الأنوار وَجَدَ البلاءُ سبيلًا فنَزَل.
ثالثًا: ثمة قطعةٌ مكتوبةٌ حول الحريق فيها كرامةٌ لرسائل النور، ما زالت تنتظر إرسالها إليكم منذ أسبوع، فقد حال دون إرسالها بالبريد إجراءاتُ التفتيش المشدَّدةُ الناجمةُ عن شدة مخاوف القوم وهواجسهم.
بالُنا مشغولٌ بشأن وضعكم الحالي لدى المحكمة، وبشأن أخينا "برهان"، فقد كتب أنه يعاني من مصيبةٍ صغيرة، فما هي؟ نسأل الله تعالى أن يرفعها عنه.
سُررتُ كثيرًا برسالتَي "عبد الله چاويش" و"رأفت".. سلامي لهما خصوصًا ولجميع إخواننا عمومًا.
أخوكم
سعيد النُّورْسِيّ
٭٭٭
— 361 —

ذيل العريضة المقدَّمةِ إلى رئيس الجمهورية اضطُررتُ لكتابته

إن السبب الأساسيَّ لهجوم الحاقدين عليَّ هو موالاتُهم "مصطفى كمال" وتحزُّبهم له، فهذا هو سبب اضطهادهم لي وإنزالِهم العسفَ والأذى بي، وإني أقول لهم:
لقد سبق أن قلتُ: "إنه سيَظهر شخصٌ يحارب القرآن".. قلتُ هذا قبل ثلاثين سنةً بإخبارٍ من حديثٍ شريف، ثم أَظهر الزمانُ أن هذا الشخص هو "مصطفى كمال" الذي مات وانتهى أمرُه وانقطعت علاقتُه بالدنيا والسُّلطة.
ثم إن أنصار هذا الرجل الحاقدين ما زالوا يُؤذونني منذ عشرين سنةً متعلِّلين بشتى الذرائع، وليس وراء هذه الذرائع سوى أني والَيتُ الحقيقة فلم أنسُبْ إلى صاحبهم الأمجادَ والانتصاراتِ التي أحرزها جيشٌ بطلٌ تحدَّى العالَم ببسالته وولائه للحقِّ طَوالَ خمسمئة سنة.
نعم؛ إنها لقاعدةٌ من قواعد الحقيقةِ تقول: "إن الأمجاد والمَحاسن والمغانم الماديةَ والمعنويةَ إنما تُعزى إلى الجماعة وتُوزَّع على الجيش، أما المساوئ والمعايب والإجراءات الخاطئة فتُرَدُّ إلى الرئيس والقائد"، وإني بموجَب هذه القاعدة أقول: إن الأمجاد والانتصارات التي أحرزها الجيشُ بجنوده وضباطه الفعليين الأشاوس لا تُعزى إلى "مصطفى كمال"، وإنما تُعزى إليه وحدَه المعايب والأخطاء؛ وإذا كان هؤلاء المعاندون يَسوقون قولي هذا تهمةً أني لا أحب "مصطفى كمال"، فإني أتهمهم بأنهم لا يُحبون الجيش، وأنهم يهينون مجدَه وشرفَه، وأعدُّهم خونةً للشعب والأمة، وإني على استعدادٍ لإثبات هذا لهم كما سبق أن أثبتُّه في المحاكم.
إنني أحب هذا الجيش المِقدام الذي أنجبته هذه الأمة المباركة.. أحبُّه بملايين جنوده وضباطه، وأُكِنُّ له الاحترام، وأسعى للحفاظ على شرفه ومكانته ما استطعت؛ أما معارضيَّ الحاقدون فإنهم في سبيل محبةِ شخصٍ واحدٍ يهينون ملايين الأفراد معنًى، بل يعادونهم.
— 362 —
نعم، لقد علِمنا بأماراتٍ كثيرةٍ أن ما يُحرِّك هؤلاء ويدفعُهم لمهاجمتي ليس سوى معارضتي لی"مصطفى كمال" وعدم مودتي له، أما ما سوى ذلك من الأسباب فذرائعُ كاذبة، ولهذا أجدني مضطرًّا لأن أقول لهم:
لقد دعاني هذا الرجل إلى أنقرة ليكرِّمني ويُعيِّنني واعظًا عامًّا للولايات الشرقية، فذهبتُ، فوجدتُ ثلاثة أمورٍ یی أسردُها في المواد الثلاث التالية یی جعلتْني أتراجع عن مصادقته ومودته، وقاسَيتُ لأجل ذلك عشرين سنةً من الأذى في حياةِ انزواءٍ لم أخالط فيها دنياهم.
المادة الأولى: أنه أَظهر بأفعاله أنه هو الشخص الذي أخبر عنه حديثٌ شريفٌ بأنه سيحارب الأعراف الإسلامية في آخر الزمان؛ وكنتُ قد فَسَّرتُ هذا الحديث قبل ستٍّ وثلاثين سنة، فظهر معناه منطبِقًا على هذا الرجل، وهذا موضَّحٌ في "الأساس الثالث" من دفاعاتي لدى المحكمة.
المادة الثانية: تُقرِّر قاعدةٌ من قواعد الحقيقة أن وجودَ الشيء وإصلاحَه وحياتَه متوقفٌ على توفُّر جميع شرائطه وأركانه، وأن عدمَه وإفسادَه وموتَه يقع باختلالِ شرطٍ واحدٍ من شرائطه، وقد شاعتْ هذه القاعدةُ مثلًا على ألسنة العامة بقولهم: الإفسادُ أسهل من الإصلاح، والتخريبُ أسهل من التعمير.
وبناءً على هذه القاعدة القطعية، فإنه لما كانت هذه العيوب والتخريبات الظاهرة للعِيان ناجمةً عن خطأ ذلك القائد، وكانت الأمجاد والانتصارات نابعةً من بطولة الجيش، كان يَلزَمُ أن تُردَّ المساوئ إلى القائد، وتُعزى المحاسن إلى الجيش، لكنَّ ما حصل هو العكسُ تمامًا، إذْ بات خيرُ الجماعة يُحال على ذلك الفرد، وبات شرُّ هذا الفرد يُحال على الجماعة، وهذا ظلمٌ شنيعٌ بلا شك.
المادة الثالثة: إنَّ رَدَّ خيرِ الجماعة وانتصارِ الجيش إلى القائد هو بَخسٌ لحسناتٍ عظيمةٍ كثيرةٍ وتنزيلٌ لها إلى حسنةٍ واحدة، وإنَّ إحالةَ عيوبِ القائد إلى الجماعة هو تكثيرٌ لِعيبٍ واحدٍ ليصبح آلافَ الأخطاء.
— 363 —
فكما أن الكتيبة المؤلَّفة من ألفِ جنديٍّ إذا قَضَتْ على عدوٍّ غاشمٍ نال كلُّ فردٍ من أفرادها رتبةَ "الغازي"، فإنْ رُدَّ الإنجازُ إلى قائدها وحدَه نزلت المرتبةُ من ألفٍ إلى واحدٍ فلم يَنَل المرتبةَ أحدٌ سواه..
وكما أنه إنْ وقع قتلٌ ظلمًا بسبب خطأٍ من القائد، فَرُدَّ الأمر إلى الكتيبة دون القائد، أصبحت جريمةُ القتل هذه بمثابةِ ألفِ جريمةِ قتل، وأصبح ألفُ جنديٍّ مسؤولًا ومستحقًّا للعقاب..
فكذلك الأمر في هذه الأخطاءِ الجسيمةِ والمساوئِ العظيمةِ الظاهرةِ للعِيان، فإنها إنْ لم تُسنَد إلى ذلك الرجل الميت الذي ارتكبها، ونُسِبتْ إلى هذا الجيش ذي التاريخِ العريقِ المشرِّفِ الممتدِّ خمسَمئةِ عامٍ بل ألفَ عام، والذي أظهر خلالها للعالَم أجمع جهادَه وولاءَه للحق، ووقَّع بسيوفه ودمائه على ميثاق شرفه وحَمْلِه لواءَ القرآن، فعندئذٍ ستتضاعف هذه الأخطاء والمساوئ أضعافًا كثيرة، وستزداد بعددِ أركان هذا الجيش، وسيتلطخ تاريخُه الوضَّاءُ المشرق بسوادٍ مُشين، وسيَشعر رجالُه وأفرادُه اليوم بالمسؤولية والعار تجاه أسلافهم.
وكذلك إن نُسِبَتِ الأمجادُ والانتصاراتُ الحاليةُ إلى شخصٍ واحد، تضاءلتْ وانحسرتْ وتصاغرتْ، وآلتِ الحسناتُ والمراتبُ الجهاديةُ الكثيرةُ كثرةَ أركانِ الجيش وجنودِه إلى حسنةٍ واحدةٍ ومرتبةٍ واحدة، فخَفَتتْ وانطفأتْ فلم تَقْوَ على تكفير الذنوب.
فلأجل هذه الأسباب نبذتُ مودة هذا الرجل، وكَسِبتُ بدلًا منها مودةَ الجيش الذي التحقتُ بصفوفه في زمانٍ حرِجٍ فأدَّيتُ فيه خدمةً مؤثِّرة، وعَمِلتُ من خلال رسائل النور على الحفاظ على شرفه الذي هو أهمُّ من ذلك بآلاف الدرجات.
في أميرداغ
سعيد النُّورْسِيّ
٭٭٭
— 364 —
طَوالَ عشرين عامًّا لم تتعرض الشرطةُ في عدةِ ولاياتٍ لمسألة زِيِّي ولباسي، سوى أن "نَوْزاد بك" والي أنقرة أراد قبل خمسِ سنواتٍ تغييرَه بالقوة، فلم يفلح، وتلقى صفعةً على هذه الفَعلة بأنْ مات منتحرًا.
وذات مرةٍ أصدر أحدُ كبار موظَّفي ولاية "أفيون" أمرًا بالتعرُّض للباسي بالقوة، فعارضه موظَّفٌ صغيرٌ في القضاء باسم القانون، وقال له: لا يمكننا فعل شيءٍ خارجَ القانون.
وكان مديرُ البلدة هنا رجلًا منصِفًا لم يبادرني بظلمٍ لظنونٍ وهواجس مزعومة، فسعى القوم لاستبداله.
وبما أني أعاني من مرض الاستيحاش الذي يمنعني من الجماعة والجمعة، إضافةً لأمراضٍ ماديةٍ أخرى، فقد عملتُ بقانون الطبابة لأتجنب الإحالة على المحكمة للاستجواب، فحصلتُ على تقريرٍ طبيٍّ يُلزمني بالاستراحة مدة أسبوع، فقابلَني القوم بقوانينهم المزاجية المتعسفة، وبعثوا بطبيبين من "أفيون" فأبطلا التقرير الطبي وأحالا الطبيبَ الذي أصدرَه على المحكمة.
٭٭٭
— 365 —

حاشيةٌ مُلحَقةٌ بإفادتي التي أَدليتُ بها في استجواب أميرداغ والتي سبق تقديمُها إلى وزير الداخلية والشخص المعنوي للجهات القضائية للاطلاع

رغم أني لم أقرأ صحيفةً ولا استمعتُ إليها منذ خمسٍ وعشرين سنة، إلا أن أحد الذين يقومون على خدمتي قرأ عليَّ بالأمس فقرةً من صحيفةٍ تتحدث عن وقوع حريقٍ في وزارة المعارف بأنقرة بلغتْ أضرارُه مليونَي ليرة، وحريقٍ آخَر في مرآبٍ للسيارات بأنقرة كذلك، وحريقٍ ثالثٍ وقع في الوقت نفسه في معملٍ كبيرٍ بإزمير، وحريقٍ رابعٍ التهمَ مبنًى بأكمله في "أضنة".. فلما سمعتُ ذلك حزنتُ وأسفتُ وتألمتُ كثيرًا لحال هذا الشعب الفقير، وكنتُ في الوقت نفسه أعاني من شدةٍ وضيقٍ لم أُعانِ مثلَهما في حياتي، إذْ أُحِلتُ على محكمةٍ لا يُحال عليها مَن كان شيخًا هرِمًا مريضًا مثلي، وأُخضِعتُ فيها لاستجوابٍ دام أكثر من أربع ساعاتٍ متواصلة؛ ولولا قَدْرٌ من الإنسانية والرأفة تتحلى بهما الجهاتُ القضائية في هذه المدينة لما تحمَّلتُ الموقف، وكنتُ قد اتخذتُ قرارًا حاسمًا وضعتُه نُصْبَ عيني، وهو أن أُجيب بكلامٍ قاسٍ لأدخلَ السجنَ رغم مرضي ورغم هذا البرد القارس، حتى لقد اتفقنا أن يَفتعل أحدُ القائمين على خدمتي نزاعًا مع آخَر يدخُل به السجن فيلتحق بي ليتولى خدمتي!! غير أن العناية الإلٰهية أحسنتْ إليَّ بالصبر، ووجدتُ من الجهات العدلية هنا إنسانيةً، فتحملتُ.
وقد تفكَّرتُ في السبب الذي أدى إلى هذه الحال العجيبة الأوهام والهواجس التي لا أصل لها، فوجدتُ أن "مرشد الشباب" بعد أن طُبع وانتشر بإذنٍ رسميٍّ، قد نَوَّر الكثيرَ من طلاب المدارس والمعاهد العلمية، حتى لقد أصبحتْ صفوةُ الشباب في جامعتَي أنقرة وإسطنبول تدرك أن أُسس رسائل النور هي وسيلةٌ لسعادة هذا الوطن وأبنائه، وبات الكثير من المعلمين والمدرسين على صلةٍ وثيقةٍ برسائل النور يُقبِلون عليها بشوقٍ ولهفةٍ من جهةِ المكانة العلمية والحَميَّة الوطنية، وقد أثار ذلك اهتمامَ وزارة المعارف، إذْ كانت تُنقَل أخبارٌ تقول: "إن الشباب يتداولون رسالة "مرشد الشباب" المطبوعة، وهي رسالةٌ تَلفِت نظر الشباب المتعلم إلى الدين"؛ فأرادت
— 366 —
الوزارةُ التعرُّضَ للأنوار على نحوٍ يُضعِف الرغبةَ فيها والإقبالَ عليها، فوقع التعرضُ لي ولكثيرٍ من طلاب رسائل النور في عددٍ من الولايات.
ومع أني من أبناء المدارس الدينية، وكان الأَولى بي أن أطلب العون والتأييد من المشايخ والعلماء، إلا أني كنت أعتمد بكلِّ قوتي على الشباب المثقَّف خريجِ المدارس الحديثة، لأن أكثر الداخلين إلى دائرة النور منهم، أما المشايخ والعلماء فقليل، إذْ يُعرِض أكثرُهم عن الأنوار، بينما يُقبِل عليها الشباب المثقف ويتبناها بكلِّ تقدير، ولهذا كنتُ أُعوِّل على دعم وزارة المعارف وأقول في قلبي: ستتولى هي حمايةَ طلاب النور؛ فإذا بنا نَلْقى منها هذا التعرُّض، وإذا سببُه أعداؤنا العاملون في الخفاء، فإنهم حرَّضوها علينا بفقرةٍ وردتْ بآخر "مرشد الشباب" تقول: مِن المناسب أن يسعى طلاب النور لافتتاح مدارس نوريةٍ ما أمكن، مستفيدين من سماح الحكومة بذلك.
لقد حاولَ أعداؤنا النَّيلَ منا وتشتيتَ شَمْلِنا مرارًا وبشتى الدسائس عبر مؤسسات القضاء، فلم ينجحوا ولم يَظفَروا من ذلك بطائل؛ ثم حاولوا أن يحرِّضوا علينا بعضَ المشايخ المتعصبين وذوي الأنانية وأصحابِ المناصب الرسمية فلم ينجحوا في مسعاهم هذا أيضًا؛ ثم حاولوا اليوم أن يُحرِّضوا علينا وزارةَ المعارف التي عَوَّلنا عليها في العون والتأييد، وأثاروا لدى بعض المسؤولين من جديدٍ أكذوبةَ "التنظيم والطُّرُقية" التي برأتْنا منها ثلاثُ محاكم براءةً قطعية، وسعَوا لحِرماني أنا ودائرةً واسعةً من طلاب النور الأبرياء من مطالعة رسائل النور، وساقوني لاستجوابٍ مؤلمٍ لمدة أربع ساعاتٍ ونصف، فإذا بحريقٍ يندلع من غير سببٍ في وزارة المعارف في نفس الوقت الذي تعرضتُ فيه للاستجواب، ولم يُتمَكَّن من السيطرة على الحريق أو إخماده، فأتى على مبنى الوزارة بأكمله؛ وليس في هذا الحريق ما يشبه المصادفة، بل يَظهر فيه أثرُ غضب.
فإني كنتُ في الوقت نفسِه أُستَجْوَب، وقلتُ عند نهاية الإدلاء بإفادتي: لا تَحرِموني في هذه الغربة والوَحدة من مطالعة كتبي.. وإلا حَلَّ بي وبهذا الوطن ما يؤسَف له، (حاشية): وقد حَلَّ. وربما غضبتِ الأرضُ بالزلزلة!!
— 367 —
فلم يَمض على قولي هذا ثلاثُ دقائق حتى حدثتْ هزةٌ أرضيةٌ استمرت ثلاث ثوان، ثم لما أعدتُ الفقرةَ نفسَها على مسامع المحكمة هاجَمَتِ الأرضُ وزارةَ المعارف بالنار ليلًا أو نهارًا، وقد سبق أن أثبتنا عدةَ مراتٍ لدى المحاكم أن كثيرًا من الزلازل والهزات الأرضية قد وقعت بالتزامن مع التعرض لرسائل النور وطلابها، وهذا أمرٌ لا يمكن أن يكون مصادفةً بحال.
إنها إذًا رسائلُ النور حجرُ الأساس لهذا الوطن والشعب والأمن والاستقرار، التي تفسِّر القرآن تفسيرًا حقيقيًّا ذا قوةٍ وحقيقة، وإنها حقائقُها التي تَلْفِتُ بهذه الوقائع والصفعاتِ نظرَ الشعب إلى رسائل النور فتُرغِّب الشعبَ فيها، وتَصفع معارضيها صفعاتِ رأفةٍ وشَفَقة.
وكما أن الصدقة تَدفع البلاء، فإن رسائل النور وسيلةٌ لدفع البلاء عن هذا البلد، وهذا أمرٌ ثابتٌ بشهادة حوادث كثيرة، وإن وقوع الحريق في نفس الوقت الذي تعرضتْ فيه رسائل النور للهجوم يُثبِت الأمر نفسَه.
٭٭٭
— 368 —
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
تَذكرون الرجل الذي صادر "عصا موسى" في "أغيردِر" وقدَّمها إلى المحكمة، فتلقى صفعةً بسَجنه عامَين، وكذلك القاضي الذي احتدَّ على "خسرو" وحَكَم عليه بالسجن شهرًا فتلقى نوعَ صفعةٍ أيضًا، إذْ أُجبِر على الاستقالة وفارقتْه زوجته، فإنَّ ثمة صفعاتٍ من هذا القبيل دُوِّنتْ في الرسالة المرفَقة، وهي تُبيِّن قطعًا أننا في ظل حمايةٍ وعناية، وأنه مثلما سيَلقى المتعرضون لنا صفعاتٍ شديدةً في الآخرة، يتلقَّى بعضُهم صفعاتٍ عاجلةً في الدنيا كذلك.
ومن ذلك أيضًا أنهم عندما هاجمونا مؤخَّرًا احتدَّ الشتاء، وأظهر الهواء غضبَه بالبرد القارس والعواصف، فلما توقف هجومهم وعاد السرور إلى قلوب النوريين تبسَّمتْ أيام الزمهرير هذه حتى كأنها أيام النَّوروز.. ونحن على يقينٍ من أن هذه البسمة تبعث البشرى والسُّلوان على الدوام.
وكما ذُكِر في الرسالة المرفَقة، فإن بعض رجال الشرطة حاولوا رسميًّا صدَّ الناس عن رسائل النور ببثِّ افتراءاتٍ عجيبةٍ مضحكةٍ لا يستطيع الشيطان نفسُه أن يَخدع بها أحدًا، فتلقَّوا الصفعات من فورهم، وهذا يُبيِّن أنه لم يَبْق لدى مَن يهاجموننا من سبيلٍ سوى الافتراءات والأكاذيب، على أنه لا بد لنا أن نأخذ بالاحتياط والحذر، ولا نوليَ أهميةً للشائعات.
٭٭٭
— 3 —

من كُلِّياتِ رَسَائِل النُّور

مِن المكتوب السابع والعشرين
مُلحَقُ أَمِيردَاغ الثَّاني
تأليف
بديع الزمان سعيدٌ النُّورْسِيّ
ترجمة
حسين عثمان
ضبط النصوص
د. محمد بسام حجازي
— 4 —

يضمُّ الرسائل التي كُتبت أثناء إقامة الأستاذ الأخيرة في أميرداغ وإسبارطة

في المدة الواقعة بين مرحلتَي أميرداغ الأولى والثانية أُحِيل أستاذُنا مؤلِّفُ رسائل النور مع بعض طُلّابه إلى سجن "أفيون"، وتمَّت محاكمتُهم هنالك؛ وقد نُشِرت الرسائل والدِّفاعات التي كُتبت خلال هذه المدة التي قاربَت عشرين شهرًا في "الشعاعات"، كما نُشِر بعضٌ منها في ثنايا "سيرة مؤلِّف رسائل النور".
٭٭٭
— 5 —
إخواني الأعزّاءَ الأوفياءَ..
مع تهنئتي لكم بالعيد أُخبِرُكم أنني یی بناءً على إخطار معنويٍّ یی قبلتُ كلَّ فردٍ منكم حَسَبَ درجته "سعيدًا"، ووارثًا وحارسًا يحرُسُ الأنوار ويحافظ عليها بدلًا مني.
إضافةً إلى ذلك أقول: بما أنَّكم بحُسنِ ظَنِّكم الذي يفوق حدِّي كثيرًا، مَنَحتُمُوني أُستاذِيّةً في العلوم الإيمانية والخِدمة القرآنية، فأنا بدوري أمنحُ كلَّ واحدٍ منكم بحسَب درجته إجازةً كما كان يفعل الأساتذة في الماضي، إذ كانوا يَمنَحون الإجازة العلمية لطُلّابهم الذين يَستحقُّونها؛ وأُهنِّئكم من صميم روحي، وبكُلِّ ثقةٍ وإيمان.
وكما نشرتُمُ الأنوار حتى يومنا هذا بصدقٍ وإخلاصٍ وتفانٍ فوق المُعتاد، فسوف تستمرون على هذا النهج بوجهٍ أسطعَ بمشيئة الله، فتكونون آلاف "السعيدين" الأقوياء المُقتَدرِين المُتمكِّنين في وظيفتهم بدلًا من هذا "السعيد" الضعيف العاجز المتقاعد.
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭
الرسائل التي كُتبت في "أميرداغ" بعد سجن "أفيون"
باسمه سبحانه
إخواني الأعزاء الأوفياء..
لِيَذهَبْ أحدُكم نيابةً عني إلى رئاسة الشؤون الدِّينية، ويُبلِّغ سلامي وتقديري للسَّيِّد "أحمد حَمْدي"، وليقُل له: كنتُم قد طلبتُم قبلَ عامَينِ مجموعةً كاملة من "كُلِّيّات النُّور"، فجَهَّزتُها لكم، إلا أن القوم زجُّوا بي في السِّجن فجأةً، فلم أَتمَكَّن من تصحيحها وإرسالها إليكم؛ وإنني اليوم أعملُ على تصحيحها، غيرَ أنَّ اضطراب صِحَّتي الشَّديد نتيجةَ تسميمي حال دون إنهائها عاجِلًا، وسوف تَصِلُكم فورَ إتمامِها بإذن الله تعالى.
— 6 —
وبِناءً على قاعدة "من لا يَقبَلُ الهدية لا يُمكنُه تقديمُها"، فإنَّ تَفسيرَ القرآن المَعنَويَّ القَيِّمَ هذا هو بمثابةِ أُجرةٍ قُدسِيّةٍ لفضيلتكم باعتباركم رئيسَ عُلَماء هذا البلد الإسلامي، لِكي تبذُلُوا ما أمكن من جُهدٍ لتنال الأنوارُ حُرِّيَّتَها، وتُولُوا عنايتَكم واهتِمامَكم بطباعة مُصحَفِنا الذي أَطلَعناكم سابقًا على ثلاثةِ أجزاءٍ منه.
وأمّا بخصوص قَضِيَّتِنا: فإنَّه لم يَشهَدِ التارِيخُ یی قطعًا یی اعتداءً ظالمًا حاقِدًا كهذا الاعتداء على علم الحقيقة والحقائقِ الإيمانية؛ وإنَّ دائرتَكم العلمية ورئاسَتكم لها تَقتَضِيانِ اضطلاعَكم بهذه المُهِمّة والوظيفة الدينية والعِلميّة وتقديمَها على كلِّ شيء.
حين تعرَّضتُ للتسميم آخرَ مرّةٍ، كنتُ كُلَّما شَعَرتُ باقترابِ الأَجَل أُطَمْئِنُ نفسي قائلًا: إنَّ "أحمدَ حَمْدي" سينهضُ بواجِبِ الأنوار عِوَضًا عني. فيَنشَرِحُ حينها صَدرِي، وأَجِدُ بذلك السُّلوانَ.
كنتُ قد بعَثتُ إلى دائرتكم سابقًا فِقراتٍ مِن دفاعي في المحكمة، وها أنا أُرسِلُ إليكم الآن نُسخةً تامّةً متكاملةً من دفاعاتي التي هي عينُ الحَقيقةِ، بُغيةَ الاطِّلاعِ عليها ونشرِها، ولتكون یی في ظلِّ توجيهاتكم یی مَرجِعَ الفُضلاءِ العاملين على نَيلِ الأنوارِ حُرِّيَّتَها.
٭٭٭
باسمه سبحانه
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أبدًا دائمًا
إخواني الأعزّاءَ الأوفياءَ، طلابَ النُّور بجوار "صَفْرَن بولو" و"أفلاني".. وصَلَتْني هديتكم من أجزاء النور فيا لَحُسنِها وجمالها! بارك الله بكم كثيرًا، وجعَلَكم من سعداء الدارَين، آمين.
لقد كانت قاعدتي الجاريةُ منذ القديم تقتضي عدم قبول الهدية بغير مكافأة، إلا أنه حين كتب كلُّ واحدٍ من هؤلاء الطلاب المبارَكين المضحِّين جزءًا من الرسائل
— 7 —
بشكلٍ جميل، وأرسلوها هديةً إلي، وأرفقوها ببعض الحلوى تبَیرُّكًا، وصلتني على نحوٍ غريبٍ في الوقت الذي كنت أعاني فيه مرضًا شديدًا وأحوالًا مضطربة، فقبلتُها بكلِّ رضًا وسرور خلافًا لقاعدتي المذكورة؛ وسببُ ذلك حوادثُ ثلاثٌ غريبةٌ ذاتُ مغزًى:
الأُولى: أني كنت اشتَريتُ ببعض مالي إحدى عَشْرةَ مجموعةً من رسائل النور من نِتاج آلة النسخ، إضافةً إلى مجموعةٍ كاملةٍ استَنسَخَها ثلاثةٌ من تلاميذِ النور الفُضَلاء بأقلامهم الأَلماسيّة، وجهَّزتُها استجابةً لإلحاح رئاسةِ الشُّؤون الدينية في طلبها خمسَ أو ستَّ مرّات، وأردتُ أن أُهدي منها المُفتين والعلماء الذين ليس لهم معرفةٌ بها، لعلَّها تكون حافزًا معنويًّا لهم؛ فكنتُ أودُّ مجيءَ "خُسرَو" إلى هنا ليقوم بهذه المُهمَّة، لكن أوضاعي كانت مضطربة، فكنتُ مهمومًا للأمر بشدة، وإذا بخسرو صغيرٍ قد جاء في هذه الآونة یی أعني البطل صُونغُر یی فنهض بهذه الوظيفة الجليلة، وخلَّصني بذلك من همٍّ وقلقٍ وأعباء، وأدى خدمةً تَعدِل ملازمتي في الخدمة عامَين كاملَين، فتيقَّنتُ أن ذلك لم يكن إلا كرامةً من كرامات التوفيق في نشر الأنوار.
الحادثة الثانية: أنه في الوقت الذي أرسلتُ فيه نُسَخي الشخصيةَ إلى رئاسة الشؤون الدينية، وصَلَني من أبطالِ النور الفِتْيةِ بأنحاء "صَفْرَن بولو" و"أفلاني" نُسَخٌ بقدرِها من غير زيادةٍ ولا نقصان، أرسَلوها هدايا مباركةً تقول بلسان الحال: لا تقلق، ها قد جئنا نعوِّض ما فات!! فقبلتُها من صميم قلبي وروحي، وهنَّأت مُرسِليها، بل حتى الحلوى التي أرسلوها تبرُّكًا لم تعُد عليَّ بضرر.
كما أنني تلقَّيتُ في الوقت نفسه یی إضافةً لتلك الهَدايا المُنوَّرة المبارَكة یی رسالةً جميلةً من أخي المُفتي "عبد المجيد" بعد انقطاعِ أخبارِه عنِّي مدّةَ ثلاثِ سنَواتٍ.
الحادثة الثالثة: أني قبل أن تَصِلني هذه الهدايا المبارَكة بعشرِ دقائقَ، وجدتُ عند قائمة سريري طائرًا يُشبِه العصفورَ، والحال أنَّ الباب والنوافذ كانت مغلقة، وليس ثمّةَ أيُّ مَنفَذٍ يدخُل منه ذلك الطائر.. لاحظتُ أنه لا يَفزَعُ منِّي! قدَّمت له قطعة خبز فلم يأكل! فقلت في نفسي: لقد أتاك هذا الطائر يبشِّرك كما بشَّرَتْك مِن قبله طيورٌ أتت إلى
— 8 —
هنا قبل ثلاث أو أربع سنَواتٍ.. وجاءني "خليل" الذي يقوم على خدمتي، فقلت له: انظر إلى هذا الطَّير، إنه مبشِّرٌ كالطيور السابقة. ثم فتحنا النافذة ليخرُج فلم يخرج، بل طار إلى الأعلى ثم حطَّ عدةَ مراتٍ دون أن يغادر، ثم جاء "صونغور"، فرأى ما نرى، وبعد مضيِّ نصفِ ساعة غاب عن الأنظار من غير أن يخرج من النافذة، فبحثنا عنه أنا وخليل فلم نجده، فكان فقدانه عجيبًا كوجدانه!!
وثمة حادثةٌ قطعيةٌ تبيِّن أهميةَ مجيءِ هذه الهدية المعنوية، وأهميةَ مجيءِ "صونغور" لمساعدتي بدلًا من "خسرو"، وهي أن "خليلًا" رأى رؤيا قبل مجيء "صونغور" بيومَين، أي: وقتَ توجُّهه إلينا، فقد رأى أن كلًّا من "صونغور" و"مصطفى عثمان" جاءا إلى هنا، فوقَعَتْ حادثةٌ كبيرة، واستُقبِلا بحفاوةٍ ومراسمَ تَلفِتُ الأنظار؛ وسألني عن تعبيرها، فاعتراني من ذلك همٌّ، وقلتُ له: لِمَ قَصصْتَ عليَّ هذه الرؤيا؟ أَوَقد نزل بهما مكروهٌ يا تُرى؟ وبِتُّ ليلتي مُغْتمًّا حتى الصباح، فتَّحَقَّقَتْ هذه الرؤيا الصادقة مع شيءٍ يسيرٍ من التعبير.
٭٭٭

صورة عن الرسالة التي بعث بها صونغُر إلى الأستاذ من أنقرة

باسمه سبحانه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
حَضرةَ أستاذِنا العزيزِ المبارك الشَّفيق الحبيب..
لقد سلَّمْنا رسالتَكم المباركة المقبولة القيِّمة لرئيس الشؤون الدينية السيد أحمد حمدي، وقد تلقَّى الأنوارَ والمجموعات المباركةَ بفرحٍ بالغ، ووَضَعها في مكتبته الخاصّة، وقال: سأُقرِئُها خواصَّ إخواني، وبذلك نعمل على نشرِها بالتدريج.
وقال أيضًا يا سيدي ويا أستاذي الحبيب: سأنفِّذ ما طلبتم في رسالتكم الكريمة، لكنْ لا يمكن نشرُ الأنوار جميعِها دُفعةً واحدةً في الوقت الحالي، فسأقدِّم هذه الرسائل
— 9 —
لإخواني المقرَّبين كي يقرؤوها، ثم ننشرُها بعد ذلك وفقًا لطلبِ الراغبين والمُهتَمِّين، وصولًا إلى نشرها كاملةً بأفضل صورةٍ إن شاء الله.
صونغُر
٭٭٭
تُدرَج هذه النكتة بعد "السؤال والجواب" في الصفحة الأولى للمقام الثاني من المكتوب التاسع والعشرين:
أُلِّفت هذه الرسالة تصدِّيًا للعدوان الفظيع المتمثِّل بقراءة ترجمة القرآن في المساجد بدلًا من القرآن نفسِه، لكن دخَلَ في الرسالة تفاصيلُ زائدةٌ وأبحاثٌ غير لازمة، والسببُ في ذلك أنه لُوحِظ مفتاحٌ غيبيٌّ قيِّم في ذلك التصدي الجهاديّ المشوِّق، فأدَّى البحثُ الشديد عن ذلك المفتاح إلى وقوع تفاصيلَ لا لُزوم لها، وأماراتٍ ضعيفةٍ ودقيقةٍ جدًّا.
وقد ورد على قلبي أنَّ المقام الأول المُوجَز السّاطع، والضروريَّ المُهِمَّ، للمكتوب التاسع والعشرين يَستُرُ جميعَ عيوب هذا المقام الثاني وسَرَفه.. فحمدتُ الله بكمال السرور ونسيتُ تلك العيوب.
٭٭٭
باسمه سبحانه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
حضرةَ السيد أحمد حمدي المحترم..
أَذكُر لك حادثةً روحيةً جرت لي، وهي أنني منذ زمنٍ بعيدٍ لم تكن أفكاري توافق أفكارَك وأفكارَ مَن في مَسلَكِك من المشايخ التاركين للعزائم، الآخذين بالرُّخَص بناءً على الضرورات، فكنت أغضب منك ومنهم وأتساءل: لماذا يتركون العزائمَ ويتَّبِعون الرُّخَص؟! ولأجل هذا كنتُ أمتنع عن إرسال رسائل النور إليكم بشكلٍ مباشر.
— 10 —
ثم إنه قبل بضعِ سنواتٍ وَرَدَ إلى القلب شعورٌ بالأسف والِانتقادِ الشديدِ تجاهكم، وفجأةً أُخطِرَ خاطرًا مُفادُه: إن هؤلاء الأفاضلَ من إخوانك في طلب العلم قديمًا یی وفي مقدِّمتهم أحمد حمدي یی قد واجَهُوا تخريباتٍ رهيبةً شديدةً آخذين بقاعدة: "اختيار أهونِ الشَّرَّين"، وصَرَفوا جزءًا من وظيفتهم العلمية في سبيل الحفاظ على المُقدَّسات، فخفَّفوا الخطر الداهم إلى الرُّبُع، وعسى أن يكون هذا كفارةً لما وقع منهم من تقصيراتٍ وأَخْذٍ بالرُّخَص تحت الاضطرار.
هذا ما أُخطِرَه القلبُ بشِدّة، ومن حينها صِرتُ أنظر إليكم وإلى أمثالكم نظَرةَ الأُخُوَّة الحقيقية باعتباركم إخواني القدامى في طلب العلم ورفاقي في التحصيل؛ ولأجل هذا، فإني حين كنت تحت احتمال أن يُفضِيَ تسمُّمي الشديدُ إلى وفاتي وذلك قبل ثلاث سنواتٍ، نوَيتُ أن أقدِّم لكم نسخةً من كلِّيات رسائل النور استجابةً لطلبكم المُلِحِّ، عسى أن تكونوا أصحابَها الحقيقيِّين من بعدي، وتكونوا حُماتَها والمحافظين عليها؛ وتوجد الآن مجموعةٌ كتَبَها ثلاثةٌ من تلاميذِ النُّور قبلَ خَمسَ عشْرةَ سنةً، وقد قمتُ بتدقيقها وتصحيحِها لأجلكم رغمَ مرضي واعتلال صِحَّتي، وهذه النسخة المكتوبة بأقلام هؤلاء الثلاثة الأفاضل تَعدِلُ عندي عشر نُسخٍ سواها، وما كنتُ لِأُعطيَها لأحدٍ غيرِك، وإن الثمن المعنوي الذي يترتَّب في مقابلِها ثلاثةُ أشياءَ:
أوَّلُها: أن تجتهدوا ما أمكنكم في نسخ عشرين أو ثلاثين نسخةً منها، وتوزيعِها على مديريات الشؤون الدينية في أنحاء البلاد، لأنَّ نشر مثل هذه المؤلَّفات في مُواجَهة تيّارات الإلحاد الخارجية هو من وظيفة دائرة الشؤون الدينية؛ وأطلُب أن يتِمَّ هذا العملُ بالحروف القرآنية، فإن لم يمكن فبالحروف اللاتينية، شريطةَ أن يوجد شخصٌ من خواصِّ إخواني يُساعِدُ في تدقيقها.
ثانيها: بما أن "رسائلَ النُّور" مِلكٌ للمدارس الدينية، وبما أنكم من أبناء هذه المدارس ومن طلابها والمسؤولين عنها في نفس الوقت، فإن رسائل النور هي مِلكُكم أيضًا.. فبإمكانكم إرجاءُ نشرِ أيِّ رسالة لا تَرَونَها مُناسِبةً في الوقت الحالي.
ثالثًا: أطلبُ أن يُطبع "مُصحَفُ التَّوافُقاتِ" بالتصوير الفوتوغرافي إن أمكن،
— 11 —
حتى تَظهر لَمعةُ التَّوافُقات الإعجازية؛ أما التعريفُ المكتوب في مُقدِّمته باللغة التركية، فليُطبع مستقلًّا كرسالة صغيرة بالتركية، أو مترجَمًا بشكلٍ جيدٍ إلى اللغة العربية.
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭
باسمه سبحانه
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أبدًا دائمًا
أخانا بطلَ النُّور السيد خُسرَو العزيزَ المُضَحِّيَ..
لقد طلب منّا رئيسُ الشؤون الدينية للمرة الخامسة مجموعةً من "رسائلِ النُّور"، ويقوم الأستاذ حاليًّا بتصحيحها رَغمَ مرضِه الشديد، وقد شارَف على الانتهاء، وطلب من رئيس الشُّؤُون الدِّينية ثمنًا معنويًّا لها ثلاثَ مَوادَّ:
أوَّلُها: طباعة مصحف المُعجِزات یی الذي قُمتُم بكتابته بشكل جميل یی بالتصوير الفوتوغرافي، وطَلَبَ طباعةَ التعريف بالمصحف في رسالة مستقلة بعد القيام بترجمتِه؛ وقد وافق رئيسُ الشؤون الدينية على هذا المطلب، وها نحن نرسل إليكم في المُرفَقات الرسالةَ التي كتبها أستاذُنا كي تطَّلِعوا عليها.
يقول أستاذُنا: "إنني أُحِيلُ أمرَ تسليمِ مجموعةٍ من رسائل النور وكذا المجموعات التي نُسخَت بآلة التصوير لرئيس الشؤون الدينية إلى أخٍ مُهتَمٍّ بهذا العمل (أي: خُسرَو)، والأمر يعود إليه فليقرِّر ما يراه". ولكم أن تُشاوروا أنفُسَكم، فإن وافقتم وكانت حالتكم الصِّحِّيّة مستقِرّة، فنرجو تحديدَ وقتٍ قريب للسفر إلى أنقرة، ثمَّ إرسال عنوانكم فيها، لنقوم بإيصال تلك المجموعات إليكم، كي تسلِّموها باسمكم یی إن رغبتم یی لرئيس الشؤون الدينية حتَّى يقومَ المُفتون بتوزيعِها.
القائمون على خدمة الأستاذ
خليل، صادق، إبراهيم
٭٭٭
— 12 —
إخواني الأعزّاءَ الأوفياءَ..
أولًا: أُعزِّي تلاميذ "المدرسة الزهراء" وخاصّةً هيئةَ المباركين وعموم ولاية "إسبارطة" بوفاة المرحوم الحافظ "مصطفى"؛ أمّا هو فأُهنِّئُه من صميم قلبي لقيامه بوظيفته حقَّ القيام، إذ ظلَّ منذ عشرين عامًا يعملُ على نشر الأنوار بثَباتٍ دون كللٍ أو مللٍ كأنّه نسخةٌ من الحافظ "علي"، فنُّهنِّئه ونهنِّئُ ولاية "إسبارطة" والمدرسةَ الزهراء.
نعم، لقد أنهى الأخُ المرحوم البطل مُهِمَّته هذه كالحافظ "علي"، ورحل إلى عالم النُّور والبرزخ في جِوارِ إخوانه الحافظ علي وحسن فيضي وغيرهم.. نسأل الحَقَّ سبحانه أن يثقِّل ميزانَه بقَدْرِ أَحرُفِ "رسائلِ النُّور" حسناتٍ، ويَتغمَّده بعميم رحمته.. آمين.
٭٭٭
إخواني الأعزّاءَ الأوفياءَ..
أُخطِر على قلبي أن أُبيِّن لكم بضعةَ مسائلَ شخصيّةٍ:
أوَّلًا: عاتبتُ بحِدّةٍ بعضَ إخواني الخواصِّ أثناء قيامهم على رعايتي، وذلك نتيجةَ ظهورِ شيء من الإهمال والإقلالِ من الشفقة تجاهي، فوَرَد على قلبي حينَها: أنَّ السبب في تقصير أولئك المساكينِ في واجبِ الخدمة أنَّهم يفتَرِضُون یی بحُسنِ ظنِّهم الزائدِ یی أشياءَ من قبيلِ: "لو رغِبَ أستاذُنا لتكفَّل بخدمته بعضُ الرُّوحانيِّين والجنِّ، بل ربما هم يقومون بالأمر فعلًا! إذ إنَّ جَلوةَ العناية الظاهرة في الخدمة النُّورية تُظهِرُ أنه لا مَجالَ لإرهاقِه، وليس هو بحاجةٍ إلى شفَقَتِنا نحن وترفُّقِنا به"؛ حتى إنَّ أحد المكلَّفين بإيصالي اليومَ بالسيّارة أَهمَل الأمر، فخَرَجتُ سيرًا على الأقدام، وقاسَيتُ في ساعةٍ واحدةٍ معاناةً تَعدِلُ عَشْرَ ساعاتٍ؛ وقد سبق أن قلت قبلَ بضعة أيام لهؤلاء المُقصِّرين في أداء واجبهم، وها أنا أكرِّرُ مقالتي لكم اليومَ أيضًا فأَصغُوا إليها:
— 13 —
مثلَما يَمنَعُني بشِدّة سِرُّ الإخلاص من اتِّخاذِ رسائلِ النُّور والخدمةِ الإيمانيّة أداةً لمَناصِبَ دُنيويةٍ ومقاماتٍ أُخرَوِيّة شخصيّةٍ، كذلك فإنني أتجنَّبُ بشِدّةٍ جَعلَ تلك الخِدمة القدسية وسيلةً لراحتي الخاصّة ولتطلُّبِ حياةٍ دنيويّة سعيدةٍ لا مَشقّة فيها ولا معاناةَ، ذلك أنَّ صَرفَ ثِمار الحسنات الأخروية الباقية في سبيل لذائذَ جزيئةٍ لحياةٍ فانية، أمرٌ مُنافٍ لسِرِّ الإخلاص.
لذا فإني أُعلنُها جازمًا: لو أن الخُدّام الرُّوحانيِّين والجِنَّ یی ممَّن يرغب بهم ويَرتَضِيهم أهلُ الرِّياضات من الزُّهّادُ في الدُّنيا یی جاؤُوني كلَّ يوم بأنفعِ العلاجات وأَطيبِ الأغذية، في الوقت الذي أتضوَّرُ فيه جوعًا وأُقاسي الآلامَ الشديدةَ، فإنَّني أَجِدُ نفسي مُضطرًّا لرَفضِها حِرصًا على هذا الإخلاصِ الحقيقيّ.
بل لو تَمَثَّل لي بعضُ الأولياء من عالَمِ البرزخ، وقدَّموا لي أطباقَ الحَلْوَى تقديرًا للخِدمة الإيمانية، فإنني أُقبِّلُ أيديَهم وأَعتذِرُ عن قبولِها؛ وأجدُ نفسي یی كقلبي یی راضيةً بردِّها، حذَرَ استهلاكِ الثِّمار الأُخرَوِيّةِ الباقية بصورةٍ فانيةٍ في دارِ الدنيا.
إلّا أنَّ الإكراماتِ الرحمانيةَ القادمةَ من جهة العناية یی كالبَرَكة مثلًا یی دون توجُّهٍ منّا أو تشوُّفٍ لها، فإنِّي أَرتَضِيها من أعماقِ رُوحي باعتبارِها أَمارةَ قبولِ الخِدمة، وشريطةَ ألّا تتخَلَّلها حظوظُ النَّفسِ الأَمّارةِ.
وعلى كل حال.. هذا القَدْرُ من الحديث في تلك المسألة كافٍ.
ثانيًا: كنّا في الحرب العالميّة الأولى على جبهة "پاسِنلَر" نَمضي مع الشهيد المرحوم المُلَّا حبيب قُدُمًا بمهاجمة الروس، وكانت مدافعُهم تُطلِق باتِّجاهنا في كلِّ دقيقةٍ أو دقيقتين ثلاثَ قذائف، فمرَّت ثلاثُ قذائف من فوق رؤوسنا على علوِّ مترين، وهرب جنودنا المتمركزون خلفنا في الوادي رغم تحصُّنهم، فقلت لمُلّا حبيب یی مُمتحِنًا مُختبِرًا یی: "لن أَختَبِئ من قذائف هؤلاء الكُفّار، فما رأيك؟"، فقال: "وأنا لن أُفارقَك"، فوقعت القذيفة الثانية قريبًا مِنّا، فقلتُ له واثقًا بالحفظ الإلٰهيِّ وحمايتِه: "هيّا نتقدَّمْ، فلن تَقتُلَنا قذائفُ الكُفّار، ولن نَنحدِرَ نحوَ الإدبار والفِرار".
— 14 —
وكذلك الأمرُ في أثناء حصار "بتليس"، وعلى خط التَّماسِ: أُصِبتُ بثلاث شظايا رُوسِيّة في مَقتَل، إذ مرَّت إحداها من بين رِجليَّ واخترقت سِروالي، وكنت في تلك الوضعية الخطيرة أستَشعِرُ حالةً روحية تأبى عليَّ دُخولَ الخنادِقِ والتَّحصُّنَ فيها، فبلغ ذلك القائدَ "كَلْ عليّ" والواليَ "ممدوح بك" وهما في الخلف، فقالا: "إمّا أن ينسحبَ، وإما أن يَتَحصَّن في أحد الخنادق"، فرفضتُ الأمرَ قائلًا: "لن تقتلنا قذائفُ الكفار"، ولم أكتَرِث لأيٍّ من أسباب الحيطة والحذر، إذ لم أُبالِ في أيّام شبابي وعنفوانِه بالحفاظ على حياتي البهيجة.
غيرَ أنني اليوم یی وقد بلغتُ الثمانين من العمر یی بِتُّ أحرِصُ على الأخذِ بجميع أسبابِ الحيطة والحذر وبصورةٍ عجيبةٍ ومضادّة للسّابق، حِفاظًا على نفسي، لدرجةِ تجنُّب المخاطر المحتَمَلة بشِدّة.
إنَّ التَّضحِيةَ بأيّام الشباب دون مبالاة أو اكتراث، والحفاظَ على شيخوخةٍ لا تَحتَمِلُ الأذواق، وتَدُوم عامًا أو عامين، إنما هي لحِكَمٍ عظيمة ومقاصِدَ قُدسيّة:
أوَّلُها: أنَّ حياةَ الشيخوخة المُضطَرِبة التي أعيشُها أضحت وسيلةً لإشغالِ أعدائي الظَّلَمة العاملين في الخفاء، بشكلٍ رَسمِيٍّ وغيرِ رسميّ، ذلك أنهم يعتبرون یی بجهلٍ منهم یی أن الأهمِّيّة تَكمُنُ في شخصي، فيُركِّزون هجومهم عليَّ، ويوجِّهون دسائسهم ضدِّي بدلًا من تلاميذ النُّور، وبذلك يَنجُو طُلّابُ النور من هجومهم ومكائدهم.
فلهذا، ولأجل خاطرِ إخواني، أَولَيتُ حياةَ الشيخوخةِ هذه یی مُؤَقَّتًا یی أَهَمِّيةً كبيرةً تَفُوق عشَرةَ أضعافِ ما كان لسعيدٍ القديم في سنوات الشَّباب، فلو أنِّي غادرتُ هذا الميدان لَتَضاعَفَت آلامُ الشدائدِ والمِحَنِ التي تَنزِل بي مئاتِ المرّات، إذ ستُوجَّه حينئِذٍ مباشَرةً إلى إخواني الذين هم أحبُّ إليَّ من رُوحي.
ثانيها: صحيحٌ أن كلَّ واحد من إخواني الخواصِّ يَتَبنَّى الأنوارَ برتبة "سعيدٍ" كامل، إلا أنَّ أعظَمَ قوّةٍ لنا بعد الإخلاص تكمُنُ في التَّسانُد والتعاضُد، وبتزعزُع هذه
— 15 —
القُوّة يمكن أن تُصابَ الخدمة الإيمانية بضررٍ بالِغ، مثلَما حصل في السجن بسبب اختلاف المشارب؛ لذا أجدُ نفسي مضطرًّا للحِفاظ على حياةِ الهَرَمِ والشَّيخُوخة المريضة هذه إلى أن يتَحقَّق مبدأُ التَّسانُد تمامًا، ولحينِ صُدُور مجموعتَي "اللَّمَعات" و"الكلمات"، وحتى يَرتَفِع بلاءُ تنفيرِ العُلَماء من الأنوار الناجمِ عن الخَوف والغَيرةِ.
فبعنايةٍ إلٰهيّة حُجِب أعدائي طَوالَ تلك الامتحانات والمُحاكمات عن رُؤية عيوبي الخفيّة، ولم يتمكَّنُوا من تشويهِ صورتي بشكل كامل، فعجَزوا عن هزيمة رسائل النور؛ إلا أنَّهم ربَّما يتمكَّنون من إلحاقِ الضرر بها عبر تزييفاتٍ وافتراءاتٍ تجاهَ بعضِ وَرَثَتي من "سعيدين" شَبابٍ لم تتعزَّز أهليتُهم في الحياة الاجتماعية بعدُ بالتجارِب الكثيرة.. لهذا أسعى للمحافظة باهتمامٍ على حياتي التي لا أهمِّيّةَ لها، حتى إني رأيتُ من الضروريِّ الحصولَ على مسدَّسٍ قويٍّ إضافةً لما لديَّ..
وكما فشِلَت محاولةُ الأعداء تسميمي ببركة دعاء إخواني، ستَظلُّ أيضًا مؤامراتُهم كافّةً عقيمةً بإذن الله تعالى؛ ومن أمثلة ذلك: جاءني من "أنقرة" طلَبٌ لمجموعات النور، ووافقَ ذلك الليلةَ التي حصل فيها خُسُوفٌ كلِّيٌّ للقمر مُدّةَ ساعتين، فقمنا في اليوم التالي بإرسال ستٍّ وثلاثين مجموعةً دُفعةً واحدة، وعلى إثر ذلك جاء اثنانِ من أعدائي يَزعُمان أننا لم نرسل شيئًا، بهدف معرفةِ أماكنِ تلك الكُتُب؛ فبلغ الأمرُ بعضَ الماسونيِّين الرسميِّين وذوي المناصب في "أفيون"، ممّا دفَعَهم إلى مداهَمة منزلي لتَحَرِّي الأمر، ودَسِّ السُّمِّ في أواني الطعام والشَّراب، وبطريقة عجيبة صَعِدا سطح المنزل، ودخلا غرفتيَّ المُقفلَتَينِ عبر النوافذ دون تَحطيم زجاجها؛ ولأني كنتُ أحكمتُ إقفالَ غرفتي التي أنام فيها من الداخل بالمزلاج، لم يتَمَكَّنوا من اغتيالي، إذ حالَ دون مَقصَدِهم هذا الحفظُ الإلٰهيُّ والعناية الربانية..
كنت أَوَدُّ كتابة الكثيرِ من الأمور الضرورية، إلا أن تدَهوُرَ حالتي الصحية جعل يخاطبُني: "كفى".. لكن ثمّةَ أمورٌ لازمةٌ وضرورية في كلِّ وقت وحِينٍ، هي: الإخلاصُ، والثَّبات، والتَّسانُدُ، وعدمُ الِارتباكِ والتَّزَعزع، وأداءُ وظيفتنا دونَ التدخُّلِ في الشُّؤون الإلٰهية، والتحرُّكُ وَفقَ دُستُورِ: "سرًّا تنوَّرت"، وعدم الوقوعِ في اليأس.
— 16 —
كما أنني أكرِّر دائمًا القولَ: لم يشهد التاريخ أُناسًا نالوا مكاسِبَ معنويّةً عظيمةً من خلال خدمة جليلة ومشقة قليلة كتلاميذ النور، فكما أنَّ ساعةً من الحراسة في ظروفٍ قاسيةٍ تقومُ أحيانًا مقامَ عبادةِ سنة، كذلك هي ساعاتُ النُّوريِّين التي يُمضُونها في الخدمة الإيمانية والقرآنية، تُكسِبُ أجرَ مئاتِ الساعات بإذن الله تعالى.
أبلِّغُ سلامي لجميع إخواني وأَخَواتي،
وأدعو بسلامتهم في الدارين.. وأسألكم الدعاء.
أخوكم
٭٭٭

.......

إن ذلك المُضحِّيَ الحَقيقيَّ "زبير" قد هُرِع لنجدتي في أحرج الأوقات، إذ كنتُ بأشدِّ الحاجة إلى من يقوم على رعايتي، وكنتُ سأطلب من "إسبارطة" شخصًا مثله.
٭٭٭
إخواني الأعزّاءَ الأوفياء..
أوَّلًا: نباركُ لكم ليلة المعراج، ونَضْرَعُ إلى الله تعالى برحمته أن يتقبَّل دعواتِكم فيها.. وإن هُطُولَ المطر بصورةٍ استثنائيّة في هذه المنطقة قبل وبعد يومٍ من ليلة المعراج، لَهُو إشارةٌ إلى أن رحمةً عامّةً سوف تتجلَّى على هذا الوطن إن شاء الله.
ثانيًا: كنتُ على صلةٍ وثيقةٍ بطُلّابي القُدامى من مدينة "وان"، وأَتُوقُ للاطمئنان على أحوالهم، وقد قام "سليمان رُشدي یی قسطموني" المعروف بی"أمين چايجي" بزيارة إلى "وان" هذه الأيامَ، سعيًا منه لإيصال الأنوار إلى طلابي القدامى المبارَكين، وأرسل لي رسالة يُخبِرُني فيها أنه الآن بينهم، وأنهم ما زالوا على قيدِ الحياة، وأبلغَني
— 17 —
لهفتَهم واشتياقهم لتلقِّي الأنوار؛ فسُررتُ واغتبطتُ كثيرًا لدى سماعي هذا الخبر، لا سيَّما وقد كانت أخبارهم منقطعةً عني تمامًا، فكنتُ شديدَ القلقِ، ولا أدري أأحياءٌ هم أم أموات! غير أنَّ فرحتي بالاطمئنان عليهم امتَزَجت بالحزن لدى تَذكارِ عهدٍ قديم بصحبتهم؛ ولعدم إمكان التواصل معهم من مكاني هذا، فإن قام أبطال "صَفْرَن بولو" بالأمر نيابةً عني كان ذلك حسنًا.
ثالثًا: رغم أنني تركت السياسة منذ ثلاثين سنةً ولم أعُد أكترثُ لأخبارها، إلا أن مصادرةَ محكمةِ "أفيون" لمُصحَفِنا الشريف "مصحف التوافقات" مدّةَ عامين ونصف دون أن تُعيدَه إلينا، وتعمُّدَ إيذائنا بصورةٍ دنيئةٍ ومُهينةٍ لم يَشهدِ العالَمُ مثلَها، ومَنْعَهم انتشارَ كُتُبِنا.. كلُّ ذلك آلمَني كثيرًا، ممّا دفعَني للنظر في أحوال دُنيا السياسة مرّاتٍ عِدّةً خلال خمسةِ أو عشَرةِ أيامٍ، فشاهدتُ فيها حالًا عجيبًا.
إن ثمّةَ تَيّارَ زَندَقةٍ يعمل بمُطلَق الاستبدادِ وبالرِّشوة لِصالحِ الماسونية والشيوعية یی كما ذكرتُ في دفاعاتي یی ويسعى إلى سحقِنا والقضاء علينا بمثلِ تلك الاضطِهاداتِ؛ غيرَ أنِّي رأيتُ كذلك تَيّارًا آخَرَ لاحَت ملامحُ ظُهُورِه الآن في هذا الوطن، يُمكِنُه كَسْرُ شوكةِ ذلك التيار.. ولم أتمكَّن من النظر والِاطِّلاع أكثر، إذ لا رُخصةَ لي بذلك حَسَبَ مسلكي.
الباقي هو الباقي
أخوكم المريض
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭
— 18 —
السيد جلال بَيار..
رئيسَ الجمهورية..
نُهنِّئُكم، وندعو الحَقَّ سبحانه أن يكتب لكم النجاح والتوفيق في خدمة الإسلام والعباد والبلاد.
باسم طُلّاب النور
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭

إلى السيد "جلال بَيار" رئيسِ الجمهورية وحكومته..

"أنقرة"
بقينا نحن طُلّابَ النُّور على مدى عشرين عامًا هدفًا لتعذيبٍ واضطهادٍ لا نظيرَ لهما، إلا أننا تحمَّلْنا وصَبَرنا إلى أن جاء الحقُّ سبحانه بكم لمساندَتِنا؛ وإنّه یی بشهادة محكمة التمييز، وكذا محكمة "دَنِزْلي" یی لم تتمكَّن ثلاثُ مَحاكِمَ طَوالَ خمسةَ عشَرَ عامًا من العثور في (١٣٠) كتابًا وألْف رسالةٍ لنا على مبَرِّرٍ حقيقيٍّ وقانونِيٍّ لذلك التعذيب!
ومع أنِّي قد هجرتُ السياسة منذ ثلاثين عامًا، إلا أنَّني یی وقد تَوَلَّى الأحرارُ هذه الأيامَ قيادةَ هذا الشعب وإدارةَ مُقدَّراته یی أتقدَّمُ برسالة تهنئةٍ إلى رئيس الجمهورية ورئاسة الوُزَراء، وأُفصِح لهم عن حقيقة، هي وفقَ الآتي:
زعم الذين يهاجموننا ويضطهدوننا في المحاكم أنه: "من المُحتَمَل أن يَستَخدِمَ طُلّابُ النور الدِّينَ لأغراضٍ سياسيّة، بل ربما فَعَلُوها"، فأَجَبنا أولئك الظالمين بآلاف الحُجَجِ المدوَّنة في دفاعاتنا وما زلنا نقولها: إننا لا نتَّخِذُ الدِّينَ أداةً للسياسة، لأن أساسَ مَسلَكِنا يقوم على عدم اتِّخاذ الدِّينِ وسيلةً لأيِّ غرضٍ دُنيويٍّ أو سُلطَويٍّ سوى مرضاةِ الله وحدَه، ولقد اتَّضح هذا الأمر حتى لأعدائنا، فبرغم تدقيقهم أكثَرَ من ثلاثةِ
— 19 —
أوعيةٍ مَلْأَى بملفاتنا على مدى ثلاثة أعوام، لم يتمكنوا من إدانتِنا واتِّهامنا بشيء، بل لم يجدوا ذريعةً ومبَرِّرًا لأحكامهم المزاجية التعسُّفيّة التي أَصدَرُوها بحَقِّنا، لذلك نقَضَت محكمةُ التمييزِ ذلكم الحُكمَ.
أجل، لسنا نحن مَن يَجعَلُ الدِّين أداةً للسياسة، لكنَّنا نُجابِهُ الذين يتَّخِذون السياسةَ یی بتعصُّب وتَطَرُّف یی أداةً للإلحاد، بُغيةَ الإضرار بالوطن والشَّعب؛ فإن اقتَضَتِ الضرورة أن نخُوضَ غمارَ السِّياسة، فإنَّ مُهِمَّتَنا حينها تنحَصِرُ في جَعلِها أداةً للدِّين ومُنسَجِمةً معه لا غيرُ، حِرْصًا منّا على تحقيقِ رابطةٍ أَخَويّةٍ تشمَلُ ثَلاثَ مئةٍ وخمسين مِليونَ أخٍ لنا في هذا الوطن.
الحاصل: إننا یی في مقابلِ ما قام به مُضطَهِدُونا مِن استغلال السياسة كأداةٍ للإلحاد وبشكل متَطَرِّف یی سَعَيْنا لأجل سعادةِ هذا الوطن وشعبِه من خلال جعل السياسة أداةً للدِّين ونصيرًا له.
سعيدٌ النُّورْسِيّ
إخواني، وجدت الأمرَ بهذا الشكل مناسِبًا، وأُحيلُه إلى شُوراكم.
٭٭٭
باسمه سبحانه
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أبدًا دائمًا
إخواني الأعِزّاءَ الأَوفياء..
أوَّلًا: نُبارك لكم من صَميمِ قلوبنا حلولَ شهرِ رمضان المبارك الذي يُكسِبُ المَرءَ عُمُرًا باقيًا بقدر ثمانين عامًا ونيِّفٍ مكلَّلةٍ بالطاعة والعبادة، ونَضرَعُ إلى الحقِّ سبحانه أن يكتبَ لنا في كلِّ ليلةٍ من ليالي هذا الشهر الكريم بركةَ ليلةِ قدرٍ وثوابها، ونسألُه یی بسِرِّ العمل الجماعيِّ والسَّعي المشتَرَك یی أن يجعلَ كلًّا منكم بالأُخُوّة
— 20 —
والإخلاص الحقيقيَّينِ مَظهَرًا لتحصيلِ مكاسِبِ جميع النوريِّين المعنوية، من عبادةٍ ودعاءٍ واستغفارٍ وتسبيحٍ بآلاف الألسنة.
ثانيًا: بعد ما حقَّقَته رسائلُ النور من الانتصارات المَعنويّة التامّة، يَسعَى المُلحِدون من الماسُونيِّين والزَّنادقةُ من الشُّيوعيِّين إلى تضخيم الأمور وتهويلها، في محاولةٍ منهم لمَنعِ حُرِّية انتشارِ الأنوار تحت ذرائعَ شَتَّى، لدرجة أنهم قاموا مجددًا بتأجيل مَحكَمَتِنا خمسةً وثلاثين يومًا دون سبب أو مُبرِّرٍ؛ وافتعلوا مشاجراتٍ كلاميّةً مع مُحامينا كيلا يُسلِّمونا مُصحَفَنا الشريف، إلا أنَّ جميع مخطَّطاتهم تبوء بالفشل بفضل العناية الإلٰهية.
إن الأنوار بكمال هَيبَتِها تتداولُها أيادي الشباب المثقَّفين في "أنقرة" و"إسطنبول" بعفويّةٍ تامّة، وتلقي دُرُوسَها على تلاميذها ويتلقَّوْنها باشتياق كبير؛ وإحدى ثَمَراتِ انتصارِها المَعنَويِّ أنَّ جمعًا من المُثقَّفين الشَّباب، أرسلوا رسالةَ شُكرٍ وتَهنئةٍ ممهورةً بمئات التواقيع، لرئيس الوزراء الذي يسعى لإعادة الأذان المُحمَّديّ.
ثالثًا: يهنِّئُنكم مَن هاهنا من الطُّلّاب كذلك بقدوم شهر رمضان، وقد أرسلوا إليكم في المُرفَق بضعةَ نماذجَ من أشكالِ تعذيبِ الشُّيُوعيِّين كتبوها من تلقاء أَنفُسِهم، وربما يقومون بنشرها لاحقًا على شكلِ مَقالاتٍ في الصُّحُف.
أخوكم المريض المُبلِّغ سلامَه لجميع إخوانه وأَخَواتِه والداعي لهم..
والعاجز عن أداءِ وظيفة العبودية حقَّ الأداءِ بسبب المرض..
والمُحتاجُ لمُساعدةِ النوريِّين المعنويّةَ ودُعائهم له، ولمكاسبهم المعنوية..
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭
— 21 —
باسمه سبحانه
لقد لقي أستاذُنا على مدى خمسٍ وعشرين سنةً خَلَت، ظُلمًا شَديدًا ومضايقاتٍ غيرَ قانونيّة، في ظلِّ استبدادٍ مُطلَقٍ لم يُعرَف له نظيرٌ على وجه الأرض، وبتخطيطِ تيّارِ زندقةٍ إبّانَ حُكم حزب الشعب.
ونَذكر حادثةً واحدةً مثالًا على هذا، وهي أن أستاذَنا خَرَج يومًا بالعربة إلى ضاحية المدينة للتَّنَزُّهِ واستنشاقِ الهواء النقيّ، فأراد أحد المسؤولين الكبار هنا التعرُّضَ له في أمرِ لباسه بوقاحةٍ مُشينةٍ تنُمُّ عن انعدامِ ضميرٍ واجتراءٍ على مخالفة القانون من وجوهٍ شتى.
ونحن نقول: إنَّ هذا الرجل الذي آثر اليومَ العزلةَ والانزواء، لم يَعرف في حياته استكانةً لضَيمٍ أو خنوعًا لإملاء، كيف وهو الذي لم يَحتَمِل تَسلُّطًا يسيرًا من السُّلطان، وهو الذي هتف في المحكمة العُرفيّة زمان المشروطية مُخاطبًا رئيس المحكمة "خورشيد باشا" وأعضاءَها: "إن كانت المشروطيةُ استبدادَ فئةٍ، فليشهدِ الثَّقَلانِ أني رجعيٌّ.. إنني على استعدادٍ لأن أقدِّم ألف رُوحٍ لي یی لو وُجِدَت یی فداءً لحقيقةٍ واحدةٍ من حقائق الشريعة".
وهو الذي قال لی"مصطفى كمال" في مجلس النُّواب: "إنَّ تاركَ الصلاة خائنٌ، وحكم الخائن مردود".
وهو الذي رفض بكل قوةٍ تغييرَ زيِّه الإسلامي، وخاطب "نَوْزاد" والي أنقرة بالقول: "إن هذه العِمامةَ لا تُنزَعُ إلا مع هذا الرأس!"، وذلك حين أراد التعرُّضَ للباسه، فكَفَّ عنه، ثم تلقَّى صفعةً فيما بعد بأن قَتَل نفسَه.
وهو الذي حضر جَلَسات محاكمِ "إسبارطة" و"أسكي شَهِر" و"دَنِزْلي"، بحضور الآلاف من أفراد الشعب وبوجود العشرات من عناصرِ الشُّرطة، فلم يطلب أحدٌ منه الحَسْرَ عن رأسه.
— 22 —
إنَّ محاولة المَسؤولين المُستهترين الإهانةَ والتعرُّضَ لرجلٍ هذه حاله دون تفكيرٍ بعواقب الأمور، ما هي إلا سعيٌ مُباشَرٌ لِجَرِّ هذا الوطن والشعب إلى المَخاطِرِ المؤدِّية إلى الفَوضَوِيّة، فضلًا عن كونه تصرُّفًا غيرَ قانوني.
ثم إن هذا الرجلٍ يعمل منذ سنين بتجرُّدٍ وتضحيةٍ لا نظير لهما تحت وَطْأة ظروفٍ عصيبة، لتحقيق الاستقلال المعنوي لهذا الوطن والشعب، من خلال مؤلَّفاته الجليلة البديعة المؤلَّفة من (١٣٠) كتابًا، فلا ريب أن التعرُّض له ما هو إلا معاونةٌ بل ارتهانٌ لأعداءِ الوطن العاملين في الخفاءِ، الساعين في استعباد هذا الشعب وتدمير شبابه.
إنَّ تَحمُّلَ أستاذنا ذي النفس الأبيَّة، وعدمَ مبالاته بما يبيِّتُه ذلك المَسؤولُ من نوايا لإذلاله بهذا الأسلوب، الذي تمَّ بتشجيعٍ ومشاركةٍ من شخصٍ ماسونيٍّ في "أفيون" وعددٍ من المُتمرِّدين.. عَلَّمَنا حقيقةً قطعيّةً هي: أن هذا الرجل قد ضَحَّى بعِزَّتِه وشرفه، ونفسه وروحه، وراحتِه، حرصًا على عدم التسبُّبِ بأيِّ ضررٍ لهذا الوطن ولهذا الشعب!
زبير القُونوي
٭٭٭
إخواني الأعِزّاءَ الأَوفياء..
أوَّلًا: بسعادةٍ غامرةٍ نهنِّئكم برفعِ الأذان المحمَّدي على عشرات آلافِ المآذن، ونَعُدُّه فاتحةَ أعيادٍ لكم ولهذا البلد وللعالَم الإسلامي، وبشارةً بسطوع الشعائر الإسلامية في هذه البلاد مجدَّدًا.
ونسأله تعالى أن يتقبَّل عبادتكم ودعاءكم في شهر رمضان المبارك الذي يُنيل عُمُرًا من العبادة يَنُوف على ثمانين سنة، ونَضرَعُ إليه تعالى برحمته أن يكتبَ لنا في كلِّ ليلةٍ من ليالي هذا الشهر الكريم بركةَ ليلةِ قدرٍ وثوابَها.
كما أرجو مساندَتكم المعنوية، إذْ لا طاقةَ لي على إتمام العمل في هذا الموسم الرمضانيّ المبارك لشدة ضعفي واعتلال صِحَّتي.
— 23 —
ثانيًا: لديَّ رغبةٌ كبيرة في أن أُمضيَ بقيةَ حياتي في جوار "إسبارطة"، وقد سبق أن قلتُ ما قال فتى النور: "إن إسبارطة هي عندي مُباركةٌ بحَجَرِها وتُرابها"، حتى إنني كنت كلَّما وَجَدتُ في نفسي سخطًا على الحكومة السابقة التي أذاقتني الأذى طَوالَ خمسةٍ وعشرين عامًا، كنت أستثني حكومة "إسبارطة"، بل كنت یی إكرامًا لخاطِرِها یی أَنسَى ما كان يَفعَلُه بي غيرُها.
إنني مسرور جدًّا لنيل النور والنوريِّين تقديرَ الأحرارِ المُسمَّيْن بالدِّيمُقراطيِّين، وهم المُحبُّون للوطن والمناصرون للحُرِّية بصدقٍ وضمير، لا سيَّما وقد بدؤوا بإصلاح ما سلف من التَّخريبات القديمة؛ وأدعو لهم دومًا بالنجاح والتوفيق، وسيقتلع أولئك الأحرارُ یی بإذن الله تعالى یی الِاستبدادَ المُطلَقَ، ويكونون بذلك وسيلةً لتحقيق الحُرِّيةِ الشَّرعيّةِ التامّة.
ثالثًا: ثمّةَ ضرورةٌ لبقائي هنا مُدّةً بعد العيد لبعض الأسباب، وأنا على استعدادٍ یی بعد شهر أو شهرين یی للانتقال إلى المكان الذي يراه أركانُ المدرسة الزهراء مناسبًا لي وبموافقة "السَّعيدِين" الشباب في جامعتي "إسطنبول" و"أنقرة"، فما دمتُم وُرّاثي الحقيقيِّين وتقومون بأداءِ وَظيفتي في الدنيا أفضلَ منِّي ألفَ مرّةٍ، فإني أترُك لكم أَمرَ اختيار آخِرِ منزلٍ لي في حياتي الفانيةِ هذه.
رابعًا: أَوكَلْتُ إليكم كذلك أمرَ الإجابة على رسائل "أحمد نظيف" و"أحمد فيضي" و"خليل إبراهيم" و"حسن عاطف" والنوريِّين في "بوجاق" و"أفلاني" و"إسطنبول"، ممَّن أرسلوا لي تهنئتَهم، وعبَّروا عن علاقتهم الوثيقةِ بالأنوار.
٭٭٭
— 24 —
إخواني الأعزّاءَ الأوفياءَ..
أوَّلًا: نَضرَعُ إلى الله تعالى أن يبلِّغَكم برحمته إحياءَ ليلة القدر التي تُوافِق یی بسرِّ الحديث الشريف یی النِّصفَ الأخير من شهر رمضان، لا سيَّما العَشرَ الأواخر منه، وخاصة اللياليَ المفردة، وبالأخصِّ ليلةَ السابعِ والعشرين منه، والتي تُكسِبُ المرءَ أجْرَ نيِّفٍ وثمانين عامًا من عُمُرٍ حافلٍ بالعبادة؛ ونسأله سبحانه أن يكتبَ لكم ولجميع طلاب النُّور یی خاصةً أخيكم المسكينِ المريض الضعيف ذي العيوب یی سهمًا منها.. وأن يتقبل دعواتكم المؤيَّدة بألوفِ: "آمين".
ثانيًا: إن شباب النور الجامعيِّين يقومون بوظيفة "المدرسة الزهراء" في إسطنبول وأنقرة بكل اقتدار، وهم يؤدُّون بذلك أدوارَ "سعيدين" شُبّانٍ فلا يَدَعون حاجةً لهذا السعيد المسكين؛ وآيةُ ذلك بيانُهم الذي أرسلناه لكم طيًّا يُخاطبون فيه أعضاء مجلس الشعب، مُثبِتين فيه أن رسائل النور كافيةٌ من كل جهة، وكذا عريضتُهم الموجَّهةُ إلى سبعين عضوًا من أعضاء مجلس الشعب، وقد وَصَلَتْنا لتوضع في مقدِّمة كتاب "السيرة" الذي يُعَدُّ أيضًا ثمَرةَ مجهودِهم.. نُرسِلُها إليكم للاطِّلاع.
فقوموا یی إن وجدتُم الأمرَ مناسبًا یی باستنساخها مع ما سبق إرسالُه إليكم من دفاع "مصطفى صونغُر" أمام وزارة المعارف، وعريضة "مصطفى عثمان" المقدَّمة لوزارة العدل، لتُوضَع ذيلًا للسِّيرة، كما أُحيلُ إليكم أمرَ استنساخ خمسين أو ستِّين نسخة بخطِّ اليد أو بالآلة أو بالأحرف اللاتينية في (إينَه بولو).
ثالثًا: إن أركان المدرسة الزهراء هم وُكَلاءُ حقيقيُّون عنِّي، فلْيُجيبُوا على الرسائل الواردة إليَّ، وخاصة الأسماء الواردة في رسالة "خُسرَو"، وليُحرِّروا أجوبةً مناسبة لهم. نُرسِلُ إليكم طيًّا فِقْرةَ "جواب رسالة أحمد فيضي" المرسلةِ لكم.
نُهنِّئ جميع الإخوان والأخَواتِ بحُلول شهر رمضان المبارك بجميع لياليه وليلة القدر، ونُقرِئُهم السلام، وندعو لهم ونرجو دعاءَهم.
٭٭٭
— 25 —
باسمه سبحانه
نعرض على ناشر الحق والحقيقة "سبيل الرشاد" معاملةً غيرَ قانونية تُثار اليومَ من قِبَل حزب الشعب:
إن أستاذنا بديع الزمان سعيدًا النُّورْسِيَّ لَمّا قطع أَملَه من الحياة إثر اشتداد مرضه الناجِمِ عن التسمُّم، اشترى ثمانية كتبٍ من مؤلَّفاته من ماله الخاصّ، وأرسلها إلى أخيه المُفتي للاحتفاظ بها لديه.
فقام موظَّف مكتب بريد "أميرداغ" باحتجاز الكتب بناءً على نوايا خَفِيّة مبيَّتة ممارسًا دورَ الشرطة، وذهب بنفسه لإبلاغ الشرطة العسكرية والسُّلطات، وسلَّم جميع الكتب إلى القضاء الذي قام بمصادرتها، كما اتَّصل هاتفيًّا بسلطة "أفيون" وهوَّل الأمر.
والواقع أنَّ خمسةً من هذه الكتب هي عبارةٌ عن "الدفاعات وذيولها" الموجودة في المحكمة، أما الثلاثة المتبقية فهي الكتب ذاتُها التي أصدر وزير العدل الحالي "خليل أُزْيُرك" البراءة بحقِّها ثلاثَ مرات؛ كما برَّأتها من قبلُ محكمةُ "دَنِزلي" وأعادتها إلى أصحابها، ناقضةً بذلك حكم محكمة "أفيون".
وجديرٌ بالذكر أن الشُّيوعيَّ "فؤاد سيرمن" وزير العدل السابق تقدَّم بشكوى إلى مجلس الوزراء السابق لمنع التفسير القرآنِيِّ الحقِّ النافع "ذو الفَقار"، متذرِّعًا بصحيفتين من أصل أربع مِئة صحيفة، تتضمنان تفسيرَ آيتين كُتِب قبل ثلاثين عامًا!!
وبينما يُسمَح اليومَ للشُّيوعيِّين والماسونيِّين بنشر كتبهم دون تعرُّضٍ أو مساءلةٍ رغم ضررهم البالغ على الشعب والوطن، يُحارَب تفسيرٌ قرآنِيٌّ عظيمُ النفع والقيمة، أنقذَ إيمانَ مئات الآلاف، یی بشهادة خمس مئة ألف رجل یی فيُعامَل معاملةَ المنشورات المُضرّة!! ولا ريب أن هذا التصرُّف الذي يبعث الأسى ويَحزُن أستاذَنا زيادةً على مرضه ووضعه الحرج، لَيُنافي القانونَ من كلِّ وجه.
ثانيًا: إن الحقيقة المَخفيّة المبيَّتة وراء هذه المسألة هي أن أستاذنا أبدى بعض التشجيع لطُلّابه في دعم الحزب الديمقراطي مادّةً ومعنًى، وهو ما أثار حفيظةَ
— 26 —
مستبدِّي حزب الشعب المتطرفين، فضخَّموا الأمور بذرائع واهية، وقاموا بافتعال هذه الحادثة.
والحال أن هذه الكتب ترسل وتُسلَّم بواسطة البريد في كل مكان دون أن يتعرَّض لها أحد، وهذا يُشيرُ إلى أن هنالك مؤامرةً خبيثةً غير متوقَّعة.
ثالثًا: ثمّةَ هجومٌ حاليٌّ على الحكومة السابقة عبر المطبوعات والكتب، وتعرُّضٌ لسياساتها بما يتجاوز ألفَ مرّةٍ مسألةَ آيتَينِ في "ذو الفَقار" المُدرَجة في قضيَّتنا، ممّا يجعل هذا الكتاب خارج دائرة التهمة بشكل تامٍّ.
ويُفهم من هذه المعاملات أنها تصرُّفات مِزاجية متكرِّرة تَصُبُّ في مصلحة حزب الشَّعب، وهي نموذج من أوهامهم ودعاواهم القائلة: "إن كانت السُّلطة بيد الديمقراطيِّين، فإن الاقتدار والحُكم والسُّلطة التنفيذية بيدنا نحن".
باسم طُلَّاب النور في أميرداغ
محمد، إبراهيم، ضياء.. وغيرهم
٭٭٭

إلى مقام رئيس الجمهورية، رئيس الوزراء، مجلس الوزراء، وزارة العدل، رئاسة الشؤون الدينية

أنقرة..
أُبيِّن بِضعَ نِقاط للسادة الذين يَسعَون لتحقيق العدالة والحُرِّية الحقيقية:
النقطة الأولى: بعد أن دقَّقت كلٌّ من محكمة "دَنِزلي" ومحكمة جزاء "أنقرة" جميعَ أجزاء رسائل النور، أقرَّت یی بالاشتراك مع لجنة الخبراء یی ببراءتها وعدمِ وجود أيِّ مانعٍ من إعادتها إلى أصحابها؛ فأُطلق سراحُ سعيدٍ وأصحابِه، وأُعيدت إليهم رسائل النور التي ظلت رهينةَ الاحتجاز والمحاكم عامَينِ كاملين، وصدَّقت محكمة التمييز قرارَ البراءة هذا، واعتبرت هذه القضية مُحكَمة.
— 27 —
لكنْ بالرغم من ذلك قامت محكمة "أفيون" عبرَ رجلين ممَّن يُعادون شخص سعيدٍ بمُصادرةِ نفس الكتب ومُصحفِه المخطوط الفريد المُعجِز، في مخالفةٍ صريحةٍ وتامّةٍ للقانون، وأصدَرَتْ مجدَّدًا الحكمَ بإدانة سعيدٍ وأصحابه!!
ومع أن محكمة التمييز نفسَها نقضت هذا الحكم مرّةً أخرى، ومع أن رسائل النور لَقِيَت استحسانَ بعضِ قِياداتِ الدِّيمقراطيِّين من أرباب الحميّة الوطنيّة، الذين أنقذوا هذا الوطن والشعب من الاستبداد الحاقد الذي كان يمارسه الحزب السابق، وتلقَّوها بكمال التقدير، وتبنَّوها بغاية الحماس، إلا أن القوم ألحقوا ضررًا بالغًا يُقدَّر بآلاف الليرات بفقراءَ أمثالِنا، وماطلوا ثلاثَ سنواتٍ في إجراء مُحاكمةٍ بقضيةٍ نالت البراءةَ ثلاث مرات، وهو ما يَنُمُّ عن حقدهم الدفين؛ حتى إنهم وضعوني في التجريد المُطلَق عشرين شهرًا، ومنعوا عنِّي من يقوم على رعايتي، ثم لَمّا أُخلي سبيلي كلَّفوا شُرطيَّين بمراقبتي عند باب منزلي، وكان من ظلمهم العجيب لطلاب النور الأتقياء أنهم كانوا يتعمَّدون إقامةَ محاكماتهم وقتَ صلاة المغرب ليفوِّتوا عليهم أداءَها، إهانةً لتقواهم ليس إلا.
وأُذكِّر بأنه سَبَق لی"إسبارطة" أن صادرت جميعَ أجزاء رسائل النور، ثمَّ أعادتها كاملةً بعد التدقيق فيها.
أمّا وقد ابتُدئ في عهد الديمقراطيِّين بخدمة القرآن والشعائر الإسلامية كالأذان المحمدي والدروس الدينية وإصلاحِ ما خلَّفَته الحكومة القديمة من تدميرٍ معنويٍّ موجَّهٍ ضدَّ القرآن؛ وما دام يُسمَحُ بنشرِ مؤلَّفات المُلحدين والماسونيِّين والشيوعيِّين، فلا ريبَ أن الساعين لمصادرة "ذو الفَقار" و"عصا موسى" و"سراج النور" وأمثالها من مجموعاتٍ مباركةٍ نالت تقدير العلماء الأجِلَّة في أرجاء العالم الإسلامي كمكّةَ والمدينة والشّام، وأُقرِئَها العلماءُ في دائرة الشؤون الدينية، وأَلزمت الفلاسفةَ وأخرستهم، وكذا مصادرة المصحف القيِّم المُذهَّبِ ذي المعجزات الذي سعى رئيس الشؤون الدينية لطباعته بكامل التقدير.. أقول: لا رَيبَ أنَّ الساعين لمصادرتها لا يعملون لخدمة العدالة والقضاء والحقيقة، بل لِصالحِ الشيوعية والماسونية.
— 28 —
ولأنني أعاني المرض الشديد نتيجة التَّسمُّم، ولا أقدر على الدفاع عن حقوقي، فإنني أوكِّلُ "مصطفى صونغُر" مِن بين إخواني بالدِّفاع عني، مؤمِّلًا من وُزَراء الحكومة الجديدة المُحِبّة للعدالة أن يُزيلوا هذه التخريبات الناجمة عن اضطهاد الحكومة القديمة لي منذ عشرين عامًا.
باسم تلاميذ النور
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭
مصارحةٌ بحقيقةٍ مهمة من طُلّاب النُّور الجامعيِّين إلى الديمقراطيِّين
لقد أصبح الديمقراطيُّون اليومَ یی بناءً على رغبة الشعب یی وسيلةً لتحرُّر الشَّعائر الإسلامية، ولكي يحافظوا على مكانتهم وينالوا رِضا الوطن والشعب، فإن السبيل الوحيد يكمُنُ في اتخاذ تيّار الوحدة الإسلامية نقطةَ استنادٍ لهم.
لقد كان الإنكليزُ والفرنسيُّون والأمريكيُّون فيما مضى يرفضون هذه الوحدة، لتعارُضِها مع سياساتهم ومصالحهم، لكن هذه المصالح والسياسات بحاجةٍ اليومَ إلى هذه الوحدة، ذلك أن الشُّيوعيّة والماسونية والزندقة والإلحاد أنتجت الفوضوية بشكل مباشر، ولا يمكن لشيء أن يَصُدَّ هؤلاء المُخرِّبين الظَّلَمة سوى الاتِّحاد الإسلامي حول الحقيقة القرآنية؛ فكما أنَّ هذا الاتِّحاد وسيلةٌ لإنقاذ البشرية من هذا الخطر الداهم، فإنه كفيلٌ أيضًا بإنقاذِ هذا الوطن من الاحتلال الأجنبي، وتخليصِ شَعبِه من الفوضويّة.
وبناءً على هذه الحقيقة، فإنَّه يتوجَّب على الديمقراطيِّين الاستنادُ إلىه والاعتماد عليه بكلِّ قُواهم، والتحصُّن به ضِدَّ تيّار الشُّيوعية والماسونية.
لقد اكتسَب الديمقراطيون قُوّةً تزيد على قُوَّتهم عشرين ضعفًا بنشرِهم الأذانَ المحمديّ، ونالوا بذلك محبّة الشَّعب ورضاه، ومثلَما اتَّحدوا من قبلُ مع النوريِّين القُدامى الذين كانوا مُنتسبين معنويًّا للاتِّحاد المحمَّدي القديم ضدَّ الماسونيِّين من الاتِّحاديِّين ومواليهم، فكذلك الأمر الآن، فإن النوريِّين الذين ينتسبون إلى الاتِّحاد الإسلاميِّ يشكِّلون تكتُّلًا موحَّدًا كبيرًا، وهم نقطةُ استنادٍ للديمقرطيِّين.
— 29 —
إن المتشدِّدين من الحزب السابق، ومن يحملون الفِكر الماسوني أو الشُّيوعي فيه، يَسْعَون لتوجيه ضربتين قويَّتَين للديمقراطيِّين؛ وكما نجحوا سابقًا في الإطاحة بحزب الحرية رغم وصوله إلى سُدّة الحكم مرتين في مدة وجيزة، وأعدموا الكثيرَ من أفراد الاتِّحاد المحمَّدي المتحالفين معهم، وسَعَوْا إلى إظهار الديمقراطيِّين (المعروفين بالأحرار) على أنهم أكثرُ إلحادًا منهم.. فكذلك الحال اليوم، إذْ تبيَّن بشكلٍ قطعيٍّ لا ريبَ فيه أن بعض قيادات الحزب السابق لبسوا عباءة الدين بغيةَ جرِّ الديمقراطيِّين إلى محاربة الدِّين أو تدميره كما كانوا هم يفعلون؛ حتى إنهم يحاولون كسبَ بعض علماء الدِّين الرسميِّين ليجابهوا بهم الديمقراطيِّين، وقد سبق أن اضطهدوا مَن يمكنه مواجهتهم من النوريين، ليَحُولوا دون التقارب بين العلماء والديمقراطيِّين بوساطة النوريِّين، وذلك لعلمهم أنَّ النوريِّين متى انحازوا إلى جهةٍ ما، انحاز معهم العلماء أيضًا، إذْ ليس ثمّة تيّارٌ ينتسبون إليه أقوى منهم.
وما دامت هذه هي الحقيقة، فإنه يتوجَّب على الديمقراطيِّين السعيُ في الإصلاح قدرَ استطاعتهم وبكلِّ ما يملكون من قُوّة، حتى يُحيُوا بقيَّةَ الشعائر الإسلامية مثلَما أَحيَوا شعيرةَ الأذان، إرضاءً للنوريِّين والعلماء، واسترضاءً لهذا الشعب، ولكيلا يفقدوا عونَ الأمريكيِّين وحُلَفائهم، وحتى لا يستغلَّ متطرِّفو الحزب القديم من الماسونيِّين والشُّيوعيِّين أهلَ العلم وأهلَ الطريقة یی وهم الذين اضطهدوهم خمسةً وعشرين عامًا، وأرغموهم على التزلُّف لهم یی ولكيلا يتحقَّق مسعاهم في إسقاط الديمقراطيِّين من سُدّة الحكم.
وإنه مما يؤسَف له أن بعض المتعصِّبين والماسونيِّين والشيوعيِّين يقدِّمون أنفسَهم على أنهم ديمقراطيون رغم أنهم ضدَّ الديمقراطيين، وغايتهم من ذلك دفع الديمقراطيِّين باتجاه محاربة الدين وتدميره كي يَسقطوا.
باسم طُلّاب النور والشبيبة النورية الجامعيّة
صادق، صونغُر، ضياء
٭٭٭
— 30 —
باسمه سبحانه
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أبدًا دائمًا
الأخ العزيز الوفي المُضَحِّي الحاج علي..
لقد تلقَّينا رسالتكم التي أدخلت الفرح والسُّرورَ الغامر في نفس أستاذنا..
يقول أستاذنا: "إن رسائل النور كافيةٌ في هذا الزمان، وقد شَهِد الآلاف من أهل العلم أنَّ من يَدرس في المدارس الشرعية التقليدية طوالَ عشرِ سنوات، بإمكانه تحصيلُ الاستفادةِ نفسِها في عام واحد، وذلك من خلال رسائل النور.
وما دام الحاجُّ "علي قلنچ" قد تلقَّى رسائلَ النور منذ عامٍ ونصفٍ وقرأ قسمًا منها، فإنه عندنا بمثابةِ طالبِ نُورٍ عاش في ظلالها عشرين عامًا.. إنني في كل صباح أجعل له یی باسمه یی بين الخواصِّ سهمًا في جميع مكاسبي المعنويّة عساها تُدرَج في صحائف حسناته، ولهذا فهو مكلَّف بأن يَهَب حياتَه كلَّها لرسائل النور؛ وبناءً عليه فإنَّ تعذُّر سفرِه إلى الجامع الأزهر حتى الآن كان لحكمة بالغة، إذ كانت الأنوار كافيةً في حقِّه.
إننا على أملٍ قويٍّ أن تُقام في المستقبل مدرسةٌ نوريّةٌ في "أورفة"، تلك المدينةِ القريبة من مدينتَي حلب ودمشق؛ فليَقُم كلٌّ من "علي قلنچ" والتلميذِ المُهمِّ لسعيد القديم "المُلا عبد المجيد" الموجود في دمشق بالتواصل مع طالب النور في "أورفة": "سيِّد صالح"، ومع طالبِ نُورٍ مُضحٍّ ينوي الذهابَ إليه.
أبعثُ بسلامي للمُلا عبد المجيد وللحاج علي ولجميع من يهتمُّون برسائل النور في الشام، وأرجو منهم أن يَذكُرُوني بدعواتهم في تلك الأماكن المباركة".
أجل، أخانا البطل الحاج عليًّا: إن أستاذنا يتحدَّث دومًا عن تضحياتكم، ونحن أيضًا نُشِيد بجهودكم ونبارك لكم.
الباقي هو الباقي
القائمون على خدمة الأستاذ
صونغُر، زبير، ضياء
٭٭٭
— 31 —
أخي العزيز..
أولًا: تكاد مجموعة "الكلمات" تكون خاليةً تمامًا من الأخطاء، سوى بضع كلماتٍ أرسلناها لكم طيًّا.. ما شاء الله!
ثانيًا: أرسلتُ إليكم خمسين ليرةً ثمنًا للمجموعات الموجودة في المحاكم، فأرسِلُوها إليَّ إن رأيتم ذلك؛ وإلا فخُذُوا المالَ ثمنًا للقسم المخصَّص لي من المجموعات التي بعثتُم بها مؤخَّرًا.
ثالثًا: من غير المناسب الآنَ تقديمُ "كتاب السيرة" إلى النُّوّاب مجانًا، فليُقدَّمْ بثمنه لمن يرغب؛ وإن توفَّر في "أنقرة" عشرُ نسخٍ منه أو عشرون فأمرٌ حسن.
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭
باسمه سبحانه
سمعنا خبَرًا عن نية إتلافِ مجموعتين كبيرتين من كلِّيّات رسائل النور الجليلة الرائعة، فما أشنعها من فعلةٍ بحق مجموعتين مُفعَمتين بالحقائق، ألزَمَتا الفلاسفةَ الحُجّةَ، ونالتا قرارَ البراءة مع سائر أجزاء رسائل النور من محكمتَي "دَنِزْلي" و"أنقرة"، واعتُبر القرار قضيةً مُحكمة، وأُعيدت الرسائلُ إلى أصحابها، كما نالت قرار البراءة مرَّتَين من محكمة التمييز، ولاقَت الاستحسانَ والتقدير في مصر ودمشق وحلب ومكّةَ المكرَّمة والمدينة المنوَّرة وغيرِها من مراكز العالم الإسلاميّ، ووُضعت عند قبر الرسول الأكرم (ص)، وفوق الحجر الأسود إشارةً إلى قبولها.. ولا ريب أن هذه الفعلةَ جنايةٌ لم يُعرَف لها مثيلٌ في التاريخ، وهي إحدى الجرائم الكبيرة التي يرتكبها حزب الشَّعب.
إنَّ بإمكاننا یی نحن طُلّابَ النُّور یی أن نستردَّ حقَّنا من الظَّلَمة بأيدينا، إلا أننا لم نَرُدَّ عليهم ردًّا مادِّيًّا بحُكم الشَّفَقة القوية التي غرَسَتْها رسائلُ النور فينا تجاهَ الصِّغار المساكين والشيوخ الكبار من أبناء الأُمّة التركية البطلة التي حمَلَت لواءَ الإسلام عبر العصور، إضافةً إلى أنَّنا نحمل النُّورَ لا الهراوة، وأن القرآنَ الحكيم منَعَنا من
— 32 —
الصراع المادِّي، وأن مسلكنا يُحتِّمُ علينا السعيَ بكل ما نملك من قوّة للحفاظ على الأمن والاستقرار؛ لكنْ إنْ دُفِعنا لذلك بشكلٍ قسريّ یی لا سمح الله یی فسيندم حينها الشُّيوعيُّون والماسونيُّون الذين كانوا وراءَ هذا الأمر أشدَّ الندم.
وإنه من خلال نظرتنا الخاصّة تولَّدت لدينا القناعةُ أنَّه كلَّما اعتُدي على رسائل النور باسم الإلحاد والزندقة، حلَّت البلايا والمصائبُ العامّة، وما وُقوعُ أربعة زَلازِلَ بالتزامن مع هذا الاعتداء، وظُهورُ حوادثَ كثيرة في الوقت ذاتِه، إلا مصداقٌ لقناعتنا هذه، وقد تبدَّت هذه الحقيقة حتى للعُميان، وأعلنَّا ذلك في المحكمة أيضًا.
ولهذا الاعتبار، فإن تنفيذ قرارٍ كهذا بارتكاب جريمة الإتلاف بحقِّ مجموعات قيِّمة ومباركة، يُغضِب أهلَ الإيمان ويُثير سَخطتَهم، ونخشى إن حصل ذلك أن تَضرِبَ الزلازلُ والفيضانات والطُّوفان هذا الوطن، ويتفشَّى بين أبناء هذا الشعب المرض والوباء؛ واحتمال وقوع هذه الأمور قويٌّ جدًّا.
كما أنه تَبَعًا لتفسيرِ ثلاث مئةٍ وخمسين ألفِ مفسِّر، فإن مصادرة وإتلافَ المجموع المسمَّى "ذو الفَقار" ذي الأربعِ مئةِ صفحةٍ، والذي كان له فضلٌ عظيم في إنقاذ إيمانِ مئات الآلاف من الأشخاص، بذريعة احتوائه على تفسير آيتين قرآنيَّتين في صحيفتَين لا غير.. لَأَمرٌ لا يُقرُّه أيُّ قانونٍ من قوانين العالَم؛ وسيُدرِك من يملك مِقدارَ ذرّة من عقلٍ أن من يمارسون هذا الحقدَ یی خدمةً للإلحاد یی بعيدون تمامَ البُعدِ عن الحقِّ والحقيقة والعدالة، وأن ذلك سيَعود عليهم بآلاف اللَّعَنات والكراهية.
إنَّنا على أملٍ قويٍّ أن حكومة الديمقراطيِّين الأبطال ستَحولُ دون وقوع هذه الفِعال الشنيعة التي دُبِّرَتْ في عهد حزب الشَّعب المستبدِّ الرجعيِّ الظالم، وستُعادَ إلينا یی على الفور یی المؤلَّفاتُ المُحتَجَزة في محكمة "أفيون" منذ ثلاث سنواتٍ دون وجود موضع تُهمةٍ فيها ولو بمقدار ذَرّة، وسيُعادَ إلينا قبلَها مصحفُنا المُذَهَّب ذو التوافقات الإعجازية.. نأمُل هذا ونرجوه من الجهات المَعنيّة.
باسم طلاب النور
خُسرو، صونغُر
٭٭٭
— 33 —
باسمه سبحانه
أخانا الكبيرَ البطلَ..
أوَّلًا: نعرِض عليك أمرًا في غاية الأهمِّية:
-نرجو ألّا يُسمَح یی بأي حالٍ من الأحوال یی بإتلاف المجموعات من رسائل النور، ونرجو إنقاذَها مهما كلَّف الأمر.
-هل صدر قرارُ الإتلاف الآنَ أم من قبل؟ وهل هذا القرار حسَبَ رأيك ثابتٌ بشكل رسميٍّ؟
-يُرجى جمعُ المعلومات الكافية عن هذه الأمور، وإفادتُنا بها.
ثانيًا: نقدِّم إليك للاطِّلاع الورقةَ التي أُرسِلت إلى البطل صونغُر في أنقرة، وإلى وزير الدولة بهذا الخصوص، مع كامل الاحترام والتقدير.. ونقبِّل أَيديَكم.
ضياء، زبير
٭٭٭
أخانا العزيزَ المحترمَ البطل صونغُر..
أوَّلًا: نُقرئُك آلافَ السلامِ، ونرجو من الحقِّ سبحانه أن يكتُبَ لكم التوفيق في خدمة النور.
ثانيًا: نُبلِّغكم أمرًا بالغَ الأهمِّية والسِّرّية، وهو أنه بحَسَب الأخبار التي وصَلَتْنا صدر قرارٌ بإتلاف مئةٍ وستِّين نسخةً من مجموعات "ذو الفَقار" و"عصا موسى" التي صودرت من قبل قضاء ولاية "إسبارطة" وسبق أن أعيدت للأستاذ في "دَنِزْلي" رغم نَيلها البراءة بتصديق وزير العدل الحالي، وليس لدينا شكٌّ ولا شُبهةٌ بأن هذا القرار الظالمَ الذي تَغضَب له الأرض والسماوات وتَبكي له الموجودات ليس إلا مُؤامرةً ضدَّ الديمقراطيِّين، حاكَتْها أيدي رجال حزب الشِّعب المتطرِّفين.. فقد لاحظ هؤلاء
— 34 —
الشياطينُ أن طُلّاب النور يَحوُطون الديمقراطيِّين، وأنَّهم نقطةُ استنادٍ قويّةٌ لهم، فسَعَوا بهذا الأمر للإيقاع بينهما وصولًا إلى إسقاطِ الحكومة؛ وإنَّ أستاذنا يحيل إليكم أمرَ السَّعي بكلِّ جدِّيةٍ واهتمامٍ لإفشال هذا المُخطَّط، وإنقاذ مجموعاتنا، واسترداد جميعِ كُتُبنا الموجودة في "أفيون".
ضياء، زبير
٭٭٭

السيِّد وزير الدولة..

نودُّ إبلاغَكم بمؤامرةٍ خطيرةٍ ترتبط ارتباطًا وثيقًا بمُقدَّرات الوطن والشعب، وقد حِيكَت خيوطُها ضِدَّ الديمقراطيِّين، ودُبِّرت بأسلوبٍ يَعجِز حتى الشيطان نفسُه عن إدراكه، وهي كالآتي:
لقد أدرك مروِّجو الأكاذيب المتطرِّفون من حزب الشعب، أن الحزبَ الدِّيمقراطيَّ تَحُوطُه الجماعة العظيمة لطلاب النور یی تلك الجماعة التي أسَّسها بديع الزمان سعيدٌ النُّورْسِيّ المُجاهد منذ سبعة وعشرين عامًا ضِدَّ الإلحاد والاستبداد المُطلَق والظلم الشديد في هذا الوطن بكلِّ تضحيةٍ وتفانٍ، ومن خلال منشوراته الخاصة یی، فقاموا بانتهاز فرصةٍ وبشكل سرِّيّ، وأرسلوا بعض عُيُونهم إلى المناطق التي يتوافر فيها طُلّاب النور بكثرة، بمُهِمّة التدقيق والتجسُّس.
لقد نهض طلاب النور لخدمة هذا الشعب إسلاميًّا وإيمانيًّا في شتَّى أنحاء الأناضول، وبتمام التضحية والإيمان، وشكَّلوا رأسَ حربةٍ في انهيار سلطنة الظالمين من أساسها، واقتلاعها من جذورها؛ ولأجل ذلك، وبُغيةَ زرعِ الفتنة والضغينة بين هؤلاء الطلاب وبين الديمقراطيِّين، صدر من قضاء "إسبارطة" یی بحسَب ما بلغَنا یی قرارٌ تَغضَب له الأرض والسماوات، وتبكي له الموجودات، إذْ يقضي بإحراق مجموعات "عصا موسى" و"ذو الفَقار"، تلك المجموعات التي أنقذت حياةَ طلاب النور الدُّنيوية والأُخروية، وأرشَدَت مئاتِ الآلاف من أهل الإيمان، ونوَّرت أفكار الكثير من
— 35 —
الجامعيِّين الشباب، ونالَت الِاستحسانَ والتقدير في مصر وسائر البلاد العربية، ووُضعت عند روض الرسول الأكرم (ص) وفوق الحجر الأسود في إشارةٍ إلى تلقِّيها بالقبول.
والواقع أن هذه المجموعات الكبيرة التي تُشكِّل أجزاءً من "كلِّيّات رسائل النور" المُؤلَّفة من مئة وتسعة عشرَ قسمًا، قد صدر بحقِّها قرارُ البراءة بالإجماع مع سائر كلِّيّات رسائل النور سنة (١٩٤٤)، من محكمة جنايات "دَنِزْلي"، وصدَّقَت قرارَ البراءةِ محكمةُ التمييز العُليا، واعتُبِرت قضيّةً مُحكَمة، وأُعيدت جميعُ الكتب إلى مؤلِّفها المُحترَم وإلى أصحابها.
كما أن القرار الحاقد الذي صدر آخرَ مرّة من محكمة "أفيون" بأمرٍ خاصٍّ من الوزير الشيوعي لحكومة حزب الشعب، قد نقَضَه من أساسه كلٌّ من وزيرِ العدلِ في حكومةِ الديمقراطيين الأبطال، والرئيسِ السابق لمحكمة التمييز العادل المحترم.
وقد انتهز القومُ قانون العفو الصادرَ مؤخَّرًا، فطَوَوا به الأكاذيبَ التي ارتكبوها والتُّهَم التي أُدينُوا بها، وخَلَصوا به من المُساءلة.
ومع هذا، وبالرغم من انتشارِ وتداوُلِ المطبوعات التي تَحُطُّ من شأن الحكومة السّابقة، يَظلُّ تفسيرُ آيةٍ في صحيفتين من أصل أربع مئةِ صفحةٍ لكتابٍ زاخرٍ بالحقِّ والحقائق، موضعَ تُهمةٍ ومساءَلةٍ تستلزم إتلافه بكلِّ حقدٍ وضغينة!! وما هذا إلا خدمةٌ صريحةٌ تصب في مصلحة الحزب السابق الظّالم، ومُؤامرةٌ حِيكَت لأجل استعداءِ مئاتِ الآلاف من طلاب النور على الديمقراطيِّين، والقضاءِ على مرتَكَزهم الهادئ الصامت المُتديِّن القويّ، وإسقاطِ حكومتهم.
إننا نبلِّغ سيادَتَكم هذا الأمر كيما تَبُوء تلك الخُطّة الشيطانيّة الخبيثة بالفشل.
مع كامل الاحترام والتقدير.
باسم طلاب النور الجامعيين
يوسف ضياء أرون
٭٭٭
— 36 —

أُرسلت إليكم للاطِّلاع

من المقالة المنشورة في العدد التاسع والعشرين من مجلة "بُيوك دوغو"، تحت عنوان: «حقيقة معاهدة لوزان»:
وأخيرًا نطق اللُّورد "گورسون" رئيس الوفد الإنكليزي المفوَّض كلمتَه ذاتَ الدَّلالات العميقة، إذ قال: "إن قامت تركيّا بنفسها بحلِّ روابطها بالإسلام ورَميِها بعيدًا عنها، والابتعادِ عن تقديم نفسِها مُمثِّلًا عنه، فحينئذٍ يمكنها إبرامُ اتِّفاقٍ حقيقيٍّ معنا، وستحظى باحترام العالم المسيحيِّ وامتنانِه، ونحن بدَورنا نُعطيها ما تشاء وترغب".
ولم يكن رئيسُ الوفد التركي المفوَّض إلى "لوزان" عصمت باشا يدري حقيقةَ نواياهم حينئذٍ، لكنَّه استشعر أن غايةَ آمالِ المسيحية في المرحلة الحالية تتمثَّل في اقتلاع تركيا من جذورها وقطعِ علاقتها بتاريخها وروحها ومقدساتها، ورغمَ ذلك قدَّم تعهُّداتٍ سِرِّيةً يقول فيها: "إن العزم الذي يمتلكه هو یی أي: عصمت باشا یی بخصوص التخلُّص من العوائق المتجذِّرة منذ القِدَم یی أي: الأعراف الإسلامية یی لَهُو دليلٌ ظاهرٌ لا يُمكن إنكارُه".
وإنَّ هذه العبارات التي اقتبسناها حرفيًّا تستوجب منّا أن نُسائل رئيس الوفد التركي: ما الذي يعنيه بالعزم القطعيِّ الذي يُكنُّه تجاه الشعب التركي حول التخلُّص من العوائق القديمة والمتجذِّرة؟ وما هي دوافعُه للتعهُّد بذلك أمام أعداء الإسلام؟
في الجولة الأولى من المؤتمر يعود رئيس الوفد التركي إلى الوطن، لأنه لا يملك القرار، فهو مضطرٌ لأن يخبر قائده رئيس الجمهورية مصطفى كمال، فيلتقي به في "أَسْكِي شَهِر" أثناءَ سفره بالقطار من "حيدر باشا" إلى أنقرة، حيث كان الأخير في طريقه بالقطار من "إزمير" إلى "أنقرة"، فيتباحثان هناك على انفرادٍ في جولةٍ لم يُرافقهما فيها ثالث، ثم يلتقيان في اجتماعاتِ مجلس الشَّعب السِّرِّيةِ بأنقرة، وتظل مباحثة المسائل الأساسية منحصرةً بينهما دون ثالث، وكانت حصيلة هذه اللقاءات الخاصة بين "عصمت باشا" و"مصطفى كمال" وخلاصة قراراتها تتلخَّصُ في: «القضاء على الدِّين».
— 37 —
وفي الجولة الثانية من مؤتمر لوزان: بات كل شيء جاهزًا في الحقيبة لحساب تركيا؛ بمعنى: أنه سيتمُّ تحقيق أيِّ شيء تطلبُه مقابلَ تخلِّيها عن الدِّين، وسيتحرَّك الحزبُ الجديد یی حكومة عصمت وكمال یی بعد اليوم وَفقَ مبدأ التخلُّص من الدِّين لدى هذا الشعب، وليس لدينا أيُّ شُبهة في أنهما يمتلكان حماسةً أشدَّ من قادة العالم الصليبيِّين الأعداء في توجيه ضَرَباتٍ قاسيةٍ للدِّين، وأنهما سيُقدِّمان یی تحت شعار الإرادة الشعبية یی نماذج مُثلَى في هذا الشأن داخلَ العمق التُّركيّ، لا خارجَه فحَسْبُ!
٭٭٭

الوثيقة النهائية

بعد معاهدة لوزان تعالت الأصوات في مجلس النواب الإنكليزي قائلةً: لماذا منحتم الأتراك استقلالهم؟! فأجاب اللورد "گورسون" بالقول: "بعد اليوم لن يتمكَّن الأتراك مجدَّدًا من العودة إلى سطوتهم وشوكتهم القديمة، فقد قضينا على معنويّاتهم وقتلنا فيهم رُوح المواجهة"؛ أي: إنَّ القرار الصادر من "مصطفى كمال وعصمت" هو قرارٌ بقتل الشَّعب التُّركي دينيًّا وإسلاميًّا.
فهلّا أصبحت جميع الأمور بعد هذا واضحةً وجليّة؟!
مخطط المؤامرة السرِّيّة
إن أخطر ما في المؤامرة السرِّيّة تأثيرًا على الأتراك حول صفقة استقلال تركيا المُصطَنع یی شريطةَ تضحيتِها بالدِّين وبما تمثِّلُه باسمه یی هو بالحرف الواحد: اليهودية، والشخصُ المكلَّف بذلك هو رئيس حاخامات مصر الحالي "حاييم ناعوم".
لقد بدأ "حاييم ناعوم" مخطَّطَه الرهيب هذا أوَّلَ الأمر عبرَ سلسلة محاضرات منتَظِمة ألقاها في أمريكا، امتدح فيها الأتراك، ولقَّن قادةَ الإمبريالية ضرورةَ إطلاق
— 38 —
حُرِّية تركيّا مادِّيًّا، مقابلَ هدم روحها من الداخل على يد رِجالاتها وأبنائها، بمعنى: نقض أحكام القرآن لصالح الماسونية، وجعل الشعب مُلحِدًا بلا دِين.
وبعد أن أسَّس "حاييم ناعوم" قاعدةَ مخطَّطه الرهيب السِّرِّي في أمريكا، انتقل إلى إنكلترا والتقى فيها باليهودي الصِّرف اللورد "گورسون"، وعرض عليه الفكرة التالية: "اقبلوا باستقلال تركيا بشكل تامٍّ، وأتعهَّد بنفسي أن أجعلهم يتخلَّون عن تمثيلهم للإسلامِ، ويمزِّقونه بأنفسهم وتحت أقدامهم".
كما أن "حاييم ناعوم" أوجد لنفسِه سبيلًا للدخول بصفة مُستشار ضمنَ الوفد التركي المفوَّض، فأصبح صديقًا لمصطفى كمال وعصمت، وعقدوا فيما بينهم اتِّفاقًا للعمل معًا دون أيِّ عائق.
وفي تلك المرحلة قام بزيارةٍ إلى أنقرة، ليُراقب ويتابع بنفسه مدى تأثير مُخطَّطِه في شخص مصطفى كمال الذي تعهَّد بتنفيذه، لأنَّه يُعَدُّ نقطة ارتكاز مُهمّة وأساسية لإنجاح مشروعه، فوجد أن مخطَّطه المُتَّفق عليه قد وقع بيد رجلٍ أشدَّ عداوةً للإسلام وأكثر حماسةً من "حاييم ناعوم" نفسِه، فتحقَّقت بذلك أُمنيَّتُه الأخيرة، إذ باتت جميع عناصر هذه المؤامرة یی والمتمثِّلة في توجيیه الضربات للأتراك من الداخل یی جاهزةً للتنفيذ.
إن هذه الوثيقة المُهِمّة مثلَما تؤكِّد صدقَ الحادثة التي نبَّه إليها تَرجُمان رسائل النور قبل نيِّفٍ وأربعين عامًا وَفقَ إخباراتِ حديثٍ شريف، فإنها تؤكِّد كذلك ما أخبر به من أنَّ اليهود هم أحدُ عناصر قُوّة ذلك الشخص الظالم الذي خان الشريعة الأحمدية، وذلك من خلال كلٍّ من اللُّورد "گورسون" و"حاييم ناعوم" اليهوديَّينِ، كما تُوضِّح بشكلٍ جليٍّ حِكمةَ الظُّلم المُرِّوع التي يُمارَس تجاهَ النُّوريِّين، من خلال إصدارِ قوانينَ مِزاجيّةٍ لحصارهم والقضاء عليهم.
٭٭٭
— 39 —
حضرةَ أستاذنا العزيزِ المباركِ الحبيب الشَّفيق..
لقد قامَت دائرةُ الشُّؤون الدينيّة بإحضار مصحف المعجزات المُذَهَّب الذي كُتبت ألفاظ الجلالة فيه بماء الذهب، من محكمة "أفيون"، وأرسلَتْه أمسِ إلى هيئة تدقيق المصاحف في إسطنبول، وستقوم الهيئة بدورها بتدقيقه وإعادته بعد التصديق على أهمِّية نشره وطباعته.
كما اطَّلعت الهيئة الاستشارية في دائرة الشؤون الدينية على العريضة الموجَّهة إلىها من قِبَل أخينا البطل "أحمد ألتن" من "أق شَهِر"، وسبق أن أرسلنا نسخةً منها إليكم أستاذَنا الحبيب، لذا ستُقَدَّم لتلك الهيئة إحدى المجموعتين اللَّتين أهديتُم للهيئة الاستشارية بُغيةَ مراجعتها وتدقيقها.
وإن لنا في رئاسة الشؤون الدينية أخًا مُحتَرَمًا يعمل لصالح الأنوار.
أستاذنا الحبيب، إن "أنقرة" التي كانت يومًا تتَّشِح بالسواد ويخيِّم عليها الظلام قد تغيَّرت وتبدَّلت حالُها فعلًا، فحُجُب الظلام تتقشع يومًا بعد يوم، وتتلاشى آثار السُّموم التي بَثَّها المقبور، وتتبدد الهالة التي أحاط بها نفسَه في عيون الشباب.
صونغُر
٭٭٭

إخواني الأعزّاءَ الأوفياء..

أولًا: أقول لكم: بارك الله بكم آلافَ المرات على إنجازكم لمجموعة "الكلمات" مصحَّحةً وبأجمل حلّة، وأَحمَدُ اللهَ على نجاة المجموعات المصادرة من الإتلاف واسترجاعِ جزءٍ منها.
ثانيًا: أُحيلُ إلى أركان المدرسة الزهراء أمرَ الإجابة نيابةً عني وبأسلوب مناسب على الرسائل الواردة باسمي؛ وأذكرُ هنا على سبيل المثال: أخونا "عثمان نوري" الذي أصبح بخِدْماته المؤثِّرة للأنوار في "أنقرة" مثالًا لی"حسن فيضي" في مكانه، وإنني مُمتنٌّ
— 40 —
له كثيرًا لإنشائه منزلًا لي جانبَ منزله، ولشعوره بالرضا عن مرضه الذي غدا بمثابة مواساةٍ لي، وخفَّف عنِّي آلام المرض الذي ألمَّ بي حينَها.
ما زلنا ننتظر استرداد كتبنا من المحكمة، وكان بودِّي أن أكون حاضرًا هنالك وقت طباعة مصحفنا وبعض المجموعات، إلا أن الأعمال الضرورية هنا تحول دون تحقيق تلك الرغبة، كما أن وجود "عثمان نوري" أغنى عن حضوري، فرضي الله عنه ووفَّقه في الخدمة النورية، ولو لم يكن هو هناك لاستوجب الأمرُ ذهابي بنفسي، فلا يبتئس.
وفي مقابلِ التهنئة التي أرسلها أحدُ أعضاء الإخوان المسلمين في "حلب"، نباركُ له وللإخوان المسلمين من صميم قلوبنا وأرواحنا، ونقول لهم:
بارك الله بكم آلافَ المرّات، لقد أسعدَنا كثيرًا كونُ كلٍّ من النوريِّين في الأناضول یی الذين هم بمثابة خَلَفٍ للاتِّحاد المحمَّدي القديم یی وإخوانِهم الحقيقيِّين في البلاد العربية یی الإخوانِ المسلمين یی يشكِّلون من بينِ صفوف الاتِّحاد الإسلامي الكثيرة صفَّينِ متوافقَين مترافقَين ضمنَ حزبِ القرآن وجمعيةِ الاتِّحاد الإسلامي المقدَّسة؛ وكذا سُرِرنا باهتمامهم الجادِّ برسائل النور، وعزمِهم على ترجمة بعضِها إلى العربية ونشرها.
فاكتُبوا عنِّي جوابًا للشخص الذي أرسل إليَّ بطاقةَ تهنئةٍ باسم جمعية الإخوان المسلمين، وأطلبُ منهم أن يهتمُّوا برسائل النور وبتلاميذ النور لديهم، وأن يحرصوا على حمايتهم.
ثالثًا: أُصدِّقُ الرسالةَ التي كتبها "عبد الله چاويش" أحدُ إخواننا الأقوياء الجادِّين من "أتا بك"؛ إذ إن المعانيَ التي استوحيتُها من الأحاديث قبل أربعين عامًا أخذ تأويلُها يَظهر مجدَّدًا في هذا الزمان، حتى اضطُرَّ المعاندون أنفسُهم للاعتراف بالأمر أيضًا؛ وها قد صدَّق الزمان ما أخبر به "سراجُ النور" بشعاعه الخامس من أن الاستبداد المُطلَق يقاسي صاحبُه العذابَ الجهنَّمي حتى في الدنيا.
كما يتَّضحُ من الرسالة المُخلِصة التي كتبها إحسان من "صامسون" یی عن قيام عضو مجلس الشعب عن تلك المدينة باقتناء مجموعة من الرسائل لنفسه یی أنها
— 41 —
أصبحت وسيلةً للصحوة واليقظة النُّورية، حتى لقد أنتجَت ثمارًا كثيرة أمثالَ أخينا إحسان.. وإننا نُدخِلُ إحسان مع ذلك الأخ في دَعَواتنا.
رابعًا: مثلَما كانت كرامةُ "أحرف الألِف" في الكلمة التاسعة والعشرين أمرًا خارقًا في الحقيقة، فإن صدورها جميلةً بهذا القَدْر لدى استنساخها بالآلة يُعَدُّ كذلك خارقةً من خوارق مُستنسِخها أيضًا.
أُرسل سلامي للجميع.
الباقي هو الباقي
أخوكم المريض (الراضي)
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أبدًا دائمًا
بُشرى مُهمّة للنوريِّين..
أوَّلًا: لقد أدرك رئيس الحكومة الجديدة ضرورةَ إنشاء "المدرسة الزهراء" التي هي للإسلام جامعةٌ كبيرةٌ ودارٌ للعلوم على غِرار الجامع الأزهر.. وهي الغاية التي ما زلتُ أسعى إليها منذ أربعين سنة، والتي خَصَّص "السلطان رشاد" عشرين ألف ليرةٍ ذهبيةٍ لإنشائها، ووقَّع مئةٌ وثلاثةٌ وستون عضوًا في مجلسِ نوابِ الحكومة المُستبدة السابقة على تخصيص مئةٍ وخمسين ألفَ ليرةٍ ورقيّةٍ لإقامتها، ويُعدُّ هذا الأمر أهمَّ إنجاز يُقدَّم للعالم الإسلامي وللشرقِ ولهذا الشعب.
أجل، لقد أدرك رئيس الحكومة الجديدة أهمِّيّة هذا المشروع وضرورةَ إنشائه في ولاية "وان"، حتى إنَّه أدرجه ضمن جدول أعمال الدولة المهمّة كما يظهر من البيان الذي أرسلتُه لكم تاليًا، وحتى لو لم يتمَّ تفعيلُه بشكل عمليٍّ، إلا أن إدراك هذه المعاني يُعتبَرُ فألَ خيرٍ عظيمًا.
— 42 —
لقد قال رئيس الجمهورية "جلال بَيار" لدى حديثه عن أعمال الدولة ومهامِّها في أثناء كلمته المُهمّة في المجلس: "لقد بدَأَت وِزارةُ المعارف بدراسة مشروع إنشاء جامعة الشرق بمنطقة وان"، وأضاف: "يجب إزالة جميع العوائق التي تَحُول دون إنشاء مؤسسةٍ علميةٍ كهذه في إحدى ولاياتنا الشرقية یی أي: وان یی ويجب البَدء بتنفيذ هذا المشروع ضمن ميزانيّة العام القادم"؛ ما يعني أن الشباب الجامعيِّين الذين قدَّموا "كتاب السيرة" إلى رئيس الجمهورية قد نجحوا إلى حدٍّ كبير في لفت نظره إلى قيمة رسائل النور وأهمِّيتها.
ثانيًا: إن هذه الكلمة المُهِمّة التي ألقاها رئيس الجمهورية أَمارةٌ ظاهرة على تقدير الخِدمات الجليلة التي أسدَتْها وتُسديها رسائل النور لهذا البلد والوطن؛ وبما أنَّ تلكم المصاعبَ التي عاناها النوريُّون والمصادراتِ التي تعرَّضت لها الأنوار قد آتت هذه النتائج العظيمة، فإنها تستوجِبُ منّا الشُّكرَ بدلَ الشكوى.
٭٭٭
الأخوين العزيزَينِ الوفيَّينِ ضياء وعبد المحسن..
يقول أستاذنا: إن "أشرف أديب" رفيقي في خدمة الإيمان منذ أربعين سنة، وممثِّلٌ عن إخواني الأعزّاء الذين كانوا يكتبون المقالات في "سبيل الرشاد" والذين رحلوا عن عالمنا اليومَ، وهو أحد إخواني من مجاهدي الإسلام الحقيقيِّين، وأحدُ حُماة النور.. فإنْ وافتني منيَّتي اليوم فإن لي سُلوانًا كبيرًا بوجودِ "أشرف أديب" بين النوريِّين.
لكن ثمّة أمرٌ، وهو أن رسائل النُّور وطلاب النُّور لا صِلة لهم بالسياسة، وليست أداةً لشيءٍ سوى مرضاة الله وحدَه، لذا يتجنَّبُ أتباعُ رسائل النور التدخُّلَ بالتيارات الاجتماعية والسياسية قدرَ المُستطاع؛ إلا أن ثمّة مجاهدين أمثالَ "سبيل الرشاد" و"دُوغو" يذُودون عن حقائق الإيمان صونًا لها من اعتداءات أهل الضلالة، لذا نقدِّرُهم من صميم أرواحنا، ونستحسن صنيعهم، ونَعُدُّهم أصحابًا وإخوةً لنا.. وهذا باعثٌ غيرُ سياسيّ.
— 43 —
لأن مَن يأتي لتلقِّي درس الإيمان لا يُنظر إليه بعين التحيُّز لجهة ما، فالعدوُّ والصديق في الدرس سواءٌ لا فرقَ بينهما؛ والواقع أن موالاة جهة سياسيّة يَخدِشُ هذا المعنى وينقضُ الإخلاصَ، لذا حَرَص النوريُّون رغم تحمُّلهم شَتَّى المشاقِّ والصِّعاب على ألا يجعلوا النُّورَ أداةً لأيِّ غرض، وألّا يَمُدُّوا أيديَهم إلى هَراوة السِّياسة.
ومثلَما تُحطِّم رسائلُ النور الكفرَ المُطلَق، فإنها كذلك تبدِّد ما تحته من الفوضوية، وتكسرُ ما فوقه من الاستبداد المطلق، فلربما تَوَهَّم البعضُ هذا الأمرَ خوضًا في السياسة إلى حدٍّ مّا، والحال أن تَرجُمان النور قد أعلن في المحاكم أنه لا يَستبدل بمسألةٍ إيمانيةٍ واحدةٍ مُلْك الدنيا بأسرها، وأثَبَت ذلك بالبراهين، وبنمط حياته على مدى خمس وعشرين عامًا.
الباقي هو الباقي
إخوانكم
صادق، إبراهيم، زبير
٭٭٭
إخواني الأعزاء الأوفياء..
أوَّلًا: نُهنِّئكم من صميم قلوبنا وأرواحنا بما وُفِّقتم إليه من نشاطٍ ونجاح، إن دواءَ جميع آلامي وأمراضي يأتي من نشاط المدرسة الزهراء ونجاحِها.
ثانيًا: كنتُ كتبتُ رسالةً صغيرةً لأجل ترجمة "عصا موسى" إلى العربية بشكل جيِّد، وهَمَمتُ بإرسالِها إلى "سيِّد صالح" مع زبير المسافر إلى أنقرة، إضافةً إلى رسالةٍ جميلةٍ كتبها ضابطٌ متقاعدٌ في "طَرَسُوسَ"، وأخرى يَطلُب فيها بعضَ رسائل النور، فإذا بي أُفاجَأُ بزيارة إبراهيم أفندي قادمًا باسم النوريِّين المخلِصين في "ألمالي" التابعة لی"أنطاليا"، وهو الذي كان وسيلةً لانتشار الأنوار فيها، وكان متوجِّهًا مع زوجته إلى "أفيون"، فأرسلتُها معه.. سلامي للجميع.
٭٭٭
— 44 —
إخواني الأعزاءَ الأوفياءَ..
نُحيل إلى أركان المدرسة الزهراء مسألةً في غاية الأهمِّيّة:
يقول "سيِّد صالح": "أثناء رحلتي إلى البلاد العربية شعرتُ بحاجتها المُلِحّة إلى "عصا موسى"، فيلزمُ ترجمتُها إلى اللغة العربية لما لها من فوائدَ جَمّة عظيمةٍ".
ونظرًا لمرضي وحالتي الصِّحيّة التي لا تسمح بذلك، فإنه يتوجَّب على أركان المدرسة الزهراء التواصلُ نيابةً عني مع جهاتٍ أربعٍ بهدف ترجمتها إلى العربية بشكل متقَن: الأولى إلى "الجامع الأزهر" بواسطة "علي قلنچ" من "أميرداغ"، ليقوم بعضُ الأدباء هناك بترجمتها، ورسالةٌ أخرى إلى بعض العلماء في الشؤون الدينية في "أنقرة" الذين عرفوا قَدْرَ رسائل النور واهتمُّوا بها بالغَ الاهتمام، ليترجموها أيضًا؛ وثالثةٌ إلى أخي عبد المجيد مفتي "أُوركُروب" من قضاء "قَيصَري"، إذ كان يتوجَّب عليه القيامُ بخدمة النور عشرين عامًا بكلِّ ما يملكُ من قوّة، إلا أنه لم يقم بذلك، فليُعوِّضها ببذل الوسع في الترجمة إلى العربية، ورابعةٌ إلى العلماء في دائرة النور بمنطقة "إسبارطة" ليقتسموا "عصا موسى" فيما بينهم، ويترجمَ كلٌّ منهم جزءًا.
٭٭٭
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
أولًا: سُررنا كثيرًا ببشارتكم العظيمة، وهي بمثابة مقدِّمةٍ لنَيل رسائل النور حرِّيَّتها التامّة.
لقد احتجز قضاء "إسبارطة" الكتب لثلاثة أعوام في مكانٍ مستأجَر بثلاثِ مئة ليرة، فأرسِلوا بدلَ إيجارِه خمسين نسخةً من "كتاب السيرة" الصادر بالحرف المُستحدَث، وليُخصَّصْ لي منه خمسُ مئة نسخة بحيث تُقدَّر قيمة كلِّ نسخة ليرتان، لتغطِّيَ مبلغ الإيجار.
— 45 —
إن مجموعتَي "عصا موسى" و"ذو الفَقار" لا تُقدَّرانِ عندي بثمن، فلقد قاستا السِّجنَ أربعة أعوام، لذا أَرسِلوا لي منهما بقدر خمسين ليرة، وأُرسِلُ لكم ثمنها فورًا.
ثانيًا: لقد أصبح "نظيف" بمثابة خُسرَو ثانٍ، وأثبتَ أن "إينه بولو" صارت بحكم "إسبارطة" ثانية، فنقول له: ما شاء الله! وبارك الله بك.. آلافَ المرات.
ولمّا كانت "المدرسة الزهراء" أهمَّ قضيّةٍ في "كتاب السيرة"، جاءت العنايةُ التي وجَّهها "نظيف" لنشر هذه السِّيرة دافعًا لقيام رئيس الجمهورية بالسَّعي الجادِّ لإنشاء جامعٍ أزهرَ في الشرق تحت اسم: "جامعة الشرق"، يحملُ معانِيَ "المدرسة الزهراء"، وقد بِتْنا على قناعةٍ تامّةٍ بذلك.
ثالثًا: اكتبوا جوابًا على الرسالة المُهِمّة التي كتبها سليمان إمام "باراق" التابعة لی"دينار": لقد ثبت عن الرسول (ص) الثناءُ على الأتراك، وحدَّث (ص) عنهم في مواضعَ عِدّةٍ ذاتِ أهمِّيّة من أحاديثه، إلا أنني لا أعلم حالَ تلك الأحاديث نظرًا لعدم توفُّر كتب الحديث لديَّ، غيرَ أن معانيَها ثابتةٌ؛ وأمّا كونُ الأُمّة التركية مظهرًا للثناء النبويّ فهو أمرٌ محقَّقٌ دون شكٍّ، وما الحديث الوارد بحقِّ السلطان "محمد الفاتح" إلا أَحَدُ مظاهرها.
إن الرسالة الجميلة البليغة التي كتبها أحد الطلاب النور الأوائل السيد "خُلوصي" لرفاقه في أنقرة يُحفِّزُهم فيها على الدخول في دائرة رسائل النور، مَظهرٌ نموذجيٌّ لسعيِه الجادِّ منذ خمسٍ وعشرين سنةً في سبيل خدمة النور دون أن يُزعزِعه شيء أو يؤثِّر فيه.
آلافُ سلامي لجميع إخواني وأخواتي.
٭٭٭
— 46 —
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
أولًا: تَسلَّمنا بكلِّ سرورٍ خمسَ نُسَخٍ من رسالتَي "عصا موسى" و"السِّكة الغيبية" بعد أن لبِثَت سجينةً في المحكمة ثلاثَ سنين، فشكرًا لله بلا حد، وجزاكم الله خيرًا، ورضي عنكم دائمًا أبدًا، آمين.
ثانيًا: الأخطاء التي صُحِّحت في نسخَة "ذو الفَقار" المُعادةِ من المحكمة لم تُصحَّح في هذه النسخة؛ ففي الذيل الرابع للمعجزات القرآنية، السطر (٨) من الصفحة (١١٠)، وردت كلمة: (واللام..) وهي خطأ، والصوابُ: (ولا..)، لأن عدد اللام في القرآن ثلاثون ألفًا، أما (لا) فتسعةَ عشرَ ألفًا.
ثالثًا: أخٌ في شركة "سومر بنك" أرسل رسالةً بالحرف المستحدَث يَسأل فيها سؤالًا، فأوصوه یی نيابةً عني یی بقراءة "رسالة القَدَر"، فإنني مريض، ولا طاقةَ بي على كتابة الرسائل الخصوصية، و"زبيرٌ" مسافرٌ إلى أنقرة، ولا أستطيع معرفة الحرف المستحدَث؛ وقد أرسلتُها إليكم للاطلاع.
رابعًا: أرسلتُ مع السائق عبد الرحمن خمسين ليرةً إضافيةً من نفقتي الخاصة.
أضيفوا ثمنَ مجموعة "الكلمات" والكتب الأخرى التي أرسلتم إليَّ إلى الدَّين المتبقي بذمتي.
كُتِبَت على عَجَل.. سلامي للجميع.
٭٭٭
إخواني الأعزاء الأوفياء..
أوَّلًا: أودُّ أن أهنِّئكم! إن العريضة التي كتبها خسرو للوزراء صارت هذه المرةَ بحكم وثيقة تاريخية في غاية الرَّوعة، إلا أنه بلغنا من صُونْغر قبل يومين أو ثلاثة في برقية مرسَلة إلينا أنَّ أوامرَ صدرت بإعادة (١٨٥) كتابًا، لكنَّنا لم نستوعب هذه الجملة العددية، فسألنا مديرَ مركز البرقيات "التِّلغراف" فقال: لقد فهم الموظَّفُ
— 47 —
تلك الجملة خطأً، وقد سمعتُها بنفسي من الآلة (تُفيدُ إعادةَ جميع المؤلَّفات)، فخطر ببالنا احتمالٌ بأنَّهم أخذوا بعض الرسائل البالغِ عددُها (١٣٠) رسالةً، وجعلوا من أجزائها رسائل متفرِّقة، فتجمَّع لديهم (١٨٥) كتابًا.. لم نستوعب الأمر جيِّدًا!
-تلقَّينا خبرًا ورد في جريدة "يني صباح"، مُفادُه: أنه ستُقام "المدرسة الزهراء" تحت اسم "جامعة الشرق"، وستكون بمثابة دارِ فنونٍ إسلامية كبيرة، وعبَّر عنها رئيس الجمهورية قائلًا: "سوف نزيل جميع العقبات التي تَحُول دون إنشاء هذه الجامعة".. سيُضطرُّون بإذن الله لتنفيذ هدف مُهِمٍّ أسعى وراءَه منذ أربعين عامًا، وذلك لصالح الوطن والشعب.
ثانيًا: أرسلتُ نُسَخًا من "ذو الفَقار" و"عصا موسى" التي بعثتُم بها إليَّ یی والتي لَبِثَت في السجن ثلاثة أعوام مثلَنا یی إلى أماكن مُهِمّة: عشرُ نسخٍ منها لعبد الرحيم من "واسطان" إمام جامعٍ في مدينة "الجزيرة" ومن طلابي القدامى، وكان قَدِم إلينا، إلا أنني تذكرت فيما بعد أن في الذيل الرابع للمعجزات القرآنية الموجودة في "ذو الفَقار" في موضعين (أحدهما في السطر الثامن والآخر في السطر الثاني عشر) قد كتبت (لا) بدل (ل)، والحال أن عدد (ل) في القرآن ثلاثون ألفًا، و(لا) تسعة عشر ألفًا، وقد تمَّ تصحيحُ هذا الخطأ في بعض النُّسخ، ولم يُصحَّح في تلك التي كانت في المحاكم لديكم، وفاتني تصحيحُها كذلك.
اكتبوا رسالةً إلى الإمام عبد الرحيم بواسطة مفتي "الجزيرة" ليُصحِّح هذا الخطأ، وليكون أركان المدرسة الزهراء یی من خلال هذا الأمر یی أكثرَ صلةً بالجزيرة.. وأُحيلُ هذا الأمر إليكم.
فهمتُ من رسالة خسرو أن الرسالة الصغيرة التي وصَلَتْنا خطأً، كان سيرسلُها "زبير" إلى "نظيف"؛ كما وقع "خسرو" بخطأ صغير أيضًا: وهو أني كنتُ كتبتُ لی"نظيف" رسالةً صغيرة حول الأصل العاشر للكلمة الرابعة والعشرين وليس المكتوب الرابع والعشرين، ولم تبقَ نسختُها الأصلية لديَّ، فطلبتُ من خسرو أن يرسل صورة الأصل العاشر إلى "نظيف" وأن يرسل لنا "نظيف" صورة تلك الرسالة الصغيرة، إلا
— 48 —
أن "خسرو" أرسل الأصل العاشر إليكم خطأً بدلًا من إرساله إلى "نظيف"؛ بيد أنَّ عريضته الطويلة الساطعة هوَّنت من شأن هذا الخطأ الصغير فجَعَلَته في حُكم العدم، وصفَحَت عنه.
وسرُّ هذه المسألة: أنَّ "نظيف" رغب بعمل خيرٍ عظيم، فقام بتصوير نُسَخٍ من "الجوشن الكبير" أحدِ أوراد النوريِّين المُهِمّة، وبعث إليَّ برسالةٍ بشأن طباعة حاشيته التي تضمُّ الأحاديثَ الرائعة والمتشابهة التي تتحدَّث عن فضله وثوابه.
فقلتُ له: رَغمَ أني أقرأ "الجوشن" يوميًّا منذ خمس وثلاثين سنةً، إلا أنني لم أقرأ تلك الحاشية سوى مرتين أو ثلاثًا، لذا من غير المناسب طباعتُها كما هي كيلا تنالَها ألسنةُ المعتَرِضين والزنادقة.. وستتولَّى أنوارُ ذلك "الجوشن الكبير" المبارك مُهِمّةَ تنوير النوريِّين بإذن الله تعالى.
ثالثًا: يقوم طلاب النور الجامعيُّون في جامعتَي أنقرة وإسطنبول بطباعةِ ألفَي نسخةٍ من "مرشد الشباب"، ولعلهم اختاروا "المرشد الكبير"، وهذا أمر حسن، إذ سيكون مرشدًا كبيرًا للشباب إن شاء الله.
-اكتبوا رسالة توصيةٍ للحاج "علي قلنچ" أن يهتمَّ بأمور المدرسة الزهراء، وذكِّروه فيها بضرورة أن يقوم علماءُ أدباءُ بترجمة "عصا موسى" بشكل جيِّد، كي تجذب الأنوارُ اهتمامَ أساتذة العالم الإسلامي من خلال تلك الترجمة.
رابعًا: هل عاد أخونا النجّار أحمد من الحج بخيرٍ وسلامة؟
-أدرِجوا في ختام مجموعة "الكلمات" الدعاءَ الموجود في نهاية "عصا موسى" و"ذو الفَقار"، والذي دعوتُ به لخسرو ومساعديه، وأضيفوا إلى القائمة اسمَ "مصطفى گُول" وزوجته.
سلامي للجميع.
الباقي هو الباقي
أخوكم
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭
— 49 —
إن المعلِّم عثمان هذا هو صاحب "جيلان" في السجن، وقد تلقَّى عنه الدرس تامًّا، ويمتلك أهليّةَ القيامِ بدور "جيلانٍ" آخر.
-تلقَّيتُ رسالة تُثير الحَيرةَ والعجَب! مُفادُها: أن اثنين ممَّن يحملون الفكر الصوفي وأذكرُهم بالاسم في دعواتي اليوميّة للنوريِّين، قد حاولا المَساس بشخصي وبالأنوار بهدفِ التسويق لأنفسهم؛ إلا أن الأمر لم يَسُؤني، بل زدتُ في دُعائي لهما أكثر، وما زلت أَعدُّهما أخوين مباركين وصديقين لي، وقد جعلتُهما في حِلٍّ منِّي؛ مثلما فعلتُ مع الشَّيخ الهرم الذي تعرفونه حين تعرَّض لنا من خلال دسائس الحزب القديم في إسطنبول، لكني أطلب منهما أن يقرأا لَمْعتَيِ الإخلاص.
إخواني، وأنتم كذلك لا تستاؤوا من أمثال هؤلاء، ولا تخوضوا في جدالٍ معهم.
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭
باسمه سبحانه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
حاشية الشكوى والدفاعِ المقدَّم للمحكمة الكبرى
إخواني الأعزاء الأوفياء..
نظرًا لاشتداد المرض عليَّ، فإنِّي أُخوِّلُكم أن تكتبوا إلى الديمقراطيِّين أنصارِ العدالة عريضةً تتضمن القضايا التالية، فانظروا المناسب:
فقد وصَلَتْنا من محامينا أمسِ رسالةٌ يُخبرنا فيها أن القوم يَسْعَون للتفريق بين كتبنا المشبوهة وغير المشبوهة.
ورَغمَ نقضِ محكمة التمييز للقرارات الصادرة عنهم من أصلها، واعتبارِها التُّهمَ الموجَّهةَ ضدَّنا ليست محلَّ إدانة..
— 50 —
ورَغمَ أننا بيَّنّا أنَّ لائحة المُدَّعي العام تحوي واحدًا وثمانين خطَأً، وعرضناها مرتَّبةً ضمن جدولِ خطأٍ وصواب، وأثبتنا أنها قراراتٌ حاقدة؛ إلا أنهم ما زالوا يتصرَّفون بنفس الحقد، فيَعمِدُون إلى رسالة "ذو الفَقار" ذات الأربع مئة صفحة، بحجة وجود جُملٍ يسيرة في بضعة أسطر منها، تتحدَّث عن الحجاب والميراث، وهي جملٌ كُتِبت قبل ثلاثين أو أربعين عامًا استنادًا على ما جاء في مئةِ ألفِ تفسير؛ فيجعلونها موضعَ تُهمةٍ يُصادَر بها هذا الكتاب الجليل برُمَّته، فأيُّ قانون في العالم يسمح بذلك؟!
ورغم بقاء جميع هذه الكتب مُحتَجَزةً في محكمة "أفيون" مدّةَ عامين یی باستثناء قطعتين صغيرتين حول التكرارات القرآنية والملائكة یی ورغمَ صدورِ قرار البراءة بحقِّها من محاكم الجزاء في كلٍّ من "دَنِزلي" و"أنقرة"، وعدمِ العثور على أيِّ موضعِ تهمة، وإعادتها لنا..
ورغم مصادرة تلك المؤلَّفات نفسها من قِبل حكومة "إسبارطة" ثم إعادتها بتمامها إلى أصحابها، وكذا مصادرة الحكومة ذاتِها "ذو الفَقار" و"عصا موسى" بعد ذلك بحجّة نَشرِها بالأحرف العربية دون إذنٍ مُسبَق، وبقائها بحوزتهم أربعة أعوام دون أن يقفوا على موضع تهمةٍ في جميع المجموعات البالغ عددها (١٧٠)، فأعادوها إلينا كاملة دون أن يُتلِفُوا أيًّاي أها..
ورغم أن اعتراضَنا باسم الحقيقة على بعض قادة الحزب القديم هو التُّهمة الأساسية الموجَّهة ضدَّنا، في حين تَصفَعُهم الكتبُ الدينية والجرائد الرسميّة اليوم باعتراضاتٍ أشدَّ منها مئةَ مرّة..
رغم كل ذلك.. ما زالوا حتى يومنا هذا يكرِّرون الفعلَ ذاتَه الذي لا يُبَرِّرُه أيُّ قانون، فمِن بين آلاف الكلمات في الرسالة الواحدة يتذرَّعون بكلمة واحدة يجعلونها موضوعَ جُرم، ويَسْعَون بحقدٍ دفينٍ لمنع انتشار الأنوار بمصادرتها وعدم إعادتها إلينا.
ومع تفسيرِ فِقرةٍ خاصّةٍ من فِقرات رسائل النور لحقيقةِ حديثٍ شريفٍ شخَّصه هذا الزمانُ بعينه، والمقصود بذلك رئيس الوفد المفوَّض في "معاهدة لوزان" الذي
— 51 —
اتَّفق مع كبير الحاخامات المعروف على تنصيرِ الأتراك الذين هم أبطالُ الإسلام بحقٍّ، والذين لم يُفارق أيٌّ منهم يومًا دينَه الإسلام إلى دينٍ آخر: نصرانيًّا كان أو يهوديًّا أو غيره.. اتَّفقا على إدخالهم في الديانة البروتستانتية، وأبدى ذلك القائدُ موافقَتَه على هذا الأمر..
ومع أن جميع علماء الإسلام أصدروا فتاوى متَّفِقة على عدم جواز اعتمار القبعة الإفرنجيّة، إلا أنه عمل على سَنِّ عشَرات القوانين التي تفرض اعتمارَها على جميع أفراد المسلمين الأبرياء في هذا الوطن؛ وإن قيامه بإجبار هذا الشعب المسلم عامّةً على لُبسها باسم القوانين المِزاجية، لهو أمرٌ عبثيٌّ لا مفهومَ له في تاريخ البشرية! ولقد نَفَّذ هذا القائد خُطَّته الرهيبة في "معاهدة لوزان" حتى غدا الشخصَ عينَه الذي أخبر الحديث الشريف أنه يُلحق بالإسلام في هذا الزمان أضرارًا بالغة.
وأمامَ هذه الحقيقة تصرَّفَت محكمةُ "أفيون" باسم التعصب لمحبة ذلك الرجل الميت لا باسم العدالة، ففي ختام لائحة القرارات التي نُشِرت بالأحرف العربية أشارت هيئة المحكمة یی وبدافع حقدٍ من المُدَّعي یی إلى السبب الرئيسي لإدانتنا بقولهم: "إننا نقوم بإدانة سعيد النُّورْسِيّ وأصحابه لأنهم وصفوا مصطفى كمال بأنه هادم الدِّين وبأنه السُّفياني، وسعَوْا لتعكير المحبة التي تُكِنُّها قلوبُ الشَّعب تِجاهَه".
فواعجبًا! لو كان ثمّة ألفُ اعتراض كهذا بحقِّ رجل مات ورحل، فإنها لا تَعدو كونَها دعوى شخصيةً، لذا فإن إصدار محكمة عدلية حُكمًا بهذه الطريقة يدلُّ على أن وراءَ الأمر غرضًا آخرَ؛ فعلى يد هؤلاء الأشخاص نالت مؤلَّفاتُ النور البراءةَ أربعَ مرَّات، وقد أصدر وزيرُ العدل الحالي حكمَه عليها بالبراءة ثلاث مرات، ونَقضُه لقرارِ محكمة "أفيون" التي أدانَتْنا هو إقرارٌ منه بعدم وجود أيِّ موضعِ تُهمة فيها.
واليوم ينتظر عمومُ الشَّعب من حكومة الديمقراطيِّين في عهدهم العدلَ والشفقة وخدمة الدِّين، لذا يتوجَّب على هذه الحكومة عدمُ إطلاق يدِ الحاقدين الذين ما زالوا يكيدون رسائل النور باستخدام مُخطَّطات المُستبدِّين القدامى، فإنَّ تركَهم خيانةٌ عظيمة، وإطفاءٌ لجَذوة سُلوان هذا الشعب.
— 52 —
ورغم أن وكيلي في أنقرة: "مصطفى صونغُر" بشَّرَنا في البرقية التي بعثها بتاريخ (١٧/١١/١٩٥٠) بصدور قرارِ إعادة جميع الرسائل، وأن وزير العدل العادل قد أصدر قرار البراءة ثلاث مرات، وأفاد یی بحسَب الرسالة یی أنه سيتَّصل بنفسه هاتفيًّا لمتابعة الأمر، إلا أننا اليوم نتعرَّض لما نُعانيه منذ ستة عشر عامًا من افتراءٍ وتزييف؛ فلقد قامت محكمة "أفيون" بجمع جميع الملفات الملفَّقة ضدَّنا في محكمتَي "أَسكِي شَهِر" و"دَنِزلي" وإيداعها مع المؤلَّفات المباركة ضمنَ المُستودَعات كي تَتلَف، رغم صدور العفو العام وقرار البراءة من عموم هذه المحاكم.
يجب عدم إفساح المجال للأشخاص الذين يخدعوننا منذ ثلاثة أعوام أن يتدخلوا في أمور الأنوار.
نعرض هذه القضية المُهِمّة على رئيس الوزراء ووزير العدل للاطِّلاع عليها.
سعيدٌ النُّورْسِيّ
حاشية: حادثة غريبة: رغم مطالبتنا مرارًا بالمصحف المبارك الذي يحتوي على (٢٨٠٠) لفظٍ من ألفاظ الجلالة مكتوبةٍ بماء الذهب، مُظهِرًا بذلك إعجازَ القرآن رأيَ العين، إلا أنه ما يزال مصادَرًا لديهم منذ ثلاثة أعوام، في مظهرٍ من مظاهرِ ظُلمهم ومخالفتهم للعدالة ومُعارضتِهم للدِّين.. والآن يقول المحامي: اكتبوا عريضة لرئيس الشؤون الدينية حتى يعيدوه لكم! والأمثلة على ذلك تُعدُّ بالمئات، إذ المؤامرات تُحاك ضِدَّنا بحقد صِرف وبأصابع أجنبية.
فيتوجَّب على الديمقراطيِّين الذين أدخلوا الفرح والسرور على نفوسنا ونفوس العالم الإسلامي أجمع توخِّي الحذر، والعملُ على رفعِ الشدائد والصِّعاب عن الأنوار والنوريِّين.
باسم طلاب النور
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭
— 53 —
باسمه سبحانه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إخواني الأعزّاءَ الأوفياء..
لقد أدى "جيلان" وظيفته بتمامها وعاد إلينا، فاستحقَّ لقب "خُسرَو الصغير"، وصار عندي بمثابة عبد الرحمن، وسأكلِّفه الآن بمُهِمّة أكبر.. سأُرسِله إلى "أنقرة" وكيلًا عنِّي مثلَ صُونغُر.
ثانيًا: أُرسِل إليكم رسائلَ بعض الأشخاص بغيةَ الاطِّلاع عليها.
ثالثًا: أرجو إبلاغي بالديون المترتبة عليَّ من مجموعة "الكلمات" و"السيرة" المطبوعة بالحرف المُستحدَث والتي وصلتني من "إينه بولو"، ومن "الجوشن" المطبوع بالحرف العربي.
الباقي هو الباقي
أخوكم
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭
أخي العزيز الوفي عثمان نوري..
لقد جمع الحقُّ سبحانه حولَك في أنقرة أهمَّ رجالٍ من "سعيدٍ" هذا، وذلك لخلوص نيتك وسموِّ إخلاصك، وما دُمتَ ترى ضرورةً لوجودي في أنقرة، فها أنا أُرسل إليك نيايةً عني نُسَخي الخاصّة التي حصلتُ عليها بمالي، إلى مدرستي النورية الصغيرة تلك، ليكون لك بعدد تلك الكتب جِيرانٌ وأصحاب من أمثال "سعيدٍ".
كما أُوفدُ إليك سَعِيدِين شبابًا نَشِطين، هم: "صونغُر وجَيلان وسعيد التلُّوي وصالح وعبد الله وأحمد وضياء"، وكلُّ واحدٍ منهم هو عندي بمثابة عشرةٍ من "عبد
— 54 —
الرحمن"، وقد أسدَوْا حتى اليوم خِدماتٍ تفوقُ ما يقوم به الولد البارُّ وفاءً وتضحية، فأُرسِلهم إليك ليكونوا عندك طلابًا ووُكلاءَ عنِّي في إدارة شؤون تلك المدرسة النورية الصغيرة.. وأُحِيلُ الأمرَ إليكم.
الباقي هو الباقي
أخوكم
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭
إخواني الأعزاء الأوفياء المباركين..
أوَّلًا: فيما يخصُّ البرقية المُقدَّمة إلى رئيس الجمهورية تحمل توقيع خسرو، وقع في نفسي إمكانيةُ تقديمِها من قِبل أمثال خسرو الصغار في أنقرة بغية طبع المصحف المصوَّر عن النسخة التي كتبها خسرو بيده.. راجعوا بريد "إسبارطة" حول ماهيّة هذه البرقية؟ وأرسلوا لي معلومات عنها، فلقد أثارت فضولي.
ثانيًا: ورد في رسالة أخينا "رفعت فِيلِيز" من "قونية" أن انتقادًا يسيرًا وُجِّه إلينا من بعض المتصوِّفة، فلا أهمية لذلك، وإياكم أن تستاؤوا منه؛ ولا تقابلوهم بالمِثل بأيِّ وجهٍ من الوجوه، فإنني أَعُدُّ النقدَ المُوجَّه لشخصي من قِبل أهل الإيمان یی وخصوصًا أرباب الطريقة یی نوعًا من النصيحة، وأتلقّاه بصورة المدحِ والثناءِ عليَّ، وهم منِّي في حِلٍّ.
إنني یی أمام الأضرار البالغة التي يتسبَّب لنا بها أهلُ الإلحاد اليوم یی أعُدُّ الانتقادَ الشخصيَّ اليسير من أهل الإيمان نوعًا من التنبيه وشكلًا من النصيحة التي تدفعُنا إلى أخذ الحِيطة والحذر.
ثالثًا: نشَرَتِ الجرائدُ الأسبوعية الصادرة في الجوار بی"أفيون" نبأَ علاقتي بأمرٍ لا صلةَ لي به، وذلك بتحريضٍ من المنافقين العاملين في الخفاء، وقد قام النوريُّون الموجودون هنا بتكذيبه وبيان بطلانه، وهو أمر غير مُقلِق.
— 55 —
نبارك من صميم قلوبنا وأرواحنا الخدمةَ النورية الرائعة المؤثِّرة ذات النفع الجليل، التي أدّاها أركانُ المدرسة الزهراء للعالم الإسلامي، وأبلِّغ سلامي لجميع إخواني وأَخَواتي، وأدعو لهم، وألتمسُ منهم الدعاءَ.
الباقي هو الباقي
أخوكم
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭
إخواني الأعزاء الأوفياء..
أولًا: قَدِم إلينا علي والحاجُّ سليمان من قرية المباركين "قُولَه أونو" وعبد الرحمن وهِمَّت من حوالي "دينار" وأحد النوريِّين المُهِمِّين من مدينة "هِمَّت"، وقد زارني سابقًا. إنني أحمد الله حمدًا لا منتهى لأمده أنهم مازالوا يحافظون على علاقتهم الشديدة بالأنوار في قرية المباركين كما كانوا من قبل.
وفي واحدةٍ من كرامات صداقتهم وإخلاصهم: أنني أرسلت سابقًا عشرَ مجموعات من كتبي الخاصة إلى أنقرة للضرورة، وفي الوقت ذاتِه جاءني طلبٌ للكتب من أماكن مُهِمّة وبعيدة، فإذا بمباركي قرية "قُولَه أونو" يَقدَمون بمجموعات النور الخاصة بهم كهدية من المدرسة الزهراء، وبقَدْر الكمِّية التي أرسلتُها، وبينها یی على وجه الخصوص یی "المكتوبات" و"الملاحق" بتمامها، وهي من نَسْخ عبد الرحمن الأول "أي: مصطفى الكبير"! فأسأل الحقَّ سبحانه أن يجزيَ كلَّ فردٍ منهم بكل حرفٍ من تلك الكتب ألفَ رحمة.. آمين.
ثانيًا: زارني أمسِ أحدُ أبطال النور الصِّغار: مصطفى، وهو الذي خدم خسرو في السجن أحدَ عشَرَ شهرًا، وأدلى في دفاعه بمرافعةٍ طيِّبة، وأخبرني أنه ذاهبٌ لزيارة أخيه الكبير خسرو.
— 56 —
فقلت له: "صحيح أن هذه الزيارة حقٌّ لكما، لكن أربعة من الطلاب زاروني وغادروا اليوم إلى "إسبارطة"، فلم تَبقَ حاجةٌ في تلك الجهة؛ وإن قيامَك بوظيفة الإمامة في إحدى القرى المُهِمّة یی لحساب رسائل النور یی خدمةٌ عظيمة، ولها فوائدُ جليلةٌ أكثر من القيام على خدمتي شخصيًّا، وهي في الوقت الحاليّ أهمُّ من زيارة خسرو، ولو لم يكن في تلك القرية خِدمات نورية لكنتُ بحاجة لخادمٍ مُخلِصٍ مُضحٍّ مثلِك، لذا أجِّل الزيارة الآن".
ثالثًا: حضر إلينا أخونا الحاج صبري من "قونية"، وتلقَّى درسًا ضروريًّا في مجلسِنا المُهِمّ بحضور كلٍّ من صادق وخيري ومصطفى، فكان درسًا بهذا المعنى:
"إنَّ الخِدمات الإيمانية التي تقدِّمها أركانُ المدرسة الزهراء یی وخاصّةً خسرو یی لهذا الوطن والشعب والعالم الإسلاميِّ، ووقوفهم سدًّا منيعًا في مواجهةِ دسائسِ المُلحِدين المخرِّبين، لَيُعدُّ حسناتٍ عظيمةً تُكفِّرُ الأُلوف من سيئاتهم إن افترضنا وجودَها.
وما دام الأمرُ كذلك، فينبغي عدمُ انتقاد أيِّ تصرُّف يقوم به أولئك الأركان وفي مقدِّمتهم خسرو، بل يلزمُ إسنادُهم بكمال الإخلاص والجِدِّية، وتوثيقُ روابط الأُخوّة معهم".
سيكون الحاج صبري بإذن الله صديقًا وفيًّا لخسرو حتى الصميم، بمثل صداقة الشيخ صبري ورشدي وغيره، ولن يُعكِّر صداقتَهم بعد اليوم اختلافُ المَشارب.
أخوكم المريض
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭
— 57 —
إخواني الأعزاء الأوفياء، أركانَ المدرسة الزهراء، ناشري النور...
أولًا: هنالك أمرٌ أجدُ من المناسب القيامَ به، لكن ورد إلى القلبِ أن أُحيله إلى أركانِ المدرسة الزهراء، لِيُبدُوا رأيَهم فيه، إذ هم أهل الرأي فيما يخصُّ الأنوار، وهو كالآتي:
نزولًا عند رغبةٍ مُلِحّة لثلاثة إخوةٍ يقومون على تدبير شؤوني بإعطائهم دروسًا بشكل مؤقَّت لبضعة أيام، وإحياءً لذكرى قيِّمة كنت أُدرِّسها لطلابي قديمًا، قمتُ بتدريسهم يوميًّا صحيفةً من رسالة «اللوامع» المطبوعة، وكنّا نتلقّاها ببالغ الإعجاب والتقدير.
وفي تقديرنا أن سبب عدم توفُّر نُسَخ هذه الرسالة المطبوعة یی كسائر مثيلاتها یی يَرجع إلى أمرين اثنين: الأول: حيلولةُ أعدائها دون انتشارها لإدراكهم الدقيق بمكانتها وقيمتها، والثاني: تمسُّك الأصدقاء بها خشيةَ تفويتِها وضياعها من أيديهم.
كما وجدنا أن رسالة "اللوامع" هذه بمثابة النُّوى والبُذور لمُعظَم أجزاء رسائل النور، حيث احتوت على حِكَم موجَزة بليغة، وبأسلوب سهل ممتنع لا يمكن تقليده، ولم يَهتدِ إليه أيُّ أديبٍ أو مفكِّر، فغَدَت ككتابِ نثرٍ منظوم، ضمَّ حقائق اجتماعيةً عظيمة، تُقرأُ بسهولة دون أن يَرِدَ في الخاطر النَّظمُ.
وقد استغرق تأليفُها عشرين يومًا من أيام شهر رمضان المبارك، بمعدَّلِ ساعة أو ساعتين يوميًّا، وذلك قبل سبعة وثلاثين عامًا؛ وهي شبيهة في أسلوبها الأدبي بالمثنويّ، كما أَخبَرَت عن أمورٍ بنوعِ إخطارٍ غيبيّ، إذ تَحقَّق ما ورد في عشرين موضعًا منها بعد ثلاثين أو أربعين عامًا بصورة تامّة، وقد أشرنا إلى تلك النِّقاط في النسخة التي بين أيدينا، وبِتْنا على اقتناعٍ تامٍّ بأن هذه "اللوامع" هي بشارة برسائل النور وفِهْرِسْتُها ومَغرِسُها وأنموذجٌ مصغَّر عنها.
ثانيًا: نحيل إلى بطل النور خسرو وباقي أركانِ النور أمرَ إدراج الأقسام التي أشرنا إليها من "اللوامع" في نهاية "الكلمات" ككلمة ثالثةٍ وثلاثين، فليُبدوا رأيَهم.
— 58 —
أُبلِّغ سلامي لجميع إخواني وأخَواتي، وأدعو لهم وألتمسُ دعاءَهم.
حاشية: سأقوم لاحقًا بإرسال "اللوامع" الموجودة لديَّ إن رأيتُم ذلك.
الباقي هو الباقي
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭
إخواني وأخَواتي الأعزّاءَ الأوفياءَ الأصفياءَ الصادقين المُخلِصين..
نُهنِّئكم من صميم قلوبنا وأرواحنا بالعيد المبارك، كما نُهنِّئ به الحُجّاج الذين سافروا للحج في هذا العام بإخلاص وأريحيّةٍ تامّةٍ، ونُهنِّئ هذا الشعب على نَيله حريَّته المشروعة بتحطُّم قيود الاستبداد في هذا الوطن، ونُهنِّئ العالَم الإسلامي بهذا العيد المعنوي وبأعياده المعنوية المتمثِّلة في يقَظة أبنائه واتِّحادهم، كما نبشِّر بتصديقِ الزمان أخبارَ رسائل النور حول الحقائق القرآنية، ونَزُفُّ التهاني بإدراكِ أوسعِ دائرةٍ مدى حاجة البشر إلى هذه الأنوار القرآنية المعنوية.
الباقي هو الباقي
٭٭٭
— 59 —
إخواني الأعزاء الأوفياء..
أوَّلًا: أرسلتُ عشَرةً من مجموعات النور الخاصة بي لی"سيِّد صالح" الذي طلبها منكم بُغيةَ إرسالِها لجمعية الإخوان المسلمين في "حلب" وما حولها.
ثانيًا: لي صلةٌ وثيقةٌ بی"دَنِزلي" وبإخواني المقيمين فيها، وبينما كنتُ أودُّ الاطمئنان على أحوال أصحاب المرحوم "حسن فيضي"، والاطِّلاع على أوضاع أخينا القديم "يعقوب جمال" وأين استقرَّ به المُقام حاليًّا، إذ ورَدَتني فجأةً رسالةٌ من الأخير باسم النوريِّين في "دَنِزلي" تحملُ تهنئةً بالعيد، فسُررتُ بها كثيرًا، وطَفِقتُ أَجُوبُ بمُخيِّلتي أنحاءَ "دَنِزلي" يَغمُرُني شَوقٌ إليها وحنين، وقلت: ما شاء الله، وبارك الله!
ثالثًا: إن التُّعَساء الذين زَجُّوا بالنوريِّين في السجون وأذاقوهم صُنوفَ الأذى عشرين عامًا، باتوا الآن يُقاسون في كل يومٍ ما كنَّا نقاسيه في شهرٍ من الضيق المعنويّ.
لقد كنَّا نُحيل أمرَ هؤلاء الظَّلَمة إلى جهنم ونصبر، لكن شرف الخدمة الإيمانية سألَ العدالة الإلٰهية أن يعانيَ هؤلاء الأشقياءُ في الدنيا قَدْرًا عاجلًا من عذاب جهنم، حتى أحال ذلك العذابُ المتعةَ التي كانوا يتلذَّذون بها عبر استبدادهم المطلق خلال عام عَدَمًا، نعم، وجدنا هذا الأمر حقًّا، وأظهر الزمان ذلك، ممّا يُؤكِّد أن حماية العدالة والعناية الإلٰهية كافيةٌ لنا ووافية.
رابعًا: أقدِّم عزائي بوفاة علي عثمان لِكلٍّ من أقاربه ودائرة النور والمدرسة الزهراء، وأُهنِّئ المرحومَ لِأدائه مَهامَّه حقَّ الأداء، وقد أَدرجتُه اليوم ضمن دعواتي الخاصّة، مع جميع أبطال النور أمثال: الحافظ علي والحافظ مصطفى.
سلامي للإخوة جميعًا.
الباقي هو الباقي
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭
— 60 —

(خاصة، ومخصوصة بأركان المدرسة الزهراء حاليًّا)

بشرى مُهِمّة للنساء العجائز
وتنبيهٌ للفتيات الشابَّات اللواتي يفضِّلنَ البقاءَ عازباتٍ
يُبيِّن الحديث الشريف القائل: «عليكم بدين العجائز» أن الإيمان الراسخَ في آخر الزمان سيكون لدى عجائز النساء، لذا يُطلِق الحديث الشريف حُكمَه: اقتدوا بدين أولئك النِّسوة المتديِّنات.
ولمّا كان "أساس الشَّفَقة" أحدَ أُسس رسائل النور الأربعة، وكانت النساءُ رائداتِ الشَّفقة، لدرجة أن أشدَّهنَّ خوفًا تُضحِّيَ برُوحها في سبيل صغارِها بكلِّ شجاعة، وكانت تلكم الأُمَّهاتُ والأَخَوات العزيزات يتعرَّضنَ في هذا الزمان لحوادثَ عظيمة.. فقد أُخطر على رُوحي لزومُ بيانِ حقيقةٍ فطريةٍ لبعض الفتيات من طالبات النور الراغبات في الاستمرار في حياة العزوبة أو اللواتي اضطُررنَ إليها، وهي حقيقةٌ من الخصوصية بمكان، ومن غير المُناسب البَوحُ بها، وهي كالآتي:
بناتي.. أخواتي.. إن هذا الزمان لا يُشبه الزمانَ الغابرَ، إذ ترسَّخت التربيةُ المَدَنيةُ الغربيةُ منذ قرابة نصف قرن في الحياة الاجتماعية بدلًا من التربية الإسلامية، وإذا كان ينبغي للرجل أن يتزوج لتكون امرأتُه رفيقةَ حياةٍ أبديةٍ ومبعثًا لسعادة الحياة الدنيوية وليُحْصِنَ نفسه بها من سائر الآثام، فإننا نجدُه يُكِنُّ لها في شبابها حبًّا دنيويًّا مؤقَّتًا، ثمَّ يجعلها تقضي بقيةَ حياتها ذليلةً مسكينةً تحت سطوته وتسلُّطه الدائم، وغالبًا ما يتركُها تُعاني من المشاقِّ والصعوبات عشَرةَ أضعافِ الراحة الجزئية التي منحها إياها.
ولا سيَّما إذا لم يكونا في مستوًى واحدٍ یی وهو ما يُعبَّر عنه في المصطلح الشرعي بی(الكفاءة) یی فإنها تُمضي حياتها كلَّها حينئذٍ في ألمٍ وعذاب، إذ لا تُراعى في حقِّها الحقوقُ الشرعية، وإذا ما احتلَّتِ الغَيرةُ مكانَها ازدادت المعاناة أضعافًا، وساءت الأمور أكثر فأكثر.
— 61 —
إن الذي يدفع إلى الزواج أسبابٌ ثلاثة:
الأول: استمرار النَّسل، فقد أَوجَدَت الحكمةُ الإلٰهية ميلًا وشوقًا فطريَّينِ لتلك الوظيفة، ورتَّبت لأدائها أُجرةً هي اللَّذّة؛ والحال أن تلك اللَّذة التي تستغرقُ مدّة عشرِ دقائق ربما يعاني الرجلُ لأجلها یی إذا ما كانت زواجًا مشروعًا یی مصاعبَ لمدّة ساعة، وأمّا المرأة فإنها تُكابد مشاقَّ حَملِ طفلها في بطنها قرابةَ عشَرةِ أشهر، وعشَرةَ سنوات في سبيل مساعدتِه في حياته، بمعنى أن تلك اللَّذّة التي تستغرق عشرَ دقائق تُسقط من أهمِّيّة هذا الميلِ الفِطريِّ، لأنه يُكلِّفُ متاعبَ ومشاقَّ تَدُوم عشَرةَ أعوام.
فالواجب ألَّا تكون الأحاسيسُ والميولُ النفسيّة والفطرية هي ما يدفَعُها للزواج.
الثاني: الحاجة الفِطرية للمرأة یی نتيجةَ ضَعفِها یی إلى مُعِينٍ لها في تدبير أمور معيشتها، وقد تدفعها هذه الحاجة البسيطة للخضوع لسطوةِ زوجٍ لم ينل حظَّه من التربية الإسلامية في هذا الزمان، واعتاد على التسكُّع والتسلُّط، ولربَّما أدَّى بها الحرصُ على إرضاء غرورِه إلى التصنُّع له والإخلال بعبادتها وأخلاقها التي هي مَدارُ الحياة الدنيوية والأُخروية، لذا فالأسلمُ لها یی والحالةُ تلك یی أن تعملَ على تحصيل نفقاتها بنفسها كحالِ نِساء القُرى.
فكما أن الرزَّاق الحقَّ يسوقُ للصغار رِزقَهم من خلال رَضاعهم الحليب، كذلك يهيِّئُ لهنَّ أرزاقهنَّ برحمته؛ وبناءً عليه فلا يليق بطالبة النور أن تسعى خلف زوجٍ تاركٍ للصلاة، فاقدٍ للأخلاق، فتَخضَعَ لتسلُّطه وتتصنَّعَ له لأجل تحصيل الرِّزق.
الثالث: إن فطرة الأنثى مجبولةٌ على محبّة الصِّغار ومُلاطفَتهم، ويقوِّي هذا الميلَ الفطريَّ خدمةُ ولدِها لها في الدنيا، وشفاعتُه لها في الآخرة، وإيصالُه الحسناتِ لها بعد وفاتها، ممّا يدفعُها إلى الزواج، إلا أن التربية المدنية التي حلَّت محلَّ التربية الإسلامية في وقتنا الحاضر، تجعل واحدًا أو اثنين فقط من كلِّ عشَرةِ أبناءٍ يُقابل شفقةَ والدته بالتفاني في خِدمتها، والحرصِ على مَلء صحائف أعمالها بحسن برِّه وصالح دعائه، والشفاعةِ لها في الآخرة إن كان من الصالحين، بينما يُهمِلُ الثمانيةُ الباقون هذه
— 62 —
الأمورَ؛ لذا يتوجَّب على أولئك الضَّعِيفات المسكينات ألّا يَندفِعنَ بالميل الفطري والشوق النفسي للخوض في حياةٍ عصيبةٍ كهذه إن لم يَضطَرِرْنَ لها.
فبناءً على هذه الحقيقة التي أشرنا إليها أقول للفتيات من طالبات النور ممن يرغبن أن يبقين عازبات: إذا لم تَجِدنَ الزوجَ المتديِّنَ ذا الأخلاق النبيلة المُلائمَ لَكُنَّ، فلا تَبِعنَ أنفسكنَّ بالرُّخص والابتذال، وعليكنَّ بالتريُّث والصبر على حياة العزوبة یی مثلَ بعض طُلّاب النُّور المُضحِّين یی حتى تَجِدن الإنسانَ الكُفءَ اللائقَ بكنَّ، ممن تربَّى التربيةَ الإسلامية، ويصلُح ليكون رفيقَ حياةٍ أبديّة، فلا تُفسِدنَ حياتكنَّ الأخروية لأجل نشوةٍ دنيويةٍ عارضةٍ مؤقَّتة، ولا تُغرِقنَ أنفُسَكنَّ في سيِّئات المَدَنيّة.
سعيدٌ النُّورْسِيّ
حاشية: على الأخوات والفتيات الشابّات قراءة "رسالة الحجاب".
٭٭٭

ذكرى لطيفة من ذكريات السجن

حين كان المستبدُّون الظَّلَمة السابقون يُشِيعون بين حينٍ وآخرَ فكرةَ العفو عن السُّجناء بهدف خِداعهم، كان نُزَلاءُ السُّجون البائسُون یی وخاصةً سجن "أفيون" یی يسألونني متعجِّبين: "هل سيَصدُر عفوٌ فعلًا؟" فكنت أُجيبُهم: "إن هؤلاء الظالمين يخدعونكم، لكن بما أن طلاب النور قد دخلوا ثلاث مرات السُّجون حتى يبثُّوا السُّلوان في نفوس المساجين ويأخذوا بأيدي تسعين بالمِئة منهم إلى التزام الصلاة، فإنني أبشِّركم بُشرى جازمةً، راجيًا الرحمةَ الإلٰهية أشدَّ الرجاءِ أن يكون هذا الإعلانُ مؤشِّرًا قويًّا يبعثُ الأمل بصدور عفوٍ عامٍّ يُخْلَى به سبيلُ المساجين"، فكان حديثي هذا يبعثُ السُّلوانَ الكبير في نفوسِ كثيرين.
وأشكرُ اللهَ شكرًا لا مُنتهى له أنْ حقَّق الديمقراطيُّون الأبطالُ بشارتي ورجائي، وأصبحوا وسيلةَ نجاةٍ من العذاب لكثيرٍ من السُّجناء الأبرياء، الذين اضطُهدوا في
— 63 —
السجون ذريعةَ بعض القوانين المِزاجيّة المُتطرِّفة، وضريبةَ انحيازِ بعض المسؤولين المُغرِضين.
وجعلوا القسمَ الجريء من هذا الشعب موالين لهم وللأمن، فأصلح بذلك كثيرٌ من السُّجناء حالَهم نظرًا لعلاقَتِهم الوطيدة الجادّة بالنُّور والنُّوريِّين، وأصبحوا في حُكمِ جماعةٍ وأعضاءٍ نافعين للوطن والشعب من غير ضرر.
٭٭٭
باسمه سبحانه
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أبدًا دائمًا
أستاذي وسيدي الحبيب..
لقد أرسلنا الخطابَ الحقَّ المُعَنْوَن: "لا يمكن إتلافُ رسائل النور" إلى العنوان الخاصِّ بمنزل كلٍّ من رئيس الوزراء ووزيرِ العدل، كما قُمنا بإرساله إلى العناوين الرسميّة لسائر الوُزراء، ونُسلِّمه كذلك لكلِّ من نلتقي بهم من أعضاء مجلس الشعب، وجميعهم أفادوا بأنهم سيبذلون جهدَهم لِمُعالجة الأمر.
ويُبدي عضو مجلس الشعب عن "إسبارطة" "تحسين تولا" من "سِنير كِنت" اهتمامًا كبيرًا بالأمر، ويقول: "إن الحكومة الآن تخوض صراعًا مع الشُّيوعية، وهذا الصراع ليس مُهِمّةَ أجهزةِ الأمن فقط، إذ إنَّ النوريِّين في خضمِّ هذا الصراع منذ عشرين عامًا، ويُقدِّمون عونًا كبيرًا للحكومة؛ وإن أكثر التيّارات نفعًا وأشدَّها تأثيرًا من بين التيّارات المختلفة الموجودة في البلاد: تيارُ النُّوريِّين".
ويُبلِّغُكم السلامَ أيضًا كلٌّ من الواعظ وعضو مجلس الشعب "عمر بيلن"، وعضو مجلس الشعب "حسن فهمي أُوسطه أوغلو" و"فهمي چوبان أوغلو"، وغيرهم من السّادة المُعمَّرين.
— 64 —
ويقول بعضُ النُّوّاب: إن أستاذنا هو المرشد الحقيقيُّ لهذا العصر باعتباره يمثِّل الشخصَ المعنويَّ لرسائل النور، وإن هذا النصرَ غيرَ المُتوقَّع كان بهِمّة أمثاله.
إن هؤلاء المحترمين من أعضاء المجلس يصرِّحون بأنهم تلقَّوا منكم أستاذَنا الحبيبَ الكثير من العَون، وفي جوانب عديدة، ويطلبون منكم الدعاء، ويُعبِّرون عن تطلُّعِهم إلى المستقبل بقوّة اعتمادًا على خِدمات رسائل النور، وكلُّهم أملٌ أن يسطَعَ في العالم نورُ الإسلام، ويُنقِذَ الإنسانيةَ برحمة إلٰهية.
وفي الأربعاء الماضي تحدَّث ثلاثة من أعضاء مجلس الشعب عن نيِّتهم زيارةَ الأستاذ يومًا مّا.
عبد الله، صونغُر
٭٭٭

خلاصة حاشية الدفاع والشكوى المقدمة إلى المحكمة الكبرى

هذه صورة العريضة التي قدَّمناها إلى محكمة التمييز عن طريق المحامي واكتبوا خلاصةً في هذا السياق للمتديِّنين من أعضاء المجلس الشعب بخصوص قرار المصادرة.
إن هذا الأسلوب في مصادرة الكتب يُبْرِز مدى المخالفة للقانون، وعدمَ الاعتراف بحكومة الديمقراطيِّين، وعدم الإصغاء للأوامر الصادرة من وزير العدل أو حتى الاكتراثِ بها، وأن ثمة حقدًا دفينًا يتحكَّم خارج عدالة القضاء؛ وحفاظًا على مصلحة الوطن والشعب بات من الضروريِّ كتابةُ عريضة للديمقراطيِّين المُنصفين لأجل إِطْلاع وزير العدل عليها، وتحمل هذه المعاني:
إنهم يرفضون إعادة جميع الكتب التي بحوزتهم متذرِّعين بكلمةٍ أو كلمتين يجعلونها موضوعَ جُرْم، في مسعًى منهم لمنع انتشار النور، وقد أثبتنا في دفاعاتنا أن النِّقاط التي جعلوها موضعَ تُهمةٍ تحوي واحدًا وثمانين خطَأً عرضناها ضمن جدولِ خطأٍ وصواب، وبينَّا أنهم يُضمرون في نفوسهم حقدًا واضحًا وصريحًا.
— 65 —
كما أنهم يرتكبون ظلمًا عجيبًا لا مسوِّغ له في أيِّ قانونٍ في العالم، وذلك بمصادرتهم مجموعة "ذو الفَقار" ذات الأربعِ مئة صفحة، وعدمِ إعادتها لنا بحُجّة العثورِ على بضعة أسطر فيها تفسِّر آياتٍ قرآنيّةً تتحدَّث عن الحجاب والميراث، علمًا أن هذه الآيات ذاتَها موجودةٌ في مئات الآلاف من التفاسير المسموح بها اليوم.
كما أن أجزاء رسائل النور التي ظلَّت لمدة عامين بحوزتهم في "أفيون" سبق وأن نالت البراءةَ من محاكم "دَنِزْلي" و"أنقرة" و"إسبارطة"، وأُعيدت إلى أصحابها؛ ومؤخَّرًا قامت حكومةُ "إسبارطة" بمصادرة "ذو الفَقار" و"عصا موسى" بعِلّة طباعتها دون رخصة، ثم أُعيدت إلينا تلك المجموعات البالغ عددها (١٧٠) كاملةً دون أيِّ نقصٍ، بعد أن بقيت مُحتَجَزةً لديهم أربعَ سنوات.
وأبرز سببٍ لإدانتنا: أننا طبَّقنا حديثًا شريفًا فسَّرَتْه رسالةٌ خاصّة من رسائل النور قبل خمسين عامًا، على ذلك الشخص الذي فَرض بالقوانينِ الجبرية اعتمارَ القبعة الإفرنجيّة، وتعهَّد في "معاهدة لوزان" بانتزاع الدين الإسلامي من هذا الشعب التركي المبارك، ولم يتمكن رغم حمَلاته القوية الشرسة من حملِ أيِّ مسلم حقيقيٍّ من الأتراك على مفارقة دينه وإدخاله في الديانة البروتستانتية، وتسبَّبت فِعالُه تلك بضرر للأُمّة الإسلامية ضررًا بالغًا في الصميم، وأكَّد بحياته ومماته أنه یی أي: مصطفى كمال یی الشَّخصُ عَينُه الذي ورد وصفُه في الحديث الشريف بی"هادم الدِّين، والسُّفيانيّ".. فاتَّهمونا بأننا نسعى لتحطيم المحبّة التي تُكنُّها قلوبُ الشَّعب تِجاهَه، وكان هذا سببَ إدانتِنا.
ومع نقضِ محكمة التمييز سابقًا لقرارِ الإدانة هذا الصادر من محكمة "أفيون"، إلا أن القضية أُثيرت ضِدَّنا مجدَّدًا، ثمَّ لمّا صدر قانون العفو العامِّ، قاموا بجمع الملفات كلِّها، وإيداعها مع مؤلَّفات رسائل النور ضمنَ المُستودَعات كي تَتلَف.
ومؤخَّرًا صدرت أوامرُ من وزير العدل بإعادة جميع المؤلفات بعد أن أرسل إليه "صونغُر" برقيةً بهذا الشَّأن، إلا أنهم لم ينفِّذوا الأوامر، وحاولوا التفريق بين الكتب المشبوهة وغير المشبوهة، بل ربما وجَّهوا الاتِّهام مجدَّدًا نحوَها جميعًا، بهدف منع
— 66 —
انتشار رسائل النور بحُرِّية تامّة.. فيجب ألا تُتاح لأشخاص كهؤلاء حرِّيةُ التحكُّمِ بأمر الأنوار، فهم يخدعوننا منذ ثلاثة أعوام.
إننا نأمُل من الديمقراطيِّين یی وقد أدخلوا البهجةَ والسُّرورَ في نفوسنا ونفوس العالم الإسلامي یی أن يكونوا على حذرٍ من كيد هؤلاء ضدَّنا، ومن أمورٍ أخرى تُحاك ضدَّنا بأيدٍ أجنبية وبحقدٍ دفين، كمَنْعِنا من استعادة مصحفنا الذي يُظهر للعِيان إعجازَ ألفاظ الجلالة، بحجّة لزوم طلبه رسميًّا من رئاسة الشؤون الدينية.. ونرجو من هذه الحكومة المُحِبّة للحُرِّية أن تعمل على تجنيب النُّوريِّين هذه الموارد.
٭٭٭
إخواني الأعزّاءَ الأوفياء..

ş&Uًا: نُهنِّئكم من صميم أرواحنا وقلوبنا بعيد المولد النبوي.

ثانيًا: إن التوفيق الذي كُتب لكم في نشر الأنوار سيتلقّاه العالم الإسلاميُّ بالتهنِئة والترحيب، وها قد بدَأَت أماراتُه تظهر، فمن ذلك أنَّ معاون وزيرَ المعارف الباكستاني زارني طالبًا بعضَ رسائل النور، وقال لي: "سأسعى بنشرها بين تسعين مليونًا من المسلمين"، وقد اصطحبها جميعًا حين مغادرته.
ورغم المكائد التي يَحيكُها كثيرٌ من المنافقين ضِدَّنا، إلا أن رسائل النور بلَغَت أماكنَ شاسعةً في أوروبا وآسيا، حتى أن الألمان تلقَّوا مجموعة "ذو الفَقار" حين وصلتهم بالتَّرحاب، وأعلنوا عنها في إحدى الجرائد الصادرة في "برلين".
أمّا داخلَ البلاد فإن أهل الإيمان يقرؤون كلًّا من "عصا موسى" و"ذو الفَقار" بكمال اللهفة والشوق، غيرَ مبالين بقرار الحظر الذي فرضه رئيس الوزراء ووزير الداخلية السابقان المُعاديان بشدّة لرسائل النور، بل إن القُرّاء كثيرون جدًّا في مدينة "أنقرة".
— 67 —
وقد اتَّخذ مُدَراء السجون في ولاياتٍ عدّةٍ القرارَ التالي: سوف نجعل السجون مدارس نورية، حتى يصلُح بالأنوار حالُ المساجين، مثلما حصل في سجون "دَنِزْلي" و"أفيون".
ثالثًا: أُقدِّم عزائي بوفاة المرحوم "برهان" لأقاربه، ولی"إسبارطة"، ولطلاب المدرسة الزهراء، فقد كان أحدَ أبطال النور الأُميِّين الأخفياء، وقد وصلني خبر وفاته قبل نحو ستة أيام، فدعوتُ له خلال هذه الأيام السِّتة أكثرَ من ألف مرّة، ذلك أني عنَيتُه بقولي: "أجرنا من النار" الذي ردَّدتُه قرابةَ أربع مئة مرةٍ في وِردي خلال هذه الأيام.. وأُهدي إلى روحه جميعَ ما قرأتُه.
رابعًا: لقد أصبحت الأنوارُ تُنوِّر المدارسَ تنويرًا تامًّا، وغدا طلّابُ هذه المدارس تلاميذَ للأنوار، يتبنَّونها ويَنشُرونها أكثرَ من طلاب المدارس الدينية، وسيقأولكذلك أهلُ المدارس الدينية بتبنِّي الأنوار تدريجيًّا بإذن الله، إذ هي بضاعتُهم الحقيقية وثمرةُ مدارسهم.
وبدأت ملامحُ الرغبة واللهفة تجاهَ الأنوار تتبدَّى لدى الكثير من المُفتين والعلماء اليوم، كما بات لِزامًا على أهل الطريقة یی وهم الآن أبرزُ أهل التَّكايا یی أن يُنوِّروا رسائلَ النُّور ويتعهَّدوها بكل قُواهم.
(حاشية): وأحد مظاهرها المُهِمّة: تلقِّي جميع منتسبي "الشيخ حاج عبد الله السيد الشَهري" الأنوارَ بكل تقدير، وتبنِّيهم دوائرَ رسائل النور في كلٍّ من "قسطموني" و"إسبارطة" و"أسكي شَهِر" كأنها دوائرُ طريقتهم.. فبارك الله بهم كثيرًا.
وإني ما زلتُ إلى اليوم أقول: "إنَّ هذا الزمان ليس زمانَ الطريقة، فإن البِدَع تَحُولُ دُونَها"، وحصرتُ تفكيري في حقائق الإيمان وحدَها؛ إلّا أنَّ الزمانَ أَظهر أن دائرة رسائل النور هي أكبرُ دوائر الطرق وأوسعُها في الوقت الحاضر، وأنَّها تحوي خُلاصةَ اثنتي عَشْرةَ طريقةً كبيرةً ضمن دائرة السُّنّة النبوية.. وبذلك أَظهر أنه من اللازم لجميع أهل الطُّرق بل الألزم لهم أن يدخلوا في دائرة رسائل النور، وأن يتلقَّوها ضمنَ
— 68 —
طُرُقهم الخاصّة؛ إذ إن أشدَّ المذنبين من أهل الطريقة لا يتخلَّى عن دينه بسهولةٍ ولا يُهزم قلبه، لذا فإن بإمكانهم أن يكونوا نوريِّين حقًّا لا يزعزعُهم شيء، شريطةَ الابتعادِ قدرَ المُستطاع عن البدع، واجتنابِ الآثام التي تُخِلُّ بالتقوى.
خامسًا: إن أعظمَ خطرٍ في هذا الزمان هو الزندقة والإلحاد والفوضويةُ والفكرُ المادِّيّ، والحلُّ الوحيد لمُواجهة تلك المخاطر هو الاعتصامُ بحقائق القرآن، فإن هذه الآفة البشرية التي حَوَّلت دولةً عظيمةً كالصِّين إلى الشيوعية في زمن يسير، لا يمكن مجابَهتُها بالقُوى السياسية والمادِّية، بل لم يُسكِتْها سوى الحقيقة القرآنية.
إن مسألة ليلة القدر الواردة في رسالة "المُرشد" بدأت آثارُها الآن تظهر في أوروبا وأمريكا، لذا فإن قوة الحكومة الحالية الحقيقيةَ تكمُن في الاستناد إلى الحقائق القرآنية ورعايتِها، وبذلك تحظى بقوةٍ احتياطيةٍ تتمثَّل في أُخوّةِ ثلاث مئةٍ وخمسين مليون شخصٍ في دائرة الأخوّة الإسلامية والاتِّحاد الإسلامي.. ولقد كانت الدول المسيحية في الماضي تُعارِض قيامَ هذا الاتِّحاد الإسلامي، إلا أنَّ ظهور الشُّيوعية والفوضوية اليومَ اضطَرَّ دُولَ أوروبّا وأمريكا للإقرار به.
سادسًا: جاءني طالبُ نورٍ من أعضاء مجلس الشعب، وأخبرني أنه ذهب بنفسه إلى وزارة العدل، وأبلغَهم قرار مصادَرة رسائل النور في "أفيون"، فأجابه وزير العدل "أزيورك": "لقد أصدرتُ أوامري لمحكمة "أفيون" بإعادة جميع المؤلَّفات، بل حتى مجموعة "عصا موسى" الموجودة لديَّ سأقوم بإعادتها إلى مؤلِّفها"، وكلام "خليل أزيورك" هذا يظهرُ تأييدَه للديمقراطيِّين ومناصرتَه للأنوار.
سلامي للجميع..
الباقي هو الباقي
أخوكم
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭
— 69 —
باسمه سبحانه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أبدًا دائمًا
إخواني الأعزاء الأوفياء، وأبطالَ النور الشَّباب..
أولًا: نباركُ من صميم أرواحنا وقلوبنا خدمتَكم النورية الجليلة في أماكن مثل أنقرة، لقد أصبحتم بحقٍّ عنصرَ يقظةٍ وصحوةٍ كبيرةٍ بين المثقَّفين وطلّاب المدارس بما يفوق آمالَنا كثيرًا، وإن الخدمة التي قمتم بها في سنةٍ واحدةٍ في مكانٍ مثل أنقرة لا يمكن إنجازُها في عشر سنوات، فاطمئنُّوا وقَرُّوا عينًا بالوظيفة الإيمانية التي أدَّيتُم في مدّة وجيزة، ولا ينبغي لحوادثَ تافهةٍ أن تُشعِرَكم بالوهن أو الإحباط، ولا أن تُضعِف عزائمَكم، بل يجب أن تكون دافعًا للسَّعي الجادِّ أكثر وأكثر.
إن قيامكم بخدمة القرآن والإيمان، وتبنِّيَ طلّابِ الجامعة للأنوارَ بكمال التقدير في مثل تلك الأمكنة، وفي زمنٍ يتصارع فيه أكثرُ من عشرين تيارًا اجتماعيًّا وسياسيًّا من داخلَ البلاد وخارجَها، بدوافعَ مغرِضة ولأغراضٍ شخصية.. أدخل البهجة في نفوس جميع النوريِّين، وسيُبهج العالمَ الإسلامي مستقبلًا إن شاء الله.
فكما أن حراسةَ ساعةٍ في الجُندية تحت وطأةِ ظروفٍ قاسيةٍ تَعدِل عبادةَ سنة، كذلك ما أدَّيتُم أنتم والنوريُّون في جامعة إسطنبول من خدمةٍ جليلةٍ في زمنٍ يسير، مهما كانت ثمراتُها قليلة، إلا أنَّ مكافأتَها عظيمة، فاستبشِروا.. وكما أن تَقَهقُرَ بعضِ الضُّعفاء وتراجُعَهم ينهضُ بعزيمة الشُّجعان، ويحرِّض فيهم عرقَ الشجاعة والحماسة في ساحات الجهاد، فكذلك الأمر لدى فدائيِّي النور، يلزمُ أن تشكِّل هزيمةُ المرتابين النفسيّة وإخفاقُهم دافعًا لزيادة هِمَّتِهم وثباتهم، بل حافزًا للسِّعي والعمل بلهفةٍ وطاقة أكبر.
أجل، إنكم استلهمتُم بفطرتكم حقيقةً مُهِمّةً من حقائق رسائل النور، فضعوا تلك الحقيقة نُصبَ أعيُنكم، وهي: "إن وظيفتَنا هي خدمةُ الإيمان والقرآن بإخلاص، أما إحرازُ التوفيق وتلقِّي الناس بالقبول ودحضُ المعارضين، فتلك شؤونٌ إلٰهية، لا
— 70 —
يحقُّ لنا التدخُّلُ فيها، حتى لو غُلِبنا فلن يُوهن ذلك معنويّاتنا ولن يؤثِّر في خِدمتنا".. كونوا على قناعة من ذلك.
ومن أمثلة ذلك: ما أجاب به أحدُ أبطال الإسلام العِظام "جلال الدين خُوارزم شاه" حين قيل له يومًا: "سوف تنتصر على جنكيز خان"، فردَّ قائلًا: «إن وظيفتَنا هي الجهاد، أما النصر فشأنٌ إلٰهيٌّ، لا أتدخَّل فيه» ، وإنكم بخدمتكم المخلِصة التي تؤدُّونها بثباتٍ دون وهنٍ حتى اليوم، قد اقتديتم بهذا البطل؛ فإياكم والشعورَ بالإحباط حتى لو كانت الاستجابةُ بمقدار واحدٍ أو اثنين بالألف، فربَّما كان ذاك الواحد أو الاثنان بمنزلةِ ألف.
ثانيًا: لقد تحوَّلت الأنظارُ هذه الأيامَ في أنقرة إلى الدُّنيا كثيرًا، ولم يجد الحزب الحاكم بعدُ وقتًا كافيًا لإقناع الناس بتقبُّل مبادئه بصورة تامّة، في حين تسعى أحزابٌ متعدِّدةٌ سعيًا حثيثًا لزيادةِ أنصارها أو سترِ عيوبها، أمّا التيّاراتُ المُعادية للإسلام والقرآن في الخارج فقد وجدت لنفسها بضعةَ أشخاصٍ في الداخل تتحرَّكُ من خلالهم، فيعملون على إثارة الهواجس والأوهام في نفوس بعض العاملين في الخدمة القرآنية یی ممَّن ليسوا على درجةٍ عاليةٍ من التفاني والتضحية، أو لهم نوعُ صلةٍ بالدنيا وولَعٌ بكثرة الأصحاب یی بُغيةَ تشويشِهم وبثِّ الذُّعر فيهم، عبر نشرِ دعاياتٍ مُغرِضة، ولا يألون جُهدًا في العمل على تقويض القوّة المعنوية لدى النوريِّين.
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭
إخواني الأعزاء الأوفياء..
كنت قد هَمَمتُ اليومَ بكتابة رسالةٍ إليكم، وتعذَّر الأمرُ لسُوء حالتي الصِّحِّية، لكن حضر فجأةً لزيارتي كلٌّ من "مصطفى گُول وإبراهيم گُول"، فكانا لنفسي سُلوانًا واشتِفاءً وأُنسًا، لذلك أوفدتُ أخويَّ هذَين كوكيلَينِ عنِّي لزيارتكم وتهنئتكم وإبلاغكم رسالتي، ولأجل توضيح بضعة أمورٍ أخرى.
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭
— 71 —
جواب رئيس الجمهورية "جلال بَيار"
على برقية التهنئة التي بَعَث بها الأستاذُ إليه
بديعَ الزمان سعيدًا النُّورْسِيَّ
أميرداغ
تلقَّيتُ ببالغ السُّرور تَهنِئَتكم المُخلِصةَ، وأشكرُكم عليها جزيلَ الشكر.
جلال بَيار
٭٭٭
إخواني الأعزاءَ الأوفياءَ المباركين..
أولًا: تلقَّيتُ باكورةَ محصولِ "المدرسة الزهراء"، وكنت أحتاجُها بشدّة، وكذا المجموعات التي بعث بها البطل "طاهري" باسم زوجته وابنتيه رحمهنَّ الله، وتسلَّمتُ قبلَ أسبوعين "المكتوبات" التي أرسلها مصطفى كاملةً یی وهو خيرُ خلفٍ للمرحوم الحافظ "علي" یی فكان مجيئُها في الوقت المناسب، وأيضًا المجموعةَ المباركة التي استنسخها بيده القائد النُّوريُّ الثابت "رأفت بك"، ورسالتَه الجميلة الذي يتحدَّث فيها عن رؤياه ذات المعاني العميقة.. وقد سُررت بهم كثيرًا.
أسألُ الله أرحمَ الراحمين أن يكتُب لكلٍّ منكم بكلِّ حرفٍ من حروفها ألفَ حسنة، وأن يتغشَّى بآلافِ الرَّحَمات أرواحَ المرحومة خديجة والمرحومة هِجرة والمرحومة عائشة.. آمين.
ثانيًا: ورد في رسالة خسرو الثاني "مصطفى عثمان" أن أخًا لنا اسمُه "صبري" يوَدُّ القدومَ للقيام بخدمتي، ولقد أبهجني كثيرًا بطلبه هذا، واكتفيتُ منه بصادقِ رغبته، فكأنه أدَّى الخدمة شهورًا، لكن لا حاجة الآن لمجيء أحدٍ من خارج المدينة لهذا الغرض، وأنا أُخبرُكم حين يلزم الأمر.
— 72 —
وفي الحقيقة لقد بدأنا نلحظُ في محيط "أفلاني" ظهورَ أبطالٍ نابتة، يَحمِلون رُوح أبطال "إسبارطة" وهِمَّتَهم!
ثالثًا: لقد قبلتُ تبرُّكًا یی وخلافًا لقاعدتي یی قِطْفَ العِنبِ الذي جناه تلميذُ النور وحَجَرُ أساسِه الكاتبُ عثمان، من بستان رسائل النور، والحلوى المباركة التي بعَثَت بها قرية "صاوة" إحدى فروع المدرسة الزهراء ومراكزِها، وقد قبلتُها جبرًا لخواطرِهم، وحين أُقدِّمها لأحدٍ ما فإنِّي سأقدِّمها باسمهم كي ينالوا الأجر.
رابعًا: كنت قد دوَّنتُ في كُرّاسةٍ الفِقْراتِ المُهِمّةَ من رسائل بطل النور "خسرو" التي أرسلها إليَّ يومَ كنتُ في "أميرداغ"، وكانت تحوي على وجه الخصوص الأقسامَ التي تتضمَّنُ خُلاصاتِ الرسائل التي كتبتُها بنفسي، إلا أن أحدَهم أُعجب بها أيّامَ السِّجن، فأعرتُه إيّاها وفقدتُها.. لديَّ الآن منها قرابةُ أربعين رسالةً قديمةً سأُشير إليها إن شاء الله، لكن إن لم نتمكَّن من استنساخها هنا، فسأُرسلها لكم لتُجمع في مِلفٍّ وتُستنسخَ لِأهمِّيَّتها.
خامسًا: كنت قد أرسلت خمسَ عشرةَ مجموعةً من "الكلمات" إلى أنقرة، وأثمرت منافع جَمّة، إذ يقومُ النوريُّون فيها بعمل بطوليٍّ جادٍّ، مع الأخذ بأسبابِ الحيطة والحذر.
سادسًا: قمتُ بتصحيح "المكتوبات" التي طلبها خسرو، وهي غير متوفِّرة لديكم، لكن سأرسلُها مع أحدهم، وقد وجدتُ في هذه المرّة "المكتوب الرابع والعشرين" عينَ حقيقة قيمةٍ، وذاتِ دِقّةٍ وعُمقٍ أكثر.
سلامي للجميع..
الباقي هو الباقي
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭
— 73 —
إخواني الأعزاءَ الأوفياءَ المباركين..
أوَّلًا: كاتبَني "نظيف چلبي" خسرو مدينةِ "إينه بولو" يسألُني: بعد أن أُتِمَّ نشرَ الحزب النوريِّ والصلوات، ما الذي ترونه مناسبًا؟
أرى من المناسب نشرَ لَمعتَي "المرضى" و"الشيوخ" و"المكتوب السابع عشر" الذي يُعتبَرُ عزاءً قصيرًا للأطفال الصغار، و"المكتوب الحادي والعشرين" الذي هو رسالةٌ قصيرةٌ حولَ خدمة الشُّيوخ الكبار، فانظروا المناسبَ؛ ولأركان المدرسة الزهراء الصلاحيةُ بحذف أو تصحيح جملة أو فِقرة وَفقَ ما يرَون، كما يُمكنهم إضافة رسائلَ أخرى مختصَرة بما يُناسب سياقَ الموضوع.
اكتبوا إلى البطل "نظيف" رسالةً جوابيةً موجَزةً عاجلةً تتضمَّن هذه المعاني.. وإن ما قام به من نشر "الجوشن الكبير" و"الحزب النوري" والصلوات لهو خدمةٌ جليلة للنوريِّين ولأهل الإيمان.. أسألُ الحقَّ سبحانه أن يُكافئه ومُساعديه مقابلَ كلِّ حرفٍ من حروف تلك الرسائل ألفَ حسنةٍ.. آمين.
ثانيًا: لقد بدأت الحكومة الجديدة تدرك تدريجيًّا أن القوة الحقيقية تكمُن في القرآن، وأنَّ بإمكانها مجابهةَ تخريب الأعداء وإفسادِهم بالاعتماد على الأخوّة الإسلامية والحقائق الإيمانية.
أجل، إن مخرِّبًا واحدًا يمكنه أن يُرهق عشرة بنّائين ماهرين بل يغلبَهم أحيانًا، وإن القوة التي استطاعت إخضاعَ الصين العظيمة وكفَّ اعتداءاتها على عشرين مليون مسلمٍ في هذه البلاد، وصيَّرتها كالمغلوب على أمرها، إنما هي الحقائقُ القرآنيةُ والإيمانية، لا القوةُ الماديةُ والتدابيرُ والتحالفاتُ الداخليةُ والخارجية، إذ وقَفَت تلك الحقائقُ سدًّا منيعًا أمام عبثها بالمعنويات النفسية وتخريبها للمشاعر والعزائم القلبية التي هي مصدرُ قوّةِ المسلمين الأكبرُ، وداوت جراحاتهم المعنوية.
ولقد أدركَ هذه الحقيقةَ وزيرُ المعارف في الحكومة الجديدة، فاتَّخذ منحًى مخالفًا لأسلافِه في الاهتمام بالدروس الدينية ونشر الحقائق الإيمانية، حتى إن
— 74 —
الصُّحُف نشرت خبرَ تخصيصِ مئة ألف ليرةٍ لإنشاء "دار العلوم الشرقية" أو "جامعة الشرق" حسَبَ تعبيرهم، مع متابعةٍ شخصيّة واهتمامٍ خاصٍّ من قِبَل الوزير نفسِه.
كما أدركَت تلك الحقيقةَ كلٌّ من جامعتَي أنقرة وإسطنبول، وأن مُنقذَ الشبيبة والوطن من مخاطر تلك القوة المروِّعة المدمِّرة إنما هو الحقائق القرآنية والإيمانية، فكان أن وجَّه طلابُ جامعة أنقرة خطابًا حَمَل ألفًا وسبعَ مئة توقيعٍ إلى وزير المعارف يُباركون فيه قرارَه بإلزام المدارس إضافةَ الدروس الدينية.
وأمّا جامعة إسطنبول فدار فيها حوارٌ مع أحدِ أهمِّ أركان الحكومة الجديدة جاء فيه: "ثمّة تيّارٌ قويٌّ موالٍ للدِّين في الأناضول!"، فأجاب: "لن نُفسِح لهم المجال تحت أيِّ ظرف، كما فعلنا مع اليساريِّين"، فما كان من ممثِّل تلك الجامعة المعروف بمعارضته للأنشطة الدينية إلا أن ردَّ عليه قائلًا: "إن كان ذلك التيار التي تتحدَّثون عنه هو تيارَ رسائل النور، فلن يمكنكم أنتم ولا أوروبا هزيمتُه".
وخلافًا لمسلكي ومشربي، فإنني في هذا الشَّأن أتقلَّدُ یی لبُرهةٍ یی فِكرَ سعيدٍ القديم وأقول: لا حدَّ وسطًا بين الكفر والإيمان، ولا في مواجهة الشيوعية المُعادِية للإسلام في هذا الوطن، لأن التقسيم إلى اليمين واليسار والوسط يقتضي ثلاثة مسالك، وهذا التقسيم يَصدُق إطلاقُه لدى الإنكليز والفرنسيِّين، إذ يمكنهم القول: اليمين هو الإسلام، واليسار الشيوعية، والوسَط النصرانية؛ أما في هذه البلاد فلا يمكن لدينٍ أو مذهبٍ غيرِ الإيمان والإسلام أن يُجابِهَ الكفرَ المُطلق، وإلا كان التحلُّلُ من الدِّين والانزلاقُ نحو الشيوعية، لأن المسلم الحقيقي لا يتهوَّدُ ولا يتنصَّر بأيِّ حالٍ من الأحوال، فإذا ما انخلع عن رِبقة الإسلام فإنه سيسقط في براثن الإلحاد والفوضويّة المحضة.
سيُدرِكُ هذه الحقيقةَ المُهِمّةَ سائرُ المسؤولين الكبار إن شاء الله، تمامًا كما فهمها وزيرا المعارف والعدل، وإننا نَضرَعُ إلى الله تعالى برحمته وبصادق الرجاء أن يوفِّقَهم للعمل على إنقاذ هذه البلاد من الكفر المطلق والفوضوية والزندقة وتخريباتها، استنادًا إلى قوة الحقِّ والحقيقة والقرآن والإيمان، بدلًا من الحديث عن اليمين واليسار.
٭٭٭
— 75 —

...

قبل أسبوعٍ أو أسبوعين أرسلَ إلينا "علي رضا" أحدُ كبار الأساتذة في جامعة الأزهر بمصر مبعوثًا خاصًّا، وقبل يومين أيضًا زارني عالمٌ جليلٌ بخاريُّ الأصل مجاورٌ في المدينة المنوَّرة، وذو صلةٍ وثيقةٍ بكبار علماء مصر وخاصةً "مصطفى صبري أفندي" شيخ الإسلام السابق وصديقي في دار الحكمة، وكان قد اجتمع بهم لهذا الغرض، فكان قدومه إلينا بمثابة ممثِّل عنهم؛ فسلَّمتُه إحدى عشرة مجموعةً من مجموعاتي الخاصة هديةً وقفية إلى الجامع الأزهر الذي هو اليوم بمثابة مدرسة العالَم الإسلاميِّ العظيمة، إذ يضمُّ تحت سقفه حاليًّا سبعةً وعشرين ألفَ طالبٍ كما أفادني هذا العالِم الضيفُ.
وأوصيتُهم في رسالة بعثتُ بها معه أن يهتمُّوا بمجموعات النور، وأن يكونوا هم یی نيابةً عني یی حُماتَها وورثتَها، وأن يبذُلوا جُهدَهم في ترجمتها إلى العربية، وفي مقدِّمتهم "مصطفى صبري" و"علي رضا" و"محمد زاهد الكوثري".
سلامي لجميع إخواني وأخَواتي، وأطلب دعاءَهم.
الباقي هو الباقي
أخوكم
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭
— 76 —
أولًا: أُسِّس في داخل "أنقرة" ما يُشبه مدرسةً نورية مصغَّرة، يقوم فيها أحد "السَّعيدين" الشباب وفدائيِّي النور بقراءة إحدى المجموعات، ويستمع إليه الآخرون كأنهم يتلقَّون درسًا، وربما شاركَهم شخصياتٌ مُهِمّة وأشخاصٌ معتبَرون حضورَ شيءٍ من تلكم المحاضرات.. فللَّه الحمد على ذلك حمدًا لا منتهى لدوامِه.
ولقد تحدَّث بعضُ أعضاء مجلس الشعب لرئيس الوزراء ووزير الداخلية ولطلاب النور حول افتراءات الصحفيِّ في "أفيون" قائلين: "إن عدنان مَندَرِس ووزير الداخلية قد تلقَّيا هذا الخبر بصدر رَحْبٍ"، وبعثا برسالةٍ إلى الأستاذ مُفادُها: "لا تقلق ولا يَحزُنك هذا الأمر"، حتى ذلك الصحفيُّ الأفيونِيُّ قال: "سوف آتي إلى أميرداغ للاعتذار إلى الأستاذ، ولي عنده رجاءان سأطلبُهما"، وفي تلك الأثناء قام طلّابي بشراء مئةٍ وستين عددًا من تلك الصُّحف التي كَتَبَت ضدَّنا وإتلافِها.
كنت أودُّ الكتابةَ أكثرَ، لكن عَجَزتُ لسُوء حالتي الصِّحية ولضيق الوقت، لذا أختصر الحديثَ وأبعث بسلامي للجميع.
٭٭٭
تعمل "أفلاني" و"صَفْرَن بولو" للأنوار بشكلٍ دائمٍ ومستمرٍّ مثلما يعمل أبطال "إسبارطة"، فمن ذلك أنَّ بعض نُسَخ "المرشِد" كانت خاليةً من المناجاة، فقام أبطال "أفلاني" في مُدّة وجيزة باستنساخ سبعين نسخةً منها بالأحرف العربية، وإرسالِها إلينا لنُدرِجَها في ختام "المرشد".. في الحقيقة: بدأنا نشهد ظهورَ نماذجَ كثيرة هنالك من أمثال "صُونغُر"، وسيظهر المزيدُ في المستقبل إن شاء الله.
٭٭٭
— 77 —

حاشية الدفاع

نظرًا لاشتداد المرض عليَّ، فإنِّي أُخوِّلُكم أن تكتبوا إلى الديمقراطيِّين أنصار العدالة عريضةً تتضمن هذه القضايا، فانظروا المناسب:
تلقَّينا رسالةً من محامينا قبل يوم يُخبرنا فيها: أنهم يحاولون التمييزَ بين الكتب المشبوهة وغير المشبوهة.
ورَغمَ نقضِ محكمة التمييز للقرارات الصادرة عنهم من أصلها، واعتبارِها التُّهمَ الموجَّهةَ ضدَّنا ليست محلَّ إدانة..
ورَغمَ أننا بيَّنّا أنَّ لائحة المُدَّعي العامّ تحوي واحدًا وثمانين خطَأً، وعرضناها مُرتَّبةً ضمن جدولِ خطأٍ وصواب، وأثبتنا أنها قرارات حاقدة؛ إلا أنهم ما زالوا يتصرَّفون بنفس الحقد، فيَعمِدُون إلى مصادرةِ رسالة "ذو الفَقار" ذات الأربع مئة صفحة، بحجة وجود جُملٍ يسيرة في بضعة أسطر منها تتحدَّث عن الحجاب والإرث، وهي جملٌ كُتبت قبل ثلاثين أو أربعين عامًا استنادًا إلى ما جاء في مئة ألف تفسير؛ فأيُّ قانون في العالم يسمح بجعل تلك الجُمل موضعَ تُهمة، ثمَّ مصادرة تلك المجموعة العظيمة كلها وعدم إعادتها لنا؟!
ورغم بقاء جميع هذه الكتب مُحتَجَزةً في محكمة "أفيون" یی باستثناء قطعتين صغيرتين حول التكرارات القرآنية والملائكة یی مدّةَ عامين، وصدورِ قرار البراءة بحقِّها من محاكم الجزاء في كلٍّ من "دَنِزلي" وأنقرة، وعدمِ العثور على أيِّ موضعِ تهمة، وإعادتها لنا..
ورغم مصادرة تلك المؤلفات نفسِها من قِبل حكومة "إسبارطة" ثم إعادتها بتمامها إلى أصحابها، وكذا مصادرة الحكومة ذاتِها "ذو الفَقار" و"عصا موسى" بعد ذلك بحجّة نَشرِها بالأحرف العربية دون إذنٍ مُسبَق، وبقائها بحوزتهم أربعة أعوام دون أن يقفوا على موضع تهمة في جميع المجموعات البالغ عددها (١٧٠)، فأعادوها لنا كاملة دون أن يُتلِفوا أيًّا منها..
— 78 —
ورغم أن اعتراضَنا باسم الحقيقة على بعض قادة الحزب القديم هو التُّهمة الأساسية الموجَّهة ضدَّنا، في حين تَصدِمُهم المجلاتُ الدينية والجرائد الرسميّة اليوم باعتراضات أشدَّ منها مئةَ مرّة..
ومع تفسيرِ فِقرةٍ خاصّةٍ من فِقرات رسائل النور في الماضي لحقيقةِ حديثٍ شريفٍ شخَّص هذا الزمان بعينه، أخبر فيها بأنه زعيمٌ زائلٌ..
وأمامَ هذه الحقيقة تصرَّفَت محكمةُ "أفيون" باسم التعصب لمحبة ذلك الرجل الميت لا باسم العدالة، ففي ختام لائحة القرارات التي نُشِرت حتى بالأحرف العربية أشارت هيئة المحكمة یی وبدافع حقدٍ من المُدَّعي یی إلى السبب الرئيسي لإدانتنا بقولهم: "إننا نقوم بإدانة سعيد النُّورْسِيّ وأصحابه لأنهم وصفوا مصطفى كمال بأنه هادم الدِّين وبأنه السُّفياني، وسعَوْا لتعكير المحبة التي تُكِنُّها قلوبُ الشَّعب تِجاهَه".
فواعجبًا! لو كان ثمّة ألفُ اعتراض كهذا بحقِّ رجل مات ورحل، فإنها لا تَعدو كونَها دعوى شخصيةً، لذا فإن إصدار محكمة عدلية حُكمًا بهذه الطريقة يدلُّ على أن وراءَ الأمر غرضًا آخرَ؛ فعلى يد هؤلاء الأشخاص نالت مؤلَّفاتُ النور البراءةَ أربعَ مرّات، وقد أصدر وزيرُ العدل الحالي حكمَه عليها بالبراءة ثلاث مرات، وما نَقضُه لقرارِ محكمة "أفيون" التي أدانَتْنا إلّا إقرارٌ منه بعدم وجود أيِّ موضعِ تُهمة فيها.
واليوم ينتظر عمومُ الشَّعب من حكومة الديمقراطيِّين في عهدهم العدلَ والشفقة وخدمة الدِّين، لذا يتوجَّب على هذه الحكومة عدمُ إطلاق يدِ الحاقدين الذين ما زالوا يكيدون رسائل النور باستخدام مُخطَّطات المُستبدِّين القدامى، فإنَّ تركَهم خيانةٌ عظيمة، وإطفاءٌ لجَذوة سُلوان هذا الشعب.
ورغم أن وكيلي في أنقرة: مصطفى صونغُر بشَّرنا في البرقية التي بعثها بتاريخ (١٧/١١/١٩٥٠) بصدور قرارِ إعادة جميع الرسائل، وأن وزير العدل العادل قد أصدر قرار البراءة ثلاث مرات، وأفاد یی بحسَب الرسالة یی أنه سيتَّصل بنفسه هاتفيًّا لمتابعة الأمر، إلا أننا اليوم نتعرَّض لما نُعانيه منذ ستة عشر عامًا من افتراءٍ وتزييف؛
— 79 —
فلقد قامت محكمة "أفيون" بجمع جميع الملفات الملفَّقة ضدَّنا في محكمتَي "أَسكِي شَهِر" و"دَنِزلي" وإيداعها مع المؤلَّفات المباركة ضمنَ المُستودَعات كي تَتلَف، رغم صدور العفو العام وقرار البراءة من عموم هذه المحاكم.
يجب عدم إفساح المجال للأشخاص الذين يخدعوننا منذ ثلاثة أعوام أن يتدخلوا في أمور الأنوار.
نَعرِضُ هذه القضية المُهِمّة على رئيس الوزراء ووزير العدل للاطِّلاع عليها.
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭
مقام البابوية العالي
السكرتير الخاص دائرة رئاسة الديوان
رقم: (٢٣٢٤٧) الفاتيكان
٢٢ شباط ١٩٥١
سيدي..
تلقَّينا مؤلَّفكم الجميل المخطوط "ذو الفَقار" بواسطة المَقَرِّ البابويِّ في إسطنبول، وقمنا بتقديمه إلى سيادة البابا، فعبَّر عن بالغ فرحه وسروره بتكرمتكم هذه، ورجا من الحقِّ سبحانه أن يشملكم بعميم رحمته.. وقد أوكلني شخصيًّا بإبلاغكم هذا الأمر.
كما أودُّ أن أغتنمَ هذه المناسبة لتقديم تحيّاتي الحارّةَ لكم.
توقيع
باين
رئيس ديوان الفاتيكان
٭٭٭
— 80 —
إخواني الأعزاء الأوفياء..
أولًا: نُبارك لكم من صَميمِ قلوبنا وأرواحنا حلولَ شهر رجبٍ الشريف والشهورِ الثلاثة، ونَضرَعُ إلى الله أرحم الراحمين أن يجعل الأشهرَ الثلاثة المباركة هذه سائقًا لنا ولكم لنَيلِ عُمُرٍ معنويٍّ مديدٍ يدومُ ثمانين عامًا.
ثانيًا: خلال الثلاثين أو الأربعين يومًا المنصرمة أُثيرَت زوبعةٌ ضمن حملة التعرُّض لأهل الإيمان، وكان الهدف وراءها عدمَ إفساح المجال لثلاثة وُزَراءَ متديِّنين يبذُلون بعضَ الجهود لإحياء الشعائر الإسلامية، حيث لاحظوا أنَّ النوريِّين هم أبرزُ القُوى العاملة في الخدمة الإيمانية، فقاموا بإثارة دسائس كثيرة وافتعال ذرائع عديدة ضدَّهم بهدف إضعاف معنوياتهم وكسرِ هِمَّتهم، كما سعَوْا لإحداث قلاقل في "أميرداغ" مثلَما حدث في "طرَسُوس" وإسطنبول وبأساليب غريبةٍ عجيبةٍ من قَبِيلِ إغاظتي وإثارة غضبي؛ إلا أن الحقَّ سبحانه منحني برحمته صبرًا وتحمُّلًا فوقَ العادة، فانقلَبَت خُططهم رأسًا على عقب وذهَبَت أدراجَ الرِّياح، بل بلغ الأمر حدَّ إمكانِ عزل ثلاثةِ مسؤولين كبارٍ هنا في "أميرداغ" وفي "أفيون" من مناصِبِهم، وقيامِ ثلاثةِ وُزراءَ بالدِّفاع عني! ما يُشعر بأن العناية الإلٰهية ترعانا وتحمينا دومًا والحمد لله.. فلا تقلقوا لمثل هذه الأمور، لكن الأَولى أخذُ الحيطة والحذر في كل وقت.
ثالثًا: إن "أحمد فيضي" واحدٌ من محامي رسائل النور المعنويِّين وأحدُ أبطالها، وقد اهتمَّ بأمر اتِّساع دائرة النور في "إزمير"، وكان له دورٌ بارزٌ في يقظة هذه المدينة؛ قام بإجراء التصحيحات الموجودة في النُّسَخ المطبوعة بآلة النَّسْخ، وقد أرسل إلينا مع "بيرم" أحدِ أبطال النور الشباب في السجن رسالةً يتحدَّث فيها عن استمراره في أداء مُهِمَّته في "إزمير"، شأنه في ذلك شأن "محمد يايلا" وعبد الرحمن وغيرهم من الإخوة المساعدين؛ كما أرسل معه قليلًا من الزيتون وزيت الزيتون، فوجدتُ نفسي مضطرًّا لقبول هديته، رغم أنني لم أقبل الهدايا حتى من أخي عبد المجيد، لكنِّي وجدتُ أخي "أحمد فيضي" أقربَ إليَّ منه، وحتى لا أُخِلَّ بقاعدتي أرسِلُوا إليه نيابةً عني مقابلَ
— 81 —
هديته تلك مجموعةَ "الكلمات" وخمسَ نُسَخٍ من "الجوشن الكبير"، إضافةً إلى نُسَخي الثلاثةِ الخاصّة الواردة في رسالة "نظيف"، و"الحزب النوري" الذي يصلكم من إسطنبول.
زار اثنان من النوريِّين أنقرة، وجاءتنا البُشريات بأن رئيس الوزراء ووزيرا الداخلية والمعارف يدعموننا ويقفون في صَفِّنا، لذا لا تقلقوا عليَّ، فإنني أجدُ سرورًا معنويًّا من جَرّاء المضايقات.
٭٭٭
باسمه سبحانه
(جزءٌ من رسالة سيِّد صالح)
سيَحُجُّ هذا العام خمسةَ عشر طالبًا معًا، ولن تستوفيَ حكومةُ بلادِ الحجاز أيَّ نفقةٍ منهم، وبناءً على ذلك ستكون نفقاتُهم يسيرةً؛ وسيُشارك صالح مع بعض أصدقائه بعد عودتهم في مؤتمر الشباب الإسلامي بی"باكستان" كأعضاءٍ فيه، وذلك بعد زيارة إيران ودول أخرى، وربما تغطي الدولةُ مصاريف نفقات سفرهم، فنحن بانتظار توجيهاتكم في هذا الخصوص.
وقد التقى "عبد الرحمن ظابصو" بعلي أكبر شاه وسعيد رمضان، ولَقِي منهما حفاوةً خاصًّا في باكستان، وقاما بتقبيل يده نيابةً عن الأستاذ، وطلبا منكم الدعاء.
سيِّد صالح
٭٭٭
— 82 —
باسمه سبحانه
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أبدًا دائمًا
أوَّلًا: سيدي، أقبِّل أيديَكم، وأسأل الله لكم دوامَ الصِّحة والعافية، وأرجو دعواتكم التي أحتاجُها كثيرًا.
ثانيًا: لم يعُد لدينا هاهنا ما يدعو للقلق، بل تحوَّلت المخاوفُ التي انتشرت في (٥ آذار) إلى مَسرّاتٍ في (١٨ نيسان)، وأصبحت دائرةُ الشرطة دائرةً للنور؛ وقام مُدَّعي عام "طرَسُوس" بتدقيق الكتب ثم أمر بإعادتها، وطلب مني الضابطُ الذهابَ إلى "مرسين" لآتِيَ بما فيها أيضًا كي نستلِمَهم جميعًا، وحين ذهبتُ أبلغَتْني شرطتُها أنَّ الكتُب أُرسِلت لأنقرة، وأنها ستُسلَّمُ لنا فورَ إعادتها، وإلّا فلا شيء لك عندنا؛ فرجعتُ إلى الضابط في "طرَسُوس" معاتِبًا، فقال لي خَجِلًا: "شيخي، نحن نُطيع الأوامر، فلا تتضايق منا ولا تؤاخذنا! لا يُمكن تسليمُ الكتب دون أوامرَ مُسبَقة"، وفي تاريخ (١٨ نيسان) قالوا: "إنَّ كتُبَك وصَلَت.. اذهب واستلِمْها"، ولمّا تسلَّمتُها تبيَّن لي من مغلَّفِ "ذو الفَقار" و"سِكّة التصديق" و"الطِّلسم" و"دفاع أفيون" و"الخلاصة" أنَّ الكتُب الخمسة تمَّ إرسالُها إلى أنقرة ثم أُعيدت.
وخلاصة الأمر: أنني تسلَّمتُ الكتبَ باليد مع وثيقةٍ مكتوبٍ فيها: "لا يوجد مانعٌ من بيعها"، فقمت بإهداء مجموعة من "الطِّلسم" للسيِّد الضابط، ومجموعةٍ من "الخلاصة" و"السيرة" المكتوبة بالحرف اللاتيني لعنصر الأمن السيِّد أدهم، وقد سُرّا بذلك غايةَ السُّرور، وأصبحا من أفراد النوريِّين.
أستاذي، لقد كلَّفتَني بأداء الوظيفة في هذه المناطق، وتعهَّدتُ لك بذلك، وحين غادرتُ "إسبارطة" عزمتُ العَودةَ في آذار، ولم يتهيَّأ لي بعدُ الذهابُ إلى "غازي عنتاب" و"مرعش"، ولذا فإن روحي تُعاتبني قائلةً: لم تَقُم بوظيفتك على أتمِّ وجه!
أستاذي، قبل عام من مغادرتك إلى "أسكي شهر"، وبعد ثلاثةِ أو أربعةِ أشهرٍ من لقائنا الأول، رأيتُ في منامي أنك زرتَنا في منزلنا، وقُلتَ لي: "إن أرسلتُك إلى مكانٍ
— 83 —
ما، هل تذهب؟"، فأجبتُك: "أَذهَب يا سيِّدي"، فقلت لي: "سأُرسلُك إلى مكانِ كذا مدّةَ ثلاثة أشهُر"، فأَهُمُّ بالذهاب فورًا، فتُخاطبني آمِرًا: "قِفْ!"، فأقف على الفور، وتسألُني: "هل قلتُ لك: اذهب الآن؟"، واستيقظتُ على الفور من منامي.
ومنذ ذلك الحين وأنا أتساءلُ قلِقًا: "هل أعطى لي أوامره لهذا العام أم لا؟ وهل تكون الرِّحلة المستغرِقة ثلاثةَ أشهر من نصيبي أيضًا؟" فكنت أفكِّر بهذا وتدمع عيناي ليلَ نهار، لكن اتَّضح أنَّ هذا أوانُها.. الحمد لله، هذا من فضل ربي.
سيِّدي، أقبِّل أيديَكم وأرجلَكم بكامل الاحترام والتقدير.
عُبيدُكم ذو العيوب الكثيرة
سليمان قايا
٢١/٤/١٩٥١
٭٭٭
في هذا العام تحَدَّثت إذاعةُ مصر بكثرةٍ عن المعراج ليلةَ الخميس، فمن ذلك أحييتُ ليلتَي الخميس والجمعة معًا.
ثانيًا: لمَّا شاهد أحدُ قادة الشرطة العسكرية في "أفيون" كتابَ "إشارات الإعجاز" المصادَر اعتراه الغضب، وقال: "كيف يُصادَر كتابٌ علميٌّ أُلِّف قديمًا كهذا؟!"، وأَصدَر الادِّعاءُ العامّ في "أفيون" الأوامرَ بإعادته، فطُلب "خيري" الحضورُ يومَ الجمعة ويومَ المعراج لاستلامه؛ وقد تلقَّينا أمرَ الإعادة كإشارة معراجيةٍ بأن الأبوابَ لن تُسدَّ أمامَ انتشارِ الأنوار، مثلَما حصل في "طرَسُوس"، وسنستردُّ كذلك مصحفنا وباقي رسائلنا من "أفيون" إن شاء الله.
وفيما يتعلَّق بالقضيّة المرفوعة لدى مُدَّعي عام إسطنبول لأجل نُسَخٍ من "المُرشد"، فقد قال المحامي "محمد مهري" أحدُ أهمِّ طلّاب سعيدٍ القديم، وصِهرُه المحامي عاصم الموكَّل بمتابعة القضيّة: "إن اضطُرِرنا إلى اللُّجوء للمحكمة، فسندخلُها بخمسين مُحاميًا، لكنَّنا سنستعيدُها إن شاء الله دون حاجةٍ لذلك، وقبلَ أن تُحال إلى المحكمة".
— 84 —
ثالثًا: أرسلنا إلى أنقرة القطعةَ المسمّاة "شكوى مقدَّمةٌ إلى محكمة الحشر الكبرى"، والفقرةَ ذات الموادِّ العشر التي تتحدَّث عن الصلاة، والتي كُتبت خطابًا لأعضاء مجلس الشعب قبل ثمانٍ وعشرين عامًا وطُبعت حينَها، والفقرةَ ذات الموادِّ الثلاث الموجَّهة إلى رئيس الجمهورية قبل أربع سنواتٍ في حقِّ "مصطفى".. أرسلناها جميعًا إلى أنقرة كي يطَّلع عليهم أعضاءُ مجلس الشعب وأركانُ الحكومة المؤمنين؛ ونرسلُها إليكم أيضًا للاطِّلاع.
رابعًا: زارني من قرية "باراق" التابعة لی"دينار": "محمد چاويش" وأخوه وبصحبتهما رجل، فوجدتُه رجلًا جادًّا، وقد أرسل إليَّ بعد حينٍ رسالةً يسأل فيها عن بعض الأمور، إلا أن رسائل النور تجيبُ نيابةً عني على كلِّ شيء، ولا تدعُ حاجة للسُّؤال.. وقد أَرفَقتُ إليكم فقرةً من رسالته تلك.
لكن ثمّةَ أمرٌ يتعلَّق بسؤاله الوارد في الرسالة التي تتحدَّث عن "عزاء الأطفال" في سياق الآية الكريمة: يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ، فقد جاء في بعض التفاسير: "أنَّ عُمُرَ جميع أهل الجنة، من الأطفال الصِّغار حتى الشيوخ الهرِمين، سيكون ثلاثةً وثلاثين عامًا".
وحقيقةُ هذا الأمر والله أعلم: أن التعبير القرآني بی وِلْدَانٌ يفيدُ صراحةً أنَّ الأطفال غيرَ المُكلَّفين بأداء الفرائض الشرعية، ولم يقومُوا بأدائها على وجه السُّنِّيّة، وتُوفُّوا قبل بلوغهم سِنَّ التكليف، سيُخلَّدون أطفالًا محبوبين ولائقين بالجنة؛ لكن ورد في الشريعة أمرُ الأبوين بتعليم الطفل الذي بلغ السابعةَ من عمره الصلاةَ والفرائضَ الأخرى على وجه الترغيب ليعتاد عليها، وإجبارِه عليها حين بلوغه العاشرة من العمر؛ ما يعني أن الأطفال الذين يُؤدُّون الصلاةَ والصيامَ كالكبار اعتبارًا من سنِّ السابعة حتى سنِّ البلوغ على سبيل التنفُّل لا الفرضيّة، سيَحْيَون في الجنة أبناءَ ثلاثٍ وثلاثين سنةً، كي ينالُوا المكافأةَ العظيمة كالكِبار المتديِّنين.
فبعضُ المفسِّرين لم يوضِّحوا هذه النقطة، وإنما عُمَّموها على جميع الأطفال، فظنُّوا حُكمَ الآية عامًّا، بينما هو خاصٌّ.
٭٭٭
— 85 —
إخواني الأعزاء الأوفياء المتفكِّرين..
أولًا: لقد بتُّ على قناعةٍ قطعيّةٍ وبأماراتٍ كثيرة.. أن خِداع المُلحدين العاملين في الخفاء لبعض المسؤولين الرسميِّين بإصرارهم على جعل رسالة "المرشد" فقط من بين الرسائل الكبيرة الخاصة بالنُّور مدارَ التُّهمة، وتضييقَهم عليَّ منذ عامٍ ونصف، إنما سببُ ذلك كلِّه هو: "نُكتة هو" الموجودة في رسالة "المرشد"، لأن سِرَّ التوحيد الذي كشَفَتْه "نكتةُ هو" يُحطِّم الكفر المطلق بصورةٍ قطعيةٍ وبدَهِيّة، حتى لا يدعُ في تفاصيله مجالًا لأيِّ شكٍّ أو شُبهة؛ وحين عجز المُلحدون العاملون في الخفاء عن إيجاد وسيلةٍ لمواجهتها، لجؤوا لوضع عوائقَ للحيلولة دون انتشارِها من خلال استصدار قرارٍ رسميّ بذلك.
وقد تحدَّثتُ قبل يومٍ عن جملةٍ من النِّقاط الكثيرة لی"نكتة هو" في أحدِ الدروس لأركان "المدرسة الزهراء"، وها أنا أُبيِّن لكم منها ثلاث نقاط فقط:
النقطة الأولى: إن إحدى الوظائف المُهِمّة السّامية لعنصر الهواء، هي كونُه بسرِّ قوله تعالى: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ صحيفةً متبدِّلةً لقلم القدرة الإلٰهيّة، تَنقُل الكلماتِ الإيمانيةَ الطيِّبة ذاتَ المعاني والحقائق بعد استنساخها بقلم القدَر وانتشارها بإذنٍ إلٰهيّ، كي يُسمِعَها الملائكةَ والروحانيِّين في كرة الهواء كلِّها، وصُولًا بها إلى جهة العرش الأعظم.
فما دامت أقدسُ وظيفةٍ للهواء وأهمُّ حِكمِ خِلقته هي هذه، وما دام سطحُ الكرة الأرضية غدا بمثابة منزلٍ واحد من خلال المذياع یی تلك النِّعمة الإلٰهية العظيمة المُسداة للبشريّة یی فلا بدَّ للبشرية إذًا حِيالَ هذه النعمة العظيمة أن تستخدمَها قبل كل شيء لنشر الكلم الطيِّب، وفي مقدِّمته القرآنُ الحكيم وحقائقُه، ودروسُ الإيمان والأخلاق الحسنة، والكلامُ اللازم لحياة البشرية مما يعود عليها بالنفع، ليكون هذا الاستخدامُ مظهَرَ شُكرٍ عامٍّ لتلك النعمة؛ وإلا فإن لم تُقابَل النعمةُ بالشُّكر عادت على البشر بالضُّر.
— 86 —
أجل، فكما أن البشر بحاجةٍ إلى الحقيقة، كذلك لهم احتياجٌ إلى الترفُّه واللَّهو المُمتع، لكن هذه الرفاهة المُمتعة يجب ألا تتعدَّى الخُمُس، وإلا كانت منافيةً لسرِّ حكمة الهواء، وتصبح حينَها مدعاةً للكسل والتحلُّل والتقصير في أداء الوظائف الضرورية بل إهمالِها، فتنقلبُ هذه النعمة العظمى یی الإذاعة یی نقمةً عُظمى، بما تسبَّبت به من تثبيط الهِمم عن السَّعي المطلوب.
ولقد نظرتُ في جهاز المذياع یی هذا الوعاء الخشبيِّ الذي أُحضر إلى منزلي لأستمع بواسطته إلى القرآن یی فلاحظتُ أن حصّةَ الكلمات الطيِّبة فيه بمقدار العُشْرِ فقط، ورأيتُ في الأمر خطأً بشريًّا فادحًا، وسيُصلِحُ البشرُ یی بإذن الله تعالى یی هذا الخطأ، لتكون حِصّةُ الكلمات الطيِّبة التي تُصرَف لحياة البشر الأبدية أربعةَ أخماس جميع الحصص، كنوعِ شُكرٍ لنعمة المذياع التي أصبحت وسيلةً لجعلِ سطحِ الأرض كلِّه في حُكمِ مجلسٍ منوَّرٍ ومنزلٍ سامٍ ومدرسةٍ إيمانية.
النقطة الثانية: ورد في رسائل النور: "إن من لا يقدرُ أن يخلُق الكون، لا يمكنُه أن يخلُق ذرّةً واحدة؛ وإن الذي يخلُق الذرّة في موضعها المناسب، ويستخدِمها في وظائفها بانتظام، لا يمكن أن يكون سوى خالق الكون".. وإحدى الحُجج الجزئية لهذه الجملة من بين حججها الكلية:
أن جهاز المذياع الذي هو وعاءٌ لمختلِفِ الكلمات ومِحفظةٌ لها ويحتوي على ذراتٍ من الهواء، يُبيِّنُ بشكلٍ قطعيٍّ أنه حتى تَرِدَ إلى أسماعنا كلمةٌ قرآنيةٌ واحدةٌ كی"الحمد لله" بحروفها التامّة وبلهجتها وبصوت قارئها الخاصّ، وفي اللحظة نفسها ودون تغيُّر، عبر ذرات حفنة الهواء الموجود في هذه الآلة، ومن المراكز البالغ عددُها قرابةَ مئتي مركز بحسَب قائمة محطّات الإذاعة التي بين أيدينا، ومن مسافات متفاوتةٍ بدءًا من مسيرةِ ساعة حتى مسيرةِ سنة؛ كما أنَّه يلزم لإيصال الكلمات القرآنية المختلفة بأصواتٍ مختلفة وبلهجاتٍ متنوعة ودون أن يطرأ عليها أيُّ تغيُّر أو خللٍ إلى أسماعنا..
يلزم أن يكون في كلِّ ذرة من ذرّات حفنة الهواء تلك قوّةٌ لا حدَّ لها، وإرادةٌ محيطة، وعلمٌ محيط باللَّهَجات المتنوِّعة لأولئك الحفّاظ الذين يقرؤون في جميع
— 87 —
مراكز الكون، وبصرٌ مُحيط يراهم ويسمعهم جميعًا، وسَمْعٌ يمكنُه سماعُ كلِّ شيء دُفعةً واحدة.. وإلا لَما ظهرت معجزةُ القدرة هذه.
ممّا يعني أن الذرّات الموجودةَ في حفنة الهواء داخل المذياع، لا يُمكنُ أن تكون مظهرًا لمعجزةِ قدرةٍ كتلك، إلا بقُدرةِ مَن هو قديرٌ مطلقٌ وإرادتِه، ومن هو عليمٌ سميعٌ بصيرٌ مُحيطٌ بجميعِ الكون، ولا يَثقُل أو يصعب عليه أيُّ شيء، بل أعظمُ الأشياء أمام قدرته كأصغر الأشياء سهولةً.
وإلا فإن إسنادَ أمر الإيجاد إلى المصادفة العشواء والقوة العمياء والطبيعة الصَّماء المُتوهَّمِ وجودُها في التموُّجات الهوائية، يعني تصويرَ كلِّ ذرّة من الذرّات في صورة حكيمٍ مطلَق عالمٍ بصيرٍ بكلِّ شيءٍ في الكرة الهوائية على سطح الأرض، قادرٍ على الإيجاد! وما هذا بين المحالات إلا خرافة مستحيلة، بعيدةٌ تمامَ البُعد عن العقل بمئة ألف درجة.
فليأت أهل الضلالة، ولينظروا ما أبعدَ مذهبَهم عن العقل، وما أقربَه من الخرافة!
النقطة الثالثة: أن معجزاتِ القدرة التي تُظهرها حفنةُ الهواء في جهاز المذياع یی هذا الصندوق الذي هو بمثابة أصيصٍ لأزهار الكلمات المعنوية یی تفيدُ الحقيقةَ التالية: "أن كلَّ ذرّة تعرِّف الحقَّ سبحانه بذاتها وصفاتها، وتُثبتُ وُجودَه".
فإن العلماء والحكماء الذين فتَّشوا جنباتِ الكون، وضعوا الكونَ برُمَّته محلَّ نظرِهم حتى استطاعوا إثباتَ وجودِ الواجب الوجود ووَحدَتِه بالدلائل العظيمة الواسعة، وتحصَّلوا بعدها على معرفةِ الله حقًّا؛ والحال أنه مثلما تُظهرُ ذُرَيرةُ زجاجٍ الشمسَ لدى طلوعها وتَدُلُّ عليها تمامًا كما يصنعُ سطحُ البحر؛ فإنَّ كلَّ ذرّة من ذرّاتِ حفنةِ الهواء تُظهِرُ في نفسها بصفات كماله جَلوةَ التوحيد عينَها الظاهرةَ في بحر الكون، بناءً على تلك الحقيقة.
ولأن "رسائل النور" التي هي لَمعةُ الإعجاز المعنويِّ للقرآن الحكيم، أثبتت هذه الحقيقة بتفصيلاتها، فإنَّ النوريَّ المُدقِّقَ لا يضطرُّ لقول: "لا موجود إلا هو" حتى
— 88 —
يحصِّل الحُضورَ الدائم ويتذكَّرَ معرفة الله في كلِّ آنٍ لأجل دوامِ الحضور، كما لا يجدُ النوريُّ حاجةً لترديد: "لا مشهود إلا هو" كما يفعل بعضُ أرباب الحقيقة كي يَنعمَ بالحضور الدائم، إذ تكفيه النافذةُ القدسيةُ للحقيقة السّاطعة الموجودة في:
وفي كل شيء له آيةٌ تدلُّ على أنَّه واحدُ
وتوضيحُ هذه الفِقرة العربية القدسية باختصار: أجل، لكلِّ أحدٍ في هذا العالم عالمٌ وكونٌ خاصٌّ به، فكأنَّ هنالك عوالمَ وأكوانًا متداخلةً بعدد ذوي الشعور؛ وحياةُ كل أحدٍ هي عمودُ عالمِه وكونِه ودنياه الخاصّةِ به، كما لو كان لكلِّ واحد مرآةٌ بيده، ووجهُها مقابلَ قصر عظيم، فيصير حينَها كلٌّ مالكًا قصرًا ضمن مرآته، كذلك لكلِّ واحدٍ دنياه الخاصّة.
فيقوم بعض أرباب الحقيقة بإنكار دنياهم الخاصّة تلك بقولهم: "لا موجود إلّا هو"، وتركِ ما سِوى الله سبحانه؛ وبهذا يجدون الحضورَ الدائم بين يديِ الحقِّ سبحانه، ويبلغون المعرفةَ الإلٰهية.
بينما يلجأُ قسمٌ آخرُ من أرباب الحقيقة یی ليجدوا الحضورَ الدائم ويبلغوا المعرفةَ الإلٰهية یی إلى قول: "لا مشهودَ إلّا هو"، فيزجُّون بدنياهم الخاصّة في غياهب سجن النِّسيان، ويُسدِلون عليها ستارَ الفناء، فيحصِّلون دوامَ الحضور، ويجعلون جميع عمُرِهم في حكم نوعٍ من العبادة.
أما في زماننا هذا، فظهر هذا الإعجازُ المعنويُّ للقرآن بسِرِّ:
وفي كل شيء له آيةٌ تدلُّ على أنَّه واحدُ
أي: في كلِّ شيء نافذةٌ تُطلُّ على التوحيد، بدءًا من الذرّات وصولًا إلى المَجرّات، وكذلك آياتُ الواحد الأحد یی أي: دَلالاتُه وإشاراتُه یی التي تُعرِّف ذاتَه بصفاته مباشرةً.
ولقد أشارت "نكتة هو" إشارةً مجملةً إلى هذه الحقيقة القدسية یی حقيقة الإيمان والحضور القلبيّ یی وأثبتَتْ "رسائلُ النُّور" تفاصيلَها، في حين بيَّنها أربابُ الحقيقة في
— 89 —
الماضي بدرجةٍ مّا بيانًا مجمَلًا مختصَرًا؛ ما يعني أن زماننا الرَّهيبَ هذا أشدُّ احتياجًا إلى هذه الحقيقة من الأزمنة الماضية، حتى تَحقَّق الإحسانُ بتفصيلاتِ هذه الحقيقة من خلال إعجاز القرآن الحكيم، وكانت "رسائلُ النُّور" النّاشرَ لهذه الحقيقة.
الباقي هو الباقي
أخوكم
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭
أعرض الأمرَ التاليَ على أعضاء مجلس الشعب المتديِّنين الغيارى المحبِّين للوطن:
إن بعض أجزاءِ "رسائل النُّور" كمجموعة "المعجزات القرآنية: ذو الفَقار" التي شاهدها الحُجّاجُ تُوضعُ إلى جانب الحجر الأسود في مكة المكرمة تقديرًا لها، وكمجموعة "عصا موسى" التي شُوهدت عند قبر النبيِّ (ص) في المدينة المنوَّرة.. أضحت وسيلةَ مؤاخاةٍ حقيقيةٍ لنا مع العالم الإسلامي؛ غير أن هذه المجموعات تمَّت مصادرتُها منذ أربع سنوات، وصُنِّفتْ كمنشورات مُضرّة، وأُلقيَتْ ضمنَ مُستودَعات المحاكم كي تَتلَف؛ رغم إعلانِ أربعِ محاكم براءتَها وحُرِّيتَها، ورغمَ مُطالبتِنا الجهات الرسميةَ بها مرّاتٍ وتقديم عريضةٍ بذلك، ورغم تصريحِ رئيس الوزراء بالقول: "لم يَنَل هذا الوطنَ حتى اليوم أيُّ ضرر من هذه الدعايات والمنشورات الدينية".
وبينما كان ينبغي التعجيلُ بتصديق القانون الذي يقضي بحُرِّية هؤلاء المتديِّنين وإعلانُه، إذا به يؤخَّر ويؤجَّل، ممّا دفع كثيرًا من أفراد الأُمّة إلى الظَّنِّ أنَّ النُّوّاب المتديِّنين لا يقومون بأداء أهمِّ وظيفةٍ تقع على عاتقهم، فولَّد الأمرُ قلقًا بين المتديِّنين، وقلقًا لدينا كذلك، وهو ما اضطرَّني لبيان الحقيقة التالية لكم كيلا يَستغلَّ هذا الوضعَ مُلحِدو الداخل والخارج، والخونة الذين يعملون لحساب الشيوعيّة.
— 90 —
والحقيقةُ هي: تذكير النُّوّاب المتديِّنين من الحزب الديمقراطي بحقيقةٍ أدركتُها بتجارِبي الكثيرة، وهي أن الهواء والأرض أظهرا أوضاعًا مخالفةً للعادة نتيجةَ خطيئة عموميّة، من قبيل الإخبار عن الغضب الإلٰهي بالزلازل والعواصف، لدرجة أنني یی مع ما نزل بي من المرض یی لم أحتمل شدّةَ الشتاء في هذه الأيام.
فقرأتُ في هذا الأمر یی أي: اشتدادِ الشتاء یی عاصفةً معنوية، وورد إلى قلبي تساؤلٌ: هل وقع خطأٌ عامٌّ مّا ينعكس بالضرر على الإسلام والحقائق الإيمانية؟! ورغم هجري سياسةَ الدنيا إلا أني سألتُ على غير عادتي: ما الذي يجري؟ بماذا تُخبِرُ الصُّحفُ؟ فقيل لي: لقد تأجَّل إصدار القانون الذي يقضي بإطلاق سراح المتديِّنين الذين يروِّجون لدعاياتٍ دينية، بينما تمَّ التعجيلُ بتصديق القانون الخاصّ باليساريين.
فورد إلى قلبي: إن من مصلحة هذا الوطن والإسلام قبل كل شيء الإسراعُ بتصديق قانون حرِّية المتديِّنين، وكذا تطبيقُ قرار إدخال الموادِّ الدينية في المدراس بشكل فوريٍّ، لأن هذا القرار يُكسِب هذا الوطنَ قوّةً معنويةً لقُرابة أربعين مليونَ مسلمٍ في روسيا، وأربعِ مئة مليون مسلمٍ في العالم الإسلامي، كقوّةٍ احتياطيّة.
أضف إلى ذلك: أنَّ الحقائق القرآنية والإيمانية هي التي أوقفت یی بيقينٍ لا شبهة فيه یی اعتداءَات الروس علينا بالتخريب المعنوي الذي تُنتجُه الشيوعية، تلك الاعتداءاتِ التي كانت أولويةً لهم بمقتضى عَداءٍ يُضمرُونه لنا منذ ألف عام، قبل مواجهة أمريكا وإنكلترا.
فما دام الأمر كذلك، فاللازم بل الألزم في هذا الوطن وقبل كل شيء التمسُّكُ بالحقائق الإيمانية والقرآنية بشكل فعليٍّ في مواجهةِ تلك القوّة الرهيبة، ولتكون سدًّا قرآنيًّا منيعًا كسدِّ "ذي القرنين" أمام الإلحاد الذي تمكَّن من ابتلاع روسيا ونصف الصين ونصف أوروبّا، إلا أنه عجز حتى اليوم عن التوغُّل والانتشار بيننا، إذ تصدَّت له الحقائق الإيمانية والقرآنية وأوقفت مدَّه.
— 91 —
وإن مواجهة القوة المعنوية للرُّوس التي هي نوعٌ من التخريب، لا ينفعُ فيها مجرَّدُ إنزالِ الجهات القضائية عقوبةً مادِّيةً بسيطةً بشخصٍ واحدٍ من ألفٍ، إذ إنَّ تلك القوة التي سَلَّطتِ الرِّعاع والفقراء على أموال الأغنياء، وأباحت للشباب الماجن أعراضَ بنات الأشراف وعوائلَهم، واستولت في زمنٍ قصيرٍ على شطر أوروبا.. يلزم لمواجهتها قنابلُ معنوية، وما من قوّةٍ قادرةٍ على صدِّ التيّار اليساريِّ الرهيب یی كالقنابلِ الذَّرِّية یی سوى الحقائق القرآنية والإيمانية؛ وبدون ذلك فلن يُوضَع حدٌّ لهذه القوّة الكُلِّية بإجراءاتٍ مادِّيةٍ من قبيلِ إنزال القضاء عقوبةً على واحدٍ بالمئة.
ولهذا فإن الكُرة الهوائية تعترضُ مجدَّدًا بشدة البرد، على تأخير أعضاء مجلس الشعب المتديِّنين لهذه الحقيقة التي كان ينبغي المبادرةُ إليها.. الأمرُ الذي شاهدناه بتجارِبَ كثيرة.
إن الصَّحوة القويّة واليقظة التامة التي تولَّدت لدى البشر نتيجة الحربين العالميتَينِ الرهيبتَينِ، تُؤكِّد بشكلٍ قاطعٍ أنه لا يمكن لأُمّة أن تَحيا بلا دين، حتى روسيا لن تظلَّ على الإلحاد، ولن ترجعَ إلى الماضي فتعودَ نصرانيّة، وإذْ قد تَقرَّر ذلك فلا بدَّ لها أن تتَّبع القرآن، أو أن تعقدَ مصالحةً معه، إذ هو وحدَه المُحطِّمُ للكفر المُطلَق، والمُرتكِزُ على الحق والحقيقة، والمُستنِدُ إلى الدليل والحُجّة، والمُقنِعُ للقلب والعقل؛ وحينها لن تُشهِر روسيا سلاحَها في وجه أربعِ مئةِ مليونِ مسلم.
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭
— 92 —
إخواني الأعزاء الأوفياء..
أولًا: نبارك لكم عيدَ المولد النبويِّ الشريف، ونبشِّركم بنجاحكم وبانتشار الأنوار انتشارًا مؤثرًا فوقَ المعتاد، ونهنِّئُ بذلك جميعَ النوريِّين.
ثانيًا: في هذه الليلة المباركة ورد إلى قلبي بشدّةٍ الإخطارُ الآتي: بمناسبة إدراج الجامعيِّين في إسطنبول خوارقَ عن حياة سعيدٍ القديم وسعيدٍ الجديد ضمنَ كتاب "سيرة مؤلف رسائل النور" تولَّدت فكرتانِ: الأولى: حسنُ ظنٍّ مفرِطٌ بي لدى أصدقائي كنوعِ ولايةٍ بما يفوق حدِّي، والأخرى: هواجسُ تفوق حدِّي آلافَ المرات لدى معارضيَّ وأهل الفلسفة، إذ ظنّ بعضهم فِيَّ عبقريّةً خارقة، بينما ذهب بعضُهم أبعدَ من هذا فظنُّوا وجودَ سحرٍ قويٍّ.
وقد طُلب مني یی مادِّيًّا ومعنويًّا یی في أماكنَ كثيرةٍ توضيحٌ حول حقيقة هذه المعاني، وأنا بدوري اضطُرِرتُ لبيان حقيقةٍ ذاتِ مقدِّمات كثيرة لأجل الإخطار الذي وردني هذه الليلة:
المقدِّمة الأولى:
مثلَما تكون بِذرةُ شجرةِ صنوبرٍ بحجم حبّةِ قمح مبدأً لشجرة صنوبرٍ باسقة، إذ تخلُق القدرةُ الإلٰهية تلك الشجرةَ من هذه البِذرة، وربما لم تنل تلك البِذرةُ إلا حِصّةً واحدةً من بين مليون حِصّة، إلا أنها أضحت فِهرِسًا معنويًّا مسطَّرًا بقلم القَدَر، وإلا لزم وجودُ مصانعَ بحجم قرية لأجل تشكيل تلك الشجرة العجيبة بأغصانها وفروعها؛ فكان خلقُ أشياءَ كالجبال من ذَرّةٍ أحدَ دلائل عظمة الله وقدرته.
وبمثل هذا، فإنني أُعلن باقتناعٍ تامٍّ دون تكلُّفِ التواضع أو تقصُّدِ نُكرانِ الذات: لقد أصبَحَت خدمتي ومُجرَياتُ حياتي في حكم تلك البِذرة، فأُحسِن إليها برسائل النور التي هي شجرةٌ باسقةٌ مثمرةٌ نابتةٌ من القرآن، لكي تكون مبدأً لخدمةٍ إيمانيةٍ عظيمةٍ تؤدَّى بالعناية الإلٰهية في هذا الزمان؛ وإنني أُؤكِّد هذا مُقسِمًا: أنني لا أجد في نفسي قابليةً ولا مزيّةً ولا أهليّةً لأمرٍ فوقَ العادة، ولا لتلك الخوارق التي عشتُها في حياتي