Risale-i Nur

لاحقة بارلا
— 471 —
وضِياءٌ، ولا يمكن للنور أن يمتزج مع ظلمات الرِّياء والتصنُّع والتزلُّف للآخرين؛ ولذا ابتَعَدَت عنِّي معاني حقائقِ هذه الأَنوارِ وبَدَت كأنَّها غريبةٌ عنِّي..
أسألُ الحقَّ سبحانه أن يرزقني إخلاصًا يليق بواجب هذه الخدمة، وأن ينقذني من الرِّياء والتصنُّع والتذلُّل لأهل الدنيا.. وأرجو من إخواني یی وفي مقدِّمتهم أستاذي یی أن يدعوا لي بذلك.
صاحب العيوب: الحافظ توفيق الشامي
ثامنهم: "سَيْراني".. هذا الرجل صِنوُ "خُسرَو"، كان أحدَ المشتاقين لرسائلِ النُّور، ومن طُلّابي الأذكياء المُجدِّين..
جمعتُ ذات يومٍ أراء الطلّاب في "إسبارطة" حول التوافقات التي تُعَدُّ مفتاحًا مُهِمًّا لأسرار القرآن ولعلم الجفر؛ فوافق الجميعُ على الاقتراح؛ إلا أن «سَيْراني» كان له تفكيرٌ مغاير وتوجُّه مختلف، ولم يكتفِ بعدم الموافقة، بل أراد منِّي أن أتخلَّى عمّا أعلمُه من الحقائق علمَ اليقين! فكتب إليَّ رسالة جارحةً جدًّا، فقلتُ: "أيواه! لقد فقدتُ طالبي هذا"، ورغم أنني حاولتُ أن أُنيرَ رأيه، إلا أنه خَلَط في الأمر معنًى آخر؛ فتلقَّى صفعةَ رحمةٍ، ومكث موقوفًا في السجن زُهاءَ سنة.
تاسعهم: "الحافظ زهدي الكبير".. كان هذا الأخُ يشرفُ على عمل طلاب النور في "آغرُوس"، فكأنَّه لم يكتفِ بالمنزلة المعنويّة الرَّفيعة والشَّرف السّامي الذي يتمتَّعُ به طُلّابُ النُّور، لاتِّباعِهم السُّنّةَ السَّنية واجتنابِهم البِدَع، فرغبَ في العُثور على مكانةٍ لدى أهل الدُّنيا، فتسلَّم وظيفةً تتضمَّنُ تعليمَ بدعةٍ سيِّئة، مُرتكِبًا خطأً جسيمًا مُنافيًا لِمَسلكِنا؛ فتلقَّى صفعةَ رحمةٍ رهيبة، إذ تعرَّض لموقفٍ كاد يُودِي بشرفه وشرفِ عائلته كلِّيًّا؛ وقد مَسَّ الموقفُ "الحافظَ زُهدِي الصَّغير" أيضًا بكلِّ أسفٍ رغمَ أنَّه لا يستحقُّ هذه الصفعة! نسأل اللهَ أن يَصرِفَ هذا الموقفُ قلبَه عن الدنيا، وأن يُوجِّهَه للإقبال التّامِّ على العمل القُرآنِيِّ، فيكونَ بحكم عملية جراحية نافعة له.
— 472 —
عاشرهم: رجل يُدعى «الحافظ أحمد رحمه الله» ، ظلَّ هذا الرجل على مدار عامين أو ثلاثة مُقبلًا على كتابة الرسائل بشغفٍ ولهفة، وينهل من أنوارها الكثيرَ؛ ثمَّ اختلط بأهلِ الدُّنيا لعلَّه يَدفعُ أذاهم عنه، ويتمكَّنُ من إسماعِهم الكلامَ الطيِّبَ، ولِيحظى بمنزلةٍ لديهم يُوسِّع منيّةالها ما ضاق عليه من أمور الدُّنيا وهموم العيش، فاستغلَّ أهلُ الدنيا نقطةَ الضَّعف هذه، فأفسدوا لهفته وفَتَر شوقُه.. ومقابل هذا الفتور والضرر الذي لَحِق بالخدمة القرآنية تلقَّى صفعتَينِ:
الأُولى: أنَّه أُضِيف إلى أفراد عائلته خمسةُ أشخاص آخرين رغم ضيقِ معيشته، الأمرُ الذي زاد من شتاتِه واضطرابِه.
الصفعة الثانية: كان هذا الرجل شديدَ العِزّة والمروءة، ومرهفَ الإحساسِ جدًّا بحيث لا يتحمَّل نقدًا واعتراضًا من أيِّ أحد، إلا أن بعض الأشخاص الانتهازيِّين اتَّخذوا منه دون علمِه سِتارًا لأنفسهم ومصالحهم، حتى انقلبت عِزَّتُه رأسًا على عقب، وفَقَد تسعين بالمئة من مكانته، وبات تسعون بالمئة من الناس ضِدَّه.
وعلى كل حال، نسأل الله أن يعفو عنه، وأن يوفِّقه لتجاوُزِ هذا المُصاب، ومعاودةِ العمل في وظيفته.
الحاديَ عشر: لم تُكتب.. ربَّما لا يرضى بذلك.
الثانيَ عشر: " المُعلِّم غالب رحمه الله".. لقد أدَّى هذا الرجل بصدقٍ وتفانٍ خدماتٍ جليلةً في تبييض الرسائل، ولم يَصدُر منه أيُّ بادرةِ ضعفٍ أمام الكثير من العقبات؛ فكان يحضر الدروس في غالب الأوقات، ويُنصِتُ بكلِّ اهتمامٍ وشوقٍ، ويَستنسِخُ الرسائلَ لنفسه أيضًا، حتَّى استَكتب لنفسه جميعَ "الكلماتِ" و"المكتُوباتِ" لِقاءَ أجرةٍ قدرُها ثلاثون ليرةً؛ وكان هدفُه نشرَها في مدينته وتنويرَ أبنائها.. وبعد ذلك أعرض عمّا كان يهتمُّ به من نشر الرسائل نتيجةً لبعض الهواجس والأفكار، وأودعها داخلَ صندوق؛ ففُوجِئ بحادثة أليمة جرَّعته الغُصصَ وأورثته الغمَّ عامًا كاملًا، وفَقَد
— 473 —
بعضَ أعزِّ أصحابه، ووجد نفسَه أمامَ أعدادٍ غفيرةٍ من الأعداء الطُّغاة الظالمين، بدلًا من بضعةِ أعداءٍ من المُوظَّفين الرسميِّين كانوا سيُعادونه في حال اشتغاله بنشرِ الرسائل.
الثالثَ عشر: "الحافظ خالد رحمه الله".. إذ يقول: حين كنتُ أعمل بجدٍّ ونشاط في كتابة النُّسخ المسوَّدة لمؤلَّفات أستاذي التي ينشُرها في الخدمة القرآنية، احتيج لشخصٍ يقوم بوظيفة الإمامة في الجامع الذي في محلَّتِنا؛ وبرغبة مني في ارتداءِ جُبِّتي العلمية القديمة ووضع عمامتي على رأسي، حصل لديَّ فتورٌ في تلك الخدمة، وانسحبتُ منها بجهل مني؛ فإذا بي أتلقَّى صفعةً رحيمةً خلافَ ما كنتُ أقصدُه! فرغم أنني تولَّيتُ مُهِمّة الإمامة ثمانية أو تسعة أشهر، ورغم الوعود الكثيرة التي قطعها المُفتي على نفسه، إلا أنني لم أتمكَّن من لُبس الجبّة ووضع العمامة! فأيقنتُ أنَّ هذه الصَّفعة جاءت نتيجةَ ذلك التقصير.
كنتُ مُخاطَب الأستاذ وكاتبَ مسوَّداتِ الدروس في الوقت نفسه، فأوقعَه انصرافي عن العملِ في معاناة وضيق شديد.. وعلى كل حال، نحمدُ الله أن أدركنا تقصيرَنا، وعرفنا مدى شرفِ هذه الخدمة وسموِّها، وبِتنا واثقين بأنَّ لنا أستاذًا ظهيرًا كالشيخ الگيلاني يحرُسُنا كالمَلَك.
أضعف العباد: الحافظ خالد
الرابع عشر: ثلاثُ صفَعات صغيرة تلقّاها ثلاثةُ أشخاص يُدعى كلٌّ منهم "مُصطَفى".
الأول: " مصطفى چاويش رحمه الله".. الذي كان يتولَّى خدمةَ جامعنا الصغير الخاصّ طوالَ ثمانية أعوام، كما كان يُعالجُ مِدفأته ويُزوِّد مصابيحَه بالكازِ، بل يحضر حتى الكبريت، بل لقد علمنا فيما بعدُ أنه كان يشتري الكاز والكبريت منذ ثمانية أعوام من نفقته الخاصّة! وما كان يتخلَّف عن الجماعة أبدًا، ولا سيَّما في ليالي الجُمَعِ، إلا إذا كان لديه عملٌ ضروريٌّ جدًّا.
— 474 —
بعدها استغلَّ بعضُ أهلِ الدنيا صفاءَ قلبه ونقاءَ سريرته، وقالوا له: "بلِّغ الحافظَ فلانًا یی وهو أحدُ كُتّاب رسائل النُّور یی أن يَنزِعَ عِمامتَه قبلَ أن يُعتدَى عليه ويُجبَرَ على نزعِها بالقوّة، واطلب من الجماعة أن يتركُوا مؤقتًا الأذانَ سِرًّا".
ولم يكن الرجل الذي أنذَرَه بهذا الكلام يعلمُ أن التهديدَ بخلعِ عمامة رجلٍ يعمل في الخدمة القرآنية أمرٌ ثقيلٌ على رجلٍ ذي روحٍ ساميةٍ كمصطفى چاويش، إلا أنَّه قام بإبلاغ كلامهم وتهديدهم؛ فرأيتُ تلك الليلةَ في المنام مصطفى چاويش يسيرُ خلفَ "القائِمَّقام" ويداه ملوَّثتان، ويدخُلانِ معًا غرفتي؛ وفي اليوم التالي سألتُه: "مصطفى چاويش! بمن التقيتَ اليوم؟ لقد رأيتُك في المنام تسيرُ خلفَ "القائِمَّقام" ويداك ملوَّثتان!"، فقال: "أيواه! لقد أبلَغَني المختارُ كلامًا، وأنا بدوري بلَّغتُه الحافظَ الكاتبَ، ولم أكن أعلمُ ما وراءَه".
ثمَّ حَدَث في اليوم نفسه أن جاء بأُوقيَّتَي كازٍ إلى الجامع، وحصل أمر لم يحصل من قبل، إذ ظلَّ بابُ الجامع مفتوحًا، ودخل جَدْيٌ صغير إلى حرم الجامع، فلوَّث قريبًا من سَجّادتي، وجاء رجلٌ هرمٌ ورأى ما حدث من تلويث، فأراد تنظيفَ المكان، فلم يجد غيرَ إناءِ الكاز، فرشَّ ما فيه على أطراف المسجد ظنًّا منه أنَّه ماءٌ، والعجيبُ أنَّه لم يَشَمَّ رائحتَه! فكأنَّ المسجدَ يقول بلسانِ حالِه لی"مصطفى چاويش": "لا حاجةَ لنا إلى كازِك بعد الآن، لقد ارتكبتَ خطأً جسيمًا، فلذا لم أقبل به"، وإشارةً لهذا الكلامِ المعنويِّ لم يَشعُر ذلك الرجلُ الهَرِم برائحة الكاز؛ بل لم يتمكَّن مصطفى من المشاركة ليلةَ الجمعة، وفوَّت بعضَ الصلوات المُهِمّة في ذلك الأسبوع رغم سعيه وحرصه الجادِّ.. فندم على ذلك الأمر ندمًا شديدًا، واستغفر لذنبه، وعاد إلى سابقِ نقائه وصفائه.
الشَّخصانِ الآخَرانِ المُسمَّى كلٌّ منهما "مصطفى": أوَّلُهما: مصطفى من قرية: "قُلَه أُونو"، وهو أحدُ أهمِّ طُلّابي المُجدِّين؛ والآخَرُ صديقُه الصادق المُضحِّي: "الحافظُ مصطفى"..
— 475 —
كنتُ أرسلتُ إليهما یی رحمهما الله یی ألّا يأتيا لزيارتي بعد العيد في الوقت الحاضر، كيلا يُضيِّق أهلُ الدنيا الخناقَ علينا، ممّا يؤدِّي إلى فتور العمل في الخدمة القرآنية؛ وإن أراد أحدٌ منهم الحضورَ فليأتِ منفردًا.. فإذا بي أُفاجَأ بثلاثة أشخاص أتَوا معًا في نفس الليلة، وعزموا الذهاب قبل الفجر إن سَمَحت أحوالُ الجوِّ بذلك، ونسينا أنا ومصطفى چاويش وسليمان أفندي جميعًا اتِّخاذَ أسباب الحيطة الظاهرية رغم عدم حصول ذلك من قبل، بل ربما أُنسِينا ذلك، فأوكل كلٌّ مِنّا الأمرَ إلى الآخر؛ وغادروا قبل الفجر.
فوُجِّهت إليهم صفَعاتٌ فاجأتهم بعواصفَ وأمطار غزيرة لم يقع مثلُها في هذا الشتاء، دامت حوالي ساعتين متواصلتين، لدرجة أنني قلقتُ عليهم قلقًا شديدًا لم يسبق لي مثله، وخفتُ ألّا يَنجُوا من هذا الإعصار! وعزمتُ على إرسال سليمان خلفهم لِيتلقَّى أخبارَهم ويطمئنَّ على سلامتِهم، وعقابًا له لعدم أخذه بالحيطة والحذر، إلا أن مصطفى چاويش قال لي: "إن ذهب سليمان فسيُحبَس هو كذلك ولن يتمكَّن من العودة، وسأتبعُه أنا أيضًا، ومن بعدي عبد الله چاويش.."، ففوَّضْنا الأمر إلى الله قائلين: "توكَّلنا على الله" وجلسنا ننتظرُهم.
٭٭٭
سؤال: إنَّك تَعُدُّ المصائبَ التي تَحُلُّ بإخوانك صفَعاتِ تأديب، وتتلقَّى الأمر عتابًا بسبب فتورهم في الخدمة القرآنية! في حين يعيشُ الذين يُعادُونك ويُعادُون الخدمةَ القرآنية بشكل حقيقي بسلام وأمان، فلماذا تُوجَّهُ الصَّفعاتُ للأصحاب، ولا يتعرَّض لها الأعداءُ؟!
الجواب: بسرِّ مقولة: "الكفر يدوم، والظلم لا يدوم"، فإن أخطاء الأصحاب تصبح بمثابة ظلم في خدمتنا، لذا يتعرَّضُون للعقاب بسُرعة، فيتلقَّون صفعةَ رحمة ليعودوا إلى رشدهم ما داموا عاقلين.. أما العدوّ فمُخالفتُه للخدمة القرآنية ومنعُه إيّاها
— 476 —
إنَّما هو لصالح الضلالة، وكذا اعتداؤه على خدمتنا یی بعلمٍ أو بغير علم یی إنَّما هو من قبيل الزندقة؛ وحيث إنَّ الكفر يدوم، فلا يتلقَّى معظمُهم الصَّفَعات بالسرعة ذاتها، فكما يُعاقَب من يرتكبُ أخطاءً طفيفةً في القضاء أو النّاحية، بينما يُساقُ مرتكبُو الجرائمِ الكبيرة إلى محاكِمِ الجزاءِ الكبرى، كذلك الأخطاءُ الصَّغيرةُ والهَفَواتُ التي يرتكبُها أهلُ الإيمانِ وخواصُّ الأصحاب يتلقَّون على إثرِها صفَعاتِ العقابِ بسرعة في الدُّنيا تكفيرًا لسيِّئاتِهم وتطهيرًا لذنوبِهم؛ أمّا جرائمُ أهلِ الضَّلالة فهي كبيرةٌ وجسيمةٌ إلى حدٍّ لا تتَّسِعُ معه هذه الحياةُ الدُّنيا القصيرةُ لعقابِهم، فيُمهَلُون إلى عالَم البقاء والخُلود، ويُحالون إلى المحكمة الكُبْرَى لِتقتصَّ منهم العدالةُ الإلٰهيّةُ القِصاصَ العادلَ، لذا لا يتعرَّضون للعقاب في هذه الدُّنيا غالبًا.
ويشير الحديث الشريف: «الدُّنيا سِجنُ المُؤمِنِ وجَنّةُ الكافِرِ» إلى هذه الحقيقة التي ذكرنا، أي: أنَّ المؤمن ينالُ في هذه الدنيا قسمًا من جزاء تقصيره، فتكونُ الدنيا في حقِّه دارَ الجزاء، فالدنيا بالنِّسبة إلى ما في آخرته من السَّعادة زنزانةٌ وعذابٌ.. أمّا الكُفّار فلأنَّهم مُخلَّدون في النّار، فهم ينالون قسمًا من ثوابِ حسناتِهم في الدُّنيا، وتُؤجَّلُ سيِّئاتُهم العظيمة إلى الآخرة، فتكون الدُّنيا بالنِّسبة إليهم دارَ نعيمٍ، لِما يُلاقونه من عذابِ الآخرة.
وإلّا فالمؤمنُ يجدُ من النَّعيم المعنويِّ في هذه الدُّنيا أيضًا ما لا يجدُه الكافر، فهو أسعدُ منه بكثيرٍ من زاوية نَظَرِ الحقيقة؛ وكأنَّ إيمانَ المؤمنِ بمثابة جَنّةٍ معنويّةٍ في روحِه، وكأنَّ كُفرَ الكافرِ يَستَعِرُ جحيمًا في ماهيَّتِه.
سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
٭٭٭