Risale-i Nur

لاحقة بارلا
— 4 —

من كُلِّياتِ رَسَ ائِل النُّور

من المكتوب السابع والعشرين
ملحق بارلا
تأليف
بديع الزمان سعيد النورسي

ترجمة
حسين عثمان

تحرير وضبط النصوص
د. محمد بسَّام حجازي
— 5 —

تقديم

تُمثِّل هذه "المَلاحقُ" بمجموعها "المكتوبَ السابع والعشرين"، وقد تزامَنَ تأليفُها مع تأليف رسائل النور، إذْ ظهَرَت مع بداية ظهورها، واستمرَّت تُواكِبُ تأليفَها حتى النهاية؛ فمنذ أن شَرَعَ الأستاذُ النُّورْسِيُّ بتأليف رسائل النور في "بارلا"، وشَرَعَ طلاب النور في "إسبارطة" وما حولَها يَنهلون من هذه الرسائل الفيضَ والمدد، سواءٌ بقراءتها أو بنَسْخها؛ أخذوا يكتبون إلى الأستاذ رسائلَ يُعبِّرون فيها عن عميقِ مشاعرهم، وبالغِ شوقهم، شكرًا وعرفانًا وتقديرًا، ويطلبون في بعض الرسائل الإجابةَ على بعض الأسئلة، وحلَّ بعض الإشكالات، فتشَكَّلَت من مجموع هذه المراسلاتِ المتبادَلةِ بين الأستاذ وطلاب النور مُلحقاتُ "بارلا" و «قَسْطَموني» و «أميرداغ».
فأما «مُلحَق بارلا» ، فيَحوي رسائلَ للأستاذ النُّورْسِيّ، وكلماتٍ للرَّعيل الأول من طلاب النور الذين جَدُّوا واجتهدوا في نَسخِ الرسائل ونَشرِها طَوالَ مرحلةِ "بارلا" التي انتهت بالسَّوق إلى سجن "أسْكي شَهِر"، وفيها يَصِفُون عميقَ مشاعرهم وصادقَ أحاسيسِهم، وعظيمَ النفعِ القلبيِّ والمددِ الروحيِّ الذي اغترفوه من مَعين رسائل النور أولَ ما قرؤوها وكتبوها.
وأما «مُلحَق قَسْطَموني» ، فيغطي مرحلةَ ما بعد الإفراجِ عن الأستاذ النُّورْسِيّ من سجن "أسْكي شَهِر"، حيث نُفِيَ إلى "قَسْطَموني" ووُضِع فيها تحت الإقامة الجبرية مدةً تَنوف على سبع سنين، ونُقِلَ بعدَها إلى سجن "دَنِزْلي"؛ لكنه رغم ذلك ظلَّ على تواصلٍ دائمٍ مع طلابه بی"إسبارطة" عبر المراسلات؛ وقد أبدى في مراسلاته هذه اهتمامًا بالغًا بكتابة رسائل النور واستنساخِها ونَشْرِها بالحرف العربيِّ القرآني، وأَولى
— 6 —
عنايةً لتوسيع دائرتها وتعميم فائدتها في أوساط الشباب الذين انقطعت صِلَتُهم بالحرف العربي، وذلك بكتابة بعض مباحثها عبر الآلة الكاتبة؛ وأفاض في الحديث عن ماهية رسائل النور وأهميتِها، والمنزلةِ الرفيعة التي تتبوَّؤُها، والوظيفةِ الإيمانية السّامية التي تؤديها؛ كما تَطرَّق للعديد من المسائل والقضايا في داخل البلاد وخارجِها، وبَيَّن لطلاب النور ركائزَ العمل وأسلوبَ الخدمة الذي ينبغي انتهاجُه، وضرورةَ التحلِّي بالثبات والمتانة في مواجهة الملاحدة المعتدين، وضرورةَ تحرِّي الإخلاص في التعامل مع أهل الإسلام.
وبهذا يكتسب "مُلحَق قَسْطَموني" أهميةً خاصةً، سواءٌ باعتبارِ الحِقبة المهمة التي كُتِبَ فيها وكان ثمرتَها، أو باعتبارِ منظارِ الحقيقةِ الإيمانِيِّ الكُلِّي الشاملِ الذي تناولَ به مسائلَ اجتماعيةً كثيرةً متنوعة، أو بغير ذلك من الاعتبارات.
أما «مُلحَق أميرداغ» فهو مُلحَقان، كلُّ مُلحَقٍ يتَّصِل بمرحلةٍ تختلف عن الأخرى.
فالمرحلة التي يُغطِّيها "مُلحَق أميرداغ الأول" هي ما بين سِجنَي "دَنِزْلي" و"أفْيون"، وتمتدُّ من منتصف العام (١٩٤٤م) إلى أواخر العام (١٩٤٧م)، ذلك أنه ما إن صدَرَ قرار البراءة بحقِّ مؤلِّفِ رسائل النور، وأُفرِج عنه من سجن "دَنِزْلي"، حتى نُفِيَ بقرارٍ من مجلس الوزراء إلى "أميرداغ"، ووُضِع فيها تحت إقامةٍ جبريةٍ استمرَّت قُرابةَ ثلاث سنين ونصفِ السنة، لتنتهي بنقله إلى سجنِ "أفْيون"، ثالثِ السجون التي زُجَّ فيها، والذي لَبِث فيه موقوفًا عشرين شهرًا بين عامَي (١٩٤٨یی ١٩٤٩م).
ويحوي هذا المُلحَق مراسلاتِ الأستاذ مدةَ إقامتِه الجبريةِ بی"أميرداغ"، حيث بَعث برسائل إلى "إسبارطة" و"قَسْطَموني" و"إسطنبول" و"أنقرة"، وإلى طلاب النور الجامعيِّين، كما بعث برسائل إلى طلاب النور الذين باشروا الخدمةَ الإيمانية ونشْرَ الأنوار في أماكن شتى من الأناضول، وتتضمن هذه الرسائل إجاباتٍ على أسئلتهم، وتوجيهاتٍ تتعلق بالخدمة الإيمانية.
— 7 —
وأما «مُلحَق أميرداغ الثاني» ، فيحوي الرسائل التي كتبها الأستاذ إلى طلابه بعد إخلاء سبيله من سجن "أفْيون"، حيث عاد إلى "أميرداغ" ثانيةً فأقام بها مدةً طويلة، تَخلَّلتْها إقامةٌ قصيرةٌ في "أسْكي شَهِر" في العام (١٩٥١م)، وإقامتان مثلُها في "إسطنبول" التي استُدعي إلى محكمتها مرةً بعد مرةٍ في قضية "مرشد الشباب" في عامَي (١٩٥٢ و١٩٥٣م)؛ وتتناول رسائلُ هذا المُلحَق مسائلَ تتعلق بالمحاكم والدعاوى المرفوعة ضدَّه؛ كما يحوي مراسلاتِه التي كتبها في "إسبارطة" بعد العام (١٩٥٣م).
وعليه، فی «المَلاحق» إنما تحوي رسائلَ الأستاذ إلى طلابه في أزمنة النفي المتعاقبة، أما رسائلُه إليهم حين كان رهينَ سجون "أسْكي شَهِر" و"دَنِزْلي" و"أفْيون"، فقد نُشِرت بكاملها في «الشُّعاعات» وفقًا لما ارتآه الأستاذ الموقَّر نفسُه.
إن المعاني التي تَضَمَّنتْها مكتوباتُ طلاب النور في هذه "المَلاحق"، وما عبَّروا به عن مدى استفادتهم من رسائل النور، وما اغترفوا من مَعينها من إيمانٍ وإخلاصٍ وثباتٍ ووفاءٍ وشهامةٍ إيمانية، وما جاشَتْ به أفئدتُهم من شكرٍ وعرفانٍ لمؤلِّفها، إنما تُظهِر أنهم كانوا مخاطَبين حقيقيِّين لهذا الدرس القرآنِيِّ الذي أشرق في هذا الزمان، وتُبْرِزُهم شُهودًا يُوَقِّعون على حقَّانية رسائل النور، ويُصدِّقون الأستاذَ النُّورْسِيَّ في دعواه.
أما أهمِّيةُ "المَلاحق" وما حَوَتْه من رسائل، فيكفي في بيانها التذكيرُ بأنها كانت تؤلَّف وتُنشَر بالتزامن مع تأليف رسائل النور ونشرِها، وأن مؤلِّفها كان يتابع ذلك بنفسه، وقد تحدَّث عن أهميَّتها ولَفَتَ الأنظار إليها في رسائل كثيرة.
ذلك أنه مع تأليف رسائل النور ونَشرِها وانتشارها لا بدَّ أن يواجِه طلابُها كثيرًا من التحدِّيات والعقبات، سواءٌ في قيامهم بالخدمة النورية وتعليمِ الدرس القرآني، أو في تعلُّمهم المسلكَ النُّوريَّ واستدامتهم نهجَ الخدمة على المدى البعيد، وهو ما يُحتِّم تزويدَهم بمنهجٍ يُرشِدُهم للعمل بإخلاصٍ وثباتٍ وصلابةٍ في مواجهة التيارات، ويبصِّرُهم بالمعالم التي تساعد على ازدهار الخدمة القرآنية، وهذا ما قام به الأستاذ
— 8 —
استجابةً لمقتضيات هذه الخدمة القدسية، إذْ نبَّه الطلابَ ووجَّهَهم، وبَيَّن لهم المعالم والركائز، وجَلَّاها لهم حقائقَ وأصولًا لا تعتريها شبهة.
ثم إن هذه "المَلاحق" تتضمن حِكَمًا وقواعدَ لا يُستغنى عن استذكارها باستمرار، إذْ هي إخطاراتٌ كُتِبَتْ وأُملِيَتْ استجابةً لحاجات تتكرَّر في كلِّ حين، وقد أَعلَنَت هذه الحاجاتُ عن نفسِها فعلًا في مئاتِ الوقائع والمسائل.
يخاطب طالبُ النورِ الأولُ "خُلوصي بك" أستاذَه في رسالةٍ كَتَبها إليه فيقول: "أيها الأستاذ المحترم.. حتى لو أردتم نسيانَ الدنيا، ولم يكن لكم ما يربطكم بها سوى الإجابةِ على أسئلة الذين ارتبطوا بی"الكلمات" المباركة، فلن تتركوا أسئلتَهم واستيضاحاتِهم بغير إجابة.. إنَّ كتاباتِكُم المُباركة الموجَّهة لمُحبِّيكم في الله، وأجوبتَكم لِمَن طلب منكم إيضاحَ بعض الأمور، وكذا ما ينطوي عليه مجلسُ عِلمِكم من المسائلِ المُتنوِّعة التي لم تُدرَج في عدِاد "الكلمات"، كلُّ ذلك يؤكِّدُ دوامَ الحاجة، وأنَّ الخِدمةَ لمّا تَنتَهِ بعدُ".
فهذه الرسالة تُعبِّر عما تتطلَّبُه خدمةُ الأنوار من حاجةٍ إلى الإرشاد والتوعية والتنبيه، وهذا ما صَدَّقَتْه "المَلاحقُ" التي ظهَرَت فيما بعدُ، فقد أُلِّفت تلبيةً للحاجة المُلِحَّة كما ذكر هذا الأخُ الفاضل.
سيَتبين في هذه "المَلاحق" أن أستاذَنا العزيز مؤلِّفَ الأنوار قد اشتغل هو نفسُه بالأعمال المتعلِّقة برسائل النور من نشرٍ وقراءةٍ ونَسْخ، وأَولاها أهميةً بالغةً، وحثَّ طلابَه عليها باستمرار؛ ولا تَخفى أهمِّيةُ هذا الأمر وحكمتُه؛ فإننا في عصرٍ تَشهد فيه العلومُ الطبيعيةُ والماديةُ رَواجًا كبيرًا، ويَعكُف الجيل الجديد على قراءتها ودراستها، ويَدأبُ المادِّيُّون والطبيعيُّون في نشر ما يصادم الدين والمعنويات، ويتعزَّز تيّارُ الكفر المطلق، ويُوْلي أعداءُ الإسلام والإيمان في مخطَّطاتهم أولويةً لنشر كتبٍ ومجلاتٍ ومنشوراتٍ لا تعترف بدينٍ ولا بمعنويات، بل تُعارض حقيقةَ الإيمان بالله، وتنشر الإلحاد، وتحارب الفكر الإسلامي، وتعمل على دسِّ الفكر الإلحاديِّ والكفريِّ في
— 9 —
جيل الشباب والناشئة، مُهدِّدةً البشرية جمعاءَ بخطرٍ ماحق؛ فلا جَرَم أن تكون رسائلُ النور وقراءتُها ونشرُها في زمنٍ عصيبٍ رهيبٍ كهذا حاجةً شديدةَ الإلحاح.
ذلك أن رسائل النور یی باعتبارِها معجزةً معنويةً للقرآن الحكيم، وبوصفِها السلاحَ الفتَّاكَ الأمضى في التصدي لإلحادِ هذا الزمان یی تأتي لتُصلِح ما أفسده التيارُ الماديُّ في أبناء هذا الزمان، وما خلَّفه فيهم من تدميرٍ معنويٍّ، فتَعْمُرُ قلوبَهم بالمعنويات، وتُمِدُّهم بقوةٍ عظيمةٍ لا تتأتَّى إلا من الإيمان التحقيقي، وهي إنما تؤدي هذه المُهمَّة الجليلة باستلهامِ القرآن الكريم والاستهداءِ بإرشاده ودرسِه؛ فهي یی بدرس الإيمان التحقيقي یی تستعرض نورَ التوحيد في عينِ المسائل التي تاه فيها المادِّيُّون والطبيعيُّون، وتوضِّح حقائقَ الإيمان بأمثلةٍ وأدلةٍ مُستقاةٍ من عالَم المادة نفسِه، وتُثبِتُها من نفسِ المسائل العلمية التي تُدرَس في المدارس والجامعات، فتُجلِّي حقائقَ الإيمان ساطعةً كالشمس في رابعة النهار؛ فلأجل هذا المعنى، ولأجل معانٍ أخرى كثيرة، كانت رسائل النور سيفًا ألماسيًّا معنويًّا بِيَدِ أهل الإيمان والإسلام في هذا الزمان، يَجدُر بهم أن يشُدُّوا أيديَهم به.
إنها براهينُ كُلِّيةٌ في معرفة الله عز وجل، وإنها درسٌ قرآنِيٌّ مُقتبَسٌ من نجومِ آياتِ الذكر الحكيم فيضًا وإلهامًا، تُخاطب فُهومَ أبناء هذا الزمان بأَوفَقِ أُسلوبٍ يناسب حاجتَهم، وتُلقِّنهم المعانِيَ الجليلةَ عَذبةً سائغةً دون عَناء.
لقد نالت رسائل النور أهمِّيةً كبيرةً لا سيما في هذا البلد، لامتلاكها مزيةَ الخطابِ بما يناسب فِكرَ هذا العصر وإدراكَه، ولكونها درسًا للقرآن الحكيم يخاطب أبناء هذا الزمان؛ وها هم أبناءُ هذه الأمة العريقة الذين رفع أجدادُهم لواء القرآن عبر القرون، وأناروا بتديُّنهم العالَم، يقدِّمون للعالَم من جديدٍ نموذجًا في الأخلاق والفضيلة، ويُبيِّنون للإنسانية طريقَ النجاة والخلاص من الويلات والمهالك التي حاقت بها.
إنه لا خلاص للبشرية جمعاءَ من الإفساد والتدمير والفوضوية التي تُهدِّدها وتُزعزع كيانَها إلا بحقائقِ الإسلام، الدينِ السماويِّ الإلٰهيِّ الأزليِّ الأبدي؛ ولقد
— 10 —
قامت رسائلُ النور ببيانِ هذه الحقائق الإسلامية والقرآنية، وتولَّتْ عرضَها مُثبَتةً مُبرهَنةً لأنظارِ التحقيق بين بني البشر.
ويُؤكِّد مؤلِّفُ رسائل النور على أن دائرتَها تشمَل عمومَ أهل الإيمان والإسلام، إذْ هي جادَّةٌ قرآنيةٌ كبرى، وقد حازَتْ من السَّعة والجامعية ما يجعلُها تستوعبُ الخِدماتِ الإسلاميةَ والمسائلَ الدينية كافّةً، وتُحفِّز وتُشَجِّع على شتَّى أنواع الخدمة الدينية، فيقول في رسالةٍ له: "أنا ما وقفتُ حياتي على طلبِ فروعٍ تُفضي إلى جِدالاتٍ وعداواتٍ داخليةٍ متحزِّبة، وإنما وَقَفتُها لطلبِ الأركان الإيمانية التي هي أهمُّ قضيةٍ للنوع البشري؛ ولطلبِ حقائق القرآن الإيمانية معدِنِ سعادة البشر، ورابطةِ أُخوَّةِ أهلِ الإسلام وأساسِها؛ ثم لتقديمِ ذلك للمحتاجين؛ فهذا ما وَقَفْتُ حياتي لأجله".
ثم يُبيِّن المؤلِّف بنور القرآن أسلوبَ الخدمة التي يمكن القيام بها إزاء شروط هذا الزمان ومتطلَّباته، فيُجلِّي أهميةَ رسائل النور وضرورتَها لما تتحلَّى به من مزايا في خدمتها، مثلِ اتِّباعِها منهجَ الإرشاد الحكيم، وتحرُّكِها في نهجٍ قويمٍ يوافق التوفيقَ الإلٰهي، فيقول في الرسالة نفسِها: "إنني أعمل على نبذِ العداوة وبناء الصداقة لا بين المسلمين فحسب، بل حتى بين المتديِّنين من النصارى؛ فإن الخطر والدمار الذي خلَّفتْه الحربُ العالمية، والذي تُنذِر به الفوضويةُ الكامنةُ خلف الشيوعية، يَهتِفان بلسان الحال: أيها البشر.. هذه الدنيا فانيةٌ ملأى بالفِراقات، فانبذوا العداوةَ جانبًا، وأنصِتوا إلى درسِ القرآن، واتَّحِدوا، وإلا قضَينا عليكم".
فإلى مثل هذه المسائل تشير رسائلُ "المَلاحق"، كما تُقدِّم دروسًا في أُسُس الخدمة القرآنية القويمة، في ظلِّ حوادث الدنيا المتقلِّبة، وضمن ظروفٍ وقضايا كُليَّةٍ واسعة.
القائمون على خدمة
الأستاذ بديع الزمان سعيدٌ النُّورْسِيّ
طاهري، زبير، حسني بَيْرَم، مصطفى صُونغُر، بَيْرَم
— 11 —
حاشية: نُظِّم ورتِّب "ملحق بارلا" في بادئ الأمر على شكل دفاتر مكتوبة بخطِّ اليد وبالأحرف القرآنية، وصُحِّحَت نسخٌ منه من قبل الأستاذ نفسه؛ والنسخ الموجودة بين أيدينا الآن، ففضلًا عن أن الأستاذ قام بتصحيحها بنفسه، فقد وضع على بعض رسائلها إشارتين أو ثلاثًا أو أربعًا أو أكثر، تنبيهًا على أهمِّيتها.
وثمّةَ ملحق آخر صغير نشر باسم "ملحق بارلا" عن طريق آلة التكثير عام (١٩٥٦م) بناءً على طلب الأستاذ أيضًا، وأُضيف في مقدمته رسالة "العنايات السبعة"، كما أُضيفت إليه الرسائل الموجودة في نسخة خطِّية، وكذا بعض الرسائل الموجودة في "ملحق بارلا"؛ فهذه النسخة التي بين أيدينا الآن تم جمعها وتنسيقها من عموم هذه النُّسخ المذكورة، والمطبوعة عن طريق آلة التكثير، والمكتوبة بخطِّ اليد، والمصحَّحة من قبل الأستاذ.
فالترتيب والتنظيم الموجود في النُّسخ المخطوطة تتوافق عمومًا مع بعضها، فالرسائل نفسها تقريبًا وبذات الترتيب والتسلسل.
إلا أن ثمة أمرًا هو: أنه كلما اقتربنا من نهايات "ملحق بارلا" نجد فيه رسائل غير موجودة في النُّسخ الخطِّية، وهي رسائل خاصة وجَّهَها الأستاذ إلى أركان النور من طلابه أمثال الإخوة خلوصي ورأفت، وقد أضيفت هذه الرسائل هنا لأهمِّيتها ولما تضمَّنته من الحقائق العلمية، وتقديرًا للرعيل الأول من طلاب النور.
وفي إحدى رسائلِ "ملحق أميرداغ الأول" تكلَّم الأستاذ حول هذا الأمر، وتمنَّى نشر هذه الرسائل بقوله: "أخي رأفت، أهلًا بك كذلك، سرَّني كثيرًا أمرُ انشغالك بنسخ رسائل النور؛ إن أسئلتَك أشبهُ بأسئلة خلوصي وصبري، ذلك أن لها نتائج مهمة وثمرات لذيذة في رسائل النور.
وأمّا الفِقرات (الرسائل) العلمية الموجودة عندك، والتي لم تُدرج في الرسائل، فقوموا بإدراجها في مواضعها المناسبة (من الرسائل) أو في الملاحق".
٭٭٭
— 12 —

(من المكتوب الثامن والعشرين)

المسألة السابعة وهي الرسالة السابعة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ
هذه المسألة سبعُ إشارات، لكنَّنا نُبيِّن أولًا سبعةَ أسبابٍ تُظهِر بعضَ أسرار العناية الإلٰهية، تحدُّثًا بنعمة الله تعالى.
السبب الأول:
في واقعةٍ صادقةٍ قُبيل الحرب العالمية الأولى أو في بداياتِها، رأيتُني تحت جبل "أغري" المعروف بجبل "أرارات"، وإذا به ينفجر انفجارًا يثير الهول والفزع، فتترامى أجزاؤه العظيمة كالجبال على أنحاء الدنيا، وبينما أنا في هذا الهول الذي غشيني، نظرتُ فإذا بأُمِّي رحمها الله إلى جانبي، فقلتُ لها: لا تخافي يا أُمّاه.. إنه أمرُ الله، وإنه حكيمٌ رحيم! فإذا بشخصٍ جليلٍ مَهيبٍ يخاطبني آمِرًا: بيِّنْ إعجازَ القرآن.
فاستيقظتُ، وأدركتُ أن ثمّةَ انفجارًا هائلًا وتحوُّلًا عظيمًا سيقع، وستتهدَّم على إثره الأسوارُ من حول القرآن، فيُدافع عن نفسه بنفسه؛ وستُشَنُّ عليه الهجمات، فيكون إعجازُه هو دِرعَه الفولاذي؛ وفهمتُ أنَّ شخصًا مثلي سيكون مرشَّحًا بما يفوق حدَّه لإظهار نوعٍ من ذلك الإعجاز في هذا الزمان، وأنني أنا ذلك المرشَّح.
وما دام إعجازُ القرآن قد بُيِّنَ بدرجةٍ ما بی"الكلمات"، وكانت خدمتُنا التي قدمناها لحساب الإعجاز، وكانت من بركاته ورشحاته، فلا ريب أن إظهارَ العنايات التي حفَّتْ بهذه الخدمة أمرٌ يؤيد هذا الإعجازَ ويسانده، فلا بد من إظهارها.
— 13 —
السبب الثاني:
لما كان القرآن الحكيم مرشدَنا وأستاذَنا وإمامَنا، وكان في عموم الآداب دليلَنا، وكان يثني على نفسه بنفسه، فإننا یی اتِّباعًا لإرشاده یی سنُثني على تفسيره كذلك.
ثم لمّا كانت "الكلمات" المؤلَّفةُ نوعًا من تفسير القرآن، وكانت الحقائق التي في هذه الرسائل حقائقَ القرآنِ ومُلكَه، ولمّا كان القرآن الحكيم في كثيرٍ من سُوَرِه خصوصًا المفتَتَحةَ بی الٓر و حمٓ يُعلِن عن نفسه بكمال العَظَمَة والجلال، ويذكر كمالاتِه ويُثني على نفسِه الثناءَ اللائقَ به؛ فلا شكَّ أننا مكلَّفون بإظهار العنايات الربانية التي هي علامةٌ على قبول الخدمة، ولَمْعةٌ من لَمَعات إعجاز القرآن المُنعكِسة في "الكلمات"، فإنَّ هذا هو منهجُ أستاذِنا وإرشادُه.
السبب الثالث:
إنني فيما يَخُصُّ "الكلمات" أقول من باب بيان الحقيقة لا التواضع: إن الحقائق والكمالات التي فيها ليست بضاعتي، بل هي بضاعةُ القرآن ومِنه ترشَّحَت، حتى إن "الكلمة العاشرة" ليست سوى قطراتٍ ترشَّحَت من مئات الآيات القرآنية، وكذلك الأمر في سائر الرسائل.
فما دمتُ أعلمُ أن الأمر كذلك، وما دمتُ فانيًا راحلًا، فلا يجوز ولا ينبغي أن يُناطَ بي أمرٌ أو أثَرٌ باقٍ؛ وما دام أهل الضلالة والطغيان قد درجوا على الطعن في مؤلِّفِ أيِّ كتابٍ لا يُوافقهم لِيَحُطُّوا من قيمة الكتاب نفسِه، فينبغي ألا يُعمَدَ إلى الرسائل المُعلَّقةِ بنجومِ سماء القرآن، فتُعلَّقَ على عمودٍ مُتَداعٍ مثلي قابلٍ للسُّقوط، وعُرضةٍ لورودِ كثيرٍ من الاعتراضات والانتقادات.
وإذا كانت مزايا كتابٍ ما تُلتَمسُ بحسبِ عُرف الناس في أحوالِ مؤلِّفه، ظنًّا منهم أنه منبعُ ذلك الخير ومصدرُه، وكان مِن ظُلمِ الحقيقة یی وفقًا لهذا العُرف یی أن تُنسَب هذه الحقائق العالية والجواهر الغالية لشخصٍ مُفلسٍ مثلي، عاجزٍ عن إظهار
— 14 —
واحدٍ بالألف من تلك المزايا؛ فإني مُضطرٌّ لبيان أن الرسائل ليست بضاعتي، بل هي بضاعةُ القرآن، ومَظهرُ رَشَحاتِ مزاياه.
أجل، إن خواصَّ عناقيد العنب اللذيذ لا تُتحرَّى في أغصانه اليابسة؛ وإنني بحُكمِ غصنٍ يابس.
السبب الرابع:
قد يستلزم التواضعُ كفرانَ النِّعمة، بل ربما كان عينَ كُفران النعمة؛ وكذلك قد يكون التحدُّث بالنعمة افتخارًا؛ وكِلا الأمرَين ضررٌ، والسبيل الوحيد للنجاة منهما هو: الإقرار بالمزايا والكمالات دون ادِّعاء تملُّكها، أي: إظهارُها على أنها آثارُ إنعامِ المنعِمِ الحقيقي.
ومثال ذلك: لو أَلبَسَك أحدُهم ثيابًا فاخرةً جميلة، فصِرتَ بها على قدرٍ عظيمٍ من الأناقة والجمال، وأخذ الناسُ يقولون لك: ما شاء الله.. ما أجملك.. وما أجمل هيئتَك!! فإنك إنْ قلتَ لهم متواضعًا: حاشا.. مَن أنا؟! أنا لا شيء.. ما هذا؟! أين الجمال؟! كان هذا كفرانًا بالنعمة، وسوءَ أدبٍ تجاهَ الصانع الماهر الذي ألبسك هذه الثياب.
وإن قلتَ مفتخرًا: نعم.. أنا فائقُ الجمال، ومن مثلي في الجمال؟! أَرُوني أحدًا مثلي!! كان هذا فخرًا وغرورًا.
وسبيل الخلاص من كفران النعمة ومن الافتخار أن تقول: نعم، لقد صرتُ جميلًا حقًّا، لكنه ليس جمالي، بل هو جمالُ الثياب، وهو بالتالي جمالُ مَن ألبَسَنيها.
وإنني أقول مناديًا العالَم لو كان يَبلغُه صوتي: إن "الكلمات" جميلة، وإنها حقائق، لكنها ليست لي؛ بل هي شعاعاتٌ سطَعَت من حقائقِ القرآن الكريم؛ وإنني استنادًا إلى الدستور القائل:
وما مدحتُ محمدًا بمقالتي ولكنْ مدحتُ مقالتي بمحمدِ
أقول:
وما مدحت القرآن بكلماتي ولكن مدحت كلماتي بالقرآن
— 15 —
أي: إني لم أُجمِّل حقائقَ إعجاز القرآن ولم أُظهِر جمالَها، وإنما حقائقُ القرآن الجميلةُ هي التي جمَّلَت عباراتي ورفَعَت من شأنها.
فما دام الأمر كذلك، فإن إظهارَ محاسنِ مرايا القرآن المُسمّاةِ بی"الكلمات"، وإظهارَ ما ترتَّب عليها من العنايات الإلٰهية باسمِ جمالِ حقائقِ القرآن، إنما هو تحدُّثٌ بنعمةِ الله مقبولٌ.
السبب الخامس:
سمعتُ من بعضِ أهل الولاية قبل زمنٍ بعيدٍ، أنه استنبط من الإشارات الغيبية لبعضِ الأولياء السابقين وتحقَّقَت لديه القناعةُ بأنه سيَظهَر نورٌ في المستقبل من جهة الشرق، فيبدِّد ظلماتِ البِدع؛ ولطالما انتظرتُ أنا أيضًا ظهورَ نورٍ كهذا وما زلتُ أنتظر، لكن الأزهار إنما تأتي في الربيع، والمطلوبُ تهيئة الأرضية لمثل هذه الأزهار القدسية؛ ولقد أدركنا أننا بخدمتنا هذه نُمهِّد السَّبيلَ لأولئك النورانيِّين الكرام.
فما دام بيانُ العنايات الإلٰهية التي تخصُّ أنوار "الكلمات" لا يعود إلى أشخاصنا، فلا يمكن أن يكون مبعثَ فخرٍ وغرور، وإنما يكون مبعثَ حمدٍ وشُكرٍ وتحدُّثٍ بالنعمة.
السبب السادس:
إن العنايات الربانية التي هي وسيلةُ ترغيبٍ ومكافأةٌ عاجلةٌ على الخدمة التي نُؤدِّيها للقرآن بتأليف "الكلمات" ما هي إلا توفيقٌ؛ وشأنُ التوفيق أن يُبيَّن ويُعلَن عنه.
فإن زادَت هذه العناياتُ على معنى التوفيق كانت إكرامًا إلٰهيًّا؛ وإظهارُ الإكرام الإلٰهي شكرٌ معنويّ.
فإن زادَت على هذا أيضًا كانت كرامةً قرآنيةً صِرنا مَظهَرًا لها دون تدخُّلٍ مِنّا ولا اختيار؛ ولا ضيرَ في إظهارِ كرامةٍ جاءَت بغير علمٍ مِنّا ولا اختيار.
فإنِ ارتَقَت إلى ما فوق الكرامة العادية كانت شُعَلًا للإعجاز المعنويِّ للقرآن الكريم.
— 16 —
فإذا كان من اللازم إظهارُ الإعجاز، فلا شكَّ أن إظهارَ ما يؤيِّده عملٌ يصبُّ في صالحه؛ فلا يمكن أن يكون مبعثَ فخرٍ وغرور، وإنما يكون مبعثَ حمدٍ وشُكر.
السبب السابع:
إن ثمانين بالمئة من نوع الإنسان ليسوا من أهل التحقيق كي يَنفذوا إلى الحقيقة ويقفوا عليها ويأخذوا بها، وإنما يتلقَّون یی تقليدًا یی المسائلَ التي يسمعونها من أناسٍ يثقون بهم ويعتمدون عليهم، بناءً على حُسْنِ الظنِّ وظاهرِ الحال؛ حتى إنهم يَرون الحقيقةَ القويةَ ضعيفةً عندما تكون في يد شخصٍ ضعيف، ويعُدُّون المسألةَ التافهةَ مهمةً إن رأوها بيدِ شخصٍ ذي أهمِّية.
وإنني بناءً على هذا أجدُني مضطرًا للإعلان عن الأمر التالي، لكيلا أَحُطَّ من قيمةِ الحقائقِ الإيمانيةِ والقرآنيةِ حين يراها الناس في يدِ شخصٍ ضعيفٍ عاجزٍ بسيطٍ مثلي؛ فأقولُ:
إن ثمّة مَن يستخدمُنا ويُقيمُنا في مهامَّ جليلةٍ دون علمٍ مِنّا ولا اختيار، بدليلِ اختيارِنا مظهرَ عناياتٍ وتسهيلاتٍ خارجةٍ عن شعورنا وإرادتنا، فلأجلِ هذا نجِد أنفسَنا مُضطرِّين للإعلان عن هذه العنايات على الملأ.
وبناءً على هذه الأسباب السَّبعة نشيرُ إلى بضعِ عناياتٍ ربانيةٍ كُلِّية:
الإشارة الأولى:
"التوافقات"؛ وقد بُيِّنت في النُّكتة الأولى من المسألة الثامنة من "المكتوب الثامن والعشرين".
ففي مكتوب "المعجزات الأحمدية" على سبيل المثال: تَناظَرَ موضِعُ وُرودِ كلمة الرسول الأكرم (ص) في أكثر من مئتي موضعٍ منها بكمال الموازنة، وذلك بدءًا من الإشارة الثالثة وحتى الإشارة الثامنة عشرة في ستين صفحةً إلا صفحتين، وقد حصل هذا لأحدِ النُّسَّاخ دون علمه؛ ومن نظر إلى صفحتين منها بإمعانٍ وإنصافٍ أقرَّ بأن ذلك لا يمكن أن يقع مُصادفةً.
— 17 —
هذا مع أن المصادفة إنْ وقَعَت، واشتُرِط وجودُ كلماتٍ كثيرةٍ متماثلةٍ في الصفحة الواحدة، جاء التوافقُ ناقصًا، وربما وقع تامًّا في صفحةٍ أو صفحتين لا غير.
والحالُ هنا أن مواضع ورود كلمة الرسول الأكرم (ص) في جميع الصفحات تتناظر فيما بينها بكمال الاتِّزان، سواءٌ ورَدَت في الصفحة الواحدة مرتين أو ثلاثًا أو أربعًا أو أكثر، ولا شكَّ أن هذا إن وَقَع لم يقع مُصادفةً بحالٍ من الأحوال.
ثم إنَّ توافقًا لم يستطع ثمانيةُ نُسَّاخٍ مختلفين أن يُغيِّروه إنما يُظهِر إشارةً غيبيةً قويةً في طيِّه.
فكما أن البلاغة تُوجَد في كتبِ أهل البلاغة على درجاتٍ شتَّى، غير أن بلاغة القرآن قد بلَغَت حدَّ الإعجاز، فلم يستطع أحدٌ بلوغَ شأوِه؛ فكذلك التوافقات الموجودة في "المكتوب التاسع عشر" الذي هو مرآةٌ للمعجزات الأحمدية، وفي "الكلمةِ الخامسةِ والعشرين" التي هي ترجمانٌ للمعجزات القرآنية، وفي أجزاء رسائل النور التي هي نوعٌ من تفسير القرآن الكريم؛ هذه التوافقات تُظهِر غرابةً تفوق التوافقاتِ التي توجد فيما سواها من سائر الكتب، ويُفهم منها أنها نوعُ كرامةٍ للمعجزاتِ القرآنية والمعجزات الأحمدية تتجلَّى وتتمثَّل في تلك المرايا.
الإشارة الثانية:
العناية الربانية الثانية التي تخصُّ الخدمةَ القرآنية، هي أنَّ الحقَّ تبارك وتعالى قد أحسن إليَّ بإخوانٍ أقوياءَ أوفياءَ مُخلِصين، أصحابِ هِمّةٍ وعزيمةٍ وتضحية، لهم أقلامٌ كالسُّيوف الألماسية، فجعَلَهم أعوانًا لشخصٍ مثلي شِبهِ أُمِّيٍّ لا يُحسِن الكتابةَ، وحيدٍ في ديارِ الغربة، ممنوعٍ من مخالطةِ الناس؛ وحمَّلَ كواهلَهم القويةَ ما أثقل كاهلي الضعيفَ العاجزَ من الوظيفة القرآنية، فخفَّف حِملي بكمالِ كرمه.
فهذه الجماعة المباركة بمثابةِ أَجهِزةِ البثِّ اللاسلكي بحَسَب تعبير "خُلوصي"، وهي بمثابة مولِّدات الكهرباء لمعمل النور بحَسَب تعبير "صبري"؛ ومع أن لكلٍّ منهم مزاياه المُتنوِّعة وخصائصَه القيِّمة إلا أنهم يتشابهون في الحماس والسَّعي والهِمّة
— 18 —
والجدِّ تشابُهًا يُعدُّ نوعًا من التوافقات الغيبيّة بحَسَب تعبير "صبري" أيضًا؛ وإنَّ نَشرَهم الأسرارَ القرآنية والأنوارَ الإيمانية وإيصالَهم إيّاها إلى شتَّى الجهات، وخِدمَتَهم التي يُؤدُّونها بمنتهى الحماس والهِمّة من غيرِ كللٍ ولا فُتُور یی رغم وجود أسبابٍ كثيرةٍ تُورِثُ الفتور وتقتُلُ الحماسَ في هذا الزمان، حيث استُبدِلت الحروفُ العربيةُ وأُغلِقَت مطابعُها، وبات كلُّ شخصٍ محتاجًا إلى الأنوار الإيمانية یی ليس سوى كرامةٍ قرآنيةٍ مباشرة، وعنايةٍ إلٰهيةٍ ظاهرة.
أجل، فكما أنَّ للولاية كرامتَها، فإن للنِّيةِ الخالصةِ كرامتَها، وإن للإخلاص كرامتَه أيضًا؛ وكذلك التسانُد الجادُّ الخالصُ بين الإخوان في دائرة الأُخوّة في الله، فإنَّ له على وجه الخصوص كراماتٍ كثيرةً؛ حتى إن الشخصَ المعنويَّ لجماعةٍ كهذه قد يكون في حُكمِ وليٍّ كاملٍ، ويكون مَظهرًا للعنايات.
فيا إخواني ويا أصحابي في خدمة القرآن.. كما أن من الظُّلم والخطأ أن يُمنَحَ جميعُ الشرف والغنائم لرقيبِ فوجٍ فَتَحَ حصنًا، فكذلك ليس لكم أن تَعْزُوا إلى مسكينٍ مثلي عناياتِ الفتوحات التي تحقَّقَت بأقلامكم وبقوةِ شخصكِم المعنويّ.
ولا ريبَ أن في هذه الجماعة المباركة إشاراتٍ غيبيةً قويةً فضلًا عن التوافقات الغيبية؛ وإنني أَراها لكن لا أستطيع إراءتَها لكلِّ أحدٍ ولا لعموم الناس.
الإشارة الثالثة:
إن إثبات أجزاءِ رسائل النُّور لجميع الحقائق الإيمانية والقرآنية الجليلة إثباتًا ساطعًا حتى لِأَشدِّ المُعانِدين، إنما هو عنايةٌ إلٰهيةٌ وإشارةٌ غيبيةٌ قوية؛ ذلك أن من الحقائق الإيمانية والقرآنية ما اعترف بالعجز عن فهمه أحدُ كبار العباقرة كی"ابن سينا"، وقال فيها: "لا يجدُ العقلُ إليها سبيلًا"، في حين أن رسالة "الكلمة العاشرة" تُعلِّم تلك الحقائق التي عَجَز هذا الرجل بعبقريَّته عن بلوغها، وتُبيِّنها حتى للعوامِّ، بل حتى للصغار.
وكذلك مثلًا مسائلُ سرِّ القَدَر والجزءِ الاختياريّ، لم يتمكَّن من حلِّها علَّامةٌ جليلٌ كی"السعد التفتازاني" إلا فيما يَقرُب من خمسين صحيفةً، وذلك في "المُقدِّمات
— 19 —
الاثنَتَي عشرة" من كتابه الشهير بی"التلويح"، ولم يُعْلِم بها سوى الخواصِّ؛ بينما "الكلمةُ السادسة والعشرون" التي تبحث في القَدَر بيَّنَت تلك المسائل بتمامها في صحيفتين من المبحث الثاني، ووضَّحَتْها بأسلوبٍ يَبلُغ أفهامَ الجميع؛ فإن لم يكن هذا من آثار العناية الإلٰهية فما هو إذًا؟!
وكذا الطِّلسمُ العويص واللُّغز العجيب الذي حيَّر العقولَ ولم تهتدِ الفلسفةُ إلى حَلِّه، والذي حُلَّ بإعجاز القرآن العظيم الشأنِ، أعني ما يُسمَّى سرَّ خِلْقة العالَم وطِلسمَ الكائنات؛ فقد حُلَّ في "المكتوب الرابع والعشرين"، وفي "النكتة المرموزة" في ختام "الكلمة التاسعة والعشرين"، وفي الحِكَم السِّتِّ لِتَحوُّل الذرّات في "الكلمة الثلاثين"؛ فهذه الرسائل قد حَلَّت طِلسمَ الفعالية المحيِّرة في الكائنات، وبيَّنت مُعَمَّى خِلْقةِ الكائنات وعاقبتِها، وكشَفَت سرَّ حكمةِ الحركات في تحوُّلات الذرَّات؛ وهي رسائلُ مُتاحةٌ متداوَلة.
وكذا وحدةُ الربوبية من غير شريكٍ بسرِّ الأحديّة، وحقائقُ القُرْبيّةِ الإلٰهية بلا نهاية، مع بُعْدِيَّتِنا نحن بلا نهاية؛ وهي حقائقُ تُثير الحَيرةَ، قد بيَّنتْها بوضوحٍ تامٍّ كلٌّ من "الكلمةِ السادسة عشرة" و"الكلمةِ الثانية والثلاثين"؛ بينما تكفَّل بالكشفِ عن سرِّ الوحدةِ العظيمِ وأبانَ عنه "المكتوبُ العشرون" مع مُلحقِه ذي التمثيلات الثلاثة، عند بيان كلمة وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وهو المكتوب الذي أظهر بكمال الوضوح أن الذرَّات تتساوى مع السيارات بالنسبة للقدرة الإلٰهية، وأن إحياءَ جميعِ ذوي الأرواح في الحشر الأعظم سهلٌ على القدرةِ الإلٰهية سهولةَ إحياءِ نفسٍ واحدة، وأن دخول الشِّرك في خلقِ الكون بعيدٌ عن العقل بدرجة الامتناع.
ثم على الرغم من أن في الحقائق الإيمانية والقرآنية سَعةً يَعجِز أن يُحيط بها أعظمُ ذكاءٍ بشري، إلا أنها ظهَرَت بأَكثريَّتها المُطلَقة وبدقائقها لدى رجلٍ مثلي مُشتَّتِ الحال مشوَّشِ الذِّهن، يؤلِّف بسرعةٍ في ظروفٍ حرِجةٍ دون مراجعة كتاب؛ فليس ظهورُها هذا إلا أثرًا مباشرًا للإعجاز المعنويِّ للقرآن الحكيم، وجَلوةً من جَلَوات العناية الربانية، وإشارةً غيبيةً قوية.
— 20 —
الإشارة الرابعة:
لقد أُحسِن إلينا بخمسين أو ستِّين (٭): قد بلغت اليوم المئة والثلاثين. رسالةً على هذا النحو، فهي ليست تآليفَ من النوع الذي يقوم به جماعةٌ من أهل التدقيق والذكاء العالي بهمَّتهم وسعيِهم، فضلًا عن أن تكون تآليفَ شخصٍ مثلي لا يَشغَلُ وقتَه بِكَدِّ الفِكر، بل يتتبَّع سُنُوحاتِ قلبه ولا يجد وقتًا للتدقيق؛ مما يُظهِر بوضوحٍ أنها أثرُ عنايةٍ مباشَرة؛ ذلك أن جميع الحقائق العميقة تُدَرَّس في هذه الرسائل لأدنى طبقات العوامِّ والأُميِّين من خلال التمثيلات، في حين أن كبار العلماء يقولون عن معظم هذه الحقائق: إنه لا سبيل لإفهامها؛ فلا يعلِّمونها للخواصِّ فضلًا عن العوامِّ.
إن هذه التسهيلاتِ العجيبةَ وسهولةَ البيان البالغةَ درجةَ تعليم أبعد الحقائق بأقرب أسلوبٍ لأدنى طبقات العوامِّ، قد جَرَت على يدِ شخصٍ مثلي قصيرِ الباع في التركية، مُستَغلِقِ الكلام لا يُفهَم كثيرٌ منه، حتى لقد اشتَهَر عنه في السابق أنه يُعقِّد الحقائقَ الظاهرة، وصَدَّقَت مؤلَّفاتُه القديمة هذه الشُّهرةَ السَّيِّئة!! فلا ريب أن هذا لا يُمكن أن يكون ثمرةَ براعة هذا الشخص بحال، وإنما هو أثرُ العناية بلا شكّ، وجَلوةٌ من جَلَوات الإعجاز المعنويِّ للقرآن الكريم، وانعكاسٌ وتجلٍّ للتمثيلات القرآنية.
الإشارة الخامسة:
رغم انتشارِ الرسائل انتشارًا عامًا واسعًا بين الجميع، ورغم مطالعتها وقراءتِها من قِبَل طبقاتٍ وطوائفَ شتَّى من الناس، بدءًا من أكبر عالِمٍ وصولًا إلى أدنى عامِّيٍّ، وبدءًا من أكبر وليٍّ من أهل القلوب وصولًا إلى أشد الفلاسفة المُلحِدين عنادًا، بل رغمَ تلقِّي البعضِ شيئًا من صفَعاتِها؛ إلا أنها لم تُنتَقَد، بل استفادت منها كلُّ طائفةٍ بحَسَب درجتها؛ وهذا ليس إلا كرامةً قرآنيةً وأثرَ عنايةٍ ربانيةٍ مباشَرة.
وكذلك فإنَّ إملاءَ هذا النوع من الرسائل التي لا تتحصَّل إلا بعد مزيد تدقيقٍ
— 21 —
وتمحيصٍ، وتأليفَها بسرعةٍ عجيبةٍ في ظروفٍ من الشدة والانقباض تُشوِّش فهمي وإدراكي، ليس إلا إكرامًا ربانيًّا وأثرًا من آثار العناية.
نعم؛ يعلم أكثرُ إخواني ومعظم أصحابي مِن حولي وكذا النُّسَّاخُ، أنَّ الأجزاء الخمسة من "المكتوب التاسع عشر" قد أُلِّفت في بضعةِ أيامٍ بما مجموعُه اثنتا عشرة ساعةً دون مراجعةِ كتابٍ، حتى إن أهمَّ أجزائه یی أعني الجزء الرابع الذي أظهر خاتم نبوةٍ جليًّا في كلمة الرسول الأكرم (ص) یی قد أُلِّف إملاءً من الذاكرة في حوالي أربع ساعات بين الجبال وتحت المطر؛ ويَعلمُون كذلك أن رسالةً دقيقةً مُهِمّةً كی"الكلمة الثلاثين" أُلِّفت في أحدِ البساتين في غضون ستِّ ساعات؛ وكذلك "الكلمة الثامنة والعشرون" أُلِّفت في زمنٍ لا يتجاوز الساعتين في بستان "سليمان"، وهكذا كان الأمر في معظم الرسائل.
ويعلمُ أصدقائي المُقرَّبون أنني منذ القديم متى كنتُ مُنقبضًا أو في شِدّةٍ، أعجِزُ عن بيانِ أوضح الحقائق، بل أُصبح كمَن يجهلُها، خصوصًا إذا أُضيف إلى هذا المرضُ، فيمنعني حينئذٍ من الدَّرس والتأليف؛ والحالُ أن أهمَّ "الكلمات" والرسائلِ الأخرى قد أُلِّفت بأسرعِ وجهٍ في أقسى ما عانيتُ من أوقات الشِّدّة والمرض؛ فإن لم يكن هذا عنايةً إلٰهيةً مباشرةً وإكرامًا ربانيًّا وكرامةً قرآنية فما هو إذًا؟!
ثم إن أيَّ كتابٍ مهما كان، إذا تناول مثلَ هذه الحقائق الإلٰهيةِ والإيمانيةِ بالبحث، لا بدَّ أن تعود بعضُ مسائله بالضرر على بعض الناس، ولهذا لا تُنشَر كلُّ مسائله لكلِّ أحد؛ أما هذه الرسائل فإنها حتى يومنا هذا لم تُلحِق ضررًا بأحد، كأنْ تُشوِّش الأذهانَ أو تَتْرُك أثرًا سيِّئًا أو تَرتدَّ بنتائج عكسية، ولقد سألتُ الكثيرين عن هذا الأمر؛ وتَحقَّق عندنا أن ذلك عنايةٌ ربانيةٌ وإشارةٌ غيبيةٌ مباشرة.
الإشارة السادسة:
لقد بتُّ اليوم على يقينٍ أنَّ حياتي قد خُطَّ لها مسارٌ بشكلٍ غريب، ومَضَت بمُعظمِها خارجَ اختياري واقتداري وشعوري وتدبيري، كي تُثمِر هذا النوعَ من
— 22 —
الرسائل التي تخدُم القرآن الحكيم؛ حتى لَكأنَّ حياتي العلميةَ جميعَها كانت بمثابةِ مقدِّماتٍ تُمهِّد لإظهارِ إعجاز القرآن من خلال "الكلمات".
بل إنَّ ما جرى في هذه السِّنين السبع من نفيي وغربتي، وعَزلي عن الناس تعسُّفًا بما يخالف رغبتي، وقضائي أيامَ حياتي وحيدًا في قريةٍ خلافًا لمشربي، وتَركي بل نفوري من الكثير من روابطِ وقواعدِ الحياة الاجتماعية التي أَلِفْتُها منذ القديم، كلُّ ذلك لم يُبْقِ لديَّ شبهةً في أن ذلك إنما كان لأجل تأدية هذه الخدمة القرآنية المباشرة بصورةٍ صافيةٍ خالصة.
بل أعتقدُ أن خلف ستار هذا الأذى الذي توالى عليَّ كثيرًا، والاضطهادِ الذي نزل بي ظلمًا، يدَ عنايةٍ تَبلُوني به برحمةٍ كي أَحصُر فكري في أسرار القرآن، ولا أُشتِّت نظري فيما عداه.
وعلى الرغم من أنني كنت منذ القديم شغوفًا بمطالعة الكتب، إلا أنني استشعرتُ في روحي مجانبةً وامتناعًا عنها جميعًا، ولقد فهمتُ أن الأمر الذي جعلني أترك المطالعة یی مع أنها مبعثُ أُنسٍ وسُلوانٍ لي في هذه الغربة یی ليس إلا لتكون الآياتُ القرآنية وحدَها أستاذي المطلَق.
ثم إن أغلب هذه الكتبِ والرسائلِ المؤلَّفة قد أُحسِن بها إليَّ إحسانًا مباشَرًا لحظةَ تأليفها لحاجةٍ تولَّدت في روحي دون سببٍ خارجي، ثم لمّا عرَضتُها على بعض أصحابي قالوا: إنها دواءٌ لجِراح هذا الزمان، وبعد أن انتشَرَت، فَهِمتُ من أكثر إخواني أنها تلبِّي حاجات هذا الزمان وتعالج أدواءَه.
فمجرياتُ حياتي، وهذه الحالات المذكورة الخارجة عن شعوري واختياري، وتتبُّعي لأنواع العلوم الذي جرى على خلاف عادتي وبغير اختياري، لم تُبقِ لديَّ شبهةً في أنها كانَتْ إكرامًا ربانيًّا وعنايةً إلٰهيةً قويةً كي تُفضيَ إلى مثل هذه النتيجة القدسية.
الإشارة السابعة:
لقد شاهدنا بأعيننا یی خلال هذه السنوات الخمس أو السِّتِّ من خدمتنا یی آثارًا للإكرام الإلٰهي والعناية الربانية والكرامة القرآنية تنوف یی دون مبالغة یی على المئة؛
— 23 —
ولقد أشرنا إلى بعضها في "المكتوب السادس عشر"، وبيَّنَّا بعضَها الآخَر في المسائل المتفرِّقة للمبحث الرابع من "المكتوب السادس والعشرين"، وفي المسألة الثالثة من "المكتوب الثامن والعشرين"؛ وهي آثارٌ يعرِفها أصحابي المقرَّبون، كما يعرفها ويعرف غيرَها صاحبي الملازمُ لي "سليمان أفندي".
كما أننا عند قيامنا بنشر "الكلمات" والرسائل، أو تصحيحها أو ترتيبها أو تسويدها أو تبييضها، نغدو مَظهَر تسهيلاتٍ لا تخطر بالبال على وجه الخصوصِ، فلم تَبْقَ لدينا شبهةٌ في أنها كرامةٌ قرآنيةٌ؛ والأمثلة على هذا تَبلُغ المئات.
وكذلك الأمر بخصوص معيشتنا، فإن أمورَنا تُدار برحمةٍ عجيبةٍ، حيث إن صاحب العناية الذي يستخدمنا يُحسِن إلينا إحسانًا لا يخطر بالبال، تلبيةً لأدنى رغباتِ قلوبنا.
وهكذا؛ فهذه الحال إشارةٌ غيبيةٌ في منتهى القوة إلى أننا قد أُقمنا في الخدمة القرآنية، وأننا أداةٌ لها تحت العناية في دائرة الرضا.
الحَمْدُ لله؛ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي
سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
اللَّهم صَلِّ على سيدنا محمدٍ صلاةً تكون لك رضاءً ولحقهِ أداءً، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا آمين
٭٭٭
— 24 —
جوابٌ على سؤالٍ خاصّ
هذا سرُّ عنايةٍ كان قد كُتِبَ للتداول الخاصّ منذ القديم، وأُلحِق بختامِ "الكلمةِ الرابعةَ عشرة"، غير أن أكثر النُّساخ قد نَسُوه بطريقةٍ ما فلم يكتبوه، ما يعني أن موضعَه اللائق والمناسب إنما كان هنا، ولأجل هذا خَفِيَ عليهم.
تسألني: لماذا يوجد في "الكلمات" التي استَقيتَ تأليفَها من القرآن من القوّةِ والتأثيرِ ما لا يكادُ يوجد في كلام المُفسِّرين والعارفين؟ حتى إنَّه قد يُوجَد في سطر واحد من القوة ما يضاهي صفحة، ويُوجد في صفحة من التأثير ما يضاهي كتابًا!
فالجواب (وهو جواب رائع): بما أن هذا الشرف يعود إلى إعجاز القرآن لا إليَّ، فإنني أقول بلا حرج: إن هذا حالُ معظم "الكلمات"، إذ هي تصديقٌ لا تَصَوُّر؛ وإيمانٌ لا تسليم؛ وشهادةٌ وشهود لا معرفة؛ وتحقيقٌ لا تقليد؛ وإذعانٌ لا التزام ؛ وحقيقةٌ لا تصوُّف؛ وبرهانٌ ضمن الدعوى لا مجرَّد دعوى.
وحكمةُ هذا السِّرِّ أن الأُسُسَ الإيمانية كانت محفوظةً مَصُونةً في السابق، وكان التسليمُ قويًّا، وكانت معارف العارفين وبياناتُهم في الفرعيات مقبولةً كافيةً وإن كانت بلا دليل؛ لكن لمّا مَدَّت الضَّلالةُ العلمية في هذا الزمان يدَها إلى الأُسُس والأركان، فإن الحكيم الرحيم ذا الجلال یی وهو المُحسِن المتفضِّل بالدواء الناجع لكلِّ داء یی قد أحسَنَ إلى مؤلَّفاتي العائدةِ لخدمة القرآن، وتفضَّلَ عليها بشُعلةٍ من ضربِ الأمثال التي هي أَسطَعُ مظاهرِ إعجازه، رحمةً منه بعجزي وضعفي وفقري واحتياجي.
فأحمدُ الله أنه بمنظارِ ضربِ الأمثال قُرِّبَت أبعدُ الحقائق.
وبجهةِ الوحدة في ضربِ الأمثال جُمِعَتِ المسائلُ المتفرِّقةُ غايةَ التفرُّق.
وبسُلَّمِ ضربِ الأمثال يُسِّرَ الوصولُ إلى أعلى الحقائق.
— 25 —
وبنافذةِ ضربِ الأمثال حَصَل يقينٌ إيمانِيٌّ بالحقائق الغيبيّة والأُسُس الإسلامية قريبٌ من الشهود.
فاضطَرَّ العقلُ للتسليم، وسَلَّم معه الخيالُ والوهم؛ بل حتى النفسُ والهوى؛ وألقى الشيطان سلاحَه راغمًا.
والحاصل أنه حيثما وُجِد في مؤلَّفاتي جمالٌ وتأثيرٌ فإنما هو من لَمَعاتِ التَّمثيلات القرآنية، وإنما نصيبي الطلبُ مع شِدّة احتياجي، وتضرُّعي مع غاية عجزي؛ فالدّاءُ دائي والدَّواءُ دواءُ القرآن.
٭٭٭
— 26 —
باسمه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
مقدمة
ثمّةَ فِقراتٌ مُقتطَفةٌ من رسائل "خلوصي بك" و"صبري أفندي" المُدوَّنة حولَ رسائل النور، أُدرِجت ضِمنَها على صورة رسائل لأسبابٍ خمسة:
الأول: أمّا خلوصي: فإن عزمه وجِدِّيتَه كانا أهمَّ أسباب تأليف "الكلمات" التي كُتبَت مؤخَّرًا وغالب "المكتوبات"؛ بينما كان شوقُ صبري ولَهفتُه الجادّة السَّببَ في تأليف "المكتوب التاسع عشر" الذي يشكِّل ثلثَ "المكتوبات".
السبب الثاني: أنهما لم يَتَوقَّعا أن تُنشَر هذه الفِقراتُ يومًا ما؛ لذا اتَّسَمَت كتاباتُهما المُعبِّرة عن أذواقهما ومدى أشواقِهما لتلك الحقائق بغاية الخصوصيّة والصِّدق والإخلاص والبُعدِ عن التَّصَنُّع؛ ولأجل هذا فإنَّ ما صدر منهما من إعجاب وتقديرٍ لم يأتِ من قَبِيل التقاريظِ المعتادة، وإنما هو تعبيرٌ صادقٌ غيرُ مبالَغٍ فيه عمّا شاهدوه وتذوَّقوه من حقائقَ.
السبب الثالث: أنَّهما من طلابي الحقيقيِّين وأصحابي الجادِّين، وقد نالا المرتبةَ الأولى من بين سائر أصحابي في التحلِّي بثلاث خصائصَ لا بدَّ من الاتِّصاف بها للعاملين في الخدمة القرآنية: أخًا، أو طالبًا، أو صاحبًا؛ وتلكم الخصائص هي:
الخصيصة الأولى: أنهما يَعُدّانِ كلَّ شيءٍ يرجِعُ لي كأنَّه لهما أيضًا، فإذا أُلِّفت "كلمةٌ" یی مثلًا یی فإنهما يَشعُرانِ بأذواقٍ عاليةٍ كأنهما هما من كتَبَها وألَّفها، ويَحمَدانِ الله على ذلك؛ فهُما بحُكم وارِثَينِ لي حقيقيَّينِ معنويَّينِ، يحملانِ روحًا واحدة حلَّت في جسدين.
الخصيصة الثانية: أنهما يُؤمِنانِ أن أهمَّ المَقاصدِ وأجلَّها من بين عموم مقاصد الحياةِ: خدمةُ القرآن الكريم بواسطة "الكلمات" النُّوريّة؛ ويَعُدّانِ خدمةَ الحقائقِ
— 27 —
الإيمانيةِ أعظمَ الثِّمارِ الحقيقية للحياة الدنيوية، وأشرفَ الوظائفِ الفِطريّة للقادمين إلى الدنيا.
الخصيصة الثالثة: أنهما يُعانيانِ جراحًا مثلَ جراحي، ويُحاوِلانِ علاجَها بمثل الأدوية التي جرَّبتُها على نفسي واستخلَصتُها من صيدليّة القرآن المُقدَّسة؛ وهما في الوقت ذاتِه يَمتلِكانِ رغبةً عالية وعزيمةً ساميةً على الحفاظ على إيمانِ ذوي الإيمان، ويَحمِلانِ أعلى درجاتِ الشَّفَقة التي تَدفعُهما لمُداواةِ جِراح قلوب المؤمنين الناشئة من ورود الشُّبُهات والأوهام.
السبب الرابع: أنَّه بعد وفاةِ ولدي المعنويِّ الوحيدِ ومَبعَثِ سُلواني ووارِثي الحقيقيِّ: ابنِ أخي "عبد الرحمن"، الذي كان من المُتوقَّع أن يغدوَ صاحب عبقريّة نورانيّة؛ حَلَّ محلَّه تمامًا "خلوصي بك"، وأخذ يُؤدِّي الخِدماتِ التي كنتُ أنتظرُها من المرحوم حقَّ الأداءِ.
وقبل لقائي به بمدّة طويلة، كنتُ حينما أُؤلِّف "الكلمات"، أشعرُ كأنني أُخاطِبُ شخصًا معنويًّا يؤدِّي الوظيفة نفسَها التي يقومُ بها خلوصي، لذا جاءت غالبية الأمثلة والتمثيلات بحَسَب وظيفته ومسلكِه، فكأنَّ الحقَّ سبحانه عيَّن هذا الشخص طالبًا مُعِينًا لي في خدمة القرآن والإيمان، فكنتُ دونَ سابقِ لقاءٍ ومعرفةٍ أتحدَّثُ معه وأُخاطبُه وأُملي عليه الدُّروسَ.
أمّا صبري، فإن لديَّ علامةً فارقةً فطريّةً تَخُصُّني، لم أجدها عند أحدٍ غيرِه في جميع الأماكن التي تجوَّلتُ فيها، فهو يحمل العلامةَ الفارقة ذاتَها، وقد أحسَّ في نفسه یی مِن بين سائر طلابي یی بصِلةِ قُربى تفوق قَرابةَ النَّسَب.. ولم أَكُن أتوقَّعُ منه الكثيرَ من الإنجاز في هذه المَنطِقة، إلا أنَّه سبق الجميعَ بتيقُّظِه رغمَ أنه تنبَّه مُتأخِّرًا، وهذه إشارةٌ إلى أنه شخصٌ مُنتَخَبٌ، اختِيرَ من قِبَلِ الحقِّ سبحانه طالبًا وصاحبًا لي في خدمة القرآن، وأنه بمثابة "خلوصي الثاني"..
السبب الخامس: أنني لا أقبلُ الثناء والمدح المُوجَّهَ لشخصي، فقد عانيتُ من ذلك أضرارًا معنويةً بالغةً، ولأجل هذا بِتُّ أخاف وأنفر مِنه وأتجنَّبُه بشِدّة، خشية أن
— 28 —
يُصبحَ مَدعاةً للفخر والغرور؛ إلا أنني من جهة كوني دلَّالًا للقرآن الحكيم وخادمًا له، ومن مُنطلَقِ هذه الوظيفة السّامية، فإنَّ التقدير والمَدحَ في هذه الحالة لا يَنصَرِفُ إلى شخصي، وإنما إلى تلكم "الكلماتِ" المُنوَّرة، بل إلى الحقائق الإيمانية والأسرار القرآنية مُباشَرةً، لذا أتقبَّلُ ذلك التقديرَ والمدحَ لا مُفتَخِرًا، بل من قبيلِ شُكرِ الحَقِّ سبحانه على ذلك.
وهكذا، فلأنَّ هذين الشخصين هما أكثرُ من أدرك هذه الحقيقة، فقد أصبح ما سجَّلاه من تقديرٍ ومديحٍ، بدافعٍ وجدانِيٍّ ودُونَ سابقِ علمٍ منهما، سببًا لإدرجه ضمن أجزاء رسائل النور.
نسألُ الحقَّ سبحانه أن يزيد من أمثالهما، وأن يوفِّقَهما ولا يَصرِفَهما عن جادّة الحقِّ.. آمين.
اللَّهُمَّ وفِّقنا وإيَّاهُما وأَمثالَهُما مِن إخوانِنا لِخِدمةِ القُرآنِ والإيمانِ كما تُحِبُّ وتَرضَى، بحَقِّ مَن أَنزَلتَ عليه القُرآنَ، عليه أفضَلُ الصَّلاةِ وأتمُّ التَّسلِيماتِ، ما اختَلَفَ المَلَوانِ، وما دارَ القَمَرانِ.
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭
— 29 —

المكتوب السابع والعشرون

وذيوله
هو المكتوب السابع والعشرون للكلمة الثالثة والثلاثين، وهو عبارة عن فِقراتٍ مُقتطَفةٍ من الرسائل الخاصة التي كتبها المُخاطَبُ الأوَّل لمكتوباتِ النُّور: "خلوصي بك"، يُعبِّر فيها عن تقديرِه لرسائل النور.
أمّا القسم الثاني من هذا المكتوب یی أي: ذيلُه یی فهو أيضًا مجموعةُ فِقراتٍ مُقتطَفةٍ من الرسائل الخاصة التي كتبها "صبري أفندي" الذي استحقَّ لَقَبَ "خلوصي الثاني"، يُعبِّر فيها كذلك عن تقديرِه لرسائل النور.
(٭): أقرَّ أستاذنا في بادئ الأمر المكتوب السابع والعشرين بهذا الشكل، إلا أنه وسَّعه فيما بعد بإضافة الذيل الثاني والثالث والرابع، ثم أدخلَ في صيغته النهائية لاحقتي "قسطموني" و"أميرداغ"، فاكتمل بذلك المكتوب السابع والعشرون.. وبهذا الاعتبار فإن رسائل خلوصي بك وصبري أفندي تُشكِّلان بداياتِ هذا المكتوبِ. (المعدُّون)
٭٭٭
— 30 —
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
باسمه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته بعدد ذرَّات الكائنات أبدًا.
(فقرة خلوصي الأولى):
أُستاذي الموقَّر..
أَوَدُّ أن أتحدَّث إليكم بعفوية وواقعية ودونما تكلُّف، ولستُ من ذوي الشأن الرفيع الذين يَبتهجُون برؤية أنفُسِهم فُقَراءَ عاجزين؛ ولقد تفضَّلتُم بمخاطبتي بأوصافٍ شتَّى كی"طالبي" و"أخي" و"ابن أخي"، وإنني أمرُّ اليوم بحالة مضطربة، وفي أشدِّ الحاجةِ لِدُعائِكم.
في سبيل بيانِ أنَّ القرآنَ المُعجِزَ البيانِ حقٌّ وحقيقةٌ، اقتضَتِ المشيئة الإلٰهيّة إظهارَ بعض لَمَعاتِه النورانية أمامَ البَشَر في هذا العصر، لا سيَّما الفِرَقِ الضّالةِ منهم؛ وقد غدا أستاذي الموقَّرُ یی بحمد الله یی واسطةَ هذه المُهِمّة الجليلة.
وإنه من لُطف اللهِ وفضله وجميلِ عنايتِه أن شرَّف طالبَكم یی هذا اللاشيءَ یی بخِدمةٍ جزئيةٍ لأستاذه المحترم الذي يؤدِّي مُهِمّةً جليلة في سبيل القرآن الكريم؛ فمهما حَمِدتُ الله على ذلك كنتُ مقصِّرًا؛ وليس لي حقُّ الافتخارِ ولو بمقدار ذرة، بل على العكس من ذلك: أتضرَّع وأرجو الصفح عن خطاياي وتقصيري في حقِّ القيام بوظيفة الخدمة.
صحيحٌ أنه لا معنى للتَّعرِيف بشخصي المُسيء، لكن إنَّما صدَّعتُ رأسكم بعضَ الشيء تحت حجاب الحياء لِما لَقِيتُ منكم من تفاعلٍ طيِّبٍ أثناء مراسلاتي لكم ولقائي بكم وسوى ذلك من الأمور.
— 31 —
وإزاءَ إصراركم على جوابي بخصوص السؤالين الواردين في رسالتيكم الأخيرتين، أقول: سَمعًا وطاعة.
فأمّا سؤالكم الصعبُ، فلكي أُجيبَ عليه إجابةً تُوافق الحقَّ وتُطابقُ الحقيقةَ، ليس لي یی وأنا المُثقَلُ بأعلى درجات الفقر والعجز یی إلّا الِالتجاءُ إلى العناية الإلٰهية، وطلبُ المَدَدِ من الروحانيّة النبويّة (ص).
ما من شَكٍّ ولا شُبهةٍ أنَّ "الكلمات" المباركة لَمَعاتٌ نورانية لحقائق القرآن المبين، ورغم افتقارِ بعض مواضعِها إلى الإيضاح والشرح، إلا أنها لا تحتوي یی عمومًا یی على عيب أو نقص، وبإمكان أي فردٍ من أفرادِ البشر على اختلافِ طَبَقاتِهم أن ينالَ حَظَّه ويَستفيدَ منها بحَسَبِ مستوى فَهمِه الفطري؛ وأبرزُ دليلٍ على صوابِ دعوانا ما حظِيَت به "الكلمات" من استحسانِ أربابِ المسالك والمشارب والمذاهب المختلفة، وعَدمُ انتقادِها من أحدٍ حتى اليومِ، وعَجْزُ أَلسِنةِ الملحدين عن أن تطولَها بالنقد، بل وُقُوفُهم أمامها كالبُكمِ.
وأسوقُ هنا بعضَ البراهينِ التي تؤكِّدُ استمرارَ وظيفتِكم وعدمَ انتهاءِ مُهِمَّتِكم:
أوَّلًا: ما ورد في الحديث الشريف من الزجر والتحذيرِ من سكوتِ العلماء عن الحقِّ في الزمن الذي تَكثُر فيه البِدَعُ.
ثانيًا: بما أنَّكم مُكلَّفون باتِّباع نبيِّنا (ص)، فإنكم مُضطرُّون للاستمرار في الوظيفة حتى نهاية عُمُرِكم، أُسوةً به (ص).
ثالثًا: ما دامَت هذه الخدمة غيرَ خاضعةٍ لمحضِ رأيكم، بل أنتُم تُستَخدَمون فيها؛ فإنِّي على قناعة أنَّ وظيفة أستاذنا الموقَّر إذا ما تمَّت فإنه سيُعلَّم بذلك، مثلَما أُبلِغَ يومًا مبلِّغُ القرآن وفخرُ العالمين وحبيبُ الله (ص) بالقولِ: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ إشارةً إلى ختامِ وظيفتِه وتمامِ رسالته.
— 32 —
رابعًا: إن الصَّمت تجاهَ "الكلمات" إلى يومنا هذا، وعدمَ اجتراء أحدٍ على نقدِها، لا يعني بقاءَها في معزِلٍ عن الطعن والانتقاد حتى النِّهاية؛ فالهَجَماتُ المُحتَملُ وُقُوعُها وأنتم على قيد الحياة تستدعي نهوضَكم للتَّصدِّي لها بشكل شخصيٍّ وأساسيٍّ.
خامسًا: لو أردتُم نِسيانَ الدنيا، ولم يتبقَّ مِمّا يربطكم بها سوى أسئلةِ أولئك الأشخاصِ المُتَعلِّقين بی"الكلمات" المباركة، فليس لكم أن تتخلَّوا عنهم وتتركوا أسئلَتَهم دون إجاباتٍ وإيضاحاتٍ بشأنِها.
سادسًا: إنَّ كتاباتِكُم المُباركة الموجَّهة لمُحبِّيكم في الله، وأجوبتَكم لِمَن طلب منكم إيضاحَ بعض الأمور، وكذا ما ينطوي عليه مجلسُكم العِلميُّ من المسائلِ المُتنوِّعة التي لم تُدرَج في عدِاد "الكلمات"، كلُّ ذلك يؤكِّدُ دوامَ الحاجة، وأنَّ الخِدمةَ لمّا تَنتَهِ بعدُ.
مُتفرِّقات: حينما أَقرَأُ "الكلمات" النُّوريّة مع الجماعة، تتولَّدُ لديَّ بعضُ الانطباعات والأحاسيس، فأَرغبُ بعرضِها عليكم إن إذِنتُم بذلك:
أوَّلًا: عندما أتناول القلمَ لِأَكتب إلى أستاذي المحترم بعض الأمور، أشعر بانشراحٍ كبيرٍ في روحي، وأَجِد قلمي یی دونَ اختيارٍ مني یی يتحوَّلُ إلى تَرجُمانٍ لمشاعري في تلك اللحظة.
ثانيًا: يُراودُ فكري الخاطرُ التالي: إن قرَّر الجميعُ دسَّ رُؤُوسِهم في الظلام لِيأمَنُوا حِيَلَ عَدُوِّهم الأكبر: النَّفسِ الأَمّارة، وليتجنَّبوا مكرَ شياطين الإنس والجانّ، وآثروا أو رغبوا بالزَجِّ بأنفسِهم في زوايا النسيان، وتعرَّضت البشرية والعالمُ الإسلاميُّ للإعراض والإهمال في زمن من الأزمان، ولم يَبقَ أحدٌ يرغب بإفادة أحد، فإنني سأظلُّ محافظًا على تبليغِ إخواني في الدِّين هذه الحقائقَ النُّوريّة، لعلَّ الحقَّ سبحانه يُعاملني بما يليق بمقام أُلوهيَّتِه.. وأرى من المفيد جدًّا صرفَ النَّظَر عن نفسي في تلك الأزمنة التي تسوقني إلى هذا التفكير؟!
— 33 —
ثالثًا: لماذا أُدخِلَ اسما "الرحمٰن" و"الرحيم" من بينِ جميعِ الأسماء الحسنى ضِمنَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ؟ هل لأنَّهما في المرتبة العُظمى أم ثمّةَ سببٌ آخَرُ؟ ورد هذا على قلبي في أثناء كتابتي هذه الرسالة، وعزمتُ على سؤال الأستاذِ عنه.
أستاذي العزيزَ الموقَّرَ، لسنا وحدنا المُحتاجين إلى وجودكم، بل جميع العالم الإسلامي، فلقد صرتُم وسيلةً لظهور "الكلمات" السّامية التي لَمَعَت ونَبعَت مِن القرآن المُبِين، وقوَّت إيمانَ المؤمنين، وأيقَظَت صنوفَ الغافلين، وأنارَت سَبِيلَ الهداية للضّالِّين، وتركَتِ الحُكَماءَ والفلاسفة في ذهولٍ حائرين.
نسأل الحقَّ سبحانه أن يديم على أستاذنا العزيز صحَّتَه وعافيتَه، وأن يجعلَه ذخرًا للأُمّة المُحمَّدية.. آمين بحُرمة سيِّد المرسلين.
خلوصي
٭٭٭
أَعرِضُ عليكم جانبًا من تأثُّري البالغ بمكتوبكم هذا من بين "مكتوبات رسائل النور":
مزيدُ الشكرِ لله تعالى على دوامِ صِحَّتِكم وعافيتكم..
وعزَّز أملي وجودُ أولئك الأشخاصِ الذين يطلبون إيضاحاتٍ حول هذه المسائل..
وزادني معرفةً في ميادين الحقيقة ما نهلتُه من فيض عِلمِكم..
وتجاوزتُ ما قد يعتريني من فتورٍ بحَسَبِ الطبيعة البشرية..
واستَعَدتُ صِحَّتي بالأدوية التي قدمتم لي من صيدلية القرآن بعد أن كنتُ واحدًا من طلابكم المرضى.
وتعزَّزت قدراتُ الأجهزة المناعية لديَّ بالأغذية التي اخترتم وتفضَّلتم بها من مطبخ القرآن.
— 34 —
وبعد أن عرَّفتَني مراتبَ الحياة الخمس، وعلَّمتَني أن الموت ما هو إلّا كيفية اعتبارية، وأَقرَرتَ في جَناني أن تصوُّرَ الإعدامِ الأبديِّ غيرُ مُمكِن قطعًا؛ بشَّرتَني بدوامِ المحبّة في الله ضمن مراتبِ هذه الحياة، وباستمرارها في الحياة الأبدية، وإثمارِها قِطافًا دائمةً، فنلتُ بذلك عُمُرًا أبديًّا مديدًا ببركة صحبتكم.
مُحيّاكم لا يُفارق مخيِّلتي، وبالثناء عليكم والدعاء لكم يلهجُ لساني، لقاءَ ما أَبدَيتُم من حرص على تعليم طالبكم وأخيكم المسكين المشتاق دومًا بعضًا ممّا نلتم بعناية الحق سبحانه من إظهار معاني الفيوضات القرآنية غير المتناهية، وخزائنه التي لا تنضب.. وإن ما تخصُّني به من الأدعية التي تُهديها ضمنَ رسائل النور كافٍ لتذكيري بأستاذي في كل يوم وفي كل وقت.
الحمد لله هذا من فضل ربي
٭٭٭
شَرَعتُ مُتوكِّلًا على الله بقراءة رسائل النور بين المغرب والعشاء للزوّار الذين يرتادون المكان الذي خصَّصه والدي لاستقبال ضُيوفِه، وذلك في أول ليلة من وصولي.
أستاذي الحبيب، كما بيَّنتُ لكم مسبقًا، ليس لديَّ هدفٌ معيَّنٌ أعيشُ لِأجله سوى معاونةٍ بسيطةٍ وخدمةٍ متواضعةٍ أُقدِّمُها لِأُستاذي خلال تأديتِه وظيفتَه المعنويةَ دلَّالًا للقرآن الكريم.. وأرجو منكم ألّا تحرِموني من الإفاضات والاستنباطات التي تتلقَّونها من القرآن في خدمة الإيمان والإسلام..
ورجائي أن يُبلِّغَني الحقُّ سبحانه الغايةَ التي أَنشُدُها وأصبو إليها في خدمة رسائل النور ببركة دعائكم المُجابِ، وأن يَختِمَ عُمُري بالإيمان كما أكرم بذلك أخي المرحوم عبد الرحمن، وأن يكتب لي التوفيق والسعادة الأبديّة بجِوار سيِّد العالَمِين ونبيِّنا الكريم محمد المصطفى (ص)، وبصحبتكم وقُربكم أستاذي المحترم.
— 35 —
صحيح أن رسائل النور مؤلَّفاتُكم من حيثُ الظاهر، إلا أنها في الحقيقة فيضٌ من أنوار الفرقان العظيم، تُخاطبون بها البشرية الضالّة المضطربة في هذا العصر بأمر الحق سبحانه؛ مثلَما كان القرآنُ المبين كلامَ الله، وبُعِث سيِّد الكائنات وأشرفُ المخلوقات (ص) ليكون واسطةَ تبليغه للناس.
لذا فإنني على اقتناعٍ تامٍّ بأن الحكيم الرحيم الذي سخَّرَكم لتأليف هذه الأنوار، لن يَتْرُكَها هَمَلًا ويدَعَها عُرضةً للضَّياع، بل سيَبعَثُ من بينِ الفانينَ أصحابًا وحُفّاظًا يُبلِّغونَها ويَنشُرون حقائقَها، بمَراتبَ مُتفاوِتة، ومن حيثُ لا يُحتَسَبُ.
خلوصي
٭٭٭
أجل، إن لي طريقةً جليلةً هي الإسلام، ومَشرَبًا يلقِّنُني معانيَ الفقرِ والعجز بين يديِ الله وحدَه، ودليلًا هو سيِّدُ المُرسَلين (ص)، ومرشدًا هو القرآن العظيم، ووظيفةً كالخدمة العسكرية يبلغ بها المرءُ مقامًا رفيعًا كمرتبة الولاية خلال دقيقة واحدة.
أستاذي، لقد علَّمتَني وعلَّمتَ كلَّ ذي لُبٍّ يُصغي إليك أنَّ «هذا الزمان ليسَ زمانَ الطريقة، بل هو زمانُ إنقاذِ الإيمان.. أَدِّ الصَّلَواتِ الخمسَ بحقِّها، ورَدِّد التسبيحات عقِبَها، واتَّبعِ السُّنّة، واجتنبِ الكبائر السَّبعَ».
فتلقَّيتُ بتوفيق الله هذا الدرس وعمومَ دروسِ رسائلِ النُّور والحقائقَ التي أظهرها أستاذي واستنبطها من القرآن، وأجبتُ بلساني ومن أعماق جَناني: أجل. وكنتُ صادقًا ومصيبًا حين أطلقتُ لقبَ "الأُستاذ" لِأوّلِ مرّةٍ في حياتي على الشخص الذي لقَّنَني درس الحقيقة.
خلوصي
٭٭٭
— 36 —
إن ذيول مكتوبات النور المرسلة هذه المرة جميلة وحسنة وبديعة كسائرِ مثيلاتها، وما من شكٍّ أو شبهة أنَّ هذه المؤلفات ما هي إلّا جَلوةٌ من جلَوات اسم الله الأعظم: "النور"، جاءت لِتُلبِّيَ حاجة العالم وتُلائمَ متطلَّباته الحاليّة؛ وأُؤكِّد ذلك بمثال صغير: لقد تجاوز الملحدون حدَّهم.. مثلًا... إلخ.
ولأجلِ عدمِ الالتفاتِ لهذيان هؤلاء الحمقى وعدم الانخداع بأساليب الاستغفال والعبارات المُزيَّنة ظاهرًا، فإن هذه "الكلمات" التي نتحدَّثُ عنها تُزوِّدُ أربابَ الإيمان بالقوة، وتمنحُهم الثَّباتَ في إيمانهم واعتقادهم، وتطرحُ عنهم رداءَ الهوان، وتُلقِّنُ طائفةَ الطغيان دروسَ العبرة البالغة.
من المُؤسِف أن يظلَّ انتشارُ الأنوارِ في الوقت الحاليّ (حاشية): قبل خمسة وثلاثين عامًا. ضمنَ نطاق محدود وفي دائرة أهل الإيمان فقط! ولعلَّ في ذلك حكمةً إلٰهية.
الصبر مفتاح الفرج... إن الله مع الصابرين
خلوصي
٭٭٭
لقد قرأنا باهتمام وتمعُّنٍ "الموقف الثالث من الكلمة الثانية والثلاثين" أنا وأخي "حقِّي أفندي"؛ والحقيقة أنه يحتوي على معانٍ سامية؛ فلو كان للعبد الفقير حقُّ التعليق لتجرَّأتُ على التَّحدُّث عن النقطة الثانية؛ ولكن أنَّى لصِفرِ اليدين مثلي یی كما هو شأنُه في سائر المواضيع یی أن يتطاوَلَ لذلك؛ ولكنني بخلوص النية وصفاء القلب أقول إجمالًا: إنه نجمٌ لامعٌ يَسطَعُ نورُه على سائر الكلمات.
(سألت الدكتور كمال: كيف وجدت رسالة "المعراج"؟ فأجابني: لا يحتاج المرء ليدرك قيمة هذا المؤلَّف وجليل مكانته سوى أن يكون إنسانًا فحسبُ، فكيف بالمسلم؟!).
خلوصي
٭٭٭
— 37 —
نَحمَدُ الله أن جعلَنا: إخوانَك في الآخرة، وأعوانَك في خدمة القرآن، وأصحابَك في بيان أسراره، كحالِ أصحابِ الكهف؛ وطُلّابَك رغم ضعفِ أهليتنا وعدم كفاءتِنا، وإنَّما هو محضُ لُطفٍ ربانِيٍّ وعنايةٍ صمدانية؛ فلذا نحن عاجزون عن شكرِ هذه النِّعمة الإلٰهية.
خلوصي
٭٭٭
لقد أتممتُ بتوفيق الله تعالى كتابةَ الهديةِ الرمضانية: "الموقف الأول من الكلمة الثانية والثلاثين"، وسأُكمل بقية الرسائل ضمن المُدّة المحدَّدة إن كُتب لي التوفيق الإلٰهيُّ.
إن "كلماتٍ" قيمةً ومنورةً بهذا القدر كان ينبغي استنساخُها بأجودِ الخطوط، بل حتى بماء الذهب، إلا أن أخاكم المسكين هذا ينسخها حسب إمكاناته، فبالكاد تُقرَأ مع رداءة الخط وكثرة الأخطاء؛ ولعلَّ هذا يكون باعثًا لزيادة حمدي وشكري لله؛ ويُحزنني كثيرًا بقائي بعيدًا جسدِيًّا عن توجُّهاتكم وتحياتكم التي تبعثون بها بوسائط شتَّى، وتُدخِلون بها الأُنسَ والسرور إلى قلبي، وبعيدًا عن توجيهاتكم القيمة الثمينة التي تعدُّ بمثابة تفسير لرسائل النور وحواشٍ وذيولٍ قيِّمة.
إلا أنني في الجانب المعنويِّ لا أُفكِّر بهذا الشَّكل، وأبثُّ لنفسي السُّلوان حينما أسعى لِأَجِدَ مُخاطَبًا أقرأُ له الدَّرسَ الذي تلقَّيتُه بعناية الباري سبحانه، وسأحرص على استغلال شتَّى الوسائل في سبيل نشرِ هذه الحقائق دُونَ التفاتٍ إلى عجزي وفقري.
وممّا يؤلم أن الانشغال بالأعمال الدنيوية يُعيقُني إلى حدٍّ ما عن الاشتغال بی"الكلمات" النوريّة التي راقت لي وانجذبتُ فطريًّا نحوها، لكن لا حيلة لي في ذلك.
في كل يوم ينقضي يَظهَر لي وجهُ الدنيا التالف الفاني بشكلٍ أوضح، وتزداد حسرتي على الأوقات التي تمضي في هذه الحياة دون أن أكتسب نفعًا أدَّخرُه للحياة
— 38 —
الباقية السرمدية.. وما عدتُ أحزن كثيرًا لافتراقنا عن بعضٍ صُوريًّا، خصوصًا وقد زَفَّ دَرسُكُم الأخيرُ البُشرى المؤكَّدةَ بالحياة الباقية التي هي أسمى وألذُّ من مُتَعِ هذه الدنيا الفانية.
خلوصي
٭٭٭
يتمنَّى قلبي أن أجيب على كلماتكم العظيمة إجاباتٍ مفصَّلةً بخطِّي الرَّديء التالف، إلّا أنَّ ذلك الأمر يَتعذَّرُ عليَّ، ففضلًا عن قِصَرِ باعي ونقص أهليَّتي وضعف اقتداري، فإن في عهدتي بعضَ الوظائف المادِّية التي تُلزِمُني بالخضوع لتأثيرها، فيبقى فكري منشغِلًا بل حتى مُنهَمِكًا بها، فلذا لن أتمكَّن من عَرضِ حتى خَرَزاتٍ بسيطةٍ في مقابل جواهرِكم المباركة.
وأمّا تقليدي لأسلوبِكم في كثيرٍ من العبارات فيرجِعُ لِسَببَينِ: أوَّلُهما: تعلُّقي الخالصُ بكم، والآخَرُ: قصورُ قلمي؛ إلا أنني أُردِّدُ قولة ذلك الفقيرِ المذكور في المثال الوارِدِ في "الكلمة الرابعة والعشرين" المباركة: أُستاذي الحبيبَ، لو كان بمقدوري واستطاعتي لَكتَبتُ إليكم عباراتٍ مدبَّجةً على غِرارِ تلك "الكلمات" النوريّة، لكنِّي دون ذلك كما لايخفى عليكم، فعاملوني حَسَبَ نيَّتي.
خلوصي
٭٭٭
إن هذا المؤلَّف منوَّرٌ ومكتنِزٌ بالحكم كسائر أترابِه، وسيصبحُ یی بإذن الله، وكما تمنَّيتُم یی علاجًا ناجعًا لمرض اجتماعيٍّ من أمراض الأمة المحمدية الخطيرة.. وقد قرأتُ له حتى اليوم بعضَ الكلمات في مقام التصديق، وبيَّنتُ أنَّ المرادَ الإشارة إلى الكلمات المُستَقاة من نور القرآن مباشرةً؛ وسوف أقرأ المزيد كلما وجدتُ الفرصة سانحة.
— 39 —
وأقفُ اليوم عاجزًا عن حَمدِ الله وشُكرِه تجاهَ ما أغدق عليَّ من نعمه السُّبحانية التي لا تعدُّ ولا تحصى، فبينما كنتُ غارقًا في أوحال الذنوب والآثام، إذا بك یی أستاذي الفاضل یی تُرشِدُني وتُخرِجُني من الظلمات إلى النُّور بفضل الله تعالى ومِنَّته، وذلك من خلال تلك الكلمات النُّورية.
وبينما كنت أُمضِي حياتي في تحرِّي الحقيقة، إذا بالقَدَرِ الإلٰهيِّ يَسُوقُ هذا المِسكينَ العاصيَ قبل خمسة أعوام إلى حضرة الشيخ "محمد كفروي" من أتباع "الشاه نقشبند"، فأدخلني في الطريقة النقشبندية؛ إلّا أنَّني بعدَها وبسبب كسوف عابرٍ ضللتُ طريقي، وطَفِقتُ أتخبَّطُ في الظلمات وبين الأشواك، إلى أن خَرَجتُ بواسطة كلماتكم النوريّة من الظلمات إلى النور، وانتقلتُ من عُبَابِ المخاطر إلى برِّ الأمان، ومن أودية الهلاك إلى ميادين السعادة.
الحمد لله، هذا من فضل ربي
وبما أنكم تقولون: الزمانُ زمانُ إنقاذ الإيمان.
فأنا أقول: على الرأس والعين.
خلوصي
٭٭٭
أقرأُ الرسالة التي أهديتُم لطالبكم المسكين لجاري المُحبِّ لكم غيابيًّا: "فتحي بك".
لقد أثَّر في نفسي أيَّما تأثيرٍ إرسالُكم لي یی على وجه الخُصوص یی رسالةَ "المكتوب التاسع عشر" التي تعلن المعجزة الأحمدية الكبرى من بدايتها حتى نهايتها، فكأنني بُعثتُ إلى الحياة من جديد، وأثارت مُطالَعتُها في نفسي مشاعرَ جيّاشة، ذرفت دموعي لأجلها.
خلوصي
٭٭٭
— 40 —
إن منظومة الحقيقة هذه التي ظهرت وكأنها تأخذ بزمام الأرواح، وتجولُ بهم في سياحة سريعة في فضاء الكون بين الأجرام العلوية، هي مظهريّةٌ عظيمةٌ بالنسبة لنا خاصّة.
وكذا الفقرة التي ظهرت في مقابل فقرة الطريقة النقشية مُتحدِّثةً عن طريق العجز والفقر والشفقة والتفكر، هي أيضًا جوهرةٌ ثمينة وقيمة.
تستحقُّ هذه الكلمات أن تُكتب بماء الذهب، وقد نَسَختُها بخَطِّي الرديء؛ إلّا أنَّ قِيمتَها تَكمُن في كونِها ذكرى لكم من طالب عاجز.
خلوصي
٭٭٭
ثانيًا: سيدي، يا من هو مظهرُ عناية الحق ولطفه في زمن العصيان والطغيان والكفران، والمكلَّفُ بإرشاد الأمة الإسلامية إلى الحقائق الإيمانية.. أَذكُركم یی أنا العبد العاجز الفقير یی على الدوام بكمال الإجلال والاحترام، لأنكم أرشدتمونا والأمةَ المحمدية عمومًا إلى جادّة النور من خلال "الكلمات" النوريّة؛ وأسألُ الله ذا الجلال، الرحيمَ الكريمَ، وأتضرَّع إليه طائعًا أن يحقِّق رغباتكم الدنيوية والأخروية.
خلوصي
٭٭٭
(فقرة أخي):
أقبِّل أيديَكم وأرجو دعاءَكم.. لقد وصَلَت مؤلَّفاتُكم الجديدة إلى هذا العبد المتجافي عن الدنيا والعاجز في نفسه: "عبد المجيد"، لعلَّها تكون أستاذًا قديرًا ومرشدًا
— 41 —
ساميًا؛ فقلتُ في نفسي مستبشرًا: "لَئن كنتُ ضيَّعتُ أُستاذًا يخاطبني مُشافهةً، فقد وجدتُ عدّةَ مُرشِدين معنويِّين".
إنها حقًّا مؤلَّفات نورانيّة مُرشِدة! رضي الله عنكم كثيرًا...
عبد المجيد
٭٭٭
أجل، ثمّةَ جهتان تبعثان السُّلوان في نفسي: الأولى: أننا في مجالسة معنوية دائمة من خلال "الكلمات" التي بين أيدينا، والثانية: إيماننا أن محبَّتنا یی بفضل الباري وعنايته یی في مرتبة "الحبّ في الله".
وبناءً على هذا فإن أعظم هديّة أقدِّمها لكم اليوم والغَدَ: أن أجتهد قَدرَ المُستَطاع في تبليغِ المؤمنين ما تلقَّيناه عنكم من الدروس باسمكم وبالنيابة عنكم، وأن أُحافظَ على المحبة الحقيقية التي منَحَنا اللهُ سبحانه؛ وفي مقابل هذه المحبة الحقيقية أَسألُ الربَّ الرحيم الكريم، أرحم الرحمين وأكرم الأكرمين وأحسن الخالقين، أن يجعلني مظهرًا لثمرتِها المبيَّنةِ في "الموقف الثالث للكلمة الثانية والثلاثين".
وإننا عازمون على المضي قُدُمًا في سبيل الحق والصدق والإخلاص بصحبةِ "حقي أفندي" الذي التقينا به في طريق الإيمان التحقيقي.
خلوصي
٭٭٭
باتت رسالتي الجوابية تشتملُ على ثلاثِ وقَفَات، وذلك لعلاقتها ومشابهتها لسؤالكم الوارد یی هذه المرة یی في هذه الرسالة، ومع الكلمة الثانية والثلاثين المكتوبة مؤخرًا.
— 42 —
ما يعني أن رسائل النور شمسٌ معنوية، وكل كلمة منها تشكِّلُ نجومًا نورانية ذات أحجام مختلفة؛ والكلمة الثانية والثلاثون بمواقفها الثلاثة كوكبٌ نوَّار ضخم مهيبٌ، يتلمَّع فوق سائر النجوم، ويلفتُ إليها الأنظار، وشُعاعٌ مركَّب من النور الخالص، تنظر بتبسُّم لأهل الإيمان، وتُحدِّق بغضبٍ لأحزاب الضلالة، فتُعمي أبصارَهم، وتُوقظ أربابَ الغفلة..
ما الحيلة ولسانُ طالبكم لا يعدُو هذا المقدار من الوصف والتعبير! وأعلم جيدًا أن هذه العبارات الهزيلة لا تليق بتلك الكلمات المباركة.
تسألُنا عن مدى تأثير المقصد الثالث، فأقول، ويوافقني في قولي "حقي أفندي":
إن الحقائق التي فيه لا تُخدش، وليس يحتوي على مواضيع غير لازمة، ولا يُتصوَّر منه أي قيدٍ مُضرّ؛ بل بإمكان كلِّ من يُصغي إليه بإمعان واستجابة أن يُنقِذ إيمانَه بتوفيق الله وهدايته.. ونحن على يقين أنَّنا بهذه الحقائق يمكننا أن نتحدَّى من في أوروبّا من أهل الضلالة بكلِّ ثقة، وأنَّ هؤلاء الضّالِّين الغافلين سيُهزَمُون في مواجهة هذه الحقائق، أو أنهم سيستشعرون سُمُوَّها فينسَحِبُون؛ وربَّما أصرُّوا على عنادِهم في عدم قبولها كحالِ أبي جهل، أو صَمُّوا آذانَهم من هيبتها وفرُّوا من ساحة المواجَهة.
وممّا يُقوِّي اعتقادَنا ويُحقِّق آمالَنا ويُصدِّق ظُنونَنا: إذعانُ المُستمِعين إلى "الكلمات"، والنَّشوة الحاصلة لدى سماعهم لها، وإعجابُهم وتقديرهم لها بحسب استعداد كلٍّ منهم.
خلوصي
٭٭٭
عزائمنا عالية، وأمّا النجاح والتوفيق فمن الله تعالى..
قرأتُ للإخوة الذين يرتادون المضافة حتى "الكلمة الخامسة والعشرين" فقط، ومستمرٌّ إن شاء الله.. ولا أجد فُتورًا في هذا بعد اتِّباعِ أوامركم والتماسِ بركةِ أدعيتكم..
— 43 —
وظيفتي المادية هنا أشدُّ صعوبةً ممّا كانت عليه هنالك، إلا أنَّ اعتمادي على الله في كلِّ أموري يحولُ دون اليأس.. وإنني راغبٌ بكل صدقٍ وإصرار في الاستفادة من الفيوضات التي أُلِّفت بعد مغادرتي ذلك المكان.. وأتضرَّع إلى الحق سبحانه أن يُيسِّر لكم إتمامَ الكلمتين الناقصتين: الثانية والثلاثين، والثالثة والثلاثين.
خلوصي
٭٭٭
آمُل أن أُوفَّق في تبليغ "الكلمات" التي اؤتُمِنتُ عليها إلى الآذان اللائقةِ بسماعها في هذه المنطقة، وذلك بعناية الحق إن شاء الله سبحانه وببركة دعائكم.
أستاذي، لِتَقَرَّ عينُكم، فلن تذهب هذه الأنوار سدًى تحت الأقدام، فإنَّ الخالقَ جلَّ جلالُه الذي وفَّق دلَّال القرآن لاستخراجِها، ونشَرَها أمام أنظار الأنام، سيَنشُرها ويحفظها بواسطة أناس عاجزين أمثالِنا ممَّن لا يُظَنُّ بهم ولا يُتوقَّع منهم الكثيرُ.
وأمّا أولئك الذين يؤدُّون وظيفة الخدمة ولسانُ حال أحدهم يقول: "إنَّما كسبتُ هذا الأمر بسعيي وجهدي"، فأعتقدُ أنَّهم سيشاهدون بأُمِّ أعيُنهم أن تلك الخدمة السَّامية سيُعهَدُ بها إلى أُناسٍ غيرهم ممَّن لا يملكون الكفاءةَ ظاهرًا، إلا أنَّهم في حقيقة الأمر أناسٌ قيِّمُون.
ولهذا السبب أرجو من إخواني هناك أن يعقدوا رابطةً وثيقةً مع رسائل النور.
خلوصي
٭٭٭
في أوقات الخير العظيمة التي أغتنمُها بحول الله وقوَّته الصمدانية وعنايته ولُطفِه الرَّبّانِيِّ، أُطالِع رسائل النور ومكتوباتِه، وأسعى قدرَ المُستَطاع في كتابتها ونشرها
— 44 —
وتبليغها للناس، غير أنَّ هذا العبد الفقير هو المستفيد والمستفيض الأوَّل منها؛ ولهذا فإنني أعدُّ تلك الساعات ساعاتٍ مباركةً، وأحزن على فراقها، وأتضرَّع من صميم روحي وقلبي لأجلِ دوامها وتكرارها وعدم انقطاعها، ولكن ما الحيلة؟
فإنني في هذه الأوقات القصيرة التي أغتنمها أصفِّي ذهني، وأضع نفسي بين يدي الأنوار، فأجدها أمامَ مجموعةٍ تضمُّ معجزات القرآن، وأُتخيَّلُها في مدرسة أستاذي العزيز الموقَّر، وفي روضةِ السعادة لسيِّد الكونين سيِّدنا النبي (ص)، وفي خاتمة المطاف في حضرة ربِّ العالمين المنزَّه عن الحدود والأمكنةِ..
ولهذا أتمنَّى ألّا تُحتَسَب الأوقاتُ التي أَنشغِلُ فيها بغير الأنوار من بين أنفاسي المعدودةِ من حياتي.
خلوصي
٭٭٭
في الأسبوع الماضي قرأتُ "الذَّيلَ الأوَّل والذَّيلَ الثّانِيَ للمكتوب الرابع والعشرين" لجماعتين مختلفتين، وقد نالا إعجابَ السّامعين، وأما هذا العبد الفقير فقد اعتَراه الوَجدُ من هذا الإعجاز القرآنِيِّ اللامع.
ومؤلَّفُكم هذا الذي أُطالِعُه يأتي على رأس قائمةِ "رسائل النور" و"مكتوبات النور" الأكثرِ نورًا.
في هذا اليوم "الجمعة" قرأت لجاري "فتحي بك" الكلمتين: الحاديةَ عشرة والثالثة عشرة، والحقيقة أنني حين أَتخلَّص من مشاغلي الدنيوية، أغتنم الفرصةَ وأُهرَعُ نحو تلك النوافذ النورانية، وأسعى جاهدًا لأنهل منها غذائي الرُّوحيَّ والمعنويَّ، وأجعلُ مخاطَبي یی أمثال "فتحي بك" یی شريكًا لي في ذلك.
خلوصي
٭٭٭
— 45 —
تلقَّيتُ "المكتوب السادس والعشرين" بفرحٍ غامر، وقرأتُه مرّاتٍ ومرّاتٍ وبدقّة وتمعُّن وبلهفة وتذوُّق، وتضرَّعتُ في الختام إلى الخالق الرحيم الكريم القائل: قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ بلسانِ انتسابي بالعبودية لِجَلالِ ذاتِه؛ وبمقتضَياتِ مقامِ العبدية، وبكمال العجز والفقر والشوق: أن يكتبَ لأهل الإيمان والقرآن التوفيقَ للانتفاع بالأنوارِ مع تمام الوضوح وصريح المعاني، وأن يمُنَّ عليكم بمكافأةٍ تليقُ بلطفه وكَرمِه الواسع، لِقاءَ جميع خِدماتكم المادِّية والمعنوية، الظاهرة والخفية، الدنيوية والأخروية، التي تقومون بها لله وباسم الله وحدَه، وأن يَكتبَ لكم العِزّةَ في الدارين؛ وكلِّي أملٌ أن يحظى دعائي بتجلِّيات: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ
أستاذي المحترم: أليس الذي تَنتظِرُه منَّا نحن المَساكينَ هو الدُّعاءَ فقط؟ لا يحقُّ لي التحدُّثُ بشيءٍ حول نوايا أستاذنا في إدراج عباراتي المتهافتة في رسائلي المعبِّرة عن مشاعري تجاهَ الكلمات المباركة، وجَعلِها تقريظاتٍ لرسائل النور؛ إلا أن عباراتي المضطربة هذه ستكون بمثابةِ إضاءةِ شمعةٍ بجانب الشمس، فرغم أنها خافتة في الواقع إلا أنها ستُشِعُّ نورًا بسيطًا لكونها مجاورةً لتلك الأنوار ومرآةً عاكسةً لها.
مِن بين المستمعين لرسائل النور مدرِّسٌ في الثامنة والثمانين من عُمُرِه، يُدعى "الحاجّ عبد الرحمن أفندي"، وقد تولى التدريسَ سَنَواتٍ عِدّةً في "كربلاء" في زمن السلطان عبد الحميد، ويُبدي رِضًا كبيرًا لدى كلِّ مُطالَعةٍ، ويؤكِّد على الاستفادة، ويترضَّى عنكم ويدعو لكم كثيرًا.
قرأتُ "المبحث الثالث للمكتوب السادس والعشرين" یی بغير تقصُّد یی لشخصيات مُهِمّة وبرُتَبٍ مختلفة، وكلُّهم أَثنَوا قائلين: "صحيح! جميل جدًّا!".
وقد حصل لديَّ يقينٌ جازمٌ، وبعد تجارِبَ شخصيّة عديدة: أن لِآية: وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ... إلخ مُعجِزاتٍ حيَّة عديدة؛ فلقد يسَّر اللهُ قراءةَ المكتوباتِ
— 46 —
المرسلةَ إليَّ هذه المَرّةَ لجماعات متنوِّعة محدودة ومراتٍ عدّة، وكان بينَهم عالمٌ جليل، فأبدى الجميع استحسانَهم وإعجابَهم.
أما أنا فأقول: إنَّ بإمكانِ جميع الرسائل والمكتوبات النوريّة یی بحسب زمن الحاجة یی أن تُقنِع أربابَ الدِّين بجميع طبقاتهم وتُلزِمَهم الحُجّةَ، بل بإمكانها إقامةُ الحُجّة حتى على المُلحِدين شَريطةَ عدم التعصُّب والتعَنُّت؛ غير أنه بحَسَب واقع الدنيا لا يُمكنُنا استبعادُ من يغمضون أعيُنَهم عن هذه الأنوار بضربٍ من الجنون، وبدوافعَ من المنفعة والحرص والجاه، والكفر والعناد، والغفلة والكسل، والشرك والضلال، وما سوى ذلك من الأمراض المُستَعصِية؛ بل ربما بلغ الحدُّ بهم درجةَ إنكارِ ما يرونه بأعينهم ورفضِ الحقِّ والحقيقة.
وكما لا يخفى على فضيلتكم: لا يُخلي اللهُ تعالى دارَ ضيافتِه المُؤقَّتةَ هذه من أنعامٍ في صورة البشر، فلو قُدِّر لهذه الأنوارِ اليومَ أن تنتشر فلا شك أنَّ هذَيانَهم الجُنونیيَّ سينكشف ويتَّضِحُ بشكل جليٍّ وبأدِلّة دامغة.
خلوصي
٭٭٭
(فقرة أخي عبد المجيد):
تَلقَى هذه المؤلَّفاتُ التقديرَ الدائم من شتَّى الطبقات والجماعات، فما رآها أحدٌ إلا استحسنها، ولم تتعرَّض للنَّقد من أحد؛ إلّا أن مستويات التَّقديرِ متفاوتةٌ ومتعددةٌ كمستوياتِ فهمِها، فتقديرُ كلِّ أحدٍ لها بحسب درجةِ فَهمِه.
عبد المجيد
٭٭٭
— 47 —
(رسالة التي كتبها ابنُ أخي "عبد الرحمن" یی سَلَفُ "خلوصي بك" یی الذي تُوفِّي وهو في السادسة والعشرين من عُمُرِه، وقد كتبها قبل وفاته بشهر أو شهرين):
باسمه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم..
أقبِّل أيديكم وأرجو دعاءَكم.. تلقَّيتُ أخبار صِحَّتِكم مع رسالتكم المرشدة: "الكلمة العاشرة" بواسطة تحسين أفندي.. لكم جزيل الشكر. أشعر كثيرًا بالندم لمفارقتي عمِّي العزيز المحترم ومخالفتي لأوامركم، وأُقرُّ بأني مستحِقٌّ لعِتابكم، إلّا أن كلَّ ذلك كان بتقديرٍ إلٰهيٍّ وبمشيئة الله تعالى وبأمره، ولعلَّ في الأمر خيرًا.. غير أنني ارتكبتُ بذلك خَطَأً جسيمًا بدافع الجهل وتلَقَّيتُ جَزاءَه، لذا أطلب عفوَكم وأرجو دعاءَكم كيلا يتكرَّر العقابُ والجزاء.
كما أودُّ أن أُفيدَكم یی عمِّي العزيزَ یی أنني بفضل رعايتكم وبركة هِمَّتِكم جَنَّبتُ نفسي أيَّ عملٍ أو تصرُّفٍ يَمَسُّ ديني وآخرتي بسوء، وما زلت على ذلك.. صحيحٌ أنني عانَيتُ الكثيرَ من مصائب الدنيا التافهة، وعايَنتُ الكثيرَ من متاعِها وملاذِّها، إلا أنني لم أنسَ يومًا أن ذلك كلَّه هباءٌ منثورٌ، وأن المُتَع واللذائذَ التي لا يُبتَغَى بها وجهُ الله تعالى عاقبتُها الذِّلّةُ والعذاب الشديد، بينما المِحَنُ والشدائدُ التي يقاسيها المرءُ في سبيل الله وفي التزام حدوده تُفضي في نهاية المطاف إلى مكافأةٍ ومُتعة.
وبهذا الإيمان والاعتقاد تمكَّنتُ من صيانة نفسي من ارتكاب المساوئ، ولأجل هذه الحقيقة فإنني صابرٌ على الابتلاء والمِحَن، شاكرٌ لله على أقدارِه ومُرادِه؛ وكلُّ ذلك بفضل تربيتكم وبركة همَّتِكم.
عمِّي وأستاذي الجليلَ: بُغيةَ مجاهدةِ نفسي الرَّديّةَ وعدمِ الخضوعِ لهواها والإذعانِ لرغباتها المُضِرّة في العاقبة، اضطررتُ للزواج، وأشعرُ الآن براحة تامّة من جميع النواحي بفضل الله وكرمه، فلستُ أُخالط أحدًا ولا أُصغي إلى ما يتفوَّه به أحدٌ من الشرِّ، كيلا تسريَ إليَّ خصالُ السُّوء، كما أُمضي حياتي خارج ساعات الدوام في بيتي حامدًا لله شاكرًا.
— 48 —
وبعدُ يا عمِّي، إنَّ أعظم أستاذٍ بعدَكم ينبِّهني ويحذِّرُني من ارتكاب المساوئ، هو ما أَجِدُه وأستَشعِرُه من الآية الكريمة:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ،
وأعلمُ جيِّدًا أن ذلك اليوم قريبٌ جدًّا، (حاشيةیی)١: ما يَلفِتُ النَّظَر أنه يُخبِر عن وفاته. (سعيد) وأُلازم الدعاءَ: "اللَّهُمَّ لا تُخرِجْنا مِنَ الدُّنيا إِلّا مَعَ الشَّهادةِ والإِيمانِ"، وأُجدِّدُ اعتقادي وإيماني بقولي: (حاشيةیی٢): كما أنَّه يُخبِر بأنه سيَرحَلُ على الإيمان. (سعيد) "آمَنْتُ بِاللهِ ومَلائكَتِه وكُتُبِه ورُسُلِه وبِاليَومِ الآخِرِ وبِالقَدَرِ خَيرِهِ وشَرِّهِ مِنَ اللهِ تَعالَى، والبَعثُ بَعدَ المَوتِ حَقٌّ.. أَشهَدُ أنْ لا إلٰهَ إلَّا اللهُ، وأَشهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ". (حاشية یی٣): إنَّ ذِكرَه في ختام رسالته للكلماتِ الإيمانية التي يتلفَّظ بها المرءُ وهو يَلفِظُ أنفاسَه الأَخيرةَ إشارةٌ صريحة إلى أنَّه سيُنقِذُ إيمانَه ببُطولةٍ ويُفارِقُ الدُّنيا عليها! (سعيد)
ابن أخيكم
عبد الرحمن
٭٭٭
مُفادُ هذا أن "الكلمة العاشرة" قد أَصبَحَت بحُكم مرشدٍ حقيقيٍّ له، فارتفعَ بها إلى مقامِ الولايةِ، وأنطَقَته بهذه الكرامات الثلاثِ.
لقد فارَقَني قبل ثماني سنواتٍ، ثمَّ وقَعَت بيده "الكلمةُ العاشرة"، واستفاد منها استفادةً عظيمة كما صَرَّح في مُستَهلِّ رسالتِه، وطهَّر بها الأدران التي تلوَّث بها خلال هذه السَّنوات الثمانِ، حتى إنه عبَّر عن شوقِه لتلك الكلمة في فِقرةٍ من رسالتِه فقال: "أَرسِل لي جميعَ الكلمات التي ألَّفتَها كي أَنسَخَها بخطِّي وأَستكتِبَ الآخرين من كلٍّ منها ثلاثين نسخةً، كي تَنتَشِر هذه الكلماتُ ولا تَضِيعَ". إنَّني أَفتَقِدُ مِثلَ هذا الوارثِ البطلِ! الفاتحةَ على رُوحِه.
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭
— 49 —

ذيل المكتوب السابع والعشرين والقسم الثاني منه

(فقرات من رسائل العالم الجليل "صبري أفندي" وهو بمثابة خلوصي الثاني)

بدأتُ بنَسخ الجزء الرابع من "المكتوب التاسع عشر" بُغيةَ إرساله إلى "خلوصي أفندي" الذي يَعُدُّني یی بغير استحقاقٍ یی بمنزلةِ وكيلِه.
وهذا المكتوب الذي أُقِرَّ له بالقدر السامي يحتوي على ألف نوع معنويٍّ من المعجزات الخارقة والفائقة للعادة، والتي حيَّر بها المبعوثُ إلى العالمين (ص) البشرية جمعاء، بحيث ألزمت كلَّ من يحملُ أدنى شعورٍ وإدراكٍ بالإيمان الكامل..
وأما هذا العبد العاجز فلقد حوَّل هذا المكتوب رُوحَه وقلبه بشكل مفاجئٍ إلى أزاهيرَ وجنان، وكأنه في ربيع زاهر، وذلك بما تضمَّنه من البشائر والمباحث النورانيّة السامية، وبيانِ الوقائع والحوادث النبوية؛ وأُقِرُّ بكل أسفٍ بعجزي عن وصف مشاعري وأحاسيسي القلبية بصورة مشرقة وثناءٍ ومديح لائقَين، رغم رغبتي الشديدة بذلك، غير أني استشعرتُ معنًى مهمًّا، وهو: أنكم بهذا التعبير الساطع والتوصيف الرائع، كأنَّكم كنتم یی رُوحًا لا جسمًا یی جنبًا إلى جنب مع سيِّد الكون (ص)، وكأنكم شاهَدتُم عِيانًا تلك الحوادث المذكورة بتفاصيلها ومواقعها وأبعادها، حتى أمكنَكُم نقلُها وتحريرُها بهذا الأسلوب المُتقَن.
لقد اصطحبتُ معي "المكتوب السادس عشر" حين زُرت قرية "أتابك"، وكم تأثَّر إخواننا هناك حين استمعوا إلى شيء من موضوعاته، حتى لقد أبكى الكثيرَ منهم، وأمّا ابنُ عمِّي "زهدي أفندي" فحين قرأه قال: "رغم أني لا أَملِكُ القدرةَ على التعبير
— 50 —
عمّا ترَكَه في نفسي من أثرٍ بالغ، فالأمر يفوقُ طاقتي بكثير، إلا أني أُقِرُّ بأنَّ نافذةً نورانيّةً فُتحَت اليوم في قلبي لم أُحسَّ بمثلِها سابقًا، وذلك لِما يحتويه هذا المكتوب من مَسَرّاتٍ معنويّة عظيمة! ولعلي أُوفَّقُ بعونٍ إلٰهيٍّ لشرحِ هذه المشاعر في رسالة، كما أرجو منكم أن تبلِّغوا الأستاذ سلامي وتقديري".
صبري
٭٭٭
ترغبُ روحي بكتابة جميع رسائل النور دُفعةً واحدة، ومن ثمَّ الشُّروع بمُطالَعةِ هذه الدرر النفيسة التي أملكها، بقدر الاستطاعة.
قبل يومين أنهيتُ المجموعة الألماسية الحادية والثلاثين بتوفيق الحق وكريم عنايته، وفهمت الملاحظة التي كتبها الأخ أحمد في الهامش ومفادُها أنه يقرأ قليلًا، وأنه يطلبُ الكلمة العاشرة، إلا أن هذه الكلمة من حيث القيمة المعنوية أثقل من جميع الموجودات.
وأنا على وشك الانتهاء من الجزء الثاني لإعجاز القرآن، فإن تكرَّمتُم بإرسال "الكلمة الثانية والثلاثين"، فإنَّ فرحتي حينها لا تُوصَف وسعادتي لا تُقدَّر، وذلك لاشتياقي الشديد لرؤيتها وقراءتها؛ فكلُّ من يَسمَعُ بهذه المُؤلَّفات القيِّمة ذات المعاني الجليلة يزدادُ رغبةً في رؤيتها؛ وإنني لا أستطيع منعَ نفسي هذا الشعورَ.
صبري
٭٭٭
حين أَسبَحُ مُستمسِكًا بسفن الكبرياء في بحر الملائكة: "الكلمة التاسعة والعشرين" المُنوَّرة التي وُفِّقتُ هذه المرةَ لِنَسخِها..
وحين أُطالِعُ عالم الروح الباقي الذي يُنبِّه بشدّة إلى أن الأفعال التي تُكسِبُ البشرَ الثَّواب والجزاء سوف تُعرَضُ يقينًا أمامَهم وتُنشَرُ لهم، وأنَّ أيَّ شيء لن يبقى طيَّ الكتمان نفعًا كان أو ضرًّا..
— 51 —
وحين أَقِفُ في مقام الاستماع لأحكام محكمة البعث والمحكمة الكبرى قبل أن تُعقد، وهي المطلب الأعلى والمقصد الأقصى..
وحين أَرتقي ارتقاءً معنويًّا بسُلَّم "المدارات" خاصّةً إلى المقامات العليّة..
وحين أنغمسُ وأُبحِر كالغَوّاصة في بحور المعنوياتِ أمثال: المدار العاشر، والمسألتين الثالثة والرابعة..
حِينَها أغرق في أنوار حقائقِ الكبرياء وأذواقِ اللَّطائف العُليا، بحيث أعجِزُ عن التعبير عنها بشيء.
صبري
٭٭٭
لقد وُفِّقتُ لاستنساخ الكلمة الثلاثين التي هزمت المشركين والمنكرين وألزمتهم الحجة، فهي كالقلعة الشامخة تضمُّ بين جنباتِها أسلحة الجهاد الأكثر تطورًا، وكالفولاذ في قوَّتِها ورصانتِها، وكالألماس والجواهر والعقيق في قيمتها ونفاستها.
صبري
٭٭٭
بفضل "الكلمات" أسعى قدمًا في طريق التعلُّم بشوق، والاستفاضة بعناية، والتنوُّر برغبة، والتلذُّذ بلهفة، والتخلُّق بالإشارات، والتكمُّل بالتدريج، وذلك في مدة عامٍ ونيِّفٍ؛ وإنني على قناعة أن سائر أيام حياتي التي مضت لا تعدل يومًا واحدًا من هذا المدة المحدودة.
صبري
٭٭٭
— 52 —
(فقرة صبري الثاني: علي أفندي):
مَثَلُ "الكلمات" مَثَلُ طبيبٍ حاذق بارع، إذ تمنح بهداية الحقِّ بصرًا لمن لا بصرَ له، وقلبًا لمن لا قلبَ له، ما لم يكن مُبتَلًى بمرضٍ طاحن؛ وتدفع كلَّ من لم يتصدَّع فكرُه إلى التفكُّر والتأمُّل؛ وتَحُلُّ الأسئلة المُعضِلة الثلاثة: "من أنت؟ ومِن أين أتيتَ؟ وإلى أين تَمضي؟"، فتَمنَح بذلك البشريّةَ جمعاءَ ما تفتِّشُ عنه من مداركِ الإنسانية.
علي
٭٭٭
(ولصبري أيضًا):
لم يسمح لي الزمان والمكان حتى اليوم بمعاينة ثمرة سيري ومراجعة رأسِ مال سياحتي في بحر النور المُسمَّى "الكلمات" رغم مضيِّ أكثرَ من سنتَينِ؛ لذا كنت متردِّدًا ومتحيِّرًا حول معدَّل نموِّ رأس المال في تجارتي هذه، أو بالأحرى: هل قمت بتجارةٍ أصلًا أو لا؟ إلا أني أدركتُ بحمد الله في هذا الشهر یی شهر الرحمة والمغفرة یی وببركة العناية الربانية والمدد النبوي، وبهمّة أُستاذنا ودعواته، أن هذا الرصيدَ العلمي قد ارتفع بنسبة (٩٩/١٠٠) عمّا كان عليه من قبل.
إن هذه المنابع العلمية والأمثلة الحقيقية تزيِّنُ مجالسي وتنوِّرُها لدرجةٍ أَجِدُ نفسي عاجزًا عن وصفِها والتعبيرِ عنها، لذا أيقنتُ أنَّ واجِبَنا في هذا العصر الذي ضلَّت البشرية فيه طريقَها أكثر من أيِّ عصرٍ مضى، هو التسلُّحُ بأجهزة شتَّى من معمل النور الخارقة ومُعدّاته الفائقة؛ وإني مهما توجَّهت بالشكر والامتنان لصاحب هذه المؤسسة یی وهو اللائق بشتَّى أنواع المدح والثناء، والمُعرِضُ تمامًا عن صنوف الرياءِ یی فلن أُوفِيَ حقَّه ومقدارَه.
صبري
٭٭٭
— 53 —
لقد وُفِّقتُ بحمد الله ومنَّته لقراءة "الرسالة الثامنة والعشرين" ونسخِها، وقد كانت روحي الفقيرة مُتلهِّفةً إليها منذ أمد بعيد، فكلُّ كلمة منها تمثِّلُ خزينةَ ألماس مُركَّبةً من حروف شبيهةٍ بالذهب تَشِعُّ أنوارًا.
لو أمكن شرحُ مدى أهمِّيّة هذا المنبعِ الألماسيِّ وبيانُ قيمته وشدّةِ الحاجة إليه بطريقة مُعتدِلة، لاستخدمتُ حينَها الكثيرَ من الكلماتٍ الجامعة والمُوضِّحة للحقائق اللامتناهية التي تتضمَّنُها هذه الرسالة القيِّمة، والمعبِّرة عن الحقيقة كما يليق بها.
فحين أبدع الخالق الوجودَ وأوجد المخلوقات، كلَّف كلًّا منها بوظائف عديدةٍ، فأمّا من أدرك عجزه وفقره، وأقرَّ بضعفه وحاجته إزاء هذه المسؤوليات الدنيوية، وامتثل القوانينَ الكونية والدَّساتير الربّانية، فسيكون جزاؤه النَّعيمَ العظيم: الجَنّة، وأشرفُ هذا النَّعيم وأخصُّ عطائه: رؤيةُ جمالِ الباقي جل جلاله ومشاهدة كماله الرباني.
ولذا يتوقُ كلُّ مخلوقٍ في هذه الدنيا الفانية إلى الجنة، ويشتاقها ويتوجَّه قلبه نحوَها، لكن ليس في وُسع كلِّ أحدٍ الولوجُ إلى منبع الحقائق: "الفرقان المبين"، وتعرُّفُ أسرار تلكم الحقائق المتنوِّعة، والغوصُ في بحار حقائقها؛ إلا أنكم برسالتكم هذه شرَّعتُم تلك الأبواب بخمسة مفاتيحَ من الحقائق على صورة أسئلة وأجوبة خمس، أظهرتم من خلالها تلك الحقائق عن كثب، وبكمال الصراحة والوضوح.
وأنا مُوقنٌ أن مثلَ هذا الأمر العظيم يستحقُّ أن يحظى بتقدير العباقرة والجهابذة وينال استحسانهم، وليس تقديرَ هذا العبد الفقير ذي العقلِ القاصر فقط.
صبري
٭٭٭
— 54 —
أقف عاجزًا عن التعبير عن الأساليب البديعة، والتَّحدُّثِ عن الغاياتِ العظيمة التي تنطوي عليها هذه "الكلمات"، وعن كمالِ سُمُوِّها ورفعة قيمتها اللامتناهية، فلقد بثَّت الرُّوحَ فِيَّ أنا العبد المُقصِّر، فكأنِّي بُعِثتُ من بعد الموت؛ وفتنتُ بما وجدتُه في الرسالة المسمّاة: "ثمرة شجرة الفِرْصَاد" من قذائفَ ألماسيّةٍ للمدافع الذهبية الموجهة إلى عشاق أوروبا.
صبري
٭٭٭
أَتمَمتُ نسخَ "المكتوب العشرين" على عجلٍ بسبب ضيق الوقت، فكان اطِّلاعي عليه قراءةً سريعة عابرة دون تأمُّل وتمعُّن؛ وبالرغم من ذلك أجدُ في نفسي الجُرأةَ على التحدُّث بالحقيقة التالية إن أَذِنتُم:
رأيتُ أن هذا المكتوب العميق المعاني هو زبدة جميع رسائل النور التي وصلَتنا حتى اليوم، وخلاصة خلاصتها ومنبعُها الأصيل، فضلًا عمّا يُقدِّمُه لذوي الألباب من شرح وتفصيل في نصوصه العربية وفِقْراته السبع الغزيرة المعاني وترجماتها التركية.
وهنا تولَّدت لديَّ أمنيةٌ مضمونُها: ليت الهادي المتعال وواهب الآمال والأعمال، يمنُّ عليَّ بتوفيقه الصمداني لأتعلم من أستاذي الجليلِ وأنهل منه فنَّ علم الكلام.. وستبقى هذه الرغبة في نفسي إلى الأبد، لِما أستَشعِرُه من قيمة المكتوب العشرين، الذي أعجِزُ عن وصفِ سموِّه وعُلوِّه.
صبري
٭٭٭
إنَّ مما يبعث على الإعجاب والاستحسان ما ورد في "الكلمة الأولى: كلمة البسملة" وصورتها التمثيلية، من بيانِ أهمية البسملة، ويُدركُ أدنى إنسانٍ صوابَ هذا التمثيل ومدى ما يحمله من معانٍ.
— 55 —
ورغم أن علماءَنا الأجلّاء قد أقرُّوا منذ القديم بلزوم ذكر "البسملة والحمدلة والصلولة" في بداية كلِّ كتاب، إلا أنَّنا لم نسمع إلى يومنا هذا تمثيلًا يملأُ النَّفس كهذا الأسلوب! لذا لم تَستَقِرَّ هذه المسألة وتتركَّز في الأذهان إلى هذا الحد.
صبري
٭٭٭
قرأتُ لأول مرة "الكلمة العشرين" من بين الكتب الثلاثة؛ ووجدت أنَّ الدستور الرباني المبين والحبل ال إلٰهي المتين "القرآن العظيم" قد أشار إلى ما تمَّ اكتِشافُه في الأزمنة الأخيرة من الغوّاصات والطائرات وغيرها من الأمور التي صارَت مَبعَثَ افتخارِ الإفرنج! وإذ بالقرآنِ يشيرُ إلى هذه الأشياء قبل أكثر من ألفٍ وثلاثِ مئةِ عامٍ!
إن هذه الأخبار الغيبية الصادقة والبياناتِ المستقبلية الخارقة الواردة في القرآن المُبين، قد أبهرت الصديقَ والعدُوَّ، وتركتهم في حيرة مِن أمرهم، وأثبتت إعجاز القرآن، وأكَّدته مرةً تلوَ الأخرى.
لم أتمكَّن من قراءة سوى بضع صفحات من بدايات "الكلمة الثالثة والعشرين" و"الكلمة الثلاثين"، فبتُّ في حيرةٍ من أمري: أيَّ جوهرةٍ أُتمُّ؟! مَثَلي في ذلك مَثَلُ الفقير الذي صادف مخزن جواهر أو مدفن كنوز.
صبري
٭٭٭
لقد تناولتُ الجزءَ الخامس وأعدتُ الجزءَ الثالث من "المكتوب التاسع عشر"، ذلك المكتوب الذي هو بحرُ المعجزات والذي بثَّ فيه فخرُ العالمين (ص) النُّورَ والسُّرورَ لأرواحنا الصَّدِئةِ في هذا العصر الذي يَلُفُّه الضَّباب، ووجَّه أَنظارَ الناس إلى الحياة الأبديّة.
توقَّفتُ عند إحدى معجزاتِ فخر العالمين (ص)، وهي "نبعُ الماء من بين أصابعه وسقايةُ الجيش منه"، وتفكَّرت فيها مليًّا، وحِينَها كان قلمي في المحبرة، وكنتُ عازمًا
— 56 —
على التوقُّفِ عن الكتابة لبرهة، فتناولتُ القلم مجدَّدًا، وقلت في نفسي: لن أتوقف عن الكتابة حتى يَنفَد حِبْرُه. وبدأت أكتب حتى أنهيتُ نصف صحيفة دون أن ينقطع الحبرُ عن القلم! وبعد أن جفَّ القلمُ أجريتُ عِدّةَ مُحاولاتٍ للكتابة، فكان ينتهي الحبر ولمّا أُكمِلْ نصفَ سَطرٍ تقريبًا، مع أنِّي غمستُ القلم في الحبر بدقة!
فتفكَّرتُ في حكمة هذا الأمر، وقلت في نفسي: إنَّ ما حصل هو تأكيدٌ للإعجاز النبويِّ، وتذكيرٌ بالواقعة التي حصلت مع الخطيب البغدادي في تفكُّره (حاشية): قد أنجز في ذلك التفكُّر عملًا يتطلبُ يومًا كاملًا في دقيقة واحدة. بسرِّ الآية:
فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ
صبري
٭٭٭
ما الذي يمنع عباراتِ التَّبجيلِ المُقدَّمةَ إليكم في رسائلي السابقة أن تكون حقًّا؟!
فقبلَ عشرين يومًا طالعَ أناسٌ من مُختلِفِ الفئات العلمية "المكتوب السادس والعشرين" القيِّمَ والمُهِمَّ، والذي أَعلَن یی كالبرق الخاطف یی سَطوَتَه المعنوية والحقيقية للعالم برُمَّتِه، فلم يتجرَّأ أحدٌ منهم على الادِّعاء بأنَّ ثمّةَ زيادةً أو نقصًا ضمنَ كلماتِه السّاميةِ الرَّفيعة، مع أنَّكم نبَّهتُم إلى أنه ما زال بحاجة إلى التدقيق والتصحيح، وأنَّ فيه ثمانيةً وعشرين نقطةً تستدعي التعديلَ والإضافةَ.
أجل، إن ممّا لا يعتريه شكٌّ ولا ريبٌ: أنَّ الواجب الدينيَّ يُملي أن يُقِرَّ ويُذعِنَ كلُّ مُنصِفٍ، ويُصدِّقَ ويَعتَرِف كلُّ من يَملِكُ ذَرّةً من إنسانية، أن هذا المكتوب ألحق الخذلان والنَّقِيصةَ بالفِرَق المُضِرّة في هذا العصر، بعد أن أعلَنَ ضدَّهُم الجهادَ المعنويَّ، وألزمهم الحُجّةَ وأسكَتَهم.
صبري
٭٭٭
— 57 —
(فقرة للحافظ توفيق الشامي):
يستوجب هذا السِّفرُ النفيسُ أن تُكتَب حروفُه بماء الذهب، فلقد تمكَّنتُم فيه یی بعناية الحقِّ سبحانه وتوفيقه والروحانية النبوية وسيف الشريعة یی مِن بتر ألسِنةِ الخَوَنة المُلحِدين المُتَطاوِلين على الرسول المُجتَبى (ص)؛ فتقبَّل الله عمَلَكم، وجعَلَني وإيّاكم ممَّن ينال شفاعتَه (ص)، وحشَرَنا وسائرَ إخواننا تحت لوائه يوم الدِّين.. آمين.
توفيق
٭٭٭
(أيضًا لصبري):
أنهيتُ بتوفيقِ الحقِّ سبحانه نسخَ بحرِ الحقائق الثاني والعشرين، الذي نُظِّم وصُنِّف إيضاحًا لسبيلِ العروج إلى حقائق السماوات عبر بُراق التوفيق، كما أثبتَت كلُّ لَمْعة من لَمَعاته السّاميةِ آلافَ الآياتِ العقليةِ والنَّقليةِ، وأوضَحَت آلاف دلائلِ الإيمان؛ وهو في الوقت ذاته مرقاةُ الإيمان، ومرآةُ واجِبِ الوجودِ المَنّان، وبين دفَّتيه المِفتاحُ الألماسيُّ لقصر عالم البقاء.
صبري
٭٭٭
(هذه الفقرة لأخينا الحقيقيِّ الأوَّل: حقِّي أفندي):
بعد قراءتي مؤلَّفاتكم السّامية الرَّفيعة، ومطالعتي لها مرّاتٍ ومرّاتٍ، لم أجد في نفسي الجُرأةَ على كتابة أيِّ تعليقٍ حولَها، أو إضافةِ كلمةٍ أو حتى حرفٍ للتَّعبيرِ عن رأيي تجاهَها، لذا لم أتمكَّن من كتابة أيِّ شيءٍ حولَ هذا الأمر؛ وليس بوُسعِي سوى مطالعة هذه المُؤلَّفاتِ القيِّمة النَّفيسة، والعملِ على الاستفادة والاستفاضة منها نظرًا لما أُعانيه من جهل.. وإنِّي أَعُدُّ هذا الأمرَ أكبرَ نعمة لي.
حقي
٭٭٭
— 58 —
(فقرة لحقي أفندي أيضًا):
تسألني عن رأيي حول مطالعة هذه المؤلفات القيِّمة!! إنَّه لَأمرٌ يفوق طاقتي وكفاءتي أن أكتب أيَّ شيءٍ عن مؤلفات سامية رفيعة، قد زُيِّنت بدقائق الحكمة، ورصِّعَت بحقائق العلم.
حقِّي
٭٭٭
(هذه الفقرة لصبري الثاني: الحافظ علي):
سيِّدي.. إنَّ "الكلمة الخامسة والعشرين" مُعرِّفٌ حقيقيٌّ أيُّما مُعرِّفٍ، يتضمَّن بيانًا تامًّا واضحًا حول القرآنِ المُعجِزِ البيانِ، وقانونِ الحقِّ المُبِينِ..
وهي عطايا فُلْكٍ سماويٍّ يَمخُرُ في عُبابِ بحرِ الحقيقة، محيطه مجليٌّ ومحكمٌ بالفولاذ، وداخلُه مُحَلًّى ومطرَّزٌ بالعقيق والألماس، في غايةِ البهاء والرَّصانة، ووافرِ الحسن والرَّزانة.. تَحكِي مَنبعَها الحقيقي: الفُرقان المُبين..
وهي أمواجٌ استقبلها الأستاذ في أثناء سياحته في خضمِّ بحر الحقائق..
وهي مكافآتٌ دنيوية وأُخروية، يُحسِنُ بها الحقُّ سبحانه إلى المطيعين من عباده بمحضِ قدرته، بلَمْعةِ نورٍ صادرةٍ من اسمِ الله الجليلِ: "الوهاب"، تفضَّل بها على أستاذنا الفاضل، ليُجلِّيَ أدقَّ معاني الحقائق الإلٰهية كالجوهر السّاطع، موجِّهًا من خلالها الصَّفَعاتِ الشديدةَ لأولئك العصاةِ الغافلين قُساةِ القلوب، الهائمين في متاهات الفلسفة ومخاتلها.
وإنني كلَّما طالعتُ شيئًا منها أجدُه معجزة برأسِه، بل كلُّ قطرة منها تُظهِر إعجازَها بإيجازها، ولا يتوقَّف لساني من ترديد هذه الجملة الجليلة: "ما شاء الله! الحمد لله على نور الإيمان وهداية الرحمٰن".
علي
٭٭٭
— 59 —
(هذه الفقرة أيضًا لصبري):
لقد بدأت بنسخِ رسائلكم الألماسية المكتوبة بخطكم الكريم، تلك الرسائل التي أنارت العالم بنورها، ورغمَ أنَّ فِقراتها قصيرة، إلا أنها رسائل سامية رفيعة جليلةُ الأهمية، وتفسير عظيم المضامين.
وها أنا أغوص في بحر النور الثاني والعشرين.
صبري
٭٭٭
(هذه الفقرة لأحد طلابي الأجلاء: سيد شفيق):
لي عندكم رجاءٌ خاصٌّ بأن تُداوُوا قلبي المريضَ من ثلاث وثلاثين جهةً بالكلمة الثالثة والثلاثين الصادرة من مشفى جَنانِكم.
سيد شفيق
٭٭٭
(هذه الرسالة لحافظ زهدي الصغير الذي سيقدِّم جهودًا جليلةً في خدمة القرآن إن شاء الله):
إن الفيوضات غيرِ المتناهية التي وهبها إعجاز القرآن لي یی أنا طالبكم العاجز یی والتي وُفِّقتُ لنسخِها اليوم، قد أجرت عملًا جراحيًّا لروحي المُشرِفةِ على الموت كأنها طبيبٌ حاذق، فداوَت الأمراض القلبية التي ابتُليتُ بها، وبثَّت الحياةَ مجدَّدًا؛ لذا أُسجِّلُ شُكري وامتناني لها، وأتضرَّع عاجزًا أن تُفتَح لي بقيةُ أبواب هذا المخزنِ الفريدِ للانتفاع بجواهرِه المُنمَّقة.
سيدي؛ إن النوافذ الثلاث والثلاثين للمكتوب الثالث والثلاثين، قد ولَجَت
— 60 —
أنوارُها الفيّاضةُ الوضّاءة المتنوِّعة إلى قلبي العاجز، فذَرَّت فيه ماءَ الورد، وأَتضرَّع إلى الباري سبحانه أن يُكرمَه بنصيب أكبر من رسائل النور الكثيرة.
الحافظ زهدي
٭٭٭
(هذه الفقرة أيضًا لصبري):
عريضة خصوصية: لقد استحقَّت رسائل النور الفريدة أن يُطلقَ عليها وصفُ: "مطلع شمس الفيوضات"، لِمّا أدَّته في هذا القرنِ الرّابعَ عشَرَ المُحمَّديِّ من المَرضِيّات الربانيّة، وما بلَّغَته من الهدايات الأحمدية.
وإن ما وصَفتُه من أثرِ هذه الرسائل على روحي العاجزةِ إنما كان ثمرةَ ما جنيتُ من فيوضات رسائل النور ولَمَعاتِها، وليس لي من الأمر أيُّ نصيب؛ وقد تملَّكَني الحياء الشديد حين علمتُ بإدراج رسائلي هذه في ثنايا رسائل النور، وبما نالَتْه من حُسنِ توجُّهِ فضيلتِكم.
فليس يخفى على ذي بصيرة أن ما كتبه هذا العبد العاجز المقصِّر لا يَعدِلُ قطرةً من فيضِ مَعينِكم، ولا تَرقَى قيمتُه لتلك المكانة الرفيعة، غير أنِّي أسأل الحقَّ سبحانه أن يكتبَ له الإفادةَ بما جاوَرَه من الكلماتِ الوضّاءة المنيرة النافعة.
صبري
٭٭٭
(هذه الفقرة لخلوصي):
ليس لديَّ في قضايا السِّياسة أيُّ دِراية، وتلبيةُ رغبات هذا وذاك أمرٌ أَنفِرُ منه، ولست ممن يُطيق عِيشةَ الذُّلِّ.. فنَحمَدُ اللهَ على نعمة الإيمان، الذي نجدُ فيه البلسمَ الشّافي لِما يعترضنا من آلاف المصائب والآلام في هذه الحياة، وهذا البلسمُ هو: «مَن آمَن بالقدَر، أَمِن مِن الكَدَر».
— 61 —
فلِلَّهِ الحمد أنَّ إلٰهنا واحد، ونبيَّنا واحد، وكتابَنا واحد، ودِينَنا واحد.. هذه المظاهر التوحيديّة توفِّرُ وحدةً رُوحيّةً وقلبيةً أبديةً لا تنقضي، فضلًا عمّا تُقوِّيه من روابطِ الحبِّ في الله التي تجمعنا.
إنَّنا ندرك جيدًا أن الذين يُنهون وظيفتَهم في هذه الحياة الدنيا، يشرعون في حياة أبدية موعودة، ونحن كذلك ماضون في هذا الطريق، وملتحقون بتلكم القافلة عاجلًا أو آجلًا، فما نحن في دار الضيافة هذه إلّا ضيوفٌ عابرون، وعمّال في مصنعها مؤقَّتون.
وأمّا هذا العالم القصير المُزعِج، الفاني الموار، الذي يعجُّ بالاضطراب والألم والحزن، ويغصُّ بالفراق والرحيل، فتَجمَعُنا فيه صداقاتٌ في الله ولله، لا يُعكِّرُ صفوَها مصالحُ شخصية أو منافعُ مُرتقَبة، بل هي صداقاتٌ جِدِّيّة مُخلَصة، وروابطُ صافية نقية، نَجني ثِمارَها في موطن الحياة السرمدية الجامعة للسعادات، فما هي إلا غراسٌ لتلك الحياة.
لدينا رأسُ مالٍ قويٌّ، كالأمل والإيمان، والنصائح القيمة لعالِمنا الجليل من مثل:
أَدِّ الصَّلَواتِ الخمسَ في أوقاتها مراعيًا أركانَها، فليس بمَقدورِك تقديمُ عباداتٍ سِواها.
اقرأِ التَّسبيحاتِ عقِبَ الصَّلَوات، ولا تأسف لعجزِك عن قراءة أورادٍ أخرى.
اجتنب الكبائر السَّبع، فلسنا في زمنِ الحديثِ عن الصَّغائر.
اتَّبعِ السُّنّة، فلن تجد في هذا الزمان مثل صاحبها (ص) هاديًا مُخلِصًا يهديك سواءَ السبيلِ، تترسَّمُ خُطاه وتستنُّ بهُداه؛ ولا تُجهِد نفسك في البحث عن مُرشِدٍ سواه، فقد تجِدُ من يَصِفُ لك الطريقَ، لكن أين مَن يُميِّز بين الفحم الخسيس والألماس النفيس؟!
وما دامَت عقولُنا تعي الحكمة الشافية التي تلقَّيناها من دروس أستاذنا: «مَن آمَن بالقدَر، أَمِن مِن الكَدَر» ، وتردِّدها ألسِنتُنا، فإننا سنُقابل بصدور رحبة أيَّ مصيبة وكل ألم.
— 62 —
أخي العزيز، قد تجرحُ القلبَ بعضُ التصرُّفات والمُعاملات، بل قد تبلغُ أحيانًا درجةَ الانزعاج من كلِّ أمر، فاجعل تِرياقَ القلبِ:
فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ
وأقول دومًا: لا شيءَ يستحقُّ أن يُشعِرنا بالحزن، وما وداعُ هذه الحياة في اعتقادنا سوى مقدمةٍ لحياة باقية، فليست صداقتُنا مقتصِرةً على هذه الحياة الفانية.
وإلى أن ننتقل يومًا إلى تلك الحياة، ليكن تواصُلُنا عبرَ المراسلة، مُعتَمِدين على الله تعالى، راجين منه العَونَ والمَدَد.
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ
اللَّهم صلِّ وسلِّم على سيدنا محمَّد من الأزل إلى الأبد، عددَ ما في علم الله، وعلى آله وصحبه وسَلِّم.
خلوصي
٭٭٭
(فقرة من رسالة صبري التي كتبها أثناء نسخِه الكلمتين: الحادية والعشرين، والثانية والعشرين):
سيدي، كلُّ رسالةٍ من رسائل الأنوار بمواضيعها المختلفة تَحُلُّ ما لا يُحصَى ولا يُحصَرُ من المشكلات، وفي اعتقادي أنَّ من رغب أن ينهلَ من معينِ الأنوار، فسيجد في "الكلمة الأولى" والكلمتين "الحادية والعشرين، والثانية والعشرين" ما يُعالجُ به أمراضَ القلب ويستأصِلُها، وما يُبهِجُ الرُّوح ويُنوِّرُها، وإن لم يتمكن من الوصول إلى باقي الرسائل، وهذا أمرٌ مشهودٌ ومسلَّمٌ به.
— 63 —
فی"الكلمة الأولى" مفتاح التوحيد، والقسم الأول من الكلمة "الحادية والعشرين" مرقاة الجنة، والقسم الثاني مركزٌ فريد لمعالجة الأمراض القلبية، تشفي أدويتُه المذهلة من أدواء الوساوس التي قلَّما ينجو منها إنسان؛ وتقتلِعُها من جذورها؛ وهي سبيلُ النجاة والسلامة الموصلةُ إلى برِّ السعادة الأبدية بما تبعثُه أنوارُها في القلب والروح من فيوضات القرآن الحكيم، وتبثُّه في النفسِ من روضات الانشراح والاسترواح.
أما "الكلمة الثانية والعشرون" فهي ببراهينها ولَمَعاتها بمثابةِ مرشدٍ يُقوِّي عقيدة الإنسان ويُرسِّخ إيمانَه عميقًا.
صبري
٭٭٭
(هذه الفقرة من رسالة خسرو):
أستاذي المحترمَ الحبيب..
إنَّ كلَّ كلمةٍ من "الكلمات" وكلَّ رسالةٍ من رسائلكم، هي بحدِّ ذاتها دواءٌ عظيم ويَنبوعُ مددٍ أَنهَلُ منه الفيض الغزير، حتى إنني كلَّما قرأتُها رغبتُ في إعادة قراءتها من جديد، ثم لا أجد ما أعبِّر به عن أذواقٍ إلٰهيةٍ ساميةٍ أشعر بها حين أكرِّرُها؛ وإنني على تفاؤلٍ لا يُخالِجُه شكٌّ بأن مَن قرأ ولو بعضَها بإنصافٍ أذعن للحق وأقرَّ به؛ حتى لو كان مُنكِرًا لعدَلَ عن طريق الإنكار، أو كان فاسقًا لتاب وأناب.
خُسرو
٭٭٭
(هذه الفقرة من رسالة رأفت بك):
لسُموِّ كلماتكم وعلوِّ هديِها البليغ فإنني أُضطَرُّ لقراءتها قراءةَ تمعُّن وتدقيق، إن الدلائل العقلية والحُجَج المنطقية التي تطرحونها مُمتعةٌ ومثيرةٌ للإعجاب، لدرجة أنَّ
— 64 —
من يقرؤها يزدادُ تعلُّقًا بقراءتها أكثر وأكثر، ولا يملُّ قراءتَها ولا يرغبُ بتركها، ويشعر بتذوُّق معنوي ولذّة غير متناهيةٍ؛ ولهذا فإنَّ قراءة المرء لها مرة واحدة لا تفي بالغرض، بل يلزم أن تكون في حوزته كاملةً يقرؤها باستمرار.
رأفت
٭٭٭
(هذه الفقرة أيضًا من رسالة صبري أفندي):
أستاذي، سيدي.. هذه المجوهرات القيِّمة إنما هي ثمرات غيرُ متناهية لشجرة طوبى الموجَّهة من الحق سبحانه لحبيبه الأكرم، وقد آن أوانُ إخراجها وعرضها كسائر سابقاتها من المجوهرات الفريدة؛ ولِأجلِ ما وفِّق أستاذي الفاضل لعَرضِه في المعرض الرباني والمحمدي من هذه الجواهر النفيسة، أدعو له یی رغمَ رَكاكة لساني وقصور إدراكي یی بالدعاء التالي:
اللَّهُمَّ احفَظ مُؤَلِّفَ هذَا الدُّرِّ اليَكْتَا الَّذِي هُوَ مَوسُومٌ بِرِسَالةِ النُّورِ، وأَعطِ قَلبَهُ یی وقلبَ صبري یی المَملُوءَ بِالحَقَائِقِ الابتِهَاجَ والسُّرُورَ.. آمينَ
صبري
٭٭٭
(فقرة خلوصي بك)
إن ما كتبه الحافظ صبري أفندي یی نيابةً عن طالبكم المسكين البعيد عنكم جسدًا یی وكذا الفضلاء الآخرون بحقِّ الأنوار قيِّمٌ ورفيعٌ، وقد عبَّروا في رسائلهم بما يليق بالأنوار.
ويُناسبُ في هذا المقام أن أكرِّر هنا إحدى حِكَمِكم التي تفضَّلتُم بذكرِها سابقًا في بعض رسائلكم لدى حديثكم عن قصيدة المعلم جودي، وهي:
وما مدحت محمَّدًا بمقالتي
ولكن مدحت مقالتي بمحمدِ
— 65 —
فبسِرِّ هذه الحكمة أقول: ليس الحسن والجمال في كتاباتنا، وإنما فيما كتبنا عنه من الكلمات والمكتوبات المنورة النابعة من إعجاز القرآن.
إن كلَّ فرد مؤمن يعرِّف بمُستوَى فهمه وتذوُّقِه ما هو جميل حقًّا، إلّا أن اللذة الكامنة في العجز والفقر، وفي السُّموِّ الذي تنطوي عليه الشفقة والتفكر، لا يُقاس بشيء مطلَقًا.
وليت الأوضاع كانت مهيَّأةً بصورة أفضل، وعُرِضَت الجواهرُ التي استخرجتم من خزينة القرآن الخاصة أمامَ كثيرٍ من الأنظار، وقُمتُم بمُهمّة الدَّلالة یی حسَبَ تسميتكم اللَّطيفة یی، علَّ السُّكارى يستيقظون، وينجو الحائرون، وتطمئنُّ نفوسُ المؤمنين، ويعودُ المُلحِدون والكفرة والمشركون إلى رُشدِهم، ويقفُون على قدمِ الإنصاف، ويندرجون في دائرة الإيمان! إنَّني أتضرع إلى الحقِّ سبحانه بكلِّ رجاءٍ أن يُحقِّق هذه الغايةَ السامية المُبهجة.. آمين.
أستاذي المحترم، مهما قدَّمتُم بين يدي لله عز وجل من الحَمدِ فإنه في محلِّه، فلقد وُفِّقتُم للولوج ببطاقة العجز والفقر إلى قصر القرآن الكريم وخزينته الخاصة، واستخرجتم ما قُدِّر لكم ممّا وقفتُم عليه من جواهرها التي ما رَأَتها عينٌ ولا سمعت بها أُذنٌ، الواحدةَ تلوَ الأُخرى.. وتدبَّرتم فيها أوَّلًا، ثم توجَّهتُم بالخطاب إلى البشر قائلين: أيها الإنسان، انظر كيف فَتَح لكم سلطانُ الكائنات دارَ الضيافة هذه، وخلق العالمين برحمته، وبرَأَكم بحكمته، وبعث بكم إلى هذا العالم.. ذلكم الله الذي عرَّفكم قبل أكثر من ألف وثلاث مئةِ سنة حِكمةَ الخَلقِ، والمَقصَدَ من القدوم إلى هذا العالم، والوظيفة التي تقتضيها العبودية.. إلخ، وذلك بواسطة رسوله وحبيبه الأكرم (ص)؛ وها أنا بدوري أشرحُ لكم هذا البلاغَ السّاميَ والأحكام القدسية بلسانكم الذي تفهمون، فأصغوا إليّ؛ فإن كنتم ذوي تعقُّلٍ وتبصُّر وإنسانية، فستدركون الحقيقة، وتَلِجُون في دائرة الإيمان.
ونحن بحمد الله آثرنا أمرَ الاستجابة إلى هذا البلاغ القُدسيّ بحسَبِ الاستطاعة، ونُشاهدُه عن كَثَب ونُبيِّنُه للآخرين.. وهذا كلُّه بفضل إيقاظكم لنا من نوم الغفلة، وما
— 66 —
أرشدتمونا إليه من الحقائق، وما أبرزتموه من الجواهر الألماسية، فكنتُم الوسيلة لتقويم سلوكنا.. فليرضَ الله عنكم إلى الأبد.
صحيح أننا لم ننجُ بعدُ من شرور النفس الأمّارة وأحابيلِ شياطين الجن والإنس، إلّا أننا نستشعرُ الذَّوق واللَّذّة بقدرٍ ما، وذلك من خلال العمل في حقل هذه الخدمة القرآنية المُقدَّسة؛ وأنَّنا وإن قصَّرنا في واجباتنا ولم نتمكن من القيام بحقِّ هذه الخدمة الجليلة على الوجه اللّائق، فحَسبُنا أنَّنا مندرِجُون في سِلكِها ونسعى في سبيلها بحَمدِ الله تعالى، و «إنَّما الأعمالُ بالنِّيّاتِ».
خلوصي
٭٭٭
— 67 —

الذيل الثاني

(مشاعرُ أخي في الآخرة "بكر آغا" من بلدة "عادل جواز" تِجاه "الكلمات"، وقد كان سببًا للَفتِ أنظارِ أهالي "إسبارطة" نحو الأسرار القرآنية، وأدَّى بذلك دورَ العلماء رغم أُميَّتِه):
سيدي، أوَّلًا أقبل أيديكم المباركة بكمال الإجلال والاحترام، وأدعو لكم في كل آنٍ بما ينطلقُ به لساني، وأرجو دعَواتِكم، فأنتم یی أستاذي یی أصحابُ الجود والكرم.
سيدي، لا يخفى عليكم أنَّ أخاكم وطالبَكم هذا رجلٌ أُمِّيٌّ، إلا أنني تناوَلتُ جميعَ رسائلَكم النُّورية الفريدة الساطعة كالشمس، فاستَمعتُ إليها، وأَقرَأتُها للآخَرين.
وكما لا يمكن حجبُ نور الشمس عن الأنظار بأيِّ احتمال، كذلك لا يمكن وضعُ سدٍّ أمام رسائلكم؛ فلقد راقبتُ قلبي وعاينتُ أحوال روحي لدى استماعي إلى الرسائل، وبدأتُ أتفحَّصُ مدى فهمي واستيعابي لها، ومشاعري تجاهَها، فوجدتُ اندفاعًا هائلاً ينبعث من روحي، وتدفُّقًا فيّاضًا ينطلق من قلبي وبغير اختيارٍ منِّي لتَسُوقَني لأداء الوظيفة، فكأنها تُناديني بإلحاحٍ: هيا هيا!.
وبينما كنت أُراقب حالتي الروحية هذه، شاهدت المفاتيح التي أظهَرَتها لي تلك الأنوارُ بل تراءت لي، فأدركتُ أنه يتوجَّب عليَّ أن أفتح بها الأبواب المغلقة، وكأنه أمرٌ یی يفوق حدِّي یی موجَّهٌ إليَّ أن أبحث عن إخواني المشتاقين إلى النُّور، وأُبلِّغ تلك الأنوار المشرقة كالشمس لِمن هو أهلٌ، بل لقد اعتبرتُها مُهِمّة عُهِد بها إليّ.
وفورَ تسلُّمي لتلك المفاتيح من الأنوار، ذهبتُ أُفتِّشُ عن أولئك الإخوة حتى وجدتُهم بحمد الله، فأودعتُ في أيديهم هذه الخزائن القيِّمة، الأثمنَ من الياقوت، والأسطعَ
— 68 —
من الزمرُّد، والتي هي عندي أمانة الله وأمانة رسوله (ص)، لِنَشُلَّ بها أيديَ المُلحِدين الخَوَنةِ ونذَرَهم دون حَراك.. فلِلَّه الحمدُ أن وفَّقَني لذلك.
إنَّ من يُطالِعُ مؤلَّفاتِكم المباركةَ لا بد أن يدخل دائرةَ الإيمان ما دام يمتلك شيئًا من مشاعر الإنسانية وأحاسيس البشرية، وإلّا فإما أن يستقيلَ من الإنسانية، أو يعترفَ بأنه ليس من جملة البَشَر.
وكلٌّ من هذه المؤلفات "فاتح" بحدِّ ذاته، وسوف تفتح القلوبَ في أرجاء الأرض كافّةً إن شاء الله تعالى.. أسأل الله أن يكتب لنا جميعًا ثوابَها في الآخرة، وأن يجعلنا مظهرًا لشفاعتها.. آمين.
أقبِّل أيديَكُم المباركة مجدَّدًا، وأرجو دعاءَكم سيِّدي.
من آل عبد الجليل وبلدة "عادل جواز"
بكر بن أمر الله
٭٭٭
(فقرة خلوصي الثاني: صبري):
كنتُ أنتظرُ نَشرَ "الكلمة العاشرة"، هذا المؤلَّف النوراني الذي تفوقُ قيمتُه الكونَ كلَّه، وفور صدورِه سعيتُ للحصول على نسخة منه، وما إن وقع في يدي حتى انطلقتُ إلى مكان خالٍ من ذوي الأرواح، وقعدتُ تحت شجرة بين نباتات خضراء مزدانة أشبهَ بالزمرد.. كان وجه الأرض جميلًا ومزيَّنًا بشتَّى أنواع الزهور الموسميّة البهية.
حقًّا إنَّ هذا المؤلَّف يمثِّل حجّةً حقيقيّةً وإثباتًا يقينيًّا لعالَمِ البقاء، بما يسوقُه من الدلائل القطعية والبراهين الرصينة القوية، والنصوص النقلية، والمُحاكَمات العقلية المنطقية، وغيرها ممّا لا يُمكِنُ حصرُه؛ ويمتلكُ من الحقائق الدقيقة والإشاراتِ العميقة ما يكفي لإنقاذِ الكثيرِ ممَّن زلَّت أقدامُهم بحقِّ قضية الحشر، فانزلقوا في منحدرات عميقة، وانجرفوا إلى مستنقعات آسِنة، وغرقوا في لُججِ الضلالة والخسران.
— 69 —
ورغم قصوري عن إدراك المقامات الرفيعة والمنازل القيِّمة لذلك السِّفر النفيس، وتضاؤلي حتى عن فهم أقصر جملة منه حقَّ الفهم، وتدبيج العبارات اللائقة بحقِّه؛ إلا أنني موقنٌ أنه مؤلَّف عظيم فريد ليس له نظير في بابه، وذلك في ظلِّ ما استمدَّه من فيوضاتِ منبعِه الحقيقي: الفرقان المبين.
ولقد جرَّبتُ بنفسي أنا العبد الفقير یی مع شِدّة عجزي وبروز ضعفي یی الخوضَ في هذا البحر المُكتَنزِ بالحقائق، فغدا هذا المؤلَّف لي مفتاحًا ألماسيًّا أَلِجُ به محيطَ النُّور.
وبناءً على هذا، فإذا طالعه بعض الخواصِّ وأخصُّ أهل الاختصاص بدقة وتمعُّن في معانيه، فلا يمكنُ تقديرُ حجم المكاسب والفيوضات التي يَكسِبونها بعد أن يشاهدوا ما انطوى عليه من الحقائق الإلٰهية، ويطَّلعوا على ما تضمَّنه من المعارف الربانية؛ ناهيك عمّا يُومِئُ إليه ترتيبُ هذا المؤلَّف النوراني العُلويّ السّامي وترقيمُه من الإشارة إلى ما سبَقَه من الكلمات التِّسع، وإلى ما سيلي هذا الرقم العاشر من المؤلَّفات الوفيرة.
حينها فهمتُ: أن منابع النور المضيئة للقرآن الحكيم قد فاضت وتدفَّقت، وأنَّ انفجاراتٍ عظيمةً في مناجم ألماس الفرقان الحكيم قد وقعت، وأنَّ أدويةً ومجوهراتٍ تُسمَّى "الكلمات" ظهرت، وأن الكثير من القلوب قد أشرفت على الشفاء من أمراضها واستعادة عافيَتِها.
ولكلِّ مَن لم يتيسَّر له الاطِّلاعُ على ما تحتويه كلُّ كلمة من "الكلمات" من المعاني الدقيقة والبيانات العميقة، بفضل الفرقان المبينِ وفيضه، سأشرح له ذلك بمثال هو آلة التصوير الشعاعيّ:
مثلما تَنفُذ أَشِعّةُ آلةِ التصوير الشُّعاعيِّ إلى داخل الأعضاء، وتُعاينُ أخفى أمورها وأدقَّ مساربِها، وتُظهِرُها للآخرين؛ كذلك حالُ أُمَناء مستودع الأنوار: "الكلمات"، فلديها خاصِّيّةُ مشاهدة أخفى حقائق الأشياء وإظهار حتى ذرّاتِها الصغيرة.
صبري
٭٭٭
— 70 —
(فقرتان لخُسرَو):
ليس في مقدور أحدٍ فهمُ "الكلمات" الأَخّاذة السّامية دُفعةً واحدة، تلك المؤلفات التي لم أجد لها مثيلًا حتى اليوم، فالمعذرة.. ورجائي أن يوفِّقنا الحقُّ سبحانه يومًا لبلوغ ذلك ببركة دعائكم.. وأحمدُ الله وأشكرُه ملياراتِ المرّات أن دلَّني عليكم، وأتاح لي نسخَ "الكلمات".
خُسرَو
٭٭٭
بصرفِ النظرِ عن حيرةِ لساني العاجز، وعقلي القاصر، وفهمي المضطرب، عن بلوغ سموِّها وإدراك حُسنِها ولَطافتِها.. فإنَّ كلَّ من يقرأ "الكلمات" يُبادر یی دون استثناء یی إلى استحسانها وتقديرها؛ فمهما حَمِدتُ الله تعالى وشكرتُه فلن أستطيع إيفاءَ حقِّ لُطفه هذا.
خُسرَو
٭٭٭
(فقرة للحافظ زهدي):
وُفِّقتُ لاقتطاف ثمرتينِ أُخرَيَينِ من ثمرات بستان النور النيِّرة، ولكن لساني القاصر يقفُ اليومَ عاجزًا تمامًا عن وصف اللذّة التي تنطوي عليها هذه الثمرات.. فأمّا المكتوب التاسعَ عشرَ فلا أرتوي من مطالعة نصوصه القيِّمة التي تأخذ بيدِ المرء إلى حضرة نبيِّ آخر الزمان عليه أكمل الصلاة والسلام، وتُذيقُه شرفَ المُجالَسة النبوية اللطيفة النقيّة.
كما يقفُ قلمي عاجزًا عن تحبير أيِّ كلمةِ تقديرٍ واستحسان بحقِّ جميع رسائل النور.. أسأل الله واهبَ العطايا أن يوفِّقَني كأصحابي لتذوُّق جميع ما في بساتين النور من ثمرات.
الحافظ زهدي
٭٭٭
— 71 —
(فقرة لطالب نور):
أتممتُ اليوم بتوفيق الله تعالى كتابَ "المعراج" السامي، ويعجِزُ قلمي عن وصف السعادة التي غمرتني بعد إتمام مطالعته؛ إلا أنني سأسجِّل انطباعي بإيجازٍ في جملة واحدة: لدى قراءة رسالة "المعراج" وجدتُ ضياءً ونورًا يملأُ القلبَ، ويُنيرُ سبلَ السَّلامة في خضمِّ متاهات الحياة الخطرة، ويَمخُر عُبابَ اليمِّ المعنوي المُوصِل إلى السعادة الأبدية.
أجل، إن الحقائق الثابتة بالأدلّة والبراهين في كل مثال من أمثلة الكتاب، جعَلَت ذكرياتِ عصر السعادة وزمن المعجزات تلوحُ حيّةً أمام أعيُنِنا، تلك الحياة التي تبتهجُ أرواحُنا ويَغمُرها السُّرورُ بمُجرَّدِ تذكُّرها وتخيُّلها، فحلَّق الخيالُ من مكان إلى آخر، وانتقل من تحيُّر وإعجاب إلى آخَر.
إن كتاب "المعراج" يملك من القوة ما يكفي في كلِّ وقتٍ لدحض آراء المعترضين من المفتونين بالفلسفة، بل له من القوة ما يُسقِط فلسفتَهم، ويدفَعُهم ليُعلِنوا إفلاسَهم.
إنَّه كتابُ تاريخٍ يُثبت مِن مُبتدَئه حتى مُنتَهاه الحقائقَ التي تتضمَّنُها الأصول الدينية، ويقرِّرُها بموضوعية ودون تضخيمٍ، على نحوٍ يمكِّن أصحابَ الأفكار المُنصِفة من مشاهدتها، ويُسهِّلُ عليهم قبولَها، ويفتحُ لأهل الإيمان مغاليقَها بدلائل منطقية ومعقولة.
إن أولئك الفلاسفة الغارقين في الغفلة، والمهزومين أمام الضلالة، والراغبين أن يحوزوا بحفنةٍ من العقل مكانةً رفيعةً، يتحوَّلون أمام كتاب "المعراج" إلى ملك معزولٍ جُرِّد من رُتَبه، وحُكِم على جميع شُهرته وشرفه بالسقوط، واستحوذ عليه اليأسُ مدى الحياة.. أما ذلك الفيلسوف الذي تحطَّمَت قيودُ فلسفته واحدةً تلوَ الأخرى، وتساقطت جميع اعتراضاته الفكرية إزاءَ هذه الحقائق، وأدرك أن قضيَّته وادِّعاءاته باتت باطلة، فسيهوي ساجدًا أمام قدرة خالقه وعظمته، وسيطلب منه العفوَ والغُفرانَ.
ذكائي
٭٭٭
— 72 —
لقد أضاءت الكلمات: "الرابعة، والتاسعة، والحادية والعشرون" جنباتِ روحي المُعتِمة على نحوٍ أَعجِزُ عن وصفه، وذلك بحديثها عن الصلاة، فكانت بحقٍّ منبعَ الفضائل والمكافآت.
ولهذا فأنا أتابعُ هذه المؤلَّفات بلهفة وشوق، وأسأل الله أن يجعلَها رفيقَ دربِ الغافلين الذين يضيعون أوقاتهم بين سُحُب الشبهات وتوافه الأمور، ورفيقَ حياة الباحثين عن دليل الحق بعد أن كانوا أسارى لنزوات شبابهم، واستشعروا الندمَ مع مرور الزمن.
ذكائي
٭٭٭
(فقرة للدكتور):
أستاذي، لكم عندي كتابان مُودَعان على سبيل الأمانة، وأرجو أن أتمكَّن من إعادتهما في الأسبوع القادم، فبالكاد أنهيتُ قراءة الصَّغير منهما مرَّتَين والكبيرِ مرّةً واحدة، مع قصورِ فهمي نظرًا لعجزي أو ضيق فهمي الشديد؛ ولأجل ذلك وَدِدتُ أن أقرأ تمثيلاتِكم الرّائعة مرّاتٍ ومرّاتٍ حتى أتحصَّل على علاقة جُزئية أو كُلِّيّة.
يالله العجب! ما هذا المنطق العظيم؟! وما هذا الطِّرازُ من التلقِّي والبيان المُسكِتِ؟!
أستاذي، إنني مَدِينٌ لكم خاصّةً في إدراك جلالة هذا الدين المبارك والإحاطة به ومعرفةِ عظيمِ قدره، وأشكركم على ذلك شكرًا جزيلًا؛ فلقد شابت عقيدتي الدينيةَ تقلُّباتٌ عظيمة نتيجةً لبعضِ المؤثِّرات، إلا أنني سألقى النجاح والتوفيق الدائم في الحياة بإذن الله، بفضل ما حضرتُه من المجالس الدِّينية والإنسانية والوجدانية، وما تلقَّيتُه من الدروس العلمية والاقتصادية التي تعلَّمتُها من رسائل النور.
الدكتور يوسف كمال
٭٭٭
— 73 —
(للدكتور):
أقرأ مؤلفاتكم الرفيعة كلما سنحت لي الفرصة، ولا أمتلكُ المقدرة اللازمة للإحاطة بعموم معانيها؛ فهي بإرشاداتها السامية سوانحُ رائعة وذكريات قيِّمة لا يمكن نسيانها أبدًا.. لقد ملَكَت عليَّ مشاعري وأسَرَتني بأذواقها، وستدُومُ إن شاء الله مدى الحياة وحتى دخول القبر.
أستاذي، إن كلماتكم أَجْرَت تحوُّلاتٍ جِدِّيةً في تصوراتي الدينيّة، وساقَتها إلى سبيل مُحبَّب، فما عدتُ اليومَ أُفكِّر كما يفكِّرُ الأطبّاءُ.
الدكتور يوسف كمال
٭٭٭
(فقرة طويلة لخلوصي بك):
باسمه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته بعدد الملك والإنس والجان..
أُستاذي العزيز..
وصلتني قبل أربعة أيام المسألة الرابعة من المكتوب الثامن والعشرين، ووصَلَتني البارحة مسألتاه الثانية والثالثة ومُرفقاتُهما.. فسَعدتُ بها كثيرًا.
أولًا: اسمحوا لي أن أتحدَّث ببضع كلماتٍ بمناسبة ما وجَّهَه صبري أفندي المحترم لهذا العبد الفقير من ثناءٍ وتقدير، وهو مما يدل على كمال تواضعه الثابت ببيِّنات أستاذي أيضًا، فأقول: إن لدى أخيكم المذنب قطرةً من بحر خِصالِ أستاذه الجليل المكرَّم، وبهذا الاعتبار أودُّ أن أعرض لكم ثلاثةً من هذه الخصال:
أوَّلها: كان لديَّ فضولٌ منذ صِغَر سنِّي لمعرفة حقائق القرآن وتحرِّي طريق الحقيقة، وهذا من لُطف الله بي وكرمه عليَّ، وفي نهاية المطاف وجدتُ ما كنتُ أبحث
— 74 —
عنه في "أغيردِر"، وذلك فيما نشره أستاذي الموقَّر من الأنوار المسمّاة بی:"الكلمات"؛ ممّا أنقذني من المخاطر، ونجّاني من المهالك إلى السعادة، وأخرجني من الظلمات إلى النور، وأبلغني ساحل السلامة؛ فمن حينها تولَّدت في روحي علاقةٌ ومحبة ورابطة لا تتزعزع تجاه القرآن الكريم والأنوار، وتجاهَ ناشرها ومبلِّغها ودلَّالها، وكلُّ ذلك بتوفيق الحقِّ سبحانه، فحينما أنشغلُ بالأنوار أشعر بشوق عارم في كياني، وبمتعة تفوقُ جميع مُتَع الدنيا ولذائذها.. فلِلَّه الحمد والشكر آلاف المرات.
ثانيتُها: إنني بمقتضى العبودية وما تعلَّمتُ من الدروس التي تلقَّيتُها من الأنوار، أعلم أن جميع السيئات والمساوئ من نفسي، وجميع الحسنات والفضائل من الله تعالى؛ ولديَّ رغبة شديدة في الانطلاق بخدمة الأنوار والقرآن قدر الإمكان، وأتألَّمُ كثيرًا لأجل إخواني من أهل الإيمان الذين لم أَتمكَّن من إيصالها إليهم ونشرِها بينهم.. وأحمدُ الله على هذه الحال أيضًا.
الحالة الثالثة وشخصيَّتي الحقيقية: أشعرُ بالحرج الشديد في الحديثِ عنها والتعريف بها، لذا ألجأُ إلى الله تعالى ضارِعًا أن يحفظني وجميعَ إخواني من مكرِ النفس وشياطين الجن والإنس، وألّا يجعلنا من الضالِّين.. آمين.
ولا بدَّ أنَّ إخواني (حاشية): يخاطب طلابًا كصبري. من أصحابِ أستاذي وطُلّابه، يستشعرون في أرواحهم الحالتَينِ الأولى والثانية؛ وما دام الأمر كذلك فإن الذين مَضَوا في هذا السبيل بتوفيق الهادي سبحانه لن يُغلَبوا أمام نفوسهم الأمّارة وأمامَ شياطينهم بقَدرِ ما وقع لهذا الفقير العاجز المسكين، وسترقى أحاسيسُهم وتَسمُو مشاعرُهم عاليًا، فرُقيُّ الأحاسيس لدى البشر یی وبخاصّةٍ أهل الإيمان یی لا تَحُدُّه حدودٌ.
إن هذا التوجُّه من أستاذي نحو طالبه المقصِّر يُمثِّل دليلًا ساطعًا على مدى شفقته بالمؤمنين، ولا سيَّما أمثالي من المحتاجين، وأنا أشدُّهم حاجةً.
— 75 —
أخي صبري المحترم العزيز المتواضع، خلاصة الأمر أنَّك تُحسِنُ الظنَّ بي كثيرًا، وتُنزلُني مكانةً تفوقُ حدِّي، أؤكِّد لك أنني عبد من العباد وفردٌ من أفراد هذه الأمة المحمدية (ص)، مذنبٌ عاجز وفقير مُفلِس، ومحتاجٌ جدًّا لدعواتكم.
وإن أعظم غاياتي وأخلص أمنياتي وأقدس نعمائي أن أكون مساعِدًا لدلَّال القرآن الكريم في خدمته القُدسية التي فُتِحت له بما قدَّم من معاني العجز والفقر، والتي وُفِّق من خلالها لِاستخراج الجواهر من خزينة القرآن الخاصة، وعَرضِها ونشرها تحت أسماءٍ وأشكالٍ وطرق متنوِّعة.
ولأجل نيَّتي هذه، فإنني في أوقات اشتغالي بالأنوار تتقاطر إلى خاطري وقلمي بعض الأفكار على غير المعتاد، وهذه الكلمات إنما تخصُّ الأنوار النابعةَ من القرآن وليست وليدةَ فِكري؛ لذا فالأستاذُ الحقيقي إنما هو القرآن؛ وأمّا أستاذنا الموقَّر فهو المعرِّف والمبلِّغُ والمُدرِّس، وهو اللائقُ بهذه الوظائف؛ وما علينا نحن المحتاجين سوى اغتنامِ الفرصة لتلقِّي تلك الجواهر ونَقشِها في قلوبنا وأذهاننا، والسعي قدرَ المُستَطاع في نشر هذه الأنوار والحفاظ عليها، لأنها مبعثُ سعادتنا في الدارين.. ومن الله التوفيق.
ثانيًا: طالعتُ مجموعة المكتوبات الخصوصية المُتضمِّنة لثلاثة عشَرَ مكتوبًا من "المكتوبات الصغيرة"، واستدعيتُ بها الماضيَ إلى الحاضر لأُصغيَ مجدَّدًا إلى بيانكم اللطيف ذي المعاني العميقة بلهفة وشوق.. لا يُمكِنُني إغفالُ تلك اللَّحظات وتركُها ماضيًا طيَّ النسيان، بل أستذكرُ كلَّ لحظة منها كأنها حاضرة، وما تقسيماتُ (الماضي والحاضر والمستقبل) سوى أمرٍ اعتباريٍّ، وأهلُ الذوق لا تَعنِيهم مثلُ هذه الاعتبارات.
ثالثًا: المسألة الأولى من المسائل الثمانية التي تضمَّنَها المكتوبُ الثامن والعشرون علَّمَتني درسًا مُهِمًّا فيما يخصُّ رؤياي، إذ هي تفسير رائع للآية: وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا، وتعبيرٌ جميل للرؤيا التي تحقَّق معناها في النهاية.
— 76 —
وإنكم بتفسيركم العالي والدقيق لهذه الآية التي تتحدَّث عن النوم، قدَّمتم مجدَّدًا درسًا تأصيليًّا جادًّا، يشتمل على معاني الأذواق وعموم الإفادة، مع تمام البلاغة وغاية الإيجاز، لجميع قُرّاء رسائل النور ومكتوبات النور ومُستمِعيها، وفي مُقدِّمتهم "خلوصي" الذي هو أشدُّهم حاجةً لمثل هذه الدروس.
وهنا أودُّ أن أُشير إلى واحدةٍ من الكرامات القرآنية، وهي: أنَّه ربما يخطر في ذهني أمرٌ ما ويَشغَلُ بالي كثيرًا سواءٌ كنتُ هنا أو في "أغيردِر"، وبمجرَّد قراءتي لأوَّل مكتوبٍ من مكتوباتكم أجدُ الإجابة الوافية لِما يشغل ذهني! (حاشية): هذه الكرامة النورية حصلت لدى كثيرين مثلما حصلت مع خلوصي، وما زالت تحصل. وقد تكرَّر هذا الأمر مرّاتٍ كثيرةً، لذا أقول: إنها كرامة قرآنية.
وأمّا المسألة الثانية: ففضلًا عن كونها درسًا علميًّا مفيدًا، فإنِّي لاحظتُ أمرًا آخر، وهو: أن أعوان حزبِ الشيطان لمّا حاولوا المُراوَغةَ بحركاتٍ مزيَّفةٍ وخدَّاعةٍ، وقطعوا في ذلك أشواطًا بعيدة، تصدَّى لهم أستاذي الحبيب، حامِلًا بيده مفاتيح المشفى القرآنِيّ بعناية الحق سبحانه، وواجههم بأسلوب بديع وبأمثلة مدهشة، فكان كمَن يقدِّمُ الأدوية اللازمة للسُّمِّ الزُّعاف، ويُبارِزُ بأسلحة القرآن من يريد المبارزة.. فاستحقَّ كلَّ التقدير والإجلال، رضي الله عنكم كثيرًا.
وأمّا المسألة الثالثة فجميلة ورائعة وواضحة جدًّا.. وإنَّ في تقسيمكم هذه المسألة إلى خمسِ نقاط تذكيرًا بأركان الإسلام الخمسة، وإشارةً إلى أُسُسِ النجاةِ الخمسة؛ وكان تأليفها جوابًا لأسئلة مقدَّرة تردُكم من أصحابكم ولمَن يترقَّبون ما يصدر عنكم، كما أنكم تسمحون بحسن الظنِّ وتَذكُرون ترتُّبَ الأجر والفائدة عليه بحسب نية المرء؛ وبما يُرضِي السائلَ أيضًا؛ ولقد وصف الموقفُ الثالث للكلمة الثانية والثلاثين الدواء لهذا الداء، وداوى الجراح، وقدَّم الحلَّ المناسبَ لهذه الرغبة.
لقد شاهَد كلُّ ذي تبصُّر ودراية، ومن له حظٌّ من العقل ومن لم يَفسُد قلبُه، أنَّ "الكلمات" أيَّدَت المؤمنين وقدَّمت الدَّعمَ لهم، وانتشَلَت الحائرين من مُستنقعات
— 77 —
الحَيرة، وأيقَظَت السُّكارى من سكرتهم، وأعادت للمجذوبين وعيَهُم، وأقنَعَت أفرادَ البشر التوّاقين للحقيقة بأنْ لا مُرشدَ في هذا الزمان أفضلُ من القرآن، وألزَمَت المُلحِدين والمنافقين الحُجّةَ، بل جعلَت الشياطينَ يفرُّون منها هاربين.
وسرُّ هذا النجاح العظيم يكمُن في إحسانِ الخالقِ تجاهَ العجزِ الحقيقيِّ الذي أظهره دلَّالُ القرآنِ وأنواره، وبما أرشد إليه القرآنُ من سبيلِ العجزِ.. وهو يخاطبُ كلَّ مؤمنٍ باستمرار، ويدعوه بأعلى صوته لسلوك هذا الطريق القصير الآمن المُكلَّلِ بالسعادة قائلًا: كلُّ ما تطلبُه تَجِدُه في القرآن الكريم، مصداقًا للآية الجليلة:
وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ،
ولكي تدركَ هذا المطلوب يتوجَّب عليك مطالعةُ الأنوار وخدمة القرآن، وإدراك عجزك أمام الله، ومعرفة حدودك، والإقرارُ بوجوده وسلطانه بكلِّ كيانك.
رضي الله عن أستاذنا دائمًا أبدًا، وبلَّغَه جميعَ آمالِه الدنيوية والأُخروية، وجعَلَه ذُخرًا للأمة المحمدية... آمين بحرمة سيِّد المرسلين (ص).
جميعُنا بحاجة لدعائكم، ودُعاؤنا لكم واجبٌ ودَينٌ في عنق كلِّ فردٍ منّا.
كم هو جميل وراقٍ وصفُ أخينا صبري أفندي وتقديرُه.. ما شاء الله.. ما شاء الله!!
حينما أقرأُ هذه الأنوار أشعر في نفسي كأنِّي أُمثِّل أُستاذي، فالقراءة بأسلوبكم وتعبيركم تُشعرني بمتعة وتذوُّقٍ رفيعٍ لا يُمكِن وصفُه؛ لذا أرى أن المساس ولو بحرف واحد منها جنايةٌ كبيرة، فمن يَجرُؤُ على تقويم نصٍّ في الأنوار! نعم، قد لا تبلغ بعض العبارات مستوًى أدبيًّا عاليًا، لكنها ليست خطأً، فلسنا نتعامل مع نصوصٍ أدبية، بل مهمَّتُها إظهار أنوارِ القرآن؛ إلا أني قد أستخدم أحيانًا بعض الصلاحيات الممنوحة لي من قِبَلكم، فأَحذِفُ حرفًا واحدًا أو أغيِّرُ مكانَه.
وبينما كنتُ أكتب مُسَوَّدةَ هذه الرسالة نادى المُؤذِّن: "الله أكبر"، فأجبتُه: "الله أكبر جلَّ جلاله"، إقرارًا بشرفِ هذا العمل وأهميَّته؟
— 78 —
وأمّا المسألة الخصوصية الرابعة: فقد استخدمتم فيها السلاح بشكل متقن یی بارك الله بكم یی مع أنها بلسان سعيد القديم، وأنا مقتنع تمامًا أن رِماياتِكم المعنوية قد أصابت أهدافَها وفقَ هديِ الآية الكريمة: وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى، وأسأل الله أن يقطع شرورَ أمثال هؤلاء بسيف قدرته، وأُحِيلُ هؤلاء الخونة والظالمين وأمثالهم إلى اسم الله: "القهَّار".
لا فتورَ في خدمتي، لكنَّ موانعَ كثيرةً تحول دون القيام بها، فلو حمَّلوا الدنيا على كاهلي، وأجَّجوا النيران في شتى أطرافي، فلن يستطيعوا صرفي عن قناعتي السامية.
أرغبُ بتقديم أمور كثيرة، ولستُ راضيًا عن إنجازي، لكن ما حيلتي وقد رَفَعت النفسُ وشياطينُ الإنس والجن مقامِعَهم في وجهي؟! وحين أُضطَرُّ لمُبارزتهم أُقصِّر في واجب الخدمة الأساسية، مع شديدِ حزني وأسفي.
وَآَخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
خلوصي
٭٭٭
(فقرة سليمان أفندي الذي قام على خدمتي بشكل طوعي ستَّ سنوات بكمال الوفاء، ولم يتسبَّب بإزعاجي وأنا العصبيُّ المزاج، مزاولًا وظيفة كتابة المسوَّدات باستمرار):
سيدي.. أقبِّل أيديَكم المباركة أوَّلًا وأسألُكم الدعاء.. لقد طالَعَ خادمُكم وطالبُكم وأخوكم الفقيرُ سائرَ ما قُمتُم بتأليفه من الأنوار حتى اليوم، رسالةً تلوَ الأخرى، وشاهدتُ في كلٍّ منها من الأنوار الساطعة ما هو كالشمس المُنيرة، واستفدتُ منها أيَّما استفادة.. لقد أنارت لي تلك الأنوارُ طريق الآخرة، وبيَّنت لي كثيرًا ممّا كنتُ أجهلُه في ذلك الطريق.. لذا فأنا عاجزٌ عن الشكر.
— 79 —
ولمّا كنت عاجزًا وصفِ الأنوارِ والتعريفِ بمكانتِها، تجرَّأَت رُوحي فصوَّرَت مشاعري القلبية على هذه الصورة، أُقدِّمُها لكم راجيًا عفوَكم عمّا بَدَر من نقائص وأخطاء:
سيِّدي، إن اللَّذة والسعادة التي حظيتُ بها من بحر رسائل النور لم أجد مثيلًا لها في الدنيا كلِّها، فوَصَلتُ بعد محاكماتي الوِجدانيّة إلى القناعة القطعية التالية: إنَّ كلَّ رسالة من تلك الرسائل تمثِّل بحدِّ ذاتها تفسيرًا للقرآن، وإنَّ في مطالَعتِها العلاجَ الناجع والترياق النافع للأمراض والجراح الغائرة التي يعاني منها أولئك المُتنكِّبون عن معاني الإنسانية مع أنهم مخلوقون على صورة البشر، هذا ما لاحظتُه بإدراكي الضَّئيل؛ وفي اعتقادي أن الزمان سيُظهِر قدرَ هذه الرسائل وقيمتَها، وأنها ستكون أسطورة تجولُ شرقًا وغربًا، وستُظهرُ لأوروبّا یی بإذن الله یی أنَّ القرآن شمس عظيمة.
أقبِّل أيديَكم مرّةً أخرى، وأرجو دعاءَكم سيدي.
سليمان
٭٭٭
(فقرة من رسالة رأفت بك الذي هو بحُكم خُلوصي عقلًا، وصبري قلبًا، وخُسرو وجدانًا):
باسمه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السَّلام عليكم ورحمة الله وبركاته أبدًا دائمًا..
أُرسلُ لفضيلتكم هذه المرة "الكلمة الخامسة والعشرين" مع سليمان أفندي لأجل تصحيحها؛ وهي في الحقيقة سِفرٌ نفيس وأهمُّ كُتُبِكم القيِّمة، وذلك لِما تتحدَّثُ عنه من إعجاز القرآن ولِما تتضمَّنُه من الحقائق.
— 80 —
وحين قرأتُ "المعجزات الأحمدية" أَلفَيتُها مؤلَّفًا رائعًا قيِّمًا يبعثُ في الروح السُّمُوَّ والطمأنينة، ولكن التحوُّلات التي أَجرَتْها "المعجزاتُ القرآنية" في روحي، والفوائد الكبيرة التي حصَّلتُها منها عظيمةٌ جدًّا؛ ولا عجبَ في الأمر، إذ إنَّ أعظم المعجزات الأحمدية (ص) القرآنُ المعجز البيان.. ولقد جاء هذا المؤلفُ تجسيدًا للآية الكريمة: وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ، وذلك بما جلَّاه من المعانِي الجليلة الشاملة العظيمة.
فأين أولئك الغافلون الذين يغضُّون الطرفَ عن هذه الخزينة الجامعة لحقائق القرآنِ المُعجِزِ البيان، بينما يتسوَّلون العلم والمعرفة على أبواب أوروبا، ويَعُدُّون الابتكاراتِ البشريّةَ والتطورات العلمية المعاصرة من إبداع أفكارهم؟! فلو أنَّهم طالعوا یی بنظرة إنصاف وبغرضِ الاستفادة یی هذه المؤلَّفات الجليلة بما تنطوي عليه من الدساتير العظيمة والكفاءة التامة لتوفير السعادة الدنيوية والأخروية للبشرية، لأفاقوا فولِص من نوم الغفلة التي غرقوا فيها.
ولكن هيهات! ما أشبهَنا بالدجاج الذي يموت جوعًا في مستودع الشعير! إنَّ بين أيدينا مجموعةً من الحقائق، إلا أننا نُعرِضُ عنها ونستعينُ بغيرها.
مهما كتبتُ عن سموِّ إعجاز القرآن فهو قليل، ويظلُّ قلمي قاصرًا عن وصفه، ولو كان باستطاعي إعطاءُ هذا الأمر حقَّه لفعلتُ، لذا أختصر كلامي.
أقبِّلُ أيديكم المباركة بكمال الإجلال، وأرجو أن تدعوا لنا بالثباتِ في خدمة القرآن.
رأفت
٭٭٭
— 81 —
(فقرة المُقدَّم المرحوم عاصم بك ):
لقد أَحيَت موازينُ الأنوار القرآنية وبراهينُها، ورسائلُ "الكلمات" الشريفة العظيمة القدرِ، رُوحَ هذا العبد الفقير ونوَّرت قلبَه؛ وهذا من فضل ربي..
كنتُ أبحث عن هذا الأمر منذ زمن بعيد، فوجدتُه بحمد الله في الأنوار.. ويقف قلمي اليوم عاجزًا عن التعبير عمّا ينطقُ به قلبي وضميري.
عاصم
٭٭٭
أخي الموفَّق خُسرو..
هذه الرسالة (٭): أي المكتوب السابع والعشرون كلّه. مجلسٌ نوراني، يتدارس فيه طلاب القرآن الكريم المثقَّفون النُّجباء، ويتداولون فيما بينهم الأفكار الدائرة حول الإيمان، ويتذاكرون ما فيها من المعاني.. وهي قاعة مدرسةٍ راقية يقدِّمُ فيها كلٌّ من تلامذةِ القرآن الدُّروسَ التي تعلَّمها لأصحابه.. وهي حانوتٌ يَعرِضِ الرسائلَ التي هي صُنيدقاتٌ صغيرة للخزينة القدسيّة للقرآن المُعجِزِ البيان، ومنزلٌ لِدَلّالِيه وبائعيه، فكلٌّ يعرض للزبائن الكرام ما ناله من الجواهر النفيسة..
فبارك الله فيك أنت أيضًا، قد زيَّنت ذلك المنزل بشكل جميل.
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭
— 82 —

الذيل الثالث للمكتوب السابع والعشرين

(فقرة سعيد):
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
(رسالةٌ إلى طبيبٍ أَورثَتْه قراءةُ رسائلِ النور صحوةً ويقظةً، فكان شديدَ الإقبال عليها والشَّغَفِ بها، صحيح أن مناسبتها لهذا الذيل الثالث هَشّة جدًّا، لكن لتكن لي فقرة بين فقرات إخواني).
مرحبًا بك أيها الصديق الوفيُّ العزيز، والطبيب الموفَّق الذي اهتدى إلى تشخيص مرضه..
إن الصحوة الروحية التي بيَّنْتَها بحماسٍ في رسالتك جديرةٌ بالتهنئة والتبريك.اِعلم أن أغلى ما في الموجودات: الحياة؛ وأن أثمن ما في الوظائف: خدمة الحياة؛ وأن أجلَّ ما في خدمات الحياة: السعي لتحويل الحياة الفانية إلى حياةٍ باقية.
أما قيمةُ هذه الحياة وأهميتُها فليست إلا باعتبارها نواةً ومبدأً ومنشأً للحياة الباقية، وإلا فإنَّ حصْرَ النظر في هذه الحياة الفانية على نحوٍ يُفسِد الحياة الأبدية ويُسمِّمها ليس إلا حماقة؛ وهو أشبهُ بتفضيلِ لمعةِ برقٍ خاطفة على شمسٍ سرمديةٍ.
وإن الأطباء الماديِّين الغافلين هم أشدُّ الناس مرضًا بمنظار الحقيقة، غير أنهم إذا تمكَّنوا من تناوُلِ ترياقِ العلاجِ الإيماني من صيدلية القرآن القدسية، داوَوْا أمراضهم وعالجُوا جراحات البشرية كذلك؛ ومثلما كانَت صحوتُك هذه بلسمًا لجراحك، فإنها ستجعلُ منك مُداويًا لأسقامِ الأطباء الآخرين إن شاء الله.
— 83 —
وأنت تَعلمُ أن إدخال سُلوانٍ معنويٍّ على قلبِ مريضٍ يائسٍ قانطٍ قد يكون أنفع له من ألف دواء، إلا أن الطبيب الغارق في أوحال الطبيعة يزيد ذلك المريضَ المسكين ظُلمةً فوق يأسِه المرير؛ فعسى أن تجعلَ منك صحوتُك هذه طبيبًا يُشِعُّ النور ويبعث السُّلوان والأمل لأمثال أولئك المساكين إن شاء الله.
تَعْلمُ أن العُمُر قصير، وأن الواجبات كثيرة؛ ولعلك إن فتَّشتَ المعلومات التي في ذهنك یی كما فعلتُ أنا یی وجدتَ فيها أمورًا كثيرةً شبيهةً بأكوام حطبٍ لا حاجة لها ولا أهمية، ولا فائدة ترجى منها؛ ولقد أجريتُ تفتيشًا كهذا فوجدتُ أمورًا كثيرةً لا لزوم لها؛ ولهذا لا بد من تحري وسيلة تجعلُ من تلك المعلومات العلمية والمعارف الفلسفية علومًا نافعةً منوَّرةً تنبض بالحياة؛ فاسألِ الله جلَّ شأنه أن يمُنَّ عليك بصحوةٍ توجِّه فكرَك في سبيل الحكيم ذي الجلال سبحانه، وتُضرِم النار في أكوام الحطب تلك فتُحيلُها نورًا، وتغدو تلك المعارف العلمية التي لا لزوم لها معارفَ إلٰهيّةً نفيسة.
صديقي اللبيب..
إن القلب ليرغب أيَّما رغبةٍ في أن يَبرز أشخاصٌ من أهل العلوم الحديثة، يستشعرون الحاجة واللهفة إلى الأنوار الإيمانية والأسرار القرآنية كالسيد "خلوصي"؛ وبما أن "الكلمات" تمتاز بالمقدرة على مخاطبة وجدانك، فعُدَّ كلَّ رسالةٍ منها رسالةً واردةً إليك لا من شخصي بل من دلَّالٍ للقرآن، واتَّخِذها وصفةً من صيدلية القرآن القدسية؛ واجعلها وسيلةَ مجالسةٍ وحضورٍ في الغَيبة.
ولك أن تراسلني متى شئت، لكن لا تتضايق إنْ لم أردَّ بجواب، فأنا منذ القديم قلَّما أكتب الرسائل، حتى إنني لم أكتب إلى شقيقي سوى جوابٍ واحدٍ منذ ثلاث سنوات رغم رسائله الكثيرة إلي.
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭
— 84 —
(فقرة صبري):
أستاذي الجليل.. أقبِّل بشكل خاص أيديكم المباركة، وألتمسُ دعواتِكم التي أحتاجُها في كل وقت..
قبل أسبوع تلقَّيت ببالغ الفرح والسرور رسالتكم الكريمة الجليلة بواسطة أخي سليمان أفندي، وقرأتها بكمال الافتخار.. تسألون في فقرة منها عن قناعة العبد الفقير حول التوافقات الغيبيّة، وأجيبكم على ذلك بی: "نعم، صدقتَ أيها الأستاذ الموقَّر"، لقد أثارت التوافقاتُ الغيبية عَجَبَ جميع طلاب بحر النور، وأَذهلَت حتى من يُتابعهم من باقي الجماعات، واستوجبت منهم "سجدة الشكر".
وإن كرامات الأنوار المعجزة لا يمكن مشاهدتُها إلا بالمرآة المحمدية (ص)، وأمّا المعرِّفُ الآخر لهذه الحقيقة والواصفُ لها فهو البيت التالي:
مرآةٌ هذا العالم، كل شيء بالحقّ قائم
مرآة محمد يُرى منها سبحانه بشكل دائم
(حاشية): توافق لطيف: حين كتب لي فيه صبري أفندي "خُلوصي الثاني" هذا البيت، كتب خلوصي بك البيت ذاتَه في الوقت ذاته أو قريبًا منه، مع أنَّه يبعُد عنه مسافةَ شهر! إن توافق هذين الشخصين في خدمة القرآن وفي علاقتهما تجاهي علامة على التوفيق والنجاح. (سعيد )
وقد أدرجتُ هاهنا هذا البيت الشعريَّ ذا المعاني، لأُزيِّن به رسالتي المضطربة.
منذ أن شاهدتُ یی أنا طالبكم الفقير العاجز یی الكرامات القرآنية والإعجاز النبوي المحيِّر للعقول، سَرَحتُ في تفكير عميق متسائلًا: هل ثمّةَ توافقاتٌ مُشابهة في كتب أخرى؟ فإنِّي لم أجد إلا أشياءَ يسيرةً بعد التحري والتفتيش؛ لذا فإن هذه التوافقات الغيبية تعرضُ نفسها ككرامة علنية للأنوار، وتقول بلسان الحال مخاطبةً البشر: يا بني آدم، إن الأنوار التي نبحرُ في خضمِّها ونشاهد كراماتها وإعجازاتها بوضوح، هي القادرة على إزالة سُحُبِ الضلالة التي تخيِّم عليكم، وتوفيرِ النجاة والسعادة لكم
— 85 —
في هذا العصر التي يكتنفه الضباب؛ وهي وحدها الكفيلةُ بإزاحة الروائح النَّتنةِ التي عَلِقَت في أذهانكم، واستبدالِها بعُطورِ الورود المحمدية، وهي وحدها مُرشِدُكم إلى طريق قصير رصين مستقيم، فيه سلامتكم ونجاتكم؛ وستظهر آثارُها الخفية مستقبلًا وبكثرة.
أمرٌ آخرُ أودُّ أن أضيفه إن أذنتُم لي، وأودُّ أن أتحدَّث عنه مستثنيًا منه شخصي: إنني أرى في رُوّادِ الأنوار المتشوِّقين یی بل المُصطلين یی بنورها توافقًا يفوق العادة، فهم جميعًا على مستوًى واحدٍ من الاشتياق والأخلاق، والأطوار والحاجات، وأساليب الأخذ والتلقِّي، في عصرٍ تطغى فيه الأنانية وحبُّ النفس.. فضلًا عن وحدة سبيل الأخوة الذي يسلكونه، فتجمعُهم رابطةٌ حقيقية صميمية أقوى من رابطة الإخوة الأشقّاء، ويسابق كلٌّ منهم الآخر في تحقيق قيم العدل بجدِّية وإخلاص.. إلى غير ذلك من الخصال والمزايا الكثيرة التي تجمعهم بشكل لافتٍ للنظر، رغم اختلاف بلدانهم كی"إسطنبول وإزمير وآيدن وكوتاهية وإسبارطة وأغيردِر.. إلخ"، ولذلك أعدُّ الحالات المحيِّرة التي يتمتَّعُ بها طلاب النور من شتَّى فئات المجتمع في عداد التوافقات الغيبية.
صبري
٭٭٭
(فقرة صبري):
أستاذي وسيدي صاحب اللطف والعناية..
في يوم السبت، العاشر من شهر رمضان المبارك، وتحديدًا الساعة الحادية عشرة والنصف منه، تلقيت تسعة نِكات رمضانية، كل نكتة منها تحملُ ما لا يُحصَى من بشارات الحكمة والحقيقة التي تحتاجها روحي وتتلهَّف إليها؛ فنسختُ هذا السِّفر النوريَّ الفريد في تلك الليلة بكامل الفخر والسرور، وأعدتُ نسختها الأصلية للحافظ محمود أفندي من "نيسْ"، الذي أوصله إلى حقي أفندي.
— 86 —
وفي صباح اليوم التالي أعدتُ قراءة ما نسختُه بدقة وتمعُّن، وصحَّحت التوافقات الحاصلة في نسختي، وكتبت رسالة لعلي أفندي، ووافق لحظة فراغي من كتابتها والتوقيع عليها قدومُ أحدُ المشاركين في هذه الوظيفة المعنوية من قرية "إسلام كوي" بغير موعدٍ مسبق، فاصطحبها معه إلى علي أفندي، في إشارة صريحة وبارزة لجلالة الرسالة.
أستاذي العزيز.. كنتُ بحثتُ بين نصوص الأنوار وما اشتمَلَت عليه من حقائق وحكم غزيرة عن نصٍّ يتحدَّث عن عبادة الصيام في شهر الرحمة والمغفرة، فلم أظفر بشيء، فعزمتُ أن أطلب من أستاذي أن يخصص له المكتوب الثلاثين المؤلف بعدد أيام شهر رمضان، لكن حالت بعض الموانع دون ذلك.. فجاء الإحسانُ بهذه الرسالة من كليات النور كأنه يُخاطب هذا العبد العاجز قائلًا: "إن رغباتك وأحاسيسك التي تدور في نفسك مدوَّنة في لوحتنا المعنوية بأحرف كبيرة، وها نحن أسعفناك بذلك".
فتقبَّلتُ أنا العبد الفقير هذه البشارة الرمضانية الحاوية لآلاف الحِكم المُلبِّية لحاجاتي الرُّوحيّة المُلحّة، وسجدتُ شكرًا لمن أنزل القرآن الكريم، وشكرتُ لدَلّال النُّور العظيم الشأن.
سيدي، إنني أدعو لدلال النور باستمرار، وأَراه دينًا في ذمتي.
صبري
٭٭٭
أستاذي..
"الكلمة السابعة والعشرون" تحثُّ المسلمين على الجِدِّ، وتحفِّزهم على السعي في خدمة هذا الدين السامي، فهي أشبه بمرشد لأهل الإيمان بما تبثُّه في القلوب من أنوار وأشواق.
أما "المكتوب الثالث والثلاثون" بنوافذه الثلاث والثلاثين: فهو سِفرٌ نفيسٌ عُجِن بالحقيقة حتى اختمر، فراح بسُمُوِّه وجلالته يَهَبُ الشُّعور لعديمي الشُّعور من البشر،
— 87 —
ويبصِّرُ ذوي الأبصار المغشيِّ عليهم بحُجُب الغفلة فما عادوا يدركون الحقيقة، ويمنح مُحبِّي الحقِّ من أهل الإيمان الرُّقيَّ والرِّفعةَ.
فهؤلاء المساكينُ أصحابُ الحاجة الشديدة، والغارقون في مستنقعات المادّة، المخدوعون بالظاهر، والواقعون في اليأس المرير بعد أن ظنُّوا أنفسهم هَمَلًا، عليهم قراءةُ هذا السِّفر السّامي ليُدرِكوا جيدًا أنهم أينما توجَّهوا ووجَّهوا أنظارَهم، لا يمكنُهم أن يتجاوزوا حدودَ الخالق العظيم، ويخرجوا عن إدارة الرحمٰن الرحيم، فكلُّ وجود وكلُّ حادثة وكلُّ تحوُّل وكلُّ عناية وكلُّ لُطف إنَّما هو تحت إمرة القدير ذي الجلال.. بل يمكنُنا القول: إن في ثنايا أصغر ذرّةٍ نموذجًا مُصَغَّرًا لسلطنة الكون العظيم، وذلك عبر إعلانها عن صانعها.
ذكائي
٭٭٭
أستاذي العزيز الجليل..
أقدِّم إليكم "الكلمة السابعة عشرة" بغية تصحيحها، وقد وُفِّقت لنسخِها بعناية الحق سبحانه، فكانت ثمرةَ سعيٍ دام يومين أو ثلاثة.
أستاذي العزيز، تتَّضحُ معاني هذه الكلمة وتتكاملُ يومًا بعد يوم بحمد الله، وكل كلمة منها تُظهر الأمراضَ الخفية التي أصيبت بها البشرية، فتشخِّصها بنورها وتداويها بعد ذلك.
أُدرك جيدًا وبكل وضوح أن شابًّا جريحًا مثلي حلَّت به أضرار معنوية كثيرة، لن يجد السلوان إلا في رسائل النور.
فلخالقي العظيم الذي سكب في قلبي سلوان النور آلافُ الحمد.
ذكائي
٭٭٭
— 88 —
حينما كنت أنسخُ براهين "الرسالة الأحمدية" من "الكلمات"، كنت كثيرًا ما أضع القلم من يدي وأتحرَّق حسرةً على ذكريات عصر السعادة وبُعدِنا عنه، فيبكي قلبي من هذا البعد، وتجيش أحاسيسي، وتُفارق روحي هذا الجسد، وتُحلِّقُ بعيدًا لتجلبَ لي بشاراتِ السلوان.
أستاذي العزيز، حتى إن لم نكن في عصر السعادة، فيكفي أن قلوبنا تشتاقُه.. أليس أحدَ تلك المعجزات العظيمة هذا الكتابُ الذي أودعه نبيُّنا محمدٌ (ص) بين أيدينا حتى اليوم؟ ألا يَعِدُنا بالسعادة التي نتلهَّف إليها ونحتاجها؟ ألا يمنحنا تذوُّقًا معنويًّا حين نتمسك به بكلِّ إخلاص؟
أجل أستاذي العزيز.. حين كنت أغرق بين مادِّيّات الدنيا وأطوارها، أستمع إلى هذه المعجزة الكبرى وهذا الكتاب العظيم ومرشدِ البشريّة الحقّة الذي نُمسِكُه بأيدينا ونشاهده بأعيُننا، فكان يمنحني بتلاواته الشجية سلوانًا، ويغدو مُستَنَدي ومُرتَكَزي المتين.. فلِلَّه الحمدُ حمدًا لا أمدَ لمُنتهاه.
أستاذي الموقَّر.. كلما قرأتُ الرسائل القيِّمة ونسختُها، تجيشُ في روحي المُتعشِّقة للسعادة معاني البهجة والسَّعادة، وتلازمني زمنًا؛ وفي تلك اللحظات المُؤنِسة تزهد نفسي في الدنيا، وتتوجَّهُ نحو عالم الأبدية والسعادة الدائمة، فلو عُرضت عليَّ الدنيا برُمَّتها لما ارتضيتُ التخلِّيَ عن لحظة من هذه المشاعر.
فلتَنجَلِ الكوابيس التي كنتُ أعانيها في شبابي، ولْتَهدَأ أعاصيرُها..
أستاذي، ألتمسُ منكم الدُّعاء.
ذكائي
٭٭٭
أستاذي الفاضل..
فرَغتُ في هذا الصباح النُّوريِّ من نسخِ الكلمات: الأولى والثانية والثالثة والخامسة والسادسة والسابعة والثامنة من رسائل النور، وها أنا أقدِّمها لك لأجل تصحيحها.
— 89 —
ومع أنَّ هذه الكلمات قصيرة، إلا أنها تحملُ معانِيَ غزيرة، وتمنح المرء إفاداتٍ عالية وأفكارًا راقية.. إنها أشبهُ بشلّالِ أنهار ذي مياه صافية ونقية، تجري في شُعَبٍ مختلفة، وتصبُّ في بحر واحد كبير.
إنني أُصغي للأصوات الجميلة الشَّجية التي تصدرُها هذه الشلالات العذبة، فأَجْتَني من عذوبتها فوائدَ غزيرةً، وأستخلص من معينِها الأدوية الناجعة للأمراض التي تعاني منها البشرية وخاصة أولئك العاجزين.. وأؤكِّد لكم أنني أحمل في نفسي رغبة شديدةً بإيقاظ أولئك الذين تملَّكتهم السَّآمة وسيطر عليهم اليأسُ بسبب الآلام والأحزان، ولم يرقَ تفكيرُهم بعدُ إلى التصوُّر الصحيح.
أستاذي العزيز، في الوقت الذي كنت أتحسَّر فيه على آمالي الضائعة وأُفول النُّجوم من سماء عُمُري، وأتلمَّسُ فجر الصباح، طالَعَني مُحيا الأنوار اللامع وصباحُ الأنوار الساطع.. فعرفتُ بمؤلَّفاتكم هذه قيمةَ الحياة وأهمِّيتَها، ووجد قلبي مُستَندَه المعنويَّ القويّ، فبلغتُ بذلك أعظمَ السَّعادة والسرور.. فرضي الله عنكم.
أسأل الله أن يُعزَّ أستاذي في الدارين، وأن يُبلِّغه سُؤله في الدنيا والآخرة.. آمين.
ذكائي
٭٭٭
أستاذي العزيز..
طلبتُم مني عدمَ الإسراع بنسخِ "الكلمات"، وكيف لا أسرع لارتِشافِ معينِ نبعِ ماءٍ يَفيضُ أَغَرَّ زلالًا حتى أرتويَ؟! وكيف لا أغسل يدي ووجهي بالمياه المشرقة لهذا النبع السامي؟ وكيف لا أُسارع لتطهير قلبي وتنويره بها؟ إنَّ ما أجده في الرسائل من أنوار السلوان التي أحتاجها هي أهمُّ ما يحملني على الإسراع في عملي، مع العلم بأني مقصِّرٌ كثيرًا في هذه الخدمة كما لا يخفى عليكم.
إنه من لطف الحقِّ سبحانه بي أني من بين انشغالاتي الكثيرة في توفير أسباب المعيشة، أقتنصُ الفُرَص السانحة لاستنساخ هذه الرسائل القيمة، وأجتهد في إتمامها
— 90 —
بأسرع وقت ممكن كيلا أفوِّت الفرصة.. ومثلما يكون مبعثَ فخرٍ لشركاتِ النقل العريقة قطعُ المسافات الشاسعة لدى المرور في الأنفاق التي يُمنع التوقُّف فيها، كذلك يكون افتخاري واستفادتي أكبر كلَّما قطعتُ أشواطًا كبيرة في قراءة الرسائل النفيسة وكتابتها.
قرأت "المكتوب السادس عشر" بتمامه، وفُتِنت بمدى الصبر والتوكل التي أبديتُم إزاء شتى أنواع المشاقِّ والمحن التي أصابتكم.
كلما أقرأ تلك الكلمات أشعر وكأن كياني يشعُّ نورًا؛ فأَحرِص على التخلُّق بالصبر والتحلِّي بالابتسامة وبَشاشة الوجه، في مواجهة الصِّعاب والتصدِّي لهَجَماتها وشدائدها.
أمّا "الكلمة الثالثة والعشرون" فتُمثِّلُ صيحةً صادرةً من الأعماق تصرخ في وجه البشرية، فتذكِّرُهم بإنسانيَّتهم، وتَهديهم إلى سُبل نيلِ أعلى المراتب والمقامات، وتُرشدُ قُرّاءَها إلى مراتب الكمال، وتعلِّمُهم الحبَّ في دائرة الحلال.
لقد أَطَلتُ الحديث، لكني أعجز عن وصف مكانة "الكلمة الثالثة والعشرين" لأنها مدارُ سعادة وسلوان.
أحمد ذكائي
٭٭٭
(فقرة خسرو):
أستاذي الحبيب المحترم..
إنني أشكر الله تعالى أن دلَّني على رسائلكم التي نوَّرَتنا ماديًّا ومعنويًّا، فرفعت من شأننا، وأفاضت علينا من الفيوضات ما لا يبلغه سعيُنا، وأحمده سبحانه غايةَ الحمد وأوفاه أن شرَّفني بهذا المقام رغم أني لا أليق به.. وممّا يبعث على الافتخار أنكم كنتُم وسيلةَ نيلِ هذا الشرف، كما يغمرني الشعور بالسعادة لِما بشَّرتمونا بنيله مستقبلًا من النجاح والتوفيق في شرف الخدمة القرآنية التي عُهِد بها إلينا.
— 91 —
أستاذي.. أدعو الله تعالى في كل آنٍ، أن يكتب لكم السعادة، وأن يغدق عليكم من لطائف نعمه الدنيوية والأخروية ما لا يخطر على بالكم.
أستاذي المحترم، اشتقتُ للقياكم، إلا أن الخونة يمنعوننا من ذلك بشتَّى السبل، ممّا يحزنني كثيرًا ويدمي قلبي، ولكن ما الحيلة!
غير أنَّ الرسائل الفياضة لبحر النور ما إن تقع بيد أحدٍ إلا شدَّته إليها وشغفته بها، وتتداولُها الآن أيدي المشتاقين لها واللائقين بحملها وقراءتها.
الحمد لله.. هذا من فضل ربي
خسرو
٭٭٭
(فقرة من الرسالة التي كتبها خسرو في بدايات عمله باستنساخ الكلمات):
حضرة سيدي المُوقَّر..
استعرتُ من "بكر آغا" أحد الكتابين اللَّذَين أرسلتم، وقرأتُ بضع صفحات منه، ثم شرعتُ بنَسخِه لأحتفظ بنسخةٍ منه؛ وقد استفدت كثيرًا ممّا تضمَّنته بعضُ المكتوبات الصغيرة من حقائق عظيمة، لا سيَّما بعض المسائل التي تخصُّني.
وصلتُ في نسخ "الكلمات" حتى المكتوب السادس، وحينما أملُّ من بُطءِ الكتابة فإنِّي أشتغل بالقراءة، ويغمرني الأُنسُ والسرور.
عندما بلغتُ "المكتوب السادس" قرأتُ أنكم حذفتُم الجزء الأكثرَ حزنًا في غُربتكم، وعرضتُم قسمًا منه فقط، لكن كلَّما قرأتُ هذا القسمَ لا أتمالك نفسي من البكاء، حتى إنني قرأته يومًا لوالدتي فذرفت عيناها وأجهشَت بالبكاء، وكنت أُمسكُ نفسي وأقول: ليتك تُدرِج شيئًا من ذلك الجزء الذي تمَّ حذفُه.
خسرو
٭٭٭
— 92 —
أيها الأستاذ الجليل..
تعلَّمنا الكثير من حكم شهر رمضان من خلال الكلمة التي وصلت إلى "أتابك"، ونبَّهتنا إلى جوانب كنا في غفلة عنها، فهي بحقٍّ ثمرة هذا الشهر ومبلِّغ حِكَمه؛ وأمام هذه الحقائق السامية التي أقرؤها في كل "كلمة" تنشرونها، يقفُ لساني حائرًا عاجزًا عن الشرح والتقدير.
ولا بدَّ من يومٍ تكتسبُ فيه رسائل النور ومكتوباتُ النور قوةَ نشرٍ دفّاقةً كجبل بركانيّ يقذف بالحُمم، ولربما بلَغَت ذلك.. وسيُنبِّه شعاعُها الغافلين ويوقظ الراقدين عبر الزمان، تمامًا كالضياء الذي تبثُّه في شتَّى الأرجاء آلةُ توليد الطاقة الكهربائية بمُجرَّد الضغط على مفتاح تشغيلها.
زكي
صاحب المرحوم لطفي من طلاب النور القدامى
٭٭٭
(فقرة خسرو):
سيدي المحترم وأستاذي الحبيب..
تسألون عن رأيي حول جزءٍ من "المكتوب التاسع والعشرين"، فما الذي يُمكِنُني كتابتُه بهذا الخصوص؟! وعن أي رأيٍ أعبِّر؟! فأنوار جميع الرسائل موحَّدة رغم اختلاف مواضيعها وجمالياتها وتنوُّع ألطافها وأذواقها، ونور هذه الرسالة برّاق مُشِعٌّ في سائر الجوانب والمعاني كحالِ سائر الرسائل.
إنَّ تغيير بعض الشعائر الإسلامية دون أيِّ غرضٍ أو منفعةٍ أوقَعَنا في حالةٍ مؤسفة من الحزن واليأس، فكنتُ أنتظر من أستاذي الحبيب دواءً عاجلًا لهذه الحالة التي أبكت القلوب وأدمت الأرواح، فإذا بالنِّكات: السابعة والثامنة والتاسعة تَمنحُنا الدواءَ والشِّفاء المُنتَظَر.
— 93 —
ويغلب على ظنِّي أن الفرج قد اقترب أستاذي الحبيب، فكلَّما ازداد اعتداءُ الملحدين من جهة، أَبرَز لنا أستاذنا الفاضل من جهة أخرى حقائقَ خفيّةً اغترفها من فيض القرآن وأفاضت من بحر الحقائق.. وما دُمنا مضطرِّين لانتظار الربيع كي نُشاهِد الوُرودَ، فإننا أيضًا ننتظر ذلك اليوم بكمال اللَّهفة والشَّوق.
خسرو
٭٭٭
(فقرة خسرو):
أستاذي الحبيب، المحترم العزيز..
إن وصف ما غمرني من السرور والحبور لدى استلام رسالتكم من بكر آغا أمرٌ يفوق حدِّي وطاقتي أنا الطالب العاجز! غير أني من شدة الفرح رُحتُ أقبِّل الرسالة والدموع تنهمر على خدي لبعدي عنكم جسدًا مع أن روحي معكم.
لا يكفكفُ دمعَ عيني الغزير سوى الانشغال بنَسخِ الرسائل ومطالعتها، ويكاد البكاء يُلهبُ قلبي أحيانًا.
آه يا أستاذي الحبيب! ألتمسُ منكم العفو عن تقصيري، فممّا يُحزنني كثيرًا أني منذ عامين أو ثلاثة لم أستطع التخلُّصَ من مشاغل الدنيا رغم عدم تعلُّقي بها.. بل باتت الصحارى المقفرة والأراضي الجدباء منازلَ روحي، أتجوَّل فيها خيالًا وكأنني أبحث عن شيء!
أجل، إنني أبحث عن شيء ولكن هيهات! فما أبحثُ عنه يبدو قريبًا وبعيدًا في آنٍ واحدٍ، ولستُ أدري حتى متى سأظلُّ على هذه الحالة من التخبُّطِ!
غيرَ أنِّي یی بحمد الله یی خلالَ سنةٍ رأيت في منامينِ صادقين أنني أعيَّنُ سكرتيرًا في معمل ضخم قيدَ الإنشاء، مخصَّصٍ لتصنيع زيت الورد، وأباشر العمل فيه؛ وبعدَ شهرين من هذه الرؤيا شرعتُ بنَسخِ الرسائل، ووقفتُ على ما ورد في المسألتين
— 94 —
السابعة والثامنة من "المكتوب الثامن والعشرين" من إخبارٍ واضح وصريح بقبولِ خدمتنا واندراجها ضمن دائرة مرضاة الله وحده، ممّا أدخل الفرح والسرور إلى قلب طالبكم العاجز.
رضي الله عنكم أبدًا أستاذي الحبيب.
خسرو
٭٭٭
الأستاذ العزيز..
وُفِّقتُ هذه المرةَ لنَسخِ "الكلمة الثانية والثلاثين" المؤلَّفة من ثلاثة مواقف، وأقدِّمُها لكم لتصحيحها؛ ولستُ أعلم إن كان ثمةَ ضرورةٌ للتحدُّث عن الأهمِّية الكبرى التي ألفيتُها في هذا الكتاب الذي هو خزينةٌ لا تُقدَّر بثمن.
ولقد صدق القائلُ: لا يمكن قياسُ مساحة العالم، وصدق الآخرُ الذي ادَّعى أن الفكر البشري أرض لا متناهية المساحة.
ورأيي في هذه المسألة ناشئٌ عن تفكيري الذي يرقى يومًا بعد يوم، وعن مخيلتي الضيقة المحدودة التي تتسع شيئًا فشيئًا؛ وليس بغرض توضيح المقصود من أن الدنيا عبارة عن فضاء لا يمكنُ قياسُه، وأن الفكر البشريَّ لا حدود له، ما يعني: أن روحي تأخذ من كل رسالة غذاءَها المختلف.
وليس وراءَ كتابة رسالتي المطوَّلة هذه یی أعبِّر فيها عن مدى سروري یی وإشغالكم بها، سوى الصفاء السرمدي والسرور الأبدي الذي بثَّته هذه الكلمةُ في قلبي وروحي؟
وخلاصة القول: إنني راضٍ عن حياتي التي أُمضيها في نشوة لذيذة مشروعة، وببركة دعائكم أستمرُّ بإذن الله في اغتنامِ هذه النشوة حتى ألقى الحياة الأبدية.
أحمد ذكائي
٭٭٭
— 95 —
(فقرة خسرو):
أستاذي الحبيب المحترم..
قرأنا القسم الثالث من "المكتوب التاسع والعشرين"، وقد أوقَدَ فينا الشوق وأورثنا سعادة غامرة.. إن مكتوبات النور ورسائل النور تتحدَّى یی بشعاعاتِها المتوهِّجة من آيات القرآن الحكيم یی أولئك الماديِّين وأمثالهم من تياراتٍ انحدرت عقولهم نحو عيونهم، فتضربُ على رؤوسهم بصولجانات الحقائق من جانب، وتملأُ قلوبهم بفيوضاتٍ برّاقة من جانب آخر.
وبما مَنحَني أستاذي من قوة وجرأة رغمَ قُصورِي، أشاركُه الرأيَ بخصوص الإشارة إلى بعض النقاط المُهِمّة للأوجه التي تنظر إلى هذا العصر، والمتوجِّهة إلى المستقبل لذلك الفرقان الإلٰهي العظيم الذي يتوجَّه لا إلى ثمانية عشر ألف عالم فحسب، بل إلى ثمانية وعشرين ألفًا كما تفضل أستاذي الحبيب؛ كما أشاركه الرأيَ في تخطيط التوافقات الحاصلة في ألفاظ الجلالة بشكل مشاهد للجميع ولافتٍ للأنظار، وكذا إظهار التوافقات المشهودة في بعض الكلمات بحُلَّتِها الجميلة.
كما أُعلِن أنِّي على تمام الاستعدادِ لتقديم شتَّى أنواع التضحيات في سبيل كتابة مصحفٍ كهذا؛ وأُقرُّ خجلًا بأن هذا الأمر أدخلني في حالة روحية عامرة بالسرور من مفرِق رأسي حتى أخمص قدمي.
وأودُّ أن أضيف الأمر التالي: كنت أرغب بشدة أن أَخُطَّ بيدي مُصحَفًا شريفًا على النحو الذي يرغب به أستاذي الحبيب وأقدِّمه له، إلا أنني كنت أرى التريُّث وعدم التعجُّل، كي نُتيح الفرصة لإخوة آخرين لنيلِ هذا الشرف العظيم، لذا ما كنتُ ألِحُّ في قبول رغبتي.
أجل أستاذي الحبيب، قد آن الأوان بإذن الله، وقد بلغنا ذلك الوقت الموعود إن شاء الله.
— 96 —
إننا في زمن العزوف عن اللغة العربية قراءةً وكتابةً، لذا فإنني أعتقدُ أن قرار السلف الصالح المتعلِّقَ بعدم إضافة الحواشي للقرآن الكريم يختصُّ بعهدهم وزمانهم؛ وأن ترخيصَ العلماء المُتأخِّرين بالأمر لم يكن من جهة تعلم اللغة العربية.
وبناءً على هذا، فإن الحاجة لِما يفكِّر به أستاذي حول القرآن حاجةٌ ملحَّة، ولذا أرجو منه أن يضع هذا العمل في قائمة الأولويات ويقدِّمه في الوقت الحالي على كل شيء، لأنه يفتح الباب تجاه أمور خيرة عظيمة وحسنة؛ ويوافقني بهذه القناعة أخي لطفي أفندي الساعاتي.
رضي الله عنكم أبدًا أستاذي الحبيب، ووفَّقكم في كلِّ أعمال الخير.. وأحمدُ الله على عظيم نعمه وعلى فضلكم العميم عليَّ، وأقبِّل أيديَكم.
خسرو
٭٭٭
أيها الأستاذ..
إن رسائلكم المؤلَّفة لإبراز معاني القرآن، تكفي للدَّلالةِ والإقرارِ بعظيم أُستاذيَّتكم؛ فلقد بدَّدتَ برسائلك حُجُبَ الظلام ولوثةَ الغفلة المُخيِّمةَ على الإسلام، وأَبرَزتَ للعِيانِ حقائقَ ساطعةً برّاقة من وراءِ تلك الأستار الملطخة؛ فلم يذهب هباءً عزمُكم الذي لا يلين، ولم تَبق دون جدوى صلابتُكم التي لا تنثني، ولم يَضِع سُدًى سعيُكم المتواصل، بل لقد آتت أكُلَها بإذن الله.
لقد أجريتَ يَنبُوعًا دفّاقًا بماء الحياة في قلب الأناضول، (حاشية): لو كان لمسكين مثلي حصة (واحدٍ بالألف) ممّا تتصورونه من الثواب والشرف المترتِّب على العمل ضمن هذه الخدمة السامية، فإني أشكر الله تعالى وأحمدُه على تلك الحصة؛ أما المهارة والفضل فهما لأمثالكم ممَّن هبُّوا لمعاونتي في الخدمة بأقلامهم الألماسية. بما نشرتَه في رسائلك ومؤلَّفاتك من الحقائق المستقاةِ من بحر القرآن الحكيم: منبعِ تلك الرسائل
— 97 —
ومعدِنِها؛ وستُخلِّدُ تلك المؤلفات القيِّمة اسمَك بعد رحيلك من هذه الدار یی دار الامتحان یی إلى عوالم السعادة.
ويالَهَنائك بهؤلاء الطُّلّاب الذين تحبُّهم من صميم قلبك، والذين يتعاهدون هذا النَّبعَ الفيّاض الذي أجريتَ بكمال التقدير والإعجاب، ويتفانَوْن في الدفاع عنه وتبليغه وتلقين أحكامه، ويبذلون في سبيل ذلك ألوفَ الأرواح إن استدعى الأمر.
إنَّ لديك طلابًا شاكرين ممتنِّين بأرواحهم ومُهَجِهم لِما أَودَعتَ بين أيديهم من مفاتيحِ الأسرارِ القرآنية الكثيرة؛ فلْتَطمَئِنَّ رُوحُك في عالم الآخرة، ولْتَهْنَأْ بأعمالهم وإنجازاتهم المُبهِجة.
إن الفيض النوراني الذي تنشرونه اليوم يُغدِق على الناس الحقيقيِّين سرورًا غامرًا، ويُذكِّرُهم بوظيفتهم الحقيقية التي أُوكِلَت إليهم في الأرض.. فمن غير المُمكِن نكرانُ خدماتكم، وتضحياتكم الجسيمة.
أستاذي العزيز، أسأل الله أن يرفع شأن خدمتكم عاليًا (حاشية): إنني لا أشارك أخي في مشاعره هذه، فحسبُنا رضا الله تعالى، وما دام معنا فكل شيء إذًا معنا، وإلّا فإنَّ إقبالَ الدنيا كلِّها لا يساوي فلسًا.. إن تقدير الناس واستحسانهم في مثل هذه الأعمال وكذا الأعمال الأخروية: إن كانَ علةً أَبطَل العمل، وإن كان مرجِّحًا أَفسَد إخلاصَ العمل، وإن كان مشوِّقًا فإنَّه يُذهبُ صفاءَ العمل ويفوِّتُ نقاءَه؛ أمّا إن تفضَّل به الحق سبحانه إحسانًا منه یی دون طلب یی وإشارةً إلى قبول العمل، فهو مقبول ومستحسنٌ إن استُغلَّ في سبيل بيان تأثيره في الناس علمًا وعملًا، وإلى هذا يشير قولُه تعالى: وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآَخِرِينَ (سعيد ) ويجعلكم أعجوبة الزمان.
أستاذي المضحي، إن النصَّ الأدبيَّ الذي لا يستند إلى الدِّين، ويزيد أهل الغفلة غفلةً، بل ويوصلهم إلى حالة غريبة من السُّكْر، لا يُمكِن أن يُطرَد ويُدفَع بعيدًا إلا بمُؤلَّفاتكم القيِّمة وإرشاداتكم البليغة.. ولقد أثبتُّم بالدلائل العقلية والمنطقية أن الشعوب غيرَ المُتديِّنة لا يُمكِن أن ترقى لمستوى الإنسانية، بل لن تتمكَّن من إدراكِ معانيها حتى ترحل عن هذه الدنيا.
— 98 —
إن مؤلَّفاتكم القيِّمة جامعة عُليا، تنعكس فيها صفات روحكم السامية.
أستاذي الحبيب، كونوا مطمئني البال، فلن يذهب سعيكم سُدًى، ولن يمضيَ جهدُكم هباءً منثورًا، بل ستظلُّ مؤلَّفاتُكم حيّةً أبدًا، تتلقَّفُها الأيدي، وستؤدِّي دورَها في إسكات مُلحِدي العصرِ وصدِّهم، بل ربما تُدخِلُهم دائرةَ الإيمان.. أليس هذا ما ترجونه؟ أليست أمنيتكم وغايتكم تتمثَّلُ في إيقاظ الناس وإرشادهم إلى سبيل الإيمان؟
إن الأُدَباء المحرومين من الأدب، المُتَسوِّلين على فتات موائد الفلاسفة، سيجدون الأدبَ الحقَّ والأخلاق في رسائلكم بكلِّ تأكيد، وسيتحقَّقُ هذا حتمًا.. وأنتم بدَورِكم یی أستاذي الموقَّر یی أدَّيتُم خدمةً لا يمكن وصفُها تِجاهَ أُمّةٍ كبيرة شديدةِ الحاجة لمثل هذه الخدمة.
وستبقى هذه الأُمّة وأبناءُ هذا الوطن مَدِينين لكم إلى الأبد، وعاجزين عن الوفاء بحقِّكم، فأسألُ الله سبحانه أن يُكافِئَكم بما يليقُ بها، وأن يرضى عنكم وعن أمثالنا من الخُدّامِ العاجزين المُذنبِين في الدنيا والآخرة.. آمين.
صاحب لطفي
٭٭٭
(فقرة خسرو):
أستاذي الحبيب.. منذ أن تلقَّيتُ رسالتَكم وأنا أشعر بسعادة غامرة، فقد انتشَلَتني من حالة التفكير المرهق التي لازمتني ليلَ نهار رغم تفاهة الأمر وعدم أهمِّيَّته؛ فأحمد الله تعالى غايةَ الحمد، وأدعوه في الأوقاتِ الخمسة أن يجعلكم مظهرًا للألطاف الإلٰهية.
وزاد سعادتي أكثرَ وأكثرَ ما في الرسالة مِن بشارتكم بأنَّ الحقَّ سبحانه اصطفانا للتفرُّغ لخدمة القرآن.
أستاذي المحترم، إنني راضٍ كثيرًا عن حالتي، وما عُدتُّ أطيل التفكيرَ بشيء كما أمرتم؛ بل أصرفُ تفكيري إلى السَّعي الجادِّ لإتمام الكلمات من رسائل النور،
— 99 —
وتكثيرِ أعداد نُسخ الرسائل حتى يزداد عدد أصحابنا.. فالأمانةُ التي كُلِّفتُ بها لا تعتمد على شخصي ولا على شيء سوى قدرةِ الله تعالى ولُطفِه.
أستاذي الموقَّر، أقدِّم إليك "الكلمة الثانية والثلاثين" و"الكلمة السابعة والعشرين" بعد أن نسختُهما، وليتك تعلمُ مدى سروري حينما أطَّلِعُ على مشاعر أصحابنا وأحاسيسهم المدوَّنة في "المكتوب السابع والعشرين"، وبالسَّعادة التي يتمتَّع بها أفراد جماعة أو عائلة واحدة تربطهم ببعضهم حبالٌ معنوية موثَقةٌ ومتينة، لا حبالٌ مادية ضعيفة، ورابطة يرعاها أستاذنا، وإخواننا الكبارُ هم كُبَراؤُها، وإخواننا الصغار هم سائرُ أعضائها؛ ولي الحظوة والفخر بكوني أحدَ أفرادها.
وإنه لا يسعُنا وصف عظيم المِنّة التي أسبَغَها علينا الحقُّ سبحانه بأن جعلَكُم یی أستاذي الحبيب یی واسطةَ تلقِّي أنوارِ القرآن المُبين ونشرِها.
خسرو
٭٭٭
(فقرة صبري):
أستاذي المحترم..
أرسلتُ إليكم نُسخةً من المسألة السابعة من "المكتوب الثامن والعشرين"، والحقيقةُ أنَّها ظهرت في وقتها تمامًا، فكما أنها سيرة حياة رسائل النور ومكتوباتِ النور، هي كذلك بحُكمِ الحُجَج والبراهين القطعيّة لمُؤلَّفات النور؛ كما أنها أظهرت هذه المرّةَ للعِيان الكثيرَ من المشاعر والأحاسيس التي أُكنُّها في خَلَدي منذ ثلاث سنوات.
إن هذه المسألة وأمثالها من المسائل تكشفُ ما يشتمل عليه القرآنُ العظيمُ الشأنِ بقُدسيَّته وسموِّه ونورانيته من الألماس والجواهر المعنوية.. وثمّةَ حقيقةٌ يجب أن نعترف بها أيضًا: إن خزينة المجوهرات مهما كانت مليئة وغنية وتحوي ثروات
— 100 —
نفيسة، لا بد أن يكون دلّالُها وبائعها على دراية بأصول البيع والشراء، وإلا فلن يتمكَّن من عرضِ ما يملكه من الخزائن الثمينة وما فيها من الأمتعة القيِّمة أمام أنظار العالم.
وبناءً على ذلك: فإن دلّالَ القرآن الذي يقوم بوظيفة عرضِ الحقائق القرآنية للناس كافةً في خضمِّ هذا العصر المُضطرِب، ويدعو إليها منذ أربعين سنة لا ستِّ سنوات فحسبُ، ويتلو على مسامع أهل الاسلام الدستورَ الربّانيّ القائل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ، وما زال يجهر بهذا النداء العُلويّ، قد جعل الأُمّةَ المحمَّدية مرتَهَنةً بالشكر على هذه الأنوار الإيمانية التي هم بحاجة إليها.
صبري
٭٭٭
(فقرة صبري):
الأستاذ المحترم.. أقدِّم إليكم هذه المرة الأصول والنُّسخ للذيل الثاني للمكتوب السابع والعشرين، والمسألة الخامسة والسادسة من المكتوب الثامن والعشرين.
أدركتُ جيِّدًا كم كان قرار تأليف "المكتوب السابع والعشرين" وتصنيفه وترتيبه قرارًا صائبًا؛ فليس الغرضُ من تأليف هذا المكتوب التعريفَ بأصحاب الرسائل وإشهارَهم، فجميعُ هؤلاء على مستوياتهم المتنوِّعة والمتفاوتة من الفهم والدِّراية لم يجاوزوا درجةَ واحدٍ بالمئة من كشفِ خصائص الأنوارِ واقتناص فوائدها، وإنَّما حاولوا تقليدَ "الكلمات" الصادرة من دلَّال القرآن.. الأمرُ الذي يُضفي على هذا المكتوب حسنًا وجمالًا أكثر.
وبعضُ من لم يَرَوا بحرَ النور بعدُ كانوا يسألونني بلهفة: ما هي أنواع العلاجات التي تعتمدونها في صيدلية النور؟ وما هي موضوعاتها الأصلية؟ فكنتُ في السابق أُضطرُّ للإجابة على هذا السؤال بعرضِ رسائل النور واحدةً تلوَ الأخرى على حَسَب الطاقة، أو إلى التحدُّثِ عنها بما تبلغه مدارِكي ومستوياتُ فهمي؛ أما الآن فصِرتُ مُستعِدًّا
— 101 —
للحديثِ عن موضوعات رسائل النور بدرجةِ عشَرةٍ بالمئة، وذلك من خلال تقديمِ "المكتوب السابع والعشرين" الأشبهِ بفِهرسِ رسائل النور، أو من خلال التحدُّث عنه، فأتمكَّن بذلك من تبليغ مقاصدي الكليّة والجُزئية.
لقد أُشهِرَ "المكتوب السابع والعشرون" بعد صدور أكثر أقسام النور وإتمام تأليفها، فكأنه مسدَّسُ إعلان البدء، أُطلِق بين جنود بحر النور معلنًا بدءَ السِّباق، ليُظهر كلٌّ منهم مدى مهارته في مَعرِض النور.
صبري
٭٭٭
(فقرة صبري):
أيها الأستاذ، أبارك عيدكم عيد الفطر السعيد، وأُقبِّل أيديَكم الكريمة بهذه المناسبة.
سيدي، وصلني من فيض إحسانكم العميم أمسِ الجمعةَ: القسم الثالث من "المكتوب التاسع والعشرين"، في الوقت الذي كانت روحي العاجزة المغتذية بالأنوار في كلِّ حين تتهيَّأ لتلقِّي غذائها النوريّ كالمعتاد، فزادني ذلك شرفًا وسعادةً وامتنانًا.
ومع أنَّ هذا المؤلَّفَ القيِّم ذا المعاني الغزيرة حلَّ ضيفًا عليَّ لمُدّة ساعةٍ فقط، ومع أنَّ اطِّلاعي عليه لا يعدو نظرةً عابرة، إذ تلقَّفَه عبدُ الله وغادرَ من فَورِه.. إلا أنَّ لساني يقفُ عاجزًا عن التعبير عن المعاني الجميلة والنقوش القيِّمة التي ترَكَها في ذاكرتي على مدار أسبوع كامل.
ولا يسعني إلا أن أقول: إن هذا السِّفر النفيس السّامي، والمستنَدَ البرهاني الشهودي، تضمَّن وسائلَ الإثبات كافة، فكأنما اجتمعت فيه إعجازاتُ سائر رسائل النور، وعموم المكتوبات النُّوريّة الشبيهة بالشمس، وجملةُ كراماتها التي حيَّرت
— 102 —
العالم، وجميع مزايا المؤلفات النورانية السابقة ومحاسنها التي نالت استحسان الجميع وحظيت بتقديرِهم، باعتراف الصديق والعدو.
بل يمكنني القول: كلما رأيت إحدى رسائل النور استشعرتُ تذوُّقًا حقيقيًّا وسرورًا أبديًّا كهذا أو أكثر، وباعتقادي أنَّ أهل الإيمان يعدُّون هذه الأحاسيس والمشاهدات العجيبة إعجازًا خاصًّا وكرامة مخصوصة بالأنوار.
وأمّا القرآن الكريم الذي تقرَّر تحريرُه لإظهار التوافقات والتفسيرات، فسيتلقّاه عموم أهل الإيمان والتوحيد بلهفة عارمة وتوقير تامٍّ؛ وفي تقديري أن الكثيرين سيسعون في نهاية عمرهم لتعلُّم القراءة مجدَّدًا وبغاية الشوق واللهفة.
أتمنى من أعماق روحي المزيدَ من هذه المؤلَّفات الجليلة، وأرجو الله سبحانه أن يكتب لكم التوفيق والنجاح سيدي.
الباقي هو الباقي
الحافظ صبري
٭٭٭
(فقرة صبري):
أستاذي وسيدي رفيع القدر..
أغتنم وقتي خلال هاتين الليلتين في الاجتهاد بنَسخِ القسم الأول من المكتوب التاسع والعشرين، وها أنا أقدم نسختي التي كتبتُها لعلي أفندي وأعيد النسخة الأصلية لأستاذي الجليل.
منذ شهر وأرواحنا مُكتئِبة ومُلتهِبة كالعشب المُعرَّض للنيران، وبدأنا نُراسل الكثير من الأصحاب بغية التشاور والتواصل حول الطريق الذي سنسلكه في هذه المسألة؛ وباعتباري أقربَ من حولَ أستاذي العزيز في هذه المناطق، كنتُ قد عزمتُ أن أعرض بعضها شفهيًّا أو كتابيًّا، وإذا بالجواب الشافي يأتي في كل جملة من الجمل
— 103 —
القرآنية الواردة في القسم المذكور، الذي يزيد الكلمة السابعة والعشرين وضوحًا، والتي هي بدورها جوابٌ شافٍ وإكسيرٌ نافع لمثل هذه البلايا والمصائب.

تضمَّ19Oلقسم الأول بجمله القصيرة ما لا يتناهى من معاني الحقائق، ويصدق عليه وصفُ البحر المحيط!

ومن جهة أخرى فإن نكاتِه "الخامسة والثامنة والتاسعة" ألجَمَت أفواه الشياطين ذوي العقول المتحجِّرة من محبِّي الفلسفة المُفلِسين، وألزَمَتهم الحُجّة وأسقَطَتهم، وأنارت أرواحَنا وبثَّت فيها السعادة والسلوان.
أستاذي العزيز، يعلم الجميع أن القرآن العظيم خزينةُ رحمة إلٰهية غنية، لذا أودُّ أن أُشبِّه من ينتقي شتَّى أنواع الألماس والعقيق من تلك الخزينة القدسية ويهبُها للجميع وبخاصّة لنا نحن المحتاجين، ومن كان له دورٌ في تأليفِ أغلب "كليات رسائل النور"، وأعني الأستاذ الثاني "خلوصي أفندي"، أودُّ ان أُشبِّهه یی إن جاز التعبير یی بمِفَكِّ الساعاتيّ الذي يُشبهُ النَّجمَ، ويحملُ ثمانية أو عشَرةَ رؤوس، فيُحرِّك برُؤوسِه المُتعدِّدة جميع أنواع ساعاتِ العالم، ويقومُ بتشغيلها.
وإنَّ خلوصي أفندي إذ يطلب من القرآن ومن دلّال القرآن الكثيرَ من المسائل الحقيقية المُهِمّة ممّا لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت، يُشبِهُ بصنيعه هذا مِفَكَّ الساعاتي.
كما أن الحارس الفريد في هذا العصر لتلك الخزينة المعنوية الخاصة، عندما يحتفي بهذا السّائلِ القيِّم ويُكرِمه بموائدَ معنوية قرآنية ثمينة تمنح الروح غذاءً كاملًا، فإنني یی أنا العبد الفقير مع عدم كفاءتي واستحقاقي یی أنالُ حظًّا من تلك الأغذية الروحية دون البحث عنها.. لذا أشعر أني مدينٌ بالشكر والفضل لمن جاد بتلك الموائد، ولمن أحضرها، ولمن طلبها.
في رسالته الجليلة التي تلقَّيتُها مؤخَّرًا يقول لي مُتفضِّلًا: "لمَ يستاءُ من عدمِ مراسلتي له، وأنا أَعدُّه دائمًا معي؟!"، فعاتبتُ قلبي وروحي بهذا الخصوص، فتلقَّيت
— 104 —
من رُوحي الجوابَ المُحقَّ التالي: "معذرةً ألفَ مرّة! لقد كُنّا كالأموات، فأعادَنا إلى الحياة من جديد، فليس من حقِّنا الاستياءُ بأيِّ شكل؛ بل نحن المدينون لكم بالشكر، ولذا ندعو لكم باستمرار، ونعدُّ ذلك وظيفةً ومسؤولية".
الحافظ صبري
٭٭٭
(فقرة خلوصي بك):
الأستاذ المحترم.. تلقَّيتُ منكم مؤخَّرًا بكمال الشكر والحمد:
یی رسالتكم المتضمِّنة لنِكاتِ "المكتوب التاسع والعشرين" من الرابعة حتى التاسعة.
یی وخاتمة المسألة السابعة للمكتوب الثامن والعشرين، التي تبيِّنُ سرَّ العناية العظيمة.
یی والقسم الثاني من "المكتوب التاسع والعشرين" الذي يبيِّن الحِكَم الرمضانية بشكل إعجازيّ.
یی وخاتم الإعجاز المنوَّر.
فقرأتها مرّاتٍ عدّةً بغاية الشوق وكمال اللَّذّة والتذوُّق المعنوي، إلا أنني لم أتمكَّن من تحرير جوابٍ لرسالتكم؛ لكن في هذا اليوم المبارك یی يوم الجمعة یی كتبتُ هذه الوُريقة أعرضُ فيها باختصارٍ أحاسيسي القلبية، وما تلقَّيتُه من هذه الأنوار من فيوضاتٍ وسُلوان.
أولًا: تُثبت نِكاتُ "المكتوب التاسع والعشرين" السِّتُّ لمن له من الإيمان أدنى نصيبٍ عدمَ إمكانِ الترجمة الحقيقية للقرآن الكريم، وهي بمثابة ذيل للبراهين التي تضمَّنتها "الكلمة الخامسة والعشرون".
— 105 —
وفضلًا عن تعريفكم الشعائر الإسلامية بأسلوب جميل ودفاعكم عنها، فإنكم تُوجِّهُون صَفَعاتٍ معنويّةً شديدة لعُلَماء السُّوء؛ وتسوقون في الختام الآية الكريمة: لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ تأسِّيًا ببلاغة القرآن، ولفتًا للأنظار إلى إعجازه وإيجازه، وتوجيهًا للعقول بأن الحقائق الواردة في المكتوب نابعةٌ من القرآن الحكيم.
وعند مطالعتي یی أنا طالبكم المسكين الدّاعي لكم على الدوام یی للأنوار التي تؤلِّفونها وتُرسلونها، أجد نفسي حائرًا بين تأثيرٍ سلبي وآخرَ إيجابي! إذ ليس بإمكاني تأديةُ وظيفتي المعنوية كما يلزمُ، ولا نشرُ هذه المُؤلَّفات إلا بين أشخاصٍ قلائلَ وفي نطاق ضيِّق، مع أنها مؤلَّفاتٌ نورانية شافية، وبلسمٌ ناجعٌ للجراح الناتجة في هذا الزمان عن تزايدِ الضلالة يومًا بعد يوم، والاعتداء الجائر على الأحكام الإسلامية بشكل غادر، بدءًا من السُّنّة النبوية وانتهاءً بالقرآن الحكيم! كلُّ ذلك ممّا يزيد حزني وألمي، لكن لا أجد سبيلًا سوى إبقاء هذه المؤلَّفات منحصرةً بين أشخاص معدودين، والالتجاء إلى الله سبحانه أن تقوِّيَ إيمانهم وتبعث الأملَ فيهم.
أجل، إنَّ من أنعم النظرَ في قصرِ العالم هذا، أيقنَ بل عاينَ بكلِّ وضوح مدى اقترابه تدريجيًّا من نهايته؛ فها نحن نلاحظُ في كل ساعة سقوطَ لَبِنة من سقفِه وطينة من جداره، بل نشهدُ حتى تناقُصَ ضيائه وتساقُط نجومه.
فما من شكٍّ أنَّ قَصرَ الضِّيافة هذا آيلٌ إلى التهدُّم والفناء لا كما يظنُّ البعضُ، بل باعتقادي أنَّ الضعف الذي يعتري البشرَ وخاصةً المسلمين منهم، وتزايُدَه باطِّرادٍ يُعجِّل هذه النهاية؛ غير أنَّنا مكلَّفون بالخدمة دون النَّظر إلى النتيجة وفقَ ما تعلَّمناه منكم، فما علينا سوى الالتجاء إلى الحضرة الإلٰهية وملازمة الدعاء والتضرع والتزام الصبر والاستكانة دون أن نقطعَ آمالَنا، مع الاعتقاد الجازم أن خالقنا الذي أحاط بكل شيءٍ علمُه ولا منتهى لقُدرتِه، يخلق الخير ويحقِّق المراد بأمره وبإذنه.
— 106 —
وليس تأليفُ خاتمة المسألة السابعة للمكتوب الثامن والعشرين، إلّا بقَصدِ إزالة شتَّى أشكال الشكوك والأوهام الواردة أو المُحتَمِلة الوُرود حولَ الإشارات الغيبيّة.
وأمّا عنِّي یی أنا تلميذكم المُصدِّق یی فلستُ أحمل في نفسي بحمد الله سوى التصديق التامِّ بما أشارت إليه مُؤلَّفاتكم من الحقائق ودلَّت عليه من المعاني، ولستُ أملكُ سوى التضحية بالغالي والنفيس في سبيل تلك المعاني السّامية.. ولم لا وأستاذي العزيز لا يكتفي بإظهار الجواهر القرآنية لنفسه فقط؟! بل يعرِضُها لمن يحتاجها قائلًا: شاهدوا بأنفُسِكم واستفيدوا، وشارِكوا في إظهارها للمحتاجين والمشتاقين وإيصالِها للمُتحيِّرين. فأُجيبُكم: على الرأس والعين، سمعًا وطاعة. وأحمل في نفسي الرغبة والهمّةَ للسَّعي في سبيل الخدمة بقدر استطاعتي، متوكِّلًا على الله تعالى.
وبناءً على ما تقدَّم: فإنَّ البياناتِ المعرُوضةَ بما تحتوي عليه من الدلائل والحُجج المُقنِعة بخصوص التَّوافقات الغيبية جاءت في محلِّها، ولا بُدَّ من لزومها والحاجة إليها في الحال أو المُستقبل، وليست أمرًا زائدًا عن الحاجة؛ ويُفهَمُ ذلك جليًّا من المثال الوارد فيها.
هل يمكن القياسُ بين تفسيرٍ أُلِّف بتدرُّج وأناة، وجُمِعَت مادَّتُه ورُتِّبت بسَعيِ سنواتٍ طويلة، ووُضِعت تَوافُقاتُه ومُوازَناتُه في مواضعها بغاية الاهتمام والعناية، وذلك بعد جهودٍ ومحاولاتٍ عديدة، مع مراعاة السِّباق والسِّياق في قواعد التفسير.. وبين الموازنات والتوافُقات الغيبية الواردة في مُؤلَّفات نورانية نبَعَت وفاضت ولمَعَت من القرآن، وخاطبت البَشَر والمسلمين في هذا العصر؟ كلّا لا يمكن ذلك.
یی فقرة "أحمد غالب بك" المذكورة في الخاتمة جميلة، وقد زادها جمالًا نسبتُها إلى القرآن الكريم وإلى لمعات مخزن الأسرار الإلٰهية: "الكلمات" ورشحاته.. أسأل الله أن يزيد من أمثال هؤلاء الإخوة، ويكتب للجميع یی ومعهم هذا العبد الفقير المذنب یی التوفيق والنجاح في هذا العمل.
القسم الثاني للمكتوب التاسع والعشرين بُيِّنت فيه تسعُ نِكاتٍ رمضانية بشكل رائع وفريد، ومن منظور قرآني خاصّ.. فرضي الله عن أستاذنا الحبيب أبدًا، ولقد
— 107 —
شهدنا هاهنا من الاهتمام بشهر رمضان الشريف في هذا العام ما لم نشهده في السنوات السابقة، وبدا ذلك بشكل جليّ.
كنا نتمنَّى وصولَ هذا المؤلَّف السّامي إلينا في هذا العام قبل رمضان، وأنتم تعلمون جيِّدًا أن سيِّد المرسلين ونور الوجود سيِّدنا ونبيَّنا (ص) قال: «الدِّينُ النَّصِيحةُ» ، إذًا لَكُنّا أطعنا حينها هذا الأمر النبويَّ الجليل في وقته المناسب بقراءة هذا المؤلف لمن حولنا من إخواننا الذين يحزنني قلة عددهم، إلا أنَّ بُعدَنا الماديَّ هو سببُ حرماننا من هذا الشرف العظيم.
وما دام ابتداءُ نزول القرآن في شهر رمضان، فمن المناسب جدًّا في هذا العصر وفي هذا الزمان كتابةُ مؤلَّفاتٍ حول حِكَم تلك الآيات الكريمة في هذا الشهر.. نسأل الحقَّ سبحانه أن يشرِّفنا جميعًا بخيراتها وكثرة أمثالها.
عرَّفني ختم الإعجاز بإخواننا الأجلاء في الخدمة القرآنية، وذكَّرني بالبيت النوراني الجميل الآتي:
مرآة هذا العالم، كلُّ شيءٍ بالحق قائم
مرآة محمد يُرى منها سبحانه بشكل دائم
(حاشية): توافق لطيف: أن يذكر خلوصي الأول وصبري أفندي حامل لقب "خلوصي الثاني" هذه الفقرة نفسَها في رسالتيهما الموجهتين إلي رغم تباعد مكانيهما كثيرًا.
وجعلني أنطق بالبيت التالي:
مرآةٌ هذا الختم.. بالصدقِ الكلُّ خادم
مرآة الأستاذ يُرى.. منها القرآن بشكلٍ دائم
رضي الله عنهم أجمعين؛ وأُحِيلُ إلى فضيلتكم تقويمَ هذا البيت، مع توقيعي في الزاوية الفارغة من هذه المرآة المباركة.
خلوصي
٭٭٭
— 108 —
(فقرة المقدَّم عاصم بك حول كلمات رسائل النور):
منزَّه من الشؤونات، كلُّها إلهام إلٰهي..
يملأُ الوجدان نورًا قراءةُ سِفرِها اللامتناهي..
منزَّه من الرياء والكبر وشتى أشكال المعاصي..
نورٌ مفرِح نابع من الكلام الأزلي..
لو تعلم بأي وجدٍ فهمت هذه المؤلفات
وهذه الأفكار النورانية واللاهوتية كهذه الآيات
هل المنجلي هي المآثر؟ أم الأثر؟ أم المُؤثِّر؟
أم أنه سرٌّ عجيب لمع كالبرق من ثُريّا إلٓهي؟
لا يمكن الحديث عن أخباره عن سر الوحدة..
أيها البشر الغافل، انظر إلى نفسك واعرف ما هذه الأشياء..
كل الكون مندهش من الأحداث العجيبة التي مرَّت عليه..
يذكر الكريم اسمك، اسمك الجليل بكمال الإجلال..
عاصم
٭٭٭
(فقرة خلوصي بك):
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته بعدد حروف رسالة النور ومكتوبات النور ألف أمثالها.
الأستاذ المحترم.. تلقَّيتُ الأسبوعَ الفائت بكمال الشوق واللهفة مؤلَّفَيكم الجليلَينِ: المسألة الخامسة والسادسة من المكتوب الثامن والعشرين، وأحدهما يتحدَّثُ عن الشُّكر، والآخر جوابٌ على سؤال الحرم الشريف؛ وقد طالَعتُهما بمنتهة الأذواقِ.
— 109 —
لقد كنتُ في حالة يُرثى له من شدّة الظَّمأِ المعنويّ، بلَغَت من العجز التام درجةً كَلَّ معها نظري وقَصُرت يداي وخارت قواي عن إرواءِ هذا الظمأ، لكنِّي لم أقطع الأمل من رحمة الرحمٰن الرحيم، الذي أَروَى ظَمَئِي المعنويَّ بواسطة أستاذي المبجَّل، فحمدتُ الله وشكرتُه مئاتِ آلافِ المرّات.
بدأت باسمِ الله مطالعةَ "رسالة الشكر" ذاتِ المعاني العميقة والمذاق الحاليْ واللذيذ، وأمامَ الإحسان والإنعام الذي تلقَّيتُه تحت مسمى الأنوار هتفتُ: "الحمد لله، الله أكبر!" اعترافًا بفضلِ الخالق الكريم والمنعم الحكيم والرزَّاق الرحيم، صاحب الإنعام اللامحدود جلَّ جلالُه.
إن في كلماتكم المباركة فيوضاتٍ قدسيةً أيَّما فيوضات! فكأنكم تأخذون بيدِ طالبكم وبِيَد كلِّ من يطالعها أو يستمع إليها باهتمام، وتقولون له: تأمَّلْ.. هذا يدلُّ على ذاك المعنى.. وذاك يتضمن كذا.. وتلك هي الغايات والمقاصد والحِكم من هذا.. هيّا نرقَ إلى العُلا ونتقدَّمْ أكثر.. فتطوفُ به من منبعٍ إلى آخر، ومن السَّفح إلى القمة، ومن الأثر إلى الطريق، ومن الحقيقة إلى المعرفة.. فكنتُ أتجوَّل وأسيح وأزور تلك الأماكن، فأحظى بالفائدة وأنال الفيضَ منكم.
سِرتُ صحبتَكم في هذه المرةَ إلى منبع نهر الشكر، وإلى ذروة جبل الشكر، وفي درب عصر الشكر، وإلى المعرفة من خلال الحقيقة التي تضمَّنَها الشكر المطلق؛ وفي النهاية كما في البداية توردون هذه الفقرة:
"دَرْ طريقِ عَجْزَ مَنْدِي لازمْ آمَدْ چارِ چِيزْ:
فقرِ مُطْلَقْ، عجزِ مُطْلَقْ، شُكْرِ مُطْلَقْ، شوقِ مُطْلَقْ؛ أَيْ عَزيز"
وأقابلُ ذلك بالقول: فهمت وصدَّقت.
وتُنهون هذه السياحة القدسية بالدعاء والصلوات.
لقد اجترأ طالبُكم هذا العاجز المحتاجُ، مُستغِلًّا شفقَتَكم الرفيعة، فلَفَت انتباه
— 110 —
أُستاذِه إلى جانبٍ آخر، وتجرَّأ أن يسأل سؤالًا، فألَّفتم لسؤاله المسألة السادسة من المكتوب الثامن والعشرين، وكأنكم بذلك تُخاطبونه قائلين: تعالَ معي لِندخلَ الحرم الشريف، وأتحدَّث لك عن وضعه الحاليِّ وأسبابه.
فقرأتُ المسألة بتمامها، وأفدتُ منها الكثيرَ.. رضي الله عنكم.
خلوصي
٭٭٭
(فقرة خلوصي بك):
تلقَّيتُ هذه المرةَ بلطف الله وعنايته المسألة السابعة من المكتوب الثامن والعشرين، وقرأتها مرّاتٍ عدة بكمال التوقير والإجلال، كما قرأتُها مرةً لطالبكم الجديد الحافظ عمر أفندي، ومرةً أخرى لوالدي، وثالثةً لإبراهيم أفندي أحدِ أساتذتي القدامى، ولصديقٍ لنا أيضًا، كما قرأتُها لفتحي بك.. وسأعيد قراءتها وإقراءَها إن شاء الله.
لقد وضعتُم بهذه الرسالة البلسمَ الناجع والرائع على الجراح المعنويّة المُتولِّدة في قلوب المستمعين إليها یی وفي مقدِّمتهم هذا المسكين یی من جرّاء الحوادث الأخيرة.
وبتذكيركم بالآية الجليلة: لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تزفُّون بشرى عظيمة لنا بی"إنَّكم إن قابلتُم هذه الآلام بالتمسُّك بالصبر الحقيقي، والتجأتُم إلى لُطف الله وروحانيّة الرسول الأكرمِ (ص)، وإلى إعجاز القرآن العظيم الشَّأنِ الباقي من يوم نزولِه إلى قيام الساعة، ستكونون قريبًا مظهرًا لمستقبل مزدهرٍ إن شاء الله".
أسأل الله ذا الجلال والإكرام بحرمة إعجازِ القرآن الذي منَّ على أُستاذِنا الموقَّر ببيانه لهذه الأمة المسكينة أن يرضى عنه رضاءً أبديًّا، وأن يُعجِّل بتحقيقِ جميعِ ما يصبو إليه من الآمال في خدمة القرآن، وأن يكتب لجميع المؤمنين التوفيقَ وسلامة الإيمان.. آمين.
— 111 —
قبل أن أتلقَّى المسألة السابعة من المكتوب الثامن والعشرين كنت أقول للأشخاص غيرِ المُهتمِّين بی"الكلمات" المباركة بأن أستاذنا منذ ستِّ أو سبع سنوات يكرِّر باستمرار قولَه: «لقد هُدِمَت أسوارُ القرآن.. جميع الهَجَمات تُوجَّه إلى القرآن.. الزمان زمان إنقاذ الإيمان.. » ، وإن بيانه هذا تتأكَّدُ صِحَّتُه يومًا بعد يوم من خلال حوادثَ كثيرة يصدِّقها كلُّ مؤمن ذي بصرٍ وبصيرة.
وقد جاء هذا المكتوب يُثبتُ صدقَ طالبكم المسكين في تبليغ أوامر أستاذه، كما يطرحُ جملةً من المسائل الكثيرة التي بيَّنتُها لكم مقدَّمًا والتي خطرت في ذهني یی بل نطق بها لساني یی قبل تلقِّي المكتوبات! وإنني أَعُدُّ هذا الأمرَ من الإعجاز القرآني دون شكٍّ، وأمّا من جهة التَّوافُقات فإن النسخة التي لديَّ فيها انسجامٌ تامٌّ؛ أجل؛ إن العناية الإلٰهية تظهر جليًّا من جميع الجوانب.
أستاذي المحترم.. أدركتُ يقينًا وبرحمة إلٰهية حقيقةً أخرى، وهي: أن الدرس الذي علَّمتَني إياه حين حظيتُ بشرفِ لقائك لأوَّل مرة يُشعِرني بوجوده في جميع الرسائل والمكتوبات، لكن ثمّةَ فرقٌ واحد فقط، وهو أن الحقائق المجملة المذكورة في ذلك الدرس قد ورَدَت في الدروس الأخرى مبيَّنة بشكلٍ واضح ومفصَّل، ما يعني أنَّ من اتَّخذ الإيمان والقرآن أساسًا ومنهاجًا، فإنه يؤسِّسُ يَنبُوعَ فيضٍ دائم ومَعِينَ نور سرمديّ وخزينة قدسٍ أبديّ وحصنَ قلعةٍ إلٰهية.
أجل؛ إنَّ نبيَّنا الأفخمَ وسببَ خلق العالمين (ص)، بعدَ أن بلَّغ رِسالتَه وأدَّى وظيفتَه حقَّ الأداء، ورَحَل بأمرٍ إلٰهيٍّ ليُشرِّفَ عالمَ البقاء؛ ترك لنُزّالِ هذا المَضِيف الذين يملؤونه ويُفرِغُونه، ويُبعثون فيه ويَفنَوْن، ويأتون إليه ويرحلون، وعلى وجه الخصوص: الإنس والجن، وإلى حينِ إغلاقه.. ترك لهم هديةً قيِّمة ودليلًا باهرًا ومرشدًا قُدسيًّا، هو القرآن الكريم.
حتى باتت كبرياتُ الشخصيات التي أظهرتها العصورُ المُتعاقبة حتى عصرنا هذا يَحُلُّون جميع مشكلاتهم بالقرآن، ويجدون ما يبحثون عنه في القرآن.. إلخ.
— 112 —
وكذلك اليوم في عصر البدعة والضلالة، أظهَرَت "الكلمات" و"المكتوبات" إعجازَ القرآن الحكيم الأزليَّ، وجعلت الرحمةُ الإلٰهية أستاذَنا المحترم موظَّفًا وواسطةً في هذا العمل العظيم، وهو يليق بذلك ويستحقُّه.. وإنَّ من اللُّطف الإلٰهي بي أن آمنتُ بهذه الحقيقة في أوَّل درسٍ من دروسه، وغَدَت بعدها الدُّروسُ النورانية وسيلةً لتقوية إيماني، وما زلتُ على ذلك.. الحمد لله، هذا من فضل ربي!
أستاذي العزيز المحترم..
يقولون: الدنيا سجن المؤمن.. وها هي الأنوار التي نِلتُم شرفَ نشرِها وإظهارها وبيانِها قد أضاءت دنيانا المظلمة، وعلَّمَتنا حقيقةَ الخَلْق؛ ودرَّسَتنا معرفةَ الحياة الباقية الدائمة السرمدية؛ تُرى كيف كانت حالي لولا هذه الأنوار؟! وماذا كنت سأصنع لو لم أَهتَدِ إليها؟! فلو لم أَسْعَ قدرَ الطاقة والإمكانِ في نشر الأنوار، لكانت المعاصي كلَّ مكاسبي، فبأيِّ وجه أسوَدَ وحالٍ مضطربة كنتُ سأقابل ربي؟! الحمد لله، ثم الحمد لله.
غايةُ أملي ورجائي أن أنال الرحمة الإلٰهية، بصادق نيَّتي وشرفِ خدمتي المتواضعة للقرآن، وببركة دعائكم إن شاء الله.
خلوصي
٭٭٭
(فقرة صبري):
باسمه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
سيدي، كما لا يمكن أن نميِّز نورًا عن آخَر، كذلك طلابُ بحر النور المنوَّرين أينما كانوا كلُّهم يحملون غاية واحدة، ويجمعُهم تفكير واحد، ولا ينافس أحدٌ منهم الآخر، ويُباهي كلٌّ منهم بسجايا أو خصالِ صاحبه ويفتخر بها، ويفضِّل كلُّ واحد
— 113 —
رفيقه على نفسه في الإخلاص والوفاء، ويظهرون بالحال والقال والفِعال الاتحادَ والتساند الحقيقي المشروع اللذين هما العلامة الفارقة والمميِّزة للوحدة، والتي هي بدورها جلُّ أملهم وغايةُ مقصدهم.
وحالهم هذه علامة واضحة على التوفيق والنجاح دون شكٍّ أو ريب.
طالبكم: خ.ث
٭٭٭
(فقرة رأفت بك):
سيدي وأستاذي العزيز المحترم..
آخر "كلمة" نشرتَها ترَكَت في نفس العبد الفقير انطباعًا قويًّا وتأثيرًا عميقًا ولم أعرف السَّببَ.. وجدتُ فضيلتك في تلك "الكلمة" مُغضَبًا جدًّا، ورأيتُ قلمًا يُفرغُ حُمَمًا تنفُثُ جميع آلامكم، فشعرت بنشوة الحقائق التي فيها وفُتِنت بها، فطفقتُ أقرؤُها وأُطالعُها لساعات طويلة.
وبعد اليوم لم يَعُد باستطاعتي تفضيل "كلمة" على أخرى، فحينما أصفُ إحدى كلمات الأنوار بأنها مهمةٌ، أجد الأخرى أكثرَ أهمِّيةً، وتَبْرُزُ الأخرى قائلةً: أنا ذاتُ أهمِّية أكبر. فهي أَشبَهُ بالنجوم المُتدلِّية من السماء، رغم اختلافها في اللَّمَعان والبريق إلا أنَّها كلَّها نجوم تستمدُّ أنوارها من مشكاة واحدة، فلا يختلف وصف نجم عن الآخر؛ وكذلك حال كلماتكم تمامًا، فلو أني قرأتُ إحداها مئة مرة، فسأجدُ في قراءتي التي تلي المئة ذوقًا معنويًّا عظيمًا، كأنِّي لم أقرأها من قبل، وهذا دليلٌ باهرٌ على رفعتها وسموِّها.
أعلم جيدًا أني مهما كتبت في هذا الشأن فسيظلُّ ما أكتبُه قاصرًا عن أداء حقِّ الكلمات، لذا أختصر كلامي عند هذا الحدِّ.
رأفت
٭٭٭
— 114 —
(فقرة لمسعود أفندي):
أستاذي المحترم.. منذ بلوغي سنَّ التكليف حتى اليوم، كان عقلي الأخروي وإيماني مسجونَينِ في أعماق صندوق مقفل، مصنوع من درع الشيطان اللعين، ويرزح تحت تضييقه الدائم، لكن بفضل دعائكم، وببركة حُسنِ ظنِّكم بي، وبأَثرِ نصائحكم القيِّمة، حطَّمتُم هذا الصندوق الشيطانيَّ المدَّرع على مدى سبعة أعوام، واستخرجتُم إيماني وأعدتُموه إليَّ مُجدَّدًا..
ويمكنُني إثباتُ استعادتي له بالأمر التالي: في ثالث أيّام شهر رمضان الشريف كنت في زيارة لكم، وتفضَّلتُم حينها بالدعاء، وبعد مفارقة أستاذي أراني الحقِّ سبحانه رؤيا سبق أن تحدَّثتُ بها إليكم، وفسَّرتُها على النحو التالي: لو أنني لم أَسلُك ذلك النهر المُمتدَّ من الفجر حتى العصر، أي: لم أتلقَّ الدعاء في وقت الفجر، لكنتُ اليوم أشبهَ بذلك الرجل الذي يحمل السَّلّة ويمشي أمامي، ولكنتُ سأهوي إلى دَرَك الغواية؛ رغم أنني كنتُ على حافةِ ذلك البئر المرعب، إلا أنني لم أُستدرَج إلى الداخل بفضل ذلك الدعاء المؤثِّر.
وفي طريق العودة وجدتُ الناس يسلكون طريقًا واسعًا، إلا أنهم مُتزاحمون ويعانون شدّة ومشقّةً في المرور، أمّا نحن فكنَّا في موضع مُظلَّل، ننظر إليهم دون أن نُعانيَ تلك المشقّة.. وما ذلك إلا بفضل إجابة دعاء أستاذي، وبتأثير "الكلمات" التي لا تُقاوَم.
مُقابلَ هذا الأمر عزمتُ أن أقدِّم خدمةً على نهج أستاذي، لكن أنَّى لي بمثل ذلك! فالخدمة التي أقوم بها فرديّةٌ وغير كافيةٍ، وهي منحصرةٌ في منافعي الأُخروية، فلأجل ذلك أدعو الفياض المُطلَق سبحانه بهذا الدعاءِ الذي جعلتُه وردًا لي أُكرِّره في الأوقات الخمسة:
"يا ربِّ يا ربِّ، إنَّ أُستاذي الأكرمَ قد أَنقَذ إيماني الحبيسَ في صندوقٍ فُولاذيٍّ مُقفلٍ من قِبَل الشيطان اللعين منذ سبع وعشرين سنةً، فكَسَر ذلك الصندوقَ بمِطرقة
— 115 —
كبيرة وأطلق إيماني؛ ونجح أستاذي الجليلُ مفسِّرُ القرآن وآخِرُ المُصنِّفين "سعيدٌ النُّورْسِيّ" بإنقاذي من السقوط في دَرَك الغواية يومَ الحشر، كي أنال شرفَ الانضمام في سلك خدمةِ نشر لَمَعات القرآن الحكيم: "رسائل النور"، تمامًا كما أَريتَني في المنام.. فاللَّهُمَّ يا ربِّ يا أرحم الرحمين، اجعلني يوم الحشر من حَمَلة اللواء، والحمد لله رب العالمين".
ختامًا: وأرجو أن تقبلوني في حمَلة لوائكم، وأُقبِّل أيديَكم وأرجلَكم.
محمد مسعود
٭٭٭
(فقرة أحمد خسرو):
باسمه سبحانه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أبدًا دائمًا..
أستاذي الجليل.. قبل يومين من هذا التاريخ المُدوَّن على الرسالة، كنت منشغلًا بكتابة الذيل الثالث للمكتوب السابع والعشرين؛ استشعرتُ فيه المحبة الدافئة التي يحملها إخواني أمثال خلوصي ورأفت بك وذكائي وصبري أفندي تجاه رسائل النور ومكتوبات النور، وألهب مشاعري ما طالعتُ فيه من كتاباتهم الرائعة التي تعبِّر عن شوقهم المعنويّ؛ وفي هذه الأثناء دخل بكر آغا بوجهٍ ضحوك باسِمٍ خلافَ المعتاد وهو يحمل رسالة منكم، فقبَّلنا الرسالة وفتحناها معًا ببهجة وسرور، فخرَجَت ورقةٌ فيها الرمزُ الثامن للقسم الثامن من المكتوب التاسع والعشرين، والمؤلَّف من ثماني صفحات، وأظهر نفسه بتوافقات الثلاثة والثمانية.
فامتزجت في نفسِ طالبكم الفقير المشاعرُ القلبية المُفرحة المتولِّدة من الذيل الثالث للمكتوب السابع والعشرين، وكذا من الوجه البشوش الحَسَن لبكر آغا الذي يُعبِّر عن شوقه لأستاذه وللرسائل، مع كلمة أستاذي الطيِّبة المُدرَجة في الرمز الثامن،
— 116 —
والتي تلتمع وتبتسم بنور معنوي، وتَبِينُ فيها غايةُ التوافقات، الأمرُ الذي كنّا ننتظره منذ أربعة أشهر؛ فهذه المَسرَّات الثلاث ولَّدت في نفسي حالةَ أُنسٍ غامرة، حتى غدت تلك اللحظات من بين الإشراقات التي يحظى بها أولئك الذين ينالون السعادة الأبدية.. وبهذه النشوة والسرور قرأتُ رسالتكم والرَّمزَ الثامن، وبينما أنا أقرأ إذا بلساني يتحوَّل تَرجُمانًا لقلبي، فينطلق بشكل لا إرادي بالقول: "حياك الله، أسعدك الله يا أستاذي".
فقرأتُها أوَّلَ مرّة مع بكر آغا، وثانيةً مع رشدي أفندي، وثالثةً مع أخي رأفت بك.
أجل أستاذي الحبيب، لقد أخرجتُم برسائل النور ومكتوبات النور الخزائن الدفينة منذ سنين في أعماق بحر القرآن العظيمِ البرهان.
وها هو اليوم يُخرج لنا باللطف الإلٰهي خزينةً أخرى ساطعة، يغشى نُورُها العيونَ، فتُظهِر نفسَها وتَلفِتُ أنظار البشر إليها طوعًا أو كرهًا، وذلك من خلال الرمز الثامن من القسم الثامن للمكتوب التاسع والعشرين.
ها هو اليوم يهتفُ بصوت إعجازيٍّ يأبى الصَّمتَ، وبفيضِ معينٍ لا يَنضُب، مُبرِزًا أمامنا جانبًا آخرَ من الأسرار المُهِمّة والإعجازات المُدهِشة للفرقان الإلٰهي الذي حيَّر أصحابَ الإنصاف منذ ألف وثلاث مئة عام، ونال أعلى المقامات العظيمة في جميع النواحي، وبين عموم طبقات البشر، وعلى لسان الجنِّ والإنس وأَلسِنة الملائكة والروحانيات في السماوات.
كم هو عظيمٌ قدرُ رسائل النور التي أظهرت اليوم مع الأختام الكثيرة غيرِ المحدودة أنَّ القرآن كلامُ الواجبِ الوجود، الذي يُمسِك زمام الكائنات بيد قُدرته ويُديرُها بعظمة كبريائه، ويُسجِدُ كلَّ شيء أمام عظمة جلاله؟! كيف يُمكِن تقييمُ هذه الرسائل؟! وهل يَسهُل مقارنتُها بغيرها؟! وأنَّى لمُؤلَّف أن يتفوَّق عليها؟!
أستاذي الحبيب، ناشرَ الرسائل التي ذَرَّت الأنوار في وجوه البشر القاتمة، وقلَبَت جميع العقائد الخارجةِ عن التوحيد رأسًا على عَقِب، وتوجَّهت نحو تلاميذها
— 117 —
بلطف ولين ووجهٍ حسن، وتحدَّثت إليهم بلسان لطيف ظريف.. إنك تحيا بهذه الأنوار في قلوب طلابك الذين هم رهنُ إشارتك، وبمحبة إلٰهيّة أشبه بنبعٍ فيّاض لا يَنضُب.
وغايةُ الأملِ والرجاء أن يُذكَر اسمُكم حيًّا وميتًا بكمال الإجلال بين الجماعات الكبيرة،
(حاشية): لا يمكنني أن أوافق أخي خسرو في مشاعره هذه في هذا الباب؛ إذ إنَّ نيل المقامات في نظر البشر وتخليد الأسماء ليس بشرف لدى أهل الحقيقة، إلا إن ظهر إقبال الناس كجلوةٍ من جَلَوات الرضا الإلٰهي وكأمارة من أماراته، فيمكن حينئذٍ قبولُه، وإلا فليس هو بمَطلَب.
وما دام خسرو من أهل الحقيقة، فإنَّ الشرف الذي يُحيله إلى شخصي إنما يعني به رسائل النور، والحقُّ أن جميع الطلاب لهم حظٌّ من ذلك الشرف، ولا يمكن إحالتُه إلى شخص واحد.
وأن تَبلُغ شهرتُكم أرجاءَ الدنيا والآخرة، وأن تُنشَرَ رسائلكم بغاية الاشتهار والتقدير.. ولم لا وأنتم دلّال القرآن الكريم في هذا العصر، ولا يثنيكم شيءٌ عن الجهر بكلمة الحق حتى في أخطر الأوقات والحالات، وتحملون روحًا ساميةً رفيعةً، وتَبثُّون في نفوس طلّابكم نورَ السُّلوان في كلِّ آن؟!
وكيف لا تكون البشرية اليومَ مُمتنّةً لكم ولرسائل النور، وأنتم تَبثُّون بهذه الأنوار النابعة من عرش القرآن العظيم نورًا سرمديًّا لا يفنى ولا ينقضي، وليس كالشُّعاع الذي يُضيء في سمائنا ثم مصيرُه الأفول.
أسأل الله الواجبَ الوجودِ ذا الرحمة سبحانه، أن يكتب في سجلِّ حسناتكم أجرًا لا يُعَدُّ ولا يُحصَى، جزاءَ ارتباطكم الوثيقِ بالدِّين الإسلامي المُبين، ومحبَّتِكم العظيمة له، وسعيكم الجادِّ في سبيله.
إن كلًّا من هذه الرسائل تشكِّلُ بحدِّ ذاتها نهرًا ذا منابعَ وروافدَ متنوِّعة، إلا أنها جميعًا تصبُّ في بحرٍ وحيد كبيرٍ.. فكيف لا يغترفُ منها ظمآنُ بلغ أحدَ ضفافِها حتى يرتويَ؟! وكيف لا ينتفعُ بهذه الأنهار من يحرصُ أن يُزيلَ أدرانَ يديه ووجهه؟! وكيف لا تنهل من فيضها الجماعاتُ الكبرى التي تشقُّ الجداول من أجل سقاية غراسها وزرعها؟!
— 118 —
إن في هذه الأنهار شفاءً أيَّما شفاء! ما اغترفَ منها مريض إلا وجد الدواء لدائه، وما ارتشف منها مكلوم إلا وجد فيها آلاف أنواع المراهم لجراحه، وما شرب منها شيخ كبيرٌ إلا غدا شابًّا يافعًا ينبض حياةً أبديّة، وما نهل منه شابٌّ إلا هُديَ إلى السعادة الأبدية.
ولستُ أعلم أستاذي الحبيب، هل يحتاجُ من يقرأ رسائلَكم أن يفكِّر كثيرًا ليُدرِك مدى ما تملكونه من القلبِ الكبيرِ السّامي؟!
لقد أعلنتُم منذ زمن: «إنني دلَّال القرآن العظيم، ولا أستبدلُ بوظيفتي السامية أيَّ شيء» ، وزاد هذا الإعلانَ قوّةً وشهرةً تأليفُكم مؤخَّرًا للرمز الثامن البالغ ثماني صفحات من القسم الثامن من المكتوب التاسع والعشرين؛ بما انطوى عليه من الحقائق التي تسلبُ الألباب.
آهٍ يا أستاذي الحبيب! لو كان لقلمي ولساني ملَكةُ التعبير لحبَّرتُ لكم في كل رسالة مدحًا يليق بها، لكن أنَّى لفقيرٍ نيلُ ذلك!
أجل أستاذي الحبيب، وثمّة مسألة أخرى زادتنا سرورًا بالغًا، وهي أنكم وجدتم من المناسب أن تُضاف في هذا القسم حروفُ القرآن الهجائية المكوَّنة من صحيفتين، والمنشورة تحت اسم (نكتة قرآنية)، والنابعة بدورها من دعاء كنز العرش، وأن يُدرَج هذا القسمُ في مقدمة مطبوعة القرآن الكريم ذات التوافقات والحواشي التي نكتُبها، بحيث يسهل استفادة الجميع منها؛ ونحن من جهتنا نعدُّه قرارًا صائبًا؛ وبإظهاركم الأنوار التي ستضيء في المستقبل غمرتم طالبكم هذا فرحًا وسرورًا، وحوَّلتُم نظره من الماضي إلى الحاضر، ومن الحاضر إلى المستقبل.
أحمد خسرو
٭٭٭
— 119 —
(فقرة رأفت):
باسمه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
سيدي وأستاذي المحترم الجليل..
قرأت بتمعُّن رمز القسم الثامن من المكتوب التاسع والعشرين، واستفدتُ من الرموز الباهرة التي تضمَّنها، وما تُعبِّر عنه تلك الرموز من الحقائق الرفيعة استفادةً عظيمة، ودفَعَتني إلى التفكير والتأمُّل العميق.. إن لي منذ الصغر اهتمامًا كبيرًا بالحقائق الدينية، وكنتُ كلَّما سنَحَت لي الفرصة أطالع الكتب وأُجري أبحاثًا ودراساتٍ عنها؛ إلا أنني للأسف لم أُوفَّق يومًا إلى بلوغ مقصودي، ولهذا السبب كنتُ أُصابُ بالإحباط ويتملَّكُني اليأس.
فأحمد الله الخلَّاق العظيم حمدًا لا أمدَ لمُنتهاه أن وفَّقني لِلقاءِ عبقريٍّ عظيم قلَّ نظيره في كل عصر؛ وأوصلني إلى أستاذٍ تَنشُدُه روحي منذ ثلاثين سنة بحسرة وشوق.
الحمد لله، ثم الحمد لله.. هذا من فضل ربي..
وبما أنَّ أمثال هذه الحقائق لم تُشاهَد ولم يُسمع بها من قبل في أيِّ كتاب حتى وقتنا الحاضر، فإن كتابتها أمر صائب جدًّا، لأنَّ كلَّ مَن يطَّلعُ عليها من أهل الإيمان ينالُ قسمًا من جواهرِ خزائن القرآن الحكيم اللامتناهية، فيندرجُ من جهةٍ في عدادِ الأغنياءِ غنًى معنويًّا، ويُطَمئِنُ أعظمَ حاجات الروح البشرية من جهة أخرى، وهي رغبةُ الاطلاع على الكنوز المخفية.
الخلاصة: إنَّ ما انطوت عليه التوافقات والرموز القرآنية من بشائرَ عظيمة، دفَعَتني لمُطالعتها وتدقيقِ النظرِ فيها بحَساسِيّة بالغة.
سيدي وأستاذي الحبيب، بهذه المناسبة أقدِّم لكم كاملَ إجلالي وتقديري،
— 120 —
وأقبِّل أيديكم المباركة، وألتمسُ منكم الدُّعاء لعلَّ الحقَّ سبحانه يكتبُ لنا الانشراحَ الرُّوحيَّ.
رأفت
٭٭٭
(فقرة رُشدي):
باسمه سبحانه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
سيدي وأستاذي المحترم الجليل..
تلقَّيتُ من الإعجاز القرآني ومن مكتوباتكم التي نوَّرتُم بها قلبي المُظلمَ: الرمز الثامن للمكتوب التاسع والعشرين، الذي يُبيِّن سِرَّ التوافقات الحرفية في سُوَرِ: الإخلاص الشريف، والمعوِّذتين، والفاتحة الشريفة، وقرأتُه مع إخواننا في الدِّين.. فالحمد لله، الحمد لله ألفَ مرّة، لقد فُتِنتُ بأسرار القرآن العظيم الذي هو كلام الواجب الوجودِ تقدَّس اسمُه، وقلتُ بمِلءِ قلبي ولساني: اللَّهُمَّ نوِّر قلوبنا بنُورِ الإيمان والقرآن.
أستاذي وسيدي، صحيحٌ أن إضافة هذا الرمز في مقدِّمة مصحف التوافقاتِ المكتوبِ حديثًا أمرٌ صائب من ناحية إعلان الحقِّ والحقيقة، إلا أنني أجدُ من المُستَحسَن أيضًا أن تبقى مستقلّةً بين رسائلكم النورانية التي لا تُورِثُ كثرةُ قراءتِها المللَ والسَّأَم، بل تزيدُ في كلِّ مرّة لَذّةً تفوقُ ملذات الدنيا ألفَ ضعفٍ، وتُنير قُلوبَنا المُظلِمةَ، وتخاطبُنا بلساننا فتَصِفُ لنا حالنا، وتُرشدُنا إلى سبيلِ الحق؛ كما يُفضَّل أن تُكتَب في مقدمة القرآن الكريم باللغة العربية والتركية إن أمكن.
رُشدي
٭٭٭
— 121 —
(فقرة لطفي أفندي السَّاعاتي):
باسمه سبحانه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أبدًا دائمًا..
تلقَّيتُ من فيوضاتِ الإعجاز القرآني: الرمز الثامن للمكتوب التاسع والعشرين الذي يبيِّن سرَّ التوافقات الحرفيّة في سُوَرِ: الإخلاص الشريف، والمعوِّذتين، والفاتحة الشريفة، وأتممتُ قراءتَه.
لقد أظهَرَت التوافقات التي في هذه الرسالة المنشورة سِرًّا لم يُرَ مثلُه من قبل، وإنَّ التحدُّث بهذا الخصوص أمرٌ يفوق بكثير حدودَ عقلي وطاقةَ قلمي، لذا أكتفي بهذا القدر، راجيًا عفوَ أستاذي؛ غير أنَّ الإيضاحات التي تضمَّنتها هذه الرسالة كافيةٌ لإيقاظ غافلٍ أعمى من سُباتِ غفلتِه، بل لإرشاد وتنوير قلوبٍ غرقت في الظلام الدامس.
سيدي، أوافقُكم الرَّأيَ تمامًا بخصوص إدراجِ الرمز الثامن في مقدِّمة القرآن العظيم، حتى يتسَنَّى لكل أحدٍ رؤيةُ ما فيه من المعجزات.
لطفي السَّاعاتي
٭٭٭
(فقرة عاصم بك):
باسمه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
أحمدُ الله القدير المطلق، سلطانَ الأزل والأبد، الحيَّ الذي لا يموت، وأشكرُه غايةَ الشكر، مع إقراري بالعجز عن الوفاء بجزءٍ واحدٍ من مئةِ ألفٍ، حتى لو قدَّمتُ في كل دقيقة مئاتِ الآلافِ من الحمد والشكر یی وإنني أفعل یی مقابلَ ما أكرم به هذا العبدَ الفقير وأحسنَ إليه بأستاذ جليل مثلك.. فله الحمد والمِنّة.. هذا من فضل ربي..
— 122 —
لقد أمضيتُ في الخدمة العسكرية أربعًا وثلاثين سنةً دون انقطاع، وبمقتضى بشريَّتي انجَرَرتُ وراء أعاصير الذنوب وأمواج المعاصي، وأصبحتُ شديدَ التقصيرِ في أمر الدِّين وأداءِ الوظائف الدينية الأُخرويّة، ثمَّ صحوتُ مؤخَّرًا لِأَجد أن ما قَضَيتُه من حياتي حتى السّاعة قد مرَّ وأنا مُتلفِّح بحجاب الغفلة؛ وبِتُّ نادمًا أشدَّ الندم على ذلك الزمان الذي مضى بالآثام، وصرتُ أبكي على ما كان يضحكني من قبل.. كان هذا بعدما حَظِيتُ بلقائكم أستاذي وقرأتُ رسائلكم، فأحمد الله مئاتِ آلافِ المَرّات أن أحسن بكم على هذا العبد الفقير.
وكان ابتداء التواصل بيننا قبل أربعة أعوام بدلالة أخينا الشيخ محمد أفندي حين قَدِمتُ إلى "بُوردُر"، فطرحتُم حينَها بيد العبد الفقير رسائلَ قيِّمة أَشبَهَ بالمفاتيح التي تفكُّ ألغاز العالم المُغلَقة، وتحلُّ معضلاته العصيّة، وتنشر النور والحكمة في شتى الأرجاء.
إن هذه المفاتيحَ جواهرُ وألماس لا تقدَّر بثمن، ويعجزُ لساني عن التعبير بما يُكنُّه قلبي نحوها من مشاعر؛ فمن ذا الذي يستطيع أن يفتح خزائن الشريعة ويستخرج دفائن الحقيقة والمعرفة إلا رسائل النور الشريفة! وقد فعَلَت.. إن كل رسالة منها أنور وأسطعُ من الأخرى، لا سيَّما رسالة "إعجاز القرآن" فهي "نور على نور".
فكأنك دخلتَ بستانَ زهور تتفتَّح فيه كلَّ يوم شتى أنواع الورود بأشكالها الجميلة الملونة، فوقَفتَ حائرًا أيَّ زهرة تَقطِفُ وأيِّ رائحة تَشَمُّ! لتُقرِّر في الختام أن تُعِدَّ باقةَ وردٍ من مختلف أنواعِها، وكذلك حالُ من يدخلُ بستانَ النور لنَسخِ الرسائل الشريفة أو قراءَتِها أو الاستماعِ إليها، ويغرق في بحارها وأنهارها، إنها تحمله على التفكُّر والتدبُّر وهو مُنتَشٍ من شِدّة الإعجاب، وتُجرِّدُه من الأحاسيس الدنيوية، وتَعزِله عن المشاعر الهابطة، وتدفعُه نحو العبودية الخالصة الدائمة لخالقه الكريم، وترفعُه
— 123 —
إلى منازلَ عالية تسمو على سائر الأخلاق الرذيلة، وتُهذِّبُ نفسه الأمّارة بالسوء.. بل يمكنني القول: إن رسائل النور الشريفة روضة من رياض الجنان.
ولكن وا أسفا على أولئك الذين لم ينالوا حظًّا أو نصيبًا من هذه الروضة الطيبة! فليت الإلهامَ الإلٰهيّ يحملهم على تمزيق حجاب الغفلة وتحويله إلى يقظةٍ وبصيرة، بدلالة ما ورد في ختام "الكلمة الثالثة والعشرين".
أتضرَّع إلى المولى سبحانه الواجب الوجود أن يبصِّر المؤمنين الموحِّدين سبيلَ الهداية، وأدعوه سبحانه دعاءً فعليًّا عبر نسخِ ما لديَّ من الرسائل وتداوُلِ قراءتها طوالَ نهار الجمعة مع من أثق بهم من إخواني الذين يجتمعون في بيتي، ويحملون محبة وشوقًا إليها أمثال السادة (....) المحترمين، نؤدِّي حقَّ عبوديتنا لله تعالى، وندعو لأستاذنا بالخير لنُوفي دينه في أعناقنا جميعًا.
سيدي، إنني وأُختَكم نتضرَّع الى الله سبحانه عقبَ كلِّ صلاة بی: "يا ذا الجلال والكمال، احفظ أستاذنا دومًا مُرشِدًا ودلّالًا للنور ورسائل النور".
عاصم
٭٭٭
(فقرة أحمد غالب حول الكلمات):
عِلمُ حقيقةٍ آدميّ كلماتك
ترجمان كنز الوحدة كلماتك
عطاء محض من الحق سبحانه
عودة سيدنا "شيث" كلماتك
كلُّها بيان رفيع من درس الحكمة
أشبه "بإدريس" مليئة بالحكمة
— 124 —
درعٌ أمام أمواج طوفان الضلالة
سفينة "نوح" الآمنة كلماتك
منقذة من ريح صرصر الإلحاد
كشعلة هداية "هودٍ" كلماتك
تزكي قلوب المؤمنين
دار "صالح" الآمنة كلماتك
معلنة عن أسرار الوحدة
كأبي الأمة "خليل" كلماتك
تهب لأهل الخير ماء زمزم
نبع "إسماعيل" الفيَّاض كلماتك
تحقيق محض منزه عن الخيالات
حقيقةٌ كسِرِّ "إسحاق" كلماتك
تلحق الهوان بزمرة الطواغيت
ركن الصلابة "كلوطٍ" كلماتك
كلُّها شرح لكلام الله الناطق
كنز إعجاز الرسالة كلماتك
لنشر دين الحق وتعميمه
قديرة كفضل "إسرائيل" كلماتك
تظهر كمالها بجمال الحق سبحانه
إشارة من حسن "يوسف" كلماتك
الواصل إلى الغنى، بعد الفاقة
متينة كصبر "أيوب" كلماتك
— 125 —
مُغرِقة الفراعنة الملحدين
طور سيناء الشريعة كلماتك
صلبة ومتينة بموازين الحكمة
أمن وعدالة "شعيب" كلماتك
جعل أهل الضلالة رأسًا على عقب
كفصاحة "هارون" كلماتك
قضت على جنود جالوت الكافرة
كصوت الخليفة "داود" كلماتك
معرفة التقوى ومالك الحكمة
كمُلكِ "سليمان" كلماتك
تقدِّم الدَّواء للمرضى
كيَدِ "لقمان" الحاذق كلماتك
حجتها قائمة على البعث بعد الموت
مظهر لكلمات "عُزير" كلماتك
بيانكم ليس كلمات عابرة بل من اللباب
كلها إشارات إلى الحق كلماتك
يكسب المرء معرفة لبِّ اللُّب
وإطاعة الحق وجهًا لوجه كلماتك
تهب ماء الحياة لأهل الشوق
كبحرين ولاية "خضر" كلماتك
تنقذ العقول من أعبائها
كنور رياضة "إلياس" كلماتك
— 126 —
تظهر أفضل أشكال العبودية
كعبادة "ذو الكفل" كلماتك
تقيم سدًّا ليأجوج الكافرين
كقدرة "ذو القرنين" كلماتك
تُعلِّم المرء سرَّ التسبيحات
حقيقةٌ كالغواص "يونس" كلماتك
تذكِّر برحمة الرحمٰن على الدوام
رحمةٌ كحمد "زكريا" كلماتك
تشرح كتاب الحقِّ بلطف
وراثة من علم "يحيى" كلماتك
تحيي الميت، وتبصر الأعمى
كنفحة "عيسى" الفطرية كلماتك
بشرى لقلوب أهل الحق
ماحي طريق الفترة كلماتك
تبين معراج "أحمد"
شرح أحكام النبوة كلماتك
أنارها الحق تعالى بالنور
لأنها عرفان السعادة كلماتك
مهما تحدثت عن مقام الأستاذ يا غالب
قليل، لأنها أعجوبة الإيمان كلماتك
أحمد غالب
٭٭٭
— 127 —
(فقرة أحمد غالب حول الكلمات والمكتوبة بالعربية):
مُقِيمُ السُّنّةِ بالاجتِهادِ قِوامُ الدِّينِ في يومِ الفَسادِ
سَلَلتَ السَّيفَ على الذِينَ ضَلُّوا عنِ الحَقِّ وهُم أهلُ العِنَادِ
بَيَانُكَ كانَ صَمْصَامًا شَدِيدًا على أَهلِ الضَّلالَةِ والِارْتِدادِ
ونادَيتَ الجَوَانِبَ هَلْ أَجَابُوا إلى نَهجِ الحَقِيقَةِ والسَّدَادِ
أَجَابَ أَهلُ قَلْبٍ طَائِعِينَ وتَهْتَزُّ القُلُوبُ بِالوِدَادِ
لَأَنتَ دَعَوتَهُم سِرًّا وجَهْرًا لقد جَاؤُوكَ مِن أَقصَى البِلادِ
فمَا اسْتَغْنَوْا عنِ الآيَاتِ طُرًّا لِأنَّهُمُ أتَوكَ باعْتِمَادِ
رَأَوا في نُطقِكُم نُورًا جَلِيًّا فيَومًا بَعدَ يَومٍ مُسْتَزَادِ
فَتَحتَ عَلَيْهِم أَبوَابًا كَثِيرًا مِن أَقسَامِ العُلُومِ بالرَّشَادِ
جَزَاكَ اللهُ مِن خَيرٍ كَثِيرٍ وأَعطَاكَ الصَّفَا في كُلِّ وَادِ
ويَحفَظُ قَلبَكُم مِن كُلِّ هَمٍّ وآثَارَكَ مِن طَورِ الكَسَادِ
يُرَوِّجُ نُطقَكُم في سُوقِ حِكمَةٍ بِأَنوَارٍ إلَى يَومِ التَّنَادِ
ألا لا تَرتَعِب عن دَعوَةِ النَّاسِ فَبَشِّر قَلبَهُم واللهُ هَادِي
٭٭٭
(فقرة مراد أفندي حول الكلمات):
أيها الصديق العزيز..
كنت سارحًا في مشاهدة غياثِ المعرفة وفيضِ الحكمة التي تضوَّعَت وارتقت بنفحٍ إلٰهيّ من بحر المعرفة المائج إلى سماء العرفان، ثم نزلت بنفحٍ إلٰهيّ من سماء العرفان إلى أرض المعارف.. في الوقت الذي كانت فيه أعماقُ ذلك البحر الهائج
— 128 —
تقذفُ جواهرَ لا تُقدَّر بثمن، وتضرب بها رمال شواطئه.. وما كان بوسعي نيلُ شيءٍ منها سوى أن يتملَّكني العجب والحيرة بجلوة البديع ونشوة البديعيات.
مراد
٭٭٭
(فقرة صبري):
عند بلوغ السنة الثانية والخمسين من القرن الرابع عشر، انجرَّ أهل الضلالة وراء الآمال الباطلة وأفكار النفاق المُتمثِّلة في القضاء تمامًا على القوانين السُّبحانية الأزلية التي ستظلُّ باقية حتى تنفِّذ أحكامها القطعية، والقاضية أبدًا ببراءة المؤمن وإعدام المجرم.. وحينما همُّوا بتنفيذِ خطوتهم الأولى اصطدموا بقلعة فولاذية شُيِّد بُنيانُها یی بحسٍّ مُسبَق یی من قطعِ الألماس واللؤلؤ والمرجان البالغ عددُها في الظاهر ثلاثًا وثلاثين قطعة، وفي الحقيقة ثلاثًا وثلاثين مليونًا، والمستخرجة من بحر النور ودلال القرآن المعجز البيان ومفسِّره.
وأثناء تنظيم هذه القلعة وتصنيفها ضمنَ دائرة الحصون النورانية المهمّة وإعداد طواقمها، وجد هذا العبد العاجز نفسه ودون أهلية وكفاءة قد تقرَّر تعيينُه عاملًا بسيطًا في هذه الوظيفة السّامية.
وإزاءَ هذا التوفيق السبحانيّ العظيم: لو أني قضيتُ عمري ساجدًا، وأفنيت جسدي في الخدمة، لَمَا أوفيتُ حقَّ دقيقة واحدة أقضيها في هذه الوظيفة السّامية؛ لذا لا يسعني سوى أن أردِّد:
إلٰهي أنتَ ذوُ فَضلٍ ومَنِّ وإنِّي ذُو خَطَايَا فَاعْفُ عَنِّي
خلوصي الثاني: صبري
٭٭٭
— 129 —
(فقرة أحمد خسرو):
أستاذي الحبيب.. في بعض الأحيان: أتأمَّلُ في نفسي من جانب، وأنظر إلى هذه الخدمة السّامية التي أقوم بها من جانبٍ آخر؛ وإنِّي إذ أحمد الحق سبحانه وأشكره على عميم لطفه وإحسانه بذلك، يقفزُ إلى ذهني قولُ أحد إخواني: أجل يا خسرو، ليس الحُسن والوضاءةُ فيك، بل في الطريق الذي تتَّبِعُه، والذي لن تجدَ أجملَ منه ولا ألمع ولا أنور.
أستاذي الحبيب، مدينون لكم، مدينون للرسائل، مدينون للحقِّ سبحانه الذي جمعنا بكم وبرسائلكم، ونحمده ونشكره على ذلك.
أستاذي الحبيب، تتساءلُ في رسالتك عن تعبي، أجل إنني أتعب أحيانًا، لكن أجد روحي تحثُّ نفسي على القيام بالوظيفة حين ترغب ببعض الاستراحة، وتقول لها: لعلَّ سعينا اليوم يكون كفارة للذنوب، فرحمة الله واسعة.. فأمضي سعيدًا بهذا التفكير وبهذا الشوق، ويُضاعفُ فرحتي أضعافًا رِضا أستاذي عمّا أكتبه.
الحمد لله.. هذا من فضل ربي
أحمد خسرو
٭٭٭
(فقرة زُهدي الصغير):
في إحدى الأمسيات قرأنا في منزلي لبعض إخواننا الخواص بحضور بكر آغا: القسم السابع للمكتوب التاسع والعشرين، ونحن على ثقة أن الرسالة الأخيرة كافية لإخراس الملحدين.
زُهدي الصغير
٭٭٭
— 130 —
(فقرة صبري):
في الوقت الذي كنت أتألَّم فيه من جراحاتي الروحية الناجمة عن الهجمات التي يشنُّها أهل الضلالة على المقدسات الدينية بين الحين والآخر، أغاثني بكر آغا المحترم وكأنه الخضر عليه السلام، وقدَّم لي القسم السابع من المكتوب التاسع والعشرين، فأضحى دواءً لدائي وجراحاتي بأسئلته وأجوبته وبإشاراته وصراحاته وبحكمته، ومع أنَّه لا يُشكِّلُ واحدًا بالألف من مخزون القرآن الكريم، إلا أنه دُرّةٌ مكنونةٌ من دُرره الشافية.
ولَمّا سُرَّ قلبي المغموم وتنوَّر وجداني المألوم وسَعِدَت رُوحي المُكدَّرة، قلت: يا ربِّ، قد وهبتَ لأُمّة رسولك وحبيبك محمد المصطفى (ص) خزائنَ حكمة لا تَنضُبُ، وحياةً مستمرّة على مدى (١٣٥١) عامًا من خلال أحكامها الأزلية ودساتيرها الأبدية، حتى غدا ورَثةُ الأنبياء من علماء الأمة يستنبطون حقائقَ كثيرةً من آية واحدة قصيرة، فيُبرئُون جراحاتِ قلوب الأمة المحمدية بماء حياة القرآنِ المعجزِ البيانِ.
فأتوجَّه إليك بعظمة كبريائك يا مالك الملك يا ذا الجلال، وأتضرَّع إليك يا خالقُ يا حكيمُ، يا مَن لا ندَّ له ولا نظيرَ، أن تُعلِيَ شأنَ الأحكام القرآنية وتُديمَ هديَ الطريق الأحمديّ، وتُيسِّر آمال ورثة الأنبياء الحقيقيِّين وتُسهِّل مقاصدَهم، وألّا تَقبِضَ عبادَك المساكين هؤلاء إلى الحياة الباقية حتى تُرِيَهم كلمةَ الله عاليةً في الدائرة النوريَّة للقرآن العظيم الشأن.
سيدي وأستاذي، بعد قولي هذا أُسدِلَت ستائرُ اللوائح القرآنية على عيوني الظاهرة والباطنة.
طالبكم المقصِّر: صبري
٭٭٭
— 131 —
(فقرة أخي بكر آغا الذي يوصل الكلمات إلى الأيدي المشتاقة لها):
إن بين أيدينا من رسائل النور الجامعة للحقائق القرآنية ما يَغوصُ بنا في أنوار طريق الحقيقة في كلِّ آنٍ وزمان، ويُزيل الاضطرابات التي يُولِّدها هذا الزمان في قلوب أهل الإيمان.. وأمام الأهوال غيرِ المُحتَمَلة والمُسلَّطةِ على أهل الإيمان، تمَّ توظيفُنا في دائرة الإيمان والإرشاد النوراني بمُهِمّةٍ توافقُ الحقَّ والحقيقة؛ فخالصُ الشُّكر للحقِّ سُبحانه على ذلك.
سلوانُنا الوحيد في هذا الزمان هو الحقائق التي بعثها أرحم الراحمين إلينا بواسطتكم.
لا يملكُ لساني التعبيرَ عن امتناني، ولستُ أدري ما أقول! الشيء الوحيد الذي يمكن قولُه والأمل الوحيد الذي أتمنَّى أن يتحقَّق، هو أن يكتب الحقُّ سبحانه لنا ولأهل الإيمان السعادةَ في الدارين، لا سيَّما إخواني المرتبطين بالرسائل، وأن يرضى خالقُ العالمين عن خِدماتنا وفي مقدِّمتها الخِدماتُ الساميةُ العظيمة التي يُسدِيها أستاذُنا.
لا يمكن أن نتجنَّب الحُزنَ على الأحداث الجارية اليوم، لكن يجعلُ الله فيها خيرًا كثيرًا إن شاء الله.
لم أستطع الكتابة سوى بهذا القدر فأنا رجلٌ جاهل، وأَعجِزُ عن وصف قَدْر تلك الكلمات، ولا تعدو كتابتي أن تكون نُبذةً يسيرةً تعرِّفُ بقيمة هذا المؤلَّف.
طالبكم: بكر بن أمر الله
٭٭٭
— 132 —
(كتبت بمناسبة تأليف التلويحات التسعة التي تدور حول الطَّريقة):
باسمه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
أستاذي وسيدي الحبيب العزيز..
تلقَّيتُ بكمال الفرح والسرور القسم التاسع من المكتوب التاسع والعشرين، المُرسلَ بواسطة أخي الحافظ علي أفندي، وقرأته خمس أو ستَّ مرات، تارة مع إخوتي وتارة أخرى لوحدي، وكنتُ كلما قرأته أشعر بالحاجة لتكرار قراءته أكثر وأكثر، لما كان يبعثُه في روحي من فيوضات نورانية.
إن هذه الرسالة تبيِّن الحقائق السّامية النزيهة الرفيعة للطريقة التي أتلهَّف للوصول إليها منذ سنين، لذا ما كانت يدي تطاوعني بتركها، إذ كانت تمنحني أذواقًا مختلفةً في كل قراءة، وتُظهِر یی كسائر أخواتها من الرسائل یی حسنًا وجمالًا متجدِّدًا عند كلِّ مطالعة، ووجدتُ فيها وفيما قدَّمه لنا مبحث التلويحات من المعاني ما كنتُ أبحث عنه منذ أربع أو خمس سنوات دون أن أجدَه.
رضي الله عنكم أبدًا أستاذي الحبيب، لقد كانت حاجتي لهذه الرسالة مثلَ حاجة الأسماك الشديدة لأمطار "نيسان" رغم أنها تعيش في المحيطات، لا لتروي بها ظمأها، بل لتحظى بما تنطوي عليه من مزايا قيِّمة.. فأحمدُ الحقَّ الفيّاض المُطلَق حمدًا وشكرًا دائمًا أن نوَّر صحيفة حياتي المظلمة بما يفوق آمالي بكثير.
أجل، أعجز عن وصف الانطباع والتأثُّر الذي تركته وتتركه فيَّ هذه الرسالة القيِّمة جدًّا عند كلِّ مرّة أقرؤُها، غير أنَّ أهمِّيَّتها تكمُن في أنها تفتح بجُمَلها ومفاتيحها الصغيرة أقفالَ دفائنَ وخزائنَ كبيرة، وتسدُّ الباب أمام شبهاتٍ وزوابع كثيرة، وتُعلِّم في الوقت نفسه أن الطريقة سبيلٌ سَنِيٌّ ونبعٌ فيّاض بالبهجة والأذواق، لا يُشبَع منه ولا يمكن تركُه.. لذا أجد من الواجب عليَّ أن أبارك لإخواني ممن ينتسبون إلى الطُّرق،
— 133 —
وأن أُهنِّئَهم لأنهم يمتلكون هذه الرسالة، إذ كانوا يتوجَّسون من الاتِّهامات الموجَّهة إليهم من الخارج، أو يرغبون بتعلُّم حقائق الطريقة وفهمها، لكنَّهم لا يجدون إلى ذلك سبيلًا.
أستاذي العزيز.. أقبِّلُ أيديكم راجيًا منكم أن تتكرَّموا بإكمال القسم المتبقِّي من هذه الرسالة في أقرب وقت ممكن، وإرسالها إلينا حتى نستفيد وننهلَ من فيضِها.. وأخبِرُكم أنني وأصحابي ننتظر ذلك بفارغ الصبر.
الباقي هو الباقي
طالبكم المسكين
أحمد خسرو
٭٭٭
— 134 —

القسم الثالث للمكتوب السابع والعشرين

ونهاية الذيل الثالث
(فقرة صبري وخسرو الثاني: علي الأوَّل):
أيها الأستاذ المبجَّل.. إنَّ ممّا منَّ به الحقُّ سبحانه بكمال رحمته أن فتح لك خزينة حقائق كتابه المبين العظيم، فله الحمد والشكر.
فبينما كانت البشرية في حاجة ماسّة وتعطُّش شديد وصبرٍنافِذ، وفي حالة من التردد والحيرة، تُنادي: "هل ثمّةَ ماءٌ للحياة"؟ إذا بك تنهضُ بوظيفةٍ عظيمة، فتشقُّ عيونَ زمزمٍ عظيم مختزَنٍ مستورٍ، وتَسقي بشكل كلِّيٍّ أو جزئي جميعَ أربابِ المشارب، على نحوٍ لا يَسَعُ أحدًا رفضُه، فتُذهِبُ ظمأَ حتى البسطاء ولو بقطرة واحدة.
وكيف لنا أن ننبس ببنت شفة أو أن نجترئ على التعليق وأنت تؤدِّي هذه الوظيفة الواسعة الأثر! ونشهد أنك تقوم بها بكلِّ اقتناع واضطلاع ودون تكلُّف أو تصنُّع، وأنَّى لنا ذلك وقد غدوتَ مظهرًا للرحمة النازلة على العالم، والنابعةِ من العلم اللَّامُتناهي!
إن هذه المؤلَّفات الشاملة المليئة بالأنوار ذات علاقة مع جميع الممكنات، بل يكادُ فهمُها التامُّ يتعذَّرُ حتى على أخصِّ الخواصِّ، فكيف لعبدٍ فقير شبهِ جاهل مثلي یی بل لا يفقهُ شيئًا بهذا الشأن یی أن يتحدث بشيء عن هذه المؤلفات القيِّمة، أو أن يتناولَ القلم ويكتبَ شيئًا عنها؟! بل أخشى أن يُصابَ فكري المُشوَّشُ بالاختلاط إن هو خاض بين ثنايا ذلك الفكر العالي المبارك، لذا أكتفي بمشاهدتي القاصرة لآثارِ التوفيق الذي يحظى به أستاذي في شتى المناحي، فهذا غايةُ القصد؛ وها قد بدَأَت نتائجُ التوفيق وأيّامُه المباركة تلوحُ لنا من بعيد، وسنبلغ ذلك اليوم الموعود بإذن الله تعالى
— 135 —
وببركة دعائكم؛ وإن لم نبلغها نحن فإن رسائلكم یی دون شكٍّ یی ستقوم بفتوحات عظيمة، وستنالُ مكانتَها الرفيعة العالية بكلِّ شجاعة وبطولة.. رضي الله عنكم أبدًا.
ولأنِّي لا أملك التحدُّثَ عن هذه المؤلفات بشيء سوى الدعاء، فإنِّي أُحيلُ هذا الأمر إلى إخواني ذوي الذكاء العالي والقلب الصافي، وأطلب عفوَ أستاذي عن كلماتي القاصرة مقبِّلًا يديه ورأسَه.
أستاذي، لقد طالعتُ النكتة الكنزيّة الثالثة، وأمام الأسرار التي تُومئُ إليها حروفُ سورة العلق المباركة، كان لساني يُردِّدُ بغير اختياري لفظَ الجلالة "الله، الله"، وبكت عيني وقلبي بحزن شديد، وصرتُ أُفكِّر: كيف تشهد كلُّ ذَرّة من ذَرّات الكون على خالقه، وتُخبِر عنه مُبتَسِمةً الحروفُ التي تشكِّل نسيج القرآن الذي هو خريطة الكون، فإنه من البديهي أن تشهد ألسنة أحوالها على الحوادث الكونية الماضية والحاضرة والمستقبلية؛ ووجدتُ إيضاح هذا التفكير في الإخطار الوارد في نهايتها، فقلت: "الحمد لله".
وأذكرُ هنا على وجه الخصوص: سورةَ الرحمٰن المباركة، إذ تضرب بصواعقَ أشبهَ بالرُّعود على رؤوس أصحاب الأفكار الباطلة وذوي المشارب الفرعونية، وتُثبِت بكلِّ صراحة ووضوح أن كلَّ شيء مُلكٌ للرحمٰن الرحيم؛ وبتكرارها لجملة واحدة فقط إحدى وثلاثين مرةً، تُهاجم برموز حروفها القدسيّة حصونَ الطبائعيِّين والمادِّيِّين الهَشّة، وتُنكِّسُها رأسًا على عقب.
وكما تفضَّلتُم أستاذي في مواضعَ كثيرة: إن القدير ذا الجلال والحكيم ذا الكمال الذي فتح كتاب الكون هذا، لن يتركه یی بمُقتضَى رحمته یی دون مُفسِّر أو مُعرِّف يوضِّح صُحُفَ هذا الكتاب وسطوره، ويُعرِّفُ حروفَه ونِقاطَه، ويُبيِّنُ حِكمَه ومقاصدَه، ولن يترك ذلك المُعرِّفَ دون وُرّاثٍ حقيقيِّين.. فالحمد لله، هذا من فضل ربِّي.
أجل أستاذي، أُدركُ مدى الإرهاق والتعب الذي تُعانيه، لكن أنت الذي تقول: إنَّ قدسيّة هذه الوظيفة تَجعلُنا لا نُرجِّحُها على التعب فحسب، بل على كلِّ شيء؛ وما
— 136 —
دام الحقُّ سبحانه قد ألقى على كاهلك قيادة أحدِ التَّيارَينِ المُهمَّين العظيمين السائدَينِ في هذا الزمان، فهذا يعني أن جميع العالم يُصغي إليكم معنًى في بيانكم للقرآن وأسراره، وسيستمع إليكم في كلِّ زمان إن شاء الله تعالى.
إن الحرب المعنوية قائمة في هذا الزمان مع أولئك المخرِّبين الذين يحملون أجهزة لا تقضي على الإنسانية فحسب، بل تُبِيدُ جميع موجودات الكون؛ وكنتَ الوسيلة لإقامةِ دِرعٍ يقينا الجراح، بل يقي حتى سائر أطفال المسلمين إلى يوم القيامة، وكنتَ الواسطةَ لإيجاد أحدث الوسائل والآليّاتِ القرآنية الحكيمة المباركة التي يمكنها أن تهزَّ العالم بلحظة واحدة، وتَغشَى طائفةَ الهزل بدخانٍ خانق.
حياك الله أستاذي الحبيب؛ وكتبَ لك مقابلَ تَعبِك هذا أجرَ ألف غزوة... آمين.
وأستميحُكم العفوَ لأُضِيفُ هذا الأمر أيضًا: ما دام زمانُنا هذا زمانَ الجهاد المعنويِّ، وما دُمنا نُصنِّفُ أنفُسَنا جنودًا موظَّفين، ونستمتعُ بوظيفة الجندية؛ فإنَّ العدوَّ دسَّاسٌ وقويٌّ فيما يظهر، وبحَسَبِ دستور: "بحَسَبِ الخَصمِ يُسَلُّ السَّيفُ"، يجبُ علينا أن نعلم أن حبَّ الجاه والسَّعيَ وراء متاع الدنيا وغير ذلك من المُغرِيات ما هي إلا فِتَنٌ خدّاعة، ونعدُّها مكائدَ في جبهة قتالنا، واضعين نُصبَ أعيُنِنا ما بَذلتُم من كَدٍّ وتعبٍ.
وحتى لا نترك جبهَتَنا ونلهثَ وراء المُغرِيات الآفلة الخدّاعة، وكيلا نتسبَّب في ضياع كثير من الأشياء المباركة المقدَّسة سدًى تحت الأقدام؛ نتضرَّع إلى الحق سبحانه ليل نهار أن يجعل لنا حظًّا من عظمة قدرته وشمول رحمته، ومن همَّة سلطان الأنبياء (ص)، ومن أدعية أستاذنا المتقبَّلة.
وإيماني بذلك إيمانٌ جازم، وأنتظره بفارغ الصَّبر.
الحافظ علي (رحمة الله عليه)
٭٭٭
— 137 —
(فقرة خلوصي بك):
إن القسم السابع للمكتوب التاسع والعشرين:
حجةٌ قطعيةٌ على صواب رأي أولئك الذين لم يرتضوا تغييرَ الشعائر الإسلامية، ولم يَحتمِلوا أمر استبدالها، فوضعوا أيديَهُم على آذانهم كيلا يسمعوها.
قوة مؤثِّرة يمكن أن تُواجِه أولئك المدَّعين والمتأوِّلين القائلين: "إننا أظهرنا الموافقة ظاهرًا فقط"، فتُلحِقَهم بالفئة الأولى.
صفعة قوية لأحزاب علماء السوء.
لعنة وضربة من قدرة قاهرة لمن يُشِيعون البدع بهدف الإلحاد وتحت مُسمَّياتٍ ووسائلَ شتَّى.
الإشارة الخامسة والسادسة حقائقُ قويّة وساطعة كالشمس، تُكسِب ثقةً واعتمادًا وتُزيل الأوهام والشبهات المتمثِّلة في أن إصلاح العالم متوقِّفٌ على ظهور المهديّ عليه السلام، وامتلاكِه القدرةَ على القيام بهذا الأمر.
الإشارة السابعة تحتوي یی كالحكمة المحضة یی خواصَّ كثيرة توضِّح كيفية الجهاد المعقول في هذا العصر.
وهذا الوصف المُوجَز لأخيكم العاجز، يشهد بطبيعة الحال على عجزه، وإلا فإنَّ التعريف بهذه الحقائق بالشكل اللائق بها ليس في طوقِ مسكينٍ مثلي.
وكما أخبرتُكم في البدء والختام: فإن المشاغل الدنيوية والأعمال الخاصّة والظروف والعواطف الاضطرارية یی كمساعدة والدي مثلًا یی تشكِّل عائقًا أمام قيامي بوظيفة خدمة القرآن.. فما الحيلة؟ الحمد لله على كل حال!
نحتاج یی أنا والجميع یی دعواتكم كثيرًا.. وندعو لكم أستاذَنا الحبيب في كلِّ وقت وحين.
خلوصي
٭٭٭
— 138 —
(فقرة صبري):
سيدي وحضرة أستاذي الأكرم..
إن جميع الكلمات النورانية السَّامية الفيَّاضة التي تَبُثُّ الأنوارَ في عالم الحقيقة منذ أربعين عامًا على أقلِّ تقدير، قد نشَرَت في عموم موضوعاتها نوافذَ تخصُّ الطريقة والسَّير والسلوك، ودعت كالبرق الخاطف المشتاقين إليها بنداء بليغ قائلةً: "تعالَوْا أيُّها الإخوان".
ورغم سيري جنبًا إلى جنب مع من يملكون نظرةً ثاقبة في ميدان الحقيقة، ويُبصِرون بوضوح، ويُصغُون السَّمع ويُلازمون العبادة، إلا أنني لم أُدرِكْ معنى الطريقة حتى طالَعتُ مَطلِعَ شمسِ الفيوضات ومنبعَ فوز النجاة: "النكتة التاسعة للمكتوب التاسع والعشرين" المشتملةَ على تسعٍ من لوحاتٍ السعادة، وفيوضات لا نهاية لها، وأذواقًا لا حدودَ لها، فوَهَبت قلبي بحمد الله أنوارًا لا تُوصف كنتُ أحتاجُها بشدّة.
وبينما كنتُ غارقًا في بحر الحقيقة هذا بما يستشعرُه قلبي ولا يملكُ التعبيرَ عنه لساني، وراغبًا بتسجيلِ شكري وامتناني لهذا الأثر القيِّم، راجيًا من صميم روحي وقلبي تواليَها وتوابعَها، إذا بالإحسان يَصِلُنا بتتمَّتها یی وهي ثلاثة تلويحات یی وبخاتمتها المشتملة على الإرشادات والتنبيهات الدّالّة على سبيل النجاة من الورطات، فغَدَت بحقٍّ مدارَ سعادة ومنهجَ حياة متجدِّدة.
فما الذي نَملِكُه لأولئك الذين يحرمون أنفسهم من قطافِ آلاف الأنواع من ثمار السعادة، ويتنكَّبون هذه الجادّةَ الكبرى، ويُجهِدون أنفسهم في إطفاء هذا النور المتميِّز، متذرِّعين بحجب الافتراءات والأباطيل، ومُشرعين الأبوابَ والسُّبلَ نحوَ وِديان الضلالة والظلمات؟!
فلتحيا الأنوار التي أَحيَت هذا العصر ونوَّرَته بمشاعلها المنقطعةِ النظير، ورَسَمت خُططَ مستقبلِه ونظَّمَتها.. وأسأل الله تعالى أن يُيسِّر نشرَها بين جميع أفرادِ أمة محمد (ص)، ويكتب لها القبول.. آمين.
صبري
٭٭٭
— 139 —
(فقرة خسرو):
سيدي وأستاذي الحبيب..
تلقَّيتُ رسالتك اللطيفة التي تسأل فيها عن كيفية تلقِّينا الخطأ الواقعَ في نكتة قرآنية مستفاضة من دعاء كنز العرش، موضِّحًا لنا أسباب هذا الخطأ.
قرأتُ هذا القسم مع الرمز السادس الذي يُظهِر التوافقاتِ اللطيفة السامية في سورة الكوثر، وكذا القسم الذي يخصُّ الطريقة، والذي هو أعظم من فاتحٍ كبير.
وكم كان سروري وشوقي كبيرًا هذا الأسبوع، فمن جهةٍ تمَّ تسليمُ أيادٍ أمينةٍ مخزنَ الحقائق الذي استُنسِخَ منذ أعوام، وبانتظارِ طباعته ونشرِه في العالم الإسلامي؛ ومن جهة أخرى كنا نعيش أذواقًا معنويّةً مُتولِّدةً من كلِّ قسمٍ من أقسام "المكتوب التاسع والعشرين"، والتي تبدَّت لنا بنضارةٍ وحُلَّة أبهى من نور هذا الربيع الجاذب وجمالِه.
وقبل وصول رسالتكم، قرأتُ مع أصحابي مرّةً أخرى نكتةً قرآنية ثانية، نابعةً من فيض دعاء كنز العرش؛ ولمّا لم تكُن لدينا البُلغةُ في التدقيق، إذا بنا نجد أنفسنا خلال عشرة دقائق بين المشاعل النورانية لهذا القسم المكتوب؛ وعند القراءة ما كان يصدُرُ مِنّا سوى كلمات الإعجاب والاستحسان بين الحين والآخر، وكانت البشاشة التي تعلو مُحيّانا كافيةً للإفصاح عمّا كنا نعيشه من الذوق المعنويّ.
أستاذي الحبيب، ولأنَّنا نستقبل كلَّ رسالة من الرسائل ببالغ السعادة، وتُقرأ بإعجابٍ، وتَلقَى الاحترام اللائق، فلولا تنبيهُكم یی أستاذي العزيز یی لخطئي في رسالتكم التي تلقَّيتُها مؤخَّرًا، ما كُنّا لاحظنا مثل هذه الأمور وبهذا الشكل، وما كنا نتردَّد في المُطالبة بحقِّنا ممَّن يدعي وجودَ الأخطاء.
كنا قد وقفنا على التوافقات الحرفية في سورة الكوثر والرمز الثامن، ودقَّقنا فيها واحدةً تلوَ الأخرى، ولم نجد أيَّ نقص في أيٍّ منها! ولم يكن تدقيقنا هذا بهدفِ البحث عن أخطاء أصلًا، بل للاستزادة من المعلومات وتلقِّي الغذاء المعنوي.. كنا
— 140 —
في تلك الليلة جالسين في منزلي مع إخواني رأفت ولطفي ورشدي أفندي، وتحدَّثنا في هذا الخصوص مرة أخرى، وكنا جميعًا نقول: نوقنُ أن أستاذنا لن يتردد في التحدُّث إلينا في أيِّ أمر من الأمور، وحسبُنا ذلك. ولم يقع مثلُ هذا الأمر إلى يومنا هذا، وأكبر شاهد على ذلك أنَّ هذه الرسائل رغم تداولها بأيدي من ينسبون لأنفسهم العلم، إلا أنها أجبرتهم على التصديق أيضًا.
أستاذي الحبيب، إن هذه الحوادث تزيد من إصرارنا، وتربطنا بكم أكثر، وأضحت برهانًا قطعيًّا يؤكِّد حرصكم على حمايتنا والحفاظ علينا من شتى النواحي.
أستاذي الحبيب، تلقَّيتُ هذا الأسبوع نكتةً أخرى بخطِّ يدكم، تبيِّن جميع التوافقات القرآنية، وقد عانيتُم الصِّعاب والعوائقَ الكثيرة في كتابتها، وتقولون فيها: إنه ستتمُّ كتابةُ جدولَيْ توافقاتٍ آخرَينِ عامَّينِ عدا هذه النكتة، ويكون طرازُهما مختلفًا.. ننتظر ذلك بفارغ الصبر، ونتألَّم كثيرًا حين يبلغُنا ما تَلقَوْنه من تعبٍ وعناء.. أسأل الحقَّ سبحانه أن يمُنَّ عليكم بالخير الكثير اللائق بكم... آمين.
خسرو
٭٭٭
(فقرة خسرو):
أستاذي الحبيب وسيدي المحترم..
إنَّ ما بلَغَنا منكم حولَ إعادة كتابة القرآن الكريم مجدَّدًا بطريقة أكثرَ وضوحًا في الآياتِ والكلماتِ والحروف أمرٌ مُبشِّرٌ بالخير.. وهذه الأمور وأشباهها تدفعنا دومًا للتوجُّه إلى باب الحقِّ سبحانه لنسألَه التوفيقَ لأستاذنا في وظيفته السّامية العامّة.. وأَخُصُّ بالذِّكر هنا صورة الرسالة الموجَّهة لأخينا الحاج نوح بك ونحوَها من الرسائل، فقد غيَّرَت مجرى حياتنا، وذَرَّت الأنوار على حياتنا المُستقبليّة، فضلًا عن أنَّها أَنقذَتنا من الرياء والتذبذُبِ والتملُّق وغيرها من الرَّذائل الخُلُقيّة التي ابتُلِيَت بها البشريةُ اليوم، وغرَسَت مكانَها بِذارَ الأخلاقِ الحميدة، فكانت سببًا لنموِّ شجرةٍ باسقة نافذة.
— 141 —
بل يمكنني القول: إنَّها نقلتنا إلى حياة مختلفة تمامًا عما تعيشُه البشرية اليوم، وجعلتنا نحيا كل لحظة بتفكير ومشاعر مختلفة، من مثل: كيف يرضى عنّا خالقُنا؟ بأيِّ سعيٍ سنختَتِمُ صحائفَ أعمالنا اليوم؟ ما الذي يتوجَّبُ فِعلُه حتى ننال استحسانَ النبي الحبيب (ص) في دعوتنا إلى طريق الهداية لمن سلك طريق الضلالة أو تبع من ضلَّ من أُمَّته؟
إن أجمل عبارة قالها أستاذنا هي: "إنَّ هذا الرأس الذي أُضحِّي به فداءً للحقيقة القرآنية لن ينحنيَ أمام أي شيء"، وقد انغرست معانيها في أرواح طلابكم الحريصين على اتِّباع أُستاذهم العزيز خطوةً بخطوة، وباتَت نبراسًا لهم وأعظمَ دستور في حياتهم.
ولأننا نعيش في هذه الحياة بهذه الأذواق، فإن القوة الموهومة التي تُدعَى "الخوف" باتت تخشى من الشجاعة والجرأة التي يُبرزُها طلابكم في سبيل الحق.
سيدي، إننا مع إخواننا وطلابكم نتلقَّى بصدر رَحْبٍ جميعَ الأحوال التي تعترضنا في سبيل الرِّضا الإلٰهيِّ، ونتعلَّم الدروس كل وقتٍ وحين من أحوال أستاذنا الحبيب، وندعو لكم بالتوفيق والسعادة، وأن يَغمُرَكم سبحانه بلُطفِه العميم.. ونقبِّلُ أيديَكم بكمال الإجلال والاحترام.
خسرو
٭٭٭
(فقرة الشيخ محمد أفندي نصوحي زاده):
سيدي، أستاذي الأكرم، بُلبلَ جنانِ القرآن..
لقد رحل مُرشِدي الأكمل وحضرةُ شيخي "الحاج رحمي سلطان" إلى دار البقاء في السنة الثانية للنفير العام؛ وقبل قُدومِكم إلى "بُوردُر" بشهرٍ واحد تراءى لي في جامعٍ شريف، وكنَّا معه بصحبةِ بعض أفراد الجماعة، فساد الهدوءُ العام وصِرنا نراقبُ
— 142 —
الحال، فإذا بأرواحِ بعض الأولياء تحضرُ، حتى قَدِمتُم أنتم أستاذي في الختام، فأَفَقتُ بظهور جذبة رحمانية واسترجعتُ قُوايَ، ثمَّ لَمّا قدمتُم بعد شهر حضرتُ مجالِسَكم بضعةَ أيام، وتلقَّت نفسي غذاءَها الرُّوحيّ.
وأجد في نفسي جرأةً لإلقاء هذه القصيدة:
إن أستاذي المبارك يدور في حلقة الحقيقة.
فأوصَلوا روحه بروح الأنبياء.
إن أستاذي المبارك غارق في نشوة.
فأخبروه بأنه دلال القرآن المبارك.
كلماته باعث الحياة، ومن لا يسمعه لا يملك روحًا.
جميع ما ينطق به نور حكمة.
إن أستاذي المبارك يدور في معراج روحاني.
لقد شاهد صميم قلبي نور فيضه.
باطنُه في بحر الوحدة وظاهرُه في صحراء الكثرة.
فلنكن رفقاء في الدنيا والآخرة.
آمل أن يمنَّ الله بهذا لعباده العاجزين أمثالنا.
لقد نطق محمد نصوحي زاده هذه الأسرار ارتجالًا.
أستاذي مفتاح خزينة القرآن..
الشيخ محمد نصوحي زاده
٭٭٭
— 143 —
(فقرة عاصم بك):
سيدي وحضرة أستاذي المحترم..
هنالك سببان وراء تقديم هذه الرسالة لكم:
الأول: لقد تفضَّل أستاذي الحبيب في إحدى فِقْرات رسالته السابقة بالقول: "أسأل الله أن يُدِيم هذا العبد الفقير وأخي العزيز خسرو وأمثالَه من إخواني وطلابي الأجلَّاء الصادقين المخلصين في خدمة القرآن إلى آخر عُمُرِنا".
أستاذي المكرَّم، لقد أمَّنتُ على هذا الدعاء والتضرُّع بكل كياني وما زلتُ أُؤمِّن؛ وأتضرَّعُ إلى الحق سبحانه دائمًا أن يستجيبَ؛ وإن مثل هذا الدعاء والهِمّة من أستاذي الحبيب الموقَّر يجعلُني أذرف دموع الفرح والسعادة.
والسبب الثاني: هو الفقرة التي جاءت عقبها، وها أنا أُدرِجُها كما وردت: "وعند موتي سأتركُكم ورثةً لي من بعدي، فأملي ورجائي من رحمة ربِّي أن أدخل قبري فَرِحًا دون همٍّ أو غمٍّ".
تفكَّرتُ كثيرًا في هذه الفِقرة، ولم يُفارِق ذهني وفكري ومخيلتي أبدًا رجاءُ أستاذي هذا وطلبُه وأَملُه من الرحمة الإلٰهيّة؛ وقد أمَّنتُ عليه أيضًا بجميع ذرَّات كياني، وتضرَّعتُ إلى جناب الحق سبحانه بفضله وكرمه أن يجيبه.
فضلًا عن هذا سيدي، ترغبُ روحي وتأمُل یی ودونما رياء أو تصنُّع، بل برجاء نابعٍ من أعماقي یی: أن يدخلَ هذا العبد الفقير القبْرَ قبل أُستاذِه، حتى أَنعَمَ بالأدعية التي تدعون بها في دار الفناء، وبالهدايا التي ترسلونها بعد الموت، وأُسعَدَ بها لحينِ قدومكم إلى دار البقاء؛ وحين قدومكم أدعو الله ربَّ العالمين وأتضرَّع إليه وهو أرحم الراحمين أن يُكرم روحي بشرف استقبالكم هنالك.. هذا ما يرغب به قلبي ويشغل فكري كثيرًا.
(حاشية): لقد تحقَّقت مناجاة هذا المرحوم في نفس العام، ورحل في أثناء محاكمته إلى دار البقاء، فلأجل ألّا يلحق أستاذه الضرر، دعا ربَّه قائلًا: "اللهم اقبض روحي.. لا إلٰه إلا الله"، وتوفِّي في المحكمة، رحمه الله رحمةً واسعةً. (صبري)
— 144 —
ولي أملٌ أعظم ورجاءٌ أشدُّ من هذا: إذ ترغبُ روحي أن يُطيل الله عُمُرَ أستاذي في الدنيا، ليستمرَّ في أداءِ وظيفته السّامية، ويوقظ الغافلين من نوم الغفلة، ويردَّ المُلحِدين ويُرشدَ الضّالِّين إلى جادّةِ الحقِّ والهداية، وذلك بنشر أنوار الحقيقة وهدايا رسائل النور وتكثيرِ مكتوبات النور؛ لذا آمل أن يعيش أستاذي مدّةً أطول، ويظلَّ قائمًا فوقَ رؤوسنا، فبغيابه نعود أيتامًا لا أبَ لنا ولا أُمّ.
أرغب بكتابة المزيد، إلا أنَّ عجزي وضعفي يَحجُبان قلمي أن يترجم ما في قلبي، محيلًا رجائي وتضرُّعي إلى الحقِّ سبحانه.
عاصم (رحمة الله عليه)
٭٭٭
(فقرة الحافظ علي، وقد كُتبت بمناسبة ما ورد من استفسار عن مسألة صغيرة: "هل وجدتَ في نفسك شيئًا؟"):
الأستاذ المحترم..
إنك عندي أغلى من جميع صفحات حياتي، وإنني على استعداد للتضيحة بها في أيِّ وقتٍ ورهنَ إشارتك، كمثَل الفَراش التي تحومُ حول النار حتى تلقيَ بنفسها فيه؛ فلا يمكن للمرء أن يتردد لحظةً واحدة في أن يضحِّيَ بنفسه في سبيل هدية قدِّمت له من قِبل سلطان عظيم، فكيف إذا كانت التضحية في سبيل حقيقة كهذه؟!
كذلك أستاذي: لقد وهبنا المنعم الحقيقي هذه الرُّوحَ أمانةً، ولا ندري متى يستردُّ أمانتَه، ونحن طوعُ أمره وتحت سلطانه، ومستعدُّون لتسليم تلك الأمانة إلى المُنعمِ بها وقتَ يشاءُ.. وما دُمتُم تبلِّغون الأوامر الإلٰهيّة للسلطان الأزليِّ، بما نلتُم من شرف الاختصاص والقرب، فإن كلماتكم حقٌّ ومحضُ رحمة.
— 145 —
وبما أن المزارع يقلِّمُ الأغصانَ السفلية لتكبر غراسه وتنمو، ويصونها من الأحياء المضرة، فليس لتلك الغِراس حقُّ الاعتراض بأيِّ وجهٍ كأن تقول: "إن من غرسنا وكان سببَ حياتنا يؤذينا أحيانًا"، فلو أنها تُركت على ما هي عليه لربما قطعها حيوان مُضِرّ، وتفسَّخت جذورها تحت التراب وعدمت.
أجل أستاذي، أقولها دون مبالغة: ما كان أحدٌ مُنغمِسًا في الذنوب والتقصير مثلي، بل كنتُ أحيانًا أجزم بذلك، وكنتُ غارقًا في أوحال الذنوب ليس إلى ركبتيَّ وظهري وعنقي فحسبُ، بل من أخمصِ قدمي حتى مَفرِقِ رأسي، بل حتى أعماق وجودي وكياني.
وفي الوقت الذي بدأ كياني كلُّه بالتعفُّن والتآكل من حمأة الذنوب والخطايا، أتيتُم بإذن الله بالعلاج والضِّماد یی كالخضر ولقمان الحكيم عليهما السلام یی ووضعتُم ذلك البلسم الشافي المستخلَص من صيدلية الشفاء القرآني على جراحي وأمراضي، فكنتُم وسيلةً لمنحي حياةً تستحقُّ أن تُسمَّى "حياة"، فمن غيرِ المعقول ألّا يضحَّى في سبيل مَن أنعم بتلك الحياة، وكذا من أصبح وسيلةً لذلك الإنعام الجليل. (حاشية): لقد شعر بأنه سيُستَشهَد بدلًا عني، فأخبر عن ذلك بكرامة تدل على قوة إخلاصه، وقد كان ما أخبر به. (سعيدٌ النُّورْسِي)
وكما يلزمُ المريضَ أن يُدرِك حاجتَه إلى إجراء العمل الجراحيّ، وأنه مَدِينٌ بالشكر الجزيل لمن يُشرف على معالجته ويداويه ليلَ نهار، وبما لا يُحَدُّ من الشكر والحمد لذلك الحكيم ذي الكمال والقدير الذي ليس كمثله شيء، والذي سلَّم هذه الصيدلية وأدويتَها لذلك الصيدليّ.. كذلك يَحزُنني كثيرًا أنني لا أستطيعُ أن أوفي هذا الدَّينَ حقَّه.. فليرضَ الله عنكم أبدًا.
الحافظ علي (رحمه الله)
٭٭٭
— 146 —
(فقرة خلوصي بك):
الأستاذ العزيز، والأخ الشفوق، والمجاهد المحترم..
تلقَّيتُ في الأسبوعين الماضيَينِ وعلى دُفعتَينِ "القسم السادس للمكتوب التاسع والعشرين" مع "نكتة قرآنية نابعة من فيض دعاء كنز العرش"، وكذا المُؤلَّفات المُعجِزة الموسومة بالرمز السادس والرمز الثامن لی"القسم الثامن من المكتوب التاسع والعشرين".
تناولتُ المكتوب الأول في وقت كنتُ أعاني فيه ضيقًا نفسيًّا شديدًا بمقتضى الطِّباع البشرية، وبحاجة لمثل هذا النور ليرفعَ الغشاوة عن عيني، ويعالجَ جسدي المريضَ، ويوفِّر السُّلوانَ لرُوحي المُضطَرِبة، ويؤدِّب نفسي الظالمة.. وإن وصوله في هذا الوقتِ وقبل تسعة أيام من وصول القسم الآخر الذي سلِّم للبريد بعده بثلاثة أيام، لم يكن ليتمَّ بصورة عفوية أو عن طريق المصادفة، فهو لم يَأتِ بل أُرسِل، ولم يَصل بل أُوصِل، وليس بغير هدف بل هُيِّئ على وجه السُّرعة لأجل هذه الخدمة، في أشد أوقاتِ احتياجِه، وقُدِّم كرحمة وعناية محضة من يدٍ غيبية لأخيكم المسكين، بل أضعفِ خدَّام القرآن وأكثرِهم عجزًا وأقلِّهم لياقةً وخبرةً.. فالحمد لله، هذا من فضل ربي!
قرأتُ "القسم السادس للمكتوب التاسع والعشرين" في يوم الجمعة الفائت بحضور والدي، وفتحي بك، والشيخ عبد الرحمن، ورجل آخر؛ كما قرأته بمفردي عدة مرات لأستفيد منه شخصيًّا، وسأعمل على تقديمه وإقرائه لبعض الأشخاص حتى يستفيدوا منه.
إن هذه المؤلَّفات النورانية تحتوي على خاصيَّتين متضادَّتين هما: الترغيب والترهيب، ولا ريب في جدوى تأثير إحدى هاتين الوسيلتين في الإنسان.. وفي ضوء هذه الحقيقة توقِظون أهلَ القرآن وتلاميذه، وتضعون نُصبَ أعينهم ستة أُسُسٍ یی على غرار أركان الإيمان یی لئلا ينخدعوا:
الرِّضا الإلٰهيّ الذي هو أحد معاني الإيمان بالله، بدل حبِّ الجاه..
— 147 —
الإيمان بالقدر، بدل الخوف والشكّ والوهم..
الإيمان بالقرآن والكتب السماويّة التي تعلِّمُ: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ، بدل الحرص والطمع..
الإيمان بالرسل وفي مقدِّمتهم الرسول الأكرم (ص) المبعوث إلى الجن والإنس كافةً، والتذكير بمسلكه، وبدعوته المشتملة على: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا، بدل المشاعر القومية السلبية الهدامة.
الإيمان بالملائكة الذين هم واسطة إنزال الكتب والصحف السماوية على الأنبياء، والتشبُّهُ بهم في أداء الخدمة، وبالسعيِ لنشر رشحات القرآن والحفاظ عليها، دون ترقُّبِ النتيجة؛ مع الإدراك التامِّ بأننا مكلَّفون بمعنى التجرُّد من نوازع البشرية، المستلزمِ الاعترافَ بالعجز والنقص، بدل الأنانية والغرور.
الإيمان بالآخرة دلالةً ورمزًا وإشارةً وصراحةً، من خلال القيام بالوظيفة بدل الكسل والتواكل، وتجنُّب كل ما يحجزنا عن الخدمة القرآنية التي تعدلُ كلُّ ساعة منها عبادةَ يوم، وأن نَستَذكِر دومًا سُموَّ هذه الخدمة فنَستَمسِكَ بها قبل أن تُفوتَنا، بمعنى معرفة قيمة الحياة قبل أن يحين الأجل.
أسألُ الله ذا الجلال أن يرضى عنكم أبدًا، وأن يُدِيمَكم بخير، ويوفِّقكم في جهادكم وسعيكم المخلص لإنقاذ الأمة المحمدية من الضلالة، وإرشادها السَّبيل القويم للقرآن العظيم.. آمين، بحرمة سيد المرسلين، وبحرمة القرآن المبين.
إنَّ في المؤلف الموسوم بی"نكتة قرآنية نابعة من فيض كنز العرش"، وفي الرمز الثامن للقسم الثامن من "المكتوب التاسع والعشرين" من الفيوضات والسُّمُوّ والتَّميُّز ما لا يمكن وصفه وشرحُه؛ فالتوافقات العددية الواقعة في حروف القرآن، والموضَّحة في المؤلف الأول، أذهلتنا وأثارت إعجابنا؛ والتوافقات الواقعة في حروف ثلاثِ سور صغيرة، والمُشار إليها في المؤلف الثاني أمرٌ معجز فعلًا.
— 148 —
إن نبيَّ آخر الزمان ومبعثَ فخر العالمين، وسبب خلقة الأكوان ونزول القرآن، نبينا محمدًا المصطفى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه، ترك فينا یی لحكمةٍ ورحمة بالغة یی معجزةً مخفيةً مستورةً إلى يومنا هذا، تتعلَّق بإعجاز القرآن، وسُمِّيت التوافق الغيبي، وقد نشرها أستاذنا الحبيب من خلال مؤلَّفاته المنقطعة النظير، وليس بإمكاني اليوم سوى ذكرِ جانبٍ واحدٍ من الفيوضات والأذواق المعنوية التي تبلغُ الألفَ، والتي أشعر بها تجاه هذه المؤلفات، وأجدُ نفسي عاجزًا عن أداء الشُّكر إزاءَ هذا الكرم السبحاني والنعم الإلٰهيّة العظيمة التي تُغدَقُ علينا، ولا يسعني سوى القول: "اللَّهُمَّ حَصِّل مُرادَنا ومَقصُودَ أُستاذِنا سَعيدٍ النُّورْسِيِّ بحُرمةِ حبيبِك المكِّيِّ المدَنيِّ الهاشميِّ القُرَيشيِّ".
كنتُ أرسلتُ نسخةً من "القسم السابع للمكتوب التاسع والعشرين" إلى أخينا عبد المجيد، فكتب إلينا مُجيبًا: "من المستحسن أن تكتبوا للأستاذ الأمرَ التالي: إنه لا يجوز لأحدٍ سوى خلوصي وعبد المجيد أن يَنظُر إلى بُنَيَّةِ فكرِ الأستاذ هذه، حتى المحارم هم أيضًا في هذا الأمر أجانبُ؛ وثمّة احتمال كبيرٌ ألا يُجديَ خروجُ مثل هذه الحسناء إلى العموم نفعًا، بل ربما خلَّف أضرارًا جسيمة.. إن سرعة الانفعال والغضب الذي كان لدى سعيد القديم ما زال ساريًا في سعيد الجديد، علمًا أن سعيدًا الجديد لا ينبغي أن يُضيِّع وقته مع بني البشر، وهذا ما يقتضيه مسلكُه ومشربُه.. وعلى كل حالٍ فالحافظ والحامي الحقُّ هو الله سبحانه".
وأنا بدوري أجبتُه بالتالي: "أمّا بالنسبة إلينا فهذا الرأيُ صائب، ولكن لا أجده صحيحًا بالنسبة إلى أستاذنا الذي أعرض عن الدنيا وأقبل على الاهتمام بأمور الناس عبر الوُسطاء النوريِّين، وقام بوظيفته حقَّ القيام، فالذي استخدمه في هذا الأمر الجليل لا شكَّ سيَعصِمُه ويحفظُه ويحميه.. ولقد بِتُّ على قناعة قطعية أننا إن قطعنا صِلَتَنا بالأنوار فإن حضرة الأستاذ سيُولِّي ظهرَه لنا".
— 149 —
إن قلقَ أخينا العزيز في محلِّه بالنظر إلى الظاهر، وهو صادقٌ ومحقٌّ فيه، غيرَ أنَّ حِرمانَ المتَّصِلين بالأنوار من هذه الحقائق یی وهم بالأصل قِلّة یی، وحجبَ هذا المؤلَّف السّامي عنهم، أمرٌ غيرُ لائق ومخالفٌ لقاعدة: "ناصرُنا، حامينا، معينُنا، حافظُنا، هو الله".
بلِّغ سلامي لإخواني الذين استطاعوا إفشالَ جميعِ المكائد التي حِيكَت، والذين آزروا أُستاذَنا الموقَّرَ في وظيفته السّامية بنية صافية وشعور خالص وشوقٍ جادٍّ؛ وأسأل الله لهم التوفيق، وأدعو لهم وأرجو دعاءَهم.
يُقرِؤُكم السَّلامَ كلٌّ من والدي، وفتحي بك، والشيخ عبد الرحمن أفندي، والمفتي السابق كمال الدين أفندي، والإمام الحافظ عمر أفندي، وغيرهم ممَّن لهم علاقة بی"الكلمات"، ويدعون لكم ويطلبون دعاءَكم.
وأكرِّرُ دعائي أن يحفظَكم اللهُ بلُطفِه الإلٰهيّ، ويُديمَ عليكم الصِّحّةَ والعافية، وأقبِّلُ أيديَكم المباركة بكمال الاحترام والإجلال؛ وأرجو منكم یی تفضُّلًا یی الصَّفحَ عن تقصيري، وألّا تُخرِجوا طالبَكم الصّادقَ هذا من دائرة دعواتكم الخيِّرة.
الباقي الحُبُّ في الله
خلوصي
٭٭٭
— 150 —
(فقرة سعيد):
(رسالة كتبتها حول إعادتي لهدية أحدِ أهمِّ طلابي مثلَ خلوصي
وقد تمَّ إدراجُها بين فقرات أصحابي بناءً على طلبهم)
باسمه سبحانه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
أخَوَيِ الآخرةِ العزيزَينِ الوفيَّينِ: نوح بك، وملا حامد..
إنَّ لكما مكانةً رفيعة عندي، إذ أضرب بكما المثَلَ لمن يدَّعون أنه: "لا يوجد رجل وفيّ أمين في هذا الزمان"؛ وإن لمدينة "وان" أهميةً كبيرة عندي، فقد قضيتُ فيها حياةً علميّةً دامت عشرين سنةً، وأنتما بدَورِكُما أبرزتُما تلك الأهمية بحمد الله، وأقررتُما عيني وطَمْأنتُما مشاعري تجاهَ "وان".. وسوف أقصُّ لكما حادثة ذاتَ عبرة:
تلقَّيتُ العام الماضي رسالةً بواسطة محمد أفندي البارلائي الأصل، والذي يعمل تاجرًا في إسطنبول بالشراكة مع بكر أفندي.. وقد بدت لي رسالةً عجيبة! لأن خلوصي بك يخبر فيها أنه التقى بنوح بك، كما تضمَّنت الرسالة خطَّ الملا عبد المجيد المقيم في "نورْشين السُّفلى" وتوقيعَه، وفي الرسالة نفسِها يبلِّغني أخي عبد المجيد سلامَ ملا حامد ودُعاءَه، فقلت: سبحان الله! جميع أحبابي هؤلاء مجتمعون في رسالة واحدة رغم تفرُّقهم في أماكن شتَّى! إنها بحقٍّ لوحةُ توافُقٍ تستحقُّ التأمُّلَ والمشاهدةَ.
وفي هذا العام أتى محمد أفندي مجدَّدًا إلى "أغيردِر"، ومعه برقية نوح بك، فقلت: سبحان الله! كأن لسان حال نوح بك يخاطب محمد أفندي قائلًا: سأقابل أستاذي معك يا صاحبي.
ثم جاءني عامل محمد أفندي برسائله من "أغيردِر"، وبعدها أتى برسالة نوح بك المرفقة بالهدية، فوقع في نفسي أن الأمر ليس مصادفة قطُّ، وحينما دقَّقت محتويات
— 151 —
الرسالة قدَّرتُ أنه في الوقت الذي كان نوح بك يستعدُّ لإرسال هديته إليَّ، قمتُ أنا بإرسال هدية نفيسة تُعادل هديتَه قيمةً، (حاشية): قيمتها المادية ثلاثون ليرة، لكن قيمتها المعنوية ثلاث مئة ليرة. موجَّهةً باسمه إلى إخواني في "وان".. إن في هذين التوافقين إشارةً تخبرني أن نوحًا وحامدًا قد وقع عليهما اختيار الحقِّ سبحانه ليكونا من بين طلابي وإخواني؛ وقد بِتُّ على قناعة أن التوافق أمارة على التوفيق الإلٰهيّ لنا.. وستجدون أمثلة كثيرة من التوافقات في الرسائل.
لكنَّني أرجو منكما العفو لعدم قبول الهدية، فثمّةَ أسبابٌ كثيرة تمنعني من قبول الهدايا، أهمُّها: عدم إفساد العلاقة الخاصة والجادّة بيني وبين إخواني وطلابي، إضافةً إلى التزامي بمبدأ الاقتصاد والقناعة والبركة الذي لا يسمح لي بمدِّ يدي إلى أموال الدنيا إن لم أكن بحاجة شديدة، وهو أمر خارج طوقي وإرادتي.
وسأبيِّن لكما سببًا دقيقًا وموضَّحًا بهذا المثال:
جاءني صديق حميم يعمل في التجارة بكميّة من الشاي قيمتُها ثلاثون قرشًا، فاعتذرتُ عن قبوله، فقال لي: أحضرتُه من إسطنبول لك خاصَّة. فقبلتُه، إلا أنني دفعتُ ثَمنَه ضعفين؛ فاستغرب صنيعي هذا وتساءل عن حكمته؟! فقلت: كيلا تنحدر قيمةُ الدَّرس الذي تلقَّيتَه مني من مستوى الألماس النفيس إلى مستوى قطعةٍ من الزجاج الخسيس، فأنا أتخلَّى عن منفعتي الشخصيّة لأجل منفعتك أنت.
إذ الدرسُ الذي يتعلَّمه المرء من أستاذ يترفع عن حطامِ الدنيا، ولا ينحطُّ إلى الطمع والذُّلّ، ولا يرتضي عرَضَ الدنيا ثمنًا للحقائق، ولا يضطرُّ إلى التصنع، هو درسٌ قيِّمٌ قيمةَ الألماس.. بينما درس الحقيقة الذي يتعلَّمه المرء من أستاذ اضطُرَّ لتلقِّي الصدقات، والتصنُّع للأغنياء، وضحَّى بعِزَّته العلمية في سبيل طمعٍ مُذِلٍّ، وجنح إلى الرِّياء ليلفت أنظارَ المتصدِّقين إليه، وأجاز أكل الثِّمارِ الأخروية في الدنيا، إن هذا الدرس نفسَه تنحطُّ قيمتُه من مستوى الألماس إلى مستوى قِطَعِ زجاجٍ تافهة.
— 152 —
ويصعبُ عليَّ أن أُلحِق بك ضررًا معنويًّا بقيمة ثلاثين ليرة من أجل منفعة تساوي ثلاثين قرشًا، بل أعدُّ ذلك ظلمًا؛ وما دُمتَ إنسانًا مضحِّيًا فإنني مقابل تضحيتك هذه أُفضِّل منفعتَك على منفعتي، فلا تَمتَعِض مني!
وبعد أن فَهِم هذا السِّر تقبَّل الأمرَ، ولم يتضايق لأجله.. وهو ما أرجوه منكما أخويَّ العزيزَينِ: "نوح بك" و"حامد".
واعلم جيدًا يا "نوح بك" أن افتقادَك لي في تلك المناطق والنواحي، واهتمامك بي في هذا الزمان بوفاء وشفقة، أغلى عندي من آلاف الهدايا؛ وأنَّ حفاظكم على الرسائل التي أرسلُها إليكم وتبنِّيَها وحمايتَها نيابة عني، هديةٌ ثمينة تساوي عندي آلافَ الليرات؛ فهي ثمرة حياتي وواجبي الوطني الذي أُوفي من خلاله ديوني المترتبة عليَّ من محبّة إخواني وأُخوَّتِهم في تلك المناطق.. فالتزامُكم تجاهَها ونضالكم لأجلها وحرصكم على نشرِها بين مستحقِّيها والمستفيدين منها، أعظم عندي من آلاف الهدايا الدنيوية.
وأؤكِّد أنني ما كنتُ لأكسرَ خاطر "نوح بك" لولا أن الضرر المعنويَّ الذي سيلحقني بذلك كبيرٌ جدًّا، فإنِّي بحمد الله لم أُضطرَّ لقبول الهدايا حتى اليوم، ولم أنجرَّ وراءَ الطمع الذي يتسبَّب بسقوط العلماء في هذا العصر؛ ولو أنِّي قَبِلتُ هديَّتكما لَأفسَدتُ قاعدتي التي ألتزمُها منذ خمسين عامًا، ولَانكسَرت قلوبُ كثيرٍ من الناس.
سلامي لجميع إخواني وطلابي القدامى في تلك المناطق فردًا فردًا، وأدعو لهم وأرجو دعاءَهم.
الباقي هو الباقي
أخوكم سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭
— 153 —
(فقرة سعيدٌ النُّورْسِيّ):
باسمه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
أخي العزيزَ الوفيَّ الدَّؤوب، وصاحبي في الخدمة القرآنية "رأفت بك".. إنَّ وظيفتَك القرآنيَّة التي تُؤدِّيها مبارَكةٌ كلُّها، أسأل الله أن يوفِّقك ويزيدَك همةً ونشاطًا، وأن يُبعِدَ عنك الفتور والملل.
وظيفتك هذه أهمُّ من النَّسخِ والكتابة، لكن عليك ألّا تَدَعَ الكتابة أيضًا.
سأُبيِّن لك دستورًا من دساتير الأُخُوّة يجب أخذُه بعين الاعتبار، وهو أن الحياة ليست سوى نتيجة من نتائج الوحدة والاتِّحاد، وإن الاتِّحاد المُمتَزِج متى زال زالت الحياةُ المعنويّة، وكذلك التساندُ متى اختلَّ فقَدَت الجماعةُ معناها، كما يُشيرُ إليه قوله تعالى: وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ
وكما تعلمون فإنَّه إنْ كُتِبَت ثلاثُ ألِفاتٍ كلٌّ على حِدة كانت قيمتُها ثلاثة، أمّا إن اجتمعت بتساندٍ عددي صارت قيمتُها مئةً وإحدى عشرة؛ وكذلك الحال بالنسبة إليكم، فإنَّ ثلاثةً أو أربعةً من خُدَّام الحقِّ من أمثالكم إن تحرَّكوا فُرادى دون تقاسُمٍ للأعمال، كانت قوَّتُهم قوّةَ ثلاثةِ أو أربعة رجالٍ؛ أما إن تحرَّكوا بأُخوّةٍ حقيقيّة، وبتساندٍ وافتخارٍ بمزايا بعضِهم، وبتفانٍ فيما بينهم بحيث يكون أحدُهم عينَ الآخَر، أصبح هؤلاء الأربعةُ أربعَ مئةٍ من حيث القوة والقيمة.
أنتم بمثابة القائمين على مولِّدات كهرباءٍ ستُنير بلدًا عظيمًا لا "إسبارطةَ" وحدَها على كِبَرها، ولا بدَّ لمسنَّنات الآلة أن تتعاون فيما بينَها، فلا محلَّ للحسد والغيرة بينَها، بل على العكس، إنما هو السرور والامتنان لوجود مزيدِ قوةٍ في المسنَّن الآخَر؛ فلو كان لمسنَّنٍ ما شعور، ورأى مسنَّنًا آخَر أقوى منه، لَامتنَّ لذلك وسُرَّ به وافتخر، لأنه يخفِّف عنه من أعباء وظيفته.
— 154 —
وإنَّ من يحملون على كواهلهم كنزَ خدمة الحقِّ والحقيقةِ وشرفَ خدمةِ القرآن والإيمان یی هذا الكنز الجليل النفيسَ یی إنما يشعرون بالفخر والشكر والامتنان كلَّما انضمَّت إلى كواهلهم كواهلُ أخرى قويَّة.
حذارِ أن تفتحوا بابَ الانتقاد فيما بينكم، فثمّة أمورٌ كثيرةٌ خارجَ دائرة إخوانكم تستحقُّ الانتقاد.
فكما أنني أفتخر بمزاياكم، وأنظر إلى ما ليس لديَّ منها فأُسَرُّ لوجوده فيكم وأعدُّه مزايا لي؛ فعليكم أنتم كذلك أن تنظروا إلى بعضكم كما ينظر أستاذكم إليكم، وليكن كلُّ واحدٍ منكم ناشرًا لفضائل الآخَرِين.
وكم كانت قيِّمةً جدًّا تلكم المشاعرُ الأخويّةُ التي أبداها "الحافظ علي" یی أحدُ إخواننا من "إسلام كُوي" یی تجاه أخٍ آخَرَ يُمكن أن يكون منافسًا له، وسأذكرُها لكم للاطِّلاع والفائدة:
جاءني "الحافظ علي"، فأخبرتُه أن خطَّ أخينا الآخر أجودُ من خطِّه، وأنه يؤدِّي خدماتٍ أكثر، فإذا بي أجد "الحافظ علي" يفتخر بتفوُّق أخيه عليه بمحض الإخلاص والجِدِّية، بل لقد داخَلَه السرور وانشراح الصدر لِمَا رأى من السرور الذي دخل قلب أستاذه بذلك، وما ناله من الرِّضا والثناء.
راقبتُ قلبه وتمعَّنتُ فيه بدقة، فوجدتُ أنَّ الأمرَ ليس مجرَّد تصنُّع، بل هو شعورٌ خالص، فحَمِدتُ الله تعالى أنَّ في إخواننا من يَحمِلُ هذه المشاعرَ السّاميةَ، لأن أمثال هذه المشاعر ستُحقِّقُ الكثيرَ من الإنجازات بإذن الله! وأَحمَدُ اللهَ أن هذه المشاعرَ والأحاسيس بدأت تسري تدريجيًّا بين صفوف إخواننا في هذه المناطق.
طرفة صغيرة:
تحدَّثنا عنك ونحن جلوسٌ، وذلك حين جرى ذِكرُ المسألة التي تتحدَّث عن الشكر، فسألتُ: "هل شاهد رأفت بك ما كتبه خسرو"؟ فقال بكر آغا: "نعم، ورأى أنه جميل جدًّا، وسأل خسرو: هل تصرَّفتَ فيها بشيءٍ من عندك يا تُرَى؟ فردَّ خسرو: لا،
— 155 —
لم يتحقق التوافق في نسختي بتمامه، لكنَّه كان تامًّا في النسخة التي كتبتُها لهم"، وجرى بعضُ النقاش..
وبهذه المناسبة أقول لأخي رأفت بك: لقد أوصيتُ ألّا يتدخل أحدٌ بشيءٍ من عنده حتى لو كان التوافق ناقصًا في النسخة الأصلية، وذلك كيلا يَفسُدَ الشكلُ الأصليّ؛ وقد تحقَّق التوافقُ في نسخة خسرو رغم أن مُسوَّدَتها الأصلية حصل فيها انحرافٌ يسير، ولاحظ ذلك بكر آغا أيضًا؛ لذا لو لم يكن لدى خسرو أية مهارة سوى عدمِ إفساده للتوافق لكانت كافيةً.
حتى إنني أوصيتُ بعدم تدخُّلِ أحدٍ بمهارته في توافقات الصلوات الموجودة في "المعجزات الأحمدية"، مع أن التوافق حصل حتى في المُسوَّدات الأصلية، وكذا في نُسَخِ أدنى النُّسّاخ خبرةً خلا البعض؛ وعليه فإن التوافق الذي لم يتمكَّن ثمانيةُ ناسخين مختلفين من إخفائه، سيكون بطبيعة الحال توافقًا قويًّا، لذا أطلب ألا يُفسِدَه النُّسّاخ أو من لم يتمكَّنوا من تحقيق التوافُق، فأعظم النُّسّاخِ مهارةً هو من يحقِّق التوافق ولا يُفسِدُه، ولأن التوافق موجود فقم أنت كذلك بتحقيقه بالتعاون مع خسرو، فأنتم لا تُوجِدُون شيئًا من العدم، لكن حاولوا ألّا تُعدِموا ما هو موجودٌ فعلًا.
سلامي ودعائي لقُرّاء "الكلمات" وكلِّ من لهم صلةٌ بها.
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭
(فقرة الحافظ علي):
الأستاذ المحترم..
تفضَّلتم في المسألة التاسعة من القسم الثالث للمكتوب التاسع والعشرين: بأنَّ حصّةَ العبد الفقير من خدمة القرآن: طفلين صغيرين وطفلة؛ وحينما تلقَّيتُ هذا الأمر
— 156 —
طفقتُ وأنا في طريق العودة أفكِّر: مَن مِن أطفال أقربائي أختار؟ فخُوطبتُ معنًى: يا عليّ، ليس هذا الأمرُ إليك، بل ثمّة من يختارُ لك.
وبعد ثلاثة أيام أتاني طفلان صغيران اسمُهما: "يشار" و"نجاتي"، فأصبحا رفيقَيَّ وصاحبيَّ، ووجَّهتُ عنايتي نحوهما إلى حدٍّ كبير؛ واجتهدتُ في تعليمهما القراءة والكتابة، حتى تعلَّما قراءة القرآن خلال شهر واحد، ثم وُفِّقا لختم القرآن خلال خمسة أشهر، فالحمد لله.. هذا من فضل ربي.
أستاذي المبارك، تفكَّرتُ في هذا الأمر كثيرًا، فتعلُّم القراءة يستلزم عادةً عامًا أو عامين، لكن تمَّ الأمر الجليل خلافَ المتوقَّع تمامًا، لذا بتُّ وجميعُ أهل قريتي ممَّن شهدوا هذه المَكرُمةَ مُوقنين بأنها رشحةٌ من بحر إعجاز القرآن العظيم، ولم تُنجز إلا بطاقاتٍ عظيمة نابعة من الهمة المعنوية لفخر العالمين ونبيِّ آخر الزمان محمد المصطفى (ص)، وبفضل دعاء أستاذي الذي انتُدِب لوظيفة إظهار الإعجاز ونشره.. إنني باسم جميع أهل الإيمان في القرية أتقدَّم بالشكر الجزيل لأستاذي الذي كان وسيلةَ هذا الخير العظيم، ولا يفتر لساني عن ترديد: "رضي الله عنكم أبدًا".
أستاذي، هنالك أمرٌ آخر، وأنتظر أوامركم بخصوصه، وهو أنني سأبدأ إن شاء الله تعالى بتحفيظ القرآن الكريم لتلميذ دائرتكم "يشار"، وسيكون لكم یی دون شكٍّ یی بالغُ الأثر في تربية وردةٍ مُحمَّدية أخرى، كمثل أمطار نيسان التي تأتي بالربيع بعد الشتاء، وتغدو وسيلةً لتفتُّح أزهارٍ منوَّعة.
فكلِّي رجاءٌ أن تخصُّوا هذا الطالب المبارك، في هذه الدائرة المباركة، وفي ليلة الجمعة المباركة بدعاءِ ختمِ القرآن، وبالتوفيق لحفظِه؛ وأن تدعو للعبد الفقير بالمغفرة.
أُقبِّل أيديكم بكمال الاحترام والإجلال، وأرجو منكم سيدي العفوَ عن تقصيري.
الحافظ علي
٭٭٭
— 157 —
(فقرة خسرو ):
أستاذي الحبيب.. تلقَّينا رسالتكم الموسومة بی"سرُّ إنَّا أعطينا" التي أرسلتموها الأسبوع الفائت، ولا يكادُ يمرُّ أسبوعٌ إلا ونَشرُفُ بتلقِّي رسالة جديدة في غاية اللطف تزيدُنا سرورًا.
ومنذ أسبوعين ونحن نُعاوِد قراءة هذه الرسالة ولا نُفارقها، أجل، فهي إذ تَسحَرُنا بما تنطوي عليه من الحقائق، تُقوِّي آمالَنا یی من جهة أخرى یی ببُزوغِ الشمس التي وعد الحق سبحانه بها هذه الأمة في المستقبل، كما تحملُنا على التساؤل: تُرَى من أين ستُشرق هذه الشمس وسَطَ هذا العالم المُلبَّد الأجواء بسُحُبِ الظُّلُمات؟! وبأيِّ صورة ستُشرِق؟! وكيف ستُمزِّق هذه السُّحُبَ التي تَنشُر الظُّلمات والمصائب؟!
ووسطَ هذه التساؤلات يظهر لنا ذيلٌ آخرُ أشبهُ بنبعٍ فيَّاض يُعيِّن وقتَ بزوغ تلك الشمس، ويبعثُ في نفوسنا الطمأنينةَ والسُّرورَ، ويضعُ عن كواهلنا أعباءً ثقيلة، ويجعلنا نتنفَّسُ الصُّعَداء، فيُحقِّقُ ما كنا نرغب به منذ سنوات طويلة غير أننا نعجِزُ عنه.
أحمد خسرو
٭٭٭
(فقرة خلوصي بك):
أجدُ نفسي محظوظًا جدًّا هذه المرة إذ تلقَّيتُ مكتوبكم المبارك الحاوي دعاء كنز العرش، ولذيل النكتتين الثانية والثالثة النابعتَينِ من فيضِه؛ وأمّا التأثير الذي تُحدِثُه أمثالُ هذه الرسائل سواءٌ في الأستاذ أو في أصحابي الذين في تلك المناطق فلا دورَ لأخيكم العاجز فيه، وإنما أنا واسطة ووسيلة فقط، بدليل أني حاولتُ مرّاتٍ عدّةً أن أكتُبَ رسالة لفضيلتكم فلم أتمكَّن من صياغة كلمتين في جملة واحدة، وكنتُ في أغلب الأوقات أحاول تلقُّفَ عبارات شخصٍ غيبيٍّ، ما يعني أن ثمّةَ مؤثرًا خارجيًّا يدفعني لهذه الكتابة.. وأمّا الثناء الذي ورد فيه فإنِّي أتلقّاه كدعاء بحقي، وأشكر الحقَّ سبحانه على ذلك.
— 158 —
أهنِّئُ أخي الذي يحمل اسم "خسرو"، والذي يُؤْثرُ خدمةَ القرآن بكلِّ صدق وشفافية على كثيرٍ من المشاغل الدنيوية والمنافع المادِّيّة.. وأسأل الله أن يكثر من أمثاله ويبارك في أعدادهم على الدوام.. وإن تعرُّفي على الشَّخصيّات الفاضلة التي تشترك في هذه الخدمة السامية هو بمثابة بشرى عظيمة.
قبل يومين قمتُ بزيارة المفتي كمال أفندي، وكان قد طالع المكتوب السابق، فقال لي: "إن الحقائق التي وقف عليها الأستاذ في القرآن، والدقائق التي استخرجها من معينِه، لم يتمكَّن أحدٌ من الوصول إليها حتى يومنا هذا"، فأثنى على الرسائل، وطلب أن أُبلِّغكم سلامَه ودعاءه.
وقد وُفِّق حتى هذه اللحظة كلٌّ من فتحي بك والحاج بهاء أفندي ووالدي وصهري والحاج عبد الرحمن أفندي للاستماع إلى هذا المكتوب المبارك؛ وسوف أقرؤه في أقرب فرصة للحافظ عمر أفندي إن شاء الله.
كلُّ رسالة من رسائلكم تترك فِيَّ أثرًا بالِغًا، وكأنها تَهَبُ لي الحياةَ مُجدَّدًا؛ ولقد أصبح هذا المكتوب مبعثًا لسروري وسعادتي، إذ بشَّر بتأليف الرمز الرابع، وبالعزم على إرسالِ نسخة منه إلى العبد الفقير.
كنتم قد شَرَعتُم قبل مدّة طويلة بكشف الستار عن سرِّ التوافق الموجود في القرآن، وها أنتم اليوم تُوفَّقون لكشف فصلٍ مُهِمٍّ من فصول إعجاز القرآن ونَشرِه بعد أن بقي مَخفِيًّا یی لحكمة ما یی حتى اليوم؛ فمهما حَمِدْنا اللهَ تعالى على هذا الأمر العظيم فهو أهلٌ لذلك.
وإنِّي على يقين قطعيٍّ بقطعية تعاقُب النهار بعد الليل وحلولِ الربيع بعد الشتاء وقيامِ الآخرة بعد الحياة: أنكم كلَّما سرتم قُدُمًا في هذا السبيل الذي فُتح لكم بفضل الحق سبحانه، ستقفون على حقائقَ إعجازيةٍ عظيمة، وتَزُفُّون بشاراتٍ عظيمةً لإخوانكم المحتاجين.
وكم نحن محظوظون إذ كُنّا مظهرًا لأمثال هذه السعادة! ويا لَتعاسة من يصرفُ نظرَه عن هذه الأنوار! ويا لَفداحةِ خطأِ من يُعرضُ عن هذه الحقائق ولا يهتمُّ بها
— 159 —
الاهتمامَ اللائق! وكم هو أحمقُ ومجنونٌ ذاك الذي يحاول إطفاء هذه الشمس بالنفخ عليها!
أجل، إنكم في ختام هذا الطريق النيِّر بلغتُم الكوثر بدلالة صاحب الكوثر، فتقفون عند نهر الكوثر بهداية شفيع المحشر، وتقرؤون آية: وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا، فتُنادون ببيانٍ نورانِيٍّ يَبُثُّ الحياة في الأرجاء ويبعثُ اليقظة في كلِّ طائفة من الطوائف: "أيها الناس، من يبتغي منكم حياةً أبدية فها هو ماء الحياة.. من ضلَّ منكم سبيله فها هي وسيلة النجاة.. من لم يرتدع منكم عن كفره وعناده فليعلم جيدًا أن بانتظاره العذابَ الشديد والعقابَ الأليم.. إلخ".
وملأتُم جرارًا من هذا الكوثر وسلَّمتُموها لأصحابكم وإخوانكم وطلابكم ممَّن يجتهد في اتِّباعكم في هذه الخدمة السامية، كي يَبذُلُوها غذاءً للمحتاجين وعلاجًا للمرضى والمستضعفين، وسُمًّا زعافًا للكفرة والظالمين.
وحين نُسرِّحُ النظر في آفاق الحقيقة التي نُشرَت بهمَّتِكم وإرشاداتكم القدسية، نجد أنَّ القرآن عبارة عن حوض كبير واسع لا ساحلَ له ولا حدود، وأنَّ السُّوَر النابعة من عين باء البسملة التي في أول الفاتحة تشكل مئة وأربعة عشر رافدًا لماء الحياة، ولكلٍّ منها طعمٌ مختلف، وقوّة متميِّزة، وسرعةُ جريانٍ مغايرة، وتَصُبُّ جميعًا من سواقي الكوثر في هذا الحوض الكبير.
أنَّى لهذا العقل الصغير أن يبلغ تلكم المعالي!!
وأنَّى لهذا الميزان الصغير أن يَزِنَ هذه الأعباءَ الثِّقال!!
سلامي لإخواننا في الآخرة الذين استحقُّوا أن يكونوا مظهرًا للتقدير حين اصطفُّوا معًا، وشدُّوا يدًا بيدٍ وكتفًا بكتِفٍ، وانطلقوا معًا بقوّة الحقِّ سبحانه وعونِه.. ندعو لهم، ونتمنى لهم النجاح والتوفيق، ونرجو دعاءَهم.
خلوصي
٭٭٭
— 160 —
(فقرة لعاصم بك، كُتِبت في حقِّ التلويحات التِّسعة):
أستاذي الحبيب..
بم أتحدَّثُ عن هذه الرسالة الشريفة التي أشتاقُها غايةَ الشَّوق، وعن هذه الكلمات والحقائق والأنوار التي منَّ الله تعالى بها على هذا العبد الفقير من بحرِ جُودِه ولطفه؟! هذا من فضل ربي.
إنني أحمد الله القدير المطلق وأشكره وأُثني عليه على الدوام، أن جمعني بكم أستاذي الحبيب، فشَهِدتُ هذه الأنوار، وأبصرتُ هذه الحقائق، وقرأتُها وكتبتها، واقتادتني نحوها بكمال الطاعة والانقياد.
وبناءً على ذلك، ولكي أحظى بدعاء أستاذي العزيز وإرشاده: أُبيِّن أمام الحق سبحانه وأمام فخر العالمين عليه أكمل التحيات وأفضل الصلوات والتسليمات، وأمام جميع المرشدين والعظماء من أمثال الشّاه النَّقشبند قُدِّس سرُّه، وأمامكم خاصّةً أستاذي الذي أقبلتُ طوعَ أوامره بغاية التسليم.. أبيِّنُ لكم جميعًا متوكلًا على الله: أن هذا القسم التاسع الذي يبيِّن مَقصَد الطريقة المحمدية (ص) ويعرِّفُ غايتها وأساسها بجميع تفرُّعاتها، ما هو إلا منارُ طريقة وحقيقة، لا تُملُّ قراءتُه، ولا يمكن وصفُ الأذواق واللَّذّة الناشئة من قراءته في كلِّ مرة، وبخاصّة التلويح التاسع الذي جمع جميع الحقائق ولخَّصَها.
لا مُشاحّة في التمثيل: أليس الذي نبع وفاض من الناي الذي جرت فيه أنفاس مولانا جلال الدين الرومي، هو عين أسرارِ الحقيقة التي هتف بها عليٌّ (كرَّم الله وجهه) في البئر؟! فما الفارق بينهما؟ لا بدَّ أن ذلك الناي قد صُنِع من القصب الذي نبت من هذا البئر.
ولأنَّ تفكيري قاصر وقلمي عاجزٌ لا يُحسِنُ التعبيرَ عمّا في قلبي من مشاعر، لا يسعني إلا أن أقول: إنه مرشدٌ ودرسٌ عظيمٌ جدًّا لأمثالي من الفقراء والمُبتدئين، ودستورٌ ودرسُ عبرةٍ للأصفياء الذين ترقَّت نفوسُهم فبلغت مقامَ النَّفسِ المُطمئنّة أو
— 161 —
أعلى؛ وكتابُ طريقة لا يُقدَّرُ بثمن، وبستانُ ورودٍ تفوح بأنوار الحقيقة؛ والأهمُّ من هذا كلِّه: هو إلهامٌ رباني محضٌ.
أستاذي، أسأل الله أن يُباركَ في عمُرِكم لإتمام تصنيف هذه المؤلَّفات العظيمة، وللقيامِ بوظيفة الدلَّالة على الحقائق ونشرِ الأنوار، وأن يُديم بقاءَكم فوق رؤوس مُحبِّيكم وإخوانكم الذين يُصغُون للحقائق التي تنطقون بها، فيتلقَّونها قراءةً وكتابةً، ويعملون بموجَبِها ومقتضاها بإقبال وتفانٍ.. آمين بحُرمة سيِّد المرسلين.
عاصم (رحمه الله)
٭٭٭
(فقرة رأفت بك):
أستاذي المحترم..
كم هي مؤلَّفات مدهشة ومثيرة للإعجاب هذه الرموز! إنَّها تمنح عُشَّاق العلم من قرّائها أذواقًا غير متناهية ومشاعر رقيقة سامية؛ ولقد تَجَدَّدَت حياتي بهذه المشاعر العُلوية، حتى إنني أدعو الخلَّاق العظيم أن يرزقَني طولَ العمر مع الثبات على هذه الحياة الجديدة.
وها أنا أُطالعُها دون ملل وأقرؤها دون سآمة أو كلل، وفي كل مرة أقرؤها أشعر كأني أُطالعُ كتابًا جديدًا لم أقرأه من قبل! لِما أجدُه من ذوقٍ معنويّ لا يُوصَف، ومتعةٍ روحيّة لا تنقضي.. وهكذا هو الأمر في سائر "الكلمات" أو "المكتوبات" أو "الرموز"، ولعلَّ المزيّة الخاصّة لهذه الرسائل تتمثَّل في هذه النقطة الدقيقة، فغيرُها من المؤلَّفات لا تجدُ حاجةً لإعادة قراءتها، غيرَ أنِّي مهما قرأتُ هذه الأنوار القرآنية لا أستطيع إسكات جوعي ورغبتي بقراءتها، ولا سيَّما "الرموز" التي أغرقتني سحرًا وحيرةً وإعجابًا؛ لذا شرعتُ بنَسخِها على الفور.
رأفت
٭٭٭
— 162 —
(فقرة أحمد خسرو):
تلقَّينا إعجازًا مهمًّا يتعلق بالرمز الثاني من القسم الثامن للمكتوب التاسع والعشرين، وكذا اللمعة الأولى والثانية للمكتوب الحادي والثلاثين المتضمِّنتينِ لآيتين جليلتين من القرآن الحكيم، فجالَت بنا في طريق الحقّ، وداوَت جراحنا المعنويّة، وأَكسبَت أفكارَنا وأنظارَنا في مجال الحقيقة قوّةً ومتانة، وقوَّت عزائمَنا وجُرأَتنا رغمَ تهديد الشياطين، وأنارَت أرواحَنا وقُلوبَنا بأنوار الإيمان والحقيقة، وشجَّعَتنا على الثبات في مسعانا.
فمنَّ الله علينا بقراءَتها، وأنَّى لقلبِ طالبٍ فقيرٍ مثلي وقلمِه أن يُعبِّرا عمّا تلقّاه من الفيوضات المعنوية!!
أستاذي العزيز، كيف لا نُدرِكُ مِنّةَ الخالق ذي الجلال وقد أغدَقَ علينا عظيم النِّعمة، وجعلَكم سببًا لها، ومنَحَنا إيّاها في أشدِّ الأوقات حاجةً إليها، ووهَبَنا الرِّضا والسلوان، وهدانا إلى النور، وأرانا وجه المستقبل المُنير؛ وها هو يزيد أعدادَ إخوانِنا، ويكثر محبيِّنا؛ ويعزِّزُ ماديًّا ومعنويًّا قُوانا، ويضَعُ مفاتيحَ خزائنِ السعادة في أيدينا؛ فيمنُّ علينا ويُكرمُنا من جميع الجهات.
أستاذي العزيز: أسأل الله أن يرضى عنكم دائمًا.
أحمد خسرو
٭٭٭
— 163 —
(فقرة ذكي):
تُساورُني الرغبةُ الشديدةُ في السفر بعيدًا نحو جهة مّا، واغتنامِ أوقاتي خارجَ وظيفتي الرسمية، والتفرُّغ للعناية بالمؤلفات النفيسة العالية، والانصراف لخدمة خزينة الحقائق السامية؛ إلا أنَّ موانع اضطرارية تحول دون تحقيق رغبتي هذه؛ فلو كانت لديَّ في هذه الأيام رسالةٌ أو اثنتانِ على الأقل من لَمَعات كتاب الكائنات ونُورِه المتجسِّد في مؤلَّفاتكم التي تمنح مطالعتُها الأرواحَ والقلوب صفاءً أبديًّا سرمديًّا؛ لكانت لي منبعَ سعادة وسرور لا يُوصَفُ، وكنزَ نِعَمٍ فريدًا لا يُضاهى.
أخبرني أخي صبري أفندي قبل مدّة طويلة بأنَّه سيُرسِل إليَّ بعضًا من الأنوار والأسرار القدسية التي صدرت حديثًا، وربَّما لم يجد الفُرصةَ السّانحةَ لكتابتها وإرسالها؛ ويعتريني الندم الشديد لعدم اصطحابي بعضَ الرسائل معي، إذًا لكنت استفدتُ من مطالعتها وحصلتُ على القوة الكافية لصراعي المعنويَّ على الأقلِّ، وإن لم أجد الوقتَ الكافي لقراءتها للآخرين.. لكن أجد نفسي یی في خاتمة المطاف یی مُتضرِّرًا بحقٍّ ما دُمتُ محرومَ الاستفادة من تلك الخزائن، وعسى نتدارك الأمر في أقرب فرصة بإذن الله وبهمّة دعائكم.
إنني أُمضي ما قُدِّر لي من أيام العُمُر حامدًا شاكرًا لله تعالى، وقد رُزِقتُ إيمانًا قويًّا أجدُه یی كلَّما تفقَّدتُ قلبي یی يزداد يقينًا بأضعافٍ مضاعفة بأنني سأنتصرُ على نفسي في صراعي معها.
أستاذي العزيز، يصبِّرُني على البُعدِ والفراق أنَّه مؤقَّتٌ، رغم أنَّه فِراقٌ مُحزِنٌ، وحينما تعترضُني بعضُ الأمور التافهة أقول في نفسي: آهٍ لو كنتُ بالقرب من أستاذي! غير أنِّي أُسدي النصيحة لنفسي ولقلبي بالتحلِّي بالأمل والقوّة؛ فكما أنَّ رفضَ الطَلبِ قد يُكسِبُ النَّفسَ قوّةً وشدّةً، كذلك عدم تحقُّق آمالي حاليًّا يقوِّي إيماني ويُعزِّز آمالي بالنسبة نفسها، فتسمو روحي عاليًا، وأتنفَّسُ بردَ الرِّضا المديد من نافذة قلبي.
ذكي
٭٭٭
— 164 —
(فقرة خلوصي بك):
سيدي وأستاذي المحترم..
لهذا المكتوب خاصِّية مهمَّة، وهي حملُه عنوان طريق الولاية، واشتمالُه على موضوع مهمٍّ للغاية.. فهذا المؤلف المبارك إذ يفسِّرُ بعضَ جوانب الآية الجليلة: أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ هو كذلك:
یی يعرِّف الطريقةَ بشكل جميل.
یی يُعطِي مثالًا جيدًا عن فائدتها ولو بشكل جزئي.
یی يبيِّنُ أهمِّية الولاية والطريقة وعلاقتهما ببعضهما، ويكشفُ حُجُبَ الضلالة عن وجوه المنكرين، ويُفصح عن الخطأ الجسيم الذي يرتكبُه أولئك الذين يحاولون دفنَ هذه الخزينة العظيمة أو تخريبها، أو يسعون لتجفيف هذا النبع الفياض؛ ويقدِّمُ في هذا السبيل دلائلَ وأمثلة تُقنِعُ أهلَ الإنصاف من أولي الألباب.
یی يُجلِّي بشكل صريح مَشرَبينِ من مشارب السير والسلوك، كي تتَّضح أوصافُ مسلك الولاية المُضادّة للمسلك الآخر، ويظهر ما بينهما من فروق.
یی يعرِّفُ بمشربَيْ وحدة الوجود ووحدة الشهود، ويكشف ما بينهما من تباين شاسع.
یی يُوضِّحُ بأسلوب بليغ وبيانٍ فصيح أن طرق الولاية الأفضل هي التي تحرص على اتباع السُّنّة السَّنيّة، كما يبيِّنُ أن أهم أساسٍ في طرق الولاية وشُعَب الطريقة: الإخلاص، وأن هذه الدار الدنيا هي دارُ الحكمة والخدمة، وليست دارَ المكافأة والأُجرة.
یی يُنبِّهُ الأذهانَ بالأمثلة الكاشفة إلى مدى سَعةِ الشريعة؛ ووجوب ألّا تكون الطريقة والحقيقة مقصودتين بالذات، كما يَكشِفُ اللثام عن الخارجين عن أحكام الشريعة والمُخالفين للسُّنّة السَّنيّة من أهل الطريقة بقِسمَيْها.
— 165 —
یی يلفِتُ الأنظار إلى الوَرَطاتِ الثمانية الواقعة في الطريقة من خلال السَّردِ والتَّعداد.
یی يعدِّدُ بصورة إجماليّة ومختصَرة تسعًا من فوائدِ الطريقة الكثيرة.
وهنا أجدُني مضطرًّا للاعتراف بأنِّي تلقَّيتُ من فيوض هذا المكتوب ما يُناسبُ قابليتي فقط، أمّا أن أبلغ مستوى فهم هذه المعالي بتمامها فهَيْهات! هذا فضلًا عن أنكم قد علَّمتم هذا المسكين بمؤلفكم المبارك هذا أشياءَ كثيرةً، وقوَّيتُم بعض مكامِنِ ضَعفِه، كما أحكمتم بعضَ قناعاته وصحَّحتُم بعض مفاهيمه المنقوصة التي استفادَها خلال مطالعاته، وأثناء حضوره دروسَ الوعظِ والإرشاد، ومجالستِه أرباب المسالك والمشارب المختلفة.
أسأل الله ذا الجلال أن يحقِّقَ جميع مطالبكم ويبلِّغ عموم مقاصدكم الدنيوية والأخروية، وأن يجيب سائر أدعيتكُم، لا سيَّما ما يخصُّ الأمة المحمدية المرحومة، وأن يصرف عن ذهنكم كلَّ ما يَشغَلُ عن خدمةِ الإيمان والقرآن، وأن يحفظكم ذُخرًا لهذه الأمة ويكتب لكم الرِّضا والرضوان.. آمين، بحرمة القرآن المبين، وبحرمة الإمام المبين.
لقد أَثنَى جميعُ من قرأت لهم هذا المكتوب المنوَّر على مضمونه، وصادَقوا بالإجماع على صدقيَّته وحقِّيته؛ وقد نالوا منه استفادةً عظيمة دون شكّ.
أستاذي العزيز الشفوق، إنكم تحرصون على تنبيه طالبكم العاجز المُحبِّ لكم في الله وتوجيهه، وتَسعَون بشتى الوسائل لإرشاده وتعليمه دروسًا معنوية سامية؛ بيد أني لا أبلُغُ من نيل الفيوض مثل الذي يحظى به إخواني الأعزاء الموقَّرون الذين يجالسونكم وينالون شرفَ صُحبتكم وقربكم مادةً ومعنًى، والذين لهم قدمُ صدق في خدمة القرآن الكريم بتوفيق الباري سبحانه وتعالى.
وإنني أُحِيلُ سبب ذلك إلى ذنوبي وعصياني، وإلى تأثير الأحوال والأحداث التي تحولُ دون اشتغالي الدائم بالأنوار، وإلى هَجَماتِ نفسي الأمّارة بالسوء
— 166 —
وهَجَمات شياطين الجن والإنس، فأُدرِكُ بذلك مدى شقاوتي وحرماني، رغم أن النعم الإلٰهيّة التي أُغدِقَت عليَّ لا تُعَدُّ ولا تُحصى، وأَعجِزُ یی بكلِّ أسف یی عن إيفاءِ شكرها.
لا أستطيع التخلِّيَ عن هذه الدنيا الفانية بشكل تامّ، رغمَ أنَّ كل يوم وكل ساعة بل كلَّ دقيقة وثانية تنبِّهُني إلى انقطاع رزقي وانقضاء أجلي ورحيلي عن هذه الدنيا الفانية؛ إنَّ مبعثَ سلواني الوحيد أمام كل ذلك هو ارتباطي الوثيق بالقرآن العظيم، وإيماني الرصين بالدين المبين والشريعة الغراء التي أتى بها نبيُّنا الأكرمُ (ص)، وصلتي القوية بأستاذي الحبيب.. فآمُل أن أنجوَ من الهلاك والخُسران بفضل هذا الإيمان، وهذه الرابطة، وببركة دعواتكم الطيِّبة.
إنني أسعى قدر المستطاع للسَّير وفق قوانين الطريق الذي رسمتُم لنا في هذا المكتوب، وفي ذيل الكلمة السادسة والعشرين، والذي هو طريق العجز والفقر والشفقة والتفكُّر؛ وأجتهد في لزوم الجادّة القُرآنيّة النُّورانيّة المختصرة كما عرَّفها أستاذي العزيز الموقَّرُ وأَرشَد إليها وأوصى بها.. ولن أَحِيدَ عن هذا الطريق بإذن الله.. وأتمنَّى أن تقلَّ في هذا العام الأعمالُ المعهودُ بها إليَّ تحت مُسمَّى الوظيفة الرسمية كي أتوجَّه أكثر نحو وظيفتي الحقيقيّة ببركةِ دعائكم.
ومن الله التوفيق
خلوصي
٭٭٭
(فقرة صبري):
سيدي وحضرة أستاذي الأعظم..
كأنِّي بالتوافقات اللطيفة الجميلة المُشاهَدة في الكتاب المُبين، تَمُدُّ أياديَها المعنويّةَ للضيوف النوريِّين، وتُشيرُ إليهم بأصابعها النورانية قائلةً: "نحن لسنا مجرَّدَ أشياءَ نُشِرت بطريقة عشوائيّة، بل نحن نجوم سماء القرآن، نَظهَر ونتوزَّع بتوازُنٍ تامٍّ وتوافُقٍ حقيقيٍّ وقياسٍ قطعيّ"؛ وكأنَّ كلًّا منها يصافح التوافق الموجود أعلاه وأسفله، وعلى يمينه وشماله.
— 167 —
وقد ظهرت التوافقات النورانية هذه المرة في الكلمة العاشرة، وإنَّ هذا التوافق والانتظام الحكيم ذا المعاني الغزيرة، والمُشاهَدَ في هذه الكلمة، أشبهُ بلقاء إخوة وأصحابٍ حقيقيِّين، تغمرُهم اللهفة ويغشاهم الشوقُ للقاء بعضهم بعضًا؛ إذ أضاءت كلُّ آية وكل كلمة قرآنيّة مُدرَجة فيها كنجوم السماوات التي تعمل بطاقةٍ غيرِ محدودة، فسَحَرت بلطافتها وبهرت بنضارتها أحاسيسَ كلِّ من يملك وصفَ الإنسانية.
وثمة نقطة مثيرة للإعجاب أيضًا في مسألة الحشر المهمَّة التي هي محور بحث الكلمة العاشرة المباركة، وهي مسألة تتعلَّق بختام عُمُرِ الكون المقدَّر، وهذه الكلمة هي كذلك آخرُ ما أُظهِر من التوافُقِ بين رسائل النور، وهذا برأيي توافقٌ من نوع آخر.
فلتَجرِ أنهارُ جنانِ القرآن، ولترتفع أصواتُ خريرها المتجدِّد عاليًا، لتكونَ غذاءً لأرواح أهل الإيمان في عصر الضلالة والخسران، وشفاءً لجراحِ أرباب التوحيد في عهد البدعة والطغيان، تمامًا مثلَما فعَلَت في زمن الجاهلية وعصرِ الفترة، حين سطَعَت شموس القرآن على الأقوام المحتاجة، وفاجأتهم بسرعة ظهورها وانتشارها المُبهِر، لتبُثَّ الحياةَ في خُمُس النوع البشري، وتُنوِّرَ الناسَ بضياءٍ أبديٍّ وسراجٍ دائم.
أجل، إن الأمة المحمَّدية التي شاهدت هذه الإطلالة المُشرِقة البديعة منذ ستِّ سنوات أو سبعٍ، واشتمَّت عبقَ الأزهار المحمدية اللطيفة البهية، قد نالت یی بحمد الله ومنَّته یی مكافأتَها الروحية والفكرية من سورة الكوثر.
ونقطة أخرى تظلُّ روحي واثقةً منها: إن أهل الإيمان والتوحيد يُشاهدون منذ مدّة طويلة المكائدَ الخبيثة التي يَحيكُها أهلُ الضلالة السّاعُون كالوحوش المفترسة لإطفاء شمسٍ خالدةٍ سرمديّة كالإسلام، ويَعُدُّون هذا الأمرَ وظيفتَهم ومُهِمَّتهم الرسميّة.. فسيصحُون من نوم الغفلة، وسيتلُون بلسان الحال والمقال السورتين التاليتين لسورة الكوثر، وسيصرخون في وجوه الزنادقة: "لن نركب معكم سُفُنَ الضلالة والسفاهة، المُبحِرة في لُجّة الضلالة كمُتَسكِّعٍ ظالم.. لن نركب سوى السفن المحصَّنة بدروع الإيمان والإسلام والقرآن المعجز البيان، التي تحمل أختام التوحيد النورانية،
— 168 —
حتى نبلُغ منازلنا وقد حقَّقنا النجاح، وجنَيْنا ثمارَ سعينا"، وسيتلون الدُّستور المُبِينَ: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ إلخ، وسيردِّدون عبارة: "إن البشرى التي تزفُّها سورة الكوثر قد أكسَبَتْنا قوّةً وصلابة، وبلَّغَتنا السرور والحبور، فانتَشَينا بعبق النصر وأريج الفتوح"؛ وتحت لواء القرآن سيدخلون أفواجًا، وسيدركون أن التسبيح والتحميد أهم وظائفهم، فيستغفرون من ذنوبهم لرب العزة الذي لا يَردُّ أحدًا، وسيسلكون سبيل الصلاح والفلاح والفوز والنجاح.
وإنني أُردِّد هذا الدعاء بشكل دائم ومتكرِّر: "أسأل الله أن يُكثِر من ورثة الأنبياء الحقيقيِّين، ويبلغهم جميع آمالهم ومقاصدهم الدنيوية والأخروية"، ووجدتُ الجرأة في نفسي لِأُقدِّم لكم هذه الرسالة بعد أن سلَّمَتِ الكلمةُ العاشرة لقلمي العاجز القِيادَ، ودفعتني لذلك.. وفي النهاية أُقبِّلُ أيديَكم المباركة.
هامش: إن هذا المُزارِع المسكين الذي يتقلَّب كالمولوي وسط محاصيله، يشبه كلامُه عملَه تمامًا، فقد كانت جُمَلُه مكرَّرة، وعاد إلى الموضع الذي ابتدأ منه مرات ومرات! لكن ما الحيلة وقد ألفى أستاذه يمضي كالبرق بخطًى سريعة، فرغب أن يمضيَ خلفه ولو بخطًى بطيئة كخُطَى النمل، كيلا تنقطع صلتُه به، فاجترأ على كتابة هذه الجمل المشتَّتة؟!
محمد صبري (رحمة الله عليه)
٭٭٭
(فقرة أحمد خسرو):
أستاذي العزيز.. تسلَّمنا اليوم مكتوبين مُرسلَينِ بواسطة أخينا سليمان أفندي وقرأناهما؛ أحدهما يبيِّنُ عُمُرَ الدنيا ويوضِّحُها، والآخر يتحدَّثُ عن فضائل دعاء سيدنا يُونُس عليه السلام، وهو القسم الأول من الأقسام الأحدَ عشَر للمكتوب الحادي والثلاثين المُكوَّن من إحدى وثلاثين لمعة.
— 169 —
أستاذي الحبيب، لقد داخَلَنا من السرور بهذا القسم ما لا يُمكن وصفه وشرحُه.. رضي الله عنكم أبدًا.
إن هذه الرسالة تفتح أبواب النجاة القطعية لهذه الأُمّة، وتُخبِر أن ظلمات هذه الأيام الحالكة أضحت تنقشع عنهم دون رجعة، وتدعو جميع تلاميذها معًا للمناجاة بصوت واحد ولسان واحد.
أستاذي الحبيب، إننا نحمد الحق سبحانه على الدوام أن أنار مستقبلنا بأنوارٍ فاضَت من نهر النور كأنها النجوم، فبثَّت فينا آمالًا مشرقةً في غمرة أيامنا المُظلمة المضطربة كأنها الكوابيس، وأعادَتِ البسمةَ إلى وجوهنا بأنوار متعدِّدة، يتجدَّدُ لمعانُها مع كلِّ رسالة تَرِدُنا، ويزيدُنا فرحًا وسعادة انتظارُنا قدومَ أستاذنا إلينا بفارغ الصبر.
أحمد خسرو
٭٭٭
إخواني خسرو، لطفي، رشدي..
سأُبيِّن لكم رأيًا ينفعكم فيما يخصُّ العلاقة بين الأستاذ والطلاب ورفاقِ الدَّرس، وهي: أنكم طلابي من جهة، وهذا أمرٌ يفوق حدِّي، ورفاقُ درسي من جهةٍ أخرى، ومعاوِنِيَّ ومستشارِيَّ من جهةٍ ثالثة.
إخواني الأعزَّاء.. إن أستاذكم ليس معصومًا عن الخطأ، بل من الخطأ الظنُّ أنه لا يُخطئ؛ فبما أنَّه لا يضرُّ البستانَ وجودُ تفاحةٍ فاسدةٍ فيه، ولا يَحُطُّ من قيمة الخزينة وجودُ نقدٍ مزيَّفٍ فيها؛ فإن الإنصافَ يقتضي یی بسرِّ: الحسنةُ بعشرِ أمثالها، والسيِّئةُ بمثلها یی ألا يُعكِّر القلبَ وقوعُ سيئةٍ أو خطأٍ ما، ولا ينبغي أن يدفع للاعتراض على الحسنات الأخرى.
إنَّ المسائل المتعلِّقة بالحقائق قطعيَّةٌ صريحةٌ لا شُبهةَ فيها، لأن كُلِّيَّاتها وبعضَ تفصيلاتها نوعٌ من السُّنوحات الإلهامية؛ وأمّا مراجعتي واستشارتي لكم بخصوصها
— 170 —
في بعض الأحيان فهو من أجل كيفية تلقِّي الناس لها، لا لِسُؤالكم فيما إذا كانت حقًّا وحقيقةً أم لا، فهي حقيقة دونما شكٍّ أو ارتيابٍ.
إلا أن الإشارات الدائرة حول المناسبات التوافقية هي بصورة مطلقة ومجملة وكلِّيَّة من قبيل السُّنوحات الإلهامية؛ أما في التفصيلات والتفريعات فتظلُّ ناقصة، إذ يتدخَّل ذهني المشوَّش أحيانًا فيُخطئُ، وخَطَئي في هذه التفريعات لا يُلحِق بالأصل والمطلق الضَّررَ.. ولأنني لا أملك الخط الحسن، ولا يتيسر وجود الكاتب لديّ كل وقت، فإنَّ تعبيراتي تظلُّ مجملةً جدًّا وعلى هيئة ملاحظات، فتُشكِل على الفهم.
ألا فلتعلموا يا إخواني ورُفقائي في الدرس أنِّي أكون مسرورًا إن أنتم رأيتُم مني خطأً فأعلَمتُموني به دون تحرُّجٍ، بل حتى لو انتقدتموني بسببه لقلتُ لكم: جزاكم الله خيرًا؛ إذْ لا يُلتَفَتُ إلى الخلق في سبيل مراعاة الحق؛ ولا نَرُدُّ حقيقةَ جَهْلِنا ماهيتَها إرضاءً لأنانية النفس الأمَّارة، بل نَقبلُها على الرأس والعين؛ مراعاةً لمقام الحق.
وأنتم تعلمون أنَّ هذه الوظيفة الإيمانية وظيفةٌ بالغةُ الأهمية في هذا الزمان، فما ينبغي أنْ تُلقى على عاتقِ شخصٍ ضعيفٍ مثلي مشتَّتِ الفكر عديمِ الحيلة، بل لا بد من مساعدته بقدر المستطاع.. أجل، إن الحقائق المجملة والمطلقة أكون أنا وسيلةَ ظهورها وإبرازها، أما أمور تنظيمها وتنسيقها وتصويرها فتعود إلى إخواني الأعزاء في الدرس وهم أهلٌ لهذا الأمر؛ وأحيانًا أتدخَّل في بعض التفاصيل وأمور التنظيم نيابةً عنهم فتبقى ناقصةً.
تعلمون جيدًا أن غفلة الدنيا تَستحكِمُ أكثرَ في موسم الصيف، حيث يفتُرُ كثيرٌ من رفاق الدرس ويضطرُّون إلى تعطيل أعمالهم، فلا يشتغلون بالحقائق بشكل تامٍّ وجادٍّ؛ وإننا في سياق اشتغالنا بالحقائق الجليلة منذ سنتين، أنعم الله علينا من كمالِ رحمته بتوافقاتٍ لطيفةٍ هي أشبه ما تكون بالفواكه والثمار، فلَطَّف بها أذهاننا وأمتعَها، ووجَّهها نحو الحقيقة القرآنيَّة الجليلة، وجعل هذه الثمار غذاءً وقوتًا لأرواحنا، فصارت قُوْتًا وفاكهةً في آنٍ واحد كالتَّمر، واتَّحدت الحقيقةُ والزِّينةُ والمزِيَّة.
— 171 —
نحن يا إخواني محتاجون في هذا الزَّمان إلى قوةٍ معنويَّةٍ عظيمةٍ لمواجهة الغفلة والضلالة، لكني أقول بكلِّ أسف: بالنظر إلى شخصي فأنا مفلسٌ في غاية الضعف، ليس لي كرامةٌ خارقةٌ أُثبِت بها هذه الحقائق، ولا عندي همَّةٌ قدسيَّةٌ أجذِب بها القلوب، وليس لي موهبةٌ علويةٌ أُسخِّر بها العقول، ولكن عسى أن أكونَ خادمًا متسوِّلًا في حضرة القرآن الحكيم، أستمدُّ بعضَ أسراره لأقمعَ عنادَ أهل الضلالة المكابرين، وأَضطرَّهم إلى الإنصاف، وقد استشعرتُ في التوافقات إكرامًا إلٰهيًّا من قبيل الكرامة القرآنيَّة، فتمسَّكتُ بها بكلتا يديَّ.
أجل، لقد استشعرتُ إشارةً قطعيَّة في "إشارات الإعجاز" وفي "رسالة الحشر" المترشِّحتَينِ من القرآن، فهما عندي كرامةٌ قرآنيَّةٌ، سواءٌ وُجِد لهما نظيرٌ أم لم يوجد.
لقد دقَّقنا النظر في صفحة واحدة من "إشارات الإعجاز"، فوجدنا أن جميع الحروف في بداية الأسطر مثنى مثنى، وقد وضعت بانتظام باهر؛ ووجدنا أن الأرقام ٣، ٤، ٥، ٦ التي هي مبعث توافق "الكلمة العاشرة" قد توافق كل منها مع الرقم ١٣... و١٣ نفسه هو مفتاح أسرار مهمَّة في الرمز السادس والثامن والرمز الرابع الخاص.. فلم يبق لدينا شك أو شبهة أنها كرامة قرآنية ستبقى مخطوطة على الورق بشكل دائم، وأنها إكرام إلٓهيٌّ، وتوقيع مباشر على تصديق هذه الرسالة، وعلى الإيمان بالحشر.. وليس هذا الأمر كالطيران في الهواء أو المشي على الماء، فهذه أمور مؤقتة ويمكن أن ترجع إلى كمال الشخص واختياره وربما للاستدراج، ولا يمكنها أن تخدم الحقيقة بشكل مباشر، وخاصة في هذا الزمان.
على كل حال: لقد أطلنا الحديثَ حول مسألة صغيرة، وأسرفنا الكثيرَ من الكلام فيها، لكن بما أن الإسهاب في الحديث مع الأحباب أمر مرغوب، فيَصفَحُ عن هذا الإسراف إن شاء الله.
أخوكم سعيدٌٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭
— 172 —
(هذه الفقرة الأولى والوحيدة التي يمكنها أن تحلَّ محلَّ عشر فقرات.. كتبها أخونا المخلص الدؤوب "مصطفى خلوصي صاري بِچاق" من "قُولَه أونو"، وقد جاءني بعد وفاة ابن أخي عبد الرحمن، فأُخطر إلى قلبي بأمارات قوية أنه بُعث إليَّ بديلًا عنه):
باسمه سبحانه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته بعدد حروف القرآن وأسرارها
أستاذي المحترم.. لقد طَفِقَت روح طالبكم العاجز تجوبُ الأرض شرقًا وغربًا وجنوبًا وشَمالًا بحثًا عن مرشد كامل، وكنتُ أترقَّبُ بلهفةٍ وصولَ العون والمدد؛ وبينما أنا مُنهمِكٌ في هذا البحث والتحري أُلهِم قلبي هذا الخطابَ: "إنك تبحث عن المرشد بعيدًا وبديعُ الزمان بالقربِ منك! إن هذا الرجل يُعَدُّ مُجدِّدًا بما ألَّفه من رسائل النور، وهو أحدُ الأقطابِ الكبار، ويُؤدِّي في هذا الزمان دورَ ذي القرنين ودورَ الوكيلِ المُمهِّد لنزولِ عيسى عليه السلام الذي سيُبعَث في آخر الزمان".
على إثر ذلك ذهبتُ للقاء حضرة أستاذي المحترم، فطلب منِّي أن أنسخ الرسائل، فكتبتُ حوالي خمسَ عشرة رسالةً من "الكلمات"، وقرأتُها بحسب أهليَّتي المتواضعة وفكري القاصر، فلم أتمكَّن الاستفادة منها حقَّ الفائدة.
ومؤخَّرًا تكرَّمتُم بالمكتوب الثاني والعشرين، فكتبتُه وقرأته مرتين أو ثلاثة مع أصحابي، فداوى جميع الجروح الغائرة التي أصابتني في الماضي منذ أن كنتُ في سنِّ الخامسة عشرة، ثم رأيتُ بحمد الله الرؤيا التالية: "ذهبت إلى ولاية تقع جهةَ القبلة، وبينما أنا أتجول في تلك الولاية صادفتُ عن يميني معملين كبيرين عجيبين لا نظيرَ لهما في الدنيا، ولا يملكهما أحدٌ؛ دخلت إليهما فوجدتُ أحدَهما أكبَرَ من الآخر، فتولَّيتُ إدارةَ المعمل الصغير وصرتُ مالكَه".
وعلى إثر هذه الرؤيا رأيتُ نفسي في المنام مرّةً أخرى: "داخلَ فرنٍ كبير في ثكنة عسكرية موجَّهة نحو القبلة، وأمامي شابٌّ من أهل التقوى اسمه سليمان، وعن يميني
— 173 —
شابٌّ آخرُ اسمه إسماعيل، وفي داخل الفرن حوالي مئة شاب يقفون على أقدامهم عن يميني وشمالي في مشهد غريب! ثمَّ جاء رجل جليل ومدَّ نحو الشباب منديلًا صغيرًا فيه أرغفةُ خبز مربَّعِ الشَّكل مدعَّم ببذور الخشخاش، وأعطى كلًّا منهم رغيفًا، ثم قام بتوزيع حَفَناتٍ من الزبيب؛ ولاحظتُ أن الخبز والزبيب لا ينفَدانِ من ذلك المنديل، فتعجَّبتُ من الأمر؛ فقيل لي: إن هذا الشخص المبارك هو سعيدٌ النُّورْسِيّ"، واستيقظت من النوم، وأدركتُ أن هذه الخوارق لا تصدر إلا من الأقطاب.
وبعد هذه الرؤيا صرتُ أُداوِمُ على كتابة الرسائل، وبدأت یی بتوفيق الله تعالى وهمّة أستاذي یی أستفيد منها بشكل أكبر؛ ثمَّ بدأ جميعُ الشباب الذين رأيتهم في المنام يتوافدون إليَّ ويجتمعون حولي، وصاروا جميعًا من جملة أصحابي ومن طُلّابِ القرآن.
وثمّة أمرٌ آخر: إنَّ جلَّ أهالي مدينتي من أهل التقوى وأتباع الطريقة، ولَمّا لم يكن في مدينتنا علماءُ كبارٌ فكنّا كثيرًا ما نسقط في أَسرِ الشيطانِ والنفسِ الأمّارة، ونغرق في الأوهام، فكنتُ كلَّما أقرأ الرسائل أجدُها ترمي بمكائد الشيطان اللعين والنفس الأمارة ودسائسِهما في الحضيض، وكنتُ أنا وكثيرٌ من الأصحاب نتساءلُ متعجِّبين: أين يجد بديع الزمان المبجَّل هذه الكلمات الأشبهَ باللَّآلئ؟! فإنَّك حين تنظُرُ إليه تشعر أنك لن تستفيد منه شيئًا، وإذا بالحكمة تتحدَّرُ من مَنطِقِه، فيُبهرُ الأنظار ويَنثُر النُّور، (حاشية): أجل، إن أخي مصطفى استطاع أن يميز بدقة شخصيَّتين من بين الشخصيات الثلاث التي يتمتَّع بها سعيد؛ الأولى: أستاذه الذي يشاهده في مقام رفيع حينما يلقي الدروس، والأخرى: شخصية صاحبه المسكين، ذاك الرجل البسيط كما هو في حقيقة أمره.. وما يُشاهده هو الصواب. (سعيد) لدرجة أنّا كنا نقرأ الرسائل مرّات ومرّات.
أستاذي المحترم، لقد بِتنا على يقين أن رسائل النور ومكتوباتِها إكسيرٌ عظيم لقُرّائها، فهي تداوي الجِراحَ المادية والمعنوية لإخواني الشبابِ المئة، حتى إنَّ بعض من لا صلة لهم بنا كانوا يحضرون إلينا حين تُرهقُهم الوساوس والهواجس والأوهام، فيقرأ لهم طالبكم العاجز واحدة من هذه الرسائل، فتزولُ هُمومُهم وينصرفون
— 174 —
مطمئنِّين.. أسأل الله الخلَّاق العظيم والفيّاض المطلق أن يرضى عنكم بعدد الموجودات والجمادات والذَّرّات، وأن يجعلكم يوم الحشر مظهرَ شفاعة الرسول الأكرم والنبي المحترم (ص).. آمين.
ولا يفتأ هؤلاء الشباب يدعون لكم في كل وقت، ويحضرُ منهم مجالسَ قراءة الرسائل ما لا يقلُّ عن ثمانية أو عشرة؛ وإنَّ اجتماعَ هذا العدد من الشباب في مكان واحد في مثل هذا الزمان، وإصغاءَهم إلى الكلام الحقِّ، أمرٌ في غاية الأهمِّية، ويتطلَّب الحمدَ والشكر الجزيلَ.
إنني لم أتلقَّ التعليم العربيَّ، ولم أختلف إلى المدارس التقليدية قطُّ، وكنتُ أقرأ الكتب التركية المؤلفة قديمًا، لكن ما كنت أجد فيها ما يُداوي جراحي المادية والمعنوية، فكنتُ أعاني اضطرابًا شديدًا في قلبي وروحي، وبلغ بي الأمرُ درجةَ التفكير بالانتحار في كلِّ لحظة، وكنت شديدَ القلق والتفكير، وأتساءل في نفسي: "ما سبيلُ الخلاص من هذه الحالة التي أعانيها؟ أين المرشدُ الكامل الذي ينتشلني مما أنا فيه؟"
ومثلما يخلق الحق سبحانه المِنَحَ من رَحِمِ المِحَن، ويَقدُر القَدْر اللائقَ بكل زمان، ويهيِّئ لكل جرح الدواء الذي ينفعه، كذلك كان الأمر في هذا الزمن حيث لا مدارسَ تقليدية، إذ سخَّر لأجلنا نحن المكلومين أُستاذَنا الموقَّر ليقوم بتأليفِ هذه الرسائل باللغة التركية.. أليس هذا أمرًا يستحقُّ الشكر؟! فلِلَّه الحمد والشكرُ بما لا يحصيه عدٌّ ولا حدٌّ، وأسأله أن يوفق أستاذي الفاضل في خدمة القرآن، وأن يسعده في الدارين.. آمين.
ومع عدمِ تعلُّمي العربيّة ودراستي في المدارس التقليدية، إلا أني بقراءتي للرسائل وكتابتي لها بدقة وتمعُّن، أشعر كأنني درستُ عشرين عامًا، ذلك أنَّ الكثيرَ من أساتذة اللغة العربية كانوا يحضرون الدروس ويتعجَّبون لما يقرؤُه هذا العاجز الفقير المسكين، كما كان يُؤسَرُ عددٌ ممَّن تربوا على أيدي مرشدين كُمَّل بی"الكلمات" التي أقرؤها، ناهيك عن كثير من الأساتذة الذين يحضرون عندي بكلِّ أدب واحترام ليستمعوا ما أقرؤُه من الرسائل.
— 175 —
فلو أنَّ صوتي يبلغ المدى لَصَرختُ بكلِّ ما أملك من قوّة، مخاطبًا الشباب على وجه الكرة الأرضية: إن قراءة الرسائل ومدارستها وكتابتها تفوقُ عشرين سنةً من الدراسة والتعلُّم في المدارس التقليدية وتتعدّاها نفعًا؛ أليس الهدفُ من التعلُّم في تلك المدارس إنقاذَ النفس أولًا ثمَّ العملَ على إنقاذ الأمة المحمدية؟ فها هي مكتوبات النور التي كلُّ رسالة منها تؤدِّي بحدِّ ذاتها دورَ مُرشدٍ كامل، فما من شابٍّ لم يفسُد قلبُه أقبل على إحدى الرسائل وقرأها بتمعُّن وتسليم إلا دخل في دائرة الطاعة وأصلح نفسه على الفور؛ وما من أحدٍ من الماديِّين قرَأَها بحثًا عن مطعنٍ فيها إلا باء سعيُه بالعجز یی إن هو لم يؤمن یی وما طالعها مُلحِدٌ بفهم ودراية تامّةٍ إلا آمَن، وما تصفَّحها فيلسوفٌ إلا قال: "لا يمكن أن نجد ذكاءً يفوق هذا ولو اجتمعت كل العقول؛ فهي ليست من صناعة العقول!"، بل إن رسائل النور تخاطب بلسان حالها الدجال مسيح العين المفتونَ بأوروبّا: "آمِن، وإلا فستكون سخرية على لسان الجميع".
إخواني في الدرس، في الوقت الذي كنت أبحث عن قطب ومرشد واحد، إذا بالحق سبحانه يمُنُّ عليَّ بلطفه وكرمه بمئة وتسعةَ عشَرَ مرشدًا كاملًا مُكمَّلًا؛ هي مكتوبات النور بأعدادها المئة والتسعةَ عشر التي كلُّ مكتوبٍ منها بحد ذاته مرشدٌ كامل.
يا إخواني الشباب المُثقَلين بالجراحِ المادية والمعنوية، ويا إخواني أتباعَ الطريقة المحتاجين إلى المرشد الكامل.. إن مكتوبات النور تضمُّ عموم درجات الكمال وسائر مراتب الإيمان التي لدى السادة: الشيخ عبد القادر الگيلاني، والشاه نقشبند، والإمام الرباني، والإمام الغزالي، ومحيي الدين بن عربي، ومولانا خالد رضي الله عنهم وقدس أسرارهم.
(حاشية): يرغب أخي الكبير مصطفى (رحمه الله) أن يعرِّف تلاميذ الرسائل وتلاميذ الولاية وبالعلاقة القائمة بينهما؛ ولقد حلَّت رسائل النور هذه المسألة، وأبرزت التوحيد العامي والتوحيد الحقيقي، وبيَّنت الفرق بين السير بعينٍ مغمضة وعينٍ مبصرة، وجلَّت عالم اليقظة وعالم المنام، وميَّزت عالم المثال عن عالم الشهادة، وأظهرت بشكل تامٍّ الولايةَ الكبرى والولاية الوسطى والولاية الصغرى والفوارق بينها، وشرحت أسباب العبور من الظاهر إلى الحقيقة في مجلس واحد وخطوة واحدة، مثلما حدث مع الصحابة، وبيَّنت سبل مشايخ أهل الطريقة والأئمة الأربعة، وأظهرت الفرق في الإيمان الحاصل بعلم اليقين وعين اليقين وحقِّ اليقين، واتَّبعت مشرب أبي بكر الصديق وعمر وعثمان رضي الله عنهم، وبيَّنت أنها ولدٌ معنوي للإمام علي رضي الله عنه، وأظهرت قيمة رسائل النور ووظيفتها من خلال تفسير قصيدته البديعية، وأوَّلت الأحاديث المتشابهة الواردة عن الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام بحق المهدي وعيسى عليه السلام والدجَّال ويأجوج ومأجوج وسدّ ذي القرنين وبيَّنت مقاصدهم الأساسية، وبيَّنت من خلال اللمعات الثامنة والثامنة عشرة والثامنة والعشرين والشعاع الثامن أن كرامات الأولياء حقٌّ، وأن الإمام عليًّا رضي الله عنه والشاه الگيلاني رضي الله عنه قد شاهدا العرشَ الأعظم وهم على الأرض، وأثبتت من خلال عالم الحادثات بشرى جميع المجتهدين المتمثِّل في: "سيأتي أحد المتكلِّمين ويبيِّن الحقائق الإيمانية وجميع المسائل بصورة واضحة وصريحة"، كما أن جميع المبعوثين والأولياء في كل عصر قالوا في كشفياتهم: "سيأتي أحدهم؛ سيَظهرُ نورٌ من الشرق"، وشاهدوا الشخص المعنوي لرسائل النور والشخص المعنوي لأستاذنا والشخص المعنوي للطلاب، كما شاهدوا أهمية رسائل النور وقيمتها وفضلها على جميع الأمة المحمدية، وأن جميع الأمة بأمر نبويٍّ يستعيذون من عذاب القبر وشرِّ الدجال والفتنة القادمة في آخر الزمان، وأن التخريبات التي سيُخلِّفها هؤلاء ستتولَّى رسائلُ النور تعميرَها وترميمها من جديد، وقد حقَّقت رسائل النور هذه الإخبارات والبشارات والإشارات والرموز الواردة من الأولياء من خلال الحوادث التي وقعت في "أسكي شهر" و"دنزلي" و"أفْيون" و"إسطنبول".
الحاصل: إن الشخص المنتظر منذ عصور هو رسائل النور، حتى الأستاذ نفسه كان في أحد الأزمنة منتظرًا لمجيء مثل هذ الشخص. والحال أنَّه ليس في طوقِ أخي الكبير مصطفى ولا في وُسعي أن نعرِّف بقيمة رسائل النور ونبيِّن دورَها، هيهات! وبما أنَّ رسائل النور تفسير خاص بالقرآن فهي مرتبطة به، والقرآن موصول بالعرش الأعظم، لذا لا يمكن لأحد أن يمدح رسائل النور ويثنيَ عليها سوى القرآن، وقد أشارت الرسائل إلى هذا الأمر في الشعاع الأول منها عبر ثلاث وثلاثين آية.
إن هدفي من كتابتي هذه هو طلب المدد من رسائل النور، والشفاعة من القرآن، وطلب الدعاء من أستاذي لأخي الكبير مصطفى. طالبكم علي الصغير
— 176 —
يا إخواني ويا أيها الخلفاء، إن أردتم أن تعرفوا منتهى الطريقة والحقيقة، فعليكم بقراءة رسائل النور بتمعُّن، وحينها تكونون قد سِرتم خلفَ الشخصيات المذكورة آنفًا، واقتربتم من إيمانهم السامي.
— 177 —
ويا إخواني من أهل الطريقة، لي عندكم رجاءٌ خاصٌّ أن تقرؤوا رسائل النور ومكتوباتِها ولو مرّة واحدة، ثم أنا راضٍ بما شئتم من القولِ إن لم تجدوا في كل سطر من سطورها تأثيرَ كتاب كامل.
أعود وأكرِّر: اقرؤوا، اقرؤوا.. فالرسائل تَنثُر نورها الفياض وتبثُّ الشَّوق لمطالعتها كلما قُرئت دون سَأَم، فهي تلقِّن القارئَ في كل قراءة مُختلِفَ أحوالِ الإيمان، وليست كسائر الكتب التي تُورِث قراءتُها مرّةً أو مرتين المَلَل والسآمة.
سأعود مرة أخرى للرُّؤيا التي تحدَّثتُ عنها أعلاه، وسأعبِّرها بما يبلغه فهمي، جعلها الله خيرًا: أمّا المعملان الكبير والصغير: فالكبير هو أستاذي الموقَّر، والآلات الغريبة البديعة التي بداخله هي أجزاء رسائل النور التي لُقِّنت بكلمات وإيمانيات ما نطق بها أحد من الأئمة حتى اليوم؛ أما المعملُ الصغير فيُشبهُ أن يكون كلَّ من قرأ الرسائل وكتَبَها، وأمّا الآلات البديعة التي بداخله فهي دساتير رسائل النور وحقائقُها ومسائلها الإيمانية التي من قرأها وكتَبَها فسيحظى بإيمانٍ قويٍّ لا يتزعزع، أمّا نشاط المعمل فهو سعي قرَّاء الرسائل وكُتّابِها الحثيثُ، وأما الولايةُ التي رأيتها فهي رسائل النور التي تُظهِر طريقَ الولاية الكبرى.
وحتى أُعزِّز صوابَ هذه الرؤيا سأتحدَّث عن رؤيا أخرى تؤكِّدها: سافرتُ في المنام إلى إسطنبول سيرًا على الأقدام مرتين، وعندما وصلتُها وجدتُ أن جميع حوانيتها مفتوحة إلّا أنَّ أصحابها ليسوا فيها، وفي داخلها صناديقُ تحتوي على مساميرَ كبيرة الحجم وقطعٍ حديدية أخرى، وعَقِبَ ذلك هَطَل مطرُ الرحمة، فعدتُ من إسطنبول سيرًا على الأقدام.
وتعبير هذه الرُّؤيا یی والعلم عند الله یی: كما أن إسطنبول مدينة عالميّةٌ كبيرةٌ وجميلة، كذلك رسائل النور ومكتوباتُها تظهر طرق الولاية الكبرى، وكل رسالة منها مَعرِضٌ نوراني أشبه بحانوت قدسي عُرِضَت فيه براهينُ الحقائق القوية قوّةَ مسامير الحديد والألماسِ إضافةً إلى الأنوار الإيمانية؛ فكانت بحقٍّ مَظهَرَ طرقِ الولاية الكبرى، مثلما أنَّ ٢ ٭ ٢ : ٤).
— 178 —
وأمّا الثكنة العسكرية الموجَّهة نحو القبلة في الرُّؤيا السابقة، فهي إشارة إلى المدرسة الكبيرة الواسعة في ولاية "إسبارطة"، والتي يقيم فيها الشباب الذين هم بمثابة جنود الله المعنويِّين، والفرنُ الذي يصنعُ الخبز هو مدرسة أستاذي الخاصة، والرجل الذي يوزِّع الخبزَ هو أستاذي المحترم سعيدٌ النُّورْسِيُّ الذي يُطعمُ الناسَ خبزًا معنويًّا، وأمّا الخبز والزبيب اللذيذ الذي لا ينقص بالأكل منه فإشارة إلى أسرار إعجاز القرآن وأنوار الإيمان التي تَنشُرُها رسائل النور، وأمّا الزبائن فهم الذين قرؤوا الرسائل وذاقوا حلاوتَها من أمثالي وأصحابي القائلين: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ، ووقوفُهم على أقدامهم إشارة إلى أنهم سيقرؤون الرسائل الإيمانية وسَيَقوَى إيمانهم؛ وأما وقوفُ تلميذكم العاجز على رأس الشباب وعن يمينهم فإشارة إلى أني سأكون یی بتوفيق الله وإحسانه وبهمة أستاذي الموقَّر یی واسطةً لأولئك الشباب.. هذا مقدارُ ما بلغه عقلي وأمكنني تعبيرُه، راجيًا منكم التوجيهَ والتصحيحَ.
وخلال عشرين يومًا رأيتُ رؤيا أخرى: كنت على ضفة بحيرة "أغيردِر"، وقد نُصِبت على أطراف هذه البحيرة خيمة كبيرة بيضاء اللون، وكان أستاذي سعيد النُّورْسِيّ يجلس إلى جانب عمود كبير داخل هذه الخيمة؛ ثم تناولَ بيده كتابًا كبيرًا مغلفًا بغلاف أحمر، وبدأ يقرؤه مستنِدًا إلى عمود الخيمة، بعدها دخل شاب من الجهة القبلية يُدعَى "محمود" يرتدي ثوبًا أخضر، وطلب من أستاذي الكتاب الذي كان يقرؤه، فأخذه وخرج من الخيمة، ثم وقف مستقبلًا القبلة وخاطب الناس قائلًا: "لم يقرأ إمامٌ خُطبةً كهذه حتى اليوم"، ثمَّ اتجه نحو القبلة مُمسِكًا بهذه الخُطبة؛ واستيقظت من النوم.. جعله الله خيرًا.
سأعبِّر هذه الرؤيا أيضًا بقدر معرفتي: إن تلك البحيرة هي الشريعة المحمدية، أما الخيمة فهي ولاية "إسبارطة"، وأما الخطاب فهو رسائل النور ومكتوباتُه، أما الشاب الذي يرتدي اللباس الأخضر ويحمل اسم "محمود" فهو إمّا الشيخ الگيلاني، أو الإمام الرباني، إذ مُهِمّةُ الرسائل الدَّلالةُ على سبيل الحق وطريق المقام المحمود،
— 179 —
والخطبة هي رسائل أستاذي النوريّة التي تحمل الهداية والتجديد في هذا الزمان، فعوضًا عن انتظار مهديِّ آخرِ الزمان سنين طويلة، ها هي رسائل النور بين أيديكم معشرَ الشباب والشيوخ والخُلَفاء في هذا العالم.
يا إخواني، لا شكَّ أنَّیكم قرأتُم الكثيرَ من الكتب، فهل استوعبتم جميع مافيها؟ لا بدَّ أن هنالك أمورًا لم تفهموها جيِّدًا، فلَكُم أن تسألوا الأستاذ عنها لِتُزالَ جميعُ الإشكالات، وتظهرَ هذه العلوم والحقائقُ الإيمانية إلى العلَن، فتُفيدَ ثلاثَ مئة وخمسين مليون مسلم في شتى بقاع الأرض، ويستفيدَ بذلك أيضًا فقراءُ وعاجزون أمثالُنا؛ وإلّا فما الفائدة التي تُجنَى من قراءة وفهمِ طالب عاجز مثلي؟! وما الذي يمكنُني سُؤالُه لأستاذي؟! وكم كتابًا قرأتُ حتى أكون مؤهَّلًا لمناقشته وسؤاله؟!
أجل يا معشرَ الشيوخ وأربابَ القلوب، يمكنكم أن تجدوا جواب أسئلتكم وتوضيح تساؤلاتكم في رسائل النور، يتساءل واحدٌ من أهلِ الكشف وأرباب القلوب عن المهديِّ قائلًا: "متى سيأتي؟"؛ ولو أنه بحث في الرسائل عن هذه المسألة لَفَهِم حقيقة المهديِّ ولَعَلِم المرادَ بدابّة الأرض؛ فابحثوا عن أسئلتكم ومشكلاتكم في تلك الرسائل وستجدون إجابتها.
فلا تُخادعوا أنفسكم یی معشرَ الشيوخِ والخلفاء یی بالظنِّ أن ما لديكم من علمٍ يكفيكم، ولا تغترُّوا بشوقكم وعلمكم كاليراع المغتَرِّ بضيائه، فلا يمكن لأحدٍ أن يستقلَّ بما لديه من معرفة، ولا أن يقتصر على فهمِه في إدراكِ كلِّ مسألة.. فاستقيظوا وانهضوا، وكفاكم رقودًا وغفلةً!
يُقرِؤُكم السلامَ والدي ووالدتي وأخي عليّ وجميعُ أصحابي، ويقبِّلون أيديكم ويدعون لكم.
طالبكم
مصطفى خلوصي صوفي أوغلو (رحمه الله)
من "قُولَه أونو"
٭٭٭
— 180 —
(فقرةٌ للحافظ الطيِّب المُخلِص والأستاذ المُدقِّق ذي القلب النقي الحافظ "خالد" صاحب الخدمات الكثيرة السابقة في نسخ رسائل النور):
أُفصِحُ عن شعورٍ واحدٍ من آلاف المشاعر التي أُكِنُّها تجاه مؤلِّف رسائل النور، بديع الزمان ونادرة العصر وخادم القرآن، سعيد النُّورْسِيّ، فأقول:
إنَّ أستاذي مَظْهَرٌ للاسم الجليل: "النُّور"، فهذا الاسمُ الشَّريف هو الاسم الأعظم في حقِّه؛ فاسم قريته: "نُورْس"، واسم أمه: "نُوْريَّة"، واسم أستاذه القادري: "نور الدين"، واسم أستاذه النقشبندي: "سيِّد نور محمَّد"، ومن أساتذته في تعلُّم القرآن: "الحافظ نوري"؛ وإمامه الخاصُّ في الخدمة القرآنيَّة "ذو النُّورين رضي الله عنه"، كما أن آية النور التي نوَّرَت فكره وقلبه، والتَّمثيلاتِ النُّوريَّةَ الرفيعةَ التي غدَت وسيلةً لبيان المسائل المعضِلة، وتسمية مجموع رسائله بی"رسائل النور".. كلُّ هذا يؤيد أنَّ اسم "النور" هو الاسم الأعظم في حقِّه.
إنَّ مؤلَّفاته البديعة المسمَّاةَ "رسائلَ النور" مع قِسمها المؤلَّف بالعربية قد بلَغَت أجزاؤها حتى الآن مئةً وتسعة عشر جزءًا، كلُّ رسالةٍ منها فريدةٌ في موضوعها.
وإنَّ رسالة "الحشر" التي اشتَهَرت باسم "الكلمة العاشرة" رسالةٌ رائعةٌ جامعةٌ فضلًا عن سموِّها ورفعتها، ومع أن دلائل العلماء على الحشر والنشر دلائلُ نقليةٌ محضة، إلا أن هذه الرسالة قد أثبتتِ الحشرَ والنَّشرَ بدلائل عقليَّةٍ في غاية القوَّة والقطعيَّة، وأنقَذَت إيمانَ الكثيرين.
وإنني بسرِّ آية: هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا أستطيع القول: إنَّ رسائل النُّور قَمرُ معرفةٍ يستمدُّ أنواره من شمس الحقيقة: "القرآن المعجِز البيان"، حتى باتَتْ مصداقَ القضيَّة الفلكيَّة المشهورة القائلة: "نورُ القمر مُستفادٌ من الشمس".
كما يمكنُني القولُ أيضًا: إنَّ أستاذي من حيثُ صِلتُه بالقرآن قد صار بمثابة قمرٍ له، يستمدُّ النورَ من شمسِ سماء الرسالة، أعني الرسول الأكرم (ص)، وقد تبدَّى هذا القمرُ في شكل "رسائل النور".
— 181 —
ويتجلَّى في أستاذي من الخصال الحميدة ما يَندُر أن يُوجَد في الآخرين، فإذا نظرتَ إلى ظاهر حاله حسِبْتَه لا يعرف حتى أحكام العبادات، لكن ربما تغير الأمر فجأةً فوجدتَه بحرًا من العلم؛ يقول ما يُفتَحُ له على قدر استفادته من الرسول الأكرم (ص)، وحين لا تَرِد تلك الاستفادة منه (ص)، يُعلِن فناءَه عن نفسه، فيَظهر كأنه المُحاق قائلًا: "لا نور لي ولا قيمة"، وهذه الخصلة منه تواضعٌ تامٌّ وعملٌ تامٌّ بحديث: "مَنْ تَواضَعَ رَفَعَه الله".
ومن آثار هذه الخَصْلة فيه أنه إذا وُجِدَت من طلَبتِه یی من أمثالنا یی مخالفةٌ له في بعض المسائل العلميَّة، دقَّق فيما قالوا، فإن وجَدَه حقًّا قَبِله وسلَّم به بكلِّ تواضعٍ وسُرور قائلًا: "ما شاء الله! لقد عرفتم أفضلَ مني، فجزاكم الله خيرًا"؛ فيُرجِّح الحقَّ والحقيقة دائمًا على غرور النَّفس وأنانيَّتها؛ بل لقد كنتُ أُخالفُه في بعض المسائل فيُسَرُّ بذلك ويُثني عليَّ، فإن كنتُ مُخطِئًا نبَّهَني بأسلوبٍ حسنٍ دون إحراج، وإن أحسَنتُ سُرَّ كثيرًا.
وأستاذي بارعٌ جدًّا في علم الحكمة الحقيقية على نحوٍ خاصٍّ، أي: في ميدان حكمة الشريعة والدِّين، بل هو متفوِّقٌ حتى في الحكمة البشريَّة؛ حتى إنني لَأستطيع القولَ: إنَّه قد فاق أفلاطون وابن سينا في ذلك العلم؛ ولَمّا كان عضوًا في "دار الحكمة" قبل ثلاث عشرة سنة، تناول كتاب "فتوح الغيب" للقُطب الربَّاني والقنديل النوراني "عبد القادر الگيلاني رضي الله عنه"، الذي كان یی بإذنٍ إلٰهيٍّ یی مَظهَر عونٍ ونصرةٍ وحمايةٍ له منذ صغره، ففتح الكتابَ على سبيل الفأل، فظهَرَت له عبارة: "أنت في دار الحكمة، فاطلب طبيبًا يداوي قلبك"، فكانت عبارةً بالغةَ الأثر في نفسه، وكانت السَّببَ في تحوُّلِه من "سعيدٍ القديم" إلى "سعيدٍ الجديد رضي الله عنه".
وكان "سعيدٌ القديم" قد أجاب على الأسئلة الدينية التي وجَّهَها الإنكليزُ جوابًا وجيزًا مُسكِتًا، وله في علم المنطق رسالةٌ بديعةٌ تسمى: "التعليقات" تفُوقُ ما ألَّفه ابن
— 182 —
سينا في هذا الباب؛ وقد أوصل الأشكالَ المنطقيّةَ في القياس الاستقرائي إلى عشَرةِ آلاف شكلٍ، مُظهِرًا درجةَ إحاطةٍ لم يَبلُغها غيرُه من العلماء.
وقد وجَدتُ في مؤلَّفٍ له بعنوان "السُّنوحات" أنَّه رأى نفسه يتلقَّى دروسًا من الرسول الأكرم (ص) في مدرسةٍ في عالَم المعنى، فألَّف تفسيرَه البديع المسمَّى "إشارات الإعجاز" بناءً على ذلك الدرس المعنوي؛ وقد قال لي يومًا: "لولا أن الحرب العالمية بأحداثها ونتائجها منَعَتني، لكتبتُ إشارات الإعجاز في ستين مجلَّدًا بإذن الله وتوفيقِه"، لكنَّ رسائل النور ستَحُلُّ محلَّ هذا التفسير إن شاء الله.
إنَّ لديَّ الكثير من المشاهدات المُهِمّة على مدى سبعِ أو ثماني سنواتٍ من صحبتي لأستاذي، لكنني بناءً على القاعدة القائلة: "القطرةُ تدلّ على البحر"، أجدُ أنَّ هذه الفقرة كافيةٌ للدَّلالة على البحر؛ فلقد كتبتُها على عجَلٍ إذْ حان وقتُ مفارقتي له، وأنا على يقينٍ أنَّه سيشملني بدعائه بسرِّ آية: وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ إذْ وجدني مرَّات عديدة حَقيقًا بصحبته.
الحافظ خالد (رحمه الله)
٭٭٭
(فقرة خلوصي بك):
أستاذي العزيز المحترم المُشفِق المكرَّم..
تلقَّيتُ أربعة أقسام من فهرس أجزاء رسائل النور المرسلة مؤخَّرًا؛ وكنتُ قد تلقَّيتُ من قبلُ اللَّمعتَينِ الثالثة عشرة والرابعة عشرة من المكتوب الحادي والثلاثين، إلا أني لم أُوفَّق لكتابة مشاعري حولها.
لقد أنارت الفهارس جهاتي الأربع، وأرشدتني إلى السُّبل الموصِلة إلى الحقِّ والحقيقة والصدق والإيمان والنور والرِّضا الإلٰهيِّ، وهي أشبه بالمذاهب الأربعة المُعتبَرة التي اختلفت في بعض المسائل والأحكام لحِكَم بالغةٍ ساميةٍ، غير أنَّ مُعتقَدَها واحد.
— 183 —
أنهكني كثيرًا الانشغالُ بالأعمال الدنيوية لدرجة لم تَسبِق لي في حياتي؛ وأضجَرني جدًّا البقاءُ وحيدًا تحت أعباء مادية ومعنوية كثيرة لدائرة كبيرة وواسعة، لكن الذي أنجاني یی بحمد الله یی من السقوط في الفتور واليأس، هو المدد النبوي النابع من بركات الصلوات الشريفة التي أواظب عليها بفضل الله ولُطفه؛ وقوّةُ الأوراد التي أوصى بها أستاذي العزيز في اللَّمعة الأولى من المكتوب الحادي والثلاثين، وفيوضاتُ رسائل النور، والدعاء المستجاب لأستاذي الشَّفوق، والهِمّةُ الظاهرة لأستاذ أستاذي حضرةِ الغوث الذي أجد لديه أَبسَطَ احتياجاتي بحمد الله.. وذلك كلُّه بفضل الحقِّ سبحانه وحسنِ عنايته وجميلِ إنعامه، ولم يبقَ لي إلا أن أقف أمام ديوانكم المعنوي وبِيَدي بضعةُ أَسطُرٍ مكتوبة.
حقيقةً، تَعجِز جميع ألفاظ المدح والثناء عن إيفاء ما يبذُله إخواني الأعزاء أصحابُ الأقلام الألماسية من هِمّةٍ وسعيٍ جادٍّ في جمع مؤلَّفات النور وتكثيرِها ونشرِها، ناهيك عن الدعم والعون الذي يقدِّمُه أستاذي الحبيب في إنجاحِ هذه الوظيفة السّامية.. أسألُ الله أن يرضى عنهم جميعًا، ويكتب لهم دوامَ النجاح، ويُوفِّقَهم في نشر الأنوار القرآنية.
في اللمعة الثالثة عشرة والرابعة عشرة من المكتوب الحادي والثلاثين من الدروسِ الجليلة والحقائق العظيمة والحِكَمِ الوَضّاءة والفيوضِ الإلٰهية النورانية، ما يعجِزُ عن التعبير عنه أخوكم المسكينُ بتفكيرِه القاصر، وعَقلِه الخافِت، وذِهنِه المُشوَّشِ المضطرب.
أنَّى لهذا العقل الصغير أن يبلغ تلكم المعالي!!
وأنَّى لهذا الميزان الصغير أن يَزِنَ هذه الأعباءَ الثِّقال!!
ومن أشدِّ ما يَلفِتُ الأنظار ما انطوت عليه اللمعة الثالثة عشرة بإشاراتها الثلاثَ عشرة من حسن بيانٍ، وما أظهرته من التوافق التام اللطيف بين مجموع أعداد الآيات في سورة الفلق وسورة الناس والآيتين: وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ ٭ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ، أو في أعداد "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" المتلوّة في
— 184 —
بداية هاتين السورتين وبين السورة رقم مئة وثلاثَ عشرة إن لم تُعدَّ سورة الفاتحة في بدايتها؛ ثم جاء البيان الناصع في ختامِ كل إشارة ليُفصحَ عن الحقائق والمعاني السامية التي تتضمَّنُها.. وسوف أعبر عن انطباعي بشكل موجز من خلال الكلمات الواردة في هذه الإشارات:
الإشارة الأولى: لا سبيل للنجاة من شرور الشيطان وشركائه وأعوانه من أهل الضلالة إلا بالعمل بالشريعة المحمدية والتمسك بالسُّنّة الأحمدية على صاحبها أزكى الصلاة والسلام.
الإشارة الثانية: لا سبيل للخلاص من وساوس الشيطان وتسلُّط أعوانه إلا بالاستغفار وبالاستعاذة والتحصُّن بالحفظ الإلٰهيّ واتِّباعِ السُّنة السَّنيّة، ولا أهمية لكثرة الخائضين في الكفر من أهل الضلالة.
الإشارة الثالثة: لا طاقة لنا للصمود في وجه حزبِ الشيطان وعظيم التخريبات التي يُسبِّبونها بما يرتكبون من المخالفات والجناياتِ، إلا بالاعتصام بأقوى القلاع وأمنع الحصون: حصنِ القرآن.
الإشارة الرابعة: تتضمَّن نوعَ تفسيرٍ للآية: مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ، وأنه لا سبيل لنا إلا الاستغفار والالتجاء إلى الله ورعاية السُّنة السَّنيّة، في مواجهة التخريبات العظيمة والشرور الهائلة التي يتسبَّب بها الشيطان باستغلال الجزء الاختياري والكسب غير المُوْجِد.
الإشارة الخامسة: أن الترغيب والتحفيز الوارد في القرآن هو في محلِّه؛ وأنَّ على أهل الإيمان عدمَ الانجرار وراء دسائس الشيطان، وأن هذه الدسائس لا تنجم من عدم الإيمان أو ضعفه؛ وأن مرتكبي الكبائر لا يدخلون في الكفر، وأن هذا الأمر ثابت بدلالة الآيتين: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ٭ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ، وفي النهاية تدعو إلى جعل اسمي الحقِّ سبحانه: "الغفور والرحيم" ملجأً وحصنًا منيعًا، والاستعاذة بالله من الشيطان.
— 185 —
الإشارة السادسة: للتخلص من الأوهام الشيطانية التي تُوهمُ أنَّ مجرَّدَ تخيُّلِ الكفر تلبُّسٌ بالكفر، وأن تَصَوُّرَ الضَّلالة تصديقٌ للضَّلالة، يجب التمسُّك بالحقائق الإيمانية والمُحاكمات القرآنية، وجعلُ السُّنة السَّنية بَلسَمًا لهذه الجِراحِ المعنوية.
الإشارة السابعة: وجوبُ الإيمان بالقدر الذي هو أحد أركان الإيمانِ دون تأوُّل، وأن مرتكبي الكبائر لم يخرجوا من دائرة الإيمان، وأنَّ ثمّةَ آلافَ التجلِّيات للأسماء الإلٰهيّة في مواجهة تخريبات الشيطان، وأنه لا سبيل للنجاة إلا بالتزام مذهب أهل الحقِّ من أهل السُّنة والجماعة، وبالتحصُّن بقلعة القرآن المتينة الرصينة، والعمل وفقَ الهدي النبويِّ والسُّنة السَّنيّة.
الإشارة الثامنة: بعد أن تُبيِّن بأسلوب رفيع جميل كيف يَسلُك الناسُ باختيارهم طريقَ الكفر والضلالة، تتحدَّث عمّا يحقِّقُه الإيمانُ الكامل والاعتقاد التامُّ من محاسنَ ومزايا، ومن الرِّضا النفسيّ تحت حماية القرآن وفي دائرة السُّنّة السَّنيّة.
الإشارة التاسعة: تُبيِّن سببَ هزيمة حزب الله في كثيرٍ من الأوقات أمام حزب الشيطان وأهل الضلالة؛ وحكمة عناد منافقي أهل المدينة في ضلالهم وعدم إيمانهم، وسببَ عدم تحقُّق النصر للرسول الأكرم (ص) في الغزوتين؛ وأن الآلام المؤقَّتة ستزول في حال اتِّباع سُنّة سيِّد المرسلين (ص).
الإشارة العاشرة: تتحدَّث عن أهمِّ دسيسة من دسائس إبليس، وهي أنه يجعل من يتبعُه يُنكرُه بشكل تامّ، وتوضح هذا الأمر بأربعة أمثلة؛ وأن أهل الإيمان في مأمَنٍ من شرور شياطين الجنِّ والإنس ما داموا معتصمين بالله تعالى.
الإشارة الحادية عشرة: تدعو هذا الإنسان المسكين صغيرَ الجِرمِ والجِسمِ، كبيرَ الجُرمِ والظُّلمِ، عظيمَ العيبِ والذَّنبِ، إلى الدخول في الدائرة القدسية للقرآن الحكيم، واتِّباع السُّنّة السَّنيّة، حتى يُنجِيَ نفسه من غضب الكائنات وكراهية المخلوقات وغيظ الموجودات.
— 186 —
الإشارة الثانية عشرة: تُجيبُ على أربعة أسئلة فضولية على النحو التالي: إن مقابلة الذنوب المحدودة بالعقاب في جهنَّم محضُ عدالة، وإن الجزاء بجهنَّم من جنس العمل، والجنة فضلٌ إلٰهيّ محضٌ، وأنَّ السيِّئات تُسجَّلُ قليلةً والحسنات تُكتبُ بأعدادٍ مضاعفة، وأن توفيق أهلِ الضلالة ليس نابعًا من كونهم على حقٍّ أو ناجمًا من ضعف أهلِ الحق.. فتُعطي أجوبة بليغة وفصيحة وقطعيّة على هذه الأسئلة، وتحفِّز أهل الإيمان على العمل وفقَ دستور: «رأس الحكمة مخافة الله» ، وإلى سلوكِ الجادة الواسعة للقرآن والسُّنة السَّنية الجامعة لشتَّى أنواع السَّعادة.
الإشارة الثالثة عشرة: تُسدي للإنسان المسكين المُصابِ بدسائس الشيطان نصائح قيمة جدًّا من خلال نقاطها الثلاثة، إذ تخاطبُه قائلةً: "كي تبلغ السَّلامةَ في حياتك الدينية والشخصية والاجتماعية، وتنال حظًّا من صِحّة التفكير واستقامة النظر وسلامة القلب، زِنْ جميعَ أعمالك وخواطرك بموازين محاكماتِ القرآن والسُّنّة السَّنية، اجعل القرآن والسُّنة مُرشِدَك الدّائم، حصِّن نفسَك باللجوءِ إلى الحقِّ سبحانه قائلًا: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم"، وتُنهي هذا الدَّرسَ الرفيع المُشوِّق بتكرار سورة الناس والآيتين المُفسَّرتين في ثلاث عشرة إشارةً حتى تكون الخاتمةُ مسكًا.
إن المسألتين اللتين تشكِّلان المقامَ الأوَّل للَّمعة الرابعة عشرة مُهِمّتانِ للغاية بالنسبة إليَّ، فرضي الله عن أخينا رأفت بك الذي كان سببًا لتقريره وتأليفه؛ وأمّا المقام الثاني من اللَّمعة نفسها فمؤلَّفٌ فريد مبارك إذ يتحدَّث عن الأسرار السِّتة المتعلِّقة بی بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ خزينةِ الأسرار الرَّبّانية العظيمة، ولا يمكن لمن لم تنله عناية الرحمٰن الرحيم أن يقرأه قراءةَ تذوُّق واستفادة.
تحدَّثتُ في المكتوب السابق بشكل غير اختياريٍّ عن بعض الأفكار الجميلة التي خطرت على قلبي حول بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وهي التي تشكِّل موضوع الكلمة الأولى المباركة، وقد حظيتُ مجدَّدًا بالاستفادة من دروسكم ودعواتكم وشفقتكم یی أستاذي المُكرَّم یی وذلك بإجابتكم على سؤالي السابق حول تخصيص
— 187 —
الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ في بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ بجوابٍ آخرَ رفيعٍ بليغٍ؛ ولأنني كنتُ مظهرًا لهذه الأمور فمهما حمدتُ خالقي الرحيم فلستُ أوفي حقَّه.
لم أقرأ بعدُ الفِهرسَ بشكل دقيق، لكنني سأعاودُ قراءتَه إن شاء الله، وقد طالعتُ موضوعات المكتوب الحاديَ عشر.. أسأل الله اللطيف القدير وأتضرَّع إليه أن يوفِّقكم في إتمام ما لم يُؤلَّف ونَشرِه، أو ما أَذِن الحقُّ سبحانه بنشره؛ لقد جسَّدت الكلمة الثلاثون أمامي حادثةَ تهديدها لسكرتير المحكمة بصورة حية.
إن باقة الورد "الفهارس" ليست كسائر الفهارس المُدرَجة تحت مسمى "الفِهرِس" في المؤلفات الأخرى، فلها خصوصية مميَّزة تمامًا، حتى يُمكِنُنا القولُ: إنها خلاصةُ خلاصةِ الكلمات والمكتوبات، وزبدةُ مؤلَّفات النور، ومفاتيحُ ألماسيةٌ لخزائن النور، وبابُ مكتوبات النورِ ورسائلِها.. فأسأل الله ذا الجمال والكمال أن يكتُب السَّعادة في الدارين لمؤلِّفها، ولمن كانوا سببًا في تأليفها.. آمين.
خلوصي
٭٭٭
(فقرة خسرو حول الفهرس):
أستاذي العزيز.. بتأليفكم اللمعة الخامسة عشرة للمكتوب الحادي والثلاثين أضفتم مؤلَّفًا فريدًا آخر إلى تصانيفكم الفريدة التي مضى على بدء ظهورها عدةُ سنوات، فتلك الأسفار النفيسة كانت تَنشُد سفرًا نفيسًا كهذا، وتلك البدائع المذهلة كانت تطلب خلاصةً بديعة كهذه، وتلك المؤلفات العجيبة كانت ترجو مجموعةً رائعة كهذه، وتلك الحقائق العظيمة كانت تبغي كلِّياتِ حقائق عظيمة كهذه، والرسائل المنوَّرة تلك كانت تستدعي فهرسًا منوَّرًا كهذا.
فحمدًا لله الفياض المطلق أن جاد علينا من خزائن رحمته بسفرٍ نفيسٍ لم يوفَّق لمثله مؤلِّف من قبل، فجمع فهرسًا فريدًا لكلِّيَّات النور البالغِ عددُها مئةً وعشرين،
— 188 —
في صحائفَ معدودةٍ تُقارب مئةً وعشرين.. وضمَّت هذه الرسالة القيِّمة من المنافع والفوائد الكثيرة ما لا يبلُغُه وصفٌ ولا يعبِّر عنه مدحٌ، إنها تمدحُ نفسها بنفسها وبما يليق بها، وبأوصاف لا يفوقُها وصفٌ.
خسرو
٭٭٭
(فقرة الحافظ أحمد أفندي من "دَرَة" يتحدث فيها عن رؤيا ذات مغزى):
سيدي وأستاذي العزيز الشفوق..
حَلُمتُ في الرؤيا أني أتجوَّل في صحراء، فدخلتُ في جمع غفيرٍ من النصارى وأنا مستمرٌّ في وِردي اليومي مُردِّدًا كلمة التوحيد جهرًا، وإذا بهم يشاركونني في ترديدها، وكنتُ على رأس كل مئة كلمة أقول: "محمد رسول الله"، وأجدُ النصارى يقولون: "عيسى روح الله"، فقلتُ لهم: إننا نؤمن بعيسى عليه السلام. ونطقتُ أمامهم كلمة التوحيد وقلتُ بعدها: عيسى روح الله. فانظروا كيف نؤمن بنبيِّكم، فماذا يحصل لو آمنتُم بنبيِّنا؟ فقالوا لي: لا، لن نؤمن بنبيِّكم حتى يَنزلَ عيسى عليه السلام من السماء ويُصدِّقَه بشكل صريح".
وعلى إثر هذا حضر صديقان لم أكن أعرفهما، فقلت لهما: "فلندعُ الله أن يُنزل عيسى عليه السلام ليعلم هؤلاء أنَّه يصدِّقنا"، فجعلتُ أدعُو ويؤمِّنُ الصديقان على دعائي؛ إلا أنَّ عيسى عليه السلام لم يَنزِل، فحَزِنَّا حزنًا شديدًا ودَعَونا مرّةً أخرى: "يا ربّ، أليس هذا الدِّين دينًا ساميًا؟ لا تدعنا مُحرَجين أمام هؤلاء".
وبعد حوالي ساعة أو ساعة ونصف ظهر ثلاثة أشخاص، فقلت: الحمد لله ها قد أتى عيسى عليه السلام. فرأيتُ رجلًا ذا لحية خالَطَه الشُّيب، والآخران معه شابَّان أمردان! فقلتُ في نفسي: "كان عُمرُ عيسى عليه السلام حينما رُفِع إلى السماء ثلاثًا وثلاثين سنةً، فلِمَ هذا البياضُ في لحيته؟! ليس هذا عيسى والله أعلم"، فلمّا اقترب الرجلُ وصاحباه منَّا دقَّقتُ النظرَ فيهم، فإذا هو وجهُ أستاذنا ولباسه.
— 189 —
وحين وصلوا خاطب الشّابين اللَّذَين معه مشيرًا إلى مغارةٍ أسفلَ منّا: "يوجد هنا صُلبانٌ كثيرة مُقفَلة، أَخرِجاها كلَّها"، فأخرجاها، فحطَّمَها جميعًا أمام النصارى مردِّدًا الشهادتينِ، فالتفتنا إلى النصارى وقلنا لهم: "انظروا، ها هو وكيل عيسى عليه السلام"، حين ذلك آمن الجميع.
ومن أوجُهِ تعبير هذه الرؤيا یی والله أعلم یی: أن قسمًا من النصارى سوف يدخلون الإسلام بواسطة رسائل النور التي يستقيها أستاذي من القرآن الحكيم وينشرها، وسيتلقَّون كلماته بقبولٍ حسنٍ، وسيصبحون بحكم النصارى المسلمين.
أجل، إن في رسائل النور قوة عظيمة وأيُّ قوة! إذ أجبرت أعتى فلاسفة أوروبا على الخضوع والاستسلام، فكيف بهؤلاء الموحِّدين من النصارى، الباحثين عن نور الإيمان الحقِّ الذي هو حاجة كلِّ روح؟! لا بدَّ أنهم سيتقبَّلونَ رسائل النور ويتمسَّكون بها إن هم أبصروها كما لو كانت وصيَّة عيسى عليه السلام.
الحافظ أحمد موتاف من "دَرَة"
٭٭٭
(فقرة عاصم بك):
إن هذا "الفِهرِس" منبعُ نور ومجمع حقيقة، وهو فهرس حقيقي للأنوار، فلو جعلنا كلَّ كلمة من الكلمات الثلاثة والثلاثين وكل مكتوب من المكتوبات الثلاثة والثلاثين منبعَ نورٍ لحقيقة جيّاشة وجنة ورود وأزهار، لَعدَدْنا هذا السفر النفيس بأقسامه الأربعة أشبهَ بأربع باقاتِ وُرُودٍ متنوِّعة، اقتُطِفت من تلك البساتين المُتعدِّدة؛ وإن قراءة هذه الفهارس تستنهض الهِممَ لمُطالعةِ الكلمات والمكتوبات الشريفة وكتابتها.
وقد وقفتُ حائرًا: أيُّ رسالة من بين الرسائل التي لا أقتنيها أكتبُ أوَّلًا؟ فكلُّ واحدة منها تُسابقُ الأخرى أنوارًا وحقائقَ، لكني سأحرص على كتابتها جميعًا بعون الله وببركة دعاء أستاذي.
— 190 —
وأحبُّ أن أوضِّح نقطةً أيضًا: إن تأليف "الفهرس" بناءً على إلهام أستاذي وإلحاح أخي صبري أفندي أمرٌ صائب وخيِّر، إذ أصبح مفتاحًا لحقائقَ غير محدودة.
أسأل الله أن يُدِيمَ صِحّة أستاذنا الحبيب وعافيته، وأن يُطِيلَ عُمُرَه ويبارك فيه، وأن يكتب له النجاح في جميع أموره حتى نرفعه على رؤوسنا كتاجِ انتصارٍ لسنوات طويلة، ونسعى في خدمة القرآن ببذلٍ وجِدٍّ، ونقطع أشواطًا فيها، كي يَعُمَّ نفعُه جميعَ المؤمنين، ويُحطِّمَ شوكةَ أهل البدعة والإلحاد.
طالبكم عاصم (رحمه الله)
٭٭٭
(فقرة علي الصغير أخي "مصطفى المبارك صاري بِچاق" من "قُولَه أونو"):
(فقرة شاب محتاج إلى طبيب معنوي لعلاج جِراح هذا العصر)
أستاذي العزيز الشفوق المحترم..
بما أنَّ عصرنا الذي نعيشه عصرُ نفيرٍ عام ونذيرُ حربٍ معنويّة، فإنني أجدُ جراحًا نازفةً في جسدي تزيد يومًا بعد يوم.. حتى إنني سمعت يومًا مَن يُنادي: "انتقلوا من اليمين إلى الشمال"، وحينما أعلنوا إلغاء بعض الأحرف الاثنين والثلاثين، أصابني جرحٌ آخرُ أنساني آلام الجراح الماضية!
وها هو الزمان يُعيد نفسه من جديد، فمثلما دفَعَتِ الفتنةُ بضعةَ شباب لم يحتملوا فسادًا كهذا الذي في عصرنا إلى اللُّجوء إلى الكهف فرارًا بدينهم كما أخبر بذلك القرآن: إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آَتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا، ذلك أن مَلِكهم "داقيانوس" دعا مَن كانوا على دين الحق مِن أهل الإيمان إلى عبادة الأصنام؛ وجعل مَن استجاب منهم لدعوته قربانًا للأصنام، أمّا مَن رفضوا فقام بقتلهم جميعًا.. كذلك لجأ أسيادُنا من أصحاب الكهف إلى المغارة نتيجةَ الفساد الذي لا يُحتمل.
— 191 —
وحين أستغرق في التفكير بما نعانيه في عصرنا هذا من آلام وجراح، تظلُّ روحي مضطربة طوال النهار ويتساءل قلبي حزينًا باكيًا: "أمام اضطرابات هذا الزمن، تُرى كيف سيكون موقفُ أمثالنا من الشباب الذين يعانون جِراحًا معنوية يومَ يُعرضون أمام ديوان الواجب الوجود في المحكمة الكبرى؟! وهل لهم أن يطلبوا شفاعة المصطفى محمد عليه الصلاة والسلام؟!".
لكن قلتُ في نفسي: بما أن المصطفى (ص) كان يأتيه الآلاف من المُبتلَيْن والمُصابين بالجراح المادية والمعنوية، والكثيرُ من البكم والعاجزين وفاسدي القلوب وعديمي الإيمان، وبمجرَّد جلوسهم ساعة أو حضورهم مجلسًا نبويًّا رجعوا إلى أقوامهم مُرشِدين مُعلِّمين.. وبما أن القرآن الذي تركه فينا باقٍ حتى يوم القيامة.. وبما أن الأطباء المعنويِّين الذين عرَّفهم هذا القرآن يؤدُّون وظيفةَ الطبابة المادِّية والمعنوية تجاهَ المؤمنين حتى قيام الساعة.. إذًا فلْأُراجِع الطبيبَ المعنويَّ الموجود في ولايتنا..
وبينما كانت رُوحي تبحث وتتحرَّى عن هذا الطبيب غشيني النُّعاسُ ونِمتُ، فرأيتُ في منامي ثلاثة أشخاص، اثنان منهم لم يُفصَح عن اسمَيهِما، أما الثالث فهو أستاذي بديع الزمان، إذ أُفصِح عن اسمه حرفيًّا، فانكببتُ على يديه أقبِّلُهما، فما كان منه إلا أن أخرج من جيبه قلمًا وورقةً وأعطاني إياهما، واستيقظت فورًا.
حدَّثتُ والديَّ برؤياي هذه یی وهما من أرباب القلوب یی فقال لي والدي: "هذا الرجل الذي تَذكُرُه قدم إلى "بارلا" منذ حوالي سنة أو سنتين، اذهب لزيارته"، فقلتُ: "ما زلتُ شابًّا صغيرًا لم أُؤدِّ الخدمة الوطنية بعدُ، فكيف أذهب بجراحاتي المعنوية الغائرة إلى طبيبٍ معنويٍّ مثلِه؟! وهل يمكن أن أَحتمِل علاجَه؟!"، وبينما أنا على هذه الحال إذ تلقَّيت في الرؤيا الأمر الثاني، وقيل لي: "اذهب إليه".
وفي صباح اليوم التالي انطلقتُ للقائه، فلمّا رأيتُ أستاذي بقيتُ أرتَعِدُ عدّة دقائق، ثمَّ قلتُ: سبحان الله! حينما شاهدتُ هذا الطبيب شعرتُ أنَّ جراحاتي تَصرُخ بكل قُواها: لن نستطيع تَحمُّلَ الأدوية التي سيَصِفُها! فلم أستطع أن أُفصِح عن آلامي وأوجاعي.
— 192 —
لكنَّ أستاذي قَبِل أن أكون في عداد طُلّابه، أوصاني بشدة أن أُحافِظ على الصلوات الخمس؛ وبعد زيارتي هذه ببضعة أشهر طُلِبتُ لأداء الخدمة العسكرية، فقضيتُ عشرين شهرًا أُعاني من هذه الجراح والآلام حتى أنهيتُ الخِدمة، وكنتُ أفكِّر في كل وقتٍ بأنَّ: "الموت حق"، وأتساءلُ في نفسي: "كيف ستكونُ حالي يا تُرى؟!"، ولَمّا عُدتُ إلى مدينتي وقابلتُ أخي الكبيرَ مصطفى شعرتُ ببعض الانشراح في صدري، فاستغربتُ الأمرَ؛ وبعد بضعة أيام وفي أوَّل ليالي شهر رمضان المبارك، رأيتُ في المنام یی وهو الأمر الثالث یی أُستاذنا سعيدًا النُّورْسِيَّ يحملُ عصًا في يده، وقد أصبح راعيًا في ضواحي مدينتي، وأعلن عن نفسه أنه "دلَّالُ القرآن"، وجعل ينادي بأعلى صوته مُعلِنًا هذا الأمرَ جِهارًا نهارًا، فاستيقظتُ على الفور من شدّةِ لَهفَتي.
فيا إخواني ويا أهل الإيمان، إنَّه نداءٌ عامٌّ من أستاذنا العزيز في كل حين لجميع المسلمين البالغ عددُهم ثلاثةً وخمسين مليونًا، فلتُصغوا لندائه بقلوبكم لا بآذانكم فحسبُ، كي نَعِيَ كلامَه كلَّما تحدَّث.
إننا أمام معرِض فَتَح أبوابه لعرض الجواهر والألماس التي هي منحةُ هذا العصر خاصّةً، تلك هي كُلِّيّاتُ رسائل النور، فلنَلتقِط من هذه الجواهر قبل انتهاء المعرض، ولنَقطِف من تلكم الزهرات قبل انقضاء الربيع، فلو بذلنا كل ما لدينا لما أوفينا ثمنَ واحدةٍ من جواهره.
وقد شرعتُ بالغصن الرابع والخامس من الكلمة الرابعة والعشرين كتابةً وقراءةً، وعقدتُ العزمَ على كتابة جميع الكلمات والمكتوبات، فلقد شعرت أن جراحي بدأت تتماثل للشفاء تدريجيًّا، وها أنا أنادي جميع إخواني المكلومين وجميع المسلمين: "أوَّاه! أنَّى لكم أن تشعروا بالراحة في هذا العصر وأنتم تحملون هذه الجراح؟! فلنتمسَّك جيدًا برسائل النور ومكتوبات النور المترشِّحة من القرآن، فهي الطبيب والدواء المعنويُّ لهذا العصر".
طالبكم العاجز: علي عُلوي
٭٭٭
— 193 —
(فقرة محمد بن إيبش من "قُولَه أونو"):
سيدي وأستاذي المحترم.. مضت خمسة أعوام على بدء أخي مصطفى بكتابة الرسائل، وقد أضعنا سنتين منها بكلِّ أسفٍ، ومنذ ثلاثة أعوام ونحن نتدارسُ الرسائلَ مع سائر أصحابنا في غير أوقات العمل ونَنهلُ من معينِها.
أمّا أرباب الطُّرُق في قريتنا فكانوا لا يكترثون لِما يقرؤه أخي مصطفى ولا يُلقون له بالًا، فكنت أقول لهم: "هذه الكلمات التي نقرؤها تُوافقُ الطريقةَ والحقيقة معًا، وهي علاجٌ لجراحِ هذا الزمان".
وكنتُ كلَّما أصابني اليأسُ أزور أخي وأطلب منه أن يقرأ لي شيئًا من رسائل النور، وأُصغي لِما فيها من حقائق، فتبرأ جراحي بما تمنحُه هذه الرسائل من فيوضات، وأمضي بعدها في سبيلي..
وكلَّما طُرحت مسألةٌ للنِّقاش والبحث وجدنا في رسائل النور ما هو أكثرُ فائدةً، فكنتُ أخاطب كثيًرا ممَّن لا يَقدُرُون "الكلمات" قَدرَها قائلًا: إن الجواب الشافي والدواء النافع لهذه المسائل مُدرَجٌ في الرسائل، كما أُعلِنُ للعالم بأسره وبأعلى صوتي: إنَّ هاهنا دواءَ الأمراض المُشاهَدة في الخارج، فلنستَفِد من هذه الرسائل، ولا نُعرِض عنها كالبُلَهاء.. وإنا نحمد الله كثيرًا أن منَّ علينا بمعرفتكم أستاذي المحترم.
وبتوفيق الحقِّ سبحانه وإحسانه ولُطفه، وبهمة أستاذي المحترم، توحَّدنا نحن وأهل الطريقة، وأدركوا أن "الكلمات" حقٌّ، وبِتْنا نقرأ "الكلمات" معًا وننهل من فوائدها الكثيرَ، بل صاروا أكثرَ حرصًا على قراءتها وسماعها.
شجَّعني أخي مصطفى يومًا على كتابة الرسائل، فنسختُ المكتوب العشرين، لكني لاحظت في هذا المكتوب ثلاثة توافقات: ففي أعلى السطر كلمتا: "لا نهائية"، وتحتها ثلاث كلمات: "الدنيا"، فأحزنني هذا الأمر وقلت في نفسي: إن هذه الدنيا لن تتركني وشأني! فتركت الكتابة على نية المعاودة لاحقًا، فإذا بي أرى في المنام أستاذي
— 194 —
الموقَّر يأتي راكبًا على فرس أسود، ويأمرني قائلًا: "أوثقه بلجام متين"، فربطتُه بلجام متينٍ مصنوع من سلاسل الحديد بحيث لا يُمكِنُه الحراك؛ فأوَّلتُ الفرسَ الدُّنيا، وأنَّه تمَّ لَجمُها ببركة دُعائِكم؛ وسأعاود كتابة الرسائل إن شاء الله.
وأمام منزلي تقعُ مضافة المختار، فكنت كلَّما خرجتُ من المنزل خبَّأتُ الرسائل عن الأنظار، فرأيت أستاذي في المنامِ يسكنُ قصرًا عظيمًا في داخل البحر، وأهالي قريتي على أطراف ذلك القصر، فركبتُ فرسًا كُمَيتًا وأتيتُ إليكم، فسألني الناس: كيف عبَرتَ البحر؟ فأجبتُهم: لقد كان فرسي جديدَ النَّعل، لذا لم ألقَ عَناءً في الوصول، لا سيَّما والبحرُ متجمِّدٌ ومغطًّى بجليد رقيق. وفي تلك الأثناء ظهرتم أمامي وقلتم لي: "لِمَ تخبِّئُ الكلمات؟! سيكون للكلمات بعد اليوم حضور وانتشارٌ في الميادين"، ثمَّ طلبتم مني الفرسَ، فأتيت به يخطو خُطًى مترسِّلة جميلة؛ وحينها استيقظت.. جعلها الله خيرًا.
طالبكم العاجز: الحاج محمد
٭٭٭
(فقرة الحافظ مصطفى، صديقُ صاحبِ القلم الألماسي: مصطفى من "قُولَه أونو"):
أستاذي العزيز، لقد كان لكم فضلٌ كبير في إنقاذ حياتي الأخروية، وذلك بإرشادي إلى الطريق المُوصلة إلى الفيّاضِ المُطلَق الواحد الأحد سبحانه.
قبل حوالي أربعة أشهر قُمنا أنا وصاحبي مصطفى بزيارتكم لنحظى ببعض الجواهر الألماسية من مخزن اللؤلؤ، ونتلقَّى قسطًا من مخصَّصاتنا الأُخرويّة؛ لكنَّنا عُدنا أدراجَنا بعد أن تلقَّينا منكم تنبيهًا رفيقًا بقولكم: "لماذا أتيتم؟!"، ونتيجة هذا التنبيه تعرَّضنا في طريق العودة لعاصفة شفوقة ومأجورة، إضافةً إلى امتعاضٍ ناشئٍ عن انزعاجكم من الزيارة؛ لكن لمّا قرأنا كلامكم حول الزيارة في رسالة صفعات الشفقة، أدركنا مدى شفقة أستاذنا، فانقلب حزني إلى مسرّات، وهدأت روحي
— 195 —
الضعيفة العاجزة التي كانت تُعاني وتتألم من جراء هذا الموقف.. الحمد لله، هذا من فضل ربي.
وقد غمَرَتنا الفرحة والسَّعادة حين علمنا بهجرة أستاذي إلى "إسبارطة" القريبة منّا، ليلةَ الثانِيَ عشَر من شهر ربيعٍ الأوَّل یی وهي ليلة مباركة یی فأنسانا الخبَرُ جميع أحزانِنا وهمومِنا، وتعافَت جميعُ جراحنا وآلامنا؛ وستكون هجرتكم هذه سببًا لفتوحات عظيمة إن شاء الله.
وإن ولادة فخر العالمين (ص) یی وهو الذي كان سببَ خلقِ الدنيا والآخرة وتنويرهما بجميع أفرادهما، بدءًا من الذرة وصولًا إلى الشمس، وأنار سبيلَ الآخرة بشريعته الفياضة المنيرة كالشمس، والمستمرّة حتى يوم القيامة یی وتشريفَه لهذه الدنيا ليلةَ الثانيَ عشَر من شهر ربيعٍ الأوَّل المبارك؛ وانتقالَ أستاذنا في تلك الليلة المباركة وهجرته إلى "إسبارطة"، كلُّ ذلك ولَّد لديَّ دافعًا، وفتح الطريقَ أمامي مجدَّدًا لدخول سوق الألماس، واقتناءِ ما يلزم من الجواهر والعقيق.
كما أنه أثناء هجرة نبينا (ص) من مكّةَ إلى المدينة، نزل عليه الأمين جبريل وبشَّره بفتح مكة، فسُرَّ بذلك نبيُّنا والصحابة الكرام؛ وإن هذا التوافق بين الهجرتين يُبشِّرُنا بأنها ستكون سببًا لفتوحات تَسُرُّنا وتَسُرُّ جميع المسلمين.
الحافظ مصطفى إمام أوغلو (رحمه الله)
٭٭٭
(فقرة الحافظ مصطفى إمام أوغلو):
(رسالة وردت على الخاطر بأن الكلمات والمكتوبات تؤدِّي دورَ مرشد كامل)
سيدي وأستاذي.. قبل عام واحد یی وتحديدًا في مرحلة نَسخِ الكلمات والمكتوبات یی كنتُ أجد في بعض نكاتِها العلاجَ النافعَ لبعض أمراضي القلبية، فكنتُ
— 196 —
أقول: "هذه النكتة يجب أن تُكتَب بماء الذهب!"؛ وقد تمَّ تأليفُ اللَّمَعات بحمد الله وعظيم فضله، فكانت بما تنطوي عليه من فيوضات مفتاحًا لجميع الكلمات والمكتوبات، وسأضرب لذلك مثالًا:
إن مسافرًا يمضي في صحراءَ شاسعةٍ، سالكًا طريقًا مُوحِلةً في أشدِّ أيام الشتاء قساوةً وخطورةً، وأكثرِها هبوبًا للعواصف والأعاصير، وفي زمن تكون فيه الحيوانات المفترسة أشدَّ فتكًا وافتراسًا، وهو يمشي وحيدًا بين كلِّ هذه المخاطر، معرِّضًا نفسَه للعواصف والافتراس، يخطو حينًا ويتعثَّر حينًا آخر؛ وبينما كان هذا المسافر في حَيرة كيف يُنقذ نفسه من هذه الأخطار؟ إذا به يلمح في تلك الصحراء الواسعة قصرًا مشيَّدًا بموادَّ أقوى من الحديد وأصلبَ من الفولاذ، فما مبلغُ سعادته وسروره؟! لا شكَّ أنه سيعدو مسرعًا نحو ذلك القصر لينجوَ بنفسه، بل سيودُّ لو أمكنه أن يطير عاليًا ليَصِلَ إليه، ولن يتردَّد في التضحية بجميع ماله بل حتى برُوحه في سبيل من كانوا وسيلةً لدخوله في هذا القصر.
كذلك حال الكلمات والمكتوبات في هذا العصر؛ ففي كل كلمة منها ملجأٌ أمينٌ وملاذٌ حصين يحصِّن المرءُ به نفسَه من مخاطر وحوش الإنس والجانِّ.. وأحمدُ الله أنني وجدتُ مفتاح ذلك القصر من خلال اللَّمَعات وفيوضاتها، واحتَمَيتُ داخلَه لأنجُوَ بروحي الضعيفة من تلك المخاطر، ورأيتُ الكلماتِ أشبهَ بالجنة المؤلَّفة من ثمانية طوابق متناسقة، لا يشبه طابقٌ الآخرَ ولا يمنعُه من الضِّياء، وفي كلٍّ من اللطافة والمتعة ما يُجدِّد لذّةَ نعيمِ الطابق الآخر.
الحافظ مصطفى إمام أوغلو (رحمه الله)
٭٭٭
— 197 —

(فقرةٌ للحافظ "توفيق الشامي" صاحب الخدمات السابقة الكثيرة في تسويد رسائل النور وتبييضها، وتدور حول استنباطاته التي تثبت حقِّ5nl رسائل النور):

باسمه سبحانه
قبل ثلاثة عشر عامًا أخذتُ من أستاذي حسن أفندي في "بورصا" رسالة تضمُّ مجموعة نصائح قدسية مترجمة، ومقتبسة من مكتوبات قطب العارفين ضياء الدين مولانا خالد قدِّس سرُّه، المدرجة في كتاب "زبدة الرسائل عمدة الوسائل"، ولكن ما يسَّر الله لي مطالَعتَها.
وفي هذه الأيام كنتُ أبحث بين كتبي، فوقَعَت يدي عليها، فقلت في نفسي: "إن مولانا خالدًا من بلد أستاذنا، كما أنه من عظماء الطريقة النقشبندية بعد الإمام الرباني، وهو في الوقت نفسه إمام الطريقة الخالدية النقشبندية"، وأثناءَ مطالعتي لهذه الرسالة لفتت انتباهي من سيرة حياة مولانا خالد هذه الفِقرات:
أخرج أصحاب الكتب السِّتة في كتبهم والإمام الحاكم في "مستدركه" وأبو داود في "سننه" والبيهقي في "شعب الإيمان": «إنَّ الله يَبعَثُ لِهذِهِ الأمَّةِ عَلَى رأسِ كُلِّ مِئةِ سَنَةٍ مَن يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا» ، أي: أن الحقَّ سبحانه يبعثُ كلَّ مئةِ عام مجدِّدًا للدين؛ وإن مولانا الشهير قطب العارفين وغوث الواصلين والوارث المحمدي وكامل الطريقة العليَّة والمجدِّدية "خالد ذو الجناحين" قدِّس سرُّه مظهرٌ تامٌّ ومصداقٌ لهذا الحديث الشريف.
بعد ذلك اطَّلعتُ على ترجمته، فوجدت أن ولادته كان سنة (١١٩٣)، وأن نسَبَه يعود إلى سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه، وأنه في سنة (١٢٢٤) رحل إلى "جيهان آباد" عاصمة السلطنة الهندية، وتلقَّى الفيوضات المعنوية من عبد الله الدهلوي، وانضمَّ لأتباع الطريقة النقشبندية، وشرع بمُهِمّة التجديد.
وفي سنة (١٢٣٨) توجَّهَت الأنظارُ إليه، مما أثار حفيظة أهل السياسة، فاضطرَّ لمغادرة وطنه والهجرة إلى بلاد الشام.
— 198 —
كما وجدت في ترجمته أنه كان يملك استعدادًا فطريًّا وقابليةً عظيمةً، حتى إنه قبل أن يبلغ العشرين من عمره أصبح علَّامةَ عصره وأعلمَ علماءِ زمانه، وتصدَّر لتدريس العلوم في قصبة "سليمانية".
بعد أن طالعتُ كلَّ هذا فكَّرتُ في سيرة أستاذي، ووجدتُ أنها تتوافق مع ترجمته في أربعة نقاط هي كالتالي:
الأولى: أن ولادة مولانا خالد سنة (١١٩٣)، وولادة أستاذي سنة (١٢٩٣)، أي: بعد انقضاء مئة عام تمامًا على ولادة مولانا خالد.
الثانية: أن ابتداء شروع مولانا خالد في جهاده لتجديد الدين في عاصمة الهند كان في سنة (١٢٢٤)؛ أما أستاذي فابتدأ جهاده المعنوي بعد مئة سنة تمامًا، أي: سنة (١٣٢٤) في عاصمة السلطنة العثمانية.
الثالثة: لقد أوجس أهل السياسة خيفةً من شُهرة مولانا خالد، فأَمَروا بنقل مكان إقامته إلى بلاد الشام، وذلك سنة (١٢٣٨)؛ أما أستاذي فبعد مئة سنةٍ تمامًا (١٣٣٨) سافر إلى أنقرة، ولم يحصل اتِّفاقٌ بينه وبين السياسيِّين فيها، فاستاء منهم جميعًا وتركهم عائدًا إلى "وان"، وانزوى في أحد جبالها، فوقعت بعد هذه السَّنة مباشرةً "حادثةُ الشيخ سعيد"، فتوجَّس أهلُ السِّياسة منه خيفةً، فنفَوْه إلى "بُوردُور"، وإلى ولاية "إسبارطة"، وأقام فيهما تسعة أعوام.
رابعها: أنَّ مولانا خالدًا قبل أن يبلغ العشرين من عمره أصبح علَّامة زمانِه، وفاق فُحُولَ علماء عصره، وتصدَّر للتدريس؛ وكذلك حال أستاذي، فإن من نظر في ترجمته يجدُ أنه قد أُجيز وهو في الرابعة عشرة من عمره، وناظر علماء عصره، وتصدَّر لتدريس الطلاب الذين بلغوا مرحلة نيل الإجازة.
كما أن مولانا خالدًا يرجعُ نسبُه إلى سيدنا عثمان رضي الله عنه، وقد جاهد بكلِّ قوَّته لإحياء السُّنة السَّنية، وكذلك حال أستاذي، فمن منطلق خدمته للقرآن الكريم سار خلف سيِّدنا عثمان ذي النورين رضي الله عنه، وبذل كمولانا خالد كلَّ ما يملك من طاقة في سبيل إحياء السُّنة السَّنية من خلال أجزاء رسائل النور.
— 199 —
إن التوافق الملحوظ في هذه النقاط الأربع بفاصل مئة عام تمامًا، يُبيِّن مدى تأثير رسائل النور فيما يخصُّ تمكين الدِّين وشرف خدمته، شأنُها بذلك شأن الخدمة التي أسداها مولانا خالد من خلال الطريقة النقشبندية. (حاشية): ما دام مولانا خالد مجدِّدًا ومصداقًا للحديث الشريف الوارد في المُقدِّمة باتفاق الملايين من أتباعه، وما دام التوافق قد ظهر في أربعة جوانب بعد مئة عام تمامًا، وما دامت رسائل النور تؤدِّي نفسَ الخدمة.. يعني أن أجزاء رسائل النور تقوم بوظيفة تجديد الدين وتقويته حسب نص الحديث.
إن أستاذي لا يقبل المدح والثناء الموجَّه لشخصه، وإنَّ ارتباطَ رسائل النور إنَّما هو بالقرآن، لذا فإن جميع أنواع المدح والثناء ترجع إلى أسرار القرآن؛ وانطلاقًا من هذا المبدأ أودُّ أن أتحدث عن بعض الفوارق التي تميِّز أستاذي عن مولانا خالد:
الأول: أن مولانا خالدًا هو (ذو الجناحين)، أي: صاحب طريقتين: القادرية، والنقشبندية، إلا أن المشربَ النقشبنديَّ راجحٌ عنده على القادريّ؛ أما أستاذي فعلى العكس منه، إذ يسري فيه المَشرَبُ القادريُّ والمسلك الشاذليُّ بتأثيرٍ أكبر.
سمعتُ من أستاذي أن مولانا خالدًا حينما جاء بالطريقة النقشبندية من الهند، كانت دائرةُ بغداد تحت حكم الشاه الگيلاني بعد مماته مثلَما كانت في حال حياته، لذا لم يلقَ الحكمُ المعنوي لمولانا خالد بادئَ الأمرِ قبولًا حسنًا، غير أنَّ أرواح الشّاه النقشبند والإمامِ الربّاني حضرت إلى بغداد لزيارة الشاه الگيلاني وطلبت منه التالي: "إن مولانا خالدًا ابنُك، فاقبَلْه"، فقبل الشاهُ الگيلاني طلبهما ورضي بمولانا خالد؛ وبعد ذلك سطع نجم مولانا خالد فجأة؛ وهذه الحادثة الروحية مشهودة لدى أهل الكشف، وقد شاهدها بعض أهل الولاية في ذلك العصر، كما شاهدها بعضهم في الرؤيا. انتهى كلام أستاذي.
الفارق الثاني: أن أستاذي يُبعِد نفسه وشخصه كلَّ البعد عن أن يكون مرجعًا، ويضعُ رسائل النور في المقدمة دومًا؛ أما مولانا خالد فقد أصبح بشخصيَّته قطبَ الإرشاد ومرجعَ الخواصّ والعوامّ.
— 200 —
الفارق الثالث: أن مولانا خالدًا ذو الجناحين، إلا أنه بمقتضى عصره من حيث التمسُّك بعلم الطريقة والسُّنة السَّنيّة قد تمسَّك بالطريقة أكثر مِن سواها، وصرف جُلَّ جُهدِه في سبيلها؛ أما أستاذي فقد توجَّه یی بحسب مقتضى هذا الزمان الرهيب یی نحو علوم الحقيقة وحقائق الإيمان، تاركًا الطريقة في الدرجة الثالثة.
الحاصل: بناءً على الوعد الإلٰهيِّ الوارد في الحديث السابق وهو أنه: "سيُبعَثُ على رأسِ كلِّ مئةِ عامٍ مُجدِّدٌ يُجدِّدُ الدِّينَ"، فإن مولانا خالدًا یی وبتصديقِ كثيرٍ من أهل الحقِّ یی هو مُجدِّد القرن الثاني عشر؛ وما دامت أجزاء رسائل النور تقوم بالوظيفة نفسها بعد تمامِ مئة عام، وبتوافُقٍ ظاهر في أربعة جوانبَ، فإنَّ لنا أن نعتبر أن رسائل النور بحكم مجدِّدٍ للدِّين حسَبَ نصِّ الحديث.
يكرِّر أستاذي على الدوام قولَه: "إنني جنديٌّ بسيط، لكنني أقوم بمُهِمّة من يحمل رُتبة المُشِير، ما يعني أن القيمة ليست في شخصي، بل إن رسائل النور المترشِّحةَ من فيض القرآن الحكيم تقوم بهذه المُهِمّةِ المعنويّة".
ولئلا أُغضب أستاذي فإنني أتجنَّب مدحه والثناء على شخصه.
الحافظ توفيق الشامي
٭٭٭
(توافق لطيف يدلُّ على بركة رسائل النور، وقد وقف عليه تلميذا النور: رأفت بك، وخسرو):
توافق عجيب يشيرُ إلى الرحمة التي ساقتها رسائل النور لولاية "إسبارطة":
إن من مفردات العنايات الكليَّة التي أضحت رسائلُ النور مظهرًا لها: أن احتضنت ولايةُ "إسبارطة" مؤلِّفَ رسائل النور مدةَ ثمانية أعوام، وآوَتْه وحفظته یی بلطف الحق وكرمه یی في ناحية جميلة لها هي ناحية "بارلا"، وخلال هذه المدة انتشرت رسائل النور تدريجيًّا، فعزَّزَت إيمانَ الآلاف من سكانها، لا سيما شبابها الذين نهلوا من فيوضاتها وأفادوا من توجيهاتها.
— 201 —
وبعد هذه المدة انتهت حياة الأَسْرِ المَريرة الأليمة التي تُدمي قلوبَ أشد الناس قساوة، تلك الحياة التي قضاها أستاذُنا في ناحية "بارلا" الجميلة الرائعة، فتوجَّه نظرُ أستاذُنا مؤلِّف رسائل النور نحو "إسبارطة"، ووافق ذلك شيئًا من التوجُّس والهواجس في نفوس بعض الظَّلمة من أهل الدنيا، فأحضروا الأستاذ إلى "إسبارطة".
حينما قدم أستاذنا إلى "إسبارطة" كانت حرارة الصيف في أشد أيامها، إذ توقَّف المطر وشحَّت المياه التي تروي "إسبارطة"، وغاضت بعض الينابيع تمامًا، واصفرَّت الأشجار، وجفَّت الأعشاب، وذبُلَت الورود والأزهار.
ولأن ولاية "إسبارطة" أكثر الأماكن التي انتشرت فيها رسائل النور، فإننا نحن تلاميذ رسائل النور شهدنا عن كثب وقائع كثيرة تُسلِّطُ الضَّوءَ على العنايات الربانية الخاصة برسائل النور؛ وها نحن اليوم نشهد على حادثة أخرى: بعد تشريفِ مؤلِّفُها "إسبارطة" مباشرةً، هطل المطر بغزارة في فصل الصيف، وهي حادثة لم تقع سوى مرة أو مرتين خلال قرنٍ كامل، وسقى هذا المطر الغزيرُ جميعَ نواحي "إسبارطة"، ودبَّت الحياة في النباتات مجدَّدًا، واكتسَبَت الحقول والبساتين لطافة وتميُّزًا، وعادت البسمة إلى وجوه سكانها الذين يعمل أكثرهم في الزراعة مستفيدين من هذا المطر الذي عُدَّ من البركات والعنايات التي نالتها رسائل النور، وانشرحت بذلك النفوس والأرواح.
إن من عميم رحمة الحقِّ سبحانه أن بدَّل أيام الصيف الشديدةِ الحرارة إلى أيام ربيع لطيفة جميلة زاهية، فكأنَّه ترحيب بمؤلِّف رسائل النور بأجزائها المئة والتسعة عشر، يَبعَثُ السلوان في قلبه الحزين ويُطيِّبُ خاطرَ رُوحِه المهمومة، وتعويضٌ له یی من جهة أخرى یی عن "بارلا" التي عاش فيها ثمانية أعوام وعن ذكرياتها التي لا تُنسى كأصحابه وشجرة الدُّلبِ وجميع ما له ارتباط به هنالك، وكأنَّ رسائل النور بأجزائها المئة والتسعة عشر رفعت أيديها داعيةً بألسنة مئة وتسعة عشر ألف كلمة من كلماتها، فجاد الحقُّ سبحانه بمطرٍ غزيرٍ مباركٍ لم يهطل مثلُه إلا في سنة ثلاثٍ وتسعين (١٢٩٣) كما يروي لنا أجدادنا، وهو أيضًا يوافقُ العام الذي وُلِد فيه أستاذنا.
— 202 —
إن من الأدلة التي تشيرُ إلى أن حادثة الرحمة العامة بهذا المطر الغزير تتوجَّه بشكل خاص إلى رسائل النور: أن اليوم الذي قَدِم فيه أستاذنا ناشر رسائل النور إلى "إسبارطة"، كان الغبار والتراب ينتشر في الأجواء من شدة الحرارة وشُحِّ الأمطار، فكان قلقًا جدًّا، فقد أتى من مكان أشبهَ بمَصيفٍ هو "بارلا"، ولن يتمكن من تحمُّل العيش في مثل هذا المكان؛ وفي اليوم الثالث أو الرابع حين كان يتجوَّل في أحد بساتينها، وجد أن الورود والخضار والأعشاب قد ذَبُلت من شحِّ المياه، فحزن كثيرًا، ودعا ربَّه يطلب الماء والمطر.
وكان قد سأل صاحبَنا بكر بك وهو يشيرُ إلى الماء الذي يُديرُ الطواحين: "هل مياه إسبارطة بهذا القدر فقط؟"، فرد عليه بكر بك: "لقد انقطعت مياه النبع، فلا يأتينا الماء، ولا يوجد سوى هذا الماء لسُقيا ربع إسبارطة".
ولكثرة طلابه في "إسبارطة" كان أستاذُنا يسأل ربَّه من أعماق قلبه نزول المطر، فهطل في اليوم نفسه مطرٌ غزيرٌ لم يهطل مثله في "إسبارطة" منذ خمسين عامًا، وعاد بنفع كبير بلغ نسبةَ تسعٍ وتسعين بالمئة.
يُفهَم من هذا أن الأمر ليس من قبيلِ المصادفة، بل إن هذا المطر ما هو إلّا مكرمة لرسائل النور التي هي رحمة لإسبارطة؛ ولله الحمد. ونتيجة هذا الكرم الإلٰهيّ يقول أستاذُنا: "لقد أنستني إسبارطة (بارلا)، غير أنَّ الأمرَ الوحيد الذي لا يمكن أن أنساه هو أصحابي وطلابي المخلصون في بارلا، مثلما هو الشَّأنُ في كلِّ مكان".
طالبه طالبه القائم على خدمته القائم على خدمته
مصطفى، لطفي، رُشدي، خسرو
القائم على خدمته بشكل دائم القائم على خدمته بشكل دائم
بكر بك، رأفت
٭٭٭
— 203 —
(فقرة سليمان أفندي ومصطفى چاويش وبكر بك، يعرضون فيها دليلين قويَّين لإثبات الدعوى الواردة في فقرة إخواننا من إسبارطة):
تحدَّث إخواننا رأفت بك وخسرو بأن المطر الذي هطل بصورة مدهشة ما هو إلا بركةٌ ومكرمة لرسائل النور، وقد بتنا نحن أيضًا على قناعة قطعية بذلك، لأننا شاهدنا بأم أعيننا مشهدين يؤكِّدان الأمر، وهما:
المشهد الأول: في الوقت الذي أُغلق فيه مسجد أستاذنا ناشر رسائل النور في "بارلا"، ومُنع الطلابُ القادمون لزيارته من خارج الناحية، وكذا المشتغلون بنسخ الرسائل، بدأ القحط العام، واشتدَّت الحاجة للمطر؛ وبعد ذلك هطل المطر في عموم الأماكن خلا مساحة دائرية تبدأ من "السلطان قره جه أحمد" وتضم ناحية "بارلا".
وقد حزن أستاذنا لهذا الأمر كثيرًا، وكان يُلحُّ في الدعاء كثيرًا طلبًا للمطر، ثم قال بعد ذلك: "لقد وُضِع سدٌّ أمام خدمة القرآن وأغلق مسجدنا في هذه القرية، وفي هذين الأمرين أثرُ عتاب، لذا لا يهطل المطر، وما دُمنا أمامَ عتابٍ قرآني، فإننا سنجعل "سورة يسٓ" شفيعنا، وسنطلب من فيوضات القرآن وبركاته"، فقال للمهاجر الحافظ أحمد أفندي: "اقرأ سورة يسٓ إحدى وأربعين مرةً"، فقرأها الحافظ على قصب ووُضِع في الماء، وقبل أن تظهر عوارضُ المطر خاطب أستاذُنا أحمد أفندي وقت صلاة العصر: "لقد فكَّت سورة يسٓ الطلسم، وسيأتي المطر"، وذلك بناءً على حدسٍ وحسٍّ مسبقٍ يُعوِّل عليه أستاذُنا كثيرًا.
وفي الليلة نفسِها هطل المطر بغزارة في المساحة الدائرية التي لم يُصبها المطر من قبل، ومن شدَّته هدم حائطَ بستان الراعي أحمد الواقع أسفل غرفة أستاذنا؛ وفي تلك الأثناء كان "شمعي" ورفاقه يصطادون السَّمك بعد منطقة "سلطان قره جه أحمد" على أطراف البحيرة، ولم يشاهدوا حتى قطرةَ مطرٍ.
— 204 —
إن هذه الحادثة تدلُّ بشكل قطعي أن ذلك المطر على علاقة بخدمة القرآن، وأن في ثنايا تلك الرحمة العامة مكرمةً خاصة، لذا كانت "سورة يسٓ" مفتاحًا وشفيعًا لهطول المطر بكمية كافية.
المشهد الثاني: في زمن القحط لم يهطل المطر في "بارلا" عشرين أو ثلاثين يومًا، وفي ذلك الوقت تمَّ بناء سبيل "يوقوش باشي"، فذهبنا نحن یی سليمان، مصطفى چاويش، أحمد چاويش، عباس محمد، وغيرنا من الإخوة یی بصحبة أستاذنا إلى منبع ذلك السبيل، وأقمنا هنالك صلاةَ الجماعة، وبعد أداء التسبيحات رفعنا أكُفَّنا للدعاء فدعا أستاذُنا دعاء الاستسقاء، وجعل القرآن شفيعًا بين يدي ربِّه، وفجأة هطل من تحت الشمس في يدِ كلٍّ منّا سبعة أو ثمانية قطرات من المطر! فأنزلنا أيدينا فانقطع المطر، فتعجَّبنا جميعًا من هذا المشهد، فالمطر لم ينزل منذ عشرين أو ثلاثين يومًا، إلا أن هطوله في وقت الدعاء وبمقدار سبعٍ أو ثمان قطرات فقط يشيرُ إلى أن ثمّة سرًّا وراء الأمر! فقال أستاذنا: "إنه إشارة إلٰهيّة، يخاطبُنا بها الحق سبحانه معنًى: لقد أجبتُ دُعاءكم، لكنِّي لا أُنزِلُ المطرَ الآن"، فكان أن شفَعَت لنا "سورة يسٓ" بعد ذلك.
الحاصل: إننا نصادق بهذين الدليلين القويَّين على رأي إخواننا في "إسبارطة" على وجه الخصوص ضمن الرحمة العامة والموجَّهة ببركة رسائل النور.
شمعي، مصطفى چاويش، بكر بك،
الحافظ أحمد المهاجر، سليمان
بارلا
٭٭٭
— 205 —
لقد انتَهَج أهلُ الإيمان اليوم یی وخاصّةً تلاميذَ النُّور الذَّاكرين المُوحِّدين یی منهجًا في غاية الاستقامة، وسلكوا طريقًا في غاية النور واللُّطف، وعلى جانبيه حوانيتُ الألماس واللؤلؤ، وفي مقدِّمتها مئة وعشرون رسالة من رسائل النور المستلهَمةِ من نصِّ القرآن، والمستقاةِ من آيات القرآن الكريم والفرقان الحكيم؛ وقد أثبتت كل رسالة منها أنها مرشد عظيم ودليل كامل وحصنٌ حصين وسيف ألماسيّ.
وما دام الأمر كذلك، فعليك يا لطفي التمسُّك برسائل النور حتى تحظى بمرشد كامل، وعليك بترديد كلمة التوحيد على لسانك حتى تَلِج هذا الحصن الحصين، وعليك أن تكون خادمًا لكتاب الله الفياض المطلق حتى تتلقَّى هذا السيف الألماسي بيمينك، ولتمضِ ضاربًا به دون وَجَلٍ على هامِ الملحدين الذين زَجُّوا برؤوسهم في السُّكْر أو غاصوا في المُستنقَعات؛ بعد ذلك سِرْ قليلًا بنفسك وفقَ الصراط المستقيم، وتجوَّل بحُرِّية في منهاج الشريعة المحمدية الغراء التي بلَّغها مؤلف رسائل النور سعيد النُّورْسِيّ بأدلة قطعية من مثل: فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ، وبطريق التَّسلسُل من نبيِّنا (ص).
في الجمعة الماضية كنت أشعر بضيق في روحي، وكنت أنسخُ لأستاذي سرَّ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، لكن تراكمَ وتفاقمَ الأمراضِ العصبية عطَّلَني للأسف عن متابعة نسخ هذه الرسالة المهمَّة، ثم عاودتُ الكتابة مرة أخرى، فوجدت أنني أَغفَلتُ كتابةَ سطرٍ منها وتجاوزتُه، ولاحظتُ تقطُّر الحبر على المكان الذي كتبتُه سابقًا، ولم يفارقني ذلك الضيقُ النفسيّ؛ فتوضَّأت عدة مرات وضوءًا بعد وضوء، ووقفتُ بين يدي الله تائبًا مستغفرًا مُعتَرِفًا بتقصيري وبجميع ذنوبي، وشرعتُ بالدعاء المبارك والصَّلوات الشريفة؛ فورد على قلبي أن أستمدَّ الهِمَّة من أستاذي، فأقول كما يقول أستاذي، وقلت...
— 206 —
ولازمتني هذه الحالة حتى بلغت بي درجة التفكير بالانتحار، فناديتُ: "الأمانَ ياربِّ، ما الحكمة وراء هذا؟!"، فأجَّلتُ كتابة تلك الرسالة لليوم التالي.
وفي هذه الليلة یی ليلة السبت یی رأيتُ في المنام أن أستاذي موجود في جامع "زرگندرة" في قرية "أتابك"، وأني ذاهب لصلاة الفجر، فصادفتُ في الطريق رئيس المخفر، فسألني: "أين تذهب؟"، قلت: "إلى الجامع"، فتبعني من خلفي ودخل معي الجامع، فرأيتُ أستاذي على سرير، وفي الجامع خمسة أو ستة من عناصر الشرطة سوى من كانوا معنا، وكان الجميعُ يردِّدون: "لا إلٰه إلا الله وحده لا شريك له... إلخ"، فتوجَّه رئيس المخفر إلى الجماعة وقال لهم: "ماذا تفعلون؟"، وبلغ من شدة لؤمه وغروره أن بصق في داخل المسجد، فنهض أستاذي فجأةً وبصق في وجه ذلك المُلحِد، وقام بطرده قائلًا له: "اخرُج من هنا أيُّها القَذِر"!
وفي تلك الأثناء مددتُ يدي إلى جحرٍ في الجهة اليمنى، فإذا فيه حربة سلاح، فقام رجل اسمه حسن وانتزع الحربةَ من يدي وأشار بها نحو ذلك الملحد، وتصرَّف على نحو لا يُناسب مسلكَنا ومشربَنا بل يخالفهما من شتى الجوانب، وقال: "سيدي، أستاذي، أنتظر أوامرك حتى أقضيَ على هذا الملحد"، وقام في الوقت نفسه، وضرب على كتفيه اليمين والشمال، ثم مضى في سبيله.
وبعد أن شاهد جميع الملحدين هذا الموقفَ قالوا: "نحن الذين جلبنا المصيبة بأيدينا، بعد اليوم لن يذهب أحدٌ مِنّا إلى الأستاذ سوى أدهم چاويش، (حاشية): وممّا يثير العجب أن أدهم چاويش المقيم في "كچي بورلو" قد تأثر قبل الجميع بهذه الحادثة في تلك الليلة، فأسرع للنجدة. فاطلبوا منه أن يذهب إليه ليعتذر ويطلبَ منه العفو.. لقد تخلَّينا عن كل شيء".
وفي الصباح حدَّثتُ إخواني زهدي أفندي والحافظ أحمد آغا بهذه الرؤيا، وقد سعدتُ كثيرًا حين علمتُ أن الحافظ أحمد ينوي زيارة أستاذنا في "إسبارطة" ذلك اليوم مُصطحِبًا معه جرَّتَي ماء، فطلبتُ منه أن يُحدِّثكم بهذه الرؤيا لأنني رأيتها في
— 207 —
الليلة ذاتها، إلا أنه لم يفعل، ممّا أحزنني كثيرًا، وأدركتُ حينها سببَ الضِّيق الذي تُعانيه روحي.
(حاشية): توافق غريب ولطيف: تعرَّضتُ ليلة السبت لحادثة أليمة في "إسبارطة"، وفي الوقت نفسه عانى مثلَ هذا الضيق الأخُ الصدِّيق سليمان الذي قام بخدمتي ثمانيَ سنوات ولم يكسر خاطري بشيء، إلا أنه ما كان يعرف سببَه، فجاء إلى "إسبارطة" قبل يوم الأحد وعرف السبب المعنوي لهذا الضيق؛ ويعلم الجميع كم أن سليمان صاحب قلب سليم!
كما أنه في الليلة نفسها شاهد لطفي الصغير الرؤيا المذكورة في هذه الفقرة، وهو الذي يمتاز من بين سائر طلابي الخواص بقلبه اللطيف، وعانى هذا الضيق وشاركني فيه، ولقد شاهد حالتي نفسها مع تغيير بسيط.
والحاصل: إنَّ قلب سليمان السليم وروح لطفي اللطيفة حاولا أن يسرعا لنجدتي، ما يعني أن أرواح تلاميذ النور مرتبطة ببعضها، فهم بحكم روح واحدة متَّحدة في أجساد متعددة. الحمد لله هذا من فضل ربي.
كما أن أخًا لنا يُدعى سليمان رشدي قال لي بحضور بكر بك صبيحة وقوع هذه الحادثة: "شاهدتُك أستاذي في رؤيا ليليّة تجلسُ في مقعد الوالي، وحولك رجال الحكومة، وقد سجَّلتَ بعض الملاحظات بيدك في ورقة صغيرة، وترغبُ أن تُلقيها كخطاب؛ ثمَّ شاهدتُك بعدها مع بكر بك وخسرو عائدين من مبنى الحكومة إلى البيت تستقلُّون عربة حصان"، وفي مساء ذلك اليوم حصلت الحالة ذاتها في مبنى الحكومة، واستقلَّ الأشخاص أنفسهم العربة عائدين إلى البيت سالمين؛ ولأن الكلمات التي نطقتُ بها في الاستجواب كانت بمحلها فقد ظهرت له على صورة خطاب.
كما أن "الحافظ علي" رأى الهجوم ومحاولة الاضطهاد التي تعرَّضتُ لها وكأنها كانت موجهة إليه، وقام في الصباح يخيط لقبعته واقيًا ليحمي نفسه من الهجوم.
الحاصل: إن الشخصية المعنوية لتلاميذ رسائل النور تُظهر حساسية شبيهة بالكرامة، مما جعل "الحافظ علي" بصداقته، وسليمان الأول بقلبه السليم، وسليمان رشدي الثاني بعقله المستقيم، ولطفي الصغير بنوره اللطيف، يُهرَعون إلى نجدة أستاذهم ومشاركته ما يعانيه من التضييق كي يخففوا عنه قليلًا. (سعيد)
لطفي
٭٭٭
— 208 —

القسم الثالث من المكتوبات

(فقرة خسرو):
أستاذي الحبيب.. قرأتُ مرّات عديدة مع إخواني وأصحابي اللمعة الحادية عشرة للمكتوب الحادي والثلاثين، والتي تحمل اسم: "مرقاة السُّنّة وترياق مرض البدعة"، وهي تليق بهذا الاسم بحقٍّ، إذ تبتدئ هذه الرسالة ببشارات نبوية عظيمة، وقد صُنِّفت كلُّ نكتة من نِكاتها الإحدى عشرة بغاية الحسن والجمال والتميُّز، وحينما تَسرُد الفوائد المادِّية والمعنوية التي يجنيها المرءُ من اتِّباع السُّنة، فإنها تدخل أبواب العقل المفتَّحة، وتطلُّ من الأبواب والنوافذ المُشرَعة داخل كل باب، وتثيرُ الإعجاب أمام الحقائق التي تَعرِضُها، وتَنقُض اعتراض المعترضين بأجوبة مُبهِرة مُنتظِمة عبر الأدلة التي تقدِّمُها، وتخاطب أهل الشوق قائلةً: "إن دخلتم من الأبواب التي أدلُّكم عليها، فإنكم ستَحظَون بسعادة أبدية دون أيِّ عناء أو مشقّة"، وبهذا تُوصي كلَّ مسلم أن يجعل اتِّباعَ السُّنة دستورَ حياته.
وحينما تُقرِّر درسَها العظيم لطلابها بما يمكنهم فهمُه واستيعابُه، تخاطبُهم بالقول: "إنني یی في الظاهر یی رسالة صغيرة الحجم، مكونة من خمسَ عشرة أو ستَّ عشرة صحيفة، إلا أنني في حقيقة الأمر أنطوي على عظمة تمكِّنُني بما أنشُرُه من الأنوار من التفوُّق على البحار المديدة، وأشتمل على قدرة تُخوِّلُني حجبَ أنوار النجوم الكبيرة؛ والمحظوظُ منكم مَن يجعلني نبراسًا له ويعمل بهديي"، فتُرشِدُنا بكلمات في غاية السموِّ واللطف والبلاغة.
ولو أن لي من القدرة ما يُمكِّنُني من كتابة مئة أو مئتي نسخة من هذه الرسالة المبيِّنة لهذه الحقائق لما قصَّرتُ، لكن مع الأسف يدي قاصرة، وسعيي محدود،
— 209 —
وعجزي يمنعُي من إيفاء أعمال خيرية كهذه، وها أنا أقدم لكم نسخة واحدة فقط مع إبداء عذري ورغبتي، فإن قبلتموها مني قبولًا حسنًا فهي سعادة لي عظمى.
وأما اللمعة الثانية عشرة التي تتحدَّث عن طبقات السماوات والأرض، وأحوال السيِّد أحمد البدوي بما تنطوي عليه من الكرامات، فقرأتُها ثلاث أو أربع مرات.
أستاذي الحبيب، إنَّ هذه الرسالة حينما تبيِّن بأسلوب جميل ورائع أن رزق كلِّ ذي حياة محتاج للرزق تحت تعهُّد الرزَّاق الحقيقي، وأن الرزق بيد المنعم الحقيقي وحده وبقدرته، وحين تلقِّن طلابها درسًا حسنًا لطيفًا كهذا بحيث لا تدع مجالًا للعقل أن يضلَّ، ولا للنفس أن تعترض، ولا للقلب أن يُنكر؛ فكأنها تدفع الإنسانَ للصُّراخِ بأعلى صوته وبجميع قواه ومشاعره، كمَن يخاطبُ الجيوشَ المنتصرة: "أيتها الكلمات القيِّمة، أيتها الكلمات النورانية الفيّاضة، ها هي الميادين قد أُتيحت لكم، وها نحن قد استسلمنا لكم، إذ تبصِّروننا طريق الهداية والاستقامة من خلال كلمات الخالق سبحانه حاكم البشر وجميع الأكوان".
آهٍ لو أن قلم المرء يُسعِفه بأن يكون ترجمانًا لأحاسيسه ومشاعره حينما يقرأ المعاني الكلِّية العامة الشاملة اللطيفة، ويُشاهد الحقائق البهية للآيات التي تتحدَّث عن طبقات الأرض والسماوات السَّبع.. إذًا لَسَجَّل انطباعَه عن هذه الرسائل.. لكن هيهات! فأنَّى لأحد فهمُ هذه الرسالة بجوانبها المتعدِّدة!
وممّا يجلِّي جلالة الرسائل وعظيم كرامتها: إثباتُها بالبراهين القوية، وبالدلائل العلمية والعقلية والحُكمية أن للأرض أقاليمَ سبعةً وطبقاتٍ سبعًا متصلٌ بعضُها ببعض، وليس ثمّةَ أيُّ موانعَ تُحيلُ تنقُّلَ المخلوقات النوارنية الموجودة في هذه الطبقات وعبورها، أو تُحيلُ وجودَ مادة محيطة بالعالم كله، هي مادة الأثير الناقل للكهرباء والضياء والحرارة، أو وجودَ سبع طبقات للسَّماوات؛ وتصديقها في النهاية على أن السماوات والأرض كلٌّ منها سبعُ طبقات بآيات القرآن الحكيم، بحيث لا تدع
— 210 —
مجالًا للعقل والقلب أن يدخل في الشبهات.. فلتقرع آذان الفلاسفة والفلكيِّين الذين لا يبصرون هذه الحقيقة القرآنية العظمى.
أجل أستاذي العزيز الحبيب.. إنني أؤمن بكلِّ يقين أن هذه المؤلفات النورانية المنقطعة النظير تدحض جميع الشبهات، وتقطع دابرَ سائر الاحتمالات، ويزيد إيماني ويقيني ما أسمعه من إخواني الذين تربطني بهم صلة وممن يُطالعون هذه المؤلفات، ويُشعِرُني بسعادة تغمُرُ جميعَ كياني.
أستاذي الحبيب، لا أجد التعبيرَ الكافيَ لأُزجيَ الدعاءَ لكم، فأسأل الله ذا الجمال أن يتفضَّل عليكم من خزائن رحمته بآلاف المحاسن والجمال مقابل هذا الحسن والجمال... آمين.
أحمد خسرو
٭٭٭
(فقرة صبري أفندي):
أيها الأستاذ.. إن كلام الله العزيز المنان (القرآن الحكيم) وضع خدَّام شعائر الإسلام تحت كنفِ حمايته ورأفته، فجعل المخطَّطات التي رسَمَها الملاحدةُ في هذه الحادثة الأليمة منذ سنة تبوء بالفشل؛ فنال یی من حيث الظاهر یی ثلاثةٌ من إخواننا البراءةَ، إلا أنه في حقيقة الأمر علَّق وسامَ البراءة على صدور ملايين المؤمنين الموحِّدين، وأبرز دفاعَه عن نفسه وخُدّامِه وحراستَه لهم، بإظهار أبديَّته وأزليَّته للمُلحِدين؛ مما أدخل البهجة والسُّرور على قلوب خدَّام القرآن، وحمَلَهم على حثِّ الخُطا في تحقيق آمالهم ورغباتهم التي يعملون على تحقيقها، وشجَّعهم على الانطلاق في توسعة دائرةِ عملهم وسعيهم.. الحمد لله، هذا من فضل ربي.
أستاذي العزيز، إنه من عظيم لُطف ذي الكبرياء سبحانه، ومن جميل منِّه وإحسانه، أن أرشد الكثير من الغافلين أمثال هذا العبد الفقير المذنب إلى كلِّيات النور؛ فكما يُطهِّر المطرُ المُنهمِرُ على الدوام وجهَ الأرض، كذلك انتشَلَت هذه الكلِّياتُ
— 211 —
العبد الفقير في عصر الضلالة وأزمنة البدعة من أودية الظلام ومستنقعات الحياة المادِّية الآسنة، وانتقَلَت به إلى مهيع النور المنيف، وعلَّمته: "أنَّى أقلعتَ عن الخسارة فأنت رابح".
قبل عام قيل لي: "أي صبري، قد تميلُ إلى حبِّ الجاه وحُسنِ السُّمعة والصِّيت، وقد تجدَّدت لديك الرغبة في هذه الأمور؛ تعال وجرِّب الخوضَ مجدَّدًا في الحوض العكر لأولئك التعساء"، غير أنِّي آثرتُ السَّلامة، ونجوتُ بحمد الله، وهذا نصرٌ عظيمٌ.
طالبكم صبري
٭٭٭
(فقرة عثمان نوري):
إنك أعظم الكتب أيها الكلام القديم
إنك أمُّ قوانين الحق أيها القرآن العظيم
إنك أبو النور للتواريخ المقدسة أيها الكلام القديم
إنك حارس ديننا أيها القرآن العظيم
أمُّ الكتب الإلٰهيّة الأربعة ليس سواك..
يفتخر بك جميع أهلِ الإسلام..
فلتَمُتِ القلوب التي تبغي الحياة دونك..
إنك شمس الحقيقة الأولى والأخيرة..
إنك الشمس التي لا تُطفأ فوق كل مخلوق
إنك مفتاح جميع الخفيات والظاهرات
ومن لا يعرفك ولا يتبعك، أينما حلّ
لِيتلقَّ غضب مالكه وليَمُت لِحينه
— 212 —
بقاء حكمك حتى القيامة أمر محقَّق..
ومن لا يؤمن بك تافه ذليل كافر..
إنك الشمس التي طلَعَت فوق كلِّ مخلوق..
ومن لا يرضى بك فليرحل من الدنيا إلى جهنم..
حاشا! من لا يُعجَبُ بك ويزعُم بك الخطأََ
لينقطع لسانه، وتخسف به الأرض
ومن يريد أن يستصغرك فليقهره الله
إنك شمس الحقيقة الأولى والأخيرة
عثمان نوري
٭٭٭
(فقرة الحافظ علي):
أستاذي العزيز، تلقَّيتُ قطعة نورٍ موسومةً بی"حكمة الاستعاذة"، وهي اللمعة الثالثة عشرة من المكتوب الحادي والثلاثين، ووُفِّقتُ لنَسخِها بحمد الله.. أسأل الحقَّ سبحانه أن يمنَّ من فيض خزائنه الواسعة الدائمة بالمزيد من أمثال هذه الرسائل.. آمين بحرمة سيد المرسلين.
سيدي وأستاذي، لقد تَركَت هذه الرسالة أثرًا بليغًا في طالبكم الفقير، لِما تحملُه في ثناياها من حقائقَ عظمى، فحارت أفكاري ودُهشت أحاسيسي والهةً بتلك الحقائق التي أدخلتني في حالة من الذهول! فمَثَلي في ذلك مَثلُ اليراعات المضيئة مع خيوط شمس الصباح الدافئة، تقف عاجزةً عن وصفِ ضياء الشمس وما يحيطُ بها.
أولًا: يمكن لهذه الرسالة أن تكون بمثابة الأخِ الكبير لسائر الرسائل الأخرى الكبيرة التي تتحدَّث عن التوحيد، فكما تُظهِرُ كُتلُ النور الأخرى جلوةَ الأسماء
— 213 —
الإلٰهيّة الحسنى یی كالجمال والكمال یی في العالم الكبير بشكل ساطع، وتُجلِّيها حتى للعميان؛ كذلك قطعة النور هذه تأخذ بالعالم الأصغر ومرآة الأسماء الإلٰهيّة الحسنى وروح خلق الدنيا یی أي: البشر یی فتُجلِّي له بوضوح أعظمَ الوسائل والدسائس التي تُسبِّب نجاحَه أو هلاكه، وتُودي به إلى أبديته أو عدميته، مُظهِرةً ذلك بشكل صريح وجليّ.
ثانيًا: مثلما كان هدهدُ سليمان وسيلةً لإيجاد الماء دون الحفر وفي غير مظانِّ وجوده، كذلك تعمل هذه الرسالة، إذ تُعرِّفُ بجسم الإنسان المكوَّن من الأضداد، وبقلبِه الذي هو عرشُ نور الإيمان في داخله؛ ومثلَما يعرفُ الكيميائي ما يستخرج منه إكسيرَ الحياة من بين سائر النباتات الضارة والنافعة المنتشرة على وجه الأرض، كذلك هذه الرسالة التي تَبُثُّ إكسيرَ الحياة في نفوس جميع أهل الإيمان وجميع ذوي الشعور، شأنُها شأنُ منبعها الحقيقي (القرآن العظيم)، رغم أني لم أطَّلع سوى على واحدٍ بالألفِ من حقائقها.
هذا ما ورد إلى قلبي حينما كنت أتأمَّلُ هذه الحقائق.
الحافظ علي (رحمه الله)
٭٭٭
(فقرة أحمد خسرو):
سيدي وأستاذي، تلقَّيتُ قبل أسبوع جزءًا من الرسالة الموسومة بی"حكمة الاستعاذة"، وتلقَّيتُ قبل بضعة أيام القسمَ الآخر منها، إضافةً إلى المقام الأول للَّمْعة الرابعةَ عشرة.. وقرأتُ مع إخواني القسم الأول من "حكمة الاستعاذة" مرّاتٍ عديدة.
أستاذي الحبيب، في هذه الرسالة القيِّمة تقدِّمُ لطُلّابك المجاهدين دواءً ناجعًا يعالج جراحهم المعنوية بطريقة مذهلة، فلقد برئت به جراحُنا فجأةً، وزالت آلامُنا لِحينها، وامتلأت قلوبُنا سرورًا، وعظُمَت المحبة التي نُكنُّها تجاهَ ربِّنا الكريم.. وحين
— 214 —
وقفنا یی في جملة ما قرأناه یی على البشارة بأنَّ تأدُّبَنا تجاهَ خالقِنا الرحيم أن لن تَشُوبه أيّةُ شائبة، قوِيت عزائمُنا وهِمَمُنا نحو تأدية الوظيفة.
أجل أستاذي العزيز، كنتُ في كثير من الأوقات أُحاول جاهدًا النجاةَ من هجَمات شياطين الإنس والجنِّ، والتخلُّصَ من بعض الخواطر الصادرة عن نفسي الجامحة التي لم أستطع تهذيبِها، وفي سبيل التخلُّص من هذه الأحوال كان قلبي يبحث عن مُختَلًى يقصدُه، فكانت ترواد فكري قواعد أبطال النقشبندية وهي: "تركِ دنيا، تركِ عُقبى، تركِ هَسْتي، تركِ ترك"، إلا أنني كنت أجد بين عبارات أستاذي العزيز وهو يعلِّق على هذا الكلام، نصيحته التالية: "لو كان الإنسان مجرَّدَ قلب فقط لكان هذا الكلام صحيحًا، إلا أن في الإنسان یی سوى القلب یی العقلَ والروحَ والسرَّ والنفسَ وغيرها من اللطائف والحواسِّ، فيجب توجيهها جميعًا إلى الوظائف الخاصة بها، وإيفاء حقِّ عبوديتها في دائرة واسعة تحت قيادة القلب"، وبما أن هذه الدساتير النورانية التي تُظهر الحقائق جليةً كالشمس هي الأساس لدى طلابك، فلذا كنت أبحثُ عن حلٍّ للخواطر التي تحدَّثتُ عنها سالفًا.
أستاذي الحبيب، إنَّك تُفكِّرُ في كلِّ وقتٍ بحاجات طلابك، وتبحثُ عن حلولٍ لها، وتَصِفُ الأدوية وتقدِّمُها لهم دون أن يعانوا أية مشاقَّ في تحضيرها، ودون مقابل، بل وتأمرُ بأن يُنسَبَ الفضلُ والمِنّة ويوجَّه المديحُ للحقِّ وحده؛ لذا كنتُ أنظر إليك منذ القديم نظرةَ لقمان الحكيم.. أجل، إنك لقمانُ الحكيم حقيقةً، إذ تُنصِتُ یی مثله تمامًا یی لرغبات قلوبنا، فتعالجُها من خلال تقديم هذه الرسائل.
إن هذه البدائع التي وهبها الحق البديع سبحانه ببديع البيان من كلامه البديع البالغِ أرقى درجات الإبداع، لا يمكن مدحُها لولا توفيقُ الحقِّ سبحانه وإنطاقُه بها، ولن نوفي هذا الأمر بيانًا مهما تحدَّثنا في ذلك.
أستاذي الحبيب، عندما أتناولُ أيّة رسالة من الرسائل وأَقرَؤُها، فإنني أستفيدُ منها بحَسَب قابليَّتي، وكنت في السابق یی وما زلتُ یی لا أجد الوقتَ الكافيَ لقراءتها،
— 215 —
لأنَّني كنتُ منكبًّا على كتابتِها، فلذا كانت استفادتي منها محدودة؛ أما اليوم فكلما شاهدت حقائقَ الأنوار ازداد شكري وحمدي، وامتلأ قلبي واطمأنَّت روحي بالأنوار، وتهذَّبت لطائفي بقدر استيعابها من الأنوار؛ وآمُل من الحق سبحانه كذلك أن يبارك نصيبي واستفادتي منها يومًا بعد يوم.
تفيدُ هذه الحوادث أن من بين الخواصِّ البديعة لهذه المؤلفات العظيمة وإحدى كراماتها: أنها لا تترك طلابها لغيرها، ولا تدعُهم يضطرُّون للُّجوء إلى أبواب أخرى لتلقِّي الأنوار، وأنها تبثُّ لقلوبهم الباكية السلوان، وتقوِّي إيمانهم، وتُنمِّي اشتياقَهم ولَهفتَهم للِّقاء الرباني، وتجعلهم ينطقون لسانًا وقلبًا: "يا ربِّ ارضَ عن أستاذنا على النحو الذي يرضيه".
الباقي هو الباقي
طالبكم أحمد خسرو
٭٭٭
(فقرة صبري):
أيها الأستاذ، كما أن اللَّطافة والطراوة التي تميِّز كل يوم من أيام الربيع، والتبدُّلَ العجيب الذي يطرأ عليها، يُظهِران عظمة الفاطر الأقدس وقدرتَه؛ كذلك ربيعُ بحر النور المنقطع النظير والمحيِّر العقول وأزهارُه وأثمارُه اللطيفة الجميلة النورانية أمثال "المنهاج" و"المرقاة" و"الاستعاذة" وغيرها، تهبُ لأهل الإيمان والتوحيد حياة غضّة جديدة.. إن في هذه الأنوار من الغذاء العجيب ما يكفي لإشباع رغبة أيِّ راغب في أيِّ وقت، ومن اللباسِ النفيسِ ما يُوفِّر الدِّفءَ لأيِّ شخصٍ في أيِّ زمان.. الحمد لله هذا من فضل ربي.
أستاذي العزيز الجليل، كلما قرأتُ هذه الرسائل تتفتَّح روحي تفتُّحَ الأزهار، وتأخذ بزمام الآلام والمشاقِّ الناجمة عن الحياة الفانية وتطردها بعيدًا، وتُودعُ مكانَها كنزًا مخفيًّا كالقناعة؛ وأقول: "أيَّتُها الروح، إنكِ كنتِ في السابق حينما تُشاهدين الظُّرف
— 216 —
والقيمة التي تميز كلًّا من جواهر وألماس معمل النور الذي يؤمِّن جميع متطلباتك ورغباتك المعنوية إلى يومنا هذا، كنتِ تقولين: لا يوجدُ مؤلَّف أعظم من هذا. وكنا نقرُّ هذا الأمر بلسان الحال منكِ وبلسان المقال مني.. لكنَّكِ علِمتِ اليوم أن لا نهاية للأنوار القرآنية والرشحات الفرقانية واللمعات الباقية".
وإننا بحمد الله نتلقَّى في كل يوم حصَّتَنا من الحقائق القرآنية، وسنستمرُّ بذلك في قادم الأيام إن شاء الله.. أسأل الله ذا الكبرياء والعظمة أن يبارك هذه الأنهارَ الكوثرية، ويُديمَ تدفُّقَها إلى يوم المحشر بَيْدرِ الحياة الباقية.. آمين.
سيدي وأستاذي، تذكرتُ اليوم أعمالي الماضية وأحوالي الراهنة، وقارنتُ بينهما بغاية التدقيق، فوجدت في نهاية المطاف أن أحوالي الراهنة یی بحمد لله یی خفيفة المصاعب عظيمة المكاسب؛ أما أعمالي السابقة فكانت على خلاف هذا تمامًا.. فأحمد الله الحقَّ الفياض إذ لم يحرم أمثالي من عباده الفقراء العاجزين المحتاجين من فيض رحمته الربانية.
وإنه من قبيل المثل القائل: "لينضُجِ الإجاص، وليَسقُطْ في فمي"، فقد تفضَّلَت علينا الرحمة الربانية بتوفير كلِّ أنواعِ أدوات الجراحة الروحية مع طبيب ماهر بارع؛ فلو أننا لم نُجرِ هذه العمليات، ولم نَلبَس لباس الإحرام النوراني الذائق الشائق هذا، لما تردَّدنا في الخوض في البدع بدافع حبِّ السُّمعة والجاه.
إن فيوضات الأنوار التي لا تُعَدُّ ولا تحصى، جعلت زُمرةَ الموحِّدين مدينين لها بالشكر، فنحمدُ الله ربَّ العالمين، ونسألُه سبحانه أن يكتب لجميع أفراد الأمة المحمدية الاستفادةَ من الأنوار القرآنية، وأن يكرمهم بالالتحاقِ بصفوف الموحِّدين الحقيقيِّين، وأن يعفو عن سيئاتنا، ويغفر زلّاتِنا المُدوَّنة في صحائفنا فيما مضى من أيّام الغفلة.. آمين.
خلوصي الثاني: صبري
٭٭٭
— 217 —
(فقرة ذكائي):
أستاذي، الدنيا ميدانُ الامتحان والصراع، وما من حادثٍ أو أنموذج في كلِّ زاوية من زواياها، إلا وفيه درس وعبرة للبشرية؛ وفي كل مكان يُوجد من بين بني البشر: ذوو الأمزجة المختلفة والميولات القلبية المتعدِّدة؛ وقد تعلَّمتُ من تجاربي ومشاهداتي أن من أشدِّ الحوادث الدنيوية ألمًا: لقاءَ ذوي الأرواح الوحشيّة العاملين تحت ستار المسلك الأُخروي والديني.
أجمن إنَّ ممّا يثيرُ الحزنَ في نفوس أهل الإيمان: أنه في الوقت الذي يدعو فيه إنسانٌ إلى خالقه بمحض العبودية لكي يصلح حاله، إذا بمُلحِد يندسُّ إلى جانبه كمخلوق أليف، ويحتال عليه بإظهار بعض التصرُّفاتِ السليمة لمدة من الزمن، ثم يهاجم روحَه بعدها ببشاعة، محاولًا أن يشبِّهه به، بل يطلب منه أن يسيء ظنَّه حتى بالمؤمن الماثل أمامه.
آهٍ يا أستاذي! لو ظهر الناسُ على حقائقِهم، أو كانت بواطنُهم مثلَ ظواهرِهم، لَمَا عانى حينها أهلُ الإرشاد في تبليغ أحكام القرآن، ولَمَا أنكر أحدٌ تلك الأحكام أصلًا، ولما سَعَى أمثالي ممَّن لم يُصلِحوا نفوسَهم بعدُ إلى البحث عن الصفاء وحُسن النوايا بين أرواح بعض السُّفهاء.
أستاذي العزيز، نسأل اللهَ أن يُشهِدَنا وإيَّاكم بزوغَ شمسِ الحقِّ والحقيقة، بكامل سطوعها وذروة علوِّها، وأن يبدِّل أيامنا هذه الشبيهةَ بالأسر، والموسومة بالحرمان من الكثير من المزايا المعنوية، بأيامٍ التحرُّر من القيود، الحافلة بمعاني الفرح والسرور.. آمين.
طالبكم ذكائي
٭٭٭
— 218 —
(فقرة صبري):
أستاذي الأكرم، إن القسم الثاني من "حكمة الاستعاذة" خزينةُ جواهرَ قيِّمة، ومنظومة أدوية هي كالإكسير لأمراض الوسوسة، تُرشدُ الإنسان المعرَّض لهجمات النفس والشيطان لأن يمسح بهذا الإكسير على صدره، ويلازمه حتى يوم رحيله عن العالم الفاني إلى العالم الباقي.
إن ذينك العدوَّينِ يُثيران اعتراضاتٍ هي أشبهُ بالزَّبَد، وهي واهية تافهة برغم إلحاحِها وضخامة شكلها الظاهريّ؛ وإن أقوى الحصون وأفضل الأسلحة ضدَّها وأولى الأموال التي تُصرف في هذا السبيل هي هذه الرسالة الشافية، فقد جرَّبتُ الأمرَ بنفسي.. وحين قرأت الأسئلة وجدت نفسي تميل نحوها وتُوليها أهمية كبيرة، إلا أن الدفاعات القرآنية الألماسية التي تليها تداوي هذه الأمراض النفسية وتقتلعها من جذورها ولله الحمد.
وإننا نُعلن العجز عن إيفاء هذه الحِكَم النورانية القرآنية حقَّها، كيف لا ومتعلَّقُها كتابُ الله الذي أثبت بالدلائل المتظاهرة عجزَ أكمل أفرادِ النوع البشري من ذوي الأرواح وأرباب الشعور أمام إعجازِه وإيجازِه، من بَدءِ الوحي إلى يوم الحشر.
الخلاصة: إنني خلال مطالعتي لرسالة الاستعاذة الفرقانية التي هي من المسائل المنقطعة النظير للقرآن المعجز البيان، أحسستُ بالنشوة في بحر الحقائق، وقلتُ بكمال العشق: "يا ربِّ، يسِّر وسهِّل أمر تطبيق مسائل الكتاب المبين، ووفِّق دلّال القرآن لجميع آماله ومقاصده، واجعل جميع إخواني یی ومنهم عبدك المذنب یی خُدّامًا للقرآن حتى يحينَ الأجل"، وبهذا الدعاء أُنهي رسالتي البسيطة هذه.
صبري
٭٭٭
— 219 —
(فقرة الحافظ علي):
أستاذي الحبيب، لقد تلقَّيتُ هذه المرة القسم الثاني من "حكمة الاستعاذة" المرسلة إليّ.
إن ما أُثبِت وأُظهِر في الإشارة الثامنة من الحقِّ والحقيقة، قد نوَّر طريقَ الضالِّين السُّكارى الغارقين في وديان الضلالة، فقد أظهر لهم حقيقةَ حالهم وأفعالهم من جهة، وبصَّرهم یی مِن جهة أخرى یی جادّةَ الحقيقة، وأظهر هذه المسألةَ المُهِمّة بإيجازٍ باهر.
وأما الإشارة التاسعة: فإن جميع أهل الإيمان یی وبخاصة طلّابكم الذين يسعون لفهمِ الغاية الحقيقية من خلق الإنسان یی كلَّما مَضَوا رُوحًا نحو المستقبل، تتَّسِعُ دائرةُ نظَرِهم تجاه هذه المسألة، ويزدادُ تفكيرُهم بالحوادث المؤلمة وبالضُّرِّ الذي أصاب جميع الأنبياء أمام أهل الضلالة منذ عهد آدم عليه السلام، فيُداخلهم الحزن الشديد.. إلا أنَّ هذه الإشارةَ أنارَت تلك الدائرةَ الواسعة، وتناولت عمومَ المُشكلات الواقعة منذ زمن آدم حتى عهدِ فخرِ المرسلين (ص)، بل حتى زمن الأستاذ، فأعملَت فيها سيوف الحقِّ والحقيقة تفكيكًا وتحليلًا، حتى جعلت العقلَ والقلبَ يقولان معًا: "صدقتَ، وبالحقِّ نطقتَ"، فالحمد لله، هذا من فضل ربي.
حينما كنت أكتب الإشارة العاشرة، تركت القلم من يدي، وقرأتُها للجالسين حولي، فلاحظتُ أن الأمثلة الواردة فيها ليست من قبيل الخيال بل هي حقيقة، وأن حقيقةً كهذه لا بد أنها تُرَى بجلوات الأسماء الحسنى: "الحكيم" و"النور" و"البديع"، فطَفِقتُ أطبِّقُها في خيالي، وأدركتُ أنها أساسٌ صحيح، فحمدت الحقَّ على ذلك.
أمّا الزجرُ القرآني الوارد في الإشارة الحادية عشرة، فيبيِّن أن الإنسان محصولُ حقل الكائنات، ونِتاجُ آلات نسيجه، وأن جميع الموجودات بأنواعها وثمراتها في خدمته، إلا أنَّه بسببِ أنانيته وتفكيره في صالح نفسه فقط، وبسبب تقليله من شأن غايةِ الدُّنيا هذه حتى درجة العدم، تحوَّلت جميعُ العناصر الكلية الأشبه بالمُسنَّنات
— 220 —
الكبيرة للعملِ ضدَّه، موضحةً أن خلاصه ونجاته من هذه المسؤولية المُهلِكة لا تكون إلا بالدخول في دائرة القرآن القدسية، واتِّباع فخر المُرسَلين (ص).
وأمّا الحقائق التي تتضمَّنُها الإشارةُ الثانية عشرة فهي عبارة عن أجوبةِ أسئلة أربعة، تقطعُ بمقصَّاتها الذهبية سلاسلَ النفس والهوى النباتية والحيوانية التي ترغب في استخدامنا بين حين وآخر لخدمتها، وتهبُ نفسَها مع الجزء الاختياري وجودًا ترى من خلاله أن لها حقًّا في كلِّ شيء، وتُؤثرُ الأنانية وحبَّ الشهرة؛ فتأتي الحقائق المذكورة لِتُبدِّدَ هذه الحظوظ النفسيةَ وتجعلَها هباءً منثورًا، ولتُنقِذَنا من السقوط في شباكها.
وتُبيِّن الإشارة الثالثة عشرة بنقاطها الثلاث قوّةَ الشيطان الذي يستغلُّنا في كل حين، لا سيَّما في بعض الأوقات الخاصة، ويوقعنا في اليأس أحيانًا، ويصرف أنظارنا عن سوادِ وجوهنا، ويشغلُنا بخيوط دقيقة سوداء لدى إخواننا المؤمنين، لنتَّهمهم بالسواد المظلم! ويسوقُنا للاجتراءِ على انتقاد رحمة الحقِّ سبحانه وأسمائه: "الغفار" و"الرحيم"، ويتسبَّب في تخريباتٍ عظيمة.
أستاذي المحترم، عندما كتبت هذه الإشارات قمتُ بسياحة في عالم الجسد، فأصبَحَت كلُّ نقطة من النِّقاط المذكورة في الإشارات بحكم مفتِّش، وشاهدتُ القوى المذكورة فيها في أماكنها وقد تهيَّأت للاستسلام.. وكنتُ في كلِّ خطوة أخطوها أطلب العون والمدد من القرآن الحكيم الذي أظهر لنا هذه القوى، فتبيَّن أن أستاذنا الذي أظهر لنا نتائج حقيقة الحياة وظلماتها إنما يدعو الله لنا بالتوفيق في كلِّ حين، وسيُجابُ دعاؤه بإذن الله تعالى.
أستاذي المحترم، إن هذه الإشارات الثلاثَ عشرة تحتوي على ثلاث عشرة ربوة جوهريّة، علمًا أنَّ حُسنَها غيرُ خافٍ كيفما عُرِضت، وسواءٌ عُرضت أو لم تُعرَض، فما هي إلا خزينةُ كنوزٍ لا تشوبُها شائبة.
أستاذي الحبيب، أعلم جيدًا أني مهما قدَّمتُ لكم من الشكر والامتنان فإنِّي لا
— 221 —
أوفي حقَّكم، لذا أسأل الحق سبحانه أن يكافئكم بالقدر الذي يرضيكم.. آمين بحرمة سيد المرسلين (ص).
الحافظ علي (رحمه الله)
٭٭٭
(فقرة مصطفى وزيرزاده):
أستاذي العزيز الجليل، أحمدُ الله الخالق المنَّان وأشكرُه بلا حدٍّ أن جرَّد جميع أحاسيسي وآمالي من التعلُّق بهذه الحياة الدنيوية الفانية رغم أُمِّيتي، ووفَّقني للانضمامِ إلى ديوان طلاب النور وصحبة أهل العلم من حزب القرآن.
صحيح أنَّه ليس بإمكاني اللَّحاقُ بهم في العلم وخدمة النشر، إلا أنني أسعى جاهدًا للالتحاق بهم في معاني الإخلاص والمحبة والولاء، وتقديم العونِ لأقلامهم من خلال الدعاء.. أمّا أحاسيسي ومشاعري تجاهَ رسائل النور فلا أستطيع أن أُعبِّر عنها لأُمِّيتي، لذا ألخِّصُها في هذه الرؤيا فقط:
رأيتُ فخر العالمين عليه الصلاة والسلام في النوم، ثم استيقظت وأنا أتلو الآية نهاية سورة الحج: مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ، ثم رأيت الشاه الگيلاني قُدِّس سرُّه، واستيقظتُ وأنا أتلو الآية من سورة النور: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ..؛ فأوَّلتُ الرؤيا الأولى بالقبولِ الحسنِ من الرسول الأكرم (ص) للرسالة التي ألِّفت مؤخَّرًا تتحدَّثُ عن السُّنّة السَّنيّة، ولذا تشرَّفتُ برؤيته في منامي، وأما الآية فتُعبِّر عن خلاصة رسائل النور، كما تهدِّد أهل الغفلة تهديدًا شديد اللهجة.
وأما رؤياي للشاه الگيلاني، فقد علمتُ أن أحد أساتذة رسائل النور الأجلّاء قد قَبِلني بين تلاميذه.
ورغم أنِّي لم أكن أستوعبُ هذه الآيات، إلا أنني ببركة هذه الشخصيات المُبجَّلة كنتُ أكرِّرُها في ذهني على الدوام، وأشعر بانشراح في الصدر وراحة في النفس.
— 222 —
وفي رؤيا أخرى سابقة: رأيت نفسي في مبنًى ضخم ما زال قيد الإنشاء، ثمَّ رأيتُ لاحقًا أنه قد اكتمل بناؤه، وحين دخلتُه وجدتُ أنَّ الطرفَ الأيمن منه قد تمَّ تخصِيصُه مسجدًا، وبعد أن أدَّيتُ الصلاةَ فيه قُدِّمَت لي جميع رسائل النور المؤلَّفة، وأعطيتُهم بدوري رسالةً واحدة كي تُقرَأ في الجامع، كما رأيتُ ثلاثة أشخاص بأيديهم رافعاتٌ حديدية، يعملون على تبديل أطول الأعمدة في وسط البناء.. وأُحيل تعبيرَه إليكم أستاذي.
طالبكم الأُمِّيّ مصطفى
٭٭٭
(فقرة عاصم بك):
أستاذي الأكرم.. أتممتُ بتوفيق الله تعالى كتابةَ ثلاثِ رسائلَ شريفة، وهي: الكلمتان: "الرابعة والعشرون" و"التاسعة والعشرون"، ورسالة "مرقاة السُّنّة" وهي اللمعة الخامسة من المكتوب الحادي والثلاثين؛ وها أنا أقدِّمُها إليكم بغيةَ الاطِّلاع عليها وتصحيحِها.
جميع هذه الرسائل تشكِّلُ جنّةَ ورود تنبعثُ منها عبائقُ حقائق النور، وخاصة لَمَعاتُ المكتوب الحادي والثلاثين، فرسالتا "منهاج السنة" و"مرقاة السنة" یی التي هي ترياق لمرض البدعة یی لا يُمَلُّ من قراءتِهما، وما ينبعثُ في النفس من السرور والفيض المعنوي الباهر لدى قراءتهما أشبهُ ببحر جيّاش، وقد اعتدتُ تكرار فِقراتٍ منها في بعض أيام الجمعة قبل الصلاة أو بعدها لبعض من يزورني من إخواني في بيتي المتواضع، خصوصًا حسن أفندي من "گريدي" الذي لا يتمالك نفسه من البكاء حين أقرؤها، وهو یی كما تعلمون أستاذي الفاضل یی من شيوخ الطريقة القادرية، وله تعلُّقٌ شديدٌ بكم وبالغوث الأعظم الشّاه الگيلاني، ويُحبُّكما حبًّا لا حدودَ له.
أستاذي الأكرم، لقد حصل لي بعضُ التأخير والتقصير بحقِّ الرسائل في الآونة الأخيرة، وأرجو ألّا تُحيلوا الأمرَ إلى كسل العبد الفقير وعطالته وبطالته؛ وليس قولي
— 223 —
هذا من قبيل الشكوى بل من قبيل الفخر، فلقد كان لطفُ الحقِّ سبحانه بي وإحسانُه وامتنانُه عليَّ عميمًا في هذا العام، فله الحمد والمِنّة، أشكره وأحمده على ذلك مئاتِ آلاف المَرّات؛ ولقد مرضتُ مرتين قبل عيد الفطر، وأقضي الآن إجازة نقاهة، ممّا سبَّب لي تأخيرًا في نَسخِ رسائل النور الشريفة.. وقد أضحَت هذه الأمراضُ في حقي نِعَمًا إلٰهيّة، وبدأتُ أستعيدُ عافيتي بفضل دعوات أستاذي.. فلِلَّه الحمدُ.
عاصم
٭٭٭
(فقرة رشدي أفندي):
أستاذي العزيز.. كلما تذكَّرتُ إحسانكم العظيم الذي نلتُ به شرَفَ أن أكون أحدَ أواخر طلاب أستاذي الحبيب، أبتهلُ إلى الحقِّ سبحانه ليلَ نهار، وأُناجيه بالدعاء والدموع في وقتِ السُّجود؛ وفي الوقت الذي تحملُني فيه عظمة ذنوبي وكثرة آثامي على الخوف والرهبة، تمنحُني رحمة الحق سبحانه ودعواتُ أستاذي الحبيب الرجاءَ والسُّلوان.
إنني أقرأ كلَّ رسالة ترسلونها بغاية اللَّهفة، وأستفيد منها تمامَ الفائدة، وأتلقَّى من الرسائل فيوضات أستاذي المعنوية في كل حين، فكأنِّي كلَّ يوم في مكان مختلف مع أصحابي الأعزاء.. ولو أستطيع أن أدوِّن أحاسيسي لكتبتُ لكم رسالةً كلَّ أسبوع، فمكاتبتي لكم مبعثُ سرور وسعادة عظمى لديَّ.
وإنني حين أرفع يديَّ في ديوان الحقِّ سبحانه، وأدعو بلسان الحال؛ وألقى من أستاذي الحبيب اللُّطف مع ظاهر فقري وعجزي.. فإنني أجيبُ عليها بدموع العين.
طالبكم رشدي
٭٭٭
— 224 —
(فقرة الحافظ علي يوضِّحُ فيها مدى استيعابه لدرسه):
أستاذي المحترم.. قرأتُ المقام الثاني للَّمعة الرابعة عشرة من المكتوب الحادي والثلاثين لأوَّل مرة، واستشعرتُ في نفسي بعض المتعة رغم أنَّ استفادتي منه كانت محدودةً، لكن حين أعدتُ قراءتَه للمرة الثانية والثالثة أيقظ في نفسي ذوقًا روحيًّا عاليًا، لدرجة أن قلبي وقلمي لو أصبحا ترجمانًا لروحي لاجترأتُ على عرضِها عليكم أستاذي، ولكن هيهات! فلقد وقف قلبي وقلمي وروحي عاجزين أمامي، وأعلنوا عدم إمكانِ ذلك.
أستاذي الحبيب، إن رسائل النور القرآنية التي تنشر الأنوار وتفتح أبواب الرحمة تحت مُسمَّى "الكلمات"، تحمل في الأصل خاتمًا خاصًّا بها، ففي كل جزء منها للرحمة الإلٰهيّة العميمة أبوابٌ صغيرة وأبواب كبيرة، فتُرشد إلى هذه الأبواب، وتُبقيها مفتوحةً على الدوام.
حينما قرأنا هذه الرسالة المباركة مع إخواني "سليمان وذكي ذكائي ولطفي"، تراءى إلى خيالي قصرٌ عظيم مُزيَّن؛ ورغبةً في معرفة أصله وحقيقته وسَعَتِه ومشاهدة مزيَّناته، صَعِدتُ إليه روحًا وتجوَّلتُ فيه، إلا أنني عدتُ مُتعَبًا ومُرهَقَ النظر، وظلَّ أخي ذكائي مستمرًا.. فرأيتُ مرةً أخرى قصرًا لعالم الجسد على شاكلة ذلك القصر، وهو أيضًا مُزخرفٌ ومُزيَّن ورفيع وصغير، فرغبت بفتح بابه والتجوُّل فيه، إلا أني لم أجد مفتاحَه، فسمعتُ فجأةً على لسان أخي: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، ففُتِح باب القصر فجأةً، فقلت: "الحمد لله على نور الإيمان وهداية الرحمٰن"، فوجدتُ أن ما يحويه القصر الكبيرُ من مزيَّناتٍ ومُحتَوياتٍ قد أُدرِج أيضًا في هذا القصر الصغير، وكأنه ساعة ذات مسنَّنات كبيرة، وآلة نسيجٍ حاوية لخيوط كثيرة، دقَّقتُ النظرَ قليلًا فتوضَّحت لي مُكوِّنات تلك الساعة ومُشغِّلُها، واستبان صابغُ تلك الخيوط وناسجُها كلَّ يوم بيومه، وضوحًا دقيقًا كالشمس تدلُّ على النهار، فقلتُ مرةً أخرى: "الحمد لله"، وعندما تناولتُ بيدي فِهرِسَ هذا العالم الكبير ونموذجه المصغَّر، طفقتُ أتجوَّل في سياحة دون وَجَلٍ أو خوفٍ.
— 225 —
أستاذي الموقر، إن هذه الكلمة تعلِّم الإنسان حقائقَ لا تُبقي لديه شيئًا غريبًا أو لا يمكنُه معرفتُه، ويغدو كل شيءٍ يراه صاحبًا مُؤنِسًا له؛ إذ توضِّحُ أن الأودية الجافّة والصحارى الواسعة والكرة الأرضية الكبيرة قد جُهِّزت من قبل الخالق الرحيم على هيئة بستان طلسمُه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وأن الإنسان إن لم يجد هذا الطلسم ولم يتمسَّك به لا يمكن له أن يعيش في ذلك البستان، وإن هو عاش فيه فسيصبح غريبًا من شتى الجوانب، ويستثقل كلَّ خطوة يخطوها، فيصبح جامدًا لا حياة فيه.
كما أنها تبيِّن على وجه الخصوص سِرَّ: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ الواردة في الصلاة التي هي معراج المؤمن، هذا السِّرُّ الذي لا نتمكَّن من فهمِه رغم تكراره أربعين مرة في اليوم، فتبيِّن أنه مفتاحٌ خاصٌّ بكلِّ مؤمن يجدُ عالَمَ جسده شبيهًا بمعمل الكَهرَباء، وحينما يفتح أبوابَه بهذا المفتاح يظهرُ العالَمُ أمامَه منوَّرًا مُضاءً.
أستاذي وسيدي الحبيب، أختم كلامي سائلًا الحق سبحانه أن يبلغ هذه الأسفار النفيسة لعباده المؤمنين إلى يوم القيامة.
طالبكم المقصر
الحافظ علي
٭٭٭
(فقرةٌ لأخٍ عزيز جديد، وهو المفتي أحمد فيضي أفندي.. صحيح أن هذه الفقرة موجَّهة إلى شخصي، لكن هذا الأخ لم يَلقَني، بل شاهد الرسائل التي أعمل دلَّالًا لها، فبالغ في المدح والثناء بما يفوق حدِّي بكثير، وقد قبلتُ ذلك المديح لأنه يعود للرسائل ولأسرار القرآن).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله للكريم المتعال، والصلاة والسلام على حبيبه، وعلى آله وأصحابه.
أيها الفاني الذي وصل إلى الباقي، أيها المحبوب العاكفُ في باب رحمة المطلوب، أيها المحظوظ الذي أفلح بالسَّير ونيل أعلى الدرجات وأسماها: "صفة العبودية"،
— 226 —
يا ضياء الهدايا الذي تعكسُه شمس سماء ذي الجمال على الظلمات، أيها الشهاب الماضي في طريق الحبيب المقدَّس ممزِّقًا الظلمات، إن أحقر الموجودات الذي قابل بالنُّكران جميع الألطاف الإلٰهيّة الموجَّهة إليه، بينما كان يئنُّ في عُرضِ الأمواج المخيفة لبحر الخطايا والمعاصي، ينتظر منكم الآن إهداءَه ولو قطرةً واحدة من القبول الحسن الذي بلغتموه..
ليتكم تقبلونني وأنال شرف خدمتكم.. ليتكم تطلبون من حبيب الكبرياء أن أنتسب لخدمته، وأكون أصغر عُشّاقه، وأصبح دلَّال حِكمتِه ونُورِه.
أصغر المخلوقات والمتلهِّف لتقبيل أقدامكم في كل وقت
أحمد فيضي
٭٭٭
(فقرة أحمد خسرو كتبها بخصوص المقام الثاني للَّمعة الرابعة عشرة من المكتوب الحادي والثلاثين):
أستاذي وسيدي الحبيب.. تلقَّيتُ قبل ثلاثة أو أربعة أيام، نورًا آخَر من كلِّيات النور العظيمة التي تَزُفُّ البشارات من كلام الحقِّ سبحانه، وتَنشُرها في شتَّى بقاع العالم، والتي تُغرِقُنا بنشوةِ فيوضاتها الأشبه بأمواج البحار الموّارة، وتُنيرُنا بضيائها الذي لا ينفَدُ وسِراجِها الذي لا يخبو، والمخصَّص لكلِّ صباح، والمنبثق من الشمس؛ والتي تسير وفق منهجية مُحكَمة لا تُغرِق أحدًا في الشبهات؛ وتنطق ببلاغة خاصة بها، وبقابلية تمكِّنها من تسخير العقول لها، وتلفتُ لنفسها أنظارَ سامعيها، وتجلب أسماعَ ناظريها.
لقد نقش هذا النور في أذهاننا أشعَّته المنوَّرة بستة أسرار، هي بمثابة ثلاثين سرًّا من آلاف أسرار عَلَم الإسلام الجميل وكشَّاف خزينة الرحمة العظيمة، أعني
— 227 —
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ؛ كما أغرقَنا في بحر فيضٍ لا قرارَ له من خلال تعليمه لنا أن النِّعمَ السُّبحانية التي لا تُعَدُّ ولا تُحصَى نابعةٌ من شعاعات ألفِ اسمٍ واسم من الأسماء الحُسنى، وأنها تُرسَل إلى عون الإنسان بأيادي المدد.
وبعد أن وضَّح أهمية هذه الكلمة السّامية المباركة یی أي: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ یی وأفصح عن عظمَتِها من خلال ذكرها على رأس كلِّ سورة، وبيانِ أنها شفيعٌ مبارك من خلال تكرارها في كلِّ الأمور الخيِّرة، وأنها تُلبِسُ الإنسانَ قامةً تمكِّنه من بلوغ العرش مع أنه يمشي على الأرض، وأنَّ الإنسان المُتقلِّب في العجز المطلق إنَّما تتَّضحُ قيمتُه وعزَّتُه من خلال نسبته إلى القدير المطلق.. بعد أن وضَّح هذا كلَّه، ساق الحديث الشريف: «إنَّ اللهَ خَلَق الإِنسانَ على صُورةِ الرَّحمٰنِ» ليُبيِّن أنَّ الإنسان إنَّما رُبِّي برحمة الله المُتَظاهِرة من جَلَوات أشعّةِ ألف اسمٍ واسمٍ من أسماء المُنعِم الحقيقي؛ كما أنه جلوةٌ تامّة للرحمة.
أستاذي الحبيب، إنه يوجِّه روح الإنسان ونظره وعقله وقلبه ومخيلته إلى وجه الكائنات بی "باسم الله"، وإلى وجه الأرض بی "الرحمٰن"، وإلى الوجه المعنوي لبني جنسه بی "الرحيم"؛ ويُظهر ما فيهم من عظمة الرحمة الواسعة الكلية ولطافتِها.
أستاذي العزيز، ما التفَتَ نظري إلى شيء، وما حاكم عقلي أمرًا، وما انشغَلَت مخيِّلتي بأمر، وما سمِعَت أذني بشيء، وما ذهب قلبي إلى مكان، إلا وشاهدوا في الأماكن التي يتجوَّلون فيها والأشياء التي يصادفونها آثارَ رحمة عظيمة متوجهة إلى البشر.. ورأوا أن السَّماوات والأرض بعظمتهما وجلالهما تُصبحان منتزَّهًا للإنسان، وأنَّ الجنةَ هي مسكنُه الحقيقيّ، كما يتحوَّل وجهُ الأرض إلى هيئة منزلٍ له.. ورأوا أن سُكّان الملأ الأعلى ومئاتِ آلاف أنواع النباتات والمخلوقات المُنتشرة على وجه الأرض يَسعَون جاهدين لتوفير حاجات الإنسان.. وأن جميع المخلوقات یی صغيرةً كانت أم كبيرةً، بدءًا من الذباب حتى الأسماك، ومن الذَّرّات حتى المَجرّات یی ينظرون إلى وجه الإنسان بابتسامةٍ لا بعبوسٍ.
— 228 —
بعد هذا كله، فإن الروح التي لم تشبع من مشاهدة قصر الخالق العظيم الرحيم الذي لا تشوبه شائبة، تعود من سياحتها إلى نفسها، وتتوجَّه إلى الجسد الذي يُنظَّم ويُدار بأرفع درجات الرحمة وأدقِّها؛ وتحصر نظرها إلى مخيلته فقط من بين سائر أحاسيسه، فترى أن المساحة المخصَّصة لهذه المُخيِّلة في دماغ الإنسان لا تتجاوز حبّةَ خردل، إلا أنها تُمرِّر في خانة خيالها على الدوام جميعَ العالم كأنه شريط سينمائي.
كما تُشاهد أن الحافظة نوع، والعقل نوع آخر، والفكر حالة أخرى، والقلب مختلف تمامًا، واللطائف الأخرى النشطة في الكمَّل لها شكل مختلف أيضًا؛ ورغم أنهم كلَّهم يرتكزون في دماغٍ صغير على مساحةٍ معنوية صغيرة نسبةً لحواسِّ الإنسان الظّاهرة من السَّمع والبصر والذوق واللَّمس والشَّمِّ، إلّا أنه لا يختلط أحدٌ بآخَر، ولا يتدخَّل أحدٌ بوظيفة الآخر؛ بل يؤدِّي كلُّ واحدٍ منهم وظيفةً مختلفة، ويعملُ بشكل منتظم في دوائر مختلفة، حتى إنها تُشاهِد تفاصيلَ كل عضو وقسمٍ من الجسد البشري التي عجز عن فهمها الأطبّاءُ رغمَ دراستهم لها.
إن الروح التي شاهدت هذه الآلات المحيِّرةَ للعقول، والتي تنظَّم برحمة عظيمة كهذه، وتُستَخدَم في وظائفَ مختلفة، تبدأ بالتفكير في نسبة مالكيَّتها لهذه الأجهزة.. وعندما تفهمُ أن حُكمها لا يجري على أيِّ عضو تبدأ بالبحث عن مكان تحتمي فيه، وكنفٍ تأوي إليه، وموجودٍ يُسبغُ عليها نِعمَه.. عندها تخرُّ في سجدة شكرٍ أمامَ عظمة رحمة الخلّاق الرحيم، الذي يُربِّي بهذا القدر من الرحمة، مُجهِشةً بالبُكاء، وتبثُّه جميعَ همومها، وتطلُب عفوَه ومغفرتَه باللُّجوء إلى كنف لُطفِه ورحمتِه، وأن يجمعَها یی كما في الدنيا یی مع جميع أحبابه في الجنة التي وَعَد بها، وتتضرَّعُ من أجل ذلك.
أحمد خسرو
٭٭٭
— 229 —
(فقرة رأفت بك):
أستاذي وسيدي العزيز المبجَّل.. ورد في الرسالة التي تلقَّيتها الأسبوع الفائت العبارة التالية: "إن عباراتِك وعباراتِ شريف أفندي موجزة لا يُفهَم منها شيءٌ، فهل هي نقدٌ أم تقدير؟!"، تعلمون جيدًا أننا نتلقَّى جميع مؤلَّفاتكم بالتقدير وكمال الاستحسان، ولسنا نمتلك قدرةً علمية تخوِّلنا النَّقدَ أصلًا، بل حتى علماءُ تركيا لا يملكون ذلك، وهذا مُثبَتٌ بحوادثَ كثيرة.
ويكفي لإثباتها أنكم في عهد شبابكم ألزمتم علماء الولايات الشرقيّة الحجةَ، ثم لمّا قدمتم إلى إسطنبول لقيتم تقدير جميع علمائها واحترامَهم.
أمّا سائرُ أصحابي الذين قرؤوا "حكمة الاستعاذة" و"سرَّ البسملة" ومن بينهم شريف أفندي، فقد أصابهم الوجدُ من تأثيرِ ما نالهم من النصيب المعنوي.
وأما بالنسبة للعبد الفقير فحتَّى عدمُ كتابتي شيئًا حول "الكلمات" هو من كمال التقدير لها، لأنني حتى اليومِ أعرض لأستاذي انطباعاتي حول "الكلمات" و"المكتوبات" التي أقرؤها بلهفة ودوام، ولا يمرُّ يومٌ دون قراءتها، لذا لا أجد اليوم ما أسجِّلُه، ويحتمل أن يكون عجزي هو السَّببَ.
إن أيَّ رسالة مهما كانت ساطعةً، فإن التي تتبعُها أسطعُ منها بكثير، وبناءً عليه فإنَّ أيَّ شيء أكتُبُه لا يمكنُه التعبيرُ عن مُرادي بحقٍّ.
أشعر بمتعة كبيرة في حياتي الرّاهنة، إذ إنني مُنشغِل بتدقيق "الكلمات"، وما كنت أنالُ حظِّي من الفهم في مطالعاتي السابقة، لكنَّني أقرؤها اليوم ببُطءٍ ودِقّة مُحاوِلًا فهمَها أكثر؛ وثمّة نِقاطٌ أتوقَّف عندها فأسألُ عنها.. وبهذا تكون استفادتي أكبر.
أمّا الغصن الأول والثاني من الكلمة الرابعة والعشرين فتوقَّفتُ كثيرًا عندهما، ولم أتمكَّن من فهمِهما بشكل تامٍّ، لذا فإنني سأطلب من أستاذي شرحَ هذين الغُصنَين شفهيًّا حين ألتقي به.
— 230 —
أستاذي الموقَّر، هنالك نقطة أقفُ أمامها حائرًا، وهي أنه حين يُطلبُ منكم إيضاحُ مسألة معيَّنة، فإنكم تقومون بتوضيحها، إلا أنَّني أجد في هذا الإيضاح نقاطًا جديدة تحتاج أيضًا إلى إيضاح! إذ إنكم تجيبون بجمل لطيفة وشاملة لدرجة تجعل فهم هذه الأجوبة يتطلب أسئلةً أخرى عنها..
نستخلصُ من هذا كلِّه أن كلَّ سطر من سطور "الكلمات" يمتاز بالشمول، ويحملُ معانيَ كبيرة بمقدار كتاب كامل؛ ويمكن توضيحه بشكل واسع حسبَ الرغبة.
رأفت
٭٭٭
(فقرة الدكتور إبراهيم):
سيدي.. إنني ألتقي في كلِّ أسبوع بجميع إخوانِ الآخرة، الماضين في الجادة المعنوية الكبرى، والطريق النورانية الوضّاءة؛ وكلما سمعتُ أخبارًا عن شموس الفيض والمعرفة یی أعني صدور أجزاء جديدة من رسائل النور یی تنشرح روحي حينها كالأزهار المُتفتِّحة، وتغمرها السعادة ويغشاها السرور.
صحيح أنني أجتهد قدر المستطاع لأجل فهمِ مسألة أو مسألتين، إلا أنني كلَّما أشاهد ما كتبه إخواني معبِّرين عمّا ينعكسُ على أرواحهم من المسائل الصادرة من بحر الأنوار، أحزن كثيرًا لعدم توفيقي، وأتحسَّر لجهلي، وتبكي روحي قائلة: "إن الأُمِّية أمر صعب"، وأخاطب نفسي معترفًا: "إنك تستحقُّ هذا يا إبراهيم"، لكني لا أقطع رجائي وأملي، وأسلي نفسي قائلًا: "يوجد لكلِّ مؤسسة مدير عام ومعاون وسكرتير وموزِّع وجَابٍ وخدم، فما ضرَّ لو عمل هذا العبد الفقير في التوزيع حينًا، وفي الخدمة حينًا آخر؟".
إبراهيم
٭٭٭
— 231 —
(فقرة عثمان نوري):
القرآن العظيم
لو قرأتُ كلمة واحدة من كلماتك ملايين المرات..
فإنني أشعر باللذة نفسها التي شعرتها في المرة الأولى..
إنك شعلة لا تنطفئ في مواقد الإسلام
إنك الكلام المنقطع النظير لذات الذي ليس كمثله شيء
إنك الكلام القيم المثبت من ألف وجه
والذي كان من نصيب أحب الرسل إلى الله
أي كتاب قُرئ بهذا القدر من التوقير عبر العصور؟!
وأي خائن يجرؤ أن يمسَّك بشيء؟!
حاشا، من لم يؤمن بك حتى ولو كان كافرًا..
فليأت وليجلس عند دلَّاله..
وحين يتلقى من ذلك الدلَّال الدرسَ والإلهام
يلعن ذلك اليوم الذي أنكر فيه القرآن
إنه لجميع العلوم أستاذ وبرهان
ذلَّ من لا يعرفه
إن كتابك الأقدس في غاية الشهرة، ودلَّاله أستاذي سعيد..
والرُّوحُ ترغبُ أن يكون آلاف من أمثال سعيد..
ورَدَت هذه الأبيات من الإلهام الإلٰهيّ المنوَّر الذي تلقَّيتُه من كتابنا الأقدس العزيز "القرآن العظيم" الذي كنتُ أَقرؤُه صبيحةَ هذا اليوم، ونبَعَت من المشاعر العميقة والتأثير البليغ الذي أحدثته رسائلكم السامية الساطعة كالشمس في هذا العبد الفقير العاجز.
عثمان نوري
٭٭٭
— 232 —
(فقرة خلوصي):
يؤسفُني جدًّا عجزي عن وصف أحاسيسي حول المكتوب المبارك الموسوم بی"مرقاة السنة"، لكن يمكنني القول: إن هذه اللمعة الخامسة یی بما تضمَّنته من المعاني الغزيرة في نكاتها الإحدى عشرة یی تفسير مستقيم وبيان إعجازيّ وإعلان نوراني، وكأنها توجِّهُ إلينا خطابًا معنويًّا مُفادُه: إننا مكلفون بأداء السنة، وبتصديق القلب وإقرار اللسان بكل معلوم يقينيٍّ من الدين الذي جاءنا به أشرف الأنبياء من ربِّه وأخبر بأنه الحق، وهذا ما يُعرف بشروط الإسلام وأركان الإيمان.
كما يوجد توافق صريح بين مجموع أركان الإيمان وشروط الإسلام، وبين عدد النكات الإحدى عشرة الواردة في المكتوب، فكأنها بذلك تخبِرُنا أن: "كلّ من يزعم أنه مؤمن فواجبُه اتباع السنة، وكل من يدعي أنه مسلم ويرغب بالتخلص من عتاب لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ فيلزمُه التمسكُ بالسنة".
قبل أن تصلني هذه الرسالة رأيت ليلةً في المنام یی جعلها الله رؤيا خيرٍ یی أنني في جامع كبير، وبعد أداء الصلاة وقفتُ على قدميَّ قريبًا من الباب، فرأيتُ جماعة صغيرة قادمة من طرف المِحراب الأيسر، وعندما اقتربوا مني طرق سمعي صوتٌ يقول: "هذا سيدنا عبد القادر الگيلاني"، فقلت بشكل لا إراديّ: "مدد أيها الغوث الأعظم!"، وانكببتُ على قدميه باكيًا، فرفعني الرجل المبارك عن الأرض بيده اليسرى بكل رأفة.. وكان رجلًا طويلَ القامة مَهيبًا، يلبس حُلةً سوداء، ذا لحية مباركة سوداء يشوبها بعضُ البياض، مُحيّاه نوراني بشوشٌ، وعلى رأسه المبارك عمامةٌ بيضاء طويلة على شكلٍ مخروطيٍّ ناقص.. وأذكر أننا حين خرجنا جلسنا مع الجماعة في غرفة ملاصقةٍ للجامع.
لقد كانت رؤيا مُؤنسة، أيقنتُ بها أن دعوات الغوث وهمَّته مع حزب القرآن في كلِّ زمان.
خلوصي
٭٭٭
— 233 —
(فقرة صبري):
وصلني مؤخَّرًا مع أخي "سليمان أفندي" القسم الرابع من الفهرس الذي يُعَدُّ زبدةَ ترشُّحات الكتاب المبين، ومعه رسالةٌ موجهة لي تفضَّلتم بكتابتها، فقرأتُه ودعوت آلاف المرات لمؤلِّفه وكاتبِه وناشريه وخدَّامه.. وخلال الساعتين المخصصتين للقراءة كنت أشعرُ بالمتعة والاستفادة العظيمة، وكأنني قرأت جميع رسائل النور ومكتوباته، وقلت: "يجب علينا الاجتهاد بضعة أشهر في استنساخ الفهرس ونشره، وتقديم هذا العمل على كل شيء"، ولا يكفي ما وجَّهتم به في رسالتكم من لزوم كتابة أربع نسخ من الفهرس.
إذ إنَّ نشر أنوار الحقائق القرآنية هو غايتُنا، وإن هذه الرسالة المباركة النفيسة التي لا تُقدَّر بثمنٍ خلاصة حقائق القرآن وزُبدتُه، بل قائدُه ومفتاحُ نصره ومرقاةُ فتوحاته یی إن جاز التعبير یی.
أستاذي العزيز، كنتم في السابق كلَّما شرعتُم بتأليف هذه المؤلَّفات القيِّمة مُستعينين بالله، تَعدُّون طالبَكم المقصِّر هذا مخاطبَكم، وترسلون إليَّ نسخةً من كلِّ رسالة، لكنَّني كنت آنئذٍ غارقًا في بحارِ الظلمات، ولمّا تنقشع عن عيني الحجبُ المُسدَلةُ بيني وبين الأنوار، إلا أنَّني اليوم ومع اضمحلال تلك التيارات المعارضة السَّلبية الهدّامة، والتي يصحُّ وَصفُها بأنها السُّمُّ الزُّعاف، تفتَّحت أمامي بحمد الله أبوابُ الأنوار القرآنية غير المُتناهية، لذا أقوم الآن بإعادة قراءة المؤلفات المنشورة في عهد الظلمات، وإعادة كتابتها مرة أخرى.
وفي الحقيقة ثمَّة بونٌ شاسع بين قدرة اللسان والقلم، وبين التحدُّث عن قيمة تلكم الرسائل وما تمنحه من غنائم وفيوضات، وعلى من يُقدِمُ على ذلك الأمر أن يكون دلَّالًا حقيقيًّا للقرآن حتى يوفي هذه الترشُّحات القرآنية واللَّمَعات الفرقانية السّامية المباركةَ حقَّها من المدح والثناء.
ومَا كنتُ موفيًا من حقِّها ولا واحدًا من ألف لو قلتُ بأن هذه الخزائن المكتنزة بالحياة الحقيقية السرمدية، تحوي من الكلمات والتعابير ما عزَّ نظيرُه من شتَّى الوجوه،
— 234 —
وتنطوي من حسن البيان على ما لم يبلغ الأسماعَ من قبلُ، مع كمال السلاسة والجزالة، ومنازل الغبطة والحيرة، ومجامع الدرر المكنونة؛ فهي بجميع جملها وفقراتها جلوة من جَلَوات اسمي "البديع" و"الحكيم".
وخلاصة القول: إن هذه الأنوار هي للدجالين قذائفُ مُعدّة ومخصَّصة، ولأهل الإيمان خزائنُ دائمة لإكسيرِ حياة فيّاض من الينابيع المنوَّرة لحقائق "القرآن الحكيم" في القرن الأخير.
صبري
٭٭٭
(فقرة الحافظ علي):
سيدي وأستاذي الحبيب.. تلقَّيتُ بسرور بالغ القسم الأول من اللمعة الخامسة عشرة من المكتوب الحادي والثلاثين.
أستاذي الحبيب، بالنسبة لهذا العبد الفقير، فإنَّ "الكلمات" التي تَنشُر الأنوارَ من شمس الهداية هي محضُ حقٍّ وحقيقة، وهي سوق عالم الحقيقة؛ سوقٌ غنيٌّ ومهيَّأ بأنواع التجهيزات لا قرار له ولا نهاية، يحوي عموم ما يحويه عالم الحقيقة؛ وحتى نكتسب قوّة "سلطان" يتوجَّب علينا أن نقتنيَ ما يعرضُه هذا السوق من بضائع، وإن كان العرضُ بقصد المشاهدة فيتوجَّب استخدام نظرٍ ثاقب ونافذ وشموليّ، لإدراك عموم ما يشاهَدُ أثناء التَّجوال والسِّياحة؛ وبما أنَّه يَندُرُ وجود مثل هذا النظر، لذا يتطلَّب الأمرُ وجودَ لائحة تضمُّ عيِّناتٍ من جميع البضائع للتَّمكُّن من الشراء والمشاهدة.
وإلى الآن لاحَظْنا یی أستاذي الحبيب یی أن كل لائحةِ عيناتٍ تُظهِر أنواع الأقمشة بكُلِّياتها وجزئيّاتها في قطعة قماش صغيرة لا تصلح لشيء بعد ذلك؛ أمّا فهرس الخزينة اللامتناهية التي هي نورٌ كلُّها، ففي كلِّ قطعة وفي كل لائحة منها نماذجُ أقمشة قيِّمة، يمكنك أن تخيط منها ثوبَ حنيفٍ مسلمٍ بشكلٍ مُبهِر؛ فمثلما هو خارق في الكليات خلافًا للجميع، كذلك يحمل خاتمًا خارقًا في الجزئيات أيضًا.
— 235 —
أجل أستاذي! لقد هام قلبي وتاقت روحي حينما كنت أَنسخُ هذه الرسالة، وازدادت رغبتي بالاطِّلاعِ على جميع رسائل النور بغاية اللهفة والاهتمام؛ وهذا يعني أنَّه بمثل حاجتنا للاطِّلاع على سائر أقسام الرسائل كلٍّ على حِدة، نحن بحاجة أيضًا لمشاهدتها جميعًا دُفعةً واحدة.
أسأل الله تعالى أن يُكافئكم بما يليق بعظيم رحمته، وبما يقتضيه كمال شفقته.. آمين.
الحافظ علي
٭٭٭
(فقرة مقتطفة من الرسالة التي كتبها أخي عبد المجيد لخلوصي بك):
حياك الله يا عزيزَ "العزيز" (ألازيغ)، ويا تلميذَ حضرة سَيدا المحترم..
لقد تلقَّيتُ بسرور بالغ رسائلَكم المبشِّرة، والتي كنتُ أتوق للحصول عليها.
وهذا الأمر يتطلَّب تحرير جوابٍ لكم، لكن ماذا أكتب وكيف أكتبُ وروحي مضطربة، ونفسي مهمومة، وأفكاري مبدَّدة، فكلما فكَّرت بالوحشة والقساوة واليأس والبأس التي تتقاطر علي من جهاتي الأربعة، أجد عقلي وقلبي يتأهَّبان معًا للرحيل، أحدُهما نحو الجِنَّة (أي: الجنون)، والآخر نحو الجَنَّة (أي: الشّام)؛ لذا فأنا حائرٌ ماذا أكتب؟ فلستُ أوفي حقَّ أستاذيّة سَيْدا ولا حقَّ أُخوَّتكم.
أما الرسائل الواردة منكم فهي تصدر من فكرٍ صافٍ نقيٍّ منوَّر، لذا تُشعُّ ضياءً ونورًا؛ بينما الأفكارُ المظلمة التي يطرحها ذهني المشوَّش تنشر الظلمات، لذا أنا خائفٌ ومتردِّد في كتابة أيِّ شيء لكم.
عبد المجيد
٭٭٭
— 236 —
(فقرة رأفت بك):
سيدي وأستاذي العزيز المحترم.. لقد كان تأليفُ فهرس الكلمات والمكتوبات والنوافذ فكرةً مميَّزة جدًّا، إذ يحصل لدى مُطالعِه إلمامٌ واسعٌ بأجزاء رسائل النور وقيمتها وأهميتها وبنظرة خاطفة، ويصلح أن يكون مَدخَلًا لجميع الرسائل، فمن غير الميسور لأيِّ مؤلِّف أن يلخِّص في أربع رسائل مضامينَ مئةٍ وعشرين كتابًا، معرِّفًا بها واحدةً تلوَ الأخرى بنحو موجز، ومستعرضًا ماهيّةَ كلِّ رسالة ومقاصدَها، وما تضمَّنته من نصوصٍ وآيات ومعانٍ إجمالية.. ممّا يُؤكِّدُ أنَّ تأليفَه تمَّ بسُنُوحاتٍ قلبية لا إرادية، وهي خصيصةٌ أخرى تميِّزُ هذا الفهرس بشكل بارز.
ولأجل ما نراه من هذا الإكرام والإحسان، نحمد ربنا ونشكرُه أن منَّ علينا بأُستاذٍ مثلكم.
رأفت
٭٭٭
(فقرة مقتطفة من الرسالة التي بعثها خلوصي بك لأخ لنا في "أغيردِر"):
إنني محظوظ جدًّا بما تلقَّيتُه من مؤلَّفات أستاذنا الأخيرة، والمتضمِّنة للَّمعتَينِ الثالثة عشرة والرابعة عشرة من المكتوب الحادي والثلاثين، وهي دروسٌ نورانية قيِّمة حكيمة، غزيرةُ المعاني عظيمة المُتَعِ كأنها الشَّهد المصفَّى، وقد قرأتُ للإمام عمر أفندي الدرسَ المنوَّر (اللمعة الثالثة عشرة).. ومن سوء حظِّي أني لم أكتب جوابًا حول ذلك! فكأنَّ الحاشية الخاصّة في نهاية هذا الدرس منعتني معنويًّا من كتابة الرسائل لمُدّةٍ من الزمن، إلّا أنَّ ما تضمَّنته من معانٍ ظاهرية تُظهرُ أن هذه الإشارات موجَّهةٌ لهذا المسكين بصورة مباشرة.
فلا تسعُني بضعة أسطر لإيضاحِ مدى الفيض الذي تلقَّيتُه من درس الحقائق هذا، أو التعبير لكم عن بعض مشاعري التي أَحسَستُ بها.
— 237 —
فما تضمَّنه هذا الدرس من أوامر أستاذي الحبيب وإشاراته ودروسه وتنبيهاته، وإيقاظاته وإرشاداته، وتهديداته وشَفَقَته، كلُّه حقيقةٌ، وجميعُ ما تحدَّث به حتى اليومِ إنَّما هو من هذا القبيل، وما سيليه سيكون في نفس الماهية أيضًا، ولستُ أحمل أيَّ شك أو شبهة حيال هذا الأمر.
صحيح أنَّ المهيمن على عموم أفعالنا إنما هو السَّوقُ الإلٰهيُّ القَدَريُّ لا الصُّدفة، والاقتيادُ الفطريُّ والتقديرُ السُّبحاني لا غير، وأننا مسؤولون عمّا نقترفُه بجزئنا الاختياري من السيِّئات، إلا أنَّ الحسناتِ لا تُحرَزُ إلا بالتوفيق الإلٰهيّ وحدَه، بشهادةٍ مصدَّقةٍ من القرآن الباهرِ البرهان.
خلوصي
٭٭٭
(التنبيه الأخير لمفتي "أغيردِر"):
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
باعتبارك صديقًا قديمًا وزميلًا في العلم، أودُّ أن أصارحك بما يلي:
سأخبرك عن مصيبة دينية عظيمة تتعلق بكلينا نحن الاثنين، ويجب العمل معًا قدر المستطاع لتجنُّبها، وهي على النحو التالي: في الوقت الذي كان ينبغي أن تقدِّم بنفسك اهتمامًا أكثر وتأييدًا أكبر لخدمتنا للقرآن والإيمان، وأن تبذل جهدًا مضاعفًا في الذود عنها؛ وجدناك یی مع الأسف یی تنظر إلينا نظرة باردة، وتعاملنا بأسلوبِ التحدِّي والمنافسة، بل وتصطفُّ مع معارضينا، ولأسباب مجهولة! بل لقد سعيتَ لتعيينِ ابنك في هذه القرية، ومن ثم توفير أصحاب مؤازرين له، مما تسبَّب في ضرر عظيم ترتعد منه فرائصي كلما فكَّرتُ في ماهيَّته! لأنك أنت المسؤول عن الخطايا والآثام الناجمة عن هذا الضرر وفق قاعدة: "السبب كالفاعل".
— 238 —
فكما أن السُّمَّ لا يتحوَّلُ ترياقًا بمجرَّد إطلاق اسم الترياق عليه، كذلك إطلاق أسماء معيَّنة على تصرفاتِ هيئة تُضمر مشاعرَ الزندقة، وتهيِّئ القاعدة للإلحاد، لا يغيِّر من الحقيقة شيئًا مهما كان ذلك الاسم، سواءٌ سُمِّيت: "دار الشباب" أو حتى "دار المباركين".
إذ الهيئات الموجودة في أماكن أخرى تحت مسمَّيات: "منظمات الشباب" و"مجالس الأتراك" و"محافل التجدُّد" وما شاكلها، يمكن أن تُوجَد في أشكال أخرى دون أن يتأتى منها ضررٌ، غير أنَّ لجوء هيئة معاندة معارضة في هذه القرية لاتِّباع نهجٍ محدَّدٍ ضدَّنا یی نحن المُنصرِفين لخدمة الإيمان وحقائق الدين فقط منذ ثماني سنوات یی هو مخالفة لأصول الدين وموالاة للإلحاد، بل لن يخدم إلا مصالح الزندقة؛ ولن يخرج بغير هذه النتيجة، عَلِمَها من علِمَ وجهلَها من جهِل.
فلقد ظهر لجميع من هم في هذه النواحي أنه لا علاقة لي بالتيارات السياسية، وأنَّ عملَنا مقتصرٌ على الحقائق الدينية وحدها، لذا فإن قام أحدٌ بتصرف أو إجراءٍ يضادُّنا، فلن يكون ذلك لصالح الحكومة، وذلك أن مسلكنا ليس مسلكًا سياسيًّا؛ ولن يكون أيضًا لصالح مُستحدَثات الأمور، لأن شغلَنا الشّاغل هو الأُسُسُ الإيمانية والدساتير القرآنية؛ كما أنه لن يكون لصالح التعليمات الرسمية الصادرة من قبل رئاسة الشؤون الدينية، لأن انتقاد هذه التعليمات والاشتغال بمخالفتها يشغلُنا عن خِدمتنا المقدَّسة؛ فتركنا هذه الأعمال لغيرنا، ولا نَشغَلُ أنفسَنا بها، ونَسْعَى قدرَ المُستطاع لعدم المَساسِ بتلك التعليمات.
وما دام الأمر كذلك، فإن الذي يتَّخذ سلوك المخالف لنا والمعتدي علينا، في هذه القرية التي أضحت مدارَ تيارٍ إيماني طوال ثماني سنوات، تعدُّ مخالفتُه هذه عملًا لصالح الزندقة والإلحاد، أيًّا كان اسمُها.
واستنادًا إلى علمك وموقعك الاجتماعي ومنصبك في الإفتاء ونفوذك في هذه النواحي ومعاونتك المشجِّعة لابنك نتيجةَ شفقتك المُفرِطة على الأولاد، فإن الوضع المترتب على ذلك وضعٌ جادٌّ خطيرٌ يتعلَّق بكلينا معًا.
— 239 —
أمّا بالنسبة إليّ: فإنني أقيم هنا بشكل مؤقَّت لا دائم، ولستُ مُكلَّفًا بإصلاح هذا الأمر، فبإمكاني التخلُّصُ من المسؤولية بطريقةٍ ما، لكن لكونك السَّببَ ونقطةَ الاستناد، فإنه يترتبُ عليك القيام بإصلاح هذا الأمر فورًا وقبل كلِّ شيء، أو إبعاد ابنك عن هذه القرية، أو السعي لتغيير ذلك المخطط الذي سيُلحق بك الآثام على الدَّوام، وكيلا يُسجَّل ما يَنجُم عنها من أضرارٍ في سجلِّ أعمالك.
وأودُّ أن أقدم لك نموذجين صغيرين فقط من نتائج هذا المخطط، يصبّانِ في صالحك ويُضرّان بي:
الأول: رجلٌ من أهل العلم يُحسن الظن بي كثيرًا لدرجة تفوق حدِّي بكثير، ويتتبَّع تصرُّفاتي وحركاتي أكثر من الجميع، صار يصحبُ ابنك في المسلك ثقةً بك، فجاءني هذا الرجل يومًا وقد تهيَّأتُ لأداء الصلاة في غرفتي الخاصة رغم أنَّ لصلاة الجماعة معي مكانةً كبيرة عنده، إلا أنه ما إن سمع الأذان المُحمَّديَّ (ص) المقروء سرًّا حتى نفر سمعُه وتوجَّس خيفةً وولَّى هاربًا!! فها أنا أطلب منك الفتوى في أمره هذا، وأودُّ أن أسألك: كيف تكونُ حال الإيمان في قلبِ مَن تفرُّ أذنُه من سماع الكلمات النورانية القدسية الممتعة لفخر العالمين عليه الصلاة والسلام؟! أترك لك الإجابة.
وإن كان هذا التصرف قد صدر من رجلٍ بهذه الحال، فما المتوقَّع من الجهلة أو الشباب؟! كيف سينصبغون في ذلك المسلك؟! لك أن تقيس هذا الأمر، ولتَبكِ معي على هذا الموقف.
الثانية: كان لي صاحبٌ تقيٌّ جدًّا، وكان يعرضُ عليَّ كلما زارني أجملَ العبارات التي تتحدث عن الآخرة وينبهني إليها، إلا أنَّك طلبتَ منه أن يتجنَّبني ويصاحب ابنك؛ فأتاني هذا الرجل بعد حديثك معه في أحد أيام شهر رمضان الماضي، وعرض عليَّ قراءة بعض النصوص أمثال حوادث هولاكو وجنكيز قائلًا: "ليتك تقرؤُها"، فقلتُ له وقد تملَّكتني الحيرة والعَجَب: "أخي! هل جُنِنتَ؟! ليس لديَّ وقت حتى قراءة "دلائل الخيرات"، فمن أين أتيت بهذه الجرأة حتى تطلب مني قراءة السِّيَر المظلمة
— 240 —
لأمثال هؤلاء الظالمين، وفي شهر رمضان الشريف؟!" فانصرف ولم يَعُد لزيارتي منذ شهرين، وهو الذي كان يزورني في كل أسبوع مرَّتين! إلا أنَّ العناية الرَّبانية أدركته وتخلَّص من هذه الحالة.
على كل حال، هنالك حوادثُ كثيرة مؤلمة كهذه.. وباعتبارك أخًا شقيقًا لأخٍ حقيقيٍّ لي، أرجو منك ألّا تستاءَ من هذه المصارحة التي كتبتُها بقلم اللِّين والمؤانسة، لا القسوة والجفوة.
الباقي هو الباقي
سعيدٌ النُّورْسِيّ
حاشية: أودُّ أن أتحدَّث عن حالة مُضرّة بخدمتنا القرآنية لم أُفصِح عنها لأحد من قبل، بل لستُ أرغب حتى بالتفكير بها: إنك كنت في حقبة معينة أحدَ أصحابي، وكان ابنك يزورني كطالب، ويُحاول الاستفادة بكل جدِّية، فما كان يضايقني بل على العكس من ذلك: كان يتقبَّل تنبيهاتي باهتمام، ويستفيد منها كثيرًا.
واستمرَّ هذا الأمر حتى اتخذتَ تجاهي موقفَ التحدِّي والمُنافسة، وخضع ابنك تحت تأثير هذا الموقف حتى تحوَّل من طالب مطواع إلى عدوٍّ ظالم! وليس لدي أدنى شبهة أن الصعاب التي عانيتُها والأضرار التي لَحِقَت بخدمة القرآن كانت بسبب ابنك وبسبب اتخاذك هذا الموقف، فلولا نفوذك وموقعُك لَمَا تجرَّأ ابنك على القيام بمثل هذه الأمور!!
على كل حال... إنني أقتصر على ما ذكرتُ كيلا تستاءَ أكثر، واعلم أنني سامحتك وجعلتُك في حلٍّ مني إكرامًا لخاطر أخي "حقي أفندي"، لكن عليك الحذرُ من صفَعات القرآن الحكيم الذي ارتضانا في سلك خدمته، فربما لا يُسامحُ في حقوقه.
٭٭٭
— 241 —
(حول سليمان الذي تعرَّض لهجومٍ شديدٍ من أهل البدعة):
سؤال: ينتقدُ كثير من الناس "سليمان" وفي مقدِّمتهم مسؤولو هذه القرية، ويقولون عنه: "يتحدَّث إلى الأستاذ بكلام فارغ، ويرتكب بذلك أخطاء، وكأنَّ تصرفاته ضربٌ من النفاق"، وله في خدمتك مدة طويلة، فحدِّثنا عن سليمان، ماذا تعرف عنه؟
الجواب: يعلم أهالي هذه القرية أن سليمان يقوم منذ ثمانية أعوام على خدمة هذا الرجل العصبيِّ المزاج والشديد الغضب، دون أن يجرح خاطري بشيء، بل يترك أعماله الخاصة ويخدمني بحقِّ الصداقة ولوجه الله تعالى ودون أيِّ مقابل مادِّيّ؛ فرجل مثل هذا ينبغي أن يفتخر به لا أهلُ هذه القرية فحسبُ، بل الولاية كلها من حقِّها أن تعتزَّ به.
إن وجود هذا النوع من الأخلاق في هذا الزمان أمرٌ يستحقُّ فعلًا التأمَّل والاعتبار، فقد كان على عاتق هذه القرية مسؤولية توفير الراحة لي، لأني ضيفٌ غريبٌ، فأسعفني الإحسان الإلٰهيُّ یی باسم هذه القرية یی بسليمان وبمصطفى چاويش والمهاجر الحافظ أحمد وعبد الله چاويش؛ فأغنَوني یی بحمد الله یی عن مئاتٍ من الأصحاب، وعوَّضوني عن مدينتي، ولم يتركوني أُعاني مشاقَّ الغربة وحرجَ الضِّيافة؛ وتعزَّزت بسببهم صلتي بأهالي هذه القرية یی أحياءً وأمواتًا یی وبِتُّ أدعو لهم بشكل دائم.
فأمّا مصطفى چاويش والمهاجر الحافظ أحمد فلا يقلّان شأنًا عن سليمان في خدمتهما وتفانيهما، لكن لن أتحدَّث عن محاسنهما حاليًّا لعدم تعرُّضِهما للهجوم والتشويه، بل سأقصُر الحديث بعضَ الشيء على سليمان:
لقد أدَّى سليمانُ جميع أعمالي وكتاباتي الخاصة بتمام الوفاء وغاية الشوق ودون مقابِلٍ أو امتنانٍ، حتى إنه كان يقدِّم خِدماته هذه بنيّة صافية وخالصة محتسبًا ذلك عند الله وحده، ويحضرُ في اللحظة التي أحتاجه فيها دون سابق إنذار، فكنت أتساءلُ مستغربًا: "سبحان الله! هل يستمع هذا الرجل لرغباتي القلبية؟!"، وأدركتُ لاحقًا أنه يُستخدم في هذه الخدمة، فهذه الحالة هي كرامةٌ لجميل وفائه وولائه.
— 242 —
وفي أحد الأيام التي كان يقوم فيها على خدمتي، سقطت إحدى بناته الصغار یی وهي ما زالت في عامها الأول یی من سطح منزل مرتفع فوق صخرة، دون أن تتعرَّض لأيِّ إصابة أو يظهر عليها أيُّ أعراض، بل حتى لم تنقطع عن رضاع الحليب من ثديِ أمِّها، إكرامًا إلٰهيًّا لتلك الصداقة والخدمة.. وبكل حال فقد شاهدنا وجوهًا كثيرةً من لَمَعاتِ هذه الصداقة.
وإلى جانب الوفاء، وجدتُ في سليمان إخلاصًا قويًّا، أجل، ففي هذه الأيام التي أذاع فيها الظَّلَمةُ إشاعاتٍ تَمَسُّ بشرفه وكرامته، قلت له من قبيل بثِّ السُّلوان: "إن تلفيق هذه السُّمعة السَّيئة وإلصاقها بك ستُنجيك من الرياء"، فتقبَّلَ هذا السُّلوان وتلقّاه بكمال الجِّدّية وتمام السرور.
ولنَعُد إلى مسلكه فيما يخُصُّ الغيبة: إن هذا الرجل يعلم جيدًا كم أُبغضُ الغيبة، فهو لأجل ذلك يتجنَّبُها كيلا يغضبني، بل يحرص على ترك الحديث عن شيء ولو كان جائزًا، خصوصًا في شهر رمضان، وليس في أخلاقه ما يضرُّ بغيره؛ غيرَ أنَّ السَّبب في إشاعة المُغرِضين المُبالَغ فيها هو أنَّ أحدهم سأله: "هل تحدَّث الأستاذُ لفلانٍ بكذا وكذا؟"، فجاء يسألُني عن الأمر كي يجيبَ الذي سأله، وهذا لا يُعدُّ غيبةً ولا غيرَها.
ومهما يكن من أمر، فإني ما كنت أنتظر من أهالي هذه القرية أن ينتقدوا إخواني من أمثالِ مصطفى چاويش وسليمان أفندي، الذين أعتمدُ عليهم بشدّة، وأثقُ بأخلاقهم وتديُّنِهم تمامَ الثِّقة؛ وكنت أتوقَّع أن يُبادلوهم كاملَ الاحترام الذي أجدُه منهم بعد مغادرتي هذه القرية؛ فأنا آمُل أن يُدرك تسعون بالمئة من الأهالي قدرَ هؤلاء ومكانتَهم مهما تعرَّضوا للانتقاد بغير طائل، وذلك لأن المساس بهؤلاء هو مساسٌ بي بشكل مباشر!
إن إخواني القائمين على خدمتي ممَّن ورَدَت أسماؤهم لا يبتغون أيَّ منفعة مادية ولا يقبلونها أصلًا، بل إنهم یی على العكس من ذلك تمامًا یی يُنفقون عليَّ وعلى ضيوفي من أموالهم الخاصة؛ بل ربما أعطيتُ سليمانَ رغيفَ خبزٍ لا أرغب بأكلِه، فيقبله مني لئلّا يكسر خاطري، ولكنَّه لا يأخذُه أبدًا دون مقابل، فيُحضر مُقابلَه رغيفًا آخر! وكنت أُصِرُّ عليه أحيانًا حتى يشرب قدحًا من الشاي، فيأبى رغم إلحاحي
— 243 —
الشديد، فكنتُ أسأله: لمَ تفعل هذا؟ فيجيب: "لا نرغب أن نُدخِل في خدمتنا منافعَ مادية، لتبقى خالصةً في سبيل الله".
ورغم الخدمات الكثيرة التي قدَّمها سليمان ومصطفى چاويش لضيوفي، لا أعلم أنَّ أحدًا من ضيوفي قدَّم لهما يومًا هدية، سوى بعض الفاكهة التي أعطاها بكر بك مرة لابنة سليمان الصغيرة، فقام هو بالمقابل بإهدائه طبق خضروات من الباذنجان والفلفل والبطيخ عدة مرات وأرسلها إليه حسب علمي، وفضلًا عن هذا فإنه كلما قدم بكر بك وغيره من الضيوف لزيارتنا، يقوم سليمانُ بتوفير العلف والشعير لدوابِّهم.
فحينما قدم إليَّ بهذه الأخلاق الأصيلة المركوزة في فطرته، وافَقَت فطرتُه قاعدتي التي أعُدُّها دستورًا في حياتي، وهي الاستغناء وعدم قبول الهدايا من الناس، لذا تجده لا يقبل هدايا الناس حتى مقابلَ ما أسدى إليهم من إحسانٍ، بل ولا يقبل أيَّ شيءٍ زيادةً عني رغم إلحاحي الشَّديد المتكرِّر.
ومرّةً كان لدي حوالي أوقية من الزبيب، والمشمش المجفَّف، وأوقية عسل، وما كنتُ أشتهي أكلَها ولا تقديمَها للضيوف، فقدَّمتُها له قائلًا: "هذه هدية مني لأطفالك تبَرُّكًا، وأنت ملزمٌ بقبولها"، فاستلمها مني، إلا أنه جاءني بعد ذلك بمقدار مكيالين من القمح المطحون، وهو عندي منذ أربعة أشهر لم ينفد بعدُ!
وبينما كانت حقيقة حال الرجل على هذا النحو، إذا بنا نسمع الظالمين يُشيعون أخبارًا عنه بأنه يعيش في ظلِّ سعيد! وهو أيضًا يقول بكمال الافتخار: "أجل، إنني تعلَّمتُ القناعة والاقتصاد في كنف أستاذي، وأعيش حياتي هانئًا سعيدًا، وأعدُّ كلام الناس بحقي خيرًا، إذ أُحصِّنُ نفسي به من الرياء، ويحملُني على الإخلاص".
وأنا بدوري قلت له: إنه خيرٌ في حقِّك، لكنه ضررٌ على خدمة القرآن، لذا استوجب الأمرُ أن أُعلِن حقيقةَ الحال حتى يعلم أهلُ البدعة جيدًا أن هؤلاء الأشخاص يعملون لوجه الله تعالى بغاية الإخلاص.
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭
— 244 —
(فقرة خلوصي):
تلقَّيتُ اللمعتين الأولى والثانية من المكتوب الحادي والثلاثين مع المقام الأول للرمز الأول من المكتوب التاسع والعشرين، مؤرَّخًا عليهم (١٨ رجب)، وذلك في اليوم الأول من شهر شعبان، أي: بعد ثلاثة عشَرَ يومًا من تاريخ كتابته، ما يعني أننا إذا أضفنا إلى رقم (١٨ رجب) عدد (١٣) فسنحصل على (٣١)، وهذه إشارة غيبية إلى رقم هذا المكتوب الحادي والثلاثين.
ولبيانِ النفع الذي جنيتُه من هذا المكتوب، ألتمسُ منكم الإذن بأن أتحدَّث عن الفيض المعنوي الذي سبقه؛ وهو على النحو التالي:
في الليلة التي أُودع فيها هذا المكتوب في مكتب البريد، رأيتُ في عالم المنام حالة غريبة یی جعلها الله خيرًا یی: رأيتُ أن القمر طلع من بطن الأرض بسرعة، وبدأ يرتفع شاقوليًّا نحو السماوات ارتفاعًا سريعًا، ولم يظهر لخروجه أيُّ إضاءة أو أثر.. وكنت أُتابع هذا الأمر بصمت، ثم سمعت صوتًا غيبيًّا يقول لي: "لقد بدأت العلامة الكبرى"، وأثناء الارتفاع السريع للقمر وصل إلى حدٍّ بدأ معه يسطع ويكبر حجمه، وبات أكبر من البدر التامِّ بعدة مرات، وفي هذه اللحظة ظهر على سطحه شكلُ إنسان، وبعد مدة قصيرة اختفى هذا الشكل وغاب القمر وعمَّ الظلامُ الدامسُ أرجاءَ المعمورة.. التفتُّ إلى جهة المغرب فرأيت الشمسَ تطلُعُ من خطِّ الأفق بضياء خافت على ارتفاع رُمحٍ تقريبًا، ثم تحرَّكت لبعض الوقت وبسرعة عالية نحو الشمال وعلى مستوى خطِّ الأفق، وغابت بعدها؛ فعادت الظلمات من جديد.. وكنت محافظًا على برودة أعصابي، واستيقظت من النوم على أنَّ القيامة قد قامت.
وفي صباح هذه الليلة العجيبة تلقَّيتُ المن اَف المُحتويَ على اللمعتين الأولى والثانية من المكتوب الحادي والثلاثين وطالعتُه؛ وتفكَّرتُ في نفسي بما جرى معي ليلًا، فقلت: إن هذا المكتوب المبارك يعلِّمُني الدرس التالي: "إنك تركبُ سفينة عظيمة تُبحِر بك مسرعةً في عباب بحر الفضاء اللامتناهي، وإن القادر القيوم الذي يحرِّك هذه
— 245 —
السفينة بحركات عدة قد سخَّر لك أجسامًا عظيمة كالشمس التي تطلع وتغرب بشكل مُنتَظِم، وكالقمر الذي يصغر ويكبر ويأخذ وضعية التقويم السماوي، وإن إحدى هذه الكُرات عندما تتلقَّى أمر كُنْ فَيَكُونُ ستتداخل ملايين السيارات العظيمة ببعضها، وسيختلُّ نظام الكون، وسيتهدَّم كلُّ شيء، ويظهر سرُّ:
كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ.
وما دام الأمر كذلك، فانظر في قصر الكون هذا الذي يبدو متينًا وعاليًا ومزيَّنًا أكثر من أيِّ شيء، وتصوَّر أنه سوف ينهار فجأة ويتهدَّم ويُقضى على جميع ساكنيه، وتذكَّر أنك في فلَكِ هذه المخلوقات لا شيء يُذكر، ولا تنخدع وتُغرق قارب حياتك الصغير جدًّا في بحر عمرك القصير ذي الأمواج العاتية أمثالَ الجبال، واسْعَ للتخلص من مكائد نفسك الأمارة الأقرب إليك، والتي تسعى للقضاء على حياتك الأبدية.. ولأجل ذلك أنصحك بوسائط نجاة وشفاء وخلاص سهلة ورخيصة، وذات تأثير قطعي مجرَّب، من مثل:
لا إلٰه إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، و"ربِّ إني مسني الضر وأنت أرحم الرحمين،
وشعرتُ كأنه يقول لي: "اقرأ هذه الأدعية خاصّةً بين المغرب والعشاء ثلاثًا وثلاثين مرة، وواظِب عليها".
إن تعبير هذه الرؤيا الصغيرة يعود لأستاذي المحترم حسَبَ رغبته، إلا أنَّ طُولَ مُدّة حرماني هذه المرة قد أحزَنَني كثيرًا، وحاولتُ التحلِّيَ بالصبر، ولكن الأمر الغريب أنني في صبيحة اليوم الذي وصل فيه هذا المكتوب إلى مكتب بريدِ المنطقة، كنتُ قد أرسلتُ رسالةً صغيرة إلى أخي في الآخرة "حقي أفندي" أقول فيها: إنني أتجمَّلُ بالصبر مستمدًّا القوة من الأمر الإلٰهيّ الجليل: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ، لكن الطبيعة البشرية لا تسمح لي بالتخلُّص من القلق.
فبِتُّ على يقين أن اللمعة الثانية التي تشغل مقدِّمة هذا المكتوب المبارك، تضرب على رأسي وتنبِّهُني وتُوقظني قائلةً: أيها المسكين، هل يليقُ بك أن تتحدَّث عن الصبر؟ افتح عينيك وشاهد صبر سيِّدنا أيُّوبَ عليه السلام، فإن كان لديك مُسكةُ عقلٍ
— 246 —
فحاول أن تُقلِّد بطولة هذا النبي في الصبر، واجعل وِردَك الدائم:
ربِّ إني مسني الضر وأنت أرحم الرحمين
لعلَّك تتخلَّص من جراحك المعنوية الغائرة.. أدركتُ هذا وقلت: "الحمد لله".
إن الباب الأول من المقام الأول من الرمز الأول من القسم الثامن للمكتوب التاسع والعشرين يدور حول ثلاث مسائل توضِّحُ سِرًّا واحدًا فقط، وهذا السِّرُّ يتعلَّق بالتوافقات التي كشف عنها أستاذي العزيز الموقَّر، وهي من الأسرار الكثيرة المهمة المُودَعة في ثنايا سورة النصر الواقعة في آخر أجزاء القرآن الكريم الثلاثين، والذي هو أعظم المعجزات الأحمدية (ص)، والمعجزةُ الباقية يقينًا إلى قيام الساعة، وهي السورة رقم (١١٠) من بين (١١٤) سورة، ومع قلّة ألفاظها إلا أنها سامية وشاملة مقامًا ومعنًى؛ وقد أورثتني هذه المسائل الثلاث قناعة قطعية أن هنالك دلالة وإشارة في الآيات الثلاث لهذه السورة الصغيرة إلى ثلث القرآن، وفي تمامها إلى أجزائه الثلاثين، بل في كل حرف من حروفها إشارةٌ إلى سورة قرآنية.
تلك هي مشاعري وانطباعاتي حول هذا المكتوب المبارك، وقد سُرِرتُ كثيرًا بإخباركم لإخواني القريبين من منبع الفيض مادةً ومعنًى أن عباراتي التي أكتبها ذات فائدة، وذلك من قبيل فتح باب التشجيع لهم، وإخبارهم بأنَّهم مؤهَّلون أيضًا للعبور من هذا الباب باتجاه الداخل.
أستاذي الحبيب، الذين يتحابُّون في الله؛ والذين يأمُلون من صميم قلوبهم أن يحظوا بشرف خدمة القرآن، والذين يعلمون أن أعظم مصيبة هي تلك التي تكون في الدين، والذين يستشعرون من كل تصرُّف يومئ بالبدعة یی مهما كان مبهرجًا ورنَّانًا یی أنه هجومٌ على القرآن والإيمان.. نعم، إن هؤلاء يزدادون یی بحمد الله یی قربًا من مركز النبع ومصدر الفيض بحسب إخلاص نواياهم وصفاء قلوبهم وقوة إيمانهم، وبمدى ارتباطهم الوثيق بالقرآن.. وإنني بكل تأكيد أحمل ودًّا لأمثال هؤلاء من إخواني ذوي الأرواح السامية، والإخلاص الجادِّ، والإيمان المتين، وأتضرَّع إلى الله أن يجعلهم من
— 247 —
الشاكرين للأنعُم التي أضحوا مظهرًا لها، وأسألُهم الدعاءَ ما أمكن لأخيهم المسكين الذي سئم المعاصي، وقد غرق في غمار الدنيا، وهوى في غربة أليمة.
أُرسِلُ سلامي للجميع وخاصة من وردت أسماؤهم أمثال غالب وخسرو والحافظ علي وسليمان أفندي ورئيس ديوان النور الحافظ توفيق الشامي والحافظ أحمد المهاجر الذي أحزنني خبرُ مرضِه كثيرًا، وآمُل أن يكون قد استعاد عافيته، وأدعو لهم جميعًا.
خلوصي
٭٭٭
(فقرة صبري أفندي):
الأستاذ الجليل.. قرأتُ في الفقرة الأخيرة من مؤلَّفكم بيتًا شعريًّا للشّاه الگيلاني، يحملُ معانيَ غزيرة وشاملة، ويشيرُ بدلالةٍ معنوية إلى دلَّال الكتاب المبين، ويومئُ كذلك إلى مُنتسِبيه؛ فقلتُ دون تردُّد: "أجل، إن جميع أهل الحقِّ والحقيقة يوجِّهون مراياهم الكهربائية یی معنًى یی إلى "هيئة النور"، كما أن للقرآن العظيم الشأن والأحاديث النبوية أخبارًا بهذا الخصوص بشكل ظاهر أو خفي أو إشاريّ".
ووجدتُ أنك تخصُّ هذا العبد العاجز من بين هذه الزُّمرة النقية الصافية بمكانة تفوق حدَّه بمراحل، وتلقِّبه بی"خلوصي الثاني" وهو دونه بكثير، بل لا يحمل قابليةَ الارتقاء لهذا المقام، بل ولا هو شيء يُذكر.. وحقيقة الأمر أن هذا العبد العاجز الملقَّب بی"صبري" كثيرُ الذنوب جسيمُ الأخطاء، ولو نُظِر في صحيفة أعماله لَشُوهد ظلامٌ دامسٌ ومنفِّرٌ، ولَحُكِم حينها أن الشخص المشار إليه لهذه المكانة بالاسمِ، إنَّما يستحقُّها عمومُ الإخوةِ لِقاءَ ثباتِهم وصبرهم وتأنِّيهم، في حركاتهم وسائر أعمالهم، وليس هو المستحقَّ لها فقط.
إن تلكم الشخصيات التي أبرزت ما في خزائن القِيم والدُّرر من خبايا، وبذلت قصارى جهدها في هذا الزمان والمكان لمساعدة كشَّافها ومتحرِّيها، وعملت بكل
— 248 —
طاقتها دون أن تُظهِر أيَّ تشكُّك أو تردُّد في الحصول على هذه الكنوز الثَّمينة، وسَعَت بثمرة هذه المجهودات النفيسة وحيوية محصولاتها القيِّمة إلى ترغيب الناس بها وتشويقهم إليها وتنويرهم من خلالها؛ أجل، إن تلكم الشخصيات هي من تستحقُّ التقدير والتبريك.
أما خلوصي، فرغم أنه من مسلكٍ ومشرب مختلف، إلا أنَّه آثر هذا النبعَ على جميع الوظائف والخدمات بقوَّته التي استمدَّها من خطوات الشخصيات المباركة في الماضي أمثال الشاه الگيلاني والإمام الرباني والشاه النقشبندي؛ وأعلن بأعلى صوته وبلهفة كبيرة أنه على نهجِ دلَّالِ القرآن، في دلالة صريحةٍ وحُجّة واضحة وبرهانٍ جليٍّ أنه كان وسيكون مظهرَ فيضٍ عظيم.
وكذلك الأخُ سليمان أفندي، قد مدَّ يد العون ماديًّا ومعنويًّا، وقدَّم من الخدمات والتضحيات ما لا يَقوَى على مثله أحد، واشتغل بالدلالة على طريق السعادة الأبدية الخالصة وتكثير سالكيها، فإنه وفقَ مفهوم: "السَّببُ كالفاعل" لائقٌ ومستحقٌّ لشتَّى أنواع التقدير والتبريك.
أما هذا العبد المذنب فلا يمكن یی بكل أسف یی أن يُقاس بأولئك الرجال، ومع ذلك فلستُ أَرُدُّ هذه المَكرُمة ما دام أستاذنا المُبجَّل قد ارتضاها وتفضَّل بها، وأقبلُها من قبيل التحدُّث بالنعمة؛ وأتضرَّع إلى الحقِّ سبحانه أن يصلح صحيفة أعمالي، ويبدِّل سوادَ أعمالها بياضًا، وأتوجَّه إليه بصادق الرجاء أن يُدِيم توجُّهات أستاذي ومكرُماتِه.
صبري
٭٭٭
(فقرة أحمد خسرو):
أستاذي الحبيب.. قرأت مع إخواني وأصحابي الرسالة القيِّمة المشتملة على الإخبارات الغيبية التي تتوجَّه إلى خدَّام القرآن في هذا الزمان في قصيدة الغوث الأعظم الشيخ الگيلاني، أولِ الأقطاب الخمسة الأجلّاء؛ وسأقرؤها كلما سنحت لي الفرصة،
— 249 —
وقد حال تردِّي صحتي دون تقديم نسخة منها أو متابعة كتابة الموقف الأول والثاني للكلمة الثانية والثلاثين، فلم أكتب منهما سوى أربعِ أو خمسِ صفحات.
وبينما كنت أفكِّر بحسب الطاقة في العبارات الرقيقة ذات المعاني العميقة التي كتبها ذلك الشيخ الجليل بما ناله قبل ثمان مئة عام من المشاهدات والألطاف السبحانية، وبفضل التجليات العظيمة التي غدا مظهرًا لها وما أظهره من أهوالِ هذا الزمانِ، ولأهل الكشف والذوق الذين عاشوا ضمنَ هذه الحقبة.. تذكَّرتُ الماضيَ الذي غاب عن نظر أهل الغفلة وظل ماثلًا أمام أنظار أهل الحقيقة، وتجوَّلتُ خيالًا بفيض هذه الرسالة في تلك الحقبة الزمنية المديدة، بدءًا من جهادكم المعنوي بطلابكم المجاهدين المُضحِّين المُتحلِّقين حولكم، وبالمصائب التي تعرَّضتُم لها والألطاف الإلٰهيّة العظيمة التي نلتموها، مرورًا بالشاه الگيلاني، وصولًا إلى عصر السعادة؛ فتملَّكتني الحيرة والعَجَب أمام الحقيقة التي أعلنها ذلك الغوثُ الجليل قبل ثمان مئة عام!
إن ذلك الشيخ الجليل يتحدَّث مع مريدٍ له كسعيد القديم، ومع صاحب له في الدرس كسعيد الجديد، ولا يحجُب هذه المناجاةَ زمانٌ ولا مكانٌ تحت أيِّ ظرف، سواءٌ كان أحدُهم في الجهة المقابلة للأرض، أم في أبعد نقطة من السماوات، أم كان مودِّعًا للدنيا من زمن صفيِّ الله آدم عليه السلام.
وفي ختام هذه المحاورة، نجد أنك قد وقفتَ على هذه الأخبار الغيبية العجيبة قبل ثمانية أو عشرة أعوام، وتقوم اليوم بتعليمها لطلابك، وعرضِها لأصاحبك المتميزين في هذه الخدمة، منوِّهًا بطلابك أمثال خلوصي اللائق بالثناء من شتَّى الجوانب، وصبري المتواضع المؤهَّل لأن يكون رفيقًا لخلوصي، وكذا سُليمان وبكر آغا اللَّذانِ يجدّانِ ويجتهدان بهمّة وصدق في القيام بهذه الخدمة؛ كما أنك تُعرِّف مستندَ هذه الجماعة الصغيرة بالشخصيات الكبيرة ضمن الجماعات العظيمة؛ وبحديثك عن واقعة "هولاكو" في زمن الشيخ الگيلاني، تُخاطب المنافقين المرائين في هذا الزمان
— 250 —
وأسيادَهم قائلًا لهم: "قريبًا جدًّا ستنالون عقابكم على يدِ قهارٍ، ثأرًا للمظلومين"، وبعد أن تُثبتَ هذه الحقائق بتسعة أدلة أو عشرة، تعلنُ عنها بهذه الرسالة الشريفة.
أستاذي الحبيب، أُكرِّرُ ما قال خلوصي بك في إحدى فِقراته: إنك حين تُحلِّقُ بجناحَي العجز والفقر في الجادة النورانية التي سلَكْتَها بفيض القرآن، كم تُصادف من كراماتٍ خارقة، وتشاهدُ من حوادث عجيبة! ويعلم الله ما ستُشاهدُ من أمور أخرى؛ وإنك بمشاركتنا هذه العنايات الربانية تنصحُنا كلَّ حينٍ بالمزيد من الهمّة والجديَّة.
نعم أستاذي الحبيب، أمام هذا القَدْر من الإكرام الإلٰهيّ أَذرِفُ الدموع ويبكي قلبي لأنني لا أستطيع أن أقومَ بعبودية لائقةٍ، وأتضرَّعُ یی بالمقابل یی مُزجِيًا الحمدَ والشُّكرَ الدائم في ديوان الأحد الصمد، كما أدعو لأُستاذي الحبيب ولإخواني المضحِّين المُكرَمين أن يكتب لهم التوفيق والسَّلامة.
طالبكم المذنب: أحمد خسرو
٭٭٭
(فقرة رأفت بك):
سيِّدي وأستاذي الحبيب الموقَّر.. طالعتُ بذوق روحاني رفيعٍ ما وصَلَنا منكم من إخبارٍ غيبيٍّ للغوث الگيلاني، وهو بحقٍّ مسألةٌ مهمة، ومثيرةٌ للحيرة والعَجَب؛ ولقد استشعره طالبُكم الفقيرُ قبل زمنٍ طويل، إذ كان لدي اعتقادٌ جازم أنَّ لأستاذنا وظيفةً معنوية مُهِمّة تَخُصُّ هذا الزمان، لكنه لم يُفصِح عنها حتى هذا الوقت، وسبق أن تحدَّثتُ بهذا الأمر لبعض إخواني المُخلِصين.
في العام الماضي وجدتُ بين رسائلكم لصبري أفندي الفِقرةَ التالية: "يقول الإمام الرباني: سيأتي أحدهم في الأزمنة الأخيرة، ويَنشُر المسائل الإيمانية بصورة واضحة وصريحة ويعلنُ عنها. وحاشا أن يظنَّ أخوكم یی هذا اللاشيء یی أنَّه ذلك الشخص، ولستُ سوى جنديٍّ مِقدامٍ لدى ذلك الشخص العظيم.. إنك تَشَمُّ فيَّ
— 251 —
رائحة تلك الشخصية"، فقوَّت هذه الفقرة قناعتي السابقة، وأسرعتُ فرحًا إلى خسرو لأُحدِّثَه عنها، وغمَرَنا السرورُ بما أدركنا من مقام أستاذنا المعنويّ.
وحين تشرَّفتُ بزيارتكم قبل أربعة أو خمسة أشهر، سألتُكم بعض الأسئلة عن أستاذي، فأعطيتم إجاباتٍ عزَّزت قناعتي السابقة، ولم يكن يعلم بالأمر حينها سوى بضعة أشخاص، إلا أنَّه بانتشار هذه الرسالة اليوم سيَطَّلع عليها سائرُ طلابكم الخواصّ، وسعادتُنا بذلك لا توصف.
كنّا سابقًا نأسفُ لوجودنا في زمان ينتشر فيه الإلحاد كهذا الزمان، وربما بلغ الحزن بنا درجة اليأس، إلا أنه بوجود أستاذٍ لنا كفضيلتكم لم نَعُد نهابُ شيئًا، ولم يَعُد لليأس إلينا سبيلٌ؛ فأسألُ الله أن يطيل عمركم لنزداد انتفاعًا بما تُقرِئوننا من المؤلَّفات التي تحتوي على أذواق رفيعة.
وأودُّ أن أضيف أمرًا لو سمحتم: إن لكم وظيفة معنوية أخرى سامية، وسيأتي زمان تخبرون عنها بالرموز والإشارات القرآنية، (حاشية): إنها كرامة لفراسة رأفت. وستفوق ما أخبرتم به اليوم، وهي أيضًا محلُّ إعجاب ودهشة.
طالبكم الفقير: رأفت
٭٭٭
(فقرة رأفت بك):
مهما تحدَّثتُ عن اللمعات التي أرسلتمُوها مؤخَّرًا یی أمثال "منهاج السنة" یی فلن أُوفي حقَّها، إذ أَحيَت فينا حياة الجنان والسعادة الأخروية، وازدادت قيمةً وظهورًا كلما توالى انتشارُها.
فما الذي يُمكِنُني قولُه عن مؤلَّف صنَّفه شخص مبارك نال المدحَ والثناء من الشيخ الگيلاني؟! إنَّ حديثي عن هذه المؤلَّفات لن يعدوَ أن يكون مجرَّدَ كلماتٍ
— 252 —
متهافتة، وليس لي سوى إقرارِها مع غاية الإجلال والاستحسانِ والتقدير، وقراءتِها بتذوُّق وروحانيّة عاليةٍ.
غير أنِّي أضيفُ كلمةً فقط: نحن محظوظون جدًّا إن أدَّينا وظيفة عبوديَّتنا بالحمد والشكر للخالق ذي الجلال الذي دلَّنا في حقبة الضلالة على أستاذٍ فاضلٍ مثلِكم، وأرشدَنا لقراءةِ مؤلَّفاته القيِّمة الكاملة المُكمَّلة والمنقطعة النظير، وجعَلَنا نعيش أذواقًا معنويةً لا تنقضي.
طالبكم: رأفت
٭٭٭
(فقرة الحافظ علي):
أستاذي الحبيب الموقَّر.. لقد تلقَّيتُ الكرامات الغيبية العجيبة للشيخ الگيلاني قدس الله سره العالي، ولشدّة إعجابي شطَّت بي الأفكارُ بعيدًا، فلم أشعر إلا بضغطةٍ على مفتاح من شركة الكهرباء النُّوريّة التي أشرُف بالخدمة فيها، فورد ضياءٌ بقدر شمعة واحدة، وبدأتُ أتراءى بعضَ الأمور، وها أنا أسجِّلُ ما رأيتُه تمامًا، فما كان من قصور ونُقصان فمنِّي وبسببي.
أجل أستاذي، إن فخر العالم (ص) هو البِذرة الحيّة لشجرة الكون المباركة، وأغصانُها الأنبياء والمرسلون، وثمّة علاقة قطعية بين أصل الغصن وفرعِه، ولهذا السِّرِّ تساءل سيِّدُنا آدمُ صفيُّ الله عن النور المحمديِّ الذي استشعره: "يارب، ما هذه العلامة التي على جبيني؟"، فخاطبه الحقُّ سبحانه: "تسبيحُ نورِ محمد عليه الصلاة والسلام".
وقد بشَّرَت كتبُ الأولين بی"شاه لولاك" الذي باتَ وسيلةً لخلق العالم، وذكَرَته بأوصافه وأصحابه، ممّا يَدُلُّ على أنه سيُبعَث بكتاب جامع لعلوم الأوَّلين والآخِرين، وسيغدو رُوحَ هذا العالَم، وسيجمع في فطرته محاسنَ جميع الكون، فكانت بِعثتُه مُترقَّبةً ترقُّبَ الشمس بعد طلوع الفجر.
— 253 —
لقد نزل "الفرقانُ المبين" الفِهرِسُ الأقدسُ لكتابِ الكون من العرش الأعظم، ومن المراتب العظمى للأسماء الحسنى، فجذوره في منازل العرش الأعظم، وجِذعُه في صدر فخر العالمين (ص)، وأغصانه في كل صحيفة من صحائف كتاب الكون المحيط بسائر وجه الأرض، والمتجلِّي في كلِّ جزء من أجزائها، لذا تقفُ على ارتباطٍ ظاهرٍ بين ألفاظ الجلالة وألفاظ القرآن وألفاظ الرسول الأكرم (ص) الواردة فيه، ويشير كلٌّ منها إلى الآخر، ويُصدِّقُ كلٌّ حُكمَ الآخَر.
وكان حضرة الشيخ الگيلانِيِّ قدِّس سِرُّه أحدَ مظاهر تلك الأسماء بما انطوت عليه من أسرار، وأحدَ مظاهر ألطاف الخالق وجلَوات اللوح المحفوظ، فشاهَد بفيضِ تلك المظاهر والجلوات خادمًا للقرآن يُوافق منهجَه بعد ثمانية عصور، فأخبر عنه مُصادِقًا عليه، ما يُؤكِّد أنَّ الأمرَ حقٌّ وعينُ الحقيقة.
أجل، إن حضرة الشيخ أَرهَب سلاطين زمانه بجلالة الخدمة القرآنية التي تصدَّر للقيام بها، ووقف إجلالًا لتلألُؤِ الأنوار المحمدية بين جوانحه جميعُ الأولياء المستمدِّين من ضياء هذه الأنوار، ولم يجرُؤ على انتقاده بشيءٍ أحدٌ من أهل المشارب الإسلامية أو حتى غيرها؛ ما يُثبِت بدرجةِ عين اليقين أنَّ الجادّة المحمدية خاليةٌ من الكدر، وأن ليس في حقائق النور المحمديّ عليه الصلاة والسلام من ظلٍّ.
وكذلك كان أمرُ خادم القرآن في القرن الرابع عشر، فقد انطلق بدءًا من التاسعة من عمره حتى سنِّ الستِّين في مباشرة الخدمة باسم القرآن وحده، ولم يَحنِ رأسَه أمام أعتى قادة هذا الزمان جبروتًا، بل لقد أقام الحجةَ على أكثرِ الدُّولِ الأوروبِّية تقدُّمًا وتطوُّرًا في العلوم والفنون في القرن الرابع عشر، وذلك من خلال رسائل النور المنقطعة النظير؛ والنابعة من ترياق الزمزم القرآني، فقدَّمت مقابل سموم أوروبا ترياقًا لا في القوارير، بل كالأنهار الجارية، رافعةً كلمةَ الله عاليًا، منكِّسةً حصونَ أوروبا رأسًا على عقب، ومنوِّرةً وجه السماء وجِهاتِ الدنيا الستَّ، ومداويةً لجراحات أهل
— 254 —
الإيمان مثلَما حصل لسيِّدنا أيُّوبَ عليه السلام، فحوَّلت شيخوخةَ شيوخهم شبابًا متوقِّدًا، وأعادت شبابَهم أبرياء أطهارًا، ووهبتهم الحياة من جديد..
وبناءً على ما تقدَّم يمكنني القول: ليس الأمرُ مقتصِرًا على ما ناله خادمُ القرآنِ ورسائلِ النور من بشارةِ الشيخ منذ القرن السادس حتى القرن الرابعَ عشَرَ، بل يُضافُ إليه ما ناله من إشارات الكتب السماوية السابقة رمزًا، وإلى مقام القرآن الكريم صراحةً؛ وإنَّ نيلَ هذا الشرف علامةٌ على قبول هذه الوظيفة وتنويهٌ بأهمِّيتها، لذا أظهرها الحقُّ سبحانه قبل مدة زمنية طويلة، فتراكَمَت قوةٌ معنوية عظيمة منذ ذلك الزمان، بدءًا من مبعوث العالم وصفوة بني آدم عليه الصلاة السلام ومن الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم، مرورًا بالأقطاب والأولياء.. لذا من البديهي أن يَعجِزَ بُكْمانُ هذا العصر وعُمْيانُه عن أن ينطقوا ببنتِ شفةٍ حيالَها، بل بديهيٌّ أيضًا أن ترتعد منها فرائصُ أكثر نماردة الدنيا وفراعنتها جبروتًا وظلمًا.
أسأل الحقَّ سبحانه أن يزيد إلى يوم القيامة من أمثال الأفاضل الذين ضحَّوا ويُضحُّون بحياتهم في سبيل اتِّساع دائرة الأنوار القرآنية، وفي سبيل نشرها وإيصالها لأيدي أهل الإيمان المجتمعين تحت لواء "لا إلٰه إلا الله، محمد رسول الله".. آمين آمين، بحرمة سيد المرسلين.
أستاذي الحبيب، أرجو أن تتقبَّلوا مني رسالتي المُبتَّرة، وتنظروا إليها بعين العفو والغفران.. أُقبِّلُ أيديكم وأدعو ليل نهار: "اللهم ارضَ عن أُستاذي الذي أضاءَ حياتنا وحياة الجميع".
طالبكم المذنب: علي
٭٭٭
— 255 —
(فقرة خلوصي):
سيدي وأستاذي العزيز المحترم.. تلقَّيتُ هذا الأسبوع ما أرسله أخي في الآخرة خسرو بك یی بناءً على توجيهاتكم یی من الأوامرِ الحكيمة المنوَّرة، الممتعة المؤثِّرة، ذات المعاني الغزيرة المحيِّرة، الموسومة بی"إخبارٌ غيبي مُهِمّ"، بما تضمَّنته من معانٍ قيِّمة تشرح الأفئدة وتلفت الأنظار وتحيِّر الأفكار.
وإني إذ أحمد الفياض المطلق سبحانه وأشكره على فضله، أدعو لأستاذي الشفوقِ إذ لم يُلقِ بالًا لأمراضِ قلبي ولأَدائي المُخجِل، وأكرِّر على الدوام:
اللّهُمَّ حَصِّل مُرَادَنَا ومَقصُودَ أُستاذِنا سَعِيدٍ النُّورْسِيِّ، بحُرمةِ حَبِيبِك مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ صَلَّى اللّٰهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وصَحبِهِ وسَلَّمَ.. آمينَ
إن الإخبار الغيبيَّ المعنوي المُدرَج في مؤلَّفات الغوث الأعظم الشاه الگيلاني (قدَّس الله سرَّه العالي) قد أَدخَل هذا المسكينَ في حالة أجدُني عاجزًا عن وصفها، فإزاءَ ما انطوت عليه من العظمة والجلالة والروحانية صِرتُ أشبهَ بكُرةِ عجين في قبضة عاجِنها! وبِتُّ حائرَ الفكر مُختلَّ التوازن، فكأنني ميِّت متحرِّك، إذ أنا منذُ عدّةِ أيام مقبلٌ بذهني وجميعِ حواسِّي على هذا المؤلَّف المُبهِر! وبينما أنا في هذه الحالة ورد إلى قلبي وقلمي یی بما يفوق قابليتي یی بعضُ الأبيات، ولم أتمكَّن من تصحيحِها وفقَ الأوزان الشعرية، وها أنا أكتبها مُلتمِسًا عفوَ أستاذي الشَّفوق، مُحيلًا تقويمَها إليه وإلى إخواني المُعتصِمين بحبل الله تعالى.
انظر يا خلوصي إلى هذا الإخبار الغيبي
وشاهد ماذا أظهر أستاذي
لقد طلب الفأل من كتاب سنان..
وقد أبرز الكرامة حقًّا..
بين "أُمِّي عليم" و"سِنان أُمِّي"
تطابقٌ في الحساب الأبجدي
— 256 —
يشاهد إن نظر بهذه الطريقة..
المناسبة التامة مع أسماء الأستاذ..
إن الأستاذ خادم القرآن بحقِّه
ويكفي لإثباته هذا التوافق
إن هذه الشخصية ذات علم بأسرار عجيبة..
نبشر إخواننا بهذا الخبر..
لقد شاهد قبل ثمان مئة عام
خادمَ القرآن بديعَ الزمان
حبيبُ الله والغوثُ الأعظم..
سلطانُ الأولياء الشاهُ الگيلاني..
إن أستاذك بحسن ظنٍّ عظيم
يَعُدُّك خادمًا للقرآن
اُسجد لله شاكرًا وقل يا خلوصي..
إلٰهي أنت ربي وأنا العبد..
وفِّق عبدك العاجز هذا
وشرِّفه في خدمة القرآن
لا تفرِّقه من حزب القرآن إلى الأبد..
وارحم عبدك المذنبَ هذا..
ارضَ عن أستاذي سعيد النُّورْسِيّ
بحرمة حبيبك الراضي المرضي
سلطان الأولياء عبد القادر..
لا تحرمنا من همَّته يا إلٰهي..
— 257 —
إظهار الإخبار الغيبي
كنت أرغب أن أكتب تاريخه
لله الحمد والشكر مئات الآلاف المرات يا خلوصي..
أن منلا سعيد النُّورْسِيّ أستاذٌ لك..
أخوكم الأخروي: خلوصي
٭٭٭
(رؤية مهمة من مسعود، صاحب القلم ذي الكرامات):
سيدي وأستاذي المحترم الفاضل الرفيع القدر..
لا يمكنني أن أكتب لكم ما لم يكن هنالك سنوحات، لأن هدفي الأساسي هو إتمام الأنوار، ولذا أجتهد في الكتابة بالسرعة القصوى حتى أُنهيَها قبل الموعد المحدَّد، لذا لا أستطيع أن أُعبِّر عن الفيض الذي أنالُه من الأنوار.
في اليوم الذي فارقكم فيه خسرو أفندي كنت قادمًا لزيارتكم، فالتقينا على مشارف قرية "بدَرَه"، فطلب مني الرجوع شارحًا الأسباب، فعُدنا معًا إلى القرية، وانتابني الحزنُ الشديد لذلك، حتى إنني لزمتُ المنزلَ يومين متتاليين ولم أغادره، وحاولتُ تسلية نفسي عن حزنها بالانشغال بكتابة الأنوار.
وفي الليلة التالية ليوم عودتنا اشتغلت بالكتابة حتى الساعة العاشرة والنصف، وبعد أن تناولتُ طعام السحور نمتُ مهمومًا حزينًا، فرأيتُ في المنام أننا سافرنا بصحبتكم إلى المدينة المنورة، وحينما دخلنا باب الحرم الشريف ظهر أمامنا قبر السعادة، وداخل القبر نبيُّنا (ص) متَّجِهًا نحو باب السلام، وكنتُ أركضُ خلفكم لنبلُغَ معًا، فكنتُ خلفكم بخطوة واحدة.
— 258 —
وحين وصلنا كان الرسول (ص) جالسًا على ركبتيه ملتفتًا نحو الجهة التي دخلنا منها كالتفاتِ الإمام حينما يفرغ من الصلاة، فجلستم أستاذَنا على ركبتيكم، وجلستُ كذلك على ركبتيَّ خلفكم على بُعدِ خطوة منكم، فتحدَّثُتم مع الرسول الأكرم (ص) مدّةً من الزمن؛ ولمّا دقَّقتُ النظرَ في مُحيّاه (ص) وجدتُ جبينَه المبارك كالشمس الساطعة، وسائرَ وجهه حنطيَّ اللون، نعم، رأيت هذا الأمر عِيانًا، فلم أفهم ما كان يدور بينكم من حديث.. وأُحيلُ أمرَ تفسير هذه الرؤيا إلى أستاذي الأكرم.. غير أني استطعتُ بفكري القاصر أن أهدِّئَ روع قلبي قائلًا له: "ومن أنت؟! لقد شكا الأستاذ لصاحب الشريعة (ص) ومرجع الإسلام اعتداء الظالمين على الإسلام".
مسعود
٭٭٭
(فقرة مصطفى الصغير وزيرزاده):
أستاذي الحبيب، يا مَظهَر الأنوار وناشرها..
لقد أكرم الحقُّ سبحانه هذا الوطنَ بك كي تُنقِذ الأرواح الماضيةَ في تيّار الضلالة بفضل الأنوار التي تنشرها، فلو سجدنا شكرًا للحقِّ سبحانه ليلَ نهارَ لَما أدَّينا حقَّ هذه النعمة.
أستاذي، إنني رجل أُمِّيّ، لا أمتلكُ من المعلومات ما يؤهِّلني للتعبير عن أحاسيسي تجاه رسائل النور كسائر إخواني، إلا أنني سأسعى بإذن الله لِلَّحاقِ بإخواني في ميدان المحبة والصداقة والارتباط الروحي؛ وبدلًا من لساني الذي لا يمكنه التعبيرُ عن مُراده في عالم اليقظة، سأتحدَّث إليكم بلسان روحي عمّا جرى معي في عالم المنام من وقائع لم أفهم ماهيَّتها، إلا أنها تدلُّ على ارتباطي الوثيق بكم:
الواقعة الأولى: قبل عام ونصف ذهبت إلى قرية تبعُد مسيرةَ يومين لأجل التجارة، فبان لي آنذاك الوجهُ الحقيقيُّ للدنيا، وبدأتُ أشعر بكُرهِها والنفورِ منها
— 259 —
لأنها بمثابة السِّجن ولأنَّ مصيرَها الفناءُ، فطلبتُ من الحقِّ سبحانه أن يَدُلَّني إلى أستاذٍ يُرشدني السَّبيلَ إلى العالَم الباقي، وقلت: "إنني أتعهَّد إن لقيتُ أستاذًا كهذا أن أكون خادمًا له".
وبينما أنا في هذه الحالة وهذا التضرُّع، رأيتُك في تلك الليلة فيما يراه النائم تقطُنُ مدينةً جميلة مزيَّنة لا أعرفها، وتمتطي فرسًا جميلةً لا مثيلَ لها، وتحلِّق به في سماء المدينة على ارتفاع خمسة أو ستة أمتار، متَّجِهًا من الغرب إلى الشرق، فوَقَفنا لأجل تحيَّتِك والسلام عليك، فما كان منك إلا أن بادرتَنا بالسلام وإلقاءِ التحية.. ثم استيقظتُ على إثرِها، وأخذتُ أُردِّدُ الشهادة، وشكرتُ الله لأني سألتقي الأستاذ الذي أطلبُه وأبحث عنه، ثم حظيتُ بزيارتك ولقائك بعد شهرين.
الواقعة الثانية: رأيتُ في الحُلُم أننا في مدينة تضمُّ الكثيرَ من الجنود والذَّخائر، وكنّا نحن أيضًا من بين أولئك الجنود، فقلت: "يا ربِّ، من قائد هؤلاء الجنود؟"، وبينما أنا أدعو إذ ظهر أمامي قصرٌ مرتفع، فدخلتُه لأتعرَّف القائدَ، فرأيتُ نهرًا برّاقًا، فسِرتُ على طول النهر ووجدتُه يتشعَّب إلى روافد، فتابعتُ السير حتى بلغت منبعَه، ورأيتُ قائد الجُند وصاحبَ هذه الأنهار، نعم، شاهدتُ أستاذي على رأس ذلك النبع وهو يصلِّي برجُلَين، فتوضأتُ من ماء النهر والتحقتُ بالمُصلِّين.. ثم استيقظتُ وقلبي يَنبِض بسرعة، ولساني يُردِّد كلمة الشهادة، وحمدتُ الحقَّ سبحانه أن دلَّنا على أستاذنا.
خادمكم وطالبكم: مصطفى
٭٭٭
— 260 —
(فقرة خلوصي بك):
أحمد الكريم الرحيم، الباقي ذا الجلال، وأشكره مئاتِ آلاف المرات، أن غدوتُ یی من جديد یی مظهرًا لِلُطفٍ إلٰهيٍّ عظيم بإضافتكم للَّمعتين الثالثة والسابعة من المكتوب الحادي والثلاثين إلى خزينة المكتوبات، وقد قرأتُها هذا الأسبوعَ مع الأحباب بغاية الاشتياق؛ وأدعو الله ضارعًا أن يجعل أستاذي الحبيب مَظهَرًا لرضاه الصمداني، ويكتب له طول العمر ودوام التوفيق، والشمول والاتِّساع في وظيفته المعنوية.
تقولون بأنكم تأمُلون من هذا المسكين المذنب الكثيرَ من الدعاء، ومن غير المُمكنِ أن ألتجِئَ إلى ذلك الديوان الرفيع بغير دلالة أنوار القرآن الذي آمنت بأن حُكمَه وإعجازَه باقٍ حتى قيام السّاعة، وأنه أعظم معجزات فخرِ العالمين وحبيب رب العالمين وسيِّدِ المرسلين (ص)، جاعلًا اسمَ أستاذي المبارك وسيلةً للقبول. فهل يُعقَل وأنا أمرِّغ وجهي في هذه العتبة ألّا أدعوَ: "ربِّ ارضَ عن أستاذي سعيد النُّورْسِيّ وبلِّغه مُرادَه في الدّارَين"؟! كلا لا يُمكن! فهذا الأمر یی بكلِّ صدق یی وظيفةٌ في أعناقِنا، ووسيلتُنا لإجابة الدعاء.
أستاذي العزيز، إن رُوحَ صديقكم الضعيفِ هذا لا يمكنُها الاستغناءُ عن كنف الشفقة التي تحظى بها من فيض رُوحِكم السّامية، إنْ في الحياة الفانية أو حتى الباقية السرمدية، بل لا يمكنُ لأحد أن يفعلَ ذلك.
أجل، لا يمكن أن ننكر أنه بين تقلبات هذه الحياة الفانية ومشاغبها، لا تتمكن الحواسُّ واللطائف أن تتوجه في كل آن إلى المرايا التي تشتاقُها، إلا أنها بمجرَّد التفرُّغ من تلكم المشاغل، تجدُ النور قد توجَّه إليها مجدَّدًا بغاية الهيبة؛ ولستُ أشعر بألم الفراق في هذا الوقت، كما أن اختلاف الأماكن لم يَعُد يحزنني كثيرًا.
يوافقُ وصولُ اللمعة الثالثة والسابعة إلى مكتب بريد هذه المنطقة اليومَ الحاديَ عشرَ من شهر رمضان، فتكون كلُّ لَمعة قد أخذت يومًا من أول هذا الشهر المبارك حتى يومه العاشر إن لم نَحسُب يوم بقائه في مكتب البريد، وتكون قد بلغت مكانها
— 261 —
المنشود في العشرِ الأُول من رمضان الذي "أوَّله رحمة"، فقد وصلت في اليوم العاشر تمامًا بحَسَب تقويم دائرة الإفتاء..
كما أنني تلقَّيتُ اللَّمعة الرابعة والثامنة في اليوم الرابعَ عشرَ من شهر المغفرة هذا، ما يعني أنَّ كل لمعة من هذا المؤلف المبارك تأخذ أيضًا يومًا من شهر رمضان باعتبار وصول البريد قبل يوم وبقائه في المكتب يومًا، أو إن عدَّ في المقام الأول لِتَصِل مكانها المقصود، مما يشيرُ صراحةً إلى أنَّ هذا العدد لم يأتِ عبثًا، وأنها ستبلغ أجلَها المقصود في العشر الثاني من شهر رمضان المبارك الذي "أوسطه مغفرة".
لقد أظهرت هذه المؤلَّفات المباركة لهذا المسكين یی بمحضِ عناية إلٰهيّة یی جميعَ هذه الحقائق المنيرة البارزة للعِيان كالشمس التي يَضرِبُ عيني شُعاعُها في هذه اللحظة؛ وإنني على يقين أن إخواننا في حزب القرآن من الحفظة الصادقين المخلصين الصالحين، والمُقرَّبين مادةً ومعنًى یی قُربَ الزُّهرة وعُطارد یی من مطلِعِ الأنوار المُشرقة على الدوام، سوف يُدركون الكثير من أسرارها بحول الله تعالى.
وما دامت أحاسيس أخيهم العاجز تعبِّرُ عن مشاعرهم اللائقة القيمة ذات المعاني الجليلة تجاهَ هذه المؤلَّفات المباركة مع أنَّه أشدُّهم بُعدًا عن مركز الفيض، فأسأل الله أن يتقبَّل هذا العملَ في جملةِ خدمة القرآن.
وأودُّ هنا أن أغتنم حضورَكم لأخاطبَ إخواني ببعض الكلمات:
إخواني، إن اشتغال هذا المسكين بالأنوار يمكن تصنيفُه على ثلاث مراحل:
الأُولى: الاستفادة الشخصية من خلال نسخي لتلك المؤلَّفات التي كتب الله لها الانتشارَ، منذ أن نِلتُ شرفَ اللِّقاء الأول بحضرة أستاذي.
الثانية: الامتثالُ لأوامر أستاذي الموقَّر ببيانِ مدى تأثير الكلمات بين شتى طبقات المجتمع، وهل فيها ما يحتملُ النقد أو يستدعي التصحيح؟ أو يمكن أن تُثير الاعتراضَ بحسب فهمي القاصر ونظري الكليل؛ وكذلك الاغتنامُ لفرصة قراءة
— 262 —
مؤلَّفات النور بكمال العشق وتحت تأثير معنوي غير إراديّ، وذلك كي أُفيدَ إخواني في الدِّين، وأَلفِتَ أنظارهم إلى هذه الأنوار، وأقدِّمها بلسمًا لجراحهم القلبية والمعنوية.
الثالثة: الاستجابةُ لرغبة أستاذي العزيز الشفوق بتدوين أحاسيسي حول المؤلَّفات النورانية كما لا يخفى عليكم، والتي تنتشر أجزاؤها بشكل مميَّز، وبكل لطافة وبلاغة، وسهولة وثبات، وبما يُحيِّر العقول والألباب.. وكذا عرضُ بعض الشُّبُهات أو الإشكالات المتعلِّقة بالقرآن باسمي شخصيًّا أو باسم الإخوة إلى مقام الفيض (أي: الأستاذ)، بهدف حلِّها وخدمةِ السائل واستفادة سائر إخواني الآخرين.
وأرجو منكم ألّا تَعتدُّوا كثيرًا بالخدمة التي يؤدِّيها هذا المسكين، والتي لا تعدو أن تشكِّل قطرةً من البحر، لأني بكلِّ أسفٍ أعرف جيِّدًا عدمَ كفاءتي لذلك؛ ولولا الأمل العظيم الذي تبثُّه الآية: لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ لكنتُ أُصِبتُ بالجنون بسبب ذنوبي المتواصلة.
وما دام الأمر كذلك، فأرجو منكم رجاءً خاصًّا یی إخواني الأعزاء یی أن تَدْعُوا بالخير لأخيكم، فلربما ظهر منه بعض المحاسن والمكرمات بشرف انتسابه إلى الخدمة القرآنية، وباعتبارها نابعةً من حسن القرآن ولطافة الأنوار النابعة من عين الكوثر، كما تفضَّل أستاذي الحبيب.
منذ صغري والكذبُ أبغضُ شيءٍ عندي ولله الحمدُ، لذا يمكن أن تكونوا مطمئنِّي البال بأنِّي لا أتحدَّث إلّا بالحقيقة حين أقول: إنَّه لا اختيارَ ولا صدفةَ في المراحل الثلاث التي ذكرتُها، بل كانت موجَّهةً بتقدير إلٰهيٍّ وبيدٍ غيبيّةٍ.
فأمّا ما يتعلق بالتقدير الإلٰهيّ فمستغنٍ عن البيان والتوضيح، وأما اليد الغيبيّة فقد تبيَّنَ لنا في الرسالة الأخيرة أنَّ المقصود بها الغوثُ الأعظم وسلطانُ الأولياء والبازُ الأشهبُ السيِّد عبدُ القادر الگيلاني قدَّس الله سِرَّه العالي؛ وهنا أُحبُّ أن أضيف أمرًا آخر مُلتمسًا عفوَ أستاذي الموقَّر: إن كرامة الغوث الأعظم الغيبية تُشيرُ صراحةً إلى أستاذنا سعيدٍ النُّورْسِيّ، فبالنظر إلى مجمل سيرته وحياته منذ نعومة أظفاره حتى
— 263 —
اليوم، نجد أن هذه الشخصية إنما وُجدت لخدمة القرآن والإيمان، لذا أصبح مظهرًا لتلك الإشارات المبهرة..
وإنَّنا نحن المساكين إذا ما تحلَّقنا حول هذه الشمعة المضيئة، فلا ريب أننا سنغدو باسم الحزب القرآنيّ مظهرًا لهِمّة الغوث الأعظم ودَعَواته، ولشفاعة جدِّه نبيِّنا محمَّد (ص) ومناشدته، ولعفو مُنزِّل القرآن جل جلاله وكفايته.. وأسأل الله أن يحفظنا جميعًا.. آمين.
وأمّا لو أعرضنا بشكل كلِّيٍّ عن هذه الخدمة التي هي سبيلُ نجاتِنا في الدّارَين، فلنعلم حينها أن هلاكنا قادمٌ ومحقَّق ما دُمنا معرَّضين للغواية ولا نملك بأيدينا صكَّ مغفرة؛ لذا فإن هذه البشارة الغيبية التي يزفُّها إلينا أستاذُنا من نَبعِه الفيّاضِ بغاية الشفقة، ينبغي أن تشجِّعنا على المزيدِ من السَّعي والشُّكر؛ وعلى حسن الاقتداء بأستاذنا الذي أبدى فناءً ساميًا عن نفسِه رغم التصريح باسمه.
ومن جملة توجيهاته كذلك: "إننا موظَّفون ومكلَّفون بالخدمة، وليس بالنظر إلى النتيجة"، وأملنا ورجاؤنا بالله ذي الجلال الذي جمَعَنا ووَحَّد بيننا في العمل ضمن هذه الخدمة، أن يجمَعَنا يوم المحشر تحت اللواء المحمدي (ص).
اللَّهمَّ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
واسمحوا لي أن أعود إلى صلب الموضوع:
إن ما جاء في تفسير الآيات الثلاث الجليلة التي تشكِّل أساس اللَّمعة السابعة للمكتوب الحادي والثلاثين أمرٌ في غاية الإعجاز، خصوصًا ما ورد في الوجه الثاني والإخبار الغيبي الثاني للوجه السابع ممّا لم يُسمَع به من قبلُ!
أما اللَّمعة الثالثة من هذا المكتوب، فاقتبَسَتِ الفيضَ العظيم من حقيقتين تعبِّرُ عنهما جُمَلُ: «يا باقي أنت الباقي.. يا باقي أنت الباقي..» ، والتي تُعَدُّ بدَورِها تفسيرًا للآية: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
— 264 —
وممّا يلفتُ النظر أن هذا المؤلَّف المبارك يبتدِئُ بالآية الجليلة: لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ، فكأنه يُنبِّه بطريق الإشارة إلى رُؤياي التي أُرِيتُها في المنام قائلًا: إن القمر الذي شاهدتَه في رؤياك قد انشقَّ بإذن الحقِّ سبحانه، وبإشارةِ أصبعٍ من صاحبِ الرُّؤيا التي تتحدَّث عنها هذه الآية، وهو فخرُ العالمين (ص)؛ وأمّا الشمس فقد توقَّفَت لأجلِه (ص) عن الحركة لمُدّة ساعة یی كما جاء مُوضَّحًا في المكتوب التاسع عشر یی فيُذكِّر بأمثال هذه المعجزات قائلًا: "أيُّها الغافلُ، اتَّبع السُّنة".
وكأن هذا التفسير الباهر الذي عرَضَتْه هذه اللَّمعةُ للآية الجليلة: لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ، جاء جوابًا لطيفًا وبديعًا لرسالتي التي ختمتُها بهذه الآية، وتحدَّثتُ فيها عن هذه الرؤيا، وعن اللَّمعة الأولى والثانية للمكتوب الحادي والثلاثين، والمقام الأول للرمز الأول للمكتوب التاسع والعشرين، وما انطوت عليه من فيوضات دفّاقة دفَعَتني للكتابة بشكل لا إراديّ.
ومن اللائق جدًّا اطلاقُ اسم "منهاج السنة" على المقام الأوَّل للَّمعة الرابعة من المكتوب الحادي والثلاثين.
أمّا النُّكتة الأولى: ففضلًا عن أنها تُبيِّن مدى شفقة الرسول الأكرم (ص) بأُمَّته، وأنه بحقٍّ شفيعُ المُذنبين، فهي تذكِّر أيضًا ببيتٍ من شعر سليمان أفندي القائل في المولد الشريف:
ينادي "أمتي" مذ كان طفلًا وتهجر أنت سُنَّته كبيرَا
وبتذكيرها هذا تُرشدُ أُمَّته إلى أهمية سُنَّته ولزوم اتِّباعها.
وأمّا النُّكتة الثانية: فتتحدَّث بشكل أخَّاذ لا يمكنها معه أن تكون من نتاج الفكر البشري، أن النبيَّ (ص) قد شاهد بنظر النبوة أنَّ نَسْلَه المبارك سيظلُّ حتى قيام الساعة منحصرًا في ذرية سيِّدنا الحسن وسيِّدنا الحُسين رضي الله عنهما، وأنَّه سيظهر من نسلِهما عددٌ
— 265 —
كبيرٌ من الشَّخصياتِ المُباركةِ، فلأجل ذلك خصَّ سِبطَيه ببالغِ الشَّفقة، باسمِ جميع تلك الشخصيات النورانية الأخرى.
وتشيرُ النُّكتة الثالثة إلى مقامِ المحبّة لآل البيتِ الثّابتِ بالنَّص القاطع وصريح الأحاديث النبوية، وتدعو إلى النهوض بهذا التكليف الذي هو جزء أساسيٌّ من الدِّين الإسلامي الذي رأسُ أمرِه كتابُ الله على مرِّ الزمان.
و النُّكتة الرابعة درسٌ يحمل من الحُجَجِ القاطعة ما يكفي لإلزام الشِّيعة وإسكاتهم، كما تدعو هذه النكتة جميع المؤمنين إلى الوحدة تطبيقًا للأمر الجليل:
وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا، وفي خاتمتها إجمالٌ للغاية المرجوّة من هذا الدرس الشامل.
وقد قرأتُ مرارًا الرُّموزَ التي تؤيِّد إشارات الكرامات الغوثية، وزادتني هذه البشارات حمدًا وشكرًا.. وأمّا فقرة "علي أفندي الزنبيلي" فأعجَبَتني للغاية، إذ كانت موافقةً للحال كثيرًا، وجاءت في موضعها من قَبِيلِ: خِتَامُهُ مِسْكٌ
أجل، تتفتَّح في البستان القرآني في كلِّ زمان أزهارُ جنانٍ حقيقية بألوانها المتنوِّعة وتأثيراتها المختلفة ولطافتها المتفاوتة.. فأسأل الله وأتضرَّع إليه أن يكتب السلامة والسعادة في الدارين لبلبل هذه الحقائق المُزهِرة، ولأصحابه المُنصِتين والمقبلين على تغريداته التي تسلُبُ الألباب.
وفي بيتِ شعرٍ مطابق لهذا التوقيت يقول أحدُ الشعراء:
لقد بتنا في فصل ربيع.. نجد فيه حال العالم
بلبله ساكت، حوضه.. جافّ، حدائقه مدمَّرة
وأنا أقول:
لقد بتنا في زمن بدع.. نجد فيه حال الإسلام
قد بقي بلبل واحد له.. وحديقة واحدة للقرآن
— 266 —
لم أتمكَّن من قراءة الكراماتِ الغَوثيّة لأحدٍ حتى الآن، وما ورد فيها من الحديثِ عن هذا المسكين يدفعُني للتوقُّف عن قراءتها، فينقضي شهرُ رمضان المبارك سريعًا وكأنَّه يريد التخلُّصَ من أيدي العصاة الذين لا يَقْدُرُون قَدْرَه. (حاشية): من الغريب جدًّا أنني كررت كلمات خلوصي هذه ربما عشرين مرة، ويشهد على ذلك أصحابي كسليمان؛ ما يعني أن هنالك حقيقة أنطقتنا كلينا بهذا معًا. (سعيد)
كما أنَّ الإمامَ عمر أفندي حزن مثلي كثيرًا في السنة الماضية لوصول مؤلَّف "حِكَم رمضان" بعدَ انقضاء الشهرِ، أمّا في هذه السنة فقد تناولَ في خُطبة الجمعة الأولى من شهر رمضان بعضًا من الحِكَم الرمضانية العظيمةِ والتي تُعَدُّ بالمئات، وبحضور مئاتِ الأفراد من الجماعة وكنت من بينهم، وفي تلك اللحظات انتابني من أحاسيس الشكر والامتنان ما لا يمكن وصفُه أو التعبيرُ عنه، فالحمد لله، هذا من فضل ربي.
خلوصي
٭٭٭
(فقرة أحمد خسرو):
أستاذي الحبيب.. لقد تلقَّيتُ رسالتكم التي تبعثُ السُّلوان في نفس هذا العبد الفقير، فقبَّلتُها ثم شرعتُ بقراءتها..
إن الجناية التي ارتُكِبَت بحقِّ شعائرنا الدينية التي تُعظِّمونها أشدَّ التعظيم، وتُولُونها بالغَ الأهميّة.. وإنَّ الإهانة التي كان هدفُها التفريق بينكم وبين طلابكم الذين يُهرَعون للقائكم بحبٍّ ولهفة، ويطيعون أوامركم بتفانٍ واحتسابٍ.. دناءةٌ لم تحتملها روحي، وهي التي كانت ترغبُ سابقًا بمغادرة الدنيا ولقاء خالقها، فكانت تتلوَّى بشدّة وتتألَّم عظيمَ الألم من الجراح المعنوية وما تسبِّبه من اضطرابات نفسية، لا سيَّما مع عدم تمكُّني من تلقِّي أيِّ معلومات عنكم.
— 267 —
وفي الوقت الذي كنتُ عازمًا على التوجُّه إلى الحضرة الإلٰهيّة بالدعاء أن يقهر الظالمين حتى أجد في نفسي بعضَ السُّلوان، إذا برسالتكم هذه تصلني لِتَبُثَّ في نفسي بردَ الرِّضا بقضاء الله وقدَرِه؛ فقلتُ بدوري: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا، وتركتُ الدعاء على الظالمين بالقهر.
أستاذي الحبيب المشفق.. لو كان الأمر مقتصرًا على نفسي یی أنا طالبَكم المحتاج لدعائكم في كل لحظة یی ما كنتُ لأتألَّم كثيرًا، بل ربما أشعر بالارتياح نوعًا مّا إن فكرت بنفسي، لكن حين يتعلَّق الأمر بأستاذي وإخواني، فإنني أشعر بالاضطراب واليأس الشديد، ويحتدم غيظي آلاف الأضعاف، وتضيق روحي وتأبى طاعةَ أولئك الظالمين، احتسابًا عند الحق سبحانه.
أستاذي العزيز.. أعلم جيدًا أن الضربات العظيمة التي تصيب العالم الإسلامي تُثقِلُ كاهلَكم وتُكدِّرُ خاطرَكم، وذلك باعتبار المسؤوليّة عن العالم الإسلامي، ورغم هذا كله نجدُكم تحضُّوننا على دعاء الخير حتى في حقِّ الظالمين، انطلاقًا من الشَّفقة التي تَبْرُزُ بوضوح من بين الكثير من الخصال الحميدة التي متَّعكم الله بها، كالروح العالية، والهمة السّامية، والصبر الذي لا حدودَ له.
طالبكم: أحمد خسرو
٭٭٭
(فقرة محمد علي باباجان):
تلقَّيتُ رسالة حُبٍّ من أستاذي وسيدي "السعيد الحقيقي" الداعي لمرضاة الحقِّ سبحانه ليلَ نهارَ، والمُترجِم لعباد الله بكلماته ورسائله حقائقَ القرآن الحكيم، المُنزَل من قِبَل الحقِّ سبحانه بواسطة جبريل الأمين على قلب نبيِّنا نبيِّ آخرِ الزمان (ص)، والمحفوظ حتى يومنا هذا.
— 268 —
وقد بشرني بوصول المكتوب صاحبُنا بحقٍّ الأخُ عاصم بك، فكان لقاؤنا خاطفًا لم يتجاوز خمسَ دقائق، وتسلَّمتُ مكتوبكم ببالغ السعادة، ورُحتُ أستمعُ إلى عباراته وكأنها تغريداتُ بلبلٍ يصدحُ عشقًا على أغصان الورد وقتَ الأسحار؛ فلم نَدرِ ما الذي دار بيننا من حديث، غير أني أتذكَّر أننا افترقنا ونحن نحمدُ الله كثيرًا أن خصَّنا بأُستاذٍ ينشر الأنوار القرآنية، وكتب لنا بها السعادة، ولم نُحرَم من عطائها على مدارِ الأيام.
باباجان
٭٭٭
(فقرة ذكي ذكائي):
أستاذي العزيز الحبيب.. مضى عليَّ قرابةُ ثلاثة أسابيع دون أن أتمكَّن من مكاتبتكم، فالأوضاع كما هي دومًا، ثمّةَ الكثيرُ من المشاغل في الوظيفة الرسمية هذه الأيام، ممّا تسبَّب في تخلُّفي عن أداء وظائفي الأخروية مع بالغ أسفي وشديد حزني؛ وقد بلغني هذا الأسبوع خبَرٌ حزينٌ مؤلمٌ، فكأن حزني وحدَه لا يكفي حتى نزل هذا الخبر على رأسي كالصاعقة.
بلغني أن أستاذي قد تعرَّض لهجمات الأفاعي، آه يا أستاذي! متى سنتحرَّر من ظلم الخونة المشؤومين الذين يتهجَّمون ويعتدون علينا بين الحين والآخَر؟! لقد تجاوز هؤلاء الملحدون حُدودَهم كثيرًا وبالغوا في اعتدائهم وعدوانهم؛ لكن يعزِّينا ويبعثُ السلوانَ في نفوسنا إيمانُنا واعتقادُنا أنَّ مثل هذه التصرُّفات تبشِّرُ بقُربِ بروقِ حقيقةٍ عظيمة، فكلَّما جاوز التخريبُ والاستبداد مداه، قَرُبَ أَجلُ سقوطهم في الهاوية، وما جانب الصوابَ من قال: "المصائبُ العظيمة تورثُ يقظاتٍ سعيدة"، وإنَّ أيَّ حكومة تزيدُ من ظلمها واستبدادِها، فإنها تدفعُ الشعوب المظلومة لنيلِ استقلالها، وقد اشتدَّ الإلحادُ وعمَّ التخريبُ في هذا العصر، لذا ستعود البسمة إلى وجوه أهل الإيمان المظلومين الأبرياء، وستُشرقُ شمسُ الحقيقة ساطعةً إن شاء الله.
— 269 —
أستاذي العزيز.. إن قلمي القاصر ولساني العاجز لا يملكان القدرة على ترجمة أحاسيسي، غير أنَّ قلبي بحمد الله یی كقلب كلِّ متديِّن یی ينبضُ بإيمانٍ عزيز، والدم الذي يجري في عروقي خميرةٌ ورثناها عن أهل الحق والإيمان على مدارِ ألف عام.
أستاذي الحبيب.. ثمّةَ لحظات يتدنَّى فيها سقف الحياة كثيرًا، فنُضطرُّ نحن البشرَ إلى الانحناء بما يلائمُ ذلك التدني؛ ولستُ بهذا التفكير أبحث عن غرورٍ أكسبه لنفسي، لكن أليس ممّا يؤلمُ الإنسانَ بل يُفقِدُه صبْرَه أن نرى أياديَ ملوَّثة مشؤومة تقبضُ على معاصمنا الطاهرة وتُعيق حركتنا؟!
إنَّنا أمام حقيقة جوهرية توصَّل إليه هذا العبد الفقير نتيجة تفكير طويل، وهي ضرورة مقاومة الخونة المتسلِّطين الذين تعرَّضوا لنا بالأذى، في الوقت الذي كنّا نسعى فيه لمعالجة أمراض الإنسانية بأدوية معنوية في ذروة أيّام التخريب، إضافةً إلى التحمُّل والاصطبار حتى آخر رمقٍ إزاء عموم مشاقِّ الحياة وتكاليفها، احتسابًا عند الله وابتغاءَ مرضاته، وللحدِّ من الانحدار الذي وصلت إليه الشعوب المضطَهَدة.
أستاذي الحبيب.. يسيطر عليَّ التفكير بذلك في هذه الأيام، ولا يكادُ الألم يُفارقني، فقد بلغني نبأُ الحادثة من أشخاص عدةٍ بروايات مختلفة دون وضوح تامٍّ، فأرجو أن تُجلُّوا لي حقيقة ما جرى لأني یی من شِدّة التفكير به یی أكاد أفقد صوابي.
شيخي الحبيب.. إنك تعملُ ليل نهار لأجل نفع البشرية جمعاءَ، وتُجاهدُ لِوَقفِ سيلِ التخريباتِ والآفات، وتلقي في سبيل ذلك بنفسك إلى التَّهلُكة، أفبعد كلِّ هذه التضحيات تتعرَّضُ لمثل هذا الإذلالِ الأليم؟! لا أستاذي العزيز، لا أيُّها العبقري الفذُّ؛ لا يصحُّ أن يكون هذا نصيبَك الذي تستحقُّ، لا يمكن أن تكون هذه مُكافأتَك التي تجدُر بك!!
إنَّ هذه الحوادث المؤسفة لا تمثِّلُ إلّا بضعةَ مُلحِدين مُتهوِّرين، ولا تعبِّر إلا عن بعض الأشخاص المُقبلين على جهنَّم، وفي صبرك على هذه التصرُّفات وعدم الالتفات إليها، تكتسِبُ الأهليّةَ لنيلِ مكافآتٍ عظيمة؛ فلا تحزن أبدًا، ولا تكتَرِث لما
— 270 —
يصدر عنهم من وحشية وهَمَجية مهما بلَغَت؛ وامضِ نحوَ الأبواب المعنوية المُشرَعة أمامَك، ولازِم طريقك حتى النهاية، وانشُر معالم الهداية والراحة لعامّة المَكلُومين المساكين المذنبين، وابسُط أسبابَ السعادة الأبدية لأمثالنا من الضعفاء العاجزين، حيثما توجَّهتَ وتنقَّلتَ، في عموم الأماكن وسائر العوالم وشتَّى الأرجاء.
ذكائي
٭٭٭
(فقرة ذكائي):
يشتاق قلبي وتعظم رغبتي بزيارة أستاذي في هذه الأيام المباركة، فمثلَما تتلهَّف جميع النباتات في أيام الصيف الحارة إلى المطر، كذلك يتشوق ذكائي هذا ويتلهَّف لنصائح أستاذه وتوجيهاته.
أستاذي.. لقد مضت أيام هذا الشهر المبارك مُسرِعةً، ومشفوعةً بدعوات أمثالي من المساكين المُثقَلين بالجراح المعنوية أن يغفر الخلَّاقُ ذنوبنا ويُحقِّق جميع أمنياتنا المشروعة.. أسأل لله سبحانه بحرمة شهر المغفرة أن يعفو عنّا ويتجاوز عن زلّاتنا.. آمين.
أستاذي الحبيب.. خرجتُ مؤخَّرًا إلى "أتابك" في إجازة لمدة ثلاثة أيام، وزرت والديَّ ورفقاءَ الآخرة.
آه أستاذي.. إن بعض الحوادث الظاهرية تُغرق الإنسان أحيانًا في تفكير عميق، وتتسبَّب له یی بغير اختيارٍ منه یی باضطرابٍ روحيٍّ ممزوج بالرقة والغرابة، ممّا يؤدي به إلى الحزن الشديد بسبب ما تُولِّده تقلبات الحياة وعدم استقرارها من يأسٍ، ويبعثُه على التحسُّر والتشوُّف إلى الشَّفقة والرحمة.
أستاذي.. إنني على قناعة أن أمثالي من العاجزين لن تَتذوَّقَ قلوبُهم طعمَ السكينة بحقٍّ حتى يهجروا جميع الأحوال التي تصرف وجوههم إلى الحياة الدنيا وإلى
— 271 —
الانشغال بها، ولسوف أبلغُ هذا المقام بإذن الله تعالى وببركة دعائكم. ألا يُعدُّ إيضاح هذه الأحاسيس أمرًا زائدًا على روح شخصٍ أضحت جميعُ جوانبه لديكم معلومةً واضحةً؟
أستاذي العزيز.. أهنِّئُكم بحلول عيد الفطر، وأسأل الله أن يُعيدَه علينا ونحن في كنف رعايتكم وجميل عنايتكم؛ وأستغلُّ هذه المناسبة لأقدِّم احترامي وإجلالي لكم، وأقبِّل أيديَكم وأرجلَكم بكل تقدير.
طالبكم المذنب: ذكائي
٭٭٭
(فقرة أختي في الآخرة: مُزينة):
أستاذي الحبيب.. منذ قرابة شهرين بلغني سلامكم مع إخواني في الآخرة العائدين من زيارتكم، وما أحوجَ طالبةً عاجزةً مثلي لأن تُصغيَ لنصائحكم المُنيرة في كل لحظة، لذا يعتصرني الحزن والأسى دومًا!
كلَّما أقرأ رسائل النور تُغالبُني الدموع، وربما استرسل قلبي في بكاء مستمرّ خصوصًا في شهر رمضان، فآلام الخناجر التي غرَزَها بعض المفسدين تعاني منها قلوبُنا، وتنهمر لها دموعنا بشكل دائم.
في النهاية أيضًا تلقَّيتُ من إخواني في الآخرة خبرًا مُفادُه أنهم لم يُمنعوا من زيارتكم، فسُرِرتُ كثيرًا لهذا الخبر، إلّا أنَّه يُحزُنني كثيرًا حرمانُ حجرة عبادتكم المباركة وجميعِ أهل الشوق من دعواتكم الطيبة.
لم أتمكَّن من نَسخِ الرسائل لرداءة خطي وضعفه، فأرجو منكم المسامحة.. وإن هذه الفقيرة العاجزة تُشارك إخوانها صرَخاتهم المنادية: يَحزُنُنا جدًّا أنّا لم نتمكَّن من التحرُّر من إسارِ الدنيا في هذه الأيام رغم أننا لا نحبُّها، بل لقد باتت الصحارى
— 272 —
المُوحِشة والبوادي المُقفِرة والأماكن الخاوية مساكنَ أرواحنا نتجوَّل فيها خيالًا.. إننا نبحث عن شيء، لكن أنَّى لنا بلوغُه! فاليوم الذي نبحث عنه يبدو في الوقت نفسه قريبًا جدًّا وبعيدًا جدًّا.. فإلى متى سنتقلَّب في هذا الحال؟!
طالبتكم العاجزة: مزينة
٭٭٭
(فقرة أحمد خسرو):
قد يكون هذا العيد المبارك تاسعَ عيدٍ يمرُّ عليك وأنت بين إخوانك من المسلمين المساكين الذين يئنُّون تحت ضربات الظالمين وقسوةِ ظُلمهم منذ سنين؛ وكلما أتذكر أنك في تلك الأماكن النائية بعيدٌ عن أصحابك، ومحروم من أقاربك، ومغيَّبٌ عن المجتمع الإسلامي الذي تسعى لتحقيق السعادة والرُّقيِّ له.. يتألَّم قلبي وتَلتهِبُ روحي وتدمعُ عيني، وأشعرُ بصوتٍ عال ينطلق من أعماقي قائلًا: "لِتَبكِ، ولتُكثِرِ البكاءَ، ابكِ مع الذين يبكون لأجل نزول الرحمة الإلٰهيّة، ولأجل بلوغ السعادة والسلامة للعالم الإسلامي"، وفي هذه اللحظات تُشارك عيني قلبي حُزنَه وأَساه، وتتدفَّقُ الدموع كأنها أنهار دجلة والفرات والنيل المباركة، لتبلغ وِديانَ عالم الغيب.
آهٍ أستاذي الحبيب.. بينما يلهو أهل الغفلة في مُتَعِهم ويُهرَعُ أهل الإلحاد خلف شهواتهم النفسية، نقاسي نحن كلَّ هذه الشدائد في هذه الحياة الأليمة، فتتساءل نفسي بشكل لا إراديّ: "متى يمنحُنا الحق سبحانه السَّعادة؟ وكم سيطول هذا اليوم؟"، وأجيبُها بنفسي ناصحًا إياها بالتصبُّر والتأنِّي، وأجدُ السُّلوان في سرِّ: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ
أستاذي العزيز.. كنتُ أرغب أن أكونَ بالقرب منكم لأُشارك حُزنَكم، مع شعوري بأنني غيرُ بعيدٍ عنكم روحًا، ولربَّما ذُهِلتُ عن نفسي في بعض الأحيانِ
— 273 —
فكأنني أطيرُ بغير أجنحة، وأتسلَّل من بين أغصان شجرة الدُّلب الضخمة لأَنضمَّ إلى مجلسكم.
أستاذي الحبيب.. إنني راضٍ عن خالقي أبدًا، وأسأله أن يرضى عنكم، ويؤسفُني أنِّي لا أتمكَّن من زيارتكم، إلا أنني ألتمسُ منكم أن تتقبَّلوا تقبيلي ليديكم ودعائي لكم بالصحة والسلامة كلَّما تصفَّحتُم "إعجاز القرآن" الذي أرسلتُه إليكم مع "بكر بك" وإن لم أَنسَخه بصورة مرضيّة..
وأُقبِّل أيديَكم وأقدامَكم سيدي.
الباقي هو الباقي
طالبكم أحمد خسرو
٭٭٭
(فقرة صبري أفندي):
خرجتُ البارحة إلى "أغيردِر" لإحضارِ رسالة خلوصي بك التي تفيضُ صدقًا وإخلاصًا، واسمحوا لي أن أُقدِّم لكم هذه الرسالة بما تضمَّنته من مضامين ومحتويات مكرَّرةٍ باسمي واسمِه، لصدورها من قلبٍ ورُوح نورانيَّين.
فما دام أستاذي الموقَّر قد منح العبدَ الفقير لقبَ خلوصي الثاني، فإني أجزم بأني لو وقفتُ خلف صاحب ذلك التوقيع المخلص، فسأشاركُه مشاعرَه وعباراته بصورة أظهرَ وأبلغ، وذلك بحُكم الوِراثة المعنوية التي أُسبغَت عليَّ.
طالبكم العاجز: صبري
٭٭٭
— 274 —
(فقرة إسماعيل من آيدن):
بدأتُ أكتب كلماتكم الجميلة اللطيفة دون سآمةٍ ولا ملل، بل أشعر بانشراحٍ في روحي في اللحظة التي أشرعُ فيها بكتابة رسائلكم، لدرجة أنِّي أرغب بملازمة الكتابة بشكل دائم، وفي الوقت نفسِه لا يفارقُ محيّاكم مخيلتي، ولا ذِكرُكم قلبي.
طالبكم إسماعيل
٭٭٭
(فقرة شوكت، وهو طبيب في مدينة آيدن):
سيدي وأستاذي الأعظم.. قرأنا مؤلَّفاتِكم النورانية النفيسة للغاية، ولقد استنارت قلوبنا بما حَوَته من فيوضات نُورانيّة، ونحن مُمتنُّون لكم ومدينون بالشكر، ولا نفتأُ نذكُرُ أخانا الحافظ زهدي أفندي بالخير، لأنَّه أصبح دليلَنا في قراءة الرسائل وكتابتها.
نحن بحاجةٍ لدعواتكم وبركة همَّتكم أستاذَنا الأكرمَ، كي نُوفَّق في مهمّةِ إتمام كتابة الرسائل العالية القدر، والتي لا تقدَّر بثمن.
طالبكم الدكتور شوكت
٭٭٭
(فقرة أحمد خسرو):
سيدي وأستاذي الحبيب الشَّفوق.. أقبِّل أيديَكم وأقدامَكم بكمال الشوق والتوقير.
تلقَّيتُ قبل يومين كلماتكم القيِّمة النورانية الفياضة التي لا تُقدَّر بثمن، والتي تعرضُ الأجوبة المخصَّصة لأسئلة خلوصي بك، وقد كانت إجاباتٍ في غاية اللطافة، لدرجة أنني لم أملَّ من قراءتها، مع أنِّي لم أتمكَّن من استيعابها بالقدر اللازم.
— 275 —
وقد وُضِّحت فيها بشكل عميق ودقيق أسبابُ وقوعِ محيي الدين بن عربي في الخطأ رغم كونه من العلماء المقبولين، وكذا أسباب عدم كونه هاديًا في كلِّ كتاب من كتبه؛ وقد قرأتُ درسكم الرفيع هذا لباقي إخواني، وقلت: "إخواني الأعزاء، لقد استفدتُ من هذا الدرس الرفيع، ووجدتُ فيه معانيَ سامية، إلا أنَّني لا أستطيع أن أُلخِّصَها وأَستجمِعَها في ذهني، فما قولُكم في هذا؟".
فأشار الحاضرون إلى سموِّ هذا الدَّرس، وشكروا الله لتعرُّفهم على مؤلَّفاتٍ نورانية كهذه، في زمن يتعرَّض فيه الإسلامُ لاعتداءاتٍ مستمرّة.. وأخُصُّ بالذكر جوابَ الحاشية المقدَّمة للدكتور، فلقد ظهر أثرُ استحساننا له على وجوهنا.
لقد وضَّحتم بصورة بديعة أسباب حرمة لحم الخنزير وعِلّة تحريمه من جهة، وأَشرتُم من جهة أخرى عبر الأنوار التي تلتمع في ذهنِكم إلى أنه في وقت قريب جدًّا ستَسطَع شمسُ الإسلام في سماء العالم.. أسأل الله أن يرضى عنكم رضاءً لا حدَّ له ولا عدَّ.
أستاذي الحبيب.. إن طالبكم العاجز يستلهم بعجزه من هِمَّتِكم المعنوية، وأَمَلي بخالقي الكريم الذي يستخدمني في هذا الميدان دون اختيارٍ منِّي أن يَمُنَّ عليَّ بحسن الإدراك وقوّة القابليّة، ببركة دعائكم..
طالبكم المسكين: أحمد خسرو
٭٭٭
— 276 —
(فقرة سعيد):
باسمه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
أخي العزيز المضحِّي الوفيّ: بكر بك الكردي..
سوف أتحدَّثُ في موضوعٍ غير مُستحسَن بكل أسفٍ، وربما يُعَدُّ نوعًا من العبث، إلّا أنِّي مضطرٌّ لذلك؛ وحديثي هذا غيرُ موجَّه لأهل الحمية والغيرة من دعاة القومية التركية الحقّة، بل هو موجَّه للمُعتَدين الذين يعملون لصالح الأجنبي تحت ستارِ القومية التركية؛ وهو على النحو التالي:
إن أحد الأسلحة الأخيرة التي استُخدمَت ضدَّنا بكل ظُلم وغدر من قِبَل المنافقين الملاحدة قولُهم: "إنَّ (سعيد) كرديّ، ولا يليق بالحميّة القومية المُضيُّ وراء كرديٍّ لهذه الدَّرجة!"، وحديثي هذا ليس لردِّ زيفِ هؤلاء المنافقين الظَّلَمة ودسائسهم، بل لكيلا يتكدَّر صفاءُ قلوب البسطاء، فأقول:
أجل، لقد وُلدت في مدينة أخرى، لكن قدَّر الحقُّ سبحانه أن يجعلني خادمًا لأبناء هذه المدينة التي أقطُنُها، ويعلم أهالي هذه المناطق أنني أمضيتُ تسعَ سنين مديدة ساعيًا في تحقيق السعادة لتسعة أعشار هذا الشعب في هذا الوطن، وقد اعترفوا هم أنفسُهم بذلك.
كما أنني أعلنتُ من خلال مؤلفاتي التركية وخدماتي في هذه البلاد خلال تلك الأعوام التسعة أنني أُفضِّل عشرين أو ثلاثين شابًّا من شباب المسلمين الأتراك أمثال: (خلوصي، صبري، الحافظ علي، خسرو، رأفت، عاصم، مصطفى چاويش، سليمان، لطفي، رشدي، مصطفى، ذكائي، عبد الله) على عشرين أو ثلاثين ألفًا من أبناء قومي وجلدتي، وأنني أرتضيهم مكانَ ثلاثين ألف رجل.
— 277 —
نعم، بل يُصادق المدقِّقون في أحوالي والمُطَّلعون عليها أنني لستُ أرى ألفَ كرديٍّ عامِّيّ يُقابلُ تُركيًّا واحدًا مثل خلوصي، ولا أرى ألفَ كردي جاهل مقابلَ تركي واحد مثل عاصم ورأفت، ولا أستبدل بشابٍّ واحدٍ مثل خسرو ألفَ كردي مغفَّل.
لذا فليعلم أولئك الملحدون الذين يَسْعَون لتسميم الشعب التركي والقومية التركية، ويعتدون عليَّ باسم الإفرنج ولصالح الإلحاد، وبدعاوى القومية التركية المزيَّفة المصطَنعة، وبغية التسويق لأنفسهم: أنَّ الآلاف من الأتراك يشهدون أنني خدمتُ أهمَّ جيوش الإسلام وأعظمَها وأكثرَها جهادًا یی أعني الأتراك یی بمقدار ألف رجل تركي! فليَبْرُز أولئك الأدعياءُ الماكرون المتذرِّعون بالقومية والحمية الصُّورية الزائفة للتبجُّح بأني كردي، وليُحدِّثونا عمّا قدَّموه من خدمات تجاهَ هذا الشعب.
ولا يَحسُن في هذا المقام استخدام لُغة التواضعِ واللين في الحديث، فذلك يغذِّي أنانية هؤلاء الفراعنة الصغار، ولهذا وجدتُ نفسي مضطرًّا للتذكير بخدماتي الأخروية التي لا يجوز إظهارُها ولا ينبغي التحدُّث بها، لكن حِفاظًا على العِزّة العلمية تجاهَ أولئك المتكبِّرين، واعتمادًا على عفو الحقِّ سبحانه.
الباقي هو الباقي
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭
— 278 —
(فقرة ذكائي):
أستاذي العزيز.. أعلمُ جيدًا أنَّ من نافلة القول أن أتحدَّث عن أهمِّية الصبر والتوكل إزاء هذه الحوادث الأليمة، فأنتم أساسًا من علَّم أمثالَنا من المساكين الذين يئنُّون تحت وطأة أصغر اضطراباتِ الحياة معانيَ القيم، أمثال الصبر والتوكل وغيرها من كنوز السعادة والنجاة، ونحمد الله أننا نتمكَّن يومًا بعد يوم من إدراك معاني هذه "الكلمات" بصورة أفضل وتقدير أمثل.
في البدايات حين كنا نُمضي أوقاتَ الغفلة بعيدًا عن الأنوار، كانت معاني الصبر والتوكل في الحياة وأمام الحوادث وفي كل شيء تبدو لنا من حيث الظاهر أمرًا مؤلمًا لا يمكن احتمالُه، غير أن إرشادات أستاذنا وتوجيهاته بهذا الخصوص نوَّرت أذهانَنا، وأزالت هذه الأوهامَ السطحية الظاهرية.. وإن كان لهذا العبد الفقير المذنب ما يبعث على السرور، فهو ما يُبصره قلبُه من الأنوار الحقيقية حتى لو كان مقدارَ قطرة من ذلك العقل والفكر والبحر الكبير، وما يتذوَّقُه من المعاني البديعة بين الحين والآخر.
أستاذي الحبيب.. إخوانُنا والحمد الله في رقيٍّ دائم فكرًا وروحًا، ونسأل اللهَ تعالى برحمته أن يجعله رقيًّا معنويًّا في ديوانه الإلٰهيّ.. وإن المكتوب السابع والعشرين يتدفَّق كالينابيع الفيّاضة التي تتجدَّدُ يومًا بعد يوم.
وكلِّي رجاء وأمل أن أرى أعداد السالكين لطريق السلامة في تزايد، وأن تبلغَ مجموعة الحقائق التي بين أيدينا كلَّ من يليقُ بتلقِّيها ويملك أهليةَ الانتفاعِ بها، وسيتحقَّق مقتضى هذه الحقيقة عبر الزمان بإذن الله تعالى.
وغايةُ الرجاء والأمل أتضرَّع إلى الحق سبحانه أن يتكرَّم على مساكينِهم بحسن الختام، وأشعر ببالغ الفخر والاعتزاز بما لدى إخواني الصادقين المتَّقين الغيارى یی كبارًا وصغارًا یی من جميل المزايا وصفاء القلوب وحسن النَّوايا.
— 279 —
إننا نحمل أملًا صادقًا وإيمانًا راسخًا أن رُوحَ نبيِّنا (ص) المبعوث قائدًا للعالمين وسندًا للعاجزين، وأرواحَ أتباعِه الميامين، تُبارِكُ أركانَ مركبِنا المكلَّل بالأنوار، والمُجهَّز بالمراصد، وتُساندُ أتباعَ سفينتِنا المعزَّزة بالنجوم والشُّهب السَّماوية، والمحصَّنة بالمدافع المعنوية التي توازي الإيمانَ الأزليّ.. وأتضرَّع إلى الحق سبحانه أن يَحرُسَها من أمواج هذا الزمان العاتية وأعاصيره القاسية بمنِّه وكرمه.
أمّا بالنسبة لهذا العبد الفقير فهو متضرِّرٌ معنًى من جوانبَ شتَّى، وبحاجة لإصلاح حاله وتصحيح معاملته وتقوية معلوماته المُعرَّضة لخسائرَ فادحة، وهو یی من جهة أخرى یی معرَّضٌ لأذى النفس الأمّارة، ومُبتلًى بحظوظها ورغباتها، ومن جهة ثالثة يخشى أن تَقصُر عبوديتُه المجتزَأة عن تحقيق السعادة الأبدية لضآلتِها في مقابل كثرة ذنوبه، ولذلك فأنا مشفقٌ دومًا من تخيُّل عاقبةِ ذنوبي! وهيهات أن نَبلُغ السعادة الأبدية بمجرَّد عباداتنا الشخصية وخدماتنا القاصرة دون شفيعٍ هادٍ ودليلٍ مرشد! فالحياة الدنيا لا استقامة لها، والأحاسيس البشرية معتادة جدًّا على التغيُّر والتبدُّل.
أستاذي العزيز.. ما دُمتَ قَبِلتَني بين طلّابك وإخوانك، بل ارتضَيتَ لصُحبتك ومجالَستِك أشخاصًا مكلومين غيرَ لائقين بالقبول، وما دُمتَ تقدِّمُ لنا أدوية مستقاةً من صيدليّة قُدسية سماوية لعلاجِ جراحنا، وما دام الإكسيرُ والتِّرياقُ الشافي لجروحنا متوفِّرًا لديك، فإنني أرجو أن تلبِّيَ نداءَ طالبِك العاجز، وتقدِّمَ له الدواءَ الناجع لعلاج جراحه علَّها تبرأُ وتتعافى، وأن تتكرَّمَ بالتوجيه والإرشاد اللازم، لنتوجَّه بعدَها لأداء وظائفنا الأساسيّة المُهِمّة.
المسؤول الإعلاميّ لسفينتكم المعنوية
طالبكم ذكائي
٭٭٭
— 280 —
(فقرة غالب باللغة الفارسية، كُتبت بمناسبة الكرامات الغوثية):
ك۪يسْتَمْ مَنْ چُو يَك۪ى عَاجِز و ب۪ى تَاب و زَبُونْ ٭ دِلْ حَز۪ينْ س۪ينَه پُرْ اٰلَام و سَرَمْ مَسْتِ جُنُونْ
اَزْ غَمِ فِرْقَتِ دِلْدَارْ بَس۪ى پُويَنْدَمْ ٭ كَسْ نَم۪ى بُودْ دِلِ زَارِ مَرَا رَاهْنُمُونْ
سَالْهَا دَرْ اَلَمِ هَجْرْ پَر۪يشَانْ بُودَمْ ٭ نَه يَك۪ى يَارِ مُوَافِقْ نَه يَك۪ى جَامِ سُكُونْ
رَاهِ بِهْبُودِئِ مَنْ گُمْ شُدَه بُودْ اٰنْ بَاٰنْ ٭ دَرْ سَرَمْ شَوْقِ جُنُونْ بُودْ شَب و رُوزْ فُزُونْ
عَاقِبَتْ دَسْتِ قَضَا هَادِئِ بِهْبُودَمْ شُدْ ٭ هِمَّتِ زُمْرَهٔ‌ِ مَرْدَانِ خُدَا جِلْوَه نُمُونْ
چِه نَوَازِشْ كِه: دِلَمْ يَافْتَه دَرْ سَايَهٔ‌ِ پ۪يرْ ٭ شُدَمْ اَلْحَاصِلْ اَزْ دَوْلَت و لُطْفَشْ مَاْمُونْ
بَخْتِ نَاسَازِ مَرَا سَازِئِ اِقْبَالْ رَس۪يدْ ٭ دِلِ ب۪يچَارَهٔ‌ِ مَنْ شُدْ زِفُيُوضَشْ مَمْنُونْ
ن۪يسْتْ عَجَبْ خَاكِ سِيَهْ لَعْل شَوَدْ دَرْ پ۪يشَشْ ٭ نُورِ حَقَّسْتْ هَمَانْ ا۪ينْ نَه فِسَانَه نَه فُسُونْ
دَرْ زَم۪ينِ اَهْلِ حَقْ اَنْوَارِ تَجَلَّاىِ خُدَاسْتْ ٭ پ۪يشِشَانْ مَاض۪ى و اٰت۪ى هَمَه يَكْ نُقْطَهٔ‌ِ نُونْ
اٰنْچِه مَاض۪يسْتْ بِخٰوانَنْد بَدِلْ هَمْچُو كِتَابْ ٭ حَال و اٰت۪ى هَمَه يَكْ ش۪يوَه شَوَدْ كُفّ و كُمُونْ
دِلِ شَانْ اٰي۪ينَهٔ‌ِ اٰيَتِ لَوْحِ مَحْفُوظْ ٭ زَانْ سَبَبْ نِهَانْ اَزْدِلِ شَانْ كُنْ فَيَكُونْ
اٰنْچِه د۪يدَنْد و بِگُويَنْدْ خُدَا اٰمُوزَدْ ٭ اٰلَت و قُدْرَتِ حَقَّنْدْ مُكَمَّلْ مَوْزُونْ
هَانْ دَرْ نُسْخَهٔ‌ِ تَوْرَاتْ ثَنَاىِ مَحْمُودْ ٭ هَانْ دَرْ لَوْحِ زَبُورْ وَصْفِ مَس۪يحَا اَفْزُونْ
وَصْفِ اَصْحَابِ مُحَمَّدْ هَمَه دَرْ اِنْج۪يلَسْتْ ٭ ا۪ينْ چِه ب۪ينِشْ هَمَه اَزْ وَحْىِ خُدَاىِ ب۪يچُونْ
بَازْ دَرْ اَهْلِ وَلَايَتْ تُو ب۪ين۪ى ا۪ينْ رَازْ ٭ دَادَه اَزْ خَبَرِ اٰت۪ى پَيَامِ مَقْرُونْ
خَبَرِ گُلْشَن۪ى م۪ى دَادْ جَلَالِ رُوم۪ى ٭ شَيْخِ اَكْبَرْ خَبَرِ مِصْر۪ى دِهَدْ اَمْرِ يَكُونْ
اَحْمَدِ جَامْ دِهَدْ اَزْ اَحْمَدِ فَارُوق۪ى خَبَرْ ٭ مَنْ كُدَامَشْ بِشُمَارَمْ كِه زِاَعْدَادْ فُزُونْ
هَرْ يَك۪ى گُفْتَه خَبَرْ رَمْز و اِشَارَتْ كَرْدَنْدْ ٭ پ۪يشِيَانْ اَزْ پَسِيَانْ دَادَه نِشَانِ سَيَكُونْ
بَاخُصُوصْ مَرْدِ خُدَا حَضْرَتِ عَبْدُ الْقَادِرْ ٭ غَوْثِ اَعْظَمْ قُطْبِ دَائِرَهٔ‌ِ كُنْ فَيَكُونْ
— 281 —
پَسْ اِشَارَتْ دِهَدْ اَزْحَالَتِ اٰتِىِ جِهَانْ ٭ هَرْ چِه د۪يدَسْتْ بِگُفْتَسْتْ بَيَانِ مَسْنُونْ
گُفْت دَرْ نَظْمِ تَجَلّٰى كِه شَوَمْ حِرْزِ مُر۪يدْ ٭ اَزْشَرّ و فِتْنَه نِگَهْبَانِ مُر۪يدَمْ مَاْمُونْ
كَرْدَه اَزْ فِتْنَهٔ‌ِ جَنگ۪يز و هُلَاگُو اِخْبَارْ ٭ بِنْگَرَدْ ل۪يكْ رُمُوزِ سُخَنَشْ تَا بِكُنُونْ
خَبَرِ فِتْنَهٔ‌ِ ا۪ينْ دَوْرِ زِنُطْقَشْ پَيْدَا ٭ يَافْتَه اَزْ رَمْزِ اُو اَرْبَابِ يَق۪ينْ سَرْ فُزُونْ
فِتْنَهٔ‌ِ دَوْرِ كُنُونْ چُونْكِه زِحَدْ اَفْزُونَسْتْ ٭ زِشِرَارِ شَرّ و فِتْنَه شُدَه جَيْحُونِ هَامُونْ
اَهْلِ دَانِشْ هَمَه سَرْ جَيْبِ قَبَا م۪يكَرْدَنْدْ ٭ عَرْصَهٔ‌ِ د۪ينْ زِمَرْدَانْ شُدَه خَال۪ى مَشْحُونْ
د۪يدَهٔ‌ِ دَهْرْ نَد۪يدَسْتْ بَد۪ينْ دَغْدَغَه ه۪يچْ ٭ م۪ى رَوَدْ رُودِ فِرَاتْ خَلْق هَمَه تَشْنَه نُمُونْ
دَرْ هَمَه ه۪يچْ عَصْر فِتْنَهٔ‌ِ ا۪ينْ دَوْر نَبُودْ ٭ اَكْثَرِ خَلْق شُدَه حَالِ زَمَانْرَا مَفْتُونْ
مُلْحِدَانْ رُوزُ شَبْ ا۪يجَادِ فِتَنْ م۪ى كَرْدَنْدْ ٭ زَهْرِ خَنْد نَكُنَدْ بَلْكِه بِگِرْيَدْ مَجْنُونْ
بَرْ بَد۪ينْ فِتْنَه و شَرْ حَضْرَتِ اُسْتَادِ سَع۪يدْ ٭ جَبْهَه بِگِرِفْتْ خُوشَا مَرْدِ سَعَادَتْمَقْرُونْ
ت۪يغِ سَرْ ت۪يزْ شُدَه دَرْ كَفِ اُو چُونْكِه قَلَمْ ٭ كِلْكِ اُو زُمْرَهٔ‌ِ اِلْحَادْ هَمَه كَرْدَه زَبُونْ
هَيْبَتِ د۪ينْ زِگُفْتَارِ خُوشَشْ پَيْدَا شُدْ ٭ هَرْكِه ا۪ينْ نُورْ نَب۪ينَدْ شَوَدْ اِذْعَانَشْ دُونْ
كِلْكِ اُسْتَادْ اَزْ لَدُنْ بَسْطِ حَقَائِقْ م۪يكَرْدْ ٭ تَا اَبَدْ اَزْ فَيْضِ عَيَانَشْ هَمَه جَانْ نُورِ عُيُونْ
بِفَرْمُودْ مَگَرْ حَضْرَتِ غَوْثْ ٭ دَرْحَقِّ حَضْرَتِ اُسْتَادْ شَوَدْ اَصْلِ مُتُونْ (لَا تَخَفْ قُلْهُ‌)
حَبَّذَا رَمْزِ كِه گُفْتْ حَضْرَتِ عَبْدُ الْقَادِرْ ٭ نِعْمَ ذَا نُطْقِ كِه كَرْدَسْتْ سَع۪يدْ سَعْدِ نُمُونْ
اٰنْ كِه د۪يدَسْتْ پَسَنْدَسْت بَيَانْ م۪ى كَرْدَسْتْ ٭ حَقْ پَسَنْدَسْت شَوَدْ تَشْنَهٔ‌ِ فَيْضَشْ اَفْزُونْ
بَعْد ز۪ينْ غَالِبِ ب۪يچَارَه دُعَا م۪ى گُوي۪يمْ ٭ بَادْ رَاض۪ى زِسَع۪يدْ ذَاتِ خُدَاىِ ب۪يچُونْ
هِمَّتَشْ عَال۪ى و فَيْضَشْ هَمَه اَعْلَا بَادَا ٭ بِدِهَدْ حَضْرَتِ حَقْ نَشْئَهٔ‌ِ غَيْرِ مَمْنُونْ
تَا فَلَكْ دَائِر و ا۪ينْ اَرْضْ هَم۪ى شُدْ سَائِرْ ٭ عَظَّمَ اللهُ لَهُ الْاَجْرَ وَ قَرَّتْهُ عُيُونْ
غالِب
٭٭٭
— 282 —
(فقرة عاصم بك):
تُعَدُّ اللَّمعة الرابعة من المكتوب الحادي والثلاثين "منهاج السُّنة" رسالة شريفة قيِّمة ومنقطعة النظير، وهي تستحق كلَّ التقدير والاستحسان، وتليق بشتَّى أنواع المديح والثناء، ولستُ أُوفي حقَّها مهما امتَدَحتُها وأشدتُ بها، وقد افتُتن بها كلُّ من رآها أو قرأها أو سَمِعَها، بل لقد حَظِيَت بتقدير المُتعصِّبين لمَشرَبِهم من العلوية والسُّنّة ونالَت استحسانَهم، إضافةً إلى رجالاتِ المشاربِ المُتشدِّدة المُتخالِفين فيما بينهم، فلا يملكون الاعتراضَ عليها أو حتى إثارةَ النِّقاشِ حولَها.
عاصم
٭٭٭
(فقرة أحمد خسرو):
لقد استفدتُ كثيرًا من عباراتكم النورانيّة التي توضِّحُ مشربَ محيي الدين بن عربيّ وتبيِّن نقائصَه.
في درسكم السابق بقيَت لديَّ جُمَلٌ متعلِّقة بتلك المسألة لم أتوصَّل لفهمها، إضافةً إلى بعضِ النِّقاطِ الغامضة، إلا أنها بدت لي هذه المرة واضحة مفهومة، وبدأتُ أشاهد حقائقَها بوجوهها البهيّة، وأقولها بحقٍّ وصدق: لقد نهلتُ من فيوضِها الكثيرَ.
وقد قرأتُها مع أخي رأفت بك، وشكرنا أستاذَنا كثيرًا.. أسألُ الحقَّ سبحانه أن يكتُبَ لكم من الأجر الجزيل ما يليق بمقامكم.. آمين.
أحمد خسرو
٭٭٭
— 283 —
(فقرة محمد علي باباجان):
حضرة أستاذي وروحي وقلبي..
لا يمكنني تقديم خدمة حقيقية لرسائل النور، ولا الالتزام التام بوظيفة الطالب، لأنني كلَّما فكَّرتُ بالقُوّة والقدرة والذكاء الكامنة في رسائل النور، وتدبَّرتُ الأسرارَ والأنوار النابعة منها، أغيبُ عن نفسي وتغشاني السعادة، ولا أقوى على الرُّقيِّ إلى تلك الذُّرى السامية، لكن سأبذُل وسعي یی بإذن الله یی للاستفادة من هذه الرسائل التي عرَضَت أسرار القرآن الحكيم التي هي أغلى آلاف الأضعاف من أثمن الجواهر النفيسة التي وهبها الحقُّ سبحانه لعباده؛ ولأنني لا أجد في النهار متَّسعًا من الوقت بسبب الانشغال بهموم المعيشة، فسأُنير شطرًا من ليلي بهذه الأنوار.
إنني أشعر بابتهاجٍ روحاني لطيف في قلمي وقلبي كلَّما شرعتُ بكتابة الأنوار، ولا أعلمُ كيف أحمدُ الله تعالى وأشكرُه! أحيانًا يُسلَب مني اختياري أمام أنوار رسائل النور؛ وأشعرُ بالحزن والأسى كلما تذكَّرت أيامي التي أمضيتُها في الغفلة، لكني بعدما اهتديتُ إلى الأنوار صرتُ كلَّما أرنو ببصري إلى المستقبل أضحك مستبشرًا ويغمرني السرورُ والسعادة؛ فلقد كنتُ أبحثُ عن مثل هذه الخدمة منذ خمس عشرة سنةً، وتذوَّقتُ ألوانًا من مُتع الحياة الدنيا وأذواقِها، فما كانت لتُشبعَ رغبتي وترويَ ظمأ نفسي التوّاقة إلى الخلود، غيرَ أنِّي الآن یی بحمد الله یی وجدتُ في رسائل النور الغذاءَ الذي يُطَمئِنُ فؤادي ويُشبِع رغباتي.
أجل، ما زالت نفسي حتى يومنا مُنجذبةً خلفَ متعِ الدنيا الصوريّة وأذواقِها، وعازمةً على أن تَزُجَّ بي في سجون عوالمَ أُخرى، وقد نجَحَت بذلك إلى حدٍّ ما، واستطاعت أن تجعل منِّي مطيّةً لها! أمّا الآن فإني أحمدُ الله القادرَ على كل شيء أن نجّاني من بلاء هذه النَّفس الأمارة، وأغاثني بالأسرار القرآنية عن طريق شخصٍ يُدعَى: "سعيد".
منذ خمسةَ عشرَ عامًا وأنا أطرُقُ الكثيرَ من الأبواب بحثًا عن السبيل الهادي إلى الحقيقة، وكنتُ أعودُ أدراجي كلَّما شاهدتُ فيها أصنافًا من مُتَع الدنيا، غير أني اليوم
— 284 —
قد وقفتُ على البابِ العظيمِ الذي أبتغيه والحمد لله.. أسأل الله أن يجعلني من خُدّامِ هذا الباب، ويرزقني الثبات على خدمته.
إن ما تقدِّمُه رسائل النور من فوائد جليلة، عبر نشرها حقائق الإيمان، وتبديدِها ظلمات هذا العصر المظلم، لا يمكن إغماضُ العين عنه وإنكاره إلّا بالجهل وسوء الفهم لا غير؛ وحسَبُ العاقل طنينُ بعوضة، والجاهلُ لا يُسمِعُه قرعُ الطبول وأصواتُ المزامير.
أسأل الحقَّ سبحانه أن يرفع الغشاوةَ عن أبصارنا، وأن يُرِيَنا الحقائقَ حقًّا.. آمين.
محمد علي باباجان
٭٭٭
(فقرة المقدَّم عاصم بك):
سيدي وأستاذي المحترم.. تفضَّلتُم عليَّ مجدَّدًا بعبارات التكريم غير المحدودة كما في كلِّ مرة، مع أنِّي لا أستحقُّ هذا الجودَ والكرمَ، ممّا أغرقني في نشوة، وخلَّفني حائرًا لا أدري ما أفعل؟! ولست أملك حيالَ هذه المكرمات سوى أن أتشبَّث بالرسائل الشريفة، حامدًا الحقَّ سبحانه، مثنيًا على فضله وامتنانه، شاكرًا عظيمَ لطفه وكرمه وإحسانه؛ وأن أنهلَ من معينها العذب، وأغرق متحيِّرًا متفكِّرًا فيما حوته بحارُها هذه من البهجة والسرور، وأن أستشعرَ أنَّكم قربي وأمامي یی أستاذي الحبيب یی، وأن أتضرَّع إلى الله بجميل لُطفه وعنايته السُّبحانية أن يُدِيمَ هذه المكرمات.
وكيف لا أفعل ذلك وأنتم تُسطِّرُون أبلغَ المديحِ لهذا العبد الفقير، لا سيَّما ما جاء في مقدِّمة الرسالة التي تفضَّلتُم بإرسالها مؤخَّرًا، إذ تطلقون الأوصاف الفائقة والعبارات الرائقة ثمَّ تقولون: "رفيقي القوي في خدمة القرآن، وصاحبي المُؤنِس في طريق الحق وسبيل الأبد"، فتعلنون هذا الكلامَ النفيس بحقِّ أخ فقير حقير بائسٍ
— 285 —
مثلي! فكيف لا أعدُّه أوضحَ دليلٍ على فضلكم وعظمتكم، وعلى حُسن توجُّه الغوث الأعظم الشيخ الگيلاني (قُدِّس سرُّه العالي) وصدق بشارته؟!
لقد اطَّلعتُ على هذه الرسالة الشريفة التي تدور حول الإخبارات الغيبية للغوث الأعظم، وقرأتُها وكتبتُها، ونحن نعلم يقينًا أن الغوث الأعظم من أجلِّ الأقطاب، ونُكِنُّ له محبّةً كبيرة في نفوسنا، إلّا أن يقيني ومحبَّتي في هذه المرة زادا وتعمَّقا أضعافًا، ومحبَّتي وإيماني توثَّقا بحضرة الشيخ بحبال متينة، كيف لا وصاحب هذه الكرامات والإخبارات الغيبية هو أستاذ أستاذي الغوث الأعظم، صاحب الكرامات ومنبع الحقائق، الناطق بساطع الكلمات، والمبشر بحياة الأرواح؟!
وقد تعزَّز بهذه البشارة تعلُّقي وارتباطي بالأستاذ، وأصبحتُ أشعر أني في كنفِ حصنٍ حصينٍ لا يُهدم ولا يسقط، فلا أخشى الهجمات الخارجية؛ وأُحِسُّ بأني اكتسبتُ طاقةً وقوّةً للرَّدِّ على الاعتداءات والهَجَمات الآتية من الخارج، وبلُطفٍ من الباري سبحانه وجميل عنايته وبدعاء الغوث الأعظم وتوجُّهه وصلتُ إليكم أستاذي.. هذا من فضل ربي.
أسأل الباريَ تعالى وتقدَّس وأتضرَّع إليه أن يوفِّقني للمُضيِّ في هذا السبيل حتى نهاية عمُري، وأن يجعلني مستحقًّا ولائقًا للتحقُّق بالأوصاف التي تفضَّلتم بها أمثال: "الوفي، المضحِّي، أخي الحقيقي في الآخرة، رفيقي القوي في خدمة القرآن، وصاحبي المؤنس في طريق الحق وسبيل الأبد"، ومن الله التوفيق.
أستاذي الأكرم، لا أمتلك خطًّا حسنًا وتعبيرًا صحيحًا يمكن تقديمُه لرسائل النور، ولا أُؤدِّي تجاهَكم نسبةَ واحدٍ بالألف من واجب التعظيم والتكريم، والتبجيل والتسليم، والمحبة والإجلال، ولا يرقى قلمي العاجز لأن يغدو ترجمانًا لروحي ومشاعري.
وما محبتي لكم أستاذي وتعلُّقي بشخصكم إلا بنسبة خمسةٍ بالمئة من مقام المحبة والتعظيم والتكريم للقرآن الحكيم الذي تؤدُّون وظيفة الدَّلالة عليه ونشر أنوار
— 286 —
حقائقه؛ وما كلماتكم التي تفيض أنوارًا وحقائقَ إلا تفسيرٌ مقتَبَسٌ من القرآن الحكيم، وبهذا الاعتبار فإنَّ مَن لا يَقدُرُها حقَّ قدرِها، ولا يستحسنها ويثني عليها ويظهرُ نحوَها المحبّة والتعلُّق، لا يملك ذرّة من الإنسانية، بل الأصحُّ أنَّه شخص لم يحظ بالقبول من الله تعالى ونبيِّه (ص).. أسأل الخالق سبحانه أن يهديَ أمثال هؤلاء إلى جادة الصواب.. آمين بحرمة سيِّد المرسلين.
أستاذي الحبيب، أختكم اجتازت في مرضها مرحلة الخطر، ولم يتبقَّ منه سوى عشرين بالمئة كما أخبرتُكم سابقًا، إلّا أنَّها لم تغادر الفراش بعدُ، فهي لا تقوى على النهوض، ويرتجفُ جسمُها حين تقوم للصلاة، وربما ظهرت عليها بعضُ عوارض المرض.. إلا أنها تحيا حامدةً شاكرةً لربِّها على جميل لُطفه وحسن كرمه فيما وصَلَت إليه في هذه الأيام، متوكِّلةً عليه فيما يقدِّرُه مستقبلًا، فلقد انقضت آلامُ الماضي ومضت، ثمَّ هي تدعو لكم وتقول: "لقد سارَعَت رسائلُ النور والحقائق القرآنية الشريفة لنجدتي"، خصوصًا وأنها قرأَت دروسَ الصبر والتحمل والشكر الواردة في اللمعة الثانية من المكتوب الحادي والثلاثين وارتبطت به ارتباطًا شديدًا، لدرجة أنها طلبت منِّي أن أقرَأَه لها عدّة مرات في بداية مرضها وفي أثنائه وفي نهايته، وشكرت الحق سبحانه وأثنت عليه؛ وها هي الآن تقرأ اللمعة الثالثة والرسائل الشريفة الأخرى وتستمع إليها بقلب خاشع وطَرْف دامع.. الحمد لله، هذا من فضل ربي.
إن هذه الرسائل وسائر الرسائل الأخرى الشريفة فيوضاتٌ دفّاقة تبُثُّ الحقائق وتنشرُ الأنوار، وأستطيع القول بكل ثقة وإيقان: إنَّ لديها من القدرة والقوة ما يمكِّنُها من إدخال الإيمان إلى قلوب زُعَماء أهل الضلالة والبدعة، وعُتاة المُلحِدين، لو أمكنها الولوجُ إلى أرواحهم.
وبحمد الله تعالى وبفضل أستاذي وبركة دعواته وحسن توجُّهاته، نحن نستقي من هذه الأنوار وننهلُ من فيضها، وقد استَمَعت أختُكم للكرامات والإخبارات الغيبية للغوث الأعظم الشيخ الگيلاني بمحبة ونشوة عالية، وتمتَّعت بأذواقِها؛ حتى إنها حين
— 287 —
أُصيبت بالمرض قبل ثلاثة أعوام كانت تُمسك أغصان الأشجار في البستان، وهي في تلك الحالة من غيابِ الوعي وشدةِ الارتجاف وتصرخ قائلةً: "يا عبد القادر الگيلاني، يا أويس القَرَني.. المدد"، وقد وقَفَت هذه المرّة على كراماته وإخباراته الغيبية بشكل مفصَّل واستمعت إليها.
ولقد أثَّرت هذه الرسالة الشريفة في نفس العبد الفقير أيَّما تأثير، وأسعدت قلبي، وأَسالَت دموعي، واستحوَذَت على ثنائي وأشواقي؛ فلستُ أدري كيف أُؤدِّي شُكري وأعبِّرُ عن امتناني؟! فواجبات عبوديتي تجاه الخالق يشوبُها الكثير من النقص، وسعيي في غاية القصور، ونقائصي وعيوبي لا تؤهِّلني لأن أكون من أُمّة قائدِ العالمين وسيِّدِ المُرسَلين وفخر العالمين (ص)، وهمَّتي في الخدمة القرآنية دون المستوى اللائق بها.. ومع كل ذلك فإني أَعُدُّ نفسي موفَّقًا محظوظًا لأنِّي حظيتُ بشرف قبولكم لي للعمل بجانبكم في مقام الخدمة، وإلحاقي بالإخوة العاملين في الخدمة القرآنية؛ علمًا أنَّ إيثاري بحِصّةٍ من هذه الخدمة ولو كانت قطرةً من بحر، يستوجبُ من حمدي وشكري وثنائي ما لا حدَّ له.
كما حظِيَت هذه الرسالة بتقدير واستحسان جميع من قرأتُها لهم من الأصحابِ والإخوانِ، وأقرُّوا بصدقها وصوابها، وباتت همَّتُهم وغيرتُهم في خدمة القرآن في تَنامٍ وازدياد، يَغبِطُون السّائرين في ركب هذه القافلة، والعاملين في ظل هذه الدائرة.. أسأل الخالق سبحانه أن يُلهِم قلوبَ الأُمّة المحمدية الهداية، وينيرَ أرواحهم، ويَمُنَّ عليهم بسعادة الدارين.
أخوكم الفقير المحتاج
عاصم
٭٭٭
— 288 —
(فقرة مصطفى وزيرزاده):
أستاذي.. إنني أدعو لكم عقبَ الصلوات الخمس، وألتمس منكم الدعاء، ولا يُحسنُ لساني التعبيرَ عن مشاعري تجاه مسلككم وتجاه رسائل النور التي تنشرونها، فأنا رجل أُميٌّ لا أُجيدُ الإفصاحَ عن مُرادي كباقي إخواني، إلا أنَّ روحي وقلبي قد تنبَّها بتأثير رسائل النور والحمد لله، وأشعر بهذا التنبُّه في قلبي من خلال المرائي التي أحلُم بها؛ وإنني أجد عالم اليقظة في زمن الغفلة والظلمة هذا أشبهَ بعالم نوم عميق، أمّا عالم النوم فأجدُه عالمَ يقظة إلى حدٍّ بعيد، لذا أودُّ أن أُحدِّثَكم أستاذي عن رؤياي.
وخلاصة هذه الرؤيا: أنَّنا كنا بصحبتكم في أحد الجوامع، وأقوم أنا وأصحابي من طلابكم بتنظيف فِنائه، فظهرت سيّارة وتوقَّفت قربَ المسجد، وكان فيها الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام، وبعد ذلك رأيت نهرًا جاريًا، وانتهت الرؤيا... وأُحيلُ تعبيرَها لكم أستاذي، إلا أنني فهمتُ منها التالي: لقد نالت رسائل النور التي تَسعَى لإحياء سُنّة الرسول الأكرم (ص) ونشرها التقديرَ والاستحسانَ من الرسول الأكرم (ص)، حتى إنه خصَّ هذه الولاية التي هي جامعُنا بالتشريف المعنويِّ والإمداد الرُّوحيّ؛ إلا أنَّ أهل الضلالة يحاولون بمكائدهم التشويشَ على خُدَّام السُّنّة السَّنية، ويضعون العراقيل كي يمنعوهم من اللقاء بأستاذهم.
وخلاصة الرؤيا الثانية: رأيت مجموعة كبيرة من المزارعين يَذْرُون القمح في نهاية إحدى المقابر، وإلى الأمام قليلًا تمَّ تشييدُ بنيانٍ أشبهَ بقلعة مُحكَمة بابُها ذو مصراعين، ورأيت حضرة الغوث الگيلاني جالسًا فيها، وداخلَها أناس كثر، فكنت ممّن حظي بزيارته.. أُحيل تعبيرَها لكم أستاذي، إلا أنِّي فهمتُ من هذه الرؤيا: أن تلك المقبرة هي الزمان الماضي، والذين يَذْرُون القمحَ في تلك البيادر هم ناشرو رسائل النور وطلابها في هذا الزمان، فهم يهيِّئون الأرزاقَ المعنوية للأرواح، ويَمِيزون حبّاتِ الحقائق من أعلاف الأوهام والخيالات؛ أما جلوس حضرة الغوث الگيلاني وتدريسُه لهؤلاء الطلاب في القلعة المحكمة یی وهو الأستاذُ الأهمُّ لأستاذهم یی
— 289 —
وانشغالُ الجموع الكثيرة به، وكذا انصرافُه هو إليهم، كل ذلك يفيد أنه أَظهَر هذه الأمورَ كلَّها بكرامته الغوثية، وأنه مهتمٌّ بطلاب رسائل النور، ومتابعٌ لهم بهمَّته ودعائه.
طالبكم الأميّ: مصطفى
٭٭٭
(فقرة الحافظ علي):
أستاذي المحترم.. لكثرة تداوُل الكلمتين الأولى والثانية بين أيدي الكثير من القُرّاء، أصاب النسختين التلف، فقمتُ بنَسخِهما، فورد إلى القلب تساؤل: "هل هنالك سرُّ توافقٍ في هذه الكلمات التي تُعَدُّ حُجّةَ الإيمان والإسلام؟"، فأجريتُ مطالعةً دقيقة حتى وجدتُ ما أبحثُ عنه، فقلت: "الحمد لله، هذا من فضل ربي"، وعلمتُ أنَّ جميعَ الرسائل تضمُّ لمسةَ إعجاز وضياءَ حقيقة لشعاع شمسٍ سرمدية لا تنطفئ.

فكما أن القرآن الحكيم يخاطبُ الإنسَ والجنَّ وجميعَ العوالم منذ ألف عام ونيِّف، فيُخرِس أعداءَه، ويبعثُ السُّرورَ في نفوس أصحابه، وحُكمُه قائمٌ إلى يوم القيامة؛ كذلك التفسيرُ الحقُّ للقرآن الحكيم المتمثِّل في رسائل النور وأجزائه، أظهَرَ نفسَه 0 Nبين حُجُبِ الظلمات، ونشَرَ الأنوار في الأرجاء.

وقريبًا سيأتي ذلك الزمانُ الذي تُمزِّقُ فيه الأنوارُ حُجُبَ الظُّلُمات وتَهتِكُ أستارَه بإذن الله تعالى، وتُخاطِبُ العالَم كلَّه مُثبِتَةً الإعجازَ الباهر للقرآن المُعجزِ البيان.
أسأل الحقَّ سبحانه أن يبارك في أعمار وأعداد العاملين في خدمة نشر الأنوار.
الحافظ علي
٭٭٭
— 290 —
(فقرة الحافظ علي):
سيدي وأستاذي الرفيع القدر...
لقد وفِّقتُ لنَسخِ "مِرقاة السُّنّة" المُتضمِّنة لإحدى عشرة نُكتةً، وهي كاللَّمعة الوَّضاءة تشكِّلُ في هذا الزمان معيارًا لتمييز الشرك عن الإيمان، ولتفريق الخير عن الشَّرّ، فتَدَعُ النظرَ حائرًا في إبصار كُنهِها، والعقلَ عاجزًا عن بلوغ حقيقة أمرها.
وكان من المأمُول أن يُهيِّئَ الحقُّ سُبحانه برحمته نورًا يمزِّق حجبَ الظلمات الشديدة في هذا الزمان، ويتفوَّق على خصومه؛ وها قد بزغ یی بحمدِ الله یی في رسائل النور، يُبصِرُ ذلك كلُّ من يملك مُسكةَ عقل، فليس ثمة رسائلُ توضِّح الحقائقَ العظيمة وتفسِّرُها، وتخاطب عمومَ المشارب، وتقدِّم الفائدة للجميع، كهذه الرسالة.
أستاذي العزيز، كيف لا نشكر الحقَّ سبحانه على عظيم فضله وامتنانه، وقد أرشَدَنا لمُفسِّر حقيقيٍّ لشمس القرآن، هو أَشبَهُ بشمس الدنيا العظيمة التي نحتاجُها بشِدّة؟!
وكيف لا نصلِّي ونُسلِّم على "شاهْ لولاك" قائدِ الأنبياء والمرسلين (ص)، وقد أضاء بأنواره أعيُنَنا التي لا تُبصرُ الهداية، وساقنا إلى الصراط المستقيم؟!
وكيف لا ندعو لدلَّال القرآن الذي ضمَّنا لِحَلْقة إرشاده غيرَ آبهٍ بذنوبِنا، ولم يُسلِمْنا للغفلة والمعاصي، وهو رفيقُنا في الدّارَين بإذنِ الله؟!
أستاذي الحبيب.. عندما كنتُ أَنسَخُ كِلا القسمَينِ ورد إلى قلبي ألّا أُقلِّد أصولَهما، فقلت في نفسي: كيف ستَظهَرُ أزهارُ التَّوافق وجَلْوةُ البدائع الظاهرةُ عليهما في شكل آخر؟!
فإن الصنعة البديعة في نسختَيِ العبد الفقير بعيدةٌ كلَّ البعد عن إدراك العقل واستعداد البشر، فكأنها وُزِنت وفُصِّلت في مصنعٍ خاصٍّ بها، فظهر كلُّ حرفٍ من حروفها في وزن مقصود وموضع مشهود، وتخاطبُ معنًى سفهاءَ هذا الزمان الشاردين
— 291 —
عن التعقُّل: "إن جلوة الجمال التي تتجلى علينا لا يمكن قياسُها بعقولكم، فبإمكانكم مشاهدتُها فقط إن كنتم تبصرون".
أجل، إن تفتُّحَ الورود كالسُّندُس المُزهر في فصل الربيع، في كلِّ مكان على وجه الأرض بأثر الصَّنعة الربّانية، لا يمكن أن يُحيلَه من يملك ذرّةً من الشُّعور إلَّا إلى قادر مطلق ذي جلال؛ وكذلك هي رسائلُ النور، تحمل ربيعًا أشبهَ بعِيدٍ سلطاني أُقيم في العصر الرابعَ عشر من عصور القرآن وتاريخِه، فما القولُ فيمن هو من أهل البصيرة ثمَّ لا يُبصر هذا الربيع العظيم؟ وما الرَّأيُ فيمن ملك أدنى تعقُّلٍ ولم يستفد من أزهاره وثماره؟ وما الحكمُ فيمن أبصره ثمَّ ذهب ليرميَ بنفسه في أحضان زمهرير الشتاء؟ فعجبًا ممَّن يُسبِغُ على نفسه ظاهرًا نعمةَ أهلِ والشعور و الفكر وأرباب البصيرة، وهو بعيدٌ عنها كلَّ البُعد.
حياكم الله أستاذي الحبيب، إنك بهذه الألماسات القرآنية مبشِّرُ ذاك الربيع العظيم.. أسأل اللهَ أن يُبلِّغكم مُرادَكم ويحقِّق مقصودَكم.. آمين. أدعو بهذا وأُقبِّل أيديَكم سيِّدي.
طالبكم الفقير: علي
٭٭٭
كان ينوي طالبكم العاجز الفقير أن يكتب إليكم رسالة صغيرة حول المؤلَّف السابقِ ذكرُه، لكن لمّا كنتُ مُشتَرِكًا مع أخي الحافظ علي أفندي في الآمال والغايات، اكتفيتُ بتكرار المعاني الواردة في رسالته، مقبِّلًا أيديَكم سيِّدي.
طالبكم المقصر: خلوصي الثاني
٭٭٭
— 292 —
(فقرة خلوصي بك):
أستاذي العزيز المحترم.. تكرَّر الحديثُ بكلِّ أسف عن بُطءِ التحرُّكات في نشر الأنوار، في الوقت الذي كان يستدعي مضاعفةَ الجهود في هذا الميدان؛ ومنذُ عهدٍ قريب جدًّا انضمَّ إلى دائرة "الكلمات" مشتاقون جُدُدٌ، وبإخطار معنويٍّ وَرَد إلى القلب رُحتُ أُفكِّرُ في كيفية انتشارها، وشعرت بالحقائق الآتية، بل بتُّ مقتنعًا بها:
إن "الكلمات" و"المكتوبات" المباركة قد انتشرت كثيرًا في هذه الأنحاء رغم عدم كتابتها وعدم نشرِ جميع أجزائها، كما أن كثيرًا من الإخوة في أقضية الولايات المجاورة يرغبون في الاطِّلاع على هذه المؤلَّفات والاستماعِ إليها؛ وإن تحصيلَ هذا القدر من الإنجازات عبْرَ خدمة جزئية ناقصة، يؤكِّد أن هذه "الكلمات" و"المكتوبات" هي من تجلِّيات اسم "النور"، وإلا لم تنتشر بهذه السهولة.. فيا سبحان الله!
وبينما كنت أُفكِّر في هذا الأمر بعَجَب، تذكَّرتُ الكلمة الأولى التي تناوَلَت الحديثَ عن "باسم الله"، ودار في خلدي الخاطرُ التالي: لقد وَلَج الأستاذُ یی بإعراضه عن الدنيا وبتشجيع حضرة الغوث الأعظم وربما بإرشادِه یی إلى خزينةٍ قرآنية مختومة من خلال "باسم الله"، وراح يزرعُ حبَّاتِ "الكلمات" في الحقل القُرآني قائلًا: "باسم الله"، ويغرس بذورَ "المكتوبات" النورانية في البستان الفرقاني مردِّدًا: "باسم الله"، فلا جرمَ أن انتعاش الحبّات المزروعة وتناميَ البذور المغروسة التي تنحني امتثالًا للأمر الإلٰهيّ سيبدو مبهرًا.
إن الشخص المتواضع المذكور في "الكلمة الأولى"، والذي يقوم بالسياحة هو أستاذنا بكل تأكيد.
ومثلَما تتوغَّل جذورُ النباتات والأشجار والأعشابِ ناعمةً كالحرير في الأحجار القاسية تحت الأرض، وتخترق أعماقَها بتأثير "باسم الله"، كذلك حال "الكلمات" المؤلَّفة "باسم الله" تنتشر في أرجاء الأرض بشكل بديع، وتَنفُذ إلى قلوب أكثرِ أهل الإيمان تنوُّرًا وتكمُّلًا من بين بني البشر.
— 293 —
إن غراسَ الأنوار المزروعة "باسم الله" في هذا الزمن الذي تكثُر فيه البدع، وفي هذه الحقبة التي يتوافرُ فيها المخرِّبون بكثرة، وكذا "الكلمات" و"المكتوبات" الأخرى التي تشكِّل أوراقَ هذه الغِراس السّامية، وحزبُ القرآن الذي يكوِّن أغصانَها وفروعَها، إضافةً إلى الأستاذ الموقَّر الذي هو مؤسِّسُ هذا الحزب وسيِّدُه.. كلُّ ذلك مظاهرُ الحفظ والحماية الغيبية.
فقدَّرتُ أن هذه الأنوار القرآنية التي تُشِعُّ من شمس الرسالة تطلُّ أولًا على الأستاذ، ومنه إلى أمثالنا من المساكين، ومِنّا إلى باقي المُشتاقين، وهكذا.. فقلتُ: الحمد لله.
وكما حدَّثتُكم في رؤيا سابقة أن جماعتنا الصغيرة أصبحت وسيلةً لانتشار "الكلمات" بين المؤمنين، وهي أشبهُ بأولئك الذين أصبحوا مَظهَرًا لسِرِّ الآية: كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ، وحقَّقوا الانتصارَ المعنويَّ، وشكَّلوا حَلْقةَ توحيد مصغَّرة تتبعُ إدارتُها لمُرشِد واحد، وهكذا فإنَّ وراء كلِّ فرد من أفراد جماعتكم الصغيرة زُمرةَ موحِّدين على هيئةٍ هرميّة أو (راسمٍ مخروطيّ)، وهم في تزايد مطَّرد.. وكأنني لمحت هذا الأمر وقلت: الله أكبر. وإنني أرغب أن أوضِّح هذا التَّصوُّر القيِّم لإخواني بصورة أوضحَ في اللوحة الواردة في الأسفل؛ وقد منحني هذا التفكُّر النوارني أملًا عظيمًا، وذكَّرني ببيتِ شعرٍ في قصيدة المعلم جودي:
جميعُ القبائل كلُّ الشعوب محبَّتُه للجليل المُعظَّم
على قبلةٍ قد أناخوا القلوب فصلَّى عليه الإلٰهُ وسلَّم
وها هو أستاذنا الموقَّر الذي يُولي اتِّباعَ السُّنّة أهميةً عظيمة، (حاشية): إن إحدى كرامات إخلاص خلوصي التي تكررت منه مرات عدة دون أن يشعر بها: أنه يتحدَّث في رسالته حول مسألة تشكِّل موضوعَ رسائل ألِّفت حديثًا ولم تُرسَل إليه بعدُ، فكأنه يَنشُدُها.
ومثلَما حَدَث مرّاتٍ عديدة، جاء طلبُه الآن بشكل صريح لرسالة "مرقاة السُّنة" من قبيلِ الحسِّ قبل الوقوع، وهي تتحدَّثُ عن اتِّباع السُّنّة. (سعيد) يَسعَى في هذا العصر إلى إرشاد أهل الإيمان بسِرِّ: «العُلَماءُ ورثةُ الأنبياء» ، وذلك من خلال
— 294 —
مؤلَّفاتٍ نورانيّة تُدعَى: "الكلمات" و"المكتوبات"، ليُوجِّه نحوَ قبلةٍ موحَّدة أولئك الذين يفرِّطون بعقيدة التوحيد تدريجيًّا في كلِّ يوم، بسبب انتشارِ بُذُور النِّفاق فيما بينهم، كما يَرفَع راية القرآن عاليةً في وجه عموم الكفرة، بل حتى الجانِّ والشياطين، ويعرضُها كما نزلت في أوَّل أمرِها، مُظهِرًا إعجازها الخفيّ.
بعد أن قرأت الرسالة التي تتحدَّث عن وحدة الوجود مع بعض السادة من ذوي الشَّأن، انتقلتُ ذِهنًا بدافع معنوي وبشكل لا إرادي إلى مكانٍ آخَر، فوجدتُ بين الحضور العالِمَ صاحبَ مشربِ وحدة الوجود، (٭): وهو الأستاذ الحاج شوكت من العزيز (ألازيغ). فشرعتُ یی بغير اختياري یی بقراءة الرسالة التي تتحدَّثُ عن وحدة الوجود، فحاول ذلك العالمُ ابتداءً أن يُبديَ بعضَ الاعتراض، فطلبتُ منه الاستماعَ إليها حتى نهايتِها، وبعد أن أتممتُ القراءة تعجَّب ذلك العالمُ من عظمة هذه الكلمات، وتساءل بفضولٍ واستغراب: "من يستطيعُ أن يكتب كلماتٍ عظيمةً كهذه في هذا الزمان؟!"، فقلت له: "هو أستاذُنا مظهرُ الفيضِ القرآنيّ"، فأقرَّ ذلك العالم وأعلن إذعانَه بشكل تامّ.
إن جلوة القدر الإلٰهيّ في هذه الحادثة العفوية، والتسليمَ العجيب الحاصلَ دون اختيارنا، يمثِّلُ برهانًا صادقًا على قضيَّتنا، ودليلًا عظيمًا على أنَّنا لسنا لُعبةَ مصادَفة، فی إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
خلوصي
٭٭٭
(فقرتان لصبري الثاني: الحافظ علي أفندي):
وُفِّقتُ هذه المرة لنَسخِ الكلمة التاسعة والعشرين، وفي أثناء النَّسخ بلغتُ السطر المحاذيَ لجملة (مصابيح كهربائية بقوة آلاف الشَّمَعات) الوارد في الأساس الثاني
— 295 —
تحت اسم "المدارات"، ورد إلى قلبي خاطرٌ شدَّني لدرجة أني تركتُ القلمَ من يدي، واستغرقتُ في التفكير به، وها أنا أذكرُ ما شغل فكري:
لقد أَظهَر لنا أستاذُنا بتوفيقِ الحقِّ سبحانه الطريقَ المُؤدِّيَ إلى حقائق بقاء الروح ووقوع الحشر؛ وفي طريق الحقيقة هذا ثمّةَ أمورٌ لا تُعجِب أهواءَ النفس، لذا يبدو لنا هذا الطريق طويلًا ومُظلمًا.
أما اليوم: فإن هالة النُّور یی أي: "الكلمات" یی وكذا المصابيحُ الكَهرَبائيّة لمعمل النُّور وقُواه الجاذبة، قد أَبرزَت هذا الطريق بشكل ساطع، وجلَبَتْه بالقُربِ مِنّا، وأظهَرَتْه أقربَ من قُربِنا، فبعثَت فينا الأمان بدل الخوف، وأحسنت إلينا بالعسل بدلَ الزَّقُّوم.
وأعترف بعجزي الشديد عن التعريف بما انطوت عليه من حِكَمٍ فائقة للغاية، وأتحدَّث بما يمكنني التحدُّثُ به: "اللهم إني أسألك بحقِّ اسمك العظيم، وبحقِّ القرآن الحكيم، وبحقِّ حبيبك الأكرم، أن تُثبِّت أستاذي في العمل التي ترضاه، وتُهيِّئ وتيسر له في عمله ما يرضيه.. آمين، بحرمة سيِّد المرسلين (ص)".
علي
٭٭٭
هذه المفاهيم العالية والمعاني الغالية التي لا تطولُها الأيدي، والمتحدِّرة من بيانكم الساطع لحقيقة مجموع "الكلمات" التي هي هالةٌ من نور، لو تأمَّلَها ووعى معانيَها لا زنادقةُ هذا الزمان فحسبُ، بل حتى الفراعنة والنماردة المعاندون القُدامى المُشابهون لهؤلاء، لدَخَلوا في الإيمان..
قلتُ هذا، ودعوتُ لكم كثيرًا.
علي
٭٭٭
— 296 —
(فقرة خلوصي بك):
لقد أثبتت الكلمة الخامسة والعشرون إعجازَ القرآن بصورة باهرة، وصارت ملجأً لأهل القرآن، ومخزنًا للأسرار والأنوار، ومستودعَ أسلحة فتّاكة لردِّ كيد الطغيان، ومخزن مُعدّاتٍ حربية، لدحر جماعات الكفر والعصيان، وحصنًا منيعًا لا يُهدَم، ولا يُمكن التغلُّبُ عليه ولا اجتيازُه، وقلعة فولاذية مهيبة ومدهشة، وبُرجًا ذا أسوارٍ حصينة.
وبما أنَّ هذه هي الحقيقة، فإنني أرغب یی باسم خادم القرآن الذي ارتكز إلى سُوَرِه، واعتصم بقلعته، وعمَّق البحثَ في أسراره العجيبة المدهشة، ومَن يَعُدُّ القرآن دليلًا وشفيعًا، ويتَّخذُه إمامًا ورفيقًا، ويعتصم به حافظًا وحاميًا یی أن أتعلَّم منه هذا الأمر، وأتمنى من صميم قلبي أن يحظى طلبي بموافقة أستاذي المُدقِّق، المُعرِّف المُبشِّر، الذي اطَّلع بعناية الله على أسرار القرآن، وتعَرَّف بلطف الباري حقائقَه ودقائقَه، ووقف بعون الحقِّ على رموزه وإشاراته.
خلوصي
٭٭٭
باسمه سبحانه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
أخي العزيز مصطفى أفندي..
لقد تشكَّلَت لديَّ قناعةٌ من خلال بعض الأمارات، وبشهادةِ صدقٍ من بعض السّادة الفُضلاء، أنه يُمكِن لفضيلتك أيضًا أن تكون طالبًا جادًّا وأخًا أُخرويًّا مُخلِصًا لي، مثل بكر أفندي مُؤذِّن زاده، كما أن والدكم المرحوم الحاج سعيد أفندي داخلٌ ضمن سلسلة دعواتي منذ زمن بعيد.
ومقابل هديَّتكم القيِّمة جدًّا التي تفضَّلتُم بإرسالها، والمكوَّنة من ماء زمزم وتمور المدينة المنوَّرة، أقدِّم لكم "رسالة المعراج وانشقاق القمر"، وهي الكلمة
— 297 —
الحادية والثلاثون، الحائزة على المرتبة العليا في نظرِ أهل الإيمان، وهي شديدة التأثيرِ في رؤوس أهل الضلالة كأنها الصواعق.. كما أقدِّم لكم أيضًا رسالة أخرى تتحدَّث عن الوحدانية ومعرفة الله ومحبَّته، وهي رسالة نورانية مشهورة، لا نظير لها لدى أهل التحقيق، وهي الكلمة الثانية والثلاثون، المُؤلَّفة من ثلاثة مواقف.
فإن وجدتُم من ينسخُها لكم بخطٍّ حسنٍ فأمرٌ مستحسنٌ، على أن يُراعى تصحيحُها ومُقابلتُها بأصلها مرتين أو ثلاثًا، وبمعاونة أخي السيِّد شفيق، ثمَّ بعد ذلك يأخُذُها بكر أفندي ويكتُبُها لنفسه ولوالد زوجته؛ وإن لم تجدوا ناسخًا جيِّدًا، فلتُعطَ لبكر أفندي، أو محمد أفندي، أو الحافظ هداية أفندي، أو غيرهم من الأفاضل الذين يَقدُرُون حقَّ قدرِها ويعرفون قيمتَها كي ينسخوها لأنفسهم، شريطة بقاء الأصل عندكم، وتكرارِ قراءتِها مع بكر أفندي.
بلغني أنه يُمكن الحصولُ على إذنٍ رسميٍّ لطباعة الرسائل بالأحرف العربية في مطبعة الأوقاف، فإن كان الأمر كذلك فليُباشر بكر أفندي من فَورِه بطباعة هاتين الرسالتين، بشرط الدِّقة التّامّة أثناء التَّصحيحِ تحت إشراف السيِّد شفيق ونظرِه.
ولستُم مضطرِّين لدفع نفقاتِ الطباعة من جيوبكم، فقد صرفنا لرسالة الحشر ثمانين ليرةً ورقية، وربحنا منها ثلاثَ مِئة ليرة، ما يعني أنها بضاعةٌ غيرُ كاسدة بل صالحة للبيع، فالأرواح المسلمة تحتاجُها كحاجتها إلى الغذاء، فلو وُجد مئتا مشتركٍ فقط، لَأَمكن تغطيةُ مصروف طباعة رسالة واحدة، وتوفيرُ نفقةٍ لأجل طباعة الرسائل الأخرى؛ فكما أنني لا أقبل الصَّدَقات من الناس، كذلك لا أرتضي لكتبي أن تُطبَعَ بأموال الصدقة، فاصرفوا همَّتكم إلى جودة الطباعة ودقّة التصحيح وتفادي الأخطاء، وابذُلوا جهدكم في مراعاة التصحيحات أثناء الطباعة كما فعلتُم مع الكلمة العاشرة، وأبلغوني بتكاليف طباعة الرسالة التي طبعتُموها أوَّلًا، كي أستقرضَ الثمنَ وأُرسلَه إليكم فورًا.
— 298 —
إن وفِّقتُم في طباعتها وأرسلتُم بعضَ النُّسخ إلى أهالي المدينة المنوَّرة ومكّة المُكرَّمة الذين تحبُّونهم مثلَ والدكم فأمرٌ مستحسنٌ، ولعلَّ هذه الهدية تكون أثمنَ من هداياكم القديمة إن شاء الله.
الباقي هو الباقي
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭
(خطابٌ موجَّهٌ إلى خلوصي بك):
باسمه سبحانه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
أخي العزيز.. إنك داخلٌ ضمن دعواتي صباحًا ومساءً، فأدخِلني أنت كذلك ضمن دعواتك؛ وإن أعظم عون يقدِّمُه المؤمن لأخيه المؤمن في دار الدنيا هو الدُّعاء.
ولا ضير یی في نظري یی بأن يُفصحَ المرءُ لأخيه عن بعض الإحسانات الربانية التي خُصَّ بها، من قبيل التحدُّث بالنعمة، ما دامَ مطمئنًّا أنه لا يُدخِل بذلك على نفسِ أخيه الغرور، بل يَحمِلُه على الشُّكر.
ولأنني أعلم أنك لا تحملُ غرورًا في نفسِك، فسأُفصِح لك عن هذا السِّرّ، وهو أني حينما كنتُ أؤلِّفُ "الكلمات"، كانت أكثر تمثيلاتها تظهرُ من قبيل الشؤون العسكرية، وكنت أتعجَّب من ذلك، وأتساءلُ حائرًا: لماذا أكتب هكذا؟! وما كنتُ أجدُ الجواب ولا أعرف السَّبب، ثم وَقَع في خَلَدي أنَّه قد يظهر مستقبلًا من بين العسكريِّين من هم أرفعُ الطلبة الذين يتلقَّون هذه "الكلمات" بحقِّها، ويُقبِلُون عليها فهمًا وتطبيقًا، ويَفتَدُونها بأرواحهم؛ لذا كنتُ أُضطَرُّ للكتابة على هذا النحو، مُنتظِرًا أولئك الجنودَ الأبطال.
— 299 —
حاذرِ الغرورَ، واشكُرِ الله أن جعلك من أوفرِ هؤلاء العساكرِ حظًّا إذ كنتَ أوَّلَهم، وإن كتابتك لأربع وعشرين كلمةً من "الكلمات" رغمَ كلِّ المشاغل الدنيوية قد أيَّدَت حُسنَ ظنِّي بك، إلّا أنَّ بقيةَ "الكلمات" مُهِمّة للغاية، لا سيَّما "إعجاز القرآن" و"القَدَر"، وإنَّ الذي حمَلَك على كتابةِ "الكلمات" السّابقة، سيَدفعُك لكتابة هذه أيضًا بإذن الله..
یی أَرسِل لي جميع ما كتبتَ حتى اليوم من"الكلمات" في أقربِ فرصة لأُصحِّحَه وأُعيده لك.
یی لم أطَّلع من قبلُ على قصيدة المعلِّم المرحوم "جودي"، إلا أنَّها قصيدة مباركة، وقد سُرِرتُ كثيرًا بقراءتها، أسأل الحقَّ سبحانه أن يجعله مظهرًا لشفاعة القرآن.. ورضي الله عنكم.
أمّا الصلوات الشريفة التي كتبتها فلم أطَّلع على شيءٍ بخصوصها، لكن اللَّطافة والنورانية التي تنطوي عليها تدلُّ على أنَّها لائقة بما قيل في حقِّها من الثواب والفضيلة.
یی سمعتُ أنك أرسلتَ نسختك من "الكلمة العاشرة" لوالدك، فها أنا أُهدِي لأخي نسخةً عوضًا عنها، وقد وُضِعت في هذه النسخة خطوطٌ تُيسِّرُ الفهمَ في مواضع كثيرة، فأعطوها للشيخ مصطفى وحقِّي أفندي وحسين أفندي، وأَطلِعوا عليها سائرَ معارفِكم حتى يجعلوا نُسَخَهم على منوالها.
یی أخي، في وحشة الغربة والأسر والوحدة هذه، آنَسُ بأصحابٍ نورانيِّين من مثلك ومثل الشيخ مصطفى وحقِّي أفندي وحسين أفندي، وأجد السُّلوان بكم.. لا أضلَّني الله وإياكم عن جادّة الحقِّ.. آمين.
أبعثُ سلامي ودعائي للشيخ مصطفى والسّادة حقِّي وحُسين وأدهم.
الباقي هو الباقي
أخوك في الآخرة
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭
— 300 —
(رسالةٌ موجَّهةٌ إلى خلوصي بك):
باسمه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته بعدد عاشرات دقائق زمانك المصروف لكتابة أجزاء رسالة النور
أخي في الآخرة، الغيورَ الجادَّ المخلصَ نقيَّ السريرة..
أولًا: أرسلتُ إليك الموقفَ الثاني للكلمة الثانية والثلاثين، (حاشية): أما الموقف الأول فهو هدية رمضان. فاقرأه بتمعُّن، واكتبه بخطٍّ حسن، وقُم بتصحيح ما فيه من أخطاءٍ إن وُجدت، فقد تمَّت كتابتُه على عجل وبقلبٍ حزين، ولا بد أن يكون قد وقع فيه بعض التشويش.
ثانيًا: كتبتَ لي بأنه حصل لديك شيءٌ من الفتور والكسل المؤقت، فلعلَّ الاضطراب الذي أصابني قد انعكس عليك وسرى إليك أيضًا، لِما بيننا من رابطة روحية، ناهيك عن الرخاوة والفتور الحاصل من غليان الدم في الربيع، والناشئِ من قلة النوم لقِصَر الليالي، وانصراف قلوب المُستمِعين إلى الأعمال والأشغال.
ففي الوقت الذي توفِّي فيه المرحوم "عبد الرحمن" عانيتُ اضطرابًا في شهر رمضان الشريف بتأثير تلك المناسبة الروحية، رغم أنِّي لم أكن أعلمُ بأمر وفاته، وقد أدركتُ الآن أن ثمّة الكثيرَ من الانعكاسات اللاشعورية وغير الاختيارية.
لكنَّك يا أخي مكلَّفٌ الآن بأداء وظيفتين: إحداهما: وظيفة أخي خلوصي بك، والأخرى: وظيفة ولدي المعنوي وابن أخي "عبد الرحمن" الذي كان متوقَّعًا باحتمال قويٍّ أن يكونَ صاحب عبقرية نورانية، فإنَّ وظيفته قد أُوكِلت إليك أيضًا؛ فقد كان وارثي الحقيقي، وكان يهتمُّ بكتاباتي وأموالي كأنها له، وعليك أيضًا أن تَعُدَّها كذلك، فلا تنظر بعد اليوم إلى الكتابات والكلمات على أنها لأستاذك، بل عُدَّها كتاباتِك
— 301 —
واهتمَّ بها كأنها أموالك، وبلِّغ "حقي أفندي" أن يُعِدَّ نفسَه أيضًا ليكون بدلَ أخي "عبد المجيد"، وليعلَمْ أنه مكلَّف بوظيفته.
ثالثًا: لم تَعُد هنالك حاجةٌ لكتابة كلمات أخرى بعد الكلمة الثالثة والثلاثين، كما أني لاعتبارات أخرى لن أتجاوز هذا العدد المبارك شرعًا، إضافةً إلى أنَّ الحقائق الأساسية القرآنية والإيمانية قد كُتبت أقسامُها اللازمة والضرورية باعتبار الأكثرية المطلقة.
فآمُل أن تكون هذه المكتوبات كافية یی إن تقبَّلَها الحق سبحانه وكَتَب لها التوفيق یی لتبديد سحب الضلالة، ولن أقول: إنَّ فيها دواءً لكل داء، لكنها تضمَّنت أغلب أدوية العلل المُهلِكة.
فالزَمْ مطالعَتَها من قبيل التفكُّر الذي يُعَدُّ عبادةً قيِّمة جدًّا، وعُدَّ ما فيها من العلم من أنوار الإيمان ومن معرفة الله تعالى، كيلا تورث فيك المللَ، واقرأها حين تجد في نفسك ونفس مستمعيك اشتياقًا لها.
الباقي هو السَّلام، والدعاء.
أخوكم سعيد
لقد كتبتَ رأيك حول المقام الأول للكلمة الثالثة والثلاثين، وأعربتَ عن إعجابك به.. فاسأل "حقي أفندي" والمفتي أفندي وسائر إخواني: كيف وجدوا هذا المقام؟ وأخبرني برأيهم.
سلامي لجميع الإخوة، وأدعو لهم، وألتمسُ منهم الدعاء.
أخي خلوصي.. إنه سلَفُك، فاقرأ له رسالتك، وارْثِ له، وخُصَّه بالدُّعاء.
٭٭٭
— 302 —
(رسالة كتبت خطابًا لخلوصي بك):
باسمه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته بعدد حساب أبجدِ أعداد حروف ما قرأته من أجزاء رسالة النور
أخي الحبيب.. هذا الكلام الذي أخاطبك به ليس لأجل تشجيعك، فأنت غيرُ محتاجٍ لذلك؛ ولا ليكون مبعثَ فخرٍ لك، فإنَّ الفخر يُورِث العُجْب والرِّياء؛ وإنَّما أقولُه ليكونَ مبعثَ شكر لك:
لقد غدوتَ أنت وحقِّي أفندي عندي بمثابة مئة طالب جادٍّ، بل أستطيعُ القول: إن سبب تقدير الحقِّ تعالى إرسالي إلى هذه الأماكن هو لأجل النهوض بكم في هذه الوظيفة السّامية؛ وإن تعليم دروس الإيمان التحقيقي في هذا الزمان فضيلة عظيمة ومهمّة جليلة، فالمؤمن الذي يحمل الإيمان التحقيقي يصبح نقطةَ استنادٍ لكثير من المؤمنين، إذ يرتكزُ عوامُّ المؤمنين یی بدون شعور یی إلى القوة الإيمانية التي يمتلكها، فتقوى شوكتُهم المعنوية، ويَثبتُون في مواجهة الضلالات.
فيجب أن تشكروا الله تعالى أن وفَّقكم للانضمام إلى هذا الدرس، وأنا بدوري أشكرُه مئات آلاف المرات أن هيَّأكم لمؤازرتي بسواعدكم القوية وأكتافكم الفتية، ولحمل عبئي الثقيل الذي أثقل كاهلي الكليل، فباتت روحي التي آنَسَت الراحةَ واستشعرت الطمأنينة تنظر إليكم نظرة التقدير والامتنان، وراح قلبي الذي تخفَّف من المسؤولية يدعو لكم بالتوفيق، وصار عقلي الذي نجا من طول التفكير في أداء الوظيفة يهنِّئُكم ويباركُ لكم.. ولقد كنتُ أُستخدَم في هذه الوظيفة السّامية دون علمي، أما أنتم فتخدمون على علم، لذا فأنتم محظوظون جدًّا، وإن نيَّتكم المُخلَصة ستُصحِّح نيَّتي المُشوَّشة إن شاء الله..
وأمّا الآن فأُبيِّن لكم عدّةَ نقاطٍ أُخرى:
— 303 —
أولًا: كنت أطلبُ رأيكم حول بعض ما أكتب، ولم يكن غرضي من ذلك معرفةَ ما أُشاهده هل هو حقيقة أو لا؟ بل "هل الطريقُ الذي فُتِح إلى الحقيقة يصلحُ للعموم؟"، لأنني لا أعلم مدى استعداد العموم لتلقِّيها كما تلاحظون أنتم.
ثانيًا: لقد أحسنتُم صنعًا إذ قدَّمتُم للمفتي الضيف وللشيخ مصطفى صورةً عن المكتوب المُرسَل إليكم، وحبَّذا أن ترسلوا لي صورةً أيضًا؛ واطلبوا من ابن أخي یی ولد المفتي، وهو أخي في الآخرة، وصاحبي في خدمة القرآن، وذو المشرب الجلالي یی أن يكتب بالنيابةِ عني لأبيه ما يلي: بعد السلام والدعاء، فإنني أطلب أن يَجعَل اللُّطفَ الإرشاديَّ الواردَ في الآية: فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا دليلًا له أثناء الإرشاد والنصيحة، ليَسهُلَ انتشارُ الأنوار القرآنية التي حمَلَها معه.
رابعًا: بالنسبة إلى الأسئلة التي سألتها، فلا أعلم حاليًّا أقوال علماء الحنفية وروايات الأحاديث، إذ ليس لديَّ كتبٌ أُراجعُها، إلّا أنَّ مدارَ الترجيح في مثل هذه المسائل الأفضلية یی بحسَب رأيي یی هو عاداتُ الجماعة التي يُنال بها قبولُ العامّة، فكيفما ورَدَت العاداتُ الإسلامية فهو الأفضل.
سؤالكم الأول: جوابُه أنَّ قراءة القرآن إن كانت تتمّة تسبيحاتِ الصلاة، فالأولى ألّا يغيِّر المتوجِّهون للقبلة وضعيَّتهم، وإنَّما يُحوِّلُ الرجل الذي أمام المؤذِّن ظهرَه أو يتنحَّى جانبًا؛ وإن كان يقرأ القرآنَ بشكل مستقلٍّ فالأولى التوجُّهُ نحو القارئ؛ كما يُفضَّلُ أن يتوجَّه نحوَ القبلة من يستمعُ بأذنِ الرُّوح التي لا تُقيَّد بالجهات السِّتِّ، ونحو القارئ من يستمع بأُذنِ الجسم.
سؤالكم الثاني: جوابُه أنَّ الأفضلية تتغيَّر بحَسَب اشتياق الجماعة ونيَّة القارئ. (حاشية): السؤال الثاني: بما أنَّ من السُّنّة البدء بخاتمة سورة الحشر: هُوَ اللَّهُ الَّذِي بعد صلاتَي الصُّبح والمغرب، فهل يُعَدُّ البدءُ بی لَا يَسْتَوِي تركًا للأفضلية؟
— 304 —
سؤالكم الثالث: جوابُه أنَّ قراءة سورة الإخلاص ثلاث مرات، والفاتحةِ مرّةً واحدة، هي في حُكم ختمةٍ مُختصَرة، لذلك لا يُحدَّد لها وقتٌ، فهي مُستحسَنة في كل الأوقات.
سؤالكم الرابع: جوابُه أنَّ من السُّنّة عند الشافعية أن يدعو كلُّ مصلٍّ یی وليس المؤذِّن فقط یی عقبَ السَّلام من كلِّ صلاة: "اللَّهُمَّ أنتَ السَّلامُ ومِنكَ السَّلامُ، تَبَارَكتَ يَا ذَا الجَلالِ والإِكرَامِ"، أما عند الحنفية فهي سُنّة في حقِّ المؤذن فقط عقبَ كلِّ صلاة.
سلامي لجميع الإخوة، وأُهنِّئُهم بالعيدِ.
أخوكم في الآخرة
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭
(رسالة كُتبت لخلوصي بك):
باسمه سبحانه .. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته بعدد ضربِ ذرّات وجودكم في عاشرات دقائقِ عمركم
أخي العزيز، وصاحبي ذا الحميّة، وطالبي الهُمامَ، وابن أخي الحبيب..
لقد أضحَت رسالتُك الجميلة شفاءً لي، فقد قرأتُها حين اشتدَّ عليَّ المرضُ، فمنَحَتني سرورًا خفَّف من وطأةِ ذلك المرض.
وسرُّ هذا المرض يُعدُّ كرامةً للمكتوب الذي أرسلتُه لك حولَ الاستغناء عن الناس، ذلك أنني كنتُ قد قرأتُ هذا المكتوبَ في أحد الأيّامِ لشخصين أو ثلاثة لعلَّه يكون بيانًا واعتذارًا عن قبول هداياهم، ثمَّ ذهبتُ في اليوم نفسِه لزيارة أحد هؤلاء الفضلاء في منزله، فما كان منه إلا أن قدَّم لي بعضَ الطعام على سبيل الضيافة، فتناولتُ شيئًا يسيرًا تطييبًا لخواطر أصحابي، ولم يخطر ببالي أنني خالفتُ الحقائقَ التي تضمَّنها ذلك المكتوبُ الذي قرأتُه لصاحب الضيافة في اليوم ذاتِه!
— 305 —
تذكَّرتُ ذلك بعد أن فرغتُ من تناول الطعام، وقلت في نفسي: "صحيحٌ أنني لا يمكنُني قبول الهدايا، لكن ربما يمكنني تناوُلُ طعامِ الضيافة"، غير أن هذا الأمر يظلُّ مشمولًا بالآية: يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ، لذا تعرَّضتُ لصفعة قوية، فأُصِبتُ بمرضٍ لم أتعرَّض لمثله منذ أربعة أعوام، غير أنِّي أحمدُ اللهَ سبحانه أن أظهر لي بهذه الصفعة حقيقةً أحسَسْتُ بها من خلال بعض الأمارات والحوادث، لكن بقيتُ متردِّدًا في الجزم بها على مدى عامٍ أو عامين، فتبدَّت لي حقيقتُها بشكل قطعي وجليّ.
قل نيابة عني للشيخ مصطفى: "حمدًا لله على السلامة"، واقصُص عليه هذه الحكاية:
"قديمًا كان هنالك أخوان حميمان تجمعُهما أُخوّةُ الآخرة، فلمّا مرض أحدهما جعل الآخرُ يعودُه ويدعو له، غير أنه لم يُشفَ من مرضه، فقال له: قم أنت حتى أمرضَ مكانَك. فقام المريضُ واضطجع الآخرُ مكانَه مريضًا".
والحقيقة أنَّ أُخوَّتنا مع الشيخ مصطفى أضحت في غاية الجدِّية، لدرجة أنني دعوتُ له بالشِّفاء من مرضه فلم يُستَجَب دعائي، لكن ابتُلِيتُ ببعض مرضه الذي دام بضعةَ أيام، فخَفَّف هذا شيئًا من مرضه بإذن الله تعالى.
إن حسن شهادتكم في حقِّ "الكلمات" تمنحُني سلوانًا عظيمًا، وإنَّ براهينكم حول عدم انتهاء خدمتي قويّةٌ للغاية، ومع وهني وضعفي الشديد إلا أنني أتوكل إلى الحقِّ سبحانه وأُطيع أمرَ تلك البراهين.
إن سرَّ توقُّدِ أحاسيسِك العالية وترقِّيك الزائد وحميَّتك الدينية الفدائية أثناء قراءتك "الكلمات" للجماعة، هو أنك تندرج تحت أنوار مقام التبليغ الكائن في وراثة النبوة التي تعدُّ هي الولاية الكبرى، كما أنك في تلك اللحظة تغدو بحكم الوكيل لدلّال القرآن "سعيد"، بل ربما تُصبحُ عينَه معنًى.
ولعلَّ السَّببَ في عدم إجابتك على "رسالة الغربة" والرسالة التي تتحدَّث عن القمر والأرض والسيَّارات؛ هو أنَّ رسالةَ الغربة كُتبَت بمشاعر العزوف عن الدنيا
— 306 —
بالكلِّية، فلم تتمكَّن من إيجاد أذواق تلك الغربة لعدم قدرتك على نسيان الدنيا في زمن أُشبع فيه ذهنُك بأبسط الأمور السطحية نتيجةَ التزامك بالوظيفة الرسمية؛ ولم يتمكَّن ذكاؤك الوقَّاد من استيعابِ مستوى تلك الرسالة بسبب الحُجُب المُسدَلة عليه مؤقَّتًا، لذا لم تستطع أن تَخُطَّ الجواب.
أما المكتوب الآخر: فقد أشار إلى حقائق واسعة وعالية جدًّا، كما أشار بعض الشيء إلى خريطة العالم العلوي الذي لاحدَّ له، وإلى خريطة العالم المعنويِّ الذي لا نهاية له، فكان يلزم لفهمه ذهنٌ صافٍ لا تشغلُه الشَّواغل، متجرِّدٍ عن الأرضِ والأرضيِّين، مُرتَقٍ إلى عليِّين.. إلا أن أخي الهُمام كان آنئذٍ مُنشَغِلًا بوظيفة تخصُّ خريطة الأرض، فاضطرَّ ذلك الذَّكاءُ الحادُّ السّامي إلى التزام السُّكوت حيالَ ذلك المكتوب.
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭
باسم مَن تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته بعدد عاشرات دقائق أيام الفراق
إخواني الأعزَّاء الأوفياء المضحِّين الصادقين: نوح بك، المُلا عبد المجيد، الملا حامد..
لقد فتحنا هديتكم المباركة، فوجدنا أنها ليست هدية "وان"، بل هي هدية المدينة المنورة والروضة الشريفة ذاتُ الكرامات المباركة، وأمّا ثمنُها فليس خمسًا وعشرين ليرة بحسَبِ ما كُتِب عليها، بل تفوق قيمتُها المعنويّة خمسًا وعشرين ألفَ ليرة.. وقد قَبِلنا هذه الهدية المباركة على الرأس والعين باسم المدينة المنورة، لتُوزَّع على أصحابي في هذه المناطق، وعلى الخُدَّام المخلصين في خدمة القرآن.
— 307 —
لكن أُخطر إلى قلبي أنَّ لهذه الهدية المعنوية سرًّا مُهِمًّا، يتجلَّى في كونِها تعني التفاتةً نبويّةً من قبيل الدَّلالة على قبول خدمتنا للقرآن ولصاحب الرسالة؛ فلْأَشكُرِ الحقَّ سبحانه على ذلك مئاتِ آلافِ المرات.
ومن المناسب أن أُفصِح لكم عن حقيقة السِّرّ: ذلك أنَّ حديثًا دارَ بيني وبين مَن يكتب لكم هذه الرسالة الآن وأخيه مسعود، حول "أحمد آغا" الذي لم يَرِد ذِكرُه منذ ثلاثة أشهر، فقلتُ للكاتب توفيق ولمسعود اللذَينِ معي: سنُرسِل جميعَ الكتب إلى "أحمد آغا" في "دياربكر" ليُوصِلَها إما إلى الشام الشريفة، أو إلى الصِّدِّيقِين في "وان"؛ وبعد أربع ساعات من هذه الشُّورى والحوار قَدِم إلينا "أحمد آغا" فجأةً دون أن نُخبَر بأمر قدومه.
وكان لدينا في اليوم نفسِه حبْرٌ أسودُ، فقُلنا: ليته كان لدينا حبْرٌ أحمرُ لطيف! فسكبنا قليلًا من ذلك الحبر فوق حَجَرة، فظهر لونُه أسودَ وبنفسجيًّا، ثمَّ شرعنا بعد ذلك بالكتابة، فتحوَّل لون الحبر أحمرَ جميلًا على النحو الذي كنا نرغبُ به تمامًا!! وقد أصابتنا هذه الحادثة بالحيرة وكنّا سبعةَ أشخاص أو ثمانية، لكنّا عَدَدنا هذا الأمرَ فألَ خيرٍ، وقلنا: سبحان الله! إن في الأمر سِرًّا! بعدها تذكَّرتُ فجأةً أنَّ في الشام الشريفة صهري المُلّا سعيد، فسأعطي "أحمد آغا" بعضَ الكتب ليوصلَها إليه. وبعدما قلت ذلك ورد إلى ذهني فورًا الصديق الوفي الكامل "نوح بك"، فتأوَّلناه على الفأل الحسن بتغيُّرِ أحوالنا المُظلمة، وتبدُّلِها ساطعةً مشرقة.
وكنّا قد نوينا بلادًا أخرى، لكن نزولًا عند طلب الإخوة وقع اختيارُنا على إسطنبول، وبعد أن كانت مصر هي الوجهةَ المخصَّصة للكتب التي استكتبناها، وجدتُ أنَّ "وان" هي الأليق بها، وأنَّ "نوحًا" هو الأوفى لها، فلذا قرَّرتُ إرسالَها إليه مع "أحمد آغا"، حتى إنني أرسلتُها لتلحقَ به بعد مغادرته إلى "بوردور".
بعد ذلك ظهر في هذا الأمر توفيقٌ وتسهيلٌ عجيبٌ لم يَدَع أيَّ شُبهةٍ في أنَّ الأمر ينطوي على سرٍّ! مما استدعى إنعام النظر، فدقَّقنا.. وكنتُ قد كتبتُ لكم في الرسالة
— 308 —
الماضية أن رجلًا مقيمًا في اسطنبول قد أتى ضيفًا إلى هنا ثلاثَ مرات، فوصل وبيده ثلاث برقياتٍ مرسلة من قبل "نوح بك".. كما أن "محمد أفندي" جاءني بنفسه يحملُ رسالةً تضمُّ سلامَ وأسماء السّادة الذين أعزهم كثيرًا أمثال: خلوصي بك، والمُلّا عبد المجيد، والمُلّا حامد، والأستاذ عبد المجيد؛ فقلت: إن هذا الأمر إشارةُ عنايةٍ وليس صدفةً قطُّ.
بعدها سمعنا أن هدية نوح قد ورَدَت باسمنا، وهي عبارة عن عبوة قيمتُها خمس وعشرون ليرة، فأجرينا مع الأصحابِ حسابًا لتاريخ اليوم الذي كُنّا هاهنا نحضِّر فيه هدايا الكتب لنوح، فوجدنا أنَّ نوحًا كان یی وهو على بُعد مسافة أربعين يومًا یی يجهِّز لنا كمية مثلَها تمامًا من الهدايا المباركة في اليوم نفسِه ودون سابق علمٍ! إن هذا التوافق ليس مصادفة قطعًا، حتى إن بعضَ الأصحاب قالوا: إنَّ هذه كرامةٌ لنوح بك، وتساءلوا: هل نوح بك صاحبُ كرامات حتى يرسلَ مقابلَ الهدية؟! فقلتُ لهم: إن للإخلاص والصداقة أيضًا كرامةً كالولاية، وربما تفوقُها أحيانًا.
وبعد وصول الهدية ظلَّت مدّةَ شهرٍ في مركز القضاء دون أن نتسلَّمَها، ثم لمّا تلقَّينا رسالة نوح أتينا بها وفتحناها فتملَّكَنا العجَب، إذ كانت فوق مأمولنا بالكليّة! والحقيقة أنَّ إظهار الاستغناء أمام هذا التبرُّك غير ممكن، بل إنني أفتخر بأن أكونَ مُستَجدِيًا على بابها، لأنها التفاتةٌ من الروضة المُطهَّرة! وباعتبارِ سِرِّ: "كلُّ ما هو من الحبيبِ حبيب"، فإن كلَّ ما ورد من ديار الحبيب فهو حبيبٌ.
تضمَّنَت الهدية لوحةً مزيَّنة ومنوَّرة للروضة المُطهَّرة، فعلَّقتُها على حائط حُجرتي التي حوَّلتُها إلى ما يُشبِهُ مُتحفًا صغيرًا لبعض الصَّنائع الإلٰهيّة، وجلستُ أمامها أرمُقُها باشتياقٍ، فورد إلى القلبِ فجأةً خاطرٌ على لسان تلك اللوحة: نحن إشاراتٌ لرسائلك ذواتُ معانٍ.
فقلت: سبحان الله! إنَّ في هذه الهدية أسرارًا! فشرعتُ بالتحرِّي والتدقيق، فوجدتُ أنَّ ثمّةَ هدايا متنوعةً متعدِّدةً مقابلَ كلِّ جزء من أجزاء الرسائل التي بعثتُ
— 309 —
بها، فأحصيتُ واحدًا وعشرين جزءًا من الهدايا والرسائل، وما سمعتُ بهذا النوع من التبرُّك من قبل! إذ لم يدفع الفضولُ أيَّ حاجٍّ في زمانٍ كهذا لِأخذِ قسمٍ من كل نوع، أو الاحتفاظِ بقسمٍ من عطايا المدينة المنوَّرة وإرسالِها إليَّ؛ ما يعني أن هذا الفعل لا يخصُّ نوحًا ولا غيرَه، بل هي التفاتةٌ مباركة من صاحب الروضة المطهَّرة (ص).
وما دامت أجزاء الكتب متوافقةً مع أنواع الهدايا، فهذا يعني أنَّ لكلِّ نوع من الهدايا إشارةً وتناسُبًا مع نوعٍ من الكتب؛ فاللوحة التي أمامي مثلًا لها توافقٌ وتناسُبٌ مع المكتوب التّاسعَ عشرَ المُسمَّى بی"المعجزات الأحمدية"، والمُكوَّنِ من خمسة أجزاء، فكما تُظهِر هذه اللوحة صورةَ الروضة المُطهَّرة وحُجرةَ السَّعادة، كذلك رسالة "المعجزات الأحمدية" تُظهِر الصورة المعنوية لعصرِ السَّعادة؛ وهذه المآذن الخمسُ تُشير إلى أجزائها الخمسة، وهذه القُبّة تَلحَظُ "رسالة المعراج".
وما دام الأمرُ كذلك، فإن لسائر أنواع الهدايا أيضًا إشاراتٍ لأنواع الرسائل، فتابعتُ التدقيق فيها، فوجدتُ أنه قد أُرسل سبعةُ أنواعٍ من التُّمور، قسمٌ منها ذو حَبّات كبيرة تُقدَّر بحوالي ثلاث وثلاثين حبّةً، فقلتُ: سبحان الله! ما الغرضُ من إرسال سبعة أنواع من التمر؟! فورد إلى القلب فجأةً: لقد كتبتَ سبعة أنواع من حقيقة الإيمان بالله تعالى، وأَرسلتَها إلى "وان"، وبعد تأمُّل يسير، قلتُ: أجل، رغم أن الموضوع كان عن الوحدانية الإلٰهيّة، إلا أنَّ المكتوب العشرين مع ذيله الصغيرِ صورةً العظيمِ معنًى، والكلمة الثانية والعشرين المتضمِّنة للمقام الأول والثاني، كلُّ واحدٍ منها رسالة، والكلمة الثانية والثلاثون المُتضمِّنة ثلاثة مواقف كلُّ واحد منها بحكم رسالة، والمكتوب الثالث والثلاثون مع النوافذ الثلاثة والثلاثين بحكم رسالة.
فأصبحت بمجموعها سبعَ رسائل، وقد أظهَر هذا الأمر ماهيّةً أشبهَ بألوانِ الضياء السَّبعة المنبعثة من ضياءِ شمس حقيقة معرفة الله، وإن اختيارَ سبعة أنواع من التمور من بينِ هدايا المدينة المنورة وتسليمَها بيد نوح بك لتُرسَلَ إلينا، يتوافق مع الأنوار السبعة تلك، فقلنا: إنَّ هذا الأمر علامةُ القبولِ الحَسَن، فشكرنا الله على ذلك.
— 310 —
كما أن أحد أنواع التمور ثلاثٌ وثلاثون حبّة، وهذا يتوافق مع إحدى تلك الرسائل، هي ذاتُ النوافذِ الثَّلاث والثلاثين؛ كما أن السُّبحة الموجودة ضمن الهدايا تضمُّ ثلاثًا وثلاثين حبة ثلاث مرات، فتتوافق مع النوافذ الثلاث والثلاثين للمكتوب الثالث والثلاثين وللكلمة الثالثة والثلاثين، ممّا يؤكِّدُ لنا أن نوحًا قد أصبح دون اختيارِه واسطةً لهذا الأمر، فتوجَّهنا بالشكر والامتنان لا إلى نوح، بل تجاهَ الروضة المُطهَّرة.
وكذا ظهور ماء زمزم المبارك بصورة برّاقة ونورانية، وفي زجاجة كبيرة الحجم، يخبرني أنَّه: إذا كان في تلك اللوحة المباركة إشارةٌ إلى المعجزات الأحمدية، وفي أنواع التمور السبعة إشاراتٌ إلى معرفة الله ورسائل التوحيد، فإن ماء زمزم هذا إشارةٌ إلى الكلمة الخامسة والعشرين الموسومة بی"إعجاز القرآن"، لأن جوار بئر زمزم هو المنبعُ الأوَّل لتنزُّل القرآن المُبِين الذي يُوزِّع على أفراد الكون ماءَ زمزمِ الحياة.. وإننا نتلقَّى هذا الأمر علامةً على القبول.
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭
(كتبت لخلوصي بك):
باسمه سبحانه
سؤال: ما سببُ قول الإمام الغزالي: "إن النشأة الأُخرى مختلفةٌ تمامًا عن النشأة الأولى"؟
الجواب: إن قول حُجّة الإسلام الإمام الغزالي بأن النشأة الأُخرى مختلفةٌ تمامًا عن النشأة الأولى إنما هو اختلافٌ من جهة الصورة والكيفية، وليس باعتبار الماهية والجنسية، وإلا كانت مخالفةً صريحةً لكثيرٍ من الآيات أمثال: وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ، و وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ، وهي أيضًا إشارةٌ إلى أن
— 311 —
الأمور الأخروية رفيعة جدًّا من حيث المرتبة تفوق المعتاد، وإشارة من الإمام الغزالي إلى وقوع الحشر الجسماني والروحاني معًا تماشيًا مع قول البعض من أهل الباطن.
سؤال: إنَّ السَّعدَ التفتازاني بعد أن يقسِّمَ الرُّوحَ إلى قسمين: أحدهما حيواني، والآخر إنساني، يقول: "إنَّ الرُّوح المعرَّضة للموت هي الروح الحيوانية فقط، أما الروح الإنسانية فليست بمخلوق، وليس بينها وبين الله سبب ولا نسبة، فهي مستقلة بذاتها، وليست قائمةً بالجسد"، فما سببُ قوله هذا، وما إيضاحه؟
الجواب: قول السَّعد التفتازاني: "الروح الإنسانية ليست بمخلوقة" يعني أنَّ ماهيّة الرُّوح قانونٌ أمريٌّ ذو حياة، ومرآةٌ ذاتُ شعورٍ لاسم الله "الحيّ"، وجَلْوةٌ ذاتُ جوهر من جلَوات الحياة السَّرمديّة، وذلك هو سِرُّ الآية: قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي كما جاء مُوضَّحًا في بحث بقاء الروح؛ لذا فهي مَجعُولةٌ، ومن هذه الجهة لا يُقال: إنها مخلوقة. وقد قال السَّعدُ في "المقاصد" وفي "شرح المقاصد" موافقًا لجميع علماء الإسلام المحقِّقين، ومُنسجمًا مع نصوص الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة: "إن ذلك القانون الأمريَّ قد أُلبِس وجودًا خارجيًّا، فهو مخلوقٌ وحادثٌ كسائر المخلوقات"، وجميع تصانيفه شاهدةٌ على عدم قوله بأزليّة الروح.
وقوله: "ليس بينها وبين الله نسبة" ردٌّ لمذهب باطلٍ مثل الحلول، فإنَّ أرواح الحيوانات أيضًا باقية، وإنما تفنى أجسادُها فقط يوم القيامة؛ أما الموت فليس فناءً، بل هو انقطاعُ العلاقة.
وقوله: "ولا سبب" إشارة منه إلى إيجاد الأرواح بشكل مباشر دون حجاب أو توسُّطِ أسباب، كما ذُكر في بحث توسُّط الأسباب الظاهرية، ومناجاة عزرائيل عليه السلام بخصوص قبض الأرواح.
وقوله: "استقلَّت بذاتها" إشارة إلى رفض مذهب باطل، بمعنى أنَّ الجسد يرتكز إلى الروح، ويبقى قائمًا بها؛ أما الروح فهي قائمة بذاتها، فعندما يُهدَم الجسد تصبحُ حُرّةً أكثر، فتُحلِّقُ كالمَلَك في السماء، كما ذُكر في إثبات بقاء الروح.
— 312 —

(القسم الخاص):

وقد وقع لهذه الاستفسارات توافقٌ لطيف، فوَقتَ ورودِ هذه الأسئلة إليَّ، كنتُ قد عزمتُ على كتابةِ تفسيرٍ للآيات التي تتحدَّث عن الحشر في سورة الروم في قوله تعالى: وَمِنْ آَيَاتِهِ.. وَمِنْ آَيَاتِهِ.. وَمِنْ آَيَاتِهِ..، مُستَمِدًّا منها الإلهام، إذ هي تُبيِّن یی على وجه الإعجاز یی براهينَ الحشر القويّة المُختلِفة.
وفي اللحظة التي أضفتُ فيها فقرة "وأزواجهم وأولادهم" إلى دعائي ومناجاتي، ورَدَ ذِكرُك في خاطري، فنِلتَ المرتبة الأولى في هذه الأدعية أيضًا.
وفي الوقت الذي رغبتُ فيه بشدة یی تكرَّرت مئة مرة، وربما خمس مئة مرة، خلال أربع وعشرين ساعة یی أن يكون لك سهمٌ في أدعيتي ومكاسبي المعنوية، شريطة أن تهتمَّ بالأمر قلبًا وقلمًا وفعلًا.. في هذا الوقت وردت أسئلتُك، وأَضحَت بحكم البِشارة، فسُرِرتُ بها لأجلِك بالغَ السرور.
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭
(خطابٌ لخلوصي بك):
باسم مَن تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته بعدد عاشراتِ دقائق عُمُركم عَمَركم الله بالسلامة والعافية
أخي العزيز..
أولًا: لقد أحزَنَتْني رسالتك، إلا أنني فكرت في حقيقةٍ أزالت عني ذلك الحزن.. والحقيقة هي: إن الرابطة والأخوة التي بيننا خالصة لوجه الله بإذن الله تعالى، فلا يُمكِن أن يُقيِّدَها زمانٌ ولا مكانٌ، ولا أن يحولَ دون هذه الصحبة والأخوة بُعدٌ ولا فِراقٌ،
— 313 —
بل تغدو المدينة والولاية والوطنُ بل الكرة الأرضية بل الدنيا بل عالم الوجود كلُّه بمثابةِ مجلسٍ لصاحبَينِ حقيقيَّينِ، فالكلُّ وِصال.. فليتفكَّر بالفراق أربابُ الصداقات الدنيوية الفانية المجازية، فما الذي يعنينا نحن؟!
ليس في مسلكنا مكانٌ للفراق، فبإمكانك حيثما كُنت أن تُجالس أخاك هذا وتحاوِرَه من خلال "الكلمات" التي بين يديك، وبإمكاني كذلك یی كلَّما رغبتُ یی أن أتصوَّرك قُربي ونحن عكوفٌ بباب الحضرة الإلٰهيّة، باسطو أكُفِّ الضَّراعة إليه سبحانه.
فإن أرسلك القدر الإلٰهيّ إلى مكان آخر فاستسلم لِحُكمه بكمال الرِّضا، إذ «الخيرُ فيما اختاره الله» ؛ ولعلَّ الأماكن الأخرى أشدُّ احتياجًا إلى فضلاء أمثالكم، ذوي قلوبٍ سليمة وعقول مستقيمة، تُلقي دروس الإيمان التحقيقيّ.. فلقد خدمتَ الإيمانَ یی ولله الحمدُ یی خدمةً جليلةً في "أغيردِر"، ولربما هنالك أماكنُ أخرى أشدُّ احتياجًا من "أغيردِر".
ثانيًا: أُحِيلُ الإجابة على سُؤالك الأوَّل إلى قلبك، فكيفما أفتى قلبُك فإني راضٍ بذلك.. ورغم أنَّ المراتبَ الدُّنيوية تافهةٌ جدًّا في نظري، إلا أنَّني أَستحسِنُها لأمثالك ممَّن جعلوا مراتبَهم وسيلةً لخدمة القرآن، لكن شريطةَ عدم الدُّخول تحت المِنّة والذِّلّة.
وأمّا سؤالُك الثاني: فإنَّ مطالبَ أُمِّك وأبيك مُهِمّة جدًّا، والقرآن الكريم يأمُرُ في إحدى آياته بالرحمة والشفقة تجاهَهُما من خمسة وجوه؛ فإن كانت رغباتُهم ميسورةً فعليك تلبِيتُها.
ثالثًا: إخواني الأعزاء.. إن مشاغل الربيع والصيف، وقِصَرَ اللَّيالي ورحيلَ الشُّهور الثلاثة، ونيلَ أغلبِ إخواني نصيبَهُم الكافيَ من تلك الليالي، إضافةً إلى أسبابٍ أخرى كثيرة، كلُّ ذلك سيُولِّدُ بعضَ الفتورِ عن دروس الشتاء المُمتِعة، إلا أنَّ هذا الفتور النابعَ من تلكم الأسباب لا ينبغي أن يُدركَكم، لأن تلك الدروس علومٌ إيمانيةٌ، فيكفي أن يَستمِعَ إليها أحدُكم بنفسه، فكيف وأنتم تجدون لأنفسكم دومًا أخًا أو أخوين حقيقيَّين؟ لا شكَّ أن ذلك أفضلُ.
— 314 —
ثمَّ إنَّ المُستمِعين لتلك الدروس ليسوا من البشر فقط، بل للهِ تعالى مخلوقاتٌ كثيرة ذواتُ شُعورٍ تتلذَّذُ كثيرًا بالاستماع إلى الحقائق الإيمانية؛ فلديكم إذًا الكثيرُ من رِفاق الدُّروس ومُستمعيها أمثالَ هؤلاء.
كما أن مثل هذه الصحبة الإيمانية التي يَسُودُها التَّفكُّر، هي مبعثُ شرفٍ وزينة معنوية لوجه الأرض، وإلى ذلك أشار أحدُهم بقوله:
آسْمَانْ رَشْكْ بَرَدْ بَهْرِ زَمِينْ كِه دَارَدْ
يَكْ دُو كَسْ يَك دُو نَفَسْ بَهْرِ خُدَا بَرْ نِشِينَنْدْ
أي: تَغبِطُ السماوات الأرضَ لأن عليها رجلين يجلسان بمقدار نَفَسين یی أي: لدقيقة أو دقيقتين یی في مجلسِ درسٍ أو ذِكرٍ أو تفكُّر خالصٍ لوجه الله تعالى، ويَعرِضُ كلٌّ منهما للآخرِ الآثارَ الجميلة لرحمة ذي الجلال، ودلائلَ صَنعتِه الحكيمة المُزيَّنة، مما يبعثُ محبّةَ الله في نفوسهما، ويُحبِّبان الآخرين به سبحانه، ويتفكَّرانِ به ويحملان الآخرين على التفكُّر.
ثمَّ إنَّ العِلم قسمان: قسمٌ منه يكفي العلمُ به والتفكُّر فيه مرّةً أو مرتين، وقسمٌ آخرُ كالخبز والماء، يحتاجُ الإنسان التفكُّرَ به في كلِّ لحظة، ولا يمكنُه أن يقول: لقد فهمتُه مرّةً فاكتفيتُ؛ وإنَّ العلوم الإيمانية من هذا القسم، وأكثرُ "الكلمات" التي بين أيديكم هي من هذا القبيل بإذن الله.
أُسلِّم على جميع إخواني فردًا فردًا.. وأظنُّ أنَّ أخانا حقِّي أفندي محزونٌ أكثرَ من كِلَينا لصعوبة الفراق وعدم احتماله، وهي أمارةٌ لنيل ثوابٍ أكبر.. لكن الحقَّ سبحانه قد أَظهَرُ بأماراتٍ كثيرة جميلَ عنايتِه ورحمته بنا، فلأجل ذلك إن حصل افتراقٌ صُورِيٌّ، فإننا نتلقَّى ذلك كمظهر عنايةٍ ورحمة.
رابعًا: لا أشعر بالحاجة لأن أقول لأمثالكم ممَّن بلَغُوا الحقيقة ووجدوا ما فيها من السعادة الحقيقيّة والسُّلوان: اصبِر واثبُت، ولا تَحزَن أمام الغَمِّ وإزاءَ الهُمُوم
— 315 —
والمشكلات الناشئة من هجوم الشياطين وأهل الضلالة عبر دسائسهم، بهدف منع نشر الأنوار الإيمانية والأسرار القرآنية.
كما أنَّه من المحتمل أن يبدأ هجومُ أهل الزندقة الذي أتحيَّنُه كلَّ لحظة تجاهَ أخي الأخروي الذي هو تلميذي الهُمام وابنُ أخي الجَسور، فلا أجد حاجةً لتشجيع وتحفيز أمثالك، لأني على قناعة بأن الحفظ القرآني غالب على جميع المشكلات، وأن لذة الخدمة الإيمانية تُنسي المرءَ جميعَ الهموم.
يسلِّم عليك كاتب هذه الرسالة الحافظ خالد، ويطلبُ دعاءَك.
الباقي هو الباقي
أخوكم في الآخرة
سعيد النُّورْسِيّ
٭٭٭
(القسم الأول للمكتوب الثالث):
بِاسمِ مَن تُسَبِّحُ لَهُ السَّماوَاتُ بِكَلِمَاتِ النُّجُومِ والشُّمُوسِ والأقمَارِ والسَّيَّارَاتِ
السَّلامُ عَلَيكُم وعَلى إخوَانِكُم ورَحمَةُ الله وبَرَكَاتُهُ بِعَدَدِ النُّجُومِ في السَّماوَاتِ
أخي العزيز وصاحبي الحبيب.. أنا الآن في منزلٍ في الطابق الأعلى من قصرٍ فِطريٍّ مكوَّن من مئة دَورٍ؛ فاحضُر إلى هنا معنًى، واجلس إليَّ كي نتحدَّث قليلًا..
أخي..
أولًا: كنتُ وجَّهتُ إليك سؤالًا في الرسالة السّابقة حول سائر "الكلمات": هل فيها حقائق يمكن أن تجرح؟ أو هل فيها أمورٌ يضرُّ إظهارُها للعوامّ؟ ولم يكن سؤالي عن المقصد الثالث للكلمة الثانية والثلاثين فقط.
— 316 —
ثانيًا: أُرسِلُ إليك "رسالة النقطة". وممّا يثير الدهشة والعَجَب أنَّ الحقائق التي فهمها سعيدٌ القديم وأبصرها بقوّة عِلمِه ودِقّة نظَرِه العقليِّ، تُوافق ما أبصره أخوك هذا بشهوده القلبي ونور وجدانه.. وقد كان يعتريها النقص في بعض الجوانب، فتمَّ إكمالُه في الكلمة التاسعة والعشرين، خصوصًا وأن ثمّة حقائقَ كثيرة غير موجودة في "رسالة النقطة"، تجدها في "نكتة رمزية" التي في نهاية هذه الكلمة، وفي "إيضاح هذه النكتة الرمزية".. ولكن لا ينقضي عَجَبي واستغرابي من شدّة التوافق بين عقلَيْ هذَينِ "السَّعيدَينِ" رغم تباعدِ ما بينهما!!
ثالثًا: بلِّغ سلامي للشيخ مصطفى وقل له: إن "رسالة القَدَر" التي كتبتَها سرَّتني كثيرًا، فمثلَما أدَّيتَ حقَّ الأخوة بالدعاء، فلقد قضيتَ بكتابتك هذه الرسالة حقوقَ التَّلمذة أيضًا، فرضي الله عنك.. أَرسِل ما كتبتَه إلى عبد المجيد ليُقرِأَه لِمئات الأشخاص، وتنالَ ثوابَ كلِّ واحدٍ منهم.
رابعًا: أُرسِلُ لأخينا عبد المجيد رسالةً مرفقةً ببعض "الكلمات"، فسلِّمها للبريد بشكلٍ آمن؛ والعنوان: (يُسلَّم لعبد المجيد أفندي من "وان" بواسطة شهاب الدين أفندي الواني التاجر من "أرغاني عثمانية"). سجِّلوا هذا العنوان بالحروف اللاتينية على الرسالة والمرفقات. (٭): أمّا "خامسًا" وهو تكملة هذا المكتوب، فموجود في المكتوب الثالث من كتاب "المكتوبات".
الباقي هو الباقي
أخوكم سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭
— 317 —
(ذيل لجواب السؤال الوارد في المسألة الثانية المهمة من المكتوب الثامن عشر من كتاب "المكتوبات"):
باسمه سبحانه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
أخي العزيز الوفي المُخلِص: خلوصي بك..
كنتُ قد حرَّرتُ جوابًا حول أسئلتك، فطلب أخونا خسرو مزيدَ توضيحٍ؛ وللشَّبَهِ الرُّوحيّ الذي يجمعُ بينكما، تخيَّلتُ أن تشترك أنت أيضًا في طلب الإيضاح، فكتبتُ هذا الذَّيلَ وأرسلتُه لك.
كما أُرسِلُ لك فِقرةً حول السَّطر الأول من الكرامات الغوثية لتُدرِجَها في نهايتِها، إضافةً إلى نكتة قرآنية لها صلةٌ بالكرامات الغوثية.. وإن ما ساقني لإظهارِ هذه الأسرار یی على خلافِ مَشربِنا یی هو الرغبةُ بأن تكون وسيلةً لاستنهاض هِمَمِ إخواني وزيادةِ شوقِهم ولَهفتِهم للعمل والسَّعي.. بهذا وَرَد الإخطارُ المعنويُّ على قلبي.
فالحقيقة أنَّ الفتورُ كان قد طرأ فعلًا، إلا أنَّ التوافق ظهر ليُجدِّد من لطافة الأشواق؛ كما أن الفتور أظهر نفسَه مجدَّدًا فجاءت الكرامةُ الغوثية لتنهض الهِممَ بقوّة.. ففهمتُ من هذه الحالة أنه لا ضَيرَ لخدمتنا في إظهاره، وأنَّه إن حصل ضررٌ فسيكون مقتصِرًا على نفسي فقط، ونفسي مستعدّةٌ للتضحية في سبيل الخدمة.
أُرسِلُ سلامي إلى السّادة ذوي الصِّلة بالرسائل، وفي مقدِّمتهم والدكم المحترم، وفتحي بك، والشيخ عبد الرحمن، وكمال الدين، وعمر أفندي؛ وأدعو لهم جميعًا، وأرجو دعاءَهم.
الباقي هو الباقي
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭
— 318 —
(ذيل لجواب السؤال الثاني من أسئلة خلوصي) :
سؤالٌ: إنَّ "محيي الدين بن عربيٍّ" يَعُدُّ مسألةَ "وحدة الوُجود" أرفعَ مرتبةٍ إيمانيّة، حتى إنَّ قسمًا من أولياءَ عظامٍ من أهل العشقِ اتَّبعوه في مسلكِه؛ بَيدَ أنَّك تقول: إنَّ هذا المسلكَ ليس بأرفعِ المراتبِ الإيمانيّة، ولا هو بمسلكٍ حقيقيٍّ، وإنَّما هو مشربُ أهلِ السُّكْرِ والِاستغراق وأصحابِ الشَّوق والعشق.
فإن كان الأمرُ كما تقول، فبَيِّنْ لنا باختصارٍ: ما هي أعلى مراتبِ التَّوحيد التي بَيَّنتْها وِراثةُ النُّبوة وصراحةُ القرآن الكريم؟
الجواب: أنَّى لعاجزٍ مسكينٍ مثلي لا قيمةَ له ولا أهمِّيّةَ، أن يقتحمَ غِمارَ هذه المراتبِ السّامية الرَّفيعة، ويُجريَ فيها محاكَماتٍ عقليّةً بعقله القاصر! إنَّه أمرٌ فوق الحَدِّ بمئة درجة.. ولكنِّي سأتحدَّثُ باختصار شديد عن بعض النِّكات النّابعة من فيضِ القرآن الكريم إلى القلب، فلعلَّ فيها فائدةً ونفعًا.
النُّكتة الأولى: هنالك أسبابٌ كثيرة للانجذاب نحو مشربِ "وحدة الوجود"، سأُبيِّنُ بعضًا منها باختصار:
السَّببُ الأوَّل: إنَّهم لم يستطيعوا أن يستوعبوا في أذهانِهم خَلّاقيّةَ الرُّبوبيّة في أعظم مراتبِها، ولم تُوقن قلوبُهم حقَّ اليقين أنَّه سبحانه بسِرِّ الأحديّة مالكٌ بالذّات لزمام كلِّ شيء في قبضة ربوبيَّته، وأنَّ كلَّ شيءٍ يُخلَقُ بقدرته واختياره وإرادته سبحانه.. فلِأنَّهم لم يستطيعوا إدراكَ ذلك فقد وجدوا أنفسَهم مُضطرِّين للقول: كلُّ شيءٍ هو "تعالى"، أو: لا شيء موجودٌ، أو: أنَّ الموجودَ خيالٌ، أو: من التَّظاهر أو من الجلَواتِ.
السَّببُ الثّاني: إنَّ صفةَ "العِشق" لا ترغبُ بالفراق أبدًا، وتفرُّ منه بشدّةٍ، وترتعدُ فرائصُ العاشق من الافتراق، ويرهبُ من التَّنائي رهبَتَه من جهنَّمَ، وينفِرُ من الزَّوال نَفرةً شديدة، ويحبُّ الوصالَ حُبَّه لروحه ونفسه، ويرغبُ بالقُرب الإلٰهيِّ بشوقٍ لا حدودَ له، كشوقِه إلى الجنّة.
— 319 —
لذا يرى من يتبع هذا المشربَ أنَّ التَّشبُّث بتجلِّي الأقربيّة الإلٰهيّة في كلِّ شيء، يجعلُ الفراقَ والتَّنائيَ كأنَّهما معدومانِ، فيَظُنُّ اللِّقاءَ والوصالَ دائمَينِ بقوله: "لا موجودَ إلّا هو"؛ ويتصوَّرُ بسُكْرِ العشقِ وبمقتضى شوق البقاء واللِّقاء والوصال، أنَّ في وحدةِ الوجود مَشرَبًا حاليًا في منتهى الذَّوق، لذا يجدُ ملجأَه في مسألة "وحدة الوجود" لِأجل التَّخلُّص من فراقاتٍ رهيبة.
أي: إنَّ منشأَ السَّبب الأوَّل هو عدمُ بلوغ العقلِ قسمًا من الحقائق الإيمانية البالغةِ الغايةَ في السَّعة والسُّموِّ، وعدمُ استطاعته الإحاطةَ بها، مع عدم رُقيِّ العقلِ رُقيًّا تامًّا من حيث الإيمان.
أمّا منشأُ السَّبب الثّاني فهو رُقيُّ القلب رُقيًّا فوق المُعتاد، بتأثيرِ العشق وانبساطِه انبساطًا خارقًا للعادة.
أمّا مرتبةُ التَّوحيد العُظمى التي يُشاهدُها الأصفياءُ الذين هم أهلُ الصَّحْوِ ووُرّاثُ النُّبوة من الأولياء العِظام، من خلال صراحة القرآن، فإنَّها مرتبةٌ رفيعةٌ عاليةٌ جدًّا، إذ تُفيدُ المرتبةُ العُظمى للرُّبوبيّة والخَلّاقيّةِ الإلٰهيّة وتُبيِّنُ أنَّ جميعَ الأسماء الحُسنى هي أسماءٌ حقيقيّةٌ، فتُحافِظُ على أسُسِهم من دون إخلالٍ بمُوازَنة أحكام الرُّبوبيّة.
لِأنَّ أهلَها يقولون: إنَّ الله سبحانه بأحَديَّتِه الذّاتيّة وتنزُّهِه عن المكان قد أحاط یی من دون واسطة یی بكُلِّ شيءٍ علمًا، وشخَّصَه بعلمه ورجَّحه وخصَّصه بإرادتِه وأوجَدَه وأبقاه بقُدرتِه؛ فإنَّه سبحانه يُوجِدُ جميعَ الكونِ ويَخلقُه ويُدبِّرُ أموره وكأنه موجودٌ واحد، فكما أنَّه يخلقُ الزَّهرةَ بسهولة فإنَّه يخلقُ الرَّبيعَ العظيمَ بالسُّهولة نفسها؛ فلا يَمنَعُ شيءٌ شيئًا قطُّ، فلا تجزُّؤَ في توجُّهِه سبحانه، فهو موجودٌ بتصرُّفِه وبقُدرتِه وبعلمِه في كلِّ مكان، في كلِّ آنٍ.. فلا انقسامَ ولا توزُّعَ في تصرُّفِه سبحانه.
ولقد وضَّحْنا هذا الأمرَ وأثبتناه بتمامه في "الكلمة السّادسةَ عشرةَ"، وفي "المَقصَد الثّاني من الموقف الثّاني من الكلمة الثّانية والثَّلاثين".
— 320 —
سأُورِدُ هنا مثالًا ينطوي على نقصٍ كثيرٍ (ولا مُشاحّةَ في الأَمثالِ)، وذلك لِفَهمِ شيءٍ من الفَرقِ بين المَشرَبَينِ:
لنفرض أنَّ هنالك طاووسًا خارقًا لا مثيل له، وهو في غاية الكبر ومنتهى الزّينة، وأنّه يتمكّن من الطّيران من الشّرق إلى الغرب في لمحة بصرٍ، وله القدرة على بسط جناحيه المُمتدَّينِ من الشَّمال إلى الجنوب، وقبضهما في آنٍ واحدٍ، وعليه مئات ألوف النُّقوش البديعة حتى إنَّ على كلِّ ريشٍ من جناحيه إبداعًا وإتقانًا في مُنتهى الجمال والرَّوعة.
ولنَفرِض الآن أنَّ هنالك شخصَينِ يُشاهِدانِ هذا الطّاوُوس العجيب، ويرغبان بالتَّحليق بجناحَيِ العقل والقلب إلى المراتب العالية الرَّفيعة لهذا الطَّير ويطمعانِ ببُلُوغِ زينتِه الخارقة..
فطَفِق الأوَّلُ يتأمَّل في وضع هذا الطّاووس وهيكلِه ونُقُوشِ خوارقِ القدرة في كلِّ ريشةٍ منه، فيَغمُره العشقُ والشَّوق والمحبّة تجاه هذا الطَّير، فيترك شيئًا من التَّفكير العميقِ جانبًا مُتشبِّثًا بالعشق، ولكنَّه يرى أنَّ تلك النُّقوش المحبوبة تتحوَّل وتتبدَّل يومًا بعد يومٍ، وأنَّ تلك المحبوبات التي يُوليها الحُبَّ والشَّغَف تغيبُ وتزول كلَّ يوم.. فبينما كان ينبغي له أن يُسلِّيَ نفسه بالقول: "إنَّ هذه النُّقوش المُتقَنة إنَّما هي لِنقّاشٍ مالكٍ للخَلّاقيّة الكلِّيّة مع أحديَّته الذّاتيّة، وله الرُّبوبيّة المُطلَقة مع وحدانيَّته الحقيقيّة".. لم يتمكَّن من أن يستوعب هذا ويُدرِكَه، فبدأ يُسلِّي نفسَه ويقول بدلًا من ذلك الاعتقاد:
"إنَّ رُوح هذا الطّاووس روحٌ ساميةٌ عاليةٌ بحيث إنَّ صانعه فيه، أو قد أصبح هو نفسَه، ولأنَّ تلك الرُّوح العالية متَّحدةٌ مع جسد الطّاووس، ولأنَّ جسده مُمتَزجٌ مع صورته الظّاهرة، فإنَّ كمال تلك الرُّوح وسموَّ ذلك الجسد هما اللَّذانِ يُظهِران هذه الجَلَوات على هذه الصُّورة البديعة، حتى يُظهِرَ في كلِّ دقيقة نقشًا جديدًا وحُسنًا مجدَّدًا، فليس هذا إيجادًا باختيارٍ حقيقيٍّ، بل هو جَلْوةٌ وتظاهُرٌ".
أمّا الشَّخص الآخر فيقول: "إنَّ هذه النُّقوش الموزونة المُنظَّمة المُتقَنة تقتضي
— 321 —
بكلِّ يقينٍ إرادةً واختيارًا وقصدًا ومشيئةً، فلا يمكن أن تكون جَلْوةً بلا إرادةٍ ولا تظاهُرًا بلا اختيارٍ".
نعم، إنَّ ماهيّة الطّاووس جميلةٌ ورائعةٌ، ولكنَّ ماهيَّته ليست فاعلةً قطعًا، وإنَّما هي مُنفَعِلةٌ، ولا يمكن أن تتَّحِد مع فاعلها مطلقًا؛ وإنَّ روحه عاليةٌ ساميةٌ ولكن ليست مُوجِدةً ولا مُتصرِّفةً، وإنَّما هي مَظهَرٌ ومدارٌ ليس إلّا، لأنَّه يُشاهَد في كلِّ ريشٍ منه إتقانٌ قد تمَّ بحكمةٍ مُطلَقةٍ بالبداهة، ونقشُ زينةٍ نُقِشَت بالقدرة المُطلَقة.. وهذا لا يمكن أن يكون دون إرادةٍ واختيارٍ قطعًا.
فهذه المصنوعاتُ البديعة التي تُبيِّن كمالَ الحكمة في كمال القدرة، وكمالَ الرُّبوبيّة والرَّحمة في كمال الحكمة، لا يمكن أن تكون نتيجةَ جَلْوةٍ أو ما شابَهَها، فإنَّ الكاتب الذي كتب سُطُور هذا السِّجلِّ المُذهَب لا يمكن أن يكون في السِّجلِّ نفسه، ولا يمكن أن يتَّحِد معه، وليس لذلك السِّجلِّ إلّا تماسٌّ بطرف قلمِ ذلك الكاتب.. لذا فإنَّ زينة جمال ذلك الطّاووس المثاليِّ الذي يُمثِّل الكونَ والكائنات، ليس إلّا رسالةً مُذْهَبةً من قلمِ خالق ذلك الطّاووس.
فالآن تأمَّلْ في طاووس الكائنات، واقرأ تلك الرِّسالة، وقُل لكاتبها: ما شاء الله.. تبارك الله.. سبحان الله! فالذي يَظنُّ الرِّسالة كاتبَها أو يتخيَّل الكاتبَ في الرِّسالة نفسها، أو يتوهَّمُ الرِّسالة خيالًا، لا شكَّ أنَّه قد سَتَر عقله بستارِ العشق، ولم يُبصِر الصُّورة الحقيقيّة للحقيقة.
إنَّ أهمَّ جهةٍ من أنواع العشقِ التي تُسبِّبُ الانسلالَ إلى مشرب وحدة الوجود هي عشقُ الدُّنيا، فحينما يتحوَّل عشقُ الدُّنيا الذي هو عِشقٌ مجازيٌّ إلى عِشقٍ حقيقيٍّ ينقلب إلى "وحدة الوجود".
فإذا ما أحبَّ شخصٌ إنسانًا ما محبّةً مجازيّةً، ثمَّ شاهد فناءَه، فإنَّه لا يستطيع أن يُمكِّن هذا الزَّوالَ في قلبِه، فتراه يمنح معشوقَه عشقًا حقيقيًّا، ويَتَشبَّثُ بحقيقة عِشقِه
— 322 —
لِيُسلِّيَ بها نفسه، وذلك بإضفاء البقاء على محبوبه بعشقٍ حقيقيٍّ، فيقول: إنَّه مرآةُ جمالِ المَعبُود والمَحبُوب الحقيقيِّ.
كذلك الأمرُ فيمَن أحبَّ الدُّنيا العظيمةَ وجعل الكونَ برُمَّته معشوقَه، فحينما تتحوَّل هذه المحبّةُ المجازيّةُ إلى محبّةٍ حقيقيّةٍ بسياط الزَّوال والفراق التي تَنزِلُ بالمحبوب، يلتجئُ ذلك العاشقُ إلى "وحدة الوجود" إنقاذًا لمحبوبه العظيم من الزَّوال والفراق.
فإن كان ذا إيمانٍ رفيعٍ راسخٍ كان له هذا المشربُ مرتبةً ذاتَ قيمةٍ نُورانيّةٍ مقبولةٍ كما هي لدى "محيي الدين بن عربيٍّ" وأمثالِه، وإلّا فلرُبَّما يسقطُ في وَرَطاتٍ وينغمسُ في المادِّيّاتٍ ويغرقُ في الأسباب.
أمّا "وحدةُ الشُّهود" فلا ضررَ فيها، وهي مشربٌ عالٍ لأهلِ الصَّحو أيضًا.
اللَّهُمَّ أَرِنا الحَقَّ حَقًّا وارزُقنا اتِّباعَه
سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
أخوكم سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭
(ذيل للبحث الموجود في خاتمة المكتوب الثاني والعشرين):
أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ... إلخ
يصوِّر القرآن الكريم الغِيبةَ بصورة منفِّرة غايةَ التَّنفير، لذا فإنَّ الخائضين في الغيبة هم في غاية السُّوء والدناءة؛ وأقبحُ أنواع الغيبة وأعظمُها سوءًا وأشدُّها ظلمًا: قذف المُحصَنات، أي: قذفُ رجلٍ أو امرأةٍ بالزِّنى من قِبَلِ من يعجِزُ عن إبراز أربعة شهود
— 323 —
رأَوُا الحادثةَ بأُمِّ أعيُنهم، فهذا من أشنع أنواع الكبائر وأشدِّ الجرائم ظلمًا، وهو خيانةٌ تُسمِّم الحياة الاجتماعية لأهلِ الإيمان، وغدرٌ يُفسد حياة عائلة سعيدة ويُودِي بها.
أجل، لقد أظهرت سورة النور هذه الحقيقة بهذا القدر من الشِّدة، وبصورةٍ تقشعرُّ لها أبدانُ أصحابِ الوجدان، وتحذِّرُ منها بشدّة بالقول: وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ.
وتُخبر أنَّ مَن لم يَأتِ بأربعة شهودِ عيانٍ على الواقعة فشهادتُه مردودة وغيرُ مقبولةٍ أبدًا، لثبوت الكذب عليه؛ فأيُّ إنسانٍ يتجرَّأ على مثل هذا القذف، ويتمكَّنُ من إحضارِ أربعة شهودٍ عليه؟! لذا فإنَّ القرآن الكريم حينما يَضَعُ هذه الشروط، كأنَّه يُنبِّهنا إلى خطورة هذا الفعل، كي نَسُدَّ بابَه ولا نخوضَ فيه.
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭
(خاتمة المبحث الثاني للمكتوب السادس والعشرين):
(قاعدة تَخُصُّ إخواني الزائرين أو الراغبين بزيارتي، وقد كُتِبت لبعض الإخوة المُقيمين في أماكن بعيدة)
إخواني، شعرتُ برغبتكم في لقائي، واللقاءُ بي إنما هو لأحدِ رغبتَينِ:
الأُولى: دنيويّة، أي: لِأجل أمور تَخُصُّ الحياةَ الاجتماعية وشؤونَها، فليُعلَم أنِّي قد أغلقتُ هذا الباب.
والأُخرى: أُخرويّة، ولأجل الحياة المعنوية، وهذا أيضًا دافعُه أحدُ أمرين:
الأول: حسنُ الظنِّ الزائد بشخصي وبما يفوق حدِّي بكثير، على تقديرِ أنَّني رجلٌ مبارَكٌ صاحبُ مقامٍ عند اللهِ؛ فإني لا أقبل أحدًا بهذا القصد، فلستُ سوى خادمٍ للقرآن الحكيم ودلَّالٍ في ذلك الحانوت المقدَّس، ولستُ أعرض فيه بضاعتي المزجاةَ الكاسدةَ ولا أرغب بذلك، لأنني لو عرضت ما عندي من قطع زجاج هشّة ومهشَّمة،
— 324 —
لكان هذا سببًا في حصول التباس لدى الزبائن من الصاغة غيرِ المختصِّين، فلربما نظروا إلى الألماس أيضًا على أنها قواريرُ زجاجية، ممّا يوقعُهم في الرِّيبة والشُّبهة حول قيمة الألماس المقدَّس للقرآن الحكيم.. لذا فإنني أغلقتُ حانوتي الشخصيَّ بشكل تامٍّ، إذ يكفيني عملي في ذلك الحانوت المقدَّس، ويسعدُني أكثر أن أكونَ خادمًا مُفلِسًا.
الثاني: كوني خادِمًا للقُرآن ودَلّالًا له وداعيًا إليه ليس إلّا، فمَرحبًا به، وكلُّ مَن يأتينا مِن هذا الباب فعلى الرَّأس والعينِ؛ وهذا اللقاءُ لا يُمكن أن يَحُول دونه بُعدُ الأماكن شرقًا أو غربًا، بل سواءٌ كُنّا تحت التراب أو فوقَه، فليس بنا حاجةٌ لأن نلتقيَ وجهًا لوجهٍ.
ولهذا النَّوعِ مِن اللِّقاء ثلاثُ ثَمَرات:
الأولى: تلقِّي جواهرِ الحانوت الذي أعمل فيه دلالًا، وتسلُّمُها منِّي شخصيًّا، وها أنا أرسلتُ إليكم الآن اثنتي عشرة جوهرةً صغيرةً من ذلك الحانوت.
الثمرة الثانية: قبولي لأولئك الذين يؤدُّون الفرائضَ الخمسَ، ويجتنبون الكبائر السبع، إخوةً لي في الآخرة، كنتيجة لهذا اللقاء المعنويِّ وكثمرةٍ لهذه المناسبة؛ وإنني أتوجَّه إلى الله تعالى بالدُّعاء كلَّ صباح أن تُسَجَّل جميعُ مكاسبي المعنوية في صحائفِ إخواني هؤلاء، شريطةَ أن يضربوا لي بسهمٍ من أدعيتهم وخيراتهم المعنوية.
الثمرة الثالثة: حضورُهم بالقُربِ منِّي إمّا حضورًا حقيقيًّا أو قلبيًّا، واصطفافُنا معًا في باب الحضرة الإلٰهيّة، رافعي أيدينا بالضراعة والدعاء؛ واجتماعُنا يدًا بيدٍ وقلبًا بقلبٍ حول خدمة القرآن، وتمكينُ الرّابطة التي تجمعُنا بكلِّ عزيمةٍ وصدقٍ.
إخواني.. هذه الثِّمار الثَّلاثُ هي بين أيديكم منذ الآن.
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭
— 325 —

مسائل متفرقة

المسألة الأولى:

سؤال: ما الحكمة في كثرة الصلاة على النبيِّ (ص)؟ وما السرُّ في ذكر السلام معها؟
الجواب: إن الصلاة على الرسول الأكرم (ص) هي بحدِّ ذاتها إحدى طُرُق الحقيقة، فلقد أظهر الرسول الأكرم (ص) حاجةً شديدة لصلواتٍ غيرِ متناهية رغم كونه مظهرًا لرحمة لا متناهية؛ فهو عليه الصلاة والسلام على صلةٍ بهموم جميعِ الأُمّة وحاجاتها، وله سهمٌ من سعادتها؛ ولأجل صلتِه هذه بسعادة جميع الأمة المُعرَّضة لأحوال لا نهاية لها في مستقبلٍ غيرِ محدود يمتدُّ إلى أبد الآباد، أظهَرَ (ص) الحاجة لصلوات عليه غيرِ متناهية.
كما أن الرسول الأكرم عبدٌ ورسول، فلذلك يطلب الصلاةَ من جهة العبودية، والسَّلامَ من جهة الرسالة؛ إذ العبودية تتوجَّه من الخلق إلى الخالق سبحانه، فتكون مظهرًا للمحبوبية والرحمة، و"الصلاة" تُفيد هذا المعنى؛ أما الرسالة فهي بعثة من الحق إلى الخلق، فتطلب السلام والتسليم، وقبولَ المُهِمّة والتوفيق في أدائها، ولفظ: "السلام" يُفيد هذا المعنى.
ثمَّ إننا حينما نعبِّر بلفظ "سيِّدنا" فإننا نقول: يا رب، ارحم رئيسنا الذي هو رسولك عندنا، ورسولُنا في بابك، كي تسريَ تلك الرحمة إلينا أيضًا.
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ عَبدِكَ ورَسُولِكَ، وعَلَى آلِهِ وصَحبِهِ أجمَعِينَ

المسألة الثانية:

(جواب قصير عن سؤال طويل طرحه أحد الإخوة):
إن قلت: ما هذه الطبيعة التي زلَّ فيها أهلُ الضلالة والغفلة، حتى سقطوا في الكفر والكفران، فرُدُّوا إلى أسفل سافلين بعد أن كانوا في أحسن تقويم؟
— 326 —
الجواب: إن ما يسمُّونه بی"الطبيعة" هو الشريعة الفطرية الإلٰهيّة الكبرى، وهي عبارة عن مجموعة قوانين عاداتِ الله المُظهِرة لتنظيم الأفعال الإلٰهيّة وأنظِمَتها التي تُشاهَد في الموجودات.. ومن المعلوم أن القوانين أمور اعتبارية لها وجود علميّ، وليس لها وجود خارجيّ؛ إلّا أنَّ الغفلة والضلالة أدَّت بهم إلى الجهل بالكاتب والنقَّاش الأزلي، فظنُّوا الكتابَ والكتابة كاتبًا، والنَّقْشَ نَقّاشًا، والقانونَ قُدرةً، والمِسطَر مصدرًا، والنِّظامَ ناظِمًا، والصَّنعةَ صانِعًا!
فكما أن إنسانًا بدائيًّا لم يشاهد حياة البشر الاجتماعية من قبل، إذا دخل ثكنةً عسكرية عظيمة، وشاهد حركات الجيش المُطَّردة وفقَ أنظمةٍ معنوية، خُيِّل إليه أنهم مربوطون بحبال مادية.. أو إذا دخل مسجدًا كبيرًا، ورأى حركات المسلمين المباركة المُنتَظِمة في صلوات الجماعة والعيد، توهَّم أنهم مربوطون بروابط مادية..
كذلك أهل الضلالة الذين هم أكثر توحُّشًا من ذلك الإنسان البدائيّ، حينما يدخلون هذا الكون الذي هو ثكنة عسكرية عظيمة لسلطان الأزل والأبد، ومن له جنود السماوات والأرض، ويدخلون هذا العالم الذي هو مسجد كبير للمعبود الأزلي، ثمَّ يُطلقون على أنظمة ذلك السلطان اسمَ الطبيعة، ويتخيَّلون شريعته الكبرى المشحونة بحكمٍ غيرِ متناهية مجرَّدَ مظاهرَ صمّاءَ عمياءَ جامدةً ومختلطة، كأمثال القوة والمادة؛ فلا شكَّ أنَّ أمثال هؤلاء لا يَصدُق عليهم أنهم بشرٌ، بل حتى لا يَصلُح أن يُقال عنهم: حيوانات وحشيّة.
لأن توهُّمَ هذه الطبيعة يوجِبُ أن تُمنَح كلُّ ذرّةٍ وكلُّ سببٍ قوّةً قادرةً على خلق الموجودات كلها، وعلمًا محيطًا بكلِّ شيء، بل أن تُمنَح كلُّ ذرّة وكلُّ سبب جميعَ صفاتِ الواجب الوجود، وما ذاك إلّا مُحالٌ في منتهى الضلالة، بل هذَيانٌ نابع من جنون الضلالة.
فی"الكلمات" ورسائل أخرى قد أَرْدَت مفهومَ الطبيعة قتيلًا في مئةِ موضع منها، بحيث لم تَعُد تقوم له قائمة، وكذا "الكلمة الثانية والعشرون" أثبتت هذا الأمر إثباتًا قاطعًا.
— 327 —
الحاصل: لقد أُثبِت في "الكلمات" إثباتًا قاطعًا: أنَّ من كان معتقِدًا بالطبيعة فهو مضطرٌّ لقبول آلهة غيرِ متناهية، لإنكاره الإلٰهَ الواحد، ولزومِ اتِّحادِ جميع تلك الآلهة في نظام هذا الكون! إضافة إلى لزوم كون كلِّ إلٰه منها قادرًا على كلِّ شيء، وضدَّ جميع الآلهة ونِدًّا لها.. والحال أنه ليس للشريك موضعُ جناح ذُبابة يتدخَّلُ فيه، ابتداءً من جناح الذباب حتى المنظومة الشمسية.
والدستور القطعيّ: لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ يُحطِّم أساسات الشرك والاشتراك ببراهين دامغة.

المسألة الثالثة:

لقد أُثبت في الكلمة الثانية والثامنة وكلمات أخرى: أنَّ الكُفر بذرةٌ لجهنَّمَ معنوية، كما أن ثمرتَه جهنَّمُ مادية؛ وأنه سببٌ لوجود جهنَّم، كما أنَّه سببٌ لدُخُولها؛ فلو أنَّ رجلًا سيِّئَ الخُلُق قال لِحاكمٍ صغيرٍ ذي عِزّةٍ ضئيلةٍ وغَيرةٍ قليلةٍ وجلالٍ يسير: "لا تؤدِّبُني، ولستَ قادرًا على تأديبي"، فإنه بلا شك سيُنشِئُ سجنًا خاصًّا لأجله، ويَزُجُّه فيه، وإن لم يكن لديه سجن.
كذلك حال الكافر، فإنه بإنكاره لجهنم يسيء إلى مَن له منتهى الغيرة والعزة والجلال، ويكذِّبُه ويتَّهِمُه بالعجز والكذب، فيَمَسُّ عِزَّته بشدّة، ويتعرَّض لجلاله بسفاهة؛ فلو فرضنا یی مُحالًا یی أن ليس لإيجاد جهنم أيُّ سببٍ، فسيخلقها اللهُ سبحانه لأجلِ ذلك الكفر المُتضمِّن للاتِّهام بالعجز والتكذيب إلى هذا الحَدِّ، وسيُلقي فيها هذا الكافرَ.

المسألة الرابعة:

إن قلت: لماذا يتغلَّبُ أهلُ الكفر والضَّلال على أهل الهداية في الدنيا؟
الجواب: لأنَّ اللطائف الإنسانية واستعداداتِها الموهوبةَ لشراء الألماس الأبديِّ، تُحيلُها بلاهةُ الكفر وسُكرُ الضلالة وبلادةُ الغفلة إلى قطع زجاجية تافهةٍ وبلورات
— 328 —
ثلجيّة فانية؛ فلا شك أن الجليد وقِطع الزجاج المتكسِّر حينما تُشتَرى بثمن الألماس، استُحقَّ أجودُ أنواع الزجاج وأفخمُ أنواع الجليد.
أصاب الجنونُ يومًا صائغ ألماس، ولمّا ذهب إلى السوق أخذ يعطي خمس ليرات ذهبية لقطعة زجاجية لا تساوي شيئًا؛ ولمّا رأى الناسُ ذلك، جعلوا يُقدِّمون له أجودَ ما لديهم من أنواع الزجاج، حتى الأطفال الصغار أخذوا قطع جليدٍ جميلة وسلَّموها له مقابل قطعةٍ ذهبية.
كما سَكِر سلطانٌ في زمن ما، ودخل بين الأطفال ظنًّا منه أنَّهم وُزراءُ وأُمراءُ حرب، وبدأ بإصدار أوامرَ سلطانية إليهم؛ فسُرَّ الأطفالُ بذلك، وأمضى هو بعض اللَّهوِ بينهم مستمتعًا بطاعتهم له.
وهكذا، فإنَّ الكفر جنون، والضلالة سُكْر، والغفلة حيرة، بحيث يشتري الكافر متاعًا فانيًا بدلًا من الباقي؛ وهذا هو السِّرُّ في قوّة مشاعر أهل الضلالة، فيشتدُّ العناد والحرص والحسد وأمثالها من الحِسِّيّات لديهم، فتجدُ الواحدَ منهم يُعانِدُ لسنةٍ كاملة ما لا يستحقُّ دقيقةً واحدة من الاهتمام.
أجل، إنه بجنون الكفر وسُكرِ الضلالة وحَيرةِ الغفلة، تسقطُ اللطيفةُ الإنسانية المخلوقةُ یی فطرةً یی للأبد، وتنشُدُ الأبديّة، فتشتري أشياءَ فانيةً بدلًا من الباقية، وتبذُلُ لأجلها ثمنًا غاليًا.
وهنالك مرض عصبي أو مرض قلبي ينتاب المؤمن أيضًا، إذ إنه يهتمُّ اهتمامًا شديدًا بما لا يستحقُّ الاهتمام كحال أهل الضلالة؛ إلّا أنَّه سرعانَ ما يُدرك خطأَه، فيستغفر ربه ولا يبقى مُصِرًّا عليه.
رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا
— 329 —

المسألة الخامسة:

سرٌّ مهمٌّ من أسرار آية:
مثلما كان القرآن المعجز البيان بمجموعه معجزةً بحدِّ ذاتِه، كذلك كلُّ سورة منه معجزةٌ بحدِّ ذاتها، بل كثيرٌ من آياته كلٌّ منها معجزةٌ أو على هيئةٍ تُظهِرُ لَمعةَ إعجازٍ.
فالآية الواردة مثلًا في آخر سورة الفتح، والتي تتحدَّث عن الصحابة، تبدأ بی مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، وتتضمَّن جميع الحروف الهجائية، وتُشير إلى عدد أسماء مشاهير الصحابة ممَّن نالوا شهرة عالمية، وهم: أصحاب بدرٍ، وشهداء أُحُد، وأصحاب الصُّفّة، وأهل بيعة الرضوان.
كما أن الآية التي تسبق هذه الآية تبدأ بی هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ، وتتكون من ثلاثة وستين حرفًا، فتشيرُ بذلك إلى عُمُر النبي (ص)؛ كما أنها تُظهرُ معَ الآية التي تحدَّثنا عنها عددَ أصحاب بدر والصُّفّة وأُحُد، وأهل بيت النبيِّ (ص).
وأما عددُ الآية الأخيرة فهو مئتان وستُّون، وهو عدد أصحاب بدر وشهداء أُحُد، شريطة احتساب شهداء أُحد ممَّن حضر بدرًا واستُشهدَ في أُحُدٍ، وعدِّ مَن كان يحمل الاسمَ نفسَه واحدًا.
كما أن عدد حروف الآية نفسها هو عدد أصحاب بدرٍ مع أصحاب الصُّفّة بالشروط التي ذكرناها مُسبقًا، وهو مئتان وأربعٌ وستُّون، والزائد عن الآية أربعة، وهذه الأربعة إشارة إلى الخلفاء الأربعة أو إلى الأربعة من آل العباءِ الخمسة.. فتدبَّر في الأحرف الآتية لتُدرك كم مرةً تكرر كلُّ حرف في الآية، ومدى ما أظهرت من أعدادٍ مُوافقة لأعداد أصحاب بدر وأُحد والصُّفّة:
الهمزة الملفوظة توافق (٩) وغير الملفوظة توافق (١٥)، ب توافق (٤) ت توافق (٨) ث توافق (٢) ج توافق (٨) ح توافق (٣) خ توافق (١٠) د توافق (٦) ذ توافق (٣) ر توافق (١٦) ز توافق (٦)، س من أُحد وصُفَّة توافق (٧)، ش من صُفَّة
— 330 —
توافق (٢)، ص من صُفَّة توافق (٢)، ض من بدر توافق (٢) من صُفَّة، ط توافق (١)، ظ توافق (٣)، ع من العبادلة السبعة في أُحد والخلفاء الثلاثة توافق (١٠) من صُفَّة، غ توافق (٦)، ف توافق (١٤)، ق توافق (١) في بدر، ك توافق (٦)، ل توافق (٣٤)، م توافق (٢٤)، ن توافق (١٦)، هی توافق (١٦)، و توافق (١٥)، ي توافق (١٢)، لا توافق (٢)، أ توافق (١٨).
يظهر توافقُ نصف عدد الحروف مع أصحاب بدر والصُفَّة وأُحد أنَّ غير المتوافقة تتوافق مع طبقات أخرى مشهورة، كأهل بيعة الرضوان وأمثالهم.
ومن اللافت للنظر أن الآية: ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا... تتضمن جميع الأحرف الهجائية أيضًا، كالآية السابقة تمامًا، إلا أنَّ تكرار حروفها جاء على نحو عجيب جدًّا، على عكس هذه الآية؛ أما هذه الآية فلا ينظر بعضُها إلى بعض، ولا يُوافق الأخ أخاه؛ ما يعني أن وظيفة الحروف في هذه الآية تؤيِّد معناها، وتتوجَّه إلى أسماء الصحابة الذين تتحدث عنهم.
أجل، كما تُظهر هذه الآيةُ الكريمة الحِكَمَ نفسَها التي أشارت إليه بجُمَلِها، كذلك تُشِير إلى المعنى ذاته بكلماتها وحروفها أيضًا؛ وكما تتوجَّهُ حروفُ هذه الآية إلى الصحابة، فإن قيودها أيضًا تتوجَّه إلى أشهر صفات الصحابة؛ فبإظهارها لتلك الصفات تُشير إلى أصحاب تلك الصفات.
مثلًا: الآية وَالَّذِينَ مَعَهُ تذكِّر بالصحبة المخصوصة وتشير إلى المعيَّة الخاصة لأبي بكر الصِّدِّيق التي هي مبعث فخرِه وشُهرتِه.
و أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ تُظهر یی كالمرآة الساطعة یی سيِّدنا عمر المشهور بحميَّتِه الإسلامية الشديدة وانتصاره القاطع على الكفار.
و رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تشير إلى سيِّدنا عثمان ذي النورين المشهور بالشفقة والرأفة.
— 331 —
وبقيد تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا تُشير إلى سيِّدنا عليّ المرتضى المشهور بكثرة ركوعه وسجوده والمداومة على ذلك.
وجملة يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا تُشير إلى أهل بيعة الرضوان، و سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ إلى أهل الصُّفة، ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ إلى فقهاء الصحابة وعلمائهم، وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ تُشير إلى الصحابة المُشتهِرين بالشجاعة في حُنين والفتح وأُحد وبدر؛ وتشير أيضًا بتلك الصفات والقيود إلى السَّجايا السّامية والأخلاق العالية والمعاملات الغالية التي هي مبعث التفضيل ومنشأ الامتياز ومعدن المزايا للصحابة الذين هم أرفع بني البشر وأشهرُهم وأكثرُهم امتيازًا بعد الأنبياء.
فتُخبِرُ تلك القيود أن موقف الصحابة من الناس هو: أنهم أشداء على الأعداء، رحماء بالصحب والمؤمنين؛ وأما في جانب الحق سبحانه فهم يتميَّزون بكمال الطاعة في الركوع والسجود؛ ويتحلَّون بكمال الإخلاص في ابتغائهم رضا الحقِّ سبحانه وفضله في جميع أمورهم.
كما أنها تستنطق الماضي بصورةٍ معجزة، لتُحضر شهادةً من التوراة والإنجيل على التفوُّق والثبات والمتانة والرقيِّ الذي أظهره الصحابة في ميادين العلم والعمل والسياسة والجيش؛ وتخبر في المستقبل یی على سبيل الإعجاز یی عن تحرُّكاتهم في أداء وظيفة العبادة والجهاد، فتجمع بذلك بين إخبارين غيبيَّينِ من الماضي والمستقبل، لتُظهرَ بذلك لَمعةَ إعجازٍ حين تُخبر عن أحوال الصحابة المذهلة.
هذا إضافةً إلى إشارات كثيرة وإيضاحات طويلة تشتمل عليها هذه الآية، وإنما اقتصرنا على ما قدَّمنا لنقصِ إحاطتنا وقِصَرِ يدِنا.
فهذه الآية مع ما تقوم به جُمَلُها وكلماتُها وحروفُها من وظائف مختلفة، إلا أنها تتكاملُ حولَ المعنى المقصود وتتوجَّهُ إليه.. أفلا يُفهَم من هذا أن الآية تجمع من الأسرار العجيبة كثيرًا ممّا لا نعرفُه ولم نُبيِّنه؟!
— 332 —

السادسة: مسألة صغيرة:

إنَّ سببَ إطلاق اسم "رسائل النور" على مجموع "الكلمات" (وهي ثلاث وثلاثون كلمة)، و"المكتوبات" (وهي ثلاثة وثلاثون مكتوبًا)، و"اللمعات" (وهي إحدى وثلاثون لمعة)، و"الشعاعات" (وهي ثلاثة عشر شعاعًا)، هو أن كلمة "النور" قد صادفتني طوال حياتي في شتى النواحي، فمنها:
أن قريتي اسمها: "نُورْس"، واسم والدتي المرحومة: "نورية"، وأستاذي في الطريقة النقشبندية: "سيد نور محمد"، وأستاذي في الطريقة القادرية: "نور الدين"، وأستاذي في تعلُّم القرآن: "نوري"، وأكثرُ من يُلازِمُني من طلابي هم ممَّن يحملون اسم النور، وأكثر ما يوضِّح كتبي وينوِّرُها هي أمثلة النور؛ وإن أوَّل ما أشرق لعقلي وقلبي وشغَلَ فكري، من القرآن الحكيم هي الآية: اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ؛ وأكثر ما حلَّ غالبَ مشكلاتي في الحقائق الإلٰهيّة من بينِ الأسماء الحسنى الاسمُ النوراني: "النور"؛ ولشدة شوقي نحو القرآن وانحصار خدمتي في ميدانه، فإنَّ إمامي الخاصَّ هو سيِّدُنا عثمانُ ذو النُّورَينِ رضي الله عنه.
اللَّهُمَّ يا نُورَ النُّورِ ويا مُنَوِّرَ النُّورِ ويا مُصَوِّرَ النُّورِ ويا مُقَدِّرَ النُّورِ ويا مُدَبِّرَ النُّورِ ويا خَالِقَ النُّورِ ويا نُورًا قَبلَ كُلِّ نُورٍ ويا نُورًا بَعدَ كُلِّ نُورٍ ويا نُورًا فَوقَ كُلِّ نُورٍ ويا نُورًا لَيسَ مِثلَهُ نُورٌ
سُبحَانَكَ يا لا إِلٰهَ إلاَّ أنتَ، الأمَانَ الأمَانَ، أَجِرنَا (وعَلِيًّا) مِنَ النَّارِ، وأَدخِلنَا (وَأدخِل عَلِيًّا) الجَنَّةَ مَعَ الأبرَارِ، ونَوِّر قُلُوبَنَا وقَلبَهُ وقُبُورَنَا وقَبرَهُ بِأَنوَارِ الإيمَانِ والقُرآنِ، يا رَحِيمُ يا غَفَّارُ.. وَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ المُختَارِ، وآلِهِ الأَطهَارِ، وصَحبِهِ الأَخيَارِ
آمينَ آمينَ آمينَ.
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭
— 333 —
(جواب على سؤال خلوصي بك بخصوص تغليف الأسنان):
لا يمكنني الإجابة بالتفصيل على سؤالكم الوارد بتاريخ ١٩٣٢؛ إلا أنني سأتحدَّثُ باختصار عن بعض المسائل الشرعية ذات الصِّلة بهذا الموضوع:
إن المضمضة أثناء الوضوء سنة وليست فرضًا، لكن هي فرضٌ في الغُسل، فلا يجوز بقاءُ موضعٍ داخلَ الفم دون غَسل ولو كان يسيرًا وفيه ضرر؛ ولهذا لم يتجرَّأ العلماء على الفتوى بجواز تغليف الأسنان، وأمّا فتوى الإمام أبي حنيفة والإمام محمد رضي الله عنهما بجواز تغليف الأسنان بالفضة أو بالذهب، فهي یی على الأغلب یی مقيَّدة بشرط ألّا يكون تغليفًا ثابتًا.. على أنَّ هذه المسألة من المسائل التي عمَّت بها البلوى لما لها من انتشار واسع، ولا يمكن رفعُها.
فكَّرتُ في وسيلة للتخلُّص من هذه البلوى العظيمة التي ابتُليَتْ بها الأُمّة، فوردت إلى القلب فجأةً هذه النقطةُ: إنه ليس من حقِّي وحدِّي الخوضُ في وظيفة أهل الاجتهاد، لكن رغم أنني لستُ مؤيِّدًا للفتاوى، إلا أنني أقول اعتمادًا على ضرورة عموم البلوى: إن كان التغليفُ بناءً على توصيات طبيبٍ متديِّن حاذقٍ، فحينئذٍ تخرجُ السِّنُّ من كونها من ظاهر الفم، وتأخذُ حُكمَ الباطن، فلا يضرُّ عدم غسلها أثناء الغُسل، ويكفي غسلُ الغلاف الذي فوقه بدلًا عنه.
فكما يحلُّ شرعًا غسلُ الضِّماد الذي يوضعُ على الجُرح دون رفعه، بدلًا عن غسلِ الجرح نفسه، وذلك خشيةَ الضَّرر؛ فكذلك يقومُ غسلُ هذا الغلاف الثابت یی باعتبارِ الحاجة یی مقامَ غسل الأسنان، ولا يُبطِل الغُسل؛ والعلم عند الله.
ولمّا كانت هذه الرخصة تقع للحاجة، فلا شك أن الذي يقوم بتغليف الأسنان أو حشوها لأجل التجميل والزينة لا يستفيد من هذه الرخصة، حتى لو عمل ذلك بسوء اختياره وعلى علمٍ منه فهذه الضرورة لا تُعدُّ سببًا للإباحة، ولكن إن حدث التغليف دون علمه فالقول بالجواز عملًا بالضرورة.
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭
— 334 —
(فقرة من روح واحدة في ثلاثة أجساد: الحافظ علي، صبري، علي صاري بِچاق)
تلقَّيتُ "رسالة الإخلاص" التي أصبحت اللَّمعةَ العشرين بعد أن كانت المسألةَ الثانية من المسائل السبعة للمُذكِّرة السابعة عشرة للَّمعة السابعة عشرة من المكتوب الحادي والثلاثين؛ كما تلقَّيتُ مع أخي "علي أفندي" من "قُلَه أُونو" اللمعةَ الحادية والعشرين، وهي رسالة مباركة وقيِّمة ومؤثِّرة أشبهُ بمِسلاطٍ قويٍّ (بروجكتُر) يحوِّل الليل إلى نهار؛ ووصَلَتنا أيضًا اللَّمعة الثانية والعشرون التي دخلت في عداد اللَّمَعات بعد أن كانت المسألةَ الثالثة من المذكرة السابعة عشرة.
في اللحظة التي كانت تُبذَلُ فيها الجهود لمحو الفطرة الحقيقية من أذهان عالَمِ الإنسانية، وذلك عبر ألاعيب الاشتراكية والبلشفية، ورميِ البشرية في هاوية الظلمات الأبدية، ودفعِ الأمة الإسلامية یی باستثاءِ أنفُسِهم یی تحت مُسمَّى المساواة إلى عالمٍ ليس لِدَرَكِه قرارٌ.. وفي اللحظة التي خيَّم فيها ظلامُ الليل بما لبَّدوا به السماء من غيومِ قنابلِهم الدُّخانيّة، وأوقدوا الحرائقَ في الأراضي المعنوية التي احتلُّوها، فخَلَّفَتها بوارًا لا زرع فيها ولا نبات ولا حياة.. في هذه اللحظة ظهرت هذه اللَّمعةُ فجأةً، وأماطت السِّتارَ عن ضوء الشمس، فأنارَت تلك العوالمَ، وضخَّت ماء الحياة في تلك الأراضي المُحرَّقة، وأنبتت فيها الزروع والثمار.
سيدي المحترم.. قبل أسبوع تلقَّيتُ منكم یی بواسطة بكر بك یی رسالةً صغيرةَ الحجم كبيرةَ المعاني، تبلغُ معارفُها قوّةَ جيشٍ جرّار؛ فنحمدُ الله غايةَ الحمدِ أن لم يَحرِم يومًا أمثالَنا من عبادِه الضُّعَفاء العاجزين والفُقَراء المذنبين من نشر فيوضات رحمتِه بطاقتِها المادِّية والمعنويّة.. صحيح أننا مقصِّرون في أمر القراءة، إلّا أنَّنا نسير في الكتابة بخُطًى ثابتة بحمد الله تعالى، وهذا من فضل ربي؛ مثَلُنا في ذلك كمَثَل منزل تَهُبُّ الرياح فتَدخُلُه لبعض الوقت، إلا أنَّ صاحبَه يُسارع لِغَلقِ أبواب المنزل ونوافذِه، ويعمل على تدفئته من جديد.
سيدي الموقَّر.. تسألني كيف وجدتُ هذه الرسائل؟ فماذا أقول أستاذي! لقد
— 335 —
شخَّصتُم جراحَنا وأمراضَنا المعنوية، واستخلصتُم لنا من فيض الإحسان الإلٰهيِّ ترياقًا مُغذِّيًا في غاية النفع والتأثير، مَمزُوجًا بشتَّى أصناف الأدوية، ليَبُثَّ فينا أنفاسَ الحياة.. وإنِّي كلما قرأتُ بتقدير وامتنان الرسائلَ التي تتحدَّثُ عن الإخلاص، سواءٌ التي تلقَّيناها سابقًا أو لاحقًا، أَشعُر بألمٍ في جسدي وارتعادٍ في جميع ذَرّاتي؛ وعندما بدَأَتِ الديدانُ المُتولِّدة من الجراح المُتعدِّدة تستيقظ، كشَفَت رسائلُ الإخلاص للعِيان حُمْقَ حركاتي وبَلَهَ تصرُّفاتي.
وحين نَسخِها تُنبِّهُ هذه الكلمات جميع إخواني برُقيِّها، وتسقي بسُمُوِّها كلًّا منهم ماءَ زمزم، وهذا ثابت بالتجربة؛ فكأنها تخاطبُ كلًّا منهم على حِدةٍ بشكل مباشر، فيتوجَّهُ من بين إخواني كلُّ من يملك الإخلاص التامَّ، والوجدان النقيَّ، والرُّوح المسلِّمة، والجسد اللطيف، والنَّسب الطاهر، إلى أرحم الراحمين بالتضرُّع والدعاء قائلين: "يا ربِّ نجِّ جميع إخواننا من كلِّ ضرر، وارزُقهُم الإخلاصَ التامَّ تفضُّلًا منك وإحسانًا".
وأمّا من لا يملكون هذه الخصالَ الخمسة وليسوا من أهلها، فخلطوا أنوارًا متعدِّدة بأرواحهم الكثيفة، وغَدَوا بظاهر حالهم وسيلةً لمثل هذه الرسائل، ويطلبون في كلِّ آنٍ دعاء الجميع وهمَّتهم، ويَسعَون في سبيل رسائل النور وينقادون لأوامرها؛ فأسأل الله بحرمة الحبيب الأكرم (ص)، وبحرمة القرآن الحكيم وحزب القرآن، أن يكتب لهم المغفرة، ويمُنَّ عليهم بالتوفيق في الخدمة التي سَعَوا في طلبها، وعقدوا النيةَ على النهوض بها.. آمين.
وإن حالَنا تجاه الرسائل كحالِ رجلٍ يعاني من ارتفاع الحرارة حين يُصادِفُ الماء، فلو كان في وعاء صغير لَرغِب أن يسلُكَه في وعائه، ولو كان بحرًا أو بحيرةً عظيمة لَرغِب أن يُلقيَ بنفسه في مياهها؛ وكذلك حال هذه الرسائل المباركة، إذ تشير إلى بحر الإخلاص في هذا الزمان المُلتهبِ عديمِ النور، فتُضفي على حرارة أجوائه رقّةً ولطافةً، وتكشفُ عمّا في البحر من شتَّى أنواع الجواهر والألماس، وتدعو الجميع للإقبال عليها.
— 336 —
إن الذين ينفُثُون سُمومَ الرياء وحبِّ الجاه وغيرها من رغبات النفس الأمّارة، هم كالأفاعي المُضِرّة من شتَّى الجوانب، إذ يَطمَعون بنيلِ متاع الدنيا تحت ستار العبادة، ثمَّ يُدرِكون خطَأَهم وهم على شفيرِ القبر، فيرغبون یی رغبةَ فرعونَ الغريقِ یی بالتراجُع عن شهوة إقبال الناس عليهم، ولكن هيهات! فلو أنهم أناروا قلوبهم بما تحويه هذه اللَّمَعات من معالم الهداية، لَطَرح حتى منافقو هذا الزمان عُبّادُ الشُّهرة ما بأيديهم من قطع جليديّة اغترُّوا بزيفها، وستحترقُ أجسادهم في المآلِ بزمهريرها، ولَانصَرَفوا بمَحضِ الإخلاص نحو الإيمان، ولَالتقطوا الجواهر والألماس من خزائنِ القرآن، بتوفيق الله تعالى وفقَ مراده.
سيدي المحترم.. إن رسالة "الكرامات العلوية" إضافةً لكونها كرامةً متعدِّدة الجوانب، فهي تبثُّ في تلاميذ رسائل النور اليقظة والحماسة، وتدفعهم إلى الهِمّة والسَّعي، وتحملُهم على الشجاعة والقوة؛ وتوضحُ لهم أنهم ليسوا وحيدين في الطريق الذي يَسلُكونه، وأن مَن أمامهم من الأعداء ليسوا أعداءَهم خاصّةً، بل هم أعداءُ الأرواح السّامية التي تُطلُّ من الماضي وتُراقبُهم عن كثب، فكأنَّ تلك الأرواح العالية مرشدون أمامنا، وحُرّاسٌ حولنا، يقدِّمون العونَ لنا، فيُرافقون الأقوياء، ويَشحَنون بالقوّة قلوبَ الضُّعفاء، وبالشجاعة نُفُوسَ الخائفين؛ كما تُؤكِّد هذه الرسالة أن كلًّا من التلاميذ محتاجٌ لها في كل حين.
وتخبر عن علماء السوء الذين جرَّهم عِلمُهم للسُّقوط في براثن الأنانية، ودينُهم إلى الانشغال بالدُّنيا، وشخصُهم إلى دخول الخمَّارات، كلُّ ذلك تحت حجابِ المظهر العلميِّ وتمثيل الدِّين وإرشاد الأُمّة في هذا الزمان!! فهي بذلك تدعو أهلَ الإيمان والعرفان إلى الإنصاف والاتفاق والاتحاد.
ننحني جميعًا إجلالًا لمقامِكم، ونقبِّلُ تبرُّكًا أيديكم.
الباقي هو الباقي
عليّ (رحمه الله) عليّ
من قرية (إسلام) من (قُولَه أونو)
٭٭٭
— 337 —
(رسالة كُتبت خطابًا لخسرو):
باسمه سبحانه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
السلام عليك وعلى والِدَتِك وعلى أخيك وعلى إخوانِك، ورحمة الله وبركاته
أخي العزيز المبارك الوفِيّ..
أولًا: إن الرؤيا المباركة التي أُرِيتَها قبل شهرين من شروعك بی"الكلمات" جميلة جدًّا، وهي حقيقةٌ في الوقت نفسِه.
أجل يا أخي؛ ومِثلَما تُبشِّرك هذه الرُّؤيا، نبشِّرُك نحن أيضًا بأنك عُيِّنت كاتبًا في أخصِّ رُتبة وأعلى مرتبة، ضمن جماعةٍ مباركة من أمثالك، متحلِّقة على هيئةِ مُسنَّناتٍ حول تفسير الحقائقِ القرآنية التي هي بحُكمِ مصنعِ حقائقَ نورانيّة غير محدودة للوَرد المُحمديِّ المتفتِّح من جنة الحديقة الأبديّة "القرآن الحكيم".
ثانيًا: إن رسالة المعجزات الأحمدية (ص) التي كتبتَها لنا هذه المرة جميلةٌ جدًّا، فما شاهدها أحد إلا شعر بأذواقٍ حقيقية؛ ما يعني أن الأحاسيس المعنوية المُخلِصة النقيّة تُبْرِز نفسَها على صورة نقوشٍ مادِّية.
وحينما اطَّلعتُ على هذا السِّرِّ، لاحظتُ أنَّ أخي "غالب" يشاركُني هذا الإحساسَ أيضًا، حتى إنَّه قابل هذا الأمر بأن فضَّل خطَّك على خطِّه قائلًا: "إن تحت هذا السِّرِّ تبسُّمًا معنويًّا".
ثمّةَ أناسٌ كثيرون الآن يقوُّون إيمانهم بسبب هذه الرسالة التي كتبتَها، وتزداد المحبة الأحمدية في قلوبهم، وتنعدمُ لديهم الشُّكوكُ حول "الإشارات الغيبيّة"؛ ناهيك عن كتابة هذا الأجر والثواب في سجلِّ أعمالك.
إن الكلمات التي أشرتَ إليها یی سوى كلمتي: القرآن والرسول الأكرم (ص) یی لها معانٍ غزيرة، كما أنها أُسُسٌ وحُجَجٌ للتوافق المبارك في هاتين الكلمتين، وتدلُّ
— 338 —
في الوقت نفسه على أنَّ من لم يراعِ جميع تلك التوافقات لا يُمكِنُه أن يخلط القلمَ في توافق هاتين الكلمتين.. إننا نعتقدُ أنك وجدتَ الخطَّ الحقيقي لهذه الرَّسائل، أو أنَّك اقتربتَ من ذلك.
ثالثًا: إن الرابطة التي بيننا معنوية وروحية وحقيقية، لذا لا يمكن للزمان والمكان أن يتدخَّلا فيها؛ فحينما أتوجَّهُ إلى باب الحضرة الإلٰهيّة، أجدُ خسرو بقُربي حاضرًا معي، ولِمَرّاتٍ عدّة في اليوم الواحد؛ كما أننا نُحضِرُك إلينا بأَخيِلَتِنا كلَّما تراءت لنا كتاباتُك اللطيفة، وبخاصّة خطُّك المباركُ في "المكتوب التاسع عشر".
إنني والصَّحبُ هنا نرغب أن نراك بيننا، لكن "إسبارطة" تحتاجُك أكثر؛ ويبدو أنَّ الوضع الحاليَّ والطقس غيرُ مناسبَينِ، لذا لا أرغب أن أُتعب أخي بإحضارِه لبعض الوقت، وإلا فحضورُك ضروريٌّ بالنسبة إلينا.. نقضيه في وقتٍ لاحقٍ إن شاء الله.
رابعًا: إن شهر رمضان المبارك لتضمُّنِه ليلة القدر، فإنَّه بالجملة يمثِّیلُ ليلةَ قدرٍ في عمر الفرد، إذ يُضفي آلافَ الأعمارِ إلى عُمُرِ المُوفَّقِ فيه، فهو بمثابةِ عُمُرٍ باقٍ: فدقيقةٌ واحدة منه تعدلُ يومًا، وساعة واحدة تُعَدُّ شهرين، ويوم واحد بحُكمِ سنوات عدة.. فأرجو الدعاءَ منكما أنت وأختي في الآخرة، أعني أُمِّي الثانية ووالدة أخي الفاضلة، وما دُمتُ أُشرِكُكما في دعائي، فلعلَّ دعاءَكما يقع بحكم التأمين على دعائي.
أُسلِّم على أخي علي أفندي، وأدعو له أيضًا؛ وهو يرقى لأن يكون أخًا تامًّا لائقًا لخسرو تمامًا.. أُوكِّلُك بسائر الإخوة، وأدعو لهم، وأُسلِّم عليهم؛ فليذكروني بدعواتهم في هذه الأيام المباركة.
يسلِّم غالب عليك كثيرًا، ويقول: إنني أشعر برابطٍ معنوي بخسرو..
سلامي الخاصّ ودعواتي الكثيرة لی"لطفي أفندي" الساعاتي، أسأل الله سبحانه أن يَمُنَّ عليه بنُورٍ في قلبه، ورحمةٍ في روحه، وحقيقةٍ في عقله، وبركةٍ في ماله، بعدد حروف "رسالة النوافذ" التي كتبها.. آمين آمين آمين.
— 339 —
وكان غرضي من استكتابه هذه الرسالة أن أُدخِلَه في دائرة خواصِّ التلامذة، وإلا فليس مقصدي أن أَشُقَّ عليه.
لقد رسَمتَ خاتمَ المعجزات الأحمدية (ص) بشكل جميل جدًّا! ما شاء الله! فأرجو ممَّن اقتنعوا بهذا الخاتم من الإخوة ذوي الصِّلة بی"الكلمات" أن يكتبوا لي أسماءَهم، لِأُدرِجها في الدائرة الثانية، ويكون لهم سهم من هذا النور.
نسختك من "رسالة الشكر" قد أعطاها مصطفى من "قُولَه أونو" لرجل لم يُحافظ عليها، إذ تضرَّرت بعضَ الشيء بما أصابها من المطر، لذا استَحْيا أن يرسلها إليك، فبَعَث بها إليَّ، فسأُرسل إليك بدَلًا منها نسخةً لديَّ جميلة الكتابة، فلك أن تعتمدَها في كتابة نسخة جديدة لك.
وأما النسخة المباركة التي تتحدَّث عن الشكر والتي كتبتَها لأجلي، فكنتُ أرسلتها قبل شهر إلى نواحي قرية "أتابك"، ولا أعلم مَن أخذها! ولم أستطع الحصولَ عليها.
كما أرسلُ لك خاتمة المسألة الثامنة من المكتوب الثامن والعشرين، وهذه الخاتمة تردُّ الانتقادات الواردة على خاتم الإعجاز، وتُثبِتُ أنه خاتَمُ تصديقٍ ساطع؛ وقد أرسلنا لك نسخةً من تلك الخواتم، فيمكنك أن تدوِّن في المواضع الفارغة منها الأسماءَ المناسبة لِمَن شاهدوا الخاتم وتقبَّلوه، وممَّن هم على صلة بی"الكلمات".
الباقي هو الباقي
سعيدٌ النُّورْسيّ بن مِيرْزا
٭٭٭
— 340 —
باسمه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
أخي في الآخرة العزيز الهُمام، ورفيقي في خدمة القرآن: صبري الأول وخلوصي الثاني..
لقد أدركتَ جيدًا قيمة المكتوب العشرين، وكتبتَه بشكل جميل أيضًا.. ما شاء الله!
تذكرُ في رسالتك أنك ترغبُ بتلقِّي دروس علم الكلام مني، وأنت تتلقَّى هذه الدروس فعلًا، فجميع "الكلمات" التي تكتبُها هي في الحقيقة دروسٌ نورانية لعلم الكلام الحقيقي.
وقد قال بعض مُحقِّقي أهل العلم كالإمام الربّاني: "سيوضِّح أحدُهم في آخر الزمان علم الكلام یی أي: المسائل الإيمانية الكلامية التي هي مذهب أهل الحق یی توضيحًا جليًّا يؤدِّي إلى انتشار هذه الأنوار بما يفوق صنيعَ أهل الكشف وأرباب الطريقة"، حتى إن الإمام الربّاني قد رأى نفسَه ذلك الرجل.
ولا يمكنُ لأخيك هذا الفقير العاجز اللاشيء أن يدَّعيَ أنَّه ذلك الشخص المُنتَظَر، فذلك فوق حدِّي بألف درجة؛ ولستُ لائقًا بهذا المقام بأيِّ اعتبار؛ لكن أظن نفسي خادمًا لذلك الرجل العُجاب الذي سيأتي في المستقبل، أُهيِّئُ البيئة المناسبة لقدومه، وجنديٌّ مقدام لذلك القائد العظيم.. ومن أجل هذا فإنك استشعرت تلك النفحة العجيبة في النصوص المكتوبة.
كما تسأل في رسالتك عن الأسرار التي تدور حول قوله تعالى: اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ...
أجل، تجد رشحاتها وقطراتها في أغلب "الكلمات"، وتقفُ على معينها وينابيعها على وجه الخصوص في المكتوب العشرين، والمكتوب الثالث والثلاثين، والكلمة
— 341 —
الثانية والثلاثين، والكلمة الثانية والعشرين.. وإن في تلك الآية طبقاتٍ كثيرةً بكل تأكيد، وقد نالت كلُّ طائفة سهمًا وحظًّا من إحدى تلك الطبقات.
تتمنَّى روحي أن أكتب عن بعض أنوار تلك الآية، وما كُتبَ حتى اليوم ظلَّ كما هو لأنَّه جاء في صورٍ متفرقة، فلذلك أكتفي به في الوقت الحاضر.
الباقي هو الباقي
أخوكم سعيد
٭٭٭
باسمه سبحانه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أبدًا دائمًا
إخواني الأعزاء الأوفياء، وأصحابي في الخدمة القرآنية المُضحِّين، السّادة الكرام: صبري، الحافظ علي، خسرو، رأفت، بكر، لطفي، رشدي..
إخواني، في هذه الأيام من شهر رمضان الشريفِ، كنتُ أودُّ أن أتحدَّث إليكم عن قضايا تَخُصُّ عالمَ النور، لكن وقَعَت حادثةٌ ألزمتني یی مع الأسف یی الحديثَ عن عالم الظلمات، وذلك نزولًا عند رغبة مَن في الجوار من الأصحاب، يدفعهم الفضول والقلق لطلب بعض التوضيحات حول هذه الحادثة الجديدة بلسان حالهم ومقالهم؛ وحتى أُزيل عنكم وعنهم هذا القلقَ، سأُوضِّحُ بعض الجوانب المتعلِّقة بهذه الحادثة، وعلى قسمين:
القسم الأول: إن هذه الحادثة الكارثية المُؤلمة لنا قد حوَّلَها الحقُّ سبحانه بعنايته ورحمته إلى صورة مغايرة، أجل، فجهنم ليست زائدةً عن الحاجة، كما أن الجنة ليست رخيصة! وإنَّ الوَجْهَ المُتوجِّهَ إلينا من هذه الحادثة تبدو فيه الرحمة، كما أنَّ وجهَها المُتَّجِه نحو أهل الدنيا يُثبِتُ لُزومَ جهنَّم؛ فالحادثة في هذا الوقت من شهر
— 342 —
رمضان الشريف كانت قبيحةَ الوجهِ جدًّا، لكنَّنا في عين العناية وفي كنف حفظِها كما قال الغوث الأعظم، فلذا تظهرُ لَمَعاتُ الرحمة في حقِّنا من جهات عديدة.
الثاني: حمَلَتني هذه الحادثة في هذا الشهر الشريف بطريقةِ التنبيه والتهييج إلى استشعار الضعف والعجز، وشدة الفقر وتمام الاحتياج، ومن ثَمَّ الالتجاء إلى الحق سبحانه؛ فباتت هذه الحادثة دافعًا لي مُهِمًّا لملازمة المناجاة التي أُداومُ على قراءتها حاليًّا في هذا الشهر.. والحقيقة أن المصائب ما هي إلا سياطُ القدر تسوقُ الناسَ للُّجُوء إلى أعتاب الحضرة الإلٰهيّة.
فغَدَت كلُّ كلمة أقرؤُها وكلُّ دعوةٍ ومناجاة أُردِّدُها، ذاتَ أذواقٍ ومشاعرَ شديدة، لا مجرَّدَ أورادٍ رسميةٍ أكرِّرُها بلا روح؛ وما سِرُّ تفوُّقِ الصحابة في العبادة إلا في هذه المزيّة: أنَّهم يُردِّدُون أذكارَ التسبيح وأورادَ الذِّكر بحضورٍ واستشعارٍ تامٍّ لجميع معانيها.
حاشية: لقد أُزيلت تتمة هذه الرسالة من هذا الموضع بناءً على مَقصَد معيَّن.
سعيدٌ النُّورْسيّ
٭٭٭
(خطابٌ موجَّه لخلوصي بك):
باسمه سبحانه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أبدًا دائمًا
أخي العزيز الوفي المخلص..
أولًا: لقد أحزنني جدًّا المُصابُ الدنيويّ الذي حلَّ بابن أخي "خليل ناجي"، أسأل الله أن ينجيَه منه، وأن يَمُنَّ عليك بالصبر والتحمُّل.. آمين.
ولا شكَّ أنَّ بطلًا مُخلِصًا من أبطال النور، أصيلًا ثابتًا لا يتزعزع، لن يضطربَ ويَضعُفَ یی بإذن الله یی بسبب أحوال دنيوية تافهة، ولن يُهزَم أمام أعراضٍ مؤقتة فانية.
— 343 —
ثانيًا: أبعث سلامي وتقديري للشيخ محمد أفندي الآلْواري، أحدِ خُلَفاءِ الشيخ محمد الكُفْرَوي (قدِّس سرُّه)، وهو الذي علَّمني آخرَ درس مبارك في سلسلتي العلمية، وكان يُعاملُني بحنانٍ يفوقُ حدِّي بكثير، فأُسلِّم عليه وعلى إخوانه؛ كما أُسلِّم على أصحابك ذوي الصِّلة بالأنوار في تلك المناطق، وأدعو لهم بالتوفيق في خدمة النُّور.
الباقي هو الباقي
أخوكم المريض
سعيدٌ النُّورْسيّ
٭٭٭
باسمه سبحانه
أخي العزيز..
لا تقلق عليَّ، فإنَّ العناية الربانيّة ما زالت حاضرة؛ وإن القناعة والاقتصاد في المعيشة ينقذانني من الاحتياج للآخرين.. حذارِ أن ترسل إليَّ شيئًا، فأنت تُنفِق على ستِّ أو سبعِ أنفُسٍ، أمّا أنا فنصفُ شخصٍ.. والواجب يُملي عليَّ أن أهتمَّ بشأنك لا أن تَشغَل بالك أنت بي.
رسالة صبري لم تصل إليه بعدُ، وإن لك ولخلوصي سهمًا في كلِّ عملٍ أُخرويٍّ أقومُ به، وفي شهر رمضان تُضاعَفُ المكاسب مقابل الواحد ألفًا.. فمدُّوا لي يدَ العون أنتم أيضًا من خلال دعواتكم.
سعيدٌ
هل صادَقتُم على ما ورد من الإشارات العَلَويّة مصادقةً تامّة؟ وهل وجدتم في رسالة الحشر القوّةَ الفائقة؟
٭٭٭
— 344 —
باسمه سبحانه
آلافَ السلام.. إنك تُرسَل إلى أماكن شتَّى بمقتضى رتبتك المعنوية الرفيعة التي هي أرفعُ من رتبتك المادية، فإنَّ لتلك الأماكن حاجةً إليك.. لا تقلق أبدًا، فإن رسائلك حول رسائل النور تؤدِّي الخدمة النورية نيابةً عنك، وتقوم مقامَ كثيرٍ من الطلاب، وتجعلُك تحظى دومًا بصدارة المراتب.
أخوك سعيدٌ النُّورْسيّ
٭٭٭
(رسالة النجم):
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إخواني الأعزاء الأوفياء، وأصحابي العاملين في الخدمة القرآنية: صبري، خُسرَو، الحافظ علي، رأفت، بكر، لطفي، رُشدي..
أودُّ أن أبيِّن لكم مسألة تتعلَّق بحادثٍ سماويٍّ وقع في شهر جمادى الآخرة، وهي على النحو التالي:
في زمن ظهور صاحب الجناب الأحمدي عليه الصلاة والسلام، تساقطت النجومُ بكثرةٍ أمارةً على رجم الشياطين، ومُظهِرةً بذلك مثالًا للآية: وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ.
وأمّا في نظرِ أهلِ التحقيق فكان ذلك علامةً وإشارةً إلى وضع سدٍّ أمام أخبار الكهنة الغيبية والسماوية، والتي يتلقَّونها بواسطة الجِنِّ؛ وذلك كيلا تَرِدَ الشُّبهات على الوحي، إذ الزمان زمان نزول الوحي.
وأمّا أهل الكشف والحقيقة فكان حكمُهم أن هذا الأمر علامةُ سرورٍ، وأشبهُ بعيدٍ ومِهرجانٍ أقامه أهلُ السماوات بمناسبةِ تشريف صاحب الجناب الأحمدي (ص)
— 345 —
مبعوثًا للإنس والجن؛ كما أنه إشارة غيبية وسماوية إلى أن هذا الرسول منبعُ نيران مُحرِقة لأهل الكفر والضلالة، ومشعلُ أنوار مُشرِقة لأهل الإيمان والهداية.
وإن سقوط النجوم هذه المرة في شهر جمادى الآخرة، وعلى نحوٍ مُنعدمِ النظير یی إذ بدأ في الساعة الرابعة ليلًا، واستمر حتى الخامسة أو الخامسة والنصف یی لَیيُعدُّ حادثةً سماوية جليلة؛ وبما أن حوادث السماوات تتوجَّهُ إلى أرضنا، فلا بدَّ أن وراء هذه الحادثة أيضًا أثرًا في كُرتِنا الأرضية.. فيجب علينا بكلِّ حالٍ الالتجاءُ إلى كنف رحمته سبحانه، كي يحوِّلها إلى أنوار مُشرقة، ولا يجعلَها نيرانًا مُحرقة.
أجل، فكما أن الآياتِ في سُوَرِ القرآن الحكيم تنظرُ إلى بعضها، ويشير بعضُها إلى بعضٍ، كذلك السُّور العُلوية والسفلية لهذا الكون الذي يعدُّ قرآنًا كبيرًا للحق سبحانه، تنظر إلى بعضها، ويُظهِر بعضُها نِكاتَ بعضٍ.
في سورة السماء لا توجد كتابة لفظ الجلالة باللون الأحمر فقط كما فعلناه نحن، بل هنالك نجوم نُقشَت بماء نوراني مُذهَب على هيئة لفظ الجلالة، كما أن هنالك نقاطًا نورانية تتفجَّر من تلك النجوم؛ فمن شأن السورة السماوية المعجزة أن تُعلِنَ أسرارًا هي بحُكمِ طلَقاتِ السِّباق الإشارية الخطّاطة متمثِّلةً في هذه النِّقاط، وإننا نَعُدُّها فألَ خيرٍ لنا.
ثانيًا: إن تكرُّر لفظ الجلالة (٢٨٠٦) مرة في القرآن، يذكِّر المرء بنجوم السماء الحمراء، إذ زُيِّنت سماءُ القرآن بتلك النُّجومِ النيِّرة؛ وزاد لطافَتَها جمالًا وزِينةً ما وقع بينها من المُناسبات التوافقية لتلك الأعداد ذات المعاني العميقة، وذلك باعتبار الصَّحائف والأوراق والسُّوَر.
أُرسِلُ إليكم هذه المرة نُسختي القرآنيّة الخاصّة، وقد وضعتُ فيها إشاراتٍ بحَسَب الجدول المُرسَلِ إليكم، وإشاراتٍ مختلفةً على اسم الجلالة واسم الربّ.
إن توافُق اسم الجلال مُنتَظِمٌ ويحملُ معانيَ عميقة، إلّا أنَّه يتطلَّبُ بعضَ التدبُّر والنظر، إذ ليس من نوعِ التوافقات المعهودة في الرسائل أن تتوجَّه صحيفة إلى صحيفة أخرى، فقد لا تنظر الصحيفةُ إلى مُقابلَتِها أحيانًا، وإنما إلى الصَّحيفة التي خلفها أو حتى التي خلفهما، وقد تقفزُ أحيانًا على ورقة واحدة.
— 346 —
وقد تتوجَّه صحيفة واحدة أحيانًا إلى مجموع صحيفتين معًا، فمثلًا: في الصحيفة ٣٥ ورد لفظ الجلالة ١٣ مرة، وخلفها جاء ٨ مرات، ثم ٥ مرات في التي بعدها، ما يعني أن العدد ١٣ ينظر إلى كلا الرقمين في الصحيفتين معًا، بحيث بلغ مجموعُهما ١٣، وهكذا..
وأحيانًا تتوجَّه صحيفةٌ واحدة إلى مجموع صحيفتين معًا، بحيث يردُ بعدها عددان يوافقان بمجموعهما العدد، ويُبيِّن كلٌّ منهما جزءًا منه؛ فمثلًا: في الصحيفة ١٨٨ من سورة التوبة، ورد لفظُ الجلالة ١٦ مرة، وخلفها جاء ٦، ووراءَها جاء ١٠، فلو قُرِئت معًا من الأعلى لبلَغَت ١٦ وأظهَرَت التوافق.
وفي الصحيفة ٤٢٢ من سورة الأحزاب: يَردُ اسم الجلالة ١٦ مرة، ولا يوجد توافقٌ ظاهرًا، لكن في الصحيفة التي قبلها يَرِدُ ١٠ مرات، وفي التي تُقابلُها يَرِدُ ٦ مرات؛ فإن جُمِعَت مع بعضها كانت النتيجة ١٦ وحصل التوافق.
وقد تتوافق أحيانًا مع اسم الربّ، وأحيانًا لا تنظر الصحيفةُ إلى الصحيفة الأخرى، وإنما الورقة إلى الورقة، كما أنها تتوجَّه أحيانًا إلى رقم الصحيفة.
إن الرقم (٩) يتوجَّه مرّاتٍ كثيرةً إلى رقم الصحيفة، فلذلك شعرتُ كأنه خرج عن التوافق، (حاشية): الحاصل: إن التوافقات تُغيِّر أشكالها أحيانًا لبعض الأسرار الغيبية، وإن أحد التوافقات اللطيفة الفاتنة ذات المعاني الجليلة للفظ الجلالة: أن العدد سبعة أو ثمانية يردان ٥١ مرة في ١٥١ صحيفة مع صفحة سورة الفاتحة في البداية. فعلى كلِّ حالٍ دقِّقوا في الأمر أنتم أيضًا، وبعد التشاور فيما بينكم نكتب الأرقام التي تُظهر التوافقات المخفيَّة، ونُقيِّدُها في النسخة الجديدة الذي كتبناها بعد تصويبها والموافقة عليها؛ وفي مقدمة ذلك أنه في أوَّل ١٥٠ صحيفة: يَرِدُ سبعة أو ثمانية ٥١ مرة، ففي الصحيفة ٢٨ يَرِد ٨ مرات، وفي الصحيفة ٢٣ يَرِد ٧ مرات، وقد قُبِل ٧ و٨ على التوافقِ بينهما، فلا يختلُّ التوافق بالانتقال من ٧ إلى ٨، ومن ٨ إلى ٧؛ وأشعر أن لهذين العددين أسرارًا مهمة في القرآن.
— 347 —
ثالثًا: عندي صحيفة قديمة تالفة، تحوي سلسةً عظيمة تُظهر أن صاحب الجناب الأحمدي (ص) شجرة طوبى، وأن الأصفياء والأولياء والصديقين ثمرات هذه الشجرة النورانية، وأن المسالك والطرق أغصانها؛ فأطلب سادةً خطوطهم جميلة، ولديهم خبرة في رسم الجداول، لأجل تبييضها بشكل جميل؛ فليأتِ خسرو والحدَّاد محمد أفندي حينما يصلُهم الأمرُ مع الحافظ عليّ، مصطحبين معهم خمس عشرة طبقًا من الورق وفقَ المقاييس الموجودة عند بكر آغا.
رابعًا: أرسلتُ إليكم بعض فقرات جديدة لإخواننا كي تُلحَق بالمكتوب السابع والعشرين، وهذه الفقرات وجميع فقرات المكتوب السابع والعشرين ذاتُ أهمِّيةٍ كبيرة في الحقيقة، إذ احتوت دروسًا أنيقة، ومعانيَ مُهِمّة، ومُحفِّزات رائعة، وأحاسيسَ مشوِّقةً رائقة، وأنا شخصيًّا أستفيد منها استفادةً لطيفة، خصوصًا في الأوقات التي أشعر فيها بالكسل، فتغدو سَوطَ تشويقٍ وتحفيزٍ مُهِمًّا لي.
على كل حال إخواني، أرجو منكم ألا تتضايقوا مني، فمنذ مُدّة صرتُ أجمعُ في رسائلي التي أكتبُها إليكم مسائلَ متباعدة وغير متلائمة، فتصبح كلُّ رسالة بحكم حساءِ عاشوراء.
خامسًا: إنني راضٍ بعباءَتي ذات الأكمام والقامة القصيرة، ولا يلزمُني شيءٌ آخر؛ وكان مِعطفُ خسرو ضيفًا مقبولًا عندي، وها أنا أُرسِلُه إليكم؛ ولقد سُرِرتُ كثيرًا لاستعادةِ والدتِه بعضَ عافيتها. كتب الله لها الصِّحّةَ والعافية؛ وسلامي للإخوة ذوي الصِّلة بالكلمات هنالك، أمثال علي حسن شقيق خسرو، والحدَّاد محمد أفندي، والحافظ أحمد، وغيرهم.
أخوكم سعيدٌ النُّورْسيّ
لقد ضاع الورق الذي أرسل كعينة ولم نجده، فاختاروا أنتم من الورق الأبيض، وقد وصلنا سلفاتو (كينين) لكنه كثير. أسعدني كثيرًا قيام محمد أفندي بكتابة لوحة جديدة لي؛ أسأل الحق سبحانه أن يكتبَ له مقابل كل حرف كتبه ألف حسنة.. آمين آمين.
٭٭٭
— 348 —
باسمه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته بعدد حروف القرآن وأسرارها..
يا مبعث سلواني في هذه الدار الفانية، ومُؤنسيَّ في ديار الغربة، ومُخاطَبِيَّ الأذكياء أولي الفراسة، الذين يظهرون الاشتياق فينطقونني بالأسرار القرآنية..
كنتُ أرسلتُ إليكم سابقًا "فهرس الحروف" مكتوبًا بخطِّ يدي، دون تصحيحه، لتُدركوا بمجرد مطالعة يسيرةٍ لدقيقة أو دقيقتين ما أُعانيه من حالٍ مضطربة، وتشتُّتٍ في الخطِّ والكتابة؛ ولتعلموا مدى أهمِّيةِ أقلامِكم القيِّمة عندي.. إلا أنكم عكفتُم على مطالعتِه لساعاتٍ، وتدوينه وضبطه لأيّامٍ، بدلًا من تأمُّله لدقيقة أو دقيقتين، ففهمتُ من اهتمامِكم البالغ هذا أنكم تهتمُّون به كثيرًا، لذلك أُرسِلُ إليكم القائمة نفسها بعد تبييضها، فبإمكانكم أن تنسخوا منها إن شئتم.
لكن اعلموا جيدًا أن هذا الفهرس قد كُتِب على وجهٍ تقريبي ليكون مرجعًا موقَّتًا، فلأجل السهولة كتبتُه بخطِّي المُضطرِب في غضون تسع ساعات، وقد كتبتُ قسمًا منه استنادًا إلى محفوظاتي السابقة، وقسمًا آخر بناء على مقياسين اثنين، ثم أدركتُ بعد ذلك أنَّ في قريتنا تفسيرًا من هذا القبيل، فجلبناه، وقابلناه مع فِهرِسنا، فوجدنا أن بينهما توافقًا في الغالبية العظمى، وأنَّ الاختلاف منحصرٌ في خمسة عشرَ موضعًا جزئيًّا تخصُّ الأعدادَ الكبيرةَ.
وبعد التحقيق وجدنا أن هذا الاختلاف هو نتيجة أخطاءٍ طباعية وسهوٍ من الناسخين، فقُمنا بتصحيح موضعين أو ثلاثة من مسوَّدة فِهرِسنا، ثم أدركنا أن تصحيحنا هذا كان خطأً، ولم نغيِّر الفهرسَ بعدَ ذلك.
ووجدنا أن التفسير بحاجة إلى تصحيح الأخطاء الطباعية، ولكن لم نجترئ على التصحيح، لأن صاحبه مدقِّق كبير، والمطبعة إلى جانب الجامع الأزهر، وقد أشرف على الطباعة علماءُ أزهريُّون.
— 349 —
فأُرسِلُ إليكم التفسير نفسه مع الفهرس المُبيَّض، لتنظُروا فيه وتطالعوه دون انتقادِه، لأنَّ فِهرِسي تقريبيٌّ لم أُحقِّقه بعدُ؛ أمّا التفسيرُ فيعتمدُ في أكثرِه على المَروِيّات، كما أُدخلَت آياتٌ مدنية في بعض السور المكِّية، وربما لم تُحتسَب في العدِّ، فقد ذكر في سورة العلق أن عدد حروفها مئةٌ ونيِّف، ومراده النصف الأول منها الذي نزل أوَّلًا، وقد أصاب في قوله، إلا أنني اعتمادًا على محفوظاتي القديمة أخطأتُ فيما أصاب فيه، حيث احتَسَبتُ السُّورةَ بمجموعها.
كما أن أسرار التوافقات تأخذ بنظر الاعتبار المجاميع الكُلِّية، فالفهرس التقريبي كافٍ لنا؛ والتوافقات المذكورة في النِّكات الثلاث لی"كنیز العرش" لا تتغير بتغيُّر الكسور، بل ولا تختلُّ حتى بتغيُّر المجاميع الكبيرة؛ فسورة الكهف مثلًا تتَّفق في عدد الألف مع تسع وثلاثين سورة، فإذا ما فقَدَت سورةٌ أو اثنتان منها ذلك العدد الألف، فلن يختلَّ ذلك التوافقُ المُهمُّ، وهكذا..
ورغم أن للكسور أسرارًا، إلا أنَّها لم تنكشف أمامنا بعدُ بجَلاء، فإن انكشَفَت لنا بإذن الله، حينها يأخذ الفِهرِسُ صورتَه التحقيقية.
سعيدٌ النُّورْسيّ
٭٭٭
(فقرة خسرو):
أستاذي العزيز.. بمشاركة رأفت وبكر ولطفي ورشدي ومصطفى أفندي اللبَّاد وأخي الكبير علي أفندي، وبحضور أخينا الحافظ عليّ، قرأنا مكتوبكم القيِّم الذي يشرحُ درسَ التوافقات العجيبة اللطيفة، لنجوم لفظ الجلالة المتلألئة في سماء القرآن، ويوضِّح حقيقةَ الحادثة السَّماوية التي وقَعَت في شهر جمادى الآخرة، والتي باتت مثالًا للآية الكريمة: وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ.
كانت جلسةً لطيفة جدًّا في تلك الليلة، تلقَّينا فيها الحوادثَ السَّماوية بكمال الحيرة والعَجَب، وبغاية السُّرور والغبطة، وشاركنا فيها أعيادَ الملأِ الأعلى.
— 350 —
فكما أدَّى وقوعُ هذه الحادثة السماوية في المرّة الأُولى إلى هلاك مشركي قريش الذين اتَّخذوا (٣٦٠) صنمًا آلهةً لهم، وفي مقدِّمتهم صنمُهم الأكبر: "هُبل" الذي صُنع على هيئة إنسان؛ كذلك كان وقوعها للمرّةِ الثانية في القرنِ الرابعَ عشَر من الهجرة الأحمديّة، وفي الزمن الذي أَطلَق عليه المفتونون برُقيِّ أوروبّا اسمَ القرن العشرين، إذ جاءت مُعلِنةً أنَّ عبادة الصُّور التي اتَّخذت شكلًا أسوأ بكثيرٍ من عبادة أهل الفترة للأصنام، سوف تُستأصَلُ من جذورها.
إن هذا الإعلان يُبشِّر الأُمّة المحمدية المرحومة بأنَّ ثمّةَ فتوحاتٍ بديعةً وخيِّرةً تُعَدُّ وتُهيَّأُ لهم، ممّا أدخل السعادة والسرور على قلوبنا الحزينة، وأعاد الفرحةَ والبشاشة إلى وجوهِنا المُكتئبة الباكية، وأطلق البسمة على طوالعنا الواجمة، وأحيا في أذهاننا ذكرياتِ عصر السَّعادة الجميل؛ وهذا التحوُّل من الماضي إلى المستقبل جعلنا نُمضي قدرًا من الوقت في تلك العوالم، وبين أناس يتمتعون بصفاء الرُّوح ورقيِّ الفِكر.
ثانيًا: غرقنا في مشاهدةِ ما في لفظ الجلالة من توافقاتٍ، وما انطوت عليه من جميل المعاني وجليلِ المُناسَبات! فقد كانت تَلفِتُ أنظارنا إليها وتشدُّنا نحوها بغير اختيارٍ منّا! وأمّا التوازن المُبهر الذي ظهَر في أعدادها واللطائفُ العالية التي بَدَت في أقسامها، فقد منَحَنا انشراحًا في قلوبنا ورُقيًّا في أفكارِنا وغذاءً لأرواحنا.
ولِشَدِّ انتباهنا نحوَه أكثر، فإن (١٥٠) صحيفة من القرآن الكريم المكتوب مع هوامشه، قد حافظ فيها العددان ٧ و ٨ على توافقهما (٥١) مرة، فختم ذلك المكتوب بختام الشَّهد! فإن شكل كتابة هذين الرقمين واحد، وهما أخوان في صفٍّ واحد، وما أظهراه في صحائف القرآن من التوافقات هو أيضًا واحد!
أستاذي الحبيب، لقد أصبحتم وسيلةً لتغذية أفكارنا بالفواكه اللذيذة، وسببًا لِسَدِّ جَوعَتِنا وتسكين اضطرابنا بالثمار الجديدة، فرضي الله عنكم غايةَ الرِّضا.
خسرو
٭٭٭
— 351 —
(فقرة خسرو):
سيدي وأستاذي الحبيب ومُعلِّمي العزيز.. أقبِّل أيديَكم وأدعو لكم بدوامِ الصِّحّة والعافية.
أقدِّم إليكم هذا المكتوبَ تعبيرًا عن مدى سُروري بإتمام كتابة الجزء العاشر والجزء السادس والعشرين خلال هذا الأسبوع، وبالتالي إنهاء كتابة القرآن الكريم بتمامه.
أستاذي الحبيب، اسمحوا لي أن أتحدَّث قليلًا عن بعض عنايات القرآن المُبِين التي احتفَّت بي أثناء الكتابة:
عندما تكرَّمتُم بتوجيهنا لكتابةِ القرآنِ الكريمِ على نحوٍ يحافَظُ فيه على توافقاتِ لفظ الجلالة ولفظ الربِّ، إضافةً إلى توافُق الكلماتِ الأخرى؛ حينها تناولتُ القلمَ وشرعتُ بالكتابة بسرور بالغ؛ إلا أنِّي في بدايات عملي في الأجزاء الثلاثة الأولى كنتُ أُعاني الكثيرَ من الصُّعوبات في أثناء الكتابة، حتى استولى اليأسُ على نَشوَتي، وسيطرَ الفُتورُ على هِمَّتي؛ وممّا عزَّز يأسي ورسَّخ فتوري أكثرَ عدمُ إجادتي كتابةَ الخطِّ العربي وفقَ أصوله وقواعده.
لكن لم تَدُم هذه الحالُ طويلًا أستاذي الحبيب، ففي الأيام الأولى كنتُ أعمل من الصباح حتى المساء، وكنتُ بالكاد أكتب خمسَ أو ستَّ صفحات، وكان هذا الأمر يُشكِّلُ بالنسبة إليَّ نجاحًا عظيمًا، حتى أَنجَدَني عونُ القرآن العظيمِ البُرهانِ، فحلَّ السُّرور بدلَ المشقّة، والسعادة بدل الحزن؛ فكنت في بعض الأحيان أتمنى أن يتأخَّر دخولُ وقتِ الصلاة أو ألّا تغرب الشمس، كيلا يُفارِق القلمُ يدي، وفي بعض الأحيان كنتُ أرغب بالاستمرار في الكتابة حتى الصباح، وأحيانًا أطلب العون من القرآن في إنجاز الصفحات التي أجد صعوبةً في كتابتها، فكان يُسعفني التوفيق فأكتبها بسهولة تامة، وكنتُ في أحيان أخرى أجدُ كتابةَ بعضِ الصفحات سهلة، فلا أطلبُ عونَ القرآن، وإذا بالقلم يقفُ عاجزًا عن الكتابة، بل ربَّما وقع في الخطأ، فأُضطرُّ على إثر ذلك لتغيير الصَّفَحات التي أكتبها.
— 352 —
وبين جميع هذه التسهيلات وجدتُ أنَّ خطِّي العربيَّ بدأ يُغيِّر شكلَه، فحين أُقابل كتاباتي الأولى بما كتبتُه اليوم أقول في نفسي: كيف خُضتُ هذا الميدان كمُصارع شجاع اقتحم ميادينَ النِّزالِ بخطٍّ سيِّئٍ كهذا؟! حتى استحوذَ عليَّ في أوَّل الأمر يأسٌ شديدٌ، إلا أني في نهاية المطاف بِتُّ سعيدًا مسرورًا شاكرًا لله.
كنتُ كلما أرى كتاباتِ إخواني الذين يكتبون معي التوافقات القرآنية، أمثال الحافظ علي والأستاذ صبري والحافظ زهدي، تنهضُ هِمَّتي بشدّة، وتزدادُ خبرتي فوق حدود آمالي؛ فكان جزءٌ من العنايات في هذه المرحلة يَطلُع على قلبي، وجزءٌ آخرُ ينعكسُ على إدارة أمور معيشتي، وقسمٌ ثالث يظهر عند الكتابة؛ وسأذكر مثالًا على ذلك من خلال حادثة وقَعَت في الآونة الأخيرة:
في الصفحة رقم (١٩٧) من سورة التوبة التي كتبتُها مُؤخَّرًا، وقفتُ على ستّةٍ من ألفاظ الجلالة، فرسمتُ في ذهني مخطَّطَ كتابة الصفحة أوَّلًا، ثم شرعتُ بالكتابة على أن يبقى لَفْظَا الجلال اللَّذَين في الآية الجليلة: سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ خارجَ التوافق، فحين كتبتُ لفظ الجلالة الذي في الآية: فَمَا كَانَ اللَّهُ، لم أستطع تحقيقَ التوافق الذي أرغبُ به، فقلت في نفسي: فليكن التوافق في ثلاثة ألفاظ معًا، وفي اثنين آخرين معًا. لكن لاحظتُ أنِّي كلما اقتربتُ من لفظ الجلالة الذي أرغب بتحقيق التوافق فيه، أجدُه يبتعد عن التوافق كثيرًا، فلم أتمكَّن من كتابته على النحو المطلوب.. حتى استقر الأمرُ على ما هو عليه الآن.
أردت أن أغيِّر الصفحة التي أكتبها، فوقع في نفسي أنَّ هذه الصفحة لم تَستَجِب لرغبتي، فقلتُ: لعل في الأمر حكمةً وغاية! ولم أجرؤ على إتلاف الصفحة؛ وبعد أن فرغت من كتابة الصفحة (١٩٨) دقَّقتُ في الأمر، فوجدتُ أن لفظَيِ الجلالة الموجودين في سطر واحد في الصفحة (١٩٧)، والخارجين عن التوافق، موضعُهما فوق لفظَيِ الجلالة الموجودين على سطر واحد في الصفحة (١٩٨) تمامًا، وأنَّ لفظ الجلالة الآخر فوق لفظ الجلالة الموجود في الصفحة (١٩٩) مع انحراف بسيط جدًّا
— 353 —
لا يَعدُو نصف سم، فقلتُ: الحمد لله، هذا من فضل ربي! واعترتني سعادةٌ غامرة إذ يستخدم الحق سبحانه عبدًا عاجزًا كثير الذنوب مثلي في خدمة قدسية كهذه.
إن هذا التوفيق والتيسير والتعظيم، وهذه العناية والفضيلة، ما هي إلا كرامةٌ من كراماتٍ غيرِ محدودة، ولَمْعةٌ مضيئةٌ من معجزاتٍ غيرِ متناهية، لذلك الفرقان المُبين الذي يؤمُّ ثمانيًا وعشرين عالمًا، ويلقِّنهم العلوم والدروس بضياء فياض وعظمة منيرة، وبهديرٍ لا يسكت ولا يمكن إسكاته، بل يتغلَّب على الجميع.
أسأل الله سبحانه أن يتقبَّل هذا العمل، وكم هي سعادة عظمى لعبد مثلي عاجز مذنب، تغشاه الذِّلّة والمسكنة من شتَّى جوانبه!
أستاذي الحبيب، لقد أصبحتُ بفضل همَّتكم العالية وسيلةً لكتابة هذا القرآن الكريم من أجل الأمة المحمدية، وببركة الهِمَم السامية لنبيِّنا (ص) منبع الفيوضات، الذي غدا مظهرًا لخطاب ذي العِزَّةِ القائل: "لولاك لولاك لما خلقت الأفلاك"؛ وبفيض كرامات القرآن العظيم الذي أصبح لي رفيقًا بعون الحق سبحانه ولُطفِه؛ وكذا في سبيل نيلِ رضاهم جميعًا.. وها أنا أُقدِّمُه إليكم على أملِ أن يكون تلميذُكم الفقير طالبًا جادًّا وأخًا حقيقيًّا وولدًا بارًّا بكم، وأحدَ أفرادِ أمة نبيِّنا محمد (ص)، وعبدًا مطيعًا للخلَّاق الكريم سبحانه.
أقبِّل أيديَكم بكمال الاحترام والتبجيل سيدي.
طالبكم الفقير
أحمد خسرو
٭٭٭
— 354 —
(فقرة خليل إبراهيم من ميلاس):
سيدي، لدي رغبة أن أَضُمَّ صوتي الخافتَ إلى الأصوات الصدّاحة الرَّنانة التي في المكتوب السابع والعشرين، ولكن هيهات! فلستُ أملك الأهليةَ للتحدُّث عمّا هو في الحقيقة معدِنُ بحرِ الأسرار، وإنما تقتصر رغبتي وتنحصر لهفتي في دخول تلك الحديقة الغنّاء وشمِّ عبق وُرُودها، وإلا فعجزي وقصوري يَحُولانِ دون التعبير.. صحيح أن كثيرًا من المعاني تجيش في قلبي، لكن أمرًا ما يَحجُبُ لساني عن القيام بترجمة مشاعري، إلّا أنني سأتحدَّث ببضع كلمات فقط:
فقد تبيَّن لي یی بحسب ما لديَّ من الرسائل، وبحسب ما رأيته في الفهرس یی أن أجزاء رسائل النور تمثِّلُ شجرةً نورانية تَمُدُّ أغصانُها النُّورَ في شتى أرجاء الأرض، وستستمرُّ في الانتشار حتى القيامة.
فكما أن القمر والنجوم البادية في وجه السماء، تقومُ بمُهِمّة الدَّلالة والهداية في الليالي الظلماء لمن هم على وجه الأرض، كذلك أجزاء رسائل النُّور تقوم بمثلِ هذه المُهِمّة.
وكما تشتدُّ الحاجة في وقت الظُّلمات إلى النور، كذلك الأمر مع الحاجة إلى رسائل النور.
وكما أن سفينة نوح عليه السلام تعمل كمنقذ بين أمواج بحر الضلال، ومن دخلها كان آمنًا من المعاصي والذنوب، كذلك أجزاء رسائل النور تشكِّلُ ربيعًا لطيفًا في سياق الفصول الأرضية الأربعة، وتهبُ الحياة كما يفعلُ الربيعُ.
وكما يَهَبُ الربيعُ سطحَ الأرض الميتة معالمَ الحياة ومظاهرَها، كذلك أجزاء رسائل النور تهبُ القلوبَ الأرضيةَ الميتةَ حياةً جديدة.
إنها مرشدٌ يحوِّل الإنسان من الباطل إلى الحقّ، ومن الحيوانية إلى الإنسانية، ويرقِّيه من أسفل سافلين إلى أعلى عليِّين.
— 355 —
وأمّا الكلمة الثالثة والثلاثون والمكتوب الرابع والعشرون وغيرهما، فتَبعثُ انشراحًا في الرُّوح، وتفتح نوافذ في القلب، لإبصار حكمة الصانع الحكيم سبحانه.
إن أجزاء رسائل النور تُغِيث الإنسان في وقت الضرورة والشدة، وتمنحُه السُّلوان.. وقد أبصرتُ هذا الأمر تمامًا بعيني.
والحاصل: مهما تحدَّثتُ عن رسائل النور، فستبقى كلماتي قاصرةً أمامها؛ وإذا كان حال فِهرِس الفهارس هكذا، فليتفكَّر أولو الألباب بما هو أعظم!
الباقي هو الباقي
أخوكم خليل إبراهيم (رحمه الله)
٭٭٭
(فقرة خلوصي بك):
تلقَّيتُ اليوم الكلمة التاسعة والعشرين المثيرة للحَيرة والعَجَب، إذ تجذب نظرَ قارئها، وتحملُه على التأمُّل والتدقيق فيما انطَوَت عليه من المعاني الرقيقة، والترتيبات الأنيقة؛ والتوافقات النقية، والإعجازات البهية؛ وما تضمَّنته من براهين مختصرة، وإضاءاتٍ باهرة، فغدت بذلك رسالةً جامعةً لأركان الإيمان، ولمعةً مشتملةً على إعجاز القرآن المكتوب بشكلٍ جميل وخطٍّ بديع من قبل خسرو المبارك؛ كما تلقَّيتُ في المرفقات اللَّمعةَ السادسة عشرة الجامعة لمسائلَ في غاية الأهمِّية، وإجابات بديعة بهية، ومعها المكتوب الذي هو بمثابة درسِ تنبيهٍ لأمثالي من الكسالى.
ولأجل هذا فأنا أعدُّ نفسي اليوم محظوظًا، وعاجزًا عن الشكر لما أولاني الحقُّ من نعمة الوصال بالأنوار التي حُرِمتُ منها زمنًا طويلًا.
اطَّلعتُ على مكتوبات الإخوة حول العبادات الخمسِ، ونظرتُ في أحوالي المُتوجِّهة حصرًا إلى القرآن والإيمان والنور والحقائق، لا إلى شخصيتي السيِّئة، وراجعتُ قناعاتي فيها، فوقع في نفسي بعضُ الأمور، وبتُّ مقتنعًا بها:
— 356 —
یی الجهاد ضدَّ أهل الضلالة: إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ.
یی مساعدة الأستاذ في نشر الحقائق: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى، وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ.
یی خدمة المسلمين في ميدان الإيمان بحسب ما جاء في الآيات: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ . وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا، إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ، وفي الحديث الشريف القائل: «الدِّينُ النَّصِيحةُ، الدِّينُ النَّصِيحةُ، الدِّينُ النَّصيحةُ».
یی تحصيلُ العلم بالقلم: ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ، وبما أنَّ علمَ الحقيقة لا يُدرَّس، فإن هذه الدروس التي وقعت في أيدي أناسٍ محدودين أو طرقَت أسماعَهم، بناءً على حِكم خفية، ستُحقِّقُ فائدتَها المرجوَّة لكاتبها، خصوصًا أولئك الذين يجيدون الكتابة، إذ إنَّ كتابة شيءٍ ما تعني قراءتَه وفهمَه، ومن ثَمَّ نَقْلَه إلى ورقة أخرى، وبذلك تتحقَّق الفائدة المرجوَّة دون شكٍّ.
یی التفكُّر الذي تعدلُ ساعةٌ منه عبادةَ سنة: ولعلَّنا جميعًا ممَّن شهد مثل هذه الساعات أثناء الاستفادة من الأنوار، وإن التفكُّر في الحقائق الواردة في "الكلمات" يعني البحثَ في معاني كنوز القرآن، إذ يُسعِفُك اسمُ "الفتاح" فيفتح أمامك آفاقَ تفكُّرٍ عظيمة تَحارُ فيها العقول ولا تملُّ من التلذذ بها؛ وحينما تتوجَّهُ إلى القرآن بدون واسطة أو دون حجاب، تتجلَّى الحقائقُ كالزُّلال، وتُشاهَد كالشمس برّاقةً في جوٍّ لا يَسُوده سحابٌ، وكالقمر بدرًا لا تكدِّر صفوَه غِشاوةٌ، حيث السماء تتلألأ بزينة النجوم.
وليس لمذنب مثلي أيُّ استعدادٍ أو قابليّة لنيل تلك المكرمة، لكن أدركتُ یی بفضل الله وجميل عنايته ووافر رحمته، وبيقينٍ كيقين أنَّ (٢٭٢) : (٤) یی أنَّ دعاء حضرة الغوث، ودعاء أستاذه نبيِّنا فخر العالمين (ص) وهِمّتَه، تَحُفُّ تلاميذ القرآن؛ وكلُّنا إيمان وثقة بدوام هذه الصحبة والرعاية ما لم نُفسِدهما نحن بسوء اختيارنا.
— 357 —
إن ما دفعني لكتابة هذه السطور هو ما حظيتُ به من فيوضات مؤلَّفات النور وما نلتُه من تشريفاتها، وهي تمنحني یی بإذن الله تعالى یی ثوابَ إحياء ليلة القدر المستترة في العشر الأواخر من شهر رمضان، وتغدو وسيلتي لنيلِ الرضا الصمداني، ومن ثَمَّ نيلِ السعادة الأبدية.
إخواني الأعزَّاء الأجلاء، أصحاب أستاذي في هذا العالم الفاني ورفقاءَه في الآخرة بإذن الله.. هذا خطابٌ قلبيٌّ أكتبه دون اختيارٍ منِّي: إن الطريق الذي أشار إليه حضرة الأستاذ هو نفسُه جادّة القرآن الكبرى، فالواجب يُحتِّم علينا أن نلازمه ولا نفارقَه، وأن نحرصَ على الخدمة دون ملل أو فتور، وألا تدفعنا الدعايات السياسية التي رأسُ مالها الكذبُ والبهتان إلى الاجتراء والخوض في المشيئة الإلٰهيّة، واتِّهام القدر بما اكتسبناه من المساوئ بسوء اختيارنا.
إننا عبادٌ لله، وإن الغاية من خَلقِنا وإيجادنا تتمثَّل في أن نتعرَّف على سيِّدَنا ونصل إلى خالقنا ورازقنا، وأن نبذُل جُهدَنا في اتِّباع أحكام القرآن الذي كُرِّمنا به وأُنزل بواسطة خلاصة الموجودات: نبينا (ص)، وأن نسير بمُقتضَيات سُنَّته (ص).. وإن ذلك النور الذي بين أيدينا هو المربِّي والدليل الهادي الذي يُرافقُنا.. فلنعمل على نشر النور فيما بيننا، والاستماع إلى مربِّينا ومعرِّفنا، ولنستمرَّ في أداء وظيفة عبوديَّتنا، وترك النتائج والمكافآت لخالقنا الرحيم، ولنحرص على عدم حرمانِ بعضنا من أكبر عون لنا، وهو الدعاء.
كانت قد أُهديت للعبد الفقير نسخةٌ عربية من "الزَّهرة"، و"الحَبّة"، و"القَطْرة وذيلها".. وأُشير إلى أنَّها ستُتَرجَمُ يومًا، ممّا يعني أنه حان وقتُها، فأصبحت الرغبات المعنوية لإخوةٍ أمثالي ممَّن لا يجيدون العربية وسيلةً لترجمة "الزَّهرة".
وسأسجِّلُ أحاسيسي حولها بإيجاز شديد:
المُذكِّرة الأولى: تُفيد وجوبَ الارتباط بالمعبود الحقيقي من خلال كلمة التوحيد: "لا إلٰه إلا الله".
— 358 —
المُذكِّرة الثانية: تُبيِّن أن صاحب الكبرياء والعظمة هو الله ذو الجلال والكمال وحده، وذلك من خلال كلمة التكبير الأعظم: "الله أكبر الله أكبر، لا إلٰه إلا الله والله أكبر، الله أكبر ولله الحمد".
المُذكِّرة الثالثة: تُفصِحُ من خلال هذا النصِّ العظيم: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ عن الحقيقة التالية: ما دام كلُّ شيء مصيرُه الهلاك، فيا أيها الإنسان الضعيف، افهم أن لحياتك یی التي لا تُشكِّل ذَرّةً أمام الشمس یی سهمًا من هذا الزوال، فعُدْ إلى رُشدك، وفكِّر في الحكمة من خلقك، واعرِف حدَّك، واصرِفْ حياتك وعمُرَك فيما يحقِّقُ لك السَّعادة الأبدية.
المُذكِّرة الرابعة: توضِّحُ أنَّ سرَّ الآية: ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ سيظهر بعد الموت، وأنه في يوم الجزاء والحساب وفي حضرة مالك يوم الدين سيُحشَرُ الإنسان الذي هو أشرفُ المخلوقات وأكرمُ الموجودات لِيَمثُلَ أمامه سبحانه؛ وذلك مُؤيَّد بآيات كثيرة نحو: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ، قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ.
المُذكِّرة الخامسة: تبيِّن بالحقائق القرآنية فسادَ الحضارة الأوروبية الظاهرية؛ وتُدرِّسُ الآية القرآنية: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ على صورة محاورة.
المُذكِّرة السادسة: تُؤكِّد من خلال بعض الآيات أمثال: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ. كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً غلبةَ حزب الله المُتقلِّدين تاجَ الإيمان، وتوضِّح قيمة المشركين المخلوقين على صورة الإنسان ظاهرًا یی في نظر القرآن یی وكذا قيمةَ بعضٍ منهم ممَّن ينكرون كل شيء.
المُذكِّرة السابعة: تُذكِّر بمعاني الآيات وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا. إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ. وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى.
— 359 —
المُذكِّرة الثامنة: تفسير جليل للآيات الأربعة المذكورة في نهايتها.
المُذكِّرة التاسعة: عبارة عن بذرة الكلمة التاسعة التي بين أيدينا.
المُذكِّرة العاشرة: تُشِيرُ إشارةً خفيةً إلى "الكلمة العاشرة" التي ستَفتَح طريقًا إلى المعرفة الإلٰهيّة، وستأخذ لقبَ رسائل النور في زمن تكثرُ فيه البِدع، وأنها بخطابها القائل: "يا أهل الإيمان، استيقظوا، ثمّةَ بعثٌ بعد الموت، وهنالك يومٌ للحساب والجزاء"، ستنال الصَّدارةَ في ميدان الانتشار.
المُذكِّرة الحادية عشرة: تومئُ إلى الرسائل التي تتحدَّثُ عن القرآن، أمثال: الكلمة الحادية عشرة، والثانية عشرة، والثالثة عشرة، والرابعة عشرة، وتشيرُ بشكل خاصٍّ إلى قدومِ الكلمة الخامسة والعشرين التي تحتلُّ مكانةً مرموقة بين هذه الرسائل.
المُذكِّرة الثانية عشرة: تعطي درسًا في العجز والفقر والشفقة والتفكُّر، يمكنه أن يكون مفتاحًا لجميع المسلمين يجنون من خلاله ثمار السير والسُلوك في الطرق المختلفة.
المُذكِّرة الثالثة عشرة: تَعرِضُ الكلمةَ السادسة والعشرين، وآية: إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللهِ، وخبر: "من عرف نفسَه فقد عرف ربَّه"، والكلمة الأولى، والدرجة المعقولة في المحبة المجازية، ثم تؤكِّد بعدها على لزوم الانتقال من التقليد إلى التحقيق.
المُذكِّرة الرابعة عشرة: تخصُّ مكتوبَ التوحيد العشرين الذي يُعَدُّ مؤلَّفًا منوَّرًا وفي غاية الأهمِّية.
المُذكِّرة الخامسة عشرة: تكشف بوضوح یی من خلال مسائلها الثلاث یی مدى دقّة الأوامر والنواهي الواردة في القرآن، ومدى ارتكاز دساتير الشريعة الأحمدية إلى أُسُسٍ معقولة ومنطقية.
لا يمكن لطالبكم المذنب العاجز هذا أن يعبِّر عمّا تلقّاه من الفيوضات بغير تكرارِه لِما ورد في المتن، وأكتفي بذلك تجنُّبا للإطالة.
خلوصي
٭٭٭
— 360 —
(فقرة الدكتور عبد الباقي بك الذي كتب المعجزات الأحمدية وقام بتذهيبها):
سيدي الحبيب وأستاذي الشفوق..
فرغتُ قبل يومين من كتابة "المكتوب التاسعَ عشَر" من أجزاء رسائل النور، وهو بحثٌ قيِّم للغاية، وحريٌّ بشتَّى أشكال المدح والثناء وأبلغ الاستحسان؛ وقد أضحى قلمي الذي كتبتُه به شاهدَ صدقٍ على مدى العناية التي لقيها هذا المكتوب أثناء انتشاره.
وكم كنتُ أرغب أن أكتب لأستاذي عن مشاعري القلبية حول هذا المكتوب، لكن قلمي وقلبي لا يملكان التعبير عمّا بداخلي، نعم، لا يمكنُ التعبير عمّا أحدثه هذا المكتوب من التغييرات في كياني، فلقد نفذ إلى أعماق قلبي ليَبعَث فِيَّ الضِّياء والنور، ويزيلَ الغِشاوة عن روحي حول عصر السعادة، حتى باتت دعوتي الوحيدةُ هي أن أَختِم حياتي واحدًا من طلّابِ أستاذي الحبيب، ومن أتباعِ النبيِّ (ص) الذي مزَّق الظلمات وأنار العصور وأنقذ البشرية من الهلاك، ودعا الناسَ إلى السعادة، وعرَّف نفسه بالمعجزات الأبدية التي بين يديه وعلى لسانه، مقدِّمًا ذلك لا للبشريّة فحسبُ، بل لجميع الموجودات، بل حتى للدنيا والآخرة.
أقبِّل أيديكم وأقدامكم سيِّدي.
عبد الباقي
٭٭٭
(جواب على سؤال أحد الإخوة عن ثلاثة أوهام لا أصل لها، أثارها أهلُ الدنيا بحقِّ أستاذنا):
بقي أستاذُنا وحيدًا في "بارلا"، ولم يكن معه كتبٌ يطالعها، فانقطع رجاؤه من الدنيا، وبات حديثُه مع نفسه حديثًا إيمانيًّا وأُخرويًّا فقط، لذا كان يُكثرُ في كتاباته أن يقول: "يا نفسي.. يا نفسي".
— 361 —
ولمّا تخلَّص من هذه الحالة ونجا من ذلك البلاء، وقدم إلى هذه البلدة، لم يكتب خلال ستة أشهر ما كان يكتبه هناك في ستة أيام؛ بل ما كان يقوم بالنشر أصلًا.
لكن ثمّة بعضُ المسائل التي قيَّدها لنفسه على شكل ملاحظات، فكان بعضُ خواصِّ الأصحاب يطلبُون مطالعتَها لأجل ما يعترضُهم من شبهاتٍ حول الإيمان، فكانوا يحصلون عليها بصعوبة.
وقد قام أحد المُدراء بتقديم أحدِ مؤلَّفاتِ الأستاذ المُهِمّة على هيئة شكوى، إلى والٍ لديه تحفُّظاتٌ وتعسُّفٌ بحقِّ الأستاذ؛ وبعد تدقيق الوالي لهذا المؤلَّف أدرك الحقيقة فقال: "ليس في هذا المؤلف ولا في نشره ما يمسُّ بالسياسة!"، وقام بتوبيخ ذلك المدير.
ويحرص أستاذُنا دومًا على القول لأصحابه: "إن هذا الزمان ليس زمانَ الطريقة، بل زمان إنقاذ الإيمان"، بدليل أنه منذ تسع سنوات لم يُعطِ أحدًا دروسًا في الطريقة، غيرَ أن أوراده التي يتلوها بعد الصلاة مطوَّلة بعض الشيء باعتبارِ مذهبه الشافعي، وهي عبارة عن قراءة «لا إلٰه إلا الله» عشرَ مرات أو ثلاثًا وثلاثين مرة عقبَ التسبيحات، وهي عند الشافعية من السُّنن، وكذا قراءة الصلوات ثلاث مرات.
وأثناء عبادته الخاصّة لا يسمح لأحد بالدخول عليه، حتى أخصِّ القائمين على خدمته، ويقول: "لست شيخًا، إنَّما أنا أستاذ فقط؛ وذنوبي كثيرة بسبب ما كنتُ أخوض فيه قديمًا من الأمور الدنيوية، وإنني أستغفر من هذه الذنوب".
وسبق أن تساءل أهلُ الدنيا ورجالُ الحكومة: "بماذا يعيش أستاذكم"؟ ومرادُهم بسؤالهم هذا: هل يعيش على صدقات الآخرين وهداياهم؟
الجواب: نحن نقوم على خدمته بشكل دائم، ونعلم أنه لا يرتضي الهدايا ولا يقبل الصدقاتِ من أحدٍ أبدًا، لكن إن اضطُرَّ لقبولها فإنَّه لا يتركُها دون مقابل؛ وتمكَّن أيام إقامته في "بارلا" من تطبيق قاعدته في الامتناع عن قبول الأُعطيات لقِلّة عدد سُكّانها،
— 362 —
إلّا أنَّه حينما قدم إلى هذه البلدة لم يكن رفضُه المتكرِّر يُجدي نفعًا، وقد اضطرَّ في بعض الأوقات لتناول شيء من الطعام الذي أحضره له بعض الإخوة جبْرًا لخواطرهم، إلا أنَّ شهيته للطَّعام انقطعت بعدها فجأةً رغم أنه ما كان مريضًا! الأمرُ الذي رَجَّح لدينا أنه تنبيهٌ وعتابٌ معنويٌّ كيلا يأكل الصدقات ويقبل الهدايا من أيٍّ كان.
أجل؛ فكما سبق أن كفَتْه وأربعةً من قططه ثلاثةُ أرغفةِ خبز وأوقيةُ أَرُزّ طوال شهر رمضان، وذلك قبل عامين، كذلك كفَتْه قبل عام ثلاثة أرغفة من الخبز الفرنسيِّ الطويل الشكل على مدار رمضان! وقد عاينَّا هذا بأَنفُسِنا خلال أيام الشهر الثلاثين، إذ لم يأكل سوى نصف أوقية من اللبن، وأقل من نصف أوقية من الأَرُزّ، ورغيفَ خبز فرنسيٍّ قيمتُه أربعة قروش، إضافةً إلى بضعة أقداح من الشاي، وملعقة صغيرة من العسل قبل الإفطار.
(حاشية): ولا يرتضي أستاذُنا بقاءَ أحد عنده سوى من يقوم على خدمته بشكل خاصّ، بل لا يقبل أن يجتمع عنده اثنانِ أو ثلاثة منا یی نحن الذين نقوم على خدمته بشكل دائم یی وهو على نظامه هذا حتى اليوم، ولم يوافق على إقامة أحد سوى القائمين على خدمته ولو مرةً واحدة خلال خمسة أو عشرة أيام، بل يَرجِعه فورًا.. ومن يستحضر سابقَ عهده ويتوهم أنه ما زال على علاقة بالسياسة وأحداث العالَم حتى اليوم، فسيجد في نظام حياته ما يردُّ أوهامه التي لا أصل لها:
لقد كان قبل ثلاثة عشر عامًا يقرأ في اليوم الواحد قرابةَ تسعِ صُحف، أمّا اليوم فلم يقرأ على مدار تسعة أعوام جريدة واحدة ولم يَطلب من أحدٍ أن يقرَأها له، ولا حتى طلبها أو رغب بها، ونحن نشهد بذلك.
الذي يحضر عنده بالتناوب الذي يحضر عنده بالتناوب الذي يحضر عنده بالتناوب
سليمان رُشدي خسرو رأفت
صاحبه القائم على خدمته صاحبه
منذ ثمانية أعوام في "بارلا" بشكل دائم الذي قام على خدمته ثمانية أعوام
بكر مصطفى چاويش سليمان من بارلا
وقد حصل مرّةً أن اشترى رشدي أفندي یی أحدُ المُداوِمين على خدمته یی ثلاثة أفراخٍ مقليّة من السَّمك الفاخر الذي يبلغ ثمنُ ثلاثة أواقٍ منه خمسةَ قروش، وألحَّ
— 363 —
على الأستاذ أن يأكل منه، فتناول أستاذُنا شيئًا منه كيلا يكسر خاطرَ رشدي أفندي، إضافةً لكونِه يحبُّ أكلَ السمك، وعلى إثر تناوُله السمك بدأ يعاني مغصًا في أمعائه امتدَّ لخمسِ ساعات، وبعد مرور ثلاثِ ساعاتٍ قال لرشدي أفندي: "خُذ ثمنَ السَّمك من مالي الموجود عند خسرو، لأن الألم لا يتوقَّف"، فلم يرضَ رشدي أفندي أخذ المال، واستمرَّ الألم ساعتين إضافيَّتين، فخاطبه قائلًا: "أرجوك أن تأخذ ثمنه، وتُنقِذَني من هذا الاضطراب والألم"، وفي اللحظة التي قبض فيها رشدي أفندي ثمن السمك انقطع الألم فجأة! لقد شاهدنا هذه الواقعة العجيبةَ بأُمِّ أعيننا.
وهذا الكلام موجَّهٌ لمن يثير هذا التساؤلَ عن أستاذنا: "بماذا يعيش؟" لعلَّهم يصحِّحون أخطاءَهم.
بكر، رأفت، خسرو، رُشدي
٭٭٭
(رسالة خلوصي بك):
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته من الأزل إلى الأبد بلا انقطاع
أيها الأستاذ السَّعيد..
رغم أنني أضعف الأفراد الذين يشكِّلون الشخصية المعنوية لتلاميذ رسائل النور وأعجزُهم وأقلُّهم نفعًا، إلا أنِّي اعتمادًا على كرم الربِّ الرحيم وعنايته، واستنادًا إلى القوة التي يمنحها هذا الانتساب، واتكاءً على بركات أدعية أفرادها المعنويِّين وحماياتهم القدسية، طالعتُ المُؤلَّفات النُّورانيّة الذي تلقَّيتُها مؤخَّرًا، وعزمتُ على التعبير عن مدى سرورِنا بانتشارها في محيطنا، لتكون ترجمانًا لمشاعرنا المعنوية المستدامة، وإظهارًا لأحاسيسنا بلسان العجز، وإيفاءً لديون الشُّكر والدعاء لإخواننا
— 364 —
الناقلين والناشرين النَّشِطين في هيكل الشخصية المعنوية لتلاميذ رسائل النور، والذين هم أجلُّ معاوني أستاذنا الموقَّر الشَّفوق العزيز؛ فلذلك أشرعُ بكتابة هذه الرسالة:
سأتحدَّث أوَّلًا عن الكرامة العلوية والغيبية: وجدتُ عند فتحي بك القصيدة المباركة المُسمّاة: "الأرجوزة"، والمدرجة في "مجموعة الأحزاب"، وقرأتُ الكثير من فِقراتها ولم أتمكَّن من تأمُّل معانيها بدقّة؛ إلا أنني وجدتُ دعاءَ "السَّكينة" متضمِّنًا لِاسم الله الأعظم في ستة أسماء هي: "الفرد، الحيّ، القيوم، الحكم، العدل، القدوس جل جلاله"، وإنني أُحِيلُ إليكم أمر السماح بجعل هذه الأسماء وِردًا، وكيفية المواظبة عليه.
وافق انتشارُ هذا المؤلف المبارك في تلك الأماكن الوقتَ ذاتَه الذي تحدَّث فيه جدِّي المرحوم عن حادثة الكرامة المنسوبة لسيِّدنا عليٍّ رضي الله عنه، من باب تصديق الدُّستور القائل: "كرامات الأولياء حقٌّ"؛ وهذا الأمر مُوجِبٌ للحيرة حقيقةً، ودليل صغير على أن أفعالنا لا علاقة لها بالتصادُف، وإشارةٌ إلى أنَّه لن تخلو رسائل النور من مثل هذه الحوادث المُعجِزة، لأنها نابعةٌ من المعجزة الأحمدية الكبرى: القرآنِ العظيم الشأن.. فالحمد لله، هذا من فضل ربي.
وأمّا عن إدراج اسم طالبكم العاجز في نهاية هذا السِّفر النَّفيس باسم تلاميذ النُّور، فقد قابلتُ هذا الأمرَ بالشكر وبالحمد إشارة إلى أنني لن أتردَّد لحظة واحدة في تصديق لَمَعات رسائل النور التي ألِّفت أو التي ستُؤلَّف في المستقبل.
كذلك ظهَرَت جملةٌ متنوِّعةٌ من الكرامات والإعجازات الغيبية من مُبتدَأ انتشار رسائل النور حتى يومنا هذا، مثَلُها مثَلُ تكرار الآية الجليلة: فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ في سورة الرحمٰن، وغيرها من الحوادث التي تشجِّع تلاميذَ رسائل النور وتستنهض هِمَمَهم، وتصبح وسيلة لزيادة إيمانِهم، وتُزوِّدُهم بأسلحتِها المعنوية.
لقد ورَدَت الإشارةُ إلى أنَّ فعاليةً قرآنية ستحصل في فتنة آخر الزمان، وذلك في القرآن الكريم، والأحاديثِ النبويّة، وعلى لسانِ سيِّدنا عليٍّ وأحدِ أحفادِه (الغوث
— 365 —
الأعظم)، باسم الصحابة وآل البيت الكرام، وذلك في قصيدتهم المباركة؛ وجاء هذا الإخبار على طريقة الرمز والدَّلالة والإشارة، وربما وقع التصريحُ به.. وقد قام ناشرُ رسائل النور بالإبانة عن هذه الإخبارات القرآنية في جميع مؤلَّفاته، وكرَّر التصريحَ بها في دروسه؛ فهل بعد هذا البيان محلٌّ للتردُّد والشُّبهة؟! كلَّا أبدًا.. فلِلَّه مئاتُ الآلاف من الحمد والشُّكر على عميم إحسانه.
وبهذه المُناسبة وتحدُّثًا بالنعمة، سأتكلَّمُ لإخواني من تلاميذ رسائل النور بإيجازٍ عن مظاهر الحفظِ والعناية الغيبية التي صرتُ مَظهَرًا لها رغم عجزي وذنوبي، الأمر الذي يُعدُّ شرفًا للخدمة السّامية التي نُؤدِّيها، وإكرامًا للإخلاص المُتمثِّل في الوحدة المعنوية:
یی إقبال الناس عليَّ وتحلُّقهم حولي صغارًا وكبارًا، مع جهلهم بذنوبي التي لا يعلمها إلا الله.
یی أتحدَّث بالدروس التي تعلَّمتُها والحقائق التي تعرَّفتُها دونما تردُّد كلما اقتضت الحاجة، وكلما سنحت الفرصة، وكلما سُئلت سؤالًا؛ ولا يُبدي أحدٌ من رفقائي في المهنة والوظيفة أيَّ اعتراض، بل يُبادرون ببذل معاني المحبة والودّ.
یی لستُ أجدُ من كبار أصحاب الرتب العسكرية الرفيعة إلا كلَّ التقدير في السرِّ والعلَنِ، رغم أنهم يعلمون ويلاحظون أنني لا أُقدِّم تنازلاتٍ في الأحكام الدينية قدرَ الإمكان، ورغم أنَّ بعض أحوالهم وتصرفاتهم لا تعجبُني.
یی تصلُ إليَّ اللَّمَعات النّابعة من فيض رسائل النور یی بإذن الله یی دون أيّة مصاعب، رغم أنني أسكنُ في منطقة "العزيز" بعيدًا جدًّا بحسب المقاييسِ المادية.
یی استماع أساتذتي القدامى لرسائل النور عبر لسان هذا العاجز واطِّلاعُهم عليها عن طريقي.
یی أعملُ بحمد الله على نشر مؤلَّفات النور التي تصلُني هاهنا، مراعيًا في ذلك قيود الخصوصية، ولم يظهر جرّاءَ ذلك أيّةُ موانع أو شرور، فلِلَّه الحمد والشُّكرُ بمئات الآلاف.
— 366 —
وما هذه الأمور إلا دلائلُ حمايةٍ ورعاية معنوية ظاهرة، ونتيجةُ محافظة جلية وقطعية باهرة، ومظاهرُ تجلٍّ للإخلاص، وثمرة التساند الكامن بين تلاميذ رسائل النور.
وتعبيرًا عن الحقيقة من غير تواضعٍ متكلَّف، فإنني أُوردُ هنا ما ذكرتُه لأخينا صبري أفندي في رسالة صغيرة: إن مكانة أخيكم المسكين في الجسد المعنوي لتلاميذ رسائل النور لا يعدو حجمَ أصبعِ قدمٍ صغيرة، إلا أن خالقنا قد أَوجَد في هذا العبدِ المُذنب أهليةً لإنعامه الدائم وإحسانه الأبدي، فجعَلَه طالبًا لناشر رسائل النور وصاحبًا لتلاميذها ورفيقًا لخدَّام القرآن؛ وإن حكمةً صمدانية عالية تكمنُ وراء هذا الإكرام المخصوص بعبدٍ مذنبٍ مثلي، لا يجيد العربية والفارسية، ولم يختلف إلى المدارس؛ ولا جرمَ أنها مكرمةٌ مُخصَّصةٌ لِأجل الصفاءِ والإخلاص الذي يجمع بين من لهم صِلة برسائل النور، وإشارة إلى مرتبة رسائل النور عند الله وسموِّ هذه الخدمة وشرفِها.
فإن كان أقلُّ أفراد النوريِّين نفعًا قد حظي بكلِّ هذا القدر الظّاهر من العناية والحِفظِ الإلٰهيّ كما تقدَّم، فلَكُم أن تقيسُوا بأنفسكم مدى الإكرام والعناية الإلٰهيّة التي ستلحق بباقي الأفراد المنوَّرين.
وإنَّ الأسرار الكامِنة في الآيات: فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ، وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ، ستُرافقُ جلَواتُها بإذن الله ناشرِي رسائل النور وتلاميذَها وفي مقدِّمتهم أستاذنا الشَّفوق، بما يرتكزون إليه من العناية الربانية، والإمداد الرُّوحيِّ لسيِّدنا محمَّد المُصطفى (ص)، وبما يبذلونه من خدمة في سبيلِ الله تعالى وحدَه، وبحقِّ الأُخوّة المعنويّة والأُخرويّة التي تجمعُهم.
إن الرسالة التي تتحدَّث عن الاقتصاد تحوي نصائحَ إنسانية واجتماعية عالية، وتوجيهاتٍ دينيةً ودنيوية وأخلاقية قيِّمة، وإرشاداتٍ إيمانيةً ونورانية بليغة.
وما أصدقَ الكلماتِ التي صرَّح بها بعضُ إخواني هنا حول مؤلَّفات النور، حين قالوا بصورة عفويّةٍ: "عند قراءة إحدى هذه الرسائل نقولُ في أنفُسِنا: لا مُؤلَّفَ أسمى من هذه الرسالة! فإذا استمعنا للثانية وجدناها أكثرَ سموًّا ورِفعةً من سابقتها".
— 367 —
وأنا أقول: يا إخواني.. إن في سائر أجزاء رسائل النور قوّةً عظيمة، فكلُّ من استمع لرسالة منها فقط، أو حظي بقراءتها أو كتابتها، فسيجد فيها بتوفيق الله تعالى من الحقائق ما يُنقِذ إيمانَه.. وإنَّ لكلِّ جزءٍ من أجزائها صلةً معنوية بالأجزاء الأخرى، فهي تُسِرُّ القولَ لكلِّ من يقرؤها أو يستمع إليها: إن في الكتاب الذي تقرؤُه دلائلَ وإشاراتٍ إلينا، وعبقَ الحقائق التي لدينا؛ فإن أنت أنعمتَ النظر فسوف تراها، وإن بذلتَ جهدك فسوف تفهمُها، وإن دفعتَ جُزأَك الاختياريَّ في هذا السبيل وحالَفَك التوفيق، فستجدُها وتعرفُها.
اللمعتان العشرون والحادية والعشرون المؤلَّفتان حول الإخلاص:
اللمعة العشرون: تشرح أسبابَ الخلاف والتنافُسِ بين المؤمنين من أتباع المسالك المختلفة شرحًا رائعًا مفصَّلًا لدرجة أننا لو أردنا وصفَه فلا سبيل لدينا سوى كتابته كما هو! جعَلَنا اللهُ جميعًا من عباده المخلصين.. آمين.
اللمعة الحادية والعشرون التي وجَّهتُم بوجوب قراءتها مرةً على الأقل كلَّ خمسة عشر يومًا، هي ذات أهمية كبيرة أيضًا، لدرجة وجوب جعلِها وردًا دائمًا.. فمن المعلوم أن القلعة تُفتَح من داخلها، فإن زال الإخلاص الذي يحقِّق النجاح والتوفيق في أيامنا هذه، فسيتولَّد حينَها یی عياذًا بالله یی نتائجُ وخيمة.
إنَّ أكبر عدوٍّ لنا هو أنفُسُنا، وأجد هذا التنبيهَ كافيًا لإسكاتها: أيتها النفس، لا يُمكنكِ خداعي، فما دام الرسول المعظَّم ونبيُّ الله يوسفُ المكرَّم عليه السلام قد نطق قائلًا: وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي، فلن يُمكنكِ خِداعُ أحد؛ وأَلتجِئُ إلى كنف الحقِّ سبحانه مستعيذًا به منكِ ومن شرور أقرانِكِ من شياطين الإنس والجن، ومن شرور أهل البدعة وعلماء السوء.
اللمعة الثانية والعشرون المؤلَّفة على لسان سعيد القديم تشكِّلُ دفاعًا مُكمَّلًا في وجه هَجَمات فِرَق الظَّلَمةِ، وردٌّ مناسب وجوابٌ في غاية السُّموّ، فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ.
— 368 —
اللمعة الخامسة والعشرون من المكتوب الحادي والثلاثين: دواءٌ جامع ناجع لجميع الأمراض المادِّية والمعنويّة.. وقد أثار فضولي تكرارُ الدواء السادس مرتَينِ، وتعجَّبتُ من ذلك، فخطر في بالي فجأةً جمعُ أعداد الأدوية حتى الدواء الخامس والعشرين، فإذا مجموعُها (٣٢٥)، وعند ضمِّ الدواء (٦) المُكرَّر بلغ المجموعُ (٣٣١)، وإذا أخذنا بعين الاعتبار أنَّ العدد (ألف) يُحذَف في أغلب الأحيان لفظًا أو كتابةً، فيكون الرقمان (١٣٢٥) و(١٣٣١)، وبذلك توصَّلتُ إلى أن في هذه اللمعة إشاراتٍ خفيةً إلى المصائب التي حلَّت بالعالَمِ الإسلامي.. وآمُل أن يستخرجَ أصحابي من ذوي البصيرة والنور حقائقَ خفيّةً أخرى.
ذهبنا بصحبة الحافظ عمر أفندي في زيارةٍ لطالبكم القديم الحافظ حسين أفندي لتقديم العزاء، وذلك بعد وفاة والده ببضعة أيام، ووافق ذلك يومَ عرفة، فقرأنا له هذه اللمعة، فما كان منه إلا أن دعا كثيرًا للأستاذ العزيز الذي وجد فيه الطبيبَ الماهرَ الذي وصف له العلاجَ الشافِيَ لأمراضه المادِّية والمعنويّة.. وإنَّ مُلخَّص الأثرِ الذي تركه هذا المؤلَّف المبارك في نفسه يتجلَّى في جوابه لكلِّ من يسأل عن مرضه من أحبابه وأصحابه: "لقد وجدتُ دواءً رائعًا.. لقد تخلَّصتُ من دفع ثمن الأدوية للأطباء.. وبدأتُ أتماثلُ للشِّفاء يومًا بعد يوم".
١٧ ذي الحجة ١٣٥٣
طالبكم العاجز وأخوكم في الآخرة
خلوصي
٭٭٭
— 369 —
(فقرة الحاج عثمان من "قُولَه أونو"، أحدِ تلاميذ رسائل النور):
أستاذي المحترم..
منذ بضع سنين وأنا أستمع للرسائل، فكانت تقوم بمُهِمّة العلاجِ لأَحدِ جراحي المعنوية التي تبلُغُ ألفَ مُصاب؛ إلا أنني حين قرأتُ واستمعتُ بغاية اللهفة إلى اللمعة الخامسة والعشرين "رسالة المرضى" واللمعة السادسة والعشرين "رسالة الشيوخ" مع مصطفى وبقيّة أصحابي، وجدتُ لهما تأثيرًا قويًّا في التخفيف من الجراح التي تُثقِلُ كياني! فقلتُ لأصحابي بأَسًى: "ما دام تأثير رسائل النور بهذا القَدر من القوّة، فقد قرَّرتُ الاشتغالَ بكتابتها أيضًا؛ لكن المشكلة أنِّي لا أُجيد القراءة والكتابة، لذا ألتمسُ منكم أن تعيِّنوني خادمًا أو مراسلًا، كي أَمُدَّ يدَ العون لهذه الرسائل النوريّة النَّفيسة".
في تلك الليلة رأيتُ في المنام أنني قد متُّ وغُسِّلتُ وأُدخلتُ القبر، ثم حان ميقاتُ الحشر، وبُعِثتُ من قبري بكفني حاسرَ الرأسِ حافيَ القدمين؛ وبينما كنتُ عائدًا إلى بلدتي خائفًا مررتُ بقرية كبيرة، وإذا فيها حارسان يقفان على حافتي الجسر، فأمّا الأول فاستطعتُ تجاوزَه، وأمّا الآخر فلم أستطع تخطِّيَه، فأمسك بي وجعل يسوقني وأنا أرتعدُ من شدّةِ الخوف لا أدري أين يأخذني! سِرْنا لبرهة، وقبل أن ينتهيَ الجسر قام بتسليمي لأستاذي، فغسَّلني الأستاذُ وتركني.
بعد ذلك اجتمع جميع الأهالي في الجامع على هيئة جنود، فأتى أحدُهم نحوي وقال لي: "لقد عُيِّنتَ خادمًا عند قائد عظيم، اذهب في هذا الاتِّجاه"، فقلت له معترضًا: "كيف لجنديٍّ بسيط مثلي أن يخدم عند ضابط مُشيرٍ رفيع الرتبة؟!"؛ فقال مكرِّرًا: "سوف تذهب!"، فمشيتُ خائفًا، لكن عندما شاهدتُ أستاذي هناك شعرتُ بسرورٍ بالغ، فقال لي: "اتبعني"، فصعد قصرًا مرتفعًا، وقال لي: "أدِّ هذه الخدمات البسيطة"، وبينما كنتُ أتأمَّل وأتفكَّر حضر سليمان أفندي من "بارلا"، وبعد اجتماعنا دخل أستاذي بستانَ ورود جميلًا، فإذا شابٌّ صغير جالسٌ فيه، فقال لي: "إنك ستخدم هذا الشاب"، واستيقظتُ من نومي على إثرها.
— 370 —
يا إخواني.. ما دام أستاذنا يعلن منذ ثماني أو تسعِ سنين قائلًا: "إنني لا أملك شيئًا، إنني دلال القران فحسبُ، وللجميع حاجاتٌ من مخزن الجواهر الذي عُيِّنتُ فيه"، إذًا لدى الجميع حاجةٌ لقراءة رسائل النور وكتابتها والاستماع إليها، لذا يا أيُّها المسلمون.. إن أردتُم علاجَ جراحكم المعنوية، فها هي رسائل النور، احرصوا على قراءتها وكتابتها، فإنها ترتقي بإيمانكم، وتُزيلُ أيَّ شبهة لديكم.
أقبِّل يديكم المباركتين وأبارك عيدكم.
الحب في الله
طالبكم العاجز الجاهل
الحاج عثمان
٭٭٭
(فقرة إحدى طالبات رسائل النور وأخوات الآخرة: مُزيَّنة):
أستاذي المحترم..
إن عينيَّ الغارقتين في آلام هذه الدنيا الفانية قد ارتبطتا من أعماق الرُّوح والقلب بكلماتكم النورانية ورسائلكم المؤثرة الشافية، وأَقبَلنا على قراءتها ومطالعتها؛ وإنِّي كلما قرأتُها أُدرِكُ كم هي مُرشِدٌ عظيم أعجِزُ عن وصفِ عظمته.
أجل؛ إنَّها تُمزِّق حُجُبَ الظلمات والغفلة التي أَرْخَت سدولَها وخيَّمت على الدنيا في هذا الزمان، وتُبدِّد هذه الغفلة وتشتِّتُ تلك الظُّلُمات.. فأيُّ عقل يا تُرى يستطيعُ أن يغمض عينيه ويرتميَ في أحضان الظلمات ويخضع لحُجُبها بعد أن شاهد أنوار الحقيقة تَسطَعُ من بين تلك الحُجُب؟! لا، لن ألقي بنفسي في أسرِ الظلمات، فلقد أصبحتُ محظوظةً بشِقِّ الأنفُس، فلن أكون سيِّئةَ الحظِّ مرةً أخرى بإذن الله.
أستاذي، إنني أُحرَمُ من تلقِّي الدرس منكم مباشرةً على غرار سائرِ إخواني، إلا أنني أستمعُ في كل أسبوع أو في كل شهر إلى كلماتكم الرفيعة، فأشعر كأنني أتلقَّى
— 371 —
الدرس منكم شخصيًّا، وأتضرَّع إلى الحق سبحانه طوالَ اليوم أن يكتب النجاةَ والسلامة للمسلمين، وأن يُبدِّل أحوالنا وأحوالكم، ويُحوِّل ظلامَنا نُورًا.. وأعترفُ بعجزي وقصورِ لساني عن متابعة الحديث والإسهاب في الكلام.
وبإذن الله يأتي اليومُ الذي نتخلَّص فيه بتأثير رسائلكم وبإرشاد كلماتكم من الأحوال التي سقطنا فيها بغير قصدٍ منّا ولا اختيار، تمامًا كما فعل الأخُ من أهل التقوى والاستقامة: "لطفي أفندي".
تسلَّمنا من أخينا ذكائي "الكلمة السابعة عشرة" و"المكتوب الثامن عشر" و"المكتوب العشرين" ورسالة "النوافذ" القيِّمة السّاطعة بالأنوار الثَّلاثِ والثَّلاثين، ونطالعها الآن وبين أيدينا أستاذُنا الحقيقيّ: "القرآن العظيم".
مُزيَّنة
٭٭٭
(فقرة أخرى لمُزيَّنة):
أستاذي.. من قرأ رسائلَكم النفيسة فسيفتح مغاليقَ القلوب الخافتة المأسورة بمفاتيحها الفِضِّيّة والمَطليّة بماء الذهب، وسيُنقِذُ قلبَه وينوِّرُه؛ ولذا لا يجد المرءُ بُدًّا من حَمدِ المولى عز وجل وشُكرِ العاملين في خدمة نشرِ هذه الرسائل.
آهٍ من أحوال الدنيا الفانية، ومن آلامها وهمومها التي تحجُبُني عن خدمة الأنوار! وكم يؤلمني جدًّا ويحزُّ في نفسي عدمُ قيامي بحقِّ خِدمتِها مثلَما يفعلُ إخواني.. سمعتُ هذه الأيام الخبر التالي: "صدر العفوُ عن الأستاذ، وسيتوجَّهُ نحوَ إسطنبول"، فسُررتُ بهذا الخبر یی من جهة یی إذ تخلَّص أستاذي من الأسر، وحزنتُ بشدّة یی من جهة أخرى یی لرحيلكم، فكأنَّ كلَّ جبال "أتابك" قد هَوَت على رأسي.
أشكر الله تعالى على صدور العفو وخلاصِكم من أذى الأشرار، وأُهنِّئُكم على ذلك؛ لكن يَعُزُّ علينا أن يبتعد عنّا صاحبُ هذه الرسائل النيِّرة القيِّمة، وكيف يصحُّ
— 372 —
ذلك وهو الذي أضاء قلوبنا بالأنوار وأنار بها أرجاء جبال "بارلا"؟! فلهذا لا تحتملُ القلوبُ فراقَه..
لقد حظِيَت "بارلا" بالحظِّ الأوفر إذ حازت قصبَ السَّبق في الاستماع إلى الرسائل اللطيفة طازجةً، وفي كل وقت، ومن فمِ الأستاذ مباشرةً.
مُزيَّنة
٭٭٭
باسمه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أخويَّ الهُمامَينِ الذَّكيَّينِ الجادَّينِ الوفيَّينِ الحقيقيَّينِ: الأستاذ صبري أفندي، والحافظ علي..
غفوتُ صباح هذا اليوم (الجمعة) قليلًا بسبب سوء حالتي الصحية، فرأيتُ خيالًا ما يُشبِهُ الرُّؤيا وليس برؤيا: أنَّ صبري ظهر أمامي وخلفَه الحافظ علي، وهو يقول لي: "أستاذي، بما أن العنايات الكبيرة جاءت موضَّحة تحت مسمَّى: "العنايات السبعة"، فما السبب والحكمة وراء مَنحِكم العنايةَ الجزئية الورادة في "الكلمة العاشرة" تلك الأهمِّية الكبيرة؟"، قال لي هذا وانصرف.. استيقظتُ بعدها وتفكَّرتُ في الأمر، فقلتُ: "لقد قرأ صبري الرسالةَ التي كتبتُها لإسبارطة أو هو يقرؤُها الآن، وقد أشفق عليَّ من جرّاء كتابتي المُتَّقِدة، فرغب بالسُّوال عن سببها"، وبكلِّ حالٍ فإنِّي أقول لصبري یی وهو مخاطَبي الثاني بعد خلوصي یی وليُصغِ الحافظ عليٌّ أيضًا لهذا الكلام:
إن وراء تخصيص أهمِّية كبيرة للعناية الجزئية المذكورة في الكلمة العاشرة ثلاثَ حِكَم:
— 373 —
الأولى: إن "الكلمة العاشرة" لم تُقْدَر حقَّ قَدْرِها؛ فقد طالعتُها بنفسي ما يَقرُب من خمسين مرة، وكنتُ في كل مرة أجد لذّةً مختلفة، وأشعر بالحاجة إلى قراءتها مجدَّدًا؛ والحال أن هذه الرسالة تحتوي على جملةٍ من العلوم الإيمانية التي تتجدَّد الحاجةُ إليها في كلِّ وقت كحاجتنا إلى الخبز كلَّ يوم.
فكانت روحي ترغب بشِدّة في لفت الأنظار إلى هذه الرسالة، لكن ما كنت أستطيع فعلَ شيء، فمنحني الحقُّ سبحانه من رحمته إشارةً، كان لها بالغُ الأهمِّية مهما كانت إشارةً خفيَّة، لأنها جاءت مطابقةً تمامًا لرغبتي الجادّة.
الثانية: تعلمون جيدًا أنه قد يأتي أحدُهم لزيارتي من مكان بعيد، ويستغرقُ وصولُه في بعض الأحيانِ خمسة أيام، لا يدفعه لذلك سوى الحرصِ على لقائي وعلى الاستفادة الأُخرويّة؛ لكن حالتي الصِّحِّية لا تسمح بلقائه أكثر من بضعِ ساعات؛ والحالُ أنَّ بيان قيمة الرسائل لهذا الضيف، وتوجيهَه لدرايتها ومعرفة سُبُل الاستفادة منها، وإعانتَه على التزوُّد بالطّاقة الإيمانية والقوة المعنوية التي يحتاجُها في مُهمَّته، يستدعي إنجازُ ذلك أيامًا عديدة، إذ لا يمكن لكل شخص أن يُدركَ ما في الرسائل من البراهين القوية ويستوعبها تمامَ الاستيعاب.
وكانت روحي ترغب بشدّة في إيجاد وسيلة خفيفة ومُوجَزة لتجاوُز هذه العقبة، كيلا تذهب مشقّةُ هؤلاء الضيوف سدًى؛ ولستُ صاحبَ كرامات، ولا حيلة في يدي! فكنتُ أتَّكئُ على صدقِ نية الضيوف وإخلاصِهم فحسبُ، وأُحِيلُ مكافأتَهم إلى مقامِ الرحمة الإلٰهيّة.. فإذا بالإحسان الإلٰهيّ يُسعِفُنا بأثرِ عناية من شأنه أن يُورِث القناعة القطعية بطريقة أكثرَ سرعة، ويولِّد الثقة، ويؤدي إلى الاعتماد على الرسائل؛ وكان أوَّلُ ظُهور تلك العنايات في "إشارات الإعجاز"، ثمَّ في "الكلمة العاشرة"؛ وبات الأمر بالنسبة إليَّ في غاية السُّهولة والراحة، فصرتُ في وقت قصير أُطْلِعُ الكثيرَ من الفضلاء على أَماراتٍ ظاهرةٍ للجميع رأيَ العين على أحقِّية القرآن الحكيم، وأشحن بذلك نفوسَهم بقوّةٍ معنوية تُحطِّم عنادَ كثيرٍ من المُعاندين، وتهدي إلى الإيمان الكثيرَ من المُلحِدين.
— 374 —
إلا أنَّ ما تتضمَّنُه "إشارات الإعجاز" من هذه العنايات لا يتسنَّى إيضاحُه في ساعة أو ساعتين أو حتى ثلاثِ ساعات، وكنتُ أبذلُ في شرحها جهدًا مُرهِقًا؛ فكان أن أنعم الله علينا بكمال رحمته بما هو أسهل، وذلك من خلال "الكلمة العاشرة" التي تقدِّم في دقيقتين أو ثلاثِ دقائق من الفوائد ما تقدِّمُه "إشارات الإعجاز" في ساعتين.
وإنَّ أثرًا كهذا من آثار العناية نراه في هذا الزمان رأيَ العين یی مهما كان جُزئيًّا یی لَهُو أشدُّ تأثيرًا من أعظم الكرامات المعنوية.. ولأجل ما وفَّره لي ولإخواني أمثالكم من السُّهولة واليُسر، فقد أَولَيتُه هذه الأهمِّيةَ الكبيرة.
وما دام "التوافقُ" الحاصلُ في هذه الكلمة مفيدًا لنا وللضيوف، وينطوي على نتائج ذاتِ خيرٍ ونفعٍ كبير، فلا جرمَ أنَّ فيه أثرَ عناية؛ بل هو بالنسبة إلينا مظهرُ عناية وإكرام فوق العادة، مهما كان عاديًّا ومتكرِّرًا.
الثالثة: تعلمون جيدًا أن التفكيرَ المُرهقَ من كثرة الاشتغال، يتوقُ صاحبُه إلى الاسترواحِ والترويحِ عن نفسه قليلًا؛ ومن خلال عملنا في الحقائق القرآنية والإيمانية ذات المعاني الجادّة والعميقة، أظهَرَت لنا تلك الحقائقُ بعضَ ألطافها على هيئة صنعةٍ بديعةٍ لطيفة من نوعِ التوافقات، كي تُخفِّف من تعبنا الناجم عن انهماكنا في الاشتغال بها، وتريحَ تفكيرَنا المُرهَقَ، وتُدخلَ إلى نفوسنا بعضَ الطمأنينة والسُّرور.
كما أن العناية البارزة في ذلك "التوافق" اللطيف الخفيف المُحبَّب واللّافت للأنظار، صارت بحُكمِ مفتاح ودَلّال لخزينة أسرار القرآن، فلهذا أَولَيتُها أهمِّيةً بالغة، وإلا فإن العناية الرَّبانيّة المترتبة على خدمتنا والمُعينةَ لها كثيرةٌ جدًّا، بحيث لو أحصيتُها الآن لَتَجاوَز تعدادُها الألفَ؛ لكن لمّا كان السِّرُّ الكامنُ في حروف "الكلمة العاشرة" یی وبتصديق الجميع یی حاصلًا بغيرِ صنيعِ أحدٍ واختيارِه، حظي عندي بهذه الأهمية الكبيرة.
إلا أنني اهتممتُ بالإشارة المطلقة، ولم أدقِّق كثيرًا بتفاصيلها، ولم أوضِّحها بصورة أجمل، إذ وضعتُ خلال ساعة أو ساعتين إشاراتٍ هي من قبيل الملاحظات،
— 375 —
معتمِدًا فيها على النصِّ الأوَّليِّ دون تدقيق لاحق.. والحال أنَّ في عباراتي بعضَ العيوب التي يَعسُرُ معها الفهمُ، ولهذا لم يظهر مرادي لإخواني في "إسبارطة"، ولديهم الحقُّ في ذلك، لأن تلك العبارة لا تُوضِّح المقصود؛ وما دام الأمر كذلك، فلتُستبدَل جملة: "باعتبار أنَّ في كلٍّ من الصحائفِ المكتوبة اثنين وعشرين سطرًا" من مبحث توافقات الحروف اللطيفة لهذه الكلمة بجملة: "يُصبح العدد (١٣٤٢) بإضافة السطر الأول المدوَّن على الغلاف الذي كتب عليه الاسم، إلى الأسطر الحقيقية والاعتبارية في الصحف التي تجاوزت الكتابةُ فيها نصفَ مساحتها.. إلخ".
ولتُستبدَل كذلك الجملةُ التالية في ذلك المبحث: "باحتساب الصَّحيفة البيضاء التي في الآخر تبلغُ سِتًّا وستِّين، فتوافق الأحرف الملفوظة السِّتة والستين الآيةَ الموجودة في المقدِّمة"؛ بجملة: "باحتساب الصحيفتين الموجودتين في الآخر، تبلغ سبعةً وستين، وتوافق الأحرف الملفوظة السبعة والستين للآية الموجودة في المُقدِّمة، كما أن هذه الآية توافقُ حروف سورة الإخلاص، والحسابَ الأبجديَّ للفظ الجلالة: الله".
وقد أصلحنا نسخةً بهذا الشكل، وها نحن نُرسلُها إليكم، فأصلحوا النسخ التي لديكم وكذا النُّسخ التي في "أغيردِر" على شاكلتها.
الباقي هو الباقي
أخوكم سعيدٌ النُّورْسيّ
٭٭٭
— 376 —
باسمه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إخواني الأعزاء الجادِّين الأوفياء، وأصحابي الأقوياء الأَوُدّاء في الخدمة القرآنية: صبري، خسرو، علي، رأفت، بكر، لطفي، رشدي..
لله الحمد حمدًا لا نهاية له أن وهبكم لي أصحابًا ورفاقًا مُؤنِسين لي في صحراءِ حقيقةٍ لا يَحُدُّها بُعدَ؛ وإن السَّير والسُّلوك في هذه الصحراء العجيبة يُحقِّق فوائدَ جليلة حتى في الأشياء التي تُرى صغيرةً وتافهة جدًّا، لذا فإنني أُتابع المسائلَ التي لا قيمة لها في الظاهر باهتمام بالغ، وأَلفِتُ أنظارَكم إليها كثيرًا.
وأَعرِض لكم كمثال على ذلك توافُقاتِ حرف الألف الحاصلة في "الكلمة العاشرة" كمسألة مُهِمّة، والسِّرُّ في الأمر أنني أحسستُ إحساسًا جازمًا بوجودِ إشارةٍ شديدةِ الخفاء لتوجُّهٍ خاصٍّ، فلِشِدّة فرحي وبالغِ سروري صرختُ بدهشةٍ وذهول وبغير شعور: "هلُمُّوا! تعالوا.. لِتَشهدُوها أنتم كذلك".
أجل، فمثلما يبتهجُ المرء إذا أصبح مظهرًا لإشارة خاصّة من سلطان مهما كانت بسيطة، وتكون مبعثَ سرور له يفوقُ منحَه رُتبةَ المُشيرِ وفقَ القانون العام؛ كذلك حالُ أبسطِ إشارةٍ خفيّة من توجُّهٍ خاصٍّ للخالق ذي الجلال؛ فلو كان للمرء مئةُ ألفِ رُوح وافتَداه بها، ومئةُ ألفِ سنة من العمر وصَرَفها في سبيله، لكانت رخيصةً أمام ذلك التوجُّه.
وإنني من خلال الدهشة الهائلة التي نتَجَت عن السُّرور المُنبَعِث من هذا السِّرّ، تحدَّثتُ إلى غير أهل التدقيقِ بشيءٍ حولَ هذه التوافقات التي تُعَدُّ من فضول العلم.
وسأتناولُ الآن الموضوع من جانبٍ آخرَ: حين أثار الزنادقةُ فكرةَ إنكارِ الحشر الجسماني بين الناس بشكل رسميٍّ، بهدفِ إنكار ثلُثِ القرآن؛ أظهَرَت "الكلمة العاشرة" شُعلةَ إعجازٍ قرآنية خارقة أخرَسَت هؤلاء الزنادقة؛ وأَحسَسْنا إجمالًا
— 377 —
وبأمارات كثيرة أن لها ماهيّةً فائقة للعادة لصالح الإعجاز المعنوي للقرآن.. وحتى أَلفِتَ اليوم نظرَ العامّة مرّةً أخرى إلى "الكلمة العاشرة"، فإنني شُغِلتُ بها وبمُطالعتِها دون اختيارٍ مني.
لقد أظهر الحرفُ الأوَّل من لفظ الجلالة "الله" هذه المرّةَ توافقًا عجيبًا في "الكلمة العاشرة"، بحيث لا يُمكِن أن نُحِيلَه إلى المصادفة، أضف إلى ذلك أماراتٍ أخرى شعرتُ من خلالها أن في ذلك التوافق إشارةً غيبية، فوضعتُ إشاراتٍ لها.
وإنَّه قد يُومَأُ بإشارات مُهِمّة في ثنايا حُجُب عادية بسيطة، فيفهمُها أهلُوها، وحتى تكون مدارًا للإشارات، لا يلزم أن تكون خارقةً للعادة.
وإذا ما وُجدت الإشارات الغيبية، فلا بدَّ أن تَتَنكَّبَ عنها الصُّدفةُ، بحيث لا يمكن لها أن تُجرِيَ حُكمَها فيها، بل تُحال إلى تلك الإشارة أدنى الأرقام جزئيةً.
وإذا ما وُجدت في مجموعها إشاراتٌ، فستكون جميعُ الأجزاء تابعةً لحِكمة تلك الإشارة، ولا يمكن للصدفة أن تلعبَ فيها أيَّ دور.
حتى إنَّ الألِف الذي في الحقيقة الثالثة من الصفحة التاسعة والعشرين ما كان يلزمُ احتسابُه، إلا أنني احتسبتُه سهوًا، فأدركتُ بعدها أن هنالك أمرًا مّا دفعني لإضافته.
وإن جملة "الكلمة العاشرة" التي في المقدِّمة كانت في مقدِّمة الصفحات مع "الحقيقة الثالثة"، وكان حقُّهما أن تُحتَسبا، وقد دُفِعتُ إلى عدِّهما واحتسابهما بهدف تأدية بعض الوظائف، شأنُهما شأنُ سائر أرقام الصفحات الأخرى.
على كل حال، أجريتُ بعض المُقارَنات لا لأجل تردُّدي، فقد بتُّ على قناعة قطعية من الأمر، بل لِأُزيلَ شبهات الآخرين وتردُّدَهم:
ورد في نهاية "الكلمة العاشرة": أحصيتُ توافُقاتِ كتابٍ مبارك مؤلَّف من أكثر من (٦٠٠) صحيفة، فبلَغَت (١٢٥) توافقًا، وأحصيتُ توافقاتِ كتاب آخرَ بلغ عدد صحائفه أكثر من (٣٥٠) صحيفة، فكان الناتجُ (٥٠) توافقًا، كذلك أحصيتُ حروف
— 378 —
الألِف من أحد كُتُبي المؤلَّفة قديمًا باللغة العربية والتركية، والبالغ (٢٨٠) صحيفة، فلم تتعدَّ توافقاتُه الأربعين.
ما يعني أن توافقات الأكثرية المُطلَقة في "الكلمة العاشرة" وفي "إشارات الإعجاز"، تتضمَّن إشارةً غيبيّةً خفيّة؛ وظهورُ الإشاراتِ في مجموعها كافٍ، إذ لا يلزم إظهارُها في كلِّ جزء، لكنَّ كلَّ جزء منها هو ملكُ الإشارات وتحت حُكمِها.
لقد تعجَّلتُ بإرسالي إليكم النسخة الأولية التي وضعتُ عليها الإشارات، إلا أنني أضفتُ إليها بعضَ الحواشي فيما بعدُ.. فقابِلُوها مع النسخة المُرسَلة هذه المرّةَ مع "سليمان أفندي" وأكمِلُوها، وقابِلُوها أيضًا مع النسخة المُرسَلة مع "خليل إبراهيم أفندي"، ثمَّ أرسِلُوها إلى "عاصم بك".
وقد أرسلتُ إليكم رسالةَ خلوصي بك هذه المرة، فليُدرَج القسمُ المُشارُ إليه بين قوسين في الذيل الثالث للمكتوب السابع والعشرين، وأمّا ما كان خارج الأقواس ووضعتُ تحتَه خطًّا أحمرَ فلا يُدرَج.
أبلِّغ سلامي لأصحابي مُنتَسِبي الطُّرق الصُّوفية، أمثال "الحافظ أحمد ومحمد جلال والحافظ ولي"، وسائر إخواني السائرين في طريق الحقيقة.. صحيح أننا تعرَّفنا بی"الحافظ وليّ" مؤخَّرًا، إلا أنَّ له هاهنا صاحبًا اسمُه "محمد أوسطه"، وقد مضى على صُحبتهما عشرُ سنوات، و"محمد أوسطه" هذا أخٌ لي في طريق الآخرة منذ ثمانية أعوام، لذا فإنني أنظُر إلى "الحافظ وليّ" على أنَّه صاحبٌ قديم لي؛ وقد كتب رسالة إليَّ، إلا أنني لا أجد الوقت لأُجيبَ على رسالته، وربَّما كان السُّكوت عند أرباب القلوب في بعض الأحيان بمثابة الحديث.
الباقي هو الباقي
أخوكم سعيدٌ النُّورْسيّ
إخواني، أرجو المعذرة، ما كنتُ أرغب بالتحدُّث إليكم بهذه الرسالة المُشتَّتة وغير المُنتظِمة، فقد كتبناها على عجل من طرف الفكر، في الوقت الذي كنا منشغلين فيه بأمور عديدة
— 379 —
ومراجعات كثيرة؛ وتعلمون حالَ كاتبها حين يُخلِّف ذهنَه في موضعٍ آخر؛ فلذا خرَجَت الرسالةُ مشتَّتةً مضطربةً، فألتمس منكم غضَّ الطرفِ عن التقصير.
سبق أن وضَّحتُ لكم بمثال في إحدى الرسائل معنى التدخُّلِ الغيبيِّ الحاصلِ في التوافقات، وهو على النحو التالي: لو كان في كفِّي موادُّ كالحِمِّص واللُّبِّ المُحمَّص والزبيب والحنطة، فرميتُها على الأرض، فاصطفَّ الزبيبُ مقابلَ الزبيب، واللُّبُّ المُحمَّص مقابلَ مثله؛ فهل ثمّةَ أدنى شبهة في أنَّ يدًا غيبيّةً تدخَّلت فصفَّتها بهذا الشكل المُنظَّم؟! كذلك حال الأحرف والكلمات التي هي بمثابة هذه الموادِّ، وحالُ فَمِنا الذي هو بمثابة تلك الكَفّ.
٭٭٭
(فقرة غريبة لمسعود):
في وقت الحصاد، وبينما كنتُ أضربُ بمِنجَلي الشَّعيرَ المُكتَسِي طراوةً من برودة الليل وضوء القمر الذي يَسطَعُ نورُه، وقَفتُ أَرقُبُ جمالَ القمر وشفافيتَه، وأتفكَّرُ في يأسٍ وحيرة بانصرافي الكليِّ إلى أعمال الحصاد، وحرماني من كتابة الأنوار؛ فوردت إلى خاطري هذه الكلمات، ولست أدري هل هي نتاجُ الغفلة أو طلوعاتٌ قلبية أُنطِقتُ بها:
"يا ربِّ.. إن اسمي مسعود، غير أني لا أمتلك نصيبًا من اسمي! كافحتُ كثيرًا لكن لم أبلغ السعادة"، قلتُ هذا وتابعتُ عملي في حصاد الشعير؛ وبعد حينٍ غلبني النُّعاس فنِمتُ قليلًا، فرأيتُ فيما يرى النائمُ قائلًا يقول لي: "لازِمْ أُستاذَك سعيدًا، تكُن سعيدًا"، فاستيقظتُ على إثرِها، وإذا بالقمر قد أوشك على الغروب، فقلت: "يا ربِّ، لا أطلبُ السعادةَ الدنيوية.. وها أنا تائبٌ إليك".
فيا سيِّدي، لقد لُقِّنتُ أن سعادتي الأخروية ستحصلُ ببركة دعائكم، فأرجو ألّا تحرموني من دعواتكم التي أحتاجُها.. وأُقبِّلُ أيديَكم وأقدامَكم.
مسعود (رحمه الله)
٭٭٭
— 380 —

بداية ونهاية المسألة الأولى للمبحث الرابع من المكتوب السادس والعشرين

باسمه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم وعلى والديكم وعلى إخوانكم ورحمة الله وبركاته

أخي العزيز الوفي، الصادق المُخ3h ، نقيَّ السريرة: إبراهيم خلوصي بك..

تتحدَّث في رسالتك أنك لم تُوفَّق في تلك المناطق على نحوِ ما كان في "أغيردِر"، فلا تقلق من ذلك، وهنالك أسبابٌ كثيرة كان بإمكانها أن تتسبَّب بالتوقُّف والتعطيل التامّ، فلِلَّه الحمدُ أنَّه لم يحصل توقُّفٌ، بل ثمّةَ توفيقٌ ونجاح.
ومن تلك الأسباب المعنوية: أنَّ شياطين الإنس الذين تلقَّوْا دُروسَهم من شياطين الجِنِّ، حاولوا جاهدين في الخفاء ودون إشعارِ أحدٍ، أن يضعوك تحت قيود المشاغل الدنيوية، وذلك كي يَحُدُّوا من نشاطك في خدمة الأنوار.
كما وقَعَت سابقًا في تلك النواحي أعمالٌ وإجراءات شنيعة، بثَّتِ الخوفَ والوحشة في نفوس الأهالي، ولولا الجرأة القوية التي تحملُها في قلبك، لَما كان للأنوار أن تُشِعَّ ضِياءَها هناك، فالخدمة اليسيرة في تلك الأماكن لها قيمةٌ عظيمة.
ثانيًا: إن ذكر رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بعد عبارة رَبِّ الْعَالَمِينَ تُفيد الانتقالَ من الإجمال إلى التفصيل، فكما أنَّ ذِكرَ جملة: "حاكم الأناضول وآسيا وأفريقيا" عقِبَ عبارة: "حاكم المملكة الإسلامية"، يُظهِرُ عظمة السَّلطنة على وجه التفصيل، كذلك هذه العبارة تُظهِر مفصَّلًا عظمةَ الربوبية بعد ذِكرِ الربوبية المُطلَقة.
على كل حال.. لا يمكنني حاليًّا الإجابةُ على سؤالك إجابةً تامّة، لكن سأذكرُ لك عوضًا عن ذلك نُكتتَينِ صغيرتين حول إعجاز القرآن؛ فقُم بإدراجِ هاتين النُّكتتَينِ
— 381 —
كحاشية في نهاية النكتة الأولى للإشارة الثامنة عشرة من الجزء الخامس للمكتوب التاسع عشر.
وها هي النكتة الأولى: "وهي الحاشية رقم (٢) الموجودة في الصفحة (٢٦١) من المكتوبات"، وهذا القسم إضافة لها:
"فهل هنالك حقيقةٌ يُمكِنُها أن تُواجِه هذه الحقائق الثلاثَ؟ ومن لديه الطاقة والمَقدِرة حتى يتجرَّأ على تقليدها؟
أجل، فكما أن أسلوبَ إفادةٍ كهذا لا يُمكن أن يكون مُصطَنعًا، كذلك لا يُمكِن تقليدُه.
أجل، من ذا الذي يتجرَّأ على تجاوز حدِّه بكثير ليُنطِقَ خالقَ الكون بهذا الشكل؟"
النكتة الثانية: تُختَتَمُ نهايات جميع صحائف القرآن الحكيم بآية تامّة، واختتامُ الخواتيم بقافية لطيفة، ووجود موافقة أو مناسبة عدَديّة لِلفظ الجلالة "الله" في صحيفتي الورقة الواحدة، أو في الصحيفتين المتقابلتَينِ، أو في الصَّحائف المتقارِبة، أَمارةٌ من أماراتِ الإعجاز، وسِرُّ هذا: أنَّ "آية المُدايَنة" التي هي أطولُ الآيات، اتُّخِذَت وَحْدةً لقياسِ الصَّفحات، كما اتُّخِذَت سورتا "الكوثر" و"الإخلاص" وَحْدةً لقياس السُّطور، فمِن هنا ظهَرَت هذه المَزِيّة الجميلة والعلامة الإعجازية للقرآن الحكيم، ما يعني أن هذا الأمر مهارةٌ قرآنيةٌ وليس مهارةَ فُضَلاءَ من أمثال "الحافظ عثمان"، لأن هذه الوضعية إنَّما نشأت من آيات القرآن وسُوَرِه.
ثالثًا: لقد فهمتُ من رسالتك أنَّك تقومُ بكتابةِ نسخةٍ لنفسك من الرسائل التي تُرسَلُ إليك، ثمَّ تُرسِلُ أصلَها إلى عبد المجيد.
أخي العزيز، صحيحٌ أن عبد المجيد أخي في النَّسَب وتلميذي منذ عشرين عامًا، لكن لا يمكنُ له ولا لغيره أن يَبلُغ مقامَ خلوصِيِّي؛ فالأكثرية المُطلَقة من تلك المكتوبات إنَّما كُتِبَت باسمِك وأُرسِلَت إليك، فليَكُن عبدُ المجيد في المرتبة الثانية؛
— 382 —
وسبق أن ذكرتُ لك في إحدى الرسائل أنَّ بإمكانِك أن تُشرِكَه أيضًا في مُطالعتِها أو كتابةِ نُسخةٍ منها لنفسه، لكن إن قرَّرت أن تُفضِّلَ أخاك هذا على نفسك، وأن تُعانيَ الصِّعابَ كيلا تُتعِبَه، فلن أُخالِفَك في ذلك.
أُبلِّغ سلامي ودعائي لوالديك، ولأصحابك أمثال فتحي بك، ولأساتذتك القُدامى؛ وألتمسُ دعاءَهم.
الباقي هو الباقي
أخوكم سعيدٌ النُّورْسيّ
٢١ رمضان الشريف..
(وضعتُ الرسالة المخصَّصة لعبد المجيد ضمنَ رسالتك.. أرجو أن تُرسِلَها إليه).
٭٭٭
(قطعة من الرسالة التي كتبها لشَقيقِه):
..إن أردت أن تفهم أحوالي الروحية، فالفقرتان الآتيتان ترجمانٌ لها، وأقول كما قال أحد الشعراء:
إنني كی"ناي" أذكر كلَّ لحظة أيامي الخالية..
وأصرخ في جسدي الخاوي ما دام فيه نَفَس..
ذهب عمري هباءً دون أن أقوم بتجارة..
عدتُ إلى رشدي، لكن وجدت القوافل راحلة، وأنا لا أعلم..
فبكيت وصرخت، وركبت الطريق غريبًا..
العين تدمع، والصدر يحترق، والعقل حيران، ولا أعلم شيئًا..
أجل، لقد أسرفنا في عمُرِنا الماضي وضيَّعناه، وفقدنا الكثيرَ من الفضلاء والأحباب المُبارَكين، وخُلِّفتُ وحيدًا لم أعمل لآخرتي مع أولئك المباركين!
٭٭٭
— 383 —

النكتة الثانية للمسألة الثامنة من المكتوب الثامن والعشرين

إن قيل: لو كانت هذه التوافقات الغيبية مزيةً بلاغيةً، لوَجَب أن يكونَ القرآنُ المُعجِز البيان سبّاقًا في عرضِها، مثلما كان الأسبقَ في سائر أنواع البلاغات؛ وإن لم تكن مزيةً بلاغية فلماذا تَعُدُّها إكرامًا إلٰهيًّا عظيمًا؟ كما أنَّه يمكنُ إيجادُ هذا النوع من الصدفة في أيِّ كتاب!
الجواب: يتحتَّم أن يُدوَّن القرآن الحكيم في كل زمان تدوينًا معنويًّا في صدور أكثرَ من مليون حافظ، وذلك بمقتضى قول الله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ، وهذا النوع من التوافقات المتشابهة يجعل عمليّةَ الحفظ أشدَّ صعوبةً، ويُقلِّل كثيرًا من عدد الحُفّاظ، لذا لم يَبْرُز كثيرًا في القرآن الحكيم؛ فكان من ألطفِ مظاهر الرحمة وأَخَصِّها أن قدَّم القرآن الحكيم بلاغةً معنويةً مطابقةً لمُقتضَى حال أهل الحفظ، وأعرَضَ عن هذه المزيّة البلاغية، وذلك أشبهُ باختصار الكلام في كثير من المواضع لِتُفيدَ معاني عميقة ومديدة.
حتى لو لم تظهر هذه التوافقات البلاغيّة، فما دام يُرَى فيها أثرُ القصدِ والشُّعور اللَّذين ثبت بالمشاهدة والإقرار أنهما لا يَعُودانِ للمؤلِّف ولا النُّسّاخ، فلا جرمَ أنها من تنظيم يدٍ غيبية؛ وهذا الوجه من مداخلة اليد الغيبية لَهُو أمارةٌ على القبول والرِّضا، كما أنه بهذه الأمارة يَرمُز إلى أن هذه الحقائق المُؤلَّفة لا تَشُوبُها شائبة، وأنها أُظهرت في صورةٍ حقّة.
ويُمكن لهذا النوع من التوافقات إن وُجِد في كتب أخرى أن يُسنَد إلى المصادفة؛ أما التوافقات الغيبيّة الشعورية الحاصلة في هذه الرسائل، فلا يمكن إحالتها إلى الصدفة التي لا تملك شعورًا، ولا إمكان لذلك أصلًا باتفاق جميع الفضلاء الذين شاهدوها؛ بل لقد أيقنتُ أنا واثنان من أهمِّ الناسخين ومن خلال صفحة واحدة منها لا في رسالة
— 384 —
كاملة، أن هذا الأمر لا يمكن أن تتدخَّل فيه الصدفة، بل ليس هو من حدِّها أصلًا، إذ يقع التناظر في كلمتين أو ثلاثِ كلمات متماثلة ينظر بعضها إلى بعض، ممّا يُومئ بشكل ظاهر إلى وجود قصدٍ وإرادة.
فمثلًا: إننا ننظر الآن إلى الصحيفة التي أمامنا، إذ تتكرر فيها كلمة "العُمُر" ثلاث مرات، وفي وضعية تُظهرُ تناظُرَ بعضِها مع بعض، بما لا يدع شبهة أنه تنظيمٌ غيبيٌّ.
كما نجد في هذه الصحيفة التي ننظر إليها ذِكرَ كلمة "الحزن" ستَّ مرات، فشكَّلت هذه الكلمات الستُّ في ثلاثة أسطر قوسينِ لطيفينِ، يبعثان في نفس الناظر إليهما حُزنًا ذا نشوة.
هذا، ولا يلزم لوقوع إشارة غيبية ألّا تُوجَد في كتاب آخَر، فإننا نجد بلاغةً متفاوتةَ المراتب في سائر كتب أهل البُلَغاء وأرباب الفصاحة، ووقوعُ البلاغة في هذه الكتب لا يُنافي إعجازَ القرآن وبلاغتَه التي بلَغَت غاية الإعجاز وأضحَت معجزةَ الرسالة.
فكذلك وجودُ التوافقات في سائر الكتب لا يَضرُّ بظهورِ جلوةِ نوعٍ من مئات الأنواع الخاصة بإعجاز القرآن، وذلك من قبيلِ الإكرام الإلٰهيِّ المُشاهَد في "الكلمات" التي هي نوعٌ من تفسير القرآن، إشارةً إلى حسن انتظام الحقائق القرآنية، لأنها لا يمكنها بلوغُ هذه الدرجة؛ فنوعُ التوافُقِ الذي في "الكلمات" بلغ درجةً تُورِثُ من يتأمَّلُه بدقّة قناعةً قطعيّة بأن هذا الأمر ليس حصيلةَ فِكرٍ بشريٍّ أو نتيجةَ جُهدٍ إنساني؛ بل إنَّ ظِلَّ ظلِّ نوعٍ نقشيٍّ لإعجاز القرآن يتمثَّل في مرآةِ تفسيره، هو مظهرُ إكرام إلٰهيّ.
الحمد لله؛ هذا من فضل ربِّي
٭٭٭
— 385 —

النكتة الثالثة للمسألة الثامنة من المكتوب الثامن والعشرين

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم وعلى والديكم وعلى إخوانكم وعلى رفقائكم في درس القرآن
أخي العزيز..
أولًا: سُرِرتُ كثيرًا برأيك الذي توضِّح فيه عدمَ الحاجة لما اقترَحَه أخي عبد المجيد من أن المبحث الثالث للمكتوب السادس والعشرين زائدٌ لا داعيَ له، بناءً على حذر واحتياطٍ في غير محلِّه.. علينا أن نُدرِك أننا نحظى بمظهريّة سِرِّ: فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا، حَنِيفًا مُسْلِمًا، وأننا مكلَّفون باتباع سيدنا إبراهيم عليه السلام الذي بات مظهرًا لتقدير القرآن، والقائل: وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللهِ.
ثانيًا: كتب إليَّ عبد المجيد أن مفتيًا من أهالي مدينةٍ تُكِنُّ لي بجميعِ أفرادها معانيَ الودِّ والصداقة، أورد انتقاداتٍ واهيةً بنظرٍ سطحيٍّ على تفرُّعاتٍ من "الكلمة العاشرة"؛ وإنَّ الأجوبة التي أجابَ بها عبدُ المجيد معظمُها كافٍ باستثناء موضعين اثنين، أجاب فيهما على سؤال الرجل السَّطحي بجواب سطحيٍّ أيضًا، وهما:
أحدهما: قال ذلك المفتي: "إنَّ حقائق "الكلمة العاشرة" لا تتوجَّه للمُنكِرين، لأنها مؤسَّسةٌ على الصفات الإلٰهيّة والأسماء الحسنى"، فكان جواب عبد المجيد: "إنها حمَلَت المُنكِرين على الإيمان والإقرار عبر الإشارات الأربع التي تسبقُ الحقائق؛ وبعد ذلك سرَدَت لهم الحقائق".
والجواب الحقيقي: أنَّ كل حقيقة من الحقائق تُثبِت ثلاثة أشياء في آنٍ واحد، وهي: وجود واجب الوجود، وأسماؤه، وصفاتُه، ثم تبني الحشرَ على تلك الأمور
— 386 —
وتُثبته؛ فبإمكان كلِّ شخص من أعتى المنكرين إلى أخلص المؤمنين أن ينال حظَّه من كلِّ حقيقة، لأنها تَلفِتُ الأنظارَ إلى الموجودات والآثار.
فتقول: إن في هذه الموجودات أفعالًا مُنتَظِمة، والفعل المُنتظِم لا يمكن أن يكون بدون فاعل؛ إذًا فلها فاعل.. ولمّا كان ذلك الفاعل يؤدِّي فعلَه بميزان وانتظام، لَزِم أن يكون حكيمًا وعادلًا؛ وحيث إنَّه حكيم فهو إذًا لا يقوم بأفعالٍ عبثيّة؛ وإذا كان يؤدِّي العملَ بالعدالة فهو إذًا لا يُضيِّع الحقوق سُدًى.. وما دام الأمر كذلك فلا بد إذًا من محشرٍ أكبر ومحكمة كبرى.
فالحقائق تسير وفقَ هذا المنوال، ولأنها مُجملَة فهي تُثبِتُ الدَّعاوى الثلاثَ دُفعةً واحدة، فيَعجِزُ النظر السطحيُّ عن تمييز ذلك؛ علمًا أنَّ كلَّ حقيقة من تلك الحقائق المُجمَلة قد فُصِّلت ووُضِّحت بكمال الإيضاح في الرسائل والكلمات الأخرى.
الجواب الثاني الناقص الذي أورده عبد المجيد هو: أنه قام بمسايرة السُّؤال الخطأ الصادر من ذلك الفاضل، وقد أخطأ إذ قَبِل بهذا الخطأ؛ لأنه لم يُذكَر في حاشية "الكلمة العاشرة" أن الاسم الأعظم هو عبارة عن مرتبة مّا لكل اسمٍ فقط، بل ذكرنا في مواضع كثيرة: أن الحشر يتظاهر من الاسم الأعظم ومن المرتبة العظمى لكل اسم، فمع إثبات هذه الكلمة للاسم الأعظم، إلا أنَّ لكلِّ اسمٍ مرتبةً عظمى أيضًا، فكما حظي الرسولُ الأكرم (ص) بمظهريّة هذه المراتب، فكذلك الحشر الأعظم يتوجَّه إليهم.
فمثلًا: اسم "الخالق" له مراتبُ كثيرة، ابتداءً من كونه سبحانه وتعالى خالقي، حتى المرتبة العظمى المتمثِّلة في كونه خالقَ كلِّ شيء.
وبغَرَضِ ردِّ وجودِ مرتبةٍ عظمى لكل اسم وتزييفه، قال ذلك الفاضل المُتشكِّكُ: إنَّ هذا من أفكارِ فلاسفة المُتصوِّفة. والحالُ أنَّ الصِّدِّيقين من المُحقِّقين وفي مقدِّمتهم الإمام الأعظم والإمام الغزّالي وجلال الدين السُّيوطي والإمام الرَّبّاني والشاه الگيلاني وغيرهم، رأى كلُّ واحدٍ منهم الاسم الأعظم بشكل مختلف، فقال الإمام الأعظم: هو العدل والحَكَم.. وهكذا.
— 387 —
وعلى كل حال.. فهذا القدر من الحديث عن هذه المسألة كافٍ، غير أنَّ انتقادات ذلك الفاضل السطحيّة جعلتني مسرورًا من ثلاثة أوجه:
الأول: أنه أراد النقد فلم يتمكَّن من ذلك، ممّا يُؤكِّد أن حقائق "الكلمة العاشرة" غيرُ قابلةٍ للنَّقد؛ إلّا ما كان موجَّهًا إلى بعض العبارات في الفرعيات.
الثاني: أنه أثار هِمّة عبد المجيد الفطن الهُمام ليُصبح رفيقًا متيقِّظًا نشيطًا ولائقًا بخلوصي إن شاء الله.
الثالث: أن ذلك الفاضل راغبٌ في الرسائل، ولهذا انتقد، إذ الذي لا يرغب في شيء لا يهتمُّ به؛ لذا سيستفيد من الرسائل في المستقبل استفادةً تامّةً إن شاء الله.
فأرجو منك أو من عبد المجيد صياغةَ ملخَّص جيِّد لهذه النكتة، وإرسالَه إلى ذلك الفاضل، مع سلامي وامتناني له.
بلِّغ سلامي للحافظ عمر أفندي إمامِ منطقتكم، وقل له: "إنني قبِلتُه في عداد الطلاب"، وبلِّغه شروط التلمذة..
يُسعدني كثيرًا استماعُ والدكم وفتحي بك والأستاذ عبد الرحمن بشكل جادٍّ للكلمات.. إنني أدعو لهم وأرجو منهم أن يدعوا لي.
إن الفاضل الذي يحمل اسم "سَيْدَا" ليس ذلك الشخص الذي ينتسب إليه والدكم، بل هو شخصٌ مشهورٌ معتبَرٌ جاء قبله.. يُقرِئُكم السلامَ جميع إخواني، وفي مقدِّمتهم صبري وسليمان وتوفيق.
أخوكم سعيدٌ النُّورْسيّ
٭٭٭
— 388 —
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته بعدد عاشرات دقائق أيام الفراق..
أخي العزيز الوفي.. أُرسِلُ إليك هذه المرّةَ القسمين الثالث والخامس من المكتوب التاسع والعشرين. وفي القسم الثالث سِرٌّ ما، فقد أُلِّف في غاية السُّرعة، وخرج بهذا الشكل الذي ترونه في مدة لم تتجاوز ساعةً واحدة من شهر رمضان، رغم مرضي أنا والفاضل الذي يُعاونني في الكتابة، ممّا حيَّرنا وأثار عجَبَنا نحن أيضًا؛ وأدركنا بذلك صوابَ نيَّتِنا حولَ كتابة القرآن، ولزومَ هذا الأمر، ولولا ذلك لم يصدُر بهذه الطريقة.
كما أرسلتُ الجزأين الرابع والخامس من ذلك المكتوب، ليكونا أيضًا دليلًا قطعيًّا للتوافقات التي في "المعجزات الأحمدية"، فقد وجدنا فيهما توافقًا عجيبًا يفوقُ مأمولَنا بكثير، رغم أنَّ التدقيق فيهما جاء بعد عامين، ورغم أنهما نُسِخا من المُسوَّدة الأصلية عقبَ تأليف الرسالة ومن قِبَل ناسخٍ غِرٍّ قليلِ الخبرة، لدرجة أنَّه كتَبَ بدل الصَّلوات رمزَ "ع ص م"!
بعدها قلتُ لناسخٍ آخر أقلَّ خبرةً منه: أَعِد كتابةَ هذه النسخة كما هي، وضَعْ كلمات "الرسول الأكرم ع ص م"، و"القرآن" باللون الأحمر. والحال أن هذا الناسخ الثاني كان قليلَ الخبرة جدًّا، فأفسد قسمًا من التوافق الموجود في نسخةِ سلَفِه وأخلَّ بلطافتها، وذلك لأنه تعلَّق بها شعوريًّا؛ ورغم ذلك تظلُّ حُجّةً للتوافق أيضًا، فقوموا بتبييضها لأنفسكم تبييضًا حسنًا، واحتفظ أنت بصورةٍ من المُسوَّدة الأولى عندك أو عند عبد المجيد.
نعملُ الآن بحمد الله على كتابة عدة مصاحف تُظهِر للعِيان جزءًا من مئتي جُزءٍ لإعجاز القرآن المُعجِز البيان، وقد شارف أحدُها على النهاية؛ ويُشاهَد فيه توافقُ (٢٨٠٦) من ألفاظ الجلالة في أسلوبِه الغيبيِّ، باستثناء واحد بالمئة منها؛ واخترنا كتابة لفظ "الله" باللون الأحمر حتى يقول كلُّ من يُشاهدها: "إنني أرى إعجاز القرآن بأُمِّ عيني".
— 389 —
وسيحافظ هذا الجزءُ من الإعجاز على الخطِّ القرآني، ويُنقِذه من التحريف بإذن الله.
وقد قسَّمتُه على إخواني ذوي الأقلام الألماسية، فكان أخونا حقِّي أفندي هو الأوَّلَ فكتب الجزء الأول، ولديه رغبة شديدة بكتابة الجزء الثاني والثالث بدلًا عنك.
أبعث بسلامي لكلِّ من لهم صلةٌ بالكلمات، وفي مقدِّمتهم والداك وفتحي بك والأستاذ عبد الرحمن وتلميذي الجديد الإمام عمر أفندي، وأدعو لهم جميعًا وأرجو دعاءَهم.
وبشِّر المفتي الأسبق كمال أفندي بأنَّ كلَّ ساعة من عُمُره الذي يُمضيه مع المرض يعدلُ عبادة يوم كامل؛ وهذا الأمرُ هو أجلُّ صور الحياة في هذا الزمان؛ وإننا نتضرَّع إلى الحضرة الإلٰهيّة أن يكتب له الخير، وسنظلُّ ملازِمين للدعاء، والأدعيةُ من أمثاله مُجابة، فألتمسُ منه أن يدعوَ لي.
إن الأستاذ عبد الرحمن وفتحي بك مخصوصان بالأدعية من بين طلابي، ولهما سهمٌ من أدعيتي، فليدعُ كلٌّ منهما لي كذلك.. وكان لي طالبٌ قديم اسمُه "عمر"، واليومَ أصبح عمر أفندي الذي عندك رفيقًا له في الدعاء.
الباقي هو الباقي
أخوكم سعيدٌ النُّورْسيّ بن مِيرْزا
٭٭٭
القسم الرابع من المكتوب التاسع والعشرين طويل، ولا يوجد منه سوى نُسخةٍ واحدة فقط، لذا لم أستطع إرسالَه هذه المرة.. وهذا القسم مؤلَّف من (٣٨) صحيفة، إلا أنَّه بمثابة مرآةٍ لإعجاز القرآن بشكل مباشر، وذو أهمِّيّة كبيرة.
يُسلِّم عليكم الجميع، وفي مقدِّمتهم صبري وسليمان وخسرو وبكر وتوفيق وغالب.
— 390 —
وقد صحَّحتُ الجزء الرابع من المكتوب التاسع عشر حتى قسم: "الإشارة الخامسة عشرة" ذات النِّكات، فاستوجب الأمرُ إرسالَه بسرعة، ولم أجد الوقتَ الكافي لأُصحِّحه كاملًا.. فقابِل أنت أوَّلًا القسمَ الذي يلي "الإشارة الخامسة عشرة ذات النكات" مع النسخة الموجودة عندك، وصحِّحه، ثمَّ بيِّضْه بعد ذلك.
وقد لاحظتُ توافقًا عجيبًا في المسألة السابعة من المكتوب الثامن والعشرين، فقد ورد حرف الألف في بدايات تسعة وعشرين سطرًا من صحيفتين كاملتين یی باستثناء السطر الذي في المقدِّمة یی بشكل غير شعوريٍّ ولا اختياريّ! لتُخبِرَنا حروف الألف هذه أنَّ ثمّةَ إشارةً غيبية مُهِمّة، من المكتوب الثامن والعشرين إلى المكتوب التاسع والعشرين.
وسنُرسل لكم نموذجًا منه فيما بعد.
سعيدٌ النُّورْسيّ
٭٭٭
(فقرة سعيدٌ النُّورْسيّ):
باسمه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أخي العزيز الوفي الصادق، وصاحبي الجادَّ الشجاع..
سبق أن سأَلتَني سؤالًا ولم أُجب عليه جوابًا مفصَّلًا لانشغال ذهني حينها بأمر آخر، وهو أنَّه ورد في مقدمة حواشي القرآن الحكيم أن عدد آيات القرآن (٦٦٦٦) آية، فهل يُعدُّ هذا الأمرُ إشارةً إلى أن الأنوار القرآنية والحقائق الفرقانية سوف يجري حُكمُها على وجه الكرة الأرضية (٦٦٦٦) عامًا بالأيام الشرعية؟
فأُخطِر إليَّ بعدها أن سؤال عاصم ذو أهمية، فأَجِب عليه؛ وبناءً على هذا الإخطار سأوضِّح بعضَ الأمر في ثلاثة أُسُس:
— 391 —
الأساس الأول: كما أن النور المُحمَّدي والحقيقة الأحمدية هما فاتحة ديوان النبوة وخاتمتُه، وأن جميع الأنبياء يستفيضون من هذا الأصلِ المُنير، وباتوا بحُكم أعوانه ووُكلائِه في نشر حقيقةِ دينه، وأن النور الأحمدي (ص) قد تظاهر مُتسلسِلًا بدءًا من جبهة آدم عليه السلام وصولًا إلى ذاتِه المباركة، وانتقَلَ يَنشُرُ النُّورَ حتى استقرَّ في شخصِه على الوجه الأتمّ.. وكما أنَّ الماهيّة الأحمدية المعظَّمة أصبحت النواةَ الأصليةَ والثمرةَ الأكملَ والأخيرة لشجرة الكون، كما أُثبِت بصورة قطعيّة في "رسالة المعراج"..
كذلك الحقيقةُ القرآنية نشَرَت أنوارها مع الحقيقة المحمدية (ص) مُتسلسِلةً في صحف الأنبياء وكتُبِهم، من لدن آدم حتى بلغت غايةَ الكمال في نسختها الكبرى ومظهرها الأتمِّ في صورة القرآن العظيم الشأن.
وقد اتفق أهلُ التحقيق وأرباب الحقيقة على أن أصول أديان جميع الأنبياء وأُسُس شرائعهم وخلاصاتِ كتُبِهم موجودةٌ في القرآن، وبناءً على هذا السِّرِّ فإنَّ عدد الآيات يُشير إلى أن الحقيقة القرآنية التي تَنشُر أسرارَ الدِّين الإسلامي، سوف تَنشُر أنورَاها على وجه الأرضِ تحت حُجُبٍ وأستار مختلفة، إلى نحوِ سبعة آلاف عام كما ورد في الروايات المشهورة، فيكون الناتج (٦٦٦٦) سنة بعد اطِّراحِ أيام زمنِ الفترة المُطلَقة من عدد الأيام الشرعية التي تبدأ من زمان آدم إلى قيامِ السّاعة.
الأساس الثاني: من المعلوم أن الكرة الأرضية بدورانها على محورها تُنتِج الليلَ والنهار، وبدورانها على مدارها السَّنوي تحصل السنوات؛ وكذلك سائرُ السَّيارات مع الشمس، بل حتى الثوابت وشمس الشموس، لكلٍّ منها دورانٌ حول محورها يُظهر أيامَها، ودوارن حول مدارها يُظهر سنواتها.
والدليل على إرادة خالق الأرض والسماوات لتلك الأيام والسنوات أيضًا في خطاباته الأزلية ما ورد من الآيات في الفرقان الحكيم أمثال: ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ، تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ، فهذه الآيات تُثبِتُ هذا الأمر.
— 392 —
أجل، هنالك أيامٌ ربّانية ابتداءً من اليوم الذي تقتصرُ مدَّتُه على أربع ساعات فقط من الطلوع حتى الغروب، وذلك في مناطق الشَّمال وفي أوقات الشتاء؛ ومرورًا بالأيام التي تمتدُّ لثماني أو تسعِ ساعات فقط في أيام الشتاء في هذه الأماكن؛ وبالأيام التي تستغرقُ حوالي شهرٍ كامل من دوران الشمس على محورها، وباليوم المكوَّن من ألف سنة لشمس هي أكبر من شمسنا، والتي أطلق عليها الفلكيُّون اسم "الشِّعرى" ووَرَد التصريحُ بها في القرآن بعبارة: رَبُّ الشِّعْرَى، ووصولًا إلى اليوم المكوَّن من خمسين ألف سنة ناتج عن دوران شمس الشموس على محورها.
فحينما يتحدَّث ربُّ تلك السماوات والأرضين، وخالق شمس الشموس والشِّعرى، فإنه يذكر تلك الأيامَ في كلامه القدسي المُوجَّه إلى أجرام تلك السماوات والأرض وعوالمها، وذِكرُه هذا في محلِّه تمامًا.
وما دام للأيام على لسان الشرع مثلُ هذه الإطلاقات، فلو سلَّمنا بقولِ أرباب علم طبقات الأرض والجغرافيا وتاريخ البشرية من أنه مضى على البشر لا سبعة آلاف عام فحسبُ، بل مئات آلاف السنوات، فإن هذا القول لا يكون مُنافيًا لصِحّةِ الروايات المشهورة من أن عُمُرَ البشر من لدن آدم حتى قيام الساعة سبعة آلاف عام، ولا مُنافيًا لما أوضحنا من أنَّ حُكم نور القرآن امتدَّ لی(٦٦٦٦) عامًا، لأن للأيام الشرعية حكمًا وشمولًا ابتداءً من أربع ساعات حتى خمسين ألف سنة، فلا مطعَنَ في هذا الأمر.
لكن لم ينكشف حاليًا لقلبي وفي هذه اللحظة: أيُّ هذه الأيام هو المقصودُ في تلك الروايات المشهورة، ما يعني أن كشف ذلك السِّرّ أمرٌ غير مناسب.
الأساس الثالث: "لا يعلم الغيب إلا الله" سأعرضُ قضيةً في هذا الأساس، لكن لا يمكنُني الآن إظهارُ دليلها؛ وهي على النحو التالي: إن لهذه الدنيا عُمُرًا، وللكرة الأرضية التي فيها عُمُرًا آخرَ أقصرَ من عُمُرِها، وللنوع الإنساني الذي يعيش على هذه الكرة الأرضية عُمُرًا آخر أقصر من عُمُرِها.. فبين أعمار هذه الأنواع الثلاثة من المخلوقات المُتداخِلة في بعضها نسبةٌ كالنسبة التي بين المُسنَّنات التي تَعُدُّ الثواني
— 393 —
والدقائق والساعات داخلَ الساعة؛ فكما أن عُمُرَ نوع الإنسان يُحسَبُ بالأيام الناتجة من حركتي الكرة الأرضية، فمِن غير المُستبعَد على الحكمة الربانية أن يتشكَّل عمُرُ الأرض یی ابتداءً من اللحظة التي صارت فيها مظهرًا لوجود ذوي الحياة یی من الأيام الناتجة من حركة الشمس على محورها، والتي هي مركزُ ارتباطها؛ وكذا عمر الدنيا يُحتَسَبُ من الأيام الناتجة من الحركة المحورية لشمس الشموس.
وفي هذه الحالة: فإن كان عُمرُ النوع الإنساني سبعةَ آلاف سنة بالأيام الأرضية المعلومة، فحينها يكون عُمرُ الكرة الأرضية من اللحظة التي صارت فيها منشأً لذوي الحياة حتى خرابها يتجاوز مئتي ألف عام بالأيام الشمسية؛ أما عمر الدُنَى المنفصلة عن عالم البقاء، والناظرة إلى كرتنا الأرضية، والتابعة لشمس الشموس، وباعتبار كلِّ يوم من أيام شمس الشموس خمسين ألف سنة كما أشار إليه القرآن، فتكون حينها سبعة آلاف عام من تلك الأيام تساوي حوالي (١٢٦) مليار سنة.. (حاشية): لقد جرى هذا الحساب ذهنًا خلال دقيقة واحدة، وذلك بشهادة الحافظ الشامي ومصطفى من "قُولَه أونو" وصاحبه الحافظ مصطفى. (وذلك باحتساب السنة (٣٦٠) يومًا، فإن وُجد خطأٌ فلا يُلتفَتُ إليه). ما يعني أنه يمكن أن تكون هذه الأعمار أيضًا داخلةً في الأيام القرآنية التي يُعبَّر عنها بالأيام الشرعية.
أجل، إن ورود هذه الأيام في خطاب خالق الأرض والسماوات الموجَّه إلى الأرض والسماوات، وفي أثناء خطابه لشخصية هي سببُ خلق الأرض والسماوات، وهي نواتُها الأصلية وآخر ثمراتها وأكملُها.. يليق بعلوِّ القرآن وكمال المخاطب، وهو عين البلاغة. (والعلم عند الله، والله أعلم بأسرار كتابه).
رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا
سعيدٌ النُّورْسيّ
٭٭٭
— 394 —

المسألة الثالثة للمذكرة الخامسة عشرة

أيها الإنسان، وأي نفسي.. اعلم يقينًا أنَّ ما أنعم الحق سبحانه به عليك من بدنك وأعضائك وجسدك ومالك وحيواناتك، هي إباحة لا تمليك، بمعنى أنَّه وضع مُلكَه بين يديك لإفادتك، وأباحه لك على وجه الانتفاع، ولم يملِّكه لشخص مثلك عاجزٍ حقيقةً عن إدارته وجاهلٍ عن تدبيره، لأنه لو ملَّكَك إياه لاستوجب هذا أن يترك إدارتَه لك!
فيا عجبًا! مثلُك يعجِزُ عن إدارة المَعِدة التي هي أسهل إدارةٍ وأظهرُها، وداخلة ضمن دائرة الاختيار والشعور، فكيف يمكن أن تكون مالكًا للعين والأذن وأمثالهما من الحواس التي تستدعي إدارة خارجة عن دائرة الاختيار والشعور؟
فما دامت الحياة ومتطلَّباتها التي مُنِحَت لك ليست للتمليك بل للإباحة، فما عليك إلّا العملُ وفق دستور الإباحة؛ مثَلُك في ذلك كمَثَل مُضِيفٍ جوادٍ يدعو الضيوف إلى مأدُبةٍ، ويبيحُ لهم في مجلس ضيافته الانتفاعَ بالضيافة والأشياء الأخرى من دون تملُّكِها، فقاعدة الإباحة والضيافة هي التصرُّف حسَبَ رضا القائم بالضيافة، ولا يمكن في هذه الحالة الإسرافُ فيما أُبيح للضيف، ولا إكرامُ أحدٍ بشيء منه، ولا رفعُ أشياءَ من المائدة وتقديمُها صدقةً للآخرين، ولا رميُها وإتلافُها، إذ لو كان تمليكًا لكان يستطيع أن يتصرَّف فيه وفقَ رغباته وأهوائه.
فكذلك الأمر هنا تمامًا، فالحياة التي منحك الحق سبحانه إياها في صورة الإباحة لا يجوز أن تنهيها بالانتحار، ولا يجوز أن تفقأ عينك، ولا أن تصرف بصرك إلى الحرام في خارج رضا من منحك العين، إذ يُعدُّ ذلك إعماءً معنويًّا للعين؛ وكذا الأذن واللسان وما شابهها من الجوارح والحواس والأجهزة لا يجوز قتلُها معنًى بالخوض في الحرام؛ ولا يجوز لك أن تعذِّب حيوانًا لا يُؤكَل لحمُه وتقتله دون حاجة.
— 395 —
وهكذا يجب أن تتصرف بجميع النعم التي مُنحَت لك وفق قوانين الشريعة التي حدَّدها الكريم ذو الجلال صاحب المضافة الدنيوية هذه.
سعيدٌ النُّورْسيّ
٭٭٭
باسمه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أخي العزيز رأفت بك..
تلقَّيتُ رسالتك وكتابك بكل سرور وامتنان.. وأحسستُ فيك روحَ أحد طلابي "خلوصي بك" الذي أُكنُّ له حبًّا عميقًا، وقد قبِلتُك كتلميذٍ قديمٍ مثل خلوصي ولا طالبًا جديدًا؛ وإنَّ خاصِّية هذه التلمذة هي: أن يَعُدَّ "الكلمات" المؤلَّفة كأنها مِلكُه وهو صاحبُها، وأن ينظر إليها كأنه هو الذي ألَّفها وكتبها، فيسعى جاهدًا في نشرها وإبلاغها إلى مَن هم أهلٌ لها.
خطُّك جميل، ما شاء الله! فإن كان لديك مُتَّسع من الوقت فاكتب بعضًا منها؛ ويقوم بالكتابة قسم من الطلّاب الجادِّين أمثال "خسرو"، فخُذ منهم وشاركهم في عملهم.
ومنذ ستِّ سنوات وأنا أنتظر أن يظهر في "إسبارطة" طلَبةٌ جادُّون، وقد ظهر الآن عددٌ منهم وأنت أحدُهم بفضل الله ومنَّته، إنَّ تلميذًا واحدًا يَرجَحُ على مئة صديق.
أما الأنوار القرآنية المُسمّاة بی"الكلمات" فهي من نوع العبادة التفكُّرية التي تُعَدُّ من أهمِّ العبادات. والوظيفة الأهمُّ في هذا الزمان هي خدمة الإيمان، فالإيمان مفتاح السعادة الأبدية.
الباقي هو الباقي
أخوكم سعيدٌ النُّورْسيّ
٭٭٭
— 396 —
باسمه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أخي الجادَّ الوفي المدقِّقَ الصادقَ: رأفت بك..
أسأل الله أن يبارك لك في حياتك الزوجية الجديدة، وأن يجعل رفيقةَ دَربِك مظهرًا للوعد والصفات الواردة في رفيقة الحياة، ضمن الإشارة الثالثة التي في أواخر الموقف الثالث من الكلمة الثانية والثلاثين.. آمين.
إن رسالتك هذه المرة لطيفة جدًّا، وسوف أُدرِجُها بين فقرات أصحابك ضمن "المكتوب السابع والعشرين"؛ ولو اغتنمتَ بعضَ الفُرص السانحة بالكتابة فهو حسن؛ وستوقظُ فيك حياتُك الزوجية الجديدة شوقًا وحافزًا جديدًا تجاهَ حقائق الرسائل إن شاء الله.
أخي.. إن لك ولخسرو ولعاصم مكانةً كبيرة عندي، فأسأل الله لكم ولأمثالكم الثباتَ وكمال التضحية، ودوامَ الوفاء وحُسنَ التوفيق في خدمة القرآن.. آمين.
سلامي لإخواني هناك أمثال الشيخ مصطفى ولطفي ورشدي.
الباقي هو الباقي
أخوكم سعيدٌ النُّورْسيّ
٭٭٭
باسمه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أخي في الآخرة العزيز الجادَّ الوفي، وصاحبي الهُمام في الخدمة القرآنية: رأفت بك..
سُرِرتُ برسالتك كثيرًا.. اعلم أنَّ أُخوّةً جادّة حميمةً جمَعَتنا قبل عامين، إلّا أنَّ بعض الموانع والعوارض حالت دون تقدُّمها، فأُبشِّرُك بأنها بدَأَت تتقدَّمُ اليوم، لأن
— 397 —
خسرو أوضح لي في رسالته أنَّه راضٍ عنك، ويَصِفُك بعد عودتي من "بارلا" على النحو الذي أرغبُ فيه، ما يعني أنك اتَّحَدتَ معه وتشاركُه في عمله بصورةٍ تامّة، فحاوِل قدرَ المُستطاع تقويةَ علاقتك به.
كما أنَّ أهمَّ وظيفة لكلِّ تلميذ خاصٍّ هي تعليم القرآن لأحد الأطفال، وها قد شرعتَ بأداء هذه الوظيفة؛ وما دُمتَ من الطلاب الأوائل فسيكون ابنك أيضًا من الأوائل إن شاء الله؛ وما دام ابنُك من أولادي المعنويِّين، فنصفُ الدرس الذي تُعلِّمُه باسمك والنِّصفُ الآخر على حسابي.
أمّا رُؤياك فهي مباركة جدًّا، وتعبيرُها ظاهرٌ جدًّا: فإسبارطة عبارة عن جامع، والشخصية المعنوية للهيئة المُسانِدة بصدقٍ لی"خسرو ورأفت ولطفي ورشدي وغيرهم" أُرِيتَها على صورة "سعيد"، وأما درسُ رسائل النور الذي تُلقيه فأُظهِرَ لك في صورة وعظٍ وإرشاد.
وأما تأخُّرك بسبب عدم أداء الصلاة واستعجالُك حتى تُدركَ الدرس، فتعبيرُه أن بعض وظائفك الدينية التي تُؤدِّيها خارج سياق نشر "الكلمات" تُورِثُك شيئًا من الكسل، وتُبقِيك في المرتبة الثانية في الدرس الذي حقُّك أن تنال فيه المرتبة الأولى.
على كل حال.. إنني اليوم راضٍ عنك تمامَ الرِّضا، وسائر الإخوة هناك.. فأسألُ اللهَ تعالى أن يرزقنا وإياكم الثبات على طريق الحق في خدمة القرآن.. آمين. سلامي لوالد زوجتك الحاج إبراهيم أفندي، وأدعو كثيرًا لأختي ولبدر الدين.
الباقي هو الباقي
أخوكم سعيدٌ النُّورْسيّ
٭٭٭
— 398 —
باسمه سبحانه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أخي العزيز الوفي الهُمام..
لقد فهمتُ من سليمان أفندي أنك تُعاني بعضَ المشاكل الخاصّة، وأجد من نافلة القولِ أن أُوصيَ أمثالَك من أهل الثَّبات بالصبر.. وفي تقديري أنَّ شرفَ الخدمة، وما تنطوي عليه من الأذواق، والحافز الكبير الذي في همَّتك، كلُّ ذلك سيكون عونَك في مواجهة تلك المشكلات الخاصة الأليمة، وفي التغلُّب عليها.
فاجتَهِد في عدم الاكتراث للأمر، فصاحبُ الحانوتِ الذي يضمُّ بضاعةً قيِّمة لا تشوبُها شائبة، ليس بحاجة لاستجداء الزبائن؛ فإن كان للمشتري عقلٌ كان هو الذي ينبغي أن يُناشد ويسترضي.. وبسرِّ: "خيرُ الأمور أَحمَزُها"، فإن الخيرات العظيمة تُواجِهُ مشكلاتٍ كثيرة، وكلَّما كثُرت المشاكل ازداد أهلُ الحمية ثباتًا وإصرارًا لا فتورًا وإعراضًا، وأنت بإذن الله من أولئك الأثبات.
الباقي هو الباقي
أخوكم سعيدٌ النُّورْسيّ
٭٭٭
باسمه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أخي العزيز الوفي: رأفت بك..
أنت اليوم تُتابع الرسائل وتكتُبُها على الوجه الذي كنتُ آمُلُه، ما شاء الله! وإنَّ السعيَ القليل من أمثالك له حُكمُ الكثير، لأن الكثيرين يثقون بك، ويحاولون تقليدَك..
ومع وجودِ إخوانٍ جادِّين مثلَك، صارت بلادُ الغُربة هذه في حُكمِ وطنٍ حقيقيٍّ
— 399 —
لي، بل وأنسَتْني موطني الأصلي؛ وإن مصدر علوِّ المؤلَّفات وسموِّها یی بعد القرآن الذي هو مأخَذُها ومعدِنُها القدسيُّ یی نابعٌ من وجود مخاطَبِين أمثالِكم يُدرِكونها حقَّ الإدراك، ويشتاقون إليها اشتياقًا جادًّا؛ فلئن شكَرتَ الله مرّةً واحدة لأنك وجدتَني، فإنني أشكرُه ألفَ مرّةٍ لأنني وجدتُك.
تسألُ في رسالتك عن الاسم الأعظم.. إن الاسم الأعظم مخفيٌّ كخَفاء الأجَل في العمر وليلة القدر في رمضان؛ ولِاستتارِه ضمن الأسماء حِكَمٌ عظيمة، وفي نظري أن الاسم الأعظم الحقيقيَّ مخفيٌّ لكن يُعرَّفُ للخواصِّ فقط، غير أنَّ لكلِّ اسم مرتبةً عظمى تجعلُه بمثابة الاسم الأعظم.
ولأجل هذا السِّرِّ تبايَنَت ترجيحاتُ الأولياء للاسم الأعظم، فالاسم الأعظم عند الإمام علي رضي الله عنه في ستَّة أسماء، كما ذَكَر في أرجوزته المُدرَجة في "مجموعة الأحزاب"، وقد شرح الإمام الغزّالي في رسالة له باسم: "جنّة الأسماء" هذه الأسماء السِّتة التي ذكرها سيِّدُنا عليّ، والتي تحيط بالاسم الأعظم، وبيَّن خصائصَها، وتلك الأسماء هي: "فرد، حيٌّ، قيُّوم، حَكَم، عدلٌ، قُدُّوس".
لقد صحَّحنا القسم الثاني من "الكرامات الغيبية"، وأضفنا إليها قسمًا آخر، وأرسلتُها إليك.
إن التقدُّم السريع لی"بدر الدين" نابعٌ من فيض كرامة القرآن الحكيم.. أسأل الله له التوفيق.
بلِّغ سلامي الخاصَّ للحاجِّ إبراهيم أفندي، كما أُسلِّمُ على لُطفي ورشدي والحافظ أحمد وسزائي، وأدعو لأُختي في الآخرة. وقد أدرجنا قسمًا من رسالتك هذه المرّةَ ضمن "المكتوبات".
الباقي هو الباقي
أخوكم سعيدٌ النُّورْسيّ
٭٭٭
— 400 —
باسمه سبحانه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أخي العزيز الوفيّ، ورفيقي الصادق في خدمة القرآن: رأفت بك..
یی إن الرسالة التي نسَختَها هذه المرّة لطيفةٌ جدًّا، إذ أظهرت لي هِمَّتك ووفاءَك ومدى جِدِّيتِك، وأثبَتَت أن رأفت ليس بالرجل الكسول؛ وقد صحَّحتُها وأعدتُها إليك؛ وبعد ذلك سمعتُ أن الرجل الذي أخذها تركها في "إسلام كوي".
یی لم أجد الوقتَ الكافي لتأليف اللمعة الثالثة والرابعة من المكتوب الحادي والثلاثين، فأخشى أن يفوتَ أوانُها أيضًا مثلَما حصل في بيان سِرِّ الآية: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ، فلا تُؤلَّفَ بالطريقة المناسبة.
وإن اشتياق أمثالك يحملني على السَّعي في هذا السبيل بإذن الله، لكن هذه الشهور الثلاثة ذات أهمِّية عظيمة، لذا يجب الاشتغالُ بخير الأمور وأفضل الأعمال في هذا الوقت الذي يُنالُ فيه من المكاسب یی بسِرِّ ليلة القدر یی ما يوازي ثمانين عامًا من عُمُرِ الإنسان؛ وإن الاشتغالَ بالمسائل العائدة إلى القرآن هو في حُكم القراءة التدبُّرية للقرآن إن شاء الله، وباعتقادي أن في مطالعة الرسائل وكتابتها حظًّا من معاني العبادة والعلم والمعرفة والتفكر وتلاوة القرآن، ولعلَّك ممَّن يُقدِّر هذا الأمر جيِّدًا.
یی تمَّ الانتهاءُ من نسخ "المُعجزات الأحمدية" التي استكتَبتُها لأجلك، لكن يلزمُ استنساخُ نسخة أخرى على نسَقِها، ولذا ستبقى عندي مُؤقَّتًا.
یی في رسالتك ما يدلُّ على أنَّ الحافظ سزائي على صلة جدِّيّة بنا، ويهتمُّ بأمورنا؛ وكان لديَّ شعورٌ وجدانيّ بأننا سنجدُ يومًا ما في "إسبارطة" أخًا جديدًا وفيًّا لنا ونشيطًا كذكائي من "آغروس"، وسزائي هذا سيكون ذلك الشخص الذي شعرتُ به إن شاء الله، فبمجرَّد سماعي به تخيَّلتُ أنَّه هو؛ فإن كان الأمرُ كما تصوَّرتُ فهو خير، وإن لم يكن فليَجتَهِد حتى يكون كذلك؛ وإن كان لديه الفُضُول لمعرفة كيف
— 401 —
كان ذكائي، ففي المكتوب السابع والعشرين فِقراتٌ تُبيِّن ماهيّةَ ذكائي ومدى وفائه، فليُراجِعها.
یی بلِّغ سلامي الحارَّ لوالد زوجتك الحاجّ إبراهيم أفندي، وإنني قبِلتُه كأخٍ أُخرويٍّ جادٍّ، وله سهمٌ في سعيك وحظٌّ من هِمَّتك الجديدة بإذن الله تعالى.
وقد أدخلتُ بدر الدِّين رغم صِغَرِه في عداد التلامذة الكبار، فهو كبيرُ الصِّغار.. كثَّر الله من أمثاله؛ كما أدعو لوالدته، فلها يعودُ النصيبُ الأكبر في حُسن تربيته، فهي أستاذتُه الأُولى.
وبلِّغ سلامي أيضًا لباقي الإخوة أمثال: بكر آغا ولطفي أفندي والحافظ أحمد وسزائي.
الباقي هو الباقي
أخوكم سعيدٌ النُّورْسيّ
٭٭٭
باسم مَن تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أخي العزيز الوفي..
أولًا: دفَعَك الفضولُ لتعرُّف ماهيّةِ الحادثة الجديدة، وإنَّ الرسالتين الطويلتين الموجَّهتَينِ إلى تلك النواحي تُبيِّنان لك ماهيَّتَها؛ وإن ضَرَبات آية: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ تنزل وستنزل كالصّاعقة على رؤوس المُتسبِّبين بهذه الحادثة، ولكنَّنا قومٌ عَجِلُون، ولكل شيء ميقاتٌ معيَّن؛ وهذه الحادثة تتوجَّه إلينا بنَظَرات الرحمة، وأمّا وجهُها المُواجِهُ للمُلحِدين فينظر إليهم نظَرَ القهر والعذاب، مصداقًا للآية: فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ.
— 402 —
وعلى كل حال، فكما أن الجنة ليست رخيصة، كذلك جهنَّم ليست زائدةً عن الحاجة.
ثانيًا: كنتُ أرغب بالاستماع إلى بدر الدين هاهنا، إلا أن الوقت لم يسمح بذلك؛ غير أنِّي أستمعُ إليه الآن معنًى وخيالًا من هناك.. إنه يمضي قُدُمًا بإذن الله من مرتبة الولديّة إلى مرتبة التلمذة.
ثالثًا: تَطلُب مني رسالةً بخطِّ يدي! قيل لرجل فاقدِ الشَّفتين: انفخ على المصباح لتُطفِئَه. فقال: تطلبون مني أمرًا بالغَ المشقّة! لا يُمكنني ذلك.
نعم، إن الله سبحانه وتعالى لم يرزقني جَوْدةَ الخطِّ، حتى إنني أشعرُ بالملل من مجرَّد كتابة سطر واحد وكأنه عمل مرهق؛ وكنت في السابق أقول في نفسي یی لا من باب التشكِّي یی: يا ربّ، رغم احتياجي إلى الخطِّ ومحبَّتي الشديدة لنظم الشِّعر، إلا أنِّي لم أُرزق هاتين النِّعمتين!
ثمَّ تبيَّن لي بعدها بشكل قاطعٍ أن حرماني من الشِّعر والخطِّ فيه إحسانٌ عظيم، فإن معاونة أمثالكم من أبطال الأقلام والكتابة تَسُدُّ هذه الحاجة، فلو كنتُ أجيد الكتابة لَاعتمدتُ على خطِّي، ولَمَا أُقِرَّت المسائلُ في روحي ونُقِشَت فيها؛ فأيُّما علمٍ شَرَعتُ بتعلُّمه قديمًا كنتُ أكتبُه في روحي بسبب رداءة خطِّي، فأُحسِن إليَّ بمَلَكة فوق العادة.
أما الشِّعر فرغم كونه وسيلةَ تعبيرٍ لطيفةً ومُهمّةً، إلا أنَّ الخيال يتحكَّم فيه بشكل كبير، فيختلط بالحقائق ويُغيِّر صُورتَها، وربَّما تداخَلَت الحقائقُ في بعض الأحيان؛ ولأنه قُدِّر لنا أن نكون في المستقبل في خدمة القرآن الحكيم التي تُعَدُّ حقًّا خالصًا ومحضَ حقيقة، فلهذا لم يفتح القدرُ الإلٰهيُّ لي بابَ الشِّعر عنايةً منه وتفضُّلًا، وسِرُّ الآية: وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ مُتوجِّهٌ إلى هذا الأمر.
قد ذكرتُ لك الآن نُكتتَينِ مقابلَ خطِّي، وسأكتب بيدي بضعةَ أسطر في وقت لاحقٍ إن شاء الله وأتكبَّدُ المشقّةَ لأجل خاطرك.
— 403 —
إن لی"غالب بك" يدَينِ يكتب بهما، فأعطاني اليُمنى منهما يكتب بها لحسابي، وبقيت له يدُه اليُسرى؛ وهذا المكتوب كُتب بهاتين اليدين.
يُسلِّم عليك مسعود وغالب وسليمان أفندي ومصطفى چاويش وعبد الله چاويش، وأُسلِّمُ أنا على جميع الإخوة وفي مقدِّمتهم خسرو وبكر بك، وأخُصُّ بسلامي والدَ زوجتك الحاج إبراهيم أفندي، وأختي المحترمة، وبدر الدين المبارك، وأدعو لهم جميعًا.
الباقي هو الباقي
أخوكم سعيدٌ النُّورْسيّ
٭٭٭
أخي في الآخرة العزيزَ الوفيَّ المُدقِّق، ورفيقي في خدمة القرآن..
أولًا: تسألُني في رسالتك عن سبب استهلالي مُقدِّماتِ كلِّ رسائلي بالآية: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ، والحكمة في ذلك: كونُها أوَّلَ باب فُتح لي من أبواب خزائنِ القرآن الحكيم القُدسيّة، فإنَّ الحقيقةَ أنَّ هذه الآية هي أوَّلُ ما ظَهَر لي من بين الحقائق القرآنية العالية، وقد سَرَت هذه الحقيقة في معظم الرسائل.
وثمّة حكمةٌ أخرى هي: أن أساتذتي الأجلّاء الذين أثقُ بهم قد استهَلُّوا بها رسائلَهم.
وتسألُني في رسالتك أيضًا عن الكبائر السبع، فأقول: إن الكبائر كثيرة، إلا أن أكبر الكبائر وأعظم الذنوب التي يُطلَق عليها "المُوبِقات" سبعُ كبائر: "القتل، الزِّنى، الخمر، عقوق الوالدين (أي: قطع صلة الرحم)، المَيسِر، شهادة الزور، تأييدُ البدع التي تَضُرُّ بالدِّين".
ثانيًا: كُنّا في هذا الصَّيف نُبيِّن نِكاتِ الحروف القرآنية المتعلِّقة بالتوافقات، والتي هي بالنِّسبة إلى الحقائق القرآنية أشبهُ بالثمرات؛ أمّا الآن فقد تبدَّلت الفصول، وازدادت الحاجةُ إلى الحقائق أكثرَ من الحروف، لذا اختَرنا ألّا نَطرُقَ هذا الباب
— 404 —
مؤقَّتًا حتى الصَّيف المُقبل؛ إلا أننا والإخوان تفاءَلنا بمدى كون البيانات العائدة إلى الحروف حقًّا من خلال "ديوان مولانا جامي"، وقُلنا: يا جامي، ماذا تقول في النِّكات التي بيَّنَّاها حول الحروف القرآنية؟
قرأنا الفاتحة، وفتحنا الفألَ، فظهر لنا في مقدِّمة الفأل الآتي:
جَامِى اَزْ خَطِّ خُوشَشْ پَاكْ مَكُنْ لَوْحِ ضَمِيرْ
كِينْ نَه حَرْفِيسْتْ كِه اَزْ صَفْحَهءِ اِدْرَاكْ رَوَدْ
أي: إن هذه الحروف ليست بالحروف العادية حتى تبتعد عن صحيفة العقل والإدراك، فحروفٌ قدسية مثلُ هذه، وخطٌّ حسنٌ كهذا، يجب أن تُكتَب على صحائف القلب، وألّا تُمحَى أبدًا.
والغريب في الأمر أنَّنا لم نجد في جميع ديوانه عبارةً بهذا المعنى وشبيهةً بهذا الفأل! ما يعني أن هذا الفأل نبذةٌ من كرامات "مولانا الجامي".
الباقي هو الباقي
أخوكم سعيدٌ النُّورْسيّ
٭٭٭
لقد استكتبتُ لك "المعجزات الأحمدية (ص)" بشكل جميل، وبخاصِّية التوافقات؛ وقد كُتبت لك نسخة منها مشابهة وموافقة تمامًا لنسخة قيِّمة كتبها لي خسرو بقلمه ذي الكرامات؛ وسأُرسلها لك قريبًا.
أحتاج إلى نسخة شبيهة برسالة "إعجاز القرآن" المكتوبة حديثًا، والموجودة عندك، لأن قلم الحافظ لم يتمكن من الحِفاظ على التوافقات الموجودة فيه.. فلو قسمتموها بينكم بشكل مشترك تحت إشراف خبير التوافقات خسرو، وكتبتم لي نسخة تذكاريةً من "إعجاز القرآن"، كان ذلك حسنًا.
٭٭٭
— 405 —
١٤ شوال ١٣٥٢، كانون الثاني ١٩٣٤
(٭): تاريخ ورودها إلى رأفت بك.
باسمه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أخي الأُخرويَّ العزيزَ الوفي المدقِّق، وصاحبي المُتفكِّر الصدوق: رأفت بك..
أولًا: تتحدَّث في رسالتك أنك كلَّما قرأتَ موازينَ رسائل النور استفدتَ أكثر.
أجل يا أخي، إن تلك الرسائل هي بمثابة القوت والغذاء معًا، لأنها مُستمَدّة من القرآن؛ فكما يَستَشعر الإنسان الحاجة إلى الغذاء كلَّ يوم، كذلك يَستَشعر الحاجةَ إلى هذا الغذاء الروحي؛ فلا يسأم من قراءتها أمثالُك ممَّن ارتقت أرواحُهم وتيقَّظ قلوبُهم.
فالرسائل القرآنية إنَّما هي غذاء، وليست مجرَّدَ نوعٍ من التفكُّه كحال سائر الرسائل حتى تُورِث المللَ.
ثانيًا: هنالك أولياءُ كالغوث الأعظم، هم بعد مماتهم مظهرٌ لنوعِ حياةٍ شبيهةٍ بحياة الخضر، فالغوث الأعظم أكثرُ مظهريّةً للحياة من سائر أهل القبور، والسِّرُّ في ذلك أنَّ الاسم الأعظم الخاصَّ به هو: "يا حيُّ"؛ وكذلك مماتُ أقطابٍ عِظامٍ یی بعد حضرة الغوث یی هو بمثل حياتهم، كالقطبِ العظيم المشهور بی"معروف الكرخي"، والقطبِ الآخر الذي يُدعى "الشيخ حياة الحرَّاني"؛ وهذا الأمر مشتهِرٌ بين الأولياء.
ثالثًا: إنَّ عَزْم "الحدَّاد محمد أفندي" على التوجُّه لحفظ القرآن عزمٌ مبارك جدًّا، أسأل الله له التوفيق؛ وسنُعِينه بالدعاء قدر المستطاع؛ ففضلًا عن نيلِه بكلِّ حرف من القرآن العظيم الشأن عشرَ حسناتٍ على الأقل، كذلك كلَّما كرَّر التلاوةَ، وكلَّما وافَقَت التلاوةُ أوقاتًا مباركة، وكلَّما استمع لتلاوته المَلَكُ وسائر الروحانيِّين من ذوي الشعور، يصبح كلُّ حرف من حروفه بذرةً عظيمة تُنبِتُ من الحسنات سنابلَ معنويّةً
— 406 —
عظيمةً، وتغدو كلُّ حبّة منها أشبهَ بكلمة تخرج من الفم، وتتكاثر لتُشكِّلَ ملايينَ الكلمات المُتمثِّلة في مرايا تموُّجات الهواء.
كم هي مكرُمة عظيمة ظاهرة وبيِّنة أن يُنقَش في القلب كلامٌ مقدَّسٌ كهذا! يُمكن لكلِّ حرف من حروفه أن يغدو مفتاحًا لخزينة أبديّة! وسيُصبح "بدر الدين" بإذن الله قدوةً حسنةً للكثيرين، وسيحملُهم على حفظ القرآن.
أُهنِّئُ بالعيد جميعَ إخواني، وفي مقدِّمتهم "بدر الدين"، ووالدُ زوجتك الحاجُّ إبراهيم، وأختي في الآخرة؛ وأُسلِّم عليهم، وأدعو لهم.. وإن كان "باباجان" هناك فأبلغه سلامي أيضًا.
الباقي هو الباقي
أخوكم سعيدٌ النُّورْسيّ
٭٭٭
٥ شباط ١٩٣٤م
باسمه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أخي العزيز الوفي المُدقِّق المشتاق: رأفت بك..
بقدر ما ترغب بمحادثتي أرغب بهذا الأمر أكثرَ، لكنَّني للأسف في حالة مضطربة ولأسباب عدّة؛ وحين أجدُ فرصة سانحة لساعة أو ساعتين، أغتنمها بكتابة سبعِ أو ثماني رسائل؛ وكان "غالب" يأتيني بين الحين والآخر، إلا أنَّه مُنع أيضًا، ولم يبقَ سوى الشاميِّ المسكين، وحتى هذا الشاميُّ لا يُمكنُه الحضورُ في كلِّ وقت.
كما أنهم يجترحون هذه الدواهي فيهاجموننا بها بطريقة وحشيّة، ويسعون لتضييق الخناق علينا كلما سنحت لهم الفرصة؛ على أنِّي ما كنت یی أصلًا یی آمُل خيرًا
— 407 —
من النُّوّاب، فقد تعرَّضوا لهؤلاء وتركوهم هنا دون أن يتَّخذوا قرارًا بنقلهم، ليصبحوا أعداءً لي.
إن هؤلاء يتسبَّبون بصرفِ ذهني إلى التفكير بالدنيا بكلِّ أسف، ممّا يؤدِّي إلى توقُّف طلوعاتي القلبية! وإن انشغال الفكر بدنيا أهل الدنيا يشكِّلُ سُمًّا لي.. ألا فلْتكُن وبالًا عليهم! إنَّني لا أتدخَّل بشؤون دنياهم القذرة، وأطلُبُ منهم ألّا يدفعوني للتفكير بها، إلا أنهم يأبَوْن ذلك!
وقد تضرَّعتُ إلى الحقِّ سبحانه أن يَمُنَّ عليَّ بجميلِ الصَّبْرِ وتجريدِ الذهن، كيلا أشغَلَ فكري بذلك، فورد إلى قلبي هذا الأصل: "مهما بلغت المشاقُّ التي نتعرَّض لها في هذه الخدمة القرآنية فنحن مستعدُّون للتضحية والتحمُّل، فلو كان لي عدّةُ رؤوس، وقُطع كلَّ يوم واحدٌ منها، فإن اللَّذّة الروحية في هذه الخدمة السّامية تُقابلُ هذا التعذيبَ وتُكافئُ هذه التضحية"، وهكذا اتَّخذتُ یی بحمد الله یی مرشدًا لي ودليلًا الدستورَ التالي: «الرِّضا بالقضاء، والاستسلامُ للقدر، وتفويضُ الأمور إلى الحق سبحانه مع كمال التسليم».
وإني أُخاطبك اليوم بما كنتُ كتبتُه إلى نوحٍ مِن قبل: كان في السّابق رجلٌ يتَّبعُ مسلكًا باطلًا، ويظنُّه مسلكَ حقٍّ، فامتُحن في سبيل ذلك، فأظهر إرادةً بطوليةً بصبره على سلخِ جلده وهو حيٌّ، وتحمَّل كلَّ ذلك الألم لأجل ما يُكنُّه لمسلكه من محبّة! فكيف باللَّذّة السّامية المتمثِّلة في خدمة الحقيقة القرآنية التي هي عينُ الحق ومحضُ الحقيقة، ومنبع جميع أنوار الحقائق ومعدِنُها؟! ألا تكون ترياقًا وبلسمًا لاعتداءات هؤلاء المُلحِدين التافهة المُؤقَّتة، وللجراح التي يُحدِثونها في قلوبنا؟! بالطبع كانت وستكون.
ثانيًا: إن سؤالك بحقِّ سيِّد الزيديِّين إمام اليَمَن، سؤال قيِّمٌ ذو أهمية ويُمْنٍ، إلّا أنه صادف وقتًا غيرَ ميمون، حيث وضعي لا يسمح، وذهني مشتَّت، و... و... إلّا أنني أقول: إن الإمامَ زيدًا المشهور، هو أحد السّادات العِظام، من أئمّة آل البيت الكرام، وهو
— 408 —
الذي ردَّ غلاة الشِّيعة المتعصِّبين بقوله: "اذهبوا، أنتم الروافض"، ولا يقرُّ ولا يرضى بالتبَیرُّؤ من حضرة أبي بكر وسيدنا عمر رضي الله عنهما، بل يجلُّهما ويُقِرُّ لهما بالخلافة؛ وأتباعُه هم أكثرُ الشِّيعة اعتدالًا وأقربُهم إلى السُّنّة، وهم طائفة تتحلَّى بالإنصاف والإذعانِ للحقِّ سريعًا؛ فكما سيَغدُو الزيديُّون سببًا لإعمار ما خرَّبه الوهّابيّة، سيستقيمُ یی بإذن الله یی عُدولُهم عن سبيلِ أهل السنة والجماعة، وسيلتحقون بأهل السُّنة ويمتزجون بهم.
إن آخِرَ الزمان هذا يَمُوجُ ويضطربُ كثيرًا، وفتنةُ آخرِ الزمان هذه تُشعِرُ بولادة أمورٍ عجيبة!
سلامي لأصحابي ذوي الصِّلة بالرسائل، ولبدر الدين، ولأختي، وللحاج إبراهيم؛ وأدعو لهم.
الباقي هو الباقي
أخوكم سعيدٌ النُّورْسيّ
٭٭٭
١٥ شباط ١٩٣٤م
باسمه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أخي العزيز الوفي النَّبيه: رأفت بك..
أولًا: في نهاية الإشارة الأولى للكلمة العاشرة ورَدَت جملة: «أجل، إنَّ خَلْقَ كلِّ شيءٍ من شيءٍ واحدٍ، وخَلْقَ شيءٍ واحد من كلِّ شيء: شأنٌ خاصٌّ بخالق كلِّ شيء» ، وقد أُثبِتت هذه الجملةُ وأُوضِحت في نوافذ المكتوب الثالث والثلاثين، وفي الكلمات الإحدى عشرة للمكتوب العشرين.. وإن الكُلِّية الواردة هاهنا نسبيةٌ وعُرفية، فليس المقصودُ من: "خلق كلِّ شيءٍ من شيءٍ واحدٍ" خلْقَ جميع موجودات الكون وإيجادَها من شيء واحد، بل المقصود أنه سبحانه يَخلُق من شيءٍ واحدٍ یی أي: من قطرةِ ماءٍ
— 409 —
مثلًا یی كلَّ شيء من أمور الإنسان والحيوان، وكلَّ جزءٍ من أجزائه وعضوٍ من أعضائه، وأنه يَخلُق أيضًا من شيء واحد یی وهو التراب یی جميعَ لوازمِ النبات والحيوان.
كما أنَّ الكُلِّية التي في جملة: "خَلْقَ شيءٍ واحد من كلِّ شيء" مُقيَّدةٌ ونسبيّة، بمعنى أنَّ كلَّ نوع من أنواع الأطعمة التي يأكلها الإنسانُ يتحوَّل في جسده إلى جلد مديد ودم ولحم، وهكذا..
والحاصل المقصود من هذه الكُلِّية: أنَّ تحويل شيءٍ واحدٍ إلى أشياءَ مختلفةٍ، وصُنعَ شيءٍ واحدٍ من أشياءَ مختلفةٍ، إنَّما هو شأنٌ خاصٌّ بخالق كلِّ شيء لا غير.
ثانيًا: سُرِرتُ كثيرًا لكتابتك "منهاج السنة" بخطِّ يدِك، فإن قلَمَك يُؤنسُني كقلم عبد الرحمن رحمه الله.
ثالثًا: إن مباشرة "الحدَّاد محمد أفندي" بالحفظ أمرٌ مبارك جدًّا، أسأل الله له التوفيق؛ وسوف نُعِينُه بأدعيتنا، وليُساعِدْنا هو أيضًا بالدُّعاء كلَّما قرأ.
وإنني أدعو لبدر الدين ووالدته وجدِّه.
إن سزائي بك عندي كذكائي "إسبارطة"، ولي أيضًا رغبةٌ بلقائه، لكنَّنا نعيشُ هذه الأيامَ شتاءً ماديًّا ومعنويًّا؛ على أنِّي قلت لكم: لا أهمية لشخص "سعيد" حتى يُرغَبَ بمُجالسته ومُحاورته..
فأمّا "سعيد" الذي هو أستاذكم، فبإمكانكم مجالسَتُه ومحاورَتُه كلَّما فتحتُم رسالة من الرسائل؛ وأمّا "سعيد" الذي هو أخوكم في الآخرة، فهو معكم صباحَ مساءَ في محراب الدُّعاء والتضرُّع ببابِ الحضرة الإلٰهيّة؛ فيُمكن لسزائي بك أن يلتقيَ بأستاذه وأخيه في الوقت الذي يشاء.
أما شخص "سعيد" فالسماعُ به أفضل من رؤيته، بل ربما شَعَر بعضُ من يُقابلُه بالنَّدم، على حدِّ المَثَل القائل: "تَسمعَ بالمُعَيديِّ خيرٌ من أن تراه"، ويقول: ليتني لم أره! فهو شبيهٌ بطبلٍ حسنِ الصوت من بعيد، فارغِ المحتوى من قريب!
— 410 —
سلامي ودعواتي لإخواني الخواصّ، وفي مقدِّمتهم خسرو وبكر بك والحافظ أحمد وسزائي والشيخ مصطفى اللَّباد، والحدّاد محمد أفندي.
الباقي هو الباقي
أخوكم سعيدٌ النُّورْسيّ
٭٭٭
باسمه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أخي العزيز رأفت بك..
التفتُّ في هذا الصباح بعد الصلاة، فظننت أنِّي رأيت رأفت بك؛ وكنت قد رأيتُ الليلةَ الماضية في المنام أني أُعطي أحدَ طُلّابي المباركين كيسًا من العسل وفي داخله الذهب؛ ما يعني أن الشخص الذي كان خلفي يحملُ قلبَ رأفت بك ورُوحَه؛ وهو يرغب أن يشتري بواسطتنا أثمنَ وألطفَ مُقتَنيات الخزينة التي أعمل دلّالًا لها؛ ثمَّ وجدتُه بعدها نسخةً ثانيةً منك، أي: أنه "سَيْرانِيّ"، فإن لكِلَيكُما سهمًا من هذه الرؤيا، فتقاسماها فيما بينكما.
على كلِّ حال.. إن الكلمة التي كتبتَها هذه المرّة أعجَبَتني كثيرًا، وكنتُ أخبرتُك سابقًا أنَّ خطَّك يبدو لناظري خطًّا قديمًا مألوفًا قياسًا على باقي الخطوط، فأدركتُ سِرَّ هذا الأمر، وهو أنَّ خطَّك يُشبِه خطَّ ابن أخي عبد الرحمن رحمه الله! فيتوجَّب على هذا الخطِّ أن يَبْرُز إلى الميدان، لذا فمن أهمِّ الأعمال المباركة أن تغتنم الفرصة كلَّما وجدتَ في نفسك حافزًا لكتابة ما تختارُه بنفسك من الرسائل.
صحيح أن خلوصي قد حلَّ محلَّ عبد الرحمن، إلا أن هذا التَّشابُه في الكتابة يُبشِّرني بظهور نسخة أخرى من عبد الرحمن في شخص رأفت.
— 411 —
یی إن ما تفكِّر به حول الحِبر جيِّد، فليكن ما كتبتَه للتداولِ حبْرًا ثابتًا شريطة أن يكون جميلًا، وليكن ما تكتبُه لنفسك مشرقًا منيرًا، لأن ذلك يفتح الشهية والاشتياق للمطالعة.
سلامي ودعائي لمن لهم علاقة جديدة بالكلمات، أي: للحافظ محمود أفندي، إضافةً إلى الحُفّاظ الثلاثة السابقين؛ وقد أدخلتهم في دائرة الأخوّة، فليَثبُتُوا، وليجتهدوا في الدخول في دائرة الطلبة.. وإنني أَقبَل كلَّ من تَختارُه أنت بنفسك.
أُسلِّم على الأستاذ إسماعيل حقِّي أفندي، وأدعو له كثيرًا؛ فإذا كانت "إشارات الإعجاز" التي تُخاطبُ قلّةً من الناس، قد تحدَّثت إليه مطوَّلًا، فإنني أَقبَل شخصًا كهذا على الرأس والعين؛ فليقرأ الكلمات والمكتوبات التي تفسِّر "إشارات الإعجاز" وتوضحُ حقائقَها وتظهرُها رأيَ العين، ولا يكتفِ بإشارات الإعجاز فقط، وليقرأ على وجه الخصوص: الكلمتين الخامسة والعشرين والسادسة والعشرين، والمكتوبين العشرين والثالث والثلاثين، وما يختارُه من الرسائل.
وأسلِّم على إخواني وفي مقدِّمتهم بكر وخسرو، وأدعو لهم، وأرجو دعاءَهم.
إن مسألة الوهابية وصَلَتني البارحة، فطالعتُها ورغِبَت روحي أن أُرسلها إليك، إلا أن رأفت أتى بنفسه بصورة مغايرة، وأخذ كتابه بنفسه.
الباقي هو الباقي
أخوكم سعيدٌ النُّورْسيّ
إن كتابتك وكتابة خسرو لا تُتعِبُني أبدًا، لأن الأخطاء فيهما قليلة، لكن غيرهما من النُّسخ تردني قبل أن يراجعها النُّسّاخُ بأنفسهم ولو مرةً واحدة، لذا أعتمد على ذاكرتي في تصحيحها فأتعبُ كثيرًا؛ فلو قابلتم ما يكتُبُه الآخرون قبل إرساله إليَّ، فذلك حسن.
٭٭٭
— 412 —
باسمه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أخويَّ العزيزَينِ الوفيَّينِ، الغيورَينِ الجادَّينِ: رأفت بك وخسرو أفندي..
لقد غدوتُما قدوةً حسنة ومبعثَ يقظة للكثيرين؛ وبناءً على قاعدة "السَّببُ كالفاعل"، فإن سائر الحسنات التي يكتسِبُها الداخلون في الخدمة القرآنية بواسطتكما أو بالاقتداء بكما، يُسجَّل مثلُها في صحيفة أعمالكما إن شاء الله.
وأمّا الإخوة الذين أرسلتُما أسماءَهم هذه المرة كالسادة الأفاضل الحافظ بكر والحافظ طاهر والحافظ شكري، فقد قبلتُهم كإخوة لي، وليجتهدوا وليَبذُلوا وُسعَهم كي يُحرِزوا مرتبة الطُّلاب.. بلِّغوهم سلامي.
سوف أتحدَّث لكما هذه المرة عن حادثتين جزئيَّتين هما أَشبهُ بكرامات عوامِّ المسلمين، ممّا يُطلَق عليه مصطلح: المعونة الإلٰهيّة:
الأولى: كتب بعضُ أصحابي المكتوب التاسع عشر، فنظرتُ في الجزء الرابع من نسخة أحدهم فإذا بجميع الصلوات الشريفة جاءت مُتَناظِرة باستثناء بضع صلوات في صحيفتين أو ثلاثة، فتعجَّبتُ من الأمر ووضعتُ إشارة عليها؛ ثم نظرتُ في الجزء الثاني والثالث من نسخةِ آخَر، فوجدتُ جميع الصلوات متوازية مُتَناظرة باستثناء خمسِ أو ستِّ صحائف، فوضعتُ عليها إشارة أيضًا؛ وجعلتُ أعرضُها على بعض الإخوة، فما من أحد شاهدها إلا تعجَّب من الأمر؛ على أنَّ سائرَ من اطَّلعوا عليها أقرُّوا بالاتِّفاقِ أنَّ الإعجاز المعنوي للقرآن الكريم الذي انعَكَس شعاعُه في سائر "الكلمات"، قد تراءى في المكتوب التاسع عشر بشكل خاصٍّ على صورةِ الصلوات الشريفة، كنوعٍ من المعجزات الأحمدية.
كما أقرَّ كلُّ من شاهده أن لی"الكلمات" طرازًا خطِّيًّا خاصًّا بها، وبشكلٍ أخصَّ في المكتوب التاسع عشر، فلو أنه كُتب وفقَ هذا الطِّراز من الخطِّ، فستظهرُ فيه لطائفُ
— 413 —
عجيبة! وكنتُ أقول وأؤكِّد دومًا لكلِّ كاتب: اُكتُب بشكل منبسطٍ مُتباعدٍ وجميل. فكأني كنتُ أُستنطَقُ بذلك من قَبِيل الإنطاق بالحقِّ، كي أُوصيَ بذلك الخطِّ المعنوي الخاصِّ! وإن الأقرب إلى هذه الحقيقة وهذا الطراز من الخطِّ المعنوي: خطوط الحافظ زهدي الصغير وأشرف ومصطفى من "قُولَه أونو"، إذ إن تلك التوافقات والتوازنات تبدو أظهرَ ما تكون في كتاباتهما.
كنتُ أُلاحظ دومًا أن الكَتَبة المدقِّقين ربما سها أحدهم فأسقط سطرًا ما، وأنَّ من لم يكن منهم يُخطئ بكتابة كلمة واحدة، ربما أخطأ بكتابة سطرٍ بأكمله! ما يعني أنَّ التوافقات كانت تدفَعُهم للوقوع في هذه الأخطاء كأثرٍ من آثار اللطافة الفائقة للعادة، الظاهرة في "الكلمات".
لم يسمح الورقُ الذي لدينا بكتابة الحادثة الثانية، لذا اختَصَرتُ الحديث.
الباقي هو الباقي
أخوكم سعيدٌ النُّورْسيّ
٭٭٭
رأفت بك..
لقد زيَّنتُ مُتحَفي بمعجزتَيْ قدرةٍ بديعتين تعودان لك، وتنبِّهانِ فكري إلى التساؤل: كم من أمور عظيمة خارقة للعادة تَكمُن في أمور نَعُدُّها عادية؟!
فهذا التَّناظُر الواقع في الصلوات الشريفة الواردة في الجزأين الثاني والثالث من المكتوب التاسع عشر لا يمكن أن يكون مجرَّدَ صُدفة، فالتصادف قد يُحدِثُ توافُقًا بنسبة واحدٍ بالعشرة، أما هنا فالتوافق يبلغُ تسعةً بالعشرة.
ممّا يرجِّح أن هذا الأمر ليس من شأن الصُّدفة التي لا تملك الشُّعور، وليس من عملي ولا عملِ الكُتَّاب؛ وذلك لأنني ما أدركتُها إلّا الآن، والكتَّاب أدركوها من
— 414 —
بعدي؛ فثمّة إذًا قصدٌ وإرادة لإظهار لطافةٍ خارقة للعادة في "الكلمات" عامّةً، وفي الصلوات الشريفة الواردة في المكتوب التاسع عشر خاصةً؛ وبالتالي فليست هذه التوافقات إلا ترشُّحاتِ بلاغةٍ ولطافةٍ أُدرجتا بقصدٍ غيبيٍّ.
سعيدٌ النُّورْسيّ
٭٭٭
الأربعاء ١١ نيسان ١٩٣٤
باسمه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أخي العزيز الوفي، ذا التدقيق والاهتمام: رأفت بك..
في الوقت الحالي لا أجدُ حاجةً لإيضاح النِّقاط المطلوبة في اللمعة الثانية عشرة التي كُتبت باسمكم، فالمقصد الأصل هو الاقتصارُ على دفع الأوهام المُثارة حول الآية؛ ومن هذا الجانب يُمكِن للجميع فهمُها بدرجة كافية؛ وإنَّ لكلِّ فردٍ سهمًا ينالُه من كلِّ رسالة، وليس بالضرورة أن يُدرك كلَّ شيء فيها.
كيف وجدتَ رسالة "مرقاة السنة" ومبحث "وحدة الوجود"؟ فنظراتُك المُقدِّرة لا بدَّ أن تتلقّاها بالتقدير.
إن سؤالك الواردَ هذه المرة ذو جهتين:
الأولى: جهة سرِّ آل العباءة، فهي سِرٌّ، ولستُ أهلَ ذلك السِّر لأُجيبَ عليه، كما أنَّ مثلَ هذا السِّرِّ لا يُمكِن الإفصاحُ عنه لأحد، لأن جلوةً من جلوات الحقيقة المحمدية تتظاهر في آل العباءة.
أما الجهة الظاهرة الثانية: فهي بادية بيِّنة، فمن جملة ذلك: ما ورد في صحيح مسلم عن أُمِّ المؤمنين عائشة. ڤ قالت:
— 415 —
خَرَجَ النَّبِيُّ غَدَاةً وعَلَيهِ مِرطٌ مُرَحَّلٌ مِن شَعَرٍ أَسوَدَ، فجَاءَ الحَسَنُ فأَدخَلَه، ثُمَّ جَاءَ الحُسَينُ فدَخَلَ مَعَه، ثُمَّ جَاءَت فَاطِمَةُ فأَدخَلَهَا، ثُمَّ جَاءَ عَلِيٌّ فأَدخَلَه، ثُمَّ قَالَ: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا
هذا، وفي الصِّحاح السِّتة أحاديثُ كثيرة بهذا المعنى تتحدَّث عن آل العباء.. ولدفع البلاء وللاستشفاء والاستشفاع قال أحدُ الفضلاء:
لي خَمسَةٌ أُطفِي بِهَا نَارَ الوَبَاءِ الحَاطِمَه
اَلمُصطَفَى والمُرتَضَى وابنَاهُمَا والفَاطِمَه
وأكتفي حاليًّا بهذا القدر، فلا تتضايق.. سلامي لكلِّ من ورَدَت أسماؤُهم في رسالتك فردًا فردًا، وأدعو لهم.
الباقي هو الباقي
أخوكم سعيدٌ النُّورْسيّ
أرسلتُ إليك سبعًا من إشاراتِ اللمعة الثالثة عشرة التي تتحدَّث عن سرِّ الاستعاذة، فاطَّلِع عليها، فإن وجدتَ فيها نقصًا يحتاجُ للإتمام یی لا الإيضاح یی فأَبلِغني.
٭٭٭
الأربعاء ٩ أيار ١٩٣٤
باسمه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أخي العزيز الوفي المدقِّق: رأفت بك..
أولًا: أهنِّئك بمناسبة قدوم المولودة الجديدة المباركة، وآمُلُ أن تكون فألَ خير لكم، وأن تكون بإذن الله تعالى مظهرًا لسرِّ: وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى؛ وبما أنَّك
— 416 —
رُزقتَ بمولودةٍ أنثى یی كما رُزِق أخونا عاصم بك یی وبما أن أهمَّ أساسٍ في مشربنا هو "الشفقة" والبناتُ هنَّ بطلاتُ الشفقة والحنان، وهنَّ ألطفُ المخلوقات.. لذا فإنك تستحقُّ مزيدَ التبريك والتهنئة أكثر وأكثر. . وفي نظري أنَّ المخاطرَ الخاصّة بالأولاد الذكور في هذا الزمان هي أكثرُ منها لدى الإناث.
أسأل الله تعالى أن يجعَلَها مبعثَ سُلوان وأُنسٍ لكم، وأن يجعلها كملاك صغير يطوفُ في بيتكم.. وأُفضِّل أن يكون اسمُها "زينب" بدلًا من "رنگي گُول"، فهو مناسبٌ أكثر.
ثانيًا: إن الإفاداتِ التي كتبتَها أنت وشريف أفندي حول رسالتي: "حكمة الاستعاذة" و"أسرار البسملة الشريفة" قصيرة مقتضَبة، فلا يكادُ يُفهَم المرادُ منها: هل هي نقد أو تقدير؟ علمًا أنني قلت مِرارًا: ليس كلُّ شخص بحاجة لفهمِ عموم المسائل الواردة في كل رسالة، بل يكفيه المقدارُ الذي فَهِمه.
ثالثًا: إن عالَم المثال برزخٌ بين عالمِ الأرواح وعالمِ الشهادة، فهو يُشبِه كلًّا منهما من وجهٍ؛ إذ ينظر أحدُ وجهيه إلى هذا والآخرُ إلى ذاك، فمثلًا: مثالُك في المرآة يُشبِه جسمك صورةً، وهو لطيفٌ مثل روحك مادّةً؛ فعالَمُ المثال ثابت قطعًا قطعيةَ ثبوت عالَمِ الشهادة وعالَمِ الأرواح، (حاشية): وعندي أن وجود عالم المثال مشهود، وتَحقُّقَه بَدَهيٌّ بداهةَ عالم الشهادة، حتى إن الرُّؤيا الصادقة والكشف الصادق والتمثُّلات في الأشياء الشفّافة، هي ثلاثُ نوافذ مُطلّة من هذا العالم إلى ذلك العالم، بحيث تُظهِر للعوامِّ وللناس كلِّهم جوانبَ من ذلك العالَم. وهو مَشهَر العجائب والغرائب، ومُتَنَزَّه أهل الولاية.
فكما أن القوة الخيالية موجودةٌ في الإنسان الذي هو عالمٌ صغير، كذلك عالَم المثال موجودٌ في العالم الذي هو إنسان كبير يُؤدِّي تلك الوظيفة؛ فهو عالَمٌ ذو حقيقة، ومثلَما تُشير القوة الحافظة في الإنسان إلى اللوح المحفوظ، كذلك القوةُ الخيالية أيضًا تُخبر عن عالم المثال.
— 417 —
سلامي لجميع الإخوة هناك، وفي مقدِّمتهم خسرو وبكر بك ورشدي ولطفي والحافظ أحمد وسزائي والأساتذة الثلاثة والمحمَّدون الثلاثة والأبرياء الثلاثة في بيتك ووالد زوجتك، وأدعو لهم جميعًا.
الباقي هو الباقي
أخوكم سعيدٌ النُّورْسيّ
٭٭٭
الأربعاء ٣٠ أيار ١٩٣٤م
باسمه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أخي العزيز الوفي، ذا التدقيق والاهتمام: رأفت بك..
إن لك فِيَّ أُستاذًا وأخًا وصاحبًا.. فلك أن تُشاهد أستاذَك وتلتقيَ به في كلِّ رسالة، وكما يراك أخوك یی خيالًا ومعنًى یی بدعواته في ديوان الحضرة الإلٰهيّة في كلِّ صباحٍ ومساء، فبإمكانك أن تراه أيضًا بتلك الصُّورة؛ فلا تُكلِّف نفسك تعبَ الحضور إلى هنا كي تُقابِل صاحبك، فصاحبُك هذا لا يليق بالزيارة، لأنه واحد وأنتم كثيرون، لذا سيأتي لزيارتكم هناك إن شاء الله.
وقتي الآن لا يسمح بالإجابة فيما يتعلَّق بالآية: وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى، لكن يُروى حديثٌ لا أعرف مدى صحَّتِه: أن الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام أمر بحُبِّ الأولاد الذكور، فقيل: لماذا استثنيتَ البنات؟ فقال: إنهن يُحبِّبنَ أنفُسَهن بأنفُسِهنَّ، فهُنَّ محبوباتٌ فطرةً.
أجل، لأنَّ البنات مظهرُ الشفقة والجمال، لذا تحظى بالمحبّة أضعافَ الذكور، خصوصًا في هذا الزمان، فهنَّ أكثرُ بركةً بحقِّ الأبوين، لقلّة تعرُّضهنَّ للمخاطر الدينية.
— 418 —
سؤالك الثاني: قول "إبراهيم حقي": "إن الجوعَ اسمٌ أعظمُ" لا أعلم المراد به، إذ لا معنى له في الظاهر، بل ربما كان خطأً؛ لكن أقول: ما دام اسمُ "الرحمٰن" يؤدِّي وظيفة الاسم الأعظم لدى الكثيرين، فلعلَّ فيه إشارةً إلى أن الجوع المادي والمعنوي وسيلةٌ للوصول إلى ذلك الاسم الأعظم، فيمكنُ القولُ على سبيل المجاز: إنَّ الجوعَ اسمٌ أعظمُ، أي: باعتباره وسيلةً إلى اسمٍ أعظم.
أدعو للأبرياء الموجودين في دارك، وسلامي لرفاقك في الدرس جميعًا.
الباقي هو الباقي
أخوكم سعيدٌ النُّورْسيّ
٭٭٭
الأربعاء ٢٠ حزيران ١٩٣٤م
باسمه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أخي العزيز الوفي المُدقِّق: رأفت بك..
تسألني في رسالتك عن اللطائف العشر، فإنَّ لمحقِّقي الطريقة النقشيَّة آثارًا ومؤلَّفاتٍ حول اللطائف العشر، إلا أنَّ هذا الزمان ليس زمانَ تعليم الطريقة.
أما وظيفتنا في الوقت الحاضر فهي استخراج الأسرار لا نقلُ المسائل الموجودة، فلا تتضايق لعدم سردي تفاصيلَ الأمر، غير أنِّي أقول: أفاد الإمام الرباني أن اللطائف العشرَ هي: القلب، والروح، والسِّر، والخفي، والأخفى، وذكر أنَّ لكلِّ عنصر من العناصر الأربعة في الإنسان لطيفةً إنسانيةً تُناسِبُه، كما تحدَّث إجمالًا
— 419 —
عن رقيِّ كلِّ لطيفة من تلك اللطائف وأحوالها في كلِّ مرتبة من المراتب أثناء السَّير والسلوك.
أمّا بالنِّسبة إليَّ فأَرى أنَّ لطائفَ كثيرةً مُندرجةٌ في ماهيّة الإنسانِ الجامعةِ، وفي استِعداداتِه الحياتية، إلّا أنَّ ما اشتَهَر عشرةٌ منها فقط؛ حتى إن الحُكَماء وعلماء الظاهر اتَّخذوا من تلك اللطائف العشر أساسًا لحِكمتِهم، لكن بصورة مغايرة، فجعلوا الحواسَّ الخمس الظاهرة والحواسَّ الخمس الباطنة نوافذَ لتلك اللطائف العشر أو نماذجَ لها.
بل ثمّة تناسبٌ بين لطائفِ الإنسان العشر المتعارفِ عليها لدى العوامِّ والخواصِّ، وبين لطائف أهل الطريقة العشر؛ فمثلًا: لطائفُ "الوجدان، الأعصاب، الحِسّ، العقل، الهوى، القوة الشَّهَوية، القوة الغضبية" وأمثالها، إذا أُضِيفت إلى "القلب، والروح، والسِّر"، فستظهر اللطائف العشر في صورة مختلفة.
وهنالك لطائف أخرى كثيرة غير هذه المذكورة، كی"السائقة، والشائقة، والحِسّ المُسبَق قبل الوقوع"، فلو كتبتُ حقائقَ هذه المسألة لَطالت كثيرًا، لذا اضطررت إلى الاختصار لضيق الوقت.
أما بالنسبة إلى سُؤالك حول المعنى الاسمي والمعنى الحرفي، فقد وُضِّحَت هذه المسألة في جميعِ مقدِّماتِ كتب علم النحو، إضافةً إلى ما تشتمل عليه رسائلُ علم الحقيقة أمثال "الكلمات" و"المكتوبات" من بياناتٍ وافية، وذلك من خلال الأمثلة؛ وإنَّ الإسهابَ في الإيضاح لِأمثالك ممَّن يملكُون ذكاءً ودِقّةَ ملاحظةٍ ضربٌ من الإسراف.
فلو أنَّك نظرتَ إلى المِرآة بقصد رؤية زجاجها، فإنك ترى مادَّتها الزجاجية ابتداءً، وتكون صورةُ رأفت فيها أمرًا تبعيًّا، فتلحَظُها ببصرِك كأمرٍ ثانويّ؛ بينما إذا نظرتَ فيها لرؤية محيّاك المبارك المُتمثِّل فيها، فإنك ترى رأفت المحبوب ابتداءً
— 420 —
وتقول: فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ! ويظلُّ زجاجُ المرآة حينها أمرًا تبعيًّا، فتراه كأمرٍ ثانويٍّ.
فزجاجُ المرآة في الصورة الأولى هو "المعنى الاسميّ"، ورأفت هو "المعنى الحرفي"؛ بينما زجاجُ المرآة في الصورة الثانية هو "المعنى الحرفي"، إذ ليس هو المقصودَ بالنظر، بل نظرُك إليها لغرضٍ آخر وهو الصورة المنعكِسة؛ فهذا الانعكاس هو "المعنى الاسمي".
ومن هنا جاء تعريف الاسم: "ما دلَّ على معنًى في نفسه"، وأما تعريف الحرف فهو: "ما دلَّ على معنًى في غيره".
فبحسب النظر القرآني إلى الكون، فإن جميع موجوداته عبارة عن حروف تُعبِّر بمعناها الحرفي عن معانٍ في غيرها، بمعنى أنها تعبِّر عن تجلِّيات الأسماء الحسنى والصفات الجليلة للخالق العظيم المتجلِّية على الموجودات.
أما نظرة الفلسفة المادِّية الميتة، فهي تَنظُر على الأغلب بالنَّظر الاسمي إلى الموجودات، فتزِلُّ قدَمُها إلى مُستنقَع الطبيعة.
وعلى كل حال فليس لديَّ الآن متَّسعٌ من الوقت للحديث أكثر، حتى إنَّني لا أستطيعُ أن أكتُب القسمَ الأخيرَ والأهمَّ من "الفِهرِس" رغم أنه سهلٌ يسيرٌ.
سلامي لجميع رفقائك في الدرس، خصوصًا خسرو، بكر، رشدي، لطفي، الشيخ مصطفى، الحافظ أحمد، سزائي، المحمَّدين والأساتذة، وأدعو للأبرياء المباركين في منزلك المبارك.
الباقي هو الباقي
أخوكم سعيدٌ النُّورْسيّ
٭٭٭
— 421 —
الأربعاء ٢٧ حزيران ١٩٣٤م
باسمه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أخي العزيز الوفي، كثيرَ التحرِّي والاستفسار: رأفت بك..
إنَّ ذكاءَك الوقَّاد ونباهتَك الفائقة يمكنُهما الإجابةُ على الأسئلة التي تطرحها، لذا تجدني أختصر الجوابَ على أكثر أسئلتك، فلا تتضايق من ذلك.. صحيحٌ أنني أرغب بمحاورتك، لكن لا أجدُ الوقت الكافي لذلك.
إن معنى «مسلم غير مؤمن، ومؤمن غير مسلم» هو ما يلي: في بدايات عهد الحرية، كنت أجد أنَّ بعضَ من انضمَّ لصفوف الاتِّحاديِّين من اللادينيِّين، كانوا يُقرُّون بأن في الإسلام والشريعة الأحمدية قوانين ساميةً قيِّمة، وأنها نافعةٌ للمجتمع البشري ولا سيما لسياسة الدولة العثمانية؛ وكانوا يُؤيِّدون الشريعة الأحمدية بكل ما يملكون من قوة؛ فهم من هذه النقطة مسلمون، أي: يلتزمون الحقَّ ويوالونه، مع أنهم غير مؤمنين، بمعنى أنَّهم يستحقُّون أن يُطلَق عليهم وصف: «مسلم غير مؤمن».
أما الآن فهناك مَن يحملُ في قلبه الإيمانَ بالله تعالى ورسوله (ص) واليوم الآخر، ويَعرِفُ نفسَه بأنَّه مؤمن، إلّا أنه يُوالي التيّارات ذات الأصول الإفرنجية والمُناقضة للشريعة والمؤيدة للمُحدَثات والبدع، تحت مسمى المدنية؛ فلمّا كان غيرَ ملتزِم بقوانين الشريعة الأحمدية التي هي الحقُّ والحقيقة، ولا يُواليها حقَّ الموالاة، صار بذلك «مؤمنًا غيرَ مسلم».
ويمكن أن يقال: كما أن الإسلام بلا إيمان لا يكونُ سببًا للنجاة، كذلك الإيمان بلا إسلام یی على علم یی لا يمنح النجاة.
سؤالك الثاني: جوابُه أنَّ عبارة "الأجل المُبرم والأجل المُعلَّق" يعبَّر عنها أيضًا بی"الأجل المسمَّى وأجل القضاء" كما لا يخفى عليك.
— 422 —
سؤالك الثالث: إن عدد "الكلمات" ثلاث وثلاثون، وكذا "المكتوبات" ثلاث وثلاثون، و"النوافذ" ثلاث وثلاثون، فيبلغ مجموعُها تسعًا وتسعين؛ وكذلك الحركات الفكرية الأولى لأخيكم الفقير بدأت بحسب مراتب "سبحان الله، والحمد الله، والله أكبر" التي يُقرَأُ كلٌّ منها ثلاثًا وثلاثين مرّةً عقِبَ الصلاة، وقد شعرتُ بتسعٍ وتسعين مجاهدةً فكرية وتظاهرةً في المقامات الروحية، ورأيتُ على صورة خيال من بعيدٍ أسرارَ المظهرية لجلوات الأسماء الحسنى التسع والتسعين، كما هو موضَّح في مقدِّمة "رسالة القطرة" المؤلَّفة بالعربية؛ فمن ذلك تجد العدد (٣٣) المبارك يجري حكمه في كثيرٍ من حركاتي العلمية والنَّشرية.
سلامي لإخواني وفي مقدِّمتهم رفقاؤك في الدرس، والحاج إبراهيم؛ وأدعو للأبرياء في منزلك.
الباقي هو الباقي
أخوكم سعيدٌ النُّورْسيّ
أرجو من خسرو أن يكتب الفِقرة التي تحتها إشارة في بداية رسالة أخي عبد المجيد إلى خلوصي بك، وكذا الفقرة التي خلفها والمقتبسة من رسالة رأفت بك، ثم ليُرسِلْها إلى الحافظ علي، لكي تُدرَج بين فِقرات المكتوب السابع والعشرين.
٭٭٭
— 423 —
الأربعاء ١١ تموز ١٩٣٤م
باسمه سبحانه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أخي العزيز الوفي، ذا التدقيق والاهتمام: رأفت بك..
كنت أدعو دائمًا یی بغير حقٍّ یی أخًا لطيفَ الحديث مثلك إلى السُّكوت وترك السؤال، مع أنني معذور في هذا الأمر، بل مُجبَرٌ على ذلك؛ فقد جلستُ في هذا اليوم أنتظرُ الكاتب أربعَ ساعات لأكتب رسالة، إلا أنه لم يحضر، ممّا اضطرَّني للسَّير عشرين دقيقة لأجدَه عند رأس عين السِّقاية مُنهَكًا وناعسًا يغفو! فأغريتُه بالعمل بدعوى أنَّه عملٌ قليل، فظنَّ الأمرَ يستغرقُ عشَرةَ دقائق، إلا أنني جعلته يعملُ في كتاباتي الضرورية مدةَ ساعتَينِ؛ فضلًا عمّا كنتُ أعانيه من إرهاقٍ ذهنيٍّ والحاجة إلى الاستراحة.
غير أنِّي تعرَّضتُ لصفعةٍ معنوية جزاءَ إسكاتي لمُشتاقٍ مثل رأفت، فبَدَلًا من سؤالك السَّهل اللَّطيف الذي تريد أن تسألَه هذا الأسبوع، سألَني أصحابُنا في "سِنِر كَنْت" أسئلةً مُزعجةً تستلزمُ قوّةَ ذاكرة سعيدٍ القديم، فقُلت لنفسي: تستحقُّ ذلك! ما دُمتَ لم تُصغِ إلى رأفت فأصغِ إلى هؤلاء.
والواقعُ أنَّ الإجابة على أسئلة هؤلاء ضرورية لازمة، لأنَّ المُلحِدين يجترئُون عليهم ويُحرجونهم في مثل هذه المسائل، فاضطُرِرتُ لتحرير جوابٍ ناقصٍ قصيرٍ ومختصر، جبْرًا لخاطر رأفت؛ فاقرأ هذه الأجوبة مع خسرو، واقرأ كذلك الأجوبة المُرسَلة سابقًا حول الأسئلة الأربعة، والجوابَ القصير حول أسئلة صبري أفندي والحافظ علي عن المغيَّبات الخمسة، فإن وجدتُماها مناسبةً فأَدرِجوا ثلاثة أجوبة معًا في اللمعة السادسة عشرة، أو في موضع المكتوب الرابع عشر الذي لم يُؤلَّف بعدُ؛ مع تصحيح الأخطاء إن وُجدت، إذ إنَّ أصل الأجوبة من قبيل السُّنوحات، فربما اختلط فكري حين الخوض في تفصيلاتها فوقع بعض الأخطاء.
— 424 —
كانت لدى الحافظ أحمد رغبةٌ بكتابة المكتوب التاسع عشر، فهل باشر الكتابةَ يا تُرى؟ أبلغه سلامي الحارّ، وإن خدمة الكتابة مهمة جدًّا، وهي عبادة من عدّة جهات.
أدعو للأبرياء في بيتك المبارك، وأبلغ سلامي الحارّ لأصحابك في الدرس.
وقد كان الشيخ مصطفى أفندي الكَچَجي يكتب بعض الرسائل، فعسى أن يشترك في هذه الخدمة السّامية شخصيّاتٌ مباركة أمثاله إن شاء الله، وأسلِّم عليه بشكل خاصٍّ وأرجو دعاءَه.
وكلما تذكَّرتُ رأفت خطر ببالي الحاج إبراهيم أفندي وبدر الدين، فسلامي ودعائي لهما بشكل خاصّ.
الباقي هو الباقي
أخوكم سعيدٌ النُّورْسيّ
٭٭٭
باسمه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أخي العزيز الوفي المُدقِّق: رأفت بك..
إن أسهل جواب لسؤالك وأفضلَه وأقربَه للرخصة هو جوابك أنت، فقد ورد في "شرح الملتقى" لداماد وفي "مراقي الفلاح": إنَّ كفارة واحدة كافية لوقائعَ متعدِّدة بسبب حصول التداخل، فتكفي كفارة واحدة ولو كانت الأيام من رمضانَينِ. وقد قالا: "هو الصحيح".
وإن في هذه المسألة عزيمةً ورخصةً معًا من زاوية نظر الحقيقة، فالعزيمة أنَّ لكلِّ رمضان كفارتَه ما دام الشخص مُطيقًا، أمّا الرخصة فالواجبُ كفارةٌ واحدة لعدّة
— 425 —
شهور من رمضان، وذلك بمقتضى سرِّ التداخل، وتبقى الكفارة عن كلِّ شهر في درجة المستحبّ؛ ولأن معنى العقوبة ومعنى العبادة مندرجان في هذه الكفارة فلذلك لا يُجبَر عليها كرهًا، فضلًا عن التداخل.
أخي العزيز.. بما أنني منشغلٌ بأُسُس الإيمان التي هي "الفقه الأكبر"، فلا يتوجَّه ذهني بشكلٍ جادٍّ إلى مراجعة دقائق المسائل الفرعية التي تبحث في النُّقول وفي مدارك الأئمة المجتهدين ومآخذهم؛ ناهيك عن عدم وجود الكتب لديَّ أصلًا، ولا أجد متَّسعًا من الوقت كي أُراجعها؛ أضف إلى ذلك أن علماء الإسلام قد بحثوا هذه المسائل بتدقيقات صائبة كثيرة بحيث لم تُبقِ حاجةً لتدقيقات عميقة في المسائل الفرعية؛ فلو أنِّي شعرتُ بحاجة حقيقية لرجعتُ إلى المآخذ العميقة للمجتهدين حول هذه المسائل الفرعية، وبيَّنتُ بعضَ ما فيها.. وربما لم يَحِن بعدُ زمنُ الاشتغال بمثل هذه الحقائق.. على كل حال.
أرسلتُ إليكم هذه المرّةَ البيانات التي تدورُ حول نهاية سورة الفتح، ومناسبتها لسياقِ البيانات التي تعود للآية: فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ، وكذا المحاكمات الدّائرة حول سرِّ: إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى المُدرَجة في لمعة "منهاج السنة"، فكيف وجدتُموها؟
ومن المُستحسَن أن تقُومَ أنت وأخوك خسرو بإعداد نسخة تامّة من الكرامات الغيبية للشيخ الگيلاني بجميع أجزائها، وإرسالِها إلى خلوصي بك، وينبغي أن تُرسَل جميعًا إلى عاصم بك أيضًا.
سلامي لجميع الإخوة، وفي مقدِّمتهم "بكر بك" یی بتعبير الغوث الأعظم یی و"بكر آغا" یی بتعبيرنا نحن یی وإلى أحمد خسرو، لطفي، رشدي، الحافظ أحمد، والد زوجتك الحاجّ إبراهيم بك، سزائي، وغيرهم، وأدعو لهم جميعًا.
أقبِّل رأسَ بدر الدين المبارك الموفَّق، فليدعُ لي كلَّما قرأ القرآن، فإن دعاء أمثاله من الأبرياء مُجابٌ بحقِّنا إن شاء الله؛ كما أدعو بشكل خاصٍّ لوالدته وأُختي في الآخرة،
— 426 —
فهي تستحقُّ التبريك لأن لها ولدًا كبدر الدين؛ وإن لكلِّ حرف قرآنِيٍّ يقرؤه بدرُ الدين ثمراتٍ أُخرويّةً كثيرة، بدءًا من العشرة حتى الألف، كما تُكتَب هذه الحسنات في سجلِّ أعمال والدته وصحائفِ أساتذته ومُعلِّميه.
الباقي هو الباقي
أخوكم سعيدٌ النُّورْسيّ
٭٭٭
(فقرة من رسالة خسرو كتبها ظنًّا منه أن أستاذه غاضبٌ منه بسبب أحد المواقف):
أستاذي الكريم الحبيب..
بين ثنايا الحزن الذي كان يَلُفُّني أثناءَ مطالعة رسالتك، كانت تَرِدُ إلى قلبي خواطرُ عديدة! إن طالبكم المليءَ بالنواقص والعيوب من جميع جوانبه وأحواله، كان قد فرش كلَّ كيانه تحت أقدام أُستاذه الحبيب؛ ولو أنه تعرَّض في كلِّ يوم لصنوفٍ من الاضطهاد أشدَّ بكثير مما يتعرَّض له الآن، بل حتى لو كان له ألفُ روح، فهو مُستعِدٌّ یی باعترافٍ قلبيٍّ لا شكليٍّ یی لأن يُضحِّيَ بها جميعًا ودونما تردُّد في سبيل أستاذه.
لقد كان طالبُكم المذنبُ يطلب من خالقه منذ سنين من يَحمِيه، ولو دُقِّق في صحيفة أعماله المُتَّشِحة بالسواد من بدايتها حتى نهايتها، لوُجِدَت بهذا الخصوص تضرُّعاتٌ كثيرة ودموعٌ غزيرة؛ ولو كان لي من الأرواح بقدر أعداد سُكّانِ الأرض لرضيتُ أن أُضحِّيَ بها جميعًا في سبيل خدمة القرآن، بل لي بذلك غايةُ الشَّرفِ والسعادة.
أستاذي الحبيب، ومُعلِّمي الجليل.. يا مُرشدي الذي أبحث عنه منذ سنين، ويا دلَّال القرآن العزيز.. أشعر بأنَّ أحزاني تنقلب سعادةً وسرورًا، إذ يستحضرُ قلبي هذه العبارة: "إنَّما تُوجَّه الصَّفَعاتُ لمن هو قريب، ولا يُلتَفت إلى البعيد ذي التقصير"
— 427 —
فيقول: هذا من فضل ربي.. على أنَّه ليس يُغادرُ ذاكرتي أنِّي كنتُ سببًا في آلام أستاذي العزيز وأحزانه!
مرشدي المُوقَّر.. مَن هذا الذي يمتلكُ الكفاءة والأهليةَ كي تتطاول يدُه على شيء من الرسائل، أو ينالَ بلسانه صحيفةً منها، أو ينتقدَ جملةً من جُمَلها، أو يعترض على كلمة بل حتى حرف ونقطة فيها؟!
ومن أين لي الجرأةُ حتى أُقدِمَ على فعلٍ كهذا، في الوقت الذي تحصُدُ فيه الرسائلُ استحسانَ سائر الناس بدون استتثناء؟! لا أستاذي الحبيب، كن مطمئنَّ البال، ولا تتوقَّع منِّي أدنى ميلٍ إلى أولئك الذين يَرُومُون مُضاعفةَ عذاباتك التي تُقاسيها، والتي هي أشدُّ من عذابِ رجلٍ محكومٍ عليه بالإقامة الجبرية في أحد الأبراج! أجل، دع عنك التفكيرَ بهذا الأمر، فأنا أُعارِضُه بشدّة وبكل كياني، وإنَّ تصديقَ وِجداني خيرُ شاهد على ذلك.
أحمد خسرو
٭٭٭
(فقرة الحافظ علي):
أستاذي العزيز..
لقد عُرِف هذا العصرُ بأنه عصرٌ ضبابيٌّ يغُصُّ بالأوبئة والسُّموم، حتى حَكَم بالزوال والفناء على ثمرة شجرة الكائنات (الإنسان) بما تَملِكُه نواتُها ولُبُّها وقُشورُها من فوائد، وساقها إلى الذلَّة والغرور، وإلى الفراق والأفول، وإلى إحكام الباطل والعدم العاطل، وإلى الحرص والحيوانية، والجمود والعبثية، وإلى التشرذم والعدم؛ فقضى على الجزء الأكبر من تلكم الثمرات.
وفي اللحظة التي أوشكت فيها أجزاؤها المتبقِّية على التفسُّخ والموت، نبَتَت فجأة (مذكِّرات الترياق) بالقُربِ من مركز تلكم الشجرة، وراحت تنمو مُتعلِّقةً
— 428 —
بأغصان "إسبارطة"، ومستمدّة من أتمِّ مشافي الحكيم المُطلَق وأكملها: "القرآن"، فهَبَّت للنجدة بآلاف حروفها وقَطَراتها، وسَقَت وجه الأرض من معينِها، ووهبت الحياة لآلاف الثمرات؛ وستظلُّ حتى قيامِ السّاعة تفيضُ یی كمنبعها یی بكرامة خارقة وطغراء فائقة.. فأحمد الله تعالى أن وفَّقني لنسخ هذا المؤلَّف المبارك.
أجل أستاذي، فكما أن واحدًا من آلاف مصاديقِ الآية الكريمة: وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ أن يشترك جميعُ أفراد البشر في التكوين من حيث الوجوه والأصوات، والأطوار والأخلاق، وغيرها من اللطائف والأجهزة، إلا أنَّه لا يُشبِه أحدٌ أحدًا، بل كلُّ فردٍ بحدِّ ذاته عالمٌ مستقلّ، يدفع كلَّ ذي شعور للإقرار بأنَّها بضاعةُ الواحد الأحد، ومصنوعُ الفرد الصمد، ومُوظَّفُه المأمور.
كذلك كلُّ قطعة من "كلمات النور" و"مكتوباته" التي هي الثَّمراتُ الحيّة للقرآن الحكيم، أظهَرَت قدرةً غير محدودة في عالَمِها الخاصِّ، وكشَفَت في كلِّ مبحث من مباحثها طِلسمًا من طلاسم أحدِ آلاف العوالم: "عالَمِ الشُّهود"، فكانت كلُّ رسالة منها بحُكم مفتاحٍ لمُعمَّى هذا العالم، وروحٍ له تنبضُ بالحياة.
فلو كُتب ونُشر بعد اليوم الآلافُ من هذه الإحسانات الإلٰهيّة والرحمات السُّبحانية، فثمّة حاجةٌ لها، وحولَ العالم الكثيرُ من الأماكن الخاوية المظلمة التي تنتظرُ بزوغ تلك الشُّعاعات من شمس الحقيقة.
أسألُ الحقَّ سبحانه في زمن العَنَت هذا أن يكتب لرسائل النور الشهرة والكثرةَ، فهي أشبهُ بعصا موسى بما تنطوي عليه من المزايا والخوارقِ في كثير من النواحي، وقد أَضحَت سببًا لفتوحات عديدة، وستظلُّ كذلك مستقبلًا إن شاء الله... آمين. آمين. آمين.
طالبكم المقصِّر: علي (رحمه الله)
٭٭٭
— 429 —
إخواني الأعزاء الأوفياء...
أرسلت بالبريد سبعًا وعشرين ليرة من أصل ثلاثين ليرةً أَرسَلَها رشدي، فأَعيدُوها إليه؛ وقد كتبتُ إليه بأنِّي لم أقبلها إذ لا حاجةَ لي بها، إضافةً لكون قبولها مُخالفًا لقاعدتي؛ لكن لأجل نواياه الخيِّرة أخذتُ منها ثلاثَ ليراتٍ فقط لتُصرَف باسمه في بعض جوانب الخيرات المُهِمّة.
سلامي للجميع، ولمن هم على صلة بكم، وأدعو لكم جميعًا.
أخوكم سعيدٌ النُّورْسيّ
٭٭٭
باسمه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أخي العزيز الوفي المُخلِص..
إن نقلَ مكانِ إقامتي إلى "إسبارطة" قد تسبَّب لي بفتور الطُّلوعات القلبية من جهة، وفي انقطاع التواصل معكم من جهة أخرى.
أولًا: ستُرسَل إليك الأمانات بواسطة "أغيردِر" أيضًا بناءً على رغبة أخوَيْنا صبري وحقِّي أفندي، وقد أرسل إليك صبري یی أو سيُرسِل یی المذكِّرات المُسمّاة بی"اللَّمعة السّابعةَ عشرة"، وأنا أُرسِلُ إليك هذه المرة أيضًا "الكلمة التاسعة والعشرين" ذات الأسرار والكرامات.
وإنَّ من التوافقات اللطيفة المفيدة: أنَّه في الوقت الذي كان خسرو يكتب فيه "الكلمة التاسعة والعشرين" لأجلك، جاءت هديةُ رمضان المباركةُ جدًّا عن طريقه، وفي تلك الليلة نفسها رأيتُ في المنام أنِّي آتي منزلَك وأجلسُ بجواره، كما رآك سليمان رشدي (الذي هو خسرو الثاني وسليمان الثاني) في منامه قبل ليلتين! فعَلِمنا من هذا
— 430 —
الأمر أننا بحُكمِ رجالٍ في منزل واحد، وأنه لا تأثيرَ للبُعدِ الماديِّ، وأنَّ جميع أمورنا قيد التوثيق، حتى العلاقات والمناسبات العاديّة التي بيننا.
ثانيًا: إن "الكلمة التاسعة والعشرين" بدأت أسرارُها بالظهور من خلال مقاربة أحد الناسخين لخطِّها اللازم، كما استطاع ناسخٌ آخرُ أن يُوافقَ خطَّها الحقيقيَّ مثلما جاء في وصفها.. إنها في الحقيقة تُجبِرُ كلَّ شخص على التصديق أيًّا كان فِكرُه؛ حتى لقد أقرَّ بها علماءُ معتبَرُون وناقدون، ووقَّعوا على إقرارهم قائلين: إنَّنا نُصادق على ما فيها من التوافق، ونُقرُّ به كما الشَّمسُ في رابعة النهار.
فلم يبقَ لدينا أيُّ شك في أنَّ جزءًا من مئة جزءٍ من إعجاز القرآن قد انعكس على هذا التفسير، لكن الفارقَ أن الإعجاز مقصودٌ فلا يُمكِن لأحدٍ أن يُعارضَه ولو قصدًا، أمّا ما تضمَّنته هذه الرسالة من توافقات فيكون خارقًا بشرط كونه عفويًّا غيرَ اختياريّ، فمن هنا يُعَدُّ كرامةً؛ ولا يُعتَرَض عليه بصورة قصديّة أو صُنعيّة.
وعلى كل حال، فليطَّلع أخوكم عبد المجيد على هذه النسخة مرّة واحدة، وستُكتب له نسخة منها أيضًا في وقت ما إن شاء الله.. وإن أراد أحد هناك نَسخَها كما هي، فعليه أن يكون دقيقًا جدًّا، لأن حروف هذه الرسالة ذاتُ أسرار أيضًا، فلا يَكتُبْها من لا يثقُ بنفسه.
ثالثًا: كيف حال أخينا فتحي بك؟ لماذا لا تلتقي به إلا قليلًا؟ لقد دعوتُ وأدعو له كثيرًا، وقد أحزَنَني جدًّا قلةُ لقائك به من أجل موظَّف مؤذٍ! وقد دعوت له كذلك مرات عديدة، أسأل الله القبول.
إن الحافظ عمر الذي أصبح صاحبًا ومخاطبًا تامًّا لك سيكون بإذن الله واسطةً مُهمّة لانتشار رسائل النور، وإنني أجدُه ذا علاقة جادّة في كلِّ رسالة من رسائلك.
وقد استكتبتُ لأجلك الرسالة المُسمّاة: "اللمعة السادسة عشرة"، وهي عبارة عن ثلاثِ مسائل مُهِمّة؛ فإن تمَّ الانتهاء منها فسأُرسِلُها كذلك.. وأحمدُ اللهَ أنَّ تلاميذ
— 431 —
رسائل النور وكتَّابَها يتكاثرون هاهنا يومًا بعد يوم، ومتى حصل شيءٌ من الفُتور ظهَرَ حينها ما يُشبِهُ سوطَ التَّشويق والتحفيز، فمن جملة ذلك الرسالةُ التي كُتِبَت لبعضِ إخواننا من أصحاب الطُّرق الصوفية ممَّن أظهروا بعضَ التكاسُل في الكتابة، وقد أرسلتُ إليك نسخة منها ضمنَ المرفقات كي يطَّلِع عليها عبد المجيد المُتكاسِل غير الكسول.
كيف حال والدتك الفاضلة؟ إنني قلقٌ بشأنها أيضًا، وأدعو لها كثيرًا.. فقل لها وللأستاذ عبد الرحمن نيابةً عني: إنَّ كلَّ ساعة من المرض بحُكمِ عبادةِ يوم.
سلامي لجميع أصحابي وفي مقدِّمتهم والدُك، وفتحي بك، والأستاذ عبد الرحمن، والإمام عمر، وكمال الدين؛ وأدعو لهم جميعًا، وأرجو دُعاءَهم.
الباقي هو الباقي
أخوكم سعيدٌ النُّورْسيّ
٭٭٭

هذه ثلاثةُ أو أربعةُ أمثلة من التوافقات اللطيفة التي هي مبعثُ شوقٍ وذوقٍ لِمَسلكِنا..

الأول: توافق أحرف الألف في ستِّ نُسخ من "رسالة الاقتصاد"، كتبها ستةُ ناسخين دون علم أو تنسيق فيما بينهم، وذلك في العدد (٥٣) الذي يوافق سنة تأليف هذه الرسالة ونسخها، ثمَّ قمتُ بمراجعة مسوَّدتها الأولى الأصلية فوجدتُ أنها حافظت على سرِّ العدد (٥٣) رغم كثرة إجراءات الحذف والتصحيح، فتعجَّبنا من ذلك.
الثاني: بعد إتمام "رسالة الفِهْرِس" كاملة، كتب المسوِّد الأول وبشكل عفويّ: "تمَّ هذا الفِهرِس الجميل"، دون أن يخطر بباله شيء، إذ لم يكن على علمٍ بالحساب
— 432 —
الأبجدي أصلًا، إلا أنَّ جملة: "تمَّ هذا الفهرس الجميل" تُشِيرُ بالحساب الأبجدي إلى العام (١٣٥٢)، وهو عام تأليف "رسالة الفهرس" ونَسخِها.
الثالث: بعد الفراغ من تبييض "اللمعة الثالثة والعشرين" وجدنا أنَّ عدد حروف الألف فيها بلغ (١٢٨) حرفًا، ويتوافق هذا العدد مع رقم هذه الرسالة وهو (١٢٨).
الرابعة: جلسنا البارحة نُصحِّح "المعجزات الأحمدية"، فحصل توافقان لطيفان بفاصل عشر دقائق بينهما، وهما على النحو التالي:
كان أربعة من الأصحاب يصحِّحون رسالتَي "المعجزات الأحمدية" و"المعراج"، كلُّ اثنين على حِدة، وهنالك سطرٌ واحد فقط من بين سطور "المعراج" البالغة (٦٠٠) سطرًا يتحدَّث عن حنين الجذع؛ كما تتحدَّث صفحة واحدة فقط من بين (١٥٠) صفحة لرسالة "المعجزات الأحمدية" عن المسألة نفسها؛ وبينما كان أعضاءُ الهيئتَينِ مُنهمِكِينِ بالتصحيح إذا بهم يتلفَّظون بنفس الكلمة، فتنبَّه للأمر أحدُ الفضلاء وقال: لقد تلفَّظ أعضاء الهيئتين بنفس الكلمة معًا! فدقَّقنا الأمر فوجدنا أن التصحيحين توقَّفا عند كلمة واحدة، على صورة تفوق العادة!
وبعد عشر دقائق، وأثناء تصحيح مبحثِ الأطفال السبعة الذين باتُوا مظهرًا للمعجزات السَّبع، جاءت في وقت غيرِ مُعتادٍ طفلةٌ صغيرة في الخامسة من عمرها تسمَّى "مليحة"، وهي في نظر الحضور طفلةٌ مباركة، فجلست تستمعُ إلى مبحث الأطفال بلهفة، وقدَّمنا لها الشاي فلم تشربه إلا بعد إنهاء قراءته! فبِتنا نحن الأربعةَ الحضور على يقين لا يداخلُه شكٌّ أن "المعجزات الأحمدية" التي هي المنبع الأول لسرِّ التوافقات، مثلما أظهرت كرامتها وقتَ تأليفها ونسخها وقراءتها بتوافقٍ بارع، فإنها بهذين التوافقين الصغيرين أظهرت لطيفتين صغيرتين من شعاع تلك الكرامة أيضًا.
إضافةً إلى ذلك: أنني قبل قرابة سنة، وبينما كنت أتنزَّه خارجَ المنزل، لاحظتُ أن ورائي أمرأة وطفلة صغيرة، فخرجتُ عن الطريق وأفسحتُه لهما، إلّا أنهما لم
— 433 —
تتقدَّماني، فتضايقتُ من هذا الأمر، وأسرعتُ الخُطا حتى دخلتُ أحدَ البساتين فوجدتُهما دخلتا البستان أيضًا، فتملَّكني الغضبُ والحيرة معًا؛ وكانت "المعجزات الأحمدية" بيدي، ففتحتُها متفائلًا، فكان أوَّلَ ما وقع بصري عليه اسمُ امرأة لم يَرِد ذِكرُها في هذه الرسالة إلا مرةً واحدة فقط، فرفعتُ رأسي ونظرتُ إلى تلك المرأة التي كانت تتعقَّبُني فعرفتُها، وكان اسمُها مطابقًا للاسم الوارد في الرسالة! فقلتُ: سبحان الله! لو أنني نظرت مُسبقًا إلى الكتاب حتى أعرف من هؤلاء لنجوتُ حينها من هذه الحيرة! فتعجَّبت من هذه الحادثة أنا والحافظ الشامي الذي كان بصُحبتي، وكذا تلك المرأة وآخرون.
سعيدٌ النُّورْسيّ
٭٭٭
بسبب اضطرابي القلبيّ فإنني من اليوم حتى عيد الأضحى لا أقبل زيارةَ أحدٍ سوى سليمان أفندي والحافظ توفيق الشامي وعبد الله چاويش ومصطفى چاويش؛ فأرجو المعذرة، ولا يتضايق مني أحد.
سعيدٌ النُّورْسيّ
٭٭٭
— 434 —

إلى الادِّعاء العامِّ الجمهوري في "إسبارطة"

منذ تسع سنوات وُضِعتُ تحت الإقامة الجبرية في هذه المدينة ودونما سبب، ولأني ممنوع من الاختلاط بالناس لم أستطع العمل، فبقيتُ وحيدًا في هذه الغربة الأليمة.
ومن الدلائل على عدم صلتي بالسياسة بأي وجهٍ كان: أنني منذ ثلاثة عشرَ عامًا لم أقرأ جريدةً ولم أَستمِع إليها؛ ويشهدُ على ذلك أهالي ناحية "بارلا" التي لبثتُ فيها ثمانية أعوام.
وإن رجلًا أمضى ثلاثة عشرَ عامًا من عمره دون أن يقرأ جريدةً هي لسانُ السِّياسة في هذا الزمان، ولم يستمع إليها أو حتى يطلُبْها، وبشهادةٍ ممَّن هم على صلة به منذ ثمانية أعوام في مركز هذه الولاية، ألا يُعدُّ ذلك خيرَ دليلٍ على أنه لم يتعرَّض لأيٍّ من المسائل التي تمسُّ بالسياسة؟!
وفضلًا عن ذلك: فإنَّني لا أرغبُ باستقبال الزائرين، ولا تستطيبُ نفسي مجالسةَ الناسِ، حتى إني في عيد الأضحى لهذا العام كتبتُ بضعةَ أسطر أعتذر فيها عن مقابلة الناس، وعلَّقتُها على باب المنزل؛ ورغم أنه لم يأتِ أحدٌ لزيارتي أصلًا، إلا أنهم وضعوا على بابي یی أنا الرجل الغريب الهَرِم المريض یی شرطيًّا يُراقبُني طوالَ أيام العيد الأربعة، ويترصَّدُ جميعَ تحرُّكاتي الشخصية دون أيِّ داعٍ سوى مُضايقتي وزيادة اضطرابي!
وكأنَّ هذا كلَّه غيرُ كافٍ، لأُفاجَأ بتفتيش منزلي في اليوم الرابع من شهر نيسان لهذا العام، وذلك أنِّي أصِبتُ بالسَّآمة الشديدة لعدم خروجي من المنزل، بسبب ظروف الشتاء ونتيجةَ المُراقبة الدائمة لتحرُّكاتي وتصرُّفاتي، فخرجتُ في ذلك اليوم أتجوَّل في الهواء الطلق مُغتنمًا اعتدالَ الجوِّ، لِأستنشقَ بعضَ من الهواء النَّقيِّ، ولأُخفِّف عن نفسي بعضَ الاضطرابِ الذي دام ستة أشهر؛ وحين عودتي إلى مكانِ إقامتي فُوجِئتُ بشُرطيَّين وقائدِهم خارج حديقةِ المنزل، وبمثلهم أيضًا على باب المنزل، وما إن دخلتُ حتى تعقَّبوني وصعدوا خلفي إلى غرفتي، وبدؤوا بتفتيش الغرفة.
— 435 —
وبما أنني مُنِعتُ من الاختلاط بالآخرين على مدى تسعة أعوام، حصرتُ هِمَّتي یی وفقَ مسلكي یی في الاشتغال بالقرآن والإيمان، لذا لم يعثروا سوى على بعض المؤلَّفات التي استنسختُها، فقاموا بمصادرتها على وعدٍ بإعادتها لي، وهذه المؤلَّفات هي:
أكثرُ من عشرين جزءًا من أجزاء القرآن المكتوبة بخطٍّ جميل وفريدٍ جدًّا، مُظهِرةً سِرَّ الكرامة ونقشَ الإعجاز لأكثرَ من ألفين وثمان مئة موضعٍ من ألفاظ الجلالة في القرآن الحكيم.
"الكلمة التاسعة والعشرون" التي يدورُ الحديثُ فيها حول بقاء الروح، والملائكة، وحقِّيّة الحشر؛ فأظهرت هذه الرسالة سرًّا عظيمًا، جعَلَها تُساوي عندي قيمة ألف ليرة على الأقل.
"المكتوب التاسع عشر" المسمى "رسالة المعجزات الأحمدية" التي تمكَّنت من إثبات البعثة النبويّة إثباتًا جليًّا كالشمس، وهي المكوَّنة من حوالي (١٥٠) صحيفة، والمؤلَّفة خلال اثنتي عشرةَ ساعة، مُظهِرةً بذلك كرامةً خارقةً لتلك المعجزات، مع سِرٍّ عظيم تحت مسمَّى التوافق، ما جعل هذه الرسالة وحدَها تُعادلُ قيمة ألف ليرة.
"المكتوب الثالث والثلاثون" المسمَّى بی"النوافذ الثلاث والثلاثون"، وهي التي أثبتت الوحدانية الإلٰهيّة كالشمس في وضَحِ النهار، وفسَّرت ثلاثًا وثلاثين آيةً عظيمة من آيات القرآن؛ وفضلًا عن سرِّ التوافقات الذي تنطوي عليه، فإنَّ لها أهميةً علمية وأدبية لدى أهل التوحيد، وتقدَّر قيمتُها المادية عندنا بألف ليرة.
نسختان من الرسالة المسمّاة بی"الكلمة الثانية والثلاثون"، التي اقتلعت الشِّركَ من أساسِه، وأثبتت الوحدانية بقوّة، وهي رسالة فريدة لا يتردَّد من فقَدَها من أهل العلم في دفع ألف ليرة في سبيل الحصول عليها من جديد.
ثلاثُ نسخ من رسالتي المسمّاة: "رسالة الاقتصاد"، وهي رسالة صغيرة، إلا أنها ذاتُ أهمِّية جليلة؛ وقد ألَّفتُها لأُنقِذ هذا الشعب الفقير من الإسراف، وأُعوِّدَه على الاقتصاد.
— 436 —
ما كتبتُه من أنوار الرجاء والسُّلوان نتيجةَ شيخوختي، وقد استقيتُها من المُنطلَقات الإيمانية الكامنة في القرآن؛ وهي عبارة عن خمس نسخ: ثلاثٌ منها تامَّات، ونسختان ناقصتان؛ وقد كُتِبت هذه الرسالة بحقيقة سامية لا تُقدَّر بثمن، من رجل هَرِمٍ على شفيرِ القبر.
تفسيرُ "إشارات الإعجاز" الذي طُبع باللغة العربية قبل خمسَ عشرةَ سنة، وقد ألِّف بين نيران الحرب العالمية، وقام حينها القائدُ العامُّ بالتبَرُّع بأوراق طباعته كي يُشاركَ في خيرات هذه الذِّكرى الحربيّة.
وكذا إحدى مجموعاتي المطبوعة باللغة العربية، المتضمِّنة لرسائل أمثال: "القطرة" و"الشَّمّة" و"الحَبّة" و"ذيل الحَبّة" المطبوعة في إسطنبول سنة (١٣٣٥)، و"ذيل ذيل الحبة" الذي طُبع في مطبعة "يني گُون" بأنقرة، و"الحَباب" التي طبعت في مطبعة أنقرة، و"الزهرة" و"الشُّعلة" التي طُبعت في إسطنبول؛ ونسختان من رسالتي القيِّمة الموسومة بی"السُّنوحات"، وقد طُبعت قبل خمسة عشر عامًا في إسطنبول؛ وثلاثُ نسخٍ تامّة وخمسُ أو ستُّ نُسَخ ناقصة من رسالتي المطبوعة التي تتحدَّث عن "سيرة حياتي"، والتي طبعت قبل خمسة عشَرَ عامًا من قِبَل ابن أخي عبد الرحمن في إسطنبول؛ ورسالتي المُسمّاة "الكلمة العاشرة" التي طبعتُها في إسطنبول قبل ظهور الأحرف المُستحدَثة، وهي رسالة قيِّمةٌ تُثبِت الحشرَ والقيامة كضوء النهار.. وغيرها من رسائلي وأوراقي الخصوصية والشخصية والإيمانية التي لا أستحضرُها.
وقد تجاوز أمرُ هذا التفتيش حدَّه، حيث إنَّهم صادروا القائمة التي تضمُّ مجموعةً من المقتنيات المنزلية كالكراسي والأواني والحديد وأشياءَ أخرى كانت قد سُجِّلت قبل ستّة أشهر حينما انتقلتُ من المنزل الذي كنتُ أُقيم فيه، ولم يعيدوها حتى اليوم.
إنني أعيشُ في هذه البلدة منذ تسعة أعوام، وخالطتُ فيها الكثيرَ من الأصحاب، ومع ذلك لم يُسنَد إليَّ حتى اليوم أيُّ جُرمٍ أو تُهمة، ولم تُسَجَّل بحقِّي أيّةُ حادثة، ولا
— 437 —
تُوجَد في حياتي أيّةُ أَمارة تَدعُو إلى الشَّكِّ أو الاشتباه؛ أما نفيي فكان نتيجةً لبعض الهواجس ولمجرَّد أخذ الحيطة دون أيِّ سببٍ فِعليّ، فكان أن أُخرِجتُ من المغارة التي كنتُ مُنزويًا فيها، ونُفِيتُ مع المَنفيِّين.
وخيرُ دليل على عدم صلتي بالدنيا والسياسة خلال هذه المدة، ما يشهد به نمط الحياة التي أعيشُها في هذه البلدة على مدى تسعة أعوام، وعدمُ استطاعة أحدٍ من دوائر الأمن أو الحكومة إيجادَ ما يُثيرُ الشبهة أو الرِّيبة في شيءٍ من رسائلي.. فإن كان لديَّ جُرمٌ فعلى الذين يدقِّقون في شؤوني خلال تسعة أعوام دون أن يقفوا على تُهمة أو أن يتمكَّنوا من إظهارِ جرمٍ، أن يُبرزُوه الآن.
(حاشية): وممّا يثير العَجَب أنهم فتَّشوا بشكل مفاجئ كلَّ الأوراق وصادروا أقدم الأوراق وأخصَّها عندي، وهي التي اضطُررتُ لإخفائها على مدى ثمانية أو تسعة أعوام تحت الظلم والاضطهاد، فأخذوها جميعًا ولم يتركوا منها شيئًا، إلّا أنهم لم يعثروا فيها على شيءٍ يثيرُ الشَّك أو يدعو للارتباك أو حتى ما يبعث على الخجل! ممّا يُظهر مدى بشاعة ما يقومُ به أهلُ الدنيا المُغرضون من أساليب الاضطهاد والمضايقة والمراقبة الظالمة نتيجةَ أوهامهم وسوء ظنونهم.
فيا تُرى! لو أُخِذ یی من بين مَن يُثير هذه الاتِّهامات یی أصغرُ أو أكبر مُوظَّف يَعُدُّ نفسه صادقًا وأمينًا تجاهَ وطنه وشعبه، وصُودرت جميع أوراقِه الخاصّة المدوَّنة في ثمانية أشهر لا ثمانية أعوام، ودُقِّق فيها، ألا يُمكن أن تُوجد فيها ثماني أو تسعُ موادَّ تُقلِقُه وتُخجِلُه؟!
لقد تضرَّرت شخصيًّا من فقدِ هذه الكتب بما تُقَدَّرُ قيمتُه المادِّية بألفَي ليرة على أقلِّ تقدير، إذ لم يتركوا عندي نسخةً واحدةً لأيٍّ من هذه الكتب والرسائل، وقد أنفقتُ في وقت مضى (٢٥٠) ليرةً لطباعة تفسير "إشارات الإعجاز" فقط، و(٣٠٠) ليرة لطباعة المجموعة العربية؛ ناهيك عن أنَّه ليس ثمّة عالمٌ ولا أديبٌ يُنكر أنَّ ما في الكلمتين "التاسعة عشرة" و"التاسعة والعشرين" من الأسرار الجليلة ما تفوق قيمتُه ألف ليرة.
ولا يفوتكم أنَّ الحكومة نظرت إليَّ قبل ثلاثة عشر عامًا باعتباري رجلًا قادرًا على تقديم أعمالٍ في "دار الحكمة" تستحقُّ من الأجرِ مئةَ ليرة، فخصَّصت لي هذا الراتب شهريًّا.
— 438 —
أما في هذه الأعوام الثمانية فمُنِعتُ من التجوال والاختلاط بالآخرين، لدرجة أنه لم يُسمَح لي سوى مرَّتين بالذهاب إلى قرية "إيلاما" التي تبعد مسافة نصف ساعة، وليس لديَّ موردٌ أو مالٌ، ولم أستطع إيجادَ عملٍ مناسبٍ لِسِنِّي في هذه القرية، ومسلكي في حياتي يقومُ على عدم قبول شيء من الآخرين.. فلأجل ذلك كلِّه أُحيلُ إلى الادِّعاء العامِّ أمرَ تقديرِ مدى ما أعانيه من تشتُّتٍ وخسارٍ وأضرارٍ، وأُطالبُ برفع دعوى لأجل إعادة جميع كتبي، أو تضمين المُتسبِّبين بهذه الأضرار بتعويضِ هذه الخسائر.
تتمّة: إن قوانين الحكومة لا تسمح بتقديم دروس في الطريقة، ولا بكتابة الرُّقى والتمائم، ولا بكسب النفوذ بين الناس؛ ولستُ ممَّن يهتمُّ بهذه الأمور، كما أنَّ الحكومة لا توافق على قدومِ الناسِ لزيارتي، وقد رغب بعضُ الأشخاص عدة مرات بزيارتي من أجل تلقِّي دروس الطريقة وكتابة الرقية، ورفضتُ بدوري هذا الأمر مراعاةً لقوانين الحكومة، ولكيلا أُثيرَ شُكوك موظفي الحكومة تجاهي، وبحسَبِ ما بلغني فإن الذين تذمَّروا من حالتي هذه، نسبوا إليَّ أمورًا كاذبةً لا أصل لها!
فهذا التضييق الشديدُ عليَّ لأجل هؤلاء الأشخاص الذين رفضتُ استقبالَهم رعايةً لقوانين الحكومة، وهذا الاضطهادُ الممارَس ضدِّي لأنني لم أتصرَّف خلافًا للقانون.. ألا يُفهَم منه معنى إجبار الناس على عدم الإصغاء للقوانين؟!
لقد تحمَّلتُ على مدى تسعة أعوام شتَّى صُنُوف التعذيب التي تعرَّضتُ لها في شؤون حياتي الدنيوية، وصبرتُ عليها ولازمتُ السكوت؛ ولم أتدخَّل في حياتهم الدنيوية، إلا أنَّ صبري نَفِد حينما بلغ الأمر درجةَ اعتدائهم على حياتي الأُخروية، فاضُطِررتُ لرفع دعوى حتى أَحصُل على حقوقي.
سعيدٌ النُّورْسيّ
٭٭٭
— 439 —
(هذا القسم يضمُّ المكتوبات التي كُتبت حينما كان الأستاذ في "قَسْطَموني" و"أميرداغ"، وأُدرجت بين نسخ المخطوطة بخطِّ اليد)
(استخرج هذه الفقرة أحمد نظيف چلبي أحد تلاميذ رسائل النور النَّشِطين، فاستُحسِن توثيقُها كآية ثانية وثلاثين للشعاع الأول، وبين فقرات المكتوب السابع والعشرين):
يقول: استمعتُ إلى آياتٍ من سورة الأحزاب على لسانِ أحدِ الحَفَظة، وشعرتُ أنَّها تتضمَّن إيماءً ورمزًا إلى رسائل النور، بل لربَّما إشارةً أيضًا، وهي الآيات التالية:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا ٭ وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ٭ هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا ٭ تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا ٭ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ٭ وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا ٭ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا
أجل، ما دامت الآيات التي تتحدَّث یی كهذه الآية یی عن مُهمّة الرسالة والدعوة، تتوجَّه إلى كل عصر، ولها في كل عصر أفرادٌ ومصاديق..
— 440 —
وما دام الإعجازُ المعنويُّ للقرآن الكريم من شأنه یی بل من مقتضاه ولازِمِه یی استمرارُ المزايا والنُّعوت التي أُوتيَها الرسولُ الأكرم (ص) في هذه الآيات في كلِّ زمان، وتجدُّدُ حُكمِها في كلِّ عصر، وشُمولُها بالمعنى الرمزي تحت تلك الصفات لمؤلَّفاتٍ كرسائل النور، ولشخصيّاتٍ متجدِّدة تُؤدِّي هذه الوظيفة في دائرة إحاطة هذه الآيات..
وما دامت رسائل النور تقوم بالوظيفة التي أشارت إليها هذه الآية في هذا العصر العصيب وبغاية البراعة، وترقى لأن تكون أحدَ أفراد معانيها الكلِّية..
فيُمكنُنا القول: إن هذه الآية آيضًا یی كسائر الآيات الإحدى والثلاثين الواردة في الشعاع الأول یی تتوجَّه إلى رسائل النور بالمعنى الإشاريّ، بأمارات متعدِّدة وقرائن خفيّة كثيرة؛ وهي على النحو التالي:
تقول جملة: لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا بمعناها الإشاري: يا أهل الإيمان والقرآن، إننا ننظر إلى عصرنا هذا وإلى لَمْعة قرآنية مُظهِرةٍ لاسم النور واسم الرحيم، وفي اسمها نور، وفي معناها الرحمة والشفقة، وأخرجَتْكم من ظلام دامس وقَتام حالكٍ ظلَّ مخيِّمًا عليكم حتى سنة (١٣٧٠)، إلى الأنوار النابعة من القرآن، وإلى أضواء الإيمان.
وثمّة أمارة وقرينة أخرى سوى المطابقة المعنويّة، وهي أن المقام الجفري لجملة: إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا تساوي (٩٤٧) باحتسابِ الشَّدة والتنوين، وتتوافق تمامًا مع مقام اسم "رسالة النور" البالغ عدده (٩٤٧).
أما المقام الجفري لجملة: إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا فيُشير إلى العام (١٣٢٣)؛ ويبشِّر أهلَ الإيمان ممَّن تسلَّل إليهم اليأسُ جراءَ وقوع الانقلابات الرهيبة في دار الخلافة في ذلك الوقت، كما يشير إلى شاهدٍ حقيقيٍّ يشهد شهادةً عالية على أحقِّية الإسلام وقوَّته، واستمرار الدعوة النبويّة عبر وُرّاثها من أهل العلم والدعوة.
— 441 —
أما المقام الجفري لجملة: وَنَذِيرًا ٭ وَدَاعِيًا إِلَى اللهِ
(حاشيةیی١): كما أن كلمة وَدَاعِيًا إِلَى اللهِ تتوافق مع المقام الجفري لاسم حقيقي لرسائل النور: "بديع الزمان"، وكذلك كلمة وَدَاعِيًا فقط تشتركُ مع اسم ترجمان رسائل النور: "سعيد" بثلاثة أحرف، وتتوافق معه بفارق ثلاثة، لأن مجموع التنوين والألف والواو تساوي (٥٧) وتنقص ثلاثة عن حرف السين.
من طلاب رسائل النور تحسين (عبد الرحمن الصغير)
فيُحتسَب التنوين لأنه ليس في موضع وقف، ويشير بالتالي إلى العام (١٢٥٦)، وينظر إلى المقدِّمات التي أُعدَّت قبل قرنٍ واحد لخسف الإسلام في هذا العصر؛ وتساوي كلمة: وَدَاعِيًا إِلَى اللهِ العدد (١٩١) المقامَ الجفري للاسم الحقيقي لرسائل النور: "بديع الزمان"، فتومئ بذلك إلى أن رسائل النور أيضًا من الدُّعاة إلى الله في ثنايا ذلك الخسف.
أما بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا
(حاشيةیی٢): إذا حسبنا التنوينَينِ ألفًا كان المقامُ الجفري (١٣٣٠)، وبذلك يرمز إلى سنة ظهور تفسير "إشارات الإعجاز" الذي هو فاتحة رسائل النور؛ وإذا حسبنا التنوين الأول في وَسِرَاجًا مُنِيرًا كان الناتجُ (١٣٨٠)، ويرمز إلى أن رسائل النور سراجٌ منير سيضيء وجه الأرض بعد (٢١) عامًا. من طلاب رسائل النور تحسين
فإنَّ كلمة وَسِرَاجًا مُنِيرًا وحدَها تنظر بالتوافق لفظًا ومعنًى وجفرًا لأحد أسماء رسائل النور: "سراج النُّور"؛ فيُقابلُ حرفا (الميم والياء) في مُنِيرًا حرفَ النون المشدَّد في "النُّور".. يُمكننا القولُ بكلِّ ثقة ودونما تردُّد: إن إطلاق سيِّدنا عليٍّ كرَّم الله وجهه یی بكرامةٍ غيبية یی اسم "سراج النُّور" على هذه الرسائل، إنما هو مُستلهَمٌ من هذه الجملة التي في الآية.
أما المقام الجفريُّ لجملة: وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا فيُشير یی باحتساب الشَّدّة یی إلى العام (١٣٥٩)، ويتوجَّه إلى السَّنة التي نعيشُها في هذا العصر، فتُخبر بالمعنى الرمزيِّ أن هنالك إحسانًا عظيمًا سيتلقّاه أهل الإيمان.
— 442 —
ونجد أن أعظم إحسان في هذا الزمان هو إنقاذ الإيمان، وأن في مقدِّمة المنقذين للإيمان رسائل النور ببراهينها الدّامغة؛ وبالتالي فتعدُّ فَضْلًا كَبِيرًا بالنسبة إلى هذا الزمان.
ومما يُقوِّي هذه الإشارة أن كلمة فَضْلًا في جملة: فَضْلًا كَبِيرًا تساوي (٩٦٠)، فعندما ينقلب اسم "رسالة النور" من الإضافة إلى الوصف يصبح "رسالة نورية"، فيكون مقامه (٩٦٢)، ويتوافق مع السابق بفارق عددين فقط، ويُشير إليه رمزًا وإيماءً.
فيا ربي وإلٰهي، احفظ رسائل النور ومؤلِّفها أستاذَنا سعيدًا النورسي وطلاب رسائل النور وتلاميذها ومنتسبيها في كنف حفظك، وظِلِّ أَمنِك وأمانِك، ودائرة حصنك الإلٰهيّ.. آمين؛ وثبِّتهم في خدمة الإيمان والقرآن على الدَّوام.. آمين؛ وسدِّدهم وأَعِنهُم واكتب لهم التوفيقَ في خدماتهم المقدَّسة.. آمين؛ واجعلهم مظهرًا للسرِّ الأعظم للقرآن المعجز البيان العظيم الشأن، وللسرِّ القدسيِّ لمعرفة الله ومحبة الله ومحبة رسول الله، وللسرِّ الأعظم لی حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، وللُطف وجمال رضا الله ورؤية جمال الله... يا رب العالمين.
وصلَّى الله على سيِّدنا محمَّدٍ وعلى آله وأصحابه وأهلِ بَيته أجمَعين الطَّيِّبين الطَّاهرِين.. آمينَ آمينَ، بحرمة سيِّد المُرسَلين، والحمدُ لله رَبِّ العالَمين.
طالبكم وخادمكم الفقير العاجز الضعيف المذنب
أحمد نظيف چلبي من إينه بولو
٭٭٭
— 443 —
(فقرة لأحمد نظيف چلبي، وكان قد كتَبَها بسبب رفضي هدية قدَّمها لي بمناسبة العيد):
باسمه سبحانه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أبدًا دائمًا
سيدي وأستاذي العزيز الجليل، الشَّفوق المُضحِّي العظيم...
تلقَّيتُ رسالتك القيِّمة من مكتب البريد ليلةَ الثالث والعشرين من شهر رمضان المبارك، قُبيل الإفطار بعشر دقائق، فألفيتُها رسالة نفيسة تفوقُ قيمتُها خزينةً ملأى بالجواهر، بل لا تُقاسُ بمقاييس مُتَع الحياة الفانية؛ فكان إفطاري يومَها إفطارَين.. أسأل الله القبولَ، والحمد لله هذا من فضل ربي.
كنتُ أتوجَّسُ خائفًا من تعرُّضي لانتقادات أستاذي العزيز، بسبب ما كتبتُ له سابقًا من بضعة أسطر سطحية تافهة؛ وإشغاله أكثر من اللازم، إضافةً إلى قبولي للهدايا المتواضعة المقدَّمة من أخينا زكريا دون إذنه، واجترائي على تقديمها له ضمن هدايانا؛ فما إن استلمتُ رسالتَكم من ساعي البريد، حتى أسرعتُ لفتحِها وأنا واقف على قدميَّ رغم اقترابِ وقت الإفطار، فكأنَّ ابتسامتكم تراءت أمام عيني بلمح البصر، وأنتم تخاطبونني بخطِّكم الجميل اللطيف الأخّاذ قائلين: "لا تخف"؛ فلم أتمكَّن لفرط سعادتي من إتمام قراءة الرسالة، وطفقتُ أركضُ مسرعًا باتجاه المنزل، وأتممتُ قراءَتها مع الإفطار.
أستاذي الحبيب الشَّفوق، وردت إلى خاطري بشارات محيي الدين ابن عربي، وأيقنتُ بما وجدتُه فيكم من معاني الشفقة الأبوية، أنكم نلتُم جزءًا من شفقة الأبوّة التي بشَّر بها هذا العالِم الجليل؛ فأسأل الله القدير المطلق أن يرضى عن أستاذنا كثيرًا كثيرًا، وأن يرزقنا الثبات والدوام في خدمته وخدمة القرآن، وأن يجعلنا مظهرًا لأدعية أستاذنا القيِّمة وإشاراته السّامية... آمين بحرمة سيِّد المرسلين (ص).
— 444 —
أستاذي الشَّفوق، لا يمكنُ التعبيرُ عن مدى فرحة خادمِكم الضعيف الفقير العاجز، وسرورِ طالبِكم المُقصِّر المحدودِ الإدراك والضيِّقِ الإحاطة والمُختلِّ الشعور، إذ أضحى مظهرًا لحُسن قبولكم ورضاكم عن مساعيه التي لا تَعدُو مقدارَ ذرّة في خدمة القرآن ونشر رسائل النور.
ولستُ أدري كيف أشكرُ الله تعالى الفياض المُطلق، المطَّلع على حاجات عباده، والسّامع المجيب لمطالبهم بصرف النظر عن ذنوبهم، والمُمسِك بزمام جميع الموجودات بعظيم قدرته، ووليُّ كلِّ شيء ومالكه وحاكمه، أن جعَلَنا مظهرًا لمثل هذه التقديرات المعنوية السّامية، ومنَّ علينا بكم أستاذَنا رغم ذنوبنا وتقصيرنا، تتويجًا لبحثنا ولهفتنا على مدار ثلاثين عامًا، واستجابةً لأدعيتنا ومناجاتنا على مدى عشرة أعوام.
أستاذي الجليل، نسألُكم الدعاء لنا أن يجعلنا الله مظهرًا لسرِّ "تقبل الله" لقاء خِدمتنا اليسيرة، ولقاء ما نقدِّمه من حمد وشكرٍ لا يبلغ مقدارَ قطرة في حياتنا الدنيوية القصيرة.
ومع استحضاري دومًا لمكتوبكم الثاني من مجموعة "المكتوبات"، وحرصي على إجابة أوامركم، إلا أنَّ دافعًا مجهولًا في داخلي يسوقني تجاه مخالفته! غير أنَّ نيَّتي خالصة، ووفائي جادٌّ، وعلاقتي متينة.
لقد أكرمنا الله نحن وسائر أبناء هذا الوطن بصاحبِ شخصية عظيمة كی"وديعة الله"، مُبَرَّأ من شتى أنواع الرياء، ولا ينتظر ولا يلتفت إلى أيِّ منفعة مادية، ويعمل في سبيل الرضا الإلٰهيّ فقط، وباسم القرآن، وبهدف خدمة رسائل النور، وخدمة الحقائق الإيمانية؛ ويسعى جاهدًا لإرشاد العاجزين العصاة والمذنبين من أمثالنا إلى سبيل الهداية والرشاد، ولدعوة أهل الضلالة وأهل البدعة إلى طريق الحق.. وكما يقدِّم هذا الضيفُ العزيز العونَ المعنوي لأمثالنا من المذنبين، ويسعى جاهدًا ليل نهار لإرشادنا إلى سبيل نيل العفو وغفران الذنوب، فكذلك نشعر نحن أيضًا بأننا مكلَّفون بالمضيِّ قدُمًا في بذل العون المادي له في سبيل مرضاة الله وحده؛ كما أن الأوامرَ القرآنية والتوجيهات النبوية توصينا بی وَتَعَاوَنُوا أي: قدِّموا يدَ العون للغرباء.
— 445 —
أستاذي الحبيب الجليل، أرجو المعذرة، أعلمُ أنك لا تقبل الهدايا، إلا أنني اضطررت تحت إلحاح الأصحاب لإحصاءِ بعض المساعدات كالزكاة والصدقة، وقدَّرتُ أنَّها تلزمكم لتوفير بعض حوائجكم المادِّية، وفي دفعِ إيجار المنزل والمستلزمات الضرورية الأخرى كالحطب والفحم.
على أنِّي أُوصي أصحابي وأعلِّمُهم دومًا صرفَ التفكير عن أيِّ منفعة مادِّية، كيلا تختلَّ قاعدة أُستاذِنا بعدم استخدام الدِّين أداةً للدنيا، فلا يليق أن يُستغَلَّ الدِّينُ لتحصيل المنافع المادِّية، حتى إنني أقلِّد أستاذي في عدم الدخول تحت مِنّة أحد أثناء نشر رسائل النور.
أستاذي الجليل الشَّفوق، بقي أمرٌ واحد، وهو أنَّ خادمَكم هذا يودُّ أن يُقدِّم لكم بعضَ العونِ المادِّيِّ، لا باعتبارِكم أُستاذًا له، وإنما باعتباركم ضيفًا عزيزًا غريبًا حلَّ بنا، وحرصًا على مرضاةِ الله وحدَه؛ وأتضرَّعُ إلى الحق سبحانه ذي القوة والقدرة والعظمة أن يجعل من هذا العون مظهرًا لحسن القبول، كيلا يُلحِق بكم الضررَ المعنوي.
أستاذي العزيز، كلُّنا أملٌ بزيارتكم في العيد وتقديم الاحترام والتوقير لكم، كما أبارك لكم أنا وجميع أصحابي وباسم عموم طلّاب وتلاميذ رسائل النور وخُدّام القرآن الحكيم، قدومَ شهر رمضان الشريف وليلة القدر وعيد الفطر المبارك السعيد، ونسأل الله تعالى ونتضرع إليه أن يبلِّغنا رمضانات عديدة، مع المزيد من الأصحاب والإخوة، وأنتم قائمون على رؤوسنا، ونقبِّل أيديَكم المباركة، ونرجوكم الدعاءَ بالخير، ونبتغي إرشادَكم النافع أستاذي الجليل.
طالبكم وخادمكم المذنب،
المحتاج دومًا لدعائكم السّامي
أحمد نظيف
٭٭٭
— 446 —
(فقرة عبد الرحمن تحسين):
أستاذي الجليل، إنني أَعُدُّ نفسي محظوظًا وسعيدًا على الدوام بما تلقَّيتُه من هذا الدرس القيِّم النفيس، الذي يشكِّل منبعَ فيض الإيمان، وماء كوثر الحياة؛ وكذا بقبولي في دائرة رسائل النور.. إلا أنني لا أملك السُّرعةَ اللازمة للكتابة، فينتابُني الحُزنُ قليلًا لتأخُّرها.
ألتمسُ منكم الدُّعاءَ بالخير والتيسير، وأن يكتب الله لنا التوفيق والنجاح.. أُقبِّل أيديكم بكمال الإجلال والاحترام أستاذي الموقَّر.
يومه صائم وليله قائم..
كأنه في مقام العاشقين..
ليلة نصف الرغائب..
تارك الدنيا وتائب..
ناشر رسائل النور
بديع الزمان محب الجَيلان
يا فريد عصر الزمان
إنك حكيم القلوب
طالبكم الفقير
عبد الرحمن تحسين
٭٭٭
— 447 —
(فقرة من رسالة أحمد نظيف):
نحن لسنا عديمي الإحساس والمسؤولية في فطرتنا وخِلقتنا حتى نتأخَّر عن أداء واجب الخدمة، كيف ونحن نَعُدُّها دَينًا ماديًّا ومعنويًّا في أعناقنا! وبما أنَّ الخالقَ الرحيم قد خلَقَنا بشرًا، فعلينا أداءُ ولو واحدٍ بالألف من المسؤوليات التي كُلِّفنا بها، ومن غير اللائق بنا إهمالُ المسؤوليات التي تُمليها علينا فطرتُنا الإنسانية كليًّا.
وأمّا أستاذنا العزيز یی ذاك الضيفُ المبارك الغريب، ذو الهِمّة والتضحية والتصبُّر یی فمع أنَّه يجدُنا مُعذَرِين في هذا الأمر، إلا أنَّه يملأ بالأنوار قلوبَنا نحن العُصاةَ المذنبين؛ ورغم أنَّ سواعدَنا لا ترقى لتلقِّي هذه المعاني، إلا أنَّنا نجدُ السُّلوان حين نُوفي بعضَ ديونِه بما نقدِّمه من مادِّيات هزيلة زَهيدة.
وأرجو المعذرة منك أستاذي، لكن هل في العالم كلِّه إنسانٌ مسلمٌ يسمع نداءات دَلّال القرآن فيَصُمُّ أذُنَيه عنها؟! حاشا ثم حاشا.. فشُعاعات أنوارك تكاد تبهر أبصارنا، وما تزال تربط قلوبنا بتمام النقاء لله وللقرآن، ولمحبة رسول الله (ص) ووَرَثة قائد العالمين، مثلما كانت على الدوام.
وأمّا هذه الرابطة ففي غاية القوّة والمتانة، فلو اجتمعت قُوَى سائرِ كفرة العالَم یی وليس المادِّيين والمُلحِدين وفِرَق الضلالة فقط یی فلن يمكنهم أن يَفصِموا عُرَى هذه الرابطة القلبية المُقدَّسة.. الحمد لله، هذا من فضل ربي.
ولستُ أرضى بتكلُّفِكم مشقّةَ كتابة رسالة لي ما دمتُم ترون الأمرَ غيرَ لازمٍ أو ضروري، ولا يَشغَلْ بالَكم حُزني على فوات هذا الأمر، فأعظمُ الأخطاء في نظري أن أُشكِّل مانعًا لأُستاذِنا الجليل من تأدية وظيفته السّامية، بل أَعُدُّ ذلك قِلّةَ احترام.
أحمد نظيف چلبي
٭٭٭
— 448 —
باسمه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته بعدد حروفات رسائل التي كتبتم وتكتبون
إخواني الأعزاء الأوفياء..
لقد عزَّز أملي وتفاؤلي كتابتُكم القسم الثاني من الفهرس الموسوم بالشعاع العاشر! حقًّا لقد وجَدَت رسائلُ النور فيكم یی وما تزال یی أمثالًا كثيرة من "السعيدين" الشباب الأقوياء بدلًا منِّي أنا الضعيف المسكين والعاجز الهَرِم.. لذا فإنني أعتقد أنَّ مسؤولية إتمام رسائل النور باتت بعد هذا اليوم مُلقاةً على عواتقكم، وذلك من خلال إيضاحها وبيانها وإثباتها ووضع الحواشي والتعليقات الشارحة لها، ولعلَّ من أمارة ذلك أنني حاولتُ مرّاتٍ عدّةً تدوينَ الحقائق التي أُخطِرت في هذا العام، إلا أنني لم أُفلِح.
أجل، تمتلك رسائلُ النور الكفاءةَ لأن تكون مرجعًا تامًّا لكم، فلو جُمِعت فِقراتٌ متفرِّقة من الرسائل حول كلِّ ركن من أركان الإيمان، مثلَ إثباتِ أنَّ القرآن كلامُ الله، أو إيضاحِ نكاتِ إعجازه، أو جمعِ البراهين المتنوِّعة حول الحشر، وهكذا.. فيمكن أن تكون إيضاحًا وشرحًا وحاشيةً جيدةً ومتمِّمة.
وفي اعتقادي أن رسائل النور قد أحاطت بالحقائق الإيمانية السامية بشكل تامٍّ، بحيث يُغني النظرُ فيها عن المراجع الأخرى، سوى ما تستدعيه الحاجة أحيانًا من بعض التوضيح والتفصيل؛ ولهذا فإني أعتقدُ أنَّ وظيفتي قد انتهت، وأن وظيفتكم ما زالت مستمرّة، وذلك من خلال الشرح والإيضاح، والتكميل ووضع الحواشي، وعبر النشر والتعليم، ولربما بتأليف المكتوبين الخامس والعشرين والثاني والثلاثين، وإتمام المقامات التسعة للشعاع التاسع، إضافةً إلى تنظيم رسائل النور وترتيبها وتفسيرها وتصحيحها.
— 449 —
إن شخصًا معنويًّا مُترشِّحًا من قوّةِ تعاضُد وإخلاص هيئة تلامذة النور الجادِّين المُخلِصين، لهو بحقٍّ مرشدٌ قدير وركنٌ شديد.
تَذكُرون في رسالتكم أن هيئةَ المباركين تجمع المكاتيبَ المرسلة منّا على شكل رسالة واحدة، وأنَّ خسرو قد أحال إلى كلٍّ من الحافظ علي وصبري طيَّ بعضِ الجمل الفرعية الخصوصية وبعض الفِقرات غيرِ اللازمة، فإن ما ارتآه خسرو بحقِّ رسائل النور نظرٌ صحيح صائب، فهو ذو نظر دقيقٍ صائبٍ ثاقبٍ ذي كرامات.. فلو طُوِيت بعض كلماتٍ خاصّة فرعية مؤقَّتة من مؤلَّفٍ كُتب له البقاء، لكان أمرًا حسنًا.
وجدنا في رسالتكم الواردة هذه المرة ثلاثَ نقاطٍ ذاتِ كرامات:
الأول: قدم إلينا طالبٌ نشيط من طلاب رسائل النور بعد أن أنهى خدمته في الجيش، وهو الخسرو الصغير: محمد فيضي، وقد ظهر من هذا الطالب إخلاصٌ واقتدارٌ وارتباطٌ يمكِّنه أن يكون بمثابة خسرو لهذه المنطقة؛ وما كدنا نلتقي به مرتين حتى وجدنا في رسالتكم اسمَ فيضي، فقلنا: إن تلاميذ رسائل النور هؤلاء مهما كانوا بعيدين عن بعضهم، إلا أنهم قريبون جدًّا حتى إنهم شعروا بهذا الأمر وكتبوه.
الثانية: عندما كان فيضي (خسرو الصغير) مؤخَّرًا في إسطنبول، شغَلَني أمرُه جدًّا، نظرًا لدوره في خدمة رسائل النور، فكنتُ في غاية الحزن! تُرى هل هو مريض؟! وفجأةً انصرف ذهني عنه وصرتُ أفكِّر بالحافظ علي، فأدركتُ أنَّ ثمّةَ أمرًا يستدعي القلقَ، لكن من جهة الحافظ عليّ الذي يُعَدُّ مركزًا نشيطًا لرسائل النور.
وبدأتُ أدعو بالشِّفاء للحافظ عليّ بشكل مستمرّ، وقبل وصول رسالتكم سألتُ فيضي: هل اشتكيتَ من مرضٍ ما؟ فأجابني: لا. فقلت له: ما دام الأمرُ كذلك، فإن ركنًا قويًّا ومُهِمًّا من أركان رسائل النور في "إسبارطة" يعاني مرضًا شديدًا.. إلا أن حَدْسي لم يُصِب في تحديد الجهة حتى وصَلَت رسالتُكم، فاتَّضحت الحقيقة.
الثالثة: قبل عشرين يومًا وبعد مرور الأيام المباركة، تذكَّرتُ أمر طيِّ بعض الأسماء بشكل مؤقَّت، وكان أصحابُها ضمن دائرة التلاميذ الخواصِّ بأسمائهم الخاصّة؛ وكأنه
— 450 —
قيل لي: حسبُ من لا يستخدمون أقلامَهُم يوميًّا في الوظيفة ما ينالونه من أسهُمٍ وأجورٍ تتجاوز مئة مرة يوميًّا وعلى مدار أربع وعشرين ساعة، وذلك ضمن الصفة الإجمالية الجامعة لطلاب رسائل النور؛ وإنَّ من بين هؤلاء أخانا حقِّي أفندي.. واستمرَّ الأمر هكذا بضعةَ أيام، وإذا بحقِّي يعود مجدَّدًا لصحبة خلوصي ودون أيِّ سابق إنذار، فيدخل باسمه وشكله ضمن دائرة الطلاب الخواصّ! وإننا نعتقدُ أنه في ذات اللحظة التي قال فيها حقي: "لا ينسني من دعائه" یی كما ورد في رسالتكم یی قد حاز على الدعاء الخاصِّ هنا.
وفي هذه الأيام ظهرت لَمَعاتٌ كثيرة تُشبه هذه العنايات، وسوف يقوم "أمين" بتوثيقها في فقرة يسمِّيها: "الأحداث اليومية"، وقد يرسِلُها إليكم أيضًا؛ وأمّا طُلّاب رسائل النور الصغار فهم ينالون سهمَهُم الآن ضمن دائرة الطلاب، وذلك باعتبارهم تلاميذَ للأنوار نُشَطاءَ أجلّاء في المستقبل.
عندما كان محمد فيضي يبحث عن مؤلَّفات سعيد القديم في إسطنبول، جمع البطل رشدي في اليوم نفسه كلَّ ما وجده في إحدى الدكاكين واشتراهم جملةً، فدفع الحزن خسرو الصغير للبحث في مكان آخر حتى وجد "إشارات الإعجاز"، فقال: لعلَّ الذي سبقني في هذا الأمر هو أحدُ إخواني من "إسبارطة" السبَّاقين لي دومًا.
على كل حال.. تتطلَّب هذه النسخة من "إشارات الإعجاز" كتابة الكرامات التوافقية الموجودة في نسخ الحافظ علي وصبري، وأسهل طريقة لذلك كتابة حروف الهجاء (ألف.. تاء..) في دفتر صغير في كل صحيفة، مقابل صحيفة من التفسير؛ وإن وجدتم هذا العمل غيرَ ميسَّر لكم فاتركوه.
سلامي لجميع إخواني فردًا فردًا، وخاصة من لهم علاقة برسائل النور، وأدعو لهم جميعًا، وأرجو دعاءَهم.
ملاحظة: يُسلِّم عليكم أمين وخسرو الصغير والحافظ توفيق.. وأمّا تحسين فقد غادر لأداء الخدمة في الجيش.
أخوكم سعيدٌ النُّورْسيّ
٭٭٭
— 451 —
(فقرة لأحدِ أهمِّ تلاميذ رسائل النور: يوسف):
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وبه نستعين
إنَّ من لُطف ربِّنا الرؤوف الرحيم وعظيم منَّتِه سبحانه: أن أهدى لعباده مفتاحًا لنيلِ كرمه وكسبِ إحسانِه، وهو التوبة والاستغفار؛ وإنني یی أنا يوسف طوپراق، المذنب المحدود الأدب یی لم أَقدُر قدرَ التجلِّيات التي منحني الله إيّاها لاعتسافي وكبيرِ فضائحي، ولم أَشكُره على تلك المنح حقَّ شُكره، بل قابلتُ ذلك الإكرامَ بكُفران النعمة ونقض العهد وتعمُّد الكذب وارتكاب الخيانة؛ لذا ابتُلي قلبي بقسوة شديدة وظلمة كثيفة، واجتاحت روحي ضلالةٌ رهيبة، خلَّفت في نفسي جروحًا عميقة وقروحًا سحيقة، فشرعتُ أتحرَّى السبيلَ لعلاجها، وأضعتُ في هذا السبيل عقلي، وفقدتُ ذوقي، وصرتُ شِبهَ مجنون!
ولم تتمكَّن من تضميدِ جراحي وإقناعِ عقلي وإسكاتِ لَهفَتي سائرُ الأدوية التي تلقَّيتُها من كلِّ طبيبٍ معنويٍّ راجعتُه؛ وفي الوقت الذي كنت أبحثُ فيه عن مرشد يساعدني في تطهير ما ران على قلبي من سوادِ الذنوب، ويكونُ عونًا لي في طريق الحقِّ، مُتوسِّلًا هديَ الآية الجليلة: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ، إذا بي أتعرَّضُ للنفي من مدينتي إلى "قَسْطَموني" دون أيِّ سبب ظاهر! ما حزَّ في نفسي كثيرًا، وجعل اليأسَ والأسى يلفُّني.
وما كنت أعلم أنني بهذا النفي سأغدو مظهرًا للآيات الكريمة: وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ، فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا؛ وما كنتُ أُدرِك أنَّ هذا النفي إنما كان لأتعرَّف أطبّاءَ حاذقين، قادرين على معالجة جراحي المعنوية، ولأُعاين بنفسي مدى تأثير ما يملكون من علاجٍ قويّ؛ ولأُبصرَ جلوة اسمَي: "الحيّ والحكيم"؛ فأُغدقَ عليَّ بذلك مِنّةٌ أُخروية فوق مِنّة، وتملَّكني العَجَبُ من هذا الأمر، فمن أنا رغمَ كلِّ أخلاقي
— 452 —
الفاسدة حتى أنال هذا الإحسانَ العظيم؟! غيرَ أنِّي تذكَّرتُ إشاراتٍ جليلةً أمثال: "من طلبني وجَدَني"، و وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا، و يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا، ووجدتُ فيها السُّلوانَ.
يا طبيبَ جروحي، ويا منقذ روحي الهاوية في وديان الضلالة، ويا مرشد السَّبيل الإلٰهيِّ المقدَّس..
حينما التقينا لأوَّل مرة رأيتك عَرَضًا عند القلعة، ولم يكن بيننا سابقُ معرفة، إلا أنِّي سأَلتُك: هل ثمّة طريقٌ قصير يُنجينا من الضلالة، ويوصِلُنا إلى رحمة الباري سبحانه؟ فتفضَّلتُم قائلين: "هنالك سبيلٌ قرآني قصيرٌ جدًّا"، إلا أنني بتأثير ضلالتي واستحكام غفلتي وتسلُّط أنانيتي لم أدقِّق كثيرًا فيما انطوى عليه هذا الجواب القصير من عظيم الحكمة وفيوض الرحمة، وظلَلتُ سادرًا في دروب الهلاك المعنويِّ مُدّةً أخرى من الزمن.
حتى وقَعَت بيدي نسخةٌ من مكتوبات رسائل النور، حقيقٌ بها أن يُطلَق عليها: أنهار النور، فأبحرتُ في حقائق محتوياتها؛ وبأثرٍ من العناية الربانية والمعجزات القرآنية والهِمَم السُّبحانية والكراماتِ الروحانية، دقَّت مطرقةُ التنبيه في قلبي القاسي وروحي العاصي وعقلي الغافل ووجداني المغرور وفكري السقيم، وأحدَثَت في نفسي ثغرةَ يقظة! ففكَّرتُ على الفور في أن مداد أقلام العلماء أغلى من دماء الشهداء، وتذكَّرتُ أحاديثَ نحو: "العلماء ورثة الأنبياء"، "علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل"، واستحضرتُ ما عرَضَه سيِّدنا عيسى عليه السلام على الحواريِّين، وما أخبر به سيِّدنا محمد (ص) الأنصارَ، وما أجابوهما به.
وفي هذا الزمان الجدير بأن يُوصَف بأنَّه: "زمن الفترة"، أدركتُ یی بل أيقنتُ یی أنَّ من الضرورة بمكان اتِّباعَ رجل في مقام وُرّاثِ النبوة، يسعى في سبيل إعلاء كلمة الله بكل ما يملك، ويبذُل جُهدَه ليُنيرَ طريقَ الحق، ويُنقِذَ المُنجَرِفين في أمواج الضلالة.
وأن من اللازم مَدَّ يدَ العون لهذا الرجل، لعلَّها تكون فرصةً أغتنمُها لأحظى بمظهرية الانتقال من الظلمات إلى النور.. إلا أنِّي لم أُدرك معنى هذه الفضائل
— 453 —
والمعاني، إذ إن تقدير الفضيلة إنَّما يكون بمعرفة الفضيلة، وأنا مخلوقٌ بسيط مُستَكينٌ تحت تأثير حجب الضلالة الكثيفة الشديدة النازلة على قلبي.
ورغم تصرُّفاتي المُشعِرة بالتردُّد، إلا أنَّكم بجميلِ لُطفِكم قبلتموني في مجلسكم، وأيقظ الآمالَ والرغبةَ في نفسي ما أبديتُم من الشفقة الخالصة النابعة من روحكم، وغمَرَني بسرور بالغ ما أظهرتُم من الرأفة الحقيقية والالتفات الحليم وحُسن قبولكم الكريم، فدفعني بغيرِ اختيارٍ منِّي إلى المحبة ومزيد التعلُّق.
وتيقَّنتُ أن شخصًا يرتضي لصُحبته رجلًا هو أعجزُ خلق الله وأبسطُهم، وأكثرُهم ذنبًا وأشدُّهم ظلمًا، لا بدَّ أن يكون شخصيةً عظيمة، وليس بشخصية عادية، بل يحظى بتأييد قويٍّ وإرادة لا تكلُّ ولا تملُّ.
وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ، وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا.
وقد أثَّر في نفسي غايةَ التأثير ما ينبع من فكركم السليم وأحوالكم الجادّة وإرشادكم القويم في سبيل اتِّباع القرآن والتمسُّك به، وما ينطوي عليه من الشفاء الناجع والرجاء القويّ، وأورثني الطمأنينة ما طرق سمعي من كلماتكم الصادقة، وتلقيناتكم المُخلِصة، وأحاسيسكم التوّاقة للخير والموجَّهة إلى قلبي وروحي الجريحة، ووافَقَت روحي المُضطربة بما أحدثته فيها شتَّى الأوهام الشديدة من تصدُّعات، واستقرَّت في ذهني الحقائقُ أمثال:
وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ، وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ، وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا، وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى، وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ، هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ، تِلْكَ حُدُودُ اللهِ، قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ، وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا، مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ
— 454 —
فكانت هذه الحالة بالنسبة إليَّ بمثابة الحجِّ الأكبر وطريق السعادة، وبشائرِ الفأل وغنيمةِ الأنفال، أفلا يحقُّ لي بعد كل ذلك المُفاخرةُ بسعادتي، وإزجاءُ الشُّكرِ لمُنقذ آلامي وطبيب أسقامي، والإفصاحُ عن مدحه؟!
كانت هذه الواسطة هي الدّافعَ لي لاتِّخاذ القرار وقطع عهدٍ لربي الرحيم بما غمَرَني من لطفه وكرمه، أن أندرج في عداد تلاميذ دلّالِ القرآن ومؤلِّف رسائل النور، وأن أسخِّر قلمي وأُضحِّي بحياتي في هذا السبيل قدرَ المستطاع، أبدًا ما حَيِيتُ.
ولأنني لا أملك أهليّة الإطناب في الحديث، وليس لي في هذا المقام أيُّ استحقاق، فإنني أقتصر على ما تقدَّم.
أسأل الله أن يكتب لخدمتكم الاشتهار والانتشار، ويُحقِّق بها التنوير والتأثير، وأن يرزقكم التوفيق في مقاصدكم، وأن يُعليَ رايتكم ويباركَ همَّتكم، وأن يجعل جُهدَكم مبرورًا وسعيَكم مشكورًا، وعيشَكم سعيدًا وعمُرَكم مديدًا، مع تمام الصِّحة والعافية.
سيدي.. تقبَّلوا فائق إجلالي واحترامي.. أدام الله همَّتكم وتوجُّهَكم المعنويّ، وأُقبِّل أيديَكم النُّوريّة العاملة بخدمة الأنوار.
(١٥ شباط ١٣٥٩)
المرشح لأن يكون طالبًا لكم
يوسف طوپراق
٭٭٭
— 455 —
(فقرة إحسان سرِّي الذي أصبح فيما بعد أحدَ أهمِّ طلّابِ رسائل النور):
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
إلى حضرة الواقف بأسرار السُّبحان، الفريد بديع الزمان، السيِّد سعيد الكردي..
السلام عليكم أيها المرشد الكامل.. أطلبُ منكم السماح لي بأن أُعفِّر وجهي عند أعتابكم، وأُقبِّل أيديكم المباركة.
مقدِّم هذا الرجاء لفضيلتكم: ولدُ الفقير إلى الله "سراج أحمد أفندي"، وأحدُ الحيارى المحكومين بما كتب عليهم صاحبُ القدر في لوح القضاء من الأزل.
وبينما كنت في مقام نبيِّ الله يوسف، أُشاهِد جَلَوات الطّالَع بانقيادٍ تامٍّ للتقدير الإلٰهيّ، إذا بي أتلقَّى رسالة شفقةٍ من والدي يبلِّغني فيه سلامَكم الذي يحملُ البشرى بالمحبة المعنوية، فتسلَّل السُّرور والفرح من بين أطلال قلبي وروحي؛ إلا أنِّي لم أتمكَّن أمام حضوركم المعنويِّ الذي نوَّر ذاكرتي المظلمة من ستر خجلي البارز على وجهي المُتَّشح بالسواد والشبيه بأَسطُري هذه، أو إخفاءِ ظُلمة سيِّئاتي التي ارتكبتُها في الماضي، وتغطيةِ آثار أعمالي القبيحة الكثيرة.
أعلم أنكم منذ سنين تُسعِفون من ضلَّ عن السَّبيل، وتَهدُون من حُرِم من إبصار نورِ الحقيقة، وتقدِّمون له من خلال رسائل النور المرشدَ النجيع والمُستَنَد الشَّفيع؛ ولأجل هذا قصدتُ بابكم، راجيًا من صميم روحي أن أُدرَج في حلقة إرشادكم، كي أحجز مكاني بين سالكي طريق الهداية.
سيِّدي ومرشدي الكبير.. أودُّ في النهاية أن أبلِّغكم أنني محتاجٌ لنُصحِكم وإرشادكم على الدوام، وأُقبِّل أيديَكم المباركة بكمال الإجلال والاحترام.
سيأتي يومٌ يُنطِق المولى فيه الظالمين بالقول: تَاللَّهِ لَقَدْ آَثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا..
من تلاميذ رسائل النور
إحسان سرِّي
٭٭٭
— 456 —
(فقرة خسرو الصغير: محمد فيضي):
باسمه سبحانه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
سيدي وأستاذي الجليل..
نظرتُ إلى رسائل النور نظر الإمعان
ليس بمقدور أحد أن يؤلف مثلها
يا لها من ألفاظ! يا لها من معانٍ! يا لها من أسلوب حسن!
كلما قُرِئت ظهر حُسن وجمال جديد
بارك الله بك يا نور الهدى السامي
فيك تتجلى أنوار التوفيق الإلٰهيّ
نور الشمس هذا زائل، أما هذا النور
يشعُّ لعيون المؤمنين في صباح المحشر
كل حرف منها تظهر شمعة من الفيض الإلٰهيّ
يتلذذ الإنسان كلما نظر إليها، ويتخلى عن كل شيء
تُعلِّم الإيمان التحقيقي لجميع الناس
من قرأها بصدق نزل فيض الرحمٰن على قلبه
تحلُّ طِلسم الكائنات، وكلُّ حرف منها يُساوي الدنيا
علمُها نافع، ويُكتب بها الأجر الجزيل حتى يوم القيامة
— 457 —
الحاصل: جميعها مكنوزات حكمة
وكلٌّ منها شمس حقٍّ منيرة لمُطالِعها
يا إلٰهي بحقِّ الأسماء الحسنى
انشرها حتى يوم القيامة، كي ينقشع الزيغ عن أعيُن أهل الحق
يا مؤلف رسائل النور.. إن افتخرت فإنه يليق بك ذلك
وإن غبطك جميع إخوانك فلائقٌ بك كذلك
لأنك أقمت سبيلًا إلى الإيمان التحقيقي
فاكتسبنا بأمير المؤلفات ذخرًا ليوم المَفرّ
أعلَمُ بأنك لست نبيًّا من الأنبياء
(حاشية): يقول مولانا جامي بحق مولانا جلال الدين الرومي:
مَن چِه گُويَمْ دَرْ وَصْفِ آنْ عَالِى جَنَابْ
نِيسْتْ پَيْغَمْبَرْ وَلِى دَارَدْ كِتَابْ
فوددتُ أن أشير إلى معنى فقرة مولانا جامي هذه.
لكن ما هذا النور المعتبر الذي بيدك؟
لا تُكثر الحديثَ يا فيضي
فسينال هذا المؤلف استحسانَ أهل العرفان
طالبكم الفقير إلى الله، خسرو الصغير
محمد فيضي
٭٭٭
— 458 —
باسمه سبحانه
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته بعدد عاشرات دقائق أيام الفراق..
أخي العزيز الوفي المخلص نقيَّ السَّريرة..
أولًا: أبارك من صميم روحي وقلبي عيدَك وسعيَك الجادَّ في خدمة الأنوار، وحفاظَك دومًا على الصَّدارة في درس النور بكلِّ وفاء.
ثانيًا: لا تقلق أبدًا، فالتواصل معك يدوم معنًى، وحين أقول في عموم مكتوباتي: "إخوتي الأعزّاء الأوفياء"، فإن خلوصي المُخلِص في مقدِّمة المخاطَبين.
ثالثًا: إن فتوحات النور مستمرة بسطوعاتها وانتصاراتها في دوائر واسعة، والحقيقة أنَّ أكثر عملِها من وراء حجاب، وذلك بسِرّ مقولة: "سرًّا تنوَّرَت"؛ وسوف تُنير بدروسها وجهَ الأرض قاطبة إن شاء الله، مع توفُّر كاتبَينِ يمتلكانِ ألفًا وخمسَ مئة قلم.
أخي، أُوافقُك الرأيَ بأنَّ القدر الإلٰهيّ يوجِّهُك لخدمة النور، ويَسُوقك إلى أشدِّ الأماكن حاجةً، فتلك الأماكن على وجه الخصوص هي موطني.
أرسلنا لوحة الحقيقة الجميلة إلى تلاميذ النور، حتى تُلحَق بالملاحق التي لديهم.
سلامي لذوي الصِّلة بالأنوار في تلك النواحي.
الباقي هو الباقي
أخوك المريض الذي لا ينساك
سعيدٌ النُّورْسيّ
أُقبِّل ابن أخي نهاد بين عينيه، وهو ووالدُه ضمن أدعيتي على الدوام.
٭٭٭
— 459 —
باسمه سبحانه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أبدًا دائمًا
إخواني الأعزاء الأوفياء..
أولًا: التقيتُ بطاهري نيابةً عنكم جميعًا، وأرسلتُه إليكم عمومًا بالنيابةِ عني في رسالة حية يحملها، وهو سعيدٌ خاصٌّ؛ ولقد جاءني اليوم من "صندقلي" الأستاذان أدهم ومصطفى، ثمَّ انطلقا نحو وظيفتهما النورانية.
ثانيًا: يطلب أخونا خلوصي بك "ذو الفقار" و"سراج النور"، وبعدها "السكة الغيبية"، فليتواصل معه مِرسالُ النور "صبري"، وليجتهد في إرسالها إليه.
ثالثًا: بحسَبِ ما ورَدَنا من أنباءٍ: فإن رسائل النور تنتشر بنفسها في داخل البلاد وخارجها محقِّقةً الفتوحات، وإنها أجبرت أعتى الملحدين على الإذعان والاستسلام، إلا أنَّنا في الظروف الراهنة نحتاج إلى شيء من الحيطة والحذر، لا سيَّما الشعاعُ الخامس المُدرَج في "سراج النور"، فلا يُسلَّم للأيدي غير اللائقة به.
إن في إطلاق الإمام عليٍّ رضي الله عنه على رسائل النور اسم: "سراج النور"، وقوله بحقِّها: "سرًّا تنوَّرَت"، إشارةٌ إلى أن "سراج النور" سينتشر من وراء الحُجب بشكل أوسع، وإننا نتلقَّى هذا الأمر من الإمام إشارةً غيبية.. سلامنا للجميع.
الباقي هو الباقي
أخوكم سعيدٌ النُّورْسيّ
٭٭٭
— 460 —
باسمه سبحانه .. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أبدًا دائمًا.. آمين
أخي العزيز الوفي المخلص، وصاحبي القوي الثابت في خدمة الإيمان..
أولًا: اعلم جيدًا أنك ما زلتَ تحتفظ احتفاظًا تامًّا بمكانتك السابقة في دائرة النور، وأنَّ التواصل معك لم ينقطع يومًا؛ فحينما أقول في رسائلي التي أكتبها لإخواني: "إخوتي الأعزّاء الأوفياء"، فإن خلوصي دومًا في مقدِّمة المُخاطَبين.. وإزاءَ خدمتك التي تتمُّ تحت وطأة هذه الظروف الصعبة نقول: "بارك الله بك ألف مرة"، ونؤمِّنُ على أدعيتك التي تدعو بها لأخيك المسكين هذا: "آمين آلاف المرات".. فرضي الله عنك، وتستحقُّ التهنئةَ على هذا الأمر.
ثانيًا: إنَّ للأنوار فتوحاتٍ في جميع الأماكن بحمد الله، إذ يتمُّ إرسالُ أبطالٍ أمثالك إلى أماكنَ مُهِمّة..
سلامي لإخواني الذين لهم علاقة بالأنوار في تلك المناطق، وفي "قارْص"، وخاصة لابن أخي نهاد؛ وأدعو لهم بالسلامة، وأرجو دعاءَهم.
يُسلِّم عليكم جميعُ طلاب النور هنا.
الباقي هو الباقي
أخوك المريض الذي لا ينساك
سعيدٌ النُّورْسيّ
٭٭٭
— 461 —
أخي العزيز...
لا تقلق عليَّ، فعناية الحقِّ سبحانه ما زالت تَحُفُّ بنا على الدوام؛ وبما أن الدنيا ماضية، فهي لا تستحقُّ القلقَ بشأنها.. إني أذكرُك في أدعيتي اليومية أكثرَ من عشرين مرة.
س ع
٭٭٭
إن "خليل إبراهيم" و"الخيَّاط محمد" وهما من حِرْفيِّي النور ومن تلاميذ مدرسة الزهراء النُّشطاء الأقوياء، وكذا "طَلْعت" ورفاقُه من الأبطال الصغار الأبرياء، قد أدخلوا السُّرورَ في نفسي وفي نفوس سائر تلاميذ النور، وسوف يحقِّقون لهذا الوطن منافعَ جليلة في المستقبل إن شاء الله، وذلك من خلال الخدمة النورية.
أما المسألة الشرعية التي يسألون عنها: فإن وضعي ومسلكي في الوقت الحاضر لا يسمحان لي بالاشتغال بهذه المسائل، إلا أنَّ الذي يمكنُني قولُه: إن الرخصة الشرعية الخاصّة بقصر الصلاة وتقديمها وتأخيرها لا تُقاسُ بوسائط النقل، إذ هي ليست على مستوًى ثابت، وإنما تُقاس بالمسافة لأنها ثابتة.
فإن قيل: إن الذي يسافر بالطائرة والقطار يصل خلال ساعة واحدة، ولا يعاني المشاقَّ حتى يستعمل الرخصة؟
فالجواب: إن الوضوء في الطائرة والقطار، والصلاةَ على وقتها فيهما، لهي أشدُّ صعوبةً منها لدى الذين يسافرون سيرًا على الأقدام، لذا كان سببًا للرخصة.
على كل حال هذا ما أمكن كتابتُه الآن.. ولقد فصَّل علماءُ الإسلام الكلامَ على هذه المسألة الشرعية بحيث لم يدَعُوا حاجة لنا..
يسلِّم عليكم الدكتور خيري والخيَّاط مصطفى الجالسون معي الآن.
سعيدٌ النُّورْسيّ
٭٭٭
— 462 —
باسمه سبحانه .. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السَّلامُ عَلَيكُم، وأَحسَنَ الله عَزَاءكُم، وأعطَاكُم صَبرًا جَمِيلًا، وغَفَرَ لِمَيِّتِكُم، ونَوَّرَ قَبرَهُ بِنُورِ الإِيمَانِ والقُرآنِ، وجَعَلَهُ في قَبرِهِ مُشتَغِلًا بِرِسَالَةِ النُّورِ بَدَلَ الفَلسَفَةِ السَّقِيمَةِ.. آمِينَ
أخي العزيز، إن هذه الحادثة حجة أيضًا یی كحادثة عبد الرحمن یی على أن نمط الحياة الحاضرة لا يصلحُ لنا، فلقد أُحسِن إلينا ونحن في هذه الدنيا بأصفى حياة نزيهة، وأقدس عيشة سامية؛ لذا كان من الواجب أن نرضى بها ونقنع.
صحيح أن المرحوم عبد الرحمن قد انخدع بشكل مؤقَّت، إلا أنَّ له خدماتٍ كبيرةً لبواكير رسائل النور في إسطنبول، كما أنه نجا بالكلمة العاشرة بصورة تامّة، ورحل.
كذلك المرحوم "فؤاد" قد منَّ الله عليه بإنقاذ إيمانه بفيض رسائل النور، كما يتَّضح جليًّا من رسالته، وكما تفضَّلتَ أنت أيضًا، ولقد شعرتُ أن افتخاره الشديد بانتسابه إلى عائلتكم وارتباطه القويّ بكم، إنما كان من جهة رسائل النور.
وإنِّي لا أُعزِّيكم، بل أهنِّئه وأبارك لكم، فلقد نجا من تلكم الحياة الضالّة المروِّعة لهذا الزمان، ورحل بريئًا دون أن يتلوَّث أكثر، وأصبح ولدًا يليق بكم في الجنة، ومظهرًا لسرِّ: وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ؛ وكما أنِّي أَذكُر حتى اليوم المرحومَ عبد الله وعبد الرحمن وعُبَيد في أكثر دعواتي، فسوف أُضيفُ إليهم المرحوم فؤاد إن شاء الله.
نعم يا أخي، إن رسالة فؤاد رحمه الله تُظهِر شُعلةً من كرامة رسالة النور كما قلت، مثَلُها في ذلك مثَلُ رسالة عبد الرحمن، إلا أنه لا يملك عباراتِ عبد الرحمن الصافية الخالصة، وإفاداتِه المُجرَّدة من أنماط الحياة الحاضرة وتعابيرِها؛ فلو أنَّه بقي في الدنيا لكان احتمالُ هزيمته قائمًا، فكان أن اختاره أرحمُ الراحمين لجواره ورحمته، رحمةً
— 463 —
به وبأُسرة رسائل النور ودائرتها، ولم يَرتَضِ له الهزيمة، بل أبقاه في مقامه ضمن دائرة طلاب رسائل النور الصغار.
فأحمدُ الله غاية الحمد أن أصبح اثنان من أبناء إخوتي بإعلان وفاتهما مثالَينِ ودليلَينِ على البشارة القرآنية بأن تلاميذ رسائل النور يدخلون القبر بسلامة الإيمان.
بلِّغ السلامَ نيابة عني لكلِّ من لهم صلةٌ برسائل النور، ولمن يُكنُّون لنا الودَّ والصداقة؛ وإنني أدعو لهم، كما أُشرِكُهم بجميع مكاسبي المعنوية اليوميّة: داوُد ونهاد والمُحمَّدَينِ مع عبد المجيد.
أخوكم سعيدٌ النُّورْسيّ
٭٭٭
— 464 —

اللمعة العاشرة

"رسالة صفعات الشفقة"
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ
هذه اللَّمْعةُ تفسِّر سرًّا من أسرار هذه الآية الكريمة، عبر ذِكرِ صَفَعاتِ عتابٍ رحيمةٍ، يتلقّاها أصحابي العاملون في الخدمة القرآنية، وذلك نتيجة خطأٍ أو سهوٍ أو غفلةٍ وقَعُوا فيها بمُقتضى جِبلَّتهم البشريّة.
وستُبيَّن في هذه الرسالة سلسلةُ كراماتٍ يُجريها الحقُّ سبحانه في الخدمة القرآنية، مع بيانِ نوعٍ من كرامة الغوثِ الأعظم الذي يزوِّدُ هذه الخدمة السّامية بأنظاره بإذن إلٰهيّ، ويمدُّ لها يدَ العون بهمَّته ودعائه، تثبيتًا للعاملين فيها، وزيادةً في جدِّيتهم وإقدامهم.
إن كرامة هذه الخدمة السّامية على ثلاثة أنواع:
النوع الأول: جهة إعداد تلك الخدمة وتجهيزها، ودفع خدَّامها إليها.
القسم الثاني: إزالة العراقيل مِن حولها، ودفع شرور المُضِرِّين، وتوجيه الصَّفَعات لهم.
— 465 —
وحوادث هذين القسمين كثيرة، والحديث عنها يطول، (حاشية): فمثلًا: إن ما قام به بعض أعضاء حزب الشعب من تعريضِ طلاب النور للإهانة والتضييق والعذاب، قد لاقوا جزاءَه في الدنيا مِثلهم تمامًا، بل قاسُوا ما هو أشدُّ. لذا نؤجِّلُه إلى وقت لاحق؛ وسنتحدَّث عن أخفِّ الأقسام، وهو القسم الثالث.
القسم الثالث: أنَّ العامِلِينَ المُخلِصِين في هذه الخِدمةِ حِينَما يَعتَرِيهم بعضُ الفتور، فإنهم يتلقَّون صفعة رحمةٍ تُنبِّههم ليعودوا للاجتهاد في الخدمة مجدَّدًا؛ وإن حوادث هذا القسم تَربُو على المِئةِ، إلّا أنَّنا نَسُوقُ هنا ما يَقرُبُ من عشرين حادثةً جَرَت لإخوانِنا، تلقَّى منهم قرابةُ ثلاثة عشر أو أربعة عشر شخصًا فقط صفَعاتِ الرحمة، بينما تلقَّى الستّة أو السَّبعة الباقون صفَعاتِ الزَّجر.
الأول: هذا المسكين «سعيد» ، فكلَّما أصابني الفتور عن النهوض بالخدمة وانشغلتُ بالأعمال التي تعود إلى خاصّة نفسي قائلًا: "ما لي!"، تلقَّيتُ حينها صفعةً؛ فأيقنَتُ على يَقِينٍ أنَّ هذه العُقُوبةَ لم تَنزِل إلّا نَتِيجةَ إهمالي وفُتُوري في الخِدمة، لأنَّني كنتُ كلما ساقَني مَقصَدٌ إلى الغفلة، أَتلقَّى صفعةً بعكس هذا المقصد.
ثمَّ بَدَأْنا بالتدقيق في صفعات الشفقة التي تلقَّاها سائرُ إخواني المخلصين، فوجدنا أنهم مثلي تمامًا: متى أهملوا الخدمة لأجل مقصدٍ معين، فإنهم يتلقَّون صفعةً بضِدِّ ما كانُوا يَقصِدُونه، لِذا حصَلَت لدينا القناعةُ أن تلك الحوادث إنَّما هي كَرامةٌ من كرامات الخدمة القرآنية.
مثلًا: حين كنت یی أنا السعيد المسكين یی منشغلًا بدروس الحقائق القرآنية في مدينة "وان"، لم تتعرَّض لي الحكومة التي تساوِرُها الأوهامُ والهواجس حينَها، ولم يستطيعوا إيجادَ ثغرة للتعرُّض من أيِّ جهة، رغم وقوع حادثة "الشَّيخ سَعِيدٍ" وتفاقُمِها؛ ولكن ما إن قلتُ: "ما لي!"، وفكَّرتُ في نفسي فقط، وانزَوَيتُ في مكانٍ أشبهَ بمغارة مُهدَّمة في جبل "آراك" كي أُنقِذ آخرتي، إذا بي أُخرَجُ من داخل المغارة، وأُنفَى دونما سبب إلى ولاية "بُورْدُور".
— 466 —
وخلالَ مدّة إقامتي في هذه المدينة، وعملي في الخدمة القرآنية هنالك، كان المَنفيُّون يُراقَبون مراقبةً شديدة، وكان عليهم إثباتُ وجودِهم حُضُوريًّا في كلِّ ليلة، إلّا أنَّني وطُلّابي المُخلِصين استُثنينا من هذا الأمر، فلم أذهب يومًا لإثباتِ حضوري، ولم أتعرَّف أحدًا من موظَّفي الحكومة هنالك، حتَّى إنَّ الواليَ اشتكى من عمَلِنا هذا إلى "فَوزي باشا" حينما زار المدينة، فقال له فوزي باشا موصيًا: "احتَرِموه، ولا تتعرَّضوا له"! وإنَّ الذي أنطق "فوزي باشا" بهذا الكلام إنما هو شرفُ الخدمة القرآنية لا غير.. وحينما استَولَت عليَّ الرَّغبةُ في إنقاذ نفسي وإصلاحِ آخِرَتي، وفتَرتُ عن العمل القرآنيِّ بشكلٍ مُؤقَّت، تلقَّيتُ صفعةً بخلاف ما كنتُ أَقصِدُه وأَطلبُه، فنُفِيتُ من "بُورْدُور" إلى منفًى آخَر.. هو "إسبارْطة".
وأمّا في "إسبارْطة" فباشرتُ الخدمة أيضًا، إلا أنه بعد مُضيِّ عشرين يومًا نبَّهني بعضُ الجُبناء بالقول: "ربما لن ترضى الحكومة عن هذا الوضع! فلو صبرت وتريَّثتَ قليلًا لكان ذلك أفضل"، فتقوَّت لديَّ مرة أخرى فكرةُ التفكير بخاصّة نفسي، وتركتُ مقابلةَ الناس، وانسحبتُ من ميدان العمل، وطلبتُ ألا يزورني أحد؛ فجاء النَّفيُ مجدَّدًا إلى منفًى ثالث، وهو "بارلا".
وكنتُ في "بارلا" كلَّما أصابني الفتور في العمل، واستَولَت عليَّ فكرةُ الانشغالِ بخاصّة نفسي، تسلَّط عليَّ أحدُ ثعابين أهل الدنيا ومنافقيها؛ ويمكنُني أن أسرُد ثمانين حادثةً في ثماني سنوات قضيتُها في "بارلا"، أذكرُها لأنها جَرَت معي، ولكن خشيةَ المللِ أقتصِرُ على ما ذَكَرتُ.
إخواني، تحدَّثتُ عن صفعات الشفقة التي نزلت بي، وسأتحدَّث هنا عن التي حلَّت بكم إن أذنتم لي بذلك، فلا تتضايقوا مني؛ وأما من لا يرتضي الأمرَ فلن أصرِّح باسمه.
الثاني: شقيقي "عبد المجيد"، وهو من أوائل طلابي وأكثرهم سموًّا وتضحية.. كان يملك بيتًا جميلًا في "وان"، وكان يُزاول مهنة التدريس، وأحوالُه المعيشية على
— 467 —
ما يُرام؛ فعندَما استَوجَبَت خدمةُ القُرآن ذهابي إلى الحُدُود بعيدًا عن المدينة، إلّا أنَّه لم يُوافِق على الذَّهاب، وكأنَّه رَأَى أنَّ من الأفضلِ عدمَ ذهابي أنا كذلك، إذ قد يَشُوبُ العملَ للقرآن شيءٌ من الخلل والخوض في السِّياسة، ممّا يعرِّضُه للنَّفي، ولم يَشتَرِك معنا.. فتلقَّى صفعةَ رحمةٍ بخلافِ مقصودِه، إذ أُخرِج من المدينة وأُبعدَ عن منزله الجميل، وأُرغِم على الذَّهاب إلى "أرْغاني".
الثالث: "خُلُوصي"، وهو أحد الأعضاء البارزين في خدمة القرآن.. عندما ذهب من "أغيردِر" إلى مدينته، تَهيَّأت له الأسبابُ للتمتُّع بمَباهج الدُّنيا والتلذُّذِ بها، ممّا أدَّى به إلى شيء من الفتور في الخدمة القرآنية التي هي خدمةٌ أخروية خالصة، حيث التَقَى والدَيه اللَّذَينِ كان قد فارَقَهُما منذ زمن طويل، وعاد إلى مدينته وهو بكامل عزَّته، مُرتديًا بِزَّتَه العسكريّة ورُتبَه العالية، فبَدَتِ الدُّنيا له حُلْوةً خَضِرة.
والحال أن العامل في الخدمة الإيمانية لكي ينهض لأداء هذه الخدمة بإخلاص وجدية: إمّا أن يُعرِض عن الدُّنيا، أو تُعرِضَ الدُّنيا عنه.. ورغم أن قلب خلوصي ثابت لا يتزعزع، إلا أن هذه الأحوال قد دفَعَته إلى القليل من الفتور؛ فتلقَّى صفعةَ رحمةٍ على الفور، إذ تسلَّط عليه بعضُ المنافقين على مدى سنة أو سنتين، فسلبوه لذّةَ الدنيا، وأَعرَضت الدنيا عنه، وعزفت نفسُه عن الدنيا، وحينها استمسك بوظيفته المعنوية بجدٍّ ونشاط.
رابعهم: المهاجر الحافظ أحمد.. إذ يقول: أقرُّ بأنني أخطأتُ في اجتهادي في خدمة القرآن من منطلقٍ أُخرويٍّ فقط، وأَعقَب هذه الرغبةَ لديَّ حصولُ فتورٍ في الخدمة، فتلقَّيتُ صفعةً رحيمة رغمَ ما فيها من قُوّةٍ وشدّةٍ، وأرجو أن تكون كفارة للذَّنب؛ وهي على النحو التالي:
لم يكن أستاذنا يُوافِقُ على مُحدَثاتِ الأمور، وكنتُ أَؤُمُّ الناسَ في الجامعِ الذي بجوار مسكنه، وقد أقبَلَت الشُّهور الثلاثة، فإن أنا تركتُ الجامع فسوف أخسرُ الثوابَ الجزيل، وسيعتاد الأهالي على إهمال الصلاة؛ وإن لم ألتزم بالمُحدَثات الجديدة
— 468 —
فسأُوقَفُ عن الإمامة! فداخلَتْني رغبةٌ یی بحَسَب هذا الاجتهاد یی بأن يُغادر أستاذي الذي أحبُّه محبّةَ الرُّوح إلى قرية أخرى بشكل مؤقَّت، لكن ما كنتُ أعلم أنه لو غيَّر مكانَه وانتقل إلى مدينة أخرى فسيَحدُثُ فتورٌ في الخدمة القرآنية ولو بشكل مُؤقَّت! فتلقَّيتُ الصفعة في هذه الأثناء، وكانت صفعةً شديدة مع ما فيها من رأفة، لدرجة أنني لم أستفق من هولها ولم أَعُد إلى رشدي منذ ثلاثة أشهر.
على أنِّي لا أقطع أملي في سعة الرحمة الإلٰهيّة بأن تُجعلَ كلُّ دقيقة من دقائق هذه المصيبة بمثابة عبادةِ يوم كامل، كما أخبرني أستاذي بما ألهَمَه اللهُ، فلِلَّه الحمد.. حيث إنَّ هذا الخطأ لم يصدر منِّي بنوايا مبيَّتة، وإنما من مُنطلَق التفكير بالآخرة فقط.
خامسهم: حقِّي أفندي.. ولعدم وجوده هنا فسأنوب عنه أيضًا كما فعلتُ مع خلوصي: عندما كان حقي أفندي يؤدِّي وظيفته طالبًا في الخدمة بحقٍّ ووفاء، عُيِّن هنا "قائمَّقام" جديد وعديم الأخلاق، فقرَّر حقي أفندي أن يُخبِّئ ما لديه من مكتوبات كيلا يَلحَقَ الضَّررُ به وبأستاذه، وتَرَك الخدمة النورية مُؤقَّتًا؛ وإذا بصفعةِ رحمةٍ تُفاجئُه برفع دعوى بحقِّه، تقضي بدفعِه ألفَ ليرة لينال البراءة، وظلَّ تحت وطأة هذا التهديد طَوالَ سنةٍ كاملةٍ، حتى رجع إلينا وباشر بأداء وظيفة الطالب، فرُفِع عنه الحُكم، وصدر قرارُ براءته.
بعدها فُتِح أَمامَ الطُّلّابِ مَيدانُ عَمَلٍ جَدِيد، وهو كتابةُ القرآن وفق الطِّراز الجديد، وأُعطي "حقي أفندي" حصّةً من تلك الوظيفة، فأَجادَ القِيامَ بما كُلِّف، وكَتَب جُزءًا كاملًا من القُرآن الكريم أَحسَنَ كِتابة، إلّا أنَّ همومَ العيش ألجَأَته للانصراف إلى العمل، وعدَّ نفسه بذلك في حالة اضطرار، فبدأ يُزاوِلُ العملَ سرًّا كوكيلٍ للدَّعاوى أمامَ المحاكم؛ وإذا به يتلقَّى صفعةَ رحمة أخرى بشكل مفاجئ، فكُسِرت أُصبعه التي كان يُمسِك بها القلم! فتلقَّى تنبيهًا مُفاده: "إنَّ إصبعك تلك التي تغمسُها في وكالة الدعوى لا يليق أن تكتب القرآن"، وكنا حائرين أمامَ ما نَزَل بأصبعه من مُصاب، إذ ما كنّا نعلم
— 469 —
بأمر اشتغالِه في تلك الوظيفة؛ وبعد ذلك أدركنا أنَّ الخدمة القرآنية المُقدَّسة الصّافية النَّقية لا ترضى أن تُشارِك الأصابعُ الخاصّة بها في أعمال أُخرى.
وعلى كل حال، لقد وَضَعتُ نَفسِي موضعَ "خُلُوصِي"، وتحدَّثتُ نيابةً عنه؛ و"حقي أفندي" مثله تمامًا.. فإن لم يَرْضَ بوكالتي عنه فليتحدَّث عن صَفعَته بنفسه.
سادسهم: بكر أفندي.. وسأَتَولَّى مُهِمّةَ الكلامِ عنه لِعدمِ حُضُورِه معنا مِثلَما فعلتُ مع أخي عبد المجيد، اعتمادًا على صداقته والثقة به، واستنادًا لِلمعلومات والأخبار التي نقلها أصحابي الخواصُّ أمثال الحافظ الشامي وسليمان أفندي:
تولَّى "بكر أفندي" مهمّةَ طباعة "الكلمة العاشرة"، ثمَّ أرسلنا له "الكلمة الخامسة والعشرين" التي تتحدَّث عن إعجاز القرآن لأجل طباعتها أيضًا، وذلك قبل صدور الأحرف اللاتينية، وذكرنا له في الرسالة بأننا سنُرسل ثمنَ طباعة هذه الكلمة كما فعلنا مع "الكلمة العاشرة"؛ إلا أن بكر أفندي حين لاحظ أن تكاليف الطباعة حوالي (٤٠٠) ليرة ورقية، تذكَّر حالي وفقري، وأنَّه إن دفع المالَ من حسابه فقد لا أرتضي ذلك، فخدعَتْه نفسُه من هذه الجهة، ولم يقم بطباعة الكلمة، فلَحِق بالخدمة القرآنية ضررٌ بالغ نتيجةَ ذلك؛ وبعد مرور شهرين سُرق منه مبلغ (٩٠٠) ليرة، فتلقَّى بذلك صفعةَ رحمةٍ شديدة، وإنَّ هذا المال الذي فقَدَه هو بمثابة صدقة عنه إن شاء الله تعالى.
سابعهم: "الحافظ توفيق الشامي".. يقول: أعترف بأنني تلقَّيتُ صفعتَيْ رحمةٍ نتيجة تصرُّفات صدَرَت مني أدَّت بي إلى الفتور في الخدمة القرآنية، وذلك إمّا لجهلٍ منِّي، أو نتيجةَ تفكيري الخطأ؛ وأيقنتُ أن هاتين الصَّفعتَينِ إنَّما جاءتا من تلك الجهة.
الأولى: لقد أنعم اللهُ عليَّ بحُسن كتابة الحروف العربية، وبخط جميل في كتابة القرآن الكريم، وحين قسَّم أستاذي القرآن على زملائي لأجل كتابته، كان نصيبي ثلاثةَ أجزاء؛ إلا أنَّ شوقي ولهفتي لكتابة هذا المصحف تسبَّبا بحصول فتورٍ في خدمة تبييض الرسائل وكتابة مسوَّداتها، كما أصابني شيءٌ من الغرور، إذ كنتُ أجزم بأنِّي
— 470 —
سأتفوَّق على سائر أصحابي الذين لا يجيدون الكتابة بالخطِّ العربيّ؛ حتَّى إنَّه عندما أراد الأستاذُ إرشادي إلى أُمورٍ تَخُصُّ الكتابةَ العربيّة، قلتُ له: "هذا الأمرُ يعودُ لي"، وتابعتُ قولي بغرور: "أنا أعرف ذلك، فلا حاجةَ لتعلُّمي الدروس!"، فتلقَّيتُ صفعةً فوق المعتاد لا تخطر بالبال نتيجة خطئي هذا، فلم أتمكَّن من اللَّحاق حتى بالأخ خسرو الذي أتفوَّقُ عليه خبرةً في الخطِّ العربي! وقد تعجَّبتُ من ذلك ووقعتُ في حَيرة! لكنِّي أدركتُ الآن أنها كانت صفعةَ رحمة.
الثانية: كان لديَّ حالتانِ تُخِلّانِ بصفاء العملِ في الخدمة القرآنية، وفي إخلاصه لوجه الله تعالى، فتلقَّيتُ بسبب ذلك صفعةً قويّة، وهاتان الحالتان:
كُنتُ أَعُدُّ نَفسِي غَرِيبًا في هذه المدينة، بل كُنتُ غَرِيبًا بحقٍّ؛ وابتُليتُ بالفقر یی أسأل الله ألّا يكون من باب الشَّكوى یی ولعدمِ رعايتي لأهمِّ دساتيرِ الأستاذ: (الاقتصاد والقناعة)، اضطُرِرتُ للاختلاط بأُناس مغرورين لا يفكِّرون إلا بأنفسهم، فتعلَّمتُ منهم الرياء والإعجابَ بالنفس؛ وكان أستاذي كثيرًا ما ينبِّهُني ويُوقظني، وينتقدُني في بعض الأحيان، لكن للأسف لم أتمكَّن من إنقاذ نفسي! أسأل الله عفوَه ومغفرتَه..
فكان أن استغلَّ شياطينُ الجن والإنس حالتي هذه التي تُنافي روحَ خدمة القرآن الحكيم، وتُورِثُ السَّآمةَ والفتور في خدمتنا؛ وأمام تقصيري هذا تلقَّيتُ صفعةً قوية، إلا أنها كانت صفعةَ رحمة إن شاء الله؛ فأَيقَنتُ بما لا يَدَعُ مجالًا للشَّكِّ أنَّ هذه الصفعة إنَّما وُجِّهت بسبب هذا التقصير.
وهذه الصفعة هي: رغم أنِّي بقيتُ طوالَ ثمانية أعوام موضعَ خطابِ الأستاذِ وكاتبَ مُسَوَّداتِ رسائلِه والمكلَّفَ بتبييضها؛ إلا أنني لم أتمكَّن من الاستفادة من الأنوار مقدارَ ما يتحصَّل في ثمانية أشهر؛ فكنتُ أنا والأستاذُ حائرَينِ إزاء هذه الحالة، وشرعنا نتحرَّى أسبابَها!! أمّا الآن فقد علمنا عِلمًا جازِمًا أنَّ تلك الحَقائِقَ إنَّما هي نُورٌ